الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

عبدالحسين شعبان اكاديمي ومفكر عربي يكتب مقالااسبوعيا في جريدة (الخليج) الاماراتية

  

مقالات سابقة

العروبة المؤنسنة

 

د. عبد الحسين شعبان

 

 

     كان اختيار منتدى أصيلة وجامعة المعتمد بن عبّاد المفتوحة بالمغرب لموضوع "العروبة والبناء الإقليمي العربي: التجربة والآفاق" كعنوان لندوة ذات طابع راهني بأفق مستقبلي وقراءة إستشرافية ، فرصة مناسبة لتبادل الآراء واستمزاج وجهات النظر والاستئناس بأفكار حاولت ملامسة الجديد في فكرة العروبة، التي ظلّت تشغل الأفق السياسي والاستراتيجي لغالبية مشاريع النهضة والإصلاح في العالم العربي منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى الأن، وقد اتخذت ثلاث اتجاهات أساسية:

الأول – "العروبة الثقافية"، وهي الفكرة التي حاولت محاكاة مشاريع النهضة الأوروبية التي كان توجّهها نحو "دولة مدنية"، وقد أخذت هذه الفكرة تتعمّق بالتجربة العملية وبعد طائفة من الإخفاقات والممارسات السلبية التي عملت باسم "العروبة" .

الثاني – "العروبة الآيديولوجية"، وهي الفكرة التي حاكت السياسة والتيارات القومية الأوروبية الإستعلائية الشوفينيّة بشيفرة قومويّة.

الثالث – "العروبة في طور التكوين المؤسساتي"، وهي فكرة قامت عليها جامعة الدول العربية (22 مارس / آذار1945 ) كمنظّمة إقليمية أرادها الآباء المؤسسون أن تكون نواة أو خطوة للوحدة العربية وعلى طريقها، وهي وإن أخفقت سياسياً في حل المشكلات والنزاعات والحروب العربية – العربية، والعربية – الأجنبية، إلاّ أنها تمكنت من لعب دور إيجابي في دعم البلدان العربية لنيل استقلالها والتحرر من الإستعمار وفي دعم تنميتها، إضافة إلى مساندة القضية الفلسطينية في المحافل الأممية ضدّ العدوان "الإسرائيلي" المتكرر.  

     و خلال القرن ونيّف الماضي تعرّضت العروبة إلى تحدّيات عديدة، من خارجها ومن داخلها إذا جاز التعبير.

أولها – إخفاق المشروع السياسي الوحدوي وتضبّب صورته الحلمية، والأكثر من ذلك فإن الدولة العربية (القُطرية) التي اعتُبرت من مخرجات التجزئة وسبباً في عدم تحقيق مشروع النهضة  تصدّعت هي الأخرى بسبب الحروب والنزاعات الأهلية، إلى درجة أصبح الحفاظ عليها مهمةً عروبية بامتياز.

وثانيها – التداخلات الإقليمية غير العربية وتأثيرها على القرار العربي، وذلك بسبب محاولات الهيمنة الإيرانية والتركية، فضلاً عن محاولات أثيوبيا المائية التي ألحقت ضرراً بالمصالح العربية، ناهيك عن تحالفاتها الإقليمية.

وثالثها – تراجع القضية الفلسطينية، التي مثلّت جامعاً للعروبة الثقافية والمؤسساتية .

ورابعها – إنفجار الهويّات الفرعية وانبعاث رياح الطائفية والإثنية المناوئة لفكرة العروبة، خصوصاً بعد تنكّر أو عدم اعتراف بها.

وخامسها – الممارسات الإستبدادية السلبية لأنظمة حكمت باسم العروبة.

     العروبة بصفتها هويّة منفتحة ليست ساكنة أو نهائية أو تمامية. لأنها متجدّدة ومتحوّلة ومتفاعلة ، حيث تتغير بعض عناصرها مثل العادات والتقاليد والفنون والآداب حذفاً أو إضافة، ومثلما هي كذلك، فلا بدّ أن تقّر باختلاف الهويّات وتعترف بحقوقها وتتعامل معها كأمر واقعي وليس مفتعلاً أو متخَيّلاً، كما هي النظرة الإستعلائية الشوفينيّة. وهكذا يصبح من واجب العروبة المؤنسنة احترام  حق كل شعب أو مجموعة بشرية تشعر بوجود خصائص تجمعها هويةً وانتماءً، بل و أن تعمل على مساعدتها في تعزيز وتطوير خصوصيتها بما يجعلها تتفاعل إنسانياً معها.

    وبهذا المعنى لا يمكن إختزال العروبة بالقومية أو العرق أو النسب ، وإذا ما فعلنا ذلك فأين سيكون مكان الأندلس والمعتمد بن عبّاد وابن طُفيل وابن باجة وابن حزم وعبّاس بن فرناس من فكرة العروبة ؟

     والعروبة هي لغة امرؤ القيس والمتنبّي وأبو القاسم الشّابي وطه حسين وجبران خليل جبران والجواهري، وكانت وما تزال فعل مواجهة، خصوصاً حين  تبلورت في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين من خلال مفكرين ورُوّاد مثل جورج أنطونيوس وشكيب أرسلان ورشيد رضا والبساتنة والريحاني واليازجي وصولاً إلى ساطع الحصري، ولعلّ ما هو مطلوب اليوم تعزيز العروبة وتجذيرها وتحصينها وأنسنتها بالحرية والإقرار بالتنوّع وقبول الآخر والاعتراف بالحق في الإختلاف.

 

 

الصين:

الحضور الاستراتيجي

 

عبد الحسين شعبان

 

إذا كانت استراتيجية شياوبينغ الإصلاحية الذي تولّى القيادة بعد الزعيم التاريخي ماوتسي تونغ توصف بالصبر، فإن استراتيجية الرئيس شي جينبينغ يمكن اعتبارها استراتيجية حضور، خصوصاً بعد أن خطت الصين خطوات كبرى في تحديث اقتصاداتها وتطوير تكنولوجياتها وربوتاتها (إنسانها الآلي) في ظلّ الذكاء الاصطناعي.

ومنذ أن تولّى الرئيس شي جينبينغ القيادة في العام 2012 سارع إلى تعزيز دور الصين ومكانتها، وذلك بالتوجّه للسيطرة على أراضي في بحر الصين الجنوبي وإنشاء منطقة تعريف في الدفاع الجوي (فوق الأراضي المتنازع عليها في بحر الصين الشرقي)، وتأسيس بنك التنمية الجديد (بنك بريكس) مثلما أقدم على مشروع البنية التحتية الدولي المعروف باسم "مبادرة الحزام والطريق" Belt and road initiative (2016) وأثبت قدرة الصين في ظلّ إدارته على احتواء تفشّي وباء كورونا "كوفيد 19" وذلك بحلول صيف (2020) حيث استطاعت الصين في ظلّ فضائل التحكّم المركزي من احتواء الانتشار المحلي للوباء، وأصبح نهجها  في مكافحة الفايروس مصدر فخر وطني ينظر إليه عالمياً بإعجاب كبير، وقد جرى التعبير عن إستراتيجية الحضور هذه خلال الاحتفالات بمرور100 عام على تأسيس الحزب الشيوعي الصيني (يوليو/ تموز المنصرم).

وقد استند جينبينغ إلى تراكم طويل وطائفة من الإصلاحات التدرجية لإعادة بناء الدولة وهيكلة اقتصاداتها والتي بدأت في عهد قيادة شياوبينغ منذ انتهاء عهد الثورة الثقافية "1965 - 1976" وبداية مرحلة جديدة من الانفتاح منذ نهاية السبعينيات وصولاً إلى وضع الصين منافساً للولايات المتحدة. ومن المحتمل أن يتقدّم اقتصادها على اقتصادات العالم العام 2030،  وهو ما يسعى إليه.

وإذا كان أسلاف جينبينغ قد تجنّبوا الصراع الإقليمي والدولي بالنأي عن النفس واستخدام وسائل ناعمة وطويلة الأمد فيما يتعلّق بـ هونغ كونغ وتايوان، وركّزوا على فرصة الصين في التنمية الاقتصادية السريعة والتوسّع المنتظم لنفوذها من خلال الاندماج التكتيكي في النظام العالمي الحالي، وهو ما لمسه كاتب السطور لدى مشاركته في دورة للحوار العربي - الصيني في بكين، (العام 2010) حيث كان المفكرون والباحثون الصينيون يصرّون على أن الصين دولة نامية ولا تريد أن تنخرط في الصراعات الدولية كما لا تريد أن تلعب دور الاتحاد السوفيتي السابق، ويهمّها تنمية قدراتها الاقتصادية بالقضاء على الفقر والتعامل التجاري مع الجميع على أساس المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، إلاّ أنّ الرئيس جينبينغ اختار طريقاً جديداً يحمل درجة عالية من التحدّيات بعد انقضاء الصبر الإستراتيجي، خصوصاً وهو يقود مجموعة واسعة من المبادرات السياسية هدفها إعادة تشكيل النظام العالمي بشروط مؤاتية لبكين.

ومثل هذه الشروط تبنى وفقاً لحسابات سواء كانت تطلعات أو مخاوف، ولذلك يراهن القائد الصيني اليوم على الزمن، فقد عزّز سلطته بشكل كبير وزعزع الوضع الراهن الدولي بقوة، وهو ينظر إلى موقع الصين خلال العقد وربما العقد ونصف العقد القادم للاستفادة من مجموعة التحوّلات التكنولوجية والجيوسياسية المهمة التي يمكن بواسطتها التغلّب على التحدّيات الداخلية الكبيرة.

ويرى جينبينغ أن تلاقي التحوّلات الديموغرافية والتباطؤ الاقتصادي الهيكلي والتقدّم السريع في التقنيات الرقمية والتحوّل الملحوظ في ميزان القوى العالمي بعيداً عن الولايات المتحدة يمثل بحدّ ذاته "تغيرات عميقة لم نشهدها منذ قرن" وهذه تتطلّب حلولاً جريئة وعاجلة وهنا يكمن حضور الصين.

ولهذه الأسباب أدخل جينبينغ تعديلات جوهرية على النظام السياسي الصيني لكي تتمكّن الصين من منظوره أن تهندس نظاماً سياسياً عالمياً يقوم على التعدّدية القطبية والمنافسة في التصنيع والتسليح والتكنولوجيا لقدرات البلدان الأكثر تقدّماً، كما يعتقد أن الغرب (نفوذاً وقوة) دخل مرحلة التدهور المتسارع  خصوصاً بعد فشل الولايات المتحدة في احتلال أفغانستان العام 2001 وانسحابها المشين منه 2021 واحتلال العراق 2003 واضطرارها للانسحاب العام 2011 وتخلخل وجودها الحالي، الذي يمكن وصفه بـ "مستنقعات غير مأمونة" وفي بيئة ليست قابلة لها، يضاف إلى ذلك الأزمة المالية التي ضربتها والعالم الرأسمالي بشكل عام العام 2008، ثم إعلان  بريطانيا عن خروجها من بريكست بالتصويت في العام 2016 واعلان انسحابها النهائي 2020 وانتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، الأمر الذي أضعف من هيبتها وأنزل من سمعتها في قيادة النظام الدولي الجديد، وهذه تحدّيات كبرى يواجهها الرئيس جو بايدن منذ تسنّمه إدارة البيت الأبيض.

وإذا كان ماوتسي تونغ قد بنى الصين وفقاً لنظريته بضرورة توجيه الاقتصاد وتأميم أدوات الإنتاج، وكبح جماح القطاع الخاص وفقاً للعقيدة الآيديولوجية ونظام الولاء والطاعة الحزبية وعلى أساس الأمن القومي، فإن ذلك العهد لم يعد قائماً، بما عليه من مآسي وما له من إيجابيات، ولذلك فـإن استمرار جينبينغ مطالبة الكوادر الحزبية الالتزام بالعقيدة الآيديولوجية وإبداء الولاء الشخصي له يعني تقويض مرونة نظام الحكم وكفاءته، بل أنه سيؤدي إلى جعل "الذئب المحارب" أكثر عزلة بدلاً من الانفتاح، كما أنه سيقلّص من البدائل ويضعف النقد، خصوصاً بعد إلغاء القيود المفروضة على فترة الرئاسة واحتمال استمراره بالحكم إلى أجلٍ غير مسمّى والسؤال الأخير من سيخلف جينبينغ وكيف سيحكم؟

 

 

 

الملك حسين

الاستثناء في الاستثناء

 

د. عبد الحسين شعبان*

 

مقدمة: مئوية الدولة الأردنية

     يستذكر الأردنيون والعرب والمسلمون عموماً في هذه الأيام الذكرى العطرة لتأسيس المملكة الأردنية الهاشمية، وذلك بمناسبة مرور مئة عام على تأسيسها، كما ويصادف في هذه الذكرى مرور 86 عاماً على ولادة جلالة الملك حسين، الذي أبصر النور في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 1935 ، وغادرنا في 7 شباط / فبراير 1999 ، وكان تسلّم عرش المملكة لنحو 46 عاماً، أي حوالي نصف عمر الدولة الأردنية، وترك بصمته الواضحة على مسارها وتوجّهها.

      وإذا كان عمره البيولوجي قد بلغ 65 عاماً يوم رحل إلى "الرفيق الأعلى"، فقد قضى أكثر من ثلثيه وهو على رأس الدولة الأردنية، واكتسب خلاله تجارب لا حدود لها وخلص إلى عبر ودروس غاية في الأهمية والعمق، وهو ما يزال يافعاً في مقتبل ربيع حياته وفي عزّ شبابه، وهو ما مكّنه من قيادة المملكة بحكمة وعقلانية وتسامح واعتدال وبُعدَ نظرٍ، خصوصاَ وقد تلقّى تأهيلاً علمياً ودينياً ولغوياً وعسكرياً عالياً وتربية عائلية سديدة في بيت يزخر بالقيم والمعاني الإنسانية. وأستذكر ما قاله الشاعر الجواهري الكبير في 2 كانون الأول / ديسمبر 1992  بحق جلالة الملك حسين وبحضوره في حفل مهيب :

يا  سيّدي  أَسْعِفْ   فَمِي   لِيَقُــولا  

                            في عيدِ  مولدِكَ  الجميلِ جميلا

أَسْعِفْ  فَمِي يُطْلِعْكَ  حُـرّاً  ناطِفَـاً

                            عَسَلاً، وليسَ مُدَاهِنَاً  مَعْسُولا

يا  ابنَ  الهواشِمِ  من قُرَيشٍ  أَسْلَفُـوا 

                          جِيلاً  بِمَدْرَجَةِ  الفَخَارِ ، فَجِيلا

 

يا   ابنَ   الذينَ    تَنَزَّلَتْ   بِبُيُوتِـهِمْ    

                            سُوَرُ الكِتَابِ ، ورُتّلَتْ تَرْتِيلا

 

يا  ابنَ  النَبِيّ ، وللمُلُـوكِ  رِسَالَـةٌ، 

                            مَنْ حَقَّهَا  بالعَدْلِ كَانَ رَسُولا

 

                       

 

العنف والقدس

     في العام 1921 ، وعلى هامش الثورة العربية الكبرى التي قادها الشريف الحسين بن علي    للتحرّر والإنعتاق والتخلص من الهيمنة العثمانية، أعلن الأمير عبد الله الأول عن تأسيس "إمارة الشرق العربي" ، ثم سُمّيت "إمارة شرق الأردن" وأعلن عن استقلالها في 25 أيار/ مايو 1946 تحت اسم "المملكة الأردنية الهاشمية"، ونوديَ ﺒالأمير عبد الله الأول بن الحسين  ليصبح ملكاً دستورياً عليها وهو المؤسس الأول لها، لكن اغتياله في العام 1951 في القدس وهو على درجات المسجد الأقصى، ترك أثراً كبيراً لدى الفتى الذي سيتولّى عرش المملكة بعد سنتين من إطلاق النار على جدّه، ومثل هذا الأثر لازمه حتى آخر يوم في حياته. واتّسم بتوجّهين أساسيين:

أولها – نبذ العنف بكل أشكاله ومبرّراته وحججه وتداعياته ؛ فقد أدرك منذ وقت مبكّر أن العنف ليس السبيل السليم لحلّ الخلافات أو إجبار الآخر على تغيير قناعاته، بل أن الحوار خيار واضطرار في الآن، فأي اجتهاد يبقى نسبياً وهو قابل للخطأ مثلما هو قابل للصواب أيضاً، وحسب الفيلسوف الفرنسي فولتير : أننا كائنات بشرية قابلة للوقوع في الخطأ، وبما أن البشر خطاءون، فعلينا أن نأخذ بعضنا البعض بالتسامح.

 وثانيها – رسوخ صورة القدس في وجدانه والتي ظلّت حاضرة في كلّ خطوة اتخذها كجزء من إستراتجيته، وهو الذي كان قال: إن الرمز الحقيقي للسلام هو القدس وعودتها عربية هو المعيار الوحيد لصدق الداعين إلى السلام في المنطقة.

     وهو ما كتبه في رسالة إلى الرئيس الأمريكي رونالد ريغان مصحّحاً المعتقدات التوراتيّة المزيّفة حول فلسطين والقدس والمسجد الأقصى نتيجة الدعاية الصهيونية،  مؤكداً على حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره وضرورة عودة أراضيه المحتلة وسيادته عليها ، واستمرّ الأردن حامياً للأماكن المقدّسة الإسلامية والمسيحية ووصياً عليها حتى بعد قرار فكّ الارتباط ، وحيث تستمر الرعاية الهاشمية بالإعمار والصيانة والتبرع الشخصي لهذه الغاية.

 

الملك الباني

   

      إذا كان الملك طلال قد صاغ دستور المملكة فإن الملك حسين هو بانيها منذ أن اعتلى عرشها في 11 آب/ أغسطس 1952 ، وفي 2 أيار/ مايو 1953 تسلّم الحسين سلطاته الدستورية كاملة بعد أن أتمّ الثامنة عشر من عمره وفق التقويم الهجري. وحدّد خطاب العرش المبادئ الأساسية التي تسير عليها المملكة والتي ستصبح بمثابة "بلاتفورم" للملك حسين وللمملكة مكمّلة ومتمّمة دستورها ومواثيقها. وهي ما يأتي:

النظام رائدنا

التعاون مطلبنا

الاتحاد في الصفوف رمزنا

العمل شعارنا

بناء وطن محكم الدعائم راسخ الأركان هدفنا

مساواة جميع المواطنين مبدؤنا

     وظلّت هذه المبادئ مرشداً لسلوك الملك حسين طيلة فترة حكمه، بل إنها مثلّت الخلفية المرجعية القيمية الأساسية للمملكة الأردنية الهاشمية خلال الفترة المنصرمة، وحين يتم  الخروج عليها أحياناً أو التهاون بِشأنها بسبب تعقيدات الوضع السياسي كان الملك حسين يبادر إلى إعادة البوصلة باتجاهها محاولاً تصحيح ما ينشئ من أخطاء وممارسات سلبية بروح الشجاعة والنقد، فقد كانت مسألة توطيد أركان الدولة وتعزيز مكانتها وتثبيت هيبتها داخلياً وعلى المستوى العربي والإقليمي والدولي شغله الشاغل ووضعها هدفاً استراتيجياً له، بالاستناد إلى مبادئ الثورة العربية الكبرى التي فجرها جدّه  الشريف حسين بن علي في 10 حزيران / يونيو العام 1916 في مكة والمصادف 9 شعبان 1334 ﻫ ، واسترشاداً بمسيرته التي ساهمت في تعزيز حركة الوعي واليقظة العربية نحو التحرّر والاستقلال وتقرير المصير . وما تزال ألوان علم الثورة العربية الكبرى تمثل أساس أعلام العديد من الدول العربية، وهو ما أوردته في بحثي الموسوم:" ملاحظات أولية وقراءة ارتجاعية بعد قرن من الزمن لأول كيانية عربية"، وذلك بمناسبة مئوية الحكومة العربية والمملكة السورية بزعامة الملك فيصل بن الحسين (1918 - 2018)، ندوة منتدى الفكر العربي، 2 أيلول/ سبتمبر 2018 .

 

استثنائية الموقع

     أدرك الملك حسين ما لا يدركه الآخرون، من حساسية وخطورة موقع الأردن في خريطة الشرق الأوسط التي ظلّ نابليون يقول عنها منذ أواخر القرن الثامن عشر أنها:" مفترق طرق العالم"، ويصفها الرئيس أيزنهاور في العام 1957 : " بأنها أقيم قطعة عقار في العالم"، فحاول وهو يواجه عواصف عاتية أن يتوازن  ويوازن ويضع مسافة من الجميع  بحيث لا ينخرط في الصراعات القائمة أو ينجرّ إليها إلاّ دفاعاً عن النفس والحق وعند الضرورة، خصوصاً وهو يعرف موازين القوى، بما لها وما عليها.

     فالأردن يمتلك موقعاً استثنائياً وسطياً وهو ما جعله يواجه تحدّيات استثنائية أيضاً، وهو محاطٌ ﺒ خمس دول، فمن الغرب فلسطين التي تحتلّها "إسرائيل" بؤرة العدوان المستديمة والترسانة العسكرية التي   تغتصب حقوق أهلها وتشرّدهم ، ومن الشرق، العراق الذي ارتبط مع الأردن ﺒ "اتحاد هاشمي" في العام 1958 ، سرعان ما أطاحت به ثورة 14 تموز/ يوليو العام 1958 وانفرطت العلاقة بين البلدين لسنوات غير قليلة ، ومن الجنوب المملكة العربية السعودية التي لا تخلو علاقاتها  من منغّصات مع الأردن، ومن الشمال الجمهورية العربية السورية، ويشترك الأردن مع مصر بحدود مائية في خليج العقبة، ومصر وسوريا كانا ضدّ توجهات الأردن على الرغم من أن الأخير لم يشارك في حلف بغداد الاستعماري العام  1954 - 1955 ، بل نأى بنفسه وتعرّض حينها إلى ضغوط غربية وإقليمية عديدة.

     وإذا تأسست "إسرائيل" في ظلّ تواطؤ دولي واستناداً إلى مزاعم دينية ورواية أقرب إلى الميثولوجيا، فإن المملكة العربية السعودية تحتضن مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة، وهما مكانان مقدّسان للمسلمين، وتأسست في العام 1926 باتحاد نجد والحجاز، واتخذت الدين عنواناً لها. أما العراق وسوريا، فهما منذ قيامهما شهدا حركات راديكالية ثورية وأقيمت فيهما أنظمة قومية شمولية ، ومعهما مصر منذ ثورة 23 يوليو/ تموز العام 1952، وهذه البلدان عملت ما في وسعها لتغيير نظام الحكم في الأردن، في حين استمرّت المملكة الأردنية الهاشميّة تغرّد خارج السرب وسط هذا الخضم من الواحدية والإطلاقية ، فاتجهت صوب الإعتدال والوسطية وبصياغات أقرب إلى الليبرالية أو بعض إرهاصاتها، حسب وصفة نهاية الأربعينيات والخمسينيات.

     وقد حاول الأردن وهو بلدٌ صغير قياساً بجيرانه: السعودية والعراق وسوريا، ناهيك عن مصر، الحفاظ على خصوصيّته وتوجهه الوسطي، وإن بإمكانات محدودة مادياً وبشرياً وجغرافياً، حيث  تبلغ مساحة الأردن 89.213 كيلو متراً مربعاً وعدد نفوسه لم يتجاوز الأربعة ملايين في مطلع الستينيات، ولكن العين ظلّت عليه بين هذه الدول الكبيرة، ناهيك عن أطماع "إسرائيل" المختلفة والمتعدّدة والمتجدّدة.

     وحين يحتفل الأردن اليوم بمئويته، فالاحتفال ليس أردنيّاً فحسب، بل هو احتفال عربي ودولي أيضاً، فقد تمكّن هذا البلد الصغير والفقير قياساً بدول تجلس على بحر من النفط والمحاط بأطماع وتحدّيات كبرى أن يواصل البقاء وأن يحرص على علاقات طيّبة مع الجميع، ويمسك بأوراق غير قليلة في ذروة لعبة الكبار. وكان الأردن من الدول المؤسسة لجامعة الدول العربية في 22 آذار/ مارس 1945، وانضمّ إلى الأمم المتحدة في العام 1955.

 

استثنائيّة التحدّيات

     واجه الأردن تحدّيات وامتحانات عسيرة منذ استقلاله العام 1946 ، منها حرب العام 1948 العربية - "الإسرائيلية"، بعد قيام دولة "إسرائيل" بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 181 لعام 1947 ومحاولة تمدّدها في الأراضي الفلسطينية، وخصوصاً في القدس التي ظلّت الإدارة الأردنية وصيّة عليها، كما واجه مسألة بناء الدولة وتعريب الجيش والعلاقة مع بريطانيا التي تُوّجت بإلغاء المعاهدة معها ، فضلاً عن التجاذبات السياسية في مراحل عديدة من تاريخها، ثم عدوان "إسرائيل" العام 1967 .

      ولعلّ أهمها الموقف من الحرب العراقية -  الإيرانية 1980 - 1988 ، وأخطرها غزو القوات العراقية للكويت العام  1990 ، ثم حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت 1991 والتي قادت إلى تدمير العراق، يضاف إلى ذلك رفض الأردن المشاركة في مفاوضات كامب ديفيد الأولى ( 1978 - 1979  ) بعد زيارة الرئيس المصري محمد أنور السادات إلى القدس في العام 1977 ، واستمرّ الأردن اقتفاءً بإثر نهج الملك حسين في مواجهة العديد من التحديات أهمها: احتلال العراق العام 2003 ، إضافة إلى صفقة القرن التي حاول الرئيس دونالد ترامب الترويج لها، وذلك في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني.

     ومثل هذه التحدّيات الاستثنائية لم تتمكّن دول أكبر وأغنى من الأردن وأكثر سكاناً أن تصمد أمامها، لكن الأردن بحكم قيادة الملك حسين وتوجّهاته الإعتدالية وحنكته السياسية تمكّن من ذلك لميزات شخصية وعامة.

استثنائية الشخصية

 

     تجمّعت في شخص الملك حسين استثناءات عديدة، سواء على المستوى الشخصي أو العام، وهذه الاستثناءات جعلت منه شخصية استثنائية بامتياز، وقد تمكّن بفضل ذلك السير بالأردن في طريق تُجنّبُه المغامرة، وكان مقياسه ذهبياً أحياناً، أي دقيقاً لكلّ خطوة يخطوها، لأن أي خطأ أو عدم تقدير سليم سيكلف الأردن خسائر فادحة بما فيها وجودها، وهو ما فتح أبواباً أمامها  للتنمية والتقدم، ومن ينظر إلى مسيرة الدولة الأردنية ويعرف إمكاناتها الشحيحة والمخاطر التي تحيط بها يدرك حقيقة الدور الاستثنائي الذي لعبه الملك حسين بنجاح واقتدار وأفق مستقبلي.

وتتجلى عناصر استثنائية الملك حسين في:

قدرته الاستثنائية على استنباط الجوهري من الأشياء وعلى الرغم من اهتمامه بالتفاصيل التي قد تقود إلى الجحيم أو الهلاك أحياناً، إلاّ أنه كان ينظر بشمولية إلى المشهد العام وكان حريصاً عليه، مثل حرصه على التدقيق في التفاصيل.

      وبقدر اتساع رؤيته فقد عمل بواقعية استثنائية أيضاً ، معتبراً السياسة  فن الممكن دائماً (صراع واتفاق مصالح) وهي كانت كذلك منذ أرسطو وكتابه "السياسة": تحقيق الخير العام ووصولاً إلى عبد الرحمن بن خلدون، دون طموحات أقرب إلى الأوهام ودون يأس أقرب إلى الاستسلام، فرغم الظروف الصعبة واضطراره لتقديم تنازلات أحياناً، لكنه بقي ماسكاً بالجوهر والمضمون، ولذلك امتاز بأنه صاحب مبادرات ومشاريع باستمرار، فعقله ظلّ شغّالاً ومنفتحاً وحيوياً حتى آخر لحظة من حياته، فضلاً عن نظرته المستقبلية.

 

شخصيته الكاريزمية الاستثنائية، وهي شخصية آسرة، وهو ما يدرس في إطار أدبيات علم الاجتماع السياسي والعلوم السياسية، والمقصود بذلك دور الفرد في التاريخ، أي ما يمكن أن يلعبه القائد أو الزعيم في السياسات العامة وفي الحرب والسلم وفي البناء والهدم والتأثير على الآخر، صديقاً أو خصماً أو عدواً، وهذا يندرج في علم النفس الاجتماعي، وغالباً ما تكون لمثل هذه الشخصيات قدرة في التأثير على الآخر، مثلما لها قدرة على الإقناع، ناهيك عمّا يمنحه من ثقة سرعان ما تنتقل إلى الغير، فتنفتح أمامه فرصاً ونوافذ وحتى بعض المغاليق من خلال صداقة تمتد بجسور من التواصل، فما بالك حين يكون مصحوباً بأدوات حديثة من علم الإدارة ، الذي سيكون نجاح أي خطةٍ مستنداً إليه وإلى الإدارة الحكيمة.

 

تواضعه الاستثنائي، وهو ما يجمع عليه كلّ من قابلوه أو التقوا به أو استمعوا إليه، وقُدّرَ لي، لمرة واحدة، أن ألتقي به وإن كان بحضورٍ عام في لندن (لدى السيّد عبد المجيد الخوئي)، إلاّ أني بقيت أراقبه طيلة فترة وجوده، وكنت أُصغي إلى حديثه وكلماته، فضلاً عن اختيار مفرداته، ومع الأسف ضاعت عليّ فرصة اللقاء المباشر والخاص، حين طلب لقاء بعض الشخصيات العراقية في لندن ، وكنت حينها مسافراً، وحصل أن تجدّدت الفكرة لاحقاً باتصال من اللواء عبدالإله الكردي السفير لاحقاً، لكن ذلك لم يحصل حتى خلال دعوتي إلى الأردن من رئيس مجلس النواب سعد هايل السرور،  بسبب تدهور صحّته الذي حال دون ذلك.

      ومثل هذا التواضع ينطلق من تربيته العائلية، وإضافة إلى حُسن معشره، منذ أن كان  طفلاً مع أقرانه في المدرسة، فلم يشعر يوماً بالتعالي أوالتكبّر عليهم وهو ما يستذكره الأردنيون من الناس البسطاء الذين أحبوه حبّاً جمّاً، بل بكوا بكاءً مرّاً حين رحيله.

      وقد نقلتُ في بحث لي عن الملك حسين بعد عام على رحيله قدّمته إلى "المؤتمر الفكري الدولي" العام 2000 في جامعة معان (الأردن) والموسوم" الملك حسين: الحاكم والإنسان وسؤال التسامح"، ما قالته الصديقة د. ليلى شرف وزيرة الإعلام الأسبق وعضو مجلس الأعيان سابقاً، وهذا الاقتباس يمثّل نموذجاً لعلاقة الحاكم بالمحكوم، ومن هو في قمّة الهرم ﺒمن هو في قاعدته، وذلك نقلاً عن شابة أردنية روت لها بأن أمها خاطبت زائرين (أجانب) عبّروا عن دهشتهم لما شاهدوه من مظاهر الحزن التي تلت وفاة الملك حين قالت لهم : انظروا، لم يسبق لي أن قابلت الملك أو صافحته، كما لم يسبق له أن مرّ شخصيّاً بجوارنا ولم أرَه شخصياً أبداً، إلاّ أنني في كل مساء عندما أعدّ مائدة العشاء، أشعر أن هناك شخصاً غائباً عنّا.

     وتلك الحادثة بالغة الدلالة على النوافذ المفتوحة بين الحاكم والمحكوم، على الرغم من جميع التعقيدات التي أحاطت بها والملابسات التي عرفتها أجواء التوتر السياسي أحياناً وبيروقراطية الدولة ودواوينيّتها وتجاوزاتها أحياناً على حقوق المواطنين وحريّاتهم وهو ما ينبغي أخذه بسياقه التاريخي.

      ولعلّ السيماء الشخصي للملك حسين وروح السخاء والبساطة والمروءة التي امتاز بها هي التي جعلته قريباً من الحس الشعبي. وحسب ليلى شرف، فالأردنيون يشعرون أنهم يعرفونه فرداً فرداً وأنهم يستطيعون اللجوء إليه في أوقات الشدّة. وهو ما سمعته من دولة أحمد عبيدات ودولة طاهر المصري ودولة عدنان بدران ومعالي سمير الحباشنة ومعالي جواد العنّاني وآخرين.

 

تسامحه الاستثنائي الجّم  فقد امتاز بتواضع الكبار، وكلما تسامت النفوس تواضعت، ولم يكن ذلك متكلّفاً أو مصطنعاً، وإنما كان نابغاً من سويّة إنسانية وخلق رفيع ، فالتسامح بالنسبة إليه يقوم على أسس أخلاقية وحضارية وإنسانية، وهو ما  شكّل صورةً للدولة الأردنية وأصبح ملمحاً من ملامحها حتى اقترب من القاعدة الحقوقية، حيث أصبحت حالة عامة، وهو ما يطبع علاقة الحاكم بالإنسان، وحين تجري مقارنة بينه وبين صدام حسين مثلاً أو حسني مبارك أو معمّر القذّافي، ستجد فرقاً شاسعاً بين شخصية الملك حسين المتواضعة وبين هذه الشخصيات المتغطرسة، وهو فرق بين التواضع والتعالي وبين التسامح والتعصّب وبين الشموخ والغرور.

      وقد ذكرت في البحث الذي جرت الإشارة إليه، أنه لم يلتجأ إلى إعدام شخص واحد خلال كل فترة حكمه، على الرغم من العديد من محاولات الانقلاب العسكري التي قامت ضدّه، لكنّه بعد حين يلجأ إلى تخفيف الأحكام من الإعدام إلى المؤبد، ومع مرور الوقت يتم الإفراج عن المحكومين، وفي الغالب، تتم معاملتهم بالحسنى، وبعضهم احتل مناصب رفيعة.

     وقد تطورت نظرته المتسامحة مع نضج تجربته وأصبح التسامح الوسيلة الأكثر ملائمة لتحقيق المثل الإنسانية والقيم العليا، فلم يجلب العنف غير العنف والانتقام غير الانتقام والكراهية غير الكراهية ،ﻓ رذيلتان لا تنتجان فضيلة، و ظلمان لا ينجبان عدلاً  وقد كان حقّاً قريباً من إعلان منظمة اليونسكو الصادر في 16 تشرين الثاني / نوفمبر 1995 "إعلان مبادئ التسامح" ، لأنه أدرك أن نقيض التسامح هو اللّاتسامح ، ونقيض اللّاعنف هو العنف، وهما ينجمان عن التعصّب ووليده التطرّف، وحين يصير الأخير سلوكاً يصبح عنفاً، وإذا ما ضرب العنف عشوائياً فإنه يتحول إلى "إرهاب" و"إرهاب دولي"، حين يكون عابراً للحدود.

     إن إيمانه بمبادئ التسامح جعله أميل إلى الاعتدال والوسطية، وحين يصبح الحاكم  بمثل هذا الفهم والمسؤولية،  فإنه يتطلّع بعدلٍ إلى الدولة وبنائها وترسيخها وحقوق المواطن ومستقبله، بل يحاول معالجة ما ينشأ من ظواهر سلبية وممارسات خاطئة وانتهاكات لحقوق الإنسان، لأنها ستعود بالضرر على الدولة وعليه.

     إن وسطيّته واعتداله جعلت من إيمانه الديني بعيداً عن التعصّب والتطرّف، فقد كان مؤمناً بحب الحياة وفي الوقت نفسه معتقداً باليوم الآخر، وغالباً ما تأتي آيات قرآنية على لسانه، على نحو عفوي وغير متكلّف وهو ما وجدته أيضاً لدى شقيقه سمو الأمير الحسن، الذي يكاد يكون الوجه الآخر للملك حسين، وهو ما أشرت إليه في بحث عن سمو الأمير الحسن الموسوم:" لا يكتمل نصفه إلاّ بالنصف الآخر".

عقلانيته الاستثنائية، وهي نتاج لمراجعة وتفكّر ونقد ذاتي  ورسوخ رؤية، فقد قادته المبادئ التي أعلنها والسياسات التي رسمها وسار على هداها إلى التوازن والعقلانية ،  فالغاية بالنسبة إليه لا تبرّر الوسيلة، لأن الأخيرة ملموسة ومعروفة، في حين أن الغاية بعيدة المدى وغير منظورة، وهكذا تصبح الوسيلة من "شرف الغاية"، ولا غاية شريفة وعادلة دون وسائل شريفة وعادلة، وحسب المهاتما غاندي فإن الوسيلة إلى الغاية هي مثل البذرة إلى الشجرة ترتبط بها عضويّاً ولا يمكن فصلهما.

      وكان الحسين  يقلّب الأمور ولا يحاول أن ينفرد في رأي وإن كان رأيه مختلفاً، وهو ما كانت قراراته خلال الحروب مع "إسرائيل" والتصدي لعدوانها، سواء دخلها مقتنعاً أو اضطّر عليها بفعل الجو العام السائد أو حين حاول تجنّبها، ومثل تلك العلاقة المركّبة والمزدوجة كانت تطبع مواقفه من المقاومة الفلسطينية على الرغم من الموقع الحسّاس الجيوبوليتيكي للأردن كدولة مواجهة ضدّ "إسرائيل" ،  ذلك بحكم أن القدس ضمن الإدارة الأردنية قبل احتلالها العام 1967 (القسم الشرقي) والضّفة الغربية، وحتى فك الارتباط في العام 1988، يضاف إلى انطلاق الثورة الفلسطينية والعمليات الفدائية من الأردن.

      وعلى الرغم من اختلاف التصوّرات والتباين في وجهات النظر وتنازع السلطات، إلاّ أن دور الجيش الأردني في معركة الكرامة 21 آذار/ مارس 1968 كان له صدىً كبيراً في دعم المقاومة الفلسطينية وإعلاء شأنها، وذلك بإلحاق ضربة موجعة ﺒ "إسرائيل" بعد عدوان 5 حزيران/ يونيو العام 1967 . 

     لقد تعامل الأردن مع الفلسطينيين من منظور مختلف، فعلى الرغم من رفضه فكرة التوطين، مثل بقية البلدان العربية، بما فيها من جانب المنظّمات الفلسطينية لأسباب سياسية، إلاّ أنه منح الفلسطينيين الحقوق الأساسية كمواطنين، وهذه الحقوق جزء من الحقوق الإنسانية كالملكية والجنسية والإقامة والسفر، ناهيك عن الحقوق السياسية، وهو ما أخذت به لاحقاً العراق وسوريا. وكان أمام الأردن قرابة مليون لاجئ فلسطيني في حين كان عدد الأردنيين لا يزيد عن 400 ألف أردني، وخلال ثلاث سنوات ارتفع عدد سكان عمّان من 30 ألف ليصل إلى 200 ألف نسمة.

     وتعتبر مخيّمات اللاجئين في الأردن أكبر المخيمات وهي ستة أساسية. وكان الملك حسين يعتقد وهو على حق أن منح الفلسطينيين الحقوق الأساسية لا يتعارض مع حقّهم الثابت وغير القابل للتصرّف بالعودة والتعويض. وعلى الرغم مما حصل من أحداث مؤلمة في أيلول / سبتمبر 1970، راح فيها ضحايا من الفلسطينيين والأردنيين في اقتتال الأخوة ، إلاّ أنه ما إن انتهت الأحداث فإنها لم تترك مجالاً للكراهية أو الحقد أو الانتقام، وعاد الملك حسين والتقى مع  الرئيس ياسر عرفات وفتح صفحة جديدة، حيث كان خطر"إسرائيل" قائماً ومستمراً ، وهو الذي ينبغي أن تصوّب نحوه البنادق.

 ثقافته الاستثنائية الموسوعية، فهو يمتاز بين الزعماء العرب بأفقه الثقافي الواسع، فقد كان أديباً وشاعراً وخطيباً ذرب اللسان بلغة متقنة وحديثة. وكان مجلسه الأدبي والثقافي عامراً جمع فيه نخبة من الشعراء والأدباء، وكان يدخل معهم في حوارات ونقاشات ثقافية، ويتردّد عليه عدد من المثقفين المعروفين منهم: محمد علي الحوماني ونديم الملّاح وفؤاد الخطيب وسعيد البحرة وتيسير ظبيان وعرّار (مصطفى وهبي التل) وحسني زيد الكيلاني وغيرهم الكثير.

     وخلال فترة حكمه انتعشت الحركة الثقافية التي أولاها اهتماماً خاصاً وأسس مجمّع اللغة العربية العام 1976 وكذلك تطوّرت حركة الفنون التشكيلية والمسرحية والسينمائية والموسيقية، كما اهتم بالتنوع الثقافي للمجموعات المختلفة، وأقصد بذلك من المسيحيين والشركس والشيشانيين وغيرهم، الذين شاركوا في بناء الدولة وحماية صرحها على أساس المواطنة، وأصبح منهم رؤساء حكومات ووزراء وفنّانين ورُوّاد في الأدب. كما تأسست في عهده  المنتديات والمراكز الثقافية وتعزّزت مكانتها ، واهتم بالعلوم الآثارية فأسس متحف الآثار الأردني عام 1951 ومتحف البتراء في العام 1963 ، ومتحف الحُلي والأزياء العام 1971 ومتحف الحياة الشعبية العام 1977 ومتحف صرح الشهيد العام 1977 وأُسس لاحقاً في عهد الملك عبد الله الثاني متحف الأردن ومتحف الأطفال .

 رؤيته الاستثنائية الإستشرافية، حيث امتاز الملك حسين بقراءة استشرافية للمستقبل فهو شخصية رؤيوية وضعت المستقبل دائماً في ذهنها وفكرها، وربما ينطبق عليه قول الروائي الروسي مكسيم غوركي عن أحد مفكري وثوريي عصره:"أن نصف عقله يعيش في المستقبل"  ، بل إنه امتلك حاسّة شمّ سياسية واجتماعية ذكية جداً، فكان يقرأ إرهاصات المتغيرات الدولية والإقليمية ويحاول أن يضع خططاً استراتيجية وتجريبية في الآن، أي  قصيرة ومتوسطة المدى لاختبار مدى تساوق ما يجري كونياً وإقليمياً وانعكاساته على الوضع الداخلي، فيتخذ المبادرة السريعة بشجاعة وبُعدَ نظرٍ.

      فعلى سبيل المثال ، أدرك عشيّة انتهاء الحرب الباردة وبداية أشكالٍ جديدة من الصراع الأيديولوجي في نهاية الثمانينيات أن السياسات والوسائل القديمة لم تعد صالحة في ظل صعود موجة احترام الحقوق والحريات وارتفاع رصيد الدعوات الديمقراطية والإقرار بالتنوع والتعددية، فبادر بجرأة قبل العديد من دول المنطقة لتهيئة البنية التحتية لعملية التحوّل التدرّجي، فأقدم في العام 1989 على تحديث التشريعات لتكريس التعددية السياسية وبعض المبادئ الخاصة بحقوق الإنسان والديمقراطية، وتفعيل قانون الأحزاب السياسية الذي شُرّع منذ العام 1955 ، حيث أجريت أول إنتخابات برلمانية بعد أن تعطلت بسبب الأوضاع الاستثنائية إثر عدوان العام 1967. وهكذا حصل الانفتاح الأردني الداخلي مبكّراً حتى قبل أن تهب موجة التغيير على الشرق الأوسط.

     وكان تقرّر فكّ الارتباط القانوني والإداري بالضفة الغربية الذي اتخذه الملك حسين في العام 1988 استجابة لمؤتمر قمّة الرباط العام 1974، والذي اعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف.) كممثل وحيد وشرعي عن الشعب العربي الفلسطيني، وهو ما أتاح له التفرغ للداخل واستئناف مسيرة إنفتاحية جديدة في العام 1989 وتوسيع دائرة المشاركة لتشمل المرأة مرشحّة وناخبة.

      مثلما انصرف لتوسيع دائرة التعليم الإلزامي والمجّاني في الصفوف العشرة الأولى، لأنه أدرك أن إحداث النهضة الحقيقية والتنمية المستدامة لا بدّ أن تقوم على التعليم، خصوصاً بنقل المجتمع الأردني من مجتمع شبه أمّي متخلّف إلى مجتمع متعلّم يتطلّع إلى الحداثة والمدنية. وشملت النهضة قطاع الصحة والخدمات والبنية التحتية والعمران والنقل والزراعة والسياحة والصناعة والتجارة والطرق والجسور والمواصلات والإهتمام بالثقافة والرعاية الشبابية والرياضة.

قدرته الاستثنائية في عقد تحالفات ومدّ جسور وقنوات اتصال، دون نسيان  الإمساك بالحلقة المركزية بيد الدولة، فقد عمل بكل سعي لعقد اتفاقات وتحالفات عسكرية ومدنية وعشائرية في الحضر والبادية  تحت لواء الدولة وقيادتها، وحاول ذلك عبر فلسفة تقوم على إخضاع كلّ المرجعيات للدولة وقوانينها الموحدّة لإحداث التغيير المنشود. وأتاح له ذلك الانفتاح دعم قوى اجتماعية مختلفة لتعزيز مكانة الدولة وتمثيلها، خصوصاً وأنه محاط بدول إيديولوجية شمولية دينية أو قومية، الأمر الذي دفع الأردن للبحث عن حلول للمشاكل القائمة بوسائل سلمية وبإيقاع دبلوماسية نشطة وبنّاءة ومدّ أواصر التواصل مع الآخر وتجنب القطيعة.

     لقد أدرك الملك حسين أن شرعية أي نظام سياسي تقوم على رضا الناس وتحقيق منجزات لمصلحتها، أمّا المشروعية فتقوم على الالتزام ﺒ حكم القانون، وإذا ما سارت الشرعية السياسية بموازاة المشروعية القانونية، فإن ذلك يعني أن الدولة سلكت الطريق الصحيحة على الرغم من وعورتها أحياناً وكثرة منعرجاتها وتقلّبات المناخ السياسي وعواصفه.

   

قدرته الاستثنائية على تدوير الزوايا وسعيه المستمر  لتنقية الأجواء العربية، خصوصاً في فترة الأزمات وتعقّد المشكلات وتعاظم التوترات، فيبادر حين تتلبّد السماء بالغيوم ويسعى لانكشاحها ليرى الجميع شمس الواقع وما خلفها، وذلك بوضع الخلافات جانباً وتهيئة الأجواء لقبول اللقاء والحوار ومن ثم الجلوس إلى طاولة مفاوضات أو عقد اجتماعات ثنائية أو جماعية، معلنة أو سرّية وصولاً إلى توافقات واتفاقات ومصالحات 

كلّما اقتضت الضرورة ذلك.

     فعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد ترك خلافاته مع قيادة الرئيس جمال عبد الناصر جانباً وتوجّه إليه عشية عدوان 5 حزيران/ يونيو 1967 ليطلب منه توقيع معاهدة للدفاع المشترك شبيهة بالمعاهدة المصرية - السورية ، بل هي استنساخ لها، وطلب منه إرسال الجنرال عبد المنعم رياض معه إلى الأردن ليكون مسؤولاً عن القوات الأردنية والقوات العربية المتوقّع قدومها من العراق والسعودية، ووافق على المصالحة مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية أحمد الشقيري بطلب من عبد الناصر ، بل قام باصطحابه معه في الطائرة إلى عمان مع عبد المنعم رياض، وذلك لتأكيد صدقيه توجّهه.

     وعلى الرغم من معلوماته وتقديراته المختلفة عن معلومات القيادة المصرية، إلاّ أنه كان حريصاً على وحدة الصف العربي مثلما هو حريص على تأكيد صدقيته، وهو ما أكدّه محمد حسنين هيكل ، بتنبيهه للفخ الذي أريد للعرب أن يقعوا فيه، وهو ما كان لديه من معلومات مسبقة.

     وحاول خلال حرب الخليج الثانية أي بعد غزو القوات العراقية للكويت في 2 آب/ أغسطس 1990 ، الحيلولة دون الحل العسكري لأنه أدرك أن التدمير سيمتد إلى عموم دول المنطقة، فحاول الضغط على الجانب العراقي للإنسحاب من الكويت ، ونزع فتيل الحرب ، إلاّ أن التعنت والرؤوس الحامية والمخطّطات الهادفة إلى الإستلاء على المنطقة كانت هي الأقوى والأسرع، وحصل ما حصل . وظلّ حريصاً على التخفيف من عبء الحصار الدولي الجائر على العراق وشعبه .

 

إنسانيته الاستثنائية، فقد تمتّع الحسين بسعة صدر وقدرة كبيرة جداً على التحمل ، وبعيداً عن السياسة فقد كان رحيماً " والرحمة فوق القانون" كما يُقال و رؤوفاً وعطوفاً ، بل عاطفيّاً تترقرق عيناه بالدموع إزاء بعض المشاهد الإنسانية. وحسب نيتشه: "ما قيمة فضيلتي إن لم تجعل منّي إنساناً عاطفياً"

      وعلى الرغم من إحساسه بالغدر في الكثير من الأحيان، إلاّ أنه تعامل ببعد نظر إنساني مع خصومه وأعدائه ، وحسبي هنا أن أذكر بعض الحوادث ذات الدلالة، منها حادثة الجنرال علي أبو نوار رئيس الأركان العامة الذي كان على رأس حركة استهدفت النظام بالكامل في العام 1957 ، واضطّرّ بعدها للعيش في المنفى حين سمح له الملك بالمغادرة وهو يعرف أنه سيتحوّل إلى" خصم لدود" كما يذكر الملك الحسين في كتابه:" مهنتي كملك: أحاديث ملكية" ، إلاّ أنه عفا عنه وعاد إلى الأردن  في العام1965 ،ثم عينه سفيراً في باريس العام 1971 ، وعضواً في مجلس الأعيان في العام 1989 .

 ونستعيد  أيضاً ما حصل مع الجنرال نذير رشيد الذي شارك أيضاً في المحاولة الإنقلابية ضدّ الملك حسين في نيسان/ أبريل 1957 ، وهرب على إثرها إلى سوريا، ثم صدر العفو الملكي عنه وبقية المعارضين العام 1965 ، وعاد إلى الخدمة وعيّنه الملك مديراً للمخابرات العامة العام 1970 ، ثم سفيراً وعضواً في مجلس الأعيان، وأصبح وزيراً للداخلية في حكومة عبد السلام المجالي(أبريل/ نيسان 1997 ) .

 

  وأستعيد ما حصل مع الصديق ليث شبيلات  كما نقله لي، فبعد أن قضى سبعة أشهر في السجن بعد الحكم عليه 3 سنوات بتهمة "تشويه سمعة الملك" قابلته والدته طالبة إطلاق سراحه " عشيّة يوم العيد" ، فقال لها "أبشري الليلة ينام لديك في البيت"، وذهب الملك حسين بنفسه إليه في السجن واصطحبه معه بسيارته وطاف به في  شوارع عمّان ليوصله إلى البيت وفاءً  لوعده .

     وفي الختام أقول أن هذه الإنسانية  المرهفة والحساسية الأخلاقية الفائضة ، إضافة إلى السجايا الشخصية والقيادية الاستثنائية هي التي وفّرت " الإجماع  الاستثنائي" على شخصه، فحتى المعارضة لبعض الإجراءات والتوجّهات كانت تعتبره ملكاً للجميع، وتلك إحدى امتيازات الأردن. وهكذا كان رحيله صدمة وخسارة حقيقية لكل أردني وربما لكل عربي منصف، اختلف أو اتفق معه، وهو ما نستعيده اليوم بمناسبة مئوية ميلاد الدولة الأردنية.

 

* أكاديمي ومفكر عربي (من العراق) – له أكثر من 70 كتاباً ومؤلفاً في قضايا الفكر والقانون والسياسة الدولية والأديان والثقافة والأدب والمجتمع المدني. نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان في العالم العربي  (أونور)، بيروت. وحائز على جائزة أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي، القاهرة، 2003.

 

نشرت في جريدة الدستور (الأردنية) الخميس في 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2021

 

صورة الأردن

عبد الحسين شعبان

 

     كانت صورة الأردن حاضرة بقوّة وإشراق  في مؤتمر نظّمته الجامعة الهاشمية بالزرقاء وبالتعاون مع وزارة الثقافة ، وبرعاية سامية، والتأم  بمناسبة مئوية الدولة الأردنية، حيث استعاد المشاركون وهم من 23 بلداً وفي نحو 60 بحثاً ودراسة تلك المناسبة، بمراجعة نموذج  التجربة الأردنية  ارتباطاً بأجواء الأمل والتفاؤل، على الرغم من التحدّيات الاستثنائية التي عاشها الأردن، وكذلك وضعه الاستثنائي الجغرافي والتاريخي، بما فيه من عناد وظلم.

     وكان الملك حسين تسلّم عرش المملكة لنحو 46 عاماً، وترك بصمته الواضحة على مسارها وتوجّهها على خلفية الثورة العربية الكبرى التي قادها الشريف الحسين بن علي للتحرّر والانعتاق من الهيمنة العثمانية، حيث كان الأمير عبد الله الأول قد أعلن عن تأسيس "إمارة الشرق العربي" ، ثم سُمّيت "إمارة شرق الأردن" التي نالت استقلالها في 25 أيار/ مايو 1946 وأصبح ملكاً على "المملكة الأردنية الهاشمية"، لكن اغتياله في العام 1951 في القدس وهو على درجات المسجد الأقصى، ترك أثراً عميقاً لدى الفتى الذي سيتولّى عرش المملكة بعد سنتين من إطلاق النار على جدّه، ومثل هذا الأثر لازمه حتى آخر يوم في حياته. واتّسم بتوجّهين أساسيين:

أولهما – نبذ العنف بجميع أشكاله ومبرّراته وحججه وتداعياته ؛ وثانيهما – رسوخ صورة القدس في وجدانه كجزء من استراتيجيته. وإلى اليوم فإن الأردن ما تزال وصيّة على الأماكن المقدّسة في القدس.

 

      وإذا كان الملك طلال صاغ دستور المملكة، فإن الملك حسين هو بانيها منذ أن تسلّم سلطاته الدستورية كاملة بعد أن أتمّ الثامنة عشر من عمره وفق التقويم الهجري  في 2 أيار/ مايو   1953 . وحدّد خطاب العرش المبادئ الأساسية التي تسير عليها المملكة والتي ستصبح بمثابة "بلاتفورم" لها مكمّلة ومتمّمة دستورها ومواثيقها. وهي: النظام رائدنا والتعاون مطلبنا والاتحاد في الصفوف رمزنا والعمل شعارنا وبناء وطن محكم الدعائم راسخ الأركان هدفنا ومساواة جميع المواطنين مبدؤنا.

     يمتلك الأردن موقعاً استثنائياً وسطياً وهو ما جعله يواجه تحدّيات استثنائية أيضاً، فهو محاطٌ ﺒخمسة دول، فمن الغرب فلسطين التي تحتلّها "إسرائيل" بؤرة العدوان المستديمة والترسانة العسكرية التي   تغتصب حقوق أهلها وتشرّدهم ، ومن الجنوب المملكة العربية السعودية، ومن الشرق العراق ، ومن الشمال سورية، ويشترك الأردن مع مصر بحدود مائية في خليج العقبة. وشهدت مصر وسوريا والعراق انقلابات عسكرية عديدة وأنظمة قومية  راديكالية شمولية، في حين استمرّت المملكة الأردنية الهاشميّة تغرّد خارج السرب وسط العواصف الآيديولوجية  الواحدية والإطلاقية ، مختارةً طريق الاعتدال والتطوّر التدرّجي  وبتوجّه  أقرب إلى الليبرالية أو بعض إرهاصاتها، حسب وصفة نهاية الأربعينيات والخمسينيات.

     واجه الأردن تحدّيات وامتحانات عسيرة منذ استقلاله العام 1946 ، منها حرب العام 1948 العربية - "الإسرائيلية"، ، كما واجه مسألة بناء الدولة وتعريب الجيش والعلاقة مع بريطانيا وإلغاء المعاهدة معها ، فضلاً عن التجاذبات السياسية في مراحل عديدة من تاريخه، وخصوصاً في نهاية الخمسينيات ، ثم عدوان "إسرائيل" العام 1967 ، إضافة إلى الموقف من الحرب العراقية -  الإيرانية ، وغزو القوات العراقية للكويت ، ثم حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت والحصار الدولي على العراق واحتلاله فيما بعد وصولاً إلى صفقة القرن في عهد الرئيس دونالد ترامب ، وذلك في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني. ومثل هذه التحدّيات الاستثنائية لم تتمكّن دول أكبر وأغنى من الأردن وأكثر سكاناً أن تصمد أمامها، لكن الأردن بحكم بُعدِ نظر  قيادته وحنكته السياسية تمكّن من مواجهتها، وإن بصعوبات بالغة.

    لقد تمكّن الملك حسين وهو الاستثناء في الاستثناء أن يرسم طريقاً سالكاً للأردن على الرغم من وعورة الأوضاع وقسوة الظروف ووجود أكثر من مليون لاجئ فلسطيني عاملهم الاردن معاملة الأخوة بالحقوق والواجبات، وبفضل ذلك تمكّن من  تجنّب طريق المغامرة وردود الأفعال ، وهو ما فتح أبواباً أمامه  للتنمية والتقدم.

      ومن ينظر إلى مسيرة  الأردن ويعرف إمكاناته الشحيحة والمخاطر التي تحيط به يدرك حقيقة الدور الاستثنائي الذي لعبه الملك حسين باني المملكة، وما فتحه من أفق مستقبلي بالرغم من تعقيدات الوضع العربي والإقليمي وتجاذبات القضية الفلسطينية ومحاولات "إسرائيل" التوسعيّة وعدوانها المستمّر .  

     وتتجلّى استثنائية الملك حسين من خلال قدرته على استنباط الجوهري من الأشياء . وبقدر اتساع رؤيته فقد عمل بواقعية استثنائية أيضاً، وامتاز ﺑشخصيةٍ كاريزمية  وتواضعٍ جم وتسامحٍ متفرّد، فخلال فترة حكمه التي قاربت نصف عمر المملكة الأردنية الهاشمية ، لم ينفّذ حكم إعدام بأي سياسي معارض، وهو أوردته في بحث بُعيدَ رحيله والموسوم" الملك حسين: الحاكم والإنسان وسؤال التسامح".

        كما تمتّع الملك حسين ﺑثقافةٍ  موسوعية ورؤية إستشرافية عقلانية وقدرة على عقد تحالفات وتدوير زوايا، إضافة إلى إنسانية واسعة ، فكان رؤوفاً وعطوفاً ، وحسب نيتشه: "ما قيمة فضيلتي إن لم تجعل منّي إنساناً عاطفياً".

 

 

صاحب الحكيم

وسوسيولوجية الشيوعية في النجف

 

عبد الحسين شعبان

 

ما أخطأتك النائبات / إذا أصابت من تحب

                                                                                                         الشريف الرضي

 

     لا تُذكر الشيوعية في النجف إلاّ وهي مقترنة بثلاثة أسماءٍ كبيرة، أولها–سلام عادل (حسين أحمد الرضي) الأمين العام للحزب الشيوعي، الذي استشهد تحت التعذيب في العام 1963 على يد إنقلابيي 8 شباط/ فبراير، وثانيها- حسين محمد الشبيبي (صارم)عضو المكتب السياسي، الذي أعدم في العام1949 مع يوسف سلمان (فهد)أمين عام الحزب الذي يعتبر أحد أبرز مؤسسيه والمساهم الأكبر في بنائه، ومحمد زكي بسيم   (حازم)عضو المكتب السياسي، وثالثها - صاحب جليل الحكيم (جهاد)، والثلاثة ينتسبون إلى عوائل دينية، فوالد سلام عادل درس في الحوزة الدينية، ووالد حسين الشبيبي الشيخ محمد الشبيبي كان قارئاً للمنبر الحسيني وكان منبره تحريضياً تعبوياً عامراً، أما الحكيم فوالده السيد جليل وشقيقه السيد سلمان وعدد غير قليل من آل الحكيم من سدنة الروضة الحيدرية للإمام علي أيضاً.

      وعلى هذا المنوال المتنوع بين الإنحدارات الدينية والتوجّهات المدنية كان المجتمع النجفي يمورُ بالجدل والنقاش و الإختلاف بين ما هو ديني وما هو دنيوي، وكانت قد انبعثت الروح التجديدية في الحوزة الدينية منذ أن جاءها الإمام الطوسي ملتجئاً في العام 448 هجرية وتوفي فيها في العام 660 هجرية.

     وظلت النجف منذ نحو 1000 عام قبلة للعلوم الدينية ومرجعية مرشدةً للدارسين من شتّى الأقطار العربية والإسلامية، مثلما كان وجهها الآخر مشرقاً بالثقافة والأدب والشعر بخاصة. وعلى مرّ العهود كانت الكبرياء تسكنها، فهي مدينة عصيّة على الترويض، ولعلّها  تآخت مع التمرد، ولم تستكن في كل الظروف والأحوال، بالرغم من محاولات تطويعها في السابق والحاضر.

    وعلى الرغم من أجوائها المحافظة ، إلاّ أن هاجس الإصلاح والتجديد كانا على الدوام في رفقةٍ مع نخبها الفكرية والثقافية المتنوعة.فالنجف بتناقضاتها وجوار أضدادها وروح الجدل التي تحوم حولها تمثّل "الفكر المنفتح في المجتمع المنغلق"،حسب السيد مصطفى جمال الدين كما ورد في كتابه " الديوان" 1995، فباحاتها وجوامعها ومساجدها ومدارسها تضجّ بالدارسين والمنشغلين بالعلوم الدينية واللغة والنحو والفقه والعبادة. حيث مرقد الإمام علي الذي يعتبر مزاراً لعموم المسلمين.وقد خرّجت النجف أعداداً كبيرة من " علماء " الدين من البلدان العربية والإسلامية وأوفدت إليها "علماء" دين يمثلون مراجع " كبار" في النجف.

     والنجف مدينة مفتوحة للوافدين والزائرين وهي تقع على طرف الصحراء بالقرب من نهر الفرات المار بالكوفة وهي ملتقى الأطراف المحيطة بها من حضرٍ وبدوٍ ومللٍ ونِحلٍ وفيها أكبر مقبرة في العالم تسمى "مقبرة وادي السلام" وهي رابع المدن الإسلامية بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف وهي دار هجرة الأنبياء ومواطئ الأولياء، فقد نزل فيها النبي ابراهيم الخليل ودفن فيها النبي هود والنبي صالح وفيها انتعشت مدرسة الكوفة التي أبقت باب الإجتهاد الفقهي واللغوي مفتوحاً.

      ولعل ذلك أوجد مناخاً متميزاً وأفقاً رحباً في النجف كرّسته بقبول تنوّع التيارات الفكرية والإجتماعية. فلا غرابة أن تكون النجف قد خرّجت شيوعيين كباراً أيضاً، عراقيين بالطبع وعلى المستوى العربي أيضاً من أمثال المفكر حسين مروّة الذي تمّ إغتياله في العام 1987 في بيروت والمناضل محمد شرارة والد الأكاديمية والروائية حياة شرارة والكاتبة بلقيس شرارة، وغيرهم.

     وبقدر ما تكون بيئة النجف عراقيةً وعربية أصيلة فإنها كانت مفتوحة لتلاقح الثقافات وتعاشق الأعراق وتآلف اللغات والألسن، دون أن يعني ذلك إخلالاً أو إنتقاصاً من عروبتها وقيمها الحضارية وأبعادها الإنسانية، حيث كانت اللغة العربية لغة الدراسة التي لا يمكن التقدم والتدرج في العلوم الدينية والدراسة الحوزوية دون الإلمام بها وإتقانها.

 

شريط سينمائي

     مرّ شريط سينمائي برأسي وهو أقرب إلى إسترجاعاتٍ و استعاداتٍ، وأنا في آخر زيارة لصديق العمر صاحب الحكيم ( مطلع أيلول /سبتمبر 2021 ) في منزل نجله باسم في بغداد، حيث قفزت إلى الذاكرة أسماء أخرى رنّانة من شيوعيّ النجف، وكان في المقدمة منهم حسين سلطان القيادي والوجه الإجتماعي المحبوب،وحسن عوينة ( الذي استشهد تحت التعذيب بعد انقلاب 8 شباط/ فبراير 1963)،وباقر ابراهيم الموسوي (أبو خولة) الذي قاد التنظيم الحزبي لنحو ربع قرن 1961-1984 قبل تنحيته،ومحمد موسى "حديد" ( الذي استشهد أيضاً تحت التعذيب في العام 1963 ) والدكتور خليل جميل الجواد، صديق العائلة وزميل الدكتورة نزيهة الدليمي والتي كانت قد اختفت بمنزله في النجف في الخمسينيات كما أخبرتني،ومحمد حسن مبارك المرشح للجنة المركزية، والذي عاش في عزلةٍ لأكثر من 10 سنوات توفي بعدها في ظروف غامضة وملتبسة بعد الإنتفاضة الشعبية في العام ،1991 ورضا عبد ننه ( أبو جبّار) الذي توثّقت علاقتي معه بعد إنتقاله إلى حزب القيادة المركزية إثر انشطار الحزب الشيوعي في العام 1967 ودخلت معه في نقاشات مطوّلة ، وآخرين ممن عرفتهم في مرحلة الفتوة الأولى، وتأثرت بالعديد منهم، خصوصاً لسجاياهم الأخلاقية وشجاعتهم، وأولهم صاحب الحكيم .

 

لقاء الوداع

 

    كان اللقاء الأخير وداعياً، هكذا شعرت وأنا الذي يكره الوداع، فقد كنت أغيب عن أصدقائي وأحبائي حين أشعر بدنوّ منيّتهم، لأنني أريد أن أُبقي في ذاكرتي صورتهم وهم في عزّ قوّتهم، إلاّ أن اللقاء الأخير كان مفروضاً عليّ وحاولت أن أتهرّب منه، وكان صاحب الحكيم قد عرف بزيارتي إلى بغداد وهاتفني مستنجداً، فكيف لي أن أزوغ عن هذا الواجب الإنساني والأخلاقي وأنا الذي عرفته منذ أن أدركتني لوثة السياسة بأحلامها الكثيرة وهمومها الكبيرة، بحلوها ومرّها كما يقال، فقد عشنا منعرجاتها وتقلّباتها وتشعّباتها وتذرّراتها وإحباطاتها، فأين كنّا وأين أصبحنا؟

    بعد زيارة لما يقارب الساعة ودّعته مع كلمات مجاملة غصّت في فمي باللقاء قريباً، وهممت بالمغادرة. حين وصلت باب المنزل عدت لألقي عليه نظرة الوداع. صعدت السيارة بجوار ولده باسم وكنت أشعر بحشرجةٍ داخليةٍ أخذتني إلى عالم آخر أقرب إلى الخيال أو التوهّم، حيث بدأت الذكريات تتقافز في رأسي وتمطرني بزخّاتٍ من الأسئلة. كيف لك أن تودّع صديقاً مثل صاحب الحكيم؟ وكيف طاوعك قلبك وراودتك نفسك لدرجة إنفجرت تلك العواطف الإنسانية بشيء أقرب إلى النحيب، "فما قيمة فضيلتي إن لم تجعل منّي إنساناً عاطفيّاً؟"على حدّ تعبير الفيلسوف نيتشة.

      لا أدري بمَ تمتمتُ وأنا أهّمّ مسرعاً نحو مدخل فندق بابل. لحظتها استعدت بيت شعرٍ للصديق السيّد حسين هادي الصدر، والذي بقيت أردّده يومياً طيلة الأسابيع الثلاثة المنصرمة حتى جاءني خبر وفاته الذي نزل عليّ كالصاعقة (25 أيلول/سبتمبر 2021) ، وهو الذي يقول فيه :

سيف المنايا مرهفُ الحدّ  /  يُردي ولا نقوى على الرّدِّ

وفي اللّاوعي كنت أقرأ الفاتحة على روحه صباحاً ومساءً،  مستعيداً الجواهري الكبير في قصيدته المهداة إلى صلاح خالص- أأخي أبا سعد:

فالمرء مرتطمٌ بحفرته / من قبل أن يهوى فيرتكسا

أو كما يقول في قصيدته المهداة إلى الدكتورة نجاح العطار وزيرة الثقافة السورية السابقة وهي بعنوان أسيدتي نجاح :

يظلّ المرء مهما أخطأته / يدُ الأيام طوع يد المصيبُ

أو بيت الشعر المشهور من قصيدته الإستذكارية للشاعر الرصافي 1959:

ذئبٌ ترصّدني وفوق نيوبه / دمُ إخوتي وأحبتي وصحابي

هكذا هي الحكمة الأبدية "فالموت يدرك كلّ ذي رمقٍ" وهو ما ورد في القرآن الكريم حيث تقول سورة الرحمن – الآيتان 26 و 27 " كلّ من عليها فان. ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام".

 

 

"أبو زمن" و الوعي الأوّل

 

     بُعيد ثورة 14 تمّوز / يوليو 1958 وفي بدايات تكّون وعيي الأول بحكم إنتماء العائلة اليساري، وفي غُمرة الإبتهاج بالتغيير إلتقيت بصاحب الحكيم، الذي كان يُكنّى بأبو زمن وذلك بعد الإعلان عن تأسيس لجنة تحضيرية لإتحاد الطلبة العراقي العام وكان هو على رأسها، حيث أُعيد إلى الدراسة بعد أن فُصل منها لخمسة أعوام ( طالباً في الصف الثالث المتوسط – المسائي). واختارت اللجنة مقرّا علنيا لها في إحدى المقاهي في شارع نادي الموظفين بين متوسطة الخورنق وإعدادية النجف. وبعد الإنتخابات التي كانت حامية الوطيس أصبح الحكيم رئيساً للإتحاد ومثّله في المؤتمر العام الأول ( بعد المؤتمر التأسيسي الذي انعقد في ساحة السباع في 14 نيسان / إبريل 1948). وتغير إسم الإتحاد إلى " إتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية".

    كان الحكيم (أبو زمن) عضواً في الوقت نفسه في مكتب اللجنة المحلية للحزب الشيوعي التي يقودها محمد حسن مبارك ، وفي نهاية العام 1959 ومطلع العام 1960 أصبح سكرتيراً للجنة المحلية وعضواً في لجنة منطقة الفرات الأوسط .

    في فترة الخمسينيات كان يتردّد على بيتنا هو وبعض المسؤولين الحزبيين لإداء عدد من  المهمات الحزبية حيث كان  مشرفاً على اللجنة الطلابية التي ضمّت محمد موسى ( مسؤولاً) ورحيم الحبّوبي وشوقي شعبان وعبد الزهرة الحلو وكان معهم قبل ذلك عبد الرضا فيّاض الذي حكم عليه لمدّة عام وعام آخر تحت المراقبة إثر إنتفاضة العام 1956 انتصاراً للشقيقة مصر وضد العدوان الثلاثي الإنكلو- فرنسي الإسرائيلي.

