الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

عبدالحسين شعبان اكاديمي ومفكر عربي

  

مقالات سابقة

إملاء الدستور

عبد الحسين شعبان

 

يعيش العراق منذ إجراء الانتخابات في 10 أكتوبر / تشرين الأول 2021 وإلى اليوم حالة انسداد آفاق سياسية ودون حكومة كاملة الصلاحيات، وهو أمر تكرّر بعد انتخابات العام 2006 والعام 2010 والعام 2014 والعام 2018، وما بعد إطاحة حكومة عادل عبد المهدي العام 2020.

وما زاد الطين بلّة، أن كتلة السيد مقتدى الصدر (التيار)، الأكبر في البرلمان، والبالغ عددها 73 نائبًا انسحبت من البرلمان، في حين كانت المرشحة بتسمية رئيس الوزراء، وحين بادرت كتلة الإطار التنسيقي (تحالف شيعي آخر) إلى ترشيح  محمد شياع السوداني احتجّ التيار وقاد تظاهرة اقتحمت المنطقة الخضراء ودخلت البرلمان وهدّدت بما هو أشدّ لاحقًا.

وهكذا ما تزال الدولة معوّمة، حيث تستمرّ حكومة تصريف الأعمال منذ عشرة أشهر، ولم تتّفق المجموعتان الكرديتان على تسمية رئيس الجمهورية الذي بدوره يسمي رئيس الوزراء بعد اتفاق الشيعية السياسية عليه.

ومثل هذا الوضع المضطرب لا يخصّ العراق وحده، فهذا لبنان يشهد الحالة ذاتها منذ آخر انتخابات له في 15 مايو / أيار 2022، وقبل ذلك كان لنحو عامين، دون رئيس ودون حكومة كاملة الصلاحيات، فضلًا عن البرلمان الذي جدّد لنفسه.

وأما في تونس فالأمر اتخذ بُعدًا آخر لتقويض صلاحيات البرلمان وإعداد دستور جديد وعرضه على الاستفتاء الشعبي في 25 يوليو / تموز المنصرم 2022، وبموجب الدستور الجديد منح الرئيس قيس سعيّد لنفسه صلاحيات واسعة بالضدّ من دستور العام 2014، وتمّ تقليص دور البرلمان بعد تجربة العشرية الأولى من التغيير التي شهدت صراعات حادة وتعطيل لدور المؤسسات، ناهيك عن استشراء الفساد المالي والإداري على خلفية الفساد السياسي.

            والأمر يستمر في ليبيا على هذا المنوال، حيث الانقسام بين الكتل والجماعات والأطراف والجهويات وعدم القدرة على ضبط السلاح المنتشر وجعله بيد الدولة، ناهيك عن الصراعات داخل البرلمان وبينه وبين الحكومة، ممّا عوّم السيادة الليبية بسبب عدم قدرة أي طرف من حكم البلاد بصورة دستورية.

 ربما كان أحد أسباب عدم استقرار بلدان مثل العراق ولبنان وتونس وليبيا هو الدستور الذي قام على أساس النظام البرلماني، حيث تم تفصيله على مقاسات مصنوعة في الخارج، وحتى لو  كان التصميم دقيقًا، إلّا أنه لا يصلح بالضرورة لهذه البلدان التي تعاني من انقسامات دينية وطائفية وإثنية وجهويّة، ساهم الدستور المشوّه في زيادة تشويهها، وهو ما يعكسه الدستور اللبناني، الذي تكرّس في ميثاق الطائف العام 1990، والدستور العراقي  الذي صاغه نوح فيلدمان الأمريكي المتعصب "لإسرائيل"، وقام بوضع العديد من الألغام فيه بيتر غالبرايت، مثلما عملت جهات أممية ومحلية وبتوجيهات أحيانًا من مراكز أبحاث ودراسات أمريكية لفرض نظام برلماني على بعض البلدان العربية التي خرجت لتوّها من جوف الديكتاتورية والاستبداد، وليس لها تجربة سابقة في النظام البرلماني، ناهيك عن أجواء الانفلات التي شهدتها وضعف الدولة وانتشار السلاح خارج القانون، فضلًا عن محاولة الاستقواء بالخارج.

  إن مهندسي الأنظمة ما بعد التغيير والذين اختاروا النظام البرلماني، كانوا يدركون أن التوافق بين الكتل البرلمانية لتأمين أغلبية في غاية الصعوبة، وإن تحقّقت وتشكّلت الحكومة فسيكون برنامجها ضعيفًا وتقترب سياستها من تصريف الأعمال بسبب الصيغة التوافقية، حيث تعاني من الهشاشة وعدم التماسك، وتعيش حالة من الأزمات المستمرّة. جدير بالذكر أن النظام البرلماني يقوم على ركيزتين أساسيتين، هما رئيس فخري دون صلاحيات تذكر ، وبرلمان يختار رئيس الوزراء الذي يشكّل الحكومة بتوافق القوى، ويكون خاضعًا للاستقطابات السياسية.

            إن الدول التي انتقلت إلى النظام البرلماني، وخصوصًا في العالم الثالث، عانت من الجمود السياسي، وأحيانًا عاشت لفترات غير قصيرة حالة من التعويم قبل التوصّل إلى اتفاقات هشّة. ولذلك تبرز دعوات عديدة ومن مواقع مختلفة لتغيير الدساتير الجاهزة، والتي جاء بعضها مع الاحتلال أو طبقًا لوصفات دولية لم تكن بعيدة عنها أيادي القوى المتنفّذة، والهدف هو تغيير النظام البرلماني إلى نظام رئاسي أو مختلط يعطي لرئيس الدولة صلاحيات فعلية وهو أقرب إلى النظام الفرنسي بعد العام 1958 تجنّبًا لما يرافق النظام البرلماني من أزمات سياسية تنعكس سلبًا على إدارة الدولة بجميع مرافقها الحيوية بفعل عوامل خارجية أو داخلية.

            والنظام البرلماني، وإنْ كان له امتدادٌ في بريطانيا لنحو خمسة قرون، وناجحًا حتى في ظلّ دستور غير مكتوب، لكنه لم يكتب له النجاح في العراق و ليبيا و لبنان و تونس و غيرها، فالأمر مرهون بدرجة تطوّر المجتمع وتراكم التقاليد الدستورية والثقافية والقانونية بشكل عام،

وهكذا بدت هذه  الدساتير وكأنها تفقد قابليتها على الحياة. وأي دستور ينبغي أن ينبع من حاجات الناس الفعلية، لا أن يتم إملاؤه من الخارج، حتى وإن حيكت عباراته بنسيج جميل، لكن الفشل سيكون مصيره لا محال.

 

 

 

الهند والإسلاموفوبيا

عبد الحسين شعبان

 

أثار تصريحان أدلى بهما مسؤولان في حزب بهارتيا جاناتا القومي الهندوسي الحاكم في الهند ردود فعل إسلامية وعربية وعالمية كبيرة، وقد شملت تلك التصريحات إساءة إلى نبيّ المسلمين الرسول محمد (ص).
ولم تكن تلك المرّة الأولى التي توجه فيها انتقادات إلى الحزب الحاكم منذ تولّيه السلطة عام 2019 وهو ثاني أكبر حزب في البلاد بعد حزب المؤتمر الوطني.
لقد زاد عدد الحوادث العنصرية إزاء المجاميع الثقافية، وخصوصاً المسلمين في العقود الثلاثة ونيّف الماضية، الأمر الذي دفع دولاً عربية وإسلامية إلى مطالبة الحكومة الهندية بالاعتذار إزاء الإساءة إلى الرسول محمد (ص).
كما شاركت منظمات إقليمية وهيئات دينية في التنديد بتلك التصريحات مثل منظمة التعاون الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي والأزهر الشريف وهيئة كبار العلماء السعودية.

أوساط الحزب الحاكم

وعلى الرغم من اتخاذ حزب بهارتيا جاناتا قرارات انضباطية ضدّ بعض قيادييه الذين تمادوا في إطلاق التصريحات إزاء المسلمين ونبيّهم، إلّا أن أجواء الإسلاموفوبيا حسبما يبدو أصبحت متغلغلة في أوساط الحزب الحاكم. وقد تباهى ناريندرا مودي رئيس الوزراء في وقت سابق بعلاقاته بالعالم الإسلامي، بل وقام بزيارات عديدة إلى دول الشرق الأوسط، ولكن ذلك لم يمنع من الشعور بتضخم الهويّة الهندوسية على حساب الهويّات الأخرى، وخصوصاً الإسلام، وقد اضطّر الحزب الحاكم إثر نقد العديد من الدول العربية والإسلامية (إندونيسيا وماليزيا وباكستان (العدو اللّدود) وإيران وأفغانستان) إلى إصدار بيان جاء فيه “أن الحزب ضدّ أي أيديولوجيا تهين أو تحقّر أي طائفة أو ديانة” دون أن ينسى وصف المندّدين ﺑ “ضيق الأفق” وأن الهند تولي أعلى درجات الاحترام لجميع الأديان.
وبالطبع فإن الهند تدرك حجم الضرر الذي قد يصيبها إزاء تدهور علاقاتها مع العالم العربي، فالعمالة الهندية في دول الخليج العربي تقارب عشرة ملايين إنسان، وهي تشكّل مجتمعاً كاملاً للمغتربين الهنود وهم يغذّون الاقتصاد الهندي بإرسال نحو 35 مليار دولار سنوياً إلى الوطن الأم، كما يبلغ التبادل التجاري بين الهند ودول الخليج العربي نحو 87 مليار دولار، وترتبط الهند مع العراق والمملكة العربية السعودية باستيراد النفط، ومع قطر باستيراد الغاز الطبيعي.
تُعتبر التجربة الهندية من أكثر تجارب العالم تنوّعاً دينياً وطائفياً وقومياً وسلالياً ولغوياً، والمواطنة المتكافئة والمتساوية هي إحدى مبادئ الدستور الأساسية دون إهمال الإقرار بحقوق المجموعات الثقافية في ممارسة طقوسها وشعائرها الدينية بحريّة، ويُعدّ الدين الإسلامي ثاني أكبر الديانات المنتشرة في الهند، وهو من حيث العدد يأتي بعد الهندوسية. ويُقدّر عدد أتباع الديانة الهندوسية ﺑ 900 مليون نسمة، في حين أن عدد أتباع الإسلام حوالي 200 مليون نسمة، وهناك الديانة البوذية والمسيحية (التي انتشرت عبر البعثات التجارية والتبشيرية وبوصول البريطانيين إلى الهند) والديانات السيخية والكونفوشيوسية والزرادشتية وغيرها.

أجواء التسامح

وعلى الرغم من أجواء التسامح والإقرار بالتنوّع والاعتراف بالتعدّدية، خصوصاً وأن الدستور نصّ على ذلك بتأكيد مدنية الدولة ووضع مسافة واحدة من جميع الأديان، إلّا أن بعض النزعات العنصرية تأجّجت وانفلت بعضها في سنوات التسعينيات التي شهدت انفجار ما سمّي بالهويّات الفرعية على المستوى العالمي، بل قاد إلى تشظّيها أحياناً وأدّى إلى أشكال مختلفة من العنف والإرهاب.
وإذا عرفت الهند بوجهها المدني العلماني الديمقراطي في العالم الثالث، فإن مثل تلك التصرّفات الاستفزازية للمسلمين تلحق ضرراً كبيراً بالديمقراطية، علماً بأن المسلمين في آسيا يشكّلون قوّة كبيرة، فإندونيسيا يبلغ عدد سكانها حوالي 275 مليون نسمة والباكستان 238 مليون نسمة وبنغلاديش 165 مليون نسمة، وهناك عدد كبير من المسلمين في بلدان أخرى، ولو لم تنفصل الباكستان عن الهند العام 1947، وبنغلاديش عن الباكستان العام 1971 لكان عدد المسلمين فيها يزيد عن 600 مليون نسمة.
وخلال ربع القرن الماضي تصاعدت الاتجاهات الهندوسية اليمينية المتطرّفة وعلى نحو تدريجي بدأت بعض أعمال العنف ضدّ المسلمين وبقية المجموعات الثقافية وهو ما خلق ردود فعل مماثلة. ولعلّ التصريحات الأخيرة المسيئة للرسول محمد (ص) جاءت لتصبّ الزيت على النار ولتؤجّج الصراع الهويّاتي، خصوصاً باستفزاز مشاعر المسلمين، بما يؤدي إلى تهديد منظومة القيم الديمقراطية، وهي تعيد إلى الأذهان بعض المجازر التي حدثت في السابق والصدامات والتفجيرات التي راح ضحيّتها الآلاف من الأبرياء.
العنف دليل تعصّب والأخير حين يتمكّن من الإنسان يصبح تطرّفاً وحين يتحوّل إلى سلوك يصير عنفاً وحين يضرب العنف عشوائياً يصبح إرهاباً وإذا ما حاول إضعاف ثقة الإنسان والمجتمع بالدولة وكان عابراً للحدود يصبح إرهاباً دولياً، ولكن هذا شيء وحين يكون ممارسة حكومية أو بتشجيع منها أو تواطؤ معها فإنه يصبح عنفاً منظّماً وهدفه إقصائياً وإلغائياً وتهميشياً.
لقد جسّد غاندي النموذج الديمقراطي المتعايش بتحالفه مع المسلم عبد الغفّار خان، وذهب ضحيّة التعصّب الهندوسي دفاعاً عن وحدة الهند، وكان يردّد أنه مسلم بقدر ما هو هندوسي، فالدين ليس بالطقوس، ولكن بالعمل والأخلاق والمعاملة، وهذه جوهر رسالة الرسول محمد (ص).

كاتب عراقي

 

 

100 عام

على المأساة الفلسطينية

عبد الحسين شعبان

 

