الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

عبدالحسين شعبان اكاديمي ومفكر عربي

يكتب مقالا اسبوعيا في جريدة (الخليج) الاماراتية    وينشر مقالات  في جريدة (الزمان) البغدادية

 

مقالات سابقة

سيرورة التاريخ

عبد الحسين شعبان

 

سألتني إحدى طالباتي في دراسة الماجستير: أراك كثير الاهتمام بالتاريخ، فهل درست التاريخ مثل القانون أو معه؟ قلت لها: دراسة التاريخ ومعرفة فلسفته ليستا شغفاً بالمعرفة فحسب، بل إنهما ضرورة، وقد تعلمت ذلك من اثنين من الخبراء الكبار أختلف معهما كلياً في التوجهات والمواقف الأكاديمية والعملية.

Ads by وأردفت الطالبة بالسؤال: ومن هما؟ قلت: كلاهما لا يخفي انحيازه للصهيونية وإسرائيل بشكل مباشر أو غير مباشر، الأول أمريكي من أصل ألماني، وكان مستشاراً للأمن القومي ووزيراً لخارجية الولايات المتحدة، وأقصد به هنري كيسنجر، والثاني أمريكي من أصل بريطاني، وهو أكاديمي كبير وخطير أيضاً، وله العديد من المؤلفات، وكنت قد قرأت له مؤخّراً كتاباً بعنوان «هوامش على قرن مضى»، وهو عبارة عن خواطر ومذكرات بصفته مؤرّخاً مهتماً بالشرق الأوسط، وأعني به برنارد لويس. وهو الذي صكّ مصطلح «صدام الحضارات» الذي أخذه عنه صموئيل هنتنغتون في العام 1993 في مقالة له، ثمّ طوّره ليصبح كتاباً، أثار جدلاً واسعاً، إضافة إلى كتاب فرانسيس فوكوياما «نهاية التاريخ والإنسان الأخير».

 وأعود إلى السؤال: لماذا التاريخ؟ ففي كلّ تاريخ فلسفة، ولكلّ علم تاريخ وفلسفة، وإذا كانت الفلسفة «أم العلوم» فالتاريخ «أبو العلوم»، وباتحادهما يمكن الوصول إلى الحقيقة الكامنة في الحكمة، وهذه، حسب كونفوشيوس، تعني «حب الناس».

 ويوم غادر كيسنجر مكتبه بعد انتهاء مهمته الرسمية، لم يأخذ معه سوى كتب التاريخ والفلسفة، وحين سُئِل: كيف وصلت إلى ما وصلت إليه؟ قال: بالتاريخ والفلسفة. والتاريخ لا يكتبه المؤرخون وحسب، بل الأدباء والفنانون، حسب مكسيم غوركي، ففي التاريخ نبحث عن المجهول وليس عن المعلوم، وذلك لاكتشافه.

 وفي التاريخ، حسب برنارد لويس، لا بدّ من تعلّم الطريقة والمنهج، وهذا هو الأساس، علماً بأنه استخدمه هو لأغراض سياسية خاصة وضيّقة، وهو الذي عمل خلال الحرب العالمية الثانية في قسم الاستخبارات البريطانية، حين تمّ تجنيده، أو ما بعد ذلك في خدمة الدوائر الرسمية الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما يفصح عنه في لقاءات مع ملوك ورؤساء ووزراء ومسؤولين وشخصيات عليا كان يتباحث معهم بصفته الأكاديمية، كما يقول، ثم يكتب تقاريره للجهات الرسمية وغير الرسمية، التي تكلّفه عادةً بمثل هذه المهمّات، أو هو يتطوّع للقيام بها لأصحاب القرار.

 وقد أوصى برنارد لويس في العام 1979 بتفتيت الوطن العربي وتقسيمه إلى 41 كياناً إثنياً ودينياً وطائفياً وسلالياً، وتحويل العرب إلى أقليات متنازعة ليسهل التحكّم بهم، وهو ما تبنّاه «الكونغرس» الأمريكي بقراره العام 1983، وذلك لكي تصبح إسرائيل «الأقلية»، ضمن أقليات عديدة، الأكثر تقدماً بالعلوم والتكنولوجيا بمساعدة الغرب. وكان كيسنجر قد صرّح قبله بخصوص تطويع العالم العربي بقوله: ينبغي أن نقيم دويلة وراء كلّ بئر نفط، وذلك لمنع قيام أي اتحاد عربي.

 وبغضّ النظر عن رأي كيسنجر أو لويس، فإن إحدى المنهجيات التي يعلّمها التاريخ هي ضرورة التحرّر من القيود المسبقة المفروضة أحياناً، واتباع البينة والبرهان، وإلى حيث تقود نتائج البحث التاريخي، سواء كانت النتيجة مرضية لك أو غير مرضية.

 وفي البلدان المتقدمة تتسع مساحة البحث العلمي، وتُخصّص لها ميزانيات كبيرة، ويُؤخذ بنتائج أبحاثها، بما فيها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، في حين تتقلّص الحريات العلمية والأكاديمية في البلدان النامية، خصوصاً في الأنظمة السلطوية والديكتاتورية.

 الباحث المهتم بالتاريخ لا يبدأ من النتائج، ولكن من المعطيات والوقائع والأحداث والروايات بما فيها غير المكتوبة، التي يُعيد قراءتها واكتشافها، وبالتالي يستنتج الحقائق من خلالها، بما يوفّر زاداً للحاضر، إذْ لا يمكن قراءة الحاضر بمعزل عن الماضي، ومعرفة الماضي تعطي للدارس الأفق المستقبلي، لاسيما إذا توفرت الأدوات المنهجية الأخرى.

والمسؤولية التاريخية تقتضي قول الحقيقة خارج أُطر الدعاية والأيديولوجيا والانحيازات المسبقة، بما فيها المواقف السياسية.

 يمكنني القول إن التاريخ علم عظيم، لكنه غير كامل أو تمامي، بل يبقى ناقصاً ومتناقضاً ومليئاً بالفجوات وبلا اتّساق، لأنه انعكاس للمأزق الإنساني. وقيمة التاريخ هي مدّنا بالأسئلة الجوهرية، لاسيما إزاء بعض المسلّمات الظاهرة أو المخفيّة، المعلنة أو المستترة، فما بالك بالعقد التاريخية، خصوصاً إذا كنا نبحث عن الإنصاف والعدالة، وليس ادعاء الأفضليات والزعم بامتلاك الحقيقة، ومحاولة تنميط التاريخ أو نمذجته ليكون متطابقاً مع أفكارنا أو توجهاتنا أو مصالح المتسلّطين.

drhussainshaban21@gmail.com

 

 

أوكرانيا

وحروب الجيل الخامس

 

عبدالحسين شعبان

 

في عام 2014، استولت روسيا على شبه جزيرة القرم، التي كانت ضمن السيادة الأوكرانية منذ عام 1956، وذلك تحت مبرّر أن الزعيم السوفيتي خروتشوف، وهو من أصل أوكراني، كان قد ضمّها إلى أوكرانيا التي كانت تحت الخيمة السوفيتية.

وحسب ما تناقلته الأخبار، أن ثمة «رجالاً خضراً صغاراً» ظهروا دون شارات عسكرية، وتمكّنوا من السيطرة على شبه جزيرة القرم. وعلى الرغم من احتجاج العالم والعقوبات التي اتّخذها الغرب ضدّ روسيا، فإن الأمر أصبح «واقعاً». ولعلّ نهج استعادة دور روسيا كان قد اتّبعه فلاديمير بوتين منذ أن بدأ نجمه يلمع في سماء السياسة الروسية، في محاولة لتعديل موازين القوى باتجاه تجاوز الأحادية القطبية نحو قطبية متعدّدة، وخصوصاً مع ارتفاع رصيد الصين كدولة منافسة اقتصادياً وتجارياً وثقافياً وعلمياً للولايات المتحدة.

وتكرّر السيناريو ذاته في الاستيلاء على مناطق الدونباس، شرق أوكرانيا، حيث بدأ الهجوم الروسي في 24 شباط/فبراير 2022، وتم الإعلان عن تأسيس جمهوريتين اعترفت بهما موسكو على الفور، هما دونتسك ولوغانيسك.

وخلال تطوّرات الحرب، وبعد شهور حصلت انفجارات تحت الماء أضرّت بخط أنابيب كانت روسيا تتحكّم به لنقل الغاز الطبيعي إلى ألمانيا، وألقت روسيا اللوم على واشنطن وحليفاتها بولونيا وأوكرانيا، في حين اتّهمت أوكرانيا روسيا بمحاولتها الضغط على أوروبا لقبول شروطها، بسبب نقص الغاز وارتفاع أسعار الوقود بشكل عام.

Ads byفما هي الحرب الهجينة؟ باختصار هي خليط من تكتيكات الحرب التقليدية والنفسية العنفية والسلمية، الافتراضية والواقعية، المعلنة والسريّة، حيث لم تعد الدولة وحدها هي التي تحتكر استخدام القوّة المسلّحة، فالجيل الخامس من الحروب أظهر عناصر جديدة خارج نطاقها وقادرة على شنّ الحرب، مثل الجماعات المسلّحة الإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة والميليشيات العسكرية.

الحروب الهجينة هي حروب شبكة المعلومات الأساسية التي يمكن للدولة أن تستخدمها للتأثير في العدو وإرباك خططه والتشويش على برامجه، كما يمكن للجماعات المسلّحة أن تستخدمها في ربط المتطوّعين وتجنيد آخرين، وإحداث التخريب المطلوب لدى العدو. وساهم الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا النانو في زيادة قدرة الدول والجماعات المسلحة على استخدام الحروب الهجينة التي تسعى لتحقيق أهداف سياسية محدّدة تحت غطاء ديني أو عنصري أو أيديولوجي.

وتتعاون الجماعات المسلّحة أحياناً مع دول وكيانات سياسية، تلتقي معها في أهداف محدّدة. وعن طريق التخادم يستفيد أحدهما من الآخر، فالدولة تحتاج إلى مثل هذه الجماعات أحياناً لتحقيق استراتيجيتها. وهذه الجماعات تحتاج إلى دول تقف خلفها أو تسهّل مهمّاتها أو تكون ممراً لها لتحقيق أهدافها، وذلك عبر شبكات عابرة للحدود كما هي تنظيمات القاعدة وداعش والذئاب المنفردة وأيّ جماعات مسلّحة.

وتعتمد حروب الجيل الخامس أو الحروب الهجينة على الشبكات الافتراضية التي تقدّم لها المعلومات والاستشعارات عن بُعد، وتقيس مدى التأثير الذي تتركه في العدو، مثلما تعتمد على قيادات قادرة وكفوءة لإدارة وربط العناصر جميعها عبر الشبكات الافتراضية.

وتحتاج الحروب الهجينة إلى ما يسمّى سحابة القتال الافتراضية التي توصل المعلومات الجديدة إلى عناصر القوات المقاتلة بجميع أفرعها عبر الإدارة المشتركة التي تشمل جميع الميادين في البرّ والبحر والجو والفضاء الإلكتروني، بحيث تكون الحرب مفتوحة تنساب منها المعلومات والتعليمات بشكل منهجي.

ولكن على الرغم من الدور الكبير الذي تلعبه حروب الجيل الخامس، فعلينا ألا ننسى دور العنصر البشري الذي يبقى مهماً بما فيه المعنويات في الحرب، فحتى لو توفّرت عناصر التفوّق اللوجستي، فإن ذلك وحده لا يحقّق النصر، وأبرز مثال على ذلك التفوّق العسكري الأمريكي على المقاتلين الفيتناميين، إلّا أن الهزيمة كانت من نصيب واشنطن في حربها غير العادلة في فيتنام، ناهيك عن معنويات المقاتلين الفيتناميين مقابل تردّي معنويات الجنود الأمريكان، يضاف إلى ذلك ردّ الفعل العالمي إزاء التدخّل الأمريكي في فيتنام.

والأمر كذلك بشأن احتلال العراق من جانب الولايات المتحدة عام 2003، واضطرارها إلى الانسحاب منه في نهاية عام 2011 بعد خسارة 4800 قتيل وأكثر من عشرين ألف جريح ومعوّق، فضلاً عن تبديد تريليوني دولار وفقدان واشنطن سمعتها على الرغم من تفوّقها العسكري. وفي أفغانستان انسحبت الولايات المتحدة مهزومةً بعد 20 عاماً من احتلالها (عام 2001).

drhussainshaban21@gmail.com

 

 

عن ثقافة الكراهية

عبدالحسين شعبان

 

تتغذّى مشاعر الكراهية لدى الأفراد أو الجماعات، باستغلال الجانب الغرائزي والانتماءات الضيّقة والهويّات المغلقة، التي تقوم على التعصّب بادعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة تحت مسوّغات دينية أو عرقية (إثنية) أو طائفية أو مذهبية أو أيديولوجية أو عشائرية أو غير ذلك، وهذه بدورها تنمّي الشكوك وتزرع الأحقاد بين الناس، لأنها تقوم على ادعاءات التفوّق، فيُصبح «الآخر»، أي آخر، خصماً أو عدوّاً «وكُلّ غريب مريب»، وبالتالي فهو لا يستحق ذات المكانة التي ينتمي إليها الفرد أو المجموعة.

والتعصّب يتضمن الرغبة في الإقصاء والإلغاء والتهميش، والحطّ من قدر الآخر، وذلك قبل أن يتحول إلى فعل أو سلوك، إلّا أنه يُصبح خطراً حين ينتقل من التفكير إلى التنفيذ فيتحول إلى تطرف.

والتطرف يقترن بفرض الرأي بالقوة بزعم امتلاك الحق، فيسوق حججاً ومبررات لذلك، وهكذا لا يتورع المتطرف من اللجوء إلى العنف لفرض رأيه، سواء كان لفظياً أو مادياً. والعنف هو نتاج استيلاء التعصب والتطرف على عقل الإنسان، وتبرير ما يقوم به حتى ولو ارتكب مجازر، فلا ضير في ذلك. لأن الحقيقة ستكون إلى جانبه مدّعياً أن غايته شريفة، بغض النظر عن الوسيلة التي يستخدمها للوصول إلى غايته.

وليس غريباً حين يتمكن التعصب ثم التطرف من إنسان أو مجموعة بشرية، فيستحكم فيه أو فيها الكراهية ضدّ الآخر، وهو ما يترجم أحياناً إلى أعمال عنف لا إنسانية، طالما يستبطن ذلك الاعتقاد بصوابية السلوك والفكرة.

ولعل أكثر المجازر في التاريخ التي أُزهقت فيها ملايين الأرواح، وشنّت الحروب واندلعت النزاعات بسببها قامت على الكراهية، فالضحايا يصبحون مجرّد أرقام، ومن يلتجئ إلى ذلك يجد التفسيرات والتعليلات، تارة بحجّة المظالم التاريخية وأخرى رد فعل للاستلابات من خلال الانتقام، وثالثة بسبب الفقر والبطالة ومرّة رابعة بالتفاوت الاجتماعي والطبقي، وبكل الأحوال الادعاء بالتفوق والأفضلية على الآخر، وهناك من يضيف ظلم النظام الاجتماعي، إضافة إلى عوامل نفسية شخصية وعامة، بما فيها ظلم القوى الخارجية وطغيانها، وهكذا تظهر الكراهية والانتقام والثأر كعناصر للقيام بالفعل ضدّ الآخر.

وفي مجتمعاتنا العربية والإسلامية هناك من يحرّض ويعبّئ وينظّر لثقافة الكراهية، حيث التخلّف يهيّئ مناخاً مناسباً لها ثقافياً وفكرياً، فتنمو فيروساتها وتتكاثر، لتنتشر ضمن أجندات سياسية تقوم على تكفير الآخر بعد تأثيمه وتجريمه وتحريمه.

حين قُتل فرج فودة، سُئل القاتل: ولماذا قتلته؟ قال: لأنه كافر، فسأله القاضي: ومن أين عرفت ذلك؟ هل قرأت ما كتبه؟ فأجابه: كلا، لأنني لا أقرأ ولا أكتب وإنما سمعت ذلك. وهنا تكون الإشاعة أحياناً أقوى من الحقيقة، وهو ما يُراد بثه للهيمنة على العقول وتسخيرها، والأمر حصل في محاولة قتل نجيب محفوظ وجار الله عمر، وكأن التاريخ يُعيد نفسه.

وقد اطّلعت على إجابات بعض المرتكبين عن إقدامهم على الفعل الإجرامي، فأجابوا لو عادوا مرّة أخرى سيقومون بذات العمل، لأن معتقداتهم الدينية أو الطائفية أو السياسية، هي التي تدفعهم لذلك لاجتثاث الفكر الآخر، وليس ذلك سوى هيمنة ثقافة الكراهية على بعض البشر، والأمر لا يقتصر على الجهلة أو غير المتعلّمين، بل إن بعضهم تخرّج في أرقى الجامعات، لكنه تشرّب بروح الكراهية، وشُحِن بالعداء للآخر، حيث تلعب بعض الأيديولوجيات دورها في ذلك من خلال روافد مختلفة، لاسيما في مخاطبة الشباب بزعم «الموت من أجل العقيدة» و«ملاقاة الله» تحت عناوين لا علاقة لها بالجهاد في الإسلام، بل إن ما يقومون به شكل من أشكال العنف والإرهاب القائمين على التعصّب ووليده التطرف.

إن ثقافة الكراهية، هي نتاج فكر استعلائي متعصّب، يدّعى احتكار الحق والحقيقة، بعضها يقوم على أوهام التفوّق، التي يتم ضخّها بأساليب مختلفة من خلال مناهج التعليم والإعلام والخطاب الديني بالضدّ من الآخر، سواء بالممارسة العملية أو من خلال قوانين تمييزية تتعارض مع ثقافة السلام والتسامح والتنوّع والتعددية.

لعلّ ما حصل في رواندا العام 1994 من جرائم إبادة جماعية، مدعاة للتفكّر بما تنتجه ثقافة الكراهية، حيث تعرضت قبيلة التوتسي إلى الإبادة الجماعية، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة في العام 2003 إلى استذكار تلك الجرائم الأليمة، التي قُتل فيها 800 ألف إنسان على يد قبيلة الهوتو.

drhussainshaban21@gmail.com

 

 

الرومي..

الروح ومدارك الكمال

عبدالحسين شعبان

 

أن تزور مرقد جلال الدين الرومي في قونية (تركيا)، فذلك له أكثر من دلالة، خصوصاً حين يزداد رصيده في الغرب، وتصبح كتبه وفلسفته الصوفية الأكثر إقبالاً، حسب هيئة الإذاعة البريطانية، والأكثر من ذلك حين تشاهد الآلاف من الزوار يتوافدون إلى مرقده، فبعضهم قرويون وبسطاء من عامة الناس، وبعضهم مريدون وطلّاب ومحبّون للشعر وسواح ثقافيون من مختلف أقطار العالم.

ويزداد شغفك حين تحضر عرضاً فنياً راقياً لفرقة الدراويش في إسطنبول، التي تمتزج فيها الموسيقى بالرقص الروحاني بحركات رياضية يختلط فيها الكبرياء بالخشوع بإتقان منقطع النظير وتدفّق وانسياب ودوران، فضلاً عن لغة شاعرية جذّابة، وأسلوب ساحر من الطهريّة الدينية الفائقة.

dsظلّت حياة الرومي مملوءة بالغموض، بقدر ما هي مملوءة بالمعاني والعبر والدروس في العشق والفلسفة وأسرار مكنونات النفس البشرية، ولا تزال مصدر إلهام للباحثين والدارسين والمهتمين بأدب الرومي وحياته، فضلاً عن علاقته بتوأمه الروحي، شمس الدين التبريزي منذ اجتمعا في قونية لنحو عامين ونصف العام، اختفى فيها شمس بعد مرور 16 شهراً، وأرسل الرومي من يبحث عنه، ليأتي به من دمشق، لكن عودته الثانية لقيت سخطاً ورفضاً من العامة، دفعه للاختفاء مرّة أخرى إلى الأبد، وربما تعرّض فيها للاغتيال. المؤكّد أن ظروفاً غامضة ظلّت تحيط باختفائه الثاني، الأمر الذي انصرف فيه الرومي عن الفقه والتدريس والعلوم الإسلامية إلى الشعر والصوفية والمناجاة، والتعبير عن ألم الفراق، وهو ما تركه لنا من تراث صوفي إنساني باهر؛ حيث ما تزال كتبه تثير الكثير من الأسئلة الفلسفية، وأشعاره ترسم صوراً غنية بصفته شاعر الحب الصوفي، الذي وُلد في عام 1207 في بلاد فارس (خراسان – بلخ)، وهناك من يقول في أفغانستان، وقيل إن نسبه يمتدّ إلى الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

امتاز الرومي بكاريزما عالية، زاد فيها غموضه سحراً بقدر ما امتلك من جاذبية في تقديم الحكمة العميقة بلغة عذبة. وعلى الرغم مما يفصلنا عنه، فإن شعره يبقى الأكثر تأثيراً في النفس البشرية.

اشتمل ديوان «شمس تبريز»، بعد اختفاء معلّمه، أجمل الغزليات الصوفية، وقد احتوى هذا السفر العظيم على أكثر من 26 ألف بيت شعر، إضافة إلى 1760 رباعية، ومجموعة من الرسائل الموجّهة إلى شيخه التبريزي، الذي كانت علاقته به هي علاقة «المريد» «بالرائد»؛ حيث كان يكبره بنحو 30 عاماً، فهو في سن الستين، في حين كان الرومي في سن الثلاثين. وظلّ وفياً لمعلّمه ولذكراه حتى وفاته وبلوغه ال70 من عمره، وهو القائل «الوداع لا يقع إلّا لمن يعشق بعينيه، أما ذلك الذي يحب بروحه وقلبه فلا انفصال أبداً».

ربما كانت فرقة الدراويش تجسيداً حياً لألم الرومي وإحساسه بالفداحة والفقدان، مثلما هي إحساس عبر الحركة اللولبية الطقسية الروحية بالتوحّد بين الإنسان وخالقه، والثناء على النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، وترنيمات عن الحياة والكون والخلق والشمس والقمر والنجوم وجميع الكائنات غير الحية والنباتات والحيوانات، مثلما تعكس إحدى حركاتها مراحل الولادة وموت «الأنا»، ورمزيات القبر والكفن والإيمان بوحدانية الخالق، من دون نسيان قراءات من القرآن الكريم، وهكذا تنتهي الرحلة.

الرقصة الدوارة هي بحث عن التواصل مع المحبوب، أو حتى إعادة حبل الوصل مع الغائب عن طريق دوران تأملي، يشكّل مصدر طاقة بقدر ما هو مصدر إلهام؛ بل هو مصدر طاقة وإلهام للمتلقّين أيضاً، وهذا هو الإحساس الذي هيمن على تلك الساعة الذهبية من الخشوع. هكذا يصبح الإنسان على الرغم من كونه فرداً، مجموعاً بالتوحد مع الآخرين، والرومي هو القائل: «عندما تضيء المصباح الخاص بك، فأنت لست فرداً؛ بل الآلاف».

يمنح شعر الرومي الإنسان سلاماً داخلياً لدرجة الابتهاج بالحياة والشعور بالطمأنينة والأمل والإشراق، فهو مولود من العشق كما يقول، واللقاء بالمحبوب كان الولادة الثانية؛ حيث الوجد والوله والصبابة والعشق والحب، وهو جسره للوصول إلى مدارك الكمال.

drhussainshaban21@gmail.com

 

 

)أنسنة( الذكاء الاصطناعي

عبدالحسين شعبان

 

 

«ستحتلّ أراضينا وتطردنا من بيوتنا وتأكل طعامنا وتتزوّج نساءنا». هذا ما يقول به فريق من المثقفين والأكاديميين والعلماء والناشطين السلميين ودعاة حقوق الإنسان في الغرب عن الروبوتات وعمليات الذكاء الاصطناعي، التي هي أقرب إلى سينما هوليوود ذات الخيال الخارق والأفلام «العلمية» الغريبة.

لماذا هذا الموقف الحاد والمسبق من الذكاء الاصطناعي؟ يجيب هؤلاء، لأن الروبوتات هي أكثر سرعة من الإنسان، وأدقّ فاعلية وأشدّ انضباطاً، علماً بأن الإنسان هو صاحب الخيال الذي لا يتحرّك آلياً أو على نحو مبرمج، لكن الفضل يعود إليه وإلى دماغه، خصوصاً في صنع تلك الروبوتات وتطويرها وإعطائها التعليمات والأوامر.

وقد زاد استخدام «مصطلح» الذكاء الاصطناعي خلال العقد الأخير من القرن العشرين، الذي لم يعد مقتصراً على الروبوتات، بل دخل في العديد من التطبيقات التي يستخدمها الإنسان كلّ يوم دون أن يدرك ذلك أحياناً.

وإذا كانت ثمة مخاوف قديمة من اجتياح الآلة حياة الإنسان، فإن هذه المخاوف اليوم أشدّ خطراً وأعمق تأثيراً بسبب تطبيقات الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يستوجب ضرورة إحكام السيطرة الكاملة عليها وتحمّل مسؤولية من يقوم بها خشية من تغوّلها، كما حصل في حوادث تحطّم قطارات وطائرات نتيجة ذلك.

فهل سيكون الذكاء الاصطناعي لخير الإنسان ولرفاهية البشر؟ ثمة فريق، باسم العلم والتطوّر التكنولوجي، يقول نعم، في حين يعترض الفريق الآخر لاعتبارات أخلاقية تتعلّق بالخصوصيات التي سيجري انتهاكها، فضلاً عن المخاطر المحتملة التي تهدّد سلم وأمن البشرية.

وإذا دخل العالم الطور الرابع من الثورة الصناعية في عصر العولمة، والتي جلبت معها المنجزات الكبرى والمخاطر الجسيمة في آنٍ، فالأمر يحتاج إلى إحداث نوع من التوازن بين التطوّر العلمي والجانب الأخلاقي، علماً بأن التأثيرات السلبية قد تؤدي إلى زيادة نسبة البطالة، حيث لم يعد هناك حاجة إلى العديد من المهن والوظائف، وقد يكون لهذه الظاهرة انعكاساتها السياسية بتهديد أسس النظام الديمقراطي، وتآكلها بصعود تيار شعبوي، وهو ما عرفته اليوم العديد من دول أوروبا.

وحتى لو افترضنا أن مردود الذكاء الاصطناعي سيكون إيجابياً على المدى البعيد، فإن ذلك سيعود على الشركات العملاقة التي تحتكره وتترك الفتات المتبقّي لعموم البشر.

وقد يقود الذكاء الاصطناعي إلى تزوير وتشويه الحقائق، ونشر الأخبار الكاذبة، وبالتالي إعادة أدلجة عقولنا من خلال ما نشاهد وما نقرأ، حيث صارت شركات بيع المعلومات أكثر ربحية، ونلاحظ اليوم أن منصات التواصل الاجتماعي أحدثت تطوّراً نوعياً على المستوى الكوني، فاليوتيوب والفيسبوك وتويتر وغيرها، تعيش معنا وتتحكّم في الكثير من الأحيان بتوجّهاتنا. وهكذا تستطيع أن تغيّر نتائج انتخابات أو الترويج لرأي أو لشخصية أو لبضاعة أو تشويهها حسب مقتضيات الحال.

ولذلك هناك من يقول إن الذكاء الاصطناعي يجعل البشر فاقدي التفكير ومجرّد متلقّين، عديمي المبادرة وبلا قدرة على التقييم والنقد، إذْ ستقوم الآلة بالتفكير نيابةً عنهم، وبالتأكيد فإن من سيوجّه الآلة هو الذي سيتحكّم بالنهاية بمصائر الآخرين، بما يحقق له المزيد من الثراء والسطوة، في حين يزداد الفقراء فقراً وبؤساً.

وقد حذّر بعض العلماء من إغفال الجانب الأخلاقي، وطالبوا بحظر كامل لاستخدامات الذكاء الاصطناعي في الأغراض العسكرية، إذْ سيصبح الذكاء الاصطناعي مسلحاً، وهو ما يثير مخاوف دعاة السلام والتسامح والتفاهم بين الشعوب أيضاً.

وكان مشروع قانون أوروبي للذكاء الاصطناعي، قد اقترح حظراً لبعض أشكاله الأكثر عدوانية وغير الأخلاقية، مثل التلاعب بالسلوك ومنها خوارزميات التعليم الآلي التي تستهدف الناس بالرسائل السياسية عبر الإنترنت، واقترح «معهد مستقبل الحياة»، وهو معهد غير ربحي، وقف أنشطة الذكاء الاصطناعي لمدة ستة أشهر.

وعلى الرغم ممّا يحقّقه الذكاء الاصطناعي من مزايا هائلة للبشرية، مثل تشخيص الأمراض والتنبؤ بتغيّرات المناخ، إلّا أن تحدّياته الأخلاقية واحتمالات بعض تطبيقاته تبقى خطرة لدرجة مرعبة، لاسيّما تلك التي تتعلّق بالأسلحة والمراقبة الجماعية.

يصحّ القول إن الذكاء الاصطناعي قدر للبشرية لا مردّ له بما يحمل من أفضل المواصفات وأسوأها، الأمر الذي يقتضي من المجتمع الدولي «أنسنته»، أي جعله لخدمة البشر من خلال اتفاقيات دولية ملزمة، وإلّا ستكون نتائجه وخيمة على البشرية.

drhussainshaban21@gmail.com

 

 

الثورات: تقدّم أم تراجع...؟

 

عبد الحسين شعبان

 

            فكرتان أساسيتان هيمنتا على الجمهور العربي منذ أواسط الخمسينيات، روّجت لهما القوى السياسية الشمولية بجميع مدارسها القومية والشيوعية والدينية فيما بعد؛

أوّلهما – أن التغيير في العالم العربي لا بدّ أن يكون ثوريًا وليس إصلاحيًا تدرّجيًا، عبر التطوّر والتراكم الطويل الأمد.

وثانيهما – أن الجيش هو أداة التغيير الأساسية الحاسمة بحكم انضباطه وتفوّقه التنظيمي، ولذلك تبارت القوى التي تصف نفسها بالثورية بكسب مراتب من الضباط والجنود تمهيدًا للقيام بانقلابات وثورات للوثوب إلى السلطة.

            موضوعيًا ساعد قيام ثورة 23 تموز / يوليو 1952 في مصر بإلهاب حماس الشارع العربي الذي نظر إليها بعين التقدير والإعجاب، خصوصًا إثر تأميم قناة السويس 1956 ومواجهتها للعدوان الثلاثي الإنجلو – فرنسي -  "الإسرائيلي".

            وكانت ثورة 14 تموز / يوليو 1958، التي أطاحت بالنظام الملكي في العراق وأقامت الجمهورية، النموذج الثاني البارز لدور الجيش، خصوصًا إقدامها على عدد من الإجراءات بالضدّ من مصالح القوى الإمبريالية والصهيونية، ولاسيّما الانسحاب من حلف بغداد، والخروج من نظام الكتلة الاسترلينية، وإصدار القانون رقم 80 لعام 1961، الذي تمّ بموجبه وضع اليد على 99.5 % من الأراضي التي كانت بحوزة الشركات النفطية الأجنبية في العراق.

            لكن الثورات والانقلابات العسكرية التي غدت نموذجًا ممكنًا للتغيير في العالم الثالث،  سرعان ما قوّضت المكاسب التي حقّقتها شعوبها في التحرّر الوطني وإحراز الاستقلال، حين فتحت شهية المغامرين والطامعين بالسلطة، وأكثر من ذلك، فإنها قطعت خطّ التطوّر التدرّجي الذي كانت تسير عليه العديد من البلدان في تنميتها وتقدّمها، وهو ما تؤكّده تجارب العديد من بلدان أفريقيا وآسيا منذ استقلالها في الستينيات وإلى اليوم.

            وبدلًا من تسليم السلطة إلى الشعب والعودة إلى الثكنات، تمترست القوى العسكرية فيها  وحوّلت الدولة إلى إقطاعية خاصة بها، رافعة الحدود بين السلطة والدولة، ومتغوّلة بواسطة الأولى على الثانية.

            وإذا كان التيار الديمقراطي ناميًا ومتطلّعًا إلى الحداثة والمدنية والتطوّر السلمي، سواءً في مصر أو العراق أو سوريا أو الأردن أو لبنان أو غيرها، فإن الانقلابات والثورات العسكرية صرعته، بل دحرجته بين أرجلها، وازدرت السياسة الفكر وتطاولت عليه، خصوصًا بصعود نخب عسكرية، من أصول ريفية، شحيحة المعارف ومحدودة الثقافة، معلية من وتيرة العنف الذي صار نظرية عمل بفعل استخدامها الكتل البشرية الهائلة التي تذكّر بعصر المداخن إبّان الثورة الصناعية، والتي تعبّر بطريقة غير عقلانية عن مآلات الصراعات ووجهتها.

            وبسبب موجة العنف والصوت الواحد، وغياب حريّة التعبير والحق في التنظيم الحزبي والنقابي والحق في المشاركة، اضطّر التيار المدني الديمقراطي إلى النأي بنفسه، فقسم منه اتّخذ من الصمت سلاحًا للمواجهة، والقسم الآخر حمل عصاه ورحل إلى المنافي.

 وأذكر هنا مثالين على ذلك في العراق؛ أولهما – المفكر حسين جميل، المحامي والوزير والسفير وسكرتير الحزب الوطني الديمقراطي، الذي اتّجه إلى الكتابة والتنظير بعيدًا عن المشاركة في الحياة العامة محاولًا استعادة الفكر الديمقراطي والليبرالية العربية التي كاد نسلها أن ينقطع، خصوصًا حين أصدر كتاب "حقوق الإنسان في الوطن العربي" 1983،

وثانيهما – رفعة الجادرجي، الذي اختار المنفى بعد تلفيق تهمة له والحكم عليه مدى الحياة، إلّا أنه تمّ إطلاق سراحه بقرار رئاسي بهدف مشاركته في تجميل العاصمة بغداد، بمناسبة قرب انعقاد قمة عدم الانحياز، التي لم تنعقد. وكانت باكورة انشغاله بإحياء الفكر الديمقراطي، تأليف كتابه الأول في المنفى "صورة أب" 1986، الذي هبطت عليه أفكاره وهو منقطع عن العالم وحيدًا في زنزانة رطبة وملابس مهترئة وقمل ينهش جسده وصوت مثل المخاط يملأ أذنيه. اختمرت فكرة الكتاب "حبة.. حبة" يوم كان محاطًا بظُلمة وظَلمة، وهو عنوان لكتابه المثير مع رفيقة عمره بلقيس شرارة "جدار بين ظلمتين" (بالضمّة أو بالفتحة).

            إذا كان كتاب جدار بين ظلمتين يمثّل ملامح مهمة من سردية درامية لحياة يومية تتأسس في خضم المعاناة، ولاسيّما في ظلّ غياب الفكرة الديمقراطية، فإن كتاب حقوق الإنسان كان مساهمة جديرة بالتأمل في ظلّ الحروب والمغامرات العسكرية وأعمال العنف وتكميم الأفواه.

خلاصة القول، أن الجيوش بدلًا من دفاعها عن الأوطان وإسهامها في عمليات الإعمار والبناء والتنمية، ساهمت في تعطيل تطوّر المجتمع، حيث جرت مقايضة الإصلاح والديمقراطية والتنمية بشعارات صاخبة حول تحرير فلسطين والوحدة والاشتراكية، الأمر الذي أعاد العديد من الشعوب التي ابتُليت بالانقلابات العسكرية القهقري، فلا هي حققت طموح الأمة العربية وآمالها، ولا هي تركت البلاد تسير بالتراكم في طريق التطوّر.

            لم تقم السياسة في مجتمعاتنا على الحوار والجدل وقبول الآخر ومباراة الأفكار، بل قامت على التغالب والاستقواء، فضلًا عن التشاطر وعدم التورّع في الكذب ونهب المال العام والاعتصام بالطائفية والإثنية والعشائرية، خصوصًا في السنوات الأخيرة، الأمر الذي جعل الناس بشكل عام تنفر من السياسة في غياب التنافس المشروع وحكم القانون. وكانت تلك الإشكاليات جزءًا من هواجس الفكر الديمقراطي وتحدياته التي جسّدتها تنظيرات جيل الروّاد.

                         

 

 

لوزان والكرد والجيوبوليتيك

 

عبد الحسين شعبان *

 

في 24 تموز/يوليو 2023، تحل الذكرى المئوية لإبرام معاهدة لوزان بين الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى والجمهورية التركية، التي تأسست في أعقاب انهيار وتمزّق الإمبراطورية العثمانية.

ds وفي هذه المدينة السويسرية، أسدل الستار على معاهدة سيفر، التي وقّعتها الدولة العثمانية مع الحلفاء في 15 آب/أغسطس 1920 والتي اعترفت بجزء من حقوق الشعب الكردي بمنحه حكماً ذاتياً في شرق الأناضول.

وفي السنوات الأخيرة، احتدم الجدل حول معاهدة لوزان، والأبعاد الجيواستراتيجية المترتبة عليها، والأمر لا يخص الدول الأطراف الموقعة على المعاهدة؛ بل يمتد تأثيرها إلى حوض المتوسط وعموم الشرق الأوسط.

Ads by

تتألف المعاهدة من 143 مادة تتعلّق بإنهاء حالة الحرب، وتأسيس علاقات الصداقة والتجارة، واحترام السيادة والاستقلال للدول الموقّعة وفقاً للمبادئ العامة للقانون الدولي. وقد أبرمت المعاهدة بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان واليونان ورومانيا وصربيا وكرواتيا من جانب، وتركيا من الجانب الآخر.

وفي هذه المعاهدة، تم تحديد الحدود السياسية الجديدة بين تركيا من جهة وبلغاريا واليونان وسوريا والعراق وقبرص والنمسا والمجر وبولونيا ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا وغيرها من جهة أخرى، وإن بقيت بعض المشكلات معلّقة، وتنازلت تركيا عن امتيازاتها على مصر والسودان ومناطق أخرى كانت تحت رعاية الإمبراطورية العثمانية، وتم الاتفاق على مبدأ حرية المرور والملاحة في البحر والجو وفي مضيق الدردنيل وبحر مرمرة والبوسفور.

وتقرّر منح الأتراك المقيمين بصفة اعتبارية في إقليم مفصول عن تركيا جنسية البلد الآخر حسب المعاهدة. وتعهّدت تركيا بحماية الأقليات دون تمييز بسبب المولد أو الجنسية أو اللغة أو العرق أو الدين، بما فيها حقّ الأقليات غير المسلمة بالحرية الكاملة في التنقّل والهجرة وبنفس الحقوق المدنية والسياسية التي يتمتّع بها المسلمون.

لكن معاهدة لوزان التي بدت شاملة لكل شعوب المنطقة، استثنت الشعب الكردي من أية تسويات تضمن مستقبله، علماً بأنه أصبح موزعاً بين أربعة دول أساسية، وهي تركيا وإيران والعراق وسوريا، إضافة إلى قسم منه في أذربيجان وأرمينيا.

وإذا استثنينا «فيدرالية إقليم كردستان»، التي لا تزال تتجاذبها الكثير من عناصر الشد والجذب الإقليميين، فإن الشعب الكردي عانى إجحاف معاهدة لوزان، وغُبن وتنكّر الحلفاء بالتجاوز على معاهدة سيفر، وما زاد على ذلك ظلم حكومات المنطقة وعدم اعترافها بحقوقهم القومية، وقد لعبت القوى الدولية دورها في ذلك باستخدام المسألة الكردية ورقة بيدها ضد الدول التي يوجد فيها الكرد، وليس لصالحهم؛ بل لمصالحها الأنانية الضيقة.

وبالطبع، فإن وِزر معاهدة لوزان، وما ترتّب عليها من تشكيلات دولية ورسم حدود وقطع وضم وبتر وإلغاء يقع على عاتق بريطانيا وفرنسا بالدرجة الأساسية. ولعل من أهم الانتقادات التي توجّه إلى معاهدة لوزان، أنها وفّرت غطاء دولياً وقانونياً لطرد سكان منطقة ما لاعتبارات دينية أو إثنية وفقاً لترتيبات الدولتين المنتصرتين، الأمر الذي ترك عواقب وخيمة على دول المنطقة وقوّض أسس التعددية الثقافية؛ بل وضع عقبات جدية أمام التنوّع الديني والإثني بالتجاوز على الهويات الفرعية والخصوصيات؛ بل وعموم حقوق الإنسان.

