الرئيسية || من نحن || || اتصل بنا

 

عبداللطيف السعدون

  *كاتب عراقي، ماجستير علاقات دولية من جامعة كالجري – كندا،

 شغل وظائف إعلامية ودبلوماسية. رأس تحرير مجلة "المثقف العربي"

 وعمل مدرسا في كلية الاعلام، وشارك في مؤتمرات عربية ودولية. صدر من ترجمته كتاب "مذكرات أمريكيتين في مضارب شمر"

يكتب مقالا اسبوعيا في (العربي الجديد) لندن

لمن الغلبة .. للصدر أم للمليشيات؟

عبداللطيف السعدون

 

من مؤسّس أول مليشيا طائفية في العراق بعد الاحتلال، فتكت بآلافٍ من أبناء الطائفة الأخرى، وبمئات الأكاديميين والمهنيين والعسكريين، إلى صاحب مشروع وطني مناهض للطائفية، وداع إلى حل المليشيات وتسليم سلاحها إلى الدولة، وتصفية "الحشد الشعبي" من العناصر غير المنضبطة، ومن متوافق مع طروحات "دولة الولي الفقيه"، وساع إلى ترويج العلاقة الحميمية معها، إلى ناء بنفسه عن طروحاتها، ورافض تدخلاتها في الشؤون الداخلية للعراق، ومن مشاركٍ في السلطة عبر ممثليه، وبينهم من هو متهم بممارسات فساد، إلى مناشدٍ للكيانات السياسية بعدم التستر على الفاسدين، وإحالتهم إلى القضاء للاقتصاص منهم مهما كانت مواقعهم أو ارتباطاتهم، ومن مترفّع عن طلب الولاية لنفسه إلى ساعٍ للحصول عليها بأي ثمن.

ذلك هو زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، رجل التقلبات والمتناقضات والألقاب العديدة التي يسبغها على نفسه، ومالئ الدنيا وشاغل الناس كلما عنّ له ذلك، والذي يبدو أن 18 عاما كانت كافيةً لتنقله من موقع المتمسك بالعملية السياسية الطائفية المدافع عنها إلى اللاعب المتمرّد عليها وعلى قواعدها، وقد أسعفته شعبويته بين فقراء الشيعة الذين يعتقدون فيه حاملا راية الطريق نحو دولة المهدي في إطلاق مبادرته أخيرا لتغيير المشهد السياسي بأكمله، مستمدّا حركته اللافتة هذه من "فائض قوة" جناه عبر الانتخابات النيابية أخيرا التي ضمنت له 73 مقعدا، بما يمثل ضعف المقاعد التي أحرزها خصمه اللدود زعيم حزب الدعوة، نوري المالكي، وأهلته لموقع اللاعب الأول في "العملية السياسية"، ومكّنته من تغيير "قواعد الاشتباك" وقيادة "انقلاب" سياسي، إذا ما قدّر له أن ينجح في إرساء دعائمه، فسوف يكون قد حقق إنجازا وطنيا يُحسب له، وإن كانت ثمة دلائل تفيد بأنه قد لا يكون قادرا على التقدّم بمشروعه "الوطني" الذي روّجه، وقد يتراجع عن وعوده كما فعل أكثر من مرّة. وبحسب ماكيافيلي، لا يحتاج السياسي أسبابا مشروعة ليحنث بوعده، خصوصا بعد أن أدرك خصومه من زعماء المليشيات والكيانات الخاسرة أنهم أصبحوا في دائرة الاستهداف، وأن الخطر يحيق بهم. ولذلك جمعوا أنفسهم في ما سمّوه "الإطار التنسيقي"، واستلوا سيوفهم، وهدّدوا بالإجهاز عليه وعلى مشروعه، إن لم ينصع لدعوتهم له، وينضوي معهم. وهم في ذلك يحاولون أن يداروا خسارتهم الفاضحة في الانتخابات، وتخلّي كثيرين عنهم بمزيد من الإنكار والعنجهية والاستقواء بالسلاح، وصولا إلى إخضاع خصومهم.

السؤال المطروح على أكثر من طاولة: أيهما يمكنه جرّ الحبل إلى ناحيته، مقتدى الصدر أم المليشيات، وأيهما سوف تكون له الغلبة، وقد أوشكت اللحمة بينهما أن تنفصم، بعد فشل جهود البحث عن تسويةٍ قامت بها طهران. وكان قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، قد أخذ دور "فاعل الخير"، وحاول لملمة الأمور، والدفع باتجاه إعادة إنتاج "العملية السياسية" القائمة، لكنه فشل في ذلك، ورجع إلى طهران ترافقه الخيبة. وهذا ما دفع الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، إلى الاتصال شخصيا برئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، والطلب منه "الوصول إلى حل قانوني وشفاف"، في عقدة نتائج الانتخابات التي ما تزال موضع خلاف.

ثمّة جزء آخر من المشهد، تتنازعه قوتان، الولايات المتحدة وإيران، يزيد الأمر تعقيدا وتأزما، حيث أعلن الأميركيون أن أكثر من ألفي جندي سوف يظلون في العراق في دور استشارة وتمكين ومساعدة، وسيقومون أيضا بأية مهمات أخرى، إذا ما طلب العراقيون منهم ذلك. وردّت المليشيات بالتهديد بأنها ستطلق عملياتها ضد الأميركيين مع نهاية العام، وهو الموعد المحدّد للانسحاب الأميركي، وزادت بدعوتها العراقيين إلى التطوع في صفوفها، استعدادا لما أسمتها "المواجهة الحاسمة" مع الأميركيين. وهذا العرض للقوة تقف وراءه إيران التي تهيمن على فصائل المليشيات، حتى تلك التي ترفع راية "الحشد الشعبي"، ما يتيح لها تحريكها في الوقت الذي تشاء، وضد أي طرفٍ خصمٍ لها.

هذا يعني أن العراق لن يتمتع بحال هدوء واستقرار لزمن أطول مما يتراءى لنا. وفي كل الأحوال، يظل المشهد محكوما بحالة سيولة متأرجحة بين دولٍ وقوى وأطرافٍ ليس بينها من يحرص على الدفاع عن العراق وحماية العراقيين، وهذه هي العقدة التي لم تجد من يحلّها بعد.

 

 

سياسيو العراق

عندما يلعبون "الشوملي"

عبداللطيف السعدون

 

ذكّرتني التوترات الناشبة بين أطراف "العملية السياسية" في العراق بحكاية شعبية عن خصام بين اثنين من الرعاة على ملكية عصا تستخدم في رعي البقر، يطلق عليها اسم "الشومة". وكلّ منهما يزعم أنّها ملكه، ويكرر صيحة "الشومة لي" وقد اندمجت الكلمتان بفعل تقادم الزمن لتصبحا كلمة واحدة. ومن هنا جاءت تسمية مدينة الشوملي في محافظة بابل التي يقال إنها شهدت الواقعة أيام زمان. وتضيف الحكاية أنّ كلّاً من الطرفين جمع أنصاره، وشرع يقدّم أدلته على ملكيته، حتى ضاق متابعو الخلاف ذرعاً بما يحدث أمامهم، وطلبوا من شيخ العشيرة التدخل لإيجاد حل، وعندما عجز نصح أتباعه أن يدعوا الطرفين يتخاصمان، وألّا يزجّوا أنفسهم في المشكلة، لأن النتيجة بالنسبة لهم واحدة، ربح هذا الطرف أم ذاك.

ومشكلة العراقيين مع ساستهم من زعماء المليشيات وقادة الكيانات السياسية هي مشكلة أبناء العشيرة مع طرفي الخصام في الحكاية الشعبية، إذ إنّ كلّاً من هؤلاء السياسيين يسعى إلى مواصلة الاستحواذ على السلطة والمال والقرار، فيما يتفرّج مواطنوهم على اللعبة الماثلة أمامهم، والتي ستكون نتيجتها واحدة، انتصر هذا الطرف أو ذاك، وسوف يظل العراقيون يبحثون عن شربة ماء وحبة دواء وفسحة أمن وأمان، حتى يقضي الله أمراً.

وإذ احتكم أولئك الزعماء والقادة إلى "صناديق الاقتراع" وفق ما تقتضيه اللعبة الديمقراطية التي يزعمون إيمانهم بها، فإنهم عندما شعروا، عند ظهور النتائج، أنّ حسابات الحقل لا تطابق حسابات البيدر، وأنّ الأمر قد يجرّ إلى خسارة سلطتهم، ومحاسبتهم عما جنته أيديهم عقدين، تنكّروا لما وعدوا به واستلوا سيوفهم وراحوا يضربون يميناً وشمالاً، ويتبادلون الاتهامات والتهديدات بالقتل والتصفية بعضهم لبعضهم الآخر. وفي هذا السياق، لم يتورّعوا عن تدبير محاولة لاغتيال رئيس الحكومة، مصطفى الكاظمي، لينفضح هذا النمط من السياسيين الذين ساقتهم الولايات المتحدة من الأزقة الخلفية لدول الغرب والجوار، حيث كانوا "يجاهدون" لتقذف بهم في عاصمة الرشيد، كي يحكموا بلداً عمر حضارته أكثر من ستة آلاف سنة، وقد فقدوا الآن أعصابهم لمجرّد خسارتهم بعض المقاعد في الانتخابات البرلمانية التي أرادوا منها أن تعيد إنتاج سلطتهم على نحوٍ يرضي أحلامهم، وكشفوا عن إيمانهم المزعوم بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وحتى عن عدم احترامهم للدستور الذي فصله على مقاسهم الأميركي نوح فيلدمان.

لحقت بكل هذه التداعيات، وكمحصلة طبيعية لها، حالة استعصاء قد تقود إلى العجز عن إنضاج عملية تشكيل حكومة فاعلة في وقت قصير، علق عليها ابعضهم ممن يُحسنون الظن بالأيام آمالهم الموؤودة.