     وعاش شيوعيو النجف بكل جوارحهم  حالة إنشقاق ( راية الشغّيلة)بكل تفاصيلها،حيث انشطر الحزب الشيوعي إلى جناحين( القاعدة و راية الشغيلة) وقد توالى على مسؤولية اللجنة المحلية التي تضمّ النجف وكربلاء حمزة سلمان الجبوري الذي استشهد عام 1963، وكان قد اعتُقل لإتهامه بأحداث الموصل إثر حركة العقيد عبد الوهّاب الشوّاف (آذار / مارس 1959)، وأُعدم بعد إنقلاب 8 شباط / فبراير. وقد استلم مسؤولية اللجنة المحلية بعده صالح الحيدري وهو من عائلة كردية معروفة وشقيق الشهيد جمال الحيدري الذي استشهد تحت التعذيب في تموز/ يوليو 1963، وكان حسين سلطان من الذين تولوا مسؤولية اللجنة المحلية لأكثر من مرة، وبعد تحقق وحدة الحزب لم يستطع سلطان إستيعاب التغيير المفاجئ، خصوصاً ما كان من خصومة وعداء واتهامات وتراشق بين الفريقين المتصارعين التي تحولت بين ليلة وضحاها إلى مودة ورفقة وتضامن ومبدئيةٍ ، فاعتذر عن المسؤولية وسلّم قيادة اللجنة المحلية إلى صاحب الحكيم لفترة مؤقتة شهدت إزدهاراً ونمواً واتساعاً للحركة الشيوعية .

 

أبو بشائر وأسماء أخرى

 

     أخذنا نسمّي صاحب الحكيم "أبو بشائر" بعد ولادة إبنته البكر بشائر( المهندسة حالياً )، وبعد زواجه من الشيوعية فهيمة عمران الدجيلي العضوة في رابطة المرأة والتي اعتقلت في العام 1963، وكان إسم أبو بشائر يتغيّر باستمرار إلاّ للخاصّة والأصدقاء المقربين، فحين عمل في منطقة بغداد كان إسمه "أبو محمد" وفي سوريا أطلق على نفسه "أبو سعدون" وحين إلتقيته في طهران وأنا عائد من مجزرة بشتاشان أبلغني أن إسمه "أبوهادي"، وهكذا، وعلى الرغم من أنه عمل في قطاعات تنظيمية مختلفة فتارة مسؤولاً للمثقفين وأخرى مسؤولاً عن محليّة الكاظمية ومنظماتٍ أخرى،إلاّ أنه ظلّ يتابع أوضاع الطلبة وحركتهم وكانوا أحد مشاغله أيضاً ، و بقي على هذه الحال لسنوات غير قليلة، ولاسيّما بعد خروجه من السجن وانتقالنا إلى بغداد، وحاول الإتصال بعدد من الطلبة الذين يعرفهم في الجامعات،  وخصوصاً بعد الإنشقاق الذي حصل في الحزب العام 1967 ، فانتدبته إدارة الحزب للمشاركة في تعزيز التنظيمات الطلابية والإشراف على هذا القطاع المهم الذي كان في غالبيته الساحقة مع مجموعة القيادة المركزية بإدارة عزيز الحاج، وهكذا ساهم مع كوكبة لامعة لإعادة بناء إتحاد الطلبة والتنظيمات الحزبية.

     وحتى خلال فترة إدارته للتنظيم في دمشق، طلب منّي الإشراف على عقد كونفرنس طلاّبي لإختيار قيادة لجمعية الطلبة العراقيين في سوريا، وذلك بحكم تجربتي الطويلة في هذا الميدان. وقد اصطحبت معي الشاعر سعدي يوسف الذي خاطب الجمع الطلاّبي إنطلاقاً من تجاربه المهنية والفكرية، واختارت الجمعية قيس حسن الصرّاف رئيساً لها.

 

أوّل سجن

إثر إنتفاضة العام 1956، كان الحكيم قد اعتقل عدّة مرات في الخمسينيات، لكنه سُجن لأول مرّة لمدّة عام حيث اعتقل في بغداد، وبعد الحكم عليه نقل إلى سجن بعقوبة، والتقى لأول مرّة بالرفيق عزيز محمد في السجن والذي سيصبح أميناً عاماً في العام 1964 ويستمر في موقعه ل 29 عاماً، وحين أُطلق سراحه نُسّب للعمل لقيادة منظمة الشامية ومنها إلى الحلّة (لم يستمر فيها) وعاد لقيادة محليتها في العام 1962 ، حيث اعتقل فيها، وحكم عليه لمدّة سنتين تنقّل خلالها في سجون عديدة منها سجن بغداد المركزي وسجن الحلّة وسجن نقرة السلمان وسجن الرمادي حيث شكّل لجنة لقيادة السجن ضمّت يوسف حمدان وكمال شاكر وزهير الدجيلي.

     وبعد لقاءات مستمرة أغلبها عامة وبعضها خاصة إلتقيته آخر مرّة  قبل إنتقاله إلى قيادة محليّة الحلّة وذلك خلال زيارة سريعة لشقيقه سلمان الحكيم، وبعدها انقطعت أخباره بالنسبة لي بتردّي الأوضاع السياسية واتجاه الزعيم عبد الكريم قاسم للإنفراد بالحكم وإتّباعه أساليب دكتاتوريّة وقمعيّة، ثمّ إلتقينا في المعتقل بعد 8 شباط (فبراير) 1963  لتتوطّد علاقتنا وتبدأ صداقة حميمة بيننا لم يفرّقها سوى الموت.

 

 

عائلة الحكيم

 

     بودّي أن أتوقف هنا للحديث عن عائلة الحكيم، فشقيقه الأكبر السيّد سلمان من الشيوعيين الأوائل البارزين في النجف  وقد اعتقل عدّة مرّات ومثله الشيخ وهاب شعبان وهما من سدنة الروضة الحيدرية للإمام علي، وكلاهما نالا قسطاً وافراً من التعذيب والتنكيل. وكانت المرحلة الأولى للحركة الشيوعية النجفية قد بدأت إرهاصاتها في مطلع الأربعينيات، ويدون كتاب الصديق محمد الشبيبي عن والده الموسوم "الرائد علي محمد الشبيبي - ذكريات التنوير والمكابدة" محطات التأسيس الأولى.

     أما شقيقه الثاني، فهو السيّد ناجي فقد سجن بعد 8 شباط/ فبراير1963، وبعد إطلاق سراحه عمل في لجنة محلية الكرخ لغاية العام 1970 وقد اعتُقل في قصر النهاية. وأخته العلوية زهوري هي زوجة الرفيق حسن عوينة الذي استشهد في العام1963، وكان حينها عضواً في لجنة الإرتباط لتنظيمات الحزب مع الألوية (المحافظات) والمكاتب في إطار"لجنة التنظيم والرقابة المركزية "(لترم)،ووالدته العلوية زكيّة عملت كمراسلة لأكثر من مرّة بتكليف من الحزب الشيوعي. ففي كامل مرحلة الخمسينيات كانت تزور السجون العراقية للقاء المعتقلين من أبنائها، فما أن يخرج واحد حتى يدخل آخر وهكذا. وكانت والدته وشقيقتاه عضوات في رابطة المرأة العراقية بعد ثورة 1958.

      أما والده فعلى الرغم من كونه يعمل مرشداً  في حضرة الإمام علي، إلا أنه كان متعاطفاً مع اليسار مثله مثل العديد من سدنة الروضة الحيدرية من آل الحكيم وآل الرفيعي وآل الخرسان وآل شعبان وغيرهم، إضافة إلى عوائل دينية معروفة مثل آل الشبيبي وآل سميسم وآل الجواهري وآل بحر العلوم وآل الدجيلي وآخرين، وحين اعتقلت زوجة الرفيق محمد حسن مبارك في الحلة قاد السيد جليل الحكيم وفداً لإطلاق سراحها، فإلتقى بالسيد محسن الرفيعي مدير الإستخبارات العسكرية في وزارة الدفاع وطلب منه التدخل لدى الزعيم لإطلاق سراحها ونجح في مهمته وهو ما ترك أثراً طيباً لدى النجفيين. جدير بالذكر أن منزل السيد جليل الحكيم هو الذي  استضاف أول كونفرنس للحزب بعد الثورة في منطقة الفرات الأوسط حضره سلام عادل وهو ثاني لقاء بين صاحب الحكيم وسلام عادل كما أخبرني .

      وعلى ذكر سلمان الحكيم فقد كان صديقاً لوالدي عزيز شعبان، وقد رفض جميع المغريات خلال فترة الجبهة، وبشهامة منقطعة النظير وبمروءة عالية استضاف صاحب الحكيم لعدّة أشهُر حين تسلل الأخير إلى بغداد في العام 1983 لإعادة التنظيم وتلك قصّة درامية أخرى، لا يتّسع المجال لذكرها في هذا المقام.

      وكان السيّد سلمان الحكيم بعد العام 1958 عضواً في لجنة مختصّة بالوسط الديني مؤلفة من الشيخ باقر الفيخراني والسيد نوري الموسوي وهما خطيبان منبريّان والسيد أحمد الحكيم (نجل السيد سعيد الحكيم البصراوي ) والشاعر عبد الحسين أبو شبع الذي كان عضواً في الحزب قبل ثورة 14 تموز/ يوليو 1958 وإسمه الحزبي "علي"، وتتبع هذه اللجنة أكثر من خلية وحلقات أصدقاء ومتفرقين يتوزعون على خدم الروضة الحيدرية والحوزة الدينية وقرّاء المنابر الحسينية وأصحاب المواكب، وكان  بعضهم من أنصار السلام . وكانت النجف تعرف تاريخهم أذكر منهم الشيخ حبيب سميسم ومحمد مصطفى الحكيم (الذي سبق له أن إلتقى بفهد) وحسن الحكيم ( الذي استشهد عام 1979 ) وثلاثتهم كانوا معتقلين معنا في خان الهنود والشيخ مجيد زيردهام والشيخ عبد الحليم كاشف الغطاء والشيخ ابراهيم أبو شبع وعدد من مرشدي حضرة الإمام علي من العوائل التي جرى ذكرها وهي تابعة للجنة المثقّفين، وكان لولبها السيد سلمان الحكيم الذي يملك "فندق النجف" في دورة الصحن الشريف، وبالقرب منه محل والدي المستأجر من صالح معلّة بعد أن انتقل من (السوق الكبير) لفترة قصيرة، ثم عاد إليه في العام 1959.

     وكان بجوار الفندق أيضاً آل سنجر ومحلّهم المعروف لبيع ماكينات الخياطة، ومصطفى الأطرقجي الملقّب "أبو الزوالي – محل لبيع السجاد" ويقترب منه دكّان سهل الخيّاط ( المبالِغ في يساريته) وهو والد جواد الطالب الذي كان  معنا في الحزب الشيوعي وهو خال علي ناجي بر، وبين هذا الوسط كان السيّد خلف الحبوبي وتعليقاته على لقاء عفوي يجمع من يريد الإطلاع على جريدة " إتحاد الشعب" أو تصفّح بعض المجلّات السوفيتية مثل المدار وصحف مثل أنباء موسكو ومنشورات وكالة نوفوستي. وكان يشير بإصبعه إلى الخط الأحمر، لكن هذه اللقاءات التي استمرّت لأشهر سرعان ما انقطعت بعد تدهور العلاقات السياسية.

 

خان الهنود

 

     يرجع بناء "خان الهنود" في النجف إلى القرن التاسع عشر، حيث قامت مجموعة تنتمي إلى "طائفة البهرة" ببنائه لإستضافة القادمين لزيارة مرقد الإمام علي والتبرك به. والبهرة  طائفة إسماعيلية نسبةً إلى إسماعيل إبن الإمام جعفر الصادق الذي ينسب إليه "المذهب الجعفري"، وتعود أصولها إلى أيام الدولة الفاطمية حيث يوجد لها بعض المزارات مثل ضريح "حاتم الحضارات" الداعية الفاطمي المدفون في منطقة حراز ( غربي صنعاء عاصمة اليمن) ومسجد الحاكم بأمر الله في القاهرة. ويبلغ نفوس طائفة البهرة في العالم نحو مليون شخص.

     إنعقدت صداقتي مع صاحب الحكيم في موقف خان الهنود، الذي كان مركز الشرطة الرئيسي في النجف، وتلك إحدى المفارقات ، حيث كان قد سبقنا إلى ذلك المكان، وكان المسؤول الحزبي عن المعتقلين الذين بدأوا يتوافدون بالعشرات، بل بالمئات إلى خان الهنود ومنها يتم ترحيلهم، وبعد استدعائه للتحقيق في الحلّة نصّب مسؤولين إثنين، ففي حالة غياب أحدهما أو إستدعائه للتحقيق يتولّى الثاني ( الظل) محلّه، وفي حالة وجودهما يتم التوافق بينهما، ويقوم أحدهما بمسؤولية العلاقة بالإدارة، الأول جواد الرفيعي مدرّس اللغة العربية والثاني حسن الخرسان من سدنة الروضة الحيدرية، وكلاهما من عائلة دينية معروفة ومن حضرة الإمام علي.

     حين تكدسنا في بهو المعتقل، طلب هو إرسال الطلاب إلى الغرفة التي يعيش فيها وهي لا تسع لأكثر من 30 إلى 40 شخصاً، ولكن عددنا أصبح 88 معتقلاً وأحياناً يأخذ بالنقصان إلى 15 أو 20 وأحياناً يعود إلى سابق عهده. وعلى الرغم من وجود معتقلين عاديين معنا إلاّ أن الحكيم كان يحظى بإحترام  وهيبة كبيرين، سواءً من جانبهم أو من جانب الإدارة، وحاول أن يقوّي معنوياتنا وأن يرشدنا وأن ينبهنا، إذ كان غالبيتنا يُعتقل لأول مرة، فضلاً عن صِغَرِ سنّنا حيث كانت تتراوح أعمارنا بين سن 16 – 17 سنة ، باستثناء الصديق العزيز كاظم عوفي البديري الذي لعب دوراً في تلطيف الأجواء من الرسم إلى المطارحات الشعرية، إلى أن اختصّ بحلاقة شعر رؤوسنا التي طالت وامتلأت بالقمل، حتى أنه أصبح من أمهر الحلاقيين في العراق بعد خروجه من المعتقل، وإنتسابه إلى كليّة التجارة (لاحقاً)، حيث عمل مساءً في صالون توكالون في الكرادة.

      ومن بين الطلبة المعتقلين أذكر كوثر الواعظ وطارق شكر (الصراف )وجبار رضا عبد ننة ( العلي) وعلي الخرسان وكاظم شكر وفاضل جريو، إضافة إلى عبد الله الشمرتي  وحسن رجيب ورحيم كاطع الغزالي وآخرين. وقد اعتُقلنا في يومٍ واحد (10 شباط/ فبراير) باستثناء علي الخرسان الذي اعتُقل قبل 8 شباط/ فبراير لتوزيعه منشورات تدعو للسلم في كردستان في أحد المقاهي الشعبية بناءً على قرار الحزب، فتم اعتقاله، كما أن كاظم عوفي كان قد اعتقل قبلنا، وقد اعتقل معنا بعض أساتذتنا منهم داوود ملاّ سلمان وجواد الرفيعي، إضافة إلى العشرات من الوجوه النجفية التي يعرف بعضها البعض.

     وقد حرص الحكيم على تجنيبنا بعض المواقف التي غالباً ما تحصل في المعتقلات والسجون، حيث تتم بعض التحرشات والإعتداءات وذلك  بوضع ضوابط للنوم والإستيقاظ، خصوصاً وأن المعتقل كان يكتظ بالعديد من المعتقلين وبعضهم من العاديين.

 

على حافة الشهادة

 

     بعد شهر ونيّف إقتيد الحكيم إلى مركز تحقيق في الحلّة، بناءً على اعترافات، وتم تعذيبه في مقر الحرس القومي على يد عبد الوهّاب كريم الذي أصبح له شأنٌ كبير بعد إنقلاب 17 تموز / يوليو 1968 ولكنه قتل بحادث سيارة غامض، وكاد الحكيم ( أبو بشائر)  أن يلفظ أنفاسه من جرّاء التعذيب الوحشي، إلاّ أنّ استشهاد "شهيد خوجة نعمة " قبله، وهو من أهالي الحلّة المعروفين ، دفع الجناة إلى عدم الإستمرار في تعذيبه. وكي لا يتحملوا المسؤولية ، فقد أرسل مع مجموعة من الرفاق إلى مديرية الأمن العامة في بغداد ومنها إلى قصر النهاية ثم إلى مركز شرطة المأمون كما أشرت في مطالعة لي بعنوان " مقهى ورواد ومدينة" وهي سردية استذكارية عن النجف.

      وقد أورد الحكيم بعض تفاصيل تلك الرحلة المجهولة في كتاب مذكراته الموسوم " النجف –الوجه الآخر: محاولة استذكار" 2011، حيث إلتقاهم محسن الشيخ راضي رئيس الهيئة التحقيقية الخاصة والمسؤول عن قصر النهاية وهم معصوبوا العينين، فأمر بنقلهم إلى مركز شرطة المأمون وذهب لاحقاً لتفقد أحوالهم وهو ما يذكره الشيخ راضي أيضاً في كتابه" كنت بعثياً- ج1- من ذروة النضال إلى دنو القطيعة" 2021.وقد سبق للحكيم أن أكدّ ذلك، وأن الشيخ راضي طلب من آمر الحرس القومي في المأمون تحسين معاملتهم ؛ وهو ما سمعه من مهدي الشرقي أيضاً القيادي البعثي حين نقله إلى النجف.

     وقد اعتذر محسن الشيخ راضي بشجاعة للشعب العراقي فيما سبّبه له خلال تلك الفترة السوداء، وهو ما أكدّه لي خلال مقابلة خاصة سبق أن أشرت إليها أكثر من مرّة في كتاب " سلام عادل الدّال والمدلول" إذ قال بصراحة لا أعفي نفسي وكلّنا مرتكبون، وإن تفاوتت المسؤوليات وقد حاول إجراء مراجعة لتلك الفترة وللصراع السياسي الذي دار بشكل لا عقلاني ولا مبرّر ودفع الشعب العراقي بجميع قواه الوطنية ثمنه باهضاً.

     وبالمناسبة فقد حظي الحكيم حسب علمي باحترام البعثيين والقوميين في النجف وهو ما لمسته من محسن الشيخ راضي وعبد الحسين الرفيعي ومهدي الشرقي وأحمد الحبوبي ومحسن البهادلي  وعبد الاله النصراوي وجواد دوش، وخلال فترة ما سمّي بالمد الثوري أو "الإرهاب الأحمر" كان يميل إلى عدم التشدّد ويسعى لإيجاد حلول للخلافات وعدم اللجوء إلى استخدام القوة أو العنف، وهو ما حصل في إنتخابات الطلاب الأولى، حيث تم الإتفاق مع الإدارة والقوى الأخرى على بعض المستلزمات لإنجاح العملية الإنتخابية.

      وخلال فترة وجوده في قيادة محلية النجف وحتى قبل أن يكون المسؤول الأول لا توجد حوادث كبرى قد حصلت باستثناء بعض الإستفزازات للآخرين منها محاولة تفتيش القيادي البعثي صدقي أبو طبيخ الذي كان قادماً من السفر ويحمل حقيبة،والتعرّض لمكتب المحامي القومي المعروف وعضو قيادة جبهة الإتحاد الوطني في النجف والمنسّق مع اللجنة العليا في بغداد أحمد الحبّوبي، وهو ما أثار سخط أوساطٌ غير قليلة ضد تصرفات  المقاومة الشعبية ، خصوصاً محاولة الشيوعيين إحتكار العمل السياسي والنقابي وإستفزاز بعض رجال الدين الذين حاولوا أن يؤلبوا الشارع ضد الحركة الشيوعية مستغلين بعض نقاط الضعف في إطار دعايةٍ هجوميةٍ وتحريض لبعض أجهزة الدولة  التي توّجت بالفتوى التي أصدرها لاحقاً  السيّد محسن الحكيم المرجع الأول، باعتبار الشيوعية كفر وإلحاد( شباط / فبراير 1960) .

      ولعلّ تلك مفارقة كبرى أن يكون صاحب الحكيم وأعداد غير قليلة من آل الحكيم والعوائل الدينية المعروفة من الرجال والنساء أعضاء في الحزب الشيوعي ووجوهاً إجتماعية معروفة وأن تصدر فتوى من السيد محسن الحكيم بتحريم الشيوعية.

 

السحل

 

     ولا يسعني في هذه الفقرة إلا أن أذكر الحادثة التي كادت أن تمزّق النسيج الإجتماعي، خصوصاً إرتفاع موجة الكراهية والإنتقام والإنفلات بإندفاع بعض المتطرفين للإيقاع بأحد المحسوبين على التيار القومي العربي بزعم أنه متآمر وإسمه " مهدي محسن بحر" أو "مهدي الخبازة" كما كان يعرف، فحاولوا سحله، وحدث هرجٌ ومرج بين مؤيد ومعارض، وقد كان الحكيم حاضراً، فاندفع بشدّة ومعه محمد موسى وحسن عوينة للتهدئه وارتقى كتف أحد الرفاق ليخاطب الجمع بإسم اللجنة المحلية للحزب الشيوعي، وفعل حسن عوينة ذلك أكثر من مرّة وكذلك محمد موسى، لكن  الحقد كان يغلي في عروق الجموع المحتشدة. وهنا بادر العقلاء إلى إدخال "المغدور" في دكان حلاّق للحفاظ على حياته وخشية من انتقام المتعصّبين الغاضبين.

     أتذكّر تلك الحادثة كأنها حصلت يوم أمس، كما أتذكر كلمات الحكيم وعوينة ودعوة المحتشدين إلى التفرّق والإنصراف إلى بيوتهم وإنهاء الإجتماع الذي لا أتذكّر مناسبته، وهو من الإجتماعات التي كانت تُعقد تأييداً للثورة أو لبعض إجراءاتها، كما طالبوهم الإقلاع عن أي محاولة تستهدف الإخلال بالأمن أو تعكير صفو العلاقات بين النجفيين خارج القانون والنظام. وبالفعل تم إنقاذ  مهدي محسن بحر الذي كان هو الآخر متشدداً في إستفزاز المحتشدين بكلماتٍ نابية، وحسبما أتذكر أو سمعت ذلك فإن الحكيم اقتاده إلى منزله ليطمئن على وصوله سالماً.

     وفي حوار معه أكّد أنه لم يكن هناك حزم حزبي ضدّ مثل هذه التصرفات لكبح جماحها بما فيه الكفاية،  الأمر الذي شجّع على شيوع ظواهر التطرّف والإقصاء. ولعّل مثل هذا الإقرار والمراجعات حتى وإن تأتي متأخرة فإنها مفيدة للمستقبل وللأجيال الجديدة دون تبرئة القوى الأخرى ومسؤولياتها في إذكاء نار الصراع، فالتعصّب ووليده التطرّف لوثة فكرية إذا ما استفحلت فإنها تنتج عنفاً وإرهاباً. فحتى أعظم الأفكار والفلسفات وأكثرها نبلاً وإنسانية ، فإنها لا تعصم الإنسان من إرتكاب الأخطاء وحتى الجرائم أحياناً خصوصاً بإدّعاء إمتلاك الحقيقة والأفضلية على الآخر.

       وقد جرت مناقشات بين عدد من وجهاء النجف وبعضهم على ملاك الحركة الشيوعية مثل عزيز عجينة وأمين عجينة ومعين شعبان وعبد الحسين أبو شبع والسكافي وأحمد الشمرتي وعبد الرزاق سميسم وسلمان الحكيم وغيرهم وكذلك شملت المناقشات بعض الشخصيات الدينية من بينهم السيد محمد الحسني البغدادي والشيخ محمد شعبان والشيخ عباس شعبان وآخرين عن جدوى مثل تلك الأعمال ووجّهت إنتقادات بعضها شديداً وبعضها خفيفاً إلى تصرفات المقاومة الشعبية غير المنضبطة والإستفزازية ضد الناس ومصالحهم بسبب نقاط التفتيش التي كانت تقيمها بزعم البحث عن المتآمرين، وكانت في الواقع  تعني تعقّباً وملاحقةً لحركة القوى الأخرى ، ولاسيّما القوى القومية العربية ( البعثية والناصرية) والقوى الدينية الإسلامية، وهذه الأخيرة نشطت على نحو ملحوظ في التصدي للتيار الشيوعي بتأسيس" جماعة العلماء" و"حركة الشباب المسلم" وغيرها وكانت تلك بدايات لتأسيس حزب الدعوة الإسلامي، وقد سبق لي أن دخلت في حوار معمّق مع السيد محمد بحر العلوم بخصوص تلك المرحلة وتداعياتها، وكنت قد أبديت ملاحظات بشأنها منذ وقتٍ مبكّر وعدت ودونت بعض الآراء النقدية في سردية عن السيد محمد باقر الصدر المنشورة في صحيفة المنبر الذي كان يصدرها السيد حسين الصدر الموسومة  "حلّق في سماوات بعيدة وسبح في بحور عميقة" (نشرت في صحيفة المنبر، العدد الثاني والخمسون، لندن ،أيار/ مايو 1999).

العامري – أبو كلل

    أثّرت تلك الحادثة وحادثة أخرى، قتل فيها عامر العامري ( من ألبوعامر) المحسوب على الحركة الشيوعية، أكرم هندي أبو كلل المحسوب على الحركة القومية، في نفسي على نحو شديد، ودفعتني تدريجيّاً إلى نبذ العنف، بل والإشمئزاز منه بتقوية ميولي اللاّعنفية، على الرغم من التنظيرات السائدة عن "العنف الثوري"  التي كنّا نردّد بعض عباراتها ونحفظ بعض جملها، فقد كنت أعتبرها ضمن وعيي البسيط آنذاك مجرد مقولات للكتب وللتثقيف وليس للتطبيق والممارسة، خصوصاً في مجتمعاتنا المترابطة والمتشابكة.

     لقد قاد مقتل أكرم هندي أبو كلل إلى أن يقوم شقيقه أحمد هندي أبو كلل المعروف بجرأته بقتل رئيس عشيرة ألبو عامر "مهدي العبد" وهو شيخ وقور وعضو في منظمة أنصار السلام والتي كان رئيسها الدكتور خليل جميل وسكيرتيرها العام صاحب الحكيم، ثم قام عدد من أفراد عشيرة ألبو عامر بقتل السيد حسن الرفيعي الكيليدار في حضرة الإمام علي، الذي اختبأ القاتل أحمد هندي أبو كلل في منزله ، حين أجهز على مهدي العبد بعد أن لاحقوا الضحية  في بغداد.

      وقد أوقعتني تلك الحوادث في حيرة شديدة أساسها كيف أساوي بين القاتل والمقتول وكلاهما من أصدقائي (عامر العامري وأكرم أبو كلل ) ؟ وكيف أشعر إزاء مقتل مهدي العبد الشخصية المعروفة وهو صديق عمّي ضياء من جانب، في حين أن أحمد أبو كلل ( قاتل العبد )  صديق عمي شوقي؟ ثم كيف لي أن أستوعب مقتل السيد حسن الرفيعي وهو جار الشيخ محمد شعبان والد حسن شعبان وبالقرب من منزلنا، خصوصاً وأن علاقة عائلية حميمة تربطنا مع آل الرفيعي؟ وهكذا ترى العلاقات متشابكة ومتداخلة ومترابطة وهو ما أشرت إليه في بحث نشرته بعنوان " العنف وفريضة الّلاعنف.. شذرات من تجربة شخصية " في مجلة آفاق عراقية، كما نشرت في صحيفة الزمان العراقية في 30 كانون أول/ديسمبر 2018 .

 

التواصل البغدادي

           

     بعد خروجه من السجن إلتقيت الحكيم حين وصلتني رسالة شفوية منه عبر كاظم عوفي، وكان قد حدد لي موعداً في شارع الرشيد قرب سوق الصفافير وهو يعرف أنني أتردد على "خان شعبان" في سوق المرادية بعد إنتهاء دوامي في الجامعة، وكنت حينها في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية، وطال حديثنا لاستعادات واستذكارات، ثم اصطحبته إلى منزلنا ليستدلّ عليه وأعطيته رقم هاتفي للإتصال وقد سألني عن النشاط الطلابي الجامعي، فقلت له ما يزال محدوداً، وكانت تأثيرات الضربة التي تعرّض لها الحزب والإتحاد قائمة، إضافة إلى ذلك تأثيرات خط آب.

     وقد استفسر مني عن التنظيمات الجديدة التي تشكّلت في النجف بعد الإنقلاب وقد أطلعته على المحاولات التي شاركت فيها، وهي تشكيل لجنة اجتمعت لمرتين في بيت عبدالله الشمرتي دون أن تكون له علاقة بذلك، سوى تهيئة مستلزمات الإجتماع، ومرّتين في الكوفة في بستان سهام الماضي، وأجرت إتصالات حينها مع مركز الفرات الأوسط بقيادة باقر ابراهيم، وضمّت عدنان الخزرجي ومحسن القهواتي وصادق مطر وجبّار (كفاح) سميسم وكاتب السطور، والتحق بها في آخر إجتماع بترتيب مني علي الخرسان، كما كان يتبعها لجنة في الكوفة ضمّت محمد الكويتي وعبد الأمير السبتي و سهام الماضي ، وكان للجنة النجف امتدادات واسعة، وهو ما ذكره في كتابه عن "النجف الوجه الآخر".

     وبالمناسبة فاللجنة المذكورة، بعد أن اعتقل بعض أركانها تشتتت وعادت وإلتقت مع المسؤول الجديد عبد الرزّاق السبيس، وضمّت عباس فيروز العامل في الخياطة وحسّون صاحب مقهى، وكان لها صلة فرديّة مع عبد الحسين الشيباني (عضوها) لكنها قررت الإبقاء عليه بارتباط خاص لعمله في دائرة الكهرباء. وتفككت أواصر اللجنة بعد خط آب، وكنت قد انتقلت كلياً إلى بغداد لإلتحاقي بالجامعة. وعرفت من المراسل عبد الأمير الغرّاوي أن منظمة النجف رفضت توزيع بيان آب.

     وقد سمعت عن خط حزيران/ آب1964  لأول مرّة من أحمد سنجر وكان يعمل مترجماً في السفارة البلغارية الذي زارني إلى الكلية وأطلعني على نسخة منه، واصطحب في المرة الثانية معه حسن شعبان بعد أن كان الأخير قد قام بزيارة إلى الكويت بغرض العمل ولم تكن موفّقة، وكان قد صدر الحكم ببراءته بعد إعتقاله لبضعة أشهر في الموقف العام (القلعة الخامسة) في قضية التحضير لمهرجان هلسنكي للشباب والطلاب (صيف 1962 ) ، وصادف أن أطلق سراحه قبيل إنقلاب شباط/ فبراير 1963، فإختفى في النجف طيلة فترة البعث. وقد سبق لي أن رويت قصّته في مطالعتي عن" حركة حسن السريع" الموسومة "من دفتر الذكريات – على هامش حركة حسن السريع" (نشرت في جريدة الناس على حلقتين في 15 و25 آب / أغسطس 2012 )

     وفي كل لقاء كنّا نستعيد بعض المحطات، وحين حدثت هزيمة حزيران/ يونيو 1967، ونشطت القوى جميعها للتصدي لها في تظاهرات واحتجاجات، كان رأيي أن موقفنا خاطئ وذلك برفع شعار " إزالة آثار العدوان" وهو شعار لا يصلح لحزب عريق مثل حزبنا. وألمحت في أكثر من مناسبة إلى نقدٍ مباشر أو غير مباشر للموقف السوفييتي، وهو ما عدت وبلورته في موقف متكامل منذ أواسط الثمانينيات فيما كتبته عن الموقف السوفييتي من قرار التقسيم : بين الإيديولوجيا والسياسة، وسبق لي أن ألقيت أكثر من محاضرة في مركز الدراسات الفلسطينية في الشام وبيروت ونشرت جريدة الحقيقة التي تصدر في بيروت من جانب "رابطة الشغّيلة" التي يتزعّمها زاهر الخطيب نَص المحاضرة في الثمانينيات، ومثل هذا الرأي كنت أجادل فيه على شكل أسئلة وتساؤلات وإنتقادات واعتراضات حتى تبلور بشكل نهائي بتخطئة الموقف السوفييتي وما تبعه من موافقة الأحزاب الشيوعيّة على قرار التقسيم.

     وقد سبق لي أن عرضت العديد من مواقف أحزابنا في كتابي " تحطيم المرايا- في الماركسية والإختلاف" وكان آخر ما قرأته في كتاب منير شفيق " من جمر إلى جمر " حيث روى له الأمين العام للحزب الشيوعي الأردني فؤاد نصّار (كان حينها في المكتب السياسي) حين كان في سجن الجفر أنه كتب مقالاً لجريدة الإتحاد التي يصدرها الحزب وهو رئيس تحريرها وصف فيه قرار التقسيم "بالإستعماري البريطاني"، وفي الساعة الرابعة صباحاً أيقظ عامل التصفيف الذي يصفّ الأحرف ويركّب المقالات في مطبعة الجريدة، حيث كان نصار ينام في المطبعة وخاطبه قائلاً : يا رفيق أبو خالد "قوم شوف" لقد وافق الرفيق غروميكو (مندوب الإتحاد السوفييتي في الأمم المتحدة حينها) على قرار التقسيم"، فقام فؤاد نصار كمن لسعته أفعى وطلب منه إلتقاط إذاعة موسكو ففعل، وعبرها تأكد من صحة الخبر، فما كان منه إلا أن سحب المقال السابق المعارض لقرار التقسيم، وكتب مقالاً جديداً على الفور عنوانه" قرار التقسيم في مصلحة الشعبين الشقيقين اليهودي والفلسطيني".

     وقد تابعت تغيّر الموقف السوفييتي من وصف مشروع الهجرة اليهودية باعتباره مشروعاً رجعياً إستعمارياً مرفوضاً إلى إعتبار "إسرائيل" واحة الديموقراطية في الشرق الأوسط حسب تصريحات مولوتوف وزير الخارجية السوفييتي (1954). وذلك بعد أن سمح الإتحاد السوفييتي بهجرة اليهود السوفييت في أواخر الثمانينيات، وهو ما انتقدته بشدّة على الرغم من تأييدي لتوجّهات البريسترويكا والغلاسنوست (إعادة البناء والشفافية) بعد أن هيمنت البيروقراطية الحزبية وترهّلت كيانات الحزب والدولة واستشرى الفساد إلى حدود مريعة وتلكّأت التنمية بإنسداد الآفاق والإختناقات الإقتصادية، ناهيك عن شحّ الحريات التي وإن اعترف بها الحكيم إلاّ أنه كان يجادلني بالضدّ منها رافعاً من شأن الإيجابيات ومقلّلاً من شأن السلبيات.

     صحيح أن الموقف السوفييتي تغيّر بعد العدوان الإنكلو- فرنسي "الإسرائيلي" العام (1956) وكان إنذار بولغانين محطة حاسمة في هذا التحوّل، لكنه استمر دون أن يرقى إلى الموقف المبدئي حتى العام 1969 حيث إتخذ المؤتمر العالمي للأحزاب الشيوعية والعمالية قراراً مؤيداً لحق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني، وحسب حواري مع عامر عبد الله المفكّر الشيوعي قال لي: إنه سعى في محاولات عديدة لإقناع السوفييت بضرورة وأهمية مثل هذا الموقف بالنسبة للعرب، وهو ما كان رأي نوري عبد الرزّاق حين عمل سكرتيراً عاماً لإتحاد الطلاب العالمي (1960-1967 ).

 

الطلاب وانشطار الحزب الشيوعي

 

     كانت الإنتخابات الطلابية قد جرت في ربيع العام 1967، وفاز فيها إتحاد الطلبة، وقد فصّلت في كرّاس صدر عن مطبعة طريق الشعب في بشتاشان والموسوم "لمحات من تاريخ الحركة الطلابية في العراق"1983 ، تفاصيل تلك الإنتخابات وما تركته من أثر إيجابي على تنشيط الأوضاع الحزبية وارتفاع نسبة الجدل والحوار الداخلي ، والتي ترافقت مع ردّة الفعل الشعبية والتظاهرات العارمة ضد عدوان 5 حزيران/ يونيو. وللأسف الشديد فإن الصراعات الداخلية للحزب كانت حادّة، بل شديدة التقاطعات ، فانفجر الصراع الكامن والذي ظلّ يعتمر لسنوات، فانفصل فريق بإسم "القيادة المركزية" واحتفظ الفريق الثاني بإسم " اللجنة المركزية" وكنت " منزلة بين منزلتين "، فمن جهة أؤيد بعض توجّهات القيادة المركزية السياسية، ومن جهة أخرى أعارض توجهاتها التنظيمية ، خصوصاً إستخدامها للعنف ضدّ رفاق الأمس وضدّ قيادات شيوعية، حيث احتجز زكي خيري وقبله بهاء الدين نوري الذي تمكّن من الهرب، فضلاً عمّا اتبعته لاحقاً من أساليب كفاحية بإسم "العنف الثوري" بنقل تجارب أخرى تأثراً بالتيّار الجيفاري، وفي وضع أقرب إلى المغامرة والطفولة اليسارية.

     كان الحكيم قد كرّس كل وقته لمواجهة الإنشقاق وقد عقدنا جلسات مطولة محاولاً إقناعي، وكنت قد شعرت بمرارة شديدة حينها وحيرة كبيرة وتوزع فكري ونفسي وصداقي. كما حاول رضا عبد ننة الإتصال بي لإقناعي الإنضمام إلى القيادة وفضّلت لبعض الوقت "العزلة المجيدة" كما كنت أسمع عنها ممن سبق أن عاشها في السجون، أيام راية الشغيلة، وحتى بعد انشقاق العام 1967 مثل كاظم فرهود الذي احتفظ باستقلاليته، ولم تكن تلك المرّة الأولى التي أشعر فيها بانفصال روحي عن التوجهات السائدة وأساليب العمل البيروقراطية.

     وبما أنني لم أكن قيادياً أو مسؤولاً، بل كنت مجرّد شيوعي حالم، بدأت تساؤلاته تكبر مع مرور الأيام، ليودّع الإيمانية التبشيرية الدعائية  وينتقل تدريجياً إلى التساؤلية  النقدية العقلية، لذلك ازداد قلقي وكبر،ولكن تطور الأحداث كان كفيلاً بتغيير بعض قناعاتي وبدأت العمل مجدداً في المجال المهني (طلبة وحقوقيين وجمعية العلوم السياسية) وفيما بعد في المجال الحزبي مع احتفاظي بملاحظاتي التي كانت تتضخّم.

     وأستطيع القول أن السجايا الأخلاقية لصاحب الحكيم قبل الإقناع السياسي أو المستوى الفكري كانت وراء بعض ليونتي تلك، وظلّ يتابع أوضاعي وساهم فترة في قيادة لجنة كنت عضواً فيها. وحين اشتدّت حملة الإعتقالات إنقطعت الإتصالات بيننا واتصل بعمّي شوقي وأبلغه بأن عليّ أن أكون شديد الحذر، حتى وإن كنت وجهاً معروفاً ومُنحت عضوية شرف من الإتحاد الوطني لطلبة العراق بعد مؤتمره الأول (نهاية العام 1969) مع نوري عبدالرزاق وماجد عبد الرضا ولؤي أبو التمّن تقديراً لدورنا في الحركة الطلابية.

      وحين أصبح في موسكو وأنا في براغ بعد عام من الفراق تقريباً طلب مني في رسالة معرفة لقائي مع الملّا مصطفى البارزاني حيث كنت على رأس وفد زاره في كلالة في أيار/ مايو 1970، وكتبت له عن ذلك، بالخطوط التي كانت معروفة ومنشورة في "جريدة كفاح الطلبة"و"جريدة طريق الشعب"(السرّية) وبعض القضايا الخاصة.

 

مواقف خاطفة

     بعد عودتي إلى بغداد كان أول لقاء لي هو مع الحكيم " أبو محمد" في مقر لجنة بغداد، وحين عرف أنني سألتحق بالخدمة العسكرية، طلب مني قطع جميع علاقاتي الحزبية وعدم التردد على الأماكن الخاصة، بل وإنهاء علاقتي تماماً وكنت قد قرّرت ذلك،ولم ألتفت للتوجيهات الحزبية، ولم ألتقيه مرّة أخرى سوى في دمشق 1980 حيث نظّم لقاءً لي مع الرفيق أبو خولة ( باقر ابراهيم) وطلب مني الأخير إستلام مسؤولية العلاقات مع القيادة القومية السورية ومع القوى السياسية الأخرى. وحضرت مع عبد الرزّاق الصافي بعض إجتماعات  الجبهة الوطنية والقومية التقدمية (جوقد) ومنها الإجتماع الذي تم فيه تجميدنا.

      ولكن الحكيم بحكم الصداقة طلب مني الإنضمام إلى لجنة دمشق التي كان يديرها (لجنة داود) بالرغم من إثقالي بمهمة الإشراف على تنظيمات المثقفين، ثم لاحقاً الإشراف على تنظيمات الطلبة، وبعد ذلك الإشراف على العمل المهني والديموقراطي كما نطلق عليه الذي جمع (الطلبة والشبيبة والمرأة ورابطة الكتاب ولجنة المهجرين) وحاولت الإعتذار لكنه أصرّ علي، وكنت أحرر محاضرها وأكتب تقاريرها.

    وحين استضفنا الرفيق عزيز محمد في إجتماع موسّع وبحضور نخبة من الكوادر وحضور الحكيم كذلك في منزل الرفيق علي السامرائي، قدّمته بالعبارات التالية : هذا أمينكم العام فصارحوه، وكنت أعرف ثمة إعتراضات وآراء ووجهات نظر وتحفّظات على السياسة العامة والتنظيمية، فضلاً عن تململات وإرهاصات مغايرة لسياسة الحزب بشان الحرب العراقية – الإيرانية، ومنها ما كنت أتبناه وما كتبت عنه.

     علمت أن الحكيم لم يكن مع قرار عقد الجبهة الوطنية في العام 1973، خصوصاً التنازل لحزب البعث باعتباره يلعب دوراً متميّزاً في قيادة الجبهة والسلطة والمجتمع. و خلال الحرب العراقية – الإيرانية، أخذت بعض مواقفه تقترب من مواقفنا بإدانة الحرب ورفض المشروع الحربي والسياسي الإيراني وإن كان بتحفّظ. كما لم يكن مع نتائج المؤتمر الرّابع الذي حُرم من حضوره حيث كان قد وصل إلى المنطقة التي انعقد فيها بعد أن تسلل إلى بغداد وبقي فيها لنحو عامين اختفى لفترة منها في النجف في منزل شقيقة السّيد سلمان، لكن ذلك كله لم يشفع له لأنه احتسب على ملاك باقر ابراهيم المغضوب عليه ومجموعة المعارضة الحزبية حتى وإن لم يكن منها، فأبعد تحت حجج أمنية حاولت النيل منه والإساءة إليه.

     وكنت حين إلتقيت به في طهران قد حاولت ثنيه من التسلل إلى بغداد وكتبت رسالتين عبر الرفيق جاسم الحلوائي (أبو شروق) إحداها إلى المكتب السياسي والأخرى إلى الرفيق باقر ابراهيم ، لكن الرسالتين وقعتا بيد الأجهزة الأمنية الإيرانية بعد إلقاء القبض على المراسل كما علمت من أبو شروق لاحقاً. كما إلتقيت به في طهران في أحد المرات بصحبة الرفيق قاسم سلمان "أبو الجاسم" والرفيق جميل إلياس منصور "أبو نغم أو أبو جمال" وكانا متوجّهين معه إلى كردستان وقد سمع مني ما حصل في مجزرة بشتاشان التي نجوت منها (أيار/ مايو 1983). أما هو فقد توجّه إلى الداخل.

    وبعد انفضاض المؤتمر الرابع والنتائج التي خرج فيها تقرّر أن يعمل الحكيم في طهران في الظروف الأمنية القاسية، خصوصاً بعد الإعتقالات الواسعة التي طالت حزب تودة الشيوعي الإيراني، وقد اتخذ جميع الإجراءات كي لا يقع بقبضة الجهات الأمنية، كما حصل للرفيق حيدر الشيخ الذي بقي في السجن لمدة 5 سنوات. ثم جاء إلى دمشق حيث إستقبلته بعد مراسلات وإتصالات عديدة، وقد كنا حينها نصدر صحيفة المنبر التي كنت أشرف على تحريرها ، وقد هيّأت له مستلزمات المجيء عبر برقية من القيادة القومية، واستضفته ليومين في المنزل ( حسب الإتفاق)، ثم انتقل إلى بيت حسين سلطان لعدّة أيام، إلى أن تم توفير سكن له، وظل خلال تلك الفترة على الهامش وهو ما يذكره في مذكراته ، حيث لم توكل له أيّة مهمة.

      واعتبر متعاطفاً مع تيار المعارضة الحزبية علماً بأن ماجد عبد الرضا كان قد فاتحه في براغ وكذلك بهاء الدين نوري  وكل على انفراد، فاعتذر منهما كما أخبرني، وكنت أعرف رأيه وبعض ملاحظاته السلبية على نهج المعارضة الحزبية بما فيها مجموعة باقر ابراهيم، على الرغم من تأييده بعض وجهات نظرها ، فقد اقترب من بعض مواقفنا السياسية والفكرية ، فضلاً عن العلاقات الصداقية الحميمة مع بعضنا، ولكنه كان متردّداً بشأن التنظيم وهو الموقف ذاته الذي اتخذه من الرفيق أبو خولة. وبقدر ما كان يدين الإجراءات التعسفية ضد المعارضة الحزبية فإنه كان ينتقدها أحياناً، مستعيداً تجربته مع راية الشغّيلة، وقد عبّر عن ذلك على نحو واضح  خلال انتقالنا إلى براغ 1989 ( عامر عبد الله وباقر ابراهيم وعدنان عباس) وقبل ذلك كان معنا حسين سلطان قبل عودته إلى العراق، وماجد عبد الرضا الذي كان قد سبقنا ، وكان في زيارتنا المستمرة مهدي الحافظ الذي كان يأتي من فيينا ونوري عبد الرزاق من القاهرة، كما زارنا بهاء الدين نوري وفتح حوار معنا .

    كان هدف زيارة الحكيم إلى براغ هو مراجعة السفارة العراقية للحصول على جواز سفر بعد تعليمات حزبية بالتوجه إليها ، وكان ذلك قد تقرّر عقب إنتهاء الحرب العراقية- الإيرانية وترافق مع انهيار الأنظمة الإشتراكية في نهاية الثمانينيات واستكمال المفاوضات لتحقيق وحدة اليمن التي كنا نستخدم جوازات سفرها (اليمن الجنوبية). ثم تقرر على نحو شبه جماعي التوجه إلى بلدان اللجوء عشيّة غزو الكويت وبعيد كارثة الحرب. وقد استضفته في براغ لمدة ستة أشهر قبل أن أتوجه إلى لندن.

     وحين حانت لحظة سفره إلى كوبنهاغن وكنت قد اتفقت مع أحد الأصدقاء البحرينيين لمرافقته وتأمين مستلزمات لجوئه ومساعدته ،إلاّ أنه ظل طيلة مساء وليل ذلك اليوم يصعد وينزل وكأنه لم ينم. ونظر إليّ نظرة استفهام وتساؤل وفهمت معناها على الفور : أيليق بي أن أكون لاجئاً؟ و طلب مني مباشرةً الإقلاع عن الفكرة إلّا إذا كنت معه، ولكنني كنت قد أمّنت سفري إلى لندن وكان من الصعوبة تأمين ذلك له في فترة وجيزة وعملت كل ما في وسعي لكي أمدّد له الإقامة لمدة ستة أشهر. وطلب مني مرافقته إلى دمشق حيث كان يخشى الإيقاع به وكنت قد ذهبت قبل ذلك إلى دمشق لمرافقته إلى براغ عبر لارنكا (قبرص) حيث استضافنا الصديق العزيز فراس فاضل عباس المهداوي لمدة يومين.

      ستبقى هذه السردية ناقصة لأنها لم تغطي سوى شذرات من سيرة مناضل لا يمكن أن نعطيه حقّه ونحيط بكل جوانب ما قدّمه ، فقد إجترح عذابات وحرمانات لا حدود لها وعاش خارج الأضواء زاهداً متواضعاً كتوماً محافظاً على سرية عمله حتى بالظروف الطبيعية، وقد كنت قد فرضت إسمه العلني حمايةً له  في الشام على الرغم من تمنّعه في البداية ، لكن ذلك شكَل، في ظروف الصراعات الحزبية والدسائس والمؤامرات والوشايات، ضمانةً له ضدّ تداخلاتٍ أمنية، لاسيّما وأن مواقفه كانت ضدّ الحصار والعدوان واحتلال العراق وهو ما وقع به آخرون.

     عاش صاحب الحكيم شيوعيا نقيّا ووطنياً أصيلاً وإنساناً شريفاً وهو في كلّ مراحل عمله امتاز بتعامله الإنساني وبروح المودة والتآزر والتضامن والرحمة بين الرفاق، ولذلك وقف ضدّ إجراءات القمع والتنحيات والمقاطعة الإجتماعية، وهي أساليب تنتمي إلى الحقبة الستالينية المظلمة.

 

 

مناظرة السليمانية :

واستذكارات الحوار العربي - الكردي

 

د. عبد الحسين شعبان *

 

     كان أول حوار عربي – كردي خارج الأطر الرسمية  تقرّر قبل 30 عاماً، حين اجتمعت نخباً فكرية وثقافية وحقوقية و سياسية من العرب والكُرد بدعوة من المنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن، التي تسجّل لها هذه المبادرة، وذلك لمناقشة جوهر الموقف من حقوق الشعب الكردي و أهم الإشكاليات النظرية والعملية والقضايا الخلافية لبحثها ومناقشتها بروح الشعور بالمسؤولية والحرص وبكل صراحة وشفافية، حيث تم تبادل وجهات النظر واستمزاج الآراء والاستئناس بأفكار متنوعة بشأن واقع العلاقات العربية - الكردية وآفاق المستقبل ، خصوصاً بعد المآسي والارتكابات التي تعرّض لها الشعب الكردي، لاسيّما إثر مشاهد الهجرة الجماعية الكردية المرعبة 1991 بعد حملة الأنفال السيئة الصيت ومن ثم قصف قضاء حلبجة في 16 – 17 آذار/ مارس1988  بالسلاح الكيماوي وغاز الخردل، الذي أودى بحياة بضعة آلاف، وذلك  قبيل وقف الحرب العراقية – الإيرانية (1980 - 1988) التي أُعلن عن انتهائها في 8 آب/ أغسطس 1988 ، بقبول إيران لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 598 الصادر في العام 1987 .

لمعان الفكرة

    حين علمت أن وفد الجبهة الكردستانية وصل بغداد للتفاوض مع الحكومة العراقية، لمعت برأسي فكرة الحوار العربي - الكردي، وذلك بعيد انسحاب القوات العراقية ، إثرَ حرب التحالف ضد العراق 17/1/1991  من الكويت وصدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 688 الخاص  باحترام حقوق الإنسان، وذلك بعد فشل انتفاضة آذار / مارس 1991 ضدّ النظام الحاكم في العراق، فطرحتُ الفكرة في محاضرة لي في ديوان الكوفة كاليري في لندن وسط حشد كبير وذلك يوم 17 نيسان/ أبريل 1991، وكانت المحاضرة بعنوان " المهجّرون العراقيون والقانون الدولي"، وهي موثّقة بكتابي " عاصفة على بلاد الشمس"، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1994 . وهو ما نشرته جريدة الحياة (اللندنية)  في 28/4/1991 . ولكن الفكرة اختمرت في ذهني وقررت الإشتغال عليها بسبب تباين المواقف واختلاف وجهات النظر خلال وبُعيْد المفاوضات الحكومية - الكردية.

اعتبارات موضوعية وذاتية

        تعود قناعتي بفكرة الحوار العربي - الكردي إلى عدد من الإعتبارات أهمها:

      أولها - الموقف المادي الجدلي "الماركسي" من مبدأ حق تقري المصير والذي مثّل رؤية أممية - إنسانية كانت وما تزال صالحة عند الحديث عن حل مشكلة التنوّع الثقافي، لاسيّما المتعلّق بالهويّات القومية في المجتمعات والبلدان المتعدّدة الثقافات ، والذي تجسّد في جوانب عملية إتخذتها الحركة الشيوعية في العراق منذ العام 1935 حين رفعت شعاراً "على صخرة الإتحاد العربي - الكردي تتحطّم مغامرات الإستعمار والرجعية"، وذلك انطلاقاً من إيمانها بحق تقرير المصير للشعب الكردي، والذي انعكس على نحو ملموس في الكونفرنس الثاني للحزب العام 1956 الذي أكد على " الإستقلال الذاتي" لكردستان في إطار التحالف القوي بين "حركة الانبعاث القومي العربي والحركة القومية الكردية وتطلّع الشعب الكردي إلى التحرر والوحدة القومية"، فالاستعمار هو الذي فرّق كردستان وهو الذي شجّع سياسة الإضطهاد القومي في العراق، وهو الذي قسّم البلدان العربية كما ورد فيه.

     وثانيها - علاقاتي الكردية وصداقاتي الحميمة مع العديد من الكرد، خصوصاً فترة دراستي في جامعة بغداد، وسبق لي أن رويت الكثير عنها في مناسبات مختلفة يضاف إلى ذلك معرفتي بواقع الاضطهاد والإستلاب الذي عانى منه الشعب الكردي، وذاكرتي الأولى لإحدى المناسبات وأنا فتى حين اطّلعت على بيان من صفحة واحدة، وجهها الأول باللغة العربية ، ووجهها الثاني باللغة الكردية وهو ما أثار فضولي الشديد آنذاك (ربما كان بمناسبة كردية أو عيد نوروز)، فضلا عمّا أثار قدوم الزعيم الكردي الكبير الملّا مصطفى البارزاني من المنفى في العام 1958 من مشاعر تضامن ظلّت عالقة بذهني.

      وثالثها - انخراطي في أعمال جماهرية مبكّرة بشأن القضيّة الكردية منذ العام 1961 وأنا في بدايات عضويّتي في الحزب الشيوعي، ومنها مشاركتي في تظاهرة تدعو للسلم في كردستان في العام 1962 ، كذلك التوقيع على عريضة (مذكرة)  موجّهة إلى الزعيم عبد الكريم قاسم  تطالبه بوقف الحرب ضدّ الحركة الكردية وتدعو إلى حل القضية الكردية بالإعتراف بحقوق الشعب الكردي، وذلك من خلال السلم والحوار. وقد ساهمتُ في جمع تواقيع العشرات من الأصدقاء حينها.

     ورابعها - بعض الملاحظات المبكّرة التي تولّدت لديّ بشأن بعض مواقفنا من القضية الكردية، ومواقف القوى الأخرى، بما فيها القوى القومية الكردية. وهنا أذكر على سبيل المثال لا الحصر الموقف من رفع شعار "السلم في كردستان"، الذي نظرت إليه في فترة لاحقة باعتباره شعاراً عامّاً يصلح لمنظمة مجتمع مدني، أو جمعية إنسانية لا لحزب عريق ذو تاريخ عريق ومواقف عريقة بصدد القضية الكردية، إضافة إلى الموقف الخاطئ والضار من حمل السلاح ضد الحركة الكردية في فترة الجبهة الوطنية مع حزب البعث في العام 1974، وهذه ربما تحتاج إلى مناقشتها في سياقها التاريخي دون تبريرها أو إغفالها.

      وهناك جوانب أخرى كان لديّ تحفّظات بشأنها، وخصوصاً  اتفاقية  6 آذار/ مارس لعام 1975 المعروفة بإسم "إتفاقية الجزائر" وهي اتفاقية مُجحفة وغير متكافئة، وكنت قد توقّفت عندها في وقت مبكّر، أذكر بعضاً منها ما ورد في كتابي " النزاع العراقي - الإيراني"، بيروت، 1981، وما جاء في مقالة بحثية بعنوان: "القضية القومية الكردية والحزب الشيوعي العراقي"، مجلة الحرية، العدد 87 (1162) في 21/10/ ، 1984. ومقالة أخرى الموسومة "القضية الكردية والحرب العراقية - الإيرانية"، مجلة الحرية، العدد 96  (1171) في 23/12/1984،. وهو ما أصبح نهجاً  لي في  معالجة الوضع العراقي.

أين دور المثقفين؟

       ويعود الإهتمام بالقضية الكردية أيضاً إلى شعوري أن ثمّة دور للمثقّفين لا بدّ أن يلعبوه كما كانوا في خمسينيات القرن الماضي، بهدف بلورة رؤية خارج الأطر الرسمية، بحيث تساهم فيها النخب الفكرية والثقافية والسياسية العربية - الكردية اليسارية والقومية . وقد أخذت على عاتقي تحويل الفكرة إلى مبادرة، وهذه الأخيرة إلى فعل قابل للتنفيذ بتشكيل لجنة تحضيرية للملتقى الفكري الذي اتخذ من "الحوار العربي - الكردي" عنواناً له، وضمّت اللجنة التحضيرية للملتقى أعضاء من اللجنة التنفيذية للمنظمة العربية لحقوق الإنسان وساهم معنا من الأصدقاء الكرد سامي شورش كعضو في اللجنة التحضيرية، وانعقد المؤتمر في المركز الثقافي الكردي الذي كان يرأسه محمد صدّيق خوشناو حينها.

     وقد اخترنا عدداً متكافئاً من الكرد والعرب (25 + 25) بحيث يكون المجموع 50 مثقّفاً وحضرت وسائل الإعلام المختلفة، وبعض الصحافيين مثل عبد الوهاب بدرخان وحازم صاغية وكاميران قرداغي، وكانت الشخصيات العربية والكردية  تمثّل الألوان المتنوّعة في الساحة الثقافية والسياسية والفكرية. 

      ووقع اختيارنا من العراق على خمسة شخصيات أساسيّة تمثّل كلّ منها تيّاراً فكرياً فعامرعبد الله رمزاً للشيوعيين والماركسيين وهاني الفكيكي عن البعثيين والقوميين والسيد محمد بحر العلوم عن الإسلاميين وعبد الكريم الأزري أقرب إلى التيّار الملكي المنفتح وحسن الجلبي من التيّار الليبرالي الأكاديمي القريب من التوجه الغربي، إضافة إلى حضور عراقي لعدد من الشخصيات المهتمّة، ومن العرب حضرت شخصيات من مصر و سوريا والسودان و لبنان  وفلسطين و المملكة العربية السعودية و البحرين و ليبيا.

     ولعلّ مثل هذا الحضور النوعي والجغرافي كان الأول من نوعه في إطار حوار مفتوح دون أجندات مسبقة أو إصطفافات مبيّتة، بل كان الغرض منه التعرّف على واقع المطالب الكردية وعلى لسان الكرد بشكل حر وفي إطار مواقف عربية بعضها يستمع لأول مرة إلى واقع التنوع القومي في العراق، ناهيك عن ما تعرّض له الكرد من مظالم. 

     وكان التمهيد لذلك الحوار محاضرة ألقيتها في مركز آل البيت الإسلامي في لندن ( بإدارة السيّد محمد بحر العلوم) والموسومة "القضية الكردية في الفكر السياسي العراقي " (31/5/1992)، ومحاضرة أخرى في المركز الثقافي الكردي، نشرتها في جريدة الحياة بعنوان:" الفيدرالية وحق تقرير المصير: جدل الحاضر والمستقبل"، (حلقتان في 2 و 3 آب/ أغسطس 1992 ).

القرار 688

       ترافق ذلك التوجّه بعد فشل مفاوضات بغداد و صدور القرار 688 في 5 نيسان/ أبريل 1991 من مجلس الأمن الدولي حيث عادت القضية الكردية إلى الأروقة الدولية، وخصوصاً في الأمم المتحدة، حيث أكد القرار المذكور على وقف القمع الذي تتعرض له المنطقة الكردية وبقيّة مناطق العراق، بل اعتبر هذا القمع "تهديداً خطيراً" للسلم والأمن الدوليين، ودعا إلى احترام الحقوق السياسية لجميع المواطنين العراقيين، وذلك في إطار الدعوات التي ارتفعت لاحترام حقوق الإنسان، لاسيّما بعد تحلل الكتلة الإشتراكية في نهاية الثمانينيات، كما طلب تقديم تقرير دوري إلى الأمين العام للأمم المتحدة.

     وبسبب مشاهد الهجرة الجماعية وما رافقها من دعوات إنسانية، وأخرى تتعلّق بتداعيات ما بعد غزو الكويت وتدمير العراق، قررت حكومات كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا منع الطيران العراقي من التحليق فوق خط العرض 36 باعتباره منطقة آمنة "الملاذ الآمن " Safe Haven ، وقد شملت المنطقة الكردية التي تأسست فيها إدارة ذاتية بعد إنسحاب الإدارة الحكومية في نهاية العام 1991 وإجراء إنتخابات لأول برلمان في كردستان (ربيع العام 1992) ، وتأليف أول حكومة لإقليم كردستان، الذي قرر برلمانه في 4 تشرين الأول / أكتوبر 1992 اختيار الفيدرالية كشكل للعلاقة المستقبلية مع عرب العراق. وهو ما تقرّر في مؤتمر صلاح الدين للمعارضة

        وإذا كان من يقرّر مصير العلاقة العربية - الكردية هي الجهات السياسية، خصوصاً القابضة على السلطة، فإن رأياً عاما يمثّل تيارات مختلفةً وبقوة ناعمة ومتنوّعة ، وخصوصاً بحضور نوعي للمثقفين، يمكن أن يؤثر في التوجه العام، وذلك بالتراكم والتطوّر التدرّجي، حتى وإن جاء بعد حين. ولم يكن بيان 11 آذار /مارس 1970 ، سوى ثمرة لتراكم كمّي طويل الأمد وصل إلى مثل هذا التغيير النوعي.

       إن فكرة الحوار تنمّ عن رغبة في إيجاد حلول ومعالجات، ووضع مخرجات للتطبيق يمكن أن تكون خلفية لأصحاب القرار، فالحوار العربي – الكردي، الذي كنّا وما زلنا ندعو له هو حوار معرفي وثقافي وفكري وحقوقي يبدأ من منطلقات المصير المشترك والحقوق المتكافئة وتوسيع الخيارات بما يستجيب لمصالح الشعبين العربي والكردي، ومن مقاصده أيضاً لفت الإنتباه إلى أهمية حلّ القضية الكردية كمسألة مركزية بالإرتباط مع مسألة الحكم في العراق على صعيد السلطة والمعارضة، وكان شعار "الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان"  يمثّل جزءًا مهماً من الحركة الوطنية وعموم الحركة الكردية منذ الستينيات.

     والحوار يعبّر عن  درجة عالية من الوعي والمسؤولية والشجاعة في تناول المشكلات بصراحة ووضوح وأفق مستقبلي أيضاً، دون نسيان الحواجز الفعلية والوهمية التي تعترض هذه الطريق، بما فيها مواقف بعض القوى القومية العربية السلبية ولا أبالية الحركة الدينية الناشئة التي لم تتّخذ موقفاً فعلياً من الحقوق الكردية حتى العام 1992، بل ظلّ موقفها أقرب إلى جملٍ عمومية متفرّقة.

مناظرة بعد 30 عام

      على هذه الأسس والخلفية التأمت  مناظرة بعد 30 عاماً في مدينة الثقافة والجمال السليمانية ضمّت كاتب السطور والسياسي والمثقف  الكردي الفطن والجريء ملّا بختيار ( حكمت محمد كريم) القيادي في حزب الإتحاد الوطني الكردستاني الذي أسسه الرئيس جلال طالباني في العام 1975 ، لتناقش بجو حضاري وشفافية عالية المشكلات القديمة والجديدة، بما فيها ما احتواها الدستور النافذ لعام 2005 ، وكان هدفها الأساسي البحث عن المشتركات وتوسيع دور المثقفين في تعزيز العلاقات بحثاً عن السلم والمساواة والجمال.

     جدير بالذكر أن المناظرة التي خصصت لها جلسة مستقلة و لقيت اهتماماً بالغاً، حيث تم نقلها مباشرة عبر يوتيوب، كانت ضمن جدول أعمال  فعالية ثقافية عربية تم تنظيم جلستها الأولى في مدينة العمارة ( جنوب العراق) لتجمع عدد من المثقفين العرب تحت عنوان "مؤتمر القمّة الثقافي" الذي ينسّق أعماله الأديب محمد رشيد، فجاءت المناظرة  مترافقة مع انعقاد الجلسة الثانية في مدينة السليمانية.

     وكان الحوار خارج دائرة المدح أو القدح وبعيداً عن الولاء أو العداء أو التأييد أو التنديد أو التقديس أو التدنيس، بل تمّ طرح القضايا ذات الإهتمام المشترك بروح الصداقة المتبادلة وضمن أجواء حضارية ومستقبلية، بما فيها تباين وجهات النظر واختلاف زوايا الرؤية في الماضي والحاضر.

     فماذا يريد الكرد من العرب؟

     وماذا يريد العرب من الكرد؟

     وكيف السبيل لطي صفحة الماضي البغيض خصوصاً تعامل الحكومات المتعاقبة مع حقوق الشعب الكردي، تلك التي اقترنت بالتمييز والعسف والاضطهاد، ومنذ تأسيس الدولة العراقية في العام 1921 ، وكان أكثرها قسوة من جانب النظام البعثي السابق، على الرغم من أن الإعتراف بحقوق الشعب الكردي الأولية، كان قد تقرّر في بيان 11 آذار/ مارس 1970 وأُدرجت في الدستور العراقي الصادر في تموز/ يوليو 1970 ، وتلك مفارقة كبيرة أيضاً تستحق التوقف عندها، وقد سبق لي أن أضئت بعض جوانبها.

 

 

نصوص دستورية

      كان أول نص دستوري تقرّر فيه "شراكة العرب والكرد" في الوطن العراقي قد ورد في الدستور العراقي المؤقت الذي خطّه يراع الطيّب الذكر الفقيه القانوني حسين جميل في العام 1958 بُعَيد ثورة 14 تموز/ يوليو، وأهم من ذلك، بعد اتفاق 11 آذار/ مارس 1970 حيث ورد النص دستورياً " أن العراق يتألّف من قوميّتين رئيسيّتين هما العربية والكردية ...." وهو إعتراف صريح وواضح بالحقوق السياسية والإدارية والثقافية، وكل ذلك في إطار الإئتلاف والإختلاف، من خلال الإقرار بخصوصية الشعب الكردي في العراق، وهذه تقود منطقياً إلى الإعتراف بمقوماته بما فيها حقّه في تقرير المصير.

      وهذا لا يعني بالضرورة الانفصال كما يذهب البعض إلى ذلك، وهو إعتقادٌ خاطئ من أي جاء، فالعديد من القوميات والشعوب والمجموعات الثقافية والإثنية والدينية والسلالية واللغوية تعيش في دول متعددة الثقافات وفي إطار حقوق متساوية دستورياً، بغضّ النظر عن عددها وحجمها، لكن الإقرار بكيانيّتها وخصوصيّتها يمنحها مثل هذا الحق الذي يمكّنها التمتع فيه كحق قانوني واستخدامه بطريقة إيجابية، وتعود المسألة في أغلب الأحيان إلى درجة تطوّر المجتمع والثقافة السائدة ودور النخب الفكرية والثقافية والسياسية من الأمة" المضطهِدة" ومدى تضامنها مع الأمة "المضطهَدة"  حسب تعبير كارل ماركس " لا يمكن لشعب يضطّهِد شعباً آخر أن يكون حرّاً" ، أي لا بدّ من الاعتماد على شكل من أشكال الإستقلالية المتجسّدة بالحكم الذاتي أو الفيدرالية أو الكونفيدرالية وصولاً إلى إقامة كيانيّة خاصة حين يصبح العيش المشترك مستحيلاً، وهو مثل الطلاق على حدّ تعبير لينين ( أبغض الحلال عند الله ).

     إن مثل هذه المواقف مرهونة بالظرف الموضوعي والذاتي للطرفين ومدى توافقهما على المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة وعلى درجة الإصطفاف في معسكر الأصدقاء أو معسكر الأعداء. أي على مدى تضامن الأمة الأكبر مع الأمة الأصغر  في نبذ الإستعلاء والهيمنة مقابل نبذ الأمة الأصغر للتعصّب والانغلاق، سواء حين يتقرر الإتحاد الإختياري الأخوي في ظل شراكة متكافئة، ومواطنة كاملة ومتساوية أو حين يتقرر الإنفصال، علماً بأنه ليس كل انفصال يقضي إلى تطور ورفاه وتنمية، إلّا إذا توفّرت ظروفه الموضوعية والذاتية، وتجربة جنوب السودان الذي انفصل باستفتاء حاز على 98% لصالحه وبإشراف من الأمم المتحدة لكن أوضاعه زادت سوءًا وحالته تدهوراً.

دروس التاريخ

     إن دراسة التاريخ ضرورية، فالتاريخ مراوغ وماكر حسب هيغل، ووفقاً  لماركس "ليس وعي الناس هو الذي يحدّد وجودهم إنما وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدّد وعيهم" بمعنى من المعاني أن الحياة هي التي تحدّد الوعي، وبالطبع  فلكل تاريخ فلسفته ، وفلسفة تاريخ القمع ضدّ الكرد، ليست سوى الانجراف بالضدّ من الصيرورة الإنسانية. وهو الأمر الذي يثير أسئلة مقلقة بشأن استخدامات القوة والعنف واللجوء إلى السلاح  لحل الخلافات، خصوصاً من جانب القوى المهيمنة، وإذا كانت قوّة الحق وقوة المقاومة متّسقة برفض من جانب الجهات التي تتعرّض للقمع، ففي وجهها الثاني تضامنٌ من جانب الأصدقاء في الدفاع عن المظلومين والمضطهدين، خصوصاً وأن الشعب الكردي تعرّض منذ تأسيس الدولة العراقية أي قبل 100 عام إلى إنتهاكات سافرة على حد تعبير ملّا بختيار.

      وكانت الكثير من القوى تتّخذ من حقوقه موقفاً سلبياً أو لا مبالياً حتى فترة قريبة. وقد حاولت جميع الحكومات التي تعاقبت على سدّة الحكم استخدام الوسائل العسكرية و العنفيّة في مواجهة مطالبه العادلة والمشروعة، لكنها لم تتمكّن من فلّ عزيمته، كما أنه لم يستطع نيل حقوقه وتحقيق آماله بوسائل المقاومة العنفية على أهميتها وعلى اضطراره إليها، الأمر الذي يقتضي التفكير مليّاً بالوسائل السلمية والمدنية أسلوباً مرجّحاً وغالباً لتحقيق طموحاته، وهو ما ينطبق اليوم على علاقة إربيل ببغداد وعلى حلّ القضية الكردية في كل من إيران وتركيا، إضافة إلى مستقبل الإدارة الذاتية الكردية في سوريا وعلاقتها مع الدولة السورية.

الحوار الثاني

      إذا كان أول حوار عربي – كردي من النوع الذي جرت الإشارة إليه انعقد في لندن في العام 1992 ، فإن الحوار الثاني التأم في القاهرة في العام 1998 بعد وقف الإقتتال الكردي - الكردي 1994 - 1998  بالتعاون مع لجنة التضامن المصرية برئاسة أحمد حمروش وشارك في التحضير له الصديق عدنان المفتي (ممثل عن أوك) وعمر بو تاني (ممثل عن حدك) ، وحضره نحو75  شخصية بينهم عدد كبير من الشخصيات الكردية وعدد قليل من عرب العراق من بينهم كاتب السطور الذي حضّر بحثاً رئيسياً وعدد من الشخصيات المصرية البارزة ، وكان مؤتمر القاهرة استكمالاً وتواصلاً للحوار الأول وشارك فيه جلال الطالباني، زعيم الإتحاد الوطني الكردستاني وعدد من قيادات الحزب الديمقراطي الكردستاني وبمباركة من رئيسه مسعود البارزاني. 