لقد غابت المسألة الكردية من الأروقة الدولية طوال سنوات القرن العشرين تقريباً، على الرغم من انتفاضات الكرد، حتى عادت مجدداً بصدور القرار 688 في 5 نيسان/إبريل 1991 بعد غزو القوات العراقية للكويت، وبعد حرب تحريرها، التي شهدت فرض حصار دولي شامل على العراق؛ حيث دعا هذا القرار إلى وقف ما تتعرّض له المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق.

واعتُبر هذا الأمر تهديداً خطِراً للسلم والأمن الدوليين، وطالب الأمين العام للأمم المتحدة بإبقاء هذا الملف مفتوحاً، وإشعار مجلس الأمن بتطورات الموقف. وهو ما ترتّب عليه إقامة منطقة الملاذ الآمن في كردستان، بعد سحب الحكومة العراقية مؤسساتها الحكومية وإدارتها المالية من الإقليم، الذي أقيمت فيه لأول مرّة في التاريخ إدارة كردية مستقلّة، أعلنت من جانبها ومن طرف واحد الفيدرالية مع العراق العربي، وهو ما تحقّق بعد إطاحة النظام العراقي بالاحتلال الأمريكي عام 2003.

وبمرور 100 عام على معاهدة لوزان، هل تحقّق الأمن الإقليمي، أم ثمة إشكاليات ومشكلات جديدة ومعقّدة في ظل غياب حلول سلمية للقضية الكردية المعتقة؟

بتقديري أن المسألة تحتاج إلى إعادة قراءة وتفكير جديدين بأهمية ربط السلام بالتنمية، وهذا لن يبلغ هدفه المنشود دون تعاون الأمم ال4 في المنطقة والمقصود بذلك الترك والفرس والعرب والكرد، الذين تربطهم علاقات تاريخية أخوية، وفقاً للمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة.

drhussainshaban21@gmail.com

 

 

نادي النبلاء.. عقول

«أكسفورد وكيمبريدج»

 

عبد الحسين شعبان

دون يافطة أو إشارة تدلّك على «نادي أكسفورد وكيمبريدج»، فأنت أمام مبنى قديم وأنيق وعريق من وحي المدرسة المعمارية، التي تأثّرت بالفن المعماري اليوناني القديم،  وما أن تدخل من البوابة الأمامية الخشبية البنية حتى تشعر حقيقة بشيء من الانضباط والنظام وكأنك ما زلت في عالم الإمبراطورية البريطانية العريقة وحكاياتها الغامضة، ولربما يراودك الشك بأنها لا تزال خلف الأبواب.

Ads وأكسفورد وكيمبريدج ليستا جامعتين عريقتين فحسب، بل هما من أقدم وأعرق الجامعات في 

العالم، وهما مجمع العقول «تروست الأدمغة»، من داخلهما ومن خارجهما وبالتواصل معهما تُصنع السياسة ويتبارى الفرقاء في تمثيل بريطانيا العظمى، واستناداً للبحث العلمي، وكلّ يدّعي وصلاً بالحق والعدل وحكم القانون، حتى وإن استعمر أمماً ونهب ثروات شعوب وكبح جماح حقّها في تقرير مصيرها بوعود باطلة، لا يزال الشعب الفلسطيني يدفع ثمنها باهظاً، دون اعتذار أو تعويض عمّا لحقه من غبن وأضرار طيلة ما يزيد عن قرن من الزمان.

يقع نادي النبلاء في «منطقة القصور الملكية»، التي تضمّ قصر سانت جايمس الذي صممه المعماري سير سميرك وهو نفسه الذي صمّم المتحف البريطاني في ساحة راسل بالقرب من جامعة لندن. ثم أضيف إليها قصر باكينغهام الذي جرى تشييده في العام 1703، ولكنه تحوّل إلى بيت الملك جورج الثالث في العام 1762، وتمّ توسيعه لاحقاً، وبناء بيت كلارنس (حيث يسكن الملك تشارلز الثالث وقرينته كاميلا، بينما يدير أعماله الرسمية من باكينغهام) ما بين أعوام 1825 – 1827، وكنيسة الملك في جوارها، وهكذا أصبحت المنطقة وسط لندن تسمّى «منطقة القصور الملكية».

استخدمت العائلة المالكة خططاً وسياسات ووسائل مختلفة لكي تُعيد بسط هيمنتها ونفوذها شعبياً بعد تصدّعها، بسبب الثورة التي ساهمت بعزلها لفترة وجيزة في أعقاب حرب أهلية دامت 10 سنوات (1642 – 1652)، حيث أُعدم فيها الملك تشارلز الأول في 30 يناير 1649، وقام القائد العسكري أوليفل كرومويل بتحويل بريطانيا إلى جمهورية لنحو عقد من الزمان.

ظلّ «نادي النبلاء» (أكسفورد وكيمبريدج)، الذي يقع في منطقة القصور، والذي تأسس في العام 1821، حكراً على الرجال فقط حتى وقت قريب (1996)، وقد تمّ توسيعه في العام 1952، حيث ضمّ المبنى الملكي المجاور له، الذي كانت تسكنه الأميرة ماري لويز حفيدة الملكة فيكتوريا. وظلّت العائلة المالكة تعوّل على المناقشات والمبادرات التي تتم فيه لصنع السياسات وصياغة البرامج عبر حوارات فكرية وثقافية لعدد من الأقطاب ومعظمهم من أعضاء النادي، سواء من خريجيه أو أساتذته .

ما لفت انتباهي وأنا أقرأ هذا التاريخ العريق، أن إحدى الشخصيات الأكاديمية، من أصول عربية فلسطينية، وهو البروفيسور مكرم خوري مخّول، لعب دوراً إيجابياً في التعريف بالقضايا العربية، حيث شغل موقعاً متميّزاً في هذا النادي، وأصبح عضواً في مجلس الإدارة لأربع سنوات، قام خلالها بأنشطة متنوّعة ومختلفة بما يعزّز التنوّع الثقافي وفهم الآخر تمهيداً لتقبّله.

كما أن 52 سفيراً بريطانياً متخصّصاً بشؤون العالم العربي مثل السفير مايلز والسفير سير هارولد ووكر، اجتمعوا عشية الحرب على العراق (2003) التي شنّتها الولايات المتحدة بقيادة جورج دبليو بوش، ليوجهوا رسالة احتجاج إلى رئيس وزراء بريطانيا توني بلير وليعلنوا أن الحرب غير شرعيّة، وليقودوا تحرّكاً دبلوماسياً فريداً ضدّها.

 كانت عضوية نادي النبلاء، تضمّ ملكة الدانمارك مارغريت، وملك السويد كارل السادس عشر، وزوج ملكة بريطانيا الراحلة إليزابيث الثانية، فيليب، والذي هو راعي النادي سابقاً، كما تضمّ ملك بريطانيا الحالي تشارلز الثالث، ومن المفترض أن يكون هو خلفاً لوالده لرعاية النادي.

وتعتبر التعدّدية والتنوّع والانتماءات المختلفة سمة مميّزة للنادي، التي يتم التعبير عنها باللعبة العادلة، Fair Play، كما يخضع الأعضاء إلى نظام صارم وبروتوكول للإتيكيت بما فيه المظهر والملبس. ويحتوي النادي على مكتبة ضخمة وقاعات متعدّدة وصالات متنوّعة للاجتماعات الرسمية وغير الرسمية، حيث تُقام فيها الندوات والمؤتمرات في مواضيع فكرية وثقافية وسياسية وديبلوماسية وقانونية وفنية وأدبية ورياضية.

 

 

كلام في الليبرالية العربية

عبدالحسين شعبان

 

يوم غادرنا حسين جميل، الذي يُعدّ من الرعيل الأول للشخصيات الليبرالية الوطنية الديمقراطية العربية، استعدتُ عدداً من الأسئلة التي ظلّت تراودني على مدى أربعة عقود من الزمن: هل انقطع نسل الليبرالية العربية؟ وهل ثمة تيّار ديمقراطي عربي جديد؟ وهل هناك علاقة رحم بين الليبرالية الجديدة والتيار الليبرالي القديم (الكلاسيكي)؟

وبمعاينة تجارب جيل الروّاد التي اختفت من الخريطة السياسية العربية، بفعل الانقلابات العسكرية وهيمنة الأحزاب الشمولية على المشهد السياسي، وزحف الريف على المدينة الذي شهده العالم العربي، وتراجع التوجّه المدني في الدولة والمجتمع، يمكن القول أن الكشف عن فكر المدرسة الليبرالية العربية المعاصرة في العراق ومصر وسوريا ولبنان وبعض البلدان العربية، يصبح «فرض عين وليس فرض كفاية» بالنسبة للجيل الجديد، خصوصاً بتسليط الضوء على مرحلة ازدهارها في ثلاثينيات القرن الماضي وحتى خمسينياته.

لقد اختلطت مفاهيم الليبرالية اليوم لدرجة أصبحت بعيدة عن أصولها الفكرية وأساساتها النظرية التي قامت عليها، لاسيّما بعد سبات دام عقوداً من الزمن دخلته الفكرة الليبرالية، حيث سيطر فيها الفكر الواحدي الإطلاقي والنزعات العسكرية والعنفية، وتهميش الطبقة الوسطى وإضعافها، وانحسار تيار الحداثة المدني.

وأصبح الحديث عن الليبرالية أقرب إلى عمل مرذول، لاسيّما بهجران أو غياب أنصارها المخلصين، وغدت أقرب إلى التأثيم والتحريم والتجريم بسيادة نهج الإقصاء والإلغاء، وهيمنة التعصّب ووليده التطرّف والغلو، ونتاجهما العنف والإرهاب، على حساب ثقافة الحوار، والتعايش والاعتراف بالآخر والإقرار بالتنوّع والتعدّدية.

يتفرّع السؤال عن علاقة الليبرالية بالوطنية من سؤال الليبرالية العربية وتراثها، فهل يمكن أن يكون المرء ليبرالياً من دون أن يكون وطنياً، خصوصاً في ظلّ انسياق بعض دعاة الليبرالية العربية الجدد ضدّ بلدانهم، بما فيها تأييد حصارها وفرض العقوبات عليها؟ ثم ما هي علاقة الليبرالية الكلاسيكية بالليبرالية الجديدة؟

هنا نستذكر حسين جميل نموذجاً، لأنه ترك إرثاً قانونياً وفكرياً وسياسياً ونقابياً غنياً، وكان أحد أبرز رموز ومنظّري الفكر الليبرالي الديمقراطي في العراق مع كامل الجادرجي ومحمد حديد وآخرين، وهو من حاول السير بالتعاليم النظرية والأكاديمية بربطها بالدولة العصرية بموازاة وتماس مع الواقع عبر فهمه والسعي لتغييره، فقد جمع في شخصه اختصاصات كثيرة، فهو أمين عام اتحاد المحامين العرب والباحث السياسي والدبلوماسي والوزير والمفكر الذي ربط السياسة على نحو عضوي ببُعدها الأخلاقي.

وقد تميّز حسين جميل بالوطنية الصميمية والاعتدال والوسطية والتسامح، في مرحلة كان الولاء الأيديولوجي لقوى دولية وإقليمية قائماً، مثلما كان التعصّب والتطرّف سمتين تطبعان سلوك الفرقاء والمتخاصمين بمن فيهم «الأخوة الأعداء» حسب كازنتزاكس.

ما يدفعنا للكلام عن الليبرالية اليوم، هو التباس مفهومها وتعويل البعض عليها بعد فشل المشاريع الشمولية، القومية الاشتراكية والاشتراكية الماركسية والإسلامية الإسلاموية، وانهيار أنظمة أوروبا الشرقية، حيث ارتفع شعار «الليبرالية هي الحل»، بعد أن كان الحل بالقومية تارة والاشتراكية تارة أخرى وبالدين في مرّة ثالثة.

لكن الكلام الجديد في الليبرالية صاحبه إشكالية أساسية، خصوصاً بالتعويل على العامل الخارجي لإنجاز مهمة التغيير المنشود، تلك التي لا تخلو من تداخلات وإملاء إرادة واستتباع، في ظلّ عجز وعدم ثقة ويأس من إنضاج العامل الداخلي، في حين قامت الليبرالية الكلاسيكية على قاعدة سياسية أساسها الحريّات المدنية والسياسية، خصوصاً حريّة التعبير والاعتقاد والتنظيم والشراكة والمشاركة، وقاعدة اقتصادية أساسها الحريّات الاقتصادية، وفقاً للقاعدة الشهيرة التي راجت بعد الثورة الفرنسية (1789) «دعه يعمل.. دعه يمرّ»، أي حريّة العمل وحريّة الأسواق وحريّة انتقال البضائع.

وتمكّنت الليبرالية من تحقيق منجزات تاريخية مهمة وبالتدرّج والتراكم، أبرزها إقامة أنظمة ديمقراطية وبرلمانات، واعتماد مبادئ المساواة، الأمر الذي شجّع الإنتاج العلمي والفني والأدبي، خصوصاً بوجه سطوة الفكر الخرافي والشعوذات التي امتازت بها القرون الوسطى، بتأكيد قيم العقلانية والعلم وأولوية الفرد.

باختصار، فإن الليبرالية تعتبر الحريّة والفردانية الباعث في حياة الإنسان، وهدفها تحقيق سعادته ورفاهه في حاضره ومستقبله. فهل ثمة رابط بين هذه الليبرالية والليبرالية الجديدة التي اتّسمت بسيادة العولمة، تلك التي أظهرت وجهها المتوحّش والسافر في بلداننا ومنطقتنا، التي عرفت احتلالات ومحاولات فرض مشاريع لا تنسجم مع قيمها وتقاليدها وتراثها، فضلاً عن تشبّث بعض دعاتها بالطائفية، فضلاً عن الولاءات الإقليمية والدولية؟

أستطيع القول، لا يستقيم الكلام في الليبرالية دون أن يكون شاملاً دستورياً وقانونياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً وتربوياً. فكيف يمكن التوفيق بين الليبرالية والعنف وبين الليبرالية والخرافة، وبين الليبرالية والتمييز وبين الليبرالية والطائفية؟ فذلك ليس سوى قطيعة مع جوهر القيم الليبرالية، بل مواجهة لها، فما بالك بضعف المجتمع المدني وانتشار السلاح خارج القانون وضعف دور القضاء.

drhussainshaban21@gmail.com

 

 

في «أنسنة» القانون الدولي

 

عبد الحسين شعبان

 

«يظلّ المدنيون والمقاتلون تحت رعاية وسلطان مبادئ القانون الدولي، كما استقرّ عليه العرف ومبادئ الإنسانية وما يُمليه الضمير العام»، ذلك ما كتبه فيودور مارتينو، المندوب الروسي في مؤتمر لاهاي عام 1899. استعدتُ ذلك وأنا أتابع مجريات الحرب الأوكرانية والمآسي والآلام والعذابات التي يتحمّلها السكان المدنيون منذ 24 فبراير/ شباط 2022، والتي ستستمرّ إلى أجل غير مسمّى، حتى الآن.

 وإذا كان هناك من يستطيع أن يحدّد بدء الحرب، فقد لا يكون بإمكانه، في الأغلب، تحديد أو اختيار لحظة إنهائها، وذلك أحد دروس التاريخ التي يبدو أن الزعماء السياسيين والقادة العسكريين لم يتعلّموها.

 وإذا كان هؤلاء يرسمون خطط الحرب، ويضعون الخرائط أمامهم ويؤشرون عليها بعلامات الهجوم والتقدّم والانسحاب، فإن المدنيين، إضافة إلى المقاتلين، هم من يدفعون ثمنها، خصوصاً حين يخسرون حياتهم ومستقبلهم وتتحطّم آمالهم. وهكذا نرى يومياً آثار الدمار، والقتلى والجرحى والأسرى والمعوقين واللّاجئين، والأمر لا يخصّ النزاعات الدولية المسلحة حسب، بل يشمل النزاعات الأهلية المسلّحة، والسودان مثال على ذلك، فهو ما زال ينزف منذ 15 إبريل/ نيسان 2023 وإلى اليوم، وعلى الرغم من المناشدات والوساطات الدولية، فلا يوجد حلّ ملموس في الأفق، ويبقى المدنيون والجنود هم وقود هذه الحرب بلا حدود.

 ولعلّ ما ذكره مارتينو بشأن الإنسانية والضمير يُعتبر الأساس في القانون الإنساني الدولي، على المتحاربين أن يتذكروه دائماً، وأن يعملوا على الالتزام به ويحرصوا على تجنّب مخالفته.

 هنري دونان وغيوم هنري دوفور، هما من أسّسا هذه المسيرة الإنسانية المعاصرة للقانون الدولي الإنساني، الأول رجل أعمال سويسري، أما الثاني فهو ضابط في الجيش السويسري، وبينما كان دونان في رحلة إلى إيطاليا (1859)، شهد ما خلّفته معركة سولفرينو من مآس مريعة وآثار مفزعة، وحين عاد إلى جنيف قرّر أن يدوّن ذلك في كتاب ووضع عنواناً له «تذكار سولفيرينو» وقام بنشره، وقدّم له الجنرال دوفور معلومات أخرى عن الحرب، إضافة إلى دعمه المعنوي، وقد كانت اتفاقيات جنيف الأولى عام 1864، أولى الاتفاقيات في القانون الدولي الإنساني، تلك التي صدرت عن المؤتمر الدبلوماسي.

 ولهول ما شاهده دونان، وما عاشه دوفور، وما عرفه، فقد قررا أن يؤسسا لجنة لإغاثة جرحى الحرب من العسكريين، وضمّا إليها ثلاث رفاق ليصبحوا خمسة و«لجنة الخمسة» كانت النواة لاحقًا ﻟ«اللجنة الدولية للصليب الأحمر» (1876). 

 وكانت قوانين حمورابي (1792 - 1750 ق.م) أقرّت قواعد «لمنع الأقوياء من اضطهاد الضعفاء»، كما أن الكتب المقدّسة احتوت على الكثير من المبادئ التي أخذتها عنها الدول والحكومات، بما فيها قواعد الفروسية في العصور الوسطى، أو ما تسمّى مدوّنات الشرف التي تكفل احترام الضعفاء، أو أولئك الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. وبالتراكم والتطوّر البطيء طويل الأمد، تطوّرت هذه القواعد في القرن التاسع عشر، وتوسّعت الأنشطة الإنسانية لتدوين قواعد القانون الإنساني الدولي المعاصر، التي جاءت تتويجاً لأعراف الحروب وممارساتها على مرّ العصور، والتي عرفت أشكالًا مختلفة من القواعد التي تحدّد ظروف الحرب وشكلياتها والسلطات المعنية ببدئها وإنهائها، وحدود المشاركين فيها، وزمان ومكان العمليات الحربية، وأساليب سيرها وقواعد تحريمها.

 وكانت اتفاقيات لاهاي الثانية (1907) استكمالاً وتطويراً لاتفاقيات لاهاي الأولى (1899). أما في الحرب العالمية الأولى، فقد استحدثت وسائل وأدوات جديدة في الحرب لم تكن موجودة، أو معروفة سابقاً، بما فيها الغازات السامة، والقصف الجوّي، وأسر المئات والآلاف في الحرب، الأمر الذي تطلّب من المجتمع الدولي وضع اتفاقيات جديدة لتنظيم ذلك، والتخفيف من غلواء الحروب أو تلطيفها في عامي 1925 و1929.

 وفي الحرب العالمية الثانية، قُتل ما يزيد على 60 مليون إنسان، الأمر الذي احتاج من المجتمع الدولي إلى وضع اتفاقيات دولية جديدة (اتفاقيات جنيف الأربع الصادرة في 12 أغسطس/ آب 1949)، ثم اقتضت الحاجة إلى تطويرها أيضاً، بوضع بروتوكولين إضافيين صدرا عن المؤتمر الدبلوماسي 1974 - 1977، استجابة للآثار الإنسانية لحروب التحرر الوطني التي لم تكن اتفاقيات جنيف عالجتها، لا سيّما «حماية ضحايا المنازعات المسلّحة غير الدولية».

 المهم، ليس تلطيف الحرب أو تحسين قواعد إدارتها، ولكن الأهم هو تحريم الحروب، وعدم استخدام القوّة، أو التهديد بها في العلاقات الدولية، واللجوء إلى الوسائل السلمية لحلّ المنازعات، وذلك ما يمثّل جوهر ميثاق الأمم المتحدة.

drhussainshaban21@gmail.com

 

 

(روح السياسة).. والصالح العام

 

عبد الحسين شعبان

 

استحق نيكولو ميكافيلي، المفكر الفلورنسي المدفون تحت قباب كنيسة سانتا كروشيا الشهيرة، لقب مفخرة إيطاليا، علماً بأن عدداً من عظماء إيطاليا وُوريَ في الثرى في تلك المقبرة الجميلة مثل مايكل أنجلو الرسام والنحات والمهندس والشاعر (1475 – 1564)، محور الفن في عصر النهضة، وغاليليو غاليلي، (1564 – 1642)، العالم الفلكي والفيلسوف والفيزيائي، الذي لعب دوراً بارزاً في الثورة العلمية؛ ودانتي أليغيري (1265 – 1321)، الشاعر الكبير وصاحب «الكوميديا الإلهية»، والتي تعتبر قمة في الأدب العالمي.

 ونُقشت بحروف من ذهب مآثر هؤلاء العظماء، باستثناء صاحب كتاب «الأمير»، فلم يُنقش عليه سوى هذه العبارة «ميكافيلي 1527»، أي سنة وفاته، لأنه لم يبلغ مجده ولم يصل سموه أحدٌ. وقد احتفلت إيطاليا في العام 2013 بمرور 500 عام على صدور كتاب «الأمير».

 لم يقتصر صيت هذا الكتاب النفيس على الفترة الزمنية التي عاش فيها ميكافيلي أو العهود التي أعقبتها، بل لا يزال «راهنياً» على الرغم من التطورات والتغيّرات التي حصلت في علم السياسة على المستوى الكوني. إنه بحث عن الممكنات وليس عن الكمال، وتلك هي السياسة صراع واتفاق مصالح.

 استوقفني مجدداً موضوع «الشرعية» و«المشروعية»، وأنا أعيد قراءة كتاب غوستاف لوبون (1841 – 1931)، «روح السياسة» الذي صدر قبل 113 عاماً، فالأولى لن تتحقق طالما افتقد الحكم إلى رضا الناس ومنجز ملموس، والثانية تفترض حكم القانون لتأمين الأمن والاستقرار للناس وحماية حياتهم وممتلكاتهم. ولوبون الطبيب النفسي والمؤرخ الفرنسي، ليس منظّراً فحسب، بل يمتلك عقلاً عملياً اكتسبه من تجربته الشخصية، وقد انشغل أيضاً بدراسة الحضارات الشرقية، ومنها الحضارة العربية – الإسلامية، وعمل على إنصافها، ومثلما حظي كتاب «روح السياسة» بشهرة كبيرة، فإن كتابه «سيكولوجية الجماهير» لا يقلّ شهرة.

 «روح السياسة» تعني فن الحكم، مع اعتماد العلم وقوانين التطوّر والنزاعات والحروب وأحوال الرجال من جهة، ومراعاة مزاج الناس من جهة أخرى، وتمثّل تلك الروح، العقلية الفردية والجماعية للشعوب والأمم، بما فيها من جوامع، والمقصود الهويّة المشتركة وأساسها اللغة والثقافة والتاريخ والدين، إضافة إلى عوامل اقتصادية ونفسية.

 ووفقاً ﻟ «روح السياسة» يمكن أن تحلّ المعضلات وتُذلّل العقبات التي تعترض طريق العلاقات الدولية، من خلال تفاهمات واتفاقيات وتسويات، وعكس ذلك ستكون الحرب هي البديل بكلّ ما تحمل من تبعات ومآسٍ. ولعلّ المعرفة بعلم السياسة وفنونها تجنّب الكثير من القادة والزعماء اتّخاذ قرارات أو الإقدام على مغامرات أو ارتكاب حماقات قد تؤدي إلى فناء شعوبهم ودمارها قبل غيرها.

 وبقدر ما يكون الحديث في السياسة «سهلاً» لدرجة الابتذال أحياناً، فإن قلّة من السياسيين قرأتْ كتباً في جوهر السياسة مثل «السياسة» لأرسطو، و«الجمهورية» لأفلاطون، و«الأمير» لميكافيلي، فضلاً عن دراسة تاريخ السياسة وفلسفتها والممارسة السياسية التي لا غنى عنها، فلا سياسة حقيقية دون ممارسة. السياسة غاية، أما الممارسة فهي وسيلة لتحقيقها.

 وتزداد فنون السياسة كلّ يوم، بما فيها دور القوّة الناعمة والدبلوماسية الاقتصادية والثقافية وغيرها خصوصاً والعالم في الطور الرابع للثورة الصناعية. ولا شكّ أن عنصر الإقناع في السياسة يبقى ضرورياً، فالقناعة إذا ما تولّدت لدى الناس تصبح قوّة ماديّة يَصعُب اقتلاعها، وكان نابليون يؤكّد أن التكرار أشدّ عوامل الإقناع تأثيراً.

 وإذا كان دستور اليونيسكو يؤكد أن الحروب تُصنع في العقول، فإن تشييد حصون السلام ينبغي أن يكون في العقول أيضاً، فالتواصل بين الشعوب والأمم والجماعات والأفراد يخفّف من غلواء الكراهية والأحقاد والتعصّب والتطرّف الذي هو وليده، وإذا ما انحسر ذلك ستتقلّص دائرتي العنف والإرهاب، والأخير عنف منفلت من عقاله، غايته إحداث رعب وهلع في المجتمع الدولي، وإضعاف ثقة المواطن والمجتمع بالدولة وبالنظام الدولي، خصوصاً حين يضرب العنف عشوائياً.

 روح السياسة تجسّد الخير العام حسب عبد الرحمن بن خلدون، وهو ما كان يعتبره أرسطو الأساس في كتابه «السياسة» حين تحدّث عن الخير العميم (الصالح العام)، وحسب المنجدات اللغوية فترجمته تأتي من الفعل ساس (يسوس)، أي حُكم الناس والحُكم بينهم، وبهذا المعنى تصبح روح السياسة فن إدارة الحكم من خلال علاقة الحاكم بالمحكوم، فهما قطبا الرحى فيها، وبقدر ما تكون العلاقة سالكة وتتمتّع بشيء من الثقة، فذلك يعني نجاح وظيفة الحاكم، خصوصاً بالاعتماد على واقع يتجدّد ويتغيّر بتبدّل نظمه وقوانينه، وهو ما قالت به العرب قديماً «تبدّل الأحكام بتبدّل الأزمان»، ولعمري ذلك يجسّد روح السياسة وجوهرها وهويّتها الحقيقية وفلسفتها.

drhussainshaban21@gmail.com

 

 

رسالة التنوّع الثقافي

عبد الحسين شعبان

 

تقف الأبعاد الثقافية وراء ما يزيد على ثلاثة أرباع الصراعات الكبرى في العالم، حسب الأمم المتحدة، وذلك يعني أن المجتمعات تعيش صراعاً ثقافياً متواصلاً على صعيد أوضاعها، الداخلية والخارجية، وهو ما دعاها إلى تجسير الفجوة بين الثقافات المختلفة، بهدف تحقيق السلام والاستقرار والتنمية، علماً بأن التنوّع الثقافي يعتبر جزءاً لا يتجزأ من الجيل الرابع لحقوق الإنسان، فحتى لو كانت الأسباب الاقتصادية والتجارية والعسكرية والجيوبوليتيكية وراء الصراعات، إلّا أنها تكتسب طابعاً ثقافياً كمبرّر فكري، لإعطائها مشروعية، أو مقبولية، لخوضها، فالقوى الاستعمارية رفعت راية التمدّن عند احتلالها البلدان المستعمرة، وقد تغلّفت العديد من الحروب والنزاعات المسلحة، الداخلية والخارجية، الإقليمية والدولية، ببراقع ثقافية.

Ads by

 وكانت محطة 11 سبتمبر/ أيلول 2001 وتفجير برجَي التجارة العالميين، إحدى العلامات البارزة على صعيد المسوّغات الثقافية والدينية التي قيلت لتبرير الإرهاب، وإيجاد ذرائع له، ما دفع «اليونيسكو» بعد شهرين من هذا العمل الإرهابي إلى تبنّي إعلان عالمي بشأن التنوّع الثقافي (أكتوبر/ تشرين الثاني 2001)، وجوهره القبول بالآخر، واحترام خصوصياته في اللغة والملبس والعادات والتقاليد، وأساس ذلك الحق في الاختلاف والإقرار بالتعددّية واعتماد الحوار وسيلة لإحلال السلام.

 وقد تضمّن إعلان اليونيسكو 12 مادة، وأكّد أن التنوّع الثقافي هو الأساس في التراث المشترك للإنسانية، بل اعتبر الدفاع عنه واجباً أخلاقياً ملزماً

 وقد اتّخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في عام 2002، قراراً باعتبار يوم 21 مايو/ أيار «يوماً عالمياً للتنوّع الثقافي من أجل الحوار والتنمية»، وعادت في عام 2005، حين دعت إلى حوار الحضارات لتحسين التفاهم والعلاقات بين مختلف الأمم والشعوب والثقافات والأديان، وبالطبع، فإن ذلك يمكن أن يكون عبر إعادة النظر بمناهج التعليم، ومن خلال الأدب والفن والرياضة، وقد ساهمت العولمة في التقارب بين الثقافات على صعيد البلدان متعدّدة الثقافات، والتي تعيش في الرقعة الجغرافية الحدودية الدولية نفسها، أو بين دول الجوار، أو مع بقية دول العالم، مقرّبة بين شعوبها وأممها ولغاتها وأديانها.

 الهدف من إعلان يوم للتنوّع الثقافي هو إبراز الثراء والغنى العالمي لمختلف الثقافات، والدور المهم الذي يلعبه الحوار بينها لتحقيق السلام والتنمية، في إطار التعددية واحترام حقوق الإنسان الثقافية والتراث الثقافي، بوصفه مصدراً للإبداع والتضامن الدولي.

 وإذا كانت الحروب تصنع في العقول، فلا بدّ من تشييد حصون السلام في العقول أيضاً، حسب دستور «اليونيسكو»، وحين تغيب مساحة الحوار، ترتفع وتيرة التعصّب، وإذا تحوّل الأخير من التفكير إلى التنفيذ يصبح تطرّفاً، والتطرّف حين يصير سلوكاً يصبح عنفاً، وإذا ضرب العنف عشوائياً يتحوّل إلى إرهاب.

 وقد اجتمعت في المكسيك وفود 150 دولة في سبتمبر/ أيلول 2022، في أكبر مؤتمر عالمي مخصّص للثقافة خلال العقود الأربعة المنصرمة، واعتمدت بالإجماع، إعلاناً تاريخياً للثقافة دعا إلى دمجها كهدف محدّد خاص في أجندة التنمية لما بعد 2030. وأكّد المؤتمر مجموعة الحقوق الثقافية التي يجب مراعاتها في السياسات العامة، سواء كانت حقوقاً اجتماعية، أو اقتصادية، أو تتعلّق بحرية التعبير، إضافة إلى حق مجتمعات السكّان الأصليين في حماية معارف أجدادهم، وحماية وتعزيز تراثهم الثقافي والطبيعي.

 وتجسّد خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030 (سبتمبر/ أيلول 2015)، إضافة إلى القرار المتعلّق بالثقافة والتنمية المستدامة (الجمعية العامة للأمم المتحدة - ديسمبر/ كانون الأول 2015) رسالة اليوم العالمي للتنوّع الثقافي من أجل الحوار والتنمية، إذْ ستكون أكثر عمقاً وشمولاً في تحقيق الأهداف اﻟ 17 للتنمية المستدامة، بالاستفادة من الإمكانات الإبداعية لثقافات العالم المتنوّعة، والمشاركة في حوار متواصل لضمان استفادة جميع أفراد المجتمع من التنمية المستدامة.

 والتنمية المستدامة تقوم على ثلاثة أبعاد أساسية هي البُعد الاجتماعي، والبُعد الاقتصادي، والبُعد الثقافي، ويمكن إضافة بُعد رابع، وهو البُعد البيئي، ويتطلّب ذلك عالمياً دعم نُظم مستدامة لحوكمة الثقافة وتحقيق تبادل متوازن للسلع والخدمات الثقافية، ودمجها بسياسات التنمية وتعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

 مناسبة الحديث عن التنوّع الثقافي كان مداخلة لي في مؤتمر نظّمته مجموعة 21 لحريّة الدين والمعتقد وتجمّع الأقليات في العراق، بعنوان «أسئلة الثقافة والتنمية».

drhussainshaban21@gmail.com

 

 

عن ثقافة الكراهية

 

عبد الحسين شعبان

 

تتغذّى مشاعر الكراهية لدى الأفراد أو الجماعات، باستغلال الجانب الغرائزي والانتماءات الضيّقة والهويّات المغلقة التي تقوم على التعصّب بادّعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة تحت مسوّغات دينية أو عرقية (إثنية) أو طائفية أو مذهبية أو أيديولوجية أو عشائرية أو غير ذلك، وهذه بدورها تنمّي الشكوك وتزرع الأحقاد بين الناس، لأنها تقوم على ادعاءات التفوّق، فيُصبح «الآخر»، أي آخر؛ خصماً أو عدوّاً «وكلُّ غريب مريب»، وبالتالي فهو لا يستحقّ ذات المكانة التي ينتمي إليها الفرد أو المجموعة

 والتعصّب يتضمّن الرغبة في الإقصاء والإلغاء والتهميش، والحطّ من قدر الآخر، وذلك قبل أن يتحوّل إلى فعل أو سلوك، إلّا أنه يُصبح خطراً حين ينتقل من التفكير إلى التنفيذ فيتحوّل إلى تطرّف.

 والتطرّف يقترن بفرض الرأي بالقوّة بزعم امتلاك الحق، فيسوق حججاً ومبررات لذلك، وهكذا لا يتورّع المتطرّف من اللجوء إلى العنف لفرض رأيه. والعنف هو نتاج استيلاء التعصب والتطرّف على عقل الإنسان، وتبرير ما يقوم به حتى ولو ارتكب مجازر، فلا ضير في ذلك. لأن الحقيقة ستكون إلى جانبه مدّعياً أن غايته شريفة، بغضّ النظر عن الوسيلة التي يستخدمها للوصول إلى غايته. وبالطبع لا تعصم المبادئ الدينية أو القومية أو الأيديولوجية من ارتكاب المعاصي والآثام تحت الحجج ذاتها.

 وليس غريباً حين يتمكّن التعصّب ثم التطرّف من إنسان أو مجموعة بشرية، فيستحكم فيه أو فيها الكراهية ضدّ الآخر، وهو ما يترجم أحياناً إلى أعمال عنف لا إنسانية، طالما يستبطن ذلك الاعتقاد بصوابية السلوك والفكرة.

 ولعلّ أكثر المجازر في التاريخ التي أُزهقت فيها ملايين الأرواح، وشنّت الحروب واندلعت النزاعات بسببها قامت على الكراهية، فالضحايا يصبحون مجرّد أرقام، ومن يلتجئ إلى ذلك يجد التفسيرات والتعليلات، تارة بحجّة المظالم التاريخية وأخرى رد فعل للاستلابات من خلال الانتقام، وثالثة بسبب الفقر والبطالة ومرّة رابعة بالتفاوت الاجتماعي والطبقي، وبكلّ الأحوال الادّعاء بالتفوّق والأفضلية على الآخر، وهناك من يضيف ظلم النظام الاجتماعي، إضافة إلى عوامل نفسية شخصية وعامة.

وفي مجتمعاتنا العربية والإسلامية، هناك من يحرّض ويعبّئ وينظّر لثقافة الكراهية، حيث التخلّف يهيئ مناخاً مناسباً لها ثقافياً وفكرياً، فتنمو فيروساتها وتتكاثر، لتنتشر ضمن أجندات سياسية تقوم على تكفير الآخر بعد تأثيمه وتجريمه وتحريمه.

 حين قُتل فرج فودة، سُئل القاتل: ولماذا قتلته؟ قال: لأنه كافر، فسأله القاضي: ومن أين عرفت ذلك؟ هل قرأت ما كتبه؟ فأجابه: كلّا، لأنني لا أقرأ ولا أكتب وإنما سمعت ذلك. وهنا تكون الإشاعة أحياناً أقوى من الحقيقة، وهو ما يُراد بثّه للهيمنة على العقول وتسخيرها، والأمر حصل في محاولة قتل نجيب محفوظ وجار الله عمر، وكأن التاريخ يُعيد نفسه.

 وقد اطّلعت على إجابات بعض المرتكبين عن إقدامهم على الفعل الإجرامي، فأجابوا لو عادوا مرّة أخرى سيقومون بذات العمل، لأن معتقداتهم الدينية أو الطائفية أو السياسية، هي التي تدفعهم لذلك لاجتثاث الفكر الآخر، وليس ذلك سوى هيمنة ثقافة الكراهية على بعض البشر، والأمر لا يقتصر على الجهلة أو غير المتعلّمين، بل إن بعضهم تخرّج في أرقى الجامعات، لكنه تشرّب بروح الكراهية، وشُحن بالعداء للآخر، حيث تلعب بعض الأيديولوجيات دورها في ذلك، من خلال روافد مختلفة، لا سيّما في مخاطبة الشباب بزعم «الموت من أجل العقيدة» و«ملاقاة الله» تحت عناوين لا علاقة لها بالجهاد في الإسلام، بل إن ما يقومون به شكل من أشكال العنف والإرهاب القائمين على التعصّب ووليده التطرّف.

 إن ثقافة الكراهية، هي نتاج فكر استعلائي متعصّب، يدّعى احتكار الحق والحقيقة، بعضها يقوم على أوهام التفوّق، التي يتم ضخّها بأساليب مختلفة من خلال مناهج التعليم والإعلام والخطاب الديني بالضدّ من الآخر، سواء بالممارسة العملية أو من خلال قوانين تمييزية تتعارض مع ثقافة السلام والتسامح والتنوّع والتعددية.

 لعلّ ما حصل في رواندا العام 1994 من جرائم ضدّ الإنسانية وجرائم إبادة جماعية وجرائم حرب، مدعاة للتفكّر بما تنتجه ثقافة الكراهية، حيث تعرّضت قبيلة التوتسي إلى الإبادة الجماعية، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة في العام 2003 إلى استذكار تلك الجرائم الأليمة، التي قُتل فيها 800 ألف إنسان على يد قبيلة الهوتو. ولعمري إن ذلك فصل مأساوي من أحلك فصول التاريخ البشري، إذ لم يكن هناك سبب حقيقي له سوى ثقافة الكراهية.

drhussainshaban21@gmail.com

 

 

بشتاشان "خلف الطواحين"

... وثمة ذاكرة

شهادة وليست رواية

بشتاشان: وقفة تأمّل

(الحلقة الثانية)

د. عبدالحسين شعبان

 

"إن أكثر المعارك تجري بأوامر من رجال يفتقدون إلى الكثير من المعلومات،

لنصل في النهاية أن الجنود البسطاء هم الذين يُقتلون ويُقاتلون،

فيما الكبار يقرؤون الخرائط ويصدرون الأوامر"

تولستوي

 

            ظلّ الالتباس والغموض يلفّ قضيّة بشتاشان، خصوصًا في ظلّ الصمت أو عدم الإفصاح أحيانًا عمّا حدث، فضلًا عن التباين والاختلاف في المواقف. والأمر لا يتعلّق بالمرتكب أو الضحيّة، سواء برواية الحدث أو تفسير أسبابه ودوافعه ومسوّغاته، ناهيك عن نتائجه وما يترتّب عليه، بل انتقل ذلك أحيانًا إلى فريقي المرتكبين والضحايا، وامتدّ الأمر ليشمل طائفة من الشخصيات القريبة والبعيدة عن مسرح الحدث وشهوده وتداعياته القانونية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية والدينية، خصوصًا حين ظلّت الصورة غائمة وضبابية، لغياب الأجوبة الشافية والمنطقية إزاء ما حدث.

وبالطبع فزوايا النظر تختلف من شخص إلى آخر ومن جهة إلى أخرى، لكن مجموع ما دوِّن وما رويَ وما شوهد وما سُمع وما توبع لاحقًا يُعطي تصوّرًا أوضح لما حدث في بشتاشان التي ظلّت تنتظر وستبقى حتى تنجلي الحقيقة، علمًا بأن جزءًا كبيرًا من الرأي العام لم يعرف بالواقعة إلّا في وقت متأخّر، وهو ما شكّل صدمة حقيقية له. ولكي لا يبقى ما حدث في كهف النسيان، كان لا بدّ من كشف الحقيقة، وتوثيق ما حصل وتحديد المسؤوليات، فلم تكن مجزرة بشتاشان قضاءً وقدرًا أو نجمت جرّاء زلزال أو إثر انفجار بركان أو حدوث كارثة طبيعية كي يختفي أي أثر للضحايا، بل إنه بفعل فاعل دبّر بليل وأحيك في الظلام.