منح مؤتمر سان ريمو 19 – 25 أبريل / نيسان 1920 بريطانيا «حق» الانتداب على فلسطين دون استشارة أهلها أو أخذ رأيهم أو الاستماع إلى رغبتهم، وسعت هي بعد ذلك إلى الحصول على قرار دولي من عصبة الأمم، يعترف لها بحق الانتداب وهو ما تحقق في 22 يوليو / تموز 1922. ونجم عن تلك القرارات المجحفة مشكلة دولية «ساخنة» تفاقمت مع مرور الأيام وما تزال إلى اليوم تغلي في تصاعد مستمر.
ولعل آخر ما قامت به قوات الاحتلال «الإسرائيلي» هو اغتيال الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة في وضح النهار وهي تقوم بعملها المهني المحمي دوليا وفقا لقواعد القانون الإنساني الدولي واتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977، في تجاهل كامل وإنكار مستمر للقوانين والأعراف الدولية واستهتار بالرأي العام العالمي والقيم الإنسانية.
ويصادف في 22 يوليو/ تموز المقبل مرور 100 عام على قرار عصبة الأمم الذي كان بداية المأساة الفلسطينية، ولاسيما بالقضم التدريجي لاحتلال السوق واحتلال العمل تمهيدا لاحتلال الأرض، والذي حاولت فيه بريطانيا «توريط» المجتمع الدولي ليتحمل مسؤوليته معها بدلا من اقتصاره عليها، وذلك تساوقا مع المشروع الصهيوني الهادف إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين وتنفيذا لوعد بلفور الذي منحه وزير خارجية بريطانيا السير آرثر بلفور إلى اللورد روتشيلد والقاضي بإقامة «وطن قومي لليهود في فلسطين»، وذلك في 2 نوفمبر / تشرين الثاني العام 1917 والذي غير مجرى الشرق الأوسط، انسجاما مع اتفاقية سايكس – بيكو بين وزيري خارجية بريطانيا وفرنسا (مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو) لتقسيم البلاد العربية وبمشاركة من روسيا القيصرية وإيطاليا والتي صادقت عليها حكومات تلك البلدان بين 9 – 16 مايو / أيار 1916، وهي اتفاقية كشفتها روسيا البلشفية بعد انتصار ثورة أكتوبر 1917 في إدانة الدبلوماسية السرية التي اعتمدتها الدول الاستعمارية، خصوصا عشية الحرب العالمية الأولى، لاسيما إزاء تركة الامبراطورية العثمانية.
وما بين الحربين العالميتين الأولى 1914 – 1919 والثانية 1939 – 1945، أي في عهد عصبة الأمم ولاحقا عشية وبُعيد تأسيس الأمم المتحدة، لعبت بريطانيا دورا محوريا في إحداث تغيير ديموغرافي في فلسطين نتج عنه تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين والتي بلغت مديات بعيدة وبأعداد ضخمة في مسعى لدعم المشروع الصهيوني بالعنصر البشري الذي ظل بحاجة إليه حتى اليوم، وتهجير الشعب العربي الفلسطيني من وطنه وحرمانه من حقه في تقرير مصيره.
وقد ظلت الاستراتيجية الصهيونية منذ ذلك الوقت وحتى هذه اللحظة تقوم على عنصرين أساسيين أولهما – محاولة استقطاب يهود العالم والزعم بتمثيلهم، وخصوصا بالهجرة إلى «إسرائيل» طبقا للرواية الصهيونية بأن «فلسطين» أرض الميعاد، وثانيهما – الإجلاء والترحيل والتهجير للفلسطينيين (الترانسفير) وطردهم من بلادهم مقابل الإحلال والاستيطان وبناء المستعمرات. وظلت «إسرائيل» بحاجة إلى كلا الركنين، ليس لمرحلة التأسيس حسب، بل حتى في الثمانينيات سعت الصهيونية لعقد صفقة الفلاشا (مع يهود أثيوبيا) بعملية سرية قام بها جهاز الموساد «الإسرائيلي» وبتواطؤ من الرئيس السوداني محمد جعفر النميري وذلك في العام 1985 وما بعده. وكان الدعم الأكبر للاستراتيجية الصهيونية في نهاية الثمانينيات بفتح باب هجرة اليهود السوفييت إلى «إسرائيل» والذين بلغ عددهم نحو مليون مهاجر. و»إسرائيل» إلى اليوم بأمس الحاجة إلى العنصر البشري، بحكم الزيادة السكانية الفلسطينية وارتفاع عدد المواليد.
لم تكتفِ بريطانيا بالتواطؤ مع الصهيونية حسب، بل عملت على إشراك المجتمع الدولي في تحقيق أهداف الحركة الصهيونية، وذلك بعرضها قضية فلسطين على الأمم المتحدة بعد تنصلها من مسؤولياتها، خصوصا بعد تهيئة كل المستلزمات لقيام «دولة إسرائيل» ومماطلتها في منح الشعب العربي الفلسطيني حقه في تقرير مصيره وإنهاء الانتداب البريطاني، خصوصا في لحظة التباس دولية، حيث «فازت» الصهيونية بالحصول على دعم الغرب والشرق على حساب أصحاب البلاد الأصليين، وكأن الصراع الدولي دخل حالة غيبوبة ليصحو على مساومة تاريخية ظالمة لحظة البت بمستقبل فلسطين العام 1947 وما بعدها عند تأسيس «إسرائيل» العام 1948.
إن محاولة بريطانيا إشراك المجتمع الدولي لم تكن سوى عملية تهرب من المسؤولية الملقاة على عاتقها باعتبارها الدولة المنتدبة، حيث قررت بريطانيا في 2 نيسان / إبريل 1947 رفع القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة، ثم أعقبتها بخطوة أخرى في 26 أيلول / سبتمبر من العام نفسه، حيث أعلنت نيتها في الانسحاب من فلسطين، خصوصا بعد احتدام النقاش والجدل بشأن القضية الفلسطينية، وتصاعد نضال الشعب العربي الفلسطيني ودعم وإسناد الشعوب العربية بهدف إلغاء الانتداب وتحقيق انسحاب القوات البريطانية وبالتالي تمكين الشعب العربي الفلسطيني من تقرير مصيره بنفسه.
وقبيل إعلان بريطانيا انسحابها، أثارت فتنة كبرى وأشعلت أوار حرب أهلية بين سكان البلاد الأصليين وبين المستوطنين اليهود، وذلك لرمي مسؤولية اتخاذ قرار بحل القضية الفلسطينية على الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والتخلص من مسؤولية الانتداب الذي يقضي «إقامة حكومة وطنية فلسطينية تتسلم مقاليد الأمور بعد خروج الدولة المنتدبة».
وبعد مناقشات وصراعات وتقديم العديد من المقترحات صدر القرار 181 والمعروف ﺑ قرار التقسيم في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1947 بأغلبية 33 صوتا مقابل 13 صوتا ضد القرار وامتناع 10 دول عن التصويت. وأثار هذا القرار جدلا طويلا ولم ينقطع لحد الآن، حتى بدا بحكم استمراره وتواصله قضية راهنية وليست تاريخية فحسب، بسبب الاستقطابات والتقاطعات وتبدل المواقف، ناهيك عما ألحقه من أذى ما يزال مستمرا ومتعاظما بحق الفلسطينيين والأمة العربية ومسألة التقدم والتنمية في عموم المنطقة، خصوصا وأن تداعياته تركت بؤرة توتر مستديمة للصراع في الشرق الأوسط، وهي أقرب إلى بؤرة بركانية عدوانية تنفجر بين الفينة والأخرى دون أن يلوح أي أمل في سلام عادل وأمن وأمان حقيقيين في الشرق الأوسط بوجودها.
إن اقتراب الذكرى المئوية لقرار العصبة بالموافقة على انتداب بريطانيا على فلسطين، يعيد إلى الأذهان المأساة الفلسطينية التي ما تزال ماثلة للعيان كأكبر مأساة عرفها التاريخ المعاصر، كما يعيد مسؤولية بريطانيا «الدولة المنتدبة» والمجتمع الدولي «عصبة الأمم» وبعدها «هيئة الأمم المتحدة»، الأمر الذي يتطلب تصحيح هذا المسار انسجاما مع مبادئ العدالة والإنصاف التي جسدها ميثاق الأمم المتحدة، وريث عهد عصبة الأمم.
وإذا كان من غير الممكن إعادة عجلة الزمن إلى الوراء، إلا أن من المناسب اليوم وقد تعززت شرعة حقوق الإنسان الكونية وتجذرت القيم الإنسانية على المستوى النظري على أقل تقدير بصدور العديد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية، كما تعمقت قواعد القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي، أن يتوقف المجتمع الدولي لإعادة النظر بما حصل للشعب العربي الفلسطيني وتعويضه عما لحق به من غبن وأضرار وهو ما طالبت به جهات حقوقية عربية وشخصيات بارزة، الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش، داعية إلى الإفساح في المجال لعقد ندوة دولية في مبنى الأمم المتحدة في المقر الرئيسي (جنيف)، وهو المبنى الذي بارك عملية التغيير الديموغرافي القسري في فلسطين، في ظل الانتداب الذي منحته العصبة إلى بريطانيا.
ويبقى الأمل في أن تنعقد هذه الفعالية الحقوقية في تموز / يوليو 2022 وهي مناسبة للذكرى الأممية لمرور 100 عام على تصديق عصبة الأمم على صك الانتداب في فلسطين، وحتى اليوم لم يستلم الدكتور جورج جبور بصفته رئيسا للرابطة السورية للأمم المتحدة وكاتب السطور بصفته الأمين العام للرابطة العربية للقانون الدولي ما يفيد بالتحضير لمثل هذا الحدث، وهو ما يدفعهما لعقد ندوة أو جلسة لمناقشة الأمر على المستوى العربي في إطار توجهات حقوقية وإنسانية بإطلاق حملة تضامن عالمية جديدة مع الشعب العربي الفلسطيني، فكل ما جرى في فلسطين خلال اﻟ 100 عام يعتبر جريمة دولية ضد الإنسانية، لا بد للعالم المتحضر من وضع حد لها.

أكاديمي وحقوقي عراقي (القدس العربي) لندن

 

 

 

العراق: استعصاء

سياسي أم أزمة بنيويّة؟

عبد الحسين شعبان

 

ما يزال العراق يعيش وضعاً استثنائياً بكل ما لهذه الكلمة من معنى. وهذا الوضع الاستثنائي يستمر منذ ما يزيد عن أربعة عقود من الزمن، ففي عام 1980 دخل العراق حرباً مع إيران، ظلّ أوارها مشتعلا لثماني سنوات (1988). وفي عام 1990، بدأت مغامرة غزو الكويت في 2 أغسطس وقادت إلى كارثة حقيقية بمسلسل قائم حتى الآن.
كانت البداية حرب قوات التحالف عام 1991 لتحرير الكويت، لكنها قادت إلى تدمير جزء كبير من البنية التحتية والمرافق الحيوية العراقية، والأكثر من ذلك تم فرض حصار دولي شامل، طحن عظام العراقيين مثلما محق كراماتهم، دام 12 عاماً ونيّف وكان أقرب إلى إبادة جماعية، وتُوّج لاحقاً باحتلال ممنهج في إطار ما أطلق عليه “الفوضى الخلّاقة” (2003)، بزعم امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل والعلاقة بالإرهاب الدولي، فضلاً عن إقامته ديمقراطية تكون نموذجاً للشرق الأوسط. فما الذي حصل؟ أقيم نظام حكم أساسه المحاصصة الطائفية ـ الإثنية والتقاسم الوظيفي وتقديم قوى ما دون الدولة لتصبح ما فوقها، سواءً كانت دينية/ طائفية، أم إثنية أم عشائرية أم حزبية أم جهوية أم غيرها، خصوصاً في ظلّ انتشار السلاح ونشاط ميليشيات تم دمجها بالجيش أو ظلّت خارجه، وتفشّي ظواهر العنف والإرهاب واستشراء الفساد المالي والإداري نتاج الفساد السياسي القائم على المغانم والزبائنية.
ذلك كان حصيلة ما بعد الديكتاتورية التي حكمت البلاد ثلاثة عقود ونيّف من الزمن، فأنتجت تشوّهات عديدة في المجتمع العراقي زادها الحصار الدولي عمقاً وتشعّباً ما أضعف الوطنية العراقية ودفع بالهويّات الفرعية الإثنية والطائفية إلى الصدارة في عملية انفجارية ساعد في تقنينها الدستور العراقي النافذ (2005) تحت عنوان “المكوّنات” التي جاء على ذكرها عدّة مرات (مرّتان في المقدّمة وفي المواد 9 و12 و49 و125 و142) كما حمل الدستور ألغاماً عديدة تكاد تنفجر في كلّ لحظة وأمام أي منعطف وزاوية، مهدّدةً النسيج العراقي ومُضعفةً الوحدة العراقية. جدير بالذكر أن المسوّدات الأولى لقانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية كانت من إعداد نوح فيلدمان الأمريكي المتعاطف مع “إسرائيل”، وشارك في وضع الألغام بيتر غالبرايت وهو دبلوماسي أمريكي، وكان أول سفير للولايات المتحدة في كرواتيا، وتمّ ترحيل العديد من مواد “الدستور المؤقت” إلى الدستور الدائم الذي كانت مرجعيّته الفكرية وخلفيته الحقوقية “قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية”. ولعلّ حالة التشظّي والتفتّت وعدم الثقة نجمت عن ممارسات استعلائية وتهميش من جانب الحكومات المتعاقبة للمجموعات الثقافية، خصوصاً فترة النظام السابق، الذي استمرّ بطرق مختلفة ومنفلتة، الأمر الذي فجّر أزمة الهويّة وقاد إلى تمترسات تهدّد مستقبل التعايش ووحدة البلاد، وهكذا تعكّز أمراء الطوائف والمستفيدون من النظام الجديد على الامتيازات الكبيرة التي حصلوا عليها خارج دائرة المواطنة، والتي جرى تعويمها رغم أن الدستور جاء عليها. وبالطبع فإن هذه الامتيازات سوف لا يتم التنازل عنها طوعاً أو عن طيب خاطر، لأن هؤلاء يعتبرونها مكاسب واستحقاقات للمكوّنات لن يتخلّوا عنها.

تدهور الوضع العراقي قد يقود إلى تصدعات في الوحدة الوطنية، وهو ما كان بايدن قد دعا إليه تحت عنوان الفيدراليات التي هي أقرب إلى كانتونات شبه منفصلة

لعلّ ذلك يشكّل الخلفية للاستعصاء الذي وصلت إليه العملية السياسية، التي لم تعد قادرة على الاستمرار بالطريقة التي بدأت فيها بعد احتلال 2003، حيث وصلت إلى طريق مسدود، وهو ما يعترف به حتى المشاركون فيها، بل والمتحمسون لاستمرارها، رغم تعثّرها وفشلها، خصوصاً أن كلّ طرف يرمي المسؤولية على الأطراف الأخرى، علماً بأن منتفضي تشرين 2019 يضعون المسؤولية كاملة على المشاركين وكلّ حسب حجمه ودوره ونفوذه، دون نسيان العامل الخارجي، ولاسيّما الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإيران، التي يمتدّ نفوذها إلى العمق العراقي وغيرها من القوى الإقليمية والدولية. خلال السنوات التسع عشرة ونيّف الماضية أُجريَت خمسة انتخابات في عام 2005 و2010 و2014 و2018 ثم في عام 2021، لكن قاعدة العملية السياسية بدلاً من التوسّع زادت ضيقاً وانحساراً ولا جدوى، حتى أن المشاركة في الانتخابات في الدورتين الأخيرتين كانت محدودة جداً ووصلت إلى أقل أو أكثر بقليل من 20% حسب التقديرات المتشائمة والمتفائلة على حدّ سواء. في 15 أكتوبر 2021 أجريت آخر انتخابات، لكن استكمال المراحل التنفيذية بعد اختيار رئيس البرلمان لم يتم حتى الآن، والمقصود اختيار رئيس الجمهورية الذي سيكلّف رئيساً للوزراء بتشكيل الوزارة التي يتمّ عرضها على البرلمان لنيل الثقة أو حجبها. وحسب الدستور النافذ المادة 76 “يكلّف رئيس الجمهورية مرشّح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء خلال 15 يوماً من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية”، وبما أن الأمر لم يتم، فقد استمرّ الوضع الاستثنائي منذ ما يزيد عن 7 أشهر وما يزال بسبب تقديم كل من الإطار التنسيقي والتيار الصدري قوائم تشير إلى كونها الكتلة الأكبر نيابياً، ولم يتم البت فيها نظراً للطعون المقدّمة، خصوصاً الالتباس حول مفهوم الكتلة الأكبر، أي قبل الانتخابات أو ما بعدها باتحاد قائمتين أو أكثر. واستمرت فرق الشيعية السياسية بالتنافس والسعي لتشكيل حكومة، بتحالف من خارجها ومن داخلها، لكنها لم تفلح حتى الآن، علماً أن السيّد مقتدى الصدر منح قوى الشيعية السياسية المنافسة له مدّة شهر واحد لتشكيل الحكومة، وقال في آخر تصريح له سيكون لنا موقف آخر إن لم يتم التمكّن من تشكيل الحكومة. والاختلاف بين وجهتين، فالتيار يدعو إلى حكومة أغلبية وطنية (ولكن بتحالف الكرد والسنة أي العودة إلى المربّع الأول مع تغيير طفيف لجزء من الشيعية السياسية بدلاً من تمثيلها الكامل)، والإطار الذي يدعو إلى حكومة توافق دون عزل القوى الكبرى (وهو كذلك عودة إلى المربّع الأول).
وهكذا ما تزال العصي قويّة ومعطّلة في دواليب العملية السياسية، والشارع يغلي بسبب شح الخدمات الطبية والتعليمية وارتفاع نسبة البطالة، فضلاً عن النقص الحاد والمعتّق في الكهرباء وأزمة المياه المستفحلة، التي زادتها أزمة القمح بسبب انفجار الأزمة الأوكرانية، ورغم واردات النفط التي بلغت 115 مليار دولار هذا العام وارتفاع أسعاره، فإن الحالة الاقتصادية تزداد تدهوراً والوضع المعيشي يزداد سوءا، حيث لجأت الحكومة إلى تخفيض سعر الدينار أمام الدولار، والأمر يشمل المعضلات السياسية المتراكمة بين الحكومة الاتحادية والإقليم حول النفط والمنافذ الحدودية والرواتب، ناهيك من التنازع حول عائدية بعض المناطق المختلطة، إضافة إلى ما تعرّض له المسيحيون والإيزيديون وبقية المجموعات الثقافية من استهدافات طالت وجودهم ومستقبلهم، حيث اتسع نطاق الهجرة على نحو شديد. وحتى لو تشكّلت الحكومة من أي من الفريقين أو بتعاونهما، فماذا يمكن أن تنتج في ظلّ نظام أسّس على المحاصصة ( رئيس الجمهورية: من حصّة الكرد ورئيس الوزراء: من الشيعية السياسية ورئيس البرلمان: من السنية السياسية). وهكذا تستمر خريطة التقسيم والفرز من الأعلى إلى الأدنى، حيث تتكرّس هذه الحالة بتعويم الوحدة الوطنية والإرادة السياسية الموحّدة، خصوصاً في القضايا الحاسمة والأساسية، الأمر يضع الباحث أمام ثلاثة احتمالات كما تقول الدراسات المستقبلية.
الأول ـ استمرار الوضع على ما هو عليه دون تغيير يذكر، وهذا سيكرّس الانسداد السياسي ويعمّق محتوى الأزمة وقد يقود إلى الانفجار.
الثاني ـ تحسّن الوضع ولو ببطء وبالتدرّج، الأمر الذي يحتاج إلى تفاعل الإرادات السياسية والتخلّص من النظام المحاصصاتي، وهذا يتطلّب تعديلات جوهرية في الدستور لإزالة الألغام منه وتحديد المعاني والمباني بنحو واضح، خصوصاً علاقة بغداد بأربيل، ناهيك من اعتماد مبادئ المواطنة والمساواة الأساس في علاقة المواطن بالدولة. إذْ لا مرجعيّة ينبغي أن تعلو فوق مرجعية الدولة، خصوصاً باعتمادها حكم القانون.
الثالث ـ تدهور الوضع وقد يقود ذلك إلى احترابات وتصدعات في الوحدة الوطنية، وهو ما كان الرئيس جو بايدن قد دعا إليه تحت عنوان الفيدراليات التي هي أقرب إلى دوقيات أو كانتونات شبه منفصلة، بإقامة الحدود فيما بينها وتحديد هويّات المرور (أقرب إلى جوازات سفر) ووضع قوّة فاصلة لمنع الاحتراب، وهو المشروع الذي قدّمته إلى الكونغرس عام 2007، وهذا عملياً يعني تقسيم العراق وإن كان على مراحل ووفقاً للأساس الإثني ـ الطائفي، الأمر الذي قد يقود إلى عمليات تطهير جديدة دينية/ طائفية وعرقيّة، ولعلّ استمرار الحال على ما هو عليه، خصوصاً عدم الثقة بين المجموعات السياسية سيؤدي إلى أن يصبح الأمر الواقع واقعاً.

*أكاديمي وحقوقي عراقي

(القدس العربي)

 

 

جودت سعيد:

هو الذي أنفق عمره في اللّاعنف

 

عبد الحسين شعبان

 

 

            "الإنسان هو اللّاعنف وإلهه العدل والإحسان" هذا ما كتبه بخط يده جودت سعيد المفكر السوري اللّاعنفي، وأرسله إلى جامعة اللّاعنف في نظرة استبشاريه بإنشاء مؤسسة أكاديمية تُعنى بثقافة اللّاعنف وفلسفته وتاريخه والتربية عليه وحلّ الخلافات بواسطته في إطار نشر قيم السلام والتسامح والتآخي والعيش معاً لمقاومة الظلم والدفاع عن الحقوق، وذلك عبر تخصّصات حديثة وغير مسبوقة مثل الأديان واللّاعنف والإعلام واللّاعنف والتنمية واللّاعنف  وصولاً إلى مسرح اللّاعنف.