ويدور الصراع الآن بين ما يسمّونه "الاطار التنسيقي"، وهذا يضم زعماء المليشيات والمصطفّين معهم الذي يسعون إلى إعادة انتاج "العملية السياسية" التي حكموا البلاد من خلالها طيلة السنين الماضية وقيام "حكومة توافقية" تعتمد المحاصصة الطائفية وتحافظ على امتيازاتهم وأرباحهم، و"التيار الصدري" الذي يدعو إلى تشكيل "حكومة أغلبية"، باعتباره الطرف الذي أحرز النسبة الأعلى من المقاعد في الانتخابات. ويعِد مقتدى الصدر زعيم التيار المساندين له بأنها ستكون "حكومة وطنية" لا تعتمد المحاصصة، وبأن يكون لها برنامج إصلاحي يركّز على محاربة الفساد، وتوفير الخدمات العامة، ورفض التدخلات الخارجية، ووضع السلاح بيد الدولة. ويبدو أن التوفيق بين الرؤيتين أصبح غير ممكن، في الحال الحاضر على الأقل. يُضاف إلى ذلك أن إيران، الراعية للأحزاب الشيعية، ليست في وضع يسمح لها بالانحياز المعلن لمعسكر المليشيات لأسباب عديدة، كما أنها لا تريد أن تنفض يدها من "التيار الصدري"، على الرغم من طروحاته التي لا ترتاح لها، ولأنّ قراءتها له توحي بأنّه أخذ يحتل حيزاً أكبر في الفضاء السياسي، إذ عرض التوافق مع ممثلي السنة، كما استقطب عدداً من الفائزين في الانتخابات من المستقلين، وحتى ممن يقدّمون أنفسهم من ثوار تشرين (أكتوبر 2019)، الذين لا يجدون ضيراً من التحالف مع الصدريين، على قاعدة أن "ليس بالإمكان أفضل مما كان".

ومهما يكن، سوف تكون الأيام المقبلة حبلى بالمفاجآت التي قد تعيد الوضع إلى المربع الأول، وقد تتصاعد التوترات والصراعات، لتأخذ طابعاً أكثر حدّة، ربما يفضي إلى استخدام السلاح، خصوصاً أنّ فصائل المليشيات ومعظم الكيانات السياسية تضع في أيديها مختلف أنواع السلاح، ومن ضمنه السلاح الثقيل، إلى درجة أنّ لدى بعضها طائرات مسيرة وصواريخ زودتها بها إيران، لاستخدامها عند الضرورة، وهذا ما يخشاه كثيرون.

 

 

حاشية في تداعيات

"الفرصة الأخيرة" للعراق

عبداللطيف السعدون

 

عندما يبارك الإيرانيون الانتخابات البرلمانية العراقية، ويعتبرونها "استمرارا للمسيرة الديمقراطية في العراق"، ويصفون ما أثير بعدها من جدل ومماحكات بين الكتل والأحزاب المشاركة فيها بأنه "شأن داخلي يخص شعب وأحزاب هذا البلد"، فهذا يعني أن العراقيين سيواجهون عواصف سياسية هوجاء، قد لا ينجو من مقاديرها أحد، وأن الإيرانيين لا يريدون أن يكونوا في الواجهة، ما دامت عقدة "الملف النووي" لم تحسم بعد. ولذلك تراهم يمارسون في طرح مواقفهم مما يجري لعبة "التقية"، تاركين لوكلائهم المحليين فعل المقتضى، بعكس ما كانوا يعلنونه في فترة سابقة، عندما كان رجلهم القوي، قاسم سليماني، يتحكّم في الملف العراقي، وفي حينها لم يتورّع عن التبجح بأنه وراء إنشاء "الحشد الشعبي" للدفاع عن بلاده. وواضح أنهم، في ظل الظروف المعقدة التي تحيط بهم، ليسوا على عجلة من الوصول الى هدفهم الأخير في إحكام هيمنتهم على العراق، وربما إعلانه ولايةً من ولايات "الولي الفقيه" كما يحلم بعضهم، إنما "رويدا رويدا وتتحوّل خيوط الصوف إلى سجادة" بحسب المثل الفارسي.

وقد رأينا مقدّمات تلك العواصف في تظاهرات "الفرصة الأخيرة" التي طوّقت "المنطقة الخضراء"، والتي نظمتها المليشيات "الولائية"، وأرادت منها إشعال النار في نتائج الانتخابات، وإسقاط حكومة مصطفى الكاظمي التي اتهمتها بتزوير نتائج الانتخابات، وسرقة أصوات الآلاف من الناخبين لصالح خصومها، وصولا إلى محاولة اغتيال الكاظمي، بعد ساعات من تهديد زعماء المليشيات علنا بتصفيته، ما يؤكّد النية السوداء لإدامة حالة عدم الاستقرار في العراق، بما يخدم توجّهات إيران في الإقليم، ويضمن لها بقاءها قوة مهيمنة على العراق، وساعية إلى توسيع هذه الهيمنة، كي تشمل دولا أخرى في محيطه.

ليس الإيرانيون على عجلة من الوصول الى هدفهم الأخير في إحكام هيمنتهم على العراق، وربما إعلانه ولايةً من ولايات "الولي الفقيه" كما يحلم بعضهم

وعبرت تظاهرات "الفرصة الأخيرة" في وجهها الآخر عن حالة إحباط ونكوص، عانى منها معسكر المليشيات، إثر خسارته المدوية في الانتخابات، وبعد أن انعقد ما يقترب أن يكون إجماعا عاما لدى العراقيين على رفض الهيمنة الإيرانية، والنظر الى "المليشيات" طابورا خامسا يخدم المشروع العرقي الفارسي، المتخفّي وراء الشعارات المذهبية. وزاد من حقدها ارتفاع صيحات ثوار تشرين أن "إيران برّه.. برّه"، ودفعها إلى الولوغ بدماء الثوار، والسعي إلى إسكات أصواتهم على النحو الذي عرفه العراقيون في العامين الماضيين.

وثمّة مفارقة برزت في هذه التظاهرات تدعم ما طرحه في السابق معنيون بالوضع العراقي، وهي اصطفاف "الحشد الشعبي" الذي يفترض أن يكون جزءا من القوات المسلحة العراقية إلى جانب "المليشيات الولائية"، ومشاركته بتظاهرات "الفرصة الأخيرة"، وتنديده بالقائد العام للقوات المسلحة، والتوعد بتصفيته، ما يشكّل خرقا للقوانين العسكرية يستوجب العقوبة، ويعزّز الانطباع القائل إن "الحشد" الذي أخذ أكبر من حجمه ليس سوى أداة في خدمة مخطّطات معادية للهوية العراقية وللأهداف الوطنية. ومفارقة ثانية، تبنّي مسؤولين في الحكومة، وفي كتل وأحزاب قائمة، تلك التظاهرات التي خرجت عن الإجماع الوطني بشعاراتها الطائفية، وبترويجها لغة العنف غير المبرّر.

وفي التداعيات أيضا محاولة بعض قيادات الجماعة السياسية الحاكمة النأي بأنفسهم عن محاولة الاغتيال، وقد كانوا إلى حد آخر ساعة يهدّدون بتصفية الكاظمي واثنين من مساعديه، لكنهم ما لبثوا أن استداروا مئة وثمانين درجة بعد فشل المحاولة، داعين إلى ضبط النفس وعدم الانجرار إلى الفتنة.

ثمّة صراعات بدأت تظهر إلى العلن بين الأطراف المختلفة في العراق، ربما تجعل الوضع العام قلقا ومفتوحا على كل الاحتمالات

وهكذا فشل "سيناريو" الإقصاء والتصفية الذي أرادته المليشيات للكاظمي، وأدّى إلى عكس ما أرادوه، فقد سجل الكاظمي نقطة لصالحه، قد تخدمه في سعيه إلى تأمين حصوله على ولاية ثانية، وإن كان زعماء المليشيات سيعملون جهدهم للوقوف بوجهه. وبقدر ما انعكس فشل "السيناريو" الماثل على حظوظ المليشيات في استئثارها بموقع القوة والنفوذ الذي اعتادت التعامل من خلاله مع الآخرين، فإنه سوف ينعكس أيضا داخل "العملية السياسية" الماثلة نفسها التي تريد الجماعة الحاكمة إعادة إنتاجها. وثمّة صراعات بدأت تظهر إلى العلن بين الأطراف المختلفة، ربما تجعل الوضع العام قلقا ومفتوحا على كل الاحتمالات، وقد يدفع قوى إقليمية ودولية إلى التدخل لتأمين موطئ قدم لها في بلدٍ يحوي من عوامل الجذب الكثير.

يبقى السؤال الذي ننتظر الإجابة العملية عنه: كيف سيتصرّف الكاظمي تجاه المليشيات هذه المرّة، وهل سيكون حازما في اتخاذ ما ينبغي بعد أن وضح الدور الشرير الذي لعبته في محاولتها إغراق العراق بالدم، وبعد أن حصل على هذا الدعم الدولي الواسع الذي لم يسبق لحكومة سابقة عليه أن تناله؟

 

 

 

حاشية في انقلاب السودان

عبداللطيف السعدون

 

حكى الحاكم العسكري للسودان، عبد الفتاح البرهان، في مقابلة له على التلفزيون ذات مرة، أن أمه كانت قد قرأت له حظه وبشّرته بأنه سيصبح يوما رئيسا للبلاد. وقد دفعته، على ما يبدو، هذه "البشرى" إلى استعجال وصوله إلى سدّة الرئاسة، منقضّاً على رفاقه في السلطة الذين جاءت بهم قوى إعلان الحرية والتغيير، وملغيا المؤسسات التي أقرّها "الإعلان الدستوري" ومتعهدا لمواطنيه بإكمال "التحوّل الديمقراطي" خلال سنتين، يعرف المجرّبون أنها ستطول إلى ما شاء الله. بذلك يكون قد جمع السلطة من أطرافها ووضعها بين يديه، بعدما استنسخ تجربة سميه رئيس مصر، عبد الفتاح السيسي، وبعدها تجربة رئيس تونس، قيس سعيّد، و"مفيش حد أحسن من حد"!