 وعلى الرغم من مرور أربعة عقود من الزمن، إلّا أن ما عُرف عن بشتاشان لم يكن في الواقع سوى "إشارات غامضة" "وشذرات ونُتف" من أحاديث متناقضة ومسموعات مبهمة ومرويّات مبتورة أحيانًا، أو بضعة قصاصات ومقالات نقديّة أو تجريحية أو دفاعات في أحيان أخرى، الأمر الذي يتطلّب إعادة قراءة ما حصل بقلب حار وعقل بارد، ليطّلع الجميع على تفاصيل ما حدث وخلفياته بأنفسهم دون انحيازات مسبقة أو آراء جاهزة، ودون إغفال أو عبور أو نسيان لجزء من تاريخ الحركة الأنصارية من جهة، وتاريخ المعارضة العراقية في الثمانينيات من جهة أخرى، بما لها وما عليها. وهو ما جاء في حديث الصديق لؤي أبو التمن في الشام العام 1985، ومثل وجهة النظر هذه أو ما يشبهها وردت على لسان الصديق طارق الدليمي والصديق ابراهيم الحريري، بل كان أكثر من صديق يستوضح عن الحقيقة ويطالب بمعرفة التفاصيل الدقيقة، كما طلب مني البروفيسور طارق يوسف اسماعيل أكثر من مرّة أن يسمع القصّة كاملة، باعتباري أحد الناجين من المجزرة.

وإذا كان صحافيًا متميّزًا وباحثًا مدقّقًا مثل الصديق سهيل سامي نادر يقول أننا لا نملك سوى "معلومات قليلة أو غامضة" ويقصد بذلك عمّا حدث في بشتاشان، تعليقًا على ما نشره الرفيق قادر رشيد "أبو شوان" عن "مجزرة بشتاشان"، "بشتاشان - بين الآلام والصمت" في صحيفة الناس التي ترأس تحريرها الصحافي والمؤرّخ حميد عبد الله، فكيف والحال هذه مع شخصيات وجهات أخرى بعيدة؟ وكان قد كتب عمودين تقديمًا وخاتمة لما نشره بمناسبة مرور 32 عامًا على مجزرة بشتاشان أهداها إلى صديق صباه في المدرسة الشهيد نزار ناجي يوسف، وذيّل ذلك بقوله "كنت أُدرك بحزن أن ما تبقى لكاتب هو أن لا يشترك بمؤامرة الصمت، وأن يخلص لنفسه ويواصل الكلام حتى وهو يعرف أنه لا أحد يسمع".

            فكم هو مؤلم مثل هذا النص؟ وكم تضعك تلك التساؤلات أمام مسؤولية أخلاقية وإنسانية ووطنية لكي تقدّم ما لديك من معلومات بتجرّد وإخلاص أمام القرّاء، وفي ذلك خدمة للحقيقة واستجابة لنداء الضمير، فعسى أن نراجع تجاربنا للاستفادة من دروسها وعبرها، وإعادة قراءة التاريخ بحثًا عن الحقيقة التي ينبغي أن تكون لها الأولوية وليس لغيرها، مع الأخذ بنظر الاعتبار القيم الإنسانية، بما فيها قيم العدالة والإنصاف.

            أعرف أن الكثير من الضغوط الفعلية المباشرة وغير المباشرة، النفسية والمادية، حالت وتحول دون تقديم البعض شهادته، أو تقديمها بصورة "ملطّفة" أو منقوصة أو مقصودة بمعنى "موجّهة"، هدفها تبرئة هذا ووضع المسؤولية الكاملة على عاتق ذاك، كما أن البعض الآخر حاول أن يتجاوز الحدث وطبيعته وتفاصيله وما حصل ليختزله إلى "مجرد خلافات بين القوى الوطنية" و"صدامات راح ضحيّتها بضع عشرات من القتلى الشهداء"، وهناك من يحاول أن  يلبس ثوب الحكمة ليزعم أن المصلحة الوطنية تقتضي عدم الإتيان على ما حصل أو التوقف عنده، بل ينبغي نسيانه وحذفه من تاريخ الحركة الأنصارية. وفي أحسن الأحوال تذهب التبريرات للقول أن ذلك ليس أوانه، وأن الوقت لم يحن لبحثه وكشف المستور بشأنه. وهي التبريرات ذاتها التي كانت تُقدّم بصيغة إيجابية، لكنها ملغومة خلال فترة الجبهة الوطنية مع حزب البعث 1973 - 1979، لاسيّما بخصوص ضحايا انقلاب 8 شباط / فبراير 1963 الدموي.

 وإذا كان البعض أدلى بشهادته للتاريخ انطلاقًا من شعوره بالمسؤولية، فإن البعض الآخر انعقد لسانه لدرجة تشعر إزاءه بالشفقة. وحين يضطّر إلى ذكر ما حصل يُبقى على دور فلان ويهمل دور آخر، حتى إن كان من الأبطال، مثلما هناك من يتطرّف فيضع المسؤولية على عاتق الضحايا بلحاظ تقصير الإدارات الحزبية في تأمين مستلزمات الحماية الكافية وأخْذ الاستعدادات الضرورية والاحتياطات المناسبة، فضلًا عن غياب خطّة طوارئ، والخطأ الكارثي في اختيار الموقع لعدم صلاحيته عسكريًا، ناهيك عن مجمل السياسة العامة والسياسة التحالفية بشكل خاص.

 

نشرت في جريدة الزمان (العراقية) في 30 نيسان / أبريل 2023

 

 

بشتاشان "خلف الطواحين"

... وثمة ذاكرة

شهادة وليست رواية

(الحلقة الأولى)

 

شيء عن بشتاشان

بشتاشان أو كما تُكتب باللغة الكردية بشتئاشان، ومعناها باللغة العربية "خلف الطواحين"، قرية من قرى كردستان العراق، حبتها الطبيعة بكلّ ما هو جميل من مناظر خلّابة ونُهير ذو مياه عذبة يخترقها منسابًا من جبل قنديل متّجهًا نحو وادي شاروشين،  إضافة إلى عيون ماء "حلوة" عديدة. والقرية عبارة عن غابة كثيفة مكتظّة بالأشجار، ولاسيّما أشجار الجوز والفواكه المتنوّعة، خصوصًا العنب. وكانت تقوم حياة القرية والناس فيها على تربية المواشي والنحل وزراعة التبغ وبيع منتجاتها الزراعية إلى المدن والمناطق الأخرى.

تنقسم بشتاشان إلى قسمين: بشتاشان العليا وبشتاشان السفلى، وتتصل جغرافيًا بعدد من القرى المتقاربة من بعضها مثل أشقولكا وليوْجة وقرناقو ورزكة وكاسكان وسط سلسلة عالية من الجبال الشديدة الوعورة والدروب والمسالك المتعرّجة ذات الانحدار الحاد، كما أن الوصول إليها عسيرًا، خصوصًا  في فصل الشتاء لقسوة المناخ، حيث تصل درجة الحرارة إلى 20 درجة تحت الصفر، فتنقطع سُبل الحياة فيها وتعيش حالة عزلة شبه كاملة، الأمر الذي يتطلّب خزن المواد الغذائية لنحو ثلاثة أشهر أو ما يزيد عن ذلك، لاسيّما أشهر (كانون الأول / ديسمبر وكانون الثاني / يناير وشباط / فبراير).

 وتستمر الثلوج بالهطول على نحو كثيف حتى شهر (آذار / مارس)، كما يزداد سقوط المطر طيلة فصل الربيع الذي يمتاز بالبرودة أيضًا. أمّا في فصل الخريف فإن المطر حين يهطل يستمرّ لعدة أيام دون انقطاع، والمناخ يزداد برودة كلّما اقتربنا من فصل الشتاء، وخصوصًا في شهر تشرين الثاني / نوفمبر، في حين يكون المناخ معتدلًا والهواء عليلًا في الصيف. ويقيس الفلاحون قساوة فصل الشتاء بمراقبة ردود فعل الحيوانات وحركتها تحسّبًا للبرودة فيزداد انكماشها، وهذا يعني أن البرد سيكون قارصًا، وكذلك وخلايا النحل فيما إذا بدت مبكّرة في فصل الخريف.

تعتبر قرية بشتاشان مثل قرى جبل قنديل الأخرى معزولة، ولا تصل إليها سيارات، وسكاّنها ينتقلون إمّا مشيًا على الأقدام أو يركبون الحيوانات، ولاسيّما البغال. والبغل مهم في حركة الأنصار، لدرجة عُدّ من الرفاق "الجهاديين" حسبما كنّا نتندّر فيما بيننا، لكنه أحيانًا يحرن ويتمرّد وحتى ينتحر، وهكذا يخرق قواعد النظام الداخلي والطاعة الحزبية، لذلك لا بدّ من العناية به.

كان كلّ شيء في تلك القرية الجميلة الوديعة يسير هادئًا وبطيئًا، فقد ظلت مستلقية وراقدة منذ قديم الزمان على سفح جبل قنديل الذي يبلغ ارتفاعه 7800 قدم وتكسوه الثلوج طيلة أيام السنة تقريبًا باستثناء شهريْ تموز / يوليو وآب / أغسطس، لكن الأمور تغيّر وانقلبت  رأسًا على عقب، فقد تم تهجير سكّانها البالغ عددهم 70 عائلة إلى معسكر (جوارقورنة) القسري في العام 1975، وجرى تجريف منازلهم وأكواخهم ومزارعهم، التي ظلّت مهجورةً على الرغم من انتقال الأنصار الشيوعيين إليها في العام 1982، ثم بدأ بعض سكّانها بالعودة إليها في الثمانينيات والتسعينيات.

لم يكن أحد يتصوّر أن تلك المنطقة النائية المعزولة المنقطعة عن مراكز الحضارة والمدنية ستستقبل مئات من المثقّفين كتّابًا وصحافيين وشعراءً ومسرحيين وفنانين وأطباء ومهندسين ومعلّمين وحقوقيين وأساتذة جامعة وطلابًا وعمالًا وفلاحين وعددًا كبيرًا من السياسيين الذين أجبرتهم الظروف للعيش في تلك الأرض المنسية من العالم.

 أقام الوافدون حياةً جديدة في تلك القرية وبعثوا حركة دائبة فيها، حتى بدت تلك البقعة من الأرض وكأنها ورشة عمل دائمة لا تهدأ ولا تنام، حيث نُصبت فيها إذاعة ونُقلت إليها أجهزة طباعة وأنشئت فيها طبابة وانتظمت فيها ندوات وأماسي واحتفالات وافتُتحت فيها معارض فنية وعُرضت فيها مسرحيات، ناهيك عن تنظيم حراسات، مثلما كان يجول فيها مسلّحون بينهم الكثير من العرب الذين لم يسبق لهم حتى زيارة كردستان، فضلًا عن أنهم لا يتكلّمون لغتها ولا يعرفون تقاليدها وعاداتها الاجتماعية، وبسرعة كبيرة أصبح بعضهم يتحدّث باللغة الكردية (اللهجة السورانية أو البهدنانية) حسب منطقة وجوده، بل صار دليلًا في تلك الطرقات الوعرة والجبال العالية.

وكان الكرونجية (الباعة المتجولون)، سواء الذين يأتون من الداخل العراقي الكردستاني  أم عبر الحدود الإيرانية أحد مصادر المعلومات التي يستقي منها الأنصار ما يجري حولهم، وكان هؤلاء غالبًا ما ينقلون أخبارًا مبالغ فيها أو أن جزءًا منها يقع ضمن تقديرهم ووعيهم، وهذا في الكثير من الأحيان بعيدًا عن الدقّة إن لم يكن مفبركًا أو مغرضًا بحكم هواهم ومصالحهم، ناهيك عمّا يسمعونه من الأطراف المختلفة التي تريد منهم نقل رسائل محدّدة إلى الأنصار.

كان الكرونجية غالبًا ما يبدون إعجابهم واستغرابهم في الآن بقدرة الشيوعيين على تحمّل الصعاب ومشاق الحياة القاسية، إذْ لم يحدث أن عاش غرباء في تلك المنطقة، فما بالك حين يكون هؤلاء من مناطق العراق العربي. فليس من السهولة بمكان التأقلم مع الظروف الطبيعية القاسية وطريقة العيش البدائية، وانعدام الحد الأدنى من مستلزمات الحياة البسيطة. وكانوا يرددون من باب الانبهار أنه لا أحد يستطيع العيش في هذه المنطقة سوى الخنازير والشيوعيين.

 ومثل هذا الكلام سمعته في قرية قاسم رش في الوادي المنحدر من ناوزنك - نوكان، ومن صاحب دكان اسمه كاك أحمد ويُدعى أحمد كلاشنكوف أو أحمد طلقة، وكان يقول أنه نائب ضابط سابق في الجيش العراقي حين خاطبني قائلًا: أنتم الضباط، ما الذي جاء بكم إلى هنا؟ لم أجبه، فأردف مضيفًا، أنا أعرفك، كنتَ نقيبًا في الجيش، فأجابه رفيقي سامي عبد الرزاق الجبوري (أبو طه) الكاك ليس ضابطًا، فوجّه خطابه إليه قائلًا: وأنت كذلك كنت نقيبًا؟ وأنا أعرف الضباط من هندامهم وقيافتهم. ويُذكر أن قرية قاسم رش كانت سوقًا مفتوحة، فيها يتم تبادل العملات وبيع الممنوعات، كما كانت مرتعًا لأجهزة المخابرات الإقليمية والدولية المختلفة.

            في أيار / مايو العام 1983 دخل اسم بشتاشان القاموس السياسي،  وأصبح معروفًا على نطاق واسع كرديًا وعربيًا وعالميًا بفعل ما نقلته وكالات الأنباء والصُحف عمّا حصل فيها، مثلما أصبح  لها رمزية خاصة وإن ارتبطت بمأساة إنسانية. وأستطيع القول أنها احتلّت مكانًا خاصًا في ذاكرة جيل من الحركة اليسارية والكردية في العراق، وذلك حين هاجمت قوات "الاتحاد الوطني الكردستاني" الذي يرأسه جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق لاحقًا، ونائبه ناوشيروان مصطفى أمين مقرّات الحزب الشيوعي العراقي في بشتاشان وارتكبت مجزرة راح ضحيتها نحو 70 شهيدًا شيوعيًا ، بعضهم لا تُعرف قبورهم حتى الآن، وبعض الناجين غادروا الحياة دون أن يسمعوا اعتذارًا أو اعترافًا أو تعويضًا لما حصل، وظلّت الحقيقة تحاصر من تورّط بالفعل الشنيع، فضلًا عن أسئلة التاريخ الحارقة.

 

 شرت الحلقة الأولى في جريدة الزمان (العراقية) بتاريخ 29 نيسان / أبريل 2023.

 

 

السودان

من الانقلاب إلى الانقلاب

 

عبد الحسين شعبان

 

            يبدو أن السودان والكثير من بلدان العالم الثالث، لم تغادر حقبة الخمسينيات والستينيات. وتقبع في الذاكرة التاريخية طائفة من الانقلابات العسكرية التي شهدتها منذ استقلالها في العام 1956.

ولعلّ ما يحدث اليوم من مواجهات عسكرية بين "الأخوة الأعداء"، باستعارة عنوان رواية الكاتب اليوناني كازانتزاكيس، إنما هو استمرار لذلك المسلسل الدرامي الذي ما تزال نهايته مفتوحة، فقد احتدم النزاع المسلّح  بين قوات "الدعم السريع"، التي نشأت في العام 2013 وعرفت باسم "الجنجويد" والقوات المسلّحة النظامية بعد فشل الاتفاق على حلّ يُنهي الأزمة السياسية منذ التغيير الذي حصل بإطاحة نظام الرئيس عمر حسن البشير في العام 2019، بل زادت تعقيدًا منذ الحركة الانقلابية العسكرية في 25 أكتوبر / تشرين الأول 2021، بقيادة رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان.

            ومنذ إزاحة نظام البشير، انقسمت البلاد إلى فريقين، أحدها عسكري يتألف من جناحيين، هما القوات المسلحة التي يقف على رأسها عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع  بقيادة نائبه محمد حمدان دقلو "حميدتي"؛ وثانيهما مدني، وهي وإن اختلف فيما بينه، إلّا أنه يكاد يجمع على مطلبه بقيام حكم مدني وإعادة الجيش إلى الثكنات.

            وبالعودة إلى سيناريو الانقلابات والانقلابات المضادّة، فيمكن القول أن أوّل انقلاب كان بقيادة الفريق ابراهيم عبود في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 1958، وذلك على هامش الخلاف حول حركة التمرد في الجنوب، وقد أطيح به في ثورة  أكتوبر / تشرين الأول 1964.

            ونظّم ما أُطلق عليه "الضباط الأحرار" تيمّنًا بالتجربة الناصرية المصرية انقلابًا عسكريًا في 25 مايو / أيار 1969، وذلك بقيادة الجنرال محمد جعفر النميري، الذي سرعان ما اختلف أقطابه، فنظم هاشم العطا انقلابًا في يوليو / تموز 1971، لكن الحركة الانقلابية فشلت، وتمكّن النميري من استعادة السلطة، وقام بإعدام قادة الحركة، من بينهم قادة الحزب الشيوعي مثل عبد الخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ وجورج قرنق، وشنّ حملة اعتقالات واسعة، وتدريجيًا اتّجه الحكم نحو التشدّد والغلوّ بزعم تطبيق "الشريعة الإسلامية"، ولم يكن ذلك سوى تكميم الأفواه وتقييد حريّة التعبير بشكل خاص، والحريّات بشكل عام.

            ونجحت الحركة الشعبية في الإطاحة بالنميري في 6  أبريل / نيسان 1985، وحدث انفراج نسبي في الوضع السياسي. فتشكّلت حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الصادق المهدي زعيم حزب الأمة بعد إجراء انتخابات، حتى تمكن الفريق عمر حسن البشير من الاستيلاء على السلطة بانقلاب عسكري  في 30  يونيو / تموز 1989، وذلك بتحالفه مع الجبهة الإسلامية القومية التي ترأسها حسن الترابي، لكن السودان لم يشهد الاستقرار المنشود والتطوّر السلمي المدني، خصوصًا بتعتّق الأزمات واستمرار الحرب الأهلية، لما يزيد عن ربع قرن.

            وكنت في زيارة لي للسودان في العام 2000 قد سألت الرئيس البشير في حديث متلفز وعلى الهواء مباشرة، بثّه التلفزيون السوداني وتلفزيون المستقلة من لندن: هل لديكم مشروع بشأن حلّ مشكلة الجنوب بعد أن فشلت جميع الحكومات السابقة في التوصّل إلى تفاهم وحلّ مقبول؟ فأجاب، وكانت تلك هي المرّة الأولى التي ينطق بها، ليس لديه اعتراض فيما إذا أراد الجنوبيون الانفصال. الجدير بالذكر أن الحركة الجنوبية هي الأخرى فشلت في تحقيق أهدافها عبر الحلّ العسكري. وقد جرى تضمين  موضوع استقلال الجنوب في اتفاقية نيفاشا للسلام (كينيا)، ووضع موضع التطبيق باستفتاء أشرفت عليه الأمم المتحدة ( يناير / كانون الثاني 2011)، حيث انفصلت دولة جنوب السودان عن جسم السودان الأساسي وانضمّت إلى الأمم المتحدة.

            وعلى الرغم من الإطاحة بحكم البشير العسكري، إلّا أن الجيش عاد ليلعب الدور المحوري، خصوصًا بعد انقلاب البرهان المذكور وازدواجية السلطة مع حميدتي، وتبدد اتفاق تقاسم السلطة مع المدنيين حتى موعد الانتخابات، وهو الأمر الذي قاد لتنافس العسكريين فيما بينهم، إذْ لم يعد ممكنًا استمرار السلطة برأسين (رئيس مجلس السيادة ونائبه)، وهكذا انفجر الصراع بين الجيش والدعم السريع.

            أكّدت التجربة التاريخية أن كل انقلاب عسكري يولد انقلابًا جديدًا من بطنه، وهكذا يتمّ تفريخ الانقلابات، وتستمرّ دوّامة العنف. ففي جميع البلدان التي حكم فيها العسكر، عادت البلاد القهقري، و ذلك واحد من أسباب تعثّر التنمية المستدامة. ومقارنة بالبلدان التي سلكت طريق التطوّر السلمي المدني، فثمة هوّة عميقة بينها وبين البلدان التي عرفت الانقلابات العسكرية، فليس بالشعارات يمكن تحقيق التنمية والرفاه والعيش الكريم لعموم الناس.

            ما ينتظره السودانيون، وهو ما لمسته خلال زيارتين لي في العام 2022، وخلال لقاءات مع مثقفين وأدباء وأكاديميين ومحامين وحقوقيين وإعلاميين، هو توفير الحدّ الأدنى من التفاهم وتحقيق قدر من التوافق لإجراء انتخابات حرّة يستطيع الشعب فيها أن يختار ممثّليه ويطوي صفحة الانقلابات العسكرية المليئة بالدماء والدموع.

 

 

عن شيء اسمه "السيادة"

 

عبد الحسين شعبان

 

            ثلاث قضايا تشتبك سلبيًا مع مبادئ السيادة، واجهها رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني خلال الأيام القليلة المنصرمة؛

 أولها - العدوان التركي على مطار السليمانية، والتهديدات التي أطلقها مولود جاويش أوغلو وزير الخارجية التركي، بإغلاق المجال الجوّي، لكون "السليمانية واقعة تحت سطوة حزب العمّال  الكردستاني PKK "، الذي يعتبره منظمة إرهابية. ولم يكن ردّ الفعل العراقي بالمستوى المطلوب، علمًا بأن تركيا ترفض إجلاء قواعدها العسكرية من كردستان العراق، على الرغم من الطلب العراقي.

ولعلّ عمليات القصف واستهداف بعض مناطق كردستان هي ما تقوم به إيران بصورة روتينية لمبررات مماثلة، بزعم وجود جماعات إيرانية معارضة، وهي التي  تعتبر العراق فناءً خلفيًا، دون أي اعتبار لسيادته. يضاف إلى ذلك، أن القوات الأمريكية تقوم بنشاطات عسكرية على طول العراق وعرضه، دون العودة إلى الحكومة العراقية، وهو ما حصل حين اغتالت مسؤولًا عراقيًا (أبو مهدي المهندس)، وآخر إيرانيًا (قاسم سليماني).

وثانيها - استمرار الميليشيات المسلحة خارج نطاق الدولة والقانون، وقد شهدت بغداد مؤخرًا استعراضًا مفاجئًا لمسلحين غير نظاميين، دون رد فعل يُذكر من جانب الدولة، وهذه ليست المرّة الأولى، ويبدو أنها لن تكون الأخيرة، في منافسة الدولة التي يُفترض أن تكون  مرجعيّتها القانونية فوق جميع المرجعيات، وأن تحتكر السلاح بيدها لوحدها. ولم تتمكّن الحكومات المتعاقبة من ضبط السلاح، على الرغم من أن الدستور يحظر وجود ميليشيات عسكرية (المادة 9).

            وثالثها - التصريحات النارية التي أطلقها أكرم الكعبي، زعيم "جماعة النجباء"، ضدّ الولايات المتحدة، مهدّدًا ومتوعّدًا وجودها العسكري في العراق، إن لم تجل قواتها وترحل من العراق، ملقبًا سفيرتها ﺑ "سفيرة الشر"، علمًا بأنها جزءًا من قوات الحشد الشعبي (الرسمية قانونًا). وكان مجلس النواب قد حدّد مساره القانوني العام 2016، إلّا أن اعتراضات، كانت تظهر، بين الفينة والأخرى في مناطق عدّة من غرب العراق، وصولًا إلى الموصل بشأن السلاح، واستخداماته من جانب المسلّحين، فما بالك حين يكون الأمر في العاصمة بغداد.

            وصرّح السوداني قبل أيام من هذا التصعيد ﺑ "نعمل مع التحالف الدولي لوضع أفكار تُفضي إلى اتفاق بهدف نزع السلاح من كلّ التيّارات"، فهل بعد 20 عامًا على الاحتلال الأمريكي للعراق، نعود إلى المربّع الأول، لمناقشة فكرة السيادة؟

 وكالعادة يختلف الفرقاء، "الأخوة الأعداء"، حسب الروائي اليوناني نيكوس كازانتزاكس، بشأن مفهوم السيادة لدرجة  يعتبر البعض أن العراق خاضع لإيران، والآخر يعتبره مقيد أمريكيًا، حيث استعيض عن الاحتلال العسكري بالاحتلال التعاقدي. وهناك من يذهب إلى أن العراق موزّع بين إيران وأمريكا، وثمة من يقول أن السيادة تمّت إستعادتها على مراحل، ابتداءً من العام 2004، ثم بخروج القوات الأمريكية رسميًا في نهاية العام 2011. وبعد هزيمة داعش عسكريًا، استعاد العراق سيطرته على ثلث الأراضي العراقية التي كانت تحتلّها.

وبالطبع لم يعد مفهوم السيادة مطلقًا، بل إنه مقيّد بحكم الأمر الواقع، فكيف يمكن تصوّر سيادة مطلقة بالمعنى التقليدي في ظلّ العولمة والطور الرابع للثورة الصناعية، حيث أصبح العالم "قرية صغيرة ومفتوحة" من جميع الجوانب، ليس بفعل القوّة العسكرية فحسب، بل بوسائل ناعمة أكثر تأثيرًا وأعمق أثرًا مثل الثقافة والاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا وغيرها.    

            ومنذ صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 688 في 5 نيسان / أبريل 1991، والقاضي بوقف القمع الذي تتعرّض له المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق، أصبح مبدأ التدخّل "لأغراض إنسانية" مثار جدل ونقاش فقهيين وسياسيين في ظلّ اعتبار قاعدة احترام حقوق الإنسان بصفتها قاعدة علوية من قواعد القانون الدولي. وللأسف فإن مبدأ "التدخّل الإنساني" تمّ تسييسه واستغلاله من جانب القوى المتسيّدة في العلاقات الدولية على نحو انتقائي بازدواجية المعايير، تلك التي تتجلّى بأبشع صورها اليوم من عسف وإجلاء واستيطان في فلسطين، ومن عدوان "إسرائيلي" مستمر ومتكرّر على الأمة العربية.

وكنت قد جئت على مفهوم السيادة في كرّاس بعنوان "السيادة ومبدأ التدخّل الإنساني"، أساسه محاضرة ألقيتها في جامعة صلاح الدين (إربيل) في العام 2000،  وقامت الجامعة حينها بطبعه، تناولت فيه تطبيقات الفكرة ومفارقاتها نظريًا وعمليًا، خصوصًا فيما يتعلّق بنظام العقوبات المفروض على العراق والذي استمرّ ما يزيد عن 12 عامًا.

                        قد تكون هذه المواضيع الحسّاسة وراء تصريح السوداني بشأن التفكير بالتحالف الدولي في مسألة نزع سلاح جميع التيارات كما قال. وهو أمر إشكالي ويثير أسئلة جديدة - قديمة، حول فكرة السيادة العراقية التي ظلّت "معوّمة" و"مجروحة" منذ فرض الحصار الدولي، إثر غزو الكويت، وإلى يومنا الحاضر. فهل أن إقحام "التحالف الدولي" في شأن داخلي محض، سيكون مساعدًا في استعادة السيادة، أم أنه سيزيد من تعقيدات الوضع العراقي؟ هي أسئلة برسم الحكومة العراقية.

           

 

 

 

منطق ويستفاليا

 

عبد الحسين شعبان

 

منذ أن أُعلن الاتفاق السعودي - الإيراني الذي التأم برعاية صينية، أصبح محطّ تكهّنات عدة بين متفائل، بل وشديد التفاؤل، وبين متشائم وشديد التشاؤم، وبين هذا وذاك، هناك بعض الأوساط تعاطت معه بحذر، وبشيء من «التشاؤل»، باستعادة رواية إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل».

  والأمر لا يتعلّق بمضمون الاتفاق وأبعاده، بل باحتمالات امتداداته وتأثيراته في عموم دول المنطقة، من دون نسيان ما قد يعترضه من تحديات وضغوط، من داخله ومن خارجه، الأمر الذي يحتاج لدوامه، توفر الثقة والصدقية في تنفيذه، بما يُخفّف من حدّة التوتّر بين البلدين، وفي المنطقة، ويطوي الشكوك، ويُزيل العقبات والألغام من طريقها، لاسيّما انعكاساته على أوضاع اليمن ولبنان وسوريا والعراق، فضلًا عن دول الخليج.

 ويمكن قراءة ردّ الفعل «الإسرائيلي» الحاد ضدّه منذ إعلانه، والترقّب التركي الملحوظ، وبلا أدنى شك فإن الملف النووي الإيراني سيكون حاضراً أمريكياً، وليس بعيداً عن ذلك استمرار الحرب الروسية - الأوكرانية، وتصاعد احتمالات مواجهة بين روسيا وحليفتها الصين من جهة، وبين الغرب وحلف الناتو، من جهة أخرى.

 وبغضّ النظر عن التقديرات المتناقضة بخصوص مستقبل العلاقات السعودية - الإيرانية، فإن أية علاقة إيجابية بين دول المنطقة يمكن رؤيتها في إطار الحفاظ على السلم والأمن في المنطقة، بوقف النزاعات، ونزع فتيل التوترات وإطفاء بؤر الحروب التي عانتها، الأمر الذي سينعكس إيجابياً كذلك على تنمية شعوبها، بما يعزّز علاقاتها الاقتصادية والتجارية والاجتماعية والثقافية، التي يفترض فيها أن تقوم على أساس احترام السيادة وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية ومراعاة المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة.

 لقد عانت المنطقة خلال ثلاثة أرباع القرن الماضي حروباً ونزاعات أساسها العدوان الإسرائيلي المتكرّر على الأمة العربية، بما فيه ما يجري اليوم من عنف وإرهاب طال المقدسيين، إضافة إلى توسيع أعمال الاستيطان المدان بموجب القانون الدولي، فضلاً عن التنكّر لحق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره بنفسه، وإقامة دولته المستقلّة على أرضه، كما شهدت المنطقة حرباً ضروساً عراقية - إيرانية استمرّت لثمانية أعوام، وفيما بعد حرباً ثانية في الخليج بعد غزو قوات النظام العراقي السابق للكويت، والتي توجّت بحصار دولي ثم احتلال العراق بعد أفغانستان.

 ولا تزال المنطقة تعاني صراعات مسلّحة ونزاعات أهلية وتدخلات خارجية متعددة استنزفت مواردها وبددّت طاقاتها، وهدرت إمكاناتها، وعرّضت وحدة دولها إلى التصدّع بدلاً من تعاونها واتحادها، الأمر الذي يفترض إجراء مراجعات على صعيد النخب، الحاكمة وغير الحاكمة، لمصلحة شعوبها عبر حوار مسؤول وجاد للوصول إلى صيغة توافق وتفاهم وتعاون قد تكون أقرب إلى وستفاليا مشرقية.

 لقد سبق لنا أن دعونا من هذا المنبر إلى ويستفاليا مشرقية يكون أساسها مفهوماً جديداً للأمن الخاص بالمجاميع الثقافية في ظلّ التنوّع والتعدّدية الدينية والإثنية واللغوية على صعيد كلّ دولة، وعلى الصعيد الإقليمي.

 ويمكن أن يكون الحوار السعودي - الإيراني نواة أساسية لحوار عربي - إيراني، وهذه المعادلة يمكن أن تفضي إلى فضاء إقليمي يشمل حواراً عربياً - تركياً، وحواراً عربياً - كردياً، وحوارات إيرانية - تركية، فمنطقتنا تتكوّن من أربع أمم أساسية هي: الترك والفرس والكرد والعرب، وهو ما أسماه الأمير الحسن بن طلال ﺑ «أعمدة الأمّة الأربعة».

 ولعلّ أي حوار، فضلاً عن أي اتفاق يتطلّب مناخاً صحّياً لإشاعة روح الثقة بالأفعال، وليس بالأقوال فحسب، من خلال خطوات تدرّجية ملموسة وعملية، فالسياسة في نهاية المطاف ليست بالنوايا.

 وإذا كانت «الحروب تولد في العقول»، لذلك اقتضى «تشييد حصون السلام في العقول أيضاً»، حسب دستور «اليونيسكو»، وهذا يتطلّب تغليب منطق العقل والمصالح والحوار والتفاهم، محل سياسات فرض الهيمنة والتسيّد وإملاء الإرادة.

 أليس حريّاً بأمتنا وشعوبنا العربية والإسلامية ودولها، وضع حدّ لنزاعات طائفية ومذهبية عقيمة، واحترابات دينية لا معنى لها، باعتماد صيغة أقرب إلى «اتفاقية وستفاليا» لبناء سلام دائم وشامل؟ وهو ما توصّلت إليه أوروبا بعد حروب عبثية بين البروتستانت والكاثوليك، خصوصاً حرب «الثلاثين عاماً»، التي أزهقت فيها أرواح ملايين البشر، وانتهت بتوقيع «اتفاقية ويستفاليا» عام 1648 التي وضعت حدّاً لتلك النزاعات، واعترفت بالسيادة والحق في ممارسة الطقوس والشعائر الدينية بحريّة، فضلاً عن حريّة مرور البضائع والسلع في إطار المصالح المشتركة. ويصبح مثل هذا الأمر لمنطقتنا «فرض عين وليس فرض كفاية».

drhussainshaban21@gmail.com

 

صورة الجواهري:

 الشاعر والشعر

 

عبد الحسين شعبان

 

            كيف يمكنني أن أختزل شاعرًا كبيرًا بقامة الجواهري وحجم عطائه الإبداعي وتنوّع تجربته الغنية، ناهيك عن علاقتي الشخصية به والتي تمتدّ إلى نحو ثلاثة عقود من الزمن في مقالة أو بحث أو دراسة أو شهادة أو حتى كتاب، فقد بات البحث في شعر الجواهري وأدبه، ناهيك عن شخصيته وسيكولوجيته الخاصة من الأمور المعقّدة، فقد مثّلت مزيجًا من متناقضات عديدة لا تجتمع إلّا في شعراء نادرين أو فلاسفة كبار، لما تحمل من جوار الأضداد، فبقدر ما تتضمّن من تلقائية واعتيادية، ففيها فوارق واستثناءات، سواءً في الموقف والرؤية والسلوك، أم في التجربة والامتلاء والدلالة في المتخيّل والواقعي وما بينهما.

 

حيرة الشاعر

            فالشاعر "العبّاسي" الذي عاش على امتداد القرن العشرين طولًا وعرضًا، يحمل في جنباته بيانًا وعرفانًا وبرهانًا، كلّ ذلك في محاولة تتطلّع إلى التجديد والحداثة لغةً وشكلًا حتى وإن كانت خيوط المحافظة تشدّها إلى التراث. تلك هي حيرة الشاعر التي عبّر عنها منذ وقت مبكّر، حيث تجاذبه قطبان هما الرغبة في التمرّد على الواقع من جهة والتعايش معه من جهة أخرى، وهكذا ظلّ معلّقًا بين الواقع والحلم وبين الحقيقة والطموح، وهو ما يأتي عليه في قصيدة كتبها في مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين والموسومة ﺑ "المحرقة" والتي يقول فيها:

            وما أنت بالمعطي التمرّد حقّه ... إذا كنت تخشى أن تجوع وأن تعرى

            أو كما يقول في قصيدته الدالية التي مطلعها "ازحْ عن صدركَ الزبدا ... ودعه يبثّ ما وجدا" التي ألقى بعض أبياتها بمدينة النجف الأشرف العام 1975 في حفل مهيب اقامته له الرابطة الأدبية لتكريمـــه بمناسبة منحه جائزة (لوتس) من اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا، والتي يقول فيها:

            عجيب أمرك الرجراج ... لا جنفًا ولا صددا

تضيق بعيشة رغدٍ ... وتهوى العيشة الرغدا

وترفِضُ مِنةً رَفَها ... وتُبغِض بُلغةً صردا

وتخشى الزُّهدَ تَعْشَقُهُ ... وتعشَقُ كلَّ من زهِدا

ولا تقوى مصامَدةً ... وتعبُد كلَّ من صَمَدا

وظلّت صورة التحدّي والتناقض مهيمنة على الجواهري طيلة حياته التي تمتدّ طوال القرن العشرين، فقد ولد في العام 1900 أي قبل ولادة الدولة العراقية بما يزيد عن عقدين من الزمن، حيث تأسست المملكة العراقية في 23 آب / أغسطس 1921 ، وذلك بتتويج الملك فيصل الأول ملكًا على العراق، وتوفي الجواهري بدمشق في 27 تموز / يوليو 1997.

وهكذا يمكن اعتبار القرن العشرين هو قرن الجواهري بامتياز. ويمكن التعرّف على أوضاع العراق من خلال قصائده التي أرّخت الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، علمًا بأن التاريخ الحقيقي لا يكتبه المؤرخون، بل يكتبه الفنانون حسب الروائي الروسي مكسيم غوركي، لما فيه من تعبير صادق عن واقع الحال وانعكاس له.

            لعلّ صورة الجواهري التي ظلّت سائدة في الأذهان هي صورة المثقّف المنشق، خصوصًا في سنوات الأربعينيات والخمسينيات والستينيات ، وهو ما حاولت التوقّف عنده في كتابي "الجواهري - جدل الشعر والحياة" في الفصل الخاص الموسوم  "شاعر ودولة"، فالجواهري شخصيةٌ هوميروسيةٌ لقرن عراقي كامل بتركيبته ذات الجذور الفكرية والثقافية والأدبية، وسيرة حياته الغنيّة وتجربته المركّبة وشخصيّته  العصيّة على الطاعة بقدر ما هي مطواعة.

 

جدل الشعر والحياة

            حين صدر كتابي نهاية العام 1996 ، كان الجواهري ما يزال على قيد الحياة. وكان من بين آخر الكتب التي صدرت عنه والتي "اطّلع" عليها قبل وفاته. وفي وقتها كانت البلاد تئنّ تحت وطأة الحصار الدولي، الأمر الذي جعل الثقافة مهمّشة وثانوية أمام عبء البحث عن لقمة العيش، بعد أن كان الكتاب زادًا شهيًّا على مائدة المثقفين العراقيين، ويكاد يكون ضرورة يومية لحياتهم، وبسبب تدهور الأوضاع فقد أصبح اقتناء الكتاب ترفًا، وإن ظلّ العراقيون يطمحون للحصول عليه.

والمسألة تتعلّق بفعلين متناقضين، أحدهما - حالة الإقصاء الثقافي للرأي الآخر، التي كانت تمارسها المؤسسات الرسمية بفعل أُحاديّة التوجّه السياسي والأيديولوجي، وثانيهما - انغلاق البلاد بحكم نظام العقوبات الدولي، فحتى أقلام الرصاص كانت ممنوعة بحجة استخدامها في الصناعات العسكرية.

            لذلك كان كتاب "الجواهري - جدل الشعر والحياة" يدخل المكتبات العراقية متسلّلًا وحذرًا، حيث ساد ما عُرف في وقتها ﺑ "ثقافة الاستنساخ"، أي إعادة تصوير الكتب من نُسخها الأصلية، لاسيّما الممنوعة وبيعها بما يتلاءم مع الظروف المعيشية المتردّية، وعلى نحو أشبه بالمنشور السرّي.

            وعرفت ذلك من عدد من الأدباء والمثقفين الذين اطّلعوا على نسخة كتابي عن الجواهري مستنسخة ورأيتها بأم عيني بعد أول زيارة لي إلى بغداد، التي اضطررت إلى مفارقتها والبعد عنها كراهةً لنحو 23 عامًا، وقد اقتنيت نسخة مستنسخة من كتابي لاحتفظ بها للذكرى.

 ولعلّ إصدار الكتاب بطبعة ثانية (دار الآداب - بيروت) وطبعة ثالثة شعبية (دار الشؤون الثقافية - بغداد) هي تأكيد على انتماء الكتاب للمكان بهدف إحياء الذاكرة والبحث في التفاصيل الصغيرة التي تشكّل عوالم يستعيدها، بل وينسجها المنفيون على حد تعبير إدوارد سعيد في كتابه "خارج المكان" الذي هو بمثابة سيرة ذاتية صدرت طبعته الأولى باللغة الإنكليزية العام 1999، وقد أهديت طبعة كتابي الثانية إلى المتنبي "شاعرًا وشارعًا".