            رحل جودت سعيد عن دنيانا في اسطنبول فجر يوم الأحد 30 يناير / كانون الثاني 2022 عن عمر ناهز 91 عاماً، حيث ولد في مدينة القنيطرة السورية (1931 / قرية بئر عجم) التابعة للجولان السوري، التي دمّرتها القوات "الإسرائيلية" خلال حرب تشرين / أكتوبر العام 1973 ، ومن المفارقة أن يرحل بعد أيام من رحيل رفيق مشروعه الفكري جان ماري مولر فيلسوف اللّاعنف المعاصر (12 يناير / كانون الثاني 2022 )، فمنذ لقائهما الأول في دمشق العام 2004 كان ثمّة كيمياء بين الرجلين اختلطت مكوناتها وعناصرها بتفاعل كبير في بيروت من خلال الجامعة وزادتها مداخلات ومراسلات عديدة، فضلاً عن حوار موسّع بينهما نشره مولر باللغة الفرنسية وتُرجم إلى اللغة العربية.

مفكر اللّاعنف العربي

            يُعتبر جودت سعيد من أوائل المفكرين العرب الذين استخدموا كلمة اللّاعنف منذ كتابه "مذهب ابن آدم الأول – مشكلة العنف في العالم الإسلامي" الصادر في العام 1964 ، وحاول فيه الرد على سيّد قطب زعيم "حركة الإخوان المسلمين" الذي كان يدعو إلى العنف بزعم أن القرآن الكريم "يشرّع العنف لنُصرة دين الله" في قراءة مبتسرة للنصوص القرآنية دون أخذها بسياقها التاريخي، فضلاً عن تفسيراتها الإغراضية وتأويلاتها السياسوية بعيداً عن روح العصر، وهو ما عارضه سعيد الذي كان يدعو إلى ضرورة ارتقاء البشرية إلى مستوى الروح.

            ويتوقّف جودت سعيد عند حكاية هابيل وقابيل ليؤكّد أن التاريخ بدأ بموقف لاعنفي وليس بجريمة قتل، وأن هابيل خاطر بنفسه لكي لا يكون قاتلاً بما يظهر المسؤولية الأخلاقية التي ينبغي على الإنسان أن يتجشّمها من خلال رفضه أي تواطؤ مع الشر. ويذهب أبعد من ذلك حين يؤكّد أن الإسلام وجميع الأديان والأنبياء يشاطرون ابن آدم في مقاومته للشر والصبر على الظلم الذي ينزل على الإنسان، وذلك بالدعوة إلى الحوار وتحمّل النتائج ورفض الأذى والعزم على مواجهة العنف باللّاعنف، بإعلاء حريّة التفكير والاعتقاد "ولنصبرنّ على ما آذيتمونا" (سورة ابراهيم – الآية 12 ).

            ويُرجع سعيد سبب الحروب إلى عوامل عديدة أهمها العوامل الفكرية، والمقصود بذلك "التعصب" ، سواء لدين أو مذهب أو أيديولوجية سياسية أو نظام أو غير ذلك، والسعي للهيمنة تحت مزاعم شتّى تارة بادعاء الأفضليات أو امتلاك الحقيقة أو المظلومية أو الأغلبية، تلك التي تقوم على الإقصاء والإلغاء والتهميش والعزل، لاسيّما "بالتطرّف" .

            وحين يصبح هذا الأخير سلوكاً وينتقل من القول إلى الفعل يتحوّل إلى "عنف"، والعنف حين يضرب عشوائياً يصير "إرهاباً"، وحين يتجاوز الحدود بهدف إضعاف ثقة الإنسان بالدولة والمجتمع وبالقوانين الوطنية والدولية يكتسب صفة "إرهاب دولي".

   في العنف يتم اختيار الضحية بذاتها ولذاتها، لأن من يمارس العنف يعرف ضحاياه، سواء لأسباب فكرية أم سياسية أم اقتصادية أم دينية أم طائفية أم عنصرية أم شخصية، في حين من يرتكب الإرهاب يستهدف زعزعة الأمن وإحداث الرعب في المجتمع ككل، وبما يتعداه إلى المجتمعات الأخرى، خصوصاً حين يكون الفعل الإرهابي عابراً للحدود.

             وحسب جودت سعيد فإن الكراهية هي "جراثيم فكرية" تتغلغل في بعض المجتمعات كما تخترق الجراثيم  جسم الإنسان ، لدرجة أن بعض الأفراد من جرّاء تأثيرها يقومون بأعمال وحشية، وذلك بسبب الجهل "المادة الحاضنة للكراهية" والدافع أحياناً لاستخدام العنف ضدّ الآخر، والمعرفة هي التي تتيح للإنسان سلوك سبيل الصراط المستقيم، صراط الحكمة بتجنّب الشر والركون إلى فعل الخير وعكس ذلك فالجاهل قد يلتجأ إلى العنف لأن معارفه للتفريق بين الخير والشر شحيحة إن لم تكن معدومة.

اللقاء المثير

            قرأت لجودت سعيد قبل أن أتعرّف عليه ثم التقيت به أكثر من مرّة واستمعت إليه  وحاورته، المرة الأولى في صيف العام 2009  حين جاء إلى الجامعة مهنئاً بتأسيسها، حيث فوجئت بهذا "الشاب" الثمانيني حينذاك وقد جاء من سوريا ليشارك الطالبات والطلاب فصلاً دراسياً، وحين سألته عن رحلته الطويلة والعويصة مع العنف، قال لي: جئت أتزوّد بفلسفة اللّاعنف وثقافته أكاديمياً. وكم كان مسروراً ومتفائلاً بتجربته تلك مع "زملاء" قال عنهم يشاطرونه مقاعد الدراسة وهم بعمر أولاده وبعضهم بعمر أحفاده، الأمر الذي أضفى حيوية على المشهد. والشيء بالشيء يذكر، فقد كان في الصف الذي أدرّسه عن ثقافة اللّاعنف وحقوق الإنسان، الشيخ زهير الدبعي مدير الأوقاف والشؤون الدينية في نابلس  والمسؤول عن 62 جامعاً وتشاطره المقعد الدراسي ابنته التي جاءت هي الأخرى للحصول على شهادة عليا في اختصاص اللّاعنف، كفرع إضافي جديد ولتتعلّم مهارات وخبرات جديدة ومفيدة. وقد أصبح الشيخ الدبعي داعية لاعنفية متمسّكاً بالمقاومة المدنية.

            والتقيت به في العام 2010 ، حيث كان في غاية الانشراح والاستمتاع، فلم يأت للتزوّد من مَعين اللّاعنف أكاديمياً، بل هو من قدّم زاداً وفيراً للطلبة خلال محاضرة ألقاها عن "الإسلام واللّاعنف"، وأشار أنه حاول أن يزرع ثقافة اللّاعنف في سوريا منذ أن دخل اللّاعنف إلى حياته قبل 6 عقود ولم يخرج منها. وكان قد درس في الأزهر الشريف وعاد إلى بلده لأداء الخدمة العسكرية وتجادل مع مرؤوسيه فاعتقل أكثر من مرّة، وانصرف بعدها إلى الزراعة وتربية النحل وإلى إلقاء المحاضرات في اللّاعنف.

            وكنت قد سألته كيف اهتدى إلى اللّاعنف، فقال: تلك حيرتي الإنسانية منذ يفاعتي، حيث كنت وأنا الشركسي أميل إلى التواصل والتعامل والتفاعل مع الآخر على أساس العيش المشترك والمساواة واعتماد قيم التسامح والسلام، وأضاف حتى بعد تدمير القنيطرة، لم أتخلّ عن قناعاتي  بأهمية المقاومة اللّاعنفية، بل وضرورتها لردع العدوان.

            وحين اندلعت حركة الاحتجاج السورية في العام 2011 كان جودت سعيد من أوائل الذين حذّروا من اللجوء إلى العنف وسفك الدماء، وذلك أحد ثوابته الأساسية التي ارتكزت عليها نظرته إلى العلاقات الإنسانية، فضلاً عن قضية السلام الذي ينبغي أن يكون هدفاً للبشرية جمعاء.

رافد اللّاعنف الإسلامي

            قارب سعيد فكرة اللّاعنف وفلسفته من رافده الإسلامي، وهناك نماذج باهرة يزخر بها التاريخ العربي – الإسلامي مثل "حلف الفضول" ، حين اجتمع فضلاء مكّة في دار عبدالله بن جدعان وتعاهدوا على إعادة الحق إلى أصحابه وردّ الظلم وأن لا يدعوا مظلوماً من أهل مكة أو من دخلها إلّا ونصروه على ظالمه وأعادوا الحقوق إليه.

 أو من خلال "دستور المدينة" ، وهي "شرعة" كتبها الرسول محمد (ص) الذي جاء "يثرب" مهاجراً، فضمّنها حقوق الطوائف والأديان والمجموعات والعشائر المختلفة (يهود نجران والنصارى والمسلمون -  المهاجرون والأنصار) باحترام حريّة الدين والمعتقد. وتُعتبر صحيفة (دستور) المدينة نواة للدولة الجديدة بالإقرار بالتعددية والتنوّع للمجموعات الثقافية.

 أو "صلح الحديبية" الذي أكد لجوء الرسول محمد (ص) إلى الصلح والسلم والتسامح واستبعاد جميع الوسائل لتجنّب الحرب واللجوء إلى العنف، وقد اضطّرت قريش إلى الرضوخ له.

 أو "العهدة العمرية" التي هي عبارة عن وثيقة أصدرها الخليفة الثاني الفاروق عمر بن الخطاب (رض) بعد معركة اليرموك التي انتصر فيها العرب على الروم، فحين دخل مدينة القدس العام 15 ﻫ تعهّد ﺑ حفظ الحقوق لكونه مؤتمناً على حياة  نصارى وطوائف القدس وأمنهم وكنائسهم وأموالهم. وكان ذلك بحضور البطريرك صفرنيوس.

 أو "وثيقة فتح القسطنطينية" التي أعطاها محمد الفاتح إلى سكان الأستانة (اسطنبول) بعد فتحها (857 ﻫ / 1453 ﻡ)، منحهم حقوقاً أساسية هي الأمن والسلامة الشخصية وحفظ المال والعرض وتأدية الطقوس والشعائر الدينية، خصوصاً وأن معظم سكّانها كانوا من المسيحيين.

            وقد استهوت الفيلسوف الفرنسي جان ماري مولر فكرة المقاربة الإسلامية للّاعنف التي أقدم عليها جودت سعيد، وحاول هو في كتابه "نزع سلاح الآلهة" (بيروت – 2015 ) أن يأـتي عليها من منظور فريضة الإسلام والمسيحية، فحسب مولر ليس هناك صلة بين الإسلام وبين "الإسلامية" والمقصود بذلك الإسلاموية أو الإسلامولوجيا أي تحويل الدين إلى أيديولوجيا وهذه الأخيرة نسقية وتسيّدية في حين أن دين الإسلام يعلّم التسامح والسلام والعدل والرحمة والحب وهو ما يسمّيه "إسلام اللّاعنف" وهو الكشف عن النور في جوهر الدين، والأمر سيّان للمسيحية وجميع الأديان. 

ووفقاً  لجودت سعيد فإن اللجوء إلى العنف ستكون أثاره وخيمةً ليس على الآخر فحسب، بل ضدّ النفس أيضاً، علماً بأن عدم اللجوء إلى العنف لا يعني تخلياً عن الكفاح من أجل العدالة، بل اختيار أسلوب أنجع وأقلّ خسارة من المواجهة العنفية أي عدم مجابهة العنف  بعنف مضاد، بل رفض تقديم الولاء والطاعة لمن يقوم به، وذلك أفضل السبل وأقلّها ضرراً وأكثرها إنسانيةً.

التنويري العرفاني

            يمكنني القول أن جودت سعيد هو أحد كبار الفقهاء الإصلاحيين والتنويريين والإشراقيين العرفانيين، وهو امتداد للشاعر والمفكر الإسلامي الهندي محمد إقبال الذي تأثر بأرسطو وجلال الدين الرومي وغوته ونيتشه. وهو تواصُلٌ مع مدرسة علي عبد الرازق وطه حسين والمفكر الجزائري مالك بن نبي، وذلك في إطار الموجة الثانية بعد حركة الإصلاح الأولى في نهاية القرن التاسع عشر المتمثّلة بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ورفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وحسين النائيني. وهؤلاء جميعهم  دعوا إلى اعتماد العقل أساساً في الدين والمجتمع وهو ما يدعو إلى العلم، فكل عقل نبي على حدّ تعبير الشاعر أبو العلاء المعرّي الذي يقول:

            أيها الغرّ إن خصصت بعقل / فاتبعه فكل عقل نبي.

      فشاور العقل واترك غيره هدراً / فالعقل خير مشيرٍ ضمّه النادي

 

            لم يكن جودت سعيد سياسياً أو معنياً بالسياسة وإن كان همه سلام العالم، إلّا أن دعوته كانت أخلاقية ثقافية تنويرية، لأنه كان يدرك حجم الكوارث والمآسي التي يسببها العنف، وعلى غرار توماس هوبز كان يعتقد أن لا إصلاح حقيقي دون إصلاح الفكر الديني، ولذلك فقد سعى إلى نشر الثقافة الدينية المتسامحة التي تقوم على الحقيقة بعدم تسييس الدين وتوظيفه لأغراض حزبية أو طائفية أو سلطوية، وذلك بتجاوز العصبيات الدينية والمذهبية والأيديولوجية التفريقية.

نشرت في مجلة أفق (مؤسسة الفكر العربي) وفي جريدة الزمان (العراقية)

 

أحمد بن بلّة…

الطهرّية الثورية

 

عبدالحسين شعبان

 

كان أول مرّة ألتقي بها بالزعيم الجزائري أحمد بن بلّة في العام 1999، وكنت في جنيف، وعلى هامش مؤتمر دُعيت إليه من جانب وزير خارجية سويسرا جوزيف دايس، بمناسبة الذكرى الـ50 لتوقيع اتفاقيات جنيف الأربع في 12 آب/أغسطس 1949، في إطار مجموعة “خبراء المجتمع المدني”، علماً أن الاجتماع الرسمي الذي يمثّل الحكومات قد ألغيّ بعد 10 دقائق من بدئه بسبب معارضة الولايات المتحدة لانعقاده ممالأةً لإسرائيل التي تقف موقفاً سلبياً من اتفاقيات جنيف، وخصوصاً ملحقَيها: الأول الذي إعتبر الاستيطان جريمة دولية، وهو البروتوكول الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلّحة. أما البروتوكول الثاني فهو الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلّحة غير الدولية، وكلاهما صادران عن المؤتمر الدبلوماسي المنعقد في جنيف 1974 – 1977 مع دعوة لتطويرها وجعلها أكثر استجابة للتطورات والمتغيّرات الدولية.
وعلى الرغم من انفضاض المؤتمر الرسمي (الحكومي) إلّا أننا واصلنا اجتماعنا وأضفنا نقطة جديدة على جدول أعمالنا ألا وهي التغوّل الدولي للقِوى المتنفّذة، ومحاولة فرض رأيها على الاجتماع الأمميّ، وهكذا استثمرت مجموعة الخبراء في المجتمع المدني فرصة اجتماعها في مبنى الأمم المتحدة، لإصدار عدد من القرارات والتوصيات التي رفعتها إلى الأمم المتحدة بمناسبة مرور خمسة عقود على إبرام اتفاقية جنيف.
وقفتُ أمام بن بلّة، أتفحصه قبل أنّ نجلس ونتحدث في همومنا المشتركة، وكان يحضر معي تاريخ طويل وعويص من الذكريات والحكايا والقصص عن الثورة الجزائرية التي اندلعت في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 1954، ففي أول تفتح وعييّ كنت أهتف مع أبناء جيلي في العراق للثورة الجزائرية ولأحمد بن بلّة (أحمد بن بلّة… يسوه العرب كلّه) وكم كانت مؤثرة عملية اختطاف الطائرة من جانب المخابرات الفرنسية خلال تحليقها من الرباط إلى تونس وعلى متنها خمسة من قادة ثورة التحرير الجزائرية وهم: أحمد بن بلّة ومحمد خيضر وحسين آية أحمد ومحمد بوضياف ومصطفى الأشرف، وذلك في 22 تشرين الأول/أكتوبر عام 1956.

الجزائر وثورة تموز العراقية

شهدت الأشهر الأولى لثورة 14 تموز/يوليو 1958، تعاطفاً منقطع النظير وانعطافة كبيرة باتجاه الثورة الجزائرية، حتى أنّ الزعيم عبد الكريم قاسم أعلن دعمه وتزويده الجزائر بالأسلحة والمعدّات ومساعدتها بالأموال أيضاً، وذلك استكمالاً لجهود القاهرة وجمال عبد الناصر في دعم ثورة الجزائر، وحين قررّت الجزائر بعد توقيع “اتفاقية إيفيان” في العام 1962 مع فرنسا ونالت بموجبها استقلالها، دخول معركة التعريب، تطوّع الآلاف من الأساتذة والمدّرسين العراقيين في تلبية نداء العروبة والواجب، للقيام بهذه المهمة النبيلة، وذلك فرحاً واغتباطاً باستعادة هذا البلد العربي، الأصيل والمكافح، هوّيته وروحه.
وقد قام الصديق الدكتور عثمان سعديّ سفير الجزائر في العراق في السبعينيات باقتفاء أثر الثورة الجزائرية في الشعر العراقي، وكان حصيلة عمله الموسوعيّ أن وجد 255 قصيدة نظمها 107 شاعراً وشاعرة “عراقيون”.
ومن بين هؤلاء الشعراء الكبار: الجواهري وبدر شاكر السيّاب وعبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة. ويتألف كتاب عثمان سعدي من نحو 1000 صفحة، وطبع في جزئين (ثلاث طبعات) عن وزارة الثقافة الجزائرية.