وقد يكون البرهان، وهو في غمرة استعجاله، نسي أن لبلاده خبرة في الانقلابات العسكرية، إذ شهدت، منذ الاستقلال وعلى امتداد أكثر من ستة عقود، كومة من الانقلابات، بعضها نجح وبعضها فشل، وتكاد كلها تحمل "الروزنامة" نفسها التي جاء بها البرهان. وعلى الرغم من هذه الخبرة العريضة، فإن أحدا من "العساكر" الكبار الذين خطّطوا لتلك الانقلابات أو وقفوا وراءها لم يتورّع عن التنكّر لوعوده والتنمّر على من جاء به إلى السلطة، وبقيت السودان في ظلهم تعاني من مشكلاتها المزمنة، الفقر والجوع والمرض، ولم يوفّق السودانيون في نيل حقوقهم في الحرية والديمقراطية والحكم العادل. ولذلك لم تتحقق عندهم القناعة بحكم العساكر عندهم، وهذا ما دفعهم إلى رفض انقلاب البرهان منذ يومه الأول، ونزلوا إلى الشوارع، معلنين العصيان المدني حتى رحيل الانقلابيين ووضع السلطة بيد قوى الائتلاف المدني.

رفض السودانيون انقلاب البرهان منذ يومه الأول، ونزلوا إلى الشوارع، معلنين العصيان المدني حتى رحيل الانقلابيين

الاستثناء الوحيد على تجربة "العساكر" السودانيين هي الفترة التي قضاها المشير عبد الرحمن سوار الذهب على رأس السلطة بعد "انتفاضة إبريل" منتصف الثمانينيات، ودامت سنة وافق على أن يمدّدها عشرين يوماً فقط بطلب من القادة السياسيين والنقابيين إلى حين إعلان نتائج الانتخابات وتسليم السلطة إلى حكومة منتخبة، وكان أصلا قد تردّد، في البداية، في قبول ترؤس السلطة، إلا أن الضغط الشعبي دفعه للاستجابة، ولم يشأ أن يتشبّث بالكرسي و"يبرمج" طريق البقاء رئيساً أبدياً، كما فعل آخرون في غير عاصمة عربية، ممن لم يكتفوا بما فعلوه، إنما ظلت عيونهم على أبنائهم كي يورّثوهم السلطة!

وفي ضوء هذه المعطيات، يستقرئ المرء بحذر ما يمكن أن يدور اليوم في ذهن عبد الفتاح البرهان الذي لا تخطر في باله فكرة الاقتداء بتجربة سوار الذهب، لسبب بسيط، افتقاره حنكة الرجل وحكمته، كما قد لا يفكّر في التراجع عما فعله، بعدما أوقع نفسه في مأزق، الخروج منه صعب والبقاء فيه أكثر صعوبة. لكنه في الحالين سوف يكتشف، ولو بعد حين، أنه يشبه من يضرب حائطاً صخرياً على أمل تحويله إلى باب، إذ إنّ الباب الوحيد الممكن فتحه بأمان هو في إعادة الحياة إلى التشكيلة الدستورية التي أجهز عليها، وتسليم السلطة لقوى الائتلاف، واعتزال "السياسة" التي لن تورّثه، لو أصرّ على خوض غمارها، إلّا الندم!

يدرك البرهان أنه يسير على أرضٍ رمليةٍ تهب عليها الرياح من جهاتها الأربع

وفي أيّ حال، وقع البرهان في وهمٍ ظن أنه سوف يعينه في التقدّم نحو ما يأمله، ويتوافق في هذا مع مساعده محمد حميدتي، قائد مليشيا الجنجويد التي أصبحت تعرف باسم "قوات الدعم السريع" الموازية للجيش النظامي، والذي يحظى بدعم أطراف خليجية لم تشأ أن ترمي بثقلها وراء الانقلاب في الظرف الحاضر على الأقل.

وقد يكون البرهان فكّر في أن بصمات أصابعه على اتفاق التطبيع مع إسرائيل التي ما تزال طرّية ستوفر له إمكانية البقاء في القمة. وربما فكّر أيضا أن الأميركيين سرعان ما سيعيدون النظر في موقفهم الرافض للانقلاب، عندما يطمئنون إلى استقرار سلطته وثباتها، خصوصا أن عوامل جيوبوليتيكية يتمتع بها السودان قد تخفّف من غلوائهم، وتدفعهم إلى الاقتراب من حكومة الخرطوم، وهذا ما فعلوه مع حكومة السيسي في مصر، إلى جانب استعداد البرهان لتلميع صورة انقلابه، والسعي إلى استقطاب عناصر مدنية تعينه على ذلك، وهذا ما نلاحظه في التلويح بإمكانية إعادة رئيس الوزراء، عبدالله حمدوك، إلى منصبه، وكذلك الوعد بإعلان تشكيلة وزارية قريباً

يبقى أن يدرك البرهان أنه يسير على أرضٍ رمليةٍ تهبّ عليها الرياح من جهاتها الأربع، وهذا ما يجعل كلّ الاحتمالات واردةً وفي أيّ وقت.

 

اللعبة في العراق لم تنتهِ بعد

عبداللطيف السعدون

 

يقود أي حدثٍ يتعلق بالانتخابات العراقية، حتى لو كان عابرا أو صغيرا، إلى العودة الى جذور اللعبة التي بدأت مع الغزو الأميركي للبلاد وامتدّت. وليس ثمّة أي مؤشّر على أنها سوف تنتهي في القريب، وكل الطروحات المتفائلة التي جاء بها ناشطون سياسيون أو محللون لا تعدو أن تكون مجرّد شطحات خائبة. وتكمن جذور اللعبة هذه في عاصمتين بينهما ما صنع الحدّاد، واشنطن وطهران. وبالطبع، تريدان إبقاء العراق عالقا على امتداد الطريق بينهما، ولكلّ منهما رؤيتها ومصالحها ومطامعها، كما لكل منهما طابورها الخامس الذي يعينها ويمحضها الولاء، ويسعى إلى أن يحقّق لها ما تبغيه.
وإذا كانت "السياسة" مثل رغيف خبزٍ مغموسٍ باللعنة، كما وصفها أحد المفكرين، فان المواطن العراقي مضطر لازدراده ولو ببطء. هكذا هو واقع الحال، وقد وضح أن الذين أعطوا أصواتهم في الانتخابات أخيرا، والذين شاءوا مقاطعتها على حد سواء، تلقوا الجواب: "تريد أرنبا خذ أرنبا، تريد غزالا خذ أرنبا". أكّدت ذلك ثيمة الاجتماعات واللقاءات التي انعقدت بحضور قادة "العملية السياسية"، بمن فيهم "المخلصون الكذبة" الذين ظهروا والبراءة المصطنعة في عيونهم، لكنهم كانوا في قرارة سرّهم يعضّون على النواجذ، كي يبقى الحال على ما هو عليه، وربما يصبح أكثر سوءا. ووضح أيضا أن "المرجعية الشيعية" التي وجّهت بعدم انتخاب من خضع للتجربة تراجعت، وهذا ما ظهر في تسلّق "مجرَّبين" عديدين إلى مقاعد البرلمان المقبل، وعلى حدّ ما نقله عارفون بما وراء الأكمة، فإن أسماء "مجرّبة" طُرحت، ليكون واحدٌ منها رئيسا للحكومة المقبلة، وهذا يعني أن لا جديد تحت الشمس في الزمن الحاضر على الأقل، والوقائع تفضح النوايا.

اتهم "وكلاء إيران" "مفوّضية الانتخابات" بتزويرها، بالتنسيق مع قوى خارجية، ونظّموا حركة احتجاجاتٍ وعصيانٍ

وكما توافقت واشنطن وطهران على دعم "العملية السياسية" وإسنادها طيلة السنوات الماضية، وكلٌّ له حساباته، فقد توافقتا أيضا على مباركة الانتخابات الأخيرة، والتهنئة بهذا "المنجز الديمقراطي". وذكّر الأميركيون أصدقاءهم العراقيين بالشراكة الاستراتيجية التي جمعت بينهم، والتي قنّنتها "اتفاقية الإطار الاستراتيجي"، فيما أكّد الإيرانيون أن العلاقة مع جيرانهم العراقيين "قلّ نظيرها في العالم"، كما حصلت "العملية السياسية" على جرعة دعمٍ جديدةٍ من مجلس الأمن.
وعلى النقيض مما أعطته هذه البيانات، بدا للجميع أن "وكلاء" إيران من قادة المليشيات ذهبوا صوب توجّه معاكس، عندما اتهموا "مفوّضية الانتخابات" بتزويرها، بالتنسيق مع قوى خارجية، ونظّموا حركة احتجاجاتٍ وعصيانٍ في بغداد ومحافظات أخرى، معبّرين بذلك عن نزقٍ سياسيٍّ يكمن وراءه شعور بالخطر، والخوف من فقدان سلطتهم، سرعان ما تُرجم في جملة مطالب مرتبكة ومحدودة الأفق، تراوحت بين تنحّي مصطفي الكاظمي عن رئاسة الحكومة ومحاكمته، (وإحلال فائق زيدان رئيس الجهاز القضائي محله، على أن يجري انتخابات خلال ستة أشهر، بأمل إيصال أكبر عدد من مرشّحي المليشيات الى البرلمان) والاكتفاء بمحاكمة أعضاء مفوضية الانتخابات، المتهمين بالتزوير وإعادة الأصوات "المحجوبة" الداعمة لبعضهم. وأصاب الخبل بعضهم حد التهديد بقصف دولة الامارات بالصواريخ، لتدخلها في الانتخابات (!)، وقد وقفوا على أبواب "المنطقة الخضراء" لفرض تنفيذ "السيناريو" الذي رسموه، والذي هناك من اعتبره بدايةً لإسقاط الدولة، ووضع القرار السياسي بيد المليشيات، وهذا ما تعوّل عليه طهران كثيرا، على الرغم من موقفها المعلن في بيان التهنئة والتبريك الذي انكشف كونه نوعا من ممارسة "التقية" والتظاهر بعكس ما تريده. وعلى أية حال، فقد قوبلت تلك الطروحات من المواطنين العاديين بنوع من الإهمال والتجاهل، وربما التنديد أيضا، وهذا ما عكسه موقف زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، الذي وصفها بأنها "تجرّ البلاد إلى الفوضى وتهدّد السلم الأهلي"!