     لكن هذا الحوار المتكافئ والموضوعي كان يمكن تطويره و مأسسته، وجرت محاولات على صعيد تشكيل جمعيات للصداقة العربية - الكردية، فضلاً عن دعوات لقيام معهد للدراسات العربية - الكردية، إلاّ أنه بعد إحتلال العراق العام 2003 اتخذ أشكالاً أخرى ، وذلك باستقطابات جديدة، فإما كان أقرب إلى مهرجانات تأييد ومبايعة وولاء دون حوار يطرح الإشكالات أو يقترح حلولاً ومعالجات أو يناقش وجهات النظر المختلفة، حيث ظلّت معظم المشكلات عائمة دون حلول، وانعكس ذلك في دستور العام 2005 ، الذي زاد من حدّة الإختلاف بسبب الألغام العديدة التي احتواها لدرجة أن الفرقاء الذين أقروا الصيغة الفيدرالية حين كانوا في المعارضة وفي مؤتمر صلاح الدين العام 1992  ظهروا كمتخاصمين، بل أقرب إلى "الإخوة الأعداء" باقتباس من عنوان رواية الشاعر والمفكّر اليوناني نيكوس كازانتزاكيس، وهو ما انعكس في صياغات غامضة وملتبسة ومشفّرة تكاد تنفجر عند أول منعطف أو اختلاف كما حصل عند استفتاء إقليم كردستان ، وأصبحت مع مرور الأيام عُقداً تضاف إلى العُقد المُزمنة والمشاكل المعتّقة.

الاستفتاء

      كان الإستفتاء الكردي في 25  أيلول/ سبتمبر العام 2017 مجسّاً جديداً للعلاقات العربية – الكردية، وكاد الأمر أن يؤدّي إلى صدام لا يحمد عقباه على الرغم من خطر داعش الإرهابي (تنظيم الدولة الإسلامية)  الذي كان ما يزال يحتل الموصل وأجزاء أخرى من محافظات صلاح الدين والأنبار وله جيوب في كركوك وديالى . وانقسمت النخب وسط تأجج للمشاعر واستدرار  للعواطف بين مؤيد بلا حدود للإستفتاء، حتى وإن لم يكن مؤيداً لحق تقرير المصير للشعب الكردي، ولكن لمكاسب وامتيازات وطموحات ومساومات سياسية وخصومات معلنة أو مستترة وفقاً لميزان القوى، وبعضها الآخر رافض بالمطلق للفكرة أساساً منقلباً حتى على بعض مواقفه السابقة من تأييد حقوق الشعب الكردي، سواء لحسابات إقليمية أو لقصور في التفكير وضيق أفق ومحاولات للإستقواء.

      ولم يكن بعض هذه المواقف بعيداً عن دول الإقليم، وخصوصاً إيران وتركيا، وكلاهما وجّها رسائل واضحة وصريحة من جهة، ومن تحت الطاولة من جهة أخرى  ، بأن الإستفتاء لن يمرّ وسيعملان بكل ما يستطيعان على إفشاله، لإدراكهما ما سيكون له من تأثير على حقوق الشعب الكردي لديهما، فالبلدان يعانيان بأشكال مختلفة من إنسداد أفق إزاء حقوق الشعب الكردي في كل منهما ، فتركيا تلتهب فيها القضية الكردية منذ الثمانينيات وينشط فيها حزب العمّال الكردستاني PKK حيث ما يزال زعيمه عبد الله أوجلان رهن السجن منذ العام 1999 ، وهو صاحب فكرة "الأمة الديمقراطية "التي تكمن في إطارها تحقيق حقوق الشعب الكردي بالإعتراف به وبخصوصيته  وحقه في حكم نفسه بنفسه. أما إيران فما تزال تعتبر "القومية" بدعة وضلالة، وكل بدعة في النار، وبالتالي فأي مطالبة بالحقوق القومية تنظر إليها بصفتها استهدافاً للجمهورية الإسلامية.

      وإذا كان الإستفتاء قد حصل في إطار إقليم كردستان، وصوّت إلى صالحه الغالبية الساحقة من سكّانها، إلّا أن نتائجه ظلّت مقتصرة على الرغبة المعلنة، وهي خيار استراتيجي كردي مع معارضة قوى داخلية وإقليمية وتحفّظات دولية. وكان وزراء خارجية كل من إيران وتركيا وسوريا يلتقون منذ مطلع التسعينيات ولغاية وقوع العراق تحت الإحتلال  العام 2003 ، وفي كل اجتماع ، تتم الإشارة إلى حالة الفلتان الأمني والفوضى والمخاطر على الوحدة الوطنية العراقية، وليس ذلك سوى التعبير عن خشية من انتقال مثل تلك الحالة إليها، وخصوصاً ما يتعلق بقيام كيانية كردية.

اللحظة التاريخية

    إذا كنّا قد تحدثنا عن المؤيدين والمنددين لخيار الإستفتاء، فثمّة فريق ثالث وإن كان الأقل عدداً ولكنه الأكثر وجدانية وصميمية بتأييده حقوق الشعب الكردي كاملة وغير منقوصة، بما فيها حقّه في تقرير المصير، ولكن قرار مثل ذلك القرار المصيري لابدّ من دراسته بدقّة وإحكام، بما فيه قياس درجة تقبّل الوضع الإقليمي والدولي، إضافة إلى حشد قوى صديقة ومجتمعية في الداخل العراقي، كيما تتوفّر له عوامل النجاح والإستمرارية والديمومة، خصوصاً وأنه سيقود إلى إحداث تغيرات جيوبوليتكية في الحال أو في المستقبل، الأمر الذي يقتضي حساب اللحظة التاريخية  في الإختيار والتوقيت استراتيجياً وتكتيكياً، بما لها علاقة  بمستقبل الشعب الكردي وطموحاته المشروعة،إضافة إلى علاقته المستقبلية  بالشعب العربي وظروف توازن القوى في المنطقة كي لا يكون عرضة لإختراق القوى الإقليمية، خصوصاً ما يتردد عن تأييد مجاني يشكّل إستفزازاً لمشاعر عربية من جانب "إسرائيل" مستغلّة ومستفيدة من اضعاف أي كيانية عربية من خلال تأجيج نار الصراع والإحتراب وصولاً إلى تفتيتها أو تقسيمها.

      وحتى بعض القوى الدولية التي كان يُعتقد تأييدها لخطوة الإستفتاء، فإن موقفها كان سلبياً ومتحفظاً، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، التي كان بعض المسؤولين الكرد يعوّلون عليها، لأنها وضعت مصالحها الحيوية في العراق والمنطقة، قبل أي اعتبار آخر.

     وعلى الرغم من  استراتيجية واشنطن المعلنة والتي بلورها على نحو واضح برنارد لويس منذ نهاية السبعينيات، إلاّ أن إختيار اللحظة التاريخية مسألة ينبغي أن تُؤخذ بنظر الإعتبار بقراءة المستجدات والمصالح الدولية، إذْ لا تكون أحياناً متوافقة أو متطابقة مع متغيّرات محليّة ولكل ذلك سياقاته الجيوبوليتكية في الصراع والإتفاق وبما ينسجم مع المصالح الحيوية كما تسميها القوى المتنفّذة.

     لقد نظّر برنارد لويس  لفكرة تقسيم العالم العربي إلى دويلات إثنية ودينية وطائفية ومناطقية وغيرها، حتى أنه اقترح خريطة ضمّت 41 كياناً، وهكذا يصبح الجميع "أقليّة "، وتكون حينها "إسرائيل" الأقلية المتفوقة تكنولوجياً وعلمياً، لاسيّما بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص  والغرب عموماً، وكان إيغال ألّون في سياساته الإستيطانية الطويلة الأمد وصولاً إلى إجتياح لبنان ومحاصرة العاصمة "بيروت" 1982 قد تبنّى سياسة القضم التدرّجي للأراضي الفلسطينية وتفتيت العالم العربي، وهو مشروع قائم ومستمر بأشكال مختلفة، وكان آخرها وليس أخيرها مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي روّج له جورج بوش الإبن عند احتلال العراق، ومشروع الشرق الأوسط الجديد الذي بشّرت به كونداليزا رايس وزيرة خارجية الولايات المتحدة  بعد العدوان "الإسرائيلي" على جنوب لبنان في العام 2006  ومشروع جو بايدن الخاص بتقسيم العراق إلى ثلاث فيدراليات أقرب إلى "كانتونات" أو "دوقيات"  والذي وافق عليه الكونغرس الأمريكي العام 2007 ، وهو وإنْ ما يزال في الأدراج إلّا أنه يُمكن تحريكه باللحظة المناسبة فيما إذا اختارت الولايات المتحدة ذلك، وقد دعا الرئيس دونالد ترامب إلى مشروع صفقة القرن ، والذي هو استمرار لإتفاقية  سايكس – بيكو ولكن بطبعة جديدة، وكان الفلسطينيون قد خسروا وطنهم في الصفقة الأولى، ولم يتمكّن الكرد من تلبية طموحهم في وطن موحّد كما جاء على لسان الملّا بختيار في مناظرة السليمانية.

      وحتى بعد إتفاقية سيفر لعام 1920، التي اعترفت بجزء من حقوق الكرد  والتي تم تسويفها بمعاهدة لوزان العام 1923حين قرّر الحلفاء المساومة لحساب تركيا، كان الضحية الشعب الكردي وشعوب المنطقة جميعاً، خصوصاً بعد وعد بلفور العام 1917 القاضي بمنح اليهود حق إقامة دولة لهم في فلسطين، وتمهيداً لذلك كان الإنتداب البريطاني على فلسطين في العام 1922 ، بعد أن تقرر الأمر في مؤتمر سان ريمو العام 1920.

         وحين أستعرِضُ تاريخ المنطقة، فإنما أريد الإضاءة على إشكالية إتخاذ القرار بالتساوق بين ما هو موضوعي وما هو ذاتي، دون أن يعني ذلك تخفيض سقف مبدأ حق تقرير المصير.  وبالعودة إلى قرار الإستفتاء الذي أثار زوبعة من العداء والكراهية والإتهامات المنفلتة من عقالها، حيث عادت لغة التخوين والتشكيك، ووجد البعض ضالّته بإذكاء نار الصراع، فأحيا من جديد ما توفّر في القاموس القديم بما فيه استخدامات الأنظمة السابقة ومعارضاتها، ولعبت القوى الأكثر تطرفاً في الضرب على الأوتار الحساسة لدى الجانبين العربي والكردي. فماذا يتطلّب الأمر من المثقفين المؤمنين بقيم الحرية والتحرّر وحق تقرير المصير؟

الأمير الحسن وحوار عمان

 

 كمثقّفين يهمّنا إقامة علاقات سويّة ومتكافئة ومتساوية وسلميّة، خصوصاً بما يجمعنا من قيم مشتركة أساسها نبذ التمييز ورفض الظلم والإستبداد والإضطهاد والدفاع عن الحقوق والحريات وصولاً إلى سلام عادل يلبّي طموح الكرد في إطار المصالح الوطنية العليا والقيم الإنسانية، ولكي يتم توسيع دائرة الحوار ونزع فتيل النزاع بادر سمو الأمير الحسن بن طلال بقناعة بالدعوة الخيّرة لرأب الصدع وإعادة اللحمة، خصوصاً بين المثقّفين الكرد والعرب، فدعا في عمان إلى حوار عربي – كردي في 1 آذار/ مارس 2018 ، ساهم فيه مثقّفون كرد وعرب من الأقطار العربية المختلفة، وبينهم بالطبع من العراق أيضاً.

 وطرح لقاء عمان بلاتفورم للعمل عليه فيما يتعلّق بتعزيز الروابط الثقافية والفنية والأدبية وتشجيع الترجمة وتبادل الزيارات وإقامة فاعليات وأنشطة مشتركة على جميع المستويات الفنيّة والرياضية والإجتماعية، يكون سقفها الإحترام المتبادل ومراعاة الخصوصية والهويّات المتعدّدة بما يجمعها من مشتركات عامة. وصدر في كرّاس بعنوان " الحوار العربي - الكردي" - خلاصة أعمال ندوة عقدها منتدى الفكر العربي في 1 آذار/ مارس 2018.

وقد أُجريت جولة الحوار العربي - الكردي، الفكري والثقافي بشفافية عالية واعتمدت كأساس لإقامة جولة ثانية موسّعة للحوار وفقاً للبلاتفورم الذي وضعه منتدى الفكر العربي، ولولا اجتياح المنطقة والعالم أجمع جائحة كورونا (كوفيد-19) لكان من المقرّر التواصل لتحديد موعد للجولة الثانية.

 

حوار أعمدة الأمة الأربعة

واستناداً إلى نجاح فكرة الحوار العربي - الكردي، بادر سمو الأمير الحسن لتبنّي مقترح تنظيم جولة لحوار مثقّفي الأمم الأربعة: الكرد والفرس والترك والعرب في 23 تموز/ يوليو 2018 ، وكان أول لقاء لوضع هذا المقترح موضع التنفيذ قد حصل في تونس في إطار المعهد العربي للديمقراطية 2016  بمبادرة من كاتب السطور ، وشارك فيه شخصيات كردية وفارسية "إيرانية" وتركية وعربية، وتأسّس وفقاً له لاحقاً منتدى التكامل الإقليمي في بيروت 2019، إلاّ أن جائحة كورونا وظروف التباعد حالت دون تنشيط دوره، علماً بأنه عقد لقاءً تشاورياً في تونس أيضاً في مطلع العام 2020.

وبالعودة إلى مبادرة سمو الأمير الحسن فقد انعقد "مؤتمر أعمدة الأمّة الأربعة" بحضور شخصيّات من تركيا وإيران وكردستان (العراق) والبلاد العربية. وتجري الإستعدادات لعقد لقاء جديد يستكمل اللقاءين السابقين، العربي - الكردي و"أعمدة الأمة الأربعة"، وقد انعقد لقاء تشاوري للجنة مصغّرة ضمّت ممثلين عن مثقفين من الأمم المشار إليها .

 

 

 

السليمانية : التواصل والتكامل

 

 تواصلاً مع مؤتمرات الحوار العربي - الكردي منذ 30 عاماً، فإن المناظرة الفكرية التي انعقدت في السليمانية 3-5  أيلول/سبتمبر 2021، والتي تحدّث فيها ملّا بختيار وكاتب السطور، أعادت طرح الإشكالية  التي هي العنوان العام لجميع الحوارات: ماذا يريد الكرد من العرب وماذا يريد العرب من الكرد؟ وكيف السبيل لتعزيز دور المثقفين للتفاعل والتواصل في إطار المشترك الإنساني؟

ومن خلال المداخلات وعلى هامشها أيضاً تم التفكير في سبل جديدة لبحث و تطوير ما هو مشترك وصولاً إلى ما هو خلافي، أو العكس البدء مما هو خلافي لتنقية الأجواء وصولاً إلى ما هو مشترك، وذلك بالعمل على إزالة العقبات التي تعترض طريق المثقفين والثقافة التي هي  المظلّة التي يستظلّون تحت لوائها، كما يمكن تحديد الأولويات بدءًا بالمواطنة وفكرة الإتحاد الإختياري والعيش المشترك، من خلال مناقشة التجارب العملية، سواء ما هو قائم منها أو ما هو محتمل إبتداءً من الحكم الذاتي ومروراً بالفيدرالية وصولاً إلى الكونفيدرالية، مثلما يمكن مناقشة حق تقرير المصير في تجليّاته الحقوقية والسياسية، بجوانبها النظرية والعملية بما فيه تشكيل كيانية خاصة بالكرد فيما إذا رغبوا بالإستقلال وتكوين دولة حين يصبح العيش المشترك مستحيلاً.

 

"الضد" واﻠ "مع"

 الأمر لا يتعلّق بالرغبات (ضدّ أو مع)، بل بتوازن القوى والمصالح وإمكانية الإستمرار في كيانية كردية خاصة دون تداخلات أجنبية، وخصوصاً إقليمية، ناهيك عن ضغوط دولية، فما هو دور المثقّف الكردي النقدي التنويري التبصيري؟ وأين يكمن جوهر ثقافته؟ وكيف السبيل للتواصل مع شقيقه المثقّف العربي في العراق والعالم العربي، ناهيك عن المثقف الإيراني والمثقف التركي ؟ والأسئلة ذاتها هي التي تواجه المثقّف العربي في العراق، فما هو دوره؟ وكيف ينظر إلى مطالب شقيقه المثقّف الكردي؟ وماذا يريد منه؟

 ففي بعض المواقف ثمّة اختبار لصدقية وإنسانية وثقافة المثقّف، إذْ كيف يمكن تطويع وسيلته الإبداعية لخدمة القيم الإنسانية والجمالية؟ ثم ما السبيل لتواصله مع شقيقه المثقّف الكردي في كردستان العراق أو في بقية أجزاء كردستان؟ ويتطلّب الأمر النظر بحيوية وتكافؤ دون إستعلاء أو تسيّد أو ادعاء بالأكثرية العددية من جانب المثقّف العربي ودون تعصّب أو انغلاق من جانب المثقّف الكردي.

 

الراهن مستمر

مثل هذه الأسئلة الراهنة، كانت "راهنة" دائماً وعلى قدر كبير من الحساسية في وقت تمّت الدعوة لأول حوار عربي – كردي في العام 1991 خارج الأطر الرسمية حين التأم في العام 1992 ، ويتذكّر الأحياء من الذين حضروا المؤتمر الأول للحوار وهم كثر من العرب والكرد كيف سارت وجهة الحوار في بداياتها؟ وكيف انتهت إليه في خاتمتها وهو ما يعزز الثقة بالحوار وأهميته وأفقه المستقبلي؟

وهو ما يمكن الإجتماع عنده كمثقفين وأصدقاء معنيين بشؤون الثقافة وبالدور المنشود للمثقّف، خصوصاً حين يكونون على قناعة بأهميّة العلاقات العربية – الكردية ليس ببعدها السياسي فحسب، بل بأبعادها الجيوسياسية والثقافية والإجتماعية  والصداقية والإنسانية.

وبما أن المثقّف ناقدٌ فمن خلال النقد والنقد الذاتي والمراجعات الضرورية يمكن التوصّل إلى مشتركات لتجسير الفجوة بين المثقّفين أولاً، وإزالة بعض الحساسيات والعوائق خارج دوائر الإستتباع والهيمنة أو الإنعزالية والإنغلاق، وهو ما ينبغي البناء عليه في إطار علاقات  حميمية وصادقة، فلا الولاء أوالمديح أوتأييد السياسات بما لها وما عليها، ولا العداء أوالتجريح أو الشوفينية ، تستطيع بناء علاقات صادقة وصافية ومحترمة وواعدة في الآن، تلك التي تعني توسيع خيارات الناس في التنمية والتقدّم والإزدهار.

لقد كانت مناظرة السليمانية علامة مضيئة على طريق الحوار العربي – الكردي، خصوصاً وأنها من السليمانية وكردستان، لذلك فإنها ستكون خطوة إيجابية وموفّقة لتعضيد المبادرات العربية على هذا الصعيد، وبالتالي يمكن أن تكون نواة لحوار قادمٍ بين مثقّفي الأمم الأربعة الذي هو الآخر يحتاج إلى مأسسة وإدارة وتواصل في الحقول المختلفة.

 

حوار 50 عاماً أفضل من ساعة حرب

     أعتقد إن السبيل لبلوغ الأهداف المشتركة هو الحوار، وكما قيل حوار 50 عاماً أفضل من حرب ساعة، فالحرب ستترك ويلات ومآسي وآثار إجتماعية ونفسية وجروح يصعب إندمالها أحياناً وذاكرة قد تتّجه إلى الكراهية والحقد والإنتقام، فما بالك حين يكون ضحيّتها الشعب الأعزل والجهات التي دُفعت إليها دفعاً، حتى وإن كانت خارج دائرة الصراع. 

     والحوار يتطلّب جهداً أكبر يجمع مثقّفين من تيّارات فكرية واجتماعية مختلفة، ليكونوا قوة ضغط وقوة إقتراح وقوة شريكة ومكمّلة في وضع الحلول والمقترحات، من خلال رؤية حقوقية - إنسانية، انطلاقاً من المشتركات والمصالح والمنافع المتبادلة.

     أعتقد أننا كنخب عربية وكردية بحاجة إلى حوارات معمّقة وتفاهمات استراتيجية واتفاقات طويلة المدى وثقة متبادلة وصراحة كاملة وشفافية عالية ونقد متبادل ونقد ذاتي أيضاً، لندفع بجهد السياسيين لعلاقات منزّهة خالية من الأغراض والتكسّب والمصالح الأنانية الضيّقة، والتفاهمات التكتيكية الطارئة والظرفية والصفقات، والتي سرعان ما تتبخر وتظهر عيوبها، وذلك بعيداً عن أجواء الغرف المظلمة أو المهرجانات الصاخبة ذات الطابع الدعائي والتي غالباً ما تأخذ جانب المجاملة والإحتفالية.

    وكنت لأكثر من مرّة قد أشرت إلى ضرورة مراجعة وتدقيق ما يحتاجه الطرفان العربي والكردي وكلاهما مستهدفٌ من قوى خارجية وأخرى داخلية لا تريد لهذا الملف أن يصل إلى غاياته المنشودة ، وكان آخرها في المنتدى الأكاديمي الدولي بالتعاون بين جامعتي كويسنجق وبغداد 28 - 29 نيسان/ أبريل 2019 وفي بحثٍ عن "المثقف ومسألة التعايش المشترك" حاولت أن أضع أمام المعنيين عدداً من القضايا التي تحتاج منّا إلى وقفة جديّة لمراجعتها ومنها:

المحاولات الحثيثة لعزل الكرد عن المحيط العربي وإضعاف ما هو مشترك و

وإيجابي في العلاقات وتقديم ما هو إشكالي و خلافي، حيث يجري تضخيم "الفوارق" بدلاً من تعظيم "الجوامع". وفي هذا المجال هناك تفاصيل عديدة، تتعلّق باللغة والثقافة والترجمة والفنون والأداب والعلاقات بشكل عام.

تحميل العرب والعروبة وزر ما حدث للكرد من اضطهاد وعسف شوفيني. وبنظرة تعميمية تتحوّل ارتكابات النظام السابق وآثامه والأنظمة التي سبقته وكأنها ارتكابات من جانب العرب والعروبة، ومثل هذه النظرة تنطلق من رد الفعل بعيداً عن العقلانية النقدية الإيجابية، ناهيك عن الواقع.

أما من جانب العرب فيتم:

اتهام الكرد بالانفصالية والعداء للعرب لمطالبتهم بحق تقرير المصير ودعوتهم لإقامة كيانيّة خاصة مستقلة بهم (دولة) ، وتحميلهم مسؤولية ما حدث وما يحدث بعد الاحتلال. ومثلما ينبغي التمييز بين عروبة الحكّام المستبدين وعروبة العرب، فإن ضيق أفق بعض النخب السياسية الكردية الانعزالية لا ينبغي أن يتحمّله المثقفون الكرد، ناهيك عن الشعب الكردي.

عدم اكتراث بعض عرب العراق وقسم كبير من القوى السياسية، فضلاً عن المثقّفين العرب من بلدان عربية أخرى بمسألة كرد إيران وكرد تركيا وكرد سوريا وحقوقهم المشروعة، وكأن الأمر لا يعنيهم، في حين أنهم يطالبون الكرد باتخاذ مواقف تضامنية مع العرب في كل مكان، وخصوصاً فلسطين، إلا أنهم يقفون موقفاً سلبياً إزاء حقوق الكرد.

عدم اكتراث بعض كرد العراق أو غيرهم من الكرد بحساسية العلاقة مع "إسرائيل" المنتهِكة لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، ولاسيّما حقه في تقرير المصير.

وعلى الطرفين العربي والكردي عدم تقديم ما هو طارئ ومؤقت وآني من قضايا شائكة ومعقدة، على حساب ما هو استراتيجي وثابت وبعيد المدى. والأمر يشمل النخب السياسية بالدرجة الأساسية، والنخب الفكرية والثقافية والحقوقية أيضاً وإن بدرجة أدنى.

 وعلى الطرفين العربي والكردي تبديد المخاوف والشكوك إزاء بعضهما البعض، إذْ لا بدّ للمثقفين العرب تبديد مخاوف الكرد وذلك من خلال تعزيز وتوطيد العلاقة والتفاهم والمشترك الإنساني، والاعتراف بحقوقهم وفي مقدمتها حقهم في تقرير المصير بكل ما يتضمنه هذا الحق وما يعنيه من مضامين، لا باعتبارها منّة أو هبة أو هديّة، بقدر كونها إقراراً بواقع أليم وانسجاماً مع النفس في الإنتصار للمظلوم والشريك في الوطن، فضلاً عن مبادئ المساواة والعدالة والشراكة والمواطنة المتكافئة التي هي الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه بناء الدولة ، مثلما ينبغي أن تقوم عليه العلاقات بين الشركاء. فالكرد أمة مثل بقية الأمم لها الحق في تقرير مصيرها وتحقيق الوحدة الكردية الكيانية، مثلما العرب أمة قسمها المستعمرون أيضاً ولها الحق في إقامة الوحدة العربية. وهو ما ينبغي أن يُؤطّر قانونيّاً وفي سياق دستوري مُتّسق.

 كما لا بدّ  للمثقفين الكرد تبديد مخاوف العرب بتأكيد اعتبارهم جزءًا من العراق في إطار حق تقرير المصير الذي اختاروه عبر النظام الفيدرالي، علماً بأن  لا سعادة للعرب من دون الكرد، ولا سعادة للكرد من دون العرب في العراق، لأن مصيرهما مشترك وذلك قدر الجغرافيا، سواء أكان نقمة  أم نعمة.

ولعلّ جميع هذه القضايا ستظل مطروحة للنقاش، وقد جاء بعض هذه القضايا في مناظرة المفكّر الكردي ملّا بختيار مع كاتب السطور عبّر فيها الطرفان برحابة صدر وموضوعية وشفافية عالية.

 

عوضاً عن الخاتمة

وفي الختام أودّ أن أشير إلى ما سبق وأن قلته منذ عقود من الزمن، وهو أن "أغلبيات" كثيرة اجتمعت في شخصي المتواضع، وذلك بمحض الصدفة، وهي أغلبيات دينية وقومية وحسب البعض مذهبية، وأزعم أنها أغلبيات شعبية، وخصوصاً دفاعي عن الفقراء والكادحين وعموم المظلومين، ولكن عروبتي التي أعتزّ بها وانتمائي الصميمي للحضارة العربية - الإسلامية ودفاعي عن المسحوقين ستكون ناقصة ومبتورة ومشوّهة إن لم أعترف بحقوق الآخرين وفي مقدمتهم الشعب الكردي الشقيق، ولاسيّما حقّه في تقرير مصيره.

وكنت كتبت رسالة خاصة للزعيمين الكرديين مسعود البارزاني و جلال الطالباني عشية غزو العراق واحتلاله في العام 2003 محذّراً من المخاطر الجمّة، وأكرر اليوم ما جاء فيهما فحتى لو تخلّى هذا الطرف الكردي أو ذاك لأسباب سياسية أو تكتيكية عن حق تقرير المصير، فسوف أبقى مدافعاً عن حق الشعب الكردي في تقرير مصيره وخياراته الحرة لإيماني المبدئي، الفكري والحقوقي بذلك، ولأن ذلك حق قانوني وإنساني أيضاً، سواء بالإتحاد الإختياري الأخوي أو إقامة دولة مستقلّة صديقة للعرب، وأقول ذلك دون لبس أو غموض وبثقة وشفافية كمثقف يؤمن بقيم التحرر والحرية والسلام والتسامح وحق تقرير المصير. 

*أكاديمي ومفكّر عربي من العراق

جريدة الزمان (العراقية) يوم السبت 30 تشرين الأول / أكتوبر 2021

 

           

 

كورونا والسلام العالمي

 

عبد الحسين شعبان

 

     حين نتحدّث عن التنمية المستدامة، أي التنمية البشرية الشاملة بمعناها الإنساني، فإننا نقصد شمولها للجوانب السياسية والقانونية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية والتربوية والبيئية والنفسية والدينية، إذْ لا يمكن إحداث التغيير المنشود دون تحقيق السلام الذي يتطلّب توفير الأمن والأمان والطمأنينة والإستقرار، حيث يعتبر السلام أحد أهم أهداف التنمية التي لايمكن تحقيقها على نحو دائم ووطيد، دون إقامة السلام.

     وبسبب إندلاع الحروب والنزاعات المسلّحة وغياب السلام وما صاحب ذلك من قلق وتوتّر لسكّان المعمورة ، خصوصاً بعد إندلاع حربين عالميتين، فقد حفّز ذلك الأمر الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تولي هذه المسألة الحيوية الإهتمام المطلوب، وتأخذ على عاتقها التذكير بمخاطر تهديد السلم والأمن الدوليين، وأن تتبنّى إعلان يوم عالمي للسلام ، وذلك قبل أربعة عقود من الزمن، حيث اتخذت قراراً في العام 1981 للإحتفال بالسلام العالمي، والهدف من ذلك نشر ثقافة السلام وتعزيزها وتعميم قيمها بين البلدان والأمم والشعوب والجماعات والأفراد.

     وفي العام 1991 قررت الجمعية العامة إعتبار يوم 21 سبتمبر/ أيلول من كل عام يوماً للسلام العالمي تحتفل به؛ وذلك بالدعوة إلى إنهاء الحروب ووقف إطلاق النار بالمناطق التي تندلع فيها الحروب، ومناشدة البلدان والمنظمات الدولية والإقليمية الحكومية وغير الحكومية والشخصيات الفاعلة للعمل على تحقيق ذلك، لما له من إنعكاسات إيجابية على الجمهور، وهي دعوة تتضمّن التعاون والتضامن لتحقيق هذه المهمة النبيلة بمّا ينسجم مع ميثاق الأمم المتحدة الذي ينصّ على صيانة السلم والأمن الدوليين، باعتباره مبدأ أساسياً من مبادئها، والعمل على حل الخلافات بالطرق السلمية وتحريم إستخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية.

     وكان شعار المجتمع الدولي هذا العام " التعافي بشكل أفضل من أجل عالم أكثر إنصافاً وتنمية مستدامة"، وذلك تزامناً مع حالة الخروج من الوباء الذي هدّد البشرية جرّاء مداهمة فايروس كورونا العالم أجمع 2020 – 2021 ، وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد دعا العالم أجمع إلى وقف إطلاق النار، ولاسيّما في البلدان التي تشهد حروباً أو نزاعات حربية.

      وكان مجلس الأمن الدولي قد أصدر قراراً بالإجماع يدعو فيه جميع الدول الأعضاء البالغ عددهم 193 دولة إلى وقف إنساني مستدام للنزاعات الأهليّة، وإقترح وقفاً لإطلاق النار لتمكين الأشخاص المحاصرين في النزاع المسلّح من الحصول على اللقاحات اللازمة لمواجهة تحدّي كورونا ( كوفيد – 19 ) والحصول على العلاجات الضرورية للبقاء، وذلك بعد اجتياح الفايروس.

     ويمكن القول أن الإحتفال باليوم العالمي للسلام له أكثر من دلالة؛

      فهو إعلان صريح من جانب الدول والمنظمات والجهات والقوى ضدّ الحروب والنزاعات المسلحة؛

       وهو في الوقت نفسه يلتمس الطريق السلميّة لحل النزاعات وعدم اللجوء إلى العنف والسلاح وإستخدام القوّة في العلاقات الدولية أو التهديد بها، علماً بأن بعض النزاعات قديمة أو جديدة أو متجدّدة؛

      كما يعني الإحتفال التمسّك بالقيم والمعاني الإنسانية والتي يتضمّنها السلام العالمي، وكذلك التبشير بالمستقبل الذي تعمل من أجله البشرية، بحيث يتحقّق السلام وتنعم البشرية بالسعادة والرفاه وبالطبع بالتنمية والمساواة والعدالة، وذلك بتعزيز قيم الحرية واحترام حقوق الإنسان.

     ويعني الإحتفال باليوم العالمي للسلام نبذ العدوان والحروب والعنف، وذلك امتثالاً لميثاق الأمم المتحدة الذي يدعو للتسامح، وعلى الشعوب والأمم أن تأخذ بعضها البعض بالتسامح، بعدما شهدت ويلات لا حصر لها، فالسلام ضرورة إنسانية وحاجة ماسّة، بل لاغنى عنها تستوجب تعاون جميع البلدان كبيرها وصغيرها لحمايته.

      إن من مصلحة البلدان والشعوب الصغيرة والمستضعفة أن تتمسّك بالسلام وقيمه، ففيه وحده يمكن تحقيق آمالها وطموحاتها بما ينسجم مع القواعد الآمرة في القانون الدولي المعاصر، تلك التي يتضمنها ميثاق الأمم المتحدة والإتفاقيات والمعاهدات الدولية الجماعية ذات الصفة الإشتراعية أو الإتفاقات الثنائية التي تقّر عدم الإعتداء وحماية السلم والأمن الدوليين، واحترام حق تقرير المصير للأمم والشعوب وإستقلالها وسيادتها على كامل أراضيها وثرواتها الطبيعية، وحل الخلافات بالطرق السلمية وعدم اللجوء إلى القوة والتهديد بها، فضلاً عن التعاون بينها لإنماء العلاقات الإقتصادية والإجتماعية والثقافية وفي مجمل قطاعات التنمية، ومنها ما واجهته البشرية من تهديد خطير إثر مداهمة فايروس كورونا " كوفيد 19 " ، ناهيك عن أوبئة وأمراض خطيرة أخرى ، دون أن ننسى وباء الإرهاب الدولي الذي هدّد البشرية جمعاء، خصوصاً في العقدين المنصرمين، وبعد تفجير برجيّ التجارة العالميّين في 11 سبتمبر/ أيلول 2001  واستمرار خطر تنظيم القاعدة الإرهابي وما أعقبه تنظيم داعش وأخواتها، بحيث تسلل الخوف والهلع إلى العديد من مناطق العالم.

     إن مرور 20 عاماً على اليوم العالمي للسلام فرصة مناسبة للمطالبة بالتوافق على ميثاق دولي ذا بُعد إنساني أو إتفاقية دولية للسلام،  وذلك لمجابهة التعصب ووليده التطرّف وإبنهما العنف والإرهاب، فلن تتحقّق التنمية المنشودة دون سلام وأمن، فهو الوعاء الحامل لها

 

المناخ والنفط

عبد الحسين شعبان

 

هل ثمّة علاقة بين المناخ والنفط؟ سؤال طالما يتردّد على لسان مختصّين وغير مختصّين. وما يهمّنا هنا هو الجانب الصحي والإنساني، خصوصاً ونحن نتابع كلّ يوم تحذيرات شديدة ومقلقة بشأن مستقبل الكرة الأرضيّة في ظلّ  تبدّلات المناخ ومتغيّراته بما يجعل المرء أحياناً يشعر بالخوف، بل ويتملّكه الهلع بشأن مصير البشرية ومستقبلها، بسبب تخصيص الميزانيات الضخمة للتسلّح والعلوم الحربية وأنواع جديدة من السلاح، في حين لم يول الإهتمام الكافي بالصحة والتعليم والبيئة والبحث العلمي عموماً، في ظلّ امتداد التصحّر وتفشّي الأمراض والأوبئة وآخرها مداهمة العالم أجمع فايروس كورونا "كوفيد-19"، إضافة إلى الإحتباس الحراري والتغييرات التي يشهدها المناخ .

ويذكّرنا ذلك بالسنوات الأخيرة للحرب الباردة والصراع الآيديولوجي بين المعسكرين، حيث قررت واشنطن تخصيص تريليوني دولار لحرب النجوم في سباقٍ للتسلّح مع موسكو، وهي ميزانية لم يقدر الإتحاد السوفيتي السابق على مجاراتها فيها. وكان ذلك مؤشراً جديداً على فوز الغرب في سباقه مع  النظام الإشتراكي، يضاف إلى مؤشّرات أخرى تتعلّق بالنظام السياسي وشحّ الحريّات والاختناقات الإقتصادية التي عاشها.

وبدلاً من التوجّه للبحث العلمي والتعاون الدولي في مجالات العلم والبحث والتكنولوجيا والصحة والبيئة لرفاه الإنسان وسعادته، فإن المنافسات السياسية والمصالح الأنانية الضيّقة هي التي كانت تتغلّب باستمرار وهي الآن تأخذ منحىً جديداً يتعلّق بالصراع الأمريكي - الصيني بشكل خاص، والأمريكي الروسي أيضاً، حيث يجري فيه إهمال قضايا حسّاسة ومصيرية مثل تغييرات المناخ دون شعورٍ بالمسؤولية من جانب القوى المتنفّذة. وحين نستعيد ذلك فالأمر متزامنٌ مع حرائق مدمّرة في العديد من البلدان المتقدّمة والنامية، إضافة إلى أعاصير وفياضانات وتغيير في درجات حرارة الكوكب التي ترتفع من سنة إلى أخرى.

في ظلّ هذه الأوضاع صدر تقريران دوليان خطيران: الأول- من لجنة علماء الأمم المتحدة بشأن  تغيّرات المناخ. والثاني- تقرير وكالة الطاقة الدولية تمهيداً لمؤتمر غلاسكو الذي سينعقد في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل 2021. ويؤكّد التقريران ضرورة البحث في مستقبل المناخ، وصولاً للعام 2050 تساوقاً مع قرارات مؤتمر باريس المناخي ولتأكيد إلتزامات الدول بالقرارات التي تمّ التوصّل إليها والتعهدات التي أخذتها على عاتقها.

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن الربط المباشر بين التغيّرات المناخية والإرتفاعات في درجات الحرارة، هي جرّاء عمل الإنسان، أي أن التقلّبات المناخية ناجمة عن استعمال مباشر ومكثّف للنفط والمصادر الهيدروكربونية. ولهذه الأسباب حذّر التقريران من انبعاثات غاز الميثان وثاني أوكسيد الكربون على التغيير المناخي، وهو ما يستمرّ سنوياً دون توقّف، بل أخذ بالإزدياد والإرتفاع خلال السنوات الأخيرة، بما يؤثّر سلباً على استيعاب الغابات لثاني أوكسيد الكربون وتقليص انبعاث الأوكسجين من الأشجار، وهو ما يفاقم الأزمة المناخيّة المتعاظمة. وكانت نصف الإنبعاثات التي زادت من حرارة الجو خلال عامي 2019 - 2020 ناجمة عن حرائق الغابات.

 وتعمل شركات الطاقة الكبرى على تقليص انبعاث ثاني أوكسيد الكربون وذلك عبر تدويره بتقنية خاصة، مما يعني سحبه من البترول المنتج ومن ثم تخزينه في آبار فارغة لاستخدامه في وقت لاحق، ويتمّ تطوير هذه التقنية في إنتاج النفط والغاز، ولكن دون انبعاث للكربون أو بانبعاثات ضئيلة جداً. وحتى الآن لم تتوفّر بدائل مقبولة وكافية لتغطية الإستهلاك الواسع والمتعاظم للنفط، علماً بأن نسبة الإنبعاثات من قطاع الطاقة تساوي حوالي 4/3 (ثلاثة أرباع) ما يتمّ انبعاثه من الكربون.

وكانت اتفاقية باريس قد حدّدت هدفاً رئيساً لها وهو التوصّل إلى صفر من الإنبعاثات الكربونية بحلول 2050، الأمر الذي يحتاج إلى إيجاد البدائل منذ الآن، وتأخذ بعض البلدان بتشريعات جديدة وأنظمة وقوانين للبدء بإحلال البدائل، مع الأخذ بنظر الإعتبار الإكتشافات العلميّة الجديدة.

ويبقى دور النفظ والغاز مهمّاً في مرحلة الطاقة المتجدّدة. فمن الناحية التجارية لا بدّ من أخذ الإستثمارات الهائلة في القطاع النفطي الدولي، خصوصاً في مجال الصناعة النفطية فيما إذا تمّ بنجاح تدوير الكربون، الأمر الذي يؤكّد علاقة المناخ بالنفط ، علماً بأن الحملة العالمية لتغيير المناخ هي ضدّ الإنبعاثات وليس ضد استخدامات النفط حيث يمكن أن يلعب النفط الخالي من الإنبعاثات دوراً في مرحلة الطاقة المتجدّدة، وقد يتنافس عبر السوق ومن خلال الأسعار مع الطاقة المستدامة، وبالطبع فإن الأمر له علاقة بالسوق، أي بالعرض والطلب وبالتطوّر العلمي أيضاً.

وتواجه دول العالم الثالث والبلدان الفقيرة عموماً موضوع المناخ بصعوبة كبيرة فيما يتعلّق بالإستثمارات لتحييد الإنبعاثات، لذلك يبقى خيار بدائل الطاقة المستدامة غير متاح لدولها، لأن الحلول المطروحة تلبّي إلى حدٍّ كبير مصالح الدول الصناعية الغنية والمتقدّمة، في حين أن الدول النامية والفقيرة ما تزال خارج دائرة الفعل في هذا الميدان لأسباب تتعلّق بعدم المساواة وغياب التكافؤ في العلاقات الدولية ، ناهيك عن الإستلاب والإستغلال الذي تتعرّض له ثرواتها من جانب القوى الكبرى.

 

 

الشباب نصف

الحاضر وكل المستقبل

 

عبد الحسين شعبان

 

كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة  قرّرت في 17 ديسمبر/ كانون الأول العام 1999 اعتبار يوم 12 أغسطس/ آب من كل عام يوماً للشباب العالمي تحتفل به، وذلك لتأكيد دوره في عملية التغيير والتنمية في المجالات كافّة: السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية، بوصفه شريكاً لا غنى عنه لكل عملية تقدُّم لدرجة أنه لا يمكنها أن تقوم من دون مساهمته الفاعلة والواعية.

ويواجه الشباب اليوم مصاعب شتّى وتحدّيات جمّة، فضلاً عن عوائق وكوابح غير قليلة، وخصوصاً في ظلّ العولمة بوجهها المتوحّش، حيث تنخفض مستويات المعيشة ويزداد الفقر وتنتشر البطالة والأميّة وترتفع معدّلات الهجرة الشرعية وغير الشرعية، لا سيّما من بلدان الجنوب الفقير إلى بلدان الشمال الغني، كما تتفشّى الأمراض والأوبئة وآخرها فايروس كورونا "كوفيد - 19" ويرتفع مستوى الجريمة المنظّمة والإتجار بالبشر وتستشري تجارة المخدرات والأسلحة وتكثر على نحو مطّرد ومعدّلات العنف والإرهاب، وغير ذلك من الجوانب التي تؤثر سلباً على جيل الشباب وتحول دون استمتاعهم بشبابهم، بل وتحرمهم أحياناً من توسيع معارفهم وشحذ طاقاتهم بالإتجاه الإيجابي. فبالشباب تزدهر الأوطان وهم عماد الوطن والأمّة في الدفاع عنهما، خصوصاً في الأزمات والمحن.

وبما إن الشباب نصف الحاضر وكل المستقبل، فلا بدّ من توفير مستلزمات الإفادة منهم في الحاضر والمستقبل وذلك بتمكينهم من امتلاك ناصية العلم أولاً والمعرفة والثقافة في فضاءات حرّة ورحبة لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم وتقديم مبادراتهم ومشاريعهم  وابتكاراتهم إلى المجتمع، وكذلك في إفساح المجال أمامهم والاستماع إلى آرائهم ووجهات نظرهم، كي تتفتّق مواهبهم وتثمر جهودهم للقيام بالدور المنوط بهم في عملية التنمية وفي تنقية وترميم الحياة السياسية والاجتماعية وتطويرها بما ينسجم مع تطلعاتهم لمستقبلٍ أكثر انفتاحاً وتنوّعاً، خصوصاً في البحث عن قواسم مشتركة مع بعضهم البعض بغضّ النظر عن دينهم وقوميتهم وجنسهم ولغتهم ولونهم وأصلهم الإجتماعي، فالشباب أخوة وأحبّة يجمعهم طموح مشترك وحماسةٌ وإرادةٌ وحيويةٌ وعطاءٌ.

ولا يمكن للبلدان والأمم والشعوب أن تتقدّم دون المساهمة الحيوية الفاعلة لجيل الشباب الذي يتمتّع بقدرات بدنية وعقلية وروحيّة عالية قياساً بالأجيال التي تسبقهم أو تعقبهم، ولذلك فإن الرهان عليهم دائماً، لما يتمتعون به من قوة وطاقة ومبادرة وجرأة وإقدامٍ وسلامةٍ جسمية، فلا رياضة دون الشباب ولا فنون وآداب ورقص وموسيقى وشعر ومسرح وسينما دونهم، لأنهم يمثّلون عصب الحياة الحقيقي وينبوعها المتدفّق.

 

ولعلّ الشاعر الجواهري كان على حق حين خاطب الشباب قائلاً:

            نزق الشباب عبدتهُ /  وبرئتُ من حلم المشيبِ

يا من يقايضني ربيع / العمر ذا المرج العشيبِ

بالعبقرية كلّها / بخرافةِ الذهن الخصيبِ

إن الإحتفال بيوم الشباب العالمي هو رسالة إلى جميع الحكومات التي عليها أن تعي دورهم وأن تسهم في رفع كفاءاتهم فبالعلمِ والعلمِ والعلمِ والعيش الكريم يمكن الإرتقاء بهم، خصوصاً بتشجيع حرية التعبير ليتمكّنوا من تفجير طاقاتهم واستخدامها على أحسن وجه، فكلّما ضاقت تلك السُبل فأن طاقاتهم يمكن أن تتوجّه إلى مواقع أخرى خاطئة، وقد تُنذر بشرٍّ مستطير، خارج دوائر الإبداع والإنتاج والعمل، حيث يمكن استغلالهم من جانب القوى المتعصبّة لدفعهم نحو التطرّف، وهذا الأخير إذا ما تحكّم منهم فقد يتحوّل إلى سلوك ويقودهم إلى العنف، والعنف حين يضرب عشوائياً يصبح إرهاباً.

 وإذا كان الشباب هم من حاربوا القوى الإرهابية والعنفيّة، التي تغوّلت على المجتمع واستهانت بمرجعيّة الدولة، فإن هذه الأخيرة حين تمكّنت من عقول بعض الشباب باستغلال أوضاعهم الإقتصادية والإجتماعية والدينية والقومية والثقافية، خصوصاً  في ظلّ أوضاع التخلّف والجهل والفقر والتمييز، حاولت الضرب على الأوتار الحسّاسة التي تحرّكهم موظّفةً ذلك لأغراضها الأنانيّة ومشاريعها السياسيّة  الجهنميّة، وإلاّ كيف لشخص يوعد بالجنّة وبالحور العين، فيندفع لقتل عشرات أو مئات الناس في سوق أو ساحة عامة أو مدرسة أو كنيسة أو مسجد، إن لم يكن قد تمّ تخريب عقله وغسل دماغه والتلاعب بضميره.

وكان الهدف رقم 10 من مشروع التنمية المستدامة 2030 قد أكّد على تعزيز المساواة ودعم النمو في الدخل لفئة الأربعين في المئة من البلدان الأكثر فقراً والأقلّ نماءً لضمان الفرص المتكافئة وإنهاء التمييز والأمر يخصّ الشباب بالدرجة الأساسية والبلدان الفقيرة بشكلٍ خاص، الأمر الذي يحتاج من أصحاب القرار، إضافة إلى المنظمات الإنسانية والمؤسسات الدولية والمراجع الدينيّة والهيئات الثقافيّة، الأمر يحتاج إلى تنمية قدرات الشباب وشحذ طاقاتهم وتوفير الفرص المناسبة لهم للحصول على عمل مناسب وأجرٍ مناسب يتوافق مع قدراتهم إناثاً أو ذكوراً.

ولا بدّ من إشراك الشباب في صنع القرار بما يشعرهم  بالإنتماء الحقيقي لمجتمعهم ويعزّز من هويتهم المشتركة ويجسّر الفجوة بينهم وبين أصحاب القرار، دون أن ننسى الإهتمام بالأنشطة الترفيهية لهم باعتبارها ضرورية للنمو المنسجم نفسياً وجسدياً، خصوصاً والعالم في الطور الرابع من الثورة الصناعية والذكاء الإصطناعي واقتصاد المعرفة.

 

 

 

مئوية الدولة العراقية

عبدالحسين شعبان

 

خصّص ملتقى الرافدين للحوار مؤتمره السنوي لبحث إشكاليات الدولة العراقية ومشكلاتها بعد مرور 100 عام على تأسيسها في 23 أغسطس/ آب 1921، بحضور رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان وشخصيات سياسية وازنة ونخبة من الأكاديميين والباحثين والمفكرين، تحت عنوان «العراق في مئة عام: مسارات مضطربة وأزمات متجددة».

وكان المؤتمر فرصة للحوار وتبادل وجهات النظر واستمزاج الآراء والاستئناس بأفكار ذات مشارب مختلفة، ومن شخصيات عراقية وعربية ودولية تمثل اتجاهات متنوّعة، فالحوار لم يعد ترفاً فكرياً، أو نزوة عابرة، بقدر ما أصبح ضرورة وامتيازاً في آن، بعد أن وصلت العملية السياسية التي تأسست بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003، إلى طريق مسدود، واستمرار ظاهرة انتشار السلاح خارج الدولة، وتغوّل جهات ما دونها لتصبح ما فوقها في ظلّ نظام يقوم على المحاصصة والتقاسم الوظيفي الطائفي والإثني.

وكان المؤتمر أيضاً فرصة لإعادة قراءة التاريخ، خصوصاً فترة العهد الملكي، وحصول العراق على الاستقلال، حتى إن كان شكلياً ودخوله عصبة الأمم، حيث تم تشييد أساسات الدولة العراقية بهياكلها المعروفة، ودواوينها وقوانينها وتطبيقاتها وخططها الاقتصادية ومشاريعها العمرانية، وحتى إن كانت الحريات شحيحة إلا أنه شهد نهوضاً ملحوظاً، وتطلّعاً نحو الحداثة والتقدم.

وعلى الرغم مما حققته ثورة 14 يوليو/ تموز1958 من منجزات سياسية واجتماعية واقتصادية، وفي مقدّمتها الخروج من حلف بغداد، وانتهاج سياسة تحررية وتحرير العملة العراقية من شرنقة الكتلة الاسترلينية وتشريع قانون تقدمي لمصلحة المرأة في عام 1959 (قانون رقم 188)، وآخر لتحرير الثروة النفطية في عام 1961 (قانون رقم 80 )، إلاّ أن العراق عاش أوضاعاً استثنائية وفترة انتقالية، وشهد حرباً ضد الشعب الكردي واندلاع أزمة المطالبة بضم الكويت، ما سهّل الإطاحة بالجمهورية الأولى في عام 1963، وزاد من التضييق على الحريات العامة والخاصة وانتهاج سياسة استبدادية.

وبعد انقلاب 17 يوليو/ تموز 1968 حُكمت البلاد بالحديد والنار لنحو 35 عاماً، وشهدت خلالها حروباً عبثية داخلية وخارجية، أبرزها الحرب العراقية – الإيرانية ( 1980 – 1988)، واحتلال الكويت عام 1990، وما أعقبها من ردود فعل دولية بالحصار الشامل وصولاً إلى الاحتلال عام 2003.

وبعد الإطاحة بالنظام السابق زادت الانقسامات الداخلية الطائفية والإثنية التي جرى اعتمادها منذ مجلس الحكم الانتقالي الذي أسسه بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق، والتي انعكست على قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية والدستور الدائم النافذ لعام 2005، والذي قام على مبدأ المكوّنات، ابتداءً من الديباجة والمواد 9 و 12 و 49 و 125 و 142، وليس ذلك سوى إقرار بالمحاصصة القائمة على الزبائنية السياسية والمغانم والمكاسب، بعيداً عن مستلزمات المواطنة والكفاءة والإخلاص للوطن.

وحسب ماركس، فإن الذي لا يعرف التاريخ محكوم عليه بتكراره، فالتاريخ لا يعيد نفسه، وإن حصل ذلك ففي المرة الأولى كمأساة، وفي المرّة الثانية كملهاة، علماً بأن التاريخ ماكر ومراوغ حسب هيجل، وبالطبع فلكل تاريخ فلسفة، وفلسفة التاريخ تقوم على معرفة الماضي لدراسة الحاضر واستشراف المستقبل، لأن التاريخ هو أبو العلوم، أما الفلسفة فهي أمّها. وكان كيسنجر أجاب أحد طلّابه الذي سأله كيف يمكن أن يصل إلى ما وصل إليه، بأنه حمل معه كتب التاريخ والفلسفة، فمعرفتهما كفيلة بوضع الخطط الصحيحة للحاضر والمستقبل، وهو ما حاولناه منهجاً عند بحثنا للدولة العراقية.

لقد عانت الدولة ثلاث إشكاليات لا تزال تعيش معها لدرجة أنها أصبحت معتقة، وهي المشكلة الكردية التي تفاقمت وأصبحت شبه مستعصيه بفعل الاضطهاد المزمن، والمسألة الطائفية وهشاشة المواطنة بسبب قوانين مجحفة للجنسيّة وممارسات تمييزية.

وحسب الملك فيصل الأول فإن البلاد العراقية تنقصها الوحدة الفكرية والمليّة والدينية، وتعاني اختلافات شيعية وسنية وكردية «وأقليات غير مسلمة» كما أسماها، ما أطلقت العنان له منظومة 9 إبريل/ نيسان 2003 ليصبح معياراً في توزيع المسؤوليات والوظائف، الأمر الذي أضعف هيبة الدولة وعرّضها للتعويم.

وإذا عدنا إلى مذكّرة الملك فيصل الأول 1932 فهي دعوته إلى الوطنية الصادقة (وتجاوز) الكتلات البشرية المشبّعة بتقاليد وأباطيل دينية، وتشكيل شعب سعى لتهذيبه وتدريبه وتعليمه، وذلك أحد دروس التاريخ وفلسفته التي على العراقيين وضعها نصب أعينهم إذا أرادوا إعادة بناء الدولة على أسس موحّدة وسليمة معيارها حكم القانون والمواطنة واستقلال القضاء، والإقرار بالتنوّع والتعددية والحق في الاختلاف.

drhussainshaban21@gmail.com

 

 

الإرهاب الدولي.. قراءة مغايرة

د. عبدالحسين شعبان

 

هل غيّرت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 العالم؟ اعتقاد يكاد يقترب من الإجماع بعد تلك «الجريمة ضد الإنسانية» كما تم وصفها، وهي جريمة بحق تستوجب عملاً دولياً مشتركاً لملاحقة مرتكبيها وسوقهم إلى العدالة؛ فقد خلّفت تداعيات كبرى على الصعيد العالمي، ومن أبرزها إحياء الرئيس جورج دبليو بوش «حرب ريجان على الإرهاب» كما يذهب إلى ذلك المفكر الأمريكي نعّوم تشومسكي، في كتابه «من يحكم العالم؟» وهو ما نجم عنه غزو أفغانستان في العام 2001 ومن ثم احتلال العراق عام 2003، إضافة إلى التهديدات المتواصلة التي تم إطلاقها بالهجوم على «محور الشر».

بعد عقدين من الزمن على جريمة 11 سبتمبر/ أيلول، هل حققت الولايات المتحدة أهدافها من استراتيجية مكافحة الإرهاب الدولي؟ وهل أصبح العالم أكثر أمناً وأماناً بعد تشكيل «التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب»؟ وهل بات العالم العربي والإسلامي أقل تعصّباً وتطرّفاً وبالتالي أقل عنفاً وإرهاباً؟ ويمكن إعادة السؤال على نحو معاكس، هل استدرج أسامة بن لادن الولايات المتحدة لإلحاق هزيمة بها في بلاد المسلمين عبر حروب صغيرة إلاّ أنها مكلفة وستؤدي في نهاية المطاف إلى إفلاسها كما كان يعبّر عن ذلك؟

وحسب تقديرات معهد واتسون للشؤون الدولية والعامة التابع لجامعة براون، فإن الفاتورة النهائية ستصل إلى حدود 3.2 - 4 تريليونات دولار، وربما زادت عن هذا الحدّ في السنوات الأخيرة بعد احتلال «داعش» للموصل، وتمدّدها في ثلث أراضي كل من العراق وسوريا.

باندفاع واشنطن باستراتيجيتها في العالمين العربي والإسلامي زادت وتيرة التعصّب والتطرّف، وهذان أنتجا عنفاً وإرهاباً دولياً، خصوصاً حين استهدف إضعاف ثقة الدولة بنفسها وثقة المجتمع والمواطن بالدولة، لاسيّما إذا كان عابراً للحدود؛ ولعلّ ذلك ما أراده ابن لادن وهو ما قصدته أو لم تقصده واشنطن بشأن «الفوضى الخلّاقة»، فقد أصبح الأمر واقعاً حتى وإن لم يخطر على بال أصحاب القرار في البيت الأبيض من الرؤساء المتعاقبين، بوش وأوباما وترامب وآخرهم بايدن.

فهل هناك من يتصوّر أنه بعد عقدين من الزمن ستتسلّم طالبان مقاليد الأمور في كابول، وستخرج القوات الأمريكية مهزومة في جنح الظلام، بعد أن بشّرت بحلول ربيع الديمقراطية في أفغانستان والعراق، بل وعموم دول المنطقة.

والشيء بالشيء يذكر كما يُقال، فالانقلاب الذي نظّمته وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA في سانتياغو (تشيلي) في 11 سبتمبر/ أيلول 1973 للإطاحة بحكومة سلفادور أليندي اليسارية المنتخبة وقاده الجنرال أوغوستو بينوشيه أوقع البلاد في لُجة القمع والإرهاب والتعذيب، بدلاً من التطور الديمقراطي المنشود، وقد وصف الرئيس نيكسون هدف عملية تشيلي بالقضاء على «الفيروس» الذي قد يعمّ أمريكا اللاتينية، الأمر الذي قد يعرّض صدقيّة واشنطن للتصدّع وفقاً لكيسنجر.

وكان من تداعيات 11 سبتمبر الأزمة المالية والاقتصادية التي ضربت العالم، وخصوصاً الولايات المتحدة في العام 2008 ومن نتائجهاٍ الانسحاب من العراق (نهاية العام 2011)، ومؤخراً الانسحاب من أفغانستان (صيف العام 2021)، فهل سيؤدّي ذلك إلى أفول العصر الأمريكي الذي روّج له المفكّر فرانسيس فوكوياما ونظريته حول «نهاية التاريخ» وظفر الليبرالية على المستوى الكوني حسب صموئيل هنتنجتون صاحب نظرية «صدام الحضارات»، بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وتفكّك الاتحاد السوفييتي السابق كدولة عظمى ذات ترسانة نووية منافسة للولايات المتحدة حينها.

لقد باتت «اللحظة الأمريكية» أمام امتحان جديد بعد الانتصارات التي حققتها منذ الحرب العالمية الثانية، وخصوصاً بعد انتهاء عهد الحرب الباردة في نهاية الثمانينات وإقامة نظام دولي جديد بقيادتها وهيمنتها الكونية، وذلك بصعود قوى جديدة في مواجهتها تقف الصين في آسيا منافساً قوياً لها، بحيث تشير التقديرات إلى أن الاقتصاد الصيني سيكون الأول في العالم عام 2030، في ظل نظام عالمي يميل إلى التنوّع والتعدّدية، بعد أن أصبح أحادياً وبسيادة أمريكية.

فهل انتهى العصر الذهبي الذي عاشته واشنطن بعد انتهاء الصراع الإيديولوجي مع النظام الاشتراكي العالمي، أم أن قوّتها مستمرة دون أن يعني إمكانيتها على فرض إرادتها بالكامل؟

والأمر له علاقة بالداخل الأمريكي أيضاً، ونظام الصحة والتعليم والخدمات والحريات مثلما له علاقة عالمياً، حيث كانت واشنطن تتفرّد بالزعامة، إلا أن انخراطها في حروب صغيرة ولكنها ذات تكلفة عالية، عمّق من أزمتها البنيوية، بحيث أصبح مجرّد الشعور بوجود «خطر وشيك الوقوع» أو «محتمل» مبرراً كافياً لشن «الحرب الوقائية» أو «الاستباقية» ضد عدو غير محدّد أو حتى موهوم.

drhussainshaban21@gmail.com

 

 

من دروس التجربة المغربية

عبدالحسين شعبان

 

ما الذي حصل بحيث تراجع حزب العدالة والتنمية المغربي الذي كان حصد 125 مقعداً في انتخابات 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، إلى 12 مقعداً في انتخابات 8 سبتمبر/ أيلول 2021؟ ولماذا هذا العزوف الشعبي عنه؟ أثمّة علاقة بين فشل مشروع الإسلام السياسي في العالم العربي وبين انحسار نفوذه في المغرب؟ وهل يعني فشل المشروع الإسلامي انخفاض أو ضعف العقيدة الإسلامية التي ظلّت متجذّرة في النفوس على مدى قرون، خصوصاً وقد ارتفع رصيدها خلال العقود الأربعة المنصرمة، بفعل توظيفها سياسياً من جانب الإسلاميين؟

كان هذا الهبوط الانتخابي في شعبيّة حزب العدالة والتنمية بفعل عوامل خارجية وأخرى داخلية.

وبغض النظر عن بعض ممارسات حزب العدالة والتنمية الداخلية، فقد اعترف بالإخفاقات والتراجع بدل المكابرة والهروب من المسؤولية، وأقدم بقيادة الوزير الأول (رئيس الوزراء) سعد الدين العثماني، على تقديم استقالته تسليماً بنتائج صناديق الاقتراع واللعبة الديمقراطية وبالانتخابات ومعاييرها التي سبق أن ارتضاها، وهو ما لم يفعله التيار القومي العربي، باستثناء استقالة جمال عبدالناصر بعد نكسة 5 يونيو/ حزيران عام 1967، وكذلك التيار اليساري الماركسي الذي تعتقت قيادته في مواقعها وهو يخسر الشارع يوماً بعد يوم. وظلّ التياران القومي والماركسي مثقلان بالأخطاء والخطايا، ويصرّان، على الرغم من الإخفاق والتراجع وانحسار تأثيريهما، على أن سياستيهما كانت على صواب دائماً، وأن الحياة زَكّت مواقفهما وأثبتت صحة تقديراتهما. ولم يشذّ التيار الإسلامي عن ذلك التوّجه في مصر وتونس والعراق وسوريا وفلسطين والجزائر ولبنان والأردن، وغيرها من البلاد العربية، بالرغم من تباين درجة الفشل والعوامل الدولية والإقليمية الضاغطة، فضلاً عن الأخطاء والنواقص والعيوب التي عانى منها، والتي قادت إلى نتائج معاكسة لتطلّعاته.

ولنأخذ مثلاً التيار الإسلامي في العراق الذي حظي بدعم دولي وإقليمي بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003، لكنه لم يتمكن من إنجاز تجربة مقنعة حتى لمن يدّعي تمثيلهم طوائفياً، والأمر ينطبق على الفريقين المتصارعين باسم تمثيل هذه الطائفة أو تلك، بل كانت الاختلافات والتشظيات داخل كل فريق من الفرقاء المتعاونين-المتخاصمين قائمة، بل الأكثر عدائية وكراهية، خصوصاً التنافس على مراكز النفوذ، فضلاً عن الامتيازات والمكاسب الطائفية والحزبية والسياسية والاقتصادية والشخصية.

لقد أنتج ذلك الصراع غير المبدئي، انحداراً كبيراً في إدارة الدولة، بفعل تغوّل السلطة عليها واستقواء جماعات ما دون الدولة لتكون ما فوقها، بحكم امتلاكها للسلاح، وتفشّي ظواهر المحسوبية والمنسوبية والاستزلام والغنائمية السياسية والزبائنية المصلحية، التي تجسّدت في نظام المحاصصة والفساد المالي والإداري واستشراء التعصّب ووليده التطرّف وابنهما «الشرعي» العنف، وهذا الأخير إذا ما ضرب عشوائيّاً يتحوّل إلى إرهاب، بل إرهاب دولي إذا استهدف خلق حالة من الهلع والرعب والخوف لإضعاف ثقة الدولة بنفسها، وثقة المجتمع والمواطن بالدولة كحامية له وحريصة على ضبط النظام والأمن العام وحماية أرواح الناس وممتلكاتهم.

قد تكون الإطاحة بتجربة حزب العدالة والتنمية في المغرب تعني، فيما تعنيه، الإجهاز على معقل مهم وأساسي من معاقل الإسلام السياسي في العالم العربي، بعد فشل تجربة «الإخوان المسلمين» في مصر، و«حزب النهضة» في تونس، وقبلهما فشل تجربة الإسلام السياسي في السودان، وانحسار دوره في ليبيا وموريتانيا والجزائر، إضافة إلى انقساماته في الأردن، فضلاً عن تعقيدات الوضع اللبناني والحصار الذي يتعرّض له والذي انعكس على تعويم سيادة البلد لعقود من الزمن، فضلاً عن الفراغ الحكومي لأكثر من عام منذ حادث الانفجار الأليم لمرفأ بيروت (4 أغسطس /آب 2020 )، والذي ترافق مع تعاظم الأزمات الخانقة من الكهرباء إلى المازوت والبنزين، وصولاً إلى انهيار العملة وتردّي الحالة المعيشية لدرجة أقرب إلى الارتطام بالقاع.

وقد أحدث الانسحاب الأمريكي من أفغانستان تداعيات جديدة قد تُفضي إلى تغييرات جيوبوليتيكية درامية على المستوى الإقليمي، كما أربك التيار الإسلامي في العديد من الأقطار العربية، فضلاً عن إيران ودول آسيا الوسطى الإسلامية، ما دفع موسكو لإرسال عدة رسائل إلى «طالبان»، ودفع بكّين إلى التعامل بحذر مع هذا المتغيّر الجديد، فهل يعترف أصحاب مشروع الإسلام السياسي بالدرس المغربي، ويسلّموا بفشل سوء إدارتهم، وهل يتحلّوا بشجاعة العثماني وقيادته بالانسحاب من مواقعهم؟

إنه درس للجميع، وعبرة لمن اعتبر.

drhussainshaban21@gmail.com

 

 

الاختفاء القسري

 

عبد الحسين شعبان

 

بعد مغادرتنا مؤتمر في القاهرة بثلاثة أيام في عام 1993 وصلنا خبر اختفاء وزير الخارجية الليبي الأسبق منصور الكيخيا الذي زاد ثقلاً في ملف المختفين قسرياً، وهو ما كنت بدأت الانشغال به منذ مطلع الثمانينات عند اختفاء د. صفاء الحافظ وصباح الدرّة وعايدة ياسين ودارا توفيق وأسعد الشبيبي، وآخرين.

ولعلّ هذا الملف يكبر باستمرار، فمنذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 والآلاف من عوائل المختفين قسرياً تستغيث ولكن من دون جدوى، بمن فيهم آلاف الإيزيديين والإيزيديات، وآخرون من الذين اختفوا على يد «داعش» بعد احتلاله للموصل، فضلاً عن مفارقة الصحفي توفيق التميمي الذي حاورني على كتابي «الاختفاء القسري في القانون الدولي - الكيخيا نموذجاً»، وزميله الناشر مازن لطيف اللذان اختفيا قسرياً بُعيد هبّة تشرين عام 2019.

الاختفاء القسري «اصطلاح» تستخدمه الأمم المتحدة لوصف حالات الاختطاف والاحتجاز والاعتقال غير المعلن عنه، أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية من جانب جهات مجهولة، أو غير معلومة، سواء على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص، أو جهات أو مجموعات من الأفراد تتصرّف بإذن من الدولة أو بموافقتها مع رفضها الاعتراف بحرمان الشخص من حريته، أو إخفاء مصيره.

وقد اعتمدت الأمم المتحدة إعلاناً في عام 1992 أطلقت عليه اسم «الإعلان العالمي لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري»، وفي عام 2006 تم اعتماد هذا الإعلان. ودخلت الاتفاقية حيّز النفاذ يوم 23 ديسمبر/ كانون الأول عام 2010، بعد أن صادقت عليها 20 دولة ويبلغ عدد الدول المنضمّة إليها 64 دولة من بينها العراق، في حين أن 48 دولة وقّعت عليها ولم تصدّق.

والاتفاقية تتألف من ديباجة و45 مادة مقسّمة إلى 4 أجزاء، وتخشى بعض الدول التصديق عليها لعلاقة ذلك بالمساءلة ومبدأ عدم الإفلات من العقاب، لا سيّما إذا ذهبت المسألة إلى المحاكم الدولية، سواء المحكمة الجنائية الدولية التي دخلت حيّز التنفيذ في عام 2002 أو حتى محكمة العدل الدولية في لاهاي التابعة للأمم المتحدة والتي تختصّ بالشكاوى المدنية، وليست لها ولاية جنائية.

وتحاذر بعض الحكومات، ولا سيّما من الدول النامية والتي فيها تجاوزات وانتهاكات تتعلّق بالاختفاء القسري، من التصديق على الاتفاقية، لأن المادة 5 تعتبر الاختفاء القسري «جريمة ضدّ الإنسانية»، وتذهب المادة 6 لتحميل المسؤولية الجنائية لرئيس البلد والقائد العام للقوات المسلّحة، أو حتى أحد مرؤوسيه العاملين تحت أمرته ورقابته، فيما إذا ارتكبت جرائم ضدّ الإنسانية، حيث يمكن مساءلة من أصدر الأوامر أو قام بالتنفيذ أو تواطأ أو اشترك في ارتكاب جريمة تحمّله المسؤولية الجنائية، بمعنى عدم إعفاء أي شخص ارتكب جريمة الاختفاء القسري، سواء كان مدنياً أو عسكرياً.

إن الاختفاء ممارسة للتعذيب حين تقطع صلة المختطف بالعالم الخارجي، وهو تعذيب آخر للعائلة التي لا تعرف مصير رب الأسرة أو، ابنها، أو مصير الشخص المختفي، أو مكان وجوده.

وعلى الرغم من أن بعض الدول العربية انضمّت إلى الاتفاقية، إلا أنها أبدت تحفّظات على بعض موادها، خصوصاً المادة 42 (الفقرة-أ-) التي تتعلّق بخلاف بين دولتين أو أكثر من الأطراف الموقّعة على الاتفاقية بشأن تطبيقها أو تفسيرها، فإذا لم يجدوا طريقة لحلّ الخلاف بالمفاوضات أو بالتحكيم فيمكن عرض القضية على محكمة العدل الدولية المختصّة بذلك.

كما أن هناك تحفّظات وردت حول المادتين 31 و 32 الخاصتين بتقديم الشكاوى الفردية أو شكاوى دولة ضدّ دولة.

ومثل هذه الشكاوى تنشأ حين تستنفد المحاكم الوطنية جميع الوسائل، ولكنها لم تتوصّل إلى حلول مرضية للأطراف المتنازعة، فيكون من حقّ الشخص التوجّه لإقامة شكاوى فردية أو من دولة على أخرى في القضاء الدولي، بهدف ملاحقة المتورّطين ومعاقبتهم إذا ثبتت إدانتهم.

وإذا ما أعلنت دولة ما انضمامها للاتفاقية فمن المفروض بعد سنتين تقديم تقرير للأمم المتحدة بتنفيذ ما ورد في الاتفاقية، ويقدّم التقرير للجنة الأمم المتحدة المعنية بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري في جنيف، وهي مكوّنة من خبراء مستقلين على أساس توزيع جغرافي عادل.

drhussainshaban21@gmail.com

 

 

الملك فيصل الأول

والهويات القاتلة

عبدالحسين شعبان

أدرك الملك فيصل الأول (المولود في 20 مايو/أيار 1883) الذي تولى عرش المملكة العراقية في عام 1921، عمق الأزمة العراقية المتعلقة بالهوية الموحدة بعد أن حكم العراق 12 عاماً، ففي مارس/آذار 1932 وقبل وفاته بعام واحد وبضعة أشهر كتب مذكرته الشهيرة والتي تمثّل خلاصة تجربته وقد شخّص فيها «الجهل واختلاف العناصر والأديان والمذاهب والميول والبيئات» وها نحن نستعيد رؤيته بعد 100 عام على تأسيس الدولة العراقية.