تظاهرة شيوعية

وإذا كنت أنسى فلا أنسَى التظاهرة التي نظمًها الحزب الشيوعي العراقي والتي كانت تهتف للجزائر وثورتها وعروبتها وذلك خلال “مباحثات إيفيان” مع فرنسا وهدفها التضامن مع الشعب الجزائري والضغط على المجتمع الدولي للإسراع في منح الجزائر استقلالها، خصوصاً بعد أن فشلت محاولات الاستعمار الفرنسي في “فرنسة الجزائر” وتهميش هوّيتها ولغتها، من جهة، ومن جهة أخرى إخفاق فرنسا في قمعها للثورة الجزائرية، وفلّ عزيمة الثوار، سواء من جانب الجيش الفرنسي أو قوات “الكوماندوز” والمظليين والمرتزقة من جنسيات متعددة، أو المستوطنين الذين شكلوا منظمة سريّة باسم “اليد الحمراء” لخطف المناضلين الجزائريين وتعذيبهم. ولا يفوتني إلا أن أذكر الضربة القوية التي تعرّضتُ لها على ظهري حين هاجمتنا الشرطة لتفريق صفوفنا واعتقلت عدداً من المشاركين.

أول زيارة للجزائر

كانت أول زيارة لي للجزائر في العام 1982، حيث كنتُ ضمن وفد شعبي عراقي ضمّ: عوني القلمجي ومحمد النهر والمشهداني وإلتحق بنا كاظم حبيب، حيث كان مقيماً في الجزائر، والوفد كان باسم “جوقد” أي (الجبهة الوطنية والقومية الديمقرطية التي تأسست في دمشق نهاية العام 1980، والمجموعة المشار إليها تمثل بعثيين وقوميين وشيوعيين) وقد احتفيّ بنا بشكل خاص وأسكنّا في منطقة (سيدي فرج)، والتقينا فاعليات سياسية ومهنية وأكاديمية جزائرية.
بعد أن قابَلني بن بلّة بابتسامة لا تخلو من مسحة حزن واضحة، سألته كيف قضى أيامه في السجن؟ والتي زادت على أربعة عشر عاماً، فتدفق يتحدث عن معاناته والجحود الذي تعرّض له، وعدم الوفاء من جانب البعض، الأمر الذي ندمتُ عليه وشعرت بالحرج من سؤالي، وهكذا استبدلت الموضوع للحديث عن العراق، فـأشاد بالدور الرسمي العراقي على الرغم من معرفته أنني لست على توافق معه، لكنني كنت أقف بشدّة ضد الحصار المفروض على بلدي وأدين المشاريع الخارجية التي لا تضمرُ للعراق ودّاً، وهدفها بالدرجة الأولى تحقيق مصالحها الأنانية الضيقة ومآربها اللّا أخلاقية، فالحصار فعل إبادة لشعب أعزل وليس عقاباً للحاكم.
واتفقنا على تكثيف الجهود وتعبئة الطاقات وفتح الحوار مع أنشطة وفاعليات دولية حكومية وغير حكومية، للضغط بجميع الوسائل من أجل رفع الحصار المفروض على العراق، وانتهزتُ تلك المقابلة لتأكيد رأييّ بشأن أهمية وضرورة وقف الانتهاكات لحقوق الإنسان والانفتاح على القِوى الوطنية وإجراء إصلاحات داخلية وإطلاق الحريّات وإقرار التعددية والتنوّع وحكم القانون وحلّ القضية الكردية وإعادة المهجرين العراقيين وتعويضهم. وتلك منظومة كنت أدعو إليها، فمواجهة الإمبريالية ومشاريعها تتطلّب خطوات داخلية عملية وانفتاحا على القِوى الوطنية والتخليّ عن نهج احتكار العمل السياسي وقمع الحريات. وهي رسالة كانت رديفاً لخطابي بشأن لاإنسانية الحصار الدولي الجائر الذي تفرضه واشنطن.

ضد الحصار

وصادف حينها، وفي الفترة ذاتها، أن نظّم النادي العربي ورئيسه ضياء الفلكي مؤتمراً في لندن ضد الحصار الدولي الجائر، وبالتعاون مع المؤتمر القومي العربي وزعيمه خيرالدين حسيب، وذلك بعد مؤتمر المنظمة العربية لحقوق الإنسان التي كنت أتشرّف برئاستها، وكنت قد ألقيت فيه بحثاً بعنوان “الحصار الدولي وتشريع القسوة” تناولت فيه الحصار المفروض على العراق وليبيا والسودان، فضلاً عن الجوانب النظرية والقانونية لكون الحصار عملية إبادة جماعية. وكان من المفترض حضور بن بلّة لهذا المؤتمر، حيث قام أديب الجادر بإيصال الدعوة إليه، لكنّ ظرفاً طارئاً حال دون حضوره، كما علمت.

حق تقرير المصير

أمّا اللقاء الثاني فكان في الجزائر العام 2010، وذلك بمناسبة مرور 50 عاماً على صدور قرار الجمعية العامّة للأمم المتحدة رقم 1514 بشأن “تصفية الكولونياليّة” الصادر في 14 كانون الأول/ديسمبر 1960، وهو الأمر الذي فتح الباب أمام تطورات حق تقرير المصير على المستوى الكوني، حيث ظل خلال الفترة الممتدة ما بين الحربين العالميتين (الأولى والثانية) أقرب إلى مبدأ أخلاقي أو قيميّ أو مطلب سياسي منه إلى الصيغة القانونية التي كُرست في ميثاق الأمم المتحدة، ولاسيمّا ما تعرضت له البشرية من مآسي خلال الحرب العالمية الثانية 1939 – 1945، علماً أن وثيقة الأطلسي الصادرة عن الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ورئيس وزير بريطانيا ونستون تشرشل في العام 1941 لَحظت في أحد بنودها “مبدأ الحقوق المتساوية وحق تقرير المصير للشعوب”، وكانت رافعتان أساسيتان قد ساهمتا في إعلاء مبدأ حق تقرير المصير، وهما:
الرافعة الأولى – هي الحركة اليسارية الاشتراكية وتيارها الأساسي الماركسي الذي تجسدّ في مؤتمر الأممية الثانية – المنعقد في لندن العام 1896، والذي اتخذ قراراً بشأن حق تقرير المصير، حين أعلن “تأييده لحق جميع الأمم في تقرير مصيرها”، وكما أوضح فلاديمير لينين، أن فكرة “حق الأمم في تقرير مصيرها”، تعني بوجه الحصر حق الأمم في الاستقلال بالمعنى السياسي، وفي حرية الانفصال السياسي عن الأمة المتسلّطة المضطهِدة. ومن الناحية العمليّة أيّد البلاشفة استقلال بولندا وفنلندا وأوكرانيا وليتوانيا.
وكان لينين مثل سائر الاشتراكيين يعتقد أن القوميات إحدى مظاهر الحقبة الرأسمالية التي ستزول بزوالها، ولذلك فقد كان خياره قيام الدولة – الأمة وصولاً إلى المجتمع الاشتراكي، الأمر الذي يحتاج إلى قراءة جديدة وتدقيق أشد ومراجعة نقدية في ضوء التجارب الاشتراكية السابقة، وفي ضوء الواقع وما أفرزه من ظواهر جديدة متداخلة ومتشابكة.
وكان “مرسوم السلام” الذي صدر بعد ثورة تشرين الأول /أكتوبر العام 1917، خطوة متقدّمة على طريق حق تقرير المصير، والذي أكدّ على السلام بلا ضم أو استيلاء على أراضي الغير وإلحاق شعوب أجنبية بالقوّة بها، واعتبر الحرب جريمة ضد الإنسانية، مثلما أكدّ “إعلان حقوق شعوب روسيا” على حق تقرير المصير، بما فيه الانفصال وتكوين دولة مستقلة.
أمّا الرافعة الثانية، فقد كانت إعلان الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون مبادئه الـ14 والتي أكدّت على حق تقرير المصير، ولعبت دوراً كبيراً ومركزياً في تطوّر فكرة حق تقرير المصير على المستوى العالمي، ولاسيمّا خطابه الشهير في الكونغرس الأمريكي في 8 كانون الثاني/يناير 1918، حيث جاء عليها في الفقرة 13 واعتبرها لاحقاً في خطاب ألقاه في شباط/فبرير من العام نفسه مبدأً واجب التطبيق، وحاول إدخالها في عهد عصبة الأمم التي تأسست العام 1919، لكن الظروف لم تكن موآتية لذلك بسبب تحفظات بعض الدول ومصالحها.
وكان أحمد بن بلّة وهو يستمع إلى التحليلات النظرية والعملية، خصوصاً بعد قيام الأمم المتحدة، يستعيد دور الجزائر التاريخي، حتى وإنْ كانت لا تزال حينها تحت الاستعمار الفرنسي، إلّا أن كفاحها ومقاومتها لعبت دوراً كبيراً في بلورة قرار الأمم المتحدة 1514 الصادر في العام 1960 بشأن “تصفية الكولونيالية” وحق تقرير المصير، وهي جدلية مستمرة بحيث أصبح الحق مبدأً قانونياً وسياسياً وإنسانياً، وردَ ذكره أيضاً في العهدين الدوليين الصادرين عن الأمم المتحدة: الأول، في 16 كانون الأول/ديسمبر 1966، العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي دخل حيّز التنفيذ في كانون الثاني/يناير 1976، والثاني، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والذي دخل حيّز التنفيذ في 23 آذار/مارس 1976، حيث نصّت المادة الأولى من كليهما على حق تقرير المصير.

بهلوي- صدّام

لفتَ أحمد بن بلّة انتباهي إلى أنّ القاعة التي نجتمع فيها، وخصوصاً في جلسة الافتتاح في “قصر المؤتمرات” هي التي ضمّت لقاء شاه إيران محمد رضا بهلوي ونائب الرئيس العراقي حينها صدّام حسين، وذلك بوساطة من الرئيس هواري بومدين ودور متمّيز لوزير الخارجية الجزائري آنذاك عبد العزيز بوتفليقة، خلال مؤتمر انعقد في الجزائر العاصمة، حيث تسلّم يومها بومدين رئاسة الاتحاد الإفريقي، وتم خلال هذا المؤتمر وعلى هامشه إبرام اتفاقية الجزائر في 6 آذار/مارس 1975، التي أدّت إلى تخليّ شاه إيران عن الحركة الكردية المسلّحة التي انهارت حينها، واضطر الزعيم الكردي مصطفى البارزاني إلى وقف القتال والانسحاب إلى إيران مع العديد من قيادات وكوادر الثورة المسلّحة.
وبموجب اتفاقية الجزائر قدّم نظام الحكم في العراق تنازلات عديدة لصالح إيران، منها ما يتعلق باعتبار “خط الثالويك” هو الحدّ الفاصل في الحدود النهرية لشط العرب، وهو خط وهميّ يبدأ من أعمق نقطة في وسط مجرى النهر وحتى البحر، في حين أن شط العرب هو نهر وطني عراقي، إضافة إلى تنازلات بحدود 1000 كم2 بالحدود البريّة في منطقة نوكان (ناوزنك) في كردستان العراق، وكذلك ما يتعلق بمحاربة حركات التمرد، ولاسيمّا في ظفّار واتفاقية تعاون أمني لمنع تسلّل المعارضة إلى البلدين.

مؤتمر غير تقليدي

كان مؤتمر الجزائر مؤتمراً غير تقليدي، وقد حضره 200 شخصية سياسية وأكاديمية وثقافية، وتكلّم فيه بيار غالون نيابة عن المجتمع المدني في افتتاحه وهو أمر غير مألوف، كما تحدث دايفيد أوتاي عن الإعلام والسينما، وتناوب على المنصّة نيفين تي بينه نائبة رئيس الفيتنام، وتابو إمبيكي رئيس جنوب إفريقيا وعبد العزيز بلخادم ممثلاً عن الجزائر، إضافة إلى تاي بروك زرهون عن الأمم المتحدة، وعمرو موسى عن جامعة الدول العربية، وجون بينغ رئيس منظمة الوحدة الإفريقية، وتكلم أولو سيجون أوبانجو رئيس نيجيريا السابق. وقد أعاد المؤتمر عزّ حركات التحرر الوطني ومجدها حيث كانت في قمّة تألقها في سنوات الخمسينيات وساهم كفاحها في بلورة صدور القرار الخاص “بتصفية الكالونيالية” العام 1960.
وكم كنت فرحاً حين صادف جلوسي بالقرب من أحمد بن بلّة في المؤتمر، فحاولت أن أقتنص الفرصة لمراقبته، وأتذّكر على الرغم من وضعه الصحي، فقد حاول الوقوف أحياناً ليبدأ بالتصفيق حيث تضجّ القاعة حينها بذلك، وكم كان مزهوّاً أنّ مثل هذا الانجاز التاريخي كان للجزائر دورٌ فيه حيث كانت سبّاقة إليه في إطار حركات التحرر الوطني.

كوبا- الحلم الغامض

لعلّ هذه الذكرى ظلّت عالقة بذهني كثيراً، وحاولت استعادتها باستمرار، وجئتُ على ذكر بن بلّة في كتابي الموسوم “كوبا – الحلم الغامض” (دار الفارابي) بيروت 2011، بفقرة طويلة بعنوان “غيفارا وأحمد بن بلّة – العنفوان”، والعنوان يعكس نُبل مقاصد تلك الأيام الثورية ذات الطهرّية العالية والشعور بالتضامن الأممي والمصير المشترك.
وفيما يلي نصّ الفقرة التي سبق ونُشرتها في إحدى الصحف العربية والتي نقلتها عنها العديد من المواقع والصحف الإلكترونية قبل ضمّها إلى الكتاب حيث مثلت هذه الفقرة حصيلة حوار ومتابعة واستقصاء:
“ثلاث شخصيات عربية كبرى جمعتها صداقة مديدة مع تشي غيفارا، أولّها أحمد بن بلّة أول رئيس جزائري بعد الاستقلال، وثانيها الرئيس جمال عبد الناصر، وثالثها المهدي بن بركة الذي اختطف في باريس في ظروف غامضة.
تميّزت علاقات غيفارا بأحمد بن بلّة بالتفاعل والتأثّر المتبادلين، لاسيمّا وقد نظرا إلى أفريقيا كفضاء جديد للثورة، خصوصاً في أعقاب إحراز الجزائر استقلالها بعد معاناة مع الاستعمار الفرنسي دامت 132 عاماً. وكان غيفارا قد عُيّن في بدايات الثورة الكوبية “سفيراً بصلاحيات مطلقة” من قِبل زعيم الثورة الكوبية فيدل كاسترو، حيث توّجه في 12 حزيران/يونيو 1959 إلى زيارة العديد من البلدان للتعريف بكوبا وثورتها ونضال أمريكا اللاتينية، في جولة طويلة زار خلالها 15 دولة.
وفي جولته تلك أبرم غيفارا اتفاقيات تعاون اقتصادية وعسكرية مع العديد من البلدان في آسيا وأفريقيا، ولاسيمّا دول عدم الانحياز. وزار الجمهورية العربية المتّحدة (القاهرة ودمشق)، كما اطلّع على تجاربها فيما يتعلق بالإصلاح الزراعي والنظم الاقتصادية والاجتماعية ومشاكل التصنيع وسبل الانفكاك من هيمنة الاحتكارات وإحراز الاستقلال.
بعد الاستفتاء الذي حصل في الجزائر يوم 13 تموز/يوليو 1962 وتصويت الجزائريين على الاستقلال عن فرنسا بنسبة 93,7% في 19 آذار/مارس من العام ذاته بين قيادة الثورة الجزائرية (جبهة التحرير الوطني الجزائرية) والحكومة الفرنسية، وقد تشكّلت الحكومة الجزائرية برئاسة أحمد بن بلّة أول رئيس بعد الاستقلال.
وكان من أوائل البلدان التي زارها أحمد بن بلّة هي كوبا، وذلك بعد مشاركته في أعمال دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث توجّه بعدها إلى زيارة كوبا في 16 تشرين الأول (أكتوبر) 1962، والتقى فيدل كاسترو وتشي غيفارا وراؤول كاسترو وقيادات الحزب والدولة.