زعمت قيادة هيئة الحشد الشعبي أنه لا يتدخل في الأمور السياسية، ومهمته "حماية النظام الديمقراطي" فقط

وفي خضم موجة ردود الأفعال المتشنّجة، بدت قيادة "الحشد الشعبي" على شيء من المكر عندما تنصلت من "السيناريوهات" المطروحة، إذ زعمت، بلسان رئيس هيئة الحشد الشعبي، فالح الفياض، أن الحشد لا يتدخل في الأمور السياسية، ومهمته "حماية النظام الديمقراطي" فقط!
وهكذا تستمر اللعبة صعودا وهبوطا، ويستمرّ اللاعبون في إدارتها، وقد اكتسبوا الخبرة في تطويع من لم يطوّع بعد، ومن ورائهم قوى خارجية تهدف إلى حماية مصالحها، عن طريق إعادة إنتاج "العملية السياسية" الماثلة، والعمل على تدوير الزوايا بأقل قدرٍ ممكن من الخسائر، مع تجنّب خوض الصراعات بطريقة المواجهة المباشرة، وإن كان ما ينتج سيكلف العراق والعراقيين خسائر أكبر وأكثر حدّة، ويمدّ في عمر التجربة الهجينة القائمة أربع سنوات أخرى، وربما أكثر.

 

عندما يصبح

الصدر "صانع ملوك"

عبداللطيف السعدون

 

يريد زعيم تياره في العراق، مقتدى الصدر، أن يقنعنا بأن مهمة حكومته "الأبوية"، كما أسماها، هي تنفيذ البنود التي أطلقها في "خطاب النصر" عشية ظهور نتائج الانتخابات البرلمانية، ومعنى ذلك، لو صحّ، أنه سيشعل شمعةً في آخر النفق الطويل الذي عشنا في ظله عشرين عاماً. ولو فعل هذا حقاً يكون قد انتزع نفسه من غطاء إيران، ونأى بها عن "المليشيات" والأحزاب التي تدين بالولاء لولاية الفقيه، وتلتزم توجيهات طهران. لكن هل يفعلها الصدر، وهو "المجرَّب" مرّات، والمعروف بكثرة تناقضاته وسرعة تقلباته الزئبقية، والمشهور بإعلاناته الإصلاحية "الوطنية" التي يتحدّث عنها في الليل، ويتنصّل منها في النهار؟

ثم، هل يستطيع أن يطوي شعاره عن "تقوية الدين والمذهب"، وهو الشعار "الملغوم" الذي سعى إلى تكريسه عملياً منذ صنع، غداة الغزو الأميركي للبلاد، مليشيا "جيش المهدي" الطائفية التي ولغت بدماء مئاتٍ من علماء وأكاديميين ومهنيين وضباط الجيش السابق؟ ألا يحيلنا هذا الشعار إلى رؤية دينية - مذهبية ضيقة، تُنكر الآخر وتكفّره وترفض حقه في الاختيار. و"الآخر" في العراق متنوّع بحكم طبيعة البلاد التاريخية والجغرافية، وقد جمع الهويات الثانوية المختلفة وطن واحد وهوية موحِّدة (بكسر الحاء)، واختزال هذا التنوع التاريخي في دين أو مذهب يعني "اختزال" الوطن وتقسيمه وتشظيته وإلغاء المواطنة الحرّة المتساوية، ويضع في خانة الخصوم المفترضين كل من يعتقد بدين أو مذهب آخر غير ما يعتقد به الصدر؟

يعد الصدر بتصدّي حكومته للفساد وللفاسدين، وتأكيده على "أننا سنزيح الفساد بدمائنا"، ولكن ماذا عن فساد وزراء التيار الصدري؟

ولكي نوصل الصدر إلى باب الدار، كما كان يقول أجدادنا، دعونا نقرأ بعض ما ورد في "خطاب النصر"... يبلغنا الصدر أنّ أحد أهداف حكومته القادمة حل المليشيات وحصر السلاح بيد الدولة، وهو أول من حاول أن يشرعن سلطة المليشيات بدايات الغزو الأميركي، إذ أنشأ "جيش المهدي" ثم "لواء اليوم الموعود" وبعدهما "سرايا السلام"، وصولاً إلى "القبّعات الزرق" التي فتكت بثوار تشرين، وقتلت وأصابت العشرات منهم، وفي كل مرّة، يظهر الصدر لينكر ما فعلته تلك المليشيات بالناس، ويلقي المسؤولية على بعضٍ من مقرّبيه ويبعدهم عن حظيرته، لكنه سرعان ما يعفو عنهم بعد حين، ويعيدهم إليها، كيف يمكننا أن نصدّق، إذاً، وعده لنا، وفي ذاكرتنا تلك المشاهد السوداء المخضّبة بالدم، أما كان بإمكانه أولاً أن يبرهن على ذلك عملياً، فيُقدم على حل مليشياته، ويضع أسلحته بيد الدولة؟

أيضاً، يذكّرنا الصدر بحكاية "هيبة الدولة"، معبّراً عن حرصه على إعادتها، وهو واحد ممن سقطت "هيبة الدولة" على أيديهم، وباتت في خبر كان، والشواهد أكثر من أن تُحصى.

وبعد هذا يعدنا بتصدّي حكومته للفساد وللفاسدين، وتأكيده على "أننا سنزيح الفساد بدمائنا"، وماذا عن فساد وزراء التيار الصدري، الصحّة والكهرباء على وجه الخصوص، وقد انتشرت رائحة الفساد في الوزارتين، ولدى هيئة النزاهة بخصوصهما عشرات الملفّات "النائمة" التي لا يمكن لأحدٍ إيقاظها سواه، وقد دعاه مرّة برلمانيون لأن يتحمّل مسؤوليته، فيحاسب وزراءه الذين تورّطوا في عقودٍ أضرّت بمواطنيه، كعقود الكهرباء والأدوية وسواها، لكنه فضّل عدم الرد، وهو يعرف أن "الهيئة الاقتصادية" التابعة لتياره هي التي تتعاقد وتساوم وتشتري وتبيع. وبالطبع، لتياره حصة الأسد، وللآخرين حصصهم بالضرورة!

يسعى مقتدى الصدر عبر "فائض القوة" إلى فرض هيمنته على الفضاء السياسي

هذا كله غيضٌ من فيض، ولا يستطيع مقتدى الصدر أن يُنكره أو يتجاهله، لكنه يغضّ الطرف عنه، منطلقاً من "فائض القوة" الذي كسبه نتيجة اختلال موازين القوى وبروز معادلاتٍ زائفةٍ فرضتها "العملية السياسية" التي اخترعها الأميركيون بعد الغزو واستثمرها الإيرانيون، وساهمت أيضاً في ذلك "شعبويّته" المصطنعة في أوساط فقراء الشيعة الذين ما زالوا بعد عشرين عاماً على ولادة "العراق الجديد" يبحثون عن مقوّمات عيشٍ كريمٍ يليق بالبشر في بلدٍ لا يوفّر لهم سوى مواكب اللطم، والوعد بظهور المهدي الذي يجيء ولا يجيء!

عبر "فائض القوة" هذا، يسعى الصدر إلى فرض هيمنته على الفضاء السياسي، جاعلاً من حميه الصدر الأول (محمد باقر) مرجعاً مقدّساً ليس لأسرة الصدر نفسها فحسب، ولا لفريقٍ من أبناء المذهب الشيعي، لكن للناس كلهم من آمن ومن لم يؤمن، ويتوكأ الصدر على تاريخ أسرته كي يكتسب القداسة التي يريدها ممتدّة له، والتي لا تسمح بخروج أحدٍ على طاعته، كما تكرّس الإيمان به زعيماً دينياً، وأيضاً زعيماً لحركة سياسية وصانعاً للملوك، والمهمة الأخيرة هي التي جنّد نفسه لها اليوم، فهل ينجح في أدائها أم يجد لنفسه مخرجاً في خطابٍ جديدٍ ينسف ما قبله؟

 

انتخابات العراق ..

إيران الرابح الأكبر

عبداللطيف السعدون

لم يقف العراق، منذ الغزو الأميركي، بعيدا عن جارته اللدود إيران، بل كان، على الدوام، متماهيا مع سياساتها، مذعنا لتوجيهاتها (اقرأ: أوامرها). وكانت من جانبها تطمع بأكثر من ذلك، وتسعى إلى أن يكون العراق تابعا لها، ولم تتردّد في إعلان رغبتها هذه، بل لم تكن تُنكر خططها الشرّيرة تلك، وقد اعتبرت بغداد إحدى عواصمهان كما كشفت متبجّحة أن "الحشد الشعبي" أحد الجيوش التي أنشأتها خارج حدودها الدولية، بهدف حمايتها والدفاع عن مشروعها الامبراطوري. وقد عملت بدأبٍ على استمالة كل رجال الطبقة الحاكمة، ووضعتهم في إمرتها، بمن فيهم من حاول أن ينأى عنها، لكنها استطاعت أن توقعه بشباكها إنْ بالترغيب أو بالترهيب، كما استخدمت الورقة الطائفية، كي تخدع الآلاف من البسطاء والسذّج من العراقيين، وتلحقهم بركابها.

واليوم وقد انقضى ما يقرب من عقدين على الغزو الأميركي للبلاد الذي ترافق مع الهيمنة الإيرانية المباشرة، وإذ يجرّ الأميركيون خيولهم لينسحبوا من أرض العراق، فإن الإيرانيين ينظرون إلى هذه الخطوة أنها نقطة تسجّل لصالحهم، في وقتٍ تشهد فيه انتفاضة/ ثورة تشرين حالة انكفاءٍ، على خلفية عدم تمكّنها من الحفاظ على زخمها الأول، على الرغم من أنها أعطت مئات الضحايا من شهداء وجرحى ومعوقين، وأن هدفها في "استعادة الوطن" استقطب فئاتٍ عريضةً من مواطنيها الذين اكتشفوا فيها ما يعبّد الطريق نحو الخلاص من الاحتلال والهيمنة.