وباستعارة من الروائي أمين معلوف فإن تلك الهويات الفرعية تصبح «قاتلة» إذا تحوّلت من «تطلّع مشروع» إلى «أداة حرب» وهو ما انفجر في العراق ما بعد الاحتلال الأمريكي العام 2003، وقاد إلى اقتتال أقرب إلى «الحرب الأهلية» في عام 2006 أثر تفجير مرقدي الإمامين الحسن العسكري وعلي الهادي في سامراء.

إن القراءة الارتجاعية لمذكّرة الملك فيصل الأول تفصح عن عوامل التفتّت والتشتّت والافتراق في الهوية العراقية وانعكاساتها على الوحدة الوطنية رؤية وموقفاً وقراراً. ومن استنتاجاته المهمة والمبكّرة «أن البلاد العراقية... ينقصها... الوحدة الفكرية والملية والدينية...»

ووفقاً لمنظوره لا بد من عدم الانقياد إلى «تأثيرات رجعية أو أفكار متطرفة تستوجب رد الفعل» لذلك دعا الساسة إلى أن يكونوا حكماء مدبرين وفي نفس الوقت أقوياء مادة ومعنى، غير مجبولين لأغراض شخصية أو طائفية أو متطرفة يداومون على سياسة العدل والموازنة والقوة معاً.
ويحدد فيصل الأول الاختلافات السنية- الشيعية - الكردية، وما أسماه «الأقليات غير المسلمة»، وهو ما أطلقت عليه منظومة 9 إبريل/نيسان بعد الاحتلال مصطلح «المكوّنات» التي جرى تكريسها في الدستور النافذ (في المقدمة - مرتان) وفي المادة 9 و 12 و 49 و125 و 142، وليس ذلك سوى نظام للمحاصصة والتقاسم الطائفي- الإثني الذي قام على الزبائنية والمغانم مقتفياً أثر التجربة اللبنانية، في حين كانت مذكرته تريد تجاوز ذلك الواقع البائس، «المستعد لقبول كل فكرة سيئة بدون مناقشة أو محاكمة» على حد تعبيره، لاسيّما من «السواد الأعظم الجاهل».
ويتناول فيصل الأول، آراء المتعصبين وأرباب الأفكار القديمة الذين جبلوا على تفكير يرجع عهده إلى عصور «خوَت» وآراء الحداثيين الذين يريدون سوق البلاد إلى الأمام دون الالتفات إلى أي رأي كان للوصول بالأمة إلى المستوى اللائق طبقاً للقانون والنظام، وفرض هيبة الحكومة (الدولة) على الجميع. ولعل تلك إحدى العقبات التي واجهت الدولة العراقية منذ تأسيسها، وزاد الصراع بعد الاحتلال؛ حيث تم تعويم الدولة من جانب السلطة ومن طرف مجموعات مسلحة خارج سلطة الدولة أو باسمها، إضافة إلى مرجعيات دينية أو عشائرية أو سياسية أو حزبية أو جهوية أو غيرها، وكل ذلك ينبغي أن يخضع للدولة التي من واجبها حماية أرواح وممتلكات الناس وضبط النظام والأمن العام والتمسك بحقها في امتلاك السلاح.
إن ما حذّر منه فيصل الأول لا يزال ماثلاً للعيان، فالحكومة حسب رأيه أضعف من الشعب بكثير ويقصد بذلك امتلاك السلاح، «فلو كانت البلاد خالية من السلاح لهان الأمر، لكن يوجد في المملكة ما يزيد على 100 ألف بندقية، يقابلها 15 ألف بندقية حكومية، ولا يوجد في بلد من بلاد الله حالة حكومية وشعب كهذه». وهو ما ينطبق على حال العراق اليوم.
ويضع فيصل الأول أصبعه على الجرح حين يقول: الاختلافات الكبرى بين الطوائف يثيرها المفسدون بين المسلمين أنفسهم وبين الطوائف والأديان الأخرى، وذلك استناداً إلى «التعصّب للتفرقة بين هؤلاء الجهلاء». ويقترح الحل الذي ظل عائماً منذ تأسيس الدولة العراقية والمقصود به «المواطنة» التي تقوم على مبادئ الحرية والمساواة والشراكة والمشاركة والعدالة، وهي التي لا تزال غائبة أو منقوصة أو مشوّهة.
ويمضي في مذكرته إلى القول «فإذا لم تعالج هذه العوامل بأجمعها وذلك بقوة مادية وحكيمة معاً ردحاً من الزمن حتى تستقر البلاد وتزول الفوارق وتتكوّن الوطنية الصادقة وتحل محل التعصّب المذهبي والديني، فالموقف خطِر». ويعبّر عن ذلك بمرارة بقوله: «في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد؛ بل توجد كتلات بشرية خالية من أي فكرة وطنية مشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سمّاعون للسوء، ميّالون للفوضى».
وحسب استنتاجه فمن المفروض «أن نشكّل من هذه الكتل شعباً نهذّبه وندرّبه ونعلّمه» وهي المهمة التي وضعها على عاتقه، عبر جيش موحّد وقوي لأنه العمود الفقري، وذلك بإعلان الخدمة الوطنية والتعامل مع التقاليد والشعائر الدينية بمنظور واحد «ميزان واحد»، إضافة إلى عدد من الإجراءات الإدارية والتشريعية والإجرائية. فهل نعيد قراءة مذكّرة فيصل الأول؟

drhussainshaban21@gmail.com

 

تونس ومفترق الطرق

عبد الحسين شعبان

 

ربما من السابق لأوانه إصدار حكمٍ نهائي وموضوعي على ما حصل في تونس بعد إصدار الرئيس التونسي قيس سعيّد في 25 يوليو/ تموز 2021، قراراته بإقالة حكومة هشام المشيشي وحلّ البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه، لكن ما هو ماثل للعيان أن ثمّة مرحلة جديدة قد بدأت ولا يمكن تقدير أبعادها أو التكهّن بنتائجها، الأمر الذي قد يثير إشكالات جديدة نظرية وعملية وقانونية وسياسية في المشهد التونسي بشكل خاص إزاء الموقف من الإسلام السياسي وإزاء الموقف من المشروع الإسلامي إقليمياً ودولياً، وهو ما قد يفتح باب المراجعة والنقد بشأن تقييم جديد لما سُميّ ب «الربيع العربي» وموضوع الانتقال الديمقراطي والتحوّلات التي أعقبته سياسياً ودستورياً.

وإذا كان انكسار حاجز الخوف بوصول اللحظة الثورية إلى ذروتها بعد انتفاضة سيدي بو زيد إثر حرق بو عزيزي نفسه وصولاً إلى العاصمة تونس، والتي توّجت بفرار الرئيس زين العابدين بن علي وانتهاء فترة حكمه التي دامت ما يزيد على ثلاثة عقود من الزمن، فإن الشرعية الجديدة التي يُفترض تأسيسها محلّ الشرعية القديمة لم يتمّ استكمالها وواجهتها عقبات جديّة بعضها يتعلّق بمساعي الثورة المضادة لوضع العصي في عجلتها وبعضها الآخر يتعلّق بعدم قدرة وأهلية وكفاءة النخب التي تولّت مقاليد الأمور بعد التغيير على إدارة الحكم بطريقة شفّافة ومقبولة بحيث تحظى  رضا الناس، ناهيك عن هشاشة وضعف المشروعية القانونية والمقصود بذلك حكم القانون في ظلّ محاولات الهيمنة على السلطة والحصول على الامتيازات والمغانم وتفشّي الفساد المالي والإداري على نحو مريع وغياب الحدّ الأدنى من الاتفاق والتوافق على مستقبل التطوّر والوحدة الوطنية.

وبغضّ النظر عن الموقف الدستوري من قرارات الرئيس سعيّد إلاّ أنه لجأ إليها بعد فترة خلافات طويلة تعمّقت بمرور الأيام وقادت إلى أزمة حقيقية بين أركان السلطة التنفيذية (الرئيس) و(رئيس الوزراء) والأخير قريب من حزب النهضة الإخواني، ولم يكن الفشل الذي مُنيت به الحكومة وحده أو الرغبة في احكتار السلطة، بل إن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وارتفاع معدّلات البطالة والفقر والركود الاقتصادي، إضافة إلى ارتفاع منسوب الهجرة غير الشرعية كان وراء اندلاع الأزمة. وفوق كل ذلك جاء انتشار وباء «كوفيد- 19» ليزيد الطين بلّة بحيث أصبحت تونس من الدول العربية الأكثر انتشاراً للوباء، ما كشف فشل المنظومة الطبية والإجراءات القاصرة المتبعة لتطويق المرض، الأمر الذي كان وراء إقالة وزير الصحة تمهيداً لانفجار الأزمة.

ولم تكن المؤسسة القضائية خارج دائرة الصراع، فقد كان الحديث يتصاعد داخل البرلمان وخارجه، وهو ما أدّى إلى أن تطفو الأزمة على السطح على نحو شديد وحاد، دون نسيان دور الأطراف الخارجية الإقليمية والدولية وعلاقتها بالقوى المتصارعة، إضافة إلى قلقٍ عربي بشأن الإسلام السياسي ممثلاً في حزب النهضة، وهو وإن امتلك قدرات تنظيمية إلاّ أنه لم يمتلك عقولاً وكفاءات وقيادات إدارية تستطيع أن تقود الدولة، على الرغم من حصوله على أغلبية برلمانية في جميع الدورات الانتخابية، ناهيك عن مشروعه السياسي.

وقد كان البرلمان الذي ترأسه راشد الغنوشي في الدورة الحالية، وعلى مدى أكثر من عام في صراع دائم داخله ومع مؤسسة الرئاسة أيضاً، الأمر الذي عطّل التنمية وجعل البلاد تدور في دوامة لا مخرج منها، يضاف إلى ذلك تشتّت القوى التي تطلق على نفسها «مدنية» وتوزّعها على محاور بعضها متنافر مع البعض الآخر، ناهيك عن غياب برنامج وطني جامع لها ولو بمعايير الحد الأدنى والذي يمثّل مرحلة الانتقال وصولاً إلى التحوّل الديمقراطي.

وقد انعكس ذلك على خلافات دستورية حول صلاحيات رئيس الجمهورية المنتخب من الشعب بسبب عدم وضوح أو التباس الأمر دستورياً أو أن تفسيرات وتأويلات ظلّت مصدر خلاف بين الفرقاء، فبين من يريد أن يعطيه صلاحيات أعلى ومن يريد اختزالها في الجوانب البروتوكولية، كانت الأزمة الاقتصادية تستفحل وأوضاع الناس المعيشية تزداد تدهوراً، فلم تعد ثورة الياسمين التي بدت واعدة، بل نموذجاً، وإذا بها هي الأخرى عرضة للتجاذب والشدّ والحلّ من جانب قوى مختلفة كلٌ منها يريد أن يقود المركب بنفسه ولصالحه حتى وإن أدى إلى الإخفاق.

فهل سينجح سعيّد في تشكيل حكومة كفوءة وجديرة من تكنوقراط بحيث يحتوي الأزمة السياسية، كما يمهّد الطريق لاحتواء الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وتخفيف حدّة الاحتقان المجتمعي، خصوصاً من جانب جيل الشباب؟ وهل ستكون الحركة السياسية بجميع صنوفها وألوانها جديرة باستيعاب هذا الدرس التاريخي، خصوصاً بعدم توظيف الدين لمصالح سياسية ضيقة؟ وهل ستدرك القوى الإقليمية والدولية أهمية الاستقرار في الأوضاع التونسية، خصوصاً وأن جارتها ليبيا لا تزال منذ عقد من الزمن في احترابٍ ونزاع مسلّح حيث تمّ تعويم الدولة وقاد إلى تفشّي مظاهر التعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب؟

إنها أسئلة برسم الحاضر فهل تعي النخب الفكرية والسياسية مخاطر الوقوف عند مفترق الطرق؟

drhussainshaban21@gmail.com

 

 

العدالة الانتقالية الدولية

 

عبد الحسين شعبان

لم يتبلور مفهوم "العدالة الانتقاليّة الدوليّة" بعد، ليأخذ مكانه كجزء من قواعد القانون الدولي المعاصر. ولم تفلح جهود ومبادرات الدول المتضررة في إقناع المجتمع الدولي لتبنيّ هذا المفهوم.  كما أن المجتمع المدنيّ في هذه الدول لم يبادر، بما فيه الكفاية، في إطار دبلوماسية شعبية موازية للدبلوماسية الرسمية لينشأ رأياً عاماً ضاغطاً يكون أقرب إلى محكمة ضمير.

وكانت ألمانيا قد اعترفت بماضيها الاستعماري في غزو ناميبيا، وفرنسا بمسؤولياتها عن الإبادة في رواندا 1994. كما أعلن قصر الإليزيه أن الرئيس إيمانويل ماكرون اعترف في 3 مارس/آذار2021 بوجود انتهاكات وتعذيب في الجزائر راح ضحيته المحامي علي بومنجل على يد الجيش الفرنسي وهو جزء من مطالبات جزائرية باعتذار فرنسي، كما اعترفت بلجيكا بجريمة اختطاف آلاف الأطفال مختلطيّ العرق خلال الحقبة الاستعمارية، وكذلك أقرت هولندا بمسؤولياتها عن تجارة الرقيق خلال الحقبة الاستعمارية. كل ذلك يجعل من التحرّك لتقنين فكرة العدالة الانتقالية الدولية ضرورة ملحة لتنقية العلاقات الدولية، وخصوصاً لحلّ المشاكل التاريخية العالقة.

تقوم فلسفة العدالة الانتقالية على خمسة مبادئ رئيسية:

أولها، كشف الحقيقة، فما الذي حصل وكيف ولماذا؟ إضافة إلى معرفة الظروف التي تمت بها تلك الارتكابات.

ثانيها: المساءلة للمرتكبين الذين أصدروا الأوامر أو قاموا بالتنفيذ.

 ثالثها، جبر الضرر المادي والمعنوي لإبقاء الذاكرة حيّة، خصوصاً بإطلاق أسماء الضحايا على الأماكن العامة مثل المدارس والمكتبات والنوادي والساحات والشوارع، وإقامة نصب تذكارية، كي لا تذهب تلك الذكريات الماسأوية إلى دائرة النسيان، بل تبقى في دائرة الضوء والذاكرة.

رابعها، تعويض الضحايا أو عوائلهم عما لحق بهم من أذى وألم وغبن وأضرار.

خامسها، إصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية كي لا يتكرر ما حصل.

ويترّكز الهدف في جانبين، الأول: في عدم إفلات المرتكبين من العقاب لأن مثل تلك الجرائم لا تسقط بالتقادم، والثاني: تحقيق المصالحة بمعناها الشامل عبر إجراءات قانونية وقضائية واجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية وغيرها، وبالطبع فليس هدف العدالة الانتقالية الانتقام، وإلاّ ستكون عدالة انتقامية، وإنما هو الوصول إلى تسويات مجتمعية لتحقيق التعايش السلمي وترميم الحياة السياسية وفقاً لمبادئ التسامح والسلام ونبذ استخدام العنف وسيلة لحل الخلافات واحترام حقوق الإنسان.

وإذا كانت تطبيقات العدالة الانتقالية بدأت بُعيد الحرب العالمية الثانية وتطورّت خلال نصف القرن الماضي حيث اغتنت بتجارب العديد من دول أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية وجنوب أفريقيا وبعض البلدان العربية ولاسيما المغرب، فإن هذا المفهوم يكتسب بُعداً دوليّاً اليوم، بمعنى أنه لا يشمل الارتكابات التي حصلت داخل دولة ما، بل ارتكابات قامت بها دولة ضد شعب أو مجتمع في دولة أخرى.

المقصود بذلك معالجة آثار الانتهاكات والتجاوزات والجرائم لحقوق الإنسان على المستوى الدولي، والهدف هو ذاته الذي جسدته مبادئ العدالة الانتقالية على المستوى الوطني، ويتلّخص بالوصول إلى المصالحة الشاملة وتنقية الحياة بين الدول وترميم علاقاتها  وتحسينها بحلّ المشاكل الناجمة عن ارتكابات الماضي بسبب الهيمنة الاستعمارية أو الإحتلال أو الحروب أو النزاعات التي سببّت إلحاق الضرر بشعوب البلدان التي تعرّضت للانتهاك.

ويمكن الإشارة إلى مبادرة مغربيّة رائدة جديرة بالتقدير، فمنذ عقد ونيف من الزمن ينشط "مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلام"، للوصول إلى صيغة تتبنّاها مؤسسات المجتمع المدني في الدولة المنتهَكَة حقوقها وفي الدول المنتهِكَة للحقوق، وذلك ضمن حراك حقوقي وقانوني دولي. تم التعبير عنه في "إعلان طنجة" كخلفيّة تأصيليّة لمدونة بإشراك الفرقاء من الطرفين على قاعدة المشترك الإنساني وحقوق الإنسان.

والمبادرة، التي حظيت اليوم بدعم جهات حقوقيّة مغربية هي "المنظمة المغربية لحقوق الإنسان والمركز المغربي للديمقراطية والأمن" لا تبحث في الماضي، بل هي بحث في المستقبل بهدف إجلاء صورة الماضي الذي شهد تاريخاً مشتركاً لعلاقات غير متكافئة، سواء مع إسبانيا أو فرنسا، وذلك باقتراح وسائل وسُبل جديدة لحلّ الخلافات على أساس حقوقي وإنساني توّفره مبادئ العدالة الانتقالية الدولية. ويتطلّب ذلك الاعتراف بالأخطاء والممارسات السلبية والانتهاكات، والعمل على تحديد المسؤولية وجبر الضرر والتعويض وإصلاح النظام القانوني والعلاقات بين الفرقاء.

ولا يستهدف الأمر مساءلة الشعوب وتحميلها وزر السياسات الاستعمارية أو محاولات الهيمنة والاستعلاء والعنصرية وفرض الاستتباع والخضوع على الآخر، إنما يتطلّب نزع صاعق التفجير بتسوية إنسانية وقانونية عادلة بإنضاج الظروف المواتية لتقبّل حلول طويلة الأمد على أساس المصالحة وليس الانتقام أو الثأر.

ويحتاج ذلك إلى جهد ونشاط واسعين لقطاعات المجتمع المدني كافة والفاعليات الثقافية والأكاديمية والاجتماعية والاقتصادية لخلق رأيّ عام دولي لبلورة مفهوم العدالة الانتقالية الدولية ليأخذ مكانه كجزء من قواعد القانون الدولي.

ويمكن اقتراح مشروع اتفاقية دولية تتبنّاها الجمعية العامة للأمم المتحدة تبادر إليه الدول المتضررة كجزء من تحرّك دبلوماسي وقانوني، يسهم فيه المجتمع المدني، كمُكمّل للدبلوماسيّة الرسمية في إطار مرجعية استباقية ووقائية لترصين القيم الإنسانية والحوكمة الرشيدة على المستوى الكوني.

 

 

 

(الشيوعية).. وروح الصين

 

عبد الحسين شعبان

يقول مثل صيني قديم «ليس مهماً أن يكون القط أسود أو أبيض ما دام يصطاد الفئران». تذكّرتُ ذلك وأنا أتابع خطاب الرئيس الصيني شي جين بينغ في الأول من يوليو/ تموز الجاري الذي يتحدث عن «نهضة الصين التي لا عودة عنها» بمناسبة احتفاليّة مرور 100 عام على تأسيس الحزب الشيوعي الصيني. ولا يعني ذلك سوى ترجمة لرغبة الصين في صعودها إلى منصّات القيادة العالمية. وهي نظرة مختلفة عما كانت تروّج له الصين من أنها «دولة ناميّة» وليست «قوة عظمى» منذ بدء إصلاحاتها في عهد الرئيس دينغ شياو بينغ، والتي استمرت حتى العام 2012.

 وإذا كانت الصين قد تعلّمت الاستفادة من الغرب وتجاربه منذ أواخر السبعينات وانتهاء بالثورة الثقافية 1965-1976 ووفاة الزعيم ماوتسي تونغ، فإنها ظلّت خلال أربعة عقود ونيّف منصرمة، محكومة بعنصرين أساسييّن، هما «حكمة الصين» وحضارتها وفلسفاتها التاريخية ممثّلة بالكونفوشوسية والتاوية، والفلسفة الماركسية-الشيوعيّة برمزّيتها الصينية، مع عنصر جديد هو محاولة إضفاء نزعة إنسانيّة عليها والتخفيف من عبء الماضي.

 وقطعت الصين شوطاً بعيداً في تبنيّ مفهوم «اقتصاد السوق» أو حسبما يُطلق عليه البعض «شيوعية السوق» وكل همّها هو «التخلّص من الفئران»، فلم تعد «الإمبريالية نمراً من ورق»، فالغرب مستودع للحداثة، لا تريد منافسته فحسب، بل مشاركته في التقدّم العالمي بنديّة وكبرياء.

 فهل تخلّت الصين عن اشتراكيتها واختارت السير في طريق واحد مع الرأسمالية؟ أم ثمة وسائل جديدة وأساليب عمل مختلفة عن السابق، وطريق غير مطروق سعت لاتباعه. ولعل ذلك ما أوقع الكثيرين في حيرة من أمرهم.

 حين ندقق في التجربة الصينية للتنمية المستدامة، نرى أن جوهرها يكمن في «روح الصين» المبثوثة في كل مكان، وهي تمثّل الامتداد التاريخي الذي حاولت الزعامة الصينية تجديده وانبعاثه كجزء من الخصوصية الثقافية الصينية.

وعلى الرغم من انغماس القيادة الصينية لسنوات في الشيوعيّة الراديكاليّة ذات النزعة الشعبوية، إلا أن هناك ما كان يجرّها باستمرار نحو تراثها الحضاري. وليس عبثاً أن يقول الرئيس شي جين بينغ، إن من يحاول الوقوف ضد تقدّم الصين سيصطدم بسور من الفولاذ، وهي استعادة مقصودة لسور الصين العظيم، ولكن لبشر من لحم ودم قوامهم مليار و400 مليون إنسان.

إن مصادر القوة الأساسيّة للنهضة الصينية مُهنْدَسة وفقاً للفلسفة والحكمة القديمة والقائمة على العلم والتكنولوجيا والاقتصاد، متشابكة مع استمرار الدور المركزي للحزب وهيمنته على المفاصل الأساسيّة، فضلاً عن انضباط صارم لتوجّهات الدولة، وهي نسخة جديدة من الشيوعية ذات العلامة الصينية التي جمعت بين البعد التاريخي القومي وشكل جديد من رأسمالية الدولة أو شيوعية السوق، وذلك في إطار حيوية نشطة وإدارة رشيدة لتأمين الريادة عالمياً، لاسيّما في عصر العولمة.

وقد وُضعت اللبنَات الأولى لذلك بالانفتاح نحو اقتصاد السوق والتحديث وإجراء إصلاحات وتراكم وتقليص معدلات الفقر، بحيث انتشلت فيه الصين أكثر من 770 مليون إنسان من الفقر، دون تهميش دور الحزب، رائد مسيرة الألف ميل، والمقاوم للاحتلال الياباني، وقائد ثورة العام 1949، مع تفعيل الديناميكية الاقتصادية بتوجيه منه باعتباره قوة دافعة وموّجهة للطموح الاستراتيجي.

 قررت الصين اختيار الطريق الثاني لحجز موقعها الاستراتيجي في سُلم التقدّم العالمي، وليس عبثاً أن التقديرات العالمية المعتمدة تشير إلى أنها في العام 2030 ستتصدر الاقتصاد العالمي، وهي اليوم منافس كبير للولايات المتحدة التي تحاول الضغط عليها بوسائل سياسيّة واقتصادية وغيرها، بل إنها شددت من العقوبات عليها، وخصوصاً في عهد الرئيس دونالد ترامب، وحتى في عهد الرئيس جو بايدن فإن العلاقات ظلّت على فتورها ولم تتحلحل.

 لقد تطوّرت الصين بقفزات هائلة من خلال الانفتاح الاقتصادي، وتوسيع القاعدة الاجتماعية التي انتقلت من الوسط الزراعي إلى الوسط الصناعي، وتعزيز دور الطبقة الوسطى، على الرغم من أن الحاجة تبقى راهنة بشأن حرّية التعبير واحترام حقوق الإنسان وإقرار التعددية والتنوّع والاعتراف بحقوق المجاميع الثقافية، سواء الدينية أو الإثنية أو اللغوية.

 فحتى الآن لم تتخلَّ القيادة الصينية عن فلسفتها التي تستند إلى مفهوم يعتبر الحريات الفردية جزءاً لا يتجزأ من تحرّر المجتمع والحرّيات الجماعية بالضد من الأطروحة الليبرالية التي تعتمد على الحرّية الفردية، كجزء من مقتضيات النسق الاجتماعي.

 ما زال الحبر الصينيّ يكتب حتى الآن بريشة الحكمة القديمة المُغمّسة بالماركسية ذات النكهة الصينية الخاصة المنتِجة لعقول صناعية دقيقة ذات رمز جديد للتنين الصيني في نهضته.

drhussainshaban21@gmail.com

 

الإعدام معنًى ومبنًى

 

عبد الحسين شعبان

           

            أدركُ صعوبة الخوض في مثل هذا الموضوع الإشكالي، بسبب الاصطفافات المسبقة والقيود والتفسيرات الدينية والعقائدية، لكنه لاعتبارات إنسانية وقانونية وأكاديمية لا بدّ من فتح حوار هادئ وعقلاني حول الموضوع ، إذْ لا ينبغي إهماله أو السكوت عنه، طالما يمثّل وجهة نظر موجودة ولها مبرّراتها .

            وإذا كان القاتل يستحق العقاب وهو أمرٌ مفروغ منه، فهل القبول بالقتل هو " العقوبة العادلة"؟ والقتل بغض النظر عن الأسباب يتناقض مع مبدأ " حق الحياة" المحور الأساسي في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وهو ما وهبه الله للبشر، فكيف يمكن سلبه، فهل قتل القاتل يحقّق العدالة؟ وهل جريمة " القتل اللّاقانوني" يقابلها "القتل القانوني"، وهل يوصل ذلك إلى العدالة؟

            وحسب وليد صليبي المفكّر اللّاعنفي ومؤسس جامعة اللّاعنف "جريمتان لا تولّدان عدالة" وعلى غرار ذلك سبق أن كتبتُ "رذيلتان لا تنجبان فضيلة" و"حربان لا تنتجان سلاماً" و"عنف مقابل عنف، لا يحقّق أمناً". وعلينا البحث عن الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والدينية والعنصرية للجرائم، فضلاً عن منظومة التربية والتعليم والقيم المتوارثة بما فيها من اشتباكات عشائرية وقبلية. إن إنزال عقوبة الإعدام لن تعيد الحياة للمقتول، إذْ لا يمكن ردّ القتل بالقتل، ولعلّ مثل هذا الأمر سيترك تأثيراً اجتماعياً خطيراً بأبعاده الثأرية والانتقامية، فضلاً عن إشاعة أجواء من الحقد والكراهية، ليس بين المتخاصمين وعوائلهم فحسب، بل في إطاره الاجتماعي الأوسع وامتداداته وترابطاته المختلفة.

            وإذا كان حكم الإعدام ليس من السهولة النطق به بشكل عام، وخطيراً إلى درجة كبيرة، فما بالك إذا وقع خطأ في الحكم، فكيف يمكن تصحيحه بعد أن يتم تنفيذه، خصوصاً وإن القضاء، أي قضاء حتى وإن كان نزيهاً ومحايداً ومستقلاً عرضةً للأخطاء التي يذهب ضحيتها الأبرياء. وعلى الرغم من قلّة عدد المطالبين بإلغاء عقوبة الإعدام في عالمنا العربي والإسلامي، إلّا أن ثمّة توجّهات أخذت تتسع تأثراً بالحركة الحقوقية العالمية، المطالبة باستبدال عقوبة الإعدام، حفاظاً على الحق بالحياة والتمييز بين العدالة والانتقام.

            الإعدام قتل عن سابق إصرار وتصميم وهو وضع حد لحياة إنسان بموجب حكم قضائي، ولذلك توجّهت 142 دولة من دول العالم البالغ عددها 193 لإلغاء العقوبة أو وقف تنفيذها، وكانت الجمعية العامة لـ الأمم المتحدة قد أصدرت قراراً برقم 2857 في العام 1977 خاطبت فيه العالم بضرورة تقليل عدد الجرائم التي تفترض اتخاذ عقوبة الإعدام، وأصدرت بعد ثلاثة عقود من الزمان (2007) قراراً يقضي بتعليق عقوبة الإعدام مع متابعة العمل لإلغائها. ويُعتبر الاتحاد الأوروبي منظمة خالية من عقوبة الإعدام Death Penalty Free  بموجب ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد، الذي نصّ على "رفض قبول أي عضو (دولة جديدة) في عضوية الاتحاد، إذا كان الإعدام ضمن نظامه القضائي".

            وإذا كان سجل البلدان العربية والإسلامية حافلاً بإصدار عقوبة الإعدام وتنفيذها، فإن الصراع ما يزال قائماً ومحتدماً  بين دعاة وقف وإلغاء عقوبة الإعدام وبين دعاة التمسك بها، وهو صراع بين تيار ديني محافظ في الغالب وتيار حقوقي ومدني، وإن كان داخله من يبرّر تنفيذ عقوبة الإعدام باعتبارها إجراءً ثورياً رادعاً، وغالباً ما سلكت الأنظمة التي أطلقنا عليها التحررية أو الاشتراكية طريق تنفيذ عقوبة الإعدام على نحو أكثر اتساعاً وبخفّة غير معقولة، راح ضحيتها المئات، بل الآلاف من المعارضين حتى وإن كانوا بالأمس من أركان النظام وأعمدته الأساسية.

            الإعدام عنف. حتى وإن كان وسيلة للعقوبة، وهذا العنف قتلٌ. فهل القتل الثاني هو التعويض عن القتل الأول أم أن الهدف هو العدل والحق وتعويض الضحايا أو عوائلهم وردع الجريمة؟ تلك هي الفلسفة وراء المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام. فهل الموت يمكن أن يكون قصاصاً للموت؟ أي الموت ضد الموت، ومسألة مثل تلك تحتاج إلى تفكير عميق فالوسيلة جزء من الغاية، وحسب المهاتما غاندي، إنها مثل البذرة إلى الشجرة، ولا وسيلة للقتل بحجة عدالة الغاية، وإذا كانت الغاية بعيدة، فالوسيلة ملموسة وآنية، تلك التي لا ينبغي أن تتعارض مع الغاية.

            إن إلغاء عقوبة الإعدام يحتاج إلى وقتٍ طويل. لكن اتخاذ قرار بوقف تنفيذها، هو ما أقدمت عليه عدد من البلدان العربية، مثل المغرب والجزائر وموريتانيا ولبنان وغيرها، وتبقى الحاجة إلى إعادة النظر بالنظام التربوي والتعليمي لنشر ثقافة اللّاعنف كفيل برفع وتعزيز الوعي بالقانون وبالثقافة الحقوقية، انطلاقاً من القيم الإنسانية. فالضمير بهذا المعنى هو "القانون الأسمى" حسب ديفيد ثورو، ولهذا لا بدّ أن يكون يقظاً، وهو ما يمكن أن يولد قناعة فردية ومجتمعية، علماً بأن الإيمان بالدين يساوي عمل الخير بأبعاده الأخلاقية، لا لتبرير القتل، فالأديان هي للسلام وليست للعنف أو للانتقام.

            وكما جاء في كلام كونفوشيوس "نردّ الخير إزاء الخير ونردّ العدالة إزاء الشر، لا الشر إزاء الشر" .

 

باحث ومفكر عربي

 

لبنان.. الارتطام الكبير

عبدالحسين شعبان

    

منذ أواسط عام 2019 يتدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي اللبناني على نحو مريع، وإذا ما استمر الحال على ما هو عليه، فستكون النتيجة الحتمية لمثل هذا الانحدار هي الارتطام بالقاع، حيث كان سعر صرف الدولار الواحد رسمياً يساوي 1500 ليرة لبنانية، ووصل اليوم إلى 18 ألف ليرة. ومن يدري فقد يستمر الارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار، فتصبح العملة اللبنانية بلا قيمة في ظل أزمة اقتصادية خانقة أوصلت ما يزيد عن 50% من اللبنانيين إلى حافة الفقر، وكل ذلك يجري دون أن يرف جفن للمسؤولين والمتحكمين في مصير البلد. فهل سيسقط هذا البلد الجميل  الذي تغنّى به الشعراء والفنانون والأدباء والكتاب والعشاق والحالمون والمجانين  في الهاوية، أم ثمة من سيبحث عن حبل نجاة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟

الأزمة تكبر والشق يتسع، فالكهرباء تطل على الناس كهلال العيد، والمازوت والبنزين والمحروقات حديث الجميع، حيث الطوابير أمام محطات الوقود لأكثر من كيلومترين، وأحياناً يتم الانتظار على أمل الحصول على بضعة ليترات، لكن دون جدوى، والمخالفات والحوادث المرورية في ذروتها، حيث يستمر عدم تشغيل الإشارات الضوئية بحجة الاقتصاد في الكهرباء، والأوساخ تملأ الشوارع، ودوائر البلدية تكاد تكون عاجزة؛ لأن أجر العاملين انخفض إلى درجة غير معقولة، بحيث أصبح من يتسلم راتباً شهرياً بحدود 800 ألف ليرة، لا يساوي أكثر من 50 دولاراً لشهر كامل، وإذا ما عرفنا الارتفاع الصاروخي لأسعار المواد الغذائية وجميع السلع والبضائع، فهذا يعني أن سُبل العيش أصبحت ضيقة؛ بل تكاد تكون مستحيلة، وطرق الحصول على لقمة عيش شريفة عسير وغير سالك.

وإذا ما رُفع الدعم الحكومي عن بعض السلع والبضائع، فإن الأسعار ستحلق بطريقة «سوبرمانية»، وهي الآن بعيدة عن الواقع المعيش، وخصوصاً في مجالي الأدوية والأغذية بتآكل رواتب الموظفين جراء التضخم في الأسعار، وباستمرار الفرق بين السعر الخاص للصرف 3900 للدولار والسعر الحقيقي غير الثابت والمتصاعد.

ويقول خبراء مطلعون إن المصارف هي المستفيد الأول من هذا الفارق، إضافة إلى كبار التجار، فالمعاملات مع مصرف لبنان المركزي تتم على السعر الرسمي بما فيها رساميلها وشراؤها للدولار وتسديد القروض المتوجبة عليها، والتلاعب بحسابات المودعين بالدولار. وإذا ما تم إقرار البطاقة التمويلية التي يُتوقع أن يُقرها مجلس النواب، فإن الأسعار سترتفع على نحو غير مسبوق، الأمر الذي سيؤدي إلى إلحاق أفدح الأضرار بالناس وحقوقهم ومستقبلهم.
وإذا كان هناك من يعتقد أن العلاج هو بتثبيت سعر الصرف الذي يمكن أن يخفف من غلواء الأزمة، فالأمر أعمق وأعقد من ذلك؛ لأنه يتعلق بالإصلاح الشامل، السياسي والاقتصادي والقانوني والتربوي وبنظام الحكم والانتخابات.
إن استمرار الحال على ما هو عليه، يعني التوغل في المجهول، لاسيما في غياب إرادة سياسية موحدة، وهذه للأسف الشديد ما تزال مُعطلة وغائبة وتتجاذبها أهواء ومصالح شتى: إقليمية ودولية، طائفية وحزبية، في ظل استشراء الفساد المالي والإداري ونظام المحاصصة والتستر على الأتباع والمريدين، طالما أن النظام يقوم على «الزبائنية» السياسية المرتكزة على المغانم والامتيازات.
ومع استمرار خطر جائحة «كورونا» وتردي الحالة المعيشية وغياب خطة للإصلاح، تلوح في الأفق مخاطر تفكك وتفتت وسيناريوهات أقلها مُخيفاً بشأن مستقبل لبنان.
وتستمر التظاهرات والاحتجاجات وقطع الطرقات وإحراق الدواليب إلى درجة أن بيروت تبدو خارجة لتوها من الحرب، وما يزال مشهد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس الفائت 2020، يقض مضاجع الجميع وهو شاهد على ما وصل إليه سوء الإدارة والفساد، وغياب الشفافية والانغلاق السياسي حد الاستعصاء.
الفساد هو الوجه الآخر للإرهاب، وهما وجهان لعملة واحدة، وإن لم تتم معالجة أسبابه وجذوره، فإن الارتطام الكبير سيحصل  لا سمح الله  وعندها لن يكون أحد في مأمن من الكارثة، ومثل هذه النتيجة عرفها اللبنانيون بعد حرب طاحنة استمرت 15 عاماً، انتهت باتفاق الطائف العام 1989. فهل سيقرأ السياسيون والمتنفذون الدرس الجديد أم سيتركون الحبل على الغارب؟، و«لاتَ ساعة مندم».
ولا بد من القول إن هذه الرؤية مهما بدت متشائمة إلا أنها ليست يائسة، وبقدر تقديمها صورة واقعية دون تجنٍ أو مبالغة، فهي في الوقت نفسه تقطر ألماً على هذا البلد العربي الفريد الذي يتمتع بحيوية ونشاط وإبداع لا حدود له، ومثلما كان واحة حرية لا بد أن يستمر ليصبح مشروع ازدهار، وهي مسؤولية جسيمة.

drhussainshaban21@gmail.com

 

الانتخابات.. الزائر الثقيل

د. عبدالحسين شعبان

    

ما زالت قاطرة الانتخابات في البلدان النامية ومنها العديد من البلدان العربية والإسلامية تثير شكوكاً وعدم ثقة في وصولها إلى المحطة المقصودة، ولذلك تتعرض إلى النقد والاتهام بالتزوير أو التلاعب بالنتائج أحياناً، خصوصاً إذا كانت بعض نتائجها معروفة سلفاً، وهو ما زاد قناعة المواطنين بعدم جدواها طالما يُعاد تدوير الزوايا، فهل يعني هذا تراجع خيار الانتخابات كإحدى آليات التمثيل الديمقراطي؟ وهو ما طالبت به حركة الاحتجاج في ما يسمى«الربيع العربي» الذي أُغرق باحترابات ونزاعات وفوضى وفقد طابعه السلمي المدني، خصوصاً في ظل احتدام الصراع العنفي والتداخل الخارجي الدولي والإقليمي.

 وستكون التجارب الانتخابية المشوّهة والاستقواء على الدولة والتغوّل عليها عاملاً سلبياً في إقناع الناس بالخيار الانتخابي، وقد يدير الجمهور ظهره للزائر الثقيل والضيف الحزين، وهو ما يعطل عملية التحول الديمقراطي التي تحتاج إلى تراكم وتطور طويل الأمد كيما تتحقق الشروط الموضوعية والذاتية للانتخابات الحرة والنزيهة. وربما تحتاج العملية في مجتمعاتنا إلى عقدين أو ثلاثة من الزمان مع توافر ظروف دولية وإقليمية مساعدة.

 في الدول المتقدّمة يكون موسم الانتخابات فرصة للمراجعة والنقد والمباراة بين البرامج والأهداف ومحاولة لاستعراض الأفكار والآراء والخطط المستقبلية لما يهمّ الناس ورفاههم وصحتهم وتعليمهم وعموم الخدمات الضرورية الواجبة، في حين ما يزال يتّخذ الشحن الديني والتمترس الطائفي والتخندق الإثني والجهوي والمناطقي مكاناً أساسياً في التوجهات الانتخابية في مجتمعاتنا. ويصبح الحديث عن التداوليّة والانتخابات مجرد شعارات مُفرغة من محتواها أو يتم تسويفها بحيث تصبح عناوين بلا مضامين.

 إن الانتخابات وحدها ليست الفيصل في الشرعية، ولن تكون في أيّ يوم من الأيام، إنْ لم تقترن بطائفة من التدابير والإجراءات، التي تتطلب وجود مؤسسات وفضاء عام يساهم فيه الفرد بفاعلية في اختيار من يمثّله ويستبدله كلّما شعر أنه لم يعد يعبّر عنه أو يمثّل مصالحه، فضلاً عن إعمال حكم القانون وقضاء مستقل ورقابة ومساءلة ودور للمجتمع المدني.
ولكن ماذا لو لم تتوفّر كل هذه الشروط أو الجزء الأساسي منها؟ فهل ستتم الدعوة للإقلاع عن الانتخابات أو تأجيلها لحين استكمال تلك الشروط؟ وهي لن تكتمل دفعة واحدة، أو تأجيل اللجوء إليها بزعم عدم الاستعداد لإجرائها، لوجود عقبات وعراقيل سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية تقف حائلاً أمامها كوسيلة لاختيار الحكّام، الأمر الذي يتطلّب الانتظار أو عدم التسرّع للسير في هذا الاتجاه.
 
وحسب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، ويعبّر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السرّي وعلى قدم المساواة بين الجميع أو حسب إجراء مماثل يتضمن حرية التصويت. وسيكون من واجب الفرد، مهما كانت الثغرات والمثالب التي تتضمنها الانتخابات المساهمة فيها بالتصويت على الدستور وعلى القوانين الأساسية وفي اختيار من يمثّله أو يعبّر عن مصالحه ولو بحدّها الأدنى، وذلك يتطلّب بالتدريج والتراكم والممارسة إيجاد آليات ومؤسسات قادرة على حماية الحقوق والحرّيات، وهو ما يذهب إليه جون رولز الفيلسوف الأمريكي في كتابه «الديمقراطية التداولية» «Delibrative Democracy» حين أكّد أهمية التعليم وتعميمه والتربية على مبادئ الديمقراطية وتداولية السلطة في ظل مؤسسات ومعرفة عامة ورغبة لدى الفرد للمشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو الأمر الذي يخلق لديه ما يسميه «حسّ العدالة» ويمنحه القدرة على قبول الاختلاف والتنوّع والتعددية.
 
يعتبر العام 2021 موسماً خصباً للانتخابات العربية، على الرغم من تأجيلها في فلسطين، فقد أجريت في الجزائر/ يونيو، وستجرى في العراق/ أكتوبر، وليبيا/ ديسمبر، فهل ستشهد مشاركة واسعة؟ وهل ستتمكن المؤسسات القائمة على حماية الحقوق والحريات بشفافية؟ وهل سيكون الفضاء العام مساعداً في تجاوز الاصطفافات المسبقة ما دون الدولة أم أن هناك الكثير من القيود لا تزال تشدّ المجتمعات العربية إلى الماضي مثل الطائفية والإثنية والعشائرية وغيرها؟
ويتطلّب ذلك وقفة نقدية أمام ما يستلزم إجراء انتخابات في إطار المعايير الدولية، إضافة إلى اختيار النظام الانتخابي المناسب، وسد النقص الفادح في ثقافة الانتخابات والثقافة الحقوقية، وهو ما يلقي مسؤوليات كبيرة على النخب الفكرية والسياسية والثقافية ومؤسسات المجتمع المدني، التي هي الأخرى بحاجة إلى توعية في إطار رفع درجة الوعي ونشر الثقافة الحقوقية وتعميمها، فضلاً عن الاستفادة من التجربة الخاصة وتراكمها وتطوّرها التدريجي.

drhussainshaban21@gmail.com

 

 

تهذيب السياسة

عبدالحسين شعبان

على الرغم من سعي الإنسان لتحقيق السلام والأمن، إلا أن التناقضات المجتمعية والدولية قادته إلى الانخراط في حروب ونزاعات وصراعات لا حدود لها، وكان التغوّل، ولا يزال عملة متداولة بكثرة في التعامل السياسي، وقد ساهمت وسائل الاتصال الحديثة والثورة العلمية - التقنية، وتكنولوجيا الإعلام والاتصالات والمواصلات في ظل الطور الرابع من الثورة الصناعية في عصر العولمة، في تعميم نماذج مختلفة، وغير مألوفة للذوق السياسي والأخلاقي، في التعبير عن أمور عدة.

 ولعل ما استوقفني على هذا الصعيد مؤخراً، الصفعة التي تلقّاها رئيس جمهورية فرنسا، إيمانويل ماكرون، وردود فعله الهادئة والقانونية والأخلاقية إزاءها. وإعلامياً، كنتُ أتابع بعض رسامي الكاريكاتير، أو بعض محاوري البرامج المتلفزة على استخدام تعابير نابية، أو جمل خرقاء، أو تصرفات حمقاء، بهدف الحصول على أكبر عدد من المتابعين، والأمر لا علاقة له بالسخرية كفنّ من الفنون ووسيلة تحريض وتعبئة، وهي جزء من هدف سام أحياناً، غرضها التبخيس بالعدو، أو الخصم، وإظهار قبح أفعاله وسوء تصرفاته.

 لقد تجدد قاموس الإهانات واكتسب بعداً جديداً منذ أن قذف الصحفي العراقي منتظر الزيدي جورج دبليو بوش بحذائه في بغداد، تعبيراً عن استيائه من احتلال بلده. ليس هذا فحسب، بل إن الرئيس جو بايدن قال عن غريمه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قبل لقائه في جنيف إنه «قاتل»، والقائمة تطول بمن استخدم عبارات مقززة أحياناً، وصولاً إلى الرئيس البرازيلي، جايير بولسنارو، الذي ضرب رقماً قياسيّاً مسجلاً سابقة باستخدام الكلمات النابيّة والمُخجلة، مثلما فعل قبل ذلك ضد القوى اليسارية، فذهب إلى السخرية من ماكرون، وزوجته ومظهرها وسنّها، وهي طريقة غير لائقة وغير دبلوماسية، بل خارجة عن أدبيات التخاطب، وذلك في معرض الجدل حول سياسات البرازيل البيئية وعدم الالتزام بالوعود التي قدمتها خلال قمة المناخ العالمية. وفي المقابل، أبدى ماكرون أسفه من أن يكون الشعب البرازيلي تحت قيادة رئاسة بهذا المستوى، على الرغم من أن وصولها كان ترجمة لإرادة صندوق الاقتراع.

 وإذا كان ثمة مشتركات بين الفاشية القديمة والنازية الإيديولوجية، فإن هناك تعارضات بينها وبين الشعبوية العنصرية الاستعلائية الجديدة، فالأولى اعتمدت «الانضباط» حتى إن كان مصطنعاً بزعم الالتزام بتعاليم الكنيسة كمرجعية أخلاقية، وهو ما عبّر عنه بحزم الجنرال فرانكو الذي حكم إسبانيا بالحديد والنار قرابة أربعة عقود من الزمن.
 
قد يستسيغ البعض منّا، لدرجة الاستمتاع، حين يسمع كلاماً بذيئاً، أو جارحاً أو تعريضاً نابياً أو تشهيراً صادماً أو فضيحة مدوّية، أو اتهاماً خارقاً لعدوّه، أو خصمه، ولا يهم إن كان مثل هذا السلوك أو التصرف خارج دائرة القيم التي يدعو إليها والمبادئ التي يروّج لها، من قبيل احترام الرأي والرأي الآخر، والتعددية والتنوع، والحوار الموضوعي، وحتى خارج دائرة الأخلاق والعقلانية التي يتشدّق بها، طالما أنها تستهدف الآخر/الضد بهدف إقصائه من المجال العام عبر شيطنته، وتشويه صورته بحديث غير لائق، وألفاظ محقِّرة، من دون أن يدرك من يقوم بمثل هذا الفعل الشنيع أنه ينتزع جزءاً من إنسانيته، وخمول ضميره.
 
فالسلوك السياسي السوي والأخلاقي غالباً ما يكون منطقياً وموضوعياً ورزيناً، وهو ما يقدّره الجمهور في نهاية المطاف، أما الازدراء والاحتقار والتسقيط والنبّذ بهدف النيل من الآخر، أو الإساءة إليه، أو تزوير الحقائق، أو الدعاية السوداء وأساليب التضليل، فإنها في أيّ دولة يكون القضاء فيها محترماً ومستقلاً نزيهاً وعادلاً، يعرّض أصحابها للمساءلة، بل قد يكون رادعاً لهم.
لقد أصبحت بعض الفظاظات السياسية وانفلات اللسان أو القلم طريقة جذّابة ومُغرية لبعض النخب طالما أنها تستهوي الجماعة المتحزبة، أو مستوياتها الدنيا. ويكفي أن نراقب بعض المحطات التلفزيونية، أو بعض مواقع التواصل الاجتماعي لنرى ما يُبثّ وينشر فيها من غثّ وسمين، حيث يتم التراشق والتنابذ والتفاضل والتفاخر إلى درك تشويه الخصم ونعته بأقذع النعوت، واعتبار كل ما هو جميل وخيّر حكراً على دينه أو طائفته أو قوميته أو حزبه أو جماعته أو دولته.
 
ويصبح لزاماً على المعنيين من صنّاع القرار من تربويين وجامعيين وفعاليات سياسية وثقافية ودينية ومدنية، والمسؤولين عن مواقع التواصل الاجتماعي، أن يضيفوا إلى برامجهم «علم الأخلاق» و«علم الجمال» و«حقوق الإنسان» كي يتم تنزيه السياسة وتهذيبها بالمعنى النبيل الذي قال به أرسطو: «أنها الخير العام»، وهو ما واصله مؤسس علم الاجتماع عبدالرحمن بن خلدون.

drhussainshaban21@gmail.com

بايدن – بوتين

وألغام الحرب الباردة

 

عبد الحسين شعبان

كان الخبر الأبرز في القمة الروسية - الأمريكية التي التأمت في فيلا «لا غرانج» التاريخية في جنيف هو: لا حرب باردة جديدة بين البلدين، وهو ما صرّح به بايدن، مشيراً إلى «أنّ مثل هذه الحرب لا تصّب في مصلحة أحد»، وهذا يعني أنّ آفاقاً جديدة بدأت تأخذ طريقها إلى تحسين العلاقات بين الدولتين العظميين، والتي شهدت «حرباً باردة» متصاعدة و«صراعاً أيديولوجياً» حاداً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وانفضاض التحالف المعادي للفاشية والنازية، إلى نهاية الثمانينات، حيث تهاوت الأنظمة الاشتراكية بلداً بعد آخر، وانهار الاتحاد السوفييتي السابق في نهاية العام 1991 منشطراً إلى 15 دولة، بعضها أصبحت حليفة للغرب وعضواً في حلف الناتو وعدوّاً شديداً لروسيا. وكان الجانبان قد اتفقا مسبقاً على عدم توقيع أيّة وثائق في ختامها. واكتفيا بمؤتمرين صحفيين منفردين.

 وصرّح بايدن خلال مؤتمره الصحفي أنّ علاقات موسكو مع واشنطن يجب أن تكون مستقرة وقابلة للتنبؤ. وعلى البلدين إيجاد مجالات للتعاون وفقاً لقواعد أساسية يلتزم بها البلدان. وكانت العلاقات الروسية - الأمريكية شهدت توتراً شديداً إثر شنّ بايدن حملة شعواء قبل أسابيع من لقاء قمّة جنيف ضد روسيا، متهماً رئيسها بالقاتل، الأمر الذي أدّى إلى عودة السفير الروسي أناتولي أنطونوف لدى واشنطن إلى موسكو للتشاور في مارس/آذار 2021 في حين غادر السفير الأمريكي جون ساليفان موسكو بعده بشهر واحد، لكن بايدن خلال المباحثات أكدّ لبوتين أنّ أجندة الولايات المتحدة ليست معادية لروسيا، لكن أيّ رئيس أمريكي لن يكون قادراً على الحفاظ على ثقة الناخبين الأمريكيين إن لم يبذل جهوداً للدفاع عن الديمقراطية، وفي جواب لأحد الصحفيين قال: «المسألة تتعلق بالمصالح».

 واتفق الرئيسان على تطبيع العلاقات وإعادة السفيرين إلى كلِّ من واشنطن وموسكو، والبحث في الخطوات اللاحقة في مجال الرقابة على الأسلحة بهدف خفض مخاطر نزاع غير متعمّد، وهذا ما سيتم بحثه في إطار حوار ثنائي، تمهيداً لاتفاق شامل واستراتيجي حول الرقابة على الأسلحة. وقد شملت المباحثات أهمية التمديد الأخير لمعاهدة الحدّ من الأسلحة الهجومية - الاستراتيجية (ستارت 3).

وناقش الرئيسان موضوع الأمن السيبراني والاتهامات الأمريكية القديمة - الجديدة فيما يتعلق بالهجمات السيبرانية، التي تقول واشنطن إنّ هناك من يقف وراءها من داخل روسيا. وأعلن بايدن أنّه سلّم نظيره الروسي 16 قطاعاً حيوياً (الطاقة وإمدادات المياه وغيرها...) التي لا يمكن المساس بها وأنّ الولايات المتحدة لن تتسامح مع محاولات الاعتداء على سيادة الديمقراطية الأمريكية، وستردّ على أيّة محاولة للمساس بمصالحها أو مصالح حلفائها، وهي تمتلك القدرات الضرورية لذلك، ولمّح إلى حقول النفط الروسية وماذا سيكون ردّ فعل بوتين لو هوجمت سيبرانياً؟

وتطرقت المحادثات إلى الملف الأوكراني الذي أكدّ بايدن دعم بلاده لسيادة أوكرانيا، في حين أكد بوتين التزامه باتفاقيات مينسك للتسوية الأوكرانية، كما أبدى بايدن قلقاً بشأن الوضع في بيلاروسيا.

 أمّا بالنسبة للشرق الأوسط، فقد اتفق الرئيسان على فتح ممرات إنسانية في سوريا لنقل المساعدات الغذائية، وعدم تمكين إيران من الحصول على الأسلحة النووية، وبحثا تطورات الوضع في أفغانستان لمنع انتعاش الإرهاب بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان والاتفاق مع حركة طالبان (فبراير/ شباط 2020) وعرض بوتين المساعدة على بايدن في هذا المجال.

 أمّا بشأن حقوق الإنسان فقد جرى التطرق إلى مصير الروس المعتقلين في السجون الأمريكية، إضافة إلى استثمار منطقة القطب الشمالي ومنع عسكرتها وكذلك احترام حقوق الإنسان في روسيا ومسألة المعارض الروسي أليكسي نافالني، وأيضاً دعا بايدن إلى إطلاق سراح المستثمر الأمريكي مايكل كالفي المحكوم بالسجن في روسيا، وربط ذلك بمصير استثمارات أمريكية واسعة في روسيا.

 وكان الرئيس الأمريكي قد حقق بعض أهدافه قبل لقاء قمة جنيف بانعقاد قمّة الدول السبع الكبرى، حيث وضع المواجهة الصينية في مقدمة أولويات التحالف الغربي، خصوصاً بعد ترميم العلاقات الأمريكية - الأوروبية التي تزعزعت خلال فترة إدارة الرئيس دونالد ترامب. ووضع زعماء الدول السبع مشروع «بناء عالم أفضل» في مواجهة سياسة الصين، لاسيما بمساعدة الدول الفقيرة، وهي خطة قد لا ترتقي إلى خطة «الحزام والطريق» التي قطعت الصين شوطاً غير قليل في تنفيذها.

 وعلى الرغم من أن بايدن وهو يواجه بوتين كان يضع نصب عينه التحالف الصيني - الروسي، فإنه في الوقت نفسه يعرف أنّ الصين أكبر مُصدّر لأوروبا وثاني مستورد منها، فهل سيكون الاتحاد الأوروبي على استعداد للانضمام إلى واشنطن في المواجهة الاقتصادية المحتملة أو حرب باردة جديدة مع الصين بدلاً من روسيا؟

drhussainshaban21@gmail.com

 

 

التنمية وفايروس التمييز

ع. الحسين شعبان

ما تزال مجتمعاتنا تعاني من آفات خطيرة مثل التخلّف والجهل والأمّيّة والفقر والمرض. وهذه تحتاج لمواجهتها إلى المعرفة والعلم والتكنولوجيا والقيم الإنسانية، ولا سيّما قيم الحرية والسلام والتسامح والمساواة والعدالة والمشاركة والشراكة، إذْ لا يمكن بناء المجتمعات وإنجاز مشاريع التنمية بزعم أفضليات هذا الدين أو ذاك، أو أحقّية هذه الطائفة أو تلك، فلن يتحقّق التقدّم المطلوب بالإقصاء أو التهميش الأيديولوجي، سواءً باسم الدين أو القومية أو مصالح الكادحين، خصوصاً بإدعاء امتلاك الحقيقة، بل والحق في احتكارها،  ولعل كلّ جهة أو جماعةٍ أو طائفةٍ تصوّر نفسها، وكأنها الفرقة الناجية "المبشّرة بالجنّة" حسب تعبير المؤمنين، أو الطليعة المقدامة حسب الأيديولوجيا السياسية اليسارية.

لقد صرفت مجتمعاتنا سنوات طويلة، ولا سيّما بعد إحرازها على الاستقلالات في معارك داخلية محتدِمة، تارةً باسم حقوق "الأغلبية" السائدة، وأخرى باسم "الأقلية" المهضومة، وثالثة بدعوى "الأيديولوجيا"، ورابعة تحت عنوان اختيار "طريق التنمية". واحتربت القوى والتيارات السياسية فيما بينها، مرّة بين "الملكيين" و"الجمهوريين"، وأخرى بين القوميين والشيوعيين وثالثة بين الدينيين والعلمانيين. كما شهد العالم العربي صراعاً دينياً وطائفياً، مرّة لإقصاء المسيحيين أو تهميشهم، وشمل الأمر بقية المجموعات الثقافية التي تسمّى مجازاً بـ "الأقليّات"، ومرّة ثانية بين "الشيعة" و"السنّة"، ومرّة ثالثة بين مجموعات إثنية أو لغوية أو سلالية، وجميعها تتعلق بهدر الحقوق وعدم تحقيق المواطنة المتساوية من دون تمييز أو استعلاء.

وفي المجتمعات المتعددة الثقافات، دينياً وقومياً وإثنياً، ولغوياً، ومنها بلداننا العربية وبعض البلدان الإسلامية، أكّدت التجربة أنه لا يمكن تحقيق التنمية المنشودة والنهوض بهذه المجتمعات والبلدان من واقع التخلّف إلى واقع التقدم، إلا بالتعاون بين مختلف التكوينات. فالأوطان تُبنى بالسلام والاستقرار والتعايش. وكان دستور اليونسكو قد أكّد: "لما كانت الحروب تتولّد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تُبنى حصون السلام"، والأمر يحتاج إلى حوار وتفاهم لحل المشكلات الوطنية والاجتماعية، وتوافق وطني في ظل سيادة القانون.

ولعلّ بلداً صغيراً نسبياً ومتخلّفاً مثل ماليزيا تمكّن وخلال ثلاثة عقود من الزمان، التحوّل إلى دولة صناعية قادرة على المنافسة في السوق العالمية، بفعل قيم التسامح والسلام والعيش المشترك بين المجموعات الثقافية المختلفة المسلمة والبوذية والمسيحية والهندوسية وأتباع ديانات قديمة أخرى.

لم يكن وصول بلد مثل ماليزيا إلى النجاح المطلوب عبر فتاوى تكفّر هذه المجموعة الدينية على حساب تلك أو تعلّي هذه الطائفة على حساب طائفة أخرى، بل كان بالتوجه - وعلى نحو صارم - لوضع مسافة واحدة من الجميع، ولم يكن ذلك من دون عناء أو أخطاء أو حتى شبهات فساد، لكن المشروعية القانونية كانت هي الضامن للنجاح وللشرعية السياسية.

كما لم تكن لدولة كبرى مثل الصين أن تحقّق القفزة النوعية الهائلة في التقدّم بالكتاب الأحمر لـ ماوتسي تونغ ووصاياه، بل كان الانصراف إلى العلم والتكنولوجيا وتعديل شروط الإنتاج وعلاقاته بالقوى المنتجة، هو الذي ساهم في تحقيق التراكم المطلوب، فضلاً عن نظام إدارة سليم، وإرادة سياسية فاعلة.

وهكذا فإن التساوق مع منجزات العلم والتكنولوجيا وتوظيفها بشكل صحيح وعلمي هو الذي حقق المنجز التنموي.

لقد أكّدت التجارب التنموية أن إحراز التقدّم يتطلب علماء في الفيزياء والكيمياء والهندسة والطب، وليس تكديس أعداد من خريجي المدارس الدينية هم أقرب إلى العاطلين عن العمل منهم إلى منتجين، كما ليست حاجة المجتمع إلى كوادر تتخرّج من المدارس الحزبية لا عمل لها سوى الأوامرية البيروقراطية، وهؤلاء وأولئك دائماً ما يميلون إلى التعصّب ووليدِه التطرّف. والأخير يصبح عنفاً إذا صار سلوكاً وانتقل من التفكير إلى التنفيذ. فما بالك حين تتبنّاه الدولة، سواء باسم "الثورة الثقافية" أو الإيمانية المُؤدلجة، باسم "التكفير والهجرة" أو "ولاية الفقيه" أو "العودة إلى السلف الصالح" حسب داعش وأخواتها، فإن تأثيراته السلبية تكون كبيرة على المجتمع، لا سيّما إذا تم ضخّه عبر التربية والتعليم والإعلام والثقافة السائدة، ناهيك عن القوانين الناظمة للاجتماع السياسي.

يقول مهاتير محمد عن تجربة ماليزيا: "لقد قررنا أن نعبر المستقبل بمباركة كل المكوّنات العرقية والدينية والثقافية من دون الالتفات إلى عذابات ومعارك الماضي، فنحن أبناء اليوم... ومن حقّنا أن نتمتّع بخيرات هذا الوطن".

أما الصينيون فبعد وفاة الزعيم ماوتسي تونغ 1976، وانتهاء "الثورة الثقافية"، ذات البعد الأيديولوجي الدموي، فإنهم توجّهوا إلى بناء القدرات بإرادة قوية وطموح كبير، وخلال أربعة عقود من الزمان نافست الصين الولايات المتحدة القوة الأكبر والأكثر تقدماً في العالم.

وفي الحالتين الماليزية والصينية، لم يكن الاعتبار سوى للعلم والتكنولوجيا وهما ما نحتاج إليه في بلداننا العربية والبلدان الإسلامية، خارج دوائر التزمت والتشدّد والغلو الديني والطائفي، الذي ضرب فايروسه بلادنا بالصميم أكثر من فايروس كورونا، وأحدث تمزّقاً وتفتّتاً في بنية مجتمعاتنا، ونحن لما نكن قد شفينا بعد، من فايروس الأيديولوجيا الذي هيمن علينا وتوغّل فينا لسنوات طويلة.

 

 

العروبة والقومية

عبد الحسين شعبان

هل العروبة "هوّية" أم حركة قومية؟ هو سؤال غالباً ما يُحدث التباساً لدى المتلقّي، بل وفي بعض الأحيان لدى المعنيين، الذين لا يفرّقون بين العروبة والقومية. وإذا كانت اللغة والثقافة والتاريخ والعيش المشترك، الأساس في الهوّية، فإن القومية فعل سياسي له برنامج ذو شحنة أيديولوجية، ويزداد الأمر تكريساً حين تنشئ نظاماً سياسياً. وقد تكوّنت الحركة القومية العربية في نهاية القرن التاسع كرَدّ فعلٍ دفاعي عن الهوّية، ضد سياسات التتريك التي اتبعتها الدولة العثمانية، وفيما بعد وقفت ضد سياسات الاستعمار الغربي.

وبالعودة للتاريخ فإن العروبة ولغتها سبقت الإسلام، حسب المؤرخ عبد العزيز الدوري، وحين جاء الإسلام ترسّخت العروبة لأن لغة القرآن كانت عربية، ويذهب محمد عابد الجابري للقول بثنائية العروبة والإسلام، والعربي هو من يصبح عروبياً بنزوعه إلى الوحدة الثقافية، وبالعودة إلى التاريخ فالعرب العاربة أو العرب المستعربة يجمعهم اللسان. أما العروبة فهي امتداد حضاري تاريخي، ورابطة تتصل بالثقافة المشتركة من تبادل المعرفة والأدب والفن والعلم والتراث، وهي رابطة موضوعية لا يمكن إنكارها وليس لها بعداً أيديولوجياُ، أو أنها برسم السياسة.

ووجهة النظر هذه دعوة لاستنهاض العروبة الثقافية مقابل "العروبة العرقية"، أي المتعصّبة على الطريقة البسماركية، لعدم واقعيتها وتخلّفها، وأخذت تحلّ محلّها فكرة العروبة الجامعة والمنفتحة والمتجدّدة والإنسانية والحضارية، وتتقلّص الأفكار القومية المضادّة لها، حيث اكتسبت فكرة العروبة بُعداً واقعياً بعيداً عن الطوباويات المثالية. وبحسب الياس مرقص فالأمة لغة قومية (أساس الهوّية العربية)، وتاريخها هو تناضد طبقات.

ووفقاً لهذا المنظور، فالعروبة رابطة وجدانية وشعورية وإنسانية جامعة وهي ليست ثابتة بمعنى سُكونية، بل متطوّرة وحركيّة، وهي ليست كاملة أو نهائية، بل هي متفاعلة مع محيطها في الإضافة والحذف والتطوير والتغيير، كونها حيوية ومعاصرة وراهنة ولا يمكنها أن تعزل نفسها عمّا يجري حولها وفي العالم أجمع.

وبهذا المعنى فالعروبة ليست سرمدية وتماميّة ومقفلة، مثل بركة راكدة، بل هي على العكس من ذلك أرخبيل مفتوح تتفاعل مع غيرها وتؤثر فيه وتتأثر به ارتباطاً بالتطورات الكونية، والأمر ينطبق على جميع الهوّيات. وهكذا فإن أمر اختلافها ليس مفتعلاً، وإنّما واقعي، يرتبط بالحداثة والمواطنة والحقوق الإنسانية،  التي هي نتاج تطور منذ أمرؤ القيس، مروراً بالمتنبي وابن خلدون وصولاً إلى جبران خليل جبران وطه حسين ومحمد مهدي الجواهري.

وفي الأندلس كان المعتمد بن عباد وابن طفيل وابن باجة وابن حزم وعباس بن فرناس رمزاً للعروبة في صعودها وانفتاحها على ما حولها، مثلما كانت في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تأكيداً على خصوصيتها ووجودها الثقافي عبر جورج أنطونيوس وشكيب إرسلان ورشيد رضا وآل البستاني وأمين الريحاني وصولاً إلى ساطع الحُصَري، استمراراً للومضات الأولى لحركة الإصلاح وإرهاصات النهضة التي ابتدأت مع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ورفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي والشيخ محمد حسين النائيني، حيث ظل سؤال النهضة مطروحاً بركنَيه الأساسيين: الحرية والتنمية، والمطلوب هو إعادة اكتشاف عناصر القوة في العروبة وتجديدها وأنسنتها وتحصينها بالتنوّع وقبول الآخر والإقرار بالتعددية والحق في الاختلاف، وهو ما أخفقت الحركة القومية العربية من بلوغه في مرحلتها الأولى ما بعد الاستقلالات العربية.

ومنذ عصر النهضة حتى يومنا هذا، سادت تيارات فكرية وسياسية عديدة قومية وإسلامية ويسارية، صعوداً وهبوطاً، لكنها لم تستطع إنجاز مشروع يتمتع بأركان هوّية منفتحة ومتماسكة في الآن، ولعلّ ما يحسب لـ مركز دراسات الوحدة العربية ومؤسسه الراحل خير الدين حسيب لما له من عقلية رؤيويّة مستقبلية هو جمعه كوكبة لامعة من المثقفين والباحثين والمتخصصين العرب، لبلورة الخطوط العريضة لــ مشروع نهضوي عربي مستقبلي جديد، أساسه التحرّر السياسي في مواجهة الاستعمار، والتنمية المستقلة في مواجهة التبعية والتخلّف، والوحدة العربية في مواجهة التفتت، والديموقراطية في مواجهة الاستبداد، والعدالة الاجتماعية في مواجهة الاستغلال، والتجدّد الحضاري في مواجهة التغريب وتوظيف التراث إيجابياً.

ومن القضايا الحساسة التي تواجه العروبة موقفها من القوميات الأخرى والتنوع الثقافي في مجتمعاتنا، فخطاب التعصّب الذي حمل شفرة أيديولوجية قاد إلى التطرّف، وحين أصبح الأخير فعلاً وسلوكاً تحوّل إلى عنف، وحين ضرب عشوائياً صار إرهاباً، ومقابل التعصّب والاضطهاد، كان رد الفعل ضيق الأفق والانعزالية القومية. الأمر الذي يحتم الاعتراف بالآخر والإقرار بالشراكة بدلاً من الإقصاء والتهميش، وإعادة النظر بالموقف من المجموعات العرقية والدينية واللغوية على أساس المواطنة وليس العرق، وإلا سيكون الجاحظ وابن المقفع وابن سينا والفارابي وابن رشد وأبو نؤاس وقبل ذلك سيبويه ونفطويه وبشّار بن بُرد وصولاً إلى قامات معاصرة، خارج دائرة العروبة. فليس النسب والعصبية القبلية هي التي تقوم عليها العروبة وإنما اللغة والثقافة والتاريخ والعيش المشترك.

العروبة الحضارية هوّية ثقافية لغوية منفتحة على التنوّع والتفاعل والتجدّد ولذلك فهي مشروع لم ينجز بعد، حسب قسطنطين زريق، وانتاجه يحتاج إلى وعي جديد وحامل اجتماعي جديد يمثل روح الأمة.

 

 

الحزبية والحزبوية

عبد الحسين شعبان

توقف "جون بول سارتر" عند ظاهرة  "افتراق السياسة عن الفكر"، حين عبّر عن ذلك بما معناه، هل يجب أن أقول الحقيقة، فأخون البروليتاريا أم يجب أن أخون الحقيقة بحجة الدفاع عن البروليتاريا؟

وكانت جامعة أكسفورد قد نظّمت ندوةً في العام 2003 في إطار "مشروع دراسات الديمقراطية" حول "الديمقراطية في الأحزاب الثورية"، وفيها قدّمتُ بحثاً بعنوان "حين تزدري السياسةُ الفكرَ"، خلاصاته كيف يتم تبرير التجاوز على المبادىء والأفكار بزعم الضرورات السياسية والحزبوية، وإذا كان هناك من حاجة ماسّة ومستمرة لتكييف الفكر كي ينسجم مع الواقع، وهو ما نُطلق عليه البراكسيس، فإن ذلك لا يعني تعارضهما أو تعاكسهما، بل توافقهما وتقاربهما.

لقد فقدت الأغلبية الساحقة من الأحزاب السياسية في عالمنا العربي ألقها الذي كانت تتمتّع به في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وتدريجيًا أخذ لونها يبهت وصوتها يتحشرج ووهجها يخفت، وهو ما أظهرَته بشكل صارخ حركة الاحتجاج الواسعة التي أُطلق عليها "الربيع العربي" قبل عقد من الزمان، والأمر يعود لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية.

الأولى تتعلّق بانتهاء الصراع الأيديولوجي بشكله القديم وتبدل ظروف الحرب الباردة، التي توجّت بهدم جدار برلين في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989.

الثانية تتعلق بفقدان الحماس الشعبي وعزوف الشباب عن الانخراط في صفوفها، إلى درجة أصبح بعضها منتدًى للمسنين والمتقاعدين الذين يعيشون في الماضي، وتحوّلها إلى أحزاب محافظة وتقليدية.