دلالات زيارة هافانا

ولعلّ للزيارة دلالاتها: الأولى أنها جاءت إثر احتدام حدّة التوتر بين واشنطن وهافانا بسبب أزمة الصواريخ الكوبية التي بناها الاتحاد السوفييتي في الجزيرة لمواجهة احتمالات هجوم تقوم به واشنطن للإطاحة بالنظام الكوبي، تلك التي تطورت إلى أزمة دوليّة عُرفت بأزمة الصواريخ بعد خليج الخنازير والتي كادت تهدد بحرب عالمية، لولا محاولات احتوائها من جانب الإدارة الأمريكية والرئيس جون كيندي والقيادة السوفييتية ممثلة في نيكيتا خروشوف حيث تمت المساومة على سحب الصواريخ، مقابل الحصول على تعهّد يقضي بعدم مهاجمة الجزيرة، في إطار تسوية سمحت بها ظروف تلك الأيام.
والدلالة الثانية أن الزيارة كانت بإصرار من جانب أحمد بن بلّة الذي يقول إن كيندي حـّذره من زيارة هافانا مباشرة بعد حضوره اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويضيف: «دُعيت في صباح 15 تشرين الأول (أكتوبر) (أي قبل يوم من زيارته إلى كوبا) إلى البيت الأبيض حيث أجريتُ حوارات ساخنة وصريحة مع الرئيس كيندي بشأن كوبا» ويواصل: «أجابني الرئيس على سؤال مباشر وجهته له: هل أنتم ذاهبون إلى مواجهة مع كوبا؟» ومن دون أن يترك مجالاً للشك في نواياه الحقيقية أجاب: «لا إذا كانت الصواريخ السوفييتية غير موجودة.. نعم إذا كان الأمر عكس ذلك»، ولعلّ إجابة الرئيس كيندي تلك تحمل قدراً من التهديد ورسالة إلى القيادة الكوبية عبر أحد أصدقائها وهو أحمد بن بلّة، ويمضي أكثر من ذلك ليؤكد تهديداته حتى بالنسبة لـ”بن بلّة” حين يقول الرئيس الجزائري الأسبق: «حاول كيندي أن يُثنيني وبإصرار عن الذهاب من نيويورك إلى كوبا مباشرة»، حتى إنه ذكر احتمال حصول اعتداء على الطائرة التابعة للقوات الجوية الكوبية التي سأستقلها، من قبل «المعارضة» الكوبية المتمركزة في ميامي.
ويجيبه بن بلّة بكل ما تحمل إجابته من بساطة وعفوية، لكن لها دلالاتها في الصدق والشجاعة حين يعلّق ردّاً على تهديداته المبطّنة: «إنّي فلاح لا ترهبني المعارضة الجزائرية ولا الكوبية» (من خطاب ألقاه بن بلّة حين أدلى بشهادته عن غيفارا بعد مرور 30 عاماً على استشهاده ونقلته جريدة لومانيتيه الفرنسية التي يُصدرها الحزب الشيوعي الفرنسي في 9 تشرين الأول/أكتوبر/1997).
كان تاريخ زيارة بن بلّة إلى كوبا هو تاريخ صداقة مديدة مع غيفارا استمرت بضع سنوات قبل أن يقطعها الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال هواري بومدين في 19 حزيران (يونيو) عام 1965، ويذكر بن بلّة في شهادته أن يوم 9 تشرين الأول (أكتوبر) 1967 مكتوب في ذاكرته بأحرف من نار، لاسيّما وهو سجين متفرّد، عندما سمع من جهاز الراديو إعلان خبر رحيل «أخيه» غيفارا كما يقول.

غيفارا في الجزائر

زار غيفارا الجزائر بمناسبة الذكرى الأولى للاستقلال ممثلاً لكوبا وذلك في 4 تموز/يوليو عام 1963، ومكث فيها نحو 3 أسابيع، اندمج غيفارا خلالها بالجو الجزائري طبيعياً وسياسياً، حيث المناخ الحار و«الناشف» الذي ذكّره – كما يشير- بطبيعة أرض الأرجنتين التي ترعرع فيها، كما أبدى إعجابه بقدرة الشعب الجزائري وبطولته في طرد المستعمرين الفرنسيين، لاسيّما بعد اندلاع الثورة، وفي حرب الأنصار والكفاح المسلح الذي دام 7 سنوات (من عام 1954 وحتى عام 1962)، وإضافة إلى علاقته مع بن بلّة، فقد استضاف في كوبا خلال عودته قائد القوات المسلحة الجزائرية هواري بومدين بمناسبة يوم 26 تموز (يوليو)، وهو يوم انطلاقة الحركة المسلحة التي قادها فيدل كاسترو.
زار غيفارا الجزائر مرّة أخرى بعد زيارة نيويورك في 9 كانون الأول (ديسمبر) 1964، حيث ألقى خطاباً باسم كوبا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكان غيفارا قد التقى خلال وجوده في نيويورك الزعيم الأسود مالكولم إكس ووجه عِبرَه رسالة تضامن إلى «إخوته وأخواته» من الأصول الإفريقية، ولاسيّما أن أفريقيا حسب تقييماته تعتبر مرتكزاً جديداً للثورة التي شغلته.
ودامت زيارة غيفارا إلى الجزائر نحو 3 أشهر، حيث وصلها يوم 18 كانون الأول (ديسمبر) 1964 وكانت هذه الزيارة الثالثة، واتفق مع بن بلّة على دعم ومساندة حركات التحرر الوطني، معتبراً الجزائر العاصمة البيضاء المنوّرة للثورة، غرفةَ قيادة، وهي في الوقت نفسه القاعدة السرّية للعديد من قيادات وكوادر حركات التحرر في أميركا اللاتينية وأفريقيا، وقد سهّلت معرفة كل من غيفارا وبن بلّة للغة الفرنسية والإسبانية، صداقتهما الحميمة وتفاعلهما المستمر والمتواصل.
وقد اقترح غيفارا على بن بلّة أن تصبح الجزائر محطة لتزويد الحركات الثورية الأمريكية اللاتينية بالأسلحة، دفعاً لعيون واشنطن التي هي قريبة من كوبا، وكان رد بن بلّة الموافقة الفورية والإيجابية، بل والأكثر من ذلك تحضير التجهيزات اللازمة لذلك، وحدد مركز القيادة الذي وُضع تحت تصرف غيفارا فيلاّ كبيرة في مرتفعات العاصمة تدعى فيلاّ «موزيني»، ولهذه الفيلاّ رمزية خاصة، إذ كانت مخصصة للتعذيب ومركزاً للفرنسيين أيام الاحتلال، وإذا بها تتحول إلى مركز للحركات التحررية لدول العالم الثالث، وللتغطية على نشاطها في أميركا اللاتينية، وقد أُنشئت عدة شركات للاستيراد والتصدير بهدف التمويه وذرّ الرماد في العيون.
أفريقيا: الحلقة الضعيفة
اعتقد غيفارا أن أفريقيا هي الحلقة الضعيفة للإمبريالية وهي غنية بالمواد الأوليّة، ولذلك يتوجب كسر هذه الحلقة من السلسلة، وتحضيراً لفكرته قام بزيارة 7 بلدان إفريقية نالت استقلالها في حينها، واحتسبت ضد المعسكر الإمبريالي، ولعلّ غيفارا هو من دعا إلى تأسيس اتحاد الجمهوريات الاشتراكية الإفريقية، وكان قد قال: «وجدتُ شعوباً بكاملها تحت الضغط مثل الماء الذي يوشك على الغليان»، وقد سُمّي خلال زيارته إلى جمهورية مالي في 17 كانون الثاني (يناير) 1965 بـ «ماو أميركا اللاتينية» (نسبة إلى ماو تسي تونغ).
خطاب الجزائر الشهير
وخلال زيارته الرابعة إلى الجزائر في 24 شباط (فبراير) 1965 ألقى خطابه الشهير في ندوة اقتصادية لمنظمة التضامن الأفروآسيوي، والذي عُرف لاحقاً «بخطاب الجزائر»، وهو وثيقة أو لائحة مرافعة ضد بعض مواقف الاتحاد السوفييتي كما جرت الإشارة إليه، علماً أن كوبا لم تكن سوى مراقبٍ في المؤتمر، هذه الوثيقة التي تشكل محتوى الفكرة الجيفارية بعد 6 سنوات على انتصار الثورة الكوبية، وجوهر الخلاف الذي اتسّع بينه وبين التيار الاشتراكي الرسمي السائد.
ومن الجزائر توجّه إلى القاهرة في 2 آذار (مارس) 1965 ومكث فيها 8 أيام كما ذكرنا، بعد سلسلة من التأملات والاعتراضات والمراجعات، ويبدو أن هذا التحوّل كان أقرب إلى القطيعة بينه وبين المناصب الرسميّة، فعاد إلى ميدان المعركة الحقيقي في الكونغو ومنها إلى كوبا حيث اجتمع بكاسترو، وبعدها قررّ السفر إلى بوليفيا حيث اختفى هناك، حتى أعلن عن جرحه وأسره ثم إعدامه.

صداقة وتبّصر

وإذا كان عبد الناصر أو بن بلّة قد رحبا بحماسةِ غيفارا وانجذبا إليه بصداقة مديدة، لكنهما كل من موقعه حاولا تبصيره بتعقيدات النضال في أفريقيا، وقد سهّل بن بلّة جميع متطلباته، بما فيها كما يقول وضع معاونته الشخصية مريم مرزوق في خدمته، التي شعرت بصداقة قوية تجذبها إلى غيفارا، الذي داعبها مازحاً ذات يوم «أشعر بأن روحي مسلمة لأني متعدد الزوجات، واعتقد أنه بالإمكان محبّة عدّة نساء في آن واحد»، حيث كان متزوجاً مرّتين.
يقول بن بلّة: «كنت أحاول لفت انتباهه إلى أن خياراته في العمل المسلح، ليست الطريقة الأجدى في مساعدة النضج الثوري الذي ينمو في القارة الإفريقية، فإذا كانت ثورة مسلّحة، فيمكن أن تحظى بدعم خارجي، إلا أنها لا بدّ أن تتهيأ الظروف الذاتية التي تعتمد عليها»، لكن غيفارا، كما يذهب بن بلّة، ظلّ مُصرًّا على خياره، وصادقاً في اختياره مُضحياً بحياته من أجل ذلك.

ثوري من النوع غير المألوف

ويلخّص بن بلّة علاقته بصديقه غيفارا بالقول:
«من بين جميع السياسيين الذين التقيتهم في حياتي، ترك غيفارا عندي انطباعاً أكثر من الآخرين.. كان يحبّ الجزائر كثيراً وبقيّ فيها مدّة أطول مما يعتقده الناس، من خمسة إلى ستة أشهر مع ذهاب وإياب.. كان ثورياً من النوع غير المألوف، إنسانياً، وكان يعرف أن يعيش وأن يتألم، كان رجلاً ساخراً حتى من نفسه، شجاعاً ومتيقظاً..».
سخط على الماركسيين التقليديين
ويمضي بن بلّة بالقول: وذهب إلى كابيندا في أنغولا، ثم إلى الكونغو برازافيل (البرتغالية كما تسمّى)، ولم يكن مرتاحاً من علاقاته مع بعض الأحزاب الماركسية للدول التي زارها، ولعلّه كان ساخطاً على مفاهيمها وتطبيقاتها، الأمر الذي ترك عنده خيبة أمل ومرارة كبيرة، وهو الذي حاول التصدي لقتلة لومومبا وإذا به يُحاصَر، فكرياً وسياسياً، ويداهمه المرض، ليضطر إلى الرحيل بعد فشل تجربة الكونغو كما يقول، ثم يرحل ليلتقي كاسترو ويغادر بعدها راكضاً وراء حلمه، ليُقتل في بوليفيا، وفي ذلك روايات كثيرة وجدتها في كوبا ولدى أوساط الثوريين القدامى والشباب مع تفسيرات متباينة، جئت في كتابي “كوبا- الحلم الغامض”. وإذا كان أحمد بن بلة رمزاً وطنياً جزائرياً كبيراً وزعيماً عربيّاً، لإسمه وقع قوي، فقد عاش أواخر أيام حياته في أجواء أقرب إلى العزلة بسبب الصراعات الجانبية والمنافسات السياسية، ومحاولات التهميش.
* أعلن استقلال الجزائر في تموز/يوليو1962 وهو التاريخ نفسه الذي أُحتلّت فيه الجزائر في العام 1830، وقد تلى اعلان الإستقلال الجنرال الرئيس شارل ديغول عبر التلفزيون مخاطباً الشعب الفرنسي: جاء الإستقلال نتيجة استفتاء تقرير المصير في الفاتح من تموز/يوليو المنصوص عليه في إتفاقيات إيفيان في 18 آذار/مارس 1962، وتأسست على إثر ذلك الجمهورية الجزائرية الديموقراطية الشعبية في 25 أيلول/ سبتمبر من العام نفسه وكان أول رئيس لها أحمد بن بلّة الذي توفي عن 96 عاماً في 11نيسان /إبريل 2012، وكان نحو مليون من المعمرين الفرنسيين قد اضطروا لمغادرة الجزائر.

كاتب عراقي

 

 

عن روح الإسلام

 

عبد الحسين شعبان

 

 

يعتبر القرآن جوهر العقيدة الإسلامية وهو كتاب أزلي "خالد" وغير قابل للتغيير شكلاً ومضموناً، فكيف يمكن والحالة هذه التعامل مع فكرة الحداثة ذات الطابع النسبي فيما يتعلّق بالحقيقة وتطوّرها المستمر، خصوصاً بما له صلة بإعادة صياغتها في ضوء التطوّر العلمي وبما يساعد على تحديثها؟

ومثل هذا الأمر يرتبط بالهويّة من داخل الإسلام ومن خارجه، خصوصاً حين تكون مهدّدة بالانغلاق والتقوقع  أو بالتذويب والتغريب. وتدور حول ذلك مقاربتان أساسيّتان تتعلّقان بقراءة النصوص، فالمقاربة الأولى تقوم على القراءة الحرفية، أي التمسّك بالنص بحذافيره دون الأخذ بعين الاعتبار متى قيل؟ ولماذا؟ وكيف؟ وماذا يُقصَد منه؟ بمعنى من المعاني عدم أخذ النص بسياقه التاريخي، باعتباره نصاً مقدّساً سرمديّاً، علماً بأن بعض النصوص تتوقف عند الأسباب التي قيلت في ظروفها، وجاء التطوّر لنسخها وتجاوزها.

المقاربة الثانية، تتعامل مع النصوص من موقع التفسير والتأويل، باستلهام روحها وليس حرفيّتها، وذلك بما له علاقة بالعقل والتطوّر التاريخي وسمة العصر ، والدين في نهاية المطاف هو دين العقل ، وما يتعارض مع العقل سيكون متعارضاً مع الدين، لأن العقل هبة ربّانية منحها الله للإنسان.

وفي هذا الإطار تبرز ثلاث اتجاهات:

الاتجاه الأول – الدين الأيديولوجي الذي يعتمد على التفسير الحرفي للنص، ويقود مثل هذا التفسير إلى سحب الماضي على الحاضر في محاولة لإحداث التوافق على الرغم من الفارق الزمني الذي يربو على 1400 عام. ومثل هذا الاتجاه ينغلق على نفسه ويرفض التطوّر بزعم التمسك بالنصوص بما يؤدي إلى التعصّب، وهذا الأخير ينجب التطرّف ، وحين يصبح التطرّف سلوكاً وينتقل إلى الفعل سيصير عنفاً، وحين يضرب العنف عشوائياً يتحوّل إلى إرهاب، وهذا الأخير يمكن أن يكون دولياً حين يصبح عابراً للحدود وهدفه إضعاف ثقة الدولة بنفسها وإضعاف ثقة المجتمع والفرد بالدولة أيضاً.

            الاتجاه الثاني – الإسلام السياسي، وهو انعكاسٌ للاتجاه الأول، ولكنه يتعامل بصورة براغماتية تبعاً للمصالح السياسية الأنانية الضيّقة، ويبقى اتجاهاً أحادياً إطلاقيّاً لا يقبل الآخر ولا يقرّ بالتنوع والتعدّدية والحق في الاختلاف، وإذا ما وصل إلى السلطة سيكون أكثر تشدّداً وإقصاءً للآخر، ولا يتورّع مثل الاتجاه الأول في استخدام العنف والإرهاب بزعم إعلاء كلمة الإسلام.

            أما الاتجاه الثالث – الاسلام الثقافي، فهو ينبع من تأويل جديد وقراءة عصرية للنصوص المقدّسة واستلهام روحها الحيوية وليس حرفيّتها. ويأخذ الإسلام الثقافي بممارساته وشعائره خصائص المجتمع الذي يعيش فيه ويتعامل معه، أي أن الإسلام الثقافي وثيق الصلة بالحضارة التي ينتمي إليها. وإذا كان الإسلام واحداً، إلّا أن ثمة خصوصية لكلّ مجتمع تؤثّر على تطبيقاته وممارسة تعاليمه، حتى وإن بقي الجوهر موحّداً، فهناك إسلام عربي وإسلام تركي وإسلام فارسي وإسلام باكستاني وإسلام أفغاني وهكذا، أي أن النصوص الإسلامية المقدّسة بما فيها القرآن الكريم تتمّ قراءتها وفقاً لخصائص المجتمع التي تُطبّق فيه بمراعاة تقاليده وعاداته وأعرافه ودرجة تطوّره الاجتماعي.

            ولعلّ الدفاع عن الهويّة يتحوّل أحياناً إلى نوع من التعصّب والتطرّف كلّما زاد عن الحدّ، وهو ما يفسّر ظهور الإسلاموية أو الإسلاملوجيا أي استخدام التعاليم الإسلامية السمحاء بالضدّ من روحها بزعم الدفاع عن الإسلام بوجه الغرب ومحاولات التغريب. وقد حملت القوى الإرهابية الراية الأيديولوجية مثل تنظيمات القاعدة و داعش و جبهة النصرة "جبهة فتح الشام" وأخواتهم، مستندةً إلى التعصّب والتطرّف بسبب الإحباط والقنوط وفشل الدولة الوطنية بعد مرحلة الاستقلال و التحرّر من الاستعمار المباشر،  ناهيك عن استمرار عدم عدالة النظام الدولي، وخصوصاً إزاء حل عادل وسليم للقضية الفلسطينية، وهو الذي دفع مثل هذه التنظيمات إلى حشد مجموعات بشرية هائلة بالتعكّز على الطائفية السياسية وادعاء الأفضليات للانخراط بعمليات إرهابية وانتحارية.

 وكانت الخلفية الأيديولوجية الإسلاموية  بدأت مع الحركات الإسلامية الأولى، وفي مقدّمتها حركة الإخوان المسلمين منذ العام 1928 ، واستمرار حركات إسلامية أخرى سنية وشيعية بما فيها أنظمة عملت تحت عناوين راديكالية. وهكذا برّرت هذه القوى استخدام جميع الوسائل بما فيها الإرهاب لتحقيق أهدافها، وكان الضحية ليس المسلمين فحسب، بل العقل والعقلانية والاعتدال والتنمية.

            إن الإسلام الثقافي هو أقرب إلى إسلام التأويل الذي يسمح للإجتهاد بإيجاد أفكار تفسيرية جديدة للنصوص المقدّسة، بما فيها القرآن، وهو أمر أُغلِق عليه الباب منذ نحو ألف عام تقريباً (منتصف القرن العاشر)، وأهمية الإجتهاد تكمن في التساوق مع التطوّر التاريخي وروح العصر، فأساس النهضة في أي مجتمع يقوم على الحريّة والتنمية، وهو ما أراده دعاتها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مثل الأفغاني ومحمد عبدة والكواكبي والطهطاوي والتونسي والنائيني وغيرهم ممّن امتلكوا شجاعةً ومعرفةً وعلماً، فضلاً عن لياقةٍ في دعواتهم لإحداث تطوّر وتراكم على نحو هادئ بما يؤدي إلى التغيير، ولا يمكن إحداث تنمية وتطوّر حقيقييّن في أيّ مجتمع دون إصلاح الحيّز الديني على حدّ تعبير هوبز.

 

 

مثلّث الإرهاب: التعصّب

والتطرّف والعنف (*)

 

عبد الحسين شعبان(**)

تـوطئــة 

[1]أصبح التطرّف (Extreme) ظاهرة متفشّية في الكثير من المجتمعات، بما فيها بعض المجتمعات المتقدّمة، وإنْ كان قديمًا قِدَم البشرية، إلّا أنه، بفعل «العولمة»، والثورة العلمية - التقنية والتطوّر الهائل في تكنولوجيا الإعلام والاتصال والمواصلات والطفرة الرقمية (الديجيتل) والمعلوماتية، بات أكثر خطورة وتهديدًا على المستوى العالمي بما لا يمكن قياسه قبل بضعة عقود من الزمان، سواء بعمق تأثيره أم بسرعة انتقاله أم بمساحة تحرّكه، حتى غدا العالم كلّه «مجالًا حيويًا» لفيروساته، الأمر الذي لم يعد تهديده مقتصرًا على السلم الأهلي والمجتمعي فحسب، بل أصبح عالميًا بتهديده للسلم والأمن الدوليين.

ويصبح التطرّف فعلًا ماديًا حين ينتقل من التنظير إلى التنفيذ، ومن الفكر إلى الواقع، ومن النظرية إلى الممارسة، فما بالك إذا استُعمل الدين ذريعة للإلغاء والإقصاء وفرض الرأي بالعنف والإرهاب خارج نطاق القانون والقضاء، ولا سيّما من خلال تكفير الآخر بزعم امتلاك الحقيقة وادّعاء الأفضليات.

التكفير حكم ليس بالضرورة أن يصدر عن محكمة، بل تصدره أحيانًا جماعة سرّية خارج القانون والقضاء، بحق شخص أو مجموعة من الناس لا تتفق معها بزعم مخالفتها للدين أو العقيدة فتقوم بتأثيمها لفعل ما ومن ثم تحريمها وبالتالي تجريمها، والأمر يشمل الأفكار والأشخاص.

وكان من نتائج استشراء ظاهرة التطرّف انتشار ظاهرة العنف والإرهاب، وهو الأمر الذي تفشى في الكثير من البلدان العربية والإسلامية وأخذ يهدّد الدولة الوطنية بالتشظّي والتفتّت، إنْ لم يكن بالانقسام، الذي يتّخذ في بعض الأحيان طابعًا مجتمعيًا، وخصوصًا حين يجد بيئة صالحة لتفقيس بيضه، وتفريخ مجموعات متنوّعة ومختلفة من القوى الإرهابية، ابتداءً من تنظيم القاعدة وفروعها وصولًا إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» وأخواتها «جبهة النصرة» أو «فتح الشام» بحسب التسمية الجديدة أو غيرها.

جدير بالذكر أن ظاهرة التطرّف استفحلت بدرجة مريعة، بعد موجة ما أطلق عليه «الربيع العربي» التي ابتدأت في مطلع عام 2011، والتي كان من أعراضها «الجانبية» تفشي الفوضى وانفلات الأمن واستشراء الفساد المالي والإداري وإضعاف الدولة الوطنية ومحاولة التغوّل عليها من جانب جماعات مسلّحة خارج حكم القانون والقضاء، وأخذت بعض تلك الجماعات على عاتقها تهديم مقوّمات الدولة، سواء بفعل "إرادي" أم عبر سلوك وتصرّف من شأنه أن يؤدي إلى النتيجة ذاتها.

وإذا كان من الوظائف الأساسية لأي دولة حفظ الأمن والنظام العام وحماية أرواح وممتلكات المواطنين، فإن الجماعات المتطرّفة والإرهابية التي اعتمدت العنف والإرهاب وسيلتين لفض النزاعات بينها وبين الدولة في الأغلب، وبينها وبين المجتمع، قادت من الناحية الفعلية إلى «حروب أهلية»، الأمر الذي أدى إلى تدمير المؤسسات الحكومية والمرافق الاقتصادية والحيوية، وعطّل التنمية وعملية التراكم والتطوّر، ناهيك بالعبث والاستخفاف بالأرواح والممتلكات العامة والخاصة، سواء بشلّ أجهزة الدولة أم بتعويمها وإفقادها القدرة على القيام بمهامها كلًّا أو جزءًا، وخصوصًا في ظل الفوضى وانعدام الأمن.

وإذا كان التغيير "فرض عين" مثلما هو "فرض كفاية" كما يُقال، أي أنه خيار واختيار، وفي الوقت نفسه "اضطرار"، لأن ذلك من طبيعة الأشياء، إذْ لا يمكن دوام الحال على ما هي عليه إلى ما لا نهاية، فذلك من المُحال، لكن الوصول إليه يحتاج هو الآخر إلى توافر شروط موضوعية وأخرى ذاتية لإنجازه، وكسب للرأي العام. فحتى البلدان التي حصل فيها التغيير بإرادة شعبية، بانهيار أو تآكل "الشرعيات القديمة" فإن "الشرعيات الجديدة" لم تُبنَ بعد أو لم تستكمل، وواجهتها مشكلات جمّة وتحدّيات كبرى أمام عمليات الانتقال والتحوّل من طور إلى طور. وحسب المفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي "فإن الماضي قد احتضر، أما الجديد فلم يولد بعد".

وقد أكّدت الأغلبية الساحقة من التجارب العالمية أن التغيير الذي حصل بحكم القوة سرعان ما ارتدّ على أعقابه، وأحيانًا تكون ردود الفعل أقوى وأقسى، الأمر الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى تأخير عملية التطوّر الطبيعي التدرّجي، لأن درجة تطوّر المجتمع والقوانين السائدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومستوى وعي الناس والثقافة عمومًا لم ترتقِ لتحقيقه، والعكس صحيح، كلّما كان التطوّر منسجمًا مع درجة تطوّر ووعي الناس، ناقلًا إيّاها من طور إلى آخر، ولكن دون قفز على المراحل أو حرق لها، كان أكثر رسوخًا وثباتًا ونجاحًا، لأنه تطوّر طبيعي وليس مفروضًا.

 

أولًا: جدلية القانون والسياسة

 

التطرّف ابن التعصّب ووليده العنف، وقد يقود هذا الأخير إلى الإرهاب. ويستهدف العنف في العادة ضحية أو ضحايا بعينهم، في حين أن الإرهاب هو استهداف مجموعة من السكان بهدف إحداث نوع من الرعب والفزع في المجتمع وإظهار الدولة بمظهر الضعيف والعاجز عن حماية الأمن، وإذا كان العنف يخضع للقانون الجنائي الوطني، فالإرهاب يخضع له أيضًا، إضافة إلى القوانين الدولية، وخصوصًا إذا كان للأمر علاقة بجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الإبادة الجماعية أو جرائم الحرب.

وقد بات هذا الثلاثي (التعصّب والتطرّف والإرهاب) قضية دولية مطروحة على طاولة البحث والتشريح في الأمم المتحدة وعلى صعيد المجتمع الدولي كله، فلم يعد كافيًا منذ أحداث 11 أيلول / سبتمبر 2001 الإرهابية التي حصلت في الولايات المتحدة وهزّت العالم، وجود قرارات تعالج قطاعيًا وجزئيًا بعض مظاهر التعصّب والتطرّف والإرهاب في العلاقات الدولية، وإنما استجدّت الحاجة الملحّة والماسّة إلى بحث شامل لهذه الظواهر بأبعادها ودلالاتها المختلفة.

للتعصّب سبب والتطرّف ثمرة لهذا السبب، أما الإرهاب فهو نتيجة، الأمر الذي سيبقي الحاجة ضرورية لمعالجة أسباب التعصّب والتطرّف، وليس معالجة النتائج فحسب، وحتى النتائج فهناك من يريد تحميل تسديد فواتيرها للآخرين، وإنْ كان الجميع مشمولين بها، لكن القوى المتنفذة والمتسيّدة في العلاقات الدولية تريد تعليقها على شماعة "البعض"، ولتلك الأسباب تتنصّل عن أي محاولة لوضع ضوابط ومعايير لإيجاد تعريف دولي جامع ومتفق عليه لظاهرة الإرهاب. وعلى الرغم من أن الحديث عن الإرهاب يرتفع بوتيرة متسارعة منذ ما يزيد على 5 عقود من الزمان، إلّا أنه يتم الاتفاق على تعريفه، وبالتالي وضع الخطط والوسائل الكفيلة لمواجهته.

وكانت الأمم المتحدة قد أصدرت منذ عام 1963 وحتى أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، نحو 13 اتفاقية وإعلانًا دوليًا حول الإرهاب[2]، لكنها لم تتوصل إلى تعريف لماهيته بسبب التفسيرات والتأويلات الخاصة التي تريد القوى النافذة في العلاقات الدولية فرض مفهومها وإملاء استتباعها على الشعوب والأمم، ولا سيما حين تحاول دمغ المقاومة بالإرهاب وتغض النظر عن إرهاب الدولة والجماعات العنصرية الاستيطانية الاستعلائية، وخصوصًا في فلسطين المحتلّة، في حين تتحدّث أحيانًا عن إرهاب فردي أو عمليات عنف محدودة ومعزولة.

وعلى الرغم من أن مجلس الأمن الدولي أصدر 3 قرارات بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، وفي ما بعد 4 قرارات عقب احتلال "داعش" للموصل في عام  2014، لكن الأمر لم يتغيّر، وظلّ تعريف الإرهاب عائمًا، بل ازداد التباسًا بحكم التفسيرات المختلفة في شأنه، باختلاف مصالح القوى الدولية[3]، لأن القوى المتنفّذة تحاول احتكار العدالة وفرض مفهومها الخاص للإرهاب، وكان مجلس الأمن الدولي قد أصدر بعد يوم واحد من أحداث 11 أيلول/ سبتمبر القرار 1368 في 12 أيلول/ سبتمبر الذي عدّ الحدث تهديدًا للسلم والأمن الدوليين شأنه شأن أي عمل إرهابي وطالب الدول بعمل عاجل لتقديم المرتكبين ورعاتهم إلى العدالة[4].

ثم صدر القرار 1373 في 28 أيلول/ سبتمبر من الشهر ذاته والعام ذاته (2001)، وهو من أخطر القرارات بخصوص الإرهاب الدولي، لأنه أعطى المبرّرات للعودة إلى القانون الدولي التقليدي و"الحق في الغزو" و "شن الحرب"، أنّى شاءت الدولة تحت عنوان حماية مصالحها القومية، أو إذا شعرت أن ثمة خطرًا وشيك الوقوع يهدّدها أو من المحتمل تهديدها أو أن ذلك يلبي مصالحها القومية، وذلك حين رخّص القرار لما سمي "الحرب الاستباقية"، أو "الحرب الوقائية"، الأمر الذي يثير إشكالات وتحفظّات فقهية وسياسية لتعارضاته مع ميثاق الأمم المتحدة[5].

والقرار يتجاوز أيضًا على مضمون المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تجيز للدول "حق الدفاع عن النفس" (فرادى أو جماعات) إلى أن تتم دعوة مجلس الأمن إلى الانعقاد، وذلك حين سمح، لمجرد الشبهات شن الحرب ضدّ دولة أو جهة ما، تصنّف بوصفها "إرهابية" (دول محور الشر وقائمة المنظمات الإرهابية مثلًا)، كما أهمل القرار الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والتربوية والقانونية التي تكمن وراء ظاهرة الإرهاب الدولي، وكذلك وراء ظواهر التعصّب والتطرّف والعنف، مثلما أغفل مبدأ حق تقرير المصير والحق في المقاومة[6].

وكان القرار الثالث هو القرار 1390 الذي صدر في 16 كانون الثاني/ يناير 2002 قد فرض التزامات ومسؤوليات على الدول بشأن مكافحة الإرهاب الدولي وتجفيف منابعه والقضاء على بؤر تمويله وغير ذلك، ودعا هذا القرار إلى تعاون الدول مع الأمم المتحدة وإلّا عُدّت متواطئة أو داعمة للإرهاب في حال عدم انضمامها إلى الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب[7].  وقد صدر هذا القرار بالتوافق وليس بالتصويت، ويتلخص مضمونه وتفسيراته وتأويلاته في أنه أعطى للمرّة الأولى في تاريخ الأمم المتحدة: الحق في اتخاذ عقوبات خارج نطاق حدود الدول وأدرجها ضمن الفصل السابع، حيث نص على تجميد الأموال وحظر توريد الأسلحة ووضع أسماء أشخاص مطلوبين للعدالة ومنظمات كذلك، إضافة إلى ضرورة تعاون الدول وإلّا عُدّت متواطئة أو داعمة للإرهاب في حال عدم انضمامها إلى الحملة الدولية لمكافحته[8].

أما القرارات عقب احتلال داعش للموصل فهي أربعة:

الأول، رقم 2170 وصدر في 15 آب/ أغسطس 2014 بشأن التهديدات التي يتعرّض لها السلم والأمن الدوليان نتيجة الأعمال الإرهابية وفيه إدانة للفكر المتطرّف وتنديد بتجنيد المقاتلين الأجانب.

الثاني، رقم 2178 الصادر في 24 أيلول/ سبتمبر 2014 وفيه أيضًا إدانة للتطرّف والعنف والإرهاب، ويستعيد القرار 1373.

الثالث، رقم 2185 الذي صدر في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر والذي أكّد دور الشرطة كجزء من عمليات الأمم المتحدة لرفع درجة المهنية لمحاربة التطرّف والإرهاب.

الرابع، رقم 2195 في 19 كانون الأول/ ديسمبر 2014، الذي حثّ الدول على العمل الجماعي والتصديق على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة وشدّد على العلاقة بين مكافحة الإرهاب والتطرّف المقترن بالعنف ومنع تحويل الإرهاب[9].

يمكن القول إن كل تطرّف ينجم عن تعصّب لفكرة أو رأي أو أيديولوجية أو دين أو طائفة أو قومية أو إثنية أو سلالية أو لغوية أو غيرها، ولكن مهما اختلفت الأسباب وتعدّدت الأهداف، فلا بدّ أن يكون التعصّب وراءها، وكلّ متطرّف في حبّه أو كرهه لا بدّ أن يكون متعصّبًا، ولا سيّما إزاء النظر إلى الآخر وعدم تقبّله للاختلاف، وكل اختلاف بحسب وجهة نظر المتعصّب يضع الآخر في خانة الارتياب، وسيكون غريبًا، وكل غريب أجنبي، وبالتالي فهو مريب، بمعنى هو غير ما يكون عليه المتطرّف.

التطرّف يمكن أن يكون دينيًا أو طائفيًا أو قوميًا أو لغويًا أو اجتماعيًا أو ثقافيًا أو سياسيًا، والتطرّف الديني يمكن أن يكون إسلاميًا أو مسيحيًا أو يهوديًا أو هندوسيًا أو غيره، كما يمكن التطرّف أن يكون علمانيًا، حداثيًا، مثلما يكون محافظًا وسلفيًا، فلا فرق في ذلك سوى بالمبرّرات التي يتعكّز عليها لإلغاء الآخر، بوصفه مخالفًا للدين أو خارجًا عليه أو منحرفًا عن العقيدة السياسية أو غير ذلك.

أما الإرهاب فإنه يتجاوز التطرّف، أي أنه ينتقل من الفكر إلى الفعل، وكل إرهاب هو عنف جسدي أو نفسي، مادي أو معنوي، ولكن ليس كل عنف هو إرهاب، خصوصًا إذا ما كان دفاعًا عن النفس ومقاومة العدوان. وبحسب نعوم تشومسكي، فالإرهاب هو كل محاولة لإخضاع أو قسر السكان المدنيين أو حكومة ما في طريق الاغتيال والخطف وأعمال العنف، بهدف تحقيق أهداف سياسية، سواء كان الإرهاب فرديًا أو تقوم به مجموعات أو تمارسه دولة، وهذا الأخير هو الإرهاب الأكثر خطورة[10].

وإذا كان هذا التعريف البسيط والعميق الذي يقول به مفكر أمريكي، فإن صعوبات جمّة تعترض المجتمع الدولي للاتفاق على تعريف المقصود بالإرهاب في القانون الدولي بسبب خلفية الجهات والقوى والبلدان التي تنظر إليه كل من زاويتها ومصالحها. وغالبًا ما يحدث التسييس والخلط المتعمّد والمقصود بين الأعمال الإرهابية وأعمال المقاومة المسلحة.