تبلغنا الانتخابات البرلمانية التي جرت الأسبوع الحالي أن ليس في الإمكان التقدّم خطوة واحدة على طريق التغيير الشامل الذي أراده الثوار

وإنه لأمرٌ لافتٌ أن تبلغنا الانتخابات البرلمانية التي جرت الأسبوع الحالي أن ليس في الإمكان التقدّم خطوة واحدة على طريق التغيير الشامل الذي أراده الثوار، وقد آن الأوان للذين راهنوا على قدرتهم على الفعل، وشاركوا في لعبة "صناديق الاقتراع"، أن يدركوا أن "وكلاء" إيران ركبوا الموجة، وحوّلوا مطلب "الانتخابات المبكّرة" الشعبي إلى خطة عمل لإعادة إنتاج "العملية السياسية" التي جاء بها الأميركيون، مع بعض التشذيب الذي تتطلبه المرحلة، وكان أن هندسوا وخطّطوا وتابعوا وأشرفوا على "الطبخة الانتخابية"، كي يضمنوا بقاء سيطرتهم على مواقع السلطة والمال والقرار أربع سنوات أخرى، وقد جنّدوا أتباعهم ومريديهم كي يحكموا الطوق. وهكذا استطاعوا، وفي غياب مشروع وطني فاعل، أن يوصلوا إلى قبة البرلمان الوجوه الكالحة نفسها التي سامت مواطنيهم سوء العذاب، وحرمتهم من أبسط مقوّمات الحياة الكريمة، وباعت سيادة البلاد لقوى خارجية، على حساب استقلال البلاد وحرية أبنائها، وحقّقت "الصناديق" لإيران ما كانت تحلم به، وقد أصبحت "الرابح الأكبر" على حساب العراق والعراقيين.

وهكذا ضاقت النازلة واستحكمت حلقاتها، ولم يأتها الفرج، لا من هذا الطرف ولا من ذاك، ولم تعد لعبة "صناديق الاقتراع" ذات جدوى لحل أزمة النظام، ولتفكيك "العملية السياسية" التي استقوت بحكم الهيمنة الإيرانية على مؤسسات الدولة ومقادير الناس، وتأكّد نفاذ بصيرة "المقاطعين" الذين رأوا أن من المحال حدوث تغييرٍ في ظل المعادلات التي فرضها نظام الاحتلال والهيمنة.

التغيير المطلوب لن يأتي من تلقاء نفسه، وحتى أشكال التغيير التقليدية التي بشّرت بها "الأيديولوجيات"، فإنها لم تعد قابلةً للرهان

هنا يتكرّر طرح السؤال التاريخي البسيط: ما العمل اذن، وهل هناك ما يوحي بأن ضوءا، ولو خافتا، سوف ينبثق في آخر النفق، بما يمكن أن يشيع الأمل بأن التغيير قادم حتما، وإن طال انتظاره؟ ثمّة حقيقة لا تقبل النقاش، أن التغيير المطلوب لن يأتي من تلقاء نفسه، وحتى أشكال التغيير التقليدية التي بشّرت بها "الأيديولوجيات"، فإنها لم تعد قابلةً للرهان، والعمل المسلّح في بلد مثل العراق، وفي ظل أوضاع دائمة السيولة على المستويين، الإقليمي والدولي، لا يمكن أن يكون خيارا عمليا بعدما اختلط بمفهوم "الإرهاب"، وتوغلت امتداداته في حروب الطوائف. ولكن لنا أن نتعلّم من المفكر الباراغواني، إدوارد غاليانو، أن الأرض واعدةٌ دائما بأشكال وصيغ جديدة للتغيير لم نألفها من قبل، ولم تعرفها مخيلتنا قط، حيث "التاريخ يتقدّم مع خطو أقدامنا، لكنه يمشي أحيانا ببطء، وقد لا يأتي التغيير من أعلى، إنما قد يأتي من الأسفل، وسوف يجد طريقه عاجلا أو آجلا، وبالسرعة التي يرتئيها. إنه يولد على خطوات أقدامنا".

هكذا، إذن، يمكن أن يتغيّر العراق بشرط أن نضع خطواتنا بثباتٍ على الأرض، فالسماء لا تمنح بركاتها جزافا، والنازلة التي حلّت بنا واستحكمت حلقاتها، ولم يأتها الفرج، لا تزول بدعائنا فقط، إنما بعملنا أيضا، ولا يساعد الله الذين لا يساعدون أنفسهم.

 

 

عن "زوبعةٍ" لم تهدأ بعد

عبداللطيف السعدون

سبع مقاربات لافتة فرضت نفسها على خلفية مؤتمر أربيل الداعي إلى التطبيع مع إسرائيل تستدعي إمعان النظر. أولاها أن اثنين راودتهما فكرة هذا المؤتمر ووضعا خطّته، حيمي بيريس، ابن الرئيس الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريس، وهو يدير "مركز بيريس للسلام والابتكار" الذي أسسه والده بغرض "ضمان قيادة إسرائيل كقوة تكنولوجية ذات قيم (...) وبناء جسور السلام" وجوزيف برود، يهودي من أصل عراقي، يدير "مركز اتصالات السلام" ومقرّه نيويورك. طبخا فكرة المؤتمر، في ما يبدو، على نار هادئة، لم يصل دخانها سوى إلى من شارك فيه، و"أعلن بكل قوة وضمير أنه راغب في الدخول في إطار السلام الإبراهيمي، بما فيه السلام الشامل مع إسرائيل"، والتعبير لبرود نفسه. ومنطقيا، لم يعمل الرجلان وحدهما في التحضير لهذا المؤتمر، إذ من الطبيعي أن يكون هناك طرفٌ أو أطرافٌ عراقية فاعلة قد شاركت، لكنها فضّلت أن تبقى في الظل، في الوقت الحاضر على الأقل.

ومقاربة أخرى، أن المؤتمر رفع شعار "السلام والاسترداد"، وإذا كانت مقولة "السلام" معروفة المعنى والهدف، فان كلمة "الاسترداد" تشي بغموض مقصود لتغطية الدعوة الى التطبيع.

رفع المؤتمر شعار "السلام والاسترداد"، وإذا كانت مقولة "السلام" معروفة المعنى والهدف، فان كلمة "الاسترداد" تشي بغموض مقصود لتغطية الدعوة الى التطبيع

ومقاربة ثالثة، إعلان الناطقة باسم المؤتمر، سحر الطائي (باحثة في وزارة الثقافة)، وعلى نحو صارخ، أنه "لا يحق لأية قوة، سواء كانت محلية أم خارجية أن تمنعنا من إطلاق هذا النداء". والمعنى الذي يحمله هذا الصراخ أن جهة تشكّل مصدر قوة وفعل وحماية تقف وراء كل هؤلاء "المطبّعين"، وأن الأيام المقبلة ستكشف ما هو مستور الآن!

ومقاربة رابعة، ظهور أحد قادة "الصحوات" التي أنشأها الأميركيون في مواجهة المقاومة الشعبية للاحتلال في المؤتمر، وسام الحردان، ودعوته إلى "الانضمام إلى اتفاقات إبراهيم والتطبيع مع إسرائيل" وإعلانه تراجعه، في اليوم التالي، قائلا إن الكلمة التي ألقاها كتبت له، ولم يكن يعرف مضمونها، واصفا التطبيع بأنه "متروك للحكومة" وأنه يدعو فقط إلى إعادة الجنسية لليهود العراقيين التي سحبت منهم في حينه!

ومقاربة خامسة، في ظهور علامات استفهام تخصّ تورّط دولة الإمارات في دعم المؤتمر، ومشاركتها "الناعمة" في التحضير له. وبالطبع، إسرائيل هي الداعم الأكبر، ومعها الولايات المتحدة.

علامات استفهام حول تورّط دولة الإمارات في دعم المؤتمر، ومشاركتها "الناعمة" في التحضير له

والمقاربة الأخيرة التي قد تُجهض أية خطوة لاحقة يحلم بها الداعون إلى التطبيع هي ردود الأفعال على المستوى الشعبي، الرافضة والمستنكرة، والتي امتدت لتشمل مسؤولين حكوميين وسياسيين وقياديين في أحزاب السلطة وشيوخ عشائر، لكن موجة رفض "رجال السلطة" مرّت، في البداية، على استحياء، ثم تصاعدت وتيرتها بفعل الضغط الشعبي، متوعدة، وداعية إلى فرض عقوباتٍ على كل من خطّط أو شارك أو حضر. وعلى هامش موجة التنديد والشجب هذه، تبودلت الاتهامات بين هذا الطرف وذاك، ووصلت إلى حد أن نائبا سابقا فضح ما سماها "وثيقة"، قال إنها طرحت، في مؤتمر لندن السيئ الصيت الذي عقده معارضو صدّام حسين في العام 2002، تعهّد الموقعون عليها بتبنّي فكرة الصلح مع إسرائيل مقابل إقدام الولايات المتحدة على وضعهم على رأس النظام الجديد. وأورد أسماء 87 ناشطا معارضا، قال إنهم وقّعوا على الوثيقة، ومعترفا أنه كان واحدا منهم. ووجّه برلماني آخر اتهاما مباشرا لسياسيين قال إنهم زاروا إسرائيل، وبينهم من تعاقد على مشاريع استثمارية فيها، بحسبه.

وعلى أية حال، لنا أن نسجل "فضيلة" واحدة على الأقل لمؤتمر أربيل، أنه حفّز ناشطين سياسيين ومثقفين للعمل على عقد مؤتمر مضادّ يؤسّس لمنصةٍ تظل في حالة انعقاد دائم لمناهضة التطبيع، وإجهاض كلّ توجّه يهدف إلى الصلح مع العدو، والتضامن مع أبناء فلسطين الذين يناضلون من أجل تحرير أرضهم، كما كان مناسبةً لأن تستعيد الذاكرة ما سطّره العراقيون من صفحاتٍ على امتداد تاريخهم الحديث في دعم قضية فلسطين ومساندة أهلها.

وسواء أراد مرتكبو "زوبعة" التطبيع من العراقيين الحصول على رضا جهاتٍ تضمن لهم الربح "الحرام"، أو كان الهدف مجرّد جسّ نبض من بيده القرار، أو معرفة الشعور العام لدى الناس العاديين، فإنّ الجهات الفاعلة، صاحبة الفكرة والتخطيط، لن تتخلّى عما تريده بسهولة. ومن المتوقع أن تقدم على خطواتٍ أكبر وأكثر، وهذا ما أراد أن يقوله وزير التعاون الإقليمي في حكومة إسرائيل، عيساوي فريج، الذي قال، في تصريح لافت له، إنّ العراق سيكون الدولة التالية التي قد تطبّع علاقاتها مع تل أبيب.

هذا كلّه يستدعي الحذر والترقب.