لعب العاملان الموضوعي والذاتي دورهما في الحال التي وصلت إليها الأحزاب القديمة، القومية والشيوعية، إضافة إلى الأحزاب الدينية، بل أن بعض الانتقادات التي كان يوجهها بعضها إلى الآخر وقع هو فيها، من المحسوبية والمنسوبية والفساد والتسلّط، فهي لا تتورّع من التزوير أو تسكت عنه أو تمالئ أحياناً إذا كان يأتي إليها بمنفعة أو لبعض المحسوبين عليها. فالعلماني أصبح طائفياً والطائفي أخذ يتحدّث بالدولة المدنية والقومي  والأممي لم يجدا ضيراً من قبول التعامل مع قوى خارجية، بل إن العديد منهم انكفأ ليصبح محليّاً، بل متذرّراً في هوّيته الفرعية، فهذا يتحدث عن المظلومية التاريخية، وآخر يتناول حقوق "المكوّن" وثالث يضع انتمائه الإثني فوق الانتماء الوطني، كما دخلت إليها العشائرية والوراثية.

لم تستطع هذه الأحزاب لأسباب القمع المعتق الذي كانت تتعرّض له وعمليات الإلغاء والاستئصال والتهميش وشحّ الحريات بالدرجة الأساسية أن تتنفّس هواءً ديمقراطيّاً، لا سيّما استمرار نهج الاستبداد لعقود من الزمان، ولأسباب فكرية وعملية، لم تتمكّن من تقديم بديل مقبول، بل استخدمت الأساليب نفسها في الكثير من الأحيان، في معادلة ملتبسة، ظلّت تطرح أسئلة عديدة: هل المعارضات وجه آخر للسلطات؟ فإذا كانت رحيمة وسَمِحة، فستراها عقلانية وسلمية، والعكس صحيح. وتلك واحدة من مفارقات السياسة.

ولأن الأحزاب عانت من اختلال العلاقة بين الأعلى والأدنى، والأغلبية والأقلية، وغاب عنها حرية التعبير بزعم المركزية ووحدة القرار، فقد احتجب النقد والنقد الذاتي، وعانت من مركزية بيروقراطية صارمة واتكاليّة وتعويليّة فكرية مهيمنة، الواضح في أحزاب السلطة والمعارضة، حيث تكرّرت الانقسامات والانشقاقات وحركات الاحتجاج  لقمع الرأي الآخر.

والأكثر من ذلك، فإن الحزبوية تقدّمت على الهُويّة الوطنية في الكثير من الأحيان، بزعمها أن الحزب متقدّم على الوطن، وفي الكثير من الأحيان، تمّت التضحية بالعديد من أعضاء الحزب ذاته ومن أخلص الوطنيين بسبب النهج الأُحادي الإطلاقي بتبرير ادعائها امتلاك الحقيقة والأفضليات، علماً بأن أية أيديولوجية مهما كانت إنسانية فإنها لا تمنع من ارتكاب جرائم أو انتهاكات بحجة مصلحة الحزب المتقدمة على مصلحة الوطن والأمة، وفي تاريخنا العربي مثلما في التاريخ العالمي هناك أمثلة على مجازر ارتُكبت بحق قيادات وكوادر، بل وشعوب اقتيدت إلى النحر بحروب ومغامرات، لتحقيق مصلحة الحاكم أو الزعيم أو المسؤول، إما لعنعنات أو لجهل أو لسوء تقدير.

وغالباً ما دخلت حزبويات في صراع تناحري كان الوطن فيها هو الضحية، خصوصاً في ظل شحّ حرية التعبير ونظام الطاعة والهيمنة والأبوية الذي يستمد قاعدته من أيديولوجيات شمولية ظلت تحكم الأحزاب من داخلها، وحكمت المجتمع من خارجه، وأدّت إلى كوارث هائلة.

لقد تربّت النخب الحزبوية في أجواء السرية والحرمان والفاقة وحين اقتربت من السلطة، أية سلطة،  فرّغت الكثير من عقدها للتعويض عن ذلك، مستخدمة أساليب من أشدها قسوة وفظاظة إلى أكثرها مكراً وخبثاً، الأمر الذي يحتاج إلى إجراء مراجعةٍ نقدية للسياسة الحزبية والحزبوية السياسية، والهدف أنسنة الحياة السياسية.

ومن العبث أن نحاول مدّ الوقائع لتكون مطابقة لسرير بروكرست، حسب الميثولوجيا اليونانية، حيث يسعى الحزبوي لجرّ صاحبه حتى يهلك إذا كان السرير طويلاً، أما إذا كان صاحبه أطول فيعمل على اقتطاع أرجله لتأتي تصوّراته ونزعاته الإرادوية متطابقة مع الواقع. وفي كلا الحالين فالخسارة فادحة، ولا بدّ من الإقرار بذلك والتعامل مع الواقع كما هو، لتجنيب البلاد صراعات لا طائل منها، وخصوصاً التنكر للحقيقة. وتلك إحدى المعضلات التي تواجه المثقف الحزبي والسياسة الحزبوية.

 

 

دكتاتورية السوق

عبد الحسين شعبان

شهدت نهاية الثمانينات من القرن الماضي تحوّلاً كبيراً في العلاقات الدولية، توّج بانهيار جدار برلين في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1989، الذي كان إيذاناً بانتهاء عهد الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي، وولادة ما سُمّي بـ "النظام العالمي الجديد"، بقيادة الولايات المتحدة، وقد تجاوز هذا التغيير الجوانب السياسية والثقافية ليمتدّ إلى الحقل الاقتصادي والاجتماعي في إطار ما أُطلق عليه "نظام العولمة".

والعولمة في أبسط تعريفاتها تعني: تيسير انتقال المعلومات والسلع والأموال والأفكار والعادات الاجتماعية والثقافية من الدول الصناعية المتقدّمة إلى أنحاء العالم، الأمر الذي يترتّب عليه انفتاح الأسواق وزوال الحواجز الجمركية وتقليص نفوذ الدولة الوطنية، لا سيّما في ظل الثورة العلمية - التقنية وتكنولوجيا المعلومات والإعلام والطفرة الرقمية "الديجيتيل"، والتي حقّقت تقدّماً هائلاً وغير مسبوق في مفهومَي الزمان والمكان، بحكم تحوّل العالم إلى "قرية صغيرة" متفاعلة على نحو متشابك، خصوصاً في الطور الرابع من الثورة الصناعية.

وأصبحت النيوليبرالية المرجعية الفكرية للعولمة، التي تقوم على عناصر عديدة أساسها اعتبار السوق الكيان المهيمن للرؤية الاقتصادية على نحو شبه مقدس وحرية تكاد تكون شبه مطلقة، وذلك بتحرير أسعار السلع والخدمات وخصخصة المجالات الحكومية ومشاريع القطاع العام، وإعادة النظر في دور الدولة لجهة إلغاء بعض واجباتها السابقة في رعاية المواطنين وتخلّيها عن دورها الاجتماعي والاقتصادي من جهة، وإلغاء وظيفتها في ضبط السوق، بتوسيع مجالها في حريّة انتقال السلع والخدمات والأفراد بلا مجهود من الداخل والخارج، أي بإغفال البُعد الاجتماعي لمفهوم العدالة واعتماد البقاء للأقوى اقتصادياً، وهكذا يصبح السوق في خطاب العولمة السياسي والثقافي هو الأساس.

والأمر لا يتوقف عند الجوانب الاقتصادية والسلع المادية، ولكن يمتد إلى الأبعاد الثقافية العميقة في التشكيل النفسي والقِيَمي للإنسان والمجتمع. وهكذا فالعولمة لا تستهدف الهيمنة الاقتصادية فقط، بل إنها تسعى لوضع اليد على الأنساق الثقافية المختلفة، وصبغها بلون مجتمع السوق، بحيث يتحدّد كل شيء في المجتمع بسعر السوق، حتى القيم الإنسانية والعلاقات بين البشر، لا سيّما تحت تأثير الإعلام الضخم والمفخِّم، ووسائل التواصل الاجتماعي. وكان فرانسيس فوكوياما المنظّر الأمريكي من أصل ياباني قد بشّر بذلك بكتابه: "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، معتبراً نمو الليبرالية الغربية الشكل النهائي لنظام الحكم.

واستندت ثقافة العولمة على أربع محاور أساسية وهي: نمط الاستهلاك وثقافته،  ونموذجها الأول: في الطعام المكدونالد، وذلك عبر دعاية غير مسبوقة. والثاني: ثقافة دافوس، القائمة على نخب من رجال أعمال وطامحين لبلوغ القِمّة، والثالث: ثقافة العقل أو النادي الثقافي، وأساسه شبكات أكاديمية ومؤسسات غير حكومية أو ما يسمّى بـ "المجتمع المدني"، المتأثر بالأفكار التي تروّج إليها المؤسسات الغربية وأيديولوجياتها غير البريئة، والرابع: الحركات السياسية المتأثّرة بالغرب والانفتاح، والداعية إلى مفاهيم عابرة لـ الوطنية والسيادة والاستقلال وحق تقرير المصير ومفاهيم العدالة الاجتماعية.

واعتمدت  الليبرالية على أدوات استخدمتها بشكل مؤثّر وفاعل مثل: الشركات المتعدّدة الجنسيات أو ما فوق القومية، والمؤسسات الاقتصادية العالمية، كـ البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وحكومات الدول الكبرى وأدواتها مثل اتفاقية التبادل التجاري الحرّ والمناطق الحرّة وبرامج إعادة الهيكلة، إلى درجة أن الليبرالية الجديدة فرضت نفسها كفكرة مسيطرة وقوة مهيمنة متجاوزة الهوّة بين الشمال والجنوب، وبين الدول الغنية والفقيرة، وأصبح انتقال اللاجئين من الجنوب الفقير إلى الشمال الغني أحد مظاهر التغيير من دون أن تتهاون في مساعيها لاستتباع الدول والشعوب تحت مزاعم مناهضة الإرهاب الذي هو نتاج للتعصب ووليده التطرّف والعنف، وتحت شعار محاربته، تعمل على تأمين مصالحها، ولا سيّما بالهيمنة على الموارد الطبيعية وتأمين سيطرتها الاستراتيجية وحماية حلفائها.

وتناست الليبرالية شعاراتها التي بشّرت بها في الثلاثينات بالانتقال من دولة الحماية ودولة الرعاية إلى "دولة الرفاه" وفق النموذج الكينيزي، لأنها أصبحت تهدد المستقبل. ولعلها كانت مجرد "تراجع تاكتيكي" أيام الحرب الباردة، ورضوخاً لبعض مطالب الحركة الشعبية والعمالية في البلدان الرأسمالية.

هكذا سيكون غالبية سكان العالم خارج إطار المنافسة، لأن العولمة بطبيعتها تنحاز إلى الأغنياء على حساب باقي فئات المجتمع، فيزداد تركيز الثروة في أيدي الأقلية وتتسع الهوّة بين البشر، تحت عنوان البقاء للأصلح استناداً إلى نظرية داروين وتهميش الأقل قدرة، أي نزع البعد الأخلاقي عن عملية التنمية بحيث تصبح قوى السوق مساوية لقوى الطبيعة، وعلى الجميع الإذعان لها والتكيّف مع قوانينها، فلا مكان للتخلّف والفقر في هذه الغابة اللّاإنسانية، وذلك ما ينعكس اليوم على الصراع الأميركي - الصيني.

وإذا كان هناك وجه آخر للعولمة يقوم على عولمة الثقافة والحقوق والتكنولوجيا، لكن قوى السوق وديكتاتوريته ستشكّل رادعاً لعدم التراكم والتأثير على مسارها، بحكم جبروتها الاقتصادي ووسائل الإعلام الضخمة، التي تملكها، إضافة إلى ترسانة السلاح في إطار تقسيم ظالم وأنماط استهلاكية سريعة وموحّدة. فحتى الأحلام والأماني والأذواق والسلوك وأشكال الحياة ستكون منمذجة.

 

 

 

 

كوبا أمام مفترق طرق

عبد الحسين شعبان

طوى المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي الكوبي (أبريل/نيسان 2021) صفحة طويلة من تاريخ كوبا "الثوري" امتدّت لأكثر من ستة عقود من الزمان حكم فيها فيديل كاسترو الزعيم التاريخي من العام 1959 ولغاية العام 2008، وأعقبه شقيقه راؤول كاسترو الذي تولّى منصب الأمين العام للحزب من العام 2011 إلى العام 2021، وقرّر الخلود إلى الراحة والتقاعد السياسي مفسحاً في المجال للجيل الجديد لتولّي المناصب العليا، لا سيّما بعد تعديل الدستور (ديسمبر/ كانون الأول 2018) الذي اعترف بالملكية الخاصة وإدارة مشاريع اقتصادية صغيرة للمواطنين وسمح للاستثمار الأجنبي.

اختار المؤتمر ميجيل دياز كانيل أميناً عاماً للحزب (60 عاماً) وكان قد شغل منصب رئيس الوزراء الذي استحدث في العام 2018. وهكذا يتم الانتقال بصورة سلمية وسلسة من "جيل الثورة" إلى "جيل الدولة"، فهل ستشهد البلاد تطوّرات جذرية أم أن التغيير سيكون عابراً؟

ولكي يُطمئن كانيل "الحرس القديم" غرّد عشية انعقاد المؤتمر قائلاً: "إنه مؤتمر الاستمرارية" مؤكّداً على أن الخطوط التوجيهية لن تتغيّر. وتعتبر كوبا إحدى البلدان الخمسة الشيوعية المتبقية في العالم (الصين، كوريا الشمالية، فيتنام، ولاووس)، وقد عانت من حصار أمريكي ومحاولات اختراق وإطاحة بسبب خيارها الاشتراكي، كما كانت أحد أسباب التوتر خلال فترة الحرب الباردة بين الشرق والغرب، ونجم عنها ما عُرف أزمة الصواريخ (أكتوبر/تشرين الأول 1962)، وظلّت هافانا مصدر قلق لواشنطن في عموم أمريكا اللاتينية.

ومع أن صحيفة "غرانما" الناطقة باسم الحزب، عنونت افتتاحيتها "مؤتمر كوبا ينعقد" مع صورة لفيديل كاسترو حاملاً بندقية، إلّا أن المؤتمر ناقش قضايا عقديّة كثيرة باحثاً عن "حلول انتقالية"، خصوصاً وأنها تعيش أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة ومزمنة، تفاقمت خلال تفشي وباء كورونا، إلى درجة أصبحت الشوارع خالية من السيّاح الذين كانوا يتوافدون إليها، وازداد نقص المواد الغذائية شحّة، والطوابير أمام المتاجر طويلة والأسعار مرتفعة ولم ينفع معها زيادة الرواتب، وبدأ نوع من التذمّر شهد احتجاجات لفنانين ومجموعات من المجتمع المدني استغلّتها المعارضة مستفيدة من العقوبات المتفاقمة التي تعاني منها.

وخلال العقد ونيّف الماضي حاولت كوبا أن تتوجّه بحذر وتدرّج باتجاه الانفتاح على الأنترنت والهاتف النقّال والاستثمار الخارجي محاولة الالتفاف على نظام العقوبات الأمريكي، المطعون به من جانب الأمم المتحدة، ومستفيدة من سياسات الرئيس الأمريكي باراك أوباما للتخفيف من الضغوط التي تتعرّض لها، إلاّ أن مجيء الرئيس دونالد ترامب عطّل من مهمة تطبيع العلاقات بل مارس أقسى درجات الضغط عليها، ولا سيّما في العام 2019، حيث باشر بحجب أعداد السفن المتوجّهة إليها لغرض السياحة، وقام بـإغلاق وكالة "ويسترن يونيون" للتبادل المصرفي وتحويل العملات، حيث كان الكوبيون الذين يعملون بالخارج يقومون بإرسال المبالغ إلى أقاربهم.

حين صدر كتابي الموسوم "كوبا الحلم الغامض" (دار الفارابي، 2011) جئت فيه على خمسة حروب عاشتها كوبا وانتصرت فيها، وبقي أمامها "حربان"، أولهما الحرية وثانيهما التكنولوجيا. وما لم تنتصر بهذين الحربين فإن استمرار الوضع على ما هو عليه سيكون صعباً إن لم يكن مستحيلاً. فالعالم متجه إلى الإقرار بالتعددية والتنوّع وتوسيع دائرة الحريات ولا سيّما حريّة التعبير، فلم تعد سياسة "الحزب الواحد" مقبولة أو منطقية، مثلما لا بدّ لها من ولوج عالم التكنولوجيا، إذْ ليس من المعقول بقاء الوضع على ما هو عليه. والتكنولوجيا تحتاج إلى رأسمال وهذا الأخير يحتاج إلى بنية تحتية وهياكل ارتكازية وإمكانات وتسهيلات، خصوصاً وأن سياسات الحصار الظالم جعلتها جميعها متهالكة ومتآكلة.

بعد انتهاء الحرب الأهلية في روسيا 1923 ألقى لينين محاضرة قال فيها: إننا انتصرنا ولكن مَن يبني روسيا؟ أليس الرأسمال؟ وهذا لن يأتي إلا بشروطه وليس بشروطنا ولذلك ابتدع مشروع "رأسمالية الدولة".

ما ينتظر "جزيرة الحرية" ليس تغييراً فوقياً أو استبدالاً شكلياً، فهذا الشعب الذي اجترح عذابات لا حدود لها يحتاج إلى تغييرات جذرية، وإن كانت تدرجية في إطار التوجّه الاشتراكي، فــ كوبا جزء من العالم المتحرك وأرخبيلاته المفتوحة على بعضها، لا سيّما في ظل الطور الرابع من الثورة الصناعية والذكاء الاصطناعي، فقد غاب القادة الكارزميون مثل كاسترو وقبله جيفارا واليوم تقاعد راؤول الذي عاش بجلباب أخيه. ويبقى أمام كارنيل السير بالدولة الاشتراكية بالتدرج ولكن بالضبط، نحو العلم والتكنولوجيا في أجواء أكثر حرية وانفتاحاً، في مراكمة ما هو متحقق في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحية والرياضية، في إطار مشروع "تجديد الثورة" وفقاً لمبادىء المشروعية الدستورية وحكم القانون وشرعية المنجز السياسي والثقافي، والتخلص من البيروقراطية الحزبية، كيما تكون كوبا أكثر قدرة في مواجهة التحديات "القديمة - الجديدة"، وأكثر ثقة بالمستقبل، خصوصاً بالعلم والتكنولوجيا. وكان بليخانوف الذي يسميه لينين "أبو الماركسية"، هو الذي قال أن حامل التغيير هو الأنتلجنسيا والتكنولوجيا، وذلك قبل قرن ونيّف من الزمان، وأعتقد أن هذا الرأي هو الأكثر انطباقاً على واقع كوبا الراهن.

 

روسيا والسيناريو

الجورجي في أوكرانيا

عبد الحسين شعبان

 

            هل يُعتبر الحشد العسكري الروسي على الحدود الأوكرانية استعراضاً للقوة أمام إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن أم محاولة لتكرار السيناريو الجورجي؟ سؤال ما زالت الدبلوماسية الدولية تبحث عن جواب له لدى الولايات المتحدة والإتّحاد الأوروبي، وهو يأتي في ظلّ استمرار نظام العقوبات ضدّ روسيا بسبب سياساتها في دول الجوار، ولا سيّما بيلاروسيا (روسيا البيضاء) وأوكرانيا، ناهيك عن التعامل مع المعارض الروسي أليكسي نافالني، أو على الصعيد الدولي في ما يتعلّق بـ الجبهة السورية تحديداً، وفي جبهة ليبيا أيضاً، وزاد الطين بلّة تجميع قوات عسكرية في مدينة فورونيغ على الحدود الأوكرانية، الأمر الذي أثار قلقاً كبيراً لدى الأوكرانيين وتساؤلات أمريكية وأوروبية مريبة عن الأهداف التي تسعى إليها موسكو من هذا التحشيد غير المسبوق.

            و ذكرت جين ساكي المتحدّثة بإسم البيت الأبيض أنّ عدد القوات الروسية على الحدود مع أوكرانيا هو أكبر من أي وقت مضى، بما فيها في العام 2014، في إشارة إلى ضمّ روسيا شبه جزيرة القرم إليها، وهي غالبية سكانّها من الروس في استفتاء نظمّته بعد السيطرة عليها، بدعوى تاريخية أنّ خروشوف (الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي حينها)، هو من قام بإهدائها إلى أوكرانيا لتعزيز الوحدة الروسية - الأوكرانية، علماً بأن شبه جزيرة القرم منطقة استراتيجية بين البحر الأسود وبحر آزوف، وتنافست عليها في أواسط القرن التاسع عشر دولاً مثل بريطانيا وفرنسا للحدّ من طموحات روسيا في بلاد البلقان، واندلعت فيها حرب القرم، مثلما دارت فيها معارك طاحنة في الحرب العالمية الثانية ، ولا سيّما في مدينة سواستابول، ضدّ الغزاة الألمان، وكان الشاعر الجواهري قد نظم قصيدة يُمجّد بسالتها في العام 1943.

            ومع أجواء التوتّر هذه، أعلنت تركيا أنّ واشنطن أرسلت سفينتين حربيتين إلى البحر الأسود عبر البوسفور، وهذا يعني أنّ الأمور تُنذر بما هو أشدّ وأسوأ، لا سيّما وأنّ كييف تتّهم المجموعات الموالية لـ موسكو بخرق وقف إطلاق النار واتفاق السلام بينها وبين هذه المجموعات، والتي تمّ التوقيع عليها في العام 2015.

            وكان الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي قد دعا حلف الناتو إلى وضع خطّة لإنضمام أوكرانيا إليه، وهو ما تعارضه موسكو بشدّة وتعتبره عملاً عدائياً موّجهاً ضدّها، وقام عقب ذلك بيومين (8 نيسان/أبريل الجاري)، بزيارة شرق البلاد لتفقّد قوات الجيش على الجبهة  وقالت موسكو على لسان المتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، أنّ الوضع مضطرب وغير مسبوق في إقليم دونباس، وإنّها ستتّخذ خطوات لحماية المدنيّين في حالة نشوب أي قتال شرقي أوكرانيا. وإذا ما اندلعت المواجهة، فهذا يعني إنفجار الأزمة بين موسكو من جهة وواشنطن وحلف الناتو من جهة أخرى، وسيكون الأمر امتحاناً جديداً لمستقبل علاقة روسيا بالغرب.

            إنّ التحركات الروسية الأخيرة هي رسالة شديدة اللهجة إلى كييف، والتاريخ قد يُعيد نفسه، ففي العام 2008 في إقليم أوسيتيا الجنوبية في جورجيا، كان السيناريو ذاته كما تقول روسيا بأنّها اكتشفت استعدادات جورجية لإجتياح أوسيتيا الجنوبية، حيث تتمركز قوات حفظ السلام الروسية، والتبرير ذاته أنّ الرئيس الجورجي حينها ميخائيل ساكاشفيلي لقي وعوداً من واشنطن بدعمه، وهو الأمر ذاته الذي يتكرّر اليوم بشأن دعم الناتو وواشنطن لأوكرانيا، وحيث تحتفظ القوات الروسية بحشد على الحدود في إطار مناورات عسكرية، فإنّها يُمكن استخدامها بصورة عاجلة في حالة حدوث أي اختلال في المستوى الميداني، في سيناريو مشابه للسيناريو الروسي في جورجيا.

            فهل تستمرّ كرة الثلج بالتدحرج مرّة أخرى في أوكرانيا مثلما تدحرجت في جورجيا؟ وما يلفت النظر أنّ العقيد بريتاني ستيورات كان على رأس وفد أمريكي في زيارة لإقليم دونباس، وكان يرتدي بدلة عليها شارة تتضمّن صورة جمجمة وعبارة "أوكرانيا أو الموت"، وهي لأحد ألوية الجيش الأوكراني، الأمر الذي يحمل رسائل عديدة إلى موسكو، فهل ستكون أوكرانيا بؤرة توتّر لحرب كونيّة بين واشنطن وموسكو؟

            إنّ اقتراب كييف من الناتو، كان أحد الأسباب المباشرة لوضع روسيا يدها على شبه جزيرة القرم في العام 2014 ، والتي تعتبرها جزءًا من مجالها الحيوي على الرغم من كونها "دولة مستقلّة" منذ العام 1919، لكنّ موسكو بعد تأسيس الإتحاد السوفياتي في العام 1922، اعتبرت الدول التي انضمّت إليها "محدودة السيادة"، وهي اليوم تعارض إقامة علاقات مع خصومها كي لا تكون خنجراً في خاصرتها.

            فهل ستزيد بروكسل عقوباتها على موسكو أكثر من العام 2014، والتي لم تنفع معها إعادة القديم إلى قدمه في أوكرانيا؟ وقبل ذلك في العام 2008 في السيناريو الجورجي؟ وحتى لو أكّد وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن على دعم الولايات المتحدّة الثّابت لسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها؟ ولكن ماذا ستفعل على الأرض عملياً وكيف سيتمّ ترجمة ذلك في ظلّ الترسانة النووية الروسية؟ هل بإرسال مساعدات وأسلحة لدفع أوكرانيا إلى الحرب؟ أم ستكون النتيجة تكرار السيناريو الجورجي في أوكرانيا؟

 

 

الياس مرقص: مُثقّفٌ قرأ

الماركسية بطريقة غير طقوسية

 

عبد الحسين شعبان

 

 

            حين أعلمني د.حازم نهار أن مجلة "رواق ميسلون" التي ستصدر حديثًا ستخصص العدد الأول منها للذكرى الثلاثين لرحيل المفكر الياس مرقص (26 كانون الثاني / يناير / 1991) ودعاني للانضمام إلى هيئتها الاستشارية التي تضم شخصيات عربية مرموقة، استجبت باعتزاز وتقدير لسببين:

الأول-لأن صديقنا الياس مرقص لم يأخذ حقه من القراءة والنقد، على الرغم من منجزه الفكري والثقافي وما رفد به المكتبة العربية من مؤلفات ودراسات وأبحاث وترجمات جلّها تضمنت اجتهادات وآراء نافذة.
            ولعلّها مناسبة لاستعادة مفكر بحجم الياس مرقص والتعريف به كجزء من العمل على إعادة طبع مؤلفاته وكتبه، سواءً المجموعة الكاملة أم مختارات منها، إذْ نحن اليوم أحوج ما نكون إليها، خصوصًا وأنه سبق مرحلته بربع قرن من الزمان أو ما يزيد، في حين حظي مفكرون أقل شأنًا منه باهتمام أكبر بحكم انتمائهم إلى جهات حزبية وسياسية، حكومية أم غير حكومية، تبنّتهم وقدّمتهم إلى القرّاء بحياتهم أو بعد مماتهم.

والثاني-إنها فرصة شخصية مناسبة للتّوقف ولو سريعًا عند الدور التنويري للياس مرقص، وكنت قد جئت على ذكره في مناسبات عديدة مشيدًا بدوره الذي سبقنا في المراجعة والنقد للماركسية، محاولًا قراءتها على نحو أشد ارتباطًا بالواقع، كما ربطتني علاقة صداقة طيبة بالياس مرقص خلال الثمانينات وتبادلنا وجهات النظر والآراء إزاء مشاكل الحركة الشيوعية والأزمة في حركة التحرّر الوطني العربية، كما جمعتنا مؤتمرات ولقاءات وأنشطة وفاعليات عديدة، وسأحاول في هذه الإطلالة السريعة، وهي أقرب إلى الخواطر والاستذكار، أن ألقي ضوءًا على بعض أفكار وآراء الياس مرقص أحد أبرز روّاد الماركسية بطبعتها "الحرّة" غير الحزبوية، تلك التي حاول تقديمها للقرّاء العرب مع إخضاع ممارستها للنقد والتصويب والاجتهاد.

II

"المثقف الأول" وخالد بكداش

            أسبغ الزعيم الشيوعي الكبير خالد بكداش وصف "المثقف الأول" على الياس مرقص لثقافته الموسوعية وعمقه الفلسفي وتبحّره بدراسة الماركسية من مصادرها الأصلية وقدرته على استنباط الأحكام انطلاقًا من الواقع وليس إسقاطًا عليه، فضلًا عن تمكّنه من إدارة الحوار والنقاش والسجال والجدل وصولًا إلى الحقيقة، بمعنى طرح الأسئلة الشائكة بدلًا من القبول بالأجوبة الجاهزة، وعلى حدّ تعبير الشاعر الكبير سعدي يوسف "النهايات مفتوحة دائمًا والبدايات مغلقة" فقد كان يمتلك باعًا طويلًا وصبرًا غير محدود، وهو ما تعكسه كتبه ومؤلفاته وترجماته وتدقيقاته. وكان بكداش ثاقب البصيرة في اكتشاف الشاب الوسيم والأنيق القادم من بروكسيل مستشرفًا أفقه الفكري ودأبه ومطاولته على القراءة والكتابة والنقد.

            لكن خالد بكداش الذي يُعرف بعميد الشيوعيين العرب، ولاسيّما لدى الدوائر الأممية منذ الثلاثينات غيّر رأيه لمجرد الاختلاف وبروز نزعات استقلالية ورؤية اجتهادية لدى مرقص، فعاد وخلع عنه هذا الوصف، ليتم اتهامه بالعمالة للمخابرات المركزية الأمريكية، ولعلّ مثل هذا الاتهام له علاقة بنمط التفكير الستاليني الذي كان سائدًا ولهيمنة الأفكار الشمولية وادّعاء إحتكار الحقيقة والزعم بالأفضلية على الآخر، فالحزب على حق دائمًا أخطأ أم أصاب، فما قيمة الفرد (العضو الحزبي) واجتهاداته طالما تتعارض مع ما تريده قيادة الحزب (العارفة بكل شيء).

            وهذه هي الحالة السائدة في جميع التنظيمات الشمولية "الكلّانية" التي اقتفت أثر التنظيمات الشيوعية، سواء كانت قوميّة أم إسلامية، حيث يتم معالجة الاجتهادات والاختلافات والخلافات داخل المنظومة الرسمية للحركة الشيوعية بطريقة التهميش والإقصاء مع سيل من الشكوك والاتهامات التي تصل إلى التحريم والتجريم، وبمثلها اتُّهم أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني الشهيد جورج حاوي بسبب وجهات نظره وتوجهاته التّجديدية، والتي مثّلت فريقًا من كادر الصّف الثاني الذي ارتقى سلّم القيادة بعد المؤتمر الثاني للحزب (تموز/يوليو 1968) بتوجهات مختلفة عن القيادة التاريخية ممثلة بالرفيق خالد بكداش.

            والمسألة لا تتعلّق بمحاولة النيل من خالد بكداش الذي يتمتّع بمكانة مرموقة في تاريخ الحركة الشيوعية العربية والعالمية، لكن ذلك جزء من الحديث عن نواقصها وثغراتها وعيوبها، ناهيك عن نمط التفكير السائد والعقلية المهيمنة، فضلًا عن ممارسات وانتهاكات لا يجمعها جامع مع الأفكار المُعلنة.

            وثمّة أسباب فكرية وعملية أخرى لمثل هذا السلوك، يعود بعضها إلى ظروف الصراع الإيديولوجي في عهد الحرب الباردة بشكل خاص والمنافسة بين المعسكرين، فكل منهما يخفي عيوبه عن الآخر ويظهر مزاياه، ويستخدم الصالح والطالح والحق والباطل أحيانًا، طالما يقرّبه من هدفه حتى وإن لجأ إلى وسائل غير مشروعة وطرق ميكافيلية أحيانًا، بزعم أن هدفه نبيلٌ وإنسانيٌ على عكس عدوّه وخصمه، الأمر الذي يعطي لنفسه الحق باستخدام جميع الوسائل للوصول إلى الهدف النبيل، خصوصًا وأن العدو يستخدمها قلا بأس من الردّ عليه بالمثل.

            ويخطأ كثيرون بفصل الوسيلة عن الغاية، فمهما كانت الأفكار سامية وإنسانية ونبيلة إلّا أنها ليست معصومة ضد الارتكابات والانتهاكات للحقوق والكرامات الإنسانية، بل إنها ذاتها يمكن أن تصبح أداة حتّى للجريمة بزعم أن الحقائق المطلقة لصالحها مثلما تُقرّر الحتمية المستقبلية للتاريخ، فما قيمة الخطأ أو حتى الانتهاك لحقوق الفرد في ظل هذه التبريرات التي كان الياس مرقص شديد الحساسية إزاءها؟

            هكذا تصبح قرارات الزعيم أو القائد أو الأمين العام "القانون"  الذي يجب أن يخضع له الجميع، فما بالك حين يكون مكتبه السياسي خلفه من المطيعين في الغالب وهو الآخر تصبح قراراته ملزمة تُطبق بطريقة عمياء أحيانًا، علمًا بأن الأنظمة الداخلية للأحزاب الشيوعية وجميع الكيانات الشمولية مُستمدة من كتاب لينين : ما العمل؟ الصادر في العام 1902، والتي تُلزم العضو الحزبي بالخضوع والتنفيذ اللّاشرطي لقرارات الهيئات العليا والأقلية للأكثرية تحت عنوان المركزية الديمقراطية، التي تتحوّل بالواقع العملي إلى مركزية صارمة وشديدة البأس، تحت مبررات العمل السرّي أو مؤامرات العدو أو محاولات الاختراق الخارجية، ولعلّ ذلك ما واجه الياس مرقص وهو في بدايات حياته السياسية؛ وهو يسمع الحديث عن الرواسب الطبقية للبرجوازية الصغيرة، فضلًا عن تأثيرات الدعاية الامبريالية، لينتهي الأمر إلى اتهامه بالعمل لصالحها بعد طرده من الحزب في العام 1957.

            ربّما بسبب الأجواء "الإيمانية" التبشيرية السائدة وقلّة الوعي وشحّ فرص التعبير، يحجم الكثير من الشيوعيين عن رفع لواء النقد أو راية الاختلاف، حتى وإن توصّل بعضهم للحقائق ذاتها، لأنهم يخشون من العقوبات والاتهامات، فضلًا عن الأساليب التي تتّبع للتشهير والتشويه والعزل، وذلك لمنع تكوين نواتات صلبة فكريًا وسياسيًا تكون سابقة خطيرة للمواجهة والمجاهرة بالرأي، وغالبًا ما تنتهي تلك إلى الانشطارات والانقسامات، وهكذا يستمر جيل من الماركسيين بعد جيل يدفع الثمن باهظًا حيث يسود التّعصب والتّزمت والغلو والتهميش والإلغاء وتغييب النقد الصّادق والمراجعة المخلصة.

            من هؤلاء القلّة الذين لم يبالوا في التحدي والمواجهة كان الياس مرقص الذي امتشق سلاح النقد وسيلة مشروعة لتحقيق الأهداف السامية وفقًا لمنهجه الجدلي القائم على البراكسيس وليس المنهج التجريدي، في حين ضاع ماركسيون مجتهدون وناقدون حقيقيون في منظومة البروقراطية الحزبية ولفّهم النسيان بعد الصمت، سواءً بقوا داخلها أم اعتبروا خارجها، وتحملوا صنوفًا من الأذى والهوان بسبب آرائهم واجتهاداتهم. والأمر لا يقتصر على الشيوعيين العرب، بل أن الأنظمة التي حكمت باسم الشيوعية ارتكبت مجازر وأعمال إبادة حقيقية لا تقتصر على الإدارات الحزبية أو الملاكات والكوادر المتقدمة أو النخب الثقافية والفكرية فحسب، بل شملت جميع من يُشك بولائه، ومن الأمثلة على ذلك محاكمات ستالين الشهيرة في الثلاثينات، حيث أطاح برؤوس كبيرة اتُهمت بالعمل لصالح الأجهزة المعادية وفي مقدمتهم بوخارين الذي كان يسميه لينين "محبوب الحزب" فقد أعدم هو وابنه بالتهم الملفقة نفسها، والحال ذاته حصل في البلدان الاشتراكية السابقة، ناهيك عن الثورة الثقافية في الصين 1965-1976 والتي جسّدت ازدراء الفكر والثقافة لصالح السياسة الأنانية الضيقة الأفق.

            لم يكن الياس مرقص حزبيًا مسلكيًا وتقليديًا يتلقى الأوامر والتعليمات الحزبية وينفذها بحذافيرها ويستلم المطبوعات ويوزعها ويسدد الاشتراكات الشهرية ويجمع التبرعات فحسب، بل كان صاحب رأي ومجتهد وله وجهات نظر بما يحصل. وكانت ومضاته الفكرية ولمعاته الاجتهادية قد أخذت تتغلغل إلى المنظمة الحزبية في اللاذقية، حيث كان قد تلقى دروسه الأولى في الشيوعية خلال دراسته في بروكسيل يوم كان طالبًا يدرس علم الاجتماع والتربية، وخلال دراسته ارتبط بعلاقة مع طلبة سوريين شيوعيين يدرسون في بلجيكا، وحين عاد إلى سوريا في العام 1952 وعمل مدرسًا للفلسفة في مدينة اللاذقية (مسقط رأسه) انضم رسميًا إلى الحزب الشيوعي السوري-اللبناني في العام 1955.

            خلال وجوده القصير برز كمثقف متميز وقد تمكن من إحداث جدل ونقاش للتجديد والتغيير في المنظمة الحزبية في اللاذقية، الأمر الذي اعتبرته اللجنة المركزية بقيادة خالد بكداش خروجًا على التقاليد الحزبية وقواعد التنظيم اللينيني وأوامر القيادة "الستالينية"، ولعلّ ظاهرة مثل تلك تعتبر من الكبائر التي قد تؤدي إلى إحداث تصدّع في خط التفكير السائد، لذلك اتُّخذت الإجراءات السريعة والعاجلة ضدّه احترازًا بما يمكن أن يحصل من تفشي واستشراء هذه الظاهرة، فقررت القيادة حل اللجنة المنطقية وتأسيس قيادة جديدة لها تابعة للتوجيهات البيروقراطية والمركزية الصارمة كما أخبرني الياس مرقص بطريقته الفكاهية وابتسامته المحبّبة، وحين سألته والنتيجة ماذا حصل؟ أجاب كان لابدّ من طرد هذا "المشبوه" المتسلّل إلى صفوف الحزب والذي يريد تخريبه، لاسيّما محاولته إضعاف الثقة بالقيادة التاريخية، وهذا ما حصل في العام 1957، وما زاد الطين بلّة كما يقول أن ثمة ملاحظات كانت قد تبلورت لديّ بخصوص المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي 1956، وكنت قد عبّرت عنها على شكل أسئلة انتقاديه، تمّ اعتبارها نوعًا من التشكيك بمكانة بلد لينين وحزبه البلشفي الذي كان خالد بكداش يردّد أن مقياس شيوعية الشيوعي تتحدّد بمدى إخلاصه للإتحاد السوفييتي وحزبه الشيوعي.

           

            III

فرج الله الحلو وقصور النظر الحزبوي

            استعدت ما حصل قبله لفرج الله الحلو (سالم) القائد الشيوعي اللبناني الذي تحفّظ على قرار التقسيم رقم 181 الصادر في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947 عن الجمعية العامّة للأمم المتحدة، فاتُخذت عقوبات بحقه وتم تنحيته من جميع مسؤولياته لاحقًا، لاسيّما حين تفاقمت الأمور (حزيران / يونيو / 1951)، وكانت هذه العقوبة تحصيل حاصل لمواقف انتقاديه أخرى في قيادة الحزب الشيوعي السوري-اللبناني، فقد جرى التآمر عليه بإرساله إلى باريس ولندن في مهمة خاصة وتمّ تعيين نيقولا شاوي بدلًا عنه وتحت إشراف خالد بكداش، وهو ما يندم عليه شاوي لاحقًا كما يذكر كريم مروّة.

             جدير بالذكر أن فرج الله الحلو اضطر لاحقًا إلى الإذعان وأجبر على تقديم نقد ذاتي، هو أقرب إلى "الجلد الذاتي" بإدانة نفسه وسلوكه البرجوازي الصغير وغرقه في حمأة الانتهازية وتحدّث بمرارة ووخز الضمير عن وقوعه تحت تأثير الميول الكوسموبوليتية الرجعية الغريبة عن عقلية الطبقة العاملة وموقفه المخزي من الاتحاد السوفييتي من قرار التقسيم كما قال بالنص الذي نشره يوسف الفيصل في كتابه "مواقف وذكريات"، وهو نص أقرب إلى رسالة "النقد الذاتي" التي كتبها زكي خيري القيادي الشيوعي افتراءً على نفسه وتقريعًا لها بعد معاقبته في العام 1962 بتهمة التكتل ضد قيادة السلام عادل ، وهو ما كانت تقتضيه التقاليد الحزبية الثقيلة والّاإنسانية.

            لم يكن موقف فرج وحده ضد التقسيم الذي تحمّل بسببه أعباءً كثيرة، بل إن سكرتير الحزب الشيوعي السوري رشاد عيسى الذي يأتي بمرتبة ثانية بعد خالد بكداش في دمشق ظلّ رافضًا لقرار التقسيم وقد وجّه رسالة يعتذر فيها عن تحمّل المسؤولية الحزبية بعد إعلان معارضته لقرار التقسيم، الأمر الذي تمت محاسبته عليه حيث إتُّخذ قرارًا بفصله لمدة عام لحين أن يقدّم نقدًا ذاتيًا، وحين امتنع عن ذلك، جرى فصله والتشهير به، وقد نشرت صحيفة الحزب " نضال الشعب" قرار الفصل؛ وقد ظل رشاد عيسى على مسافة بينه وبين الحزب لحين وفاته، لكن المؤتمر السادس للحزب صحّح موقفه منه (شباط / فبراير / 1987) واتخذ قرارًا بـإلغاء الفصل، وهو القرار الذي إتُّخذ بحق الياس مرقص أيضًا أي بعد عقود من الزمان، وقد أطلّ كريم مروّة في كتاب بعنوان "الشيوعيون الأربعة الكبار في تاريخ لبنان الحديث" على قضية رشاد عيسى التي تناولها يوسف فيصل بالتفصيل.

IV

المثقّف الراقي والإعتداد بالنفس

            قبل فصله كان الشاب المتحدّر من أسرة لاذقانية عريقة يطرح أسئلة عويصة في وسط مقتنع بطريقة أقرب إلى الإيمانية، وهي أسئلة بحمولة نقدية، لم تلق إجابات شافية في نفسه فقد  كان قد درس كانط ونظريته المعرفية وأعماله الأساسية مثل نقد العقل الخالص "المجرد" ونقد العقل العملي، فضلًا عن كتاباته في التنوير والأخلاق والدين، كما قرأ ديكارت صاحب نظرية الشك المعرفي الذي يعتبر عرّاب الفلسفة العقلانية الحديثة وهو القائل: "أنا أفكر إذًا أنا موجود"، الأمر الذي كانت الأسئلة تتوالد عنده، وبقدر ما كانت الإجابات شحيحة أو غير مقنعة كان يزداد حيرةً، فما بالك حين يتم التشهير به بعد ذلك، وهو المكلّف بالإشراف على منظمات حزبية في جولات تثقيفية طاف فيها على مدن وأحياء عديدة ملاحظًا انخفاض مستوى الوعي وتدني الإلمام بأبسط مبادئ "الماركسية" والافتقار إلى المعلومات الأساسية، فضلًا عن تغليب الأوامرية البيروقراطية على الجدل والمنطق والعقل، بحجة الضبط الحديدي والتنظيم الفولاذي.

            لم يقبل الياس مرقص وهو صاحب الرأي المستقل أن يُستغفل عقله وأن يطيع ما لا يرتضيه من سياسات تلقينية وتعليمات فوقية بعضها بدائية، فما بالك حين يتعلّق الأمر بالفكر والممارسة، وكان بدافع من حسن النية قد اقترح توسيع دائرة الديمقراطية الحزبية على حساب المركزية الشديدة التي كانت تطبع الحياة الحزبية لدرجة أشبه بالتنظيمات العسكرية، كما اقترح وضع نظام داخلي جديد، ملفتًا النظر إلى موضوع عبادة الفرد ، لاسيّما ما تركت القيادة الستالينية من أساليب بوليسية وامتداداتها على الحركة الشيوعية برمتها، كما انتقد الماركسية السوفييتية أو "المسيفتة" على حد تعبيره ، وظلّ يدعو إلى تعريب الماركسية، أي جعلها تبحث في واقع العالم العربي وليس بطريقة مجردة أو اقتباسية لأوضاع لا تشبه أوضاعنا، وكان يدعو إلى عدم تجاهل الشروط الموضوعية لتاريخ الأمم والشعوب.

             وفي حديث مطول مع الياس مرقص ونحن على الطائرة عائدين من طرابلس (ليبيا) إلى الشام قلت له "هل يمكن البحث عن تأسيس فكر اجتماعي عربي ماركسي جديد؟ وهنا تناول موضوع البنية الروحية لموروث الشعوب وبيّن أهمية آليات الفهم والتأويل الفلسفي لها بحيث لا نركن إلى القطيعة العقلية مع موضوع الهُويّات والانتماءات القومية وإلا فإننا سنتحدث عن مجتمعات لا نعرفها، قلت له وكيف السبيل للتوليف بين الهويّات العامة الجامعة والهويّات الفرعية؟ فأردف قائلًا في إطار قوانين عامّة نحتاج إلى الاعتراف بالحقوق التي تترتب وفقًا لاحترام الخصوصيات والتّنوع والتعدّدية، ولا ينبغي أن نأخذ النصوص على علّاتها، بل نُخضع كلّ شيء للنقد، لأن النصوص لابدّ لها أن تتكلم وإلّا ستكون جامدة أي بلا روح، وبالتطبيق والممارسة ستكون لها دلالة ومعنى، لاسيّما إذا كانت متساوقة مع المنهج الجدلي، وبالطّبع فلكل تجربة ظروفها وخصوصيتها.

            وهنا أدون رأيي الـذي تبلور خلال العقود الثلاثة ونيّف الماضية، والـذي مفاده أننا تركنا خزانة الكتب التاريخية والدينية للقوى والأحزاب الإسلامية أو "الإسلاموية" وأدرنا ظهورنا للتراث العربي-الإسلامي، كما أهملنا موضوع الانتماء التاريخي لشعوبنا واعتبرناه من اختصاص قوى وأحزاب قومية في الغالب أو "قوموية" وبعضها لم يكن بعيدًا عن ترسانة الفكر الأوروبي، وقد استطاعت هذه الأحزاب والقوى تجيير مسألة العروبة لصالحها، بل إنها سحبت الشارع أحيانًا إلى صفها، وهي بعيدة كل البعد عن تحقيق مستلزمات العروبة بتعبيراتها الحضارية والثقافية والارتقاء بمتطلباتها كرابطة طبيعية لأبناء الأمّة وليست ايديولوجيا أو نظام، فما بالك حين انفردت بادعاء الوعي التاريخي بأهميتها كهويّة خاصة ومكوّن أساسي هي من يعبّر عنه ويزعم تمثيله.

            كتبت ذلك منطلقًا من ذات الأرضيّة التي وقف عليها الياس مرقص بما مفاده أنني كنت أعجَب أن شيوعيًا كرديًا يعتزّ بكرديته "كراديتي" ولا يقابله شيوعي عربي الاعتزاز ذاته بعروبته، والأمر كان يحصل لي بذات الدهشة حين أقابل شيوعيًا روسيًا أو تركيًا أو إيرانيًا أو فرنسيًا يعتزّ كل منهم بقوميته في حين لم نكن نجد وسيلة إلّا وحاولنا الانتقاص من الانتماء القومي لاسيّما العربي متبرعين له للآخرين، ولذلك كررت في مناسبات عديدة اعتزازي بعروبتي وكأن الأمر جزء من التعويض عن الحرج الذي يسبّبه أصحابنا الشيوعيين "الأقحاح" حين نتكلّم عن العروبة، دون أن يعني ذلك عدم احترام حقوق القوميات الأخرى، لاسيّما حقها في تقرير مصيرها، وتلك كانت الأرضية التي وقف عليها الياس مرقص.

V

اللقاء مع الياس مرقص

            كانت تلك الموضوعات الأولى التي ابتدأت حواري مع الياس مرقص في العام 1981 حين استكمل تعارفنا، وكانت شهرته قد سبقته وقد قرأت له قبل ذلك وتوقفت بإعجاب عن الكثير من الأطروحات التي بلورها، وكان ذلك اللقاء مدعاة لقراءة العديد من كتبه وحواراته فيما بعد، وخصوصًا الحوار الممتع والشيّق والعميق الذي أجراه الصديق جاد كريم الجباعي مع الياس مرقص، وهو حوار استراتيجي بعيد النظر قدّم فيه أطروحاته الفلسفية على نحو ما أفاضت به تجربته، واطلعت كذلك على حوار غير منشور أجراه طلال نعمة مع مرقص صدر بكتاب وللأسف لم يتسنى لي مراجعته مؤخرًا.

            في أواسط الثمانينات سألني عن أوضاعنا، خصوصًا بعد الاختلاف في المواقف بشأن الحرب العراقية-الإيرانية وقضايا سياسية وتنظيميّة أخرى فضلًا عن بعض القضايا الفكرية، فأجبته "الحال من بعض"، فخاطبني قائلًا: كنت أتصور أن الحال لديكم أفضل، فإذا بكم مثلنا، وهكذا "كلّنا في الهمّ عُرب"، يبدو أن أمراضنا مزمنة وعدواها تنتقل من بلد إلى آخر ولو أنكم في المنافي، وذكرني كيف تعرّض بعد فصله إلى الضرب، مرّة في اللاذقية وأخرى في الشام، وحين عرف ما حصل من تجاوزات وانتهاكات قال: الستالينية متأصلة فينا يا رجل، فهل يعقل إن يتم اتهامي بالعمل لصالح  المخابرات المركزية الأمريكية وفي الوقت نفسه لصالح المخابرات المصرية، لأنني كنت معجبًا بقيادة جمال عبد الناصر وخصوصًا أطروحته الوحدوية بعد تأميمه قناة السويس؟

الياس مرقص: الحاجة إلى قراءة جديدة

            بعد قراءة جديدة لآراء الياس مرقص أستطيع أن أقسمها إلى مرحلتين:

الأولى – من أوساط الخمسينات، حيث بدأ بالتأليف والترجمة وتمتد هذه الفترة إلى أوساط السبعينات، ومن أهم مؤلفاته "الستالينية والمسألة القومية" (مع آخرين) و"نقد الفكر القومي عند ساطع الحصري" و"نقد الفكر المقاوم".

الثانية – من أوائل السبعينات وحتى وفاته مطلع العام 1991 حين انكبّ على ترجمات كتب فلسفية قاربت 30 كتابًا شملت :هيغل وماركس وفيورباخ ولينين وجورج لوكاش ومكسيم رودنسون وماوتسي تونغ وروجيه غارودي، وقد أنشأ "دار الحقيقة" للنشر، وأصدر في العام 1981 "مجلة الواقع" في بيروت، وقد دعاني للكتابة فيها، وحين أنجزت بحثًا كانت المجلة قد انقطعت عن الصدور بسبب الغزو الإسرائيلي للبنان العام 1982، كما ساهم في تأسيس "مجلة الوحدة" مع نخبة من المفكرين والمثقفين العرب، في العام وقد دعاني وناجي علّوش للكتابة فيها، 1984 وقد ساهمت فيها بعدّة أبحاث ودراسات، وكانت تصدر من الرباط (المغرب) من "المجلس القومي للثقافة العربية"، كما شاركت في ندوات نظمتها أو تعاونت في تنظيمها مع جهات أخرى وذلك في دمشق وأثينا وطرابلس وبيروت.

 

VI

البراكسيس و"جرد الواقع"

            انشغل الياس مرقص بدراسته الواقع التي يسميها الصديق د.عبد الله التركماني "جرد الواقع"، ولم يهتم بالنظرية فحسب، بل بالتطبيق "البراكسيس" وأي نظرية تبقى "مجردة" دون فحصها بالواقع، وهو معيار صحتها من عدمه وقرب الهدف من الواقع أو بعده عنه، خصوصًا علاقة الغاية بالوسيلة، فلا غايات شريفة دون وسائل شريفة، ولا غايات عادلة دون وسائل عادلة، وإذا كانت الغاية مجردة وبعيدة المدى فإن الوسيلة آنية وملموسة، وأحيانًا تتشابه الغايات، لكن تختلف الوسائل، وهو الأمر الذي يميّز غاية عن أخرى أي بقدر اتساق الوسيلة بالغاية، فذلك سيكون دليل صدقية أخلاقية ومعيارية مبدئية، فالعلاقة بين الغاية والوسيلة ينبغي أن تكون مثل العلاقة بين البذرة والشجرة حسب المهاتما غاندي أي أنها علاقة عضوية وموضوعية وجدلية فلا انفصال بينهما.

            وتوصل مرقص إلى إدراك ذلك ليس عبر النظرية فحسب، بل من ملاحظة الواقع وفي التطبيق العملي (البراكسيس)، فقد درس التاريخ والفلسفة، وكما يُقال أن التاريخ أبو العلوم أمّا الفلسفة فهي أمهم، وبالطبع فلكل علم فلسفة مثلما له تاريخ، كما درس الاقتصاد والاجتماع والمنطق وعلم النفس واللاهوت والفن، ودون أن يهمل الرياضيات، وهو ما جعله مثقفًا موسوعيًا بامتياز دون ادعاء أو حب الظهور.

            لم يهتم الياس مرقص بالمجتمع ويهمل الفرد، وهذا خطل الكثير من النظريات الاشتراكية الماركسية وغير الماركسية، في حين أن الدعوات الليبرالية بالغت بدور الفرد وأهملت المجتمع وهذا خطأ آخر وإنما انشغل بالمجتمع والفرد في آن، والمجتمع مكوّن من أفراد، بينهم مشتركات عامة مثلما بينهم مختلفات خاصة، ولذلك خصّص حيّزًا من دراساته لبحث موضوع "الحق في الاختلاف" باعتباره حقيقة موضوعية، وهو ما عرضه جاد الكريم الجباعي بتطبيقه على الهويّة الجامعة وذلك بالقول " المجتمع الذّي تتحقّق فيه الهويّة القوميّة هو مجتمع التعدّد والاختلاف والتناقض أو التعارض الذّي يصنع التاريخ الداخلي للأمّة" ولذلك فاختلاف الأفراد والجماعات والفئات والطبقات والشعوب والأقاليم هو السمة المميّزة للمجتمع، لأن المجتمع الذي يلغي حرية الفرد يلغي حريته ذاته.

            ويحتاج الأمر حسب مرقص إلى المزيد من الاعتراف والحرية على المستويين الخاص والعام، وقد ميّز بين الفلسفة والأيديولوجيا، فالأولى عنده هي نظرية المعرفة وهذه الأخيرة بالضدّ من الأيديولوجيا، وهي الأخرى ليست حاملة للحق مثلما نقيضها ليست حاملة للباطل (الاشتراكية وعكسها الرأسمالية) وحسب تعبيره "ليس الأيديولوجيا هي التي تنقصنا، بل المعرفة والثقافة والاخلاق والمنطق."

VII

رُكنا المشروع النهضوي لـ الياس مرقص

            يقوم المشروع النهضوي العربي للياس مرقص على ركنين أساسيين هما:

أولهما- الوحدة العربية وهي حسب وجهة نظره ضرورة تاريخية لا غنى عنها للتقدم العربي، ولكنها لوحدها ليست كافية، ولا بدّ من مضمون اجتماعي واقتصادي وسياسي خاص لها، أي أن تكون الوحدة العربية التّي كرّس لها جزءً مهمًا من مشروعه: اجتماعية الأهداف وديمقراطية الوسائل، وثانيهما- العدالة الاجتماعية وتوفير مستلزمات عيش كريم للمواطن للقضاء على الاستغلال وتحقيق الوفرة المادية والرفاه الاجتماعي.

            ولكن ما السبيل للوصول إلى تحقيق ذلك؟ يقول الياس مرقص: إن الأمر يتعلّق ببناء الوعي العربي، وهذا البناء لا بدّ أن يستند إلى ثلاث رافعات هي: الاولى- الإنسانية والثانية- العقلانية والثالثة- الديمقراطية.

            ثم يتساءل من ينجز عملية الوحدة؟ هل الحزب أم الطبقة أم الفئة المعنية؟ يقول مرقص: الوحدة تنجز عبر حركة الأمة وليس حركة طبقات أو فئات أو أحزاب، ويحتاج الأمر إلى مواجهة التخلّف والتجزئة ودون ذلك لا يمكن إحداث التراكم المطلوب، بما فيه مواجهة الإمبريالية والاحتلال الصهيوني.

            إن الوحدة حسب مرقص "عملية مركّبة" لا تُتَّخذْ بقرار لإلغاء الظروف والاختلافات، سواء بالتوحيد "القسري" العسكري أم بعدم الاعتراف بالتمايزات، وإنما تؤسس الوحدة على الاختلاف والتعدّد، وهو اختلاف بين المجتمعات العربية واختلاف بين الأفراد في كل مجتمع.

            لقد انطلق الياس مرقص بمشروعه النهضوي من الفكري وصولًا إلى السياسي، وحسب تعبيره إن بلادنا لن تنهض إلّا إذا تغلّب فيها الفكري"العقلاني" على السياسي أو السياسوي، والسياسة وإن كانت تعني فعل الخير، فإنّها في نهاية المطاف لا بدّ لها أن تنطلق من العقل والعقلانية، ولذلك يصبح الفلسفي شقيق السياسي، والاجتماعي شقيق المنطقي.

            كابد الياس مرقص من هيمنة السياسة على الثقافة، خصوصًا في الفترة الجدانوفية التي رفعت لواء ما سمي بـ"الواقعية الاشتراكية""، وكان ضد حرق المراحل وفي هذا الأمر كان أقرب إلى بليخانوف الذي انتقد "اشتراكية الدولة" وهي الوجه الآخر لرأسمالية الدولة "السياسة الاقتصادية الجديدة NEP" ، واعتبر مرقص أن انهيار الاتحاد السوفييتي لم يكن سببه البريسترويكا وإنما السياسات المتّبعة ونقص الحرّيات.

VIII

على هامش الحوار القومي-الماركسي

            في جلسة مطوّلة امتدت إلى الثالثة صباحًا في منزلي بدمشق (المزّة) حدثني عن علاقته بالمفكر ياسين الحافظ التي بدأت في العام 1953، وذلك استكمالًا للحوار الذي دار بيننا في طرابلس، وقد سألته عن هذا التلاقح بين العروبة والماركسية فأشار إلى ما كان يردده الحافظ عن الثورة من "إنها حفرٌ في العمق في حين أن الانقلاب نقر في السطح" وذلك بالعودة إلى موضوع حرق المراحل وأحيانًا استخدام أساليب قسرية ولاإنسانية لتبرير عملية التحول الثوري المنشود بزعم أن العنف أحيانًا ضرورة لا غنى عنها، وهو الأمر الذي دفع روزا لوكسمبورغ لانتقاد لينين وتروتسكي بقولها: الثورة ليست حمّام دم ولكن شيء آخر مختلف وإن دكتاتورية حفنة من السياسيين ستؤدي إلى الهمجية في الحياة العامة وإلى الإرهاب وإعدام المعارضين".

            كان ذلك الحديث على هامش الحوار القومي-الماركسي الذي التأم في طرابلس الغرب (ليبيا) في أواسط الثمانيات والذي شارك فيه نخبة متميزة من السياسيين والمثقفين من التيارين بينهم على ما أتذكر:جورج حاوي وجورج بطل (لبنان) ود. عمر علي (رئيس الدائرة الأيديولوجية في اليمن ورئيس الجامعة) أديب ديمتري(مصر) عبدلله العياشي(المغرب)، عربي عواد (فلسطين)، الياس مرقص(سوريا) وعبد الحسين شعبان(العراق).

            ومن القوميين والنّاصريين بتوجهاتهم المختلفة شارك كل من: محمد فايق، كامل الزهيري (مصر)، عبد الرحمان النعيمي (الجبهة الشعبية في البحرين)، تيسير قبعة (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، إنعام رعد(الحزب السوري القومي الاجتماعي) ونجاح واكيم (لبنان)، ناجي علوش(فلسطين) وطلال ناجي (الجبهة الشعبية-القيادة العامة) وسمير غوشة وخالد عبد المجيد(فلسطين- جبهة النضال الشعبي)، عوني صادق (فلسطين)، السفير الفلسطيني في طرابلس(فتح) وممثل عن الجبهة الديمقراطية، وأحمد سالم(اليمن).

            كما حدثني عن لقاءات خاصة مع علي صالح السعدي بصحبة ياسين الحافظ في الستينات من القرن الماضي وكيف تم تأسيس "حزب العمّال الثوري العربي" من قبل مجموعة من البعثيين العراقيين ومن تأثّر بهم ممن تمّ طردهم عشية انقلاب 18 تشرين الثاني/نوفمبر1963 في العراق ومنهم محسن الشيخ راضي وهاني الفكيكي وحميد خلخال وحمدي عبد المجيد الذي تحدّث عن بعض مزاياه.

            وكنت قد اصطحبته إلى منزلي بعد أن عرفت أنه سيبقى في الشام إلى اليوم الثاني لعدم وجود سيارة(حافلة) إلى اللاذقية، فقلت له ستبقى في بيتك، وهكذا توجهنا من المطار إلى المنزل، وبعد أن استرحنا قليلًا عرضت عليه الذهاب إلى مطعم أبو صيّاح العجلوني بالربوة وهو مكان تاريخي كان يلتقي فيه القوميون العرب في الخمسينات كما هو معروف، وكنت أتردد عليه أحيانًا، وفعلًا ذهبنا إلى المطعم وأكلنا وشربنا وتحاورنا، وعدنا إلى المنزل لنستكمل الحوار، وقد استيقظ صباحًا ليتوجه إلى كراج السيارات، وبعد ربع ساعة اتصل بي مهدي الحافظ وكان قد وصل الشام يوم وصولنا إليها، فسألني أين كنت فقد حاولت الاتصال بك عدّة مرات يوم أمس فأخبرته بأنني عدت من طرابلس  ومعي الياس مرقص فقال لي كنت أود التعرف عليه، فقلت له لقد غادر إلى اللاذقية قبل قليل، وإذا كنت ستخبرني في المرة القادمة عند مجيئك فيمكننا الذهاب إلى اللاذقية واللقاء به وسنأكل السمك اللّذيذ في مطعم سبيرو الشهير على البحر.

رحيل حزين يختلط بالحزن على بغداد

            وصلني خبر وفاة الصديق مرقص حين كانت الطائرات الأمريكية تقصف بغداد، حيث كانت الحرب قد اندلعت في 17 كانون الثاني/ يناير 1991 لإخراج القوات العراقية من الكويت التي احتلتها قوات النظام السابق في( 2 آب/اغسطس، العام 1990)، وأدّت إلى تدمير العراق وفرض حصار دولي جائر عليه.

            كل شيء كان غائمًا ومضببًا وحزينًا، إلّا أن موت صديق ومفكر بمنزلة الياس مرقص كان له حزن خاص، فهذا الرجل الذي غادرنا سريعًا، وهو لم يتجاوز الستين إلّا بسنتين، وكان في ذروة إنتاجه وعطائه وقمّة تألّقه الفكري والإبداعي، اتّسم بصفات الكبار من العلماء فكان متواضعًا وبسيطًا ومتسامحًا ومحبًا للخير،امتاز بالانفتاح على جميع التيارات متجاوزًا الحساسيات والبلوكات القائمة، بل حاول أن يفتح قناطر بينها من خلال مقارباته وحواراته.

            رحل الياس مرقص وهو نظيف الفكر ونظيف القلب ونظيف اليد ونظيف اللسان ونظيف الهندام، رحل المثقف النظيف وهو نموذج للمثقف العضوي الذي تحدث عنه المفكر الماركسي الإيطالي انطونيو غرامشي. ولعلّ الوفاء لذكراه هو إعادة طبع أعماله وجعلها بيد القارئ العربي وقد يكون لقراءتها الراهنة نكهةٌ جديدة، خصوصًا أنه سبقنا في آرائه واجتهاداته، وتلك فضيلته الأولى وهو الذي استحق لقب "المثقف الأول".

***

 

نُشرت في مجلة ميسلون (العدد الأول - شباط/فبراير - 2021، تحت عنوان: الياس مرقص - المثقف الأول)، وأعيد نشرها في جريدة الزمان العراقية (بغداد - لندن) في 10 نيسان/ أبريل 2021

 

 

المجتمع المدني ...

استلحاق أم استحقاق؟

 

عبد الحسين شعبان

            حين صدر كتابي «المجتمع المدني- الوجه الآخر للسياسة» أهديته إلى ثلاث شخصيات عراقية متميّزة هي: عالم الاجتماع علي الوردي مجدّد المدرسة الخلدونية، لشجاعته الفكرية وأبحاثه الريادية في سبر أغوار المجتمع العراقي والشخصية العراقية، وعبد الفتاح إبراهيم أحد أبرز مؤسسي تيار جماعة الأهالي اليساري لدوره في الدفاع عن قيم المجتمع المدني، وأديب الجادر نقيب المهندسين العراقيين الأقدم وأحد أبرز مؤسسي المنظمة العربية لحقوق الإنسان ورئيسها لاحقاً لدوره القيادي المتميّز والنزيه في حركة المجتمع المدني العربي. والكتاب بقدر ما يدرس المجتمع المدني وسماته ومقوّماته فإنه يسلط الضوء على بعض ألغامه واختراقاته، ولذلك حمل عنواناً فرعياً موسوماً بـ "نوافذ وألغام"

             أخذت فكرة المجتمع المدني العربي بالتداول في ثمانينات القرن الماضي على نحو محدود، وانتشرت واتسعت وتطوّرت، بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة، بصيغتها القديمة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، وعلى نحو سريع تأسست عشرات الآلاف من المنظمات على امتداد الوطن العربي مثلما حصل في جميع أنحاء العالم، الأمر الذي طرح أسئلة حول موقع المجتمع المدني وفلسفته ودوره ومصادر قوته وعناصر ضعفه، علماً أن المصطلح ذاته لا يزال يثير التباساً وإبهاماً يتوزّع بين التوقير والتحقير وبين التقديس والتدنيس، وفي أحسن الأحوال ينظر إليه البعض بصفته أقرب إلى الكماليات والترف الفكري منه إلى الحاجة الماسّة في ظل حروب ونزاعات وعنف وإرهاب وتداخلات خارجية إقليمية ودولية، فضلاً عن أزمات اقتصادية واجتماعية وصحية وبيئية طاغية.

            يمكن القول إن فكرة المجتمع المدني حظيت بمكانة خاصة في الدولة الحديثة، والأمر يتعلق بمستويين، أولهما- نشأتها وتطورها، لاسيّما موضوع الحرية الفردية وشرعية نظام الحكم ودرجة تمثيله للناس وآلية اختيار المحكومين للحكام (أي تداولية السلطة). وثانيهما تطور فكرة الحداثة ذاتها كمشروع متطلع للمستقبل، علماً أن العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني علاقة معقدة ومركّبة ومتداخلة في الكثير من الأحيان.. فهل هي علاقة استلحاق أم علاقة استحقاق؟ وهل هي علاقة عدائية أم تصالحية؟ وبالتالي هل هي علاقة تصارعية أم تكاملية؟ أي هل هي علاقة استتباعية أم تشاركية؟ وهو ما يتحدّد بطبيعة نظام الحكم ومدى قوة المجتمع المدني ليكون تكميلياً وليس تبعياً.

            وحسب هيغل فإن العقد الاجتماعي ينشئ مجتمعاً مدنياً يتمايز عن الدولة قوامه الأفراد الأحرار، في حين يرفض ماركس الفكرة التي تقول إنه يمثل الحقل الثالث بين الدولة والفرد، انطلاقاً من الحلم الإنساني الذي يتجلى بإزالة الفوارق بين المجتمع والفرد والدولة، وهو ما يجسّد فكرة التحرر الإنساني. أما دو توكفيل فيعتبر مهمة المجتمع المدني المكوّن من جمعيات ومنظمات طوعية هي حماية الدولة من الانزلاق في التجاوز على حقوق الأفراد، وقد سعى غرامشي لإعطاء مفهوم المجتمع المدني نكهة أخرى جديدة ذات أبعاد معيارية، باعتباره الفضاء للتنافس الإيديولوجي من أجل الهيمنة بميله إلى التوسط بين الدولة والفرد.

             وهكذا فليس هناك مطابقة بين المجتمع المدني والدولة، وإنما هو أقرب إلى حالة مفاصلة، في إطار جدلية تمثل سيرورة حيوية يمكن ملاحظتها في التطورات التي حصلت في العديد من البلدان في أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية وآسيا وإفريقيا في العقود الثلاثة ونيّف المنصرمة.

            لقد كانت لحظة تحرّر المجتمع في أوروبا والغرب عموماً من أسْر الكنيسة ومن تبعات نظرية الحق الإلهي في الحكم، الخطوة الأولى على طريق قيام مجتمع مدني على أساس فكرة التعاقد بين الدولة والمجتمع وفقاً للإرادة الحرّة، وذلك بالسعي إلى تأصيل نظرية الإرادة الاجتماعية القائمة على التعاقد، حيث يتنازل فيه الأفراد عن حرّياتهم الكاملة لصالح الدولة، وهو ما دعا مونتسكيو لتصوّر حالة من التوازن بين الدولة والمنظمات الاجتماعية والسياسية، وهذا التوازن يجعل حكم القانون ممكناً، أي أن المجتمع المدني يتمايز عن السلطة ويكون خارجها في إطار حكم القانون، فهل مثل هذا الدور واقع في ظروف المجتمع المدني العربي؟

            إن المجتمع المدني العربي ما زال ناشئاً وهو في طور التكوّن وفي بعض البلدان لا يزال جنينياً وأقرب إلى الإرهاص، ولا يزال في بداية طريقه يسعى للحصول على الاعتراف والترخيص القانوني، حيث تتبلور مطالبته بالإصلاح والمشاركة في عملية التنمية. وأعتقد أن ذلك جزء من مسار كوني لا يمكن لأي بلد عربي أن يعزل نفسه عنه، فالعالم العربي لا يعيش في جزر معزولة، وإنما يتفاعل مع محيطه.

            ولكي يسلك المجتمع المدني الطريق الصحيح فإنه ينبغي عليه الفصل بينه وبين العمل السياسي واتباع نهج سلمي مدني وعلني نابذ للعنف وخاضع للقوانين والأنظمة المرعية، كما لا بدّ من وضع مسافة بينه وبين السلطات الحاكمة من جهة وبينه وبين المعارضات من جهة أخرى، وللحفاظ على استقلاليته يحتاج إلى حصانة وطنية لعدم اختراقه، لاسيّما بتحديد أولوياته من العلاقة بجهات التمويل الدولية، كي يصبح استحقاقاً وليس استلحاقاً.

drhussainshaban21@gmail.com     

 

 

الحب وخريف البطريك

عبدالحسين شعبان

1

هاهو عيد الحب يطلّ علينا من جديد لكنّه ليس مثل كل عام  يحمل صورا وزهورا وهدايا ، ربما لم نكن نكترث كثيرا بمثل تلك المناسبات الجميلة ، بسبب دوامة الحياة وعجلتها السريعة وتشابكاتها وتعقيداتها ، لكن ما نعيشه منذ عام وبسبب اجتياح كورونا " كوفيد 19 – تجعلنا نتوقف لنتأمل قيمة و رمزية بعض ما يمرّ بنا ، كي نستمتع بما هو جميل وأصيل وإنساني ،بحيث لا ندع لحظة تفلت من بين أصابعنا .