تحاول "إسرائيل" ومعها الولايات المتحدة وقوى متنفّذة في العلاقات الدولية، حسبان كل عمل عنفي حتى وإن كان اضطرارًا ودفاعًا عن النفس ومن أجل التحرّر الوطني، وهو ما تقرّه المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، «إرهابًا»، علمًا بأن القانون الدولي يعدّ اللجوء إلى الدفاع عن النفس واستخدام جميع الوسائل المشروعة بما فيها القوة، عملًا مشروعًا في حالات النضال من أجل الانعتاق وتحقيق الاستقلال وحق تقرير المصير[11].

وكلّ إرهاب تطرّف، وبالطبع كل متطرّف هو متعصّب، ولا يصبح الشخص إرهابيًا إلّا إذا كان متطرّفًا، ولكن ليس كلّ متطرّف إرهابي، فالفعل سواء كان عنفيًا أم إرهابيًا تتم معالجته قانونيًا وقضائيًا وأمنيًا، لأن ثمة عملًا إجراميًا تعاقب عليه القوانين، أما التطرّف، ولا سيّما في الفكر، فله معالجات أخرى مختلفة، وهنا يمكن قرع الحجة بالحجة ومحاججة الفكرة بالفكرة، والرأي بالرأي، وإنْ كانت قضايا التطرّف عويصة ومتشعّبة وعميقة، وخصوصًا في المجتمعات المتخلّفة، كما أن بعض التطرّف الفكري قد يقود إلى العنف أو يحرّض على الإرهاب، بما فيه من طريق الإعلام بمختلف أوجهه.

وإذا كان التطرّف يمثّل نموذجًا قائمًا على مرّ العصور والأزمان، فإن نقيضه الاعتدال والوسطية والمشترك الإنساني بين الشعوب والأمم والأديان واللغات والسلالات المتنوّعة، لأن الاجتماع الإنساني من طبيعة البشر، حيث التنوّع والتعدّدية والاختلاف وهذه صفات لصيقة بالإنسان، وكلّها ينبغي الإقرار بها والتعامل معها كحقوق إنسانية توصلت إليها البشرية بعد عناء، وهي النقيض لفكر التطرّف والتكفير.

التطرّف يعني في ما يعنيه ادّعاء الأفضليات، فـ "الأنا" أفضل من "الأنت"، و"النحن" أفضل من "الأنتم"، و"ديني" أفضل من الأديان الأخرى، و"قومي" فوق الأمم والقوميات الأخرى إلى درجة الزعم بامتلاك الحقيقة، وتلك البذرة الأولى للتعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب.

ثانيًا: في نقيض التطرّف

 

لا يمكن القضاء على فكر التطرّف وجذوره، ما لم يتم القضاء على فكر التعصّب الذي يزعم امتلاك الحقيقة المطلقة، وما سواه إلّا بُطلان ووهم على أقل تقدير. وقد أثبتت التجارب أن الفكر المتطرّف والتكفيري لا يتمّ القضاء عليه بالعمل العسكري أو المسلح، كما لا يمكن القضاء على التطرّف بالتطرّف أو مواجهة الطائفية بالطائفية أو مواجهة الإرهاب بالإرهاب، وإنْ كان "آخر العلاج الكيّ" كما قالت العرب، لكن:

عنفان لا يولدان سلامًا،

وإرهابان لا يبنيان وطنًا،

وظلمان لا ينتجان عدالة،

وطائفيتان لا تنتجان مواطنة،

الأمر الذي يحتاج إلى معالجة الظاهرة اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا وتربويًا ودينيًا وقانونيًا ونفسيًا، وهو علاج قد يكون طويلًا ومتشعّبًا، ولا يقع على الدولة وحدها إنجازه بقدر ما تحتاج إلى طاقات جميع القوى الحيّة والفاعلة في المجتمع التي يهمّها إنجاز التغيير بوسائل سلميّة تدرجية وإحداث التراكم المطلوب.

ولعلَّ القضاء على الفقر والأمية والتخلّف ضمن استراتيجية بعيدة المدى يساعد على خلق بيئة مناسبة لنشر قيم السلام والتسامح واللاّعنف وقبول الآخر والإقرار بالتنوّع والتعدّدية، وذلك في إطار المواطنة التي تقوم على أركان متوازية ومتكاملة، تبدأ بالحرية وتمرّ بالمساواة والعدالة، ولا سيّما الاجتماعية لتصل إلى الشراكة والمشاركة، وبذلك يمكن تجفيف منابع ومصادر القوى المتطرّفة والإرهابية، بالقضاء على أسباب التعصّب.

لا ينمو التطرّف إلّا إذا وجد بيئة صالحة لنموّه ومثل هذه البيئة بعضها ناجم عن أسباب داخلية وأخرى خارجية، وبهذا المعنى ثمّة دلالات لهذه الظاهرة:

أنها ظاهرة راهنة وإنْ كانت تعود إلى الماضي، لكن خطورتها أصبحت شديدة العمق والتأثير، ولها تجاذبات داخلية وخارجية، عربية وإقليمية ودولية، لأن التطرّف أصبح كونيًا، وهو موجود في مجتمعات متعدّدة ولا ينحصر في دين أو دولة أو أمّة أو شعب أو لغة أو ثقافة أو هويّة أو منطقة جغرافية أو غير ذلك، وإنْ اختلفت الأسباب باختلاف الظروف والأوضاع، لكنه في جميع الحالات لا يقـبل الآخر ولا يعتـرف بالتـنوّع، ويسعى إلى فرض الرأي بالقـوة والعنـف والتـسيّد إن تطلّب الأمر ذلك.

ومع أن منطقتنا وأممنا وشعوبنا الأكثر اتهامًا بالتطرّف، إلّا أنها في واقع الحال الأكثر تضرّرًا منه، حيث دفعت الثمن لعدّة مرّات ولعدّة أضعاف من جرّاء تفشّي هذه الظاهرة، الأمر الذي لا ينبغي إلباس المنطقة ثوب التطرّف تعسفًا أو إلصاق تهمة الإرهاب بالعرب والمسلمين بوجه خاص، بحسبان دينهم أو تاريخهم يحضّ على التطرّف والإرهاب، علمًا بأن المنطقة تعايشت فيها الأديان والقوميات والسلالات المختلفة، وكان ذلك الغالب الشائع، وليس النادر الضائع كما يُقال.

وإذا كانت البلدان العربية والإسلامية تعاني اليوم ظاهرتَي التطرّف والإرهاب، وتشهد نزاعات واحترابات دينية وطائفية وإثنية، فقد سبقتها أوروبا إلى ذلك وشهدت "حرب المئة عام" بين بريطانيا وفرنسا[12]. مثلما شهدت "حرب الثلاثين عامًا" في عام 1618 – 1648 التي انتهت بصلح وستفاليا[13]. وهناك أوجه جديدة من حروب الإبادة تعود لأسباب دينية أو طائفية أو عنصرية، يمكن أن نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما حدث في البوسنة والهرسك 1992 – 1995، وحرب كوسوفو 1998 – 1999، واحتلال أفغانستان عام 2001، واحتلال العراق عام 2003 وغيرها، وإن كانت أسباب الحروب مختلفة أساسها المصالح الاقتصادية ومحاولات التسيّد وفرض الهيمنة، لكنها تلبس لبوسًا مختلفة.

فخلال عقد من الزمان شنّت «إسرائيل» حربًا ضدّ لبنان عام 2006، وفرضت حصارًا على غزّة عام 2007، وقامت بثلاث حروب: أولاها، وأطلق عليها اسم "عمود السحاب" في أواخر العام 2008 وأوائل عام 2009؛ وثانيتها، "عملية الرصاص المصبوب" في عام 2012؛ أما الثالثة، فهي "عملية الجرف الصامد" في عام 2014. وبهذا المعنى فالتطرّف والإرهاب موجودان في جميع المجتمعات والبلدان، وليسا محصورين في منطقة أو دين أو أمة أو غير ذلك.

تثير ظاهرة التطرّف ومخرجاتها التباسات نظرية وعملية بعضها يعود إلى القوى الدولية الكبرى، والآخر إلى قوى التطرّف المحلية التي تستند إلى تفسيرات وتأويلات تنسبها إلى "الإسلام" ولا سيّما بالعلاقة بالآخر، بما يمكن تصنيفه بـ "الإسلامولوجيا" أي استخدام التعاليم الإسلامية ضد الإسلام، في حين يستخدم الغرب "الإسلاموفوبيا" (الرهاب من الإسلام)، في محاولة لتعميم وربط بعض الأعمال الإرهابية والمتطرّفة، بالإسلام والمسلمين.

ولهذا فإن البحث في موضوع التطرّف والإرهاب ينبغي أن يفكّك الظاهرة على المستويين النظري والعملي، ولا بدّ أن يتناول موقف الجماعات والتيارات الفكرية المختلفة، الجديد منها والقديم، والديني وغير الديني، على النطاقين المحلي والدولي، وقد أدت المصالح الدولية والتوظيف السياسي الإغراضي ومحاولات الهيمنة والتسيّد دورًا مهمًّا في انتشار ظاهرة التطرّف.

لم تعد الظاهرة تقتصر على جماعات محدّدة أو فئات محدودة كانت الدولة تغضّ الطرف عنها أحيانًا، بل إن تهديدها وصل إلى أساسات الدولة والهويّة، وخصوصًا في مجتمعاتنا التي غالبًا ما تلجأ إلى العنف في حل الخلافات، الأمر الذي يحتاج إلى حوار فكري وثقافي ومعرفي، ليس بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب فحسب، بل بين أتباع الديانات والثقافات المختلفة، داخل كل بلد وعلى مستوى إقليمي لتحديد ضوابط وأسس توافقية لمواجهة هذه الظاهرة، التي لا يمكن القضاء عليها أو محاصرتها إلّا بنقيضها، ونعني بذلك أفكار التسامح واللاّعنف وقيم العدل والمساواة والتآخي والتضامن بين الأمم والشعوب، واحترام الهويّات الفرعية، وتلبية حقوقها.

طبعًا لن يتم ذلك من دون التوصّل إلى تفاهمات واتفاقات في إطار التكامل والتفاعل والتواصل وتعظيم المشتركات والجوامع وتقليص المختلفات والفوارق، وجعل الحوار السلمي الوسيلة المناسبة والفعّالة لحل الخلافات، وصولًا لتحقيق المشترك الإنساني.

وإذا كان الحوار مطلوبًا على مستوى دول وأمم المنطقة التي هي بحاجة إلى حوار بين بعضها بعضًا، فإنها أيضًا بحاجة ماسة إلى حوار داخلي في إطار الدولة الوطنية، وهو الأساس الذي يمكن الانطلاق منه، ناهيك بحوار مع المجتمع الدولي حول المشتركات الإنسانية.

في المقابل فإن القوى الإرهابية التي هاجر بعض قياداتها إلى الغرب عملت على استغلال أجواء التسامح وفضاء الحرّيات والديمقراطية، فجندت الشباب، وهو ما جاء دورهم بخاصة عقب احتلال أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003 ، وذلك بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر الإرهابية الإجرامية التي حصلت في الولايات المتحدة.

 

ثالثا: خطاب جديد وفكر جديد

 

 لا ّبد من خطاب جديد، وقبل ذلك لا ّبد من ّف والقضاء عليها[14] لكي يتم تطويق ظاهرة التطر تجديد الفكر، لكي يتم تجديد الخطاب، والأمر يحتاج إلى وضع معالجات طويلة الأمد تقوم على عدد من الدوائر والجبهات:

الأولــى، الجبهة الـفـكـريـة والـحـقـوقـيـة: اعـتـمـاد مـبـادئ الـمـواطـنـة والـمـسـاواة، وهـمـا ركنان أساسيان من أركان الدولة العصرية التي يفترض فيها أن تكون «دولة الحق والقانون» وتستند إلى قواعد العدل والشراكة والمشاركة، إذْ لا يمكن القضاء على التطرّف والإرهـاب بوسائل عسكرية أو قواعد أمنية فقط، بل لا ّبد من مواجهة فكرية راهنة مثلما هي متوسطة وطويلة المدى، فالنصر الحقيقي عل التطرّف هو في الجبهة الفكرية  أولاً،  وخصوصا حين يدير الشباب والناشئة ظهورهم للتطر على التطر ويبنون علاقات ً وجـسـورا من الثقة والاحـتـرام بينهم وبين الآخـر، ً وفقا للمشتركات الإنسانية، مع ّات العامة والخاصة وقيم ّات الفرعية، بما ينسجم مع جوهر الحري احترام الخصوصيات والهوي حقوق الإنسان.

الثانية، الجبهة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية: وتلك التي تستوجب توفير ظروف مناسبة للعيش الكريم، وفرص عمل متكافئة، ومن دون تمييز لأي سبب كان وتهيئة فرص تعليم. وضمان صحي واجتماعي، الأمر الذي سيقطع الطريق على الفكر التعصبي المتطرّف والإرهابي.

  الثالثة، الجبهة التربوية والدينية: الأمر ّ يتطلب تنقية المناهج الدراسية والتربوية عن كل ما من شأنه ازدراء الآخر أو تحقيره، لأن ذلك سيؤدي إلى إشاعة مناخ من الكراهية والأحقاد والكيدية، فالجميع بشر ومتساوون في الكرامة الإنسانية، وبحسب قول الفاروق عمر: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"  أو قول الإمام علي لعامله في مصر مالك بن الأشتر النخعي:

"لا تكن عليهم (أي على الناس) سبعا ًضاريا لتأكلهم، فالناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق".

وعلى هذا الأساس ينبغي أن تكون مرجعية الدولة فوق جميع المرجعيات التي لا ّبد أن تخضع لها، سواء كانت سياسية أو حزبية أو دينية أو تربوية أو اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية أو مناطقية أو غير ذلك. ويحتاج الأمـر إلـى عمل طويل الأمـد، ومـن دون هـوادة لإصـلاح المجال الديني بما ينسجم مع سمة العصر والتطور وإدماج المناهج والمدارس الدينية مع المناهج والمدارس التي تعتمدها الدولة، وذلك بالعيش بهدف توحيدها وإشاعة الثقافة المدنية فيها، وجعل الدين في خدمة المجتمع ُ ميسّرا المشترك لأتباع الأديان في إطار دولة تقوم على المساواة وتحترم الجميع وتأخذ في مبادئ الكفاءة والإخلاص للوطن، في تولي الوظائف العامة.

الرابعة، الجبهة القانونية والقضائية: لا ّبد من تأكيد مبادئ احترام القانون وعدم التجاوز أحــدا»، أي أنه عليه لأي سبب كـان، وبحسب مونتيسكيو فـ "القانون مثل الموت الـذي لا يستثني أحداً" أي أنه ينطبق على الجميع، وبتأكيد استقلال القضاء ونزاهته وتنقية النصوص الدستورية والقانونية عن كل ما يتعلق بالتطرّف والتعصب والتمييز.

الخامسة، الجبهة الإعلامية والمدنية: هنا ينبغي أن يؤدي الإعلام دورا ً مهما ومعه المجتمع المدني في نشر ثقافة التسامح واللاعنف والسلام المجتمعي واحترام الهويات والخصوصيات التي هي جزء من تاريخنا بكل ما فيه من مشتركات، ولا سيّما بتأكيد احترام الآخر.  

السادسة، الجبهة الأمنية والاستخبارية: هي جبهة مهمة وأساسية، وبقدر ما هي جبهة وقائية فهي جبهة حمائية ولا بد أن تكون جبهة رعائية، وإذا كـان تحقيق الأمـن مسألة جوهرية وأساسية لأي تقدّم وتنمية، وهو الذي عدّه سيغموند فرويد موازياً للكرامة، بل يتفوق عليها ً أحيانا، وخصوصا في ظل الحروب والنزاعات الأهلية وانفلات الفوضى، إذ لا كرامة مع غياب الأمن، مثلما لا أمناً حقيقياً من دون كرامة. ومع استخدام الوسائل العسكرية والحربية ضد الجماعات الإرهابية، فينبغي في الوقت نفسه الحرص على حماية المدنيين وعدم تعريضهم للأذى واحترام الاتفاقيات والمعاهدات الدولية على هـذا الصعيد، ولا سيّما اتفاقيات جنيف الأربـعـة لعام 1949 وملحقيها بروتوكولي جنيف لعام 1977 ، الأول، الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة، والثاني، الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية.

    ويمكن الـقـول إن تحقيق الأمـن وحماية الحقوق الإنسانية والـكـرامـة الـفـرديـة والجماعية هي مسؤولية متكاملة للدول والحكومات والـقـوى الفاعلة والحية في المجتمع، من أحـزاب ونقابات ومؤسسات رأي عام ومنظمات مجتمع مدني وإعلام، ً وخصوصا بالبحث عن المشتركات ومحاولة فك الاشتباك الذي يحصل أحياناً بالممارسة، وبتقديري، فإن ذلك أحد أركان الخطاب الجديد لمواجهة التطرّف والإرهاب، وخصوصا بتوسيع دائرة الحقوق والحريات وتعزيز الهويّة الوطنية المشتركة.

 يعتمد نجاح الدول على قدرتها على الموازنة بين سبل المواجهة وسبل الحماية، إضافة إلى سبل الرعاية، ولا بدّ من اعتماد تشريعات وآليات جديدة أكثر قـدرة على استقطاب الشباب وامتصاص طاقاتهم عبر نــوادي أدبـيـة وأنشطة ثقافية وريـاضـيـة وفنية مـن رسـم وموسيقى وغـنـاء ومسرح وغيرها.

 

وهذا يعني إشراك مؤسسات المجتمع المدني في عملية التنمية بوصفها مكمّلة ومتمّمة لاتخاذ القرارات وتنفيذها، وهي بهذا المعنى يمكن أن تكون «قوة اقتراح»، وليس «قوة احتجاج» فحسب.