 

 

عن "نكتة"

استرداد الأموال المنهوبة

عبداللطيف السعدون

ليس ثمّة غرابة في أن يثير "مؤتمر استرداد الأموال المنهوبة" الذي احتضنته بغداد قبل أيام كل هذا الفيض من التعليقات الساخرة، والنكات اللاذعة الطريفة، في مواقع التواصل، وعلى ألسنة العراقيين الذين وجدوا فيه مادة للتندّر وقضاء الوقت، وسط فصل طقس حار طال مكوثه عندهم، كما ليس ثمّة غرابة في أن يتصرّف "حيتان" الفساد الكبار، وكأن الأمر لا يعنيهم، إذ يتسابقون على الترحيب بالمؤتمر، وفي إزجاء طروحات وحلول لما يرونه مناسباً لأحوالهم ولذرّ الرماد في عيون "الحسّاد" الذين يلاحقونهم، ومنهم من حضر بعض جلساته، مصغياً ومتابعاً بحرارة، ومطمئناً لما يمكن أن يسفر عنه، في حين أن "المؤتمر" لم يكن أكثر من "نكتة" موسم طازجة بامتياز، وقد لحق بسلسلة مؤتمرات "علاقات عامة"، ابتكرها رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، جديدها "مؤتمر قمة بغداد لدول الجوار" الذي دخل التاريخ الميت، كما مؤتمرات قبله. ولكن فضيلة واحدة تظل لمؤتمر اليوم؛ أنه كشف حجم الأموال المنهوبة من العراق طوال عقدين، والتي قدّرها تقرير رسمي من داخل المؤتمر بثلاثمئة وستين ملياراً من الدولارات، فيما يقول خبراء ماليون معنيون إنها تصل إلى أكثر من تريليون دولار، وهو ما يساوي ميزانيات دول عديدة. ووصفت "تغريدة" ساخرة على موقع "تويتر" المؤتمر بأنه أحد إنجازين مهمين، اقترفهما الكاظمي في الأسبوع الأخير. الثاني اجتماعه المفاجئ مع المطرب حسام الرسام، حيث كلّف الأخير بإنجاز أغنية لدورة كرة القدم الخليجية التي تستضيفها البصرة العام المقبل.

أشكال مبتكرة لنهب المال العام لا يمكن رصدها أو التثبت من مجرياتها، كونها تعتمد على فتاوى "شرعية"

إشارة لافتة برزت في جلسات المؤتمر، وهي الإعلان عن نجاح هيئة النزاهة في استرداد ما يقرب من أربعين مليون دولار من الأموال المنهوبة، أي ما يساوي قطرة صغيرة في بحر هذه الأموال. ما يعني أن ما استردّ هو ما نهبته "حيتان" صغيرة لا حول لها ولا طول، أما "الحيتان" الكبيرة، وهي معروفة ومشخّصة، فقد ظلت خارج المساءلة القانونية، وإذا ما جرى الحال على هذا المنوال، وحتى لو خلصت النيات، فإننا نحتاج عقوداً، ربما قرناً، كي نسترد المال كله، وقد ألقت الحكومة بفشلها في هذا الجانب على "عدم توفر تعاون دولي"، ودعت إلى تكوين "جبهة ضاغطة على المجتمع الدولي" لاسترداد ما نهب.

إشارة لافتة أخرى من "هيئة النزاهة" أنها أصدرت ما يقرب من ثلاثمئة أمر قبض واستقدام بحق وزراء ونواب وذوي درجات وظيفية خاصة، إلا أن هذه الأوامر لم تفعّل بحكم امتلاك بعضهم "الحصانة" التي توفرها لهم مناصبهم، أو لأن بعضهم الآخر يتمتّع بحماية مليشيات أو أحزاب معينة، لا تمكّن حتى رجال القانون من الاقتراب منهم.

تظل طامة كبرى، وهي أن هناك أشكالاً مبتكرة لنهب المال العام لا يمكن رصدها أو التثبت من مجرياتها، كونها تعتمد على فتاوى "شرعية"، تضمن للفاعلين الحرية التامة في وضع اليد عليها والتصرّف بها، لأن "المال العام مجهول المالك وليس له صاحب، وشرعية التصرف به بوضع اليد عليه ودفع الخمس للمرجع". وقد استغل بعض ولاة الأمور تلك "الفتاوى" المزعومة في ترتيب عمليات مشبوهة، لتهريب كميات من النفط إلى خارج البلاد، وبيعها في السوق السوداء، أو الاستحواذ على واردات المنافذ الحدودية، وتردّدت أسماء أحزاب ومليشيات وشخصيات سياسية كونها تقف وراء تلك العمليات.

يمكن استرداد معظم ما نهب من مال، عبر تفعيل قانون الكسب غير المشروع، ورفع الحصانة عن الرؤوس التي تدير عمليات الفساد والإفساد

أما القضاء العراقي فقصته قصص، وليس قصة واحدة، فهو تابع، بحكم الأمر الواقع، لمشيئة السياسيين النافذين، ويعمل وفق مبدأ "إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد"، ألم يأتكم خبر القاضي الذي حكم على الطفل مصطفى وجدان بالسجن لسرقته أربع علب مناديل ورقية، فيما برّأ ساحة "حيتان" كبار سرقوا الملايين؟ أما سمعتم بحيتان آخرين حامت حولهم الشبهات في عقود توريد السلاح، والكهرباء، وجولات التراخيص النفطية هربوا خارج البلاد، وحكم على بعضهم غيابياً، ثم عادوا معزّزين مكرّمين بموجب قرارات عفو، وعفا الله عما سلف؟

هنا تطل الحقيقة برأسها بلا مؤتمر وبلا بطيخ، وبلا تكاذب متبادل بين اللصوص وحُماتهم من أحزاب ومليشيات ومافيات. هنا يمكن أن تدقّ الأجراس، وبخطوات بسيطة سريعة ومعلنة، يمكن استرداد معظم ما نهب من مال، عبر تفعيل قانون الكسب غير المشروع، ورفع الحصانة عن الرؤوس التي تدير عمليات الفساد والإفساد، وتشكيل هيئات قضائية مستقلة، لإنجاز هذه المهام في مدّة محدودة، ووفق ضوابط قانونية تحقق العدل، ولا تظلم أحداً.

ومن دون ذلك، سنظل نسمع جعجعةً ولا نرى طحناً!

 

 

حاشية في

انتخابات برلمان العراق

عبداللطيف السعدون

 

لا يختلف اثنان من العراقيين، إذا استثنينا حفنة رجال الطبقة السياسية الحاكمة ومريديهم، في إدراك أن لا شيء جذريا سوف يتغير بعد العاشر من الشهر المقبل (أكتوبر/ تشرين الأول)، موعد إجراء الانتخابات البرلمانية الموعودة، وأن "غودو" لن يجيء. وسوف يبقى الحال كما الآن، لأن الذين يعيدون إنتاج "العملية السياسية" الماثلة جاثمون على صدورنا على مدار الساعة، مثل حجارةٍ صلبةٍ لا تتعرّض للتفتيت، لمجرّد أننا نضرب عليها برفق. لكن ما دمنا في الأيام القليلة التي تسبق الحدث، فلا بأس من أن نضع أيدينا، مرة أخرى، على الجراح التي أدمت قلوبنا وعقولنا عقدين، وأن نضع بعض الأفكار والملاحظات، ليس أمام من يدرك حقائق المرحلة ويعرف أبعادها، بل أمام الرؤوس التي لا تزال تُحسن الظن بنيات رجال الطبقة الحاكمة. وحسن الظن في هذه الأيام معجزةٌ لا يمكن اجتراحها بسهولة. وقد نصحنا، في سالف الأزمان، الطغرائي صاحب "لامية العجم"، بعدما عاش أياما صعبة مثلنا، نصحنا أن لا نظن خيرا بالأيام، إنما نظن بها شرّا، ونكون منها على وجل!

وإذ تابعنا سجالات ووجهات نظر ظهرت في صحف وفضائيات ومواقع تواصل، ورصدنا ما تفوّه به من يدين بالولاء لهذا الحزب أو تلك المليشيا، أو من هو مرتبط بذاك "الزعيم" أو حتى من "ناشطين" مزعومين أو "محللين" يدارون لقمة عيشهم، لم نلمس ما يشكّل خيط أمل في أن يفكّر أحدٌ من رجال الطبقة الحاكمة أو اللائذين بها من العمل على تغيير الحال الذي يعاني منه مواطنوهم، أو أن يسعى إلى إيقاد شمعةٍ في آخر النفق الطويل، أكثر من ذلك ذكّرنا مسلكهم الشائن هذا بالمقولة السوداء التي أطلقها إبّان ولايته الأولى، نوري المالكي، زعيم حزب الدعوة، أن "ما ننطيها"، أي أننا غير مستعدّين للتراجع عن مبدأ "القبض على السلطة"، وسنعضّ عليها بالنواجذ. وقد استقرّت تلك المقولة في أذهان كل رجال الطبقة التي حكمت العراق عقدين، بمن فيهم من رفع شعارات "وطنية" أو أقام مؤتمراتٍ "تاريخية"، لتغيير الحال، ثم نراه وضع ذلك كله وراء ظهره، وكشف عن حقيقة أمره عند صياح الديك، باحثا عن بقايا موائد من كان خصما لهم.