استعدتُ مع نفسي  أعياد الحب ، والذكريات والألوان الزهرية والحمراء وفالانتاين ، خصوصا ونحن نعيش في العالم الافتراضي وفي الحجر الذي حوّل الحياة  المتواصلة المتفاعلة المتداخلة والمتراكبة إلى عزلة وتباعد وفزع وكآبة ، مايزال العالم يقف مذهولاً أمام حدودها  ونهايتها حتى الآن ، بل أن العلم يعيش حالة تكهّن واضطراب وعدم ثقة بشأنها .

العيد هذا العام بلا ورود وقُبل ولقاءات حميمية وأجنحة للسفر ، وعلى العكس شعور طاغٍ  بهيمنة القسوة والظلم والقهر والجزع ، لدرجة  الانهمام  بالبقاء واليومي والطارئ والعابر من الأشياء ، حيث أخذت الكثير من الحواس تتعطّل ويتعرض الجسد إلى الانهاك والمزاج إلى التعكّر ويسود الحزن لمفارقتنا أحبّة وتركنا أخريات وآخرين يرقدون في المستشفيات  أو عانوا من الجائحة ولا نستطيع حتى زيارتهم والاطمئنان عليهم .

2

تعود قصة الاحتفال بعيد الحب إلى نهاية القرن الثامن عشر ، باستعادة ماقام به "القديس فالانتاين" ( القرن الثالث ميلادي )  الذي كان يسعى لزواج الجنود سراً  في الكنيسة ، الذين كانت الإمبراطورية الرومانية تمنع زواجهم حينها ، وكذلك تزويج العشاق ، وهو ما اعتبر حينها انتهاكاً للقوانين السائدة  والمفروضة ،وقد ألقي عليه القبض وقطعت رأسه أمام إحدى بوابات روما القديمة في 14 فبراير ( شباط) العام 269 ميلادية ، وتخليداً  لذكراه بدأ العالم يحتفل بهذا اليوم كرمز للحب .

3

الغريب أن مصر تحتفل مرتين بعيد الحب الأولى هي في اليوم العالمي للحب ، والثانية احتفالية حديثة منذ العام 1974م باقتراح من الصحافي المعروف مصطفى أمين الذي نشر في صحيفة " أخبار اليوم " المصرية  دعوة للاحتفال  بعيد العشاق والمحبّين والأزواج والعوائل والأصدقاء  وأطلق على دعوته " يوم الحب المصري " معللا ذلك بواقعة مسببة لهذه الدعوة " الحبيّة " مفادها أنه شاهد جنازة  في إحدى أحياء القاهرة القديمة لا يسير خلفها سوى 3 أفراد فقط ، وحين "عرف السبب بطُل العجب " ، فالرجل الذي توفاه الله لم يكن يحب أحدا ولا أحد يحبه ، ولذلك عومل بهذا الجفاء على الرغم  من أن الموت جامعُ للناس ومطهر للنفوس  ، يصفي القلوب  مما علق بها من كراهية وحقد ، حتى قيل عند الموت : تذكروا محاسن موتاكم ، لذلك  أراد بدعوته الاحتفاء بالحب بين الناس كقيمة للأحياء يتم التعامل بها على نحو ملموس ويعبّر كل واحد للآخر عن حبّه ، وهكذا كان يوم 4 نوفمبر ( تشرين الثاني ) يوما للاحتفاء ب " عيدالحب المصري " لإعلاء قيمة الحب ورمزيته بين العشاق والأزواج والأهل والأصدقاء ،ويبدو أن دعوة مصطفى أمين لها ما يدعمها بالتاريخ المصري ، فقد كان الفراعنة وملوكهم يقدمون الزهور 

والهدايا ويكتبون قصائد العشق والغزل للحبيبات تعبيرا عن حبهم لهذه المناسبة

4

الحب تعويض عن جميع الحرمانات  ومكافأة معادلة لجميع العذابات ، ومن لا يعرف الحب ، معنىً ومبنىً،تذوّقا وعيشاً لا يعرف الحياة ، وكما يقول أبو الطيب المتنبي :

وعذلت أهل العشق حتى  ذقته      فعجبت كيف يموت من لا يعشقُ

الحب نقيض للسلطة والتسلّط والاستبداد ، وحسب هنري كيسنجر  فإن السلطة عنصر تهييج شبقي ، وشبقيتها تتجسّد في ذكورية تعويضية ، بسبب غياب الحب واستبدالاً له بمحاولات الهيمنة .

ما أعرفه أن الحب عطاء وتضحية وتفانٍ ، وهو بالضد من الإكراه والإرغام والتسيّد ، ولعل ذلك ما دفع روائيا مثل غابريل غارسيا ماركيز الحائز على جائزة نوبل العام 1982عن روايته الأكثر شهرة " مائة عام من العزلة " للقول : السلطة هي تعويض عن الحب أي أن من يسعى إلى السلطة لا يفكر بالحب وليس منشغلا به ، وذلك  في روايته الأكثر جمالا " خريف البطريك " وهذه من وجهة نظري المتواضعة هي أقرب إلى قصيدة نثرية طويلة  بلغة موسيقية آسرة وجاذبية متوهّجة بالشعر ، وشخصيا أعتبرها أهم روايات ماركيز .

5

في الحب نبحث عن الوطن بكبرياء حيث يفتش كل من المرأة والرجل عن ذاته الممزقة وروحه المستنفرة ،عن الثقة التي تمنحها لمن تحب ونرى فيها ما في دواخلنا من دهشة وإثارة وملكوت سرّي وسحر متفجّر ، وفي الحب تتوحّد الأنا مع الآخر والعقل مع القلب والروح مع الجسد والعاطفة مع الأمل والحاضر مع المستقبل والحياة مع الخلود .

يقول محمود درويش  :" لا أتذكر قلبي إلّا إذا شقّه الحب نصفين ، أو جف من عطش الحب".وإذا كان العقل يمنحنا القدرة على التفكير ، فالإرادة تمنحنا القدرة على الاختيار والحب ، أما الوجدان فإنه يمنحنا القدرة على الإحساس بالجمال والعدل وهذه ليست سوى الحياة الإنسانية ، بما فيها من واقع وخيال وفن ، والأخير وسيلة  لمعرفة الحياة ذاتها ، خصوصا وأن إعادة الخلق تعني إظهار  المحتوى الداخلي للواقع والهدف ليس لتقليده أو استنساخه، بل محاولة تصوّره على نحو جديد .

وما الحياة دون فن ؟وعلينا أن  نتصوّر كم ستكون  تلك الحياة مملّة وكئيبة ، لأنها ستكون دون حب تلك المعادلة الجمالية للفن ، وكان الشاعر المكسيكي اكتوفيوباث الحائز على جائزة نوبل للآداب العام 1990 هو الذي قال : إذا خلا رأس السياسي من الشعر تحوّل إلى طاغية ،

لقد حملت رسائل روزا لوكسمبورغ  الملقبة " روزا الحمراء " إلى حبيبها هانز  قيمة أدبية وفكرية متميزة ، فضلا عن ما احتوته من بوح إنساني شفيف وشائق وحر ، عكست طهرية روحية وثقة عالية وحبّا كبيرا وولها واعيا .وقد تسنّى لي مؤخرا ( 2020 ) الاطلاع على رسائل الناقد علي جواد الطاهر إلى زوجته فائقة والموسومة " سَغْبْ  العواطف "  ( دار الرافدين ) التي أعدتها وقدمت لها ( لقاء موسى الساعدي)    وهي رسائل بعثها إليها من بيروت ودمشق والجزائر وصنعاء وبراغ  وغيرها ، وهي تذكرنا برسائل جوليت داروت إلى فيكتور هوغو ورسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة ورسائل غسان كنفاني إلى غادة السمّان . فقد كانت الرسائل إحدى قنوات التعبير المهمة  التصاقا بالروح الإنسانية ، وهي وثائق أدبية وجمالية تشهد على عصر كاتبيها وكتاباتهم وطرائق تفكيرهم ودرجة حبّهم .

وبالعودة إلى رسائل الطاهر إلى زوجته ، فالعنوان مثير وعميق في الوقت نفسه وكلمة سَغْبْ  تعني جوع وهكذا جاء التعبير ليدلّ عن جوع عاطفي كان يعانيه بالابتعاد عن زوجته ، خصوصا حين يكون الأمر اضطرارا بعد إعفائه من وظيفته في جامعة بغداد  إثر انقلاب 8 فبراير ( شباط ) 1963 م واضطراره السفر إلى بيروت ومنها للعمل في الرياض ( المملكة العربية السعودية ) ,وعكست رسائل الطاهر بأسلوبها الباهر وصياغتها المتقنة وسردياتها ووصفياتها  واستهلالاتها حالته النفسية على نحو مبسّط وسلس واحتوت على ما نطلق عليه " السهل الممتنع " وهو في كل ما كتبه كان ينمّ عن حالة صبابة وتولّه وفراق وعشق وحب طاهر مثل طهرية الرجل وعلمه .

إذا كان يوم 14 فبراير ( شباط ) يوم الحب العالمي المعروف لذكرى يوم شنق القديس فلانتين ، فإنه يوم شنق قادة الحزب الشيوعي العراقي فهد وحازم وصارم ( يوسف سلمان يوسف ومحمد زكي بسيم وحسين محمد الشبيبي ويهودا صديق ) في العام 1949م وفي الشهر ذاته استشهد تحت التعذيب عدد من قيادات الحزب في العام 1963م وفي مقدمتهم ( سلام عادل ) وكان الرفيق طلال شاكر " أبو ميلاد " قد اقترح في محلية داود التي كان يديرها صاحب الحكيم في العام 1981م   اعتبار يوم  14 فبراير ( شباط ) يوما للشهيد الشيوعي وهو يوم شهيد الحب فلانتاين ويالها من مفارقة     

 

 

(الأخوّة الإنسانية)

 

عبد الحسين شعبان

احتفل العالم لأول مرة باليوم العالمي للأخوّة الإنسانية، وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت قراراً في 22 ديسمبر/ كانون الأول 2020، أعلنت فيه اعتبار 4 فبراير/ شباط اليوم العالمي للأخوّة الإنسانية،استجابة لمبادرة تقدّمت بها دولة الإمارات العربية المتّحدة والمملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية ومملكة البحرين، وكانت أبوظبي احتضنت لقاءً تاريخياً جمع قداسة البابا فرنسيس (بابا الكنيسة الكاثوليكية)، وفضيلة الشيخ د. أحمد الطيّب، شيخ الأزهر الشريف، وأسفر اللقاء عن توقيع «وثيقة الأخوّة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك» في 4 فبراير/ شباط 2019

 ويكتسب الاحتفال هذا العام أهمية كبرى، لاسيمّا وإن العالم يواجه جائحة كورونا، حيث تزداد الحاجة إلى الوحدة في مواجهة الوباء، وإلى التضامن والتعاون وتقديم المساعدة المختلفة للتصدّي لها، علماً بأن قرار الأمم المتّحدة أكدّ على المساهمات القيّمة للشعوب من جميع الأديان والمعتقدات، وأشار إلى دور التعليم في بناء قيم التسامح وتعزيزها والقضاء على جميع أنواع التمييز القائم على أساس الدين والمعتقد، كما أشاد بأهمية الدعوة للحوار بين أتباع الديانات والثقافات المختلفة.

 جدير بالذكر أن أبوظبي كانت استضافت في 4 فبراير/ شباط 2019 المؤتمر الذي نظمه مجلس حكماء المسلمين بهدف تفعيل الحوار مع الآخر للتعايش والتآخي بين البشر وتعزيزه عالمياً، وهو المؤتمر الذي وضع ضمن أهدافه التصدي للتعصّب ووليده التطرّف، ولا سيّما الفكري، وإذا ما انتقل الأخير إلى الفعل سيصبح عنفاً وحين يضرب عشوائياً يصير إرهاباً، وذلك بتأكيد علاقات الأخوّة الإنسانية التي ينبغي أن تُرسى على أسس جديدة قوامها احترام الاختلاف والتمايز والكرامة الإنسانية من أجل العيش المشترك والسلام العالمي، وهو أمر يقع على عاتق القيادات السياسية والمؤسسات الدينية والمنظمات العالمية والمحلية لكل من المسيحيين والمسلمين، كما جاء في نص الوثيقة.

 وسلطّت الوثيقة الضوء على عدد من الثوابت، من أهمها التمسك بالتعاليم الدينية الصحيحة التي تدعو إلى قيم السلام والتعارف والأخوّة والعيش المشترك، الذي من شأنه أن يعزز قيم الحريّة، ولا سيّما حريّة المعتقد والتعبير والتفكير لكل إنسان، فضلاً عن الإيمان بالتعددية والمواطنة المتساوية والعدل للجميع، والاعتراف بحقوق المرأة والطفل والمسنّين والضعفاء، فضلاً عن رفض الإرهاب والاعتداء على دور العبادة.

 وبقراءة ارتجاعية إلى حيثيّات الوثيقة ارتباطاً بكلمات شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان، ندرك الرسائل المهمة التي حاول كل منهما وعلى نحو متكامل توجيهها، وكانت دعوة الأزهر تضمنت أربعة أركان، أولها- الموجّهة إلى المسلمين بالانفتاح على المسيحيين مذكرّةً بالعلاقات التاريخية بينهم منذ فجر الإسلام، وثانيها- إلى مسيحيّي الشرق بالقول: أنتم جزء من هذه الأمة... وأنتم مواطنون كاملو الحقوق والواجبات... ولستم «أقليّة»، وثالثها - إلى أتباع الديانتين بالدعوة إلى الوحدة باعتبارها «الصخرة التي تتحطم عليها المؤامرات»، ورابعها - إلى المسلمين في الغرب، بدعوتهم إلى الاندماج إيجابياً في مجتمعاتهم بالمحافظة على هويّاتهم الدينية من جهة، والحفاظ على قوانين المجتمعات التي يعيشون فيها من جهة أخرى.

 وكانت دعوة البابا فرنسيس للأخوّة الإنسانية بقوله: إن كل الناس متساوون في الكرامة، فلا نستطيع عبادة اللّه من دون احترام كرامة كل إنسان وحقوق كل فرد، لأن اللّه لا ينظر إلينا بعين التفرقة التي تُقصي، بل بعين حاضنة للجميع.

 الوثيقة التي وقعها شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان، هي أول وثيقة في التاريخ توقّع بين مسيحيين ومسلمين بهذه الرمزية على نحو متكافئ أساسها الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والدفاع عن قيم السلام والتسامح؛ وهي رسالة حضارية ضد الكراهية في لحظة حساسة من لحظات التأمل في المصير الإنساني.

 والاحتفال من جانب الأمم المتحدة يُعدّ اعترافاً كونياً بالإنجاز التاريخي الذي حققته الوثيقة بمضامينها الإنسانية، الأمر الذي يستوجب نبذ التصورات النمطية إزاء الآخر والعمل على بناء الجسور للتعاون والتضامن ضد العنصرية والتمييز والاستعلاء والاستتباع وجميع مظاهر عدم المساواة والتنكر لحقوق الإنسان، ولعل منح جائزة زايد للأخوّة الإنسانية للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غويتريس مناسبة لإعادة تأكيد الفاعلية للمشتركات الإنسانية وتعظيم الجوامع وتقليص الفوارق واحترام الخصوصيات في إطار قيم السلام ونبذ العنف، وهو ما يحتاج العالم إلى تفعيله في جميع الثقافات والمجتمعات ولدى أتباع الأديان المختلفة.

drhussainshaban21@gmail.com

أكاديمي ومفكر وكاتب عراقي، وهو نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان (أونور) في بيروت. له مساهمات متميّزة في إطار التجديد والتنوير والحداثة والثقافة والنقد. يهتم بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني والأديان، والدساتير والقوانين الدولية والنزاعات والحروب. صاحب نحو 70 كتاباً ومؤلفاً.

 

 

ستارت - 3

عبد الحسين شعبان

 

            كان برنارد باروخ مستشار الرئيس الأمريكي هاري ترومان  أول من استخدم مصطلح "الحرب الباردة" في 16 إبريل (نيسان) عام 1947 ، التي تعني المجابهة العالمية الجيوسياسية والإقتصادية والآيدولوجية بما فيها الحرب النفسية ووسائل القوة الناعمة الإعلامية والثقافية والرياضية ضد الإتحاد السوفيتي السابق ، وبعده جاء خطاب ونستون تشرشل  الذي ألقاه في مدينة فولتن بولاية ميسوري الأمريكية ، ومع أنه لم يكن حينها رئيساً لوزراء بريطانيا ، لكن فكرته سرت مثل النار بالهشيم حين طرح تشكيل حلف عسكري للدول الإنكلوساكسونية بهدف "مكافحة الشيوعية" وكان ذلك ترسيخاً لفكرة الحرب الباردة ، حيثُ تأسس حلف الناتو في العام 1949 وبالمقابل أُنشأ حلف وارشو في العام 1955 من جانب الإتحاد السوفيتي وحلفائه .

            وقد دامت الحرب الباردة والصراع الآيديولوجي طيلة فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ولغاية نهاية الثمانينات ، وشهدت سباقاً محموماً للتسلح على الرغم من محاولات الطرفين البحث عن فرصٍ لتخفيض ترسانة الأسلحة عبر معاهدات واتفاقيات دولية جماعية أو ثنائية دون أن تخلو من عقباتٍ وكوابح تعكّر صفو علاقات "التعايش السلمي" وتزيد من سباق المنافسة التسليحية والتي كان آخرها ما عُرف بـ "مشروع حرب النجوم"الذي خصصت له واشنطن ترليوني دولار ، وكان ذلك أحد أسباب فشل الإتحاد السوفيتي وتفكّكه في تلك المنافسة غير المتكافئة التي جرّته إليها الولايات المتحدة، خصوصاً في عهد الرئيس ريغان، إضافة إلى أسباب إقتصادية وسياسية واجتماعية وغيرها .

            خلال شهر فبراير (شباط) الجاري 2021 سينتهي مفعول إتفاقية ستارت - 3  التي تمّ التوقيع عليها في 18 إبريل (نيسان) 2010  بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما والرئيس الروسي السابق ديمتري مدفيديف ،وقد توصّلت واشنطن إلى "إتفاق مبدئي" مع روسيا على تمديدها لخفض ترسانة الأسلحة النووية ، علماً بأنها كانت قد طلبت من الصين الإنضمام إلى المفاوضات التي يشهد برنامجها النووي نموّاً مطرّداً، لكنه لا يقارن من حيث الحجم  بالترسانتين الأمريكية والروسية ، حيث تمتلكان نحو 93 % من القنابل النووية في العالم ، ويدرك الطرفان إن من شأن عدم تمديد المعاهدة رفع جميع القيود المتبقية على نشر رؤوس حربية نووية ، وكذلك الصواريخ والقاذفات القادرة على حملها، مما سيؤدي إلى تأجيج سباق التسلح، ويزيد من حدّة التوتر ويعيد الأجواء إلى مناخ الحرب الباردة .

            ولعلّ فوز جو بايدن الذي كان نائباً للرئيس أوباما حين تم التوقيع على ستارت - 3 إلاّ أنه يعتبر روسيا العدو الرئيس والأول للولايات المتحدة ، أما الصين فيعتبرها منافساً وليس عدواً ، الأمر الذي قد يجعل العلاقات الروسية - الأمريكية تعيش أوقاتاً صعبة، على الرغم من توفّر الفرصة لتمديد إتفاقية نيوستارت - 3 ، وكان قد عبّر عن نيّته في تمديد المعاهدة خلال حملته الإنتخابية .

            تعتبر ستارت - 3 ، واحدة من 9 إتفاقيات نووية وقّعتها موسكو مع واشنطن خلال العقود الماضية ويعود تاريخها إلى ستينات القرن الماضي، ومن أهمها معاهدة منع التجارب النووية وهي معاهدة متعددة الأطراف تمّ التوقيع عليها العام 1963 وما تزال سارية المفعول ، إضافة إلى معاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النووية لعام 1963 وهي معاهدة متعدّدة الأطراف تم تمديدها في العام 1995 وهي مفتوحةٌ وغير محدّدة بزمن .

            ومن المعاهدات الثنائية بين البلدين معاهدة سالت - 1  و ABM و سالت - 2 ، الأولى تم التوقيع عليها في العام 1972 لغرض تجميد عدد قاذفات الصواريخ البالستية العابرة للقارات بين البلدين (لمدة 5 سنوات) في حين أن الثانية منعت إنشاء درع مضاد للصواريخ ، أما الثالثة (سالت - 2) فقد تم التوقيع عليها العام 1979 بشأن الأسلحة النووية ، لكنها لم تدخل حيّز التنفيذ، إضافة إلى معاهدة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى التي تمّ التوقيع عليها في العام 1987 بين دونالد ريغان وميخائيل غورباتشوف ، وهي المعاهدة التي انسحب منها دونالد ترامب في فبراير (شباط) 2019 ، ومن المعاهدات المهمة ستارت - 1 (1991) و ستارت - 2 (1993) التي لم تدخل حيّز التنفيذ ، وتكمن أهمية ستارت - 3 بتحديد عدد الرؤوس النووية بـ 1550 رأساً ، وهي خاصة بالأسلحة الهجومية ، وقد أبدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إستعداد بلاده لتمديد المعاهدة ، كما أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس أهمية تمديد ستارت - 3 ، وذلك خدمة للسلم والأمن الدوليين .

            وسيؤدي تمديد المعاهدة إلى تفعيل نظام الرقابة النووية وتخفيف حدّة التوتر في أوروبا وآسيا ومنطقة المحيط الهادي وإقامة نظام مؤتمن في مجال التكنولوجيات، بما يطمئن واشنطن من إلتزام  موسكو بأحكام المعاهدة ، ويطمئن موسكو من حسّاسيتها بنصب صواريخ نووية في بولونيا وأوكرانيا وتشيكيا وعلى حدود روسيا

 

شجرة الذاكرة

عبد الحسين شعبان

 

لا تترك جائحة «كورونا» شيئاً إلاّ واستفزّته، حتى لكأنها تعيد البديهي من الأشياء، ولأنها لا تستثني أحداً، الغني والفقير والرئيس والمرؤوس والمريض والطبيب، فقد أعادت التفكير بالمساواة والتعاون بين البشر لمواجهة هذا الخطر الغامض والداهم، وكأنها تذكّرنا بقانون الطبيعة، حيث خُلق الناس بأشكالهم وألوانهم وأجناسهم وألسنتهم وأديانهم وعروقهم وانحداراتهم الاجتماعية متساوين ومختلفين في آن، الأمر الذي يقتضي تعاونهم، فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه ومدني بفطرته، وهو ما شاع على لسان أرسطو ومن بعده عبد الرحمن بن خلدون الذي أضاف تميزّه بالعقل.

 لم يدع الفيروس لحظة تهرب من بين أصابعنا؛ لأن عكسها سيعني الاستسلام، وهكذا تتحوّل الطاقة الإيجابية التي يحملها الإنسان إلى الضد منها، فكان لا بدّ من الاستعانة بالذاكرة للتدوين والكتابة، على الرغم من أنها أحياناً تمطر وحشةً وغموضاً بقدر ما يفوح منها عطرٌ وأمل، ولكل شخص ذاكرته التي تشبهه، وبقدر ما هي واقعية فأحياناً يدخل عليها عنصر التخيّل لإعادة تأثيثها.

 وكلام الحجر الذي لا يزال يجثم فوق الصدور تتزاحم فيه الأيام والليالي، بل والسويعات، بعضها بحزن شديد وبعضها بلا مبالاة أحياناً حدّ الضجر، أو بأمل مستنفر، حين يبدأ الحوار مع الذات التي تحتاج إلى كشف بعض مكنوناتها في لحظة مصارحةٍ، ليس لماضيها فحسب، بل لحاضرها ومستقبلها أيضاً، فالذاكرة مستودع كبير لكثير من الحكايات والأسرار والمعلومات، فما بالك حين تُقدّم بحبكة درامية لتجارب مريرة ومثيرة تعكس ثقافة صاحبها وعمق أفكاره، وهذه تحتاج بالطبع إلى محفزّات لفكّ ألغازها وفتح أقفال خزائنها.

 في هذه الأجواء قرأت رواية «الشجرة الهلامية» لعبد السلام بو طيب، الحقوقي المغربي ومنظم مهرجان الناضور السينمائي، التي تتحدث عن رجل يتم حجره 100 يوم في باريس، ولم يبقَ أمامه سوى حوار مع الشجرة التي تنتصب أمام بيته، حيث يأتيه صوتها خفيفاً متموجاً يشبه الأثير في مدينة الجن والملائكة، في لغة غامضة لا يفهمها إلاّ هو وصديقته الشجرة التي يغنّجها ب «دولوريس»، والتي تذكرّه بالشجرة الهلامية في منطقة الريف، فيتبادل طرفا الحوار المواقع: هو والشجرة، ويتقاسمان الأصوات لدرجة أنك لا تفرق بينه وبينها أحياناً، حيث تختلط الصور والأصوات والآراء.

 باستعادة ذاكرته السجينة، يقول إن كل شيء هناك يتغير: الزمن والعادات والأشياء؛ لذلك عليك أن تستعيد توازنك، باستذكار نيلسون مانديلا، الذي كان طوال سنوات سجنه التي استمرت 27 عاماً يزرع أشجاراً في قنينات الزيت الفارغة من سعة 5 لترات، ويعتبرها الوحيدة الحرة، أي من صديقاته وأصدقائه الأحرار.

 كان الوطن في الحجر يعني لعبد السلام «وسادته الحبيبة» التي افتقدها، والوطن حسب محمود درويش «هو هذا الاغتراب الذي يفترسك»، وهكذا قدّم بو طيب في سرديته الزمن من خلال وسادته، التي ظلّت خالية ووحيدة تذكّرنا «بالوسادة الخالية» وهي رواية كتبها إحسان عبد القدوس وقدّمها المخرج صلاح أبو سيف في العام 1957 في فيلم من بطولة عبد الحليم حافظ ولبنى عبد العزيز.

 يتعاشق في ذاكرة بو طيب سجن الماضي ورحابة الحاضر، بما فيها فترة الحجر، فالذاكرة يمكن أن تحوّل الإنسان إلى رهينة لها أو حتى ضحية، في حين أن الصفح والغفران والمقصود التسامح يحولها إلى شيء إيجابي دون أن يعني نسيان الماضي، وهو ما يذكّر بالطاهر بن جلّون الذي فتح صندوق خزانته ليعرض في سرديته ألمه النفسي، بعد عقود من الزمان في روايته «تلك العتمة الباهرة»، التي استكملها بروايته «العقاب»، وهي إحدى روائع أدب السجون.

علينا التمييز بين أربعة أنواع من الذاكرة:

النوع الأول- الذاكرة الانفعالية، وهي ذاكرةٌ إرادوية يتم إسقاطها على الواقع.

 الثاني- الذاكرة الحسّية، أي استعادة الأحوال والأهوال كوقائع ومفردات وتفاصيل يمكن تكييفها حسب قراءة الروائي والمؤرخ والشاهد والمشارك.

 الثالث- الذاكرة المنظّمة، وهذه تقوم على استذكار واستخلاص المعاني والدروس والعبر التي تنتظم الذكريات في إطارها، استناداً إلى المادة الأولية (الخام)، وصولاً إلى الدلالة بفعل التحقّق، مع إضافة التفسيرات والتأويلات على النص أو الحدث أو الواقع المعيش.

الرابع- الذاكرة المحفّزة، وتبدأ مع الذاكرة الأولى، وفيها حنين (نستولوجيا) لاستذكار الزمن، وإعادة قراءته على نحو جديد، لا سيّما بعد تجارب عديدة، بما فيها ما هو ناجح وفاشل.

بهذه الصورة أرّخ بو طيب لذاكرته بروح شفيفةٍ وحساسية إنسانيةٍ، ولغةٍ رشيقة، وموسيقى جذّابة، بكتابةٍ وصور سينمائية وبصرية باهرة، كل ذلك لمواجهة فيروس «كورونا».

drhussainshaban21@gmail.com

 

أزمة العراق سيادياً

مشروع معهد العلمين

 وملتقى بحر العلوم للحوار

عبد الحسين شعبان

توطئة

            حسناً فعل معهد العلمين وملتقى بحر العلوم للحوار، حين حاولا استشراف " أزمة العراق سيادياً" وذلك من خلال مناقشة رؤية خمسة رؤساء سابقين لمجلس الوزراء تعاقبوا على دست المسؤولية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، العام 2003، وهم كل من : د. إياد علاوي ود. ابراهيم الاشيقر (الجعفري) وأ. نوري المالكي ود. حيدر العبادي  وأ. عادل عبد المهدي.

            وكان سدى هذه المبادرة ولحمتها هو موضوع السيادة ، سواء بإجاباتهم أو بمشاركة رؤساء مجلس النواب السابقين أيضاً، إضافة إلى  شخصيات أكاديمية وثقافية وسياسية، والهدف من ذلك تقديم رؤية نقدية تحليلية  للإجابات المذكورة، على أن تلتئم ندوة لجميع المشاركين للتوصل إلى استنتاجات وتوصيات ليصار إلى تعميمها على أصحاب القرار، ثم لنشرها كاملة باللغتين العربية والانكليزية.

            المبادرة

            تكتسب هذه المبادرة أهمية بالغة  للأسباب التالية:

أولاً- إنها تعيد طرح القضايا ذات الطبيعة الإشكالية النظرية والعملية في ما يتعلّق بالسيادة ارتباطاً بالنظام السياسي وآفاق العملية السياسية التي تأسست على قاعدته ، خصوصاً بعد حركة الاحتجاج الشعبية التي بدأت في 1 تشرين الأول (أكتوبر) العام 2019، والتي ما تزال مستمرة.

وثانياً- إنها تنشغل بموضوع السيادة ومدى تحققها عملياً بعد أكثر من 17 عاماً من الاحتلال، وهو أمر مهم ومطلوب، خصوصاً بعد تصويت مجلس النواب على إخراج القوات الأجنبية كافة، إثر مقتل قاسم سليماني رئيس فيلق القدس الإيراني وأبو مهدي المهندس أحد أبرز مسؤولي الحشد الشعبي  يوم 3 يناير (كانون الثاني) 2020 على يد القوات الأمريكية ، مع الأخذ بنظر الاعتبار المواقف المتعارضة من وجود القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي بشكل خاص، والقوات الأجنبية بشكل عام، بما فيها توغل القوات العسكرية التركية المستمر والمتكرر، إضافة إلى قواعدها العسكرية التي أقامتها في العراق، ناهيك عن التغلغل والنفوذ الإيرانيين.

وثالثاً- إنها تضع هدفاً لهذه المراجعات يتلخص في إمكانية التوصّل إلى مشتركات واستنتاجات وتوصيات، لاستعادة السيادة العراقية التي ظلّت منقوصة ومجروحة ومعوّمة  منذ غزو قوات النظام السابق للكويت في 2 آب (أغسطس)  1990، وحرب قوات التحالف الدولي في 17 كانون الثاني (يناير) 1991 لتحرير الكويت، وما أعقبها من فرض حصار دولي شامل على العراق، حيث زاد عدد القرارات التي صدرت بحقه  أكثر من 75 قراراً دولياً (نحو 60 قراراً منها  قبل الاحتلال والبقية بعده) ويعدّ بعضها خرقاً سافراً للسيادة وبعضها الآخر تقييداً لها أو انتقاصاً منها أو تعويماً لممارستها.

ورابعاً- إنها تشتبك باتفاقية الإطار الاستراتيجي التي تم توقيعها في الوقت نفسه مع الاتفاقية العراقية - الأمريكية لعام 2008 والتي انتهى مفعولها في 31/12/2011، حيث اضطرّت القوات الأمريكية إلى الانسحاب من العراق لأسباب عديدة، منها ما تكبدّته من خسائر بشرية ومادية ومعنوية ، ناهيك عن ضغط الرأي العام  الأمريكي والعالمي ، إضافة إلى الأزمة المالية والاقتصادية العالمية وانعكاساتها على الولايات المتحدة .

            السيادة والقرارات الدولية

            إذا كان موضوع السيادة وممارستها قد ورد مشوشاً في الإجابات المختلفة، سواءً عدم المجيء على ذكره أو الإتيان عليه بصفته موضوعاً "نظرياً"، وأحياناً اختلط مع مواضيع أخرى أو أنه ارتبط بمفهوم " المكوّنات" وبعض تفسيرات الدستور المختلفة، دون التوقف عند الجوانب العملية التطبيقية (البراكسيس)، فإن مثل تلك الالتباسات القانونية الفقهية والسياسية وردت هي الأخرى في القرارات الدولية التي أصدرها مجلس الأمن الدولي، بدءًا من القرار 1483 الصادر في 22 أيار (مايو) 2003، والذي أعلن انتهاء العمليات الحربية وتعامل مع الولايات المتحدة وبريطانيا بوصفهما دولتين قائمتين بالاحتلال، والقرار 1500 الذي صدر في 14 آب (أغسطس) 2003 الذي اعتبر مجلس الحكم الانتقالي "خطوة مهمة في تشكيل حكومة عراقية معترف بها دولياً وتتولّى ممارسة السيادة "، أو القرارات الأخرى بما فيها القرار الذي سبقه ونعني به القرار 1490 الصادر في 3 تموز (يوليو) 2003، أو القرارات التي تلته ، ولاسيّما القرار  1511 الصادر في 16 تشرين الأول (اكتوبر) أو القرار 1518 الصادر في 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2003 وجميعها صدرت ضمن الفصل السابع.

            كما صدر القرار 1546 في 8 حزيران (يونيو) 2004 ضمن الفصل السابع أيضاً (بعد إلغاء مجلس الحكم الانتقالي ) ودعا إلى حكومة عراقية مؤقتة مستقلة وتامة السيادة لها كامل المسؤولية والسلطة بحلول 30 حزيران (يونيو) 2004، لكن القوات المحتلة استمرت في العراق بامتيازاتها وحصاناتها الكاملة بجيوشها والمتعاقدين معها، علماً بأن القرارات السابقة  تعاملت مع القوات المحتلة نظرياً على أقل تقدير، بوصفها المسؤولة عن إدارة العراق وضمن  الفصل السابع الخاص بالعقوبات (من المادة 39 إلى 42 من ميثاق الأمم المتحدة)، إلّا أن صدور القرار 1546 أعاد وضع الفصل السابع قيداً جديداً في عنق العراق المقيّد أساساً بنحو 60 قراراً كانت قد صدرت قبل الاحتلال كلّها كانت ضمن الفصل السابع، باستثناء القرار 688 الذي صدر في 5 نيسان (أبريل) 1991 وهو القرار اليتيم والتائه والمنسي من سلسلة القرارات التي أصدرها مجلس الأمن الدولي، وهو القرار الخاص بوقف القمع الذي تتعرض له المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق وكفالة احترام حقوق الإنسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين.

            إذا كان العراق قد استمر في الرضوخ مكرهاً لتنفيذ الالتزامات الدولية، فإن المحتل تحرر من التزاماته بموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها وأصبح حرّاً طليقاً من القيود، بزعم مطاردة الإرهاب الدولي الذي فتحت الحدود أمامه، حيث تم تمديد مهمة القوات الأجنبية بالقرارات 1637 في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005  و1723 في 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006 والقرار 1790 الصادر في 18/12/2007 الذي مدّد بقاء القوات الأجنبية إلى 31 كانون الأول (ديسمبر) 2008.

            وقد تغيّرت الوضعية القانونية للقوات الأمريكية التي ضغطت لتوقيع اتفاقية العام 2008 لتكريس شرعية وجودها، فبعد أن كانت "قوات محتلة" تحولت إلى فريق في قوة متعددة الجنسيات بقيادتها متعاقدة مع الحكومة العراقية ، أي أن "الاحتلال العسكري" تحوّل إلى "احتلال تعاقدي" أو تعاهدي ، وامتلكت القوات الأمريكية حرّية استخدام الأراضي والأجواء والممرات المائية لمواجهة أي خطر يتهدّد السلم والأمن الدوليين، أو يعرض الحكومة العراقية أو دستورها ونظامها الديمقراطي للتهديد ، فضلاً عن مواجهة الإرهاب الدولي.

            وهكذا أنشأت عدداً من القواعد العسكرية وتصرّفت بحرّية بما فيها القيام بارتكابات شنيعة لحقوق الإنسان، سواء في السجون أو من خلال المواجهات المباشرة تحت زعم ملاحقة الإرهابيين دون الحاجة إلى اتباع الإجراءات التي يتطلبها وجود قوات عسكرية في أراضي دولة أجنبية متعاقدة معها، الأمر الذي يتنافى مع قانون المعاهدات والاتفاقيات الدولية ، ولاسيّما اتفاقية فيينا حول قانون المعاهدات لعام 1969 التي تفترض أن يكون الاتفاق بين طرفين متكافئين وعلى أساس الإرادة الحرة دون أن يشوبه أحد عيوب الرضا، وليس كما هو واقع الحال بين طرفين أحدهما قوي ومحتل والآخر ضعيف ومحتلة أراضيه.

            وبالطبع فقد تجاوزت الولايات المتحدة على قواعد القانون الدولي بما فيها المتعلّقة باتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لبروتوكولي جنيف لعام 1977 المتعلقة بالحرب وآثارها؛ الأول- الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة، والثاني- الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية ، مستندة بذلك إلى قواعد القانون الدولي التقليدي الذي أصبح من تراث الماضي والذي يقوم على مفهوم "الحرب الوقائية" أو " الحرب الاستباقية" ، علماً بأن القرار 1373 الذي صدر في 28 أيلول (سبتمبر) 2001 عقب أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية الإجرامية التي حصلت في الولايات المتحدة إثر تفجير برجي التجارة العالميين، قد أعاده إلى الواجهة، بأن أعطى الحق في شن الحرب فيما إذا شعرت الدولة أن ثمة تهديداً إرهابياً وشيك الوقوع أو محتمل.

            واستندت واشنطن إلى ذلك حين احتلت أفغانستان العام 2001 والعراق العام 2003، بزعم العلاقة بالإرهاب الدولي، إضافة إلى امتلاك العراق أسلحة دمار شامل ، بما فيها غاز الانثركس، الذي اتضح زيف تلك الدعاوى، وهو ما كشف عنه الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش  بعد أن مشّطت القوات الأمريكية العراق طولاً وعرضاً.

السيادة الداخلية

            وإذا كان ذلك يشمل مفهوم السيادة الخارجية للدولة العراقية،  فإن من يمتلك السيادة الداخلية في العراق أخضع لتوزيع طائفي وإثني منذ مجلس الحكم الانتقالي وكرّس للأسف قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية الصادر في 8 آذار (مارس) من قبل 2004 والذي ثُبّت في الدستور الدائم المستفتى عليه في 15 تشرين الأول (اكتوبر) العام 2005، والذي تحدث عن ما يسمى بالمكوّنات ، وذلك في المقدمة (مرتان) وفي المواد 9 و12 و49 و125 و142، وليس ذلك سوى نظام سياسي يقوم على مبدأ المحاصصة والتقاسم الوظيفي.

            وأعتقد أن ذلك بدأ يتحسّس منه العديد من القوى والشخصيات، بل إن بعضهم يعلن براءته منه ويحاول البحث عن الممكنات لتغييره أو لوضع حد له ، لأنه في الواقع أوقع البلاد في ورطة حقيقية أنتجت نظاماً مشوّها يقوم على الزبائنية السياسية والحصول على المغانم، لاسيّما في ظلّ ضعف مرجعية الدولة وعدم تطبيق حكم القانون وولّدت هذه المحاصصة:  الفساد المالي والإداري واستشراء العنف والإرهاب، لاسيّما بشيوع ظواهر التعصّب ووليده التطرّف التي لعبت سنوات الاستبداد والدكتاتورية في ظل النظام السابق ، إضافة إلى الحروب والحصار دوراً كبيراً في تغذيتها، خصوصاً بانتشار السلاح والاستقواء به عبر ميليشيات وقوى مسلحة باستخدام أجهزة الدولة أحياناً أو قوى منفلتة من خارجها.

            وبالطبع كلّما كانت الدولة صاحبة سيادة كاملة كلّما تمكنت من اختيار نظامها السياسي والاجتماعي بحرية كاملة بما فيها السيطرة على الموارد الاقتصادية، والعكس صحيح أيضاً كلما كانت الدولة مثلومة السيادة أو منتقصة أو مبتورة، كلّما اضطرّت للرضوخ للقوى المتنفّذة فيها، سواء على المستوى الخارجي الإقليمي أم الدولي أم على المستوى الداخلي، دون أن يعني ذلك الانعزال عن المحيط الدولي والعلاقات الدولية، التي ستترك تأثيراتها سلباً وإيجاباً على سيادة الدولة واستقلالها.

ما السبيل لاستعادة واستكمال السيادة ؟

            لاستعادة السيادة كاملة على المستوى الخارجي يحتاج الأمر إلى إعادة النظر بعلاقتنا الدولية، فعلى الرغم من وجود قوات أمريكية ودولية بطلب من الحكومة العراقية إثر هيمنة تنظيم داعش الإرهابي على الموصل في 10 حزيران (يونيو) 2014، فإنه بانتهاء هذه المهمة ينبغي انتهاء وجود هذه القوات، خصوصاً وأن البرلمان اتخذ قراراً بذلك بتاريخ 5/1/2020 ، ولا بدّ من تحديد سقف زمني لتنفيذه وإلّا بقي الأمر مفتوحاً، علماً بأن القوات الأمريكية مارست منذ العام 2003 وحتى الآن أعمالاً تتنافى والسيادة العراقية، بما فيها القيام ببعض الأعمال العسكرية بالضد من إرادة الدولة العراقية التي لم تحسب لها أي حساب، كما حصل في تحليق طائرات فوق مطار بغداد وتعقب عناصر تعتبرها إرهابية، منهم من له مسؤوليات في أجهزة الدولة العراقية .

            وللأسف فإن الموقف من وجود القوات الأمريكية ليس موحداً، فالتحالف الكردستاني لم يحضر في التصويت على جلاء القوات الأجنبية، وكذلك التحالفات والقوى السنيّة بأسمائها المختلفة، بل على العكس من ذلك، فإنها تعتقد أن وجود القوات الأمريكية ضرورة لمواجهة داعش من جهة وتدريب القوات العراقية من جهة أخرى، فضلاً عن وجودها سيكون عامل تقليص للنفوذ الإيراني في العراق، وغيابها سيعزز من دور ما يسمى بالقوى الشيعية والنفوذ الإيراني المتعاظم ، سواء أعلنت ذلك أم لم تعلن لكن ذلك واقع الحال، في حين أن القوى القريبة من إيران والتي يسمى بعضها بالولائية  تصرّ على خروج هذه القوات، بل ويقوم بعضها بقصف مواقع للقوات الأمريكية بما فيها السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء، خارج إطار القوانين والأعراف الدبلوماسية والتزامات الحكومة العراقية التي يدخلها في حالة حرج وتناقض.

            ومن مظاهر انخرام السيادة العراقية هو زيارات مسؤولين أمريكان بمن فيهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للقاعدة العسكرية الأمريكية في عين الأسد شمال بغداد في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2018 دون إشعار الحكومة العراقية ، ناهيك عن طلب إذنها، وكما زار وزير الخارجية مارك بومبيو القاعدة يوم 28 ديسمبر (كانون الأول) 2019، والأمر مستمر ومتكرر منذ العام 2003 ولحد الآن.

            ولاستكمال السيادة العراقية على جميع الأراضي العراقية فيتطلب الأمر أيضاً الطلب من تركيا مغادرة الأراضي العراقية وتفكيك قواعدها، وليس حجة وجود قواعد حزب العمال الكردستاني PKK  سوى ذريعة لا يمكن قبولها لأنها تتعارض مع مبادئ السيادة ، ولابدّ من إعادة النظر بجميع الاتفاقيات التي تسمح للقوات التركية بالتسلل داخل الأراضي العراقية منذ العام 1984. كما إن استكمال السيادة يتطلب إعادة بحث الاتفاقيات المائية مع تركيا بما يضمن تأمين حقوق العراق وحصته وفقاً لقواعد القانون الدولي فيما يتعلق بالأنهار الدولية، ومثل هذا الأمر ينطبق على إيران، وبسبب استفراد الدولتين واستغلالهما ضعف العراق وتعويم سيادته قامتا بعدد من الإجراءات التي من شأنها حرمان العراق من موارده المائية بما يلحق ضرراً بالغاً بالسيادة والمصالح الوطنية العراقية.

            أما بشأن التغلغل الإيراني الناعم  والنفوذ السياسي الهادئ ، فلا بدّ من اعتماد استراتيجيات جديدة وفقاً للمصالح العراقية أولاً لكي لا يكون العراق ساحة للصراع الأمريكي - العراقي، وثانياً لكي لا يكون جزءًا من المحاور الإقليمية والدولية المتصارعة، وثالثاً  يستطيع أن يقيم علاقات متوازنة مع دول الجوار غير العربي من جهة ومع الدول الأجنبية الأخرى، فضلاً عن إعادة بناء العلاقات العربية على أساس المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة وبروح السلم والأمن والإخاء وعدم الاعتداء وحل المشاكل العالقة بالطرق السلمية والدبلوماسية وفقاً للمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة.

            أما بخصوص السيادة الداخلية ، فيتطلب إعادة النظر بالنظام السياسي ككل والخطوة الأولى تبدأ من الدستور، إما بإلغائه وسنّ دستور جديد أو بتعديله جذرياً، علماً بأن ما ورد فيه من حقوق وحريات واعتماد مبادئ المواطنة هي أمور جيدة ومتقدّمة ، لكنها تقدّم بيد لتقيّد في اليد الأخرى، فضلاً عن العديد من القوانين التي شرّعها البرلمان، والجانب الإجرائي في ذلك اعتماد الآليات الواردة فيه، خصوصاً بإجراء مراجعة شاملة كان لا بدّ من القيام بها خلال أربعة أشهر بعد انتخابات العام 2005 .

            والأمر يتعلق أيضاً بعلاقة السلطة الاتحادية بالإقليم من حيث الصلاحيات، بما فيها المواد الخاصة بالنفط وتنازع القوانين على أساس قواعد النظام الفيدرالي المعمول به دولياً في أكثر من 40 بلد، وقد تحتاج هذه الأمور إلى حوار وطني شامل يشارك فيه الجميع من قوى ومنظمات وشخصيات أكاديمية وثقافية وحقوقية ومن مختلف التوجهات الفكرية والاجتماعية، والهدف هو تحقيق السيادة الكاملة وبناء نظام سياسي على أساس المواطنة العابرة للطوائف والإثنيات والحاضنة للتنوّع والقائمة على أساس التكافؤ والمساواة والشراكة والمشاركة والعدل الاجتماعي، وهنا لا بدّ من تحديد الأولويات والتدرج فيهان خصوصاً في ظل إرادة وطنية شاملة .

ــــــــــــــــــــــــ     

* نشرت هذه المساهمة في كتاب من إعداد وتقديم د. إبراهيم محمد بحر العلوم الموسوم "أزمة العراق سيادياً" ، دار العلمين للنشر والعارف للمطبوعات ، إصدار ملتقى بحر العلوم للحوار ، العراق ، الكوفة - النجف الأشرف، 2021 .

            والبحث  جزء من مشروع يناقش 5 رؤساء وزارات هم : إياد علاّوي وابراهيم الجعفري ونوري المالكي وحيدر العبادي وعادل عبد المهدي ومنظورهم للسيادة ، كما يناقش منظور 5 رؤساء برلمان هم : حاجم الحسني و محمود المشهداني و إيّاد السامرّائي و  أسامة النجيفي و  سليم الجبوري ، وشارك في الحوار شخصيات أكاديمية وفكرية وثقافية وسياسية في  5 محاورٍ شملت النظام السياسي والوعي بأهمية العوامل الإقليمية والدولية وإدارتها  والمصالح الوطنية والتّوازن الإقليمي الدولي وكيف تعاطت حكومات ما بعد العام 2003 مع مبادئ السيادة.

باحث ومفكر عربي

 

فريضة التسامح وفرضيّاته

 

عبد الحسين شعبان

 

حين يرتقي التسامح ليصبح فريضة من الفرائض فهذا يعني أنّه راهني وحاجة ماسّة ولا غنى عنها، بل ضرورة ملحّة بقدر ما هو خيار لتيسير حياة الفرد والمجتمع والدولة، وعكسه سيكون اللّاتسامح بمعنى التعصّب ووليده التطرّف والعنف والإرهاب، ناهيك عن العنصريّة والشوفينيّة والاستعلاء والهيمنة وادعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة، والزّعم بالحق في احتكارها.

وإذا كان البشر خطّائين على حدِّ تعبير فولتير، فعلينا أن نأخذ بعضنا البعض بالتسامح، فلا أحد يمتلك الحقيقة كاملة، وليس هناك أفضليّة لبشر على آخر بسبب صفاته البيولوجيّة أو عرقه أو دينه أو جنسه أو لغته أو لونه أو أصله الاجتماعي، والبشر مختلفون باختلاف أشكالهم وصفاتهم وقوميّاتهم وأديانهم ولغاتهم وأجناسهم وانتماءاتهم وأصولهم الاجتماعية وأهوائهم وأمزجتهم وأذواقهم، لذلك يقتضي أن ينظر كلّ منهم إلى الآخر بالاحترام والقبول والتقدير والانفتاح والتواصل وحرّية الفكر والضمير والمعتقد، وهو ما جاء في الإعلان العالمي للتسامح الصادر عن منظّمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة في العام 1995 والذي تقرّر فيه اعتبار يوم 16 نوفمبر (تشرين الثاني) من كل عام يوماً عالميًّا للتسامح.

ولأنّ مجتمعاتنا تعاني نزعات الإقصاء والإلغاء والتهميش، فنحن أشدّ ما نكون إلى التسامح كخيار استراتيجي لقطع الطريق على القوى المتعصّبة والمتطرّفة والعنفيّة والإرهابية التي لا تؤمن بالحوار والتواصل بين الثقافات وأتباع الأديان والمذاهب وصولاً إلى المشترك الإنساني، ليس هذا فحسب، بل إنّ ما نشهده من إساءات لديننا الحنيف ومجتمعاتنا العربية الإسلاميّة، يدفعنا للبحث عن السبل الكفيلة لنشر ثقافة التسامح وتعميمها، والأمر لا يتعلّق بمجتمعاتنا فحسب، بل بامتداداتها للجاليات العربيّة والمسلمة في أوروبا والغرب، ولعلّ ما حصل من عمليات إجراميّة مؤخّراً في باريس ونيس وفيينا خير دليل على ذلك، بما فيها ردود الفعل السلبيّة التي تتّهم العرب والمسلمين بالجملة بالإرهاب، لأنّ دينهم يحضّ على ذلك كما ذهبت إلى ذلك الموجة الشعبويّة العنصريّة الجديدة، التي عبّر عنها خطاب الرئيس الفرنسي ماكرون إثر مقتل المدرّس الفرنسي بالطريقة الفجائعيّة المعروفة.

المقصود من اعتبار التسامح فريضة، لأنّه يعني الوئام في سياق الاختلاف واتّخاذ موقف إيجابي فيه إقرار بحقّ الآخرين من التمتّع بحقوق الإنسان وحرّياته الأساسية المعترف فيها عالميًّا، ولذلك لا ينبغي التذرّع والاحتجاج بالتسامح لتبرير المساس بالقيم الأساسية لحقوق الإنسان، كما لا ينبغي بحجّة مواجهة اللّاتسامح تقليص الحقوق المدنيّة والسياسيّة أو التجاوز على عقائد الآخرين أو دمغ مجموعات ثقافيّة بالإرهاب أو تقييد الحقوق والحرّيات بما فيها الإعلامية.

اعتقادان خاطئان سادا ضدّ فريضة التسامح، الأوّل - الذي يقوم على الإسلامفوبيا (الرهاب من الإسلام) باعتبار تعاليمه تحمل فيروسات العنف والإرهاب، وقد صار مثل هذا الاعتقاد جزء من المتخيّل الجمعي في الغرب، والثاني - الويستفوبيا (الرهاب من الغرب) باعتباره شراً مطلقاً ويتم ازدراؤه من جانب الإسلامويين والمتعصبّين لدينا، ومثل هذين الرأيين يقومان على أيديولوجيا مسبقة تلك التي تشيطن الآخر بنظرة إسقاطيّة أساسها الكراهية والاستعلاء.

وإذا كان عالم التسامح مرتبطاً أيضاً بالحداثة والمدنيّة والعقلانية فكيف السبيل للولوج إليه؟، وفي هذا الصدد نقول هناك 10 فرضيّات أساسية إذا ما أخذت بها المجتمعات والبلدان واعتمدت كقواعد قانونيّة يمكن تهيئة بيئة صالحة لبذر التسامح وإروائه ليصبح شجرة باسقة وهي الإقرار بـ: أولاً - نسبيّة المعرفة، وبالتالي تجربة الخطأ والصواب، وكان أوّل من دعا إلى ذلك سقراط وطوّر الفكرة بعده فولتير؛ وثانياً - لا عصمة من الخطأ، فحتّى العلماء يخطأون، وليس لبشر عصمة طالما هو يعمل فهُ يخطىْ؛ وثالثاً -عدم امتلاك الحقيقة، والكل يحاول مقاربتها من خلال النقاش والجدل، ورابعاً - التعدّدية والتنوّع للأديان والقوميّات والبلدان والمجتمعات والأفراد؛ وخامساً حق الاختلاف باعتباره حقيقة فائقة وسيكون البحث عن التطابق مجرّد وهْم مثلما سيكون كل إجماع مصطنعاً بإلغاء الفروق. وسادساً، الموقف الإيجابي من الآخر، وهو دليل حضاري لقبول فكرة التسامح؛ وسابعاً عدم التمييز الذي ينبغي أن يكون على قاعدة المساواة والعدل في التشريع والقضاء والإدارة أي "حكم القانون" الذي عبّر عنه مونتسكيو بقوله: (القانون مثل الموت لا يستثني أحداً)، أي يسري على الجميع حكّاماً ومحكومين؛ وثامناً -  المساواة صعيد الفرد والأسرة والمجتمع، وقد جاء في القرآن الكريم أن البشر متساوون في الكرامة الإنسانيّة وورد في سورة الإسراء "تكريم بني آدم"؛ وتاسعاً نشر التسامح من خلال التربية والتعليم للمراحل المختلفة كفلسفة وثقافة، إضافة إلى دور الإعلام والمجتمع المدني والفاعلين السياسيين والاجتماعيين.

وأخيراً، وعاشراً - ضرورة إصلاح المجال الديني، ومن خلال إصلاح الفكر الديني يمكن إصلاح الخطاب الديني، وعلى غرار هوبز: كلُّ إصلاح مفتاحه الفكر الديني، وإذا ما سادت هذه الفرضيّات وأصبحت واقعاً يمكن الحديث عن فريضة التسامح من خلال فلسفته وثقافته ووجوده في الحياة اليومية والاجتماعية على صعيد كل من المجتمع والفرد وعلى الصعيد الدولي أيضاً، كقيمة أخلاقيّة مثلما هو قيمة اجتماعيّة وقانونيّة.

 

 

شطحات ماركس

عبد الحسين شعبان

 

في استفتاء أجرته هيئة الإذاعة البريطانية الـBBC في مطلع الألفيّة الثالثة كان ماركس واحداً من بين أهم 100 شخصية مؤثّرة في العالم، ولا أخال أحداً من جيلنا الستّينيّ إلّا وترك ماركس شيئاً عنده، لكن ذلك لا يعني أنّه دون أخطاء أو شطحات، وباستثناء المنهج الذي اعتمده والقوانين التي اكتشفها بشأن الصراع الطبقي وفائض القيمة، فإنّ الكثير من تعاليمه لا ينبغي التعامل معها كنصوص مقدّسة لدرجة اعتبارها أقرب إلى الأسفار التوراتية أو الآيات الإنجيلية أو القرآنية، ويذهب البعض أكثر من ذلك إلى تنزيهه من الأخطاء، بل يضعه خارج دائرة النقد، سابغاً عليه نوعاً من المعصوميّة؛ في حين إنّ تعاليم ماركس واجتهاداته هي مجرّد آراء بعضها تجاوزها الزمن أو أن الحياة لم تزكّها، لكن ذلك لا ينفي عبقريّته ومواهبه وموسوعيّته كفيلسوف ومفكّر وعالم اجتماع واقتصادي وسياسي يسيل من قلمه حبر الأديب وتتدفّق لغته بالشعر.

في العام 1984 كتبتُ في مجلّة "الهدف" خاطرة تأمّلية بعنوان "بروموثيوس هذا الزمان" جئت فيها على منجز ماركس الفكري والثقافي، وذلك بمناسبة وفاته (14 مارس/آذار1883). وإذا كان أعداؤه وخصومه يعتبرونه تهديداً لهم ولمصالحهم لدرجة أنّ شبحه لم يعد يجوب "أوروبا العجوز" فحسب، بل شطر العالم إلى نصفين في القرن العشرين، فإنّ أنصاره ومريديه تعاملوا مع تعاليمه وتفسيراته  كمعتقدات "منزّلة"، مردّدين بعض مقولاته بطريقة أقرب إلى التعاويذ والأدعية والتلقينيّة المدرسية التي لا علاقة لها بجوهر منهجه، ناهيك عن روح العصر.

ثلاث قضايا يمكن التوقّف عندها في هذه المساحة بشأن بعض شطحات ماركس؛

أولاها - موقفه الخاطئ بخصوص الاستعمار الاستيطاني الفرنسي في الجزائر (1830)، ورسالته "التمدينيّة"، ولعلّ الفضل في إطلاعنا على موقفه هذا يعود إلى الصديق جورج طرابيشي الذي ترجم كتاباً عن الفرنسية بعنوان "الماركسية والجزائر" كشف فيه عن قصور وُجهة نظر ماركس، علماً بأن الطبعة الروسية كانت قد حذفت فقرات منه لأنها صادمة ومُحرجة، خصوصاً رؤية ماركس المغلوطة وتقديره المخطوء للإستعمار الفرنسي في الجزائر بوصفه شكلاً من أشكال الهجرات التي تنقل التمدين والتحضّر إلى شعوب شبه بدائيّة أو شعوب متخلّفة" بوصفها: بدوًا، قطّاع طُرق، لصوصًا، وكانت نظرته تلك تقوم على وجهة نظر اقتصادية بحتة، بعيداً عن الجوانب الحضارية والثقافية والإنسانية، بتفسير مبتسر مفاده أنّ الثورة الصناعية أدّت إلى تضخّم رأس المال واحتاجت إلى الموارد والأسواق والأيادي العاملة، فكانت الهجرات. ومثل هذا الرأي يهمل الطابع الإجرامي لتلك المحاولات الاستعمارية الاستيطانيّة وسعيها لقهر شعوب هذه البلدان ونهب ثرواتها وتدمير ثقافاتها وإلغاء هُويّاتها، ومع أنّه لم ينسَ التعاطف مع الضحايا، لكنّ ذلك جاء من زاوية أخلاقية.

بتقديري إن فترة بقاء ماركس في الجزائر للاستشفاء من 20 فبراير/شباط إلى 2 مايو/أيار 1882 لم تكن كافية لمعرفة معمقّة للمجتمع الجزائري، وانطلق في حكمه من "المركزية الأوروبية" التي هيمنت على تفكيره والرأسمالية الصاعدة فيها، حيث قام ماركس بتحليل قوانينها بدقّة كبيرة مشخّصاً عيوبها ومثالبها ونظامها الاستغلالي على نحو عميق وعظيم.

ثانيتها - موقفه المتناقض من تقرير المصير، فعلى الرغم من أنّه هو الذي صاغ فكرة "أن شعباً يضطهد شعباً آخر لا يمكن أن يكون حرًّا" ودعا إلى استقلال بولونيا في حركة قادها الإقطاعيون ضدّ روسيا لأن ذلك سيكون خطوة مهمّة تسمح بإنضاج التناقضات، وهي استنتاج دقيق لكنه وقف ضدّ حقّ تقرير المصير للشعبين التشيكي، والسلوفاكي، اللذين كانا يطالبان بالاستقلال من الامبراطوية النمساوية - المجريّة، والسبب حسب وجهة نظره أنّهما "شعبان رجعيّان" وضعيفان وصغيران ويمكن أن يقعا تحت هيمنة الروس وسيكون نجاحهما في الظّفر بذلك تقوية لدور روسيا بتشجيع من فرنسا، وسيتم توظيفهما ضدّ ألمانيا المتطوّرة صناعيًّا، وهي نظرة خاطئة قامت على فرضيات اقتصادية بعيدة عن الجانب الإنساني التحرّري.

وثالثتها - كان موقفه المُلتبس والخاطئ من ايرلندا، لا سيّما في المرحلة الأولى، ففي رسالة منه إلى إنجلز بتاريخ 23 أيار (مايو) 1856، يقول "لقد تحوّل الإيرلنديون بواسطة القمع المنهجي إلى أُمّة ساقطة"، وهناك رسالة ثانية بهذا الخصوص بتاريخ 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1869، ويبني استنتاجاته انطلاقاً من منظور تقدّميّة الطبقة العاملة الإنكليزية تجاه إيرلندا المتخلّفة والمحتلة، التي يعزو إليها سبب سقوط الجمهورية في زمن كرومويل، ويدعو إلى أن تقطع الطبقة العاملة الإنكليزية علاقتها مع ايرلندا بعيداً عن كلّ جملة أُمميّة وإنسانية بشأن العدالة، وحسب رأيه إن لم تنتصر الطبقة العاملة وتتحرّر في إنكلترا فلن يتمّ تغيير الأوضاع في ايرلندا، أيّ أن التحولات الاشتراكية في المركز ستؤدي إلى تحسّن الأمور في البلد الطرفي والمتأخر، لأن رافع التقدم هو لندن، وليس دبلن، لكنه يعود في العام 1870 ليتحدّث عن اضطهاد مركّب رأسمالي متزامن مع اضطهاد قومي ضدّ ايرلندا.

وباستثناء المنهج فجزء كبير من تعاليم ماركس وشطحاته بالطبع يمكن الاحتفاظ به في المكتبات أو المتاحف، حتى وإن بقيت الأحلام واليوتوبيّات ورديّة، فتلك مأثرة أيضاً.

 

جريدة الخليج

الانتخابات العراقية.. تدوير

الزوايا على الطريقة اللبنانية!

عبد الحسين شعبان

يستضيف موقع "جنوبية" الأكاديمي والمفكر العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان عبر مقالات تحاكي القضايا الاستراتيجية و التحديات السياسية والإقتصادية ومجالات حقوق الإنسان في المنطقة والعالم.

 أعلن رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي يوم 6 يونيو (حزيران) 2021 موعداً لإجراء الانتخابات التي كانت إحدى المطالب التي رفعتها ساحات الاحتجاج منذ شهر أكتوبر/تشرين الأول العام 2019، وكانت بعض الكتل والكيانات السياسية قد أعلنت عن استعدادها لخوض الانتخابات طارحة “أحقّيتها” في تولّي منصب رئاسة الوزراء، ولا سيّما كتلة سائرون بقيادة مقتدى الصدر باعتبارها تمثّل “الكتلة الأكبر” في البرلمان الحالي، إلّا أنّ هناك أوساطاً شعبيّة بدأت تشكّك في إمكانية إحداث تغيير بواسطة الانتخابات لوحدها دون إجراء إصلاحات جذريّة في بُنية النظام السياسي والقانوني، فهل ستؤدي الانتخابات إلى تحقيق الأهداف المنشودة لحركة الاحتجاج الواسعة التي قدّمت أكثر من 600 شهيد ونحو 20 ألف جريح ومعوّق؟ أم أنها ستعمّق الأزمة بتدوير الزوايا؟ وإذا كان هناك شبه إجماع شعبي على ضرورة التغيير، سواء بالانتخابات أم بغيرها إلّا أنّ هناك طيفاً واسعاً من المجتمع أخذ يتلمّس عدم جدوى التعويل على الانتخابات لوحدها في ظلِّ قانون انتخابي لا يلبّي طموحها، لأنّ ذلك سيؤدّي إلى المزيد من الإخفاق ويمنح “الشرعيّة” للقائمين على الحكم في إطار منظومة 9 نيسان (إبريل)، تلك التي استأثرت بالسلطة ما بعد الاحتلال، والتي مارست نوعاً من الحكم أدّى إلى تشويه الفكرة الديمقراطية، خصوصاً في ظلِّ دستور قام على مبدأ “المكوّنات” التي لا تعني سوى المحاصصة الطائفية الإثنية على حساب المواطنة المتساوية والمتكافئة. هناك طيفاً واسعاً من المجتمع أخذ يتلمّس عدم جدوى التعويل على الانتخابات لوحدها في ظلِّ قانون انتخابي لا يلبّي طموحها وهذا يعني هزيمة عمليّة التغيير عبر “خيار الانتخابات” القادمة بالصورة التي جرت فيها والآليات التي اعتمدتها والتقنيّات التي سارت عليها سابقاً وتبديداً للتضحيات الجسام التي اجترحتها حركة الاحتجاج، حيث سيصاب المواطن بخيبة أمل مريرة تزيد من معاناته، لأنّ البرلمانات التي أنتجتها الانتخابات السابقة توزّعت بين قوائم وحصص للكتل والجماعات السياسيّة ذاتها دون تغيير يُذكر. وظلّت الائتلافات الثلاثة “راسخة” بين الشيعيّة السياسيّة التي لها موقع رئاسة الوزراء والسُنّية السياسية التي لها موقع رئاسة البرلمان والكردية السياسية التي لها موقع رئاسة الجمهورية، وخصوصاً لفريق منها، أمّا الفريق الآخر فله وزارة الخارجية أو وزارة المالية، ناهيك عن التوزيعات الأخرى لبقيّة المواقع التي يُطلق عليها السياديّة. تراجع إنتاج طبقة سياسية جديدة خارج نطاق البلوكات القائمة واستمرار صيغة الائتلافات الحاكمة إنّ ذلك يعني تراجع إنتاج طبقة سياسية جديدة خارج نطاق البلوكات القائمة، واستمرار صيغة الائتلافات الحاكمة بتدوير طاقمها في إطار زوايا مغلقة، وقد ظلّت التجربة اللبنانية لنحو 7 عقود من الزمان تدور داخل الدائرة نفسها، والتي تكرّست بعد انتهاء الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف العام 1989، حيث تكرّر تدوير الزوايا على نحو تستطيع كل زواية منها أن تعطل الزوايا الأخرى لما يسمّى بـ”الثلث المعطّل“.  ويبدو أنّ التجربة العراقية اقتفت أثر التجربة اللبنانية، الأمر الذي سيزيد من الإحباط الشعبي ويضعف من الاندفاع الذي يطالب بالتغيير ويعوّل على الانتخابات كإحدى وسائله بسبب بقاء القديم على قِدمَه، واستمرار الطبقة الحاكمة بمواقعها على الرغم من فشلها المزمن في تحقيق الحدّ الأدنى من حقوق المواطن في ظلّ استمرار الفساد المالي والإداري وانفلات السلاح واستشراء ظواهر العنف والإرهاب والتغوّل على الدولة، بتقديم مرجعيات ما دونها إلى ما فوقها باسم الطائفة أو الدِّين أو العشيرة أو الحزب أو المنطقة أو الجهة، ناهيك عن تدهور الخدمات الصحية والتعليميّة والبلديّة وارتفاع معدلات البطالة وازدياد مستويات الفقر والجريمة، لذلك انحسرت جاذبيّة الانتخابات، حتى أن انتخابات العام 2018 لم يشارك فيها سوى 20% من مجموع الناخبين، فلم يعُد الصندوق الانتخابي أملاً في التغيير، لأنّ ما يخرج عنه بالتزوير أو حسب الاصطفافات التي يوفرها القانون الانتخابي كان يعيد إنتاج الطبقة السياسية ذاتها. التجربة العراقية اقتفت أثر التجربة اللبنانية، الأمر الذي سيزيد من الإحباط الشعبي وإذا كان شعار “الثورة في صندوق الاقتراع” وهو عنوان كتاب لي عرضت فيه تجارب دولية منذ التسعينات في أمريكا اللاتينيّة والبلدان الاشتراكية السابقة، إضافةً إلى نجاح نيلسون مانديلا بالفوز في انتخابات ديمقراطية أدّت إلى وضع حدّ لنظام الفصل العنصري الذي دام ما يقارب ثلاثة قرون من الزمان، فإنّ الأمر يحتاج إلى توفّر مستلزمات ضروريّة سياسيّة وقانونيّة وأمنيّة وإجرائيّة، وفي حالة غيابها سيتم تدوير الزوايا الحادّة، الأمر الذي سيزيد الأزمة العراقيّة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعية حدّة؟ لقد حكمت الشيعيّة السياسية لثلاث دورات ونيّف في العراق منذ العام 2005، وكذلك حكمت الإثنية الكُردية إقليم كردستان بالتقاسم بين الحزبين منذ العام 1992، فهل تغيّرت الصورة أم ازدادت تعقيداً؟ إنّ نقطة البدء تكمن في إصلاح النظام القانوني والدستوري بإلغاء كلّ ما من شأنه إعاقة تطبيق المعايير الديمقراطية وإزالة الألغام العمليّة التي تعترض ذلك، ولا سيّما العُرف المعتمد تحت عنوان “التوافق” الذي هو في حقيقته نظام للمحاصصة،ولا بدّ أن يعترف الجميع بوجود الأزمة وأن يُبدوا الرغبة في حلّها بالتوصل إلى عقد اجتماعي جديد لتأصيل المواطنة وتعميق الفهم السليم لدور البرلمانيّ باعتباره مشرّعاً ورقيباً لما فيه خدمة المجتمع، وذلك برفع درجة الوعي الحقوقي المجتمعي بأهميّة وظيفة الانتخابات وما ترتّبه من نتائج على صعيد التغيير.

(موقع جنوبية)

 جائحة الدينار

عبد الحسين شعبان

بتفاقم جائحة كوفيد-19 "كورونا" التي شهدت أرقاماً قياسية كبيرة خلال الأسابيع الماضية فقد داهمت العراق جائحة جديدة لا تقلّ خطراً عن جائحة "كورونا" ألا وهي جائحة الدينار؛ وهو ما أخذ يتندّر به العراقيّون، خصوصاً تأثيرها المباشر على الفقراء لأنها تتعلّق بقُوتهم اليومي، فقد تمّ خفض سعر الدينار مقابل الدولار، حيث بدأ البنك المركزي في 20 ديسمبر (كانون الأول) تطبيق السعر المنخفض للدولار البالغ 1450 ديناراً عوضاً عن السعر السابق البالغ 1190 ديناراً عراقيًّا لكل دولار أمريكي، وعمدت الحكومة العراقيّة على اتخاذ هذه الخطوة بعد عجزها لشهرين متتاليين من دفع رواتب الموظفين، إضافة إلى استمرار الأزمة مع إقليم كردستان وتعقيداتها بشأن دفع الرواتب من جهة، وواردات النفط من جهة أخرى، تلك التي استمرّت بالتعتّق منذ سنوات.

وعلى الرغم من أن الحكومة اتخذت هذه "القرارات الصعبة" كما تقول لكنّها من أجل تصحيح الأوضاع بتبرير أنّ التأسيس كان خاطئاً للنظام السياسي والاجتماعي المُهدّد بالانهيار بالكامل، فإمّا الفوضى العارمة وإمّا عمليّة قيصريّة للإصلاح، كما ورد على لسان رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي. ويذهب وزير المالية علي علاوي أكثر من ذلك حين يعتبر "الورقة البيضاء" بمثابة "مانيفستو" الإصلاح، الذي يعني "حكم الضرورة"، إلّا أنّ "تجربته" تفتّقت عن اقتطاع رواتب الموظفين بخفض سعر الدينار الذي أثار موجة عاصفة من ردود الفعل.

أمّا حركة الاحتجاج التشرينيّة فقد ندّدت بتلك الإجراءات وشدّدت على تحقيق مطالبها بمحاسبة الفاسدين ووضع حدٍّ للفساد ومساءلة المتّهمين بارتكاب جرائم أودت بحياة أكثر من 600 إنسان وجرح وإعاقة نحو 20 ألف آخرين، علماً بأنّ هذه الانتهاكات ما تزال مستمرة دون رادع أو حسيب، مثلما يستمر قصف مواقع الهيئات الديبلوماسية وانفلات السلاح وهشاشة الوضع الأمني، وما ضاعف من معاناة الناس هو انحدار الوضع الاقتصادي والمعاشي وتدهور الوضع الخدمي الصحّي والتعليمي وتآكل البُنية التحتيّة، خصوصاً في فترة الشتاء وتساقط الأمطار.

إن قرار خفض سعر الدينار يضيف عبئاً إضافيًّا على الاقتصاد العراقي المتهالك أصلاً، إذْ سيسبّب موجات تضخّم اقتصادي جديدة، بتراجع مستوى الدخل في العراق بنسبة 22.5%، ولأنّ الاقتصاد العراقي في مجمله هو اقتصاد استهلاكي يقوم على الاستيراد، فستكون نتائج خفض سعر العملة المحلية فادحة، وبالأساس على الطبقة الوسطى، التي سينحدر الكثير من أوساطها إلى الطبقات الفقيرة والمسحوقة، بينما يبقى الأغنياء يزدادون غنىً، سواءً من القوى الحاكمة أو القريبة منها باستمرار الفساد المالي والإداري الذي بدّد الموارد الهائلة والتي تُقدّر بما يزيد عن 700 مليار دولار خلال الفترة من العام 2005 إلى العام 2014، فلم يبقَ أمام الحكومة سوى تخفيض سعر الدولار والاقتراض من البنك المركزي واللجوء إلى الاقتراض الخارجي، وهي السياسة التي اتّبعتها وزارة المالية في مشروع قانون الموازنة المقترح للعام 2021.

إنّ تخفيض سعر الدينار يعود إلى أسباب تتعلّق بالسياسة النقدية للحكومة، فضلاً عن جانب موضوعي يتعلّق بالعقوبات المفروضة على سوريا وإيران، حيث يشكّل العراق المنفذ الأساسي لهذين البلدين للحصول على الدولار وإنعاش احتياطيّيهما النقديّين منه، وإذا تركنا جانباً زيادة الطلب على الدولار وهو ما يؤدي إلى ارتفاع سعر الأخير، فإنّ أحد الأسباب المهمّة هو تهريب العملة الصعبة من خلال مبيعات البنك المركزي للدولار يوميًّا لأصحاب المصارف فيما يُسمى المزاد اليومي للدولار تحت عنوان "إنعاش السوق" بالدولار بزعم تثبيت سعر الدينار بحدود معيّنة، علماً بأنّ بعض التجار يقوم بشراء الدولار من البنك المركزي لحساب آخرين، جزء منهم يتبع للقوى السياسية المتنفّذة.

لقد سبّب ارتفاع قيمة الدولار في رفع قيمة المواد الاستهلاكية وغالبيّتها الساحقة مستوردة، لأنّ الدولار يعتبر العمود الفقري للتجارة العراقيّة في ظل النظام الذي اتّبع ما بعد الاحتلال والذي أطلق عليه "الاقتصاد الحر"، ومع ارتفاع سعر الدولار أصبح كل شيء باهظ الثمن في السوق، لا سيّما لأصحاب الدخل المحدود، وبالفعل فقد تأثّر السوق بذلك على الفور وتقلّصت الحركة فيه على الرغم من الاستعداد لاستقبال عيد رأس السنة الميلادية، وغالباً ما ترتفع الحركة خلال هذه الفترة من السنة.

لقد ازدادت معدّلات الفقر إلى مستويات مريعة، وتستمر التوقعات المتشائمة في ظل استمرار "جائحة كورونا"، وانخفاض أسعار النفط وانكماش الاقتصاد، يضاف إلى ذلك استشراء الفساد المالي والإداري وغياب الخطط الاقتصاديّة العقلانيّة البعيدة النظر، ناهيك عن الترهّل الوظيفي في أجهزة الدولة مع وجود موظّفين وهميّين أو موظّفين يستلمون أكثر من راتب، وعدم الشروع بتنمية القطاعات الإنتاجية المحليّة وارتفاع نسبة البطالة. وقد توقّعت ممثلة الأمم المتحدة في بغداد جانين هينس بلاسخارت خلال إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي "انكماش الاقتصاد العراقي بنسبة 9.7% مع ارتفاع معدّلات الفقر إلى نحو 40% في العام الحالي 2020، فضلاً عن توقّعات حدوث انخفاض في الفرص الاقتصادية"، وقد تزيد جائحة الدينار الوضع سوءًا خلال فترة التحضير للانتخابات المقرّرة في شهر يونيو (حزيران) المقبل.

 

نُشرت في جريدة "الخليج" الإماراتية وجريدة "الزمان" العراقية

 

 

عن فلسفة التسامح

عبد الحسين شعبان

 

جمع منتدى الفكر العربي يومَي التسامح والفلسفة في مناسبة واحدة لتقاربهما، ودعاني لإلقاء محاضرة عن "فلسفة التسامح" بمناسبة صدور كتابي الجديد "في الحاجة إلى التسامح"، وكان اليوم العالمي للتسامح قد تقرّر في العام 1995 حين اتّخذت منظمة اليونسكو قراراً للاحتفال بيوم 16 نوفمبر (تشرين الثاني) من كل عام، كما كانت قد قرّرت اعتبار يوم (الخميس الثالث) من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من كل عام يوماً عالميًّا للفلسفة، وقد احتفلتْ لأوّل مرّة بهذا اليوم في العام 2002 وتقرّر اعتماده في العام 2005 اعترافاً بالقيمة الدائمة للفلسفة في تطوير الفكر البشري، لأنّها مجال يشجّع على التفكير والنقد والاستقلاليّة وبواسطتها يمكن فَهم العالم على نحو أفضل، لا سيّما لتعزيز قيم التسامح والسلام واللّاعنف والعدالة والمساواة والحرّية والمشترك الإنساني.

وإذا كانت الفلسفة تحتلّ هذه المكانة على الصعيد العالمي إلّا أنّها ليست كذلك على الصعيد العربي والإسلامي منذ هزيمة العقلانيّة، وهكذا استُهدف فلاسفة كبار مثل الفارابي وابن سينا وابن رشد لاتهّامهم بالهرطقة واللّاتديّن لدرجة أنّ الغزالي نعَتَهم بأقسى النعوت في كتابه الموسوم "تهافت الفلاسفة"، وقد ردّ عليه ابن رشد بكتاب "تهافت التهافت"، علماً بأنّ ابن رشد اضطرَّ إلى الهجرة ومات وحيداً ومكسوراً، وفي آخر أيّامه أحرق بعض كتبه لشعوره باللّاجدوى، وحين سأله أقرب المقرّبين إليه لماذا يفعل ذلك؟ أجابه: لا تحزن يا بُني للأفكار أجنحة، أي إنها ستطير، وبالفعل طار بعض أفكاره إلى أوروبا وتمّت ترجمتها لتصلنا بعد 900 عام، وهكذا تعرَّفنا على فيلسوفنا عبر أوروبا، كما ظلّت كتب ابن سينا في الطب تُدرّس في الجامعات الأوروبية لقرون من الزمان. مجلة كندية تقول إن ترامب قد يهرب إلى الإمارات العربية لهذه الأسباب

إنّ احتفال اليونسكو باليوم العالمي للفلسفة باعتبارها "حب الحكمة" له أكثر من دلالة، ففيه تجديد للالتزام العالمي بدعم الفلسفة وتشجيع الأبحاث والدراسات الفلسفيّة وتوعية الرأي العام بأهميّة ذلك في عصر العولمة والوقوف على تعليمها على المستوى العالمي وتأكيد أهمّية تعميمها، وإذا كان لكل علم فلسفة، فإنّ لكلّ فلسفة وعلم تاريخ أيضاً، لذلك يُقال الفلسفة أُمّ العلوم والتاريخ أبوها.

وتكمن أهميّة الفلسفة نظريًّا بالتأمّل والتفكير وعمليًّا بالوسائل والمعالجات، لا سيّما في فترات الأزمات الكبرى، كما هي جائحة كورونا اليوم (كوفيد-19)، والدهشة أصل الفلسفة كما يُقال، وأوّل الفلسفة سؤال، ولعلّ أسئلة اليوم تتعلّق بالحقائق والفرضيّات والاستنتاجات الجديدة، وهي أحوج ما نكون إليه، وهذا ما يدعونا للقول بضرورة ردّ الاعتبار للعقلانيّة بصيغتها الحديثة، فحتى الدِّين ينبغي أن يكون "دين العقل" وكل ما يتعارض مع العقل ليس من الدِّين، أمّا الفقه فهو "فقه الواقع" انسجاماً مع روح العصر، ولن يحدث ذلك من دون الفلسفة الحديثة والعلوم الحديثة، لأنّ التفكير الفلسفي يمدّ الإنسان بما يحتاج لمناهضة العنصرية والشوفينيّة والتعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب والحروب وتدمير البيئة وغير ذلك.

ولعلّ التسامح أحد نتائج الوصول إلى بيئة سليمة وتربة صالحة بقبول الآخر والاعتراف بالتنوّع والتعدّدية والحق في الاختلاف، وفي أوضاعنا الحالية هو مثل "الريح الخفيفة المنعشة التي تسبق المطر"، خصوصاً في ظلّ سيادة الواحديّة والاطلاقيّة وادّعاء الأفضليّة وامتلاك الحقيقة. وإذا كانت فكرة التسامح راهنيّة وضروريّة، فلأنّ حياتنا السياسية والاجتماعية بحاجة إلى نوع من الترميم والإصلاح ليس على الصعيد الداخلي فحسب، بل على الصعيد العالمي، في ظل هيمنة تيّارات عنصريّة قوميّة أو دينيّة أو شموليّة متعصّبة ومتطرّفة ولا تتورّع من استخدام العنف والإرهاب لتحقيق أهدافها وللإستقواء على الآخر لحل خلافاتها.

وحسب إعلان اليونسكو المؤلَّف من ديباجة و6 مواد، فالتسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوّع الثري لثقافات عالمنا لأشكال التعبير وللصفات الإنسانيّة لدينا... ويعني الوئام في سياق الاختلاف.

والتسامح عندي ليس واجباً أخلاقيًّا فحسب، بل هو واجب سياسي واجتماعي وقانوني في الآن يمكن من خلاله معرفة درجة تطوّر المجتمع، وهو الفضيلة التي تيسّر قيم السلام وتُسهم في إحلال ثقافته محل ثقافة العنف والحرب، وهو يعني أيضاً اتخاذ موقف إيجابي فيه إقرار بحق الآخرين من التمتّع بحقوق الإنسان وحرّياته، وذلك عكس "المفهوم النيتشوي" الذي يفترض وجود طرف قويّ وآخر ضعيف، وطرف يسامح والآخر يطلب العفو، وقد بلور فولتير بعد لوك في العام 1763 في "رسالة التسامح" دعوة أخلاقية قائمة على التسامح الديني بين الشعوب والأمم.

ولقراءة واقع التسامح في العالم المعاصر هناك خمس اتجاهات أساسية:

الأول - إنكاري لرفضه فكرة التسامح بزعم امتلاك الحقيقة والأفضليّة؛ والثاني - انعزالي بزعم الرياديّة، حيث يعتقد أن ثقافته هي التي تمتلك التميّز والحق والعدل؛ والثالث - تغريبي على الرغم من تأييده الفكرة، لكنّه يدعو إلى قطع الصلة بالتراث؛ والرابع - توافقي يقبل بعض أفكار التسامح بانتقائيّة لانشداده إلى الماضي؛ والخامس - حضاري يعتبر التسامح قيمة إنسانية عُليا.

وهنا لا بدّ من التفريق بين فلسفة التسامح والنظرة الابتذاليّة التي تريد باسمه تبرير العدوان أو الاحتلال، لا سيّما "الإسرائيلي" لفلسطين أو التهاون إزاء انتهاك الحقوق والحريّات.

 

"الخليج" الإماراتية

 

 

اللحظة الصينية:

أهي واقع أو يوتوبيا؟

مقدمة بقلم أ.م.د. عبد الحسين شعبان[1]

 

I

 

            حين طلب مني البروفسور طه جزّاع برسالة رقيقة وكرم أخلاقي أن أقدّم كتابه بقوله "... سيزداد قيمة وأهمية بالمقدمة التي ننتظرها بشغف..." توقفت بمسؤولية عند طلبه، فالكتاب جهد أكاديمي رصين كُتب بلغة أنيقة وجملة رشيقة وفكرة عميقة، وكان جزّاع حرّاً طليقاً في استنتاجاته واجتهاداته، خصوصاً بالمعطيات التي عرضها والمعلومات الغنية التي وفّرها والمصادر المعتمدة التي استند إليها والمقارنات الضرورية التي أجراها، وتلك إحدى ميزات الكتاب المهمة.

            وميزته الثانية  أنه حاول جمع ثلاثة أقمار في فضاء واحد: الفلسفة والتاريخ والأدب، فهو صاحب فلسفة دراسة وتدريساً، ويعرف أن لا فلسفة بلا تاريخ وهو الذي انشغل بالفلسفة اليونانية والإسلامية والمسيحية؛ ولأنه صحافي متمرّس ويمتلك ناصية الحرف معنىً ومبنىً، فقد جاء بحثه مكثفاً وحيوياً ومشوّقاً خالٍ من الحشو والجفاف والرتابة التي كثيراً ما تتضمنها الدراسات الأكاديمية؛  وثالث تلك الميزات أنه ربط الفلسفة والتاريخ

بعلم الاجتماع السياسي والعلاقات الدولية المعاصرة في هارموني وثيق توزّعت بعض مفرداته على الميثولوجيات والفلسفات القديمة وعلاقتها بالفلسفة الحديثة ، وخصوصاً الماركسية " المادية الجدلية" وتطبيقاتها الصينية من جهة أخرى، سواء في عهد الزعيم الراحل ماوتسي تونغ أو بعد انتهاء الثورة الثقافية (1965-1976)، أي مرحلة الصعود الصينية الجديدة، التي بدأت منذ الثمانينات، والتي ما تزال مستمرة إلى اليوم وهي مرحلة تحدٍّ جديدة حيث انتقلت الصين بسرعة خارقة من بلد متخلف، إلى أن يكون البلد الثاني اقتصادياً في العالم المنافِس للولايات المتحدة، وحسب المعطيات المتوفرة فإنه سيكون البلد الأول عالمياً في العام 2030، وهو ما آثار مشكلات وإشكاليات النظام الدولي القائم ، وخصوصاً مع الولايات المتحدة، وقد يفتح صراعاً على المستوى الكوني لا يعرف أحد أبعاده.

            فهل ستحل اليوم اللحظة الآسيوية - الصينية؟ وهل سيكون القرن الحالي "قرن التنين الأكبر" كما يطلق طه جزاع في عنوان كتابه، الذي يتضمن 18 عنواناً أساسياً، سال منها حبر الأديب نقياً ورقراقاً، فاحتوته 78 كأساً فرعياً مترعة بألق خاص، لتسدّ ظمأ أو بعض ظمأ المتعطشين إلى المعرفة ، خصوصاً وقد جاء في تناسق بالحجوم والأذواق والآفاق.

            وقد اختلطت في قلمه البهي صور متداخلة ومتشابكة ومتراكبة على نحو أليف ومتفاعل وجاذب، جوهره "التاريخ المتفلسف" أو "الفلسفة المتأرخنة"، فالتاريخ أبو العلوم والفلسفة أمها، وهناك علاقة عضوية مترابطة بين الأم والأب.

II

            سأل أحد الطلاب هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي ومستشار الأمن القومي الأسبق حين عاد إلى جامعة هارفرد بعد انقطاع نحو أربعة عقود من الزمان، عمّا يمكن أن يدرسه شخص ما يأمل في الحصول على وظيفة مثل وظيفة كيسنجر، فأجابه على الفور "التاريخ والفلسفة"، فهما ضروريان لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.

            لقد ارتبطت الفلسفة بالتاريخ، والأمر لا يتعلق بتاريخ الفلسفة أي متابعة ورصد تاريخ الفكر الإنساني، بل من حيث هو فلسفة التاريخ ، أي التفكير في تطوره وحركته ومحاولة البحث عن قانون يحكم هذا التطور ويصف ديناميته، لأن تاريخ الفلسفة هو تاريخ الروح البشرية في مواجهة الواقع الإنساني والطبيعة معاً، أي الذهاب إلى ما وراء الأفكار والتجارب ودلالاتهما الاجتماعية، لأن الفلسفة حين ترتبط بالتاريخ تنمو وتزدهر وتحيا، وحين تنفصل عنه تخبو وتذبل وتتلاشى،  فالفلسفة هي حركة التاريخ بما فيه من حكمة وحياة، وحسب كونفوشيوس: الحكمة هي معرفة الناس، أما الفضيلة فهي حب الناس؛ وبهذا المعنى فلم يكن أرسطو فيلسوفاً فحسب، بل كان مؤرخاً، وعن طريقه كان انبعاث التاريخ اليوناني، وعبد الرحمن بن خلدون لم ينشغل بالمجتمع فحسب، بل كان مؤرخاً أيضاً، وعلي الوردي ليس عالم اجتماع، بل هو مؤرخ أيضاً، وكل هؤلاء لهم علاقة بعلم الاجتماع السياسي أو بعلم السياسة الاجتماعي.

            يقول كيسنجر الذي عمل في "تروست الأدمغة" أو ما يسمى "مجمّع العقول"، قبل أن ينتقل إلى العمل الرسمي أنه حين دخل مكتبه أدخل معه كتب الفلسفة التي اعتمدت دراسة التاريخ، ولا ينظر كيسنجر إلى مقولة الفيلسوف الألماني هيغل من " أن التاريخ ماكر ومراوغ" ، إلّا من زاوية البحث عن الأخطاء لعدم تكرارها، استناداً إلى نيتشه صاحب كتاب " محاسن التاريخ ومساوئه" وإلّا فإن التاريخ لا يعيد نفسه، وإذا حصل ذلك  ففي المرّة الأولى على شكل مأساة وفي المرة الثانية سيكون على شكل ملهاة حسب عبارة ماركس الشهيرة.

            من هذه الزاوية حاول كيسنجر استخدام موقعه كجزء من خيال في رسم خطط وخرائط بعضها ما يتعلق بالعلاقات الصينية - الأمريكية، التي هي اليوم أكثر ما تكون تحدياً على المستوى العالمي، فقد حاول كسر الجليد بين بكين وواشنطن وكأنه يعبر سور الصين العظيم الذي هو من عجائب الدنيا السبع، محاولاً تطبيق نظريته الموسومة "بناء الجسور"، و"الخطوة خطوة" مقابل الضغط على الاتحاد السوفييتي العدو اللدود.

            التاريخ ليس كتاب طبخ لتقديم وصفات سابقة من الطعام ليتم تذوّقها، بل فيه فلسفة مثلما لكل علم فلسفة، ففي كل فلسفة تاريخ أيضاً، ويمكن الإضاءة عليها لدراسة حالات مماثلة وأخذ العبر والدروس والتجارب وخلاصاتها منها، ولذلك لا ينبغي أن نكون "صرعى مرض التاريخ" وفقاً لنيتشه، بحيث ندفن رؤوسنا فيه، فمن شأن تخمته أن تميتنا وتحيل كل معرفة حيّة ونضرة إلى معرفة تاريخية ذاوية وآفلة؛ فلا بدّ من عقل ورؤية وفلسفة جديدة للجيل الجديد لأنه لا يعيش بفلسفة الماضي، لذلك لم يكن من السهولة بمكان أن تعترف واشنطن بالصين في العام 1964، لتقرّر فتح ملف العلاقات معها، ذلك الذي رعاه كيسنجر، فالتاريخ يحتاج إلى معرفة مثلما يحتاج إلى فلسفة لمعرفة ما هو راهن من سياسات ومواقف وما يمكن التنبؤ به على صعيد المستقبل، إنه هو اللغز المحيّر الذي يصعب حلّه اعتباطياً حسب ماركس.

III

            يأتي كتاب جزّاع في فترة تصاعد حدّة التوتر بين الولايات المتحدة وجمهورية الصين الشعبية، والتي ارتفع منسوبها خلال تفشي وباء كورونا (كوفيد -19) التي اجتاحت العالم منذ مطلع العام 2020 والتي ما تزال مستمرة ومتصاعدة  حيث الاتهامات المتبادلة بين الطرفين، ليقدّم قراءة جديدة ومعمّقة لتاريخ العلاقات بين البلدين، في ظلّ تغييرات النظام الدولي الجديد الذي كرّس الولايات المتحدة كمتحكّم في العلاقات الدولية بعد انهيار جدار برلين في 9 تشرين الثاني (نوفمبر) 1989 وانحلال الكتلة الاشتراكية، ومن ثم انقسام وتحلل الاتحاد السوفييتي في نهاية العام 1991.

            كل ذلك جعل من الولايات المتحدة قوة عظمى بلا منازع، خصوصاً وكان باكورة تتويجها إعلان حربها على العراق (17 كانون الثاني /يناير/1991) باسم "قوات التحالف الدولي"، لكن العصر الأمريكي أخذ بالتراجع، بعد غزو أفغانستان 2001 والعراق 2003 ومن ثم بالانحسار ، مع تعافي دور روسيا نسبياً وصعود الصين المتعاظم والهند وجنوب أفريقيا والبرازيل التي شكّلت مجموعة اقتصادية مهمة ومؤثرة عرفت باسم  بريكس BRICS  في العام 2010، دون نسيان المنافسة المعولمة بين الضفة الأمريكية - الأوروبية وبين الضفة الآسيوية الصينية - الهندية، اليابانية ، الكورية ، الأندونيسية.

VI

            يلقي الباحث ضوءًا كاشفاً على الشخصية الصينية والتطور الجديد في ظلّ المتغيّرات التي حصلت بعد انتهاء الثورة الثقافية وانبعاث الثقافة والفلسفة الصينية القديمة ودورها في تكوين الهوّية الصينية الجديدة، بما يتداخل فيها من فلسفات وأديان مثل الكونفوشيوسية والتاوية، إضافة إلى البوذية، ويتوقف عند قضية البوذيين في التيبت وزعيمهم الدالاي لاما (الرابع عشر) ، مثلما يعرض إشكالية ومشكلة المسلمين في الصين بما له علاقة بقضايا حقوق الإنسان، كما هي مشكلة تركمستان الشرقية المعروفة باسم "شينغيانغ" وغالبية سكانها من قومية الإيغور المسلمة؛ ويخصص فقرة مستقلة عن" العلاقات الصينية- السوفييتية في بداياتها ونهاياتها"، أي حتى تفكك الاتحاد السوفييتي، ليختتم الكتاب في مبحث خاص عن عالم ما بعد كورونا في رؤية استشرافية.

            يمكنني القول إن كتاب طه جزّاع هو عمل متكامل  استمرت موسيقاه الداخلية تتصاعد مع حبكة درامية مشغولة بطريقة فنية ساحرة، وبقدر ما يدرك ذبول مرحلة الآيديولوجيا في الصين على الرغم من أن الحزب الشيوعي الصيني ما يزال حاكماً ومهيمناً وأن سياسة الحزب الواحد هي المستمرة، بما فيها في العمل السياسي والنقابي والمهني، وهو ما عكسه المؤتمر الأخير للحزب في آب (أغسطس) 2019، إلّا أنه يتابع فاعلية العقل الصيني التجاري، وهذه المرّة أيضاً استناداً إلى فلسفات الصين وتاريخها ، حيث يتم ملاقحتها مع التراث الفلسفي والثقافي، خصوصاً بمحاولة إحياء كونفوشيوس ولاوتسه، بعد أن شهدت الصين قطيعة أبستمولوجية (معرفية) مع التاريخ والفلسفة القديمة أيام الثورة الثقافية.

            إن هذه السياسة الجديدة التي تنطلق من تاريخ الفلسفة الصينية وفلسفة التاريخ الصيني تعني تطليق مرحلة التزمّت الآيديولوجي والشعارات اليسارية الرنانة، حيث لم تعد شعارات "الكفاح المسلح" و"الإمبريالية نمر من ورق" و"كل شيء ينبت من فوهة البندقية" هي السائدة دليلاً على الثورية والزعم بامتلاك الحقيقة وإدعاء الأفضلية، بل صارت ثقافة السوق والعرض والطلب والمنافسة الاقتصادية والتمدّد التجاري ومنطق المصالح الذي يتقدّم على لغة العقائد، دون نسيان مبادئ العدالة الاجتماعية.

             لقد تغيّر العالم وإذا لم تتغيّر الدول فستظلّ في مكانها، علماً بأن  الثورة الصناعية في طورها الخامس ستتجاوزها بسرعة خارقة، وقد أخذت الصين ذلك على عاتقها في ديناميكية حركية داخلية للتحديث والعصرنة والتجديد والتساوق مع منجزات الثورة العلمية التقنية وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والطفرة الرقمية " الديجيتل"، وكل ما له علاقة بالذكاء الاصطناعي في سباق محموم مع الزمن والآخر، وهو سباق طريق الحرير والحزام بالتنين الأكبر، سواءً كان أصفراً أم أحمراً، فقد استيقظ ولا يمكن تنويمه مغناطيسياً أو بالقوة وإعادته إلى عزلته، أراد الأبيض أم لم يرد؟

  

جريدة "الزمان" العراقية


 

[1]   أكاديمي ومفكر عربي (من العراق) – نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان (أونور)، بيروت. له أكثر من 70 مؤلفاً في قضايا الفكر والقانون والسياسة الدولية والأديان والثقافة والأدب والمجتمع المدني، وحائز على جائزة أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي، القاهرة، 2003.

 

في فلسفة المطالبة

بإلغاء عقوبة الإعدام

 

عبد الحسين شعبان*

 

            "إنني أترك بعد موتي أمّاً وزوجة وطفلة... واحدة منهن بغير ابن، والثانية      

بلا زوج، والثالثة دون أب... ثلاث يتيمات، ثلاث أرامل باسم القانون،

إني أرضى أن أعاقب عقاباً عادلاً، لكن هؤلاء البريئات ماذا جنين؟..."

فيكتور هوغو

من مرافعته في مناهضة عقوبة الإعدام

            توطئة

            أدركُ صعوبة الخوض في مثل هذا الموضوع الإشكالي، بسبب الاصطفافات المسبقة والقيود والاعتبارات الدينية والعقائدية، كما أعرف أن دعاة المطالبين بإلغاء عقوبة الإعدام قليلون في مجتمعاتنا العربية والمسلمة، ولكن هذه القلّة كبيرة جداً في قيمها، لاسيّما تمييزها بين العدالة والانتقام، فهل القبول بالقتل يكون "عقوبة عادلة"؟ الأمر الذي يتناقض مع مبدأ " حق الحياة" المحور الأساسي لمنظومة حقوق الإنسان الكونية،  وهل قتل القاتل يحقق العدالة؟ وهل "جريمة" القتل القانوني  مقابل جريمة القتل اللّا قانوني  يوصل إلى العدالة، وحسب وليد وصليبي المفكر اللّاعنفي ومؤسس جامعة اللّاعنف "جريمتان لا تصنعان عدالة"، وعلى غرار ذلك سبق لي أن قلت "رذيلتان لا تنجبان فضيلة"، و"حربان لا تولدان سلاماً" و" عنفان لا يحققان أمناً" و"انتهاكان لا يوفّران كرامة"، وعلينا البحث عن أسباب الجرائم والمسؤولين عن وقوعها اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً وقانونياً، ومن خلال الثقافة السائدة بأبعادها الفكرية والدينية والطائفية، فضلاً عن منظومة التربية والتعليم والقيم المتوارثة.

            إن إنزال عقوبة الإعدام لن يعيد الحياة للمقتول ولا يمكن ردّ القتل بالقتل، ولعلّ مثل هذا الأمر سيترك تأثيراً اجتماعياً خطيراً بأبعاده الثأرية والانتقامية ، فضلاً عن إشاعة أجواء من الحقد والكراهية، ليس بين المتخاصمين وعوائلهم فحسب، بل في إطاره الاجتماعي الأوسع وامتداداته وترابطاته المختلفة.

            وإذا كان حكم الإعدام خطيراً وليس من السهولة النطق به بشكل عام، فما بالك إذا وقع خطأ في الحكم، فمن سيتمكّن من تصحيحه بعد أن يتم تنفيذه، خصوصاً وإن القضاء، أي قضاء حتى وإن كان نزيهاً ومحايداً ومستقلاً معرّض للخطأ؟ وهكذا يمكن للأبرياء أن يكونوا ضحية هذه الأخطاء.

            ولهذا السبب فإن قرار إنهاء حياة إنسان سيكون قراراً بمنتهى الخطورة، حتى وإن تذرّع البعض به لأسباب دينية أو عقائدية، الأمر الذي يحتاج إلى حوار مجتمعي قانوني وحقوقي وثقافي وفكري وتربوي، حول مدى الفائدة من استمرار حكم الإعدام، وجدوى اللجوء إليه.

            وإذا كان "الله" قد منح حق الحياة، فكيف لإنسان أن يسلبها؟ وحسب بعض المعطيات فإن إلغاء العقوبة أدى إلى تخفيف الجرائم، مثلما حصل في فرنسا وكندا وإيطاليا، فما الفرق بين أن تقتل باسم القانون وباسم المجتمع أو بين أن يقتل القاتل تحت تأثير عوامل مختلفة، ولعلّ هذا واحد من أسباب انحيازنا لإلغاء عقوبة الإعدام باعتبارها مطلباً حقوقياً واجتماعياً ببعد إنساني .

            في تعريف الإعدام

            "الإعدام" كتعريف قانوني هو إنهاء حياة إنسان بموجب حكم قضائي، ولكن ألا يتضمن مثل هذا الحكم القضائي جانباً من الانتقام وليس العدالة؟ في حين يفترض فيه أن يكون حكماً للعدل وليس للثأر. وسوف تكون عملية القتل لا منعاً للجريمة ولا ردعاً بقدر ما ستؤدي إلى القتل. وقد كانت الأنظمة القضائية في العهود السابقة والعصور القديمة تبالغ في أحكام الإعدام إلّا أنها بدأت تخفّف منها حتى لجأت الدول مؤخّرا إلى إلغائها لافتقادها للجانب الإنساني. ولا يختلف الأمر لدولة متقدمة مثل الولايات المتحدة الأمريكية  ودولة عالمثالثية مثل الباكستان، فكلاهما يطبّقان عقوبة الإعدام (الأولى في 35 ولاية) والثانية وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية.

            وكانت الجمعية العامة لـ الأمم المتحدة قد أصدرت قراراً برقم 2857 في العام 1977 خاطبت فيه العالم بضرورة تقليل عدد الجرائم التي تفترض اتخاذ عقوبة الإعدام ، وأصدرت بعد ثلاثة عقود من الزمان (2007) قراراً يقضي بتعليق عقوبة الإعدام مع متابعة العمل لإلغائها. ويعتبر الاتحاد الأوروبي منظمة خالية من عقوبة الإعدام Death Penalty Free  بموجب ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد، الذي نصّ على "رفض قبول أي عضو (دولة جديدة) في عضوية الاتحاد، إذا كان الإعدام ضمن نظامه القضائي".

            الإعدام قتل عن سابق إصرار وتصميم ، ولذلك توجّهت 142 دولة من دول العالم البالغ عددها 193 لإلغاء العقوبة أو وقف تنفيذها، ومن الدول العربية التي تندرج ضمن القائمة الأخيرة هو لبنان، حيث اعتمد نظام الموراتوريوم (الأمر بتأجيل الوفاء- تأجيل أو  تعليق أي نشاط أو  قانون)، حيث أوقف عملياً تنفيذ العقوبة ، على الرغم من بقائها في 20 مادة من قانون العقوبات و19 مادة من قانون العقوبات العسكري و9 مواد من قانون أصول المحاكمات الجزائية، كما ذهب إلى ذلك نقيب المحامين السابق جورج جريج في الندوة التي نظمتها " الهيئة الوطنية للحقوق المدنية" في " بيت المحامي" (بيروت) من أجل دعم إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان، في 27 يناير (كانون الثاني) 2014.

            وكان قد ورد في تقرير دولي أن نحو 174 دولة لم تقدم على عقوبة الإعدام في العام 2012، لكن ما هو مثير للقلق أن دولاً كبرى مثل الصين والولايات المتحدة والهند وإندونيسيا ما زالت تطبق عقوبة الإعدام، كما أن العديد من البلدان العربية ما تزال تنفذ عقوبة الإعدام على نحو واسع.

            فهل الموت: أي الإعدام الذي يساوي القتل سيكون عاملاً رادعاً للجريمة بالقصاص من الجاني وردعاً للغير؟ وهل هو العلاج الفعّال أم ثمة علاجات أكثر نجاعة وإنسانية؟ وكان وليد صليبي قد قدّم منذ 24/1/2004 مشروع قانون إلى مجلس النواب لإلغاء عقوبة الإعدام، استند فيه إلى "الشرعة الدولية لحقوق الإنسان" و"الدستور اللبناني"، إضافة إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2857 لعام 1977 ورد فيه الهدف من هذا القرار هو " إلغاء عقوبة الإعدام إلغاء كاملاً في جميع البلدان...".

            وبالطبع فإن مقاصد هذا الهدف هي منع الجريمة والحيلولة دون استمرارها وليس إلغاء المجرم ، وأسباب الجريمة تتمثّل في الفقر والجهل والأمية، فضلاً عن جوانب أخرى من الحياة الاجتماعية والحرمان والغبن وغيرها مثل: الحروب والنزاعات وأيديولوجيات الكراهية، وخصوصاً الطائفية والدينية والعنصرية.

            وبهذا المعنى لا تقع على الفرد المرتكب وحده مسؤولية الجريمة،لأن فيها جوانب مجتمعية بحكم الثقافة والتربية السائدتين ، الأمر الذي يعتبر عاملاً مخففاً  لا بدّ من أخذه بنظر الاعتبار في تقرير الحكم بحق المرتكب وهو موجود في كل الجرائم، وقد يذهب ذلك إلى تحديد مسؤولية المجتمع في تعويض أهالي الضحايا وإعادة تأهيل المرتكب وبالتالي وضع الخطط اللازمة لإصلاح الأوضاع الاجتماعية التي تؤدي إلى تفقيس بيض الجرائم بحكم انتشار فايروسات الفقر والأمية والجهل ، ناهيك عن الأسباب الأخرى كالحروب والنزاعات والإرهاب.

            ومما ورد في اقتراح صليبي " أنه لا يجوز أن نشرّع الثأر في القانون، بل نعمل على إزالته من النفوس ومن تقاليد المجتمع" أي أن الدولة لا تثأر، بل تعمل على الحدّ من الثأر، الأمر الذي اقتضى استبدال العقوبة إلى عقوبة أدنى مثل حكم المؤبد.

            سجلٌ عربي مثير  

            لكي نرى خطورة حكم الإعدام فعلينا متابعة سجل البلدان العربية، ففي عام 2016 أصدرت المحاكم في البلدان العربية 700 حكم إعدام. وتعتبر جيبوتي الدولة الوحيدة التي ألغت عقوبة الإعدام منذ العام 1995، ولم تنفّذ هذه الدولة منذ استقلالها عن فرنسا في العام 1977، ولا مرّة واحدة عقوبة الإعدام ، وهو ما ذكره رئيس جيبوتي  اسماعيل عمر جيلي في حواره مع كاتب السطور العام 2004،  في حين أن هناك دولاً جمّدت التنفيذ وبعضها عاد إليه.

            وذهبت دول المغرب العربي باستثناء ليبيا ( المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا ) إلى التجميد الفعلي لعقوبة الإعدام، على الرغم من استمرار صدور أحكام بالإعدام، وكان لنشاطات المجتمع المدني وهيئات ومنظمات حقوق الإنسان الدور الكبير في ذلك.

            وعلى الرغم من وجود أحكام قضائية في المحاكم المغربية فإن وزير العدل السابق محمد أوجار كان قد تعهّد بتقليص عدد الجنايات التي تصل عقوبتها إلى الإعدام من 31 جريمة إلى 11 في إطار المسطرة الجنائية المنشودة. وأوقفت المغرب العقوبة منذ العام (1993).

             أما تونس فقد سبقت المغرب  بعامين (1991)، وفي الجزائر كان آخر تنفيذ حكم الإعدام هو العام (1993) (إعدام أربعة من الجبهة الإسلامية للانقاذ لاتهامهم بتفجير مطار العاصمة الجزائر في العام 1992) وكان آخر تنفيذ لحكم الإعدام في موريتانيا هو العام (1987)، لكنه لم يلغ من القوانين النافذة.

            وتعتبر ليبيا من الدول المغاربية والعربية الأكثر تنفيذاً لأحكام الإعدام ، سواء في عهد الزعيم الليبي معمر القذافي، أو بعد انفلات العنف والنزاع الأهلي منذ العام 2011 ولحد الآن.

            وكانت الأردن قد جمّدت عقوبة الإعدام لنحو عقد من الزمان 2006-2014 لكنها أعادت العقوبة في أواخر ديسمبر /كانون الأول 2014 بحق مدانين في جرائم قتل (عددهم 11)، وفي فبراير (شباط) 2015 نفذت حكم الإعدام بحق ساجدة الريشاوي  وزياد الكربولي  وهما من تنظيم القاعدة  (المتهمان بتفجير فنادق في عمان )، وذلك بعد إعدام داعش الطيار الأردني معاذ الكساسبة. وفي العام 2016 نفذ الأردن 16 حكماً بالإعدام حسب منظمة العفو الدولية. جدير بالذكر أن الملك حسين بن طلال الذي حكم الأردن من العام 1952 ولغاية 1999 لم ينفذ حكم إعدام واحد، وكانت البحرين قد جمّدت عقوبة الإعدام  لنحو عقد كامل، لكنها عادت لتنفيذها العام 2006 .

            ويعتبر العراق  من أكثر البلدان العربية تنفيذاً لحكم الإعدام، ففي العام 1941 تم تنفيذ حكم الإعدام بالعقداء الأربعة الذين قاموا بانقلاب عسكري، وفي العام 1949 تم تنفيذ حكم الإعدام بخمسة من كبار الشيوعيين بينهم " فهد - يوسف سلمان يوسف" الأمين العام للحزب ، وبعد ثورة 14 يوليو (تموز) 1958 بدأ مسلسل الإعدام بحق أعمدة العهد الملكي، ثم حلفاء الأمس من القوميين والبعثيين، وتضخّم ملف الإعدام بعد انقلاب 8 فبراير (شباط) 1963 واستمرّ دون توقّف إلّا في فترة محدودة، ولكن أكثر الفترات اتساعاً وعسفاً كانت بعد انقلاب 17-30 يوليو(تموز) 1968، حيث حكمت "محكمة الثورة" وحدها نحو 1700 حكماً بالإعدام نفّذ الكثير منها، ناهيك عن الأحكام خارج القضاء، وقد تم إلغاء المحكمة في مطلع التسعينات.

            وفي فترة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003 ومع انتشار العنف والإرهاب في العراق، عادت ماكنة الإعدام إلى العمل بوتيرة سريعة، سواءً  بمحاكمة أركان النظام السابق، أم بعد الفوضى والانفلات الأمني وتصدّر الميليشيات، وزاد الأمر في فترة احتلال داعش للموصل وما بعدها (10 يونيو/حزيران 2014 إلى نهاية 2017)  وهكذا ازداد صدور وتنفيذ أحكام الإعدام، فضلاً عن أن بعض  أحكام الإعدام تم تنفيذها خارج القضاء في ظروف المواجهات والاحتقان الطائفي.

            أما في سوريا فقد كان لظروف الحرب الأهلية التي تستمر منذ العام 2011 دوراً  في توسيع عقوبات الإعدام، سواء باسم القانون أو خارج القضاء، وهناك تقارير عديدة توثق بعض الحالات حسب منظمة العفو الدولية، ناهيك عمّا قامت به الجماعات الإرهابية مثل داعش و"جبهة النصرة" ( جبهة تحرير الشام) وغيرها.

            وشهدت مصر منذ الإطاحة بحكم الأخوان والرئيس محمد مرسي في العام 2013  أكبر نسبة قرارات بتنفيذ حكم الإعدام قياساً بالفترات التي سبقتها. وتعتبر المملكة العربية السعودية  في مقدمة بلدان المنطقة في تنفيذ أحكام الإعدام ، ويتم تنفيذ عقوبة الإعدام كذلك  في دول الخليج الأخرى وإن بدرجة محدودة، إضافة إلى اليمن، وخصوصاً بعد الحرب الأهلية منذ العام 2015.

            وكانت أنظمة مثل السودان  وباكستان وإيران لا تتورع من إنزال القصاص  بخصومها أو أعدائها، باسم الشريعة  الإسلامية وتحت عناوين مختلفة، حيث استمرت عقوبة الإعدام، وفي بعض الأحيان لا تراعى في تطبيق هذه العقوبة القاسية إزاء الأحداث الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً وتتم معاملتهم كبالغين، وفي ذلك مخالفة لقواعد القانون الدولي الاتفاقي (التعاهدي) والعرفي، بل إن ذلك من القواعد الآمرة Jus Cogens  في أوقات السلم والحرب على حد سواء، وهو ما تحظره اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 ، إضافة إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 والذي دخل حيّز التنفيذ في العام 1976 والدول الأطراف فيه تزيد عن 160 دولة.

            أما "إسرائيل" فقد قنّنت  عقوبة الإعدام بموجب تشريعات صادرة في العام 1954 باستثناء الجرائم الخطيرة التي ارتكبت خلال الحرب العالمية الثانية، وكان آخر إعدام رسمي هو لأدولف إيخمان في العام 1962، الذي كان مسؤولاً في جهاز الـ SS المتهم بارتكاب مجازر ضد اليهود فيما سمّي بـ"المحرقة" ، وقد تم اختطافه من الأرجنتين  في 11 مايو (أيار) العام 1960من جانب "جهاز الموساد الإسرائيلي" في عملية استخبارية طويلة استمرت لنحو 15 عاماً، حتى تم اكتشافه بعد هربه من ألمانيا في نهاية الحرب. وأثارت عملية الاختطاف جدلاً قانونياً وسياسياً لمخالفتها لقواعد القانون الدولي ، إذ لا بدّ للوصول إلى العدالة سلوك طريق شرعي وقانوني وعادل أيضاً، فثمة علاقة عضوية بين الوسيلة والغاية.

            وقد صادق البرلمان "الإسرائيلي" (الكنيسيت ) في مطلع العام 2018 على مشروع قانون يجيز تنفيذ عقوبة الإعدام بحق ما سمّي بـ" الإرهابيين" وصوت عليه 52 نائباً، مقابل 49 عارضوه من أصل 120 نائباً. وكان حزب "إسرائيل بيتنا" الذي يتزعمه وزير الدفاع الأسبق أفيغدور ليبرمان اليميني المتطرّف هو من تقدّم بمشروع القانون، وأحيل إلى لجنة حكومية لدراسته قبل أن يعاد للتصويت عليه بعد 3 قراءات ليصبح جزءًا من " القوانين الأساسية".

            جدير بالذكر إن "إسرائيل" هي بلا دستور حتى الآن، لأن ذلك يتطلّب منها إقرار مبادئ المساواة وهي غائبة، لاسيّما وهي تمارس التمييز عن تخطيط وإصرار بحق عرب فلسطين، كما يفترض بها تحديد الحدود، وهي ما تزال تتوسع على حساب البلدان العربية في إطار مشروعها الاستيطاني الإجلائي الإحلالي "من النيل إلى الفرات" ، وقد حظي مشروع قانون تنفيذ عقوبة الإعدام بدعم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

            وبغض النظر عن النصوص القانونية فإن "إسرائيل" تمارس أشكالاً مختلفة ومتنوّعة من الاغتيال والقتل العمد إزاء السكان الفلسطينيين الأبرياء العزل بسبب انتقامي وثأري، انطلاقاً من آيديولوجية وممارسة عنصرية، وأحياناً تقوم بذلك بزعم " الحرب الوقائية" أو "الاستباقية"، سواء ضد شخصيات تعتبرها "خطرة"، أم بهدف إحداث الرعب في الوسط الفلسطيني والعربي، إذ غالباً ما يمتد إجرامها إلى دول عربية أخرى في لبنان وسوريا والعراق والأردن وتونس ، إضافة إلى فلسطين ، بل وإن ساحة حركتها الإرهابية هو العالم كلّه.

            اختلاف ومحاولة للفهم

            لا زال الصراع قائماً بين دعاة وقف وإلغاء عقوبة الإعدام وبين دعاة التمسك بها، وهو صراع بين تيار محافظ يتشبث باسم الدين وتيار حقوقي في الغالب، وإن كان داخل التيار المدني من يبرّر تنفيذ عقوبة الإعدام باعتبارها إجراءً ثورياً رادعاً ، وغالباً ما سلكت الأنظمة التي أطلقنا عليها التحررية أو الاشتراكية طريق تنفيذ عقوبة الإعدام على نحو أكثر اتساعاً وبخفّة غير معقولة، راح ضحيتها المئات، بل الآلاف من المعارضين حتى وإن كانوا بالأمس من أركان النظام وأعمدته الأساسية.

            وما تزال العقبات السياسية الثقافية والاجتماعية والدينية تحول دون إلغاء عقوبة الإعدام، الأمر الذي يحتاج إلى جهد مدني لنشر ثقافة اللّاعنف والذي بالنتيجة يؤدي إلى مناهضة الإعدام ، ولا بدّ من البدء من المدارس والجامعات وبالتعاون مع قطاعات المجتمع المدني والإعلام لتوسيع خيارات الناس وتلبية حاجاتهم، خصوصاً بالسير في طريق التنمية المستدامة بجميع جوانبها. والأمر يحتاج إلى مراجعة دقيقة للأنظمة والقوانين النافذة لوضعها بانسجام مع اللوائح الدولية لحقوق الإنسان التي وقعت عليها البلدان العربية أو تشريع قوانين جديدة تتلاءم مع التطور الدولي في هذا المجال، خصوصاً وإن دساتير بعضها أعطى للمعاهدات والاتفاقيات الدولية وقواعد القانون الدولي السمة العلوية.

            وعلينا في الختام الاعتراف أن ثمة التباس غالباً ما يحصل فيثير تعارضاً شديداً وسوء فهم واتهام أحياناً حول المراد  من مغزى وفلسفة المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام ، وكأنه دفاع عن القاتل،  لكن مثل هذا الفهم سطحي ، فالذين يرتكبون جرماً ينبغي إنزال العقاب بهم لأنهم يستحقونه، وهذا أمر مفروغ منه، لكن لا بدّ من أن يكون هذا العقاب إنسانياً، ولا ينبغي للدولة أن تشارك في عملية القتل، بقدر ما تبحث في الأسباب والوسائل التي دفعت بالمجرم لارتكاب جريمته، أي لا ينبغي معالجة الجريمة بجريمة أخرى، والقتل حتى وإن كان قانونياً لا يلغي الجريمة، بل يلغي القاتل فقط، والمطلوب إلغاء الجريمة.

            الإعدام عنف، وهو وسيلة عنفية للعقوبة، وهذا العنف قتلٌ، فهل القتل الثاني هو التعويض عن القتل الأول أم أن الهدف هو العدل والحق وتعويض الضحايا أو عوائلهم وردع الجريمة؟ تلك هي الفلسفة وراء المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام.

            ولعل مثل هذه المسألة جديرة بأن تجعلنا نعيد التفكير بإنسانيتنا ولأجلها، إذْ لا يمكن للموت أن يكون قصاصاً للموت: أي الموت ضد الموت، ومسألة مثل تلك تحتاج إلى تفكير عميق فالوسيلة جزء من الغاية، وحسب المهاتما غاندي، إنها مثل البذرة إلى الشجرة ، ولا وسيلة للقتل بحجة عدالة الغاية ، وإذا كانت الغاية بعيدة، فالوسيلة ملموسة وآنية، تلك التي لا ينبغي أن تتعارض مع الغاية.

            قد تطول مسألة اتخاذ قرار بإلغاء عقوبة الإعدام، لكن الحاجة إلى إعادة النظر بالنظام التربوي والتعليمي لنشر ثقافة اللّاعنف كفيل برفع وتعزيز الوعي بالقانون وبالثقافة الحقوقية، انطلاقاً من القيم الإنسانية، والضمير بهذا المعنى هو "القانون الأسمى" حسب ديفيد ثورو، ولهذا لا بدّ أن يكون الضمير يقظاً، وهذا يمكن أن يولد قناعة فردية وأخرى مجتمعية ، حتى لعوائل الضحايا الذين يمكن أن ينخرطوا ضد عقوبة الإعدام، علماً بأن الإيمان بالدين ينبغي أن يكون أخلاقياً ولعمل الخير لا لتبرير القتل، فالأديان هي للسلام وليست للعنف أو لمباركة القتل .

            وأختم بنصوص من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948:

المادة 3- " لكل فرد الحق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه"

المادة 5- "  لا يجوز إخضاعُ أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطَّة بالكرامة."

            وإذا كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قد ورد ذكره في معظم الدساتير العربية، فينبغي والحالة هذه أن يكون ملزماً لها. وكان البروتوكول الاختياري الثاني الذي صدر في العام 1989 والذي دخل حيّز التنفيذ في العام 1991، قد نصّ على إلغاء عقوبة الإعدام، علماً بأن هذا البروتوكول هو ملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في العام 1966 والداخل حيّز التنفيذ في العام 1976، ذلك لأن عقوبة الإعدام لا تعيد الضحية.

             أما عن جوهر الدين فحسب الإسلام هو العفو والتسامح وما  "الدين سوى الحب" وفقاً للإمام جعفر الصادق، وفي المسيحية: المحبة وعدم القتل. وكما يقول ابن عربي:      " أدين بدين الحب أنّى توجهت / ركائبه فالحب ديني وإيماني".

            ولذلك، فإن مبدأ "العين بالعين" يجعل البشرية بأسرها "عمياء" حسب غاندي ، وكما جاء في كلام كونفوشيوس " نردّ الخير إزاء الخير ونردّ العدالة إزاء الشر، لا الشر إزاء الشر" .

*****    

* – أكاديمي ومفكر عربي (من العراق) – نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان (أونور)، بيروت. له أكثر من 70 مؤلفاً في قضايا الفكر والقانون والسياسة الدولية والأديان والثقافة والأدب والمجتمع المدني، وحائز على جائزة أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي، القاهرة، 2003.

نشرت في مجلة تسامح التي يصدرها مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان ، /11/2019.

 

 

(البايدنية) وكلمة السر

عبد الحسين شعبان

 

أربعة معطيات أساسية أفرزتها المعركة الانتخابية الأمريكية مؤخراً:

أولها - أن دونالد ترامب ليس شخصاً عابراً أو لحظة مفارِقة في التاريخ الأمريكي، فالشعارات الشعبوية التي رفعها كانت تعبيراً عن أوساط أمريكية نافذة ومؤثرة في المجتمع الأمريكي، والدليل على ذلك هو نسبة الأصوات التي حصل عليها والتي زادت على 72 مليون صوت.

وثانيها - أن فوز جو بايدن كان بسبب ترامب نفسه، لأنه رد الفعل الوحيد الممكن والمتاح أمام الناخبين الذين أخذوا ينصرفون عنه بسبب مواقفه من أصحاب البشرة السوداء، ومن اللاجئين، أو المهاجرين من أصل لاتيني، الأمر الذي أضعف من نسبة التصويت له، حتى في ولايات كانت تعتبر تاريخياً على ملاك الحزب الجمهوري، بالرغم من النمو الاقتصادي الذي شهدته الولايات المتحدة خلال السنوات الثلاث الأولى لتوليه إدارة البيت الأبيض قبل مداهمة جائحة كورونا «كوفيد - 19».

وثالثها - أن السياسة الشعبوية لإدارة ترامب دفعت البلاد إلى حافة الانقسام بفعل الاستقطاب الذي ساد في المجتمع الأمريكي.

ورابعها - الاستهزاء الذي أبداه ترامب بالديمقراطية الأمريكية العريقة، واتهامه النظام الانتخابي بالفساد، بزعم أن ملايين البطاقات الانتخابية وصلت إلى لجنة عدّ الأصوات يدوياً بعد انتهاء يوم الانتخاب 3 نوفمبر/ تشرين الثاني، وحسب وجهة نظره، تُعتبر بطاقات باطلة، أو لاغية، وقد استبق الأمر بالتصريح بأنه لا يعترف بنتائج الانتخابات المزورة في حالة عدم فوزه، لذلك قرر الذهاب إلى المحاكم المحلية، ومن ثم إلى المحكمة الاتحادية العليا للبت في الأمر، وإصدار حكم قضائي بشأن حدوث تزوير من عدمه، لتحديد من هو الفائز.

فهل سيكون مجرد وصول بايدن إلى البيت الأبيض نهاية للظاهرة الترامبية، أم أن وجودها نتاج طبيعي لصعود الشعبوية، وازدياد الشعور بالتفرد والهيمنة للعصر الأمريكي الذي كثُر الحديث عنه مع انتهاء عهد الحرب الباردة؟ خصوصاً فترة الرئيس جورج بوش الأب، ومن بعده جورج بوش الإبن، الأمر الذي خاضت فيه الولايات المتحدة حروباً ونزاعات غير قليلة، لكن نجاح الحزب الديمقراطي، ووصول الرئيس باراك أوباما، ونائبه جو بايدن، لدورتين انتخابيتين خفض من حِدَة هذا التوجه الذي توج بسحب القوات الأمريكية من العراق، ولكن بفوز رئيس شعبوي أعاد التوجهات السابقة للغة السوق، والتجارة، والمضاربات، وحسابات الربح، والخسارة.

والنتيجة هي المأزق الأمريكي الذي أخذ يتعمق، فهل يُعقل أن ديمقراطية عريقة مثل ديمقراطية الولايات المتحدة تشوبها عيوب تجارب انتخابية هشة مثل بعض بلدان العالم الثالث، حيث يجري الحديث عن تزوير الانتخابات والتداخلات الخارجية، وغير ذلك؟

وإذا كانت الترامبية بدت لحظة صِدامية في التاريخ الأمريكي على المستوى الداخلي، بالاصطفافات العنيفة للتيارات الشعبوية لذوي البشرة البيضاء، وبين الجماعات والفئات من أصول أفريقية، أو لاتينية، فإن البايدنية برزت في لحظة رد فعل غير منهجي، أو مبرمج للحظة الترامبية، فما قرره ترامب عارضه بايدن، ولهذا السبب فقط أحرز النجاح، أو الفوز، أي أنه لم يفز بسبب برنامجه أو شعبيته، بل بسبب معارضته ترامب، وهكذا وضع الناخب الأمريكي أمام خيارَين كلاهما صعب، فاختار الأقل ضرراً، فهل هذه هي صورة أمريكا؟ وهل سيكون الفوز البايدني مثقلاً بالماضي الترامبي؟ والسؤال هل البايدنية حل للمأزق الحالي، أم أنها مجرد رد فعل باهت لما قام به ترامب؟

سيكون أمام البايدنية تحديات أساسية تتلخص في إعادة الثقة على المستويين الداخلي، والدولي، والأمر يتعلق بالضمان الصحي الذي كان تقرر في عهد أوباما، والمعروف ب«أوباما كير»، والنفقات المخصصة للتعليم، والموقف من العمالة الأجنبية واللاجئين والمهاجرين، ومواجهة كوفيد-19، إضافة إلى العلاقة مع الصين، وروسيا، والعقوبات المتخذة ضدهما، فضلاً عن الموقف من «حل الدولتين» بالنسبة للقضية الفلسطينية.

وحتى الآن، ليس ثمة نظرية واتجاه يمكن أن نطلق عليه اليوم «البايدنية»، وإنما هناك كلمة السر التي اجتمع تحت لوائها كل مَنْ ناهض سياسات ترامب، ولهذا لا يمكن قراءة الظاهرة البايدنية إلا من خلال الظاهرة الترامبية، ولكن فقط، في حالة تمكن بايدن من بناء الجسور وترميم ما تصدع من علاقات، وإجراء ما يمكن من مصالحات فإنه يمكن أن يعيد رسم الخريطة السياسية «من أجل روح أمريكا»، وهو الشعار الذي رفعه في معركته الانتخابية، وإذا ما نجح في ذلك يمكن أن تنشأ ملامح «هُوية بايدنية» ليست ظلًا لأوباما، بل في خط مواز له، ومتراكم عليه، ما بعد المرحلة الترامبية.

drhussainshaban21@gmail.com

 

 

حول انتفاضتي لبنان والعراق

 

عبد الحسين شعبان

 

لم تكن الرومانسية القديمة كافية لإشعال حماسة الشباب، بما فيها الوعود، والآمال الكبيرة، والشعارات البرّاقة بعيدة المنال؛ لقد حلت محلها الواقعيّة السياسيّة بلا شعارات كبرى، ولا وعود معسولة أقرب إلى السراب، حيث انتظمت الملايين بشعارات مبسطة: الحرية، العدالة، تعديل الدستور، القضاء على الفساد، واحترام حقوق الإنسان.

هكذا سدّت الجماهير التي تذكّر بعصر المداخن، باستعارة من كارل ماركس، الساحات والشوارع، بل زلزلت الأرض تحت أقدام الحكام، في حين فقد المثقف الأيديولوجي صوته وهو يبرر خطاب الحاكم بالقمع السياسي، أو بالقمع الفكري، ويحرق البُخور بالدعاية والتزويق بحجج ومزاعم شتى، أو المُعارض الذي كان بعيداً، أو غائباً، أو مخادعاً، فقد كانوا بعيدين عن ساحة المشاركة الفاعلة، وإنْ التحقوا بعد حين وسط جوّ من الدهشة، والارتباك، والحيرة.

لقد تجاوزت المعركة الحقيقية التي أرادها الناس المعارك الوهمية الصغرى حول أفضليات هذه المجموعة أو تلك، أو هذه الطائفة أو تلك، خصوصاً حين تقدّم جيل الشباب بكل فئاته جاعلاً من انتفاضته، ولأوّل مرة في الوطن العربي، ثورة شعبية سُداها ولُحمتها الشباب، الجميل، الحالم بقدر واقعيته وبراغماتيته، فقد كان ثوريّاً بامتياز، ولكن ضمن مفاهيم جديدة، فلم تعُد مقولة إن الثورة لا يمكن لها أن تتحقق ما لم تتوفر لها قيادة مُلهمة، أو أن تكون تحت إشراف وتنظيم حزب قائد «طليعة»، أو أن قوى الداخل ليس بإمكانها إنجاز التغيير من دون التعويل على الخارج ومساعداته، وما سمّي تلطيفاً «العامل الدولي» الذي أوصل بلداً مثل العراق، بعد حصار دولي جائر دام ثلاثة عشر عاماً، إلى الاحتلال البغيض، وإنْ كان ثمّة جزعٍ ويأسٍ من التغيير الداخلي في ظلّ هيمنة إقليمية ودولية أحياناً، لذلك ترى بعض الأصوات حتى إن كانت خافتة، أو هامسة، تدعو لإعادة الانتداب مجدّداً، وهو ما نمّ عن هواجس هنا، وهناك، في لبنان، والعراق.

وأثبت جيل الشباب أنه الأقدر على تحقيق خياراته كما يريد هو، لا كما يُراد له، فقد أخطأ من ظنّ أن الشارع العربي قد أصابته الشيخوخة فدخل في سُبات عميق، أو أن الحكومات الشمولية والطائفية دجنت الشعوب بعوامل الجوع، والخوف، فضمنت خضوعها اللامحدود بمكان، أو زمان. وها هو يخرج من قمقمه ليخترق الميادين والساحات مُحطّماً حواجز الخوف، ومنتصراً على جوعه، وقهره في أولى خطواته نحو الوجود، والكرامة.

لم يكن للانتفاضتين رمز قائد، أو زعيم مخلّد، أو مُلهم مخلّص يصبح لاحقاً «معبوداً»، ومقدّساً، وفوق حدود النقد، ولم يكن لهما أيضاً نصوص مقدّسة أو مقولات خالدة؛ فقد كانتا تواجهان الواقع المعقّد بشعارات واضحة، ورمزية، وواقعية، في آن واحد، ومثلما كانتا ضد الصنميّة، فإنهما كانتا ضد النصوصية، أي أنهما ضد المسلّمات، واليقينيات، والقدسيات، والسلفيات المشوّهة، والوعود الزائفة، وعابرتين للطوائف، والطبقات الاجتماعية، والمجموعات القبلية، والعشائرية، واضحتين في مطالبهما، وحاسمتين برفضهما للمساومة وأنصاف الحلول، ومؤكدتين إخلاصهما، ونزاهتهما، والتزامهما بمطالب شعبيهما.

 

 لقد وضعت الانتفاضات التي انتصرت، سواء في العالم العربي، أو في أوروبا الشرقيّة، أو في أمريكا اللاتينيّة، بإسقاطها الدكتاتوريات، سؤالاً محرجاً أمام أحزاب المعارضة والأحزاب الكلاسيكيّة: أين دورها، وما هو موقعها من الخريطة السياسية الجديدة؟

حقّاً لقد أفرزت الانتفاضات العربية، رغم منعرجاتها ووعورة طريقها، نمطاً جديداً من التفكير والممارسة، متقدّماً، وشجاعاً، مثلما ساهمت في تعميق الوعي الثقافي الجديد المتفاعل مع الوعي العالمي، حيث بدأ الشباب بكل حيويّته، وطاقاته، ومبادراته، وأصبح على الجميع اليوم الاستماع إليه، والوقوف خلفه ليصل إلى طريق المشروعية القانونية، أي حكم القانون، والشرعية السياسية، أي رضا الناس، وتحقيق المنجز التنموي الذي يلبّي طموحاتهم، وليتمكّن من حماية عملية التغيير قبل أن يتم الالتفاف عليها، أو سرقة منجزاتها، أو اللعب بمستقبلها.

كما أثبتت حركة الاحتجاج الجديدة ضمور دور الدُعاة الحزبيّين الأيديولوجيّين، العقائديّين، الذين بشّروا الناس بالجنّة، أو بعالم يحقّق الوحدة العربية، أو تحرير فلسطين، (الآن وليس غداً)، أو ينجز حلم الاشتراكية والعدالة الاجتماعيّة الأخّاذ، حيث ظلّ الصراع بين القوميين والشيوعيين، ومع الإسلاميين في ما بعد، لا على الحاضر، بل على المستقبل، وأحياناً ليس في مملكة الأرض، بل على قيم السماء.

drhussainshaban21@gmail.com

جريدة الخليج "الإماراتية"

 

عُسر «الديمقراطية» عربياً

عبد الحسين شعبان

«العربي يُعجب بماضيه، وأسلافه، وهو في أشد الغفلة عن حاضره ومستقبله». هذا ما كتبه جمال الدين الأفغاني، قبل قرن ونيف من الزمان، فماذا يمكن أن نقول الآن، والعديد من البلدان العربية تواجه تحديات مختلفة تعيق انتقالها إلى فضاء المشروعية القانونية والدستورية ومناخ الشرعية السياسية المقترنة برضا الناس والمنجز التنموي الذي يلبي حاجاتهم الأساسية المادية، والروحية.

 وخلال العقد الماضي شهدت العديد من البلدان العربية أحداثاً كبرى وضعت نُظمها السياسية في موقف حرِج للغاية، فترنح بعضها بين التشبث بالبقاء، وبين الانتقال والتغيير، خصوصاً أنه لم يكن هناك حامل اجتماعي جاهز، ولا وجود لبرنامج سياسي متفق عليه للتطبيق لمرحلة الانتقال، وكل ما حصل هو إنهاء شكل من الاستبداد، لكن ثمة أنواع جديدة منه بدأت تتصادم مع تطلعات الناس للتغيير الجذري، فالثورة ليست شعارات وأحلاماً وردية وتمنيات، وإنما هي «حَفر في العُمق، وليس نقراً في السطح»، على حد تعبير المفكر السوري ياسين الحافظ.

 ومع بدايات ما يسمى ب«الربيع العربي» تدفقت بعض المصطلحات إلى ساحة العمل السياسي مثل «التحول الديمقراطي»، و«مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية»، و«التغيير الديمقراطي» لدرجة فاض بها المشهد حد الطوفان، وعلى الرغم من أنها لا تزال متداولة وسارية، إلا أن بريقها بدأ يخفت بالتدرج، فصخرة الواقع كانت صلدة جداً، فليس مجرد الإطاحة بالأنظمة الفردية، أو التسلطية، أو الاستبدادية، سيفتح الباب أوتوماتيكياً أمام التطور الديمقراطي، فثمة عقبات وعراقيل جمة حالت، وتحول دون إنجاز، أو استكمال عملية التغيير المنشودة؛ منها أن القوى المخلوعة لا تزال قوية ومؤثرة لدرجة يمكنها إعاقة عملية التغيير؛ كما أن المحيط الذي يتم التحرك فيه لم يكن مؤهلًا لاستيعاب عملية التغيير، داخلياً، أو خارجياً، إقليمياً ودولياً، بسبب استقطابات دينية وصراعات طائفية، ومذهبية، وإثنية، فضلاً عن علاقات عشائرية، وعادات وتقاليد ثقيلة وبالية تحول دون ذلك، وبعد ذلك فالانتقال الديمقراطي يحتاج إلى بيئة ديمقراطية، وتُربة خصبة لبذر بذورها، ووعي ديمقراطي، وثقافة أولية ديمقراطية، وهذا يحتاج إلى إعادة النظر بأنظمة التعليم والمناهج الدراسية، للقضاء على الأمية والتخلف، وهو غير المناخ والبيئة التي شهدت تحولاً سريعاً نحو الديمقراطية كما حصل في أوروبا الشرقية.

 وهكذا ظلت صورة الديمقراطية ضبابية، لا سيما حين يتم اختزالها بإجراء الانتخابات، أو بعض هوامش حرية التعبير، أو غيرها، حتى أن القوى الراغبة في التغيير واجهت خلافات حادة عند أول منعطف يصادفها، يتعلق بعضها بالدستور، وصياغاته، ولا سيما علاقة الدِين بالدولة، حيث لعبت حركات الإسلام السياسي دوراً مؤثراً في فرض رؤيتها المحافظة بخصوص عدد من القضايا، منها قضايا الحريات، وحقوق المرأة، والموقف من التنوع والتعددية الثقافية الدينية، والإثنية، وغيرها.

 ولأن حركة الاحتجاج مفاجئة وعفوية، ولم تتوفر لها مستلزمات التغيير، فقد تصدر المشهد على نحو سريع تيار الإسلام السياسي الوحيد الذي كان الأكثر تنظيماً وحضوراً، وتمكن بشعارات عامة، وعاطفية، وشعبوية، التأثير في صناديق الاقتراع، والإمساك بالسلطة، كما حدث في تونس، ومصر، وقبل ذلك في العراق بعد الاحتلال، وفاز في انتخابات المغرب، وحاز على مواقع في الكويت، إضافة إلى الأردن، كما حاول أن يلعب دوراً مؤثراً في سوريا، وليبيا، واليمن، إثر اندلاع حركات الاحتجاج والانقسامات الداخلية.

 يقول محمد عبده «حين ذهبت إلى الغرب وجدتُ إسلاماً ولم أرَ مسلمين، ولما عدت إلى الشرق وجدت مسلمين ولم أجد إسلاماً». كتب ذلك في عام 1881، وقبله عاش في باريس رفاعة الطهطاوي أربع سنوات، من عام 1826 - 1830 وكان شيخاً أزهرياً، فأدهشه ما رآه من تطور في فرنسا عزاه إلى نظامها السياسي، والقانوني المنفتح على الحريات، وموقع المرأة، إضافة إلى نظام التعليم والتثقف بالعلوم، فدعا إلى إصلاح المعاهد الدينية على طريقة هوبز الذي كان قال: «أي إصلاح مفتاحه بإصلاح الفكر الديني»، وحذا حذوهما أحمد أمين، وعلي عبد الرازق، وطه حسين، وخير الدين التونسي، وعبد القادر الجزائري، وعبد الحميد بن باديس، ومحمد حسين النائيني.

 الديمقراطية نتاج تطور تاريخي طويل الأمد، فما زالت بلادنا العربية تعاني صدمة الاستعمار، وتأثيراتها مستمرة في الوعي، والثقافة، وما نحتاج إليه هو تهيئة البيئة المناسبة والبُنية التحتية من دستور، وقوانين، وقضاء، وتعليم، وفاعلين سياسيين ومجتمع مدني في إطار مواطنة متكافئة تقوم على قاعدة الحرية، وأساسها المساواة، والعدالة، والشراكة، ومثل هذا يحتاج إلى تراكم تدرجي طويل الأمد، وليس مجرد تغيير نظام بنظام، لأن طريق الديمقراطية لا يأتي دفعة واحدة، بل هو شائك، وتدرّجي، وعسير.

 drhussainshaban21@gmail.com

جريدة "الخليج"

 

اللاعنف..المستحيل والممكن

 

عبد الحسين شعبان

 

في لقاء حواري مع «مؤسسة أديان»، بالتعاون مع الشراكة الدنماركية وتحت عنوان «الخطاب القيمي الإسلامي: من هوّية الجماعة إلى خير المجتمع»، كان السؤال الأبرز الذي شغل المشاركين واستحوذ على مجريات النقاش، هو: هل العنف ظاهرة إسلامية وعربية، أم أنه عنف كوني عابر للحدود، والبلدان، والأديان، واللغات، والقوميات؟ وهو جزء من ظاهرة لها أسبابها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والفكرية، والدينية، والتربوية، والنفسية.

 العنف وليد التعصّب الذي ينجب التطرّف، والتطرف إذا ما تحوّل إلى سلوك ودخل مرحلة التنفيذ يصير عنفاً، والعنف إذا ضرب عشوائياً يتحول إلى إرهاب، ولعلّ بعض من يمارس العنف للانتصار على الآخر، أو لتحطيم معنوياته، أو لإجباره على الخضوع، إنما يمارسه ضد نفسه أيضاً حين يسعى لتدمير الآخر فيكون قد لوّث ما تبقى من إنسانيته أيضاً.

 وإذا كان التاريخ يخبرنا أن القاعدة فيه هي للعنف، والاستثناء هي للّاعنف، لذلك فإن ثقافة اللّاعنف لا تزال محدودة، بل مشكوك فيها أحياناً، باعتبارها خياراً غير مقبول، أو غير واقعي، أو مهادنة، أو مساومة مريبة، وفي أحسن الأحوال خياراً متعالياً على الواقع، حيث يسود العنف، ويطغى على العقول والسلوك.

 والسؤال المحوري المطروح: هل تجدي مواجهة العنف بالعنف، والحقد بالحقد، والكراهية بالكراهية؟ وإلى أي حدود ستتوقّف مثل هذه المواجهة المفتوحة، بالفعل ورد الفعل ؟ وهكذا ستستمر اللعبة إلى ما لا نهاية وحسب جوتاما بوذا: إذا رددنا على الحقد بالحقد فمتى سينتهي الحقد؟ واللّاعنف هو مقاومة بوسائل ناعمة، ويمكنني القول: رذيلتان لا تنجبان فضيلة، وحربان لا تولدان سلاماً، وجريمتان لا تصنعان عدالة، مع معرفتي إن الدعوة للّاعنف تحمل استثناءات تقرّها القوانين الوضعية والسماوية، والمقصود بها «الدفاع عن النفس»، وهو عمل مشروع بكل المعايير.

 لقد أدلج ميكافيلي قبل خمسة قرون من الزمان «فلسفة العنف»، معتبراً «الغاية تبرّر الوسيلة»، وكان العنف لدى بعض التوجهات الأيديولوجية الشمولية نظرية عمل، ومنهج حياة. وإذا كنّا لا نستطيع التحكم في الغايات، لكننا يمكن أن نتحكّم في الوسائل، فالوسيلة هي مرآة الغاية التي تعكس صورتها الحقيقية، وجوهرها، ومحتواها، لأن الأخيرة مجردة، في حين أن الوسيلة ملموسة، والغاية تخص المستقبل، أما الوسيلة فتعني الحاضر، ويمكنني القول إن الوسيلة تمثل شرف الغاية.

 وعلى العموم، فالغايات متشابهة أحياناً، لكن طريق الوصول إليها والوسائل التي نعتمدها مختلفة، وأن مقياس اختبار شرف الغاية يتم عبر شرف الوسيلة، وهذه الأخيرة هي التي تعبّر عن الغايات، والأفكار، والمبادئ، الأمر الذي ينبغي أن يكون هناك تلازم عضوي بين الوسائل والغايات، أي أن الوسيلة تتوحّد بالغاية، ولا يوجد انفصال بينهما.

 إن الانتصار الحقيقي ليس بممارسة العنف للإطاحة بالخصم، أو العدو، بل في تحقيق الغايات النبيلة والشريفة بوسائل نبيلة وشريفة، أيضاً، وهكذا يصبح بديل العنف هو اللّاعنف، لأن العنف هادم وإقصائي، أما اللّاعنف فهو بناء ومقاومة بوسائل سلمية، وحسب مارتن لوثر كينج: «اللّاعنف هو قوة المحبة»، ووفقاً لغاندي فهو «القدرة على المقاومة وقوة الحق والتسامح»، ويرى نيلسون مانديلا أن «اللّاعنف يعتمد على الحرية، والعدالة، والمصالحة»، وكان تولستوي، وهو من روّاد اللّاعنف، يعتبره مساواة، وتسامحاً.

وكثيراً ما قيل أن فكرة اللّاعنف هي منتج غربي، ومستورد، غير أنها ليست حكراً على أحد، بل هي منتج حضاري وعصري ومنجز إنساني يحتاجه البشر بغض النظر عن انتماءاتهم، وروّادها هم من المضطهدين بشكل عام، الذين يسعون لكسر جدران العزلة والانطلاق إلى فضاء التنوّع ومساحة الالتقاء، حيث تتلاقح أفكارهم في الدفاع عن الحق بقيم إنسانية مثل السلام، والتسامح. والعنف بقدر ما هو قضية فردية فهو قضية جماعية أيضاً، ودولية في الوقت نفسه.

 وتزداد حاجة مجتمعاتنا العربية والإسلامية إلى عقد اجتماعي جديد يتعهد فيه الجميع بعدم اللجوء إلى العنف، خصوصاً وقد استفحلت هذه الظاهرة في العقود الأربعة الماضية لأسباب دينية، أو طائفية، أو إثنية، داخليا، أو خارجياً، وذلك بمحاولة الاستقواء على الآخر وفرض الاستتباع، كما تعاني بلداننا تفاقم ثقافة الكراهية وعدم الاعتراف بالآخر أو حقه في التعبير وحروباَ أهلية وصراعات دينية، وطائفية، فضلاً عن تخلّف، وفقر، وأمية، من دون أن ننسى دور العامل الخارجي والتدخلات الإقليمية، والدولية، وما زالت النخب الفكرية والسياسية تعيش على تراث الحرب الباردة القائم على الإقصاء، والإلغاء، والتهميش، لذلك نحن الأشد حاجة إلى اللّاعنف.

drhussainshaban21@gmail.com

(الخليج) الاماراتية

العدل والعقل

عبد الحسين شعبان

 

«سوّر مدينتك بالعدل» هذا ما خاطب به الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز أحد ولاته الذي طلب منه بناء سور لحماية مدينته من مداهمة بعض المتمردين أو المعارضين أو ما يسمى الخارجين على القانون بالمصطلحات الحديثة، لأن العدل صمام الأمان لضمان سلم وأمن الوطن والمواطن.

 وقد ظلّ سؤال العدل يراود المشتغلين بالحقل العام، سواء بمعناه الفلسفي أو الاجتماعي أو القانوني، أقول ذلك وأنا أدرك حجم الاختلاف في التفسيرات والتأويلات لمفهوم العدل وشروطه، علماً أنه لا يوجد دين أو فلسفة أو إيديولوجية أو نبي أو مفكر أو فيلسوف أو مصلح، إلّا وخصّ العدل بموقع متميز من منظومته. وعندي أن شرط تحقق العدل يرتبط بالمساواة، فلا عدل دون مساواة، وهما أس السلام والاستقرار والتقدم والتنمية، وحسب عبد الرحمن بن خلدون، العدل بالعمران والظلم بالخراب، ولكن مفهوم العدل يختلف بين مفكر وآخر وبين مدرسة فكرية وأخرى وبين تيار سياسي وآخر، وفقاً للخلفيات الاجتماعية والنظرة الفلسفية للحياة والكون.

 يقول ابن رشد «العدل معروف في نفسه، إنه خيرٌ وإن الجور شرٌ» وحسب معجم لسان العرب أن «العدل ما قام في النفوس، أنه مستقيم وهو ضد الجور»، وهو يعني في كتب اللغة العربية «القسط والإنصاف وعدم الجور وأصله التوسط بين مرتبتي الإفراط والتفريط»، أي أنه الاعتدال في الأمور ويقابله الظلم والجور، كما ورد في القرآن الكريم بمعنى القسط والأمر بالعدل والإحسان (سورتا النساء، الآية 135 والنحل الآية 90).

وحسب الإمام علي «العدل إنصاف والإحسان تفضيل»، وفي كتاب تهذيب الأخلاق للجاحظ «العدل هو استعمال الأمور في مواطنها وأوقاتها ووجوهها ومقاديرها من غير سرف ولا تقصير ولا تقديم ولا تأخير، وسيكون العدل ضمانة لتأمين احترام حقوق الإنسان أفراداً أو جماعات، تلك التي يمكن تأطيرها بقوانين ودساتير ولوائح وشرائع وأنظمة، لأن جوهر العدل ومبتغاه ينبغي أن يكون الإنسان، فهو مقياس كل شيء حسب الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس، ولا يتحقّق ذلك إلّا بإسناد الحق إلى صاحبه وتمكينه من الحصول عليه وحيازته على نحو يؤمن سياقاته،    فتحقيق العدل فضيلة من فضائل الروح الإنسانية والقلب الرقيق، لأنه سبب في تقدّم البشر والأمم والأقوام والدول ورفاهها ومشروعية في حكمها (المقصود قانوناً) وشرعية لحكامها (المقصود سياسية)، لأنه سيضمن الأمن والسلام للمجتمع وللفرد، بحيث لا تفريط بحقوقهم ولا إفراط تحت أي حجة أو ذريعة.

وكما ورد في الحديث النبوي عن الرسول محمد «عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة، وجور ساعة أشد معصية من ستين سنة»، وكما يقال «حوار سنة أفضل من حرب ساعة»، لأن الحرب دمار وخراب ومآس وآلام، في حين أن الحوار والنقاش والسجال والجدل يمكن أن يوصل إلى حلول تجنب كل ذلك، ويستحصل كل حقه بالعدل.

ولذلك يرمز للعدل بالميزان وهو شعار القضاء ونقابات المحامين وهدف الحقوقيين والنشطاء في كل مكان، ويشكّل العدل جوهر الدراسات القانونية والسياسية والفلسفية والاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية والإدارية والدينية والنفسية وغيرها، لاسيّما التي تنظم علاقة الفرد بأقرانه وبالمجتمع والدولة.

وقيمة العدالة الحقيقية هي بالمساواة والشراكة والمشاركة، وبالطبع بالحرّية وتلك هي أركان المواطنة السليمة والمتكافئة، التي تعرفها المجتمعات الحيوية والتي تحقق جزء كبير منها بفعل كفاح طويل الأمد، خصوصاً بإلغاء التمييز بين البشر لأسباب دينية أو عرقية أو لغوية أو لونية أو اجتماعية أو جنسية أو لأي سبب كان يخلّ بمبادئ العدالة وبفكرة تكافؤ الفرص، وهي المرآة الحقيقية العاكسة لحسن سير المجتمع معتمداً على جدوى تطبيق المبادئ.

 والعدل بالعقل أيضاً، فهي بالبرهان العقلي والقياس المنطقي، فإذا كان الإنسان أخا الإنسان، فلا بدّ لهما أن يتساويا في الكرامة، وتلك الحكمة أساساً تستند إلى العقل، وحسب أبو الوليد بن رشد فإن العدل خير بذاته وهو ينسحب على جميع الأوجه وعلى كل المستويات، وذلك لارتباط العلّة بالمعلول، والخير لا يأتي إلّا بالخير، على الصعيدين الفردي والجماعي.

 ولئن العدل خيرٌ مطلق، فإن من يعارضه ويحول دون تحقيقه على مستوى الذات والآخر والفرد والجماعة، هو شرٌ بالضرورة أو على سبيل الشر ومدعاة للجور، ولا يمكن تحقيق إنسانية الإنسان دون العدل، وهو شرط لحوار فكري للدفاع عن الحقيقة، وهكذا هي سلطة العقل التي ستكون موشّاة بالعدل.

drshaban21@hotmail.com

 

غاندي وروح الحقيقة

عبد الحسين شعبان

 

            " الرجل الذي يطمح إلى معرفة روح الحقيقة لا يستطيع أن يعتزل الحياة..." هذا ما قاله غاندي، وروح الحقيقة التي كان يطمح إليها هي " تغيير رأي الشعب البريطاني من خلال اللّاعنف لأجعلهم يرون الخطأ الذي ارتكبوه تجاه الهند" كما يقول في رسالة وجهها إلى نائب الملك البريطاني اللورد إيروين، وذلك بعد مسيرة الساتياغراها التي تعني المقاومة السلمية لنيل الحقوق بلا مهادنة أو مساومة، كما يعتقد البعض خطأ، فقد بدأ مسيرة الملح  مع مجموعة صغيرة من أتباعه يوم أطلق ذلك النداء السحري للعصيان المدني الذي سرعان ما عمّ الهند من أقصاها إلى أقصاها في العام 1930، فتوجهت الجموع مشياً على الأقدام مسافة 390 كم، وقد جعلته تلك الحادثة شخصية عالمية حيث اختارته مجلة التايم Time 1930 شخصية العام .

            وكان غاندي قد خاطب البريطانيين " أخرجوا من الهند" وذلك في العام 1942 ودعاهم فيها إلى الانسحاب الفوري من البلاد، لكن السلطات البريطانية اعتقلته لمدة 19 شهراً، ثم أطلقت سراحه بعد وفاة زوجته العام 1944، إلا أنها اضطرت إلى الرضوخ لمطالب حركة غاندي اللّاعنفية التي كانت وراء استقلال الهند.

            وكانت نقطة التحوّل في حياة غاندي ، هي اعتراض رجل أبيض على وجوده في مقصورة الدرجة الأولى من القطار المتوجه من ديربان إلى بريتوريا على الرغم من حمله تذكرة سفر، وعندما رفض غاندي النزول من القطار والانتقال إلى قطار آخر، سُحب بالقوة وألقي من القطار في محطة أخرى، وكانت تلك اللحظة قد أيقظت في نفسه فكرة العصيان المدني، ورفعت من عزيمته لمحاربة ما أسماه " مرض التحيّز اللوني المستعصي" علماً بأنه عاش وعمل محامياً في جنوب أفريقيا نحو 20 عاماً، حيث وصلها في العام 1893.

             ومنذ تلك الليلة قطع عهداً على نفسه بأن "يبذل قصارى جهده لاستئصال هذا المرض واحتمال الصعاب في سبيل ذلك"، وهكذا نمت تلك القوة العملاقة الناعمة في داخله لتصبح قوة مادية يصعب اقتلاعها بفعل إيمان ملايين الهنود بها، ومن ثم لتغدو فلسفة للمقاومة السلمية المدنية اللّاعنفية على الصعيد الكوني، تلك التي تربط الوسيلة الشريفة والعادلة بالغاية الشريفة والعادلة، حيث لا انفصال بينهما ، لأن شرف الغاية هو من شرف الوسيلة، والعكس صحيح أيضاً، فهما مثل البذرة إلى الشجرة، وهناك علاقة عضوية بين الوسيلة والغاية، وإذا كانت الغاية بعيدة وغير ملموسة، فالوسيلة راهنة وملموسة، لأنها الأكثر تعبيراً عن الغاية.

            لقد استمدّ غاندي أفكاره من الجانتية، التي هي ديانة هندية قديمة، والجانتي هو "القاهر" لا بمعنى المنتصر على الملّذات حسب المعلم بوذا، بل عدم إيذاء أي كائن حي، والتأكيد على نسبية الحق لعدم وجود حق مطلق، وعدم أخذ حق الغير وعدم الكذب وممارسة العفة بإلغاء جميع اللذائذ الخارجية، من مأكل وملبس ونزوات.

            وإذا كان غاندي قد نشأ عابداً للإله الهندوسي فيشنو، وأصبح مع مرور الأيام شعلة أمل للمضطهدين والمهمشين في جميع أنحاء العالم، لذلك لم يعد غريباً أن يرشح لجائزة نوبل 5 مرات وأن تطلق بريطانيا طابعاً رمزياً تكريمياً له بمناسبة مرور 21 عاماً على وفاته، وأن تتخذ الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ 61 قراراً برقم 271 وفي 15 يونيو (حزيران) 2007، يقضي إحياء ذكرى عيد ميلاده في 2 أكتوبر (تشرين الأول) 1869 من كل عام، باعتبارها يوماً عالمياً للّاعنف، و"مناسبة لنشر رسالة اللّاعنف عن طريق التعليم وتوعية الجمهور"، وأكّد القرار على الأهمية العالمية لمبدأ اللّاعنف والرغبة في تأمين ثقافة السلام والتسامح والتفاهم واللّاعنف.

            إن كلمة "اللّا" لها أكثر من دلالة، فإذا كان المذموم مرفوضاً، أي العنف، فما بالك إذا وضعت أمامه "لا"، حيث يكون النفي مركّباً ومضاعفاً والمذموم أكثر ذمّاً، واللّاعنف سلاح ماض في متناول المظلومين ويستطيع أن يواجه جميع الأسلحة التدميرية ، وذلك إبداع إنساني ضد القاعدة السائدة على مرّ التاريخ، حيث كان العنف عنوانها، خصوصاً بنبذ العنف بجميع أشكاله وصوره، سواء كان مادياً أم معنوياً، قولاً أم فعلاً، واللجوء إلى الحلول السلمية لفض النزاعات والخلافات، وذلك طموح البشرية في تجسيد وحدة الإرادة والعمل لصالح السلام والتسامح و"الأخوة الإنسانية" التي تؤمن بها الأديان والفلسفات المختلفة.

            إن ما تواجهه البشرية اليوم من كوارث صحية مثل كوفيد -19 " الكورونا" وحالات الطوارئ المناخية وانتشار الحروب والنزاعات المسلحة والفقر والجهل والأمية والتخلف، كلّها تتطلّب إشاعة ثقافة السلام والعدل ومنع استغلال الشعوب وإذلالها ونهب ثرواتها والبحث عن المشترك الإنساني، وذلك من خلال مواجهة خطاب الكراهية والتعصّب ووليده التطرف ونتاجها العنف والإرهاب، تجنباً لأي عنف جسدي أو معنوي، اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي أو جندري أو ضد المجموعات الثقافية أو الشعوب الضعيفة، لأن العنف سيضاعف من المشكلات ويفاقم من تعقيداتها، وسيكون  أكثر كارثياً على الأطفال والنساء والشيوخ.

باحث ومفكر عربي

صحيفة الخليج (الإماراتية)

 

عن الفلسفة والدين

عبد الحسين شعبان

            يوم صدر كتاب شكيب إرسلان " لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟" أجاب فيه على سؤالين الأول: عن أسباب الضعف والانحطاط التي يعانيها المسلمون؛ والثاني: عن أسباب ارتقاء الأوروبيين والأمريكيين واليابانيين ارتقاء هائلاً. وعند التفصيل أشار إلى "العلم الناقص" الذي هو أشد خطراً من "الجهل البسيط"، لأن الابتلاء بجاهل خير من الابتلاء بشبه عالم، فالإيمان صار سطحياً والإسلام مجرد قول دون فعل، والقرآن ترنيماً وترتيلاً وليس العمل بالأوامر واجتناب النواهي، مشيراً إلى خذلان المسلمين لبعضهم البعض وفساد الأخلاق، فليس المسلم من وجهة نظره هو من يؤدي الصلاة والصيام ويسبّح بحمدالله.

            لقد أعاد إرسلان نقاشاً كان قد بدأه سبينوزا عن علاقة اللاهوت بالسياسة، في محاولة تفكيك فتاوى اللّاهوتيين، من خلال علاقة الدين بالفلسفة، وعلاقة العقل بالدين، فحسب اللاهوتيين ينبغي أن تطيع الفلسفة علم اللاهوت، بل أن تكون تابعة له لأنه أشرف العلوم وأرقاها.

            وأشار سبينوزا إلى أن حرّية الفلسفة والتفلسف ليست ضد الدولة وأمنها مثلما ليست ضد الورع والتقى، وهدفها تفسير النص الديني (الكتاب المقدس) معترفاً بدور الدين وقيمه الأخلاقية السامية، ولكنه ينفي عنه الغيبيات والطقوس والخرافات والمعجزات؛ فالأديان بعيداً عن العصبيات ينبغي أن تعلّم الحكمة والموعظة والقيم الإنسانية، وليس غير العقل من يقوم بذلك، وهكذا فالفلسفة ليست ضد الدين ، لكنها ضد التعصّب الديني والتمترس الطائفي.

            ومنذ أكثر من ثمانية قرون كان هناك من انتقد الفلسفة والتفلسف، وقد كفّر الغزالي التفسير العقلاني للدين الذي اجتهد فيه ابن سينا والفارابي، وذلك حين كتب كتابه الموسوم "تهافت الفلسفة" الذي ردّ عليه ابن رشد بكتاب عنوان " تهافت التهافت"، لكن ابن رشد الذي شدّد على أن القرآن والدين يدعوان إلى إعمال العقل بالمعنى البرهاني قُمع وأحرقت كتبه وجرت محاولات للانتقام منه وطمس صوته وتشويه سمعته،علماً بأنه أعلى من شأن  الحرّية والروح، وهما أساس الدين والإيمان، لاسيّما الجوهر الصافي العرفاني النقي والإنساني.

            إن جوهر تفسير ابن رشد يستند إلى أن الدين لا يمكن فهمه إلّا على ضوء الفلسفة، وهما رفيقان حميمان لا انفصال بينهما، ذلك هو الدين الروحاني العقلاني القيمي المستنير الحر، فالفلسفة حق والدين حق، والحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد عليه.

            لقد عاد ابن رشد إلينا من النافذة الأوروبية في القرن العشرين، وكان مثل هذا الغياب يفسّر لنا لماذا انحدر المسلمون في دهاليز الظلم في حين أخذ غيرهم بعلومهم ليتقدم، لاسيّما بإحكام العقل والعلم؟ وقد تنبّه إلى ذلك دعاة الإصلاح الديني من أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورفاعة الطهطاوي وعبد الرحمن الكواكبي والتونسي وغيرهم الذين تأملوا في السؤال الكبير: لماذا تأخرنا وتقدّم غيرنا؟

            ومع أن دعاة الاصلاح والنهضة طرحوا السؤال إعجاباً بتقدّم أوروبا في ذلك الوقت، لكن ثقل الماضي ومخزونه السلبي ما يزال يحكمنا ويتحكّم فينا، فلم نتخلص بعد من صدمة الاستعمار التي حكمتنا لسنوات، وأعدنا ميراث الماضي في دول مركزية شديدة الصرامة، فلم نستطع أن نواكب التطور والحداثة، خصوصاً بتعظيمنا نسق العلوم الدينية على حساب نسق العلوم العقلية، فالأولى تعتبر العقل نسبي في حين أن النص مطلق، ولهذا ينبغي إخضاع الثاني للأول، بل ينبغي أن يكون تابعاً له.       ويعتقد أصحاب المدرسة اللاهوتية في الفقه أن العقل محدود بحدود " الشرع" ومهمته تطبيق النصوص الدينية ، الأمر الذي يجعل العقل محدود القيمة لأنه لا يستطيع المغامرة بحثاً عن المعرفة خارج المنظور الديني.

            إن مثل هذه النظرة الاستباقية لدور العقل تجعله محصوراً في إدراك ما يقوله الشرع وفي تفسير النصوص الدينية والسير لتطبيقها، وهو ما أدى ويؤدي إلى التخلف المعرفي أولاً والعقلي ثانيا والعلمي ثالثاً، وتلك معضلاتنا الأساسية، التي جعلتنا " نتحصّن" بالتخلف ونمتنع عن أي محاولة لنقد الماضي باتجاه التحديث والعصرنة التي أخذنا قشورها وتركنا لبّها، حيث حافظنا على بنية الوعي التقليدية، وحتى لو اعتمدنا التكنولوجيا الحديثة وأسسها العلمية ، لكننا بقينا نغرق في الآيديولوجيا، إذْ أننا لم ننتج المعرفة ولا تقدّم دون معرفة ، وما زلنا نرى أن العلم النافع هو نسق علوم الشريعة مستصغرين من نسق العلوم العقلية، دليلنا على ذلك ما نخصّصه من واردات من الناتج المحلي الإجمالي لشؤون البحث العلمي.

            ونستطيع القول أنه لا يمكن إحراز نهضة حقيقية دون الإقرار بالحق في الفلسفة والتفلسف، وبالتالي الحق في الاختلاف والاجتهاد والحرّية خارج دوائر الإجماع المصطنع، لأن ما يحرك التاريخ هو الصراع والحوار والجدل والاختلاف والتبادل والتفاعل، وإلّا فإن مجتمعاً ساكناً سيكون مجتمعاً ميتاً، والأساس هو حركيته وديناميته وتنوعه وتعدديته واختلافه، وتلك قيم إنسانية باعتمادها يمكن أن نواجه التحدّيات الخارجية والداخلية، في محاولات فرض الهيمنة والاستتباع الأجنبي من جهة والطغيان والاستبداد الداخلي من جهة أخرى، وذلك باستخدام العقل الذي هو أساس فلسفة الدين.

باحث ومفكر عربي

 صحيفة الخليج الإماراتية

المواطنة الحاضنة للتنوع

 

عبد الحسين شعبان

 

لا يكفي تسطير المبادئ للمواطنة الحاضنة في الدساتير، بل لا بدّ من نشر ثقافة التسامح ونبذ التعصب ووليده التطرف ونتاجهما الإرهاب.

حسناً فعل منتدى الفكر العربي حين نظم ندوة بعنوان «المواطنة الحاضنة للتنوّع» كونها مسألة راهنية وحيوية أولاً، وثانياً: لأنها تثير اختلافات بحاجة إلى حوار ونقاش حولها يساهم فيهما مثقفون وباحثون وناشطون من مختلف التيارات الفكرية: اليسارية والقومية والدينية، خصوصاً علاقة ذلك بمفهوم الدولة: هل هي دولة مدنية وأين موقع الدين فيها؟ خصوصاً أن المواطنة العابرة للهويّات الفرعية تشتبك معها.

ويعود سبب النقاش واحتدامه إلى أن الدولة العربية المعاصرة في كثير من الحالات لم تستطع بعد الوصول إلى شاطئ السلام ببناء دولة المواطنة على أساس التعددية والتنوّع واحترام المواطنة الحاضنة للتنوّع والاختلاف والهويّات الفرعية.

هناك من يحاول خلط مصطلح العلمانية بالدولة المدنية، الأمر الذي يثير حساسية والتباساً بسبب تجارب بعض البلدان الاشتراكية السابقة، مثلما هناك من يحاول أن يقحم الدين بالدولة لدرجة اعتبار كل أمر خارجه إنما هو صناعة غربية واختراع مشبوه بزعم مخالفة فكرة الدولة المدنية للتراث والتاريخ والدين والإيمان، في حين أن المواطن الفرد هو الأساس، وأي مواطن لا يمكن حصره بهويّة واحدة واختزاله إلى حقل واحد.

مثلما هناك من يريد قطع الصلة بالتراث، بزعم أن الأخير عائق أمام تقدّم الدولة واندماجها بعالم الحداثة والمدنية والعلمانية، وينسى هؤلاء أن المفهوم التغريبي الذي يدعون إليه إنما يتنكّر لمساهمة تراثنا الفكري القانوني العربي في التراث العالمي منذ قيام دولة المدينة التي أسسها الرسول وهو دستور محمدي اعترف بالآخر ووضع قواعد أولية للبنة المواطنة بمعناها الجنيني.

ثلاث إشكالات تتعلّق ببعض القضايا الخلافية ذات الخصوصية في كل مجتمع، الأمر الذي بحاجة إلى إعادة قراءة وتفسير وتأويل بما ينسجم مع روح العصر:

أولها- الموقف من المجاميع الثقافية الدينية والإثنية والسلالية واللغوية.

وثانيها - الموقف من حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل، علماً أن الدول العربية كانت وقعت على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، أي اتفاقية سيداو لعام 1979، لكنها لا تزال تتحفظ على بعض موادها.

وثالثها - نظام العقوبات والحدود الذي يتعارض في بعض قواعده مع اللوائح الدولية بهذا الخصوص.

وتلك جميعها تندرج في إطار منظومة حقوق الإنسان، فكيف السبيل للتواؤم معها بما يجعل الخصوصية رفداً للفكرة الشمولية، من خلال التفاعل بينهما؟ فثمة من يوقّر فكرة المواطنة الحاضنة، وهناك من يحقّرها، والأخير ينظر إليها نظرة أحادية وليست واحدية، في حين أن الأول يعتبر التنوّع عامل إثراء وإخصاب وليس عامل إفقار وإجداب، وهو أساس فلسفة المستقبل للمجتمعات الآمنة - السلمية.

فالمجتمعات الأحادية تتراجع في حين أن المجتمعات الموحّدة المتعددة الثقافات تتلاقح وتتقدّم، ولهذا يقتضي منّا فهم العالم المعاصر المتعدد المتنوّع المتسامح المتشارك المفتوح المتواصل الذي يتّسع للحوار؛ وسيكون مثل هذا المجتمع حاضناً للتنوّع ومشجعاً على التفاعل، على أساس الشراكة والمشاركة في الوطن الواحد في ظلّ حكم القانون، والعدالة، خصوصاً العدالة الاجتماعية، ولذلك فهي ضد الاستعلاء والتمييز والهيمنة وادعاء الأفضليات واحتكار الحقيقة.

ولا بدّ من مصالحة حقيقية بين المواطن العربي ودولته، فلا تشعر هذه الدولة أن المواطن عدوّها بل وإنها تعي أن السلطة تأتي وتذهب لخدمة هذا المواطن، علماً أن هناك خلطاً بين الدولة والسلطة، وأحياناً تتغوّل الأخيرة على الأولى وتحاول ابتلاعها لأغراض سياسية أو دينية أو قومية أو فكرية أو اجتماعية أو اقتصادية أو عسكرية أو شخصية أو غيرها، وقد حكمت المجتمعات منذ فجر التاريخ بواسطة قواعد مدنية واجتماعية ودينية ذات بُعد إيماني وأخلاقي وقانوني، وذلك جزء من منظومة حياتية تعكس درجة تطور المجتمع، علماً أن القانون هو الذي ينظم علاقة الفرد والمجتمع بالدولة ويقوم بالفصل في النزاعات بينها بواسطة القضاء، الذي سيترتب جزاءً لمن يمتثل أو يخالف قواعد القانون بواسطة جهاز تنفيذي (حكومة).

ولا يكفي تسطير المبادئ للمواطنة الحاضنة في الدساتير، بل لا بدّ من نشر ثقافة التسامح والتربية عليها ونبذ التعصب ووليده التطرف ونتاجهما العنف والإرهاب، ويمكن للدولة الحقيقية أن تلعب دوراً جامعاً في تأمين الحق في التعليم المتوازن القائم على أساس قبول التنوّع والتعددية ومبادئ المواطنة المتساوية.

drshaban21@hotmail.com

 

في معنى اللّاعنف

عبد الحسين شعبان

إذ أخذ رصيد ثقافة اللّاعنف بالارتفاع على المستوى العالمي، فإنها ظلّت غائبة عن مجتمعاتنا العربية والإسلامية إلا باستثناءات محدودة

«إذا رددنا على الحقد بالحقد فمتى ينتهي الحقد؟»، هذا ما قاله جوتاما بوذا مؤسس الديانة، أو الفلسفة البوذية التي تقوم على التجرّد، والزهد، والتخلّص من الشهوات والألم. ولعلّ مثل هذا المدخل يعكس بعضاً من جوانب حقيقة فلسفة اللّاعنف التي تبنّاها المهاتما غاندي لاحقاً، والمقصود بذلك المقاومة بوسائل مدنية، بمعنى عدم استخدام العنف كوسيلة للتصدي للعنف، ونيل الحقوق.

وقد دفع غاندي حياته ثمناً لذلك على الرغم من الانتصار الذي حقّقه على بريطانيا أعظم إمبراطورية في العالم وأقواها حينها، حيث تقدّم منه أحد الهندوس المتطرفين ليطلق النار عليه ويرديه قتيلاً، وهو في ذروة مسعاه للحيلولة دون انفصال الهند من خلال التفاهم والتعاون والرغبة في العيش المشترك، والاعتراف المتبادل، ما دفع الأمم المتحدة لاعتماد يوم 2 أكتوبر/ تشرين الأول، من كل عام، وهو يوم عيد ميلاد غاندي باعتباره يوماً للتسامح.

وإذ أخذ رصيد ثقافة اللّاعنف بالارتفاع على المستوى العالمي، خصوصاً بصعود حركة الحقوق المدنية بقيادة مارتن لوثر كينج، والمصالحة والحقوق المتساوية بقيادة نيلسون مانديلا، فإنها ظلّت غائبة عن مجتمعاتنا العربية والإسلامية، إلا باستثناءات محدودة، وبتقديري فإن الأمر يعود في جزء كبير منه إلى قراءات خاطئة، ومبتسرة للنصوص الدينية، بما فيها للقرآن الكريم، إضافة إلى تفسيرات وتأويلات ماضوية لا تنسجم مع روح الإسلام وجوهر رسالته الإنسانية، فضلاً عن سمة العصر والتطور التاريخي، وهي ما تُعرف بأسباب النزول، كما أن بعض النصوص بما فيها المتعلقة بالسنّة النبوية قيلت لزمانها ولأحداث وأوضاع استوجبتها، وانتهت بانتهائها، وما بقي من النصوص المقدسة وأحاديث الرسول الكريم هو القيم والمثل الإنسانية الخالدة، التي استهدفت تغيير حياة الناس من أجل سعادتهم ورفاههم فكيف نقرأ ثقافة العنف واللّاعنف في مجتمعاتنا؟

خمسة اتجاهات يمكن بواسطتها اقتفاء أثر الفكرة اللّاعنفية:

الاتجاه الأول - الرافض والإنكاري، الذي يعتبر فكرة اللّاعنف صناعة غربية خالصة، وهي بدعة لتحقيق مآرب سياسية وهدفها تثبيط عزائم العرب والمسلمين من استعادة حقوقهم المغتصبة.

ومثل هذا التفسير لا علاقة له بفلسفة اللّاعنف التي تتمسك بالحق والمقاومة المدنية لتحقيقه، وأعتقد أن العرب والمسلمين معنيون مثل غيرهم بثقافة اللّاعنف، ولاسيّما العيش بسلام واختيار طريق تطورهم الحر الاقتصادي والاجتماعي.

الاتجاه الثاني- الريادي والانعزالي، يرفض فكرة اللّاعنف لأنها غير موجودة في الشريعة حسب تقديره، لأن اعتماد فلسفة اللّاعنف سيقود إلى التحلّل وانعدام الغيرة على الإسلام، وأن في الشريعة إجابة على كل شيء، وهي صالحة لكل زمان ومكان، ففيها الريادة والأفضلية والتميّز على جميع القوانين الوضعية. وهكذا يحاول أصحاب هذا الاتجاه إرجاع كل شيء إلى الماضي من دون الأخذ في الاعتبار التطوّر الكوني استناداً إلى قاعدة «تغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان».

الاتجاه الثالث- الانتقائي والتوفيقي، ويحاول أصحابه التوليف بين مفاهيم متعارضة أحياناً، لاسيّما بإهمال نقاط حساسة وساخنة، ومع رغبته الإصلاحية في انتقاء بعض الأفكار اللّاعنفية أو وضعها «منزلة بين المنزلتين».

الاتجاه الرابع- الاغترابي وينطلق من نقد الاتجاهات الإنكارية الرافضة والريادية الانعزالية والتوفيقية الانتقائية، ولكن بالمقلوب حين يعتبر التراث كلّه خارج سياق الحداثة ومناقضاً لها، وأن أي تفكير خارج نطاق الحداثة هو محاولة عقيمة ويائسة؛ وعلى العرب والمسلمين إن أرادوا السير في طريق التطوّر الإقرار كلياً بالمفاهيم الحداثوية من دون زيادة، أو نقصان.

الاتجاه الخامس- الواقعي والحضاري، الذي يزاوج بين الحداثة والتراث والمعاصرة والخصوصية والشمولية، مع الأخذ في الاعتبار التطور التاريخي الكوني والانفتاح والتفاعل معه للارتقاء بفكرة اللّاعنف لتصبح فلسفة عمل ومنهج حياة، والبحث في تراثنا عن تجارب لاعنفية ينبغي تعميمها وإعادة قراءتها برؤية جديدة.

إن التلاقي الحضاري والتفاعل الإنساني والتطور التاريخي للأمم والشعوب والجماعات لا يحصر الفكر في أمة، أو شعب، أو قارة، أو تيار فكري، مثلما هي فلسفة اللّاعنف، بل هي حصيلة مزاوجة وتطور طويل الأمد يمدّ جذوره عميقاً في التراث الإنساني ويجد صورته في الحداثة وفي خلفياته لفلسفة الأديان والأيديولوجيات والأفكار المختلفة.

drhussainshaban21@gmail.com

الخليج (الإماراتية)

 

ستة أنساق لثقافة اللاعنف

 

عبد الحسين شعبان

 

يعتبر المتعصبون والمتطرفون من دعاة الإيديولوجيات والأديان والطوائف، أن الحق معهم دائماً،وحيثما يميلون يميل معهم، لأن لديهم أفضليات على الآخر بزعم امتلاك الحقيقة، ومثل تلك الأطروحات تقود إلى تسميم العيش المشترك لأنها تحمل في ثناياها الإلغاء، والإقصاء، والتهميش، وغالباً ما تقود إلى ممارسة العنف ضد الآخر، سواء على المستويين الفردي، أو الجماعي.
فهل هناك ديانة سيئة وأخرى حسنة، وديانة حق وأخرى باطل؟ والأمر ينطبق على الطوائف والأيديولوجيات، فكيف السبيل إلى قبول الآخر على قدم المساواة في العيش المشترك، وما هي الأنساق الكفيلة لحل تلك الإشكاليات؟
أولها- النسق القانوني- أي حكم القانون، فالكل ينبغي أن يكون متساوياً أمام القانون من دون تمييز بسبب الدين، أو العنصر، أو اللغة، أو الجنس، أو اللون، أو الأصل الاجتماعي، أو لأي سبب كان، وهو ما توفّره منظومة حقوق الإنسان الكونية. والقانون، حسب مونتسكيو، ينبغي أن يكون مثل الموت ينطبق على الجميع من دون استثناء، وهو في نهاية المطاف الضامن للعيش المشترك، والمرجع الذي يمكن الاحتكام إليه لتنظيم علاقة الفرد والمجتمع بالدولة.
وثانيها - النسق السياسي، الذي يتعلّق بطبيعة النظام، فهل هو نظام ديمقراطي، أم استبدادي، أم دكتاتوري، أم أوليغارشي، أم ثيوقراطي؟ بغض النظر عما إذا كان النظام ملكياً، أو جمهورياً، برلمانياً أو رئاسياً، ولكن لا بدّ من توفر قدر معقول من مبادئ الحرية والمساواة، وأن تقوم الدولة بواجبها الأساسي، وهو حماية أرواح وممتلكات المواطنين، وحفظ النظام العام.
وثالثها - النسق الاجتماعي، فكل نظام سياسي يستند إلى خلفية اجتماعية، فإلى أي مدى يمكن تحقيق تكافؤ الفرص وتقديم الخدمات العمومية، ولا سيّما الصحية، والتعليمية، والبلدية، بقدر معقول من العدالة، وإذا ما حصلت ثمة اختلالات في هذا الميدان، فإنك سترى العنف ينفلت ويتوالد، ويتراكب، ويسبب ردود أفعال تجرّ إلى عنف مضاد، وهكذا.
ورابعها- النسق الثقافي، فالبيئة التي ينشأ فيها العنف لا شك هي بيئة ثقافية، فالبيئات التي تقر بحق الاختلاف، وتعترف بالتعددية، وتحترم التنوّع، فإن العيش المشترك فيها يعتبر مصدر إغناء، وإثراء، وواقعية، وتلاقح، وتطور، وعلى العكس فإن المجتمعات الآحادية، أو التي تريد أن تتصرف فيها القوى المهيمنة على هذا الأساس فإن العنف يتعاظم فيها، لاسيّما في ظل الثقافة الشمولية وخطابات الهويّة القصوى، أو التي يسميها أمين معلوف «الهويّات القاتلة»، وأية هويّة ينبغي أن تتسم بالعقلانية والنسبية والإنسانية، فكل شيء في الحياة وفقاً لعالم الفيزياء نسبي، والهويّة الجامعة بقدر استيعابها الهويّات الفرعية وتنميتها، تتجنب الانزلاق في الإقصاء، والتهميش، اللذين يدفعان إلى العنف.
وخامسها- النسق التربوي، إن سلوك العنف هو سلوك مكتسب خلال التنشئة الاجتماعية والتربية والتعليم، حيث تساهم النظم التعليمية والتربوية في بناء عقول تنتج سلوكاً عنيفاً، حيث تتم صناعة الشخص العنيف، وهو ليس صفة طبيعية حتى وإن كان لدى كل إنسان شحنة عنفية، فالغالب الإنساني هو اللّاعنف والعيش المشترك، لأن الإنسان كائن اجتماعي، أو حيوان اجتماعي، لا يستطيع أن يعيش خارج المجتمع.
وسادسها - النسق الإعلامي، حيث يلعب الإعلام دوراً مهماً، سواء في نشر ثقافة الكراهية والعنف والإرهاب وبث قيم التعصب والتطرّف، أو على العكس من ذلك حين يقوم بنشر قيم السلام والتسامح والعيش معاً.
وهناك النسق الديني، حيث تلعب المؤسسة الدينية دوراً في قضية العنف واللّاعنف، وإذا ما هيمن عليها المتعصّبون ساد الخطاب العنفي، والعكس صحيح أيضاً، حين يكون للمتسامحين دور كبير في توجهها يمكن للدين أن يلعب الدور الإيجابي في التنشئة على ثقافة العيش المشترك، فالتدين الحقيقي هو أقرب إلى ثقافة السلام والتسامح، والاقتراب من الله، في حين أن التدين الشكلي المظهري هو محاولة لفرض التدين على الآخرين، واعتبار المختلفين كفاراً، أو مارقين.
إن الإكراه يتنافى مع الإيمان، وبالتالي مع الدين ومع الحرية، فلا دين حقيقي من دون حرية، وبهذا المعنى فالعنف يحدث قطيعة، أو تغييراً في مسار الحياة وتشوهات نفسية، لاسيّما ما يثيره من حقد، وكراهية، وانتقام. وهنا لا بدّ من تغيير في منظومة الأفكار، فالفروسية والشجاعة والحرب العادلة لها معان مختلفة من منظور اللّاعنف، لاسيّما بما تخلقه من ضحايا بشرية بحق الأبرياء.
drshaban21@hotmail.com

(الخليج) الاماراتية

عن الإرهاب وضحاياه

 

عبد الحسين شعبان

«ما زال الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره يمثّل تحدّياً عالمياً، فهو يلحق أذى باقياً بالأفراد والأسر والمجتمعات المحلية، ويخلّف ندوباً عميقة قد تفتر مع مرور الوقت، لكنها لا تختفي أبداً». هذا ما قاله أنطونيو جوتيريس الأمين العام للأمم المتحدة بمناسبة اليوم العالمي لإحياء ذكرى ضحايا الإرهاب وإجلالهم المصادف في 21 أغسطس /آب والذي قررته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 72/165 العام 2017، حيث يتم كل عام استذكار الضحايا الذين يحرمون من مقومات الحياة الطبيعية والإنسانية، من أمن واستقرار وطمأنينة، وذلك بسبب ما تعرّضوا له من أعمال إرهابية، الأمر الذي يستدعي الوقوف معهم للتخفيف من معاناتهم وتلبية احتياجاتهم وإسماع أصواتهم إلى العالم أجمع.
يمكن القول إن كل عنف إرهاب، وهذا الأخير ناجم عن التطرّف لأسباب اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو دينية أو عنصرية أو فكرية أو لأسباب أخرى، والتطرف هو ابن التعصّب، فكلّ متطرّف بالضرورة هو متعصّب، وإذا ما صار التعصّب سلوكاً فإنه يصبح تطرّفاً، والتطرّف إذا ما انتقل إلى الفعل بهدف إلغاء الآخر أو إقصائه أو تهميشه أصبح عنفاً، وهذا الأخير يستهدف الضحية بذاتها ولذاتها، في حين إذا ضرب العنف عشوائياً ينتقل إلى دائرة الإرهاب، خصوصاً إذا كان عابراً للحدود، فسيصبح إرهاباً دولياً.
وإذا كانت القوانين الجنائية (الوطنية) تعاقب على أعمال العنف التي تستهدف الضحية المعلومة بالنسبة لمن يمارس العنف، فإن القوانين الدولية معنية بمحاسبة الأفراد أو الجهات أو المنظمات التي تقوم بممارسة الإرهاب، بما فيها الحكومات، لأن الأفعال التي تنجم عن الإرهاب الدولي تندرج في إطار الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحروب، بما فيها جرائم العدوان التي تهدّد السلم والأمن الدوليين.
ومنذ العام 1963 والأمم المتحدة تتخذ العديد من القرارات والتوصيات الخاصة بالإرهاب والإرهاب الدولي، وقد صدر نحو 13 قراراً وإعلاناً لما قبل 11 سبتمبر (أيلول) العام 2001، وبعد جريمة تفجير برجي التجارة العالمية في الولايات المتحدة بعمل إرهابي راح ضحيته نحو 3000 إنسان، أصدرت الأمم المتحدة 3 قرارات دولية مهمة، لعل أخطرها القرار 1373 الصادر في 28 سبتمبر (أيلول) العام 2001، لأن ما تضمنه يعتبر عودة إلى قواعد القانون الدولي التقليدي، خصوصاً إلى مفهوم «الحرب الاستباقية» أو «الوقائية» لمنع أي عمل إرهابي، بسبب احتمال وشيك الوقوع ضد دولة ما أو منشأة ما، وهو الأمر الذي أثار التباسات وزاد من موضوع تعريف الإرهاب تعقيداً، لاسيّما تحديد ماهيته وأشكاله وخلفياته الاجتماعية.
كما صدرت 4 قرارات دولية بعد احتلال تنظيم داعش الموصل وتمدّده في نحو ثلث الأراضي العراقية (2014) إضافة إلى اعتبار الرقة السورية عاصمة لدولة الخلافة. وإذا كانت هذه القرارات تصب في إطار «الاستراتيجية الدولية لمكافحة الإرهاب»، إلّا أنها من جهة أخرى تثير أسئلة ما زالت لم تحسم حول مفهوم الإرهاب وتعريفه وأشكاله واستخداماته، كما أنها تغض النظر عما يجري للفلسطينيين وعن عمليات الاستيطان في الضفة الغربية.
ولذلك فإن الاحتفال بذكرى ضحايا الإرهاب أمرٌ في غاية الأهمية، إذْ إنهم غالباً ما يشعرون بالإهمال لمجرد تلاشي التأثير المباشر للهجمات الإرهابية، الأمر يستوجب من المجتمع الدولي والدول المتقدّمة والغنية بشكل خاص تخصيص الموارد والقدرات اللازمة لمساعدة الضحايا لكي يتعافوا بشكل كامل من آثار العمليات الإرهابية، ولكي يتم إعادة تأهيلهم ودمجهم بالمجتمع (بالطبع من بقي منهم على قيد الحياة وكذلك أسرهم).
وإذا كانت الأمم المتحدة قد قامت ببعض المبادرات، فأصدرت قراراً برقم 68/276 في 13 يونيو (حزيران) 2014 أي بعد احتلال «داعش» للموصل واستكملته بعد تحريرها نهاية العام 2017 بإصدار قرار برقم 72/284 بتاريخ 26/6/2018، بتدقيق واستعراض إستراتيجيتها، فإن من واجب كل دولة، إضافة إلى المجتمع الدولي أن يضع برنامجاً خاصاً طويل الأمد لمساعدة الضحايا، مثلما يقتضي توفير سبل الوقاية والحماية والتأهيل بالنسبة للضحايا، وقبل كل شيء توفير مستلزمات عيش كريم، خصوصاً لبلدان الجنوب، وذلك بإصلاح نظام العلاقات الدولية ليكون أقرب إلى العدالة.
drhussainshaban21@gmail.com

 

صحيفة الخليج (الإماراتية)

 

لبنان.. هل

يمكن بقاء القديم؟

 

عبد الحسين شعبان

أعاد الانفجار المروّع الذي حصل في مرفأ بيروت في 4 أغسطس/ آب الجاري، أزمة الدولة اللبنانية إلى الواجهة، وإن كانت هذه الأزمة قديمة، ومعتّقة منذ التأسيس قبل نحو 100 عام، إلا أنها تفاقمت على نحو متسارع خلال العقود المنصرمة، خصوصاً بعد مقتل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، إلّا أنها ترافقت هذه المرّة مع ثلاثة أحداث كبرى مهمة:
أولها- استمرار وباء «كورونا» منذ فبراير/ شباط الماضي، وارتفاع نسبة الإصابات في الأسبوعين الأخيرين ما قبل الانفجار.
وثانيها- استمرار معاناة اللبنانيين بتهديد وجود الدولة اللبنانية، والمسألة تتعلّق بالعقد الاجتماعي، وشرعية نظام الحكم، سواء بدستور عام 1943، أو بميثاق الطائف عام 1989 الذي جاء بعد حرب أهلية دامت نحو 15 عاماً.
وقد عاظمت كارثة مرفأ بيروت من معاناة اللبنانيين، إضافة إلى أزمات النفايات، والمازوت، والبنزين، والكهرباء، وتلوث المياه، وعجز المصارف، وانهيار سعر الليرة اللبنانية، لدرجة أصبح نصف اللبنانيين في خط الفقر، ودونه، وقد اضطرت محال تجارية وخدمية وسياحية إلى الإغلاق، كما تم الاستغناء عن خدمات 400 ألف عامل، فضلاً عن أن 300 ألف إنسان أصبحوا بلا مأوى.
وثالثها - استمرار انتفاضة 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، ولعلّ أهم مطالبها تنحية الطبقة السياسية الحاكمة منذ عقود بسبب فشلها، وفسادها، والتوجه صوب عقد اجتماعي جديد يتجاوز الطائفية، ويؤسس لدولة المواطنة، وهذا يتطلب تعديل الدستور، وسن قانون انتخابي جديد على أساس النسبية.
وإذا كانت مثل هذه المطالب صعبة، وبعيدة المنال، بل تكاد تكون مستحيلة، خصوصاً إعادة الاعتبار للدولة، وهيبتها التي ينبغي أن تعلو على الجميع، فإنه بعد التطورات الأخيرة واستقالة الحكومة أصبحت مطروحة على بساط البحث، وإنْ لم تتحقق هذه المطالب كلها دفعة واحدة، لكنها أصبحت في برامج أوساط وقوى سياسية، وطيف واسع من اللبنانيين، وقد يمهّد ذلك لتغييرات تدرّجية، وعلى مراحل، إذْ لم يعد يحتمل استمرار الوضع على ما هو عليه.
ولا يمكن للبنان الخروج من عنق الزجاجة ووصوله إلى المعافاة الحقيقية، لاسيّما كسب ثقة المجتمع الدولي من دون إجراء إصلاحات جذرية، وجوهرية، ومحاربة الفساد، والمفسدين، واستعادة الأموال المنهوبة، والمساءلة على التقصير وسوء الإدارة، والعبث بحياة وممتلكات الناس وحقوقهم، وهو ما لمّح إليه الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، خلال زيارته لبيروت ومن المفترض عودته أوائل سبتمبر/ أيلول المقبل.
وقبل أن يكون التغيير مطلباً للقوى الخارجية فإنه حاجة لبنانية ماسة، وهو بيد اللبنانيين أولاً، لاسيما إذا بادروا إلى عقد اجتماعي جديد، فإن الدول الشقيقة، والصديقة، والمجتمع الدولي، يمكنها حينذاك أن تقدّم لهم الدعم المطلوب. وبالطبع، ثمة عقبات وضغوط كبيرة على هذا الصعيد، منها التهديدات «الإسرائيلية» المستمرة، وتحديات القوى الإقليمية، والدولية، التي تريد أن يكون لها حصة مؤثرة في التوافقات السياسية، سواء إبقاء القديم على قدمه، أو إجراء تغيير يصب في مصلحتها.
وبتقديري، فإن لبنان بالمواطنة والتنمية المستدامة وعلى أساس الهويّة الجامعة، مع الإقرار بالتنوّع واحترام الخصوصيات والهويّات الفرعية، يمكنه تجاوز محنته الراهنة، وسينهض كطائر الفينيق من الرماد، مزدهراً، معافى في محيطه العربي ودوره الثقافي والحضاري كجسر للقاء الثقافات، وامتداداتها، واعداً بسلام حقيقي وعادل، لما يملكه شعبه من نشاط وإبداع، وحيوية، وطاقة، ومبادرة.
إن المدخل الأول لحل الأزمة اللبنانية، وإنهاء الانقسامات المجتمعية هو التمسّك بالمواطنة العابرة للطائفية لتحقيق التنمية المستدامة بجميع جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والقانونية والتربوية والتعليمية، وغيرها، وضمان عيش المواطن وحقوقه الإنسانية، في ظل دولة تعلو مرجعيتها جميع المرجعيات الدينية، أو الإثنية، أو المناطقية، أو السياسية، أو الحزبية، أو العشائرية، أو غيرها.
والطريق نحو هذه الدولة لا بدّ أن يمرّ بمصالحة تاريخية بين الدولة، والمواطن، بحيث يشعر الأخير بأن الدولة هي دولته، وراعية لمصالحه، والحكومات تأتي وتذهب لخدمته، وليس لسرقته، ويحتاج الأمر إلى عمل طويل الأمد لتحسين الأوضاع الصحية، والمعيشية، والخدمية، وتوفير فرص عمل وضمانات اجتماعية وتقاعدية، وضمان للشيخوخة، بما يعزّز من وعي المواطن وثقته بالدولة من جهة، ويُشعِر المسؤول الحكومي بأنه جاء لخدمة الناس، وليس لتنفيذ مصالحه الخاصة، أو المذهبية، أو الفئوية، على حساب مصالح الشعب.

drhussainshaban21@gmail.com

صحيفة الخليج (الإماراتية)

 

 

لبنان.. الوجه الآخر

 

عبد الحسين شعبان

الانفجار المرعب الذي دمر مرفأ بيروت 4 أغسطس/ آب الجاري، والذي راح ضحيته أكثر من 150 قتيلاً، وأكثر من 5 آلاف جريح، ولا يزال العشرات والمئات تحت الأنقاض، أو في عداد المفقودين، كان كارثة حقيقية، تضاف إلى معاناة اللبنانيين منذ سنوات التي شملت جميع مناحي الحياة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وغيرها، ابتداء من أزمة النفايات، ومروراً بأزمة الدولار، وانهيار سعر الليرة اللبنانية، والتي توّجت بأزمة المصارف، وأزمة البنزين والمازوت، إضافة إلى أزمة الكهرباء المعتّقة التي تبدو بلا أفق منذ ثلاثة عقود ونيف من الزمان، وأزمة الماء الصالح للشرب، مروراً بجائحة «كورونا»، وصولاً إلى الانفجار الرهيب الذي ألحق خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات العامة، والخاصة، والتي تقدّر بنحو 15 مليار دولار في بلد يعاني شحّ الموارد، وبطالة، وفرص عمل قليلة، خصوصاً إغلاق محال تجارية وخدمية وسياحية، والاستغناء عن خدمات أكثر من 400 ألف عامل، يضاف إليهم أن 300 ألف إنسان أصبحوا بلا مأوى بعد الانفجار.
أقول بغض النظر عن كل هذه المشاهد المأساوية، وفساد الطبقة السياسية، وصراعاتها المبدئية وغير المبدئية، واستقواء بعضها على الآخر بالسلاح، أو بالخارج، مع تهديدات واختراقات العدو «الإسرائيلي» المتكرّرة، والمستمرة، فإن هناك وجهاً آخر للبنان عرفناه خلال هذه المحنة، ومن ملامحه أنه يحظى باهتمام عالمي قلّ نظيره من فرقاء مختلفين على كل شيء، إلّا على أن يكون لهم نفوذ في لبنان ومصالح متضاربة، أو متوافقة أحياناً مع الفرقاء الدوليين، والإقليميين، وبالطبع مع القوى اللبنانية المتصارعة والمؤتلفة - المختلفة في إطار حكم يقوم على الطائفية السياسية والزبائنية للحصول على المغانم والمكاسب والمواقع، تلك التي قام عليها دستور لبنان، وتكرست بفعل الأمر الواقع على نحو أشد في اتفاق الطائف عام 1990 بعد حرب أهلية دامت أكثر من 15 عاماً.
المظهر الإيجابي في لبنان - الوجه الآخر، هو التضامن المجتمعي الذي شهده خلال الكارثة الأخيرة والذي تم التعبير عنه بوسائل مختلفة، سواء من المجتمع المدني، أو المجتمع الأهلي، أو المؤسسات الثقافية والإعلامية والأكاديمية والدينية، وهو ما خفف إلى حد ما من آثار المأساة التي وصفت بأنها أقرب إلى هيروشيما لضخامة الانفجار، واتساع أضراره المادية والبشرية، وشموله لأحياء بيروتية كاملة دمّرت بشكل تام، أو شبه تام، أو تعطلت إمكانية الحياة فيها والتي قد تحتاج إلى وقت طويل لمعالجتها.
وأظهر اللبنانيون مثل هذا التعاضد والتساند ونكران الذات على نحو رائع، والتكافل الاجتماعي خارج الطائفية السياسية السائدة، فنزلوا نساءً ورجالاً، شباباً وشيوخاً، إلى الشوارع والساحات العامة كل حسب قدرته، ليجلوا آثار المأساة الكارثية، وليساعدوا الجهات والهيئات المختصة الطبية والإنقاذية والفرق الخاصة بإطفاء الحرائق وانتشال الضحايا وإسعاف من هم على قيد الحياة، حتى أن المستشفيات امتلأت بأعداد كبيرة من الجرحى، وبعضهم في حال خطرة، في حين أنها بالأساس كانت تعاني نقصاً في الخدمات الصحية، وهو ما تم التعبير عنه خلال أزمة «كورونا» منذ فبراير/ شباط الماضي، والتي لا تزال مستمرة إلى الآن.
وأثبتت الأحداث حيوية وطاقة وتضامن اللبنانيين لدرجة أعجبت العالم، الذي هو الآخر سارع للتضامن معهم في هذه الكارثة الإنسانية، بإرسال فرق طبية وخدمية ومساعدات، إضافة إلى طواقم فنية لإجلاء آثار الكارثة والتي قد تحتاج إلى فترة غير قصيرة لإعادة الإعمار، والأمر يحتاج إلى دعم ومساعدة دولية، سواء من الهيئات والمنظمات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أو من دول يرتبط لبنان معها بعلاقات تاريخية، فضلاً عن المجتمع الدولي والأمم المتحدة التي لا بدّ أن تضطلع بمسؤولياتها إزاء لبنان بمساعدته في اجتياز هذه المحنة، ولا شك في أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الوحدة الوطنية، والشروع في إصلاحات حقيقية، ومحاربة الفساد، وإعلاء مرجعية الدولة ووحدة قرارها، بما يصب في مصلحة جميع اللبنانيين، ويعزز علاقتهم مع أشقائهم العرب ومع مختلف دول العالم على أساس سيادتهم وتعزيز صمودهم للدفاع عن حقهم العادل والمشروع في اختيار نظامهم الاجتماعي، وفي دعم النضال الفلسطيني.
ولعل جميع تلك الأحداث، أو المطالب كانت شعارات عامة لانتفاضة 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 التي لا تزال مستمرة، وعلى أساسها تشكلت الحكومة الحالية (المستقيلة)، وإذا لم تتمكن من تحقيق ذلك، فإن رحيلها يصبح تحصيل حاصل، وهو ما بدأ الحديث عنه بصوت عال بعد الانفجارات الأخيرة.

drhussainshaban21@gmail.com

صحيفة الخليج (الإماراتية)

غزو الكويت..

«الزمن العابس»

 

عبد الحسين شعبان

 

في 2 آب / أغسطس 1990، استفاق العالم على مفاجأة كاد ألّا يصدقها لولا ما نقلته الأقمار الصناعية من صور عن اجتياح الدبابات العراقية الحدود الكويتية؛ وكانت العلاقات العراقية - الكويتية قد تدهورت قبل أسابيع قليلة من الغزو، علماً بأن أمير دولة الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح كان قد زار بغداد قبل ثلاثة أشهر من الغزو، وقد منحه الرئيس العراقي وسام الرافدين من الدرجة الأولى، لوقوف الكويت إلى جانبه في الحرب ضد إيران التي دامت ثماني سنوات (1980-1988).
وكانت مغامرة الغزو في رأس صدام حسين وحده، ولم يشاركه فيها حتى وزير دفاعه ورئيس أركان جيشه، ولم يكن أحد يعلم بما يخطط له لحين الساعات القليلة قبيل التنفيذ؛ وفي الوقت الذي كانت المفاوضات بين الشيخ سعد ولي عهد الكويت ونائب الرئيس العراقي عزت الدوري، تم إعداد المسرحية "الكوموتراجيدية " للغزو التي أشعلت المنطقة، وحسب تقديري أن السبب الأول للغزو كانت الضائقة الاقتصادية، حيث كان العراق قد بدّد فوائضه المالية التي تقدّر ب 37 مليار دولار قبل الحرب، إضافة إلى ديون جديدة زادت على 60 مليار دولار، وزاد الطين بلة انخفاض أسعار النفط.
كما أن تضخم الجيش العراقي الذي بلغ نحو مليون جندي، عاظم من حجم المشكلة الاقتصادية، ولم يكن بوسع سوق العمل احتواء الجنود الذين سيتم تسريحهم، خصوصاً بعد توقّف المساعدات الخليجية، وهذا هو السبب الأساسي الثاني، أما السبب الثالث، فيعود إلى ضيق أفق الرئيس العراقي وقصر نظره وعدم معرفته بقواعد العلاقات الدولية وما سمّي بالنظام الدولي الجديد بعد انهيار جدار برلين في 9 تشرين الثاني / نوفمبر 1989، وبداية تفكك الكتلة الاشتراكية ودولها والاتحاد السوفييتي، دون استبعاد اعتقاده، أن واشنطن قد لا تتدخل عسكرياً إذا ما وقع غزو الكويت، خاصة بعد لقائه بالسفيرة الأمريكية ابريل جلاسبي قبل الغزو والقائم بالأعمال جو ويلسون وفهمه منهما أن بغداد هي الأجدر بتطمين مصالح واشنطن في المنطقة، دون أن ننسى طموحه في أن يصبح «زعيماً» على المنطقة.
وكان المفكر والدبلوماسي الكويتي عبدالله بشارة قد أصدر كتاباً مهماً بعنوان «الغزو في الزمن العابس- الكويت قبل الغزو وبعده» (منشورات ذات السلاسل، الكويت، 2019) تناول فيه العلاقات العراقية - الكويتية، ولا سيّما مقدمات الغزو وما بعده، علماً بأن بشارة عمل مندوباً دائماً لدولة الكويت في الأمم المتحدة منذ عام 1971، ومثّل الكويت في مجلس الأمن الدولي 1978-1979 وكان رئيساً للمجلس في شباط / فبراير 1979، وهو أول أمين عام لمجلس التعاون الخليجي 1981، واستمر في موقعه 12 عاماً. ولذلك تأتي تجربته متميزة وشهادته جديرة بالقراءة، ولا سيّما أنها من قلب الحدث.
يقول بشارة في مقدمة كتابه: إن صدام حسين أراد أن يدخل أبواب التاريخ كزعيم حقق أحلامه في ضم الكويت باعتبارها المحافظة التاسعة عشرة، وتكشف وثائق الغزو هوسه بالتاريخ من جهة، إضافة إلى شهيته في التوسع، فضلاً عن ضياع المنطق وغياب النصيحة كما يقول، وقد احتوى الكتاب على ثمانية فصول.
ويثني مؤلف الكتاب على تسامح القيادة الكويتية في معالجتها للأزمة مع العراق، وتعاملها بشجاعة وحكمة من دون حقد أو كراهية، ولا سيّما دعوتها إلى علاقات خالية من الاشتياق إلى مفردات الماضي، وإن كان «ماضٍ لم يمضِ» على حد تعبير الكاتب د. حامد الحمود العجلان، الذي عاش فترة الغزو بكل تفاصيلها المأسوية من دون أن تترك في نفسه كراهية أو ثأراً أو انتقاماً من العراقيين، لأنهم أيضاً كانوا ضحايا، ويدعو عبدالله بشارة إلى تحويل الأولوية إلى تعاون شامل في اعتراف عراقي أبدي في قبول الواقع الذي أفرزته عملية الغزو في خريطة العلاقات بين البلدين بكل جوانبها.
ومثلما كان الغزو مأساة حقيقية على الكويتيين، فقد كان كارثة مدمّرة على العراقيين أيضاً، الذين كانوا بين نارين، فلم يكن الغزو باسمهم مثلما لم تكن الحرب باسمهم أيضاً، وإن تمكّنت نخبة وطنية خارج البلاد من التعبير عن ذلك، بدعوتها إلى سحب القوات العراقية ونزع فتيل الحرب وتفويت الفرصة على القوى المتربصة بالعرب إقليمياً ودولياً، لكن المحذور قد حصل ولا يزال العراق منذ 30 عاماً ينزف دماً.

(الخليج) الاماراتية

 

" الحزب الشيوعي

 العراقي في صعوده ونزوله"

الإخلاص للمعرفة والهوى الصعب

 

عبد الحسين شعبان*

 

"وتبقى النظرية رمادية بالية وأما شجرة الحياة فيافعة خضراء"

الشاعر الألماني غوته

I

وفرة المصادر التي اطّلع عليها البروفسور طارق يوسف اسماعيل والتفاصيل التي  اقتفى أثرها والمعلومات التي اختزنها والمقابلات المباشرة التي أجراها مع عدد من القياديين والدقة والأمانة التي تحلّى بها،  كوّنت لديه صورة تكاد تكون شبه متكاملة عن تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، بكل تضاريسها ومنعرجاتها وتموّجاتها وألوانها المشرقة والغائمة بما فيها بعض نقاطها المعتمة.

وعلى غرار حنّا بطاطو أدرك طارق اسماعيل  مثله مثل العديد من الباحثين الأكاديميين الجادين، أنه لا يمكن الحديث عن الحزب الشيوعي دون الحديث عن الدولة العراقية والعكس صحيح تماماً، فقد ترافق تاريخ اليسار عموماً والحركة الشيوعية خصوصاً، مع تاريخ الدولة التي تأسست في العام 1921 بتنصيب الأمير فيصل الأول بن الحسين شريف مكة ملكاً عليها في 23 آب (أغسطس) وسنّت دستورها الدائم (الأول) في 21 آذار (مارس) العام 1925، وانضمت إلى عصبة الأمم العام 1932، وكانت عضواً مؤسساً وفاعلاً في جامعة الدول العربية عند تأسيسها في 22 آذار (مارس) العام 1945، وعضواً مؤسساً في هيأة الأمم المتحدة التي تأسست في سان فرانسيسكو في 24 تشرين الأول (أكتوبر) العام 1945.

الميزة الأولى لكتاب طارق اسماعيل " الحزب الشيوعي العراقي في صعوده ونزوله" هي الكثافة والعمق الذي تجلى بالإدهاش والمفاجأة في الآن، فحين يأتي طارق اسماعيل على تفصيل أو رأي أو يقتبس قولاً يبدو لك متكاملاً ويحاول أن يقنعك وكأنه صاحبه وليس اقتباساً، ثم يأتي على رأي آخر أو جزئية أخرى أو اقتباس ثان وإن كان عكس الأول ، لكنه يمضي به إلى النهاية ليستكمله ويحاول إقناع القارئ بمبرّراته، وهكذا يحاول مع النظائر المختلفة، لدرجة يضعك حائراً وعليك أن تستخدم عقلك ومخزونك الفكري والثقافي، لكي تميّز بين هذا وذاك، وتلك ميزته الأكاديمية الثانية.

فهو لا ينقل رأياً أو وجهة نظر أو قولاً دون أن يمحّصه ويتابعه ويبحث في أسانيده، وحين ينقل رأياً معاكساً ويأتي على وجهة نظر مخالفة أو يقتبس قولاً آخر يفعل الشيء ذاته بعدالة كاملة ودون انحياز مسبق، ولا يعني هذا أنه لا يمتلك وجهة نظر خاصة أو رأياً متبلوراً، لكنه لا يقدّمه للقارئ لكي لا يؤثر على وجهة نظره ويستحوذ على تفكيره، إنما يقلّب الآراء أمامه ويخضعها لمختبره ويجري عليها تحليلات لتخرج في نهاية المطاف طازجة تعبّر عن حقيقة ما حدث وقادرة على الإقناع، وتلك وظيفة البحث العلمي  وهي ميزته الثالثة.

ومثل تلك الطريقة وهذا الأسلوب يجنّباه الجمود والجفاف الذي تمتاز به بعض الأبحاث الأكاديمية ، بل إنه بتعريضه الآراء جميعها للنقد والرأي والرأي الآخر، يمنح القارئ فرصة الاختيار مثلما يجعل من سرديته تتمتّع بجاذبية جديدة فوق ما فيها من قيمة علمية، فتراه أحياناً يسعى لإشراك القارئ لينظر إلى ما هو هامشي أو عابر أحياناً من منظور جوهري وثابت، لأن الكتابة عن الحزب الشيوعي وتاريخه أقرب إلى المغامرة وهناك العديد من الباحثين تجنّب الاقتراب منها، في حين سلك طارق اسماعيل دروبها الوعرة بشجاعة وتجرّد، واقتحم ميدانها وهو مسلّح بمعرفة وعلم وضمير يقظ، لاسيّما بعد أن تكدّس لديه كمٌ هائل من المعلومات والكتب والدراسات عن تاريخ الحركة الشيوعية وقياداتها في العالم العربي، كما امتاز بصداقاته لعدد منها ولقاءاته المتكرّرة لاستكمال مهمته، فضلاً عن معرفته بالخريطة السياسية والفكرية العراقية والعربية بمدارسها المختلفة ، ليس هذا فحسب، بل إن بقاءه في المحافل الأكاديمية في الغرب أعطاه فسحة أكثر حرية وانفتاحاً، خصوصاً وهو غير محازب أو منحاز وتلك ميزته الرابعة.

ويعرف طارق اسماعيل أن مغامرته تهدف إلى البحث عن الحقيقة، فتقدّم إليها مؤمناً بما يكتب وبما توصّل إليه من استنتاجات يحاول وضعها مخلصاً أمام القارئ، ولاسيّما المعني بشكل خاص، وهو إذْ يفعل ذلك فإنه يضع عصارة تجربته الحياتية والأكاديمية ورحلته الطويلة مع البحث العلمي الذي زاد على نصف قرن في خدمة القارئ وفي عهدة التاريخ ،أميناً عليها جاعلاً الحرف والحق والمعرفة فسيفساء متداخلة في مشغله لا يمكن أن ينفكّ أحدها عن الآخر، لأنها مترابطة عضوياً ومتفاعلة جدلياً.

أقول إن الكتابة عن الحزب الشيوعي مغامرة  لأنها قد لا ترضي أحداً، فلمجرد ذكر حسناته وإيجابياته وهي كثيرة سيضعه "الكارهون" و"القادحون" وأصحاب المواقف العدائية، في خانة "المؤيدين" للحزب وسياساته، بل سيضيفون على ذلك أنه "مروّج" للأفكار الشيوعية، وما "انتقاداته" سوى  الغطاء لإمرار ما يريد، وهكذا يمكن أن يصنفونه، خصوصاً وأن علاقته مع الزعيم عبد الكريم قاسم، إضافة إلى أن بعض كتاباته ودوره الإعلامي بعد 14 تموز (يوليو) 1958، تعطي مثل هذا الانطباع، علماً بأنه استمر في مركزه المهني هذا قريباً من موقع القرار لغاية سفره إلى الولايات المتحدة للدراسة العليا العام 1960 بعد أن كان قد تخرّج من جامعة بغداد (كلية الآداب) العام 1958، ولكنه ظلّ مستقلاً ومحافظاً على استقلاليته ومهنيته.

أما "المغالون" في المدح و"المتعصبون" في الولاء، فسيعتبرون أي نقد لممارسة أو انتهاك أو تجاوز، إنما يصبّ في طاحونة الأعداء، وفي أحسن الأحوال يصنفون تلك الكتابة بالتأثر بالدعاية السوداء، وفي كل الأحوال فهي تلقي الزيت على النار التي يحاول أولئك الذين ينسبون المساوئ للحزب إبقاء جذوتها متقدة في مسعى لتشويه سمعته وتضخيم أخطائه، فما بالك إذا كان بعض انتقاداته أقرب إلى الجماعات المنشقة عنه، وخصوصاً بعد العام 1967 التي حاول أن ينقل وجهة نظرها من أدبياتها، فإن الأمر سيزيد الصورة تشوّشاً والتباساً، ويلقي ظلالاً من الشك على محتوى الكتاب ومضمونه، بل مشروع الكتابة ككل وأهدافها وأغراضها وتوقيتها وبماذا تفيد وفي هذا الظرف بالذات؟ وكأن هناك زمناً مبرمجاً للنقد ينبغي تشغيله حسب هوى أصحابه وتوقيتاتهم.

            وأيّا كان بعض التقييمات "المعلّبة" أو "الجاهزة" التي تواجه الأكاديمي والناقد، فتلك ضريبة لا بدّ أن يدفعها وهو برضا كامل، لأن وظيفته تختلف عن وظيفة المبشّر أو الداعية، اليقينية - الإيمانية، أما لغة الأكاديمي والباحث فتكون نقدية- تساؤلية، وفي حين تكون الأولى مغلقة، فإن ال