 

ثلاث صور متداخلة

            ثلاث صور تتداخل عندي حين أستعيد تجربتي مع الجواهري؛ أوّلها الصورة المتخيّلة، وثانيها صورة الاقتراب من الواقع، وثالثها الصورة الصداقية، ومع كلّ هذه الصور ثمة إعجاب متميّز ورابط مشترك يجمع هذه الصور حتى لتبدو صورة واحدة وإن كانت متعدّدة.

            كان اسم الجواهري منذ طفولتي يملأ الأجواء لدرجة أنه كان يسكن مخيلتي وأنا ذاهب إلى مدرستي "السلام" الابتدائية في محلة العمارة بالنجف الأشرف، ماراً في الذهاب والإياب أحياناً أمام جامع الجواهري الشهير، الذي مضى على إنشائه أكثر من مئتي عام، حيث كان راعي الأسرة الجواهرية وباني مجدها الأول الشيخ محمد حسن، صاحب كتاب "جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام" قد ذاع صيته العلمي وشاع اسمه في ذلك الزمان. وغدا كتابه مرجعاً رئيسياً للمنهج الدراسي، في جامعة النجف الفقهية، التي شُيّد صرحها منذ نحو ألف عام، وقد توفي جد الشاعر عام 1850، وظل قبره مميّزاً في النجف بقبته الزرقاء كعلامة بارزة في المحلة. وتضم القباب الزرق في النجف مقابر العوائل الدينية الثلاث الشهيرة، وهم السادة آل بحر العلوم وآل الجواهري ومسجدهما، وجامع آل كاشف الغطاء.

           

الجواهري في بيتنا

 

كانت قصائد الجواهري ودواوينه، تزيّن مكتبة العائلة، حيث كان أعمامي وأخوالي، من مريديه والمتغنّين بشعره، وتحتوي مكتباتهم الكثير من القصاصات والصحف التي تتابع أخباره ونشاطاته الإبداعية مثلما كانت دواوينه تتصدرها، وكانوا مع مجموعة من المثقفين والأدباء، لا ينفكّون يتجادلون بما نظمه الجواهري وما كتبه.

هكذا نشأ الجواهري معنا في المنزل إذا جاز التعبير، أو بالأحرى نشأنا ونحن نتطلّع إليه. فمدرسة الجواهري للعلوم الدينية والفقهية، كانت قريبة من دارنا في "عكَد السلام" وآل الجواهري، يتوزعون بالقرب من بيوتنا المتراصة والمتكاتفة والملتفة حول صحن الإمام علي ومرقده الذي تعلوه القبّة الذهبية المتوهجة، والباعثة على الجلال والهيبة.

في تلك البيئة النجفية ولأسرة عربية تهتم كباقي الأسر الكبيرة في النجف بالشعر والأدب والمجالس الحسينية، إضافة إلى مكانتها الدينية، ولدتُ وترعرعتُ لتغدو تلك الروافد الروحية إحدى أهم ركائز حياتي المستقبلية.

وكان الشعر بخاصة والأدب بعامة، يشكّلان الأساس، الذي لا غنى عنه في المجالس والمناسبات الأدبية والدينية والاجتماعية، التي هي أقرب إلى الأندية الثقافية والفكرية، تطورت على مر العصور. فقول الشعر في النجف، وكما تعارف عليه الناس، طبيعي بمعنى آخر، أنه غير مصطنع أو يهدف إلى الكسب، أي إنه وجداني (ضميري) نابع من الشعور وليس أمراً تعليمياً.

 

مطارحات جواهرية

في مطارحاتي مع الجواهري سألته عن روافده الثقافية، فقال أن الظاهرتين الدينية والأدبية تلتقيان وتتعانقان على نحو كبير عنده بحيث يكوّنان مجرىً واحدًا، فدينيًا بحكم فصاحة القرآن الكريم وبلاغته، أما أدبياً فمن منطلق الكتب الأدبية الأولى التي التهمتها مثل نهج البلاغة وأمالي القالي والمرتضى وكتاب الأغاني للأصفهاني وما ترك الجاحظ من روائع وما خلف الشعراء من تحف ونوادر، ثم كُتب النحو والبيان وبما فيها من تقويم الكلمة والبحث عن أسرار بلاغتها، ناهيك عن الدراسة الأولى في الحوزة الدينية.

ويضيف الجواهري إلى ذلك المجالس الأدبية والثقافية في ليالي الجمعة أو أيام الأربعاء (أماسي الأربعاء) التي حظيت بشهرة كبيرة، حيث تشهد مباريات شائقة ومسابقات حماسية، وهو ما يورده الشيخ جعفر باقر محبوبة في كتابه "ماضي النجف وحاضرها"، حيث كان الشعر متعة تلك المجالس الأثيرة، تجري فيه المطاردات الشعرية وفي المقدمة منها مسابقات "التقفية" الصعبة، حيث يقرأ المتسامرون هذا البيت وذاك ويتركون للآخرين الرد عليهم بأبيات تبدأ بحرف القافية ويواصلون هم أيضاً استنباط القافية.

وقد وصف الأديب اللبناني أمين الريحاني عند زيارته النجف عام 1922 بأنها "أعظم مدينة في العالم" لا في زخارفها أو جمال قصورها، بل في رجالها، حيث التقى عدد من أدبائها ومثقفيها وعلمائها، وحضر مجالسهم، وكان الجواهري قد كتب قصيدته النونية التي حيّا فيها الضيف، وجاء في مطلعها:

 

    أرض العراق سعت لها لبنان

 

 

فتصافح الإنجيل والقرآن

 

 

فتوّة وإرهاص

 

دخل الجواهري ذاكرتي الطفلية الأولى مصحوباً بالتقدير حدَّ التقديس، والافتتان حدَّ الوَله، وبقصائد تحدٍّ، زادت جذوة الفتوة اشتعالاً. وكان هذا يكبر معي بمرور الأيام، خصوصاً التأثّر بقدرته العالية في التعبير عن أحاسيس وإرهاصات، كان هو وحده خير من يستطيع ويُحسن التعبير عنها، حتى ليقودنا إلى طريق مليئة بالمفاجآت والأحلام، مفضية إلى عوالم أخرى موشاة بالذهب تارة، وبالألغام تارة أخرى، بروعة وإبداع بالغين، وأخيراً تصويره لعنصر التحدّي والإقدام الذي امتاز به على نحو لا يضاهيه فيه أحد، وقصيدته العمودية التجديدية، ذات البناء اللغوي الخاص والإيقاع الموسيقي المتميز والمعاني الإنسانية التي تنضح بها، وكأنها تريد أن تحلّق بك في أجواء علوية سامية، في حين تتجذر في الأرض وتمد عروقها عميقاً في التربة العراقية، شامخة مثل نخيل العراق، مشرئّبة نحو أفق واسع مديد، يتجاوز فضاء العراق نحو أمة العرب جميعاً، حاملة معها صدق المشاعر الإنسانية الشفيفة.

لم تكتمل صورة الجواهري في مخيلتي الصغيرة، لكنها أخذت تحفر مكانها في الذاكرة لتستقرَّ تدريجياً، متنقلة من المخيلة إلى الواقع.

كانت أجنحة الروح تخفق معه حين ينشد قصيدة التحدي ذات الألق الخاص والتأثير المتميز المرصّع بصور لاهبة شديدة الإيحاء كثيرة التموجات خصبة الأحاسيس مشحونة بمعان الحياة المملوءة بالتقلب والتعرج والتناقض، فهو كالبحر لا يستقيم على مدّ دون جزر أو على جزر دون مدّ... إنه هما معاً.

الذاكرة الأولى بدأت تُختزن بقصائد وأبيات لها دلالات ومعان مرتبطة مع تلك الأيام، وبأسماء وبطولات وصور وتشكيلات كانت تؤلف المشهد الأكثر حضوراً في الصراع. وينبع بعضها من إشكاليات الجواهري ذاته، إذْ باستطاعته تحويل أيّة مناسبة إلى فرصة لتقريع خصومه، بل جرهم على المكشوف إلى حلبة الصراع ليعلن تحدّيه المباشر.

إن هذه القدرة العجيبة على التحدي، كانت السمة الأكثر تميّزاً في شخصية الجواهري وشعره، وكانت الجانب الأكثر تأثيراً في الشباب التوّاق إلى التغيير والتجديد. وتكاد قصيدة مثل "هاشم الوتري" تعبّر عن مرحلة كاملة، حيث يقول في مطلعها:

إيه "عميد الدار" شكوى صاحبٍ

 

 

طفحتْ لواعجهُ فناجى صاحبا

 

 

ويهاجم الجواهري ويتحدّى:

أنا حتفهم ألجُ البيوتَ عليهمُ
خسئوا: فلم تزل الرجولةُ حُرةً
أعرفتَ مملكة يباحُ "شهيدُها"
مستأجَرين يخرّبون ديارهُمْ

 

 

أغري الوليدَ بشتمهم والحاجبا
تأبى لها غيرَ الأماثلِ خاطبا
للخائبينَ الخادمينَ أجانبا؟
ويكافؤون على الخراب رواتبا


 

 

إذا كانت الصورة الأولى التي بدأت تتشكل مع مرور الأيام، مأخوذة بطابع الإعجاب والتحدي، فإن الصورة أخذت تفرز ألوانها، مع بداية الوعي بالحياة وتمييزي للأشياء، وقد أصبحت قصائد الجواهري، علامات مضيئة في الطريق التي تلمستها لاحقاً.

 

 

 

محظورات أبي

 

أذكر أن ثلاثة محظورات عكّرت صفو العائلة، وكدّرت مزاجها، فيوم اختفى عمّي شوقي (قبل اعتقاله) في أعقاب انتفاضة عام 1956، إبان العدوان الثلاثي الأنكلو- فرنسي "الإسرائيلي" على الشقيقة مصر وانتصاراً لها وتضامناً معها، احتار والدي الحاج عزيز شعبان، بتلك المحظورات، لأن كلاً منها كانت مصدر تهمة حسب اعتقاده، فما بالك إذا وُجدت مجتمعة.

            المحظورات الثلاثة هي النظارة السوداء التي اكتشفها والدي مخبّأة في غرفة عمي شوقي مع حاجياته وأوراقه الخاصة. وكانت هذه دليلاً مقنعاً على المشاركة في التظاهرات. والثانية كانت الكوفية البيضاء (الغُترة في العامية العراقية) التي كان يلبسها الشيوعيون مع النظارة السوداء، لإخفاء معالمهم عن شرطة التحقيقات الجنائية، التي كانت تترصد المتظاهرين لتشخيصهم من قبل "الشرطة السرية" كما كانت تُدعى. وكانت النظارة السوداء مع الكوفية البيضاء دليلاً لا يخطئ خصوصاً إذا تم كبسهما في دور "المشبوهين". أما الثالثة فكانت "القصيدة الحمراء" وأعني بها قصيدة "عالم الغد" للجواهري، التي كان الشيوعيون يتغنون بها، وكانت هذه بمثابة بطاقة انتساب "أولية" للحزب الشيوعي، حيث وضع والدي يده على عشرات من النسخ في غرفة عمي البعيدة عن جناح الضيوف، الذي كنا نطلق عليه اسم "البرّاني" في اللهجة العراقية والنجفية بشكل خاص (يقابله استخدام الديوانية في جنوب العراق وبلدان الخليج العربي).

 

القصيدة الحمراء

            أخذ والدي يُداري حيرته وقلقه بتقديم التبريرات التالية" فالنظارة السوداء قال إنه سيبرر استخدامها في فصل الصيف الحار، وفي فترة الظهيرة حيث الشمس المحرقة، أما الكوفية البيضاء بدلاً من الكشيدة (وهي عبارة عن فينة حمراء أي طربوش أحمر ملفوفة من وسطها حتى حافتها السفلى برباط أصفر اللون). التي ظل يعتمرها على طريقة الأجداد، فيما اقترحت والدتي استخدام الكوفية كصرّة لحفظ الملابس (بُقجة بالعامية العراقية) وتوضع في الخزانة مع الملابس والحاجيات الأخرى.

            وازداد قلق والدي بخصوص "القصيدة الحمراء" فلم يشأ إتلاف النسخ التي عثر عليها وهي تعود لشيخ الشعراء على حد تعبيره، وقال: إنني سآخذها معي إلى المحل وأضعها بين الأقمشة بعيداً عن الأعين، حيث كان يعمل تاجراً لبيع الأقمشة، وكان هذا اقتراح عمي ضياء أيضاً، الذي كان شديد الإعجاب بالجواهري وعلى الرغم أنه لم يُعلّق على المقترحات الأخرى، كما لم يبدُ عليه القلق والحيرة التي انتابت الآخرين، لكنه قد يكون أكثرهم احتراساً وإن كان أكثر تماسكاً ورباطة جأش. ثم اقترح والدي إخفاء القصيدة الحمراء ومعها بضع قصائد أخرى في السرداب (القبو) في مكان موحش يصعب الوصول إليه.

 

زيارة رجال الأمن

            وحسمَ الوالد الأمر بقراءة آية قرآنية وأخذ يردد لثلاث مرات "بسم الله الرحمن الرحيم: وجعلنا من بين أيديهم سدّاً ومن خلفهم سدّاً، فأغشيناهم فهم لا يبصرون.. صدق الله العظيم" ثم قرأ "آية الكرسي" وقال: لنترك أمرنا إلى الله، وعلى طريقته "شيريد يصير خلّي يصير" أي "ليكن ما يكون" مضيفاً "الله يعمي أبصار الظالمين".

            وبدّدت حيرة الوالد وتردده زيارة رجال الأمن "التحقيقات الجنائية" وكبسهم المنزل في اليوم التالي، وكانت العادة المتبعة "قانوناً" اصطحاب مختار المحلة معهم، لكن الحاج كاظم الشكري، مختار محلّة العمارة في النجف، رفض مرافقتهم لاعتبارات اجتماعية وصداقية، فأجبروا حلاق المحلة "رسول المزيّن" في سوق العمارة على مرافقتهم أثناء تفتيش المنزل، لكنهم مع وجود "المحرمات" الثلاثة: النظارة السوداء والكوفية البيضاء والقصيدة الحمراء، لم يعثروا على أي "دليل جرمي" أو "مستمسك ثبوتي".

            ظل قلق القصيدة الحمراء ونظرة الإعجاب والتقدير للجواهري هاجساً يراودني بين الحين والآخر، وكلما اختلطت علي الأمور أو تشوّشت الرؤية أو بعدت المسافات، أو اتّسعت الهوّة بين الواقع والحلم أو استشرى التشاؤم والقنوط، أهرع إلى "ارتكابات" القصيدة، مستحضراً الصلة المعقدة وغير العقلانية بين المثقف ورجل الشرطة، والعلاقة بين الثقافة والقانون وبينها وبين السياسة، حتى أجد نفسي وجهاً لوجه أمام تلك الفترة، وبمواجهة الجواهري وهو ينشد قصيدة التحدي.

 

الحضور البهيّ

ما كنّا نقرأه أو نردده عن الجواهري، في المجالس الخاصة، همساً وتلميحاً، سمعته لأول مرة، يصدح من دار الإذاعة العراقية، بعد 14 تموز (يوليو) عام 1958، وإعلان الجمهورية العراقية، في قصيدته "النونية" التي يحيّي فيها الثورة، ويقول في مطلعها:

 

سدّدْ خطاي لكي أقول فأحسنا

 

 

فلقد أتيتَ بما يجلُّ عن الثنا

 

            إلى أن يقول:

جيش العراق ولم أزل بك مؤمنا
عبد الكريم وفي العراق خصاصــة                  

 

وبأنك الأملُ المرجّى والمنى
ليــدٍ وقد كنت الكريـم المُحسنــا

 

لكن الجواهري ظل يتعامل مع هذه القصيدة وكأنها لا تعود إليه، وحاول نسيانها أو تناسيها حتى عندما يُسأل عنها، وأتذكر عندما كنت أحاوره في النصف الأول من الثمانينيات قال لي مازحاً: "أن هذه القصيدة ليست لي"، وعند اختياري لها ضمن الذائقة الشعرية، كمختارات من شعر الجواهري في الكتاب الذي أصدرته في دمشق في العام 1986 بالتعاون معه "الجواهري في العيون من أشعاره"، اتصل بي مستدركاً من براغ وطلب مني رفع هذه القصيدة وعدم الإشارة إليها ضمن القصائد المختارة لفترة الخمسينيات، وفعلت ذلك على الرغم من أنني كنت قد أطلعته على المخطط وعلى الأبيات التي اخترتها من القصيدة، لكنه بنبرة جازمة كرّر طلبه برفع القصيدة، حتى وان تطلّب الأمر "إعادة الطبع"، وهو ما رويته بشيء من التفصيل في كتابي الموسوم "جواهر الجواهري" (قيد الطبع).

 

تكريم وسبع عجاف

شعرت مع بدايات الوعي والخطوات الأولى نحو الاهتمامات الأدبية والسياسية، بأن الثورة، في أهم ركن من أركانها الثقافية ردّت الاعتبار، أو لنقل بشكل أدق، كرّمت المبدعين والمثقفين، وفي الطليعة منهم الجواهري شاعر العرب الأكبر، كما صار يكنّى، وما كنت أدري أن هذه المقدمات التي حسبنا فيها أملاً لحياة جديدة، على الرغم ممّا رافقها من عنف غير مبرر وغير مشروع، ستنتهي إلى فواجع جديدة، ربما أشد فظاظة، بحيث يضطر المبدع الكبير والرمز العراقي والعربي، الجواهري، إلى الرحيل في العام 1961، وتلك إحدى المفارقات الخطيرة والمؤشرات الدالة على وصول الأوضاع إلى القاع تماماً. فقد كان هذه المرّة على يد الزعيم عبد الكريم قاسم الذي حاول إهانته وإذلاله، وهو الذي زار بيت الجواهري بعد الثورة وقال عنه "هذا المنزل هو الذي أنجب الثورة".

 ثم جاء انقلاب 8 شباط / فبراير 1963 فأُدخل الشاعر وشعره في دائرة الممنوعات بقرار أصدره، كما أصدروا قرارًا بإسقاط الجنسية عن عدد من المثقفين والسياسيين خارج البلاد، وكان الجواهري في مقدمتهم، ترأس لجنة التضامن مع الشعب العراقي. هكذا عاد الجواهري إلى دائرة المنع والعزل والتهميش، خلال السنوات السبع العجاف على حدّ تعبيره.

 

الجواهري في الخورنق

بعد أسابيع من ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، جاء مدرّس مادة اللغة العربية السيد جواد كاظم الرفيعي في "متوسطة الخورنق" وهو يحمل صحيفة "البلاد" أو "صوت الأحرار" (لا أذكر بالضبط)، ليقرأ علينا قصيدة الجواهري "جيش العراق" ويطلب منّا أن نُعرب الأبيات، التي كان يقرأها على مهل وبدقة مصحوبة بنبرة محببة، ثم كلّفنا بحفظ ستة أبيات من القصيدة على الأقل، وبذلك دخل الجواهري حياتنا المدرسية وليس العائلية فحسب، مثلما شغل حياتنا السياسية والثقافية بكل معانيها، وبالمناسبة، فإن الأستاذ الرفيعي، اعتُقل معنا بعد أربع سنوات ونصف، في موقف "خان الهنود" الشهير (الذي كان المبنى الحكومي في النجف) قبل نقلنا إلى المعتقل (تحت الأرض)، وكنّا مع محبين آخرين لشعر الجواهري نتبادل الأحاديث ونجري مطاردات شعرية، حيث كان قسم غير قليل من المعتقلين ممن يحفظون شعر الجواهري، الذي كان يخرجنا من عتمة السجن ووحشته إلى آفاق شاسعة وعالم فسيح.

            المدرسة التي كانت تستقبل قصائد الجواهري وتفتح نوافذها للجديد، أخذت تشجع المواهب الشابة الواعدة فتشكلت الفرق الموسيقية وأخرى للإنشاد والتمثيل، وكانت أيام الاثنين من كل أسبوع مناسبة يتبارى فيها "الواعدون الجدد" فتلقى الكلمات والخطب وتقرا الأشعار (في الساعة الأخيرة قبل نهاية الدوام).

وأتذكر من أوائل الذين تم تقديمهم وربما "اكتشافهم" إلى تلك اللقاءات الشاعر عبد الأمير الحُصيري (الذي كان طالباً معنا في المرحلة المتوسطة) وبدأ الحصيري خطواته الأولى بقراءة بعض قصائد الجواهري في الاجتماعات العامة "بلثغته المعروفة"، ثم بدأ ينظم بعض القصائد ونشرت له بعض الصحف مقطوعات منها.

 

وجهاً لوجه

            كانت العلاقة الأولى، قد نشأت بين الجواهري وبيني من بعيد، حيث كنت أتابع كل شأن عام له، وكنّا نجتمع في بيوت الأقرباء والأصدقاء، للاستماع إلى قصائده أو تلقّف أخباره.            وكانت المرة الأولى التي ألتقي فيها بالجواهري وجهاً لوجه، هي في الاحتفال الذي انعقد في ساحة الكشافة ببغداد كانون الثاني (يناير) 1959، بمناسبة الذكرى الحادية عشرة لوثبة كانون 1948، حين اعتلى المنصة، لينشد في الجموع المحتشدة، بدعوة من جبهة الاتحاد الوطني، وكان حاضراً حينها بعض رجال الثورة، كالمهداوي وماجد محمد أمين ووصفي طاهر.

            هكذا نشأت العلاقة بين الجواهري وبيني، بصمت ومتابعة وشغف. وكم كان الحزن عميقاً، عندما سمعنا لاحقًا سوء العلاقة بينه وبين عبد الكريم قاسم، والتي اضطرّ بسببها الهجرة إلى براغ بعد أن وصلته دعوة لتمثيل اتحاد الأدباء الذي كان يرأسه في مهرجان الأخطل الصغير (بشارة الخوري) التي تمّ تنظيمها في بيروت، وكتب قصيدته الشهيرة الموسومة:

لبنان ياخمري وطيبي ... هلّا لممت حطام كوبي

ومن بيروت توجّه إلى براغ. وكم كنّا ننتظر أخباره، التي كانت تصل إلينا مع "بريد الغربة" ومن إذاعة "بيكي إيران"، وفيما بعد "إذاعة صوت الشعب العراقي"، وأتذكّر أننا كنّا نسجّل بعض قصائده على شريط كاسيت لنقوم بتوزيعها ومنها قصيدة "أمين لا تغضب" التي أهداها إلى الصحافي اليساري اللبناني أمين الأعور وذاع صيتها في العراق. كما كان يسرّب لنا بعض أخبار صديقه الأديب عبد الغني الخليلي.

 

في بغداد

حين عاد الجواهري إلى بغداد التقيت به في منزل خالي المحامي والشاعر جليل شعبان الذي وجّه دعوة له، وكان بصحبة صديق العائلة عبد الغني الخليلي، وكان لقاء حميمًا حضره نخبة من الأدباء. وفي العام 1969 التقيت به في براغ في مقهى سلوفانسكي دوم وهي المقهى الشهير التي كان يرتادها وكتب منها قصيدة إلى وزير الداخلية صالح مهدي عماش، وعُرفت باسم قصيدة "الميني جوب"، وكان ذلك خلال زيارتي إلى براغ في طريقي بالذهاب إلى والعودة من كراكوف (بولونيا) لحضور اجتماع تحضيري بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد لينين.

 وبعد استقراري في براغ في أواخر العام 1970 كانت لقاءاتنا تتكرر وتزداد، سواء اللقاءات العامة وفي الفعاليات التي كنّا نقيمها وندعو الجواهري لإلقاء قصيدة فيها أو اللقاءات الخاصة مع مهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق وموسى أسد الكريم (أبو عمران) وفيما بعد مع شمران الياسري "أبو كاطع" وعبد الستّار الدوري السفير العراقي حينها.

وكانت الحكومة العراقية قد خصّصت له راتبًا تقاعديًا بعد العام 1968 وحدوث انفراج سياسي وجرى تكريمه على أعلى المستويات. وعلى الرغم من تكرّر زيارته إلى بغداد 1968 - 1979، إلّا أن تلك الزيارات لم تنه منفاه، حيث استقرّ فيه بصورة نهائية حتى وفاته واختار منذ أواخر العام 1981 الشام بعد تهيئة مستلزمات ضيافته من الرئيس حافظ الأسد.

            وخلال تلك الفترة توثّقت علاقتي بالجواهري، حيث أقمت في الشام أيضًا وهو ما جئت عليه في أكثر من مناسبة.

 

دمشق العيــون

فكّرت أكثر من مرّة في تدوين بعض ما ورد في لقاءاتي مع الجواهري وعن لسانه، فضلًا عن قراءاتي النقديّة لشعره، وذلك منذ أيام براغ المحطّة الأولى التي شاطرته عشقها، حيث أخذت العلاقة تتّخذ طابع الصداقة، لاسيّما توفّر عوامل موضوعية مدعاة للثقة، منها العلاقة العائلية والمدينية، إضافة إلى كوني رئيسًا للطلبة. ولكن هذا المشروع تأجّل بسبب عودتي إلى العراق، وعاد مجدّدًا في دمشق، وابتدأت معه فعلاً، حين استقر فيها أوائل الثمانينيات، وكنت أشعر بمسؤولية كبيرة  بقدر ما هي رغبة شخصية. واحتفظت بجزء من تلك الذكريات والقصاصات والخصوصيات، إلّا أن الوقت لم يسعفني في إنجازها، حيث ذهبت إلى كردستان في مهمة إعلامية وسياسية، مع الأنصار "البيشمركة"، بين عامي 1982 و1983، وعند عودتي وتماثلي للشفاء، إثر علاج تلقيته في دمشق وموسكو واستكملته في براغ وصوفيا، بدأت المشوار معه مرة أخرى، وسجلت له أشرطة صوتية (كاسيت) في أواسط العام 1985، وأحتفِظ بعشرة منها.

 وخلال الحوار، عَنَّتْ لي فكرة عبَّر عنها الجواهري بحاجة الجيل الجديد من الشباب العربي والجامعي بخاصة، وكل متذوقي الأدب والشعر منهم بعامة إلى المجموعة الشعرية الكاملة.

فاقترحت عليه إصدار عيون القصائد، وهكذا وقع اختيارنا على الإسم "الجواهري في العيون من أشعاره"، وهو عنوان موسيقي بقدر ما يمتلك دقّة في التعبير. وأبديت استعدادي لإنجازها. وقد قسّمت مجموعة القصائد إلى سبعة عقود، واخترت أفضلها وأحسن ما فيها من أبيات، محافظاً على روح القصيدة ومناسبة نظمها وفقًا لذائقتي الشعرية. وعرضت عليه المخطّط الذي وضعته، فوافق عليه مع بعض التعديلات الطفيفة. وهكذا صدرت "العيون" وأصبحت مرجعًا للدارسين ولكلّ متذوّقي شعر الجواهري.

وطلبت من الجواهري الكبير كتابة مقدّمة لها تبيّن أسباب اختيار هذه العيون ودوافع نشرها. وخصص الجواهري صفحة للحديث عن الجهد الذي بُذِل في سبيل إنجازها قال فيها "... ويسرّني في الختام أن أخّص بالشكر الجزيل والامتنان العميق أخي وصديقي الأديب والمؤلف الدكتور عبد الحسين شعبان على أتعابه وفرط عنايته وجهوده الحميدة، سواء بما تقابل به معي في اختيار هذه "العيون" وفيما يختص بضم هذه اللقطة المختارة إلى جانب تلك أو في تصويرها، أو في الإشراف على طبعها وتصحيحها، وكما قيل:

 

من يصنع الخير لا يعدم جوازيه

 

 

لا يذهب العرف بين الله والناس"

 

وقد صدر الكتاب في دمشق عام 1986، عن دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر بـ (696) صفحة. ونظرًا لمرور ثلاثة عقود ونيّف من الزمن ونفاذ الطبعات العديدة، فقد عملت على إضافة شروح كثيرة لألفاظ قدّرنا أنها تصعب على القارئ العادي، فلغة الجواهري عبّاسية بامتياز. كما صحّحنا جميع الأخطاء الطباعية التي كانت في طبعتنا من "العيون" أو في الدواوين السابقة دون إشارة إلى ذلك. وحدّثنا سيرة الجواهري إلى تاريخ وفاته (1997) بعد أن توقفنا في الطبعة الأولى عند سنة 1986. وذيّلنا هذا الكتاب بفهرس للقوافي إضافة إلى فهرس عناوين القصائد ليسهل الرجوع إلى القصيدة المطلوبة. وأضفنا 9 قصائد كتبها الجواهري بعد صدور "العيون" (ما عدا قصيدة أمين لا تغضب فهي من نتاج الستينيات)، وقد وضعناها آخر الكتاب مع الإشارة إلى أنها ليست في طبعات الكتاب السابقة. كما ضبطنا أواخر الكلم وخرّجنا بحور جميع القصائد وأثبتنا قبل كلّ قصيدة عدد أبياتها من الأصل، واخترنا اسمًا يدّل عليها والموسوم "جواهر الجواهري".

جدير بالذكر أن الجواهري كان قد كتب لي قصيدة يقول فيها:

 

أخي العزيز عبد الحسين شعبان

 

أبا "ياسر" أنت نعمَ الصحيب
لقد كنت في محضر والمغيب
وفي ذكرياتي كنت الصميم

 

 

 

وقلّ الصحّابُ ونعمَ الخدين
ذاك الوفي وذاك الأمين
سمير المعنى وسلوى الحزين

 

 

وطيلة العقود الثلاثة من علاقتي مع الجواهري كنت أكتشف في كل لقاء معه شيئاً جديداً وسراً مغايراً. وفي كل مرة أعيد قراءة شعره، أكتشف أشياء كثيرة جديدة، حتى وإن كنت قد قرأت القصيدة من قبل مرات عدة، وهكذا كنت أطّلع باستمرار على معلومة ثرية لديه أو دلالة جديدة في المعاني والإيماءات البلاغية أضيفها إلى خزيني، الذي بدأ يكبر.

  واليوم أشعر بمسؤولية أكبر من السابق بوضع حواراتي مع الجواهري وما دوّنته عنه وما بحثت فيه وما استقيته من مراجع معتمدة أمام القارئ، أملي أن تكون إضافةً جديرةً ومختلفة ومتميزة عما جاء في المقابلات واللقاءات الصحفية، التي سبق للجواهري أن أجراها خلال عمره المديد وحياته الأدبية الحافلة وما كُتب عنه. فقد حاولت أن أركز على بعض القضايا التي لم يتناولها الجواهري سابقاً أو لم يتوقف عندها طويلاً.

            وحين نشرت حلقتين من حوارات مع الجواهري في صحيفة "الحياة" (مصدر سابق) هاتفني الصديق الشاعر الراحل بلند الحيدري، مبدياً إعجابه وتشجيعه، وهنا انتهزت الفرصة فطلبت منه أن يقرأ المخطوطة بعد اكتمالها ويقوم هو بتقديمها إلى القراء العرب، فرحّب بذلك بأدبه الجم وكياسته المعهودة وتواضعه المشهود قائلاً: "هذا يشرفني" واتفقنا على التفاصيل، لكن المرض داهمه بعد أيام فدخل المستشفى لإجراء عملية قسطرة قلبية، صاحبتها مضاعفات سريعة، لم تمهله طويلاً، فرحل ركن هام من أركان التجديد الشعري في العراق والوطن العربي وخسرت الثقافة رائداً من روادها.

 

حضور التاريخ

 

من النجف إلى بغداد ومنها إلى براغ ولندن ودمشق وبيروت كان الجواهري حاضرًا معي، بل أنه حاضر في تاريخ العراق، إذْ لا يمكن أن تتناول تاريخ العراق السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي أو الصحافي أو غيره، دون أن تأتي على ذكر الجواهري، فهو أوّل من تمرّد على المدرسة النجفية التقليديّة حين خلع العمامة، وأوّل من ندّد بموقف الرجعيين كما أسماهم حين عارضوا فتح مدرسة ابتدائية للبنات في النجف 1929، وأول من ندّد بالفاشية والنازية وحيّا في قصائد شهيرة سواستبول وستالينغراد، وأول من وقف بوجه المجالس النيابية المزيّفة وضدّ المشاريع الخارجية، وكان صوته صدّاحًا بعد ثورة 14 تموز / يوليو 1958، مع أن التشاؤم والإحباط بدأ يتسلل إليه، خصوصًا في غربته وبُعده عن الوطن.

في الختام أستطيع أن أقول أن الجواهري كان طفلًا صغيرًا، لم يكن يريد أن تفلت لحظة من بين أصابعه، كان حالمًا وظلّ حالمًا طوال حياته، حتى وإن كانت أحلامه تتبدّد أمام عينيه، لكنه ظلّ يركض وراءها، وكلّما كان يقترب منها كانت تفرّ من بين يديه. كان يطلب المستحيل أحيانًا، لكنه يرضى بالممكن أو بأقلّ منه.

 لم يغادر حلمه حتى في أسوء الظروف، فالشعر سؤال فرادة وهو سؤال فلسفة، والفلسفة فكر، وهي قلق إنساني، وبالتالي فالشعر رؤية "وليست كلّ عين ترى" حسب جلال الدين الرومي.

أديب وكاتب عراقي

 

 

الصحافة والعدالة

 

عبد الحسين شعبان

 

كان الروائي ألبير كامو يردّد أن "الصحافي مؤرّخ اللحظة" وفي تلك المقولة معلومة ومعرفة وحكمة باقتباس من الشاعر إليوت، فكامو يدرك بمعرفته وبُعد نظره ورؤيته الثاقبة قيمة المعلومة التي يسعى الصحافي تقديمها إلى الجميع لتصبح لاحقًا معرفة، وهو يقدّر في الوقت نفسه ما يقوم به الصحافي من عمل في أصعب الظروف أحيانًا وأقساها ليكشف الحقيقة ويمهّد لتحقيق العدالة، وبذلك فهو يقوم بعمل مزدوج في الآن، فإضافة إلى الوصول إلى الحقيقة، فهو يؤرّخ في الوقت نفسه للحدث، ليأتي من بعده فيُظهر المعنى والدلالة اجتماعيًا ونفسيًا وقانونيًا وتربويًا، فما بالك حين يكون الحدث نفسه يخصّ الصحافي ويصبح هو ذاته هدفًا لجرائم تُرتكب بحقه، ويحتاج كشفها إلى جهود أخرى لإجلاء الحقيقة من جهة، وتحقيق العدالة من جهة أخرى، كي لا يفلت الجناة من العقاب.

            وعلى مرّ العصور كانت فلسفتا الحقيقة والعدالة شغل العالم أجمع، فكيف حين يتعلّق الأمر بالصحافيين الذين يتعرّضون للقتل والتعذيب والاختفاء القسري والاعتقال والاحتجاز والطرد والترهيب والمضايقة والتهديد وجميع ضروب الأفعال التي تنطوي على العنف المادي الجسدي والمعنوي النفسي.

 ولهذه الأسباب قرّرت الجمعيّة العامة للأمم المتحدة في العام 2013 الاحتفال بيوم 2 نوفمبر / تشرين الثاني من كلّ عام بتأكيدها على ضرورة عدم الإفلات من العقاب عن الجرائم المرتكبة ضدّ الصحافيين الذين يؤدون عملهم في كشف الجرائم التي تمسّ أمن الشعوب واستقرار الدول وتهدّد الإنسانية مثل الفساد وتجارة الأسلحة والمخدّرات والبشر، وتزوير الانتخابات، وتلويث البيئة وتدمير المحيطات والغابات وغيرها.

            وقد حثّ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش الدول الأعضاء والمجتمع الدولي على التضامن مع الصحافيين في جميع أنحاء العالم في هذا اليوم العالمي وفي سائر الأيام، وتأكيد الإرادة السياسية اللّازمة للتحقيق في الجرائم المرتكبة ضدّهم ومقاضاة الجناة بأقصى ما ينصّ عليه القانون من أحكام.

            ولا بدّ هنا من استذكار بعض القرارات الدولية ذات العلاقة في تبجيل "صاحبة الجلالة" أو ما يُطلق عليها "السلطة الرابعة" والتي هي بحق وأخواتها من وسائل الإعلام المختلفة تُعتبر السلطة الأولى الناعمة التي تتغلغل في التأثير على العقول مثل القلوب وتتوغّل عميقًا لتشمل كلّ مناحي الحياة، خصوصًا في ظلّ الطور الرابع للثورة الصناعية، ومنها القرارات التي صدرت بشأن حماية الصحافيين في النزاعات المسلّحة، وذلك على خلفية اتفاقيات جينيف الأربعة الصادرة في 12 أغسطس / آب 1949 وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16 كانون الأول / ديسمبر 2021، وقرار مجلس حقوق الإنسان الصادر في 10 تشرين الأول / أكتوبر 2022 وغيرها.

            وفيما يخصّ العالم العربي والعراق منه، لا بدّ للسلطات المسؤولة من ضمان المساءلة عن طريق إجراء تحقيقات محايدة وسريعة وشاملة ومستقلّة وفعّالة في جميع القضايا التي تقع في نطاق ولايتها القضائية من أعمال عنف ضدّ الصحافيين والعاملين في وسائل الإعلام، وتقديم المتّهمين بارتكابها بمن فيهم الأشخاص الذي يأمرون بارتكاب هذه الجرائم أو يتآمرون مع مرتكبيها أو يحرّضونهم أو يتستّرون عليهم. الأمر الذي يقتضي ضمان وصول الضحايا وأسرهم إلى سبل إنصاف مناسبة، ويتطلّب ذلك الإفراج الفوري واللّامشروط عن الصحافيين الذين اعتقلوا تعسّفًا أو أُخذوا رهائن أو أصبحوا ضحايا إختفاء قسري.

            وهنا لا بدّ من إنشاء آلية إنذار مبكر والاستجابة السريعة لتمكين الصحافيين من اللّجوء إلى السلطات المختصّة، كلّما تعرضوا لتهديد مباشر أو غير مباشر بهدف اتخاذ تدابير فعّالة لحمايتهم، وهنا يمكن اقتراح:

إنشاء وحدات تحقيق خاصة بالصحافيين والعاملين في وسائل الإعلام أو لجان تحقيق مستقلة.

تعيين مدّعِ عام متخصّص.

دعم قدرات العاملين في الجهاز القضائي والموظفين المكلّفين بإنفاذ القانون وضبّاط الجيش ووحدات الأمن والشرطة.

تدريب الصحافيين وتأهيلهم من خلال النقابة، وكذلك بعض الناشطين في المجتمع المدني المدافعين عن الصحافيين وتوعيتهم فيما يتعلّق بواجبات الدول والتزاماتها المنصوص عليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي لجهة سلامة الصحافيين.

إدراج سلامة الصحافيين وحريّة الإعلام في أطر التنمية الوطنية وضمن خطّة التنمية المستدامة 2030.

 وأتذكّر أننا وضعنا بعض تلك القواعد في إطار تعاون شمل اتحاد المحامين العرب واتحاد الصحافيين العرب والمنظمة العربية لحقوق الإنسان في العام 1999(القاهرة)، حيث قمنا بتدريب صحافيين على القواعد الحقوقية والأحكام القانونية، خصوصًا المتعلّقة بحريّة التعبير وفي الوقت نفسه تدريب محامين وحقوقيين على القواعد التي تشمل حريّة الإعلام وحقوق الصحافي. فكم نحن بحاجة إلى التعاون بين المحامين والحقوقيين من جهة وبين الصحافيين والعاملين في وسائل الإعلام من جهة أخرى، وتحويل دور هذه النقابات والاتحادات إلى قوّة اقتراح لمشاريع قوانين وأنظمة بحيث تكون شريكة ومتممة في الآن مع الحكومات، وفي الوقت نفسه راصدة لأدائها وتنفيذها لخطط التنمية والضغط على السلطات المسؤولة لتطبيقها.

 

 

 

 

لهذه الأسباب أُعدم فهد

 

عبد الحسين شعبان

 

            لطالما كنت أفكّر وعلى مدى سنوات، لماذا أُعدم فهد "يوسف سلمان يوسف" أمين عام الحزب الشيوعي العراقي ورفاقه في العام 1949؟ فقد كان هناك قادة معتمدون لأحزاب شيوعية عربية ولدول المنطقة ولديهم علاقات وطيدة مع الاتحاد السوفيتي، لكنهم لم يلاقوا المصير ذاته، حتى وإن تعرّضت الحركة الشيوعية العربية عمومًا وقاداتها إلى العسف والتنكيل.