أمرٌ محبط أن نرى الازدراء اللامتناهي من رجال الحكم للإرادة الشعبية التي طالبت بالتغيير الجذري والشامل الذي يُنقذ البلاد

وإنه لأمرٌ محبط أن نرى هذا الازدراء اللامتناهي من رجال الحكم للإرادة الشعبية التي طالبت بالتغيير الجذري والشامل الذي يُنقذ البلاد، ويستعيد الوطن الذي اغتصبه الأفّاقون واللصوص وسدنة الأجنبي، وأن يلتفّ هؤلاء حول مطلب "الانتخابات المبكرة"، ليفرغوه من معناه، ويحوّلوه إلى سلاح بأيديهم، مع أنه واحد من حزمة مطالب متكاملة، طرحها الحراك الشعبي الذي دعا إلى حكومةٍ انتقالية، تتولى محاكمة قتلة الثوار، وحصر السلاح بيد الدولة، وحل المليشيات، ومكافحة الفساد، ووقف نهب المال العام، وإطلاق سراح المعتقلين والسجناء السياسيين، وتوفير الخدمات العامة، والتحضير لانتخابات مبكّرة، نزيهة وشفافة وحرّة، لكن تلك المطالب انحسرت عن ذاكرة كثيرين. وفي مقابل ذلك، وجدنا إصرارا على ادامة الحال، والسعي إلى إعادة إنتاج "العملية السياسية" الطائفية التي شرعنها الأميركيون، واستثمرها الإيرانيون في فرض هيمنتهم. وسمعنا مزاعم متحدّية أنه إذا كان هناك من يريد إسماع صوته وعرض مطالبه، فعليه أن يشارك، وأن يعطي صوته لمن يشاء، مساهما في إرساء لبنةٍ في ما يسمونه "البناء الديمقراطي" الذي هو غير موجود أصلا. وهذا نموذجٌ لتبريرات واهية، وخدع مضللة، غرضها تكريس الوضع الحالي، وإعادة إنتاجه مع بعض الرتوش والأصباغ التي تضمن إضفاء "صدقيةٍ" كاذبةٍ قد تملأ عيون بعض من يراقب من معنيين إقليميين ودوليين، وحتى من "مواطنين" بسطاء، يقترفون معجزة حسن الظن بأيامهم التي أورثتهم النكد والمرض وسوء الحال. والمثال القريب عن انخداع معنيين "دوليين"، جينين بلاسخارت، ممثلة الأمم المتحدة في العراق التي لعبت دورا "هجينا"، عندما أعطت دعمها العملية الانتخابية، اعتمادا على وعود زائفة لمسؤولين، مع أنها كانت تحدّثت أكثر من مرّة عن اشتراطاتٍ ينبغي أن تتوفر لجعل العملية إياها "نزيهة وشفافة وعادلة"، وهي تعرف، وهذا من واجبها، أن الحد الأدنى من "النزاهة والشفافية والعدالة" لم يتوفر، ولن يتوفّر، ما دام القابضون على السلطة فيهم الخصام، وهم الخصم والحكم.

وهكذا يكتمل بناء "السيناريو" الذي سوف يبقينا في قعر الهاوية سنواتٍ أربعا أخرى، إلا إذا انقلب السحر على الساحر..، من يدري.

 

 

وزير صدّام الذي

سُجن بقرار إيراني

 

عبد اللطيف السعدون

 

وضعت أميركا، عندما قرّرت غزو العراق، لطيف نصيف جاسم، الوزير الأقرب إلى صدّام حسين في التسلسل (18) في قائمة الـ55 المطلوبين لديها، ويمثلون الصف الأول من رجال صدّام، واعتبرت اعتقالهم أولوية قصوى. وأظهرت صورته على ورقة اللعب (10) لتعريف جنودها به، وقد اعتقل بعد شهرين من الغزو. وعندما هيمن الإيرانيون على القرار الأمني في عهد حكومة نوري المالكي الأولى، وكان لقاسم سليماني، المشرف على الملف العراقي في القيادة الإيرانية، الدور الرئيس في التأثير على قرارات المحاكم العراقية، بالأخص التي تتعلق برجال صدّام الذين تنظر إليهم طهران بعداء وحقد، كان نصيب لطيف نصيف جاسم أن يُحكم بالسجن مدى الحياة أمام محكمة خاصة، بتهمة "ارتكاب جرائم ضد الإنسانية" مع أنه حُكم أولا بالبراءة "لعدم توفر الأدلة". وقد تعرّض لتعذيب شديد ومعاملة قاسية 18 عاما في "سجن الحوت" السيئ الصيت، وسبّب له ذلك جلطات عدة، وكذلك فقدان النطق وعدم القدرة على الحركة، ولم ينل رعاية طبية تذكر سوى في أيامه الأخيرة، إذ استجاب رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي لمناشدة أبنائه بضرورة توفير رعاية له، لكنّ القدر شاء أن يرحل لطيف نصيف جاسم إلى جوار ربه، وهو في وضع مأساوي لم يفد معه نُطُس الأطباء.

ويتذكّر بعض معارفه أن أحدهم سأل مسؤولا عراقيا، في جلسة خاصة قبل أكثر من عام، عن إمكانية إطلاق سراحه بعد كل تلك المعاناة، وكان رد المسؤول أنّ "قرار بقاء لطيف نصيف جاسم في السجن ليس قرارنا"، وعُرف عندئذ أنّ القرار إيراني، وأنّ طهران ناقمة عليه، وعلى آخرين مثله من رجال صدّام، ما زالوا في السجون.

حين سأل أحدهم مسؤولا عراقيا عن إمكانية إطلاق سراحه بعد كل هذه السنوات، كان الرد أنّ "قرار بقاء لطيف نصيف جاسم في السجن ليس قرارنا"، وعُرف أنّ القرار إيراني

والسؤال هنا عن "الرمزية" التي امتلكها هذا الوزير، وجعلت الإيرانيين يضمرون له كل هذا الحقد، ولم يطيقوا بقاءه حرّا طليقا، حتى وهو في آخر أيامه، مع أنه لم يرتكب جرما يطاوله القانون، لكن ما هو معروف أن طهران تنظر إليه أنه المسؤول الأول عن قيادة "جيش" من الأدباء والفنانين والمثقفين، زجّهم في حملات إعلامية ساهمت في إشاعة الوعي لدى جماهير واسعة من العراقيين، وتعريفهم بطبيعة الصراع بين إيران والعراق، ورؤية "الثورة الإسلامية" المذهبية المتطرّفة التي ظهر مشروعها العرقي إلى العلن في مرحلة لاحقة. ويسجل هنا نجاح لطيف نصيف جاسم في إرساء منهج للإعلام العراقي في مرحلة صعبة ومعقدة، هي مرحلة الحرب التي دامت أكثر من ثماني سنين، وإنْ شابت ذلك المنهج أخطاء عديدة، وبعضها فادح، ومنها التوكؤ على مروياتٍ تاريخية مريضة، لم تسلم من الشد والجذب.

لطيف نصيف جاسم، وبغض النظر عن اعتراضات بعضهم عليه، وعلى منهجه في إدارة ماكينة الإعلام العراقي في حينه، أو حتى على تمسّكه بطروحات صدّام ودفاعه عنها، لم يكن وزيرا تقليديا بالمفهوم المتعارف عليه، فقد كان شخصية شعبية، وهو القادم من الريف، لكنه استطاع أن يتفاعل مع ما يحيط به من مؤثّرات صقلت شخصيته، وأمدّته بكثير مما يحتاجه، كي يتقدّم في إدارة المؤسسات الإعلامية والثقافية، معتمدا على مجموعة من المثقفين والأدباء الذين عملوا معه طوال سنوات الحرب، وبينهم من لم يكونوا "بعثيين". وكان نتاج تلك المرحلة مزهرا، مهرجانات شعرية، ومؤتمرات أدبية وفكرية، ومعارض فنون، وكتب ومجلات، ومسرحيات وأفلام سينمائية، وغناء وموسيقى، إلى آخر ضروب النشاط الإنساني الذي يؤسّس لمجتمع كان الجميع يحلمون به.

 تنظر طهران إلى لطيف نصيف جاسم أنه المسؤول الأول عن قيادة "جيش" من الأدباء والفنانين والمثقفين، ساهموا في بلورة الوعي بطبيعة "الثورة الإسلامية" المذهبية المتطرّفة

والحديث عن مسيرة الوزير جاسم يجرّنا إلى ثبيت حقيقة أنه ليس سوى واحد من عشرات من مسؤولي نظام صدّام وعسكرييه، كتب عليهم أن يقضوا حياتهم في السجون، ومثلهم آلاف من الناشطين السياسيين المعارضين للهيمنة الإيرانية الذين حُكم عليهم بقراراتٍ جائرة، وآن لهم أن ينالوا حريتهم، وأن يشملهم عفو عام، خصوصا إذا كان رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي يريد فعلا أن يؤسّس لوضع جديد، كما وعد أكثر من مرة، وأن يُجري انتخاباتٍ حرّة ونزيهة حقا، ومفتاح أيّ عملية سياسية ديمقراطية هي العفو عن الخصوم السياسيين، ومنحهم حريتهم في العيش في بلدهم بكرامة وأمان، وحتى السماح لهم بممارسة العمل السياسي. نقول هذا ونحن ندرك أن الكاظمي لا يمكنه الخروج على "الإملاءات" الإيرانية التي تفرضها هيمنة إيران الشريرة، وفق مبدأ "الأمر الواقع"، وكصفحة من صفحات مشروعها الطائفي العرقي الإمبراطوري، لكن لا شيء يدوم أبدأ.

 

 

ما قبل مؤتمر بغداد وما بعده

عبد اللطيف السعدون

 

لم يعد سرّا أن فكرة عقد مؤتمر إقليمي في بغداد لم تكن في الأساس مبادرة شخصية من رئيس الحكومة العراقية، مصطفى الكاظمي، كما قيل في البداية، إنما هي فكرة أميركية، أرادت واشنطن من خلالها تأهيل العراق للعب دور قيادي في المنطقة يخدم مصالحها، ويعمل على تجاوز حالة الاستعصاء في العلاقات بين دول المنطقة. وقد يفضي، في قابل الأيام، وعبر مؤتمرات أخرى، الى إقامة "منظومة" إقليمية، تقف حاجزا في مواجهة مخطّطات التغلغل الإيراني في الإقليم. وحرصت بغداد على عدم الإشارة إلى الدور الأميركي في استيلاد المؤتمر، تجنبا لما قد يثيره الخصوم ضدها، لكن "التلميحات" التي تضمنها بيان البيت الأبيض فضحت، ربما على نحو غير مقصود، أن الأميركيين هم من كانوا وراء فكرة المؤتمر التي جرى بحثها مع الكاظمي في أثناء زيارته واشنطن. ونقل البيان مباركة الرئيس الأميركي جو بايدن المؤتمر، كونه "قمة ناجحة ورائدة". كما أثنى على القيادة "التاريخية " للعراق التي توافقت مع الرؤية الأميركية في اعتماد الدبلوماسية في العلاقات الدولية، وفي تبني الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن وبغداد.