ويعّد الحفاظ على الدولة الوطنية واحداً من المهمّات الجديدة، التي تواجه مجتمعاتنا، والتي تقع في صلب استراتيجيات مواجهة التطرّف، إذ لا يمكن إحداث التنمية من دونها، فالدولة الوطنية وإن كانت هي نتاج اتفاقية سايكس - بيكو ( 2016 ) أصبحت اليوم مهددة في ظلّ التطرّف في ومحاولات التديين والتطييف والإثنية ّ والتشظي، والهدف هو تجزئة المجزّأ وتذرير المذرّر.

 إن حزمة الاستراتيجيات تلك التي تواجه التطرّف على المستوى الداخلي، يمكنها، في ظل تعاون وطني شامل وإدارات سليمة، مواجهة التحديات الخارجية، سـواء بالسعي مع غيرنا من شعوب الأرض وأممه لإعـادة صوغ نظام العلاقات الدولية، ليصبح أكثر عدالة وأشد قرباً إلى التعبير عن المصالح المشتركة بين الدول والأمم والجماعات الثقافية، الأمر الذي يحتاج إلى توازن قوى دولي من نوع جديد، لا بدّ من العمل عليه.  

وإذا كان نظام القطبية الثنائية قد انتهى وبوجه خاص (1945 - 1989 )، فإن نظام الأحادية القطبية بدأ يتفكك ويتآكل، ولم تعد الولايات المتحدة المتحكم الوحيد في نظام العلاقات الدولية، وهـنـاك مـحـاور إقليمية ودولـيـة، وخصوصا فـي ظـل صعود روسـيـا وعودتها المؤثرة فـي النطاق العالمي والدور الجديد الذي تؤديه الصين بما لها من إمكانيات، ناهيك بدول البريكس الأخرى مثل الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، ويمكن القول لا بدّ من إيجاد مواطن قدم للعرب فيها، وخصوصا حين يكون هناك حد أدنى من التنسيق والعمل المشترك، وبقدر ما للمسألة من أفق استراتيجي، فإن لها خطوات أولى تمهيدية يمكن الشروع بها والعمل في إطارها.  

ولا ّشك أن ثمة مشتركات إنسانية تجمعنا مع شعوب الأرض ، وخصوصا قوى التحرّر والتقدّم في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، لا بـدّ من تعزيز التعاون والتنسيق معها سـواء في المحافل الدولية أو على الصعيد الميداني، والهدف هو توثيق عـرى الصداقة والتفاعل الثقافي والتواصل الحضاري، لأن التطرّف الـذي ينجبه التعصب سيلد العنف والإرهــاب، وهـذه مسألة تشمل جميع شعوب البلدان النامية الأكثر تضرّراً منه، إضافة إلى شعوب العالم أجمع.

(**) أكاديمي ومفكر عربي من العراق،

 ونائب رئيس جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان أونور - بيروت.

مجلة المستقبل العربي ، العدد 515 ، كانون الثاني / يناير 2022 .

 


 

[1]   هذا النص هو جزء من دراسة أطول أعدها الباحث تحت عنوان  :" ثلاثية التعصّب والتطرّف والإرهاب" ، ونشر في مجلة المستقبل العربي الذي يصدرها مركز دراسات الوحدة العربية، العدد 515 ، كانون الثاني / يناير 2022 .

(**)   البريد الإلكتروني:          drhussainshaban21@gmail.com.

 

[2] نوقشت مسألة الإرهاب الدولي قبيل الحرب العالمية الثانية، وفي عام 1937 تم التوصل إلى إبرام اتفاقية دولية في خصوص الإرهاب الدولي، وحاولت هذه الاتفاقية توصيف الأعمال الإرهابية في المادة الأولى بأنها "الأعمال الإجرامية الموجّهة ضد دولة، وتخطط إلى إحداث حالة من الرعب في أفكار أشخاص معنيين أو مجموعة من الناس لدى العامة"، لكن الإرهاب على الرغم من الدعوات القديمة والجديدة إلى تعريفه ما زال ملتبسًا ومبهمًا، وخصوصًا باستمرار سياسة الكيل بمكيالين والازدواجية في التعامل الدولي، والانتقائية والتجزيئية التي تريدها القوى المتنفّذة. جدير بالذكر أن هذه الاتفاقية لم تدخل حيّز التنفيذ بسبب عدم المصادقة عليها، على الرغم من توقيع 24 دولة عليها. انظر:        League of Nations OJ no. 19, at 23, 1938 Doc C456 (1) M(1) 1937-1938.

قارن: محمد عزيز شكري، الإرهاب الدولي: دراسة قانونية ناقدة (بيروت: دار العلم للملايين)، 1991، ص 143.

 

[3] يبلغ عدد الاتفاقيات والإعلانات والقرارات الدولية التي تتناول قطاعات مختلفة من ظاهرة الإرهاب الدولي أكثر من 20 وثيقة، لكن جميعها لم تعرّف معنى الإرهاب الدولي، ولم تضع معايير جامعة ومانعة لمفهومه. انظر: «نصـوص القـرارات الدولية التي صدرت بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001،» في: عبد الحسين شعبان، الإسلام والإرهاب الدولي: ثلاثية الثلاثاء الدامي، الدين، القانون، السياسة (لندن: دار الحكمة، 2002)، ص 146 – 152. أما القرارات التي صدرت عقب احتلال داعش للموصل فيمكن الاطلاع على شرحها وتفسيرها في محاضرة للباحث بعنوان: «الإرهاب الدولي: أخطاره واستراتيجية مكافحته،» (مركز الدراسات العربي - الأوروبي)، باريس، منتدى حوار باريس الرابع 10/3/2015. ومحاضرة للباحث بعنوان «الإرهاب الدولي وإشكاليات احتكار العدالة الدولية،» ألقيت في عمان بتاريخ 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2014 لمناسبة انعقاد اجتماع المكتب الدائم لاتحاد الحقوقيين العرب، ومحاضرة للباحث بعنوان: «حكم القانون والأمن الإنساني» المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة، بيروت، 5 آذار/مارس 2015، ومحاضرة الباحث في دمشق بتاريخ 8/1/2017 بدعوة من اتحاد الكتاب العرب واتحاد الصحافيين في سوريا والموسومة «نحو خطاب عربي جديد لمواجهة التطرّف»، ومحاضرة للباحث في موسكو بدعوى من مجلس شورى المفتين لروسيا والموسومة: نحو استراتيجية جديدة لمواجهة التطرّف والإرهاب 31 آب/أغسطس 2018.

 

[4] قارن: شفيق المصري، «مكافحة الإرهاب في القانون الدولي،» مجلة شؤون الشرق الأوسط (بيروت)، العدد 74 (آب/أغسطس 1998).

 

[5] يسمّي جورج ديب الأجندة الأمريكية الجديدة بالدستور العالمي الجديد الذي يعطيها «حق التدخل» ويضرب أمثلة كثيرة على ذلك ما حصل في هايتي العام 1994 والصومال 1992-1993 والعراق بسبب غزو الكويت العام 1991 وفيما بعد فرض الحصار عليه وكوسوفو 1999 بما وسّع من محاولات استخدام القوة في العلاقات الدولية ليس لإعادة السلام والأمن إلى نصابهما، بل لفرض النموذج الذي تريده الولايات المتحدة. انظر: جورج ديب، حوار خاص أجراه معه علي الأمين، مجلة الصياد، العدد 2983 (4 كانون الثاني/يناير 2002). انظر: جورج ديب، إسرائيل دولة إرهابية في القانون والممارسة، كتاب فكر، ندوة الحزب السوري القومي الاجتماعي، بيروت، 2001، ص 56 وما بعدها.

 

[6] جدير بالذكر أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 40/61 الصادر في 9 كانون الأول/ديسمبر 1985 كان قد عَدَّ: الاستعمار والعنصرية والاحتلال الأجنبي وهدر حقوق الإنسان مولدة للإرهاب الدولي.

 

[7] قارن بـ: ألفريد هاليداي، ساعتان هزتا العالم: 11 أيلول/سبتمبر 2001: الأسباب والنتائج، ترجمة عبد الإله النعيمي (لندن: دار الساقي، 2002)، ص 19 وما بعدها.

 

[8] قارن: عبد الحسين شعبان، «الإرهاب الدولي وإشكاليات احتكار العدالة الدولية،» محاضرة في عمان (اتحاد الحقوقيين العرب) مصدر سابق.

 

[9] انظر: عبد الحسين شعبان، حول «حكم القانون والأمن الإنساني، بيروت، مصدر سابق.

 

[10] انظر: نعوم تشومسكي، القوة والإرهاب وجذورهما في عمق الثقافة الأمريكية، ترجمة إبراهيم يحيى الشهابي (دمشق: دار الفكر، 2003).

قارن: بحث للباحث في ندوة أثينا (5 - 7 كانون الأول/ديسمبر عام 1986) الموسومة «الإرهاب إزاء التحرر الوطني في الظروف الدولية الراهنة» حضرها 70 أستاذًا ومختصًا وباحثًا من ثلاثين بلد، والجدل الذي دار بينه وبين البروفسور بالمير من جامعة فلوريدا الذي حاول اختزال الإرهاب إلى اختطاف الرهائن والقتل والقنص والاغتيال وأعمال العنف متجاهلًا إرهاب الدولة وخصوصًا إرهاب «إسرائيل» ضد الشعب العربي الفلسطيني، وكان بالمير قد حدّد المرتكزات الأمريكية إزاء الإرهاب في الشرق الأوسط بثلاثة: أولاها، طرد النفوذ السوفياتي وثانيتها، توثيق العلاقة التحالفية والتعاهدية مع «إسرائيل» وثالثتها، حماية المصالح النفطية. انظر: شعبان، الإسلام والإرهاب الدولي: ثلاثية الثلاثاء الدامي، الدين، القانون، السياسة، ص 16-18.

[11] تنص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، «الفصل السابع» على: ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء «الأمم المتحدة» وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالًا لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى المجلس فورًا، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس - بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمدة من أحكام هذا الميثاق - من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه. انظر: ميثاق الأمم المتحدة والنظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، نيويورك، المركز الإعلامي للأمم المتحدة، كانون الأول/ديسمبر 2012.

 

[12] من الناحية الفعلية استمرت الحرب نحو 116 سنة (1337 - 1453) وإن تخلّلتها مراحل هدنة وسلام، ومن أسبابها ادعاء الملوك الإنكليز بأن العرش الفرنسي لهم، وبالطبع فإن هناك أسبابًا سياسية واقتصادية وشخصية كانت وراء اندلاع هذه الحرب الطويلة.

 

[13] حرب الثلاثين عامًا (Thirty Years War) هي سلسلة من الحروب والصراعات الدموية التي وقعت معاركها ابتداء في أوروبا الوسطى وخصوصًا في ألمانيا وامتدت إلى أراضي روسيا وإنكلترا وكاتالونيا «إسبانيا» وشمال إيطاليا وفرنسا، وهي حرب دينية وطائفية بالدرجة الأولى بين طائفتي البروتستانت والكاثوليك، وقد شهدت أوروبا بسببها تدميرًا شاملًا، وانتشرت خلالها الأمراض والمجاعات، مثلما عرفت هلاكًا لملايين البشر، يكفي أن نعرف أن عدد النفوس في ألمانيا انخفض بنسبة 30 بالمئة وأن هناك أكثر من 13 مليونًا ونصف المليون قضوا نحبهم، وقد انخفض عدد الذكور إلى النصف، وفي نهاية المطاف تم التوصل إلى صلح يضمن المصالح المشتركة وعدم التدخل، بل والتعاون الاقتصادي والتجاري، وقد عرف هذا الصلح باسم «صلح وستفاليا» عام 1648.

 

[14]  : للمزيد من الاطلاع على أفكار التطرف جهاد ما بعد القاعدة، ط 2، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،2016 )، ص 201 – 202  الذي يرى أن القاعدة وداعش كلاهما ينتميان إلى العائلة نفسها التي يطلق عليها «السلفية الجهادية» ويتشاركان الأفكار الرئيسية نفسها ويجملها باليوتوبيا الإسلامية ّ وملخصها استبدال «حكم الدولة» بـ«حكم الله»، ويحدد الفارق بينهما، فالقاعدة تنظيم سري عابر للحدود، في حين انغمس داعش في الجماعات السنية المحلية وعمل داخل إطار مفهوم الدولة، أي أنه متجذر في الانقسام الشيعي – السني، وينحت جرجس لتوصيف الحالة ً مصطلحا عميق الدلالة وهو «الجيوطائفية» كتعبير عن التنافس الإقليمي، فداعش ليس  مجرّد مجرد تنظيم إرهابي متمرد، وإنما هو أقرب إلى كيان دولة «خلافة»، لهذا قام بتمزيق الحدود «الاستعمارية» التي تشكلت ً وفقا لاتفاقية سايكس – بيكو عام 1916 وعقب انحلال الدولة العثمانية. وكـان بـودي لو استخدم جرجس مصطلح «القوى الإرهابية» ً بـدلا من «الجهادية» والإرهابيون ً بـدلا من "الجهاديين"، و«الإسلامويون» ً بدلا من «الإسلاميين»، وخصوصا أن الإسلامولوجيا تعني استخدام التعاليم الإسلامية بالضد من الإسلام.

 

 

هشام جعيط

"الفتنة" المستمرة *

عبدالحسين شعبان

لم يصادف أن التقيت المفكر التونسي هشام جعيط سوى مرة واحدة يتيمة، وكنت قد قرأت له كتاب "الفتنة- جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكّر" الذي صدر عن دار الطليعة ببيروت 1991، وأعجبت به كثيراً. ولذلك كان حديثنا قد تركّز حول الكتاب والإسلام السياسي بشكل خاص، والتجربتين التونسية والعراقية في هذا الميدان، حيث كانت ملامح تيار سياسي إسلامي قد توّضحت في كل من تونس والعراق مطلع التسعينيات؛

الأول: ممثلاً بحزب النهضة بقيادة الشيخ راشد الغنوّشي، خصوصاً بعد اضطراره الهجرة، حيث بدأت علاقتي به في لندن، وكان غالباً ما يشارك في فعاليات المنظمة العربية لحقوق الإنسان. وهو قريب من تيار الإخوان المسلمين، لكنه متقدّم عليه نظرياً، وهو ما عبّر عنه في كتابه "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" ج1، الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1993، وصدر الجزء الثاني 2011.

والثاني: حزب الدعوة الإسلامي الذي استلهم منطلقاته الأولى من حركة الإخوان المسلمين ومن سيد قطب تحديداً، وفيما بعد من تنظيرات السيد محمد باقر الصدر الذي أعدم وشقيقته بنت الهدى العام 1980، ولاسيّما من كتابيه: "فلسفتنا" و"اقتصادنا" ولاحقاً برز تنظيم المجلس الإسلامي الأعلى، الذي تأسس في إيران 1982 بقيادة السيد محمد باقر الحكيم، الذي قتل إثر تفجير سيارته في النجف عقب الاحتلال الأمريكي للعراق 2003.

استوقفني كتاب "الفتنة" الذي بحث في مسارين أساسيين أحدهما، فلسفي - فكري وثانيهما، تاريخي- راهني، وقد استخدم أدوات المؤرخ في البحث والتنقيب.

في المسار الأول عالج جعيط القضايا الدينية والمجتمعية الكبرى، وفي المسار الثاني نحا منحى التاريخ ليصل من خلال دروسه حتى وإن كانت حسب فريدريش هيغل (1770-1831) ماكرة أو مراوغة إلى الحاضر والحقيقة، التي ظلّ يبحث عنها ويريد تجسيدها.

لمجرد قراءتي لعنوان كتابه "الفتنة" عدت إلى ذاكرتي لاستحضر كتاب "الفتنة الكبرى" لمؤلفه العلامة طه حسين(1889-1973)، الذي صدر جزؤه الأول بعنوان "عثمان"، أما الجزء الثاني فكان بعنوان "علي وبنوه"، والمقصود بالفتنة التي هي حركة الجدل والخلاف السياسي منذ اجتماع "سقيفة بني ساعدة" وحتى خلافة عثمان تلك التي أدخلت الإسلام الأول في دوامة الأزمات والنزاعات والانقسامات السياسيّة حتى وإن اتخذت طابعاً دينياً، وصولاً إلى معاوية وعليّ.

يعتقد هشام جعيط أن الفتنة ما تزال موجودة في الوعيّ الإسلامي، وتشكّل إحدى علامات الصراع الدائر، لاسيّما بواعثها وتعقيداتها وتشابكها واستغلال القوى الكبرى لها، وقد درس ذلك بخلفيّة المؤرخ الموضوعي الذي حاول ربط الوقائع واستقراء الأحداث واستنطاق المعلومات وغربلتها خارج دوائر الاصطفافات المُسبقة أو الانحيازات العقائدية والمذهبية، خصوصا محاولاً الابتعاد عن تأويلها.

وبغضّ النظر عن الاتفاق والاختلاف معه في هذه الجزئيّة أو تلك، وفي هذا الرأي أو ذاك، فإن كتابه المشار إليه ودراساته المختلفة وحفرياته البنيوية تشكّل إحدى المراجعات التاريخية لفترة عصيبة ومفصليّة من التاريخ العربي - الإسلامي، خصوصاً ما استقرّ منها في أذهان العامة، وما هو متوارث من معتقدات مذهبية أججت الصراع وما تزال تفعل فعلها إلى يومنا هذا، بل أحياناً تلهب نار الفرقة، وكأن ما حدث قبل ما يزيد عن 1400 عاماً قد حدث اليوم.

ثلثا عمره البيولوجي

رحل جعيط عن عمر ناهز الـ86 عاماً قضى ثلثيها أو ما يزيد في الجامعة والبحث العلمي والتفتيش في المصادر التاريخية والمخطوطات وقراءة ما كتبه بعض المفكرين