            جاء إعدام فهد في لحظة تاريخية مفارقة، فقد شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية انتعاش الحريّات على الصعيد العالمي وانتشار الأفكار الديمقراطية عقب هزيمة النازية والفاشية، وقد انعكس مثل ذلك على العراق أيضًا، ولاسيّما بعد خطاب الوصي على العرش الأمير عبد الإله في 27 كانون الأول / ديسمبر 1945، الذي أُعلن فيه موافقته على تأسيس الأحزاب وورد ما نصّه "لا يصحّ بقاء البلاد خاليةً منها"، الأمر الذي التقطته وزارة توفيق السويدي التي تشكّلت بتاريخ 23 شباط / فبراير 1945 ووزير داخليّتها سعد صالح (جريو) الذي يعتمر القبعتين القانونية والأدبية، إضافة إلى وطنيته المعهودة، فأقدم على عدد من الخطوات الجريئة منها إجازة 5 أحزاب سياسية بينها حزبين ماركسيين وإجازة عصبة مكافحة الصهيونية وإطلاق حريّة الصحافة وتبيض السجون وإلغاء الأحكام العرفيّة، فكيف حصل مثل هذا الارتداد السريع وحُكِمَ على فهد بالإعدام؟

كانت مبادرة تأسيس العصبة إحدى مآثر الحزب الشيوعي وزعيمه "فهد"، إضافةً إلى دور اليهود الشيوعيين الذين وقفوا ضدّ الصهيونية وعارضوا منطلقاتها الفكرية وكشفوا زيف ادعائها تمثيل اليهود بغضّ النظر عن بلدهم الأصلي، وميّزوا بين الصهيونية كعقيدة عنصرية واليهودية كدين، وهو ما أوردته أوريت باشكين في كتابها Impossible Exodus: Iraqi Jews in Israel الصادر في العام 2017.

وقد استقطب الحزب آنذاك أعدادًا واسعة من اليهود المعادين للصهيونية، وبلغ عدد المنتسبين حسب تشلسي سيمون ماي 300 عضوًا بينهم شيوعيات يهوديات متميّزات وذلك في دراستها "النساء اليهوديات في الحزب الشيوعي العراقي".

وحسب سجلات التحقيقات الجنائية (أجهزة الأمن العراقية) واستجوابات العديد منهن فقد برزت شخصيات مثل: إلين يعقوب درويش ودوريس وأنيسة شاؤول ونجيّة قوجمان وسعيدة ساسون مشعل (سعاد خيري – زوجة زكي خيري) وعمومة مير مصري (عميدة مصري) ومارلين مائير عيزرا (زوجة بهاء الدين نوري) وكامن سعيدة سلمان وألبرتين منشّي وراشيل زلخا، وبلغ عدد الناشطات قبل الهجرة الجماعية (1951) نحو 600 ناشطة كما جاء في إنسيكلوبيديا النساء اليهوديات Encyclopedia of Jewish Women.

 

الصهيونية والاستعمار

 

            ربط فهد مكافحة الصهيونية بمكافحة الاستعمار، فهما وجهان لعملة واحدة، وفي كرّاس صدر له بعنوان "نحن نكافح من أجل من؟ وضدّ من نكافح؟" يقول فيه " إن مكافحة الصهيونية توجب مكافحة الاستعمار حتماً في فلسطين وكلّ البلاد العربية، ومن يزعم مناهضتها ولا يناهض الاستعمار يخدمها،أراد أم لم يرد... ".

وعالج في هذا الكرّاس المشكلة الفلسطينية بفصل الصهيونية عن اليهودية وربطها بالاستعمار بما فيه الاستعمار الأمريكي الصاعد. وقد ساهمت تلك التوجّهات والنشاط داخل صفوف اليهود العراقيين على كسر التردّد الذي كان ينتاب بعض أفراد المجموعة الثقافية اليهودية للمشاركة في العمل السياسي، ونشط هؤلاء بشكل ملحوظ بمناسبة الذكرى اﻟ 28 لصدور وعد بلفور، حيث أصدرت العصبة نداءً جاء فيه " أن الاستعمار يستطيع أن يتكرّم بفلسطين مئات المرّات، طالما أنها ليست بلاده وطالما أنه يجد في ذلك ربحاً له ومغنماً لأن غايته وعميلته الصهيونية هي تحويل نضال العرب الموجه ضدّ الاستعمار نحو جماهير اليهود، وبذلك تخلق منهم حاجزاً يختفي وراءه الاستعمار، ولو كان المستعمرون يعطفون حقاً على اليهود لعاملوهم معاملة طيبة في أوروبا".

وبادرت العصبة بتوجيه من فهد إلى التظاهر يوم 28 حزيران / يونيو 1946، وتعرّضت التظاهرة التي شارك فيها أعداد من اليهود العراقيين إلى القمع والقسوة الشديدين من جانب الأجهزة الأمنية، وسقط شاوول طوّيق أول شهيد شيوعي وكان يهوديًا دفاعًا عن فلسطين، وهو ما أورده المؤرّخ والباحث الفلسطيني حنا بطاطو.

وبعد حظر نشاط العصبة وإيقاف صحيفتها وإحالة المشاركين في التظاهرة المذكورة إلى القضاء، أصدرت محكمة الجزاء أحكامًا متفاوتة يوم 15 أيلول / سبتمبر 1946 على عدد من اليهود الشيوعيين بمن فيهم رئيس العصبة يوسف هارون زلخا بالسجن المؤبّد بالزعم أنه يترأس عصبة للكفاح من أجل الصهيونية وليس ضدّها، وكان ذلك بداية حملة شعواء لطي صفحة الانفتاح المحدود ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث نشطت الحركة الصهيونية بشكل كبير، خصوصًا بعد صدور قرار الأمم المتحدة رقم 181 القاضي بتقسيم فلسطين في 29 تشرين الثاني / نوفمبر 1947.

 

العدو المشترك

 نبّه فهد إلى العدو المشترك للعرب واليهود وأهمية التضامن إزاء المخاطر المشتركة وسلّط الضوء على نشاط الوكالة الصهيونية وبعض أركان الحكومة العراقية الموالية لبريطانيا، لتهجير اليهود العراقيين إلى فلسطين.

وعلى الرغم من وجود فهد في السجن، حيث اعتقل ليلة 18 كانون الثاني / يناير 1947، وصدر الحكم عليه بالإعدام في 24 حزيران / يونيو من العام ذاته، إلّا أنه كان يتابع تطوّر الموقف من القضيّة الفلسطينية على الصعيد العالمي، خصوصًا بعد تغيير الموقف السوفيتي السلبي وانعكاساته على الشارع العربي.

 وكان غروميكو المندوب السوفيتي في الأمم المتحدة قد أعلن في تشرين الثاني / نوفمبر 1947 تأييد قرار التقسيم وأطلق عليه "القرار الأكثر قبولًا". وبرّر أن القرار ليس موجّهًا ضدّ العرب وأنه يتوافق مع المصالح الوطنية الأساسية لكلا الشعبين. وحين أُعلن عن تأسيس "إسرائيل"، بادرت موسكو للاعتراف بها مباشرة، واستقبلت أول وفد "إسرائيلي" برئاسة السفيرة غولدا مائير (مايرسون).

وقد غيّرت غالبية الأحزاب الشيوعية موقفها منتقلة من التنديد بقرار التقسيم إلى تأييده باعتباره "أحسن الحلول السيئة" وكان ذلك يمثّل نموذجًا لطريقة التفكير التعويلية من جهة ولعلاقة التبعية للمركز الأممي من جهة ثانية. ولم يهضم الحزب الشيوعي العراقي مثل هذا التبدّل في بداية الأمر، وظلّ متحفّظًا لحين، على الرغم من وصول وثيقة "أممية" من باريس بعنوان "أضواء على القضية الفلسطينية" (11 حزيران / يونيو 1948) تعكس وجهة نظر الحزب الشيوعي الفرنسي ومن خلاله وجهة نظر (المرجعية الأممية) المؤيدة لقرار التقسيم، وقد نقلها يوسف اسماعيل البستاني وتمّ الترويج لها، حتى وصلت إلى سجن الكوت، حيث كان الرفيق فهد يقبع فيه وعدد غير قليل من السجناء.

وكما جرت العادة في السجن، كان السجناء يجتمعون لتقرأ عليهم، نصوص البيانات والأخبار والتقارير الحزبية لتتم مناقشتها. وحين بدأ أـحد الرفاق بتكليف من منظمة السجن بتلاوة وثيقة باريس المذكورة وما أن وصل إلى "الانقلاب" في موقف الاتحاد السوفيتي، أمره الرفيق فهد بالتوقّف وعدم إكمال تلاوة ما تبقّى من الوثيقة، وذلك لسماعه فقرات لم تعجبه وتتعارض مع توجّه الحزب الشيوعي العراقي، خصوصًا بعد قيام "إسرائيل" في 15 أيار / مايو 1948. وقد أبدى فهد وهو في السجن تحفظات حول الموقف من قرار التقسيم، وقد انعكس ذلك في توجيه حزبي داخلي، وهو ما يمكن تلمّسه من الفقرة التالية، وأنقلها على الرغم من طولها كما وردت في كتاب حنّا بطاطو، الجزء الثاني، وجاء فيها "إن موقف الاتحاد السوفيتي بخصوص التقسيم وفّر للصحف المرتزقة ومأجوري الإمبريالية فرصة لا للتشهير بالاتحاد السوفيتي فقط، بل أيضاً بالحركة الشيوعية في البلدان العربية... ولذلك على الحزب الشيوعي تحديد موقفه من القضية الفلسطينية حسب الخطوط التي انتمى إليها والتي يمكن تلخيصها بالتالي:

إن الحركة الصهيونية حركة دينية رجعية ومزيفة بالنسبة للجماهير اليهودية.

إن الهجرة اليهودية... لا تحلّ مشكلات اليهود المقتلعين من أوروبا، بل هي غزو منظّم تديره الوكالة اليهودية... واستمرارها بشكلها الحالي... يهدّد السكان الأصليين في حياتهم وحريّتهم.

إن تقسيم فلسطين عبارة عن مشروع إمبريالي قديم... يستند إلى استحالة مفترضة للتفاهم بين اليهود والعرب.

شكل حكومة فلسطين لا يمكن أن يتحدّد إلّا من قبل الشعب الفلسطيني الذي يعيش في فلسطين فعلاً، وليس من قبل الأمم المتحدة أو أي منظمة أو دولة أو مجموعة دون أخرى.

إن التقسيم سيؤدي إلى إخضاع الأكثرية العربية للأقلية الصهيونية في الدولة اليهودية المقترحة.

إن التقسيم وخلق دولة يهودية سيزيد الخصومات الوطنية والدينية وسيؤثر جديّاً على آمال السلام في الشرق الأوسط.

ولهذه الأسباب فإن الحزب الشيوعي يرفض بشكل قاطع خطة التقسيم.

لكن هذا الموقف تغيّر بعد ذلك، واستمرّت التبريرات الخاطئة والساذجة لتلميع الموقف السوفيتي، بل والاستماتة في إثبات "صحّته"، بما فيه الدفاع عن قيام "إسرائيل"، وظلّت ذيول هذه القضية مستمرّة لسنوات عديدة ولم يتمكّن الحزب من معالجة هذه القضيّة الحسّاسة والخطيرة والجوهريّة والمبدئية، إلّا على نحو جزئي بمراجعة أوّلية أجراها تقرير الكونفرنس الثاني (أيلول / سبتمبر 1956) الذي كتبه عامر عبد الله بإشراف سلام عادل وتوجيهه (استشهد العام 1963 على يد إنقلابيي 8 شباط / فبراير). وجاء فيه " إن بعض العناصر المشكوك بها نجحت في أن تدسّ في صفوف حزبنا وحركتنا مفاهيم خاطئة بالنسبة إلى الصهيونية... من بينها الأفكار التي وجدت صداها في بيان عنوانه "أضواء على القضية الفلسطينية".

 

السبب المباشر للإعدام

 

لعلّ موقف فهد من الصهيونية ومبادرته تأسيس عصبة مكافحة الصهيونية ومن القضية الفلسطينية عمومًا، لاسيّما تحفّظه على قرار التقسيم كان وراء إعدامه، فبعد أن اضطرت حكومة صالح جبر إلى إبدال حكم الإعدام بالسجن المؤبد، إلّا أن ذلك لم يرض المخابرات البريطانية التي لجأت إلى التحريض ضدّه، فضلًا عن الدعاية الصهيونية، خصوصاً ضدّ العصبة ومن يقف وراءها، لاسيّما بعد إفشال توقيع معاهدة بورتسموث 1948 (جبر – بيفن)، بتأجيج الشارع في تظاهرات عارمة في وثبة كانون، حيث اعتبر فهد مسؤولًا عنها على الرغم من كونه سجينًا. وهكذا تحالفت ثلاث قوى لتنفّذ فعلتها النكراء تلك وهي الصهيونية العالمية والإمبريالية البريطانية والقوى المحافظة العراقية في الحكم وخارجه من الجماعات الرجعية والقومية المتعصّبة مستغلّةً الموقف من القضيّة الفلسطينية، لاسيّما بعد تأييد قرار التقسيم.

لذلك أصرّت حكومة نوري السعيد التي تشكّلت في 6 كانون ثاني / يناير 1949 على إعادة المحاكمة على نحو عاجل فصدر حكم الإعدام بحق فهد ورفاقه، وتم تنفيذه على جناح السرعة ليلتي 13 – 14 شباط / فبراير 1949، حيث أُعدم كلّ من فهد وزكي بسيم (حازم) وحسين الشبيبي (صارم) ويهودا صدّيق، وعُلّقت جثثهم في الساحات العامة. 

وحسب الصحافي البارز عبد الجبار وهبي (أعدم العام 1963) كان السفير البريطاني شخصياً يتابع محاكمة فهد، وشجّع إصدار حكم الإعدام ضدّه. ويروي كامل الجادرجي الزعيم الوطني الديمقراطي في مذكّراته أن أحد وزراء العدل في العهد الملكي وهو جمال بابان عمل على رشوة 3 من القضاة بتوزيع مبلغ 800 دينار عراقي عليهم من المخصصات الخاصة للتأثير عليهم بإصدار حكم الإعدام بحق فهد ورفاقه وهو ما يؤكّده صبيح ممتاز الذي كان وكيلًا لوزارة العدل وهو الذي قام بتوزيع المبلغ بحضور الوزير كما أخبر الجادرجي.

وبالطبع لم تكن هناك مبررات كافية لمثل هذا الحكم الغليظ، إلّا إذا كان موقف فهد من الصهيونية وتأسيس عصبة مكافحة الصهيونية وقيام دولة "إسرائيل"، ففي جميع البلدان العربية لم يعدم حتى ذلك الحين أي قيادي شيوعي، لاسيّما في قضية مدنية.

ولم تنته القصة بإعدام فهد، بل انتقل المجلس العرفي العسكري بكامل هيأته إلى سجن نقرة السلمان الصحراوي أواخر العام 1949، فأجرى محاكمة ﻟ 44 سجينًا بتهمة ترويج الشيوعية، لأنهم قدّموا عريضة يحتجوّن فيها على إعادة محاكمة فهد وإعدامه.

 

الوكالة اليهودية

 

            وكانت الوكالات اليهودية قد نظّمت حملة مضادة لتوجّهات فهد وعصبة مكافحة الصهيونية جمعت بعض مئات من التواقيع المطالبة بالهجرة، لتأكيد روايتها بأن الصهيونية مسؤولة عن يهود العالم، وزاد الأمر سوءًا ما تعرّض له اليهود من أعمال عدوانية وعنفية والتي عُرفت ﺒ "الفرهود" راح ضحيّتها العشرات من القتلى والجرحى، وذلك لدفع الحكومة العراقية لإصدار قانون يسهل أمر تهجيرهم وهو ما حصل فعلًا في العام 1950.

            وهكذا تواطأت الحركة الصهيونية مع بعض أركان النظام الملكي والقوى المتعصّبة بشكل مباشر أو غير مباشر على تهجير اليهود من العراق، وحينما كانت تفشل في مخطّطها لعدم الاستجابة الكافية من جمهور اليهود، كانت تضع المتفجرات في محالهم التجارية وأماكن سكنهم ودور عبادتهم، فضلًا عن نشر الإشاعات لتخويفهم ودفعهم إلى الهجرة على نحو قُضيَ على أعرق وأقدم مجموعة ثقافية يهودية خارج فلسطين (نحو 125 ألف مواطن عراقي يهودي)، وألحق ضرراً بالنسيج الاجتماعي للمجتمع العراقي وتعدديته الدينية والعرقية والثقافية، وهو الأمر الذي يتكرّر اليوم بخصوص المسيحيين في العراق وعدد من البلدان العربية، بما فيها فلسطين المحتلّة، ناهيك عن الإزيديين والصابئة المندائيين وغيرهم.

 

الهجرة القسريّة والدور المشبوه

 

            وسبق للصديق عباس شبلاق أن سلّط الضوء الكاشف على المزاعم الصهيونية بشأن هجرة اليهود "القسريّة" إلى "إسرائيل" في كتابه الموسوم "هجرة أو تهجير – ظروف وملابسات هجرة يهود العراق". وكشف الجاسوس الصهيوني رودني الذي سبق له أن خدم في الجيش البريطاني وهو معروف بقسوته ووحشيته فضيحة الأسلحة المدفونة في عدد من أماكن بغداد، فضلًا عن جمعه المعلومات عن شخصيات عراقية كبيرة لإقناعها بعقد الصلح مع حكومة "إسرائيل".

ومثل هذا الدور الذي قام به رودني ظلّ قائماً منذ ذلك الحين وازداد كثافة وسفوراً بعد احتلال العراق العام 2003، حيث يتم الاتصال بجهات وشخصيات عراقية لدعمها مقابل تبنّيها فكرة إقامة علاقات مع "إسرائيل" تمهيداً للاعتراف بها، وهو ما يقوم به العرّاب الفرنسي برنارد ليفي.

وأختتم بفقرة مما كتبه فهد باسم لفيف من الشباب اليهودي برسالة موجّهة إلى وزير الداخلية لطلب تأسيس العصبة وهي تعكس حقيقة توجّهه وتفسّر سبب إعدامه، وجاء فيها: "نحن نعتقد، إخلاصاً، بأن الصهيونية خطر على اليهود مثلما هي خطر على العرب وعلى وحدتهم القومية، ونحن إذ نتصدّى لمكافحتها علانية وعلى رؤوس الأشهاد، إنما نعمل ذلك لأننا يهود ولأننا عرب بنفس الوقت".

نشرت في جريدة القدس العربي (لندن) في 25 شباط / فبراير 2023.

 

 

 

الجيل والهويّة

عبد الحسين شعبان

 

شهد العالم خلال الثلاثة عقود ونيّف المنصرمة تغيرات كبيرة ومتسارعة ساهمت في تعرّض الأجيال المختلفة لظروف وخبرات متباينة، ما أدّى إلى اختلاف منظومة القيم والتوجّهات بين الأجيال القديمة والأجيال الجديدة، وبالتالي حدوث فجوة كبيرة لم يكن من السهل ردمها، بل كانت تتنامى وتتّسع وتكبر وتتعمّق.

والفجوة الجيلية في كل مجتمع ومنها مجتمعاتنا العربية ذات مستويين، أحدهما - رأسي أو عمودي (بين جيل الكبار وجيل الشباب)، وثانيهما – أفقي، وذلك على مستوى كل جيل، خصوصاً بالتباين بين الفئات العمرية التي تندرج تحت أحد الجيلين بشأن القيم والتوجّهات.

يرتبط مفهوم الجيل بالقيم والأفكار والتوجهات المشتركة من خلال وعي عام أساسه الشعور المشترك بالانتماء والترابط والتضامن، مع الأخذ بنظر الاعتبار ظروف النشأة والتجارب والخبرات، لأفراد من الجيل العمري، حتى وإن كانوا لا يمثّلون وحدة اجتماعية متشابهة أو متطابقة. وتحدث الفجوة الجيلية بسبب التباين والاختلاف والتباعد بين أفراد ينتمون إلى جيلين مختلفين، فكراً ورأياً وقيماً وتوجّهاً في المنظور الثقافي والسياسي والاجتماعي وفي السلوك والتوجّهات. ويقوم مفهوم الفجوة على ثلاث فرضيات:

*الأولى – اعتيادية، وهي الاختلاف في العمر البيولوجي بين أجيال تنتمي إلى مجتمعات منقسمة في الخبرات والتصوّرات.

*الثانية – هويّاتية، أي أن هناك وعياً جمعياً لكلّ جيل، وهذا يكسبه نوعاً من التضامن بين أفراده مقابل الجيل الآخر.

*الثالثة – سلوكية، فسلوك الأجيال الأصغر سناً وتوجهاتها واهتماماتها مختلفة عن الأجيال الأكبر.

وثمة علاقة جدلية بين الفجوة الجيلية والهويّة، خصوصاً وقد أخفقت العديد من المجتمعات ومنها مجتمعاتنا العربية في استيعاب الجيل الشاب في إطار هويّة جامعة، وقد أدّت تلك الفجوة إلى تعميق الخلاف بشأن الهويّة ومفهومها، وحين يتعمّق هذا الخلاف ويتّسع يتحوّل إلى صراع حاد أحياناً، يُضاف إلى الصراعات المجتمعيّة القائمة.

تحدث الفجوة بين الأجيال بمدى تقبّل أو عدم تقبّل كلّ منهما للقيم الثقافية المتباينة بين الجيل الأكبر والجيل الأصغر، خصوصاً في ظلّ المتغيرات الاجتماعية والأحداث السياسية التي ينظر كل منهما نظرة مختلفة إليها. وإذا كان هذا أمراً يمكن لحاظه قيمياً وسلوكيًا باختلاف الفئة العمرية، فإنه أصبح عاصفاً في السنوات الأخيرة، محدثاً تغييرات جذريّة وعميقة بفعل العولمة؛ حيث هيمنت وسائل التواصل الاجتماعي وتكنولوجيا الإعلام والطفرة الرقمية «الديجيتال» وثورة المعلومات والاتصالات واقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي على الجيل الجديد، والتي أدّت إلى اتساع الفجوة على نحو هائل في السنوات الأخيرة. علماً بأن هناك اختلافاً داخل كل جيل أيضاً.

وتبقى مسألة التباين بين الأجيال إشكالية في العديد من المجتمعات البشرية، وخصوصاً في المجتمعات النامية ومنها مجتمعاتنا العربية، الأمر الذي يفرض على الجميع التعامل معها من خلال علاقة سويّة تقوم على تفهّم ما يريده الجيل الجديد وتطلّعاته المستقبلية، في عصر العولمة ومفاعيلها التي لا غنى عنها. ولا شكّ أن التواصل بين الأجيال والثقافات والحفاظ على هويّة موحّدة إنسانية مسألة مهمّة في ظلّ تحدّيات الثقافات الوافدة أو المتغلغلة بوسائل ناعمة دون أن يعني ذلك الانعزال، مع أهميّة التفاعل مع ما هو كوني وإنساني، والهدف هو تقليص الفجوة بين الأجيال.

ويمكن أن تلعب البرامج التربوية والدراسية للنشء الجديد دوراً على هذا الصعيد، وكذلك المؤسسات الإعلامية والدينية ومنظمات المجتمع المدني في البحث عمّا هو جامع، والابتعاد عمّا هو مفرّق، مع الأخذ بنظر الاعتبار الأساليب الحديثة لرفع الوعي، وإحداث نوع من التوازن لكي لا تتعمّق الفجوة الجيلية وتتحوّل من جدل بأفق مستقبلي إلى أزمة وصراع مجتمعي؛ ولعلّ الحاجة إلى مشروع نهضوي حديث وتدرّجي تبدأ من الطفولة مروراً بمرحلة الشباب، مثلما تتطلّب حواراً هادئاً وهادفاً لمواجهة التحديّات والمشكلات المتعلّقة بالجوانب الإنسانية، ابتداءً من الأسرة إلى الصحّة والعمل والضمان الاجتماعي والثقافة والفنون والآداب، وكلّ ما يتعلّق بقواعد السلوك الإنساني التنموي المستدام، الذي يستند إلى «توسيع خيارات الناس»، و«تلبية احتياجاتهم الأساسية»، و«تحسين ظروف حياتهم»، وذلك مراعاة للخصوصية مع احترام للقيم الكونية.

لعلّ مناسبة هذا الحديث هي مداخلة قدّمها الكاتب في ندوة أقامها منتدى الفكر العربي بعمان والموسومة ب«دور المؤسسات الثقافية العربية في التواصل بين الأجيال».

drhussainshaban21@gmail.com

 

في ما يسمّى ﺑ

(الإمبريالية الثقافية)

عبد الحسين شعبان

 

ظهرت بدايات «العولمة» مع بزوغ عصر الرأسمالية، إلّا أن ما شهده العالم من تقدّم خلال العقود الثلاثة الأخيرة يكاد يفوق في حجمه الهائل وسرعته الفائقة كل ما حصل في تاريخ البشرية، ومع ذلك فالعولمة لا تزال في بداياتها وليس لها نهايات حسب ما يبدو، وهي لا تزال تخبئ الكثير من القدرات غير المكتشفة حتى الآن.

«الإمبريالية الثقافية» نمط استهلاك ثقافي يتأسس على شكل جديد للإمبريالية، شيّد على أنقاض النظام الإمبريالي القديم، حيث تمظهرت فيه الإمبريالية باعتبارها «أعلى مراحل الرأسمالية» حسب وصف لينين، وكان ماركس الأسبق في الكشف عن قوانين التطوّر الرأسمالي، إلّا أن ما أظهرته «العولمة» من قوانين جديدة تحتاج إلى معالجات جديدة استناداً إلى استنتاجات مختلفة تتجاوز ماركس ولينين، بحكم التطوّر الذي حصل في الطور الرابع للثورة الصناعية، الأمر الذي فرض نمطًا استهلاكيًا ثقافيًا كونيًا أريد له أن يكون وحيدًا، في حين كانت الإمبريالية القديمة تسعى لسيادة نمطها الإنتاجي الاقتصادي القادر على التحكّم بمتطلّبات السوق لإحكام الاستتباع.

وتمكّنت الرأسمالية من تجديد نفسها وإعادة ترتيب أولوياتها وتدوير أزماتها والخروج من مآزقها، وهو ما أتاح لها الظهور بوجه ثقافي جديد ومهيمن، بحيث يسعى للتحكم بمخيّلة البشر والتأثير فيهم والتغلغل في العقول والتوغّل إلى منظومة القيم لدرجة إملاء طريقة العيش.

ويمكن الاستدلال على ذلك بنموذج الموبايل والإنترنت اللذين دخلا الأكواخ الفقيرة مثلما دخل القصور المنيفة، وذلك كي يسود نمط الاستهلاك الثقافي المعولم، الذي سيؤدي بالتدرّج إلى إلغاء التعدّدية الثقافية والتنوّع الثقافي لصالح نموذج وحيد سائد ومسيطر، ومن هذا الباب يمكن تفهم حساسية واشنطن من منافسة بكين وصراعها معها وانفعال إجراءاتها بما فيها اللجوء إلى فرض عقوبات عليها وتحميلها نتائج ما جرى من انتشار كورونا.

ويعني إلغاء التنوّع الثقافي إلغاء الخصوصيات القومية والدينية واللغوية والأعراف والتقاليد الاجتماعية، إضافة إلى طريقة العيش ونمط الحياة، بسيادة نموذج استهلاكي ثقافي وحيد بحيث يصبح هويّة أساسية للجميع. وهكذا تصبح الثقافة طريقًا للهيمنة وتعميم ذلك اقتصاديًا وسياسيًا، من خلال العولمة.

وإذا كانت تلك فرضية وسعي لتنفيذها من جانب القوى المتنفذة، فهل هي كليّة الجبروت أم ثمة عقبات أمامها؟ إن مأزق العولمة كنمط استهلاك ثقافي هو مأزق الثورة العلمية وثورة المعلومات والاتصالات والثورة الرقمية (الديجيتال) أيضاً، وبقدر ما تحتوي العولمة على درجة عالية من القبح والتوحّش، فإن فيها بعض الإيجابيات، ولا بدّ من الإفادة من إيجابياتها، ومشروع العولمة هو نقيض للحداثة، بل هو مشروع ما بعدها، ولذلك بشّرت العولمة وما بعد الحداثة بموت الإيديولوجيا وموت التاريخ وموت الفلسفة وموت المثقّف، وهو ما دعا إليه فوكوياما في كتابه «نهاية التاريخ»، في محاولة لفرض نمط استهلاكي ثقافي واحد، إلّا أن حسابات الحقل ليست مطابقة لحسابات البيدر، فقد اندلعت موجة عارمة من الهويّات الفرعية قادت إلى انتشار العقائد والأديان والإيديولوجيات وكل مظاهر التنوّع الثقافي، الذي انتعش عقب انحلال الكتلة الاشتراكية وما بعدها.

وتسعى الإمبريالية الثقافية إلى تغيير قيم الناس وقناعاتهم بوسائل ناعمة قد تكون أشد إيذاءً وخبثاً، وذلك بهدف دفعهم إلى الاستسلام أمام القوّة التي لا يمكن مجاراتها في الإبداع والابتكار، خصوصاً أن الإمبريالية تعمل على إعلاء قيم شعوبها وثقافتها، وبالمقابل تحقير ثقافة الغير وازدرائها، وكل شيء يأخذ نقيضه، فمقاومة العدوان تعتبر إرهابًا والدفاع عن الخصوصية يسمى انعزالية، ورفض شروط صندوق النقد الدولي يُعتبر إحدى الكبائر التي تلقى عقوبات.

وتستخدم الإمبريالية الثقافية جميع الوسائل الناعمة لتحقيق أهدافها بالتأثير في الشعوب والأمم وجعلها تخضع لهيمنتها، دولًا أو مجتمعًا مدنيًا أو منظمات غير حكومية أو قوى وأحزاب سياسية، وذلك بعد خلخلة البنية الفكرية وإضعاف الخصوصيات بحجّة الكونية والمعايير العامة.

وتركّز بشكل خاص على المثقفين لما لهم من تأثير في مجتمعاتهم، وهذه الفئة الأخيرة تشعر باضطهادات مزدوجة من جانب سلطات الاستبداد والقوى التقليدية والدينية. وليس عبثاً أن يعلن بريمر في كتابه «عام قضيته في العراق» أنه صرف 780 مليون دولار كمنح ومساعدات للمجتمع المدني في العراق خلال عام واحد، ولم يخبرنا أحد أنه استفاد من هذه المساعدات، التي قال إنها ذهبت إلى صحف ومراكز أبحاث ودراسات ومؤسسات ناشئة وأشخاص تواطؤا مع الاحتلال وقبلوا بمشروعه، وذلك جزء من التوجه النموذجي اليوم للرضوخ للإمبريالية الثقافية.

drhussainshaban21@gmail.com

 

 

سؤال اللغة والثقافة

 

عبد الحسين شعبان

 

إذا كانت الثقافة والتاريخ ركني الهويّة الأساسيين، فإن اللغة تترك آثارها في الهويّة، لأنها تعمّق من وجود الإنسان وانتمائه، ولذلك يُقال أن الأدب هو مرآة الشعوب التي ترى فيه نفسها ويتم التعبير عن هويّتها وكينونتها، ولا أدب دون لغة مثلما لا ثقافة دون لغة، فهما يتماهيان  في علاقة عضوية تتمظهر فيه الهويّة من خلال الثقافة وتتجلّى فيه اللغة بأبهى صورها. وهكذا فإن الوشائج تكون قويّة بين اللغة والثقافة والهويّة، وبقدر ما تسهم اللغة في تكوين الهويّة، فإنها تنطلق من الثقافة وتندغم فيها وسيلة للتعبير والتواصل والتفاهم والمشترك الإنساني.

واعتبر ميشيل فوكو المفكّر الفرنسي في كتابه "الكلمات والأشياء"، اللغة أصوات بشرية دالة على معانٍ عقلية ثابتة في الأشياء ترتبط بها من خلال إشارة وعلامة وصورة وحركة. وبهذا المعنى فاللغة نتاج اجتماعي لملكة اللّسان، إضافة أنها تقاليد اجتماعية وأنظمة تتحقق من خلال التنشئة الاجتماعية للإنسان المتكلّم وعلامات دالّة أيضًا تظهر في الكلمات والجمل والنصوص التي يستخدمها، أي عبر الصورة السمعية التي هي انعكاس للفكر.

 وبالطبع فلكلّ لغة نظامها الداخلي المعقّد الذي يحتاج إلى معرفة ونسق ينتقل من الكلمة والنحو إلى الجملة فالنص في إطار هارموني يزداد تأثيرًا كلّما كان محكمًا ودقيقًا في التعبير، خصوصًا حين يعكس "الوحدة اللغويّة" جماليًا، ولكلّ مفردة في ذلك وظيفة وموقع ودلالة ورمزية. وهي تتساوق مع القيم المادية والمعنويّة وتعكس الانتماء الثقافي والمعرفي والحضاري، فالعلامات والرموز التي تتشكّل في اللغة تحلّل المفهوم وتعطيه دلالة حسب أمبرتو إيكو، وهذه الدلالة جماعية حين تخصّ مجموعة من الذين يتكلّمون بنفس اللغة ويعبّرون من خلال تراكيبها عن مفردات وجمل ونصوص وعلامات ، وهكذا تكون إحدى مرجعيات هويّتهم ومخزونهم الثقافي.

واللغة لدى أي متكلّم تعبّر عن غرضين، أحدهما بلاغي (أي القصد منه) والثاني تبادلي أي إشراك المتلقّي في سياق أفكاره، الذي يتلقّى الكلام ويستنتج الغرض منه ويعتمد على ما هو متبادل من مرجعية ثقافية مشتركة.

وبقدر ما تكون اللغة وسيلة تعبير عن الهويّة وانعكاس للثقافة، لا سيّما بوجود مشتركات تاريخية واجتماعية وثقافية تمثّل عناصر تعايش وتوافق وتواصل، فهي في نهاية المطاف منتج بشري إنساني يتعزّز بالتفاعل ويغتني بالتراكم، خصوصّا بنشوئه في بيئة مشتركة. تلك هي وظيفة اللغة في التعبير عن الانتماء للجماعة البشرية المعينة، وهي تعبير عن خصوصية الفرد وموقعه في هذا الانتماء أيضًا.

والثقافة تعني ذلك المجموع الذي يتآلف من المعارف والمعتقدات والفنون والآداب والاعراف والقوانين والعمران وطريقة العيش وكلّ ما أنتجه الإنسان. وحسب تعريف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونيسكو" فالثقافة تمثّل جميع السمات الروحيّة والمادية والفكرية (اللغوية) والعاطفية التي تميّز مجتمعًا بعينه أو فئةً اجتماعية محدّدة، وهي تشمل الفنون والآداب والمعتقدات.

وثقافة أي مجتمع مثل هويّته ليست مغلقةً أو نهائيةً بمعنى سرمديّةً، وإنما تتأثّر بالآخر مثلما تؤثّر فيه، ولاسيّما في العادات والتقاليد والفنون والآداب والأذواق، وهكذا تصبح قابلة للإضافة والحذف والتعديل، فالهويّة والثقافة فضاءان مفتوحان متفاعلان مع محيطهما الداخلي والخارجي، وهما ليستا بركةً راكدة، وإنما بحر مترام الأطراف تصب فيه أنهار عديدة تستوعبها الثقافة الأصيلة وتعبّر عنها بهويّتها الحيويّة.

والثقافة مثلما هي الهويّة واللغة تتطوّر مثل أي كائن اجتماعي من خلال الفكر والسلوك والتراكم وهي تتغيّر ببطئ شديد، خصوصًا بتعاقب الأجيال والمراحل والحقب الزمنية، بحيث تكون قابلة للتعديل بسبب تواتر الإستخدام والوعي بأهمية ذلك. وكلّ ثقافة مثلما كلّ هويّة ولغة نسبية وليست مطلقة حتى وإن سادت لزمن طويل، إلّا أنها ستكون مثل غيرها عرضةً للتغيير والتجديد أيضًا من خلال سلوك الجماعة مثلما تكون الثقافة الأكثر تأثّرًا باللغة، خصوصًا من خلال الكتابة، حيث تقوم بدور الوساطة لنقل الثقافة.

والثقافي بقدر استقلاليته فإنه متأثّر بالاجتماعي، حتى وإن كانت اللغة مرجعية للتواصل لها قوانينها فإنها في الوقت نفسه مستمدة من الفضاء الثقافي، حيث يستخدم الناس اللغة للتعبير عن هويّتهم الثقافية.

إن جدل اللغة والثقافة ليس بين طرفين متناقضين أو متعارضين، وإنما بين طرفين يتكاملان ويتحدان في اتساق متناغم بموسيقيته الخاصة، يسهم أحدهما في إغناء الآخر.

واللغة هي نتاج تطوّر الإنسان وفكره ومستوى تفكيره ونمط حياته، وهو ما نطلق عليه الثقافة، فالثقافة تقوم على عملية بناء لقيم تتشكّل منها كلمات ومفردات وجمل ونصوص لها دلالات تنم عن وعي وسلوك من داخل اللغة ومن خارجها أي من المحيط الاجتماعي والثقافي الذي تنشأ فيه وهما في حال من التداخل والانشباك الذي لا غنى عنه لدرجة التعاشق والتماهي.

الثقافة قوّة ولا ثقافة دون معرفة، والمعرفة سلطة مادية ومعنوية، خصوصًا عندما تتشرّب بها شعوب وأمم، وحسب تعبير الفيلسوف البريطاني فرانسيس بيكون فالمعرفة قوّة بذاتها تحتاجها السلطات الحاكمة وتوظّفها أحيانًا بطريقة إيجابية أو سلبية، وإذا ما اتحدت سلطة المعرفة مع سلطة الدولة فسنكون أمام الحكمة، وتلك فضيلة مثل هذا الاتحاد.

 

 

 

في استقبال عام 2023

عبدالحسين شعبان

 

كثيرة هي التحدّيات التي تواجه العام الجديد، فقد سلّطت الحرب الروسية في أوكرانيا الضوء على مجموعة كبيرة من الأزمات الدولية المترابطة والمتداخلة، وهذه جميعها تشكّل تحدّيات مستمرّة لعام 2023 وربما يمتدّ بعضها إلى أعوام قادمة، ويبقى البحث عن حلول ومعالجات لإطفاء بؤرة الحرب ونزع فتيل التوتّر تمهيداً لإحلال السلام وبنائه وإدامته هاجساً مؤرقاً للعالم أجمع.

وكان الدبلوماسي الأمريكي المخضرم هنري كيسنجر قد توصّل إلى استنتاج مفاده: حان وقت إحلال السلام على أساس التفاوض في أوكرانيا للحدّ من مخاطر نشوب حرب عالمية مدمّرة أخرى، وهو الرأي الذي بشّر به خلال اندلاع أزمة جزيرة القرم عام 2014 داعياً إلى إجراء استفتاء تحت إشراف دولي للبتّ في أمر الأراضي التي أعلنت روسيا ضمّها، لكن حكومة زيلنسكي رفضت مقترحاته واعتبرتها «مهادنة للمعتدي».

وتعتبر أزمتا الغذاء والطاقة متفرّعتين عن الحرب الأوكرانية، فلم يعد بإمكان أوكرانيا تصدير الحبوب، كما أن إجراءات واشنطن والغرب عموماً لمنع الآلة العسكرية الروسية الاستفادة من أرباحها، ورد فعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقطع إمدادات الغاز عن أوروبا كانت وراء استفحالها، ناهيك عن ارتفاع نسبة التضخّم بسبب ارتفاع أسعارهما باضطرابات أخرى تتعلّق بالنقل ومعوّقاته، وتعقيدات انتشار وباء كورونا.

وكان موقع «ناشونال إنترست» الأمريكي قد نشر تنبؤات لباحثين مختصّين هما ماثيو بوروز وروبرت مانينغ، اللذان قسّما الأزمات إلى ثلاثة مستويات، عالية السقف ومتوسطة السقف ومنخفضة السقف، في إطار الدراسات المستقبلية. وتوقّفا عند الحرب في أوكرانيا واعتبراها لغزًا لا أحد يستطيع التكهّن كيف يمكن أن تنتهي؟ ويمكن طرح أسئلة عديدة من سيكون الرابح فيها؟ ومن هو الخاسر أو المهزوم؟ وهل ستبقى أوكرانيا موحدّة؟ وهل ستتمترس روسيا في الأجزاء التي احتلّتها، وهي بأغلبيّة روسية، بعد شبه جزيرة القرم التي سيطرت عليها العام 2014؟ وما هو شكل النظام الدولي الذي سيُقام بعد انتهاء الأزمة الاوكرانية؟ وهل التعدّدية القطبية أصبحت أمراً واقعاً بعد تخلخل نظام القطب الواحد الذي هيمن على العلاقات الدولية إثر انهيار الكتلة الاشتراكية في أواخر الثمانينات وانتهاء عهد الحرب الباردة؟

إن الأزمة الأوكرانية المركبة والمعقدة، هي أزمة العلاقات الدولية أيضاً لاتصالها بالأمن الإنساني الدولي، ناهيك عن استنزافها للغرب كذلك، الذي أخذ يضخّ الأسلحة والمساعدات لأوكرانيا في ظروف الانكماش الاقتصادي وانخفاض مستوى حياة السكان والمطالبات الشعبية التي بدأت ترتفع بعدم هدر ضرائب المواطنين على مساعدات خارجية، فضلاً عن احتمالات التصعيد الحربي بإرسال أسلحة متقدّمة من واشنطن وعدد من العواصم الغربية إلى كييف، وارتفاع درجة حرارة الردّ الروسي النووي المحتمل.

والأزمة ممتدّة ومتفاعلة مع أزمات أخرى من أمريكا الوسطى وهاييتي إلى شمال إفريقيا حتى جنوب السودان، وتشمل منطقة القرن الإفريقي وسوريا واليمن وأفغانستان وباكستان، ناهيك عن استمرار سياسة «إسرائيل» العدوانية وصعود التيار الأكثر تعصّباً وعنصرية داخل «إسرائيل». وترتفع تأثيرات الحصار الأمريكي والغربي على إيران مع عدم التوصّل إلى حلّ بخصوص الملف النووي، وزاده اليوم ما يجري من احتجاجات شعبية داخل إيران. ومن القضايا الجديدة في هذه الأزمة تزويد إيران موسكو بطائرات مسيّرة وصواريخ استخدمتها الأخيرة في حربها ضدّ كييف.

وعلى صعيد العلاقات الأمريكية – الصينية، فإنه على الرغم من الاتفاق في قمة العشرين الأخيرة على استئناف المفاوضات، فإن مسألة تايوان قد تبدّد هذه الجهود، فلا تزال هناك خلافات جوهريّة تتعلّق بالقيم والمعايير الخاصة بالتجارة واستخدامات التكنولوجيا وحقوق الإنسان، ويزداد الأمر تعقيداً مع المأزق الكوري باختبار بيونغ يانغ المستمر لمجموعة كاملة من الصواريخ الباليستية وقذائف كروز.

وحتى بعد انعقاد مؤتمر المناخ الدولي في شرم الشيخ (كوب 27) في 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2022، فإن أزمة المناخ العالمية لا تزال مستمرّة وتحتاج إلى جهود كبيرة للتعاون وتخصيص مبالغ هائلة لمعالجتها، علماً أن بعض التقديرات العلمية تقول إن درجة حرارة الأرض سترتفع بنسبة 1.5% ما لم تلتزم البلدان بتخفيض 43% من إجمالي انبعاث غازات الاحترار العالمي.

العالم 2023 سيكون مثقلاً بالعديد من تركة العام الذي سبقه، وأوروبا التي لم يخطر ببالها أن الحرب ستدقّ أبوابها، أصبحت تهدّد اليوم بيوتها، الأمر الذي يحتاج إلى تفاهمات جديدة لصياغة نظام دولي جديد ما بعد الأزمة الأوكرانية.

drhussainshaban21@gmail.com

 

 

المهاجر وهويّته الثقافية

عبد الحسين شعبان

كان تولّي ريشي سوناك منصب رئيس وزراء بريطانيا، وهو من أصل هندي خلفًا لرئيسة الوزراء ليز تراس، التي لم تستمر في رئاسة الحكومة سوى 44 يومًا، والتي جاءت على أعقاب بوريس جونسون، سببًا جديدًا في طرح أسئلة قديمة وجديدة، بل معتقة بخصوص الهويّة والثقافة، فالجيلين الثاني والثالث من المهاجرين إلى بريطانيا وإلى عموم البلدان الأوروبية، مرّا بتجارب ذات طبيعة إشكالية بقدر ما هي مشكلة في الآن ذاته، خصوصًا وهما يحملان أو يمثلان أو يعبّران عن ثقافتين مختلفتين، لاسيّما بالنسبة للمهاجرين غير الأوروبيين.        لم يكن مفاجئًا تكليف سوناك من جانب الملك تشارلز الثالث، وهو المعروف بانفتاحه على القيم الإنسانية للحضارات والثقافات والأديان والشعوب والأمم المختلفة، وذلك بعد استقالة تراس وسط ذهول داخلي وترقّب خارجي فيما يتعلّق بإعادة لُحمة حزب المحافظين من جهة، واستعادة دور بريطانيا على الصعيد العالمي من جهة أخرى، خصوصًا بعد الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها، إضافة إلى تداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا وأزمة الطاقة.        يُنظر إلى المهاجرين من غير الأوروبيين باعتبارهم يحملون “ثقافة خاصّة ومميّزة”. وقد أظهرت الحداثة والعولمة صيرورات هذه الهويّات بإدراك الذات في تداخلاتها، خصوصًا للجيلين الثاني والثالث، وذلك من خلال القيم والحياة العامة بين المهاجرين وفي داخلهم مع مجتمعاتهم الذي يعيشون فيها؛ فضلًا عنالتحولّ الذي يظهر على الإنسان بين الهويّة الأولى والهويّة الثانية، ولا أريد القول الهويّة الأصليّة والهويّة المكتسبة، فكلاهما يمثّلان انتماءً مندغمًا في شخصية المهاجرين بعد العيش في مجتمع بقيمه السائدة. وقد بيّنت التجربة أن توتّرًا يحصل  بين الجيل الأول وما يليه من أجيال، أي بين الأبناء من جهة والآباء والأجداد من جهة أخرى، وثمة عوامل تحول دون الاندماج داخليًا وخارجيًا، وقد حاول توماس هايلاند إريكسون معالجتها من وجهة نظر أنثروبولوجية في كتابه “العرقية والقومية“.        صحيح أن العيش في ثقافتين ليس أمرًا إشكاليًا إذا كانت البيئة الاجتماعية تسمح بذلك، إلّا أن ثمة معوّقات وعقبات تحول دون ذلك أحيانًا، فالهويّة الغالبة أو السائدة يُراد لها أن تكون مترابطة ومحدّدة وواضحة المعالم، وبهذا المعنى يصبح المهاجرون من الذين لم يندمجوا أقرب إلى التمايز، والأمر لا يتعلّق بالثقافة بقدر ما يتعلّق بالفشل في الاندماج والتواصل المنسجم مع الفئات المهيمنة على التركيبة الاجتماعية.        قد تنبعث حركات باسم “الهويّة” أو “الخصوصيّة” أو “الأصل” أو “الحق في التعبير”، لكنها بالتدرّج تتضاءل الأهميّة الاجتماعية لمثل هذا التمايز مع مرور الأيام، ويندفع أحيانًا أبناء المهاجرين أو أحفادهم إلى الاندغام الذي هو أقرب إلى إضاعة الأصل، بل أن بعضهم يبالغ به أكثر من اللّازم، خصوصًا حين يزداد الشعور بعدم أهمية هذا التمايز ورغبة الأكثرية في عدم رؤيته أو الاستجابة إليه، سواء بالمساواة الثقافية أو توازن المصالح واتفاقها.        ومن ملاحظتي الشخصية خلال إقامتي في بريطانيا، أن التباينات الثقافية بما فيها اللغة، ليست مفصولة عن العرقية تمامًا، على الرغم من أن بعض الدراسات الأنثروبولوجية تقلّل من أهميتها أو تجعلها نسبية، والمهم كيف يمكن استخدام الاختلافات الثقافية سبيلًا للاتصال وليس للانفصال، بما يعطيها دلالة اجتماعية بتغيّر المحتوى الثقافي للهويّة ذاتها؟        ويبدو منطقيًا أن المهاجرين، وخصوصًا من الجيلين الثاني والثالث، ممّن ولدوا وعاشوا ودرسوا في المدارس البريطانية سيكونون مجبرين على إقامة صِلات وثيقة بالسكان الذين يمثّلون الأكثرية وبالنظام الذي تقيمه في الانتاج والاستهلاك، فابن المهاجر “البريطاني” من أصل هندي أو إفريقي أو عربي، لم يختر أن يكون كذلك، فذلك مفروض عليه ولا يستطيع هو، إن كان رجلًا، أو هي، إن كانت امرأة، أن تتجاوز الدولة وقوانينها من التدخّل في حياتهما ومستقبلهما واندماجهما في المجتمع، فهما لا يمكنهما تغيير نمط حياة الناس أو علاقاتهم أو شكل انتاجهم أو خلفياتهم الثقافية، وإنما عليهم هم أن يتغيّروا مع ما هو سائد ومتواصل وتاريخي والتصرّف بموجبه، مع بقاء بعض الخيارات قائمة نسبيًا. على سبيل المثال، المسلم يذهب إلى الجامع حتى وإن لم يكن متديّنًا، وقد يكون ذلك في الأعياد أو في المناسبات بما فيها حضور مراسم العزاء، ويفعل الهندوسي ذلك بالذهاب إلى المعبد، وهكذا كلّ منهما يجد طريقة ذات معنى في تعبيره عن خصوصيته لاعتبارات رمزية أو تاريخية وثقافية، فالهويّة ليست ثابتة وإنما مفتوحة وتقبل الإضافة والحذف والتجديد، وهي ليست نهائية أو كاملة بمعنى سرمدي، وإنما هي في حالة تفاعل وتراكب وتواصل مع محيطها وفي ظلّ تراكم طويل الأمد، فما بالك حين تعيش في مجتمع بقيم وتوجهات أخرى سائدة. بهذا المعنى تكون الهويّة غير راكدة أو مستقرّة، سواء كانت هويّة الجيل الأول أو الأجيال التي تبعته، بما تفرضه عوامل مختلفة وأوضاع اجتماعية واقتصادية وثقافية سائدة، ولعلّ تلك هي هويّة ريشي سوناك، وهو ما عبّر عنه بوضوح منذ وصوله إلى 10 داونغ ستريت.

 

 موقع (جنوبية)

 

إملاء الدستور

عبد الحسين شعبان

 

يعيش العراق منذ إجراء الانتخابات في 10 أكتوبر / تشرين الأول 2021 وإلى اليوم حالة انسداد آفاق سياسية ودون حكومة كاملة الصلاحيات، وهو أمر تكرّر بعد انتخابات العام 2006 والعام 2010 والعام 2014 والعام 2018، وما بعد إطاحة حكومة عادل عبد المهدي العام 2020.

وما زاد الطين بلّة، أن كتلة السيد مقتدى الصدر (التيار)، الأكبر في البرلمان، والبالغ عددها 73 نائبًا انسحبت من البرلمان، في حين كانت المرشحة بتسمية رئيس الوزراء، وحين بادرت كتلة الإطار التنسيقي (تحالف شيعي آخر) إلى ترشيح  محمد شياع السوداني احتجّ التيار وقاد تظاهرة اقتحمت المنطقة الخضراء ودخلت البرلمان وهدّدت بما هو أشدّ لاحقًا.

وهكذا ما تزال الدولة معوّمة، حيث تستمرّ حكومة تصريف الأعمال منذ عشرة أشهر، ولم تتّفق المجموعتان الكرديتان على تسمية رئيس الجمهورية الذي بدوره يسمي رئيس الوزراء بعد اتفاق الشيعية السياسية عليه.

ومثل هذا الوضع المضطرب لا يخصّ العراق وحده، فهذا لبنان يشهد الحالة ذاتها منذ آخر انتخابات له في 15 مايو / أيار 2022، وقبل ذلك كان لنحو عامين، دون رئيس ودون حكومة كاملة الصلاحيات، فضلًا عن البرلمان الذي جدّد لنفسه.

وأما في تونس فالأمر اتخذ بُعدًا آخر لتقويض صلاحيات البرلمان وإعداد دستور جديد وعرضه على الاستفتاء الشعبي في 25 يوليو / تموز المنصرم 2022، وبموجب الدستور الجديد منح الرئيس قيس سعيّد لنفسه صلاحيات واسعة بالضدّ من دستور العام 2014، وتمّ تقليص دور البرلمان بعد تجربة العشرية الأولى من التغيير التي شهدت صراعات حادة وتعطيل لدور المؤسسات، ناهيك عن استشراء الفساد المالي والإداري على خلفية الفساد السياسي.

            والأمر يستمر في ليبيا على هذا المنوال، حيث الانقسام بين الكتل والجماعات والأطراف والجهويات وعدم القدرة على ضبط السلاح المنتشر وجعله بيد الدولة، ناهيك عن الصراعات داخل البرلمان وبينه وبين الحكومة، ممّا عوّم السيادة الليبية بسبب عدم قدرة أي طرف من حكم البلاد بصورة دستورية.

 ربما كان أحد أسباب عدم استقرار بلدان مثل العراق ولبنان وتونس وليبيا هو الدستور الذي قام على أساس النظام البرلماني، حيث تم تفصيله على مقاسات مصنوعة في الخارج، وحتى لو  كان التصميم دقيقًا، إلّا أنه لا يصلح بالضرورة لهذه البلدان التي تعاني من انقسامات دينية وطائفية وإثنية وجهويّة، ساهم الدستور المشوّه في زيادة تشويهها، وهو ما يعكسه الدستور اللبناني، الذي تكرّس في ميثاق الطائف العام 1990، والدستور العراقي  الذي صاغه نوح فيلدمان الأمريكي المتعصب "لإسرائيل"، وقام بوضع العديد من الألغام فيه بيتر غالبرايت، مثلما عملت جهات أممية ومحلية وبتوجيهات أحيانًا من مراكز أبحاث ودراسات أمريكية لفرض نظام برلماني على بعض البلدان العربية التي خرجت لتوّها من جوف الديكتاتورية والاستبداد، وليس لها تجربة سابقة في النظام البرلماني، ناهيك عن أجواء الانفلات التي شهدتها وضعف الدولة وانتشار السلاح خارج القانون، فضلًا عن محاولة الاستقواء بالخارج.

  إن مهندسي الأنظمة ما بعد التغيير والذين اختاروا النظام البرلماني، كانوا يدركون أن التوافق بين الكتل البرلمانية لتأمين أغلبية في غاية الصعوبة، وإن تحقّقت وتشكّلت الحكومة فسيكون برنامجها ضعيفًا وتقترب سياستها من تصريف الأعمال بسبب الصيغة التوافقية، حيث تعاني من الهشاشة وعدم التماسك، وتعيش حالة من الأزمات المستمرّة. جدير بالذكر أن النظام البرلماني يقوم على ركيزتين أساسيتين، هما رئيس فخري دون صلاحيات تذكر ، وبرلمان يختار رئيس الوزراء الذي يشكّل الحكومة بتوافق القوى، ويكون خاضعًا للاستقطابات السياسية.

            إن الدول التي انتقلت إلى النظام البرلماني، وخصوصًا في العالم الثالث، عانت من الجمود السياسي، وأحيانًا عاشت لفترات غير قصيرة حالة من التعويم قبل التوصّل إلى اتفاقات هشّة. ولذلك تبرز دعوات عديدة ومن مواقع مختلفة لتغيير الدساتير الجاهزة، والتي جاء بعضها مع الاحتلال أو طبقًا لوصفات دولية لم تكن بعيدة عنها أيادي القوى المتنفّذة، والهدف هو تغيير النظام البرلماني إلى نظام رئاسي أو مختلط يعطي لرئيس الدولة صلاحيات فعلية وهو أقرب إلى النظام الفرنسي بعد العام 1958 تجنّبًا لما يرافق النظام البرلماني من أزمات سياسية تنعكس سلبًا على إدارة الدولة بجميع مرافقها الحيوية بفعل عوامل خارجية أو داخلية.

            والنظام البرلماني، وإنْ كان له امتدادٌ في بريطانيا لنحو خمسة قرون، وناجحًا حتى في ظلّ دستور غير مكتوب، لكنه لم يكتب له النجاح في العراق و ليبيا و لبنان و تونس و غيرها، فالأمر مرهون بدرجة تطوّر المجتمع وتراكم التقاليد الدستورية والثقافية والقانونية بشكل عام،

وهكذا بدت هذه  الدساتير وكأنها تفقد قابليتها على الحياة. وأي دستور ينبغي أن ينبع من حاجات الناس الفعلية، لا أن يتم إملاؤه من الخارج، حتى وإن حيكت عباراته بنسيج جميل، لكن الفشل سيكون مصيره لا محال.

 

 

 

الهند والإسلاموفوبيا

عبد الحسين شعبان

 

أثار تصريحان أدلى بهما مسؤولان في حزب بهارتيا جاناتا القومي الهندوسي الحاكم في الهند ردود فعل إسلامية وعربية وعالمية كبيرة، وقد شملت تلك التصريحات إساءة إلى نبيّ المسلمين الرسول محمد (ص).
ولم تكن تلك المرّة الأولى التي توجه فيها انتقادات إلى الحزب الحاكم منذ تولّيه السلطة عام 2019 وهو ثاني أكبر حزب في البلاد بعد حزب المؤتمر الوطني.
لقد زاد عدد الحوادث العنصرية إزاء المجاميع الثقافية، وخصوصاً المسلمين في العقود الثلاثة ونيّف الماضية، الأمر الذي دفع دولاً عربية وإسلامية إلى مطالبة الحكومة الهندية بالاعتذار إزاء الإساءة إلى الرسول محمد (ص).
كما شاركت منظمات إقليمية وهيئات دينية في التنديد بتلك التصريحات مثل منظمة التعاون الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي والأزهر الشريف وهيئة كبار العلماء السعودية.

أوساط الحزب الحاكم

وعلى الرغم من اتخاذ حزب بهارتيا جاناتا قرارات انضباطية ضدّ بعض قيادييه الذين تمادوا في إطلاق التصريحات إزاء المسلمين ونبيّهم، إلّا أن أجواء الإسلاموفوبيا حسبما يبدو أصبحت متغلغلة في أوساط الحزب الحاكم. وقد تباهى ناريندرا مودي رئيس الوزراء في وقت سابق بعلاقاته بالعالم الإسلامي، بل وقام بزيارات عديدة إلى دول الشرق الأوسط، ولكن ذلك لم يمنع من الشعور بتضخم الهويّة الهندوسية على حساب الهويّات الأخرى، وخصوصاً الإسلام، وقد اضطّر الحزب الحاكم إثر نقد العديد من الدول العربية والإسلامية (إندونيسيا وماليزيا وباكستان (العدو اللّدود) وإيران وأفغانستان) إلى إصدار بيان جاء فيه “أن الحزب ضدّ أي أيديولوجيا تهين أو تحقّر أي طائفة أو ديانة” دون أن ينسى وصف المندّدين ﺑ “ضيق الأفق” وأن الهند تولي أعلى درجات الاحترام لجميع الأديان.
وبالطبع فإن الهند تدرك حجم الضرر الذي قد يصيبها إزاء تدهور علاقاتها مع العالم العربي، فالعمالة الهندية في دول الخليج العربي تقارب عشرة ملايين إنسان، وهي تشكّل مجتمعاً كاملاً للمغتربين الهنود وهم يغذّون الاقتصاد الهندي بإرسال نحو 35 مليار دولار سنوياً إلى الوطن الأم، كما يبلغ التبادل التجاري بين الهند ودول الخليج العربي نحو 87 مليار دولار، وترتبط الهند مع العراق والمملكة العربية السعودية باستيراد النفط، ومع قطر باستيراد الغاز الطبيعي.
تُعتبر التجربة الهندية من أكثر تجارب العالم تنوّعاً دينياً وطائفياً وقومياً وسلالياً ولغوياً، والمواطنة المتكافئة والمتساوية هي إحدى مبادئ الدستور الأساسية دون إهمال الإقرار بحقوق المجموعات الثقافية في ممارسة طقوسها وشعائرها الدينية بحريّة، ويُعدّ الدين الإسلامي ثاني أكبر الديانات المنتشرة في الهند، وهو من حيث العدد يأتي بعد الهندوسية. ويُقدّر عدد أتباع الديانة الهندوسية ﺑ 900 مليون نسمة، في حين أن عدد أتباع الإسلام حوالي 200 مليون نسمة، وهناك الديانة البوذية والمسيحية (التي انتشرت عبر البعثات التجارية والتبشيرية وبوصول البريطانيين إلى الهند) والديانات السيخية والكونفوشيوسية والزرادشتية وغيرها.

أجواء التسامح

وعلى الرغم من أجواء التسامح والإقرار بالتنوّع والاعتراف بالتعدّدية، خصوصاً وأن الدستور نصّ على ذلك بتأكيد مدنية الدولة ووضع مسافة واحدة من جميع الأديان، إلّا أن بعض النزعات العنصرية تأجّجت وانفلت بعضها في سنوات التسعينيات التي شهدت انفجار ما سمّي بالهويّات الفرعية على المستوى العالمي، بل قاد إلى تشظّيها أحياناً وأدّى إلى أشكال مختلفة من العنف والإرهاب.
وإذا عرفت الهند بوجهها المدني العلماني الديمقراطي في العالم الثالث، فإن مثل تلك التصرّفات الاستفزازية للمسلمين تلحق ضرراً كبيراً بالديمقراطية، علماً بأن المسلمين في آسيا يشكّلون قوّة كبيرة، فإندونيسيا يبلغ عدد سكانها حوالي 275 مليون نسمة والباكستان 238 مليون نسمة وبنغلاديش 165 مليون نسمة، وهناك عدد كبير من المسلمين في بلدان أخرى، ولو لم تنفصل الباكستان عن الهند العام 1947، وبنغلاديش عن الباكستان العام 1971 لكان عدد المسلمين فيها يزيد عن 600 مليون نسمة.
وخلال ربع القرن الماضي تصاعدت الاتجاهات الهندوسية اليمينية المتطرّفة وعلى نحو تدريجي بدأت بعض أعمال العنف ضدّ المسلمين وبقية المجموعات الثقافية وهو ما خلق ردود فعل مماثلة. ولعلّ التصريحات الأخيرة المسيئة للرسول محمد (ص) جاءت لتصبّ الزيت على النار ولتؤجّج الصراع الهويّاتي، خصوصاً باستفزاز مشاعر المسلمين، بما يؤدي إلى تهديد منظومة القيم الديمقراطية، وهي تعيد إلى الأذهان بعض المجازر التي حدثت في السابق والصدامات والتفجيرات التي راح ضحيّتها الآلاف من الأبرياء.
العنف دليل تعصّب والأخير حين يتمكّن من الإنسان يصبح تطرّفاً وحين يتحوّل إلى سلوك يصير عنفاً وحين يضرب العنف عشوائياً يصبح إرهاباً وإذا ما حاول إضعاف ثقة الإنسان والمجتمع بالدولة وكان عابراً للحدود يصبح إرهاباً دولياً، ولكن هذا شيء وحين يكون ممارسة حكومية أو بتشجيع منها أو تواطؤ معها فإنه يصبح عنفاً منظّماً وهدفه إقصائياً وإلغائياً وتهميشياً.
لقد جسّد غاندي النموذج الديمقراطي المتعايش بتحالفه مع المسلم عبد الغفّار خان، وذهب ضحيّة التعصّب الهندوسي دفاعاً عن وحدة الهند، وكان يردّد أنه مسلم بقدر ما هو هندوسي، فالدين ليس بالطقوس، ولكن بالعمل والأخلاق والمعاملة، وهذه جوهر رسالة الرسول محمد (ص).

كاتب عراقي

 

 

100 عام

على المأساة الفلسطينية

عبد الحسين شعبان

 

منح مؤتمر سان ريمو 19 – 25 أبريل / نيسان 1920 بريطانيا «حق» الانتداب على فلسطين دون استشارة أهلها أو أخذ رأيهم أو الاستماع إلى رغبتهم، وسعت هي بعد ذلك إلى الحصول على قرار دولي من عصبة الأمم، يعترف لها بحق الانتداب وهو ما تحقق في 22 يوليو / تموز 1922. ونجم عن تلك القرارات المجحفة مشكلة دولية «ساخنة» تفاقمت مع مرور الأيام وما تزال إلى اليوم تغلي في تصاعد مستمر.
ولعل آخر ما قامت به قوات الاحتلال «الإسرائيلي» هو اغتيال الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة في وضح النهار وهي تقوم بعملها المهني المحمي دوليا وفقا لقواعد القانون الإنساني الدولي واتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977، في تجاهل كامل وإنكار مستمر للقوانين والأعراف الدولية واستهتار بالرأي العام العالمي والقيم الإنسانية.
ويصادف في 22 يوليو/ تموز المقبل مرور 100 عام على قرار عصبة الأمم الذي كان بداية المأساة الفلسطينية، ولاسيما بالقضم التدريجي لاحتلال السوق واحتلال العمل تمهيدا لاحتلال الأرض، والذي حاولت فيه بريطانيا «توريط» المجتمع الدولي ليتحمل مسؤوليته معها بدلا من اقتصاره عليها، وذلك تساوقا مع المشروع الصهيوني الهادف إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين وتنفيذا لوعد بلفور الذي منحه وزير خارجية بريطانيا السير آرثر بلفور إلى اللورد روتشيلد والقاضي بإقامة «وطن قومي لليهود في فلسطين»، وذلك في 2 نوفمبر / تشرين الثاني العام 1917 والذي غير مجرى الشرق الأوسط، انسجاما مع اتفاقية سايكس – بيكو بين وزيري خارجية بريطانيا وفرنسا (مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو) لتقسيم البلاد العربية وبمشاركة من روسيا القيصرية وإيطاليا والتي صادقت عليها حكومات تلك البلدان بين 9 – 16 مايو / أيار 1916، وهي اتفاقية كشفتها روسيا البلشفية بعد انتصار ثورة أكتوبر 1917 في إدانة الدبلوماسية السرية التي اعتمدتها الدول الاستعمارية، خصوصا عشية الحرب العالمية الأولى، لاسيما إزاء تركة الامبراطورية العثمانية.
وما بين الحربين العالميتين الأولى 1914 – 1919 والثانية 1939 – 1945، أي في عهد عصبة الأمم ولاحقا عشية وبُعيد تأسيس الأمم المتحدة، لعبت بريطانيا دورا محوريا في إحداث تغيير ديموغرافي في فلسطين نتج عنه تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين والتي بلغت مديات بعيدة وبأعداد ضخمة في مسعى لدعم المشروع الصهيوني بالعنصر البشري الذي ظل بحاجة إليه حتى اليوم، وتهجير الشعب العربي الفلسطيني من وطنه وحرمانه من حقه في تقرير مصيره.
وقد ظلت الاستراتيجية الصهيونية منذ ذلك الوقت وحتى هذه اللحظة تقوم على عنصرين أساسيين أولهما – محاولة استقطاب يهود العالم والزعم بتمثيلهم، وخصوصا بالهجرة إلى «إسرائيل» طبقا للرواية الصهيونية بأن «فلسطين» أرض الميعاد، وثانيهما – الإجلاء والترحيل والتهجير للفلسطينيين (الترانسفير) وطردهم من بلادهم مقابل الإحلال والاستيطان وبناء المستعمرات. وظلت «إسرائيل» بحاجة إلى كلا الركنين، ليس لمرحلة التأسيس حسب، بل حتى في الثمانينيات سعت الصهيونية لعقد صفقة الفلاشا (مع يهود أثيوبيا) بعملية سرية قام بها جهاز الموساد «الإسرائيلي» وبتواطؤ من الرئيس السوداني محمد جعفر النميري وذلك في العام 1985 وما بعده. وكان الدعم الأكبر للاستراتيجية الصهيونية في نهاية الثمانينيات بفتح باب هجرة اليهود السوفييت إلى «إسرائيل» والذين بلغ عددهم نحو مليون مهاجر. و»إسرائيل» إلى اليوم بأمس الحاجة إلى العنصر البشري، بحكم الزيادة السكانية الفلسطينية وارتفاع عدد المواليد.
لم تكتفِ بريطانيا بالتواطؤ مع الصهيونية حسب، بل عملت على إشراك المجتمع الدولي في تحقيق أهداف الحركة الصهيونية، وذلك بعرضها قضية فلسطين على الأمم المتحدة بعد تنصلها من مسؤولياتها، خصوصا بعد تهيئة كل المستلزمات لقيام «دولة إسرائيل» ومماطلتها في منح الشعب العربي الفلسطيني حقه في تقرير مصيره وإنهاء الانتداب البريطاني، خصوصا في لحظة التباس دولية، حيث «فازت» الصهيونية بالحصول على دعم الغرب والشرق على حساب أصحاب البلاد الأصليين، وكأن الصراع الدولي دخل حالة غيبوبة ليصحو على مساومة تاريخية ظالمة لحظة البت بمستقبل فلسطين العام 1947 وما بعدها عند تأسيس «إسرائيل» العام 1948.
إن محاولة بريطانيا إشراك المجتمع الدولي لم تكن سوى عملية تهرب من المسؤولية الملقاة على عاتقها باعتبارها الدولة المنتدبة، حيث قررت بريطانيا في 2 نيسان / إبريل 1947 رفع القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة، ثم أعقبتها بخطوة أخرى في 26 أيلول / سبتمبر من العام نفسه، حيث أعلنت نيتها في الانسحاب من فلسطين، خصوصا بعد احتدام النقاش والجدل بشأن القضية الفلسطينية، وتصاعد نضال الشعب العربي الفلسطيني ودعم وإسناد الشعوب العربية بهدف إلغاء الانتداب وتحقيق انسحاب القوات البريطانية وبالتالي تمكين الشعب العربي الفلسطيني من تقرير مصيره بنفسه.
وقبيل إعلان بريطانيا انسحابها، أثارت فتنة كبرى وأشعلت أوار حرب أهلية بين سكان البلاد الأصليين وبين المستوطنين اليهود، وذلك لرمي مسؤولية اتخاذ قرار بحل القضية الفلسطينية على الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والتخلص من مسؤولية الانتداب الذي يقضي «إقامة حكومة وطنية فلسطينية تتسلم مقاليد الأمور بعد خروج الدولة المنتدبة».
وبعد مناقشات وصراعات وتقديم العديد من المقترحات صدر القرار 181 والمعروف ﺑ قرار التقسيم في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1947 بأغلبية 33 صوتا مقابل 13 صوتا ضد القرار وامتناع 10 دول عن التصويت. وأثار هذا القرار جدلا طويلا ولم ينقطع لحد الآن، حتى بدا بحكم استمراره وتواصله قضية راهنية وليست تاريخية فحسب، بسبب الاستقطابات والتقاطعات وتبدل المواقف، ناهيك عما ألحقه من أذى ما يزال مستمرا ومتعاظما بحق الفلسطينيين والأمة العربية ومسألة التقدم والتنمية في عموم المنطقة، خصوصا وأن تداعياته تركت بؤرة توتر مستديمة للصراع في الشرق الأوسط، وهي أقرب إلى بؤرة بركانية عدوانية تنفجر بين الفينة والأخرى دون أن يلوح أي أمل في سلام عادل وأمن وأمان حقيقيين في الشرق الأوسط بوجودها.
إن اقتراب الذكرى المئوية لقرار العصبة بالموافقة على انتداب بريطانيا على فلسطين، يعيد إلى الأذهان المأساة الفلسطينية التي ما تزال ماثلة للعيان كأكبر مأساة عرفها التاريخ المعاصر، كما يعيد مسؤولية بريطانيا «الدولة المنتدبة» والمجتمع الدولي «عصبة الأمم» وبعدها «هيئة الأمم المتحدة»، الأمر الذي يتطلب تصحيح هذا المسار انسجاما مع مبادئ العدالة والإنصاف التي جسدها ميثاق الأمم المتحدة، وريث عهد عصبة الأمم.
وإذا كان من غير الممكن إعادة عجلة الزمن إلى الوراء، إلا أن من المناسب اليوم وقد تعززت شرعة حقوق الإنسان الكونية وتجذرت القيم الإنسانية على المستوى النظري على أقل تقدير بصدور العديد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية، كما تعمقت قواعد القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي، أن يتوقف المجتمع الدولي لإعادة النظر بما حصل للشعب العربي الفلسطيني وتعويضه عما لحق به من غبن وأضرار وهو ما طالبت به جهات حقوقية عربية وشخصيات بارزة، الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش، داعية إلى الإفساح في المجال لعقد ندوة دولية في مبنى الأمم المتحدة في المقر الرئيسي (جنيف)، وهو المبنى الذي بارك عملية التغيير الديموغرافي القسري في فلسطين، في ظل الانتداب الذي منحته العصبة إلى بريطانيا.
ويبقى الأمل في أن تنعقد هذه الفعالية الحقوقية في تموز / يوليو 2022 وهي مناسبة للذكرى الأممية لمرور 100 عام على تصديق عصبة الأمم على صك الانتداب في فلسطين، وحتى اليوم لم يستلم الدكتور جورج جبور بصفته رئيسا للرابطة السورية للأمم المتحدة وكاتب السطور بصفته الأمين العام للرابطة العربية للقانون الدولي ما يفيد بالتحضير لمثل هذا الحدث، وهو ما يدفعهما لعقد ندوة أو جلسة لمناقشة الأمر على المستوى العربي في إطار توجهات حقوقية وإنسانية بإطلاق حملة تضامن عالمية جديدة مع الشعب العربي الفلسطيني، فكل ما جرى في فلسطين خلال اﻟ 100 عام يعتبر جريمة دولية ضد الإنسانية، لا بد للعالم المتحضر من وضع حد لها.

أكاديمي وحقوقي عراقي (القدس العربي) لندن

 

 

 

العراق: استعصاء

سياسي أم أزمة بنيويّة؟

عبد الحسين شعبان

 

ما يزال العراق يعيش وضعاً استثنائياً بكل ما لهذه الكلمة من معنى. وهذا الوضع الاستثنائي يستمر منذ ما يزيد عن أربعة عقود من الزمن، ففي عام 1980 دخل العراق حرباً مع إيران، ظلّ أوارها مشتعلا لثماني سنوات (1988). وفي عام 1990، بدأت مغامرة غزو الكويت في 2 أغسطس وقادت إلى كارثة حقيقية بمسلسل قائم حتى الآن.
كانت البداية حرب قوات التحالف عام 1991 لتحرير الكويت، لكنها قادت إلى تدمير جزء كبير من البنية التحتية والمرافق الحيوية العراقية، والأكثر من ذلك تم فرض حصار دولي شامل، طحن عظام العراقيين مثلما محق كراماتهم، دام 12 عاماً ونيّف وكان أقرب إلى إبادة جماعية، وتُوّج لاحقاً باحتلال ممنهج في إطار ما أطلق عليه “الفوضى الخلّاقة” (2003)، بزعم امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل والعلاقة بالإرهاب الدولي، فضلاً عن إقامته ديمقراطية تكون نموذجاً للشرق الأوسط. فما الذي حصل؟ أقيم نظام حكم أساسه المحاصصة الطائفية ـ الإثنية والتقاسم الوظيفي وتقديم قوى ما دون الدولة لتصبح ما فوقها، سواءً كانت دينية/ طائفية، أم إثنية أم عشائرية أم حزبية أم جهوية أم غيرها، خصوصاً في ظلّ انتشار السلاح ونشاط ميليشيات تم دمجها بالجيش أو ظلّت خارجه، وتفشّي ظواهر العنف والإرهاب واستشراء الفساد المالي والإداري نتاج الفساد السياسي القائم على المغانم والزبائنية.
ذلك كان حصيلة ما بعد الديكتاتورية التي حكمت البلاد ثلاثة عقود ونيّف من الزمن، فأنتجت تشوّهات عديدة في المجتمع العراقي زادها الحصار الدولي عمقاً وتشعّباً ما أضعف الوطنية العراقية ودفع بالهويّات الفرعية الإثنية والطائفية إلى الصدارة في عملية انفجارية ساعد في تقنينها الدستور العراقي النافذ (2005) تحت عنوان “المكوّنات” التي جاء على ذكرها عدّة مرات (مرّتان في المقدّمة وفي المواد 9 و12 و49 و125 و142) كما حمل الدستور ألغاماً عديدة تكاد تنفجر في كلّ لحظة وأمام أي منعطف وزاوية، مهدّدةً النسيج العراقي ومُضعفةً الوحدة العراقية. جدير بالذكر أن المسوّدات الأولى لقانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية كانت من إعداد نوح فيلدمان الأمريكي المتعاطف مع “إسرائيل”، وشارك في وضع الألغام بيتر غالبرايت وهو دبلوماسي أمريكي، وكان أول سفير للولايات المتحدة في كرواتيا، وتمّ ترحيل العديد من مواد “الدستور المؤقت” إلى الدستور الدائم الذي كانت مرجعيّته الفكرية وخلفيته الحقوقية “قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية”. ولعلّ حالة التشظّي والتفتّت وعدم الثقة نجمت عن ممارسات استعلائية وتهميش من جانب الحكومات المتعاقبة للمجموعات الثقافية، خصوصاً فترة النظام السابق، الذي استمرّ بطرق مختلفة ومنفلتة، الأمر الذي فجّر أزمة الهويّة وقاد إلى تمترسات تهدّد مستقبل التعايش ووحدة البلاد، وهكذا تعكّز أمراء الطوائف والمستفيدون من النظام الجديد على الامتيازات الكبيرة التي حصلوا عليها خارج دائرة المواطنة، والتي جرى تعويمها رغم أن الدستور جاء عليها. وبالطبع فإن هذه الامتيازات سوف لا يتم التنازل عنها طوعاً أو عن طيب خاطر، لأن هؤلاء يعتبرونها مكاسب واستحقاقات للمكوّنات لن يتخلّوا عنها.

تدهور الوضع العراقي قد يقود إلى تصدعات في الوحدة الوطنية، وهو ما كان بايدن قد دعا إليه تحت عنوان الفيدراليات التي هي أقرب إلى كانتونات شبه منفصلة

لعلّ ذلك يشكّل الخلفية للاستعصاء الذي وصلت إليه العملية السياسية، التي لم تعد قادرة على الاستمرار بالطريقة التي بدأت فيها بعد احتلال 2003، حيث وصلت إلى طريق مسدود، وهو ما يعترف به حتى المشاركون فيها، بل والمتحمسون لاستمرارها، رغم تعثّرها وفشلها، خصوصاً أن كلّ طرف يرمي المسؤولية على الأطراف الأخرى، علماً بأن منتفضي تشرين 2019 يضعون المسؤولية كاملة على المشاركين وكلّ حسب حجمه ودوره ونفوذه، دون نسيان العامل الخارجي، ولاسيّما الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإيران، التي يمتدّ نفوذها إلى العمق العراقي وغيرها من القوى الإقليمية والدولية. خلال السنوات التسع عشرة ونيّف الماضية أُجريَت خمسة انتخابات في عام 2005 و2010 و2014 و2018 ثم في عام 2021، لكن قاعدة العملية السياسية بدلاً من التوسّع زادت ضيقاً وانحساراً ولا جدوى، حتى أن المشاركة في الانتخابات في الدورتين الأخيرتين كانت محدودة جداً ووصلت إلى أقل أو أكثر بقليل من 20% حسب التقديرات المتشائمة والمتفائلة على حدّ سواء. في 15 أكتوبر 2021 أجريت آخر انتخابات، لكن استكمال المراحل التنفيذية بعد اختيار رئيس البرلمان لم يتم حتى الآن، والمقصود اختيار رئيس الجمهورية الذي سيكلّف رئيساً للوزراء بتشكيل الوزارة التي يتمّ عرضها على البرلمان لنيل الثقة أو حجبها. وحسب الدستور النافذ المادة 76 “يكلّف رئيس الجمهورية مرشّح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء خلال 15 يوماً من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية”، وبما أن الأمر لم يتم، فقد استمرّ الوضع الاستثنائي منذ ما يزيد عن 7 أشهر وما يزال بسبب تقديم كل من الإطار التنسيقي والتيار الصدري قوائم تشير إلى كونها الكتلة الأكبر نيابياً، ولم يتم البت فيها نظراً للطعون المقدّمة، خصوصاً الالتباس حول مفهوم الكتلة الأكبر، أي قبل الانتخابات أو ما بعدها باتحاد قائمتين أو أكثر. واستمرت فرق الشيعية السياسية بالتنافس والسعي لتشكيل حكومة، بتحالف من خارجها ومن داخلها، لكنها لم تفلح حتى الآن، علماً أن السيّد مقتدى الصدر منح قوى الشيعية السياسية المنافسة له مدّة شهر واحد لتشكيل الحكومة، وقال في آخر تصريح له سيكون لنا موقف آخر إن لم يتم التمكّن من تشكيل الحكومة. والاختلاف بين وجهتين، فالتيار يدعو إلى حكومة أغلبية وطنية (ولكن بتحالف الكرد والسنة أي العودة إلى المربّع الأول مع تغيير طفيف لجزء من الشيعية السياسية بدلاً من تمثيلها الكامل)، والإطار الذي يدعو إلى حكومة توافق دون عزل القوى الكبرى (وهو كذلك عودة إلى المربّع الأول).
وهكذا ما تزال العصي قويّة ومعطّلة في دواليب العملية السياسية، والشارع يغلي بسبب شح الخدمات الطبية والتعليمية وارتفاع نسبة البطالة، فضلاً عن النقص الحاد والمعتّق في الكهرباء وأزمة المياه المستفحلة، التي زادتها أزمة القمح بسبب انفجار الأزمة الأوكرانية، ورغم واردات النفط التي بلغت 115 مليار دولار هذا العام وارتفاع أسعاره، فإن الحالة الاقتصادية تزداد تدهوراً والوضع المعيشي يزداد سوءا، حيث لجأت الحكومة إلى تخفيض سعر الدينار أمام الدولار، والأمر يشمل المعضلات السياسية المتراكمة بين الحكومة الاتحادية والإقليم حول النفط والمنافذ الحدودية والرواتب، ناهيك من التنازع حول عائدية بعض المناطق المختلطة، إضافة إلى ما تعرّض له المسيحيون والإيزيديون وبقية المجموعات الثقافية من استهدافات طالت وجودهم ومستقبلهم، حيث اتسع نطاق الهجرة على نحو شديد. وحتى لو تشكّلت الحكومة من أي من الفريقين أو بتعاونهما، فماذا يمكن أن تنتج في ظلّ نظام أسّس على المحاصصة ( رئيس الجمهورية: من حصّة الكرد ورئيس الوزراء: من الشيعية السياسية ورئيس البرلمان: من السنية السياسية). وهكذا تستمر خريطة التقسيم والفرز من الأعلى إلى الأدنى، حيث تتكرّس هذه الحالة بتعويم الوحدة الوطنية والإرادة السياسية الموحّدة، خصوصاً في القضايا الحاسمة والأساسية، الأمر يضع الباحث أمام ثلاثة احتمالات كما تقول الدراسات المستقبلية.
الأول ـ استمرار الوضع على ما هو عليه دون تغيير يذكر، وهذا سيكرّس الانسداد السياسي ويعمّق محتوى الأزمة وقد يقود إلى الانفجار.
الثاني ـ تحسّن الوضع ولو ببطء وبالتدرّج، الأمر الذي يحتاج إلى تفاعل الإرادات السياسية والتخلّص من النظام المحاصصاتي، وهذا يتطلّب تعديلات جوهرية في الدستور لإزالة الألغام منه وتحديد المعاني والمباني بنحو واضح، خصوصاً علاقة بغداد بأربيل، ناهيك من اعتماد مبادئ المواطنة والمساواة الأساس في علاقة المواطن بالدولة. إذْ لا مرجعيّة ينبغي أن تعلو فوق مرجعية الدولة، خصوصاً باعتمادها حكم القانون.
الثالث ـ تدهور الوضع وقد يقود ذلك إلى احترابات وتصدعات في الوحدة الوطنية، وهو ما كان الرئيس جو بايدن قد دعا إليه تحت عنوان الفيدراليات التي هي أقرب إلى دوقيات أو كانتونات شبه منفصلة، بإقامة الحدود فيما بينها وتحديد هويّات المرور (أقرب إلى جوازات سفر) ووضع قوّة فاصلة لمنع الاحتراب، وهو المشروع الذي قدّمته إلى الكونغرس عام 2007، وهذا عملياً يعني تقسيم العراق وإن كان على مراحل ووفقاً للأساس الإثني ـ الطائفي، الأمر الذي قد يقود إلى عمليات تطهير جديدة دينية/ طائفية وعرقيّة، ولعلّ استمرار الحال على ما هو عليه، خصوصاً عدم الثقة بين المجموعات السياسية سيؤدي إلى أن يصبح الأمر الواقع واقعاً.

*أكاديمي وحقوقي عراقي

(القدس العربي)

 

 

جودت سعيد:

هو الذي أنفق عمره في اللّاعنف

 

عبد الحسين شعبان

 

 

            "الإنسان هو اللّاعنف وإلهه العدل والإحسان" هذا ما كتبه بخط يده جودت سعيد المفكر السوري اللّاعنفي، وأرسله إلى جامعة اللّاعنف في نظرة استبشاريه بإنشاء مؤسسة أكاديمية تُعنى بثقافة اللّاعنف وفلسفته وتاريخه والتربية عليه وحلّ الخلافات بواسطته في إطار نشر قيم السلام والتسامح والتآخي والعيش معاً لمقاومة الظلم والدفاع عن الحقوق، وذلك عبر تخصّصات حديثة وغير مسبوقة مثل الأديان واللّاعنف والإعلام واللّاعنف والتنمية واللّاعنف  وصولاً إلى مسرح اللّاعنف.

            رحل جودت سعيد عن دنيانا في اسطنبول فجر يوم الأحد 30 يناير / كانون الثاني 2022 عن عمر ناهز 91 عاماً، حيث ولد في مدينة القنيطرة السورية (1931 / قرية بئر عجم) التابعة للجولان السوري، التي دمّرتها القوات "الإسرائيلية" خلال حرب تشرين / أكتوبر العام 1973 ، ومن المفارقة أن يرحل بعد أيام من رحيل رفيق مشروعه الفكري جان ماري مولر فيلسوف اللّاعنف المعاصر (12 يناير / كانون الثاني 2022 )، فمنذ لقائهما الأول في دمشق العام 2004 كان ثمّة كيمياء بين الرجلين اختلطت مكوناتها وعناصرها بتفاعل كبير في بيروت من خلال الجامعة وزادتها مداخلات ومراسلات عديدة، فضلاً عن حوار موسّع بينهما نشره مولر باللغة الفرنسية وتُرجم إلى اللغة العربية.

مفكر اللّاعنف العربي

            يُعتبر جودت سعيد من أوائل المفكرين العرب الذين استخدموا كلمة اللّاعنف منذ كتابه "مذهب ابن آدم الأول – مشكلة العنف في العالم الإسلامي" الصادر في العام 1964 ، وحاول فيه الرد على سيّد قطب زعيم "حركة الإخوان المسلمين" الذي كان يدعو إلى العنف بزعم أن القرآن الكريم "يشرّع العنف لنُصرة دين الله" في قراءة مبتسرة للنصوص القرآنية دون أخذها بسياقها التاريخي، فضلاً عن تفسيراتها الإغراضية وتأويلاتها السياسوية بعيداً عن روح العصر، وهو ما عارضه سعيد الذي كان يدعو إلى ضرورة ارتقاء البشرية إلى مستوى الروح.

            ويتوقّف جودت سعيد عند حكاية هابيل وقابيل ليؤكّد أن التاريخ بدأ بموقف لاعنفي وليس بجريمة قتل، وأن هابيل خاطر بنفسه لكي لا يكون قاتلاً بما يظهر المسؤولية الأخلاقية التي ينبغي على الإنسان أن يتجشّمها من خلال رفضه أي تواطؤ مع الشر. ويذهب أبعد من ذلك حين يؤكّد أن الإسلام وجميع الأديان والأنبياء يشاطرون ابن آدم في مقاومته للشر والصبر على الظلم الذي ينزل على الإنسان، وذلك بالدعوة إلى الحوار وتحمّل النتائج ورفض الأذى والعزم على مواجهة العنف باللّاعنف، بإعلاء حريّة التفكير والاعتقاد "ولنصبرنّ على ما آذيتمونا" (سورة ابراهيم – الآية 12 ).

            ويُرجع سعيد سبب الحروب إلى عوامل عديدة أهمها العوامل الفكرية، والمقصود بذلك "التعصب" ، سواء لدين أو مذهب أو أيديولوجية سياسية أو نظام أو غير ذلك، والسعي للهيمنة تحت مزاعم شتّى تارة بادعاء الأفضليات أو امتلاك الحقيقة أو المظلومية أو الأغلبية، تلك التي تقوم على الإقصاء والإلغاء والتهميش والعزل، لاسيّما "بالتطرّف" .

            وحين يصبح هذا الأخير سلوكاً وينتقل من القول إلى الفعل يتحوّل إلى "عنف"، والعنف حين يضرب عشوائياً يصير "إرهاباً"، وحين يتجاوز الحدود بهدف إضعاف ثقة الإنسان بالدولة والمجتمع وبالقوانين الوطنية والدولية يكتسب صفة "إرهاب دولي".

   في العنف يتم اختيار الضحية بذاتها ولذاتها، لأن من يمارس العنف يعرف ضحاياه، سواء لأسباب فكرية أم سياسية أم اقتصادية أم دينية أم طائفية أم عنصرية أم شخصية، في حين من يرتكب الإرهاب يستهدف زعزعة الأمن وإحداث الرعب في المجتمع ككل، وبما يتعداه إلى المجتمعات الأخرى، خصوصاً حين يكون الفعل الإرهابي عابراً للحدود.

             وحسب جودت سعيد فإن الكراهية هي "جراثيم فكرية" تتغلغل في بعض المجتمعات كما تخترق الجراثيم  جسم الإنسان ، لدرجة أن بعض الأفراد من جرّاء تأثيرها يقومون بأعمال وحشية، وذلك بسبب الجهل "المادة الحاضنة للكراهية" والدافع أحياناً لاستخدام العنف ضدّ الآخر، والمعرفة هي التي تتيح للإنسان سلوك سبيل الصراط المستقيم، صراط الحكمة بتجنّب الشر والركون إلى فعل الخير وعكس ذلك فالجاهل قد يلتجأ إلى العنف لأن معارفه للتفريق بين الخير والشر شحيحة إن لم تكن معدومة.

اللقاء المثير

            قرأت لجودت سعيد قبل أن أتعرّف عليه ثم التقيت به أكثر من مرّة واستمعت إليه  وحاورته، المرة الأولى في صيف العام 2009  حين جاء إلى الجامعة مهنئاً بتأسيسها، حيث فوجئت بهذا "الشاب" الثمانيني حينذاك وقد جاء من سوريا ليشارك الطالبات والطلاب فصلاً دراسياً، وحين سألته عن رحلته الطويلة والعويصة مع العنف، قال لي: جئت أتزوّد بفلسفة اللّاعنف وثقافته أكاديمياً. وكم كان مسروراً ومتفائلاً بتجربته تلك مع "زملاء" قال عنهم يشاطرونه مقاعد الدراسة وهم بعمر أولاده وبعضهم بعمر أحفاده، الأمر الذي أضفى حيوية على المشهد. والشيء بالشيء يذكر، فقد كان في الصف الذي أدرّسه عن ثقافة اللّاعنف وحقوق الإنسان، الشيخ زهير الدبعي مدير الأوقاف والشؤون الدينية في نابلس  والمسؤول عن 62 جامعاً وتشاطره المقعد الدراسي ابنته التي جاءت هي الأخرى للحصول على شهادة عليا في اختصاص اللّاعنف، كفرع إضافي جديد ولتتعلّم مهارات وخبرات جديدة ومفيدة. وقد أصبح الشيخ الدبعي داعية لاعنفية متمسّكاً بالمقاومة المدنية.

            والتقيت به في العام 2010 ، حيث كان في غاية الانشراح والاستمتاع، فلم يأت للتزوّد من مَعين اللّاعنف أكاديمياً، بل هو من قدّم زاداً وفيراً للطلبة خلال محاضرة ألقاها عن "الإسلام واللّاعنف"، وأشار أنه حاول أن يزرع ثقافة اللّاعنف في سوريا منذ أن دخل اللّاعنف إلى حياته قبل 6 عقود ولم يخرج منها. وكان قد درس في الأزهر الشريف وعاد إلى بلده لأداء الخدمة العسكرية وتجادل مع مرؤوسيه فاعتقل أكثر من مرّة، وانصرف بعدها إلى الزراعة وتربية النحل وإلى إلقاء المحاضرات في اللّاعنف.

            وكنت قد سألته كيف اهتدى إلى اللّاعنف، فقال: تلك حيرتي الإنسانية منذ يفاعتي، حيث كنت وأنا الشركسي أميل إلى التواصل والتعامل والتفاعل مع الآخر على أساس العيش المشترك والمساواة واعتماد قيم التسامح والسلام، وأضاف حتى بعد تدمير القنيطرة، لم أتخلّ عن قناعاتي  بأهمية المقاومة اللّاعنفية، بل وضرورتها لردع العدوان.

            وحين اندلعت حركة الاحتجاج السورية في العام 2011 كان جودت سعيد من أوائل الذين حذّروا من اللجوء إلى العنف وسفك الدماء، وذلك أحد ثوابته الأساسية التي ارتكزت عليها نظرته إلى العلاقات الإنسانية، فضلاً عن قضية السلام الذي ينبغي أن يكون هدفاً للبشرية جمعاء.

رافد اللّاعنف الإسلامي

            قارب سعيد فكرة اللّاعنف وفلسفته من رافده الإسلامي، وهناك نماذج باهرة يزخر بها التاريخ العربي – الإسلامي مثل "حلف الفضول" ، حين اجتمع فضلاء مكّة في دار عبدالله بن جدعان وتعاهدوا على إعادة الحق إلى أصحابه وردّ الظلم وأن لا يدعوا مظلوماً من أهل مكة أو من دخلها إلّا ونصروه على ظالمه وأعادوا الحقوق إليه.

 أو من خلال "دستور المدينة" ، وهي "شرعة" كتبها الرسول محمد (ص) الذي جاء "يثرب" مهاجراً، فضمّنها حقوق الطوائف والأديان والمجموعات والعشائر المختلفة (يهود نجران والنصارى والمسلمون -  المهاجرون والأنصار) باحترام حريّة الدين والمعتقد. وتُعتبر صحيفة (دستور) المدينة نواة للدولة الجديدة بالإقرار بالتعددية والتنوّع للمجموعات الثقافية.

 أو "صلح الحديبية" الذي أكد لجوء الرسول محمد (ص) إلى الصلح والسلم والتسامح واستبعاد جميع الوسائل لتجنّب الحرب واللجوء إلى العنف، وقد اضطّرت قريش إلى الرضوخ له.

 أو "العهدة العمرية" التي هي عبارة عن وثيقة أصدرها الخليفة الثاني الفاروق عمر بن الخطاب (رض) بعد معركة اليرموك التي انتصر فيها العرب على الروم، فحين دخل مدينة القدس العام 15 ﻫ تعهّد ﺑ حفظ الحقوق لكونه مؤتمناً على حياة  نصارى وطوائف القدس وأمنهم وكنائسهم وأموالهم. وكان ذلك بحضور البطريرك صفرنيوس.

 أو "وثيقة فتح القسطنطينية" التي أعطاها محمد الفاتح إلى سكان الأستانة (اسطنبول) بعد فتحها (857 ﻫ / 1453 ﻡ)، منحهم حقوقاً أساسية هي الأمن والسلامة الشخصية وحفظ المال والعرض وتأدية الطقوس والشعائر الدينية، خصوصاً وأن معظم سكّانها كانوا من المسيحيين.

            وقد استهوت الفيلسوف الفرنسي جان ماري مولر فكرة المقاربة الإسلامية للّاعنف التي أقدم عليها جودت سعيد، وحاول هو في كتابه "نزع سلاح الآلهة" (بيروت – 2015 ) أن يأـتي عليها من منظور فريضة الإسلام والمسيحية، فحسب مولر ليس هناك صلة بين الإسلام وبين "الإسلامية" والمقصود بذلك الإسلاموية أو الإسلامولوجيا أي تحويل الدين إلى أيديولوجيا وهذه الأخيرة نسقية وتسيّدية في حين أن دين الإسلام يعلّم التسامح والسلام والعدل والرحمة والحب وهو ما يسمّيه "إسلام اللّاعنف" وهو الكشف عن النور في جوهر الدين، والأمر سيّان للمسيحية وجميع الأديان. 

ووفقاً  لجودت سعيد فإن اللجوء إلى العنف ستكون أثاره وخيمةً ليس على الآخر فحسب، بل ضدّ النفس أيضاً، علماً بأن عدم اللجوء إلى العنف لا يعني تخلياً عن الكفاح من أجل العدالة، بل اختيار أسلوب أنجع وأقلّ خسارة من المواجهة العنفية أي عدم مجابهة العنف  بعنف مضاد، بل رفض تقديم الولاء والطاعة لمن يقوم به، وذلك أفضل السبل وأقلّها ضرراً وأكثرها إنسانيةً.

التنويري العرفاني

            يمكنني القول أن جودت سعيد هو أحد كبار الفقهاء الإصلاحيين والتنويريين والإشراقيين العرفانيين، وهو امتداد للشاعر والمفكر الإسلامي الهندي محمد إقبال الذي تأثر بأرسطو وجلال الدين الرومي وغوته ونيتشه. وهو تواصُلٌ مع مدرسة علي عبد الرازق وطه حسين والمفكر الجزائري مالك بن نبي، وذلك في إطار الموجة الثانية بعد حركة الإصلاح الأولى في نهاية القرن التاسع عشر المتمثّلة بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ورفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وحسين النائيني. وهؤلاء جميعهم  دعوا إلى اعتماد العقل أساساً في الدين والمجتمع وهو ما يدعو إلى العلم، فكل عقل نبي على حدّ تعبير الشاعر أبو العلاء المعرّي الذي يقول:

            أيها الغرّ إن خصصت بعقل / فاتبعه فكل عقل نبي.

      فشاور العقل واترك غيره هدراً / فالعقل خير مشيرٍ ضمّه النادي

 

            لم يكن جودت سعيد سياسياً أو معنياً بالسياسة وإن كان همه سلام العالم، إلّا أن دعوته كانت أخلاقية ثقافية تنويرية، لأنه كان يدرك حجم الكوارث والمآسي التي يسببها العنف، وعلى غرار توماس هوبز كان يعتقد أن لا إصلاح حقيقي دون إصلاح الفكر الديني، ولذلك فقد سعى إلى نشر الثقافة الدينية المتسامحة التي تقوم على الحقيقة بعدم تسييس الدين وتوظيفه لأغراض حزبية أو طائفية أو سلطوية، وذلك بتجاوز العصبيات الدينية والمذهبية والأيديولوجية التفريقية.

نشرت في مجلة أفق (مؤسسة الفكر العربي) وفي جريدة الزمان (العراقية)

 

أحمد بن بلّة…

الطهرّية الثورية

 

عبدالحسين شعبان

 

كان أول مرّة ألتقي بها بالزعيم الجزائري أحمد بن بلّة في العام 1999، وكنت في جنيف، وعلى هامش مؤتمر دُعيت إليه من جانب وزير خارجية سويسرا جوزيف دايس، بمناسبة الذكرى الـ50 لتوقيع اتفاقيات جنيف الأربع في 12 آب/أغسطس 1949، في إطار مجموعة “خبراء المجتمع المدني”، علماً أن الاجتماع الرسمي الذي يمثّل الحكومات قد ألغيّ بعد 10 دقائق من بدئه بسبب معارضة الولايات المتحدة لانعقاده ممالأةً لإسرائيل التي تقف موقفاً سلبياً من اتفاقيات جنيف، وخصوصاً ملحقَيها: الأول الذي إعتبر الاستيطان جريمة دولية، وهو البروتوكول الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلّحة. أما البروتوكول الثاني فهو الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلّحة غير الدولية، وكلاهما صادران عن المؤتمر الدبلوماسي المنعقد في جنيف 1974 – 1977 مع دعوة لتطويرها وجعلها أكثر استجابة للتطورات والمتغيّرات الدولية.
وعلى الرغم من انفضاض المؤتمر الرسمي (الحكومي) إلّا أننا واصلنا اجتماعنا وأضفنا نقطة جديدة على جدول أعمالنا ألا وهي التغوّل الدولي للقِوى المتنفّذة، ومحاولة فرض رأيها على الاجتماع الأمميّ، وهكذا استثمرت مجموعة الخبراء في المجتمع المدني فرصة اجتماعها في مبنى الأمم المتحدة، لإصدار عدد من القرارات والتوصيات التي رفعتها إلى الأمم المتحدة بمناسبة مرور خمسة عقود على إبرام اتفاقية جنيف.
وقفتُ أمام بن بلّة، أتفحصه قبل أنّ نجلس ونتحدث في همومنا المشتركة، وكان يحضر معي تاريخ طويل وعويص من الذكريات والحكايا والقصص عن الثورة الجزائرية التي اندلعت في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 1954، ففي أول تفتح وعييّ كنت أهتف مع أبناء جيلي في العراق للثورة الجزائرية ولأحمد بن بلّة (أحمد بن بلّة… يسوه العرب كلّه) وكم كانت مؤثرة عملية اختطاف الطائرة من جانب المخابرات الفرنسية خلال تحليقها من الرباط إلى تونس وعلى متنها خمسة من قادة ثورة التحرير الجزائرية وهم: أحمد بن بلّة ومحمد خيضر وحسين آية أحمد ومحمد بوضياف ومصطفى الأشرف، وذلك في 22 تشرين الأول/أكتوبر عام 1956.

الجزائر وثورة تموز العراقية

شهدت الأشهر الأولى لثورة 14 تموز/يوليو 1958، تعاطفاً منقطع النظير وانعطافة كبيرة باتجاه الثورة الجزائرية، حتى أنّ الزعيم عبد الكريم قاسم أعلن دعمه وتزويده الجزائر بالأسلحة والمعدّات ومساعدتها بالأموال أيضاً، وذلك استكمالاً لجهود القاهرة وجمال عبد الناصر في دعم ثورة الجزائر، وحين قررّت الجزائر بعد توقيع “اتفاقية إيفيان” في العام 1962 مع فرنسا ونالت بموجبها استقلالها، دخول معركة التعريب، تطوّع الآلاف من الأساتذة والمدّرسين العراقيين في تلبية نداء العروبة والواجب، للقيام بهذه المهمة النبيلة، وذلك فرحاً واغتباطاً باستعادة هذا البلد العربي، الأصيل والمكافح، هوّيته وروحه.
وقد قام الصديق الدكتور عثمان سعديّ سفير الجزائر في العراق في السبعينيات باقتفاء أثر الثورة الجزائرية في الشعر العراقي، وكان حصيلة عمله الموسوعيّ أن وجد 255 قصيدة نظمها 107 شاعراً وشاعرة “عراقيون”.
ومن بين هؤلاء الشعراء الكبار: الجواهري وبدر شاكر السيّاب وعبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة. ويتألف كتاب عثمان سعدي من نحو 1000 صفحة، وطبع في جزئين (ثلاث طبعات) عن وزارة الثقافة الجزائرية.

تظاهرة شيوعية

وإذا كنت أنسى فلا أنسَى التظاهرة التي نظمًها الحزب الشيوعي العراقي والتي كانت تهتف للجزائر وثورتها وعروبتها وذلك خلال “مباحثات إيفيان” مع فرنسا وهدفها التضامن مع الشعب الجزائري والضغط على المجتمع الدولي للإسراع في منح الجزائر استقلالها، خصوصاً بعد أن فشلت محاولات الاستعمار الفرنسي في “فرنسة الجزائر” وتهميش هوّيتها ولغتها، من جهة، ومن جهة أخرى إخفاق فرنسا في قمعها للثورة الجزائرية، وفلّ عزيمة الثوار، سواء من جانب الجيش الفرنسي أو قوات “الكوماندوز” والمظليين والمرتزقة من جنسيات متعددة، أو المستوطنين الذين شكلوا منظمة سريّة باسم “اليد الحمراء” لخطف المناضلين الجزائريين وتعذيبهم. ولا يفوتني إلا أن أذكر الضربة القوية التي تعرّضتُ لها على ظهري حين هاجمتنا الشرطة لتفريق صفوفنا واعتقلت عدداً من المشاركين.

أول زيارة للجزائر

كانت أول زيارة لي للجزائر في العام 1982، حيث كنتُ ضمن وفد شعبي عراقي ضمّ: عوني القلمجي ومحمد النهر والمشهداني وإلتحق بنا كاظم حبيب، حيث كان مقيماً في الجزائر، والوفد كان باسم “جوقد” أي (الجبهة الوطنية والقومية الديمقرطية التي تأسست في دمشق نهاية العام 1980، والمجموعة المشار إليها تمثل بعثيين وقوميين وشيوعيين) وقد احتفيّ بنا بشكل خاص وأسكنّا في منطقة (سيدي فرج)، والتقينا فاعليات سياسية ومهنية وأكاديمية جزائرية.
بعد أن قابَلني بن بلّة بابتسامة لا تخلو من مسحة حزن واضحة، سألته كيف قضى أيامه في السجن؟ والتي زادت على أربعة عشر عاماً، فتدفق يتحدث عن معاناته والجحود الذي تعرّض له، وعدم الوفاء من جانب البعض، الأمر الذي ندمتُ عليه وشعرت بالحرج من سؤالي، وهكذا استبدلت الموضوع للحديث عن العراق، فـأشاد بالدور الرسمي العراقي على الرغم من معرفته أنني لست على توافق معه، لكنني كنت أقف بشدّة ضد الحصار المفروض على بلدي وأدين المشاريع الخارجية التي لا تضمرُ للعراق ودّاً، وهدفها بالدرجة الأولى تحقيق مصالحها الأنانية الضيقة ومآربها اللّا أخلاقية، فالحصار فعل إبادة لشعب أعزل وليس عقاباً للحاكم.
واتفقنا على تكثيف الجهود وتعبئة الطاقات وفتح الحوار مع أنشطة وفاعليات دولية حكومية وغير حكومية، للضغط بجميع الوسائل من أجل رفع الحصار المفروض على العراق، وانتهزتُ تلك المقابلة لتأكيد رأييّ بشأن أهمية وضرورة وقف الانتهاكات لحقوق الإنسان والانفتاح على القِوى الوطنية وإجراء إصلاحات داخلية وإطلاق الحريّات وإقرار التعددية والتنوّع وحكم القانون وحلّ القضية الكردية وإعادة المهجرين العراقيين وتعويضهم. وتلك منظومة كنت أدعو إليها، فمواجهة الإمبريالية ومشاريعها تتطلّب خطوات داخلية عملية وانفتاحا على القِوى الوطنية والتخليّ عن نهج احتكار العمل السياسي وقمع الحريات. وهي رسالة كانت رديفاً لخطابي بشأن لاإنسانية الحصار الدولي الجائر الذي تفرضه واشنطن.

ضد الحصار

وصادف حينها، وفي الفترة ذاتها، أن نظّم النادي العربي ورئيسه ضياء الفلكي مؤتمراً في لندن ضد الحصار الدولي الجائر، وبالتعاون مع المؤتمر القومي العربي وزعيمه خيرالدين حسيب، وذلك بعد مؤتمر المنظمة العربية لحقوق الإنسان التي كنت أتشرّف برئاستها، وكنت قد ألقيت فيه بحثاً بعنوان “الحصار الدولي وتشريع القسوة” تناولت فيه الحصار المفروض على العراق وليبيا والسودان، فضلاً عن الجوانب النظرية والقانونية لكون الحصار عملية إبادة جماعية. وكان من المفترض حضور بن بلّة لهذا المؤتمر، حيث قام أديب الجادر بإيصال الدعوة إليه، لكنّ ظرفاً طارئاً حال دون حضوره، كما علمت.

حق تقرير المصير

أمّا اللقاء الثاني فكان في الجزائر العام 2010، وذلك بمناسبة مرور 50 عاماً على صدور قرار الجمعية العامّة للأمم المتحدة رقم 1514 بشأن “تصفية الكولونياليّة” الصادر في 14 كانون الأول/ديسمبر 1960، وهو الأمر الذي فتح الباب أمام تطورات حق تقرير المصير على المستوى الكوني، حيث ظل خلال الفترة الممتدة ما بين الحربين العالميتين (الأولى والثانية) أقرب إلى مبدأ أخلاقي أو قيميّ أو مطلب سياسي منه إلى الصيغة القانونية التي كُرست في ميثاق الأمم المتحدة، ولاسيمّا ما تعرضت له البشرية من مآسي خلال الحرب العالمية الثانية 1939 – 1945، علماً أن وثيقة الأطلسي الصادرة عن الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ورئيس وزير بريطانيا ونستون تشرشل في العام 1941 لَحظت في أحد بنودها “مبدأ الحقوق المتساوية وحق تقرير المصير للشعوب”، وكانت رافعتان أساسيتان قد ساهمتا في إعلاء مبدأ حق تقرير المصير، وهما:
الرافعة الأولى – هي الحركة اليسارية الاشتراكية وتيارها الأساسي الماركسي الذي تجسدّ في مؤتمر الأممية الثانية – المنعقد في لندن العام 1896، والذي اتخذ قراراً بشأن حق تقرير المصير، حين أعلن “تأييده لحق جميع الأمم في تقرير مصيرها”، وكما أوضح فلاديمير لينين، أن فكرة “حق الأمم في تقرير مصيرها”، تعني بوجه الحصر حق الأمم في الاستقلال بالمعنى السياسي، وفي حرية الانفصال السياسي عن الأمة المتسلّطة المضطهِدة. ومن الناحية العمليّة أيّد البلاشفة استقلال بولندا وفنلندا وأوكرانيا وليتوانيا.
وكان لينين مثل سائر الاشتراكيين يعتقد أن القوميات إحدى مظاهر الحقبة الرأسمالية التي ستزول بزوالها، ولذلك فقد كان خياره قيام الدولة – الأمة وصولاً إلى المجتمع الاشتراكي، الأمر الذي يحتاج إلى قراءة جديدة وتدقيق أشد ومراجعة نقدية في ضوء التجارب الاشتراكية السابقة، وفي ضوء الواقع وما أفرزه من ظواهر جديدة متداخلة ومتشابكة.
وكان “مرسوم السلام” الذي صدر بعد ثورة تشرين الأول /أكتوبر العام 1917، خطوة متقدّمة على طريق حق تقرير المصير، والذي أكدّ على السلام بلا ضم أو استيلاء على أراضي الغير وإلحاق شعوب أجنبية بالقوّة بها، واعتبر الحرب جريمة ضد الإنسانية، مثلما أكدّ “إعلان حقوق شعوب روسيا” على حق تقرير المصير، بما فيه الانفصال وتكوين دولة مستقلة.
أمّا الرافعة الثانية، فقد كانت إعلان الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون مبادئه الـ14 والتي أكدّت على حق تقرير المصير، ولعبت دوراً كبيراً ومركزياً في تطوّر فكرة حق تقرير المصير على المستوى العالمي، ولاسيمّا خطابه الشهير في الكونغرس الأمريكي في 8 كانون الثاني/يناير 1918، حيث جاء عليها في الفقرة 13 واعتبرها لاحقاً في خطاب ألقاه في شباط/فبرير من العام نفسه مبدأً واجب التطبيق، وحاول إدخالها في عهد عصبة الأمم التي تأسست العام 1919، لكن الظروف لم تكن موآتية لذلك بسبب تحفظات بعض الدول ومصالحها.
وكان أحمد بن بلّة وهو يستمع إلى التحليلات النظرية والعملية، خصوصاً بعد قيام الأمم المتحدة، يستعيد دور الجزائر التاريخي، حتى وإنْ كانت لا تزال حينها تحت الاستعمار الفرنسي، إلّا أن كفاحها ومقاومتها لعبت دوراً كبيراً في بلورة قرار الأمم المتحدة 1514 الصادر في العام 1960 بشأن “تصفية الكولونيالية” وحق تقرير المصير، وهي جدلية مستمرة بحيث أصبح الحق مبدأً قانونياً وسياسياً وإنسانياً، وردَ ذكره أيضاً في العهدين الدوليين الصادرين عن الأمم المتحدة: الأول، في 16 كانون الأول/ديسمبر 1966، العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي دخل حيّز التنفيذ في كانون الثاني/يناير 1976، والثاني، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والذي دخل حيّز التنفيذ في 23 آذار/مارس 1976، حيث نصّت المادة الأولى من كليهما على حق تقرير المصير.

بهلوي- صدّام

لفتَ أحمد بن بلّة انتباهي إلى أنّ القاعة التي نجتمع فيها، وخصوصاً في جلسة الافتتاح في “قصر المؤتمرات” هي التي ضمّت لقاء شاه إيران محمد رضا بهلوي ونائب الرئيس العراقي حينها صدّام حسين، وذلك بوساطة من الرئيس هواري بومدين ودور متمّيز لوزير الخارجية الجزائري آنذاك عبد العزيز بوتفليقة، خلال مؤتمر انعقد في الجزائر العاصمة، حيث تسلّم يومها بومدين رئاسة الاتحاد الإفريقي، وتم خلال هذا المؤتمر وعلى هامشه إبرام اتفاقية الجزائر في 6 آذار/مارس 1975، التي أدّت إلى تخليّ شاه إيران عن الحركة الكردية المسلّحة التي انهارت حينها، واضطر الزعيم الكردي مصطفى البارزاني إلى وقف القتال والانسحاب إلى إيران مع العديد من قيادات وكوادر الثورة المسلّحة.
وبموجب اتفاقية الجزائر قدّم نظام الحكم في العراق تنازلات عديدة لصالح إيران، منها ما يتعلق باعتبار “خط الثالويك” هو الحدّ الفاصل في الحدود النهرية لشط العرب، وهو خط وهميّ يبدأ من أعمق نقطة في وسط مجرى النهر وحتى البحر، في حين أن شط العرب هو نهر وطني عراقي، إضافة إلى تنازلات بحدود 1000 كم2 بالحدود البريّة في منطقة نوكان (ناوزنك) في كردستان العراق، وكذلك ما يتعلق بمحاربة حركات التمرد، ولاسيمّا في ظفّار واتفاقية تعاون أمني لمنع تسلّل المعارضة إلى البلدين.

مؤتمر غير تقليدي

كان مؤتمر الجزائر مؤتمراً غير تقليدي، وقد حضره 200 شخصية سياسية وأكاديمية وثقافية، وتكلّم فيه بيار غالون نيابة عن المجتمع المدني في افتتاحه وهو أمر غير مألوف، كما تحدث دايفيد أوتاي عن الإعلام والسينما، وتناوب على المنصّة نيفين تي بينه نائبة رئيس الفيتنام، وتابو إمبيكي رئيس جنوب إفريقيا وعبد العزيز بلخادم ممثلاً عن الجزائر، إضافة إلى تاي بروك زرهون عن الأمم المتحدة، وعمرو موسى عن جامعة الدول العربية، وجون بينغ رئيس منظمة الوحدة الإفريقية، وتكلم أولو سيجون أوبانجو رئيس نيجيريا السابق. وقد أعاد المؤتمر عزّ حركات التحرر الوطني ومجدها حيث كانت في قمّة تألقها في سنوات الخمسينيات وساهم كفاحها في بلورة صدور القرار الخاص “بتصفية الكالونيالية” العام 1960.
وكم كنت فرحاً حين صادف جلوسي بالقرب من أحمد بن بلّة في المؤتمر، فحاولت أن أقتنص الفرصة لمراقبته، وأتذّكر على الرغم من وضعه الصحي، فقد حاول الوقوف أحياناً ليبدأ بالتصفيق حيث تضجّ القاعة حينها بذلك، وكم كان مزهوّاً أنّ مثل هذا الانجاز التاريخي كان للجزائر دورٌ فيه حيث كانت سبّاقة إليه في إطار حركات التحرر الوطني.

كوبا- الحلم الغامض

لعلّ هذه الذكرى ظلّت عالقة بذهني كثيراً، وحاولت استعادتها باستمرار، وجئتُ على ذكر بن بلّة في كتابي الموسوم “كوبا – الحلم الغامض” (دار الفارابي) بيروت 2011، بفقرة طويلة بعنوان “غيفارا وأحمد بن بلّة – العنفوان”، والعنوان يعكس نُبل مقاصد تلك الأيام الثورية ذات الطهرّية العالية والشعور بالتضامن الأممي والمصير المشترك.
وفيما يلي نصّ الفقرة التي سبق ونُشرتها في إحدى الصحف العربية والتي نقلتها عنها العديد من المواقع والصحف الإلكترونية قبل ضمّها إلى الكتاب حيث مثلت هذه الفقرة حصيلة حوار ومتابعة واستقصاء:
“ثلاث شخصيات عربية كبرى جمعتها صداقة مديدة مع تشي غيفارا، أولّها أحمد بن بلّة أول رئيس جزائري بعد الاستقلال، وثانيها الرئيس جمال عبد الناصر، وثالثها المهدي بن بركة الذي اختطف في باريس في ظروف غامضة.
تميّزت علاقات غيفارا بأحمد بن بلّة بالتفاعل والتأثّر المتبادلين، لاسيمّا وقد نظرا إلى أفريقيا كفضاء جديد للثورة، خصوصاً في أعقاب إحراز الجزائر استقلالها بعد معاناة مع الاستعمار الفرنسي دامت 132 عاماً. وكان غيفارا قد عُيّن في بدايات الثورة الكوبية “سفيراً بصلاحيات مطلقة” من قِبل زعيم الثورة الكوبية فيدل كاسترو، حيث توّجه في 12 حزيران/يونيو 1959 إلى زيارة العديد من البلدان للتعريف بكوبا وثورتها ونضال أمريكا اللاتينية، في جولة طويلة زار خلالها 15 دولة.
وفي جولته تلك أبرم غيفارا اتفاقيات تعاون اقتصادية وعسكرية مع العديد من البلدان في آسيا وأفريقيا، ولاسيمّا دول عدم الانحياز. وزار الجمهورية العربية المتّحدة (القاهرة ودمشق)، كما اطلّع على تجاربها فيما يتعلق بالإصلاح الزراعي والنظم الاقتصادية والاجتماعية ومشاكل التصنيع وسبل الانفكاك من هيمنة الاحتكارات وإحراز الاستقلال.
بعد الاستفتاء الذي حصل في الجزائر يوم 13 تموز/يوليو 1962 وتصويت الجزائريين على الاستقلال عن فرنسا بنسبة 93,7% في 19 آذار/مارس من العام ذاته بين قيادة الثورة الجزائرية (جبهة التحرير الوطني الجزائرية) والحكومة الفرنسية، وقد تشكّلت الحكومة الجزائرية برئاسة أحمد بن بلّة أول رئيس بعد الاستقلال.
وكان من أوائل البلدان التي زارها أحمد بن بلّة هي كوبا، وذلك بعد مشاركته في أعمال دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث توجّه بعدها إلى زيارة كوبا في 16 تشرين الأول (أكتوبر) 1962، والتقى فيدل كاسترو وتشي غيفارا وراؤول كاسترو وقيادات الحزب والدولة.

دلالات زيارة هافانا

ولعلّ للزيارة دلالاتها: الأولى أنها جاءت إثر احتدام حدّة التوتر بين واشنطن وهافانا بسبب أزمة الصواريخ الكوبية التي بناها الاتحاد السوفييتي في الجزيرة لمواجهة احتمالات هجوم تقوم به واشنطن للإطاحة بالنظام الكوبي، تلك التي تطورت إلى أزمة دوليّة عُرفت بأزمة الصواريخ بعد خليج الخنازير والتي كادت تهدد بحرب عالمية، لولا محاولات احتوائها من جانب الإدارة الأمريكية والرئيس جون كيندي والقيادة السوفييتية ممثلة في نيكيتا خروشوف حيث تمت المساومة على سحب الصواريخ، مقابل الحصول على تعهّد يقضي بعدم مهاجمة الجزيرة، في إطار تسوية سمحت بها ظروف تلك الأيام.
والدلالة الثانية أن الزيارة كانت بإصرار من جانب أحمد بن بلّة الذي يقول إن كيندي حـّذره من زيارة هافانا مباشرة بعد حضوره اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويضيف: «دُعيت في صباح 15 تشرين الأول (أكتوبر) (أي قبل يوم من زيارته إلى كوبا) إلى البيت الأبيض حيث أجريتُ حوارات ساخنة وصريحة مع الرئيس كيندي بشأن كوبا» ويواصل: «أجابني الرئيس على سؤال مباشر وجهته له: هل أنتم ذاهبون إلى مواجهة مع كوبا؟» ومن دون أن يترك مجالاً للشك في نواياه الحقيقية أجاب: «لا إذا كانت الصواريخ السوفييتية غير موجودة.. نعم إذا كان الأمر عكس ذلك»، ولعلّ إجابة الرئيس كيندي تلك تحمل قدراً من التهديد ورسالة إلى القيادة الكوبية عبر أحد أصدقائها وهو أحمد بن بلّة، ويمضي أكثر من ذلك ليؤكد تهديداته حتى بالنسبة لـ”بن بلّة” حين يقول الرئيس الجزائري الأسبق: «حاول كيندي أن يُثنيني وبإصرار عن الذهاب من نيويورك إلى كوبا مباشرة»، حتى إنه ذكر احتمال حصول اعتداء على الطائرة التابعة للقوات الجوية الكوبية التي سأستقلها، من قبل «المعارضة» الكوبية المتمركزة في ميامي.
ويجيبه بن بلّة بكل ما تحمل إجابته من بساطة وعفوية، لكن لها دلالاتها في الصدق والشجاعة حين يعلّق ردّاً على تهديداته المبطّنة: «إنّي فلاح لا ترهبني المعارضة الجزائرية ولا الكوبية» (من خطاب ألقاه بن بلّة حين أدلى بشهادته عن غيفارا بعد مرور 30 عاماً على استشهاده ونقلته جريدة لومانيتيه الفرنسية التي يُصدرها الحزب الشيوعي الفرنسي في 9 تشرين الأول/أكتوبر/1997).
كان تاريخ زيارة بن بلّة إلى كوبا هو تاريخ صداقة مديدة مع غيفارا استمرت بضع سنوات قبل أن يقطعها الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال هواري بومدين في 19 حزيران (يونيو) عام 1965، ويذكر بن بلّة في شهادته أن يوم 9 تشرين الأول (أكتوبر) 1967 مكتوب في ذاكرته بأحرف من نار، لاسيّما وهو سجين متفرّد، عندما سمع من جهاز الراديو إعلان خبر رحيل «أخيه» غيفارا كما يقول.

غيفارا في الجزائر

زار غيفارا الجزائر بمناسبة الذكرى الأولى للاستقلال ممثلاً لكوبا وذلك في 4 تموز/يوليو عام 1963، ومكث فيها نحو 3 أسابيع، اندمج غيفارا خلالها بالجو الجزائري طبيعياً وسياسياً، حيث المناخ الحار و«الناشف» الذي ذكّره – كما يشير- بطبيعة أرض الأرجنتين التي ترعرع فيها، كما أبدى إعجابه بقدرة الشعب الجزائري وبطولته في طرد المستعمرين الفرنسيين، لاسيّما بعد اندلاع الثورة، وفي حرب الأنصار والكفاح المسلح الذي دام 7 سنوات (من عام 1954 وحتى عام 1962)، وإضافة إلى علاقته مع بن بلّة، فقد استضاف في كوبا خلال عودته قائد القوات المسلحة الجزائرية هواري بومدين بمناسبة يوم 26 تموز (يوليو)، وهو يوم انطلاقة الحركة المسلحة التي قادها فيدل كاسترو.
زار غيفارا الجزائر مرّة أخرى بعد زيارة نيويورك في 9 كانون الأول (ديسمبر) 1964، حيث ألقى خطاباً باسم كوبا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكان غيفارا قد التقى خلال وجوده في نيويورك الزعيم الأسود مالكولم إكس ووجه عِبرَه رسالة تضامن إلى «إخوته وأخواته» من الأصول الإفريقية، ولاسيّما أن أفريقيا حسب تقييماته تعتبر مرتكزاً جديداً للثورة التي شغلته.
ودامت زيارة غيفارا إلى الجزائر نحو 3 أشهر، حيث وصلها يوم 18 كانون الأول (ديسمبر) 1964 وكانت هذه الزيارة الثالثة، واتفق مع بن بلّة على دعم ومساندة حركات التحرر الوطني، معتبراً الجزائر العاصمة البيضاء المنوّرة للثورة، غرفةَ قيادة، وهي في الوقت نفسه القاعدة السرّية للعديد من قيادات وكوادر حركات التحرر في أميركا اللاتينية وأفريقيا، وقد سهّلت معرفة كل من غيفارا وبن بلّة للغة الفرنسية والإسبانية، صداقتهما الحميمة وتفاعلهما المستمر والمتواصل.
وقد اقترح غيفارا على بن بلّة أن تصبح الجزائر محطة لتزويد الحركات الثورية الأمريكية اللاتينية بالأسلحة، دفعاً لعيون واشنطن التي هي قريبة من كوبا، وكان رد بن بلّة الموافقة الفورية والإيجابية، بل والأكثر من ذلك تحضير التجهيزات اللازمة لذلك، وحدد مركز القيادة الذي وُضع تحت تصرف غيفارا فيلاّ كبيرة في مرتفعات العاصمة تدعى فيلاّ «موزيني»، ولهذه الفيلاّ رمزية خاصة، إذ كانت مخصصة للتعذيب ومركزاً للفرنسيين أيام الاحتلال، وإذا بها تتحول إلى مركز للحركات التحررية لدول العالم الثالث، وللتغطية على نشاطها في أميركا اللاتينية، وقد أُنشئت عدة شركات للاستيراد والتصدير بهدف التمويه وذرّ الرماد في العيون.
أفريقيا: الحلقة الضعيفة
اعتقد غيفارا أن أفريقيا هي الحلقة الضعيفة للإمبريالية وهي غنية بالمواد الأوليّة، ولذلك يتوجب كسر هذه الحلقة من السلسلة، وتحضيراً لفكرته قام بزيارة 7 بلدان إفريقية نالت استقلالها في حينها، واحتسبت ضد المعسكر الإمبريالي، ولعلّ غيفارا هو من دعا إلى تأسيس اتحاد الجمهوريات الاشتراكية الإفريقية، وكان قد قال: «وجدتُ شعوباً بكاملها تحت الضغط مثل الماء الذي يوشك على الغليان»، وقد سُمّي خلال زيارته إلى جمهورية مالي في 17 كانون الثاني (يناير) 1965 بـ «ماو أميركا اللاتينية» (نسبة إلى ماو تسي تونغ).
خطاب الجزائر الشهير
وخلال زيارته الرابعة إلى الجزائر في 24 شباط (فبراير) 1965 ألقى خطابه الشهير في ندوة اقتصادية لمنظمة التضامن الأفروآسيوي، والذي عُرف لاحقاً «بخطاب الجزائر»، وهو وثيقة أو لائحة مرافعة ضد بعض مواقف الاتحاد السوفييتي كما جرت الإشارة إليه، علماً أن كوبا لم تكن سوى مراقبٍ في المؤتمر، هذه الوثيقة التي تشكل محتوى الفكرة الجيفارية بعد 6 سنوات على انتصار الثورة الكوبية، وجوهر الخلاف الذي اتسّع بينه وبين التيار الاشتراكي الرسمي السائد.
ومن الجزائر توجّه إلى القاهرة في 2 آذار (مارس) 1965 ومكث فيها 8 أيام كما ذكرنا، بعد سلسلة من التأملات والاعتراضات والمراجعات، ويبدو أن هذا التحوّل كان أقرب إلى القطيعة بينه وبين المناصب الرسميّة، فعاد إلى ميدان المعركة الحقيقي في الكونغو ومنها إلى كوبا حيث اجتمع بكاسترو، وبعدها قررّ السفر إلى بوليفيا حيث اختفى هناك، حتى أعلن عن جرحه وأسره ثم إعدامه.

صداقة وتبّصر

وإذا كان عبد الناصر أو بن بلّة قد رحبا بحماسةِ غيفارا وانجذبا إليه بصداقة مديدة، لكنهما كل من موقعه حاولا تبصيره بتعقيدات النضال في أفريقيا، وقد سهّل بن بلّة جميع متطلباته، بما فيها كما يقول وضع معاونته الشخصية مريم مرزوق في خدمته، التي شعرت بصداقة قوية تجذبها إلى غيفارا، الذي داعبها مازحاً ذات يوم «أشعر بأن روحي مسلمة لأني متعدد الزوجات، واعتقد أنه بالإمكان محبّة عدّة نساء في آن واحد»، حيث كان متزوجاً مرّتين.
يقول بن بلّة: «كنت أحاول لفت انتباهه إلى أن خياراته في العمل المسلح، ليست الطريقة الأجدى في مساعدة النضج الثوري الذي ينمو في القارة الإفريقية، فإذا كانت ثورة مسلّحة، فيمكن أن تحظى بدعم خارجي، إلا أنها لا بدّ أن تتهيأ الظروف الذاتية التي تعتمد عليها»، لكن غيفارا، كما يذهب بن بلّة، ظلّ مُصرًّا على خياره، وصادقاً في اختياره مُضحياً بحياته من أجل ذلك.

ثوري من النوع غير المألوف

ويلخّص بن بلّة علاقته بصديقه غيفارا بالقول:
«من بين جميع السياسيين الذين التقيتهم في حياتي، ترك غيفارا عندي انطباعاً أكثر من الآخرين.. كان يحبّ الجزائر كثيراً وبقيّ فيها مدّة أطول مما يعتقده الناس، من خمسة إلى ستة أشهر مع ذهاب وإياب.. كان ثورياً من النوع غير المألوف، إنسانياً، وكان يعرف أن يعيش وأن يتألم، كان رجلاً ساخراً حتى من نفسه، شجاعاً ومتيقظاً..».
سخط على الماركسيين التقليديين
ويمضي بن بلّة بالقول: وذهب إلى كابيندا في أنغولا، ثم إلى الكونغو برازافيل (البرتغالية كما تسمّى)، ولم يكن مرتاحاً من علاقاته مع بعض الأحزاب الماركسية للدول التي زارها، ولعلّه كان ساخطاً على مفاهيمها وتطبيقاتها، الأمر الذي ترك عنده خيبة أمل ومرارة كبيرة، وهو الذي حاول التصدي لقتلة لومومبا وإذا به يُحاصَر، فكرياً وسياسياً، ويداهمه المرض، ليضطر إلى الرحيل بعد فشل تجربة الكونغو كما يقول، ثم يرحل ليلتقي كاسترو ويغادر بعدها راكضاً وراء حلمه، ليُقتل في بوليفيا، وفي ذلك روايات كثيرة وجدتها في كوبا ولدى أوساط الثوريين القدامى والشباب مع تفسيرات متباينة، جئت في كتابي “كوبا- الحلم الغامض”. وإذا كان أحمد بن بلة رمزاً وطنياً جزائرياً كبيراً وزعيماً عربيّاً، لإسمه وقع قوي، فقد عاش أواخر أيام حياته في أجواء أقرب إلى العزلة بسبب الصراعات الجانبية والمنافسات السياسية، ومحاولات التهميش.
* أعلن استقلال الجزائر في تموز/يوليو1962 وهو التاريخ نفسه الذي أُحتلّت فيه الجزائر في العام 1830، وقد تلى اعلان الإستقلال الجنرال الرئيس شارل ديغول عبر التلفزيون مخاطباً الشعب الفرنسي: جاء الإستقلال نتيجة استفتاء تقرير المصير في الفاتح من تموز/يوليو المنصوص عليه في إتفاقيات إيفيان في 18 آذار/مارس 1962، وتأسست على إثر ذلك الجمهورية الجزائرية الديموقراطية الشعبية في 25 أيلول/ سبتمبر من العام نفسه وكان أول رئيس لها أحمد بن بلّة الذي توفي عن 96 عاماً في 11نيسان /إبريل 2012، وكان نحو مليون من المعمرين الفرنسيين قد اضطروا لمغادرة الجزائر.

كاتب عراقي

 

 

عن روح الإسلام

 

عبد الحسين شعبان

 

 

يعتبر القرآن جوهر العقيدة الإسلامية وهو كتاب أزلي "خالد" وغير قابل للتغيير شكلاً ومضموناً، فكيف يمكن والحالة هذه التعامل مع فكرة الحداثة ذات الطابع النسبي فيما يتعلّق بالحقيقة وتطوّرها المستمر، خصوصاً بما له صلة بإعادة صياغتها في ضوء التطوّر العلمي وبما يساعد على تحديثها؟

ومثل هذا الأمر يرتبط بالهويّة من داخل الإسلام ومن خارجه، خصوصاً حين تكون مهدّدة بالانغلاق والتقوقع  أو بالتذويب والتغريب. وتدور حول ذلك مقاربتان أساسيّتان تتعلّقان بقراءة النصوص، فالمقاربة الأولى تقوم على القراءة الحرفية، أي التمسّك بالنص بحذافيره دون الأخذ بعين الاعتبار متى قيل؟ ولماذا؟ وكيف؟ وماذا يُقصَد منه؟ بمعنى من المعاني عدم أخذ النص بسياقه التاريخي، باعتباره نصاً مقدّساً سرمديّاً، علماً بأن بعض النصوص تتوقف عند الأسباب التي قيلت في ظروفها، وجاء التطوّر لنسخها وتجاوزها.

المقاربة الثانية، تتعامل مع النصوص من موقع التفسير والتأويل، باستلهام روحها وليس حرفيّتها، وذلك بما له علاقة بالعقل والتطوّر التاريخي وسمة العصر ، والدين في نهاية المطاف هو دين العقل ، وما يتعارض مع العقل سيكون متعارضاً مع الدين، لأن العقل هبة ربّانية منحها الله للإنسان.

وفي هذا الإطار تبرز ثلاث اتجاهات:

الاتجاه الأول – الدين الأيديولوجي الذي يعتمد على التفسير الحرفي للنص، ويقود مثل هذا التفسير إلى سحب الماضي على الحاضر في محاولة لإحداث التوافق على الرغم من الفارق الزمني الذي يربو على 1400 عام. ومثل هذا الاتجاه ينغلق على نفسه ويرفض التطوّر بزعم التمسك بالنصوص بما يؤدي إلى التعصّب، وهذا الأخير ينجب التطرّف ، وحين يصبح التطرّف سلوكاً وينتقل إلى الفعل سيصير عنفاً، وحين يضرب العنف عشوائياً يتحوّل إلى إرهاب، وهذا الأخير يمكن أن يكون دولياً حين يصبح عابراً للحدود وهدفه إضعاف ثقة الدولة بنفسها وإضعاف ثقة المجتمع والفرد بالدولة أيضاً.

            الاتجاه الثاني – الإسلام السياسي، وهو انعكاسٌ للاتجاه الأول، ولكنه يتعامل بصورة براغماتية تبعاً للمصالح السياسية الأنانية الضيّقة، ويبقى اتجاهاً أحادياً إطلاقيّاً لا يقبل الآخر ولا يقرّ بالتنوع والتعدّدية والحق في الاختلاف، وإذا ما وصل إلى السلطة سيكون أكثر تشدّداً وإقصاءً للآخر، ولا يتورّع مثل الاتجاه الأول في استخدام العنف والإرهاب بزعم إعلاء كلمة الإسلام.

            أما الاتجاه الثالث – الاسلام الثقافي، فهو ينبع من تأويل جديد وقراءة عصرية للنصوص المقدّسة واستلهام روحها الحيوية وليس حرفيّتها. ويأخذ الإسلام الثقافي بممارساته وشعائره خصائص المجتمع الذي يعيش فيه ويتعامل معه، أي أن الإسلام الثقافي وثيق الصلة بالحضارة التي ينتمي إليها. وإذا كان الإسلام واحداً، إلّا أن ثمة خصوصية لكلّ مجتمع تؤثّر على تطبيقاته وممارسة تعاليمه، حتى وإن بقي الجوهر موحّداً، فهناك إسلام عربي وإسلام تركي وإسلام فارسي وإسلام باكستاني وإسلام أفغاني وهكذا، أي أن النصوص الإسلامية المقدّسة بما فيها القرآن الكريم تتمّ قراءتها وفقاً لخصائص المجتمع التي تُطبّق فيه بمراعاة تقاليده وعاداته وأعرافه ودرجة تطوّره الاجتماعي.

            ولعلّ الدفاع عن الهويّة يتحوّل أحياناً إلى نوع من التعصّب والتطرّف كلّما زاد عن الحدّ، وهو ما يفسّر ظهور الإسلاموية أو الإسلاملوجيا أي استخدام التعاليم الإسلامية السمحاء بالضدّ من روحها بزعم الدفاع عن الإسلام بوجه الغرب ومحاولات التغريب. وقد حملت القوى الإرهابية الراية الأيديولوجية مثل تنظيمات القاعدة و داعش و جبهة النصرة "جبهة فتح الشام" وأخواتهم، مستندةً إلى التعصّب والتطرّف بسبب الإحباط والقنوط وفشل الدولة الوطنية بعد مرحلة الاستقلال و التحرّر من الاستعمار المباشر،  ناهيك عن استمرار عدم عدالة النظام الدولي، وخصوصاً إزاء حل عادل وسليم للقضية الفلسطينية، وهو الذي دفع مثل هذه التنظيمات إلى حشد مجموعات بشرية هائلة بالتعكّز على الطائفية السياسية وادعاء الأفضليات للانخراط بعمليات إرهابية وانتحارية.

 وكانت الخلفية الأيديولوجية الإسلاموية  بدأت مع الحركات الإسلامية الأولى، وفي مقدّمتها حركة الإخوان المسلمين منذ العام 1928 ، واستمرار حركات إسلامية أخرى سنية وشيعية بما فيها أنظمة عملت تحت عناوين راديكالية. وهكذا برّرت هذه القوى استخدام جميع الوسائل بما فيها الإرهاب لتحقيق أهدافها، وكان الضحية ليس المسلمين فحسب، بل العقل والعقلانية والاعتدال والتنمية.

            إن الإسلام الثقافي هو أقرب إلى إسلام التأويل الذي يسمح للإجتهاد بإيجاد أفكار تفسيرية جديدة للنصوص المقدّسة، بما فيها القرآن، وهو أمر أُغلِق عليه الباب منذ نحو ألف عام تقريباً (منتصف القرن العاشر)، وأهمية الإجتهاد تكمن في التساوق مع التطوّر التاريخي وروح العصر، فأساس النهضة في أي مجتمع يقوم على الحريّة والتنمية، وهو ما أراده دعاتها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مثل الأفغاني ومحمد عبدة والكواكبي والطهطاوي والتونسي والنائيني وغيرهم ممّن امتلكوا شجاعةً ومعرفةً وعلماً، فضلاً عن لياقةٍ في دعواتهم لإحداث تطوّر وتراكم على نحو هادئ بما يؤدي إلى التغيير، ولا يمكن إحداث تنمية وتطوّر حقيقييّن في أيّ مجتمع دون إصلاح الحيّز الديني على حدّ تعبير هوبز.

 

 

مثلّث الإرهاب: التعصّب

والتطرّف والعنف (*)

 

عبد الحسين شعبان(**)

تـوطئــة 

[1]أصبح التطرّف (Extreme) ظاهرة متفشّية في الكثير من المجتمعات، بما فيها بعض المجتمعات المتقدّمة، وإنْ كان قديمًا قِدَم البشرية، إلّا أنه، بفعل «العولمة»، والثورة العلمية - التقنية والتطوّر الهائل في تكنولوجيا الإعلام والاتصال والمواصلات والطفرة الرقمية (الديجيتل) والمعلوماتية، بات أكثر خطورة وتهديدًا على المستوى العالمي بما لا يمكن قياسه قبل بضعة عقود من الزمان، سواء بعمق تأثيره أم بسرعة انتقاله أم بمساحة تحرّكه، حتى غدا العالم كلّه «مجالًا حيويًا» لفيروساته، الأمر الذي لم يعد تهديده مقتصرًا على السلم الأهلي والمجتمعي فحسب، بل أصبح عالميًا بتهديده للسلم والأمن الدوليين.

ويصبح التطرّف فعلًا ماديًا حين ينتقل من التنظير إلى التنفيذ، ومن الفكر إلى الواقع، ومن النظرية إلى الممارسة، فما بالك إذا استُعمل الدين ذريعة للإلغاء والإقصاء وفرض الرأي بالعنف والإرهاب خارج نطاق القانون والقضاء، ولا سيّما من خلال تكفير الآخر بزعم امتلاك الحقيقة وادّعاء الأفضليات.

التكفير حكم ليس بالضرورة أن يصدر عن محكمة، بل تصدره أحيانًا جماعة سرّية خارج القانون والقضاء، بحق شخص أو مجموعة من الناس لا تتفق معها بزعم مخالفتها للدين أو العقيدة فتقوم بتأثيمها لفعل ما ومن ثم تحريمها وبالتالي تجريمها، والأمر يشمل الأفكار والأشخاص.

وكان من نتائج استشراء ظاهرة التطرّف انتشار ظاهرة العنف والإرهاب، وهو الأمر الذي تفشى في الكثير من البلدان العربية والإسلامية وأخذ يهدّد الدولة الوطنية بالتشظّي والتفتّت، إنْ لم يكن بالانقسام، الذي يتّخذ في بعض الأحيان طابعًا مجتمعيًا، وخصوصًا حين يجد بيئة صالحة لتفقيس بيضه، وتفريخ مجموعات متنوّعة ومختلفة من القوى الإرهابية، ابتداءً من تنظيم القاعدة وفروعها وصولًا إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» وأخواتها «جبهة النصرة» أو «فتح الشام» بحسب التسمية الجديدة أو غيرها.

جدير بالذكر أن ظاهرة التطرّف استفحلت بدرجة مريعة، بعد موجة ما أطلق عليه «الربيع العربي» التي ابتدأت في مطلع عام 2011، والتي كان من أعراضها «الجانبية» تفشي الفوضى وانفلات الأمن واستشراء الفساد المالي والإداري وإضعاف الدولة الوطنية ومحاولة التغوّل عليها من جانب جماعات مسلّحة خارج حكم القانون والقضاء، وأخذت بعض تلك الجماعات على عاتقها تهديم مقوّمات الدولة، سواء بفعل "إرادي" أم عبر سلوك وتصرّف من شأنه أن يؤدي إلى النتيجة ذاتها.

وإذا كان من الوظائف الأساسية لأي دولة حفظ الأمن والنظام العام وحماية أرواح وممتلكات المواطنين، فإن الجماعات المتطرّفة والإرهابية التي اعتمدت العنف والإرهاب وسيلتين لفض النزاعات بينها وبين الدولة في الأغلب، وبينها وبين المجتمع، قادت من الناحية الفعلية إلى «حروب أهلية»، الأمر الذي أدى إلى تدمير المؤسسات الحكومية والمرافق الاقتصادية والحيوية، وعطّل التنمية وعملية التراكم والتطوّر، ناهيك بالعبث والاستخفاف بالأرواح والممتلكات العامة والخاصة، سواء بشلّ أجهزة الدولة أم بتعويمها وإفقادها القدرة على القيام بمهامها كلًّا أو جزءًا، وخصوصًا في ظل الفوضى وانعدام الأمن.

وإذا كان التغيير "فرض عين" مثلما هو "فرض كفاية" كما يُقال، أي أنه خيار واختيار، وفي الوقت نفسه "اضطرار"، لأن ذلك من طبيعة الأشياء، إذْ لا يمكن دوام الحال على ما هي عليه إلى ما لا نهاية، فذلك من المُحال، لكن الوصول إليه يحتاج هو الآخر إلى توافر شروط موضوعية وأخرى ذاتية لإنجازه، وكسب للرأي العام. فحتى البلدان التي حصل فيها التغيير بإرادة شعبية، بانهيار أو تآكل "الشرعيات القديمة" فإن "الشرعيات الجديدة" لم تُبنَ بعد أو لم تستكمل، وواجهتها مشكلات جمّة وتحدّيات كبرى أمام عمليات الانتقال والتحوّل من طور إلى طور. وحسب المفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي "فإن الماضي قد احتضر، أما الجديد فلم يولد بعد".

وقد أكّدت الأغلبية الساحقة من التجارب العالمية أن التغيير الذي حصل بحكم القوة سرعان ما ارتدّ على أعقابه، وأحيانًا تكون ردود الفعل أقوى وأقسى، الأمر الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى تأخير عملية التطوّر الطبيعي التدرّجي، لأن درجة تطوّر المجتمع والقوانين السائدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومستوى وعي الناس والثقافة عمومًا لم ترتقِ لتحقيقه، والعكس صحيح، كلّما كان التطوّر منسجمًا مع درجة تطوّر ووعي الناس، ناقلًا إيّاها من طور إلى آخر، ولكن دون قفز على المراحل أو حرق لها، كان أكثر رسوخًا وثباتًا ونجاحًا، لأنه تطوّر طبيعي وليس مفروضًا.

 

أولًا: جدلية القانون والسياسة

 

التطرّف ابن التعصّب ووليده العنف، وقد يقود هذا الأخير إلى الإرهاب. ويستهدف العنف في العادة ضحية أو ضحايا بعينهم، في حين أن الإرهاب هو استهداف مجموعة من السكان بهدف إحداث نوع من الرعب والفزع في المجتمع وإظهار الدولة بمظهر الضعيف والعاجز عن حماية الأمن، وإذا كان العنف يخضع للقانون الجنائي الوطني، فالإرهاب يخضع له أيضًا، إضافة إلى القوانين الدولية، وخصوصًا إذا كان للأمر علاقة بجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الإبادة الجماعية أو جرائم الحرب.

وقد بات هذا الثلاثي (التعصّب والتطرّف والإرهاب) قضية دولية مطروحة على طاولة البحث والتشريح في الأمم المتحدة وعلى صعيد المجتمع الدولي كله، فلم يعد كافيًا منذ أحداث 11 أيلول / سبتمبر 2001 الإرهابية التي حصلت في الولايات المتحدة وهزّت العالم، وجود قرارات تعالج قطاعيًا وجزئيًا بعض مظاهر التعصّب والتطرّف والإرهاب في العلاقات الدولية، وإنما استجدّت الحاجة الملحّة والماسّة إلى بحث شامل لهذه الظواهر بأبعادها ودلالاتها المختلفة.

للتعصّب سبب والتطرّف ثمرة لهذا السبب، أما الإرهاب فهو نتيجة، الأمر الذي سيبقي الحاجة ضرورية لمعالجة أسباب التعصّب والتطرّف، وليس معالجة النتائج فحسب، وحتى النتائج فهناك من يريد تحميل تسديد فواتيرها للآخرين، وإنْ كان الجميع مشمولين بها، لكن القوى المتنفذة والمتسيّدة في العلاقات الدولية تريد تعليقها على شماعة "البعض"، ولتلك الأسباب تتنصّل عن أي محاولة لوضع ضوابط ومعايير لإيجاد تعريف دولي جامع ومتفق عليه لظاهرة الإرهاب. وعلى الرغم من أن الحديث عن الإرهاب يرتفع بوتيرة متسارعة منذ ما يزيد على 5 عقود من الزمان، إلّا أنه يتم الاتفاق على تعريفه، وبالتالي وضع الخطط والوسائل الكفيلة لمواجهته.

وكانت الأمم المتحدة قد أصدرت منذ عام 1963 وحتى أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، نحو 13 اتفاقية وإعلانًا دوليًا حول الإرهاب[2]، لكنها لم تتوصل إلى تعريف لماهيته بسبب التفسيرات والتأويلات الخاصة التي تريد القوى النافذة في العلاقات الدولية فرض مفهومها وإملاء استتباعها على الشعوب والأمم، ولا سيما حين تحاول دمغ المقاومة بالإرهاب وتغض النظر عن إرهاب الدولة والجماعات العنصرية الاستيطانية الاستعلائية، وخصوصًا في فلسطين المحتلّة، في حين تتحدّث أحيانًا عن إرهاب فردي أو عمليات عنف محدودة ومعزولة.

وعلى الرغم من أن مجلس الأمن الدولي أصدر 3 قرارات بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، وفي ما بعد 4 قرارات عقب احتلال "داعش" للموصل في عام  2014، لكن الأمر لم يتغيّر، وظلّ تعريف الإرهاب عائمًا، بل ازداد التباسًا بحكم التفسيرات المختلفة في شأنه، باختلاف مصالح القوى الدولية[3]، لأن القوى المتنفّذة تحاول احتكار العدالة وفرض مفهومها الخاص للإرهاب، وكان مجلس الأمن الدولي قد أصدر بعد يوم واحد من أحداث 11 أيلول/ سبتمبر القرار 1368 في 12 أيلول/ سبتمبر الذي عدّ الحدث تهديدًا للسلم والأمن الدوليين شأنه شأن أي عمل إرهابي وطالب الدول بعمل عاجل لتقديم المرتكبين ورعاتهم إلى العدالة[4].

ثم صدر القرار 1373 في 28 أيلول/ سبتمبر من الشهر ذاته والعام ذاته (2001)، وهو من أخطر القرارات بخصوص الإرهاب الدولي، لأنه أعطى المبرّرات للعودة إلى القانون الدولي التقليدي و"الحق في الغزو" و "شن الحرب"، أنّى شاءت الدولة تحت عنوان حماية مصالحها القومية، أو إذا شعرت أن ثمة خطرًا وشيك الوقوع يهدّدها أو من المحتمل تهديدها أو أن ذلك يلبي مصالحها القومية، وذلك حين رخّص القرار لما سمي "الحرب الاستباقية"، أو "الحرب الوقائية"، الأمر الذي يثير إشكالات وتحفظّات فقهية وسياسية لتعارضاته مع ميثاق الأمم المتحدة[5].

والقرار يتجاوز أيضًا على مضمون المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تجيز للدول "حق الدفاع عن النفس" (فرادى أو جماعات) إلى أن تتم دعوة مجلس الأمن إلى الانعقاد، وذلك حين سمح، لمجرد الشبهات شن الحرب ضدّ دولة أو جهة ما، تصنّف بوصفها "إرهابية" (دول محور الشر وقائمة المنظمات الإرهابية مثلًا)، كما أهمل القرار الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والتربوية والقانونية التي تكمن وراء ظاهرة الإرهاب الدولي، وكذلك وراء ظواهر التعصّب والتطرّف والعنف، مثلما أغفل مبدأ حق تقرير المصير والحق في المقاومة[6].

وكان القرار الثالث هو القرار 1390 الذي صدر في 16 كانون الثاني/ يناير 2002 قد فرض التزامات ومسؤوليات على الدول بشأن مكافحة الإرهاب الدولي وتجفيف منابعه والقضاء على بؤر تمويله وغير ذلك، ودعا هذا القرار إلى تعاون الدول مع الأمم المتحدة وإلّا عُدّت متواطئة أو داعمة للإرهاب في حال عدم انضمامها إلى الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب[7].  وقد صدر هذا القرار بالتوافق وليس بالتصويت، ويتلخص مضمونه وتفسيراته وتأويلاته في أنه أعطى للمرّة الأولى في تاريخ الأمم المتحدة: الحق في اتخاذ عقوبات خارج نطاق حدود الدول وأدرجها ضمن الفصل السابع، حيث نص على تجميد الأموال وحظر توريد الأسلحة ووضع أسماء أشخاص مطلوبين للعدالة ومنظمات كذلك، إضافة إلى ضرورة تعاون الدول وإلّا عُدّت متواطئة أو داعمة للإرهاب في حال عدم انضمامها إلى الحملة الدولية لمكافحته[8].

أما القرارات عقب احتلال داعش للموصل فهي أربعة:

الأول، رقم 2170 وصدر في 15 آب/ أغسطس 2014 بشأن التهديدات التي يتعرّض لها السلم والأمن الدوليان نتيجة الأعمال الإرهابية وفيه إدانة للفكر المتطرّف وتنديد بتجنيد المقاتلين الأجانب.

الثاني، رقم 2178 الصادر في 24 أيلول/ سبتمبر 2014 وفيه أيضًا إدانة للتطرّف والعنف والإرهاب، ويستعيد القرار 1373.

الثالث، رقم 2185 الذي صدر في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر والذي أكّد دور الشرطة كجزء من عمليات الأمم المتحدة لرفع درجة المهنية لمحاربة التطرّف والإرهاب.

الرابع، رقم 2195 في 19 كانون الأول/ ديسمبر 2014، الذي حثّ الدول على العمل الجماعي والتصديق على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة وشدّد على العلاقة بين مكافحة الإرهاب والتطرّف المقترن بالعنف ومنع تحويل الإرهاب[9].

يمكن القول إن كل تطرّف ينجم عن تعصّب لفكرة أو رأي أو أيديولوجية أو دين أو طائفة أو قومية أو إثنية أو سلالية أو لغوية أو غيرها، ولكن مهما اختلفت الأسباب وتعدّدت الأهداف، فلا بدّ أن يكون التعصّب وراءها، وكلّ متطرّف في حبّه أو كرهه لا بدّ أن يكون متعصّبًا، ولا سيّما إزاء النظر إلى الآخر وعدم تقبّله للاختلاف، وكل اختلاف بحسب وجهة نظر المتعصّب يضع الآخر في خانة الارتياب، وسيكون غريبًا، وكل غريب أجنبي، وبالتالي فهو مريب، بمعنى هو غير ما يكون عليه المتطرّف.

التطرّف يمكن أن يكون دينيًا أو طائفيًا أو قوميًا أو لغويًا أو اجتماعيًا أو ثقافيًا أو سياسيًا، والتطرّف الديني يمكن أن يكون إسلاميًا أو مسيحيًا أو يهوديًا أو هندوسيًا أو غيره، كما يمكن التطرّف أن يكون علمانيًا، حداثيًا، مثلما يكون محافظًا وسلفيًا، فلا فرق في ذلك سوى بالمبرّرات التي يتعكّز عليها لإلغاء الآخر، بوصفه مخالفًا للدين أو خارجًا عليه أو منحرفًا عن العقيدة السياسية أو غير ذلك.

أما الإرهاب فإنه يتجاوز التطرّف، أي أنه ينتقل من الفكر إلى الفعل، وكل إرهاب هو عنف جسدي أو نفسي، مادي أو معنوي، ولكن ليس كل عنف هو إرهاب، خصوصًا إذا ما كان دفاعًا عن النفس ومقاومة العدوان. وبحسب نعوم تشومسكي، فالإرهاب هو كل محاولة لإخضاع أو قسر السكان المدنيين أو حكومة ما في طريق الاغتيال والخطف وأعمال العنف، بهدف تحقيق أهداف سياسية، سواء كان الإرهاب فرديًا أو تقوم به مجموعات أو تمارسه دولة، وهذا الأخير هو الإرهاب الأكثر خطورة[10].

وإذا كان هذا التعريف البسيط والعميق الذي يقول به مفكر أمريكي، فإن صعوبات جمّة تعترض المجتمع الدولي للاتفاق على تعريف المقصود بالإرهاب في القانون الدولي بسبب خلفية الجهات والقوى والبلدان التي تنظر إليه كل من زاويتها ومصالحها. وغالبًا ما يحدث التسييس والخلط المتعمّد والمقصود بين الأعمال الإرهابية وأعمال المقاومة المسلحة.

تحاول "إسرائيل" ومعها الولايات المتحدة وقوى متنفّذة في العلاقات الدولية، حسبان كل عمل عنفي حتى وإن كان اضطرارًا ودفاعًا عن النفس ومن أجل التحرّر الوطني، وهو ما تقرّه المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، «إرهابًا»، علمًا بأن القانون الدولي يعدّ اللجوء إلى الدفاع عن النفس واستخدام جميع الوسائل المشروعة بما فيها القوة، عملًا مشروعًا في حالات النضال من أجل الانعتاق وتحقيق الاستقلال وحق تقرير المصير[11].

وكلّ إرهاب تطرّف، وبالطبع كل متطرّف هو متعصّب، ولا يصبح الشخص إرهابيًا إلّا إذا كان متطرّفًا، ولكن ليس كلّ متطرّف إرهابي، فالفعل سواء كان عنفيًا أم إرهابيًا تتم معالجته قانونيًا وقضائيًا وأمنيًا، لأن ثمة عملًا إجراميًا تعاقب عليه القوانين، أما التطرّف، ولا سيّما في الفكر، فله معالجات أخرى مختلفة، وهنا يمكن قرع الحجة بالحجة ومحاججة الفكرة بالفكرة، والرأي بالرأي، وإنْ كانت قضايا التطرّف عويصة ومتشعّبة وعميقة، وخصوصًا في المجتمعات المتخلّفة، كما أن بعض التطرّف الفكري قد يقود إلى العنف أو يحرّض على الإرهاب، بما فيه من طريق الإعلام بمختلف أوجهه.

وإذا كان التطرّف يمثّل نموذجًا قائمًا على مرّ العصور والأزمان، فإن نقيضه الاعتدال والوسطية والمشترك الإنساني بين الشعوب والأمم والأديان واللغات والسلالات المتنوّعة، لأن الاجتماع الإنساني من طبيعة البشر، حيث التنوّع والتعدّدية والاختلاف وهذه صفات لصيقة بالإنسان، وكلّها ينبغي الإقرار بها والتعامل معها كحقوق إنسانية توصلت إليها البشرية بعد عناء، وهي النقيض لفكر التطرّف والتكفير.

التطرّف يعني في ما يعنيه ادّعاء الأفضليات، فـ "الأنا" أفضل من "الأنت"، و"النحن" أفضل من "الأنتم"، و"ديني" أفضل من الأديان الأخرى، و"قومي" فوق الأمم والقوميات الأخرى إلى درجة الزعم بامتلاك الحقيقة، وتلك البذرة الأولى للتعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب.

ثانيًا: في نقيض التطرّف

 

لا يمكن القضاء على فكر التطرّف وجذوره، ما لم يتم القضاء على فكر التعصّب الذي يزعم امتلاك الحقيقة المطلقة، وما سواه إلّا بُطلان ووهم على أقل تقدير. وقد أثبتت التجارب أن الفكر المتطرّف والتكفيري لا يتمّ القضاء عليه بالعمل العسكري أو المسلح، كما لا يمكن القضاء على التطرّف بالتطرّف أو مواجهة الطائفية بالطائفية أو مواجهة الإرهاب بالإرهاب، وإنْ كان "آخر العلاج الكيّ" كما قالت العرب، لكن:

عنفان لا يولدان سلامًا،

وإرهابان لا يبنيان وطنًا،

وظلمان لا ينتجان عدالة،

وطائفيتان لا تنتجان مواطنة،

الأمر الذي يحتاج إلى معالجة الظاهرة اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا وتربويًا ودينيًا وقانونيًا ونفسيًا، وهو علاج قد يكون طويلًا ومتشعّبًا، ولا يقع على الدولة وحدها إنجازه بقدر ما تحتاج إلى طاقات جميع القوى الحيّة والفاعلة في المجتمع التي يهمّها إنجاز التغيير بوسائل سلميّة تدرجية وإحداث التراكم المطلوب.

ولعلَّ القضاء على الفقر والأمية والتخلّف ضمن استراتيجية بعيدة المدى يساعد على خلق بيئة مناسبة لنشر قيم السلام والتسامح واللاّعنف وقبول الآخر والإقرار بالتنوّع والتعدّدية، وذلك في إطار المواطنة التي تقوم على أركان متوازية ومتكاملة، تبدأ بالحرية وتمرّ بالمساواة والعدالة، ولا سيّما الاجتماعية لتصل إلى الشراكة والمشاركة، وبذلك يمكن تجفيف منابع ومصادر القوى المتطرّفة والإرهابية، بالقضاء على أسباب التعصّب.

لا ينمو التطرّف إلّا إذا وجد بيئة صالحة لنموّه ومثل هذه البيئة بعضها ناجم عن أسباب داخلية وأخرى خارجية، وبهذا المعنى ثمّة دلالات لهذه الظاهرة:

أنها ظاهرة راهنة وإنْ كانت تعود إلى الماضي، لكن خطورتها أصبحت شديدة العمق والتأثير، ولها تجاذبات داخلية وخارجية، عربية وإقليمية ودولية، لأن التطرّف أصبح كونيًا، وهو موجود في مجتمعات متعدّدة ولا ينحصر في دين أو دولة أو أمّة أو شعب أو لغة أو ثقافة أو هويّة أو منطقة جغرافية أو غير ذلك، وإنْ اختلفت الأسباب باختلاف الظروف والأوضاع، لكنه في جميع الحالات لا يقـبل الآخر ولا يعتـرف بالتـنوّع، ويسعى إلى فرض الرأي بالقـوة والعنـف والتـسيّد إن تطلّب الأمر ذلك.

ومع أن منطقتنا وأممنا وشعوبنا الأكثر اتهامًا بالتطرّف، إلّا أنها في واقع الحال الأكثر تضرّرًا منه، حيث دفعت الثمن لعدّة مرّات ولعدّة أضعاف من جرّاء تفشّي هذه الظاهرة، الأمر الذي لا ينبغي إلباس المنطقة ثوب التطرّف تعسفًا أو إلصاق تهمة الإرهاب بالعرب والمسلمين بوجه خاص، بحسبان دينهم أو تاريخهم يحضّ على التطرّف والإرهاب، علمًا بأن