اعتبر كثيرون هذه الإشارات بمثابة "تزكية" ضمنية لشخصية الكاظمي الذي كان حريصا دوما على تمييز نفسه عن رجال الطبقة السياسية التي حكمت العراق على مدى 18 سنة، وعلى تقديم نفسه داعية إصلاح وتغيير. ونظّم أنصاره والجيوش الإلكترونية الخاضعة له، قبل المؤتمر وبعده، حملة إعلامية واسعة لترويج شخصيته رجل سلام ومصالحة، ولإشاعة قناعة لدى الآخرين في أنه استطاع، وبجهوده وحده، أن يجعل من العراق "دولة ريادية"، بعد أن كانت "دولة تابعة"، وأن يؤهل بغداد لأداء دورها القيادي المطلوب.

تعمل واشنطن من خلال القمة على تأهيل العراق للعب دور قيادي في المنطقة يخدم مصالحها

وتتوكأ مثل هذه التحليلات القاصرة على وجود رغبة أميركية في إعطاء دور أكبر للعراق في المنطقة، بعدما انحسر هذا الدور عشية الاحتلال. وربما لأن واشنطن، وفي ظل سياسة بايدن، سوف تستكمل سحب جنودها من العراق نهاية العام، وهي مطمئنة إلى أنها وجدت "وكيلا" استراتيجيا في بغداد، يشاطرها الرؤية التي تريد. وهذا "السيناريو" في حال صدقيته مشكوكٌ في جدواه وفي قدرته على الصمود، وأمامنا درس أفغانستان.

هل يمكننا القول، إذاً، من دون مواربة، إن "مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة" حالة أميركية، إذا ما صحّ التعبير، وقد تكمله مؤتمراتٌ لاحقة، الهدف منها جمع الأضداد، وترويض من يظلّ ناشزا عن اتباع ما هو مخطط للمنطقة في قابل الأيام وتطويعه، وإرساء صيغةٍ لإطار أمني إقليمي، يتوافق مع مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي اشتغل عليه الأميركيون أمدا طويلا. وقد حضر الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ومن ورائه أوروبا وحلف الناتو، المؤتمر ليكون "عرّاب" الصفقة الجديدة التي توفر السلام والأمن والرفاهية لشعوب المنطقة (!!). ولم يكن مصادفةً تعهد ماكرون بإبقاء قواته العسكرية في العراق، انسحبت القوات الأميركية أم بقيت. كما لم يكن مصادفةً أيضا أن يشمل برنامج زيارته الكاظمية وأربيل والموصل، وقد اختيرت هذه المدن الثلاث بعناية، لما تمتلكه كل واحدة منهن من رمزية خاصة، في إطار التنوع المذهبي والعرقي في بلاد الرافدين. وتندرج في "السيناريو" نفسه زيارة جوزيف بوريل، مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، التي ستتم خلال أيام، وهي الزيارة التي ينظر إليها كثيرون نوعا من المساندة للدور الذي يسعى العراق إلى الانخراط فيه بدعم غربي.

لا حل للعراق سوى الاعتماد على مشروع وطني يتجاوز "العملية السياسية" القائمة، ويحاسب شخوصها، ويعيد بناء الدولة

وقريبا من مخرجات المؤتمر وبعيدا عنها، بدا العراقيون غير مهتمين وغير عابئين بما زعم عن نجاحه، وهم مثقلون بهمومهم في البحث عن الأمن والأمان، وفي عدم حصولهم على الخدمات الأساسية، وتفشّي الفساد في كل المرافق العامة، وكذلك في سيطرة المليشيات، وعجز الدولة عن حصر السلاح بيدها، وأيضا في انتشار جائحة كورونا وتخبّط الدولة في مواجهتها، وهم لم يلمسوا من حكومة الكاظمي، ولا من الحكومات السابقة التي أنتجتها التوافقات الأميركية - الإيرانية حلولا واقعية، تصب في خانة إنقاذهم مما هم فيه، وقد سمعوا وعودا ومشاريع وخططا كثيرة، ما إن يعلن عنها حتى تحيلهم إلى كوميديا شكسبير المعروفة "أسمع جعجعة ولا أرى طحنا".

والخلاصة التي خرجوا بها من المؤتمر أن ليس ثمة حل لأزماتهم التي استشرت 18 سنة، غير الاعتماد على مشروع وطني يتجاوز "العملية السياسية" القائمة، ويحاسب شخوصها، ويعيد بناء الدولة، ويستعيد الوطن من مغتصبيه والمهيمنين على قراره

 

في تذكّر عراق فيصل الأول

 

عبد اللطيف السعدون

 

قيل إن أحد المقرّبين من مؤسّس العراق، فيصل بن الحسين، اقتُرح عليه أن يبني قصرا يليق به ملكا، أجابه فيصل: "لم أجئ إلى هنا كي أبني قصرا، إنما جئت لكي أبني دولة"... تُستعاد هذه الحكاية، وغيرها من مرويات عن العراق الملكي الذي بناه فيصل بن الحسين في الذكرى المئوية ليوم التتويج، وقد انشغل عراقيون كثيرون بالاحتفاء بهذه الذكرى على مواقع التواصل، وبعضهم غرّد بمناقب عهد الملوك وفضائله، مع أن معظم المحتفين لم يحظ بالعيش في تلك الحقبة من التاريخ بحكم العمر، لكنه يكون قد استوحى مشاهد "الزمن الجميل" مما سمعه أو قرأه. وأيضا لأن الحياة في ظل الجمهوريات لم تُمطر، كما أردنا منها، أمنا وأمانا وحياة رغيدة، حتى جعلتنا نفزع بآمالنا إلى الكذب من هول ما عشناه من أهوال، وما اختبرناه من مصائب وكوارث وحروب، بخاصة في العقدين الأخيرين.

رغم التعقيدات، لم يتراجع عن صناعة الحلول وإيجاد المخرجات الضرورية لتخطي التوترات الداخلية واستيعابها

تؤشّر السيرة المستعادة لفيصل إلى أنه كان يمتلك وعيا حادّا بمشكلات العراق، وبما يحتمل أن ينشأ فيه من صراعاتٍ واختلافات، وكذا بما ينتظر أن تحقّقه الدولة الجديدة، وكان قد اكتسب خبرة ودراية بحكم وجوده في قلب العواصف التي عمّت العالم العربي في حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى، إذ حضر مؤتمر السوريين الأول الذي أجمع على اختياره ملكا لسورية، كما شارك في مؤتمر السلام في باريس، ورشّحه الإنكليز ممثلا للثورة العربية التي تم ترويجها لإطاحة الخلافة العثمانية، وبنى علاقاتٍ وطيدةً مع شخصياتٍ غربيةً نافذةً وناشطين عرب. وأعلن رفضه اتفاقية سايكس بيكو التي قسّمت العالم العربي، وإذ حطّ رحاله في العراق، بدا له أن الأرض العراقية ليست ممهدة على نحوٍ يسهل له فيه من بناء دولة بالشروط التي كانت ماثلةً في ذهنه، حيث واجه جملةً من المصاعب المتجذّرة التي كان عليه تفكيكها. كما وجد تركيبة عراقية ملغمة على وقع عدم توفر "الوحدة الفكرية والملية والدينية" التي تشكّل الأساس لتطور البلد ونمائه، وأدرك أنه يحتاج، في إدارته، إلى سياسيين من نوع خاص "حكماء ومدبرين، وأقوياء مادة ومعنى، وغير مجلوبين لحزازات أو أغراض شخصية أو طائفية أو متطرّفة" كما اكتشف وجود "سواد أعظم جاهل (...) وليس ثمّة شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خالية من أي فكرة وطنية، ومشبعة بتقاليد وأباطيل دينية". وقد أفضى إلى وزرائه ورجال حكمه بما يجول في خاطره، واقترح عليهم خطوطا عريضة لما يمكن أن يبني دولةً قويةً ومقتدرة "إنشاء جيش قوي، واحترام تقاليد وعادات السكان والنظر إلى الطوائف بمنظار واحد، وتأسيس مجالس في الألوية والبلديات، واستحداث معاهد لتأهيل الموظفين، والعمل على مشاركة كل السكان في شؤون الدولة". وأعطى مثلا للعمل العام: "أريد أن أرى معملا لنسج القطن، بدلا من دار للحكومة، وآخر للزجاج بدلا من قصر ملكي".

كان يحمل مشروع دولةٍ حديثة، دولة مواطنة وقانون، وقد حقّق هو ومن جاء من بعده خطواتٍ جادّة على هذا الطريق

ووسط كل تلك التعقيدات، لم يتراجع عن صناعة الحلول وإيجاد المخرجات الضرورية لتخطي التوترات الداخلية واستيعابها، وهي التي أخذت كثيرا من وقته، حتى امتدت آثارها إلى عهد ابنه غازي الذي تولى العرش من بعده، ومن بين ذلك قضية الموصل، وغارات قبائل نجد على كربلاء، وتمرّد الآشوريين، واضطرابات الأكراد، ونزاعات العشائر. وعلى صعيد علاقات الدولة الخارجية، عمل فيصل على إرساء دعائم سلام وتبادل منافع بين العراق وجيرانه وأصدقائه، وعندما حاولت بريطانيا أن تبقي على ما يحقّق مصالحها، عارضة شكلا جديدا للانتداب، وقف فيصل في وجه تلك المحاولات، حتى استطاع أن يحصل على حقوق بلاده، وأن يحقق إلغاء الانتداب ودخول العراق عصبة الأمم واعتراف العالم بالعراق دولة مستقلة وذات سيادة. وإذا كان قد أبقى على تحالفه مع الإنكليز، فلأنه كان يؤمن أن العراق محاطٌ بالأعداء والخصوم من كل جانب، وحتى من الجيران الذين يُضمرون له الشر، وأن عليه، وهو في مرحلة بناء دولته، أن يحافظ على علاقته مع بريطانيا لدرء تلك المخاطر.

هذه القراءة المستعادة لسيرة فيصل الأول تظهر لنا بجلاء أنه كان يحمل مشروع دولةٍ حديثة، دولة مواطنة وقانون، وقد حقّق هو ومن جاء من بعده خطواتٍ جادّة على هذا الطريق، إلا أن الانتكاسات التي شهدها العراق في عهود الجمهوريات أعادته إلى المربّع الأول. وها نحن بعد مائة عام، نتعثر في خطواتنا، بأمل أن ننجز مشروع الدولة التي أرادها فيصل، وقد نحتاج زمنا أطول للوصول إلى ما نريد.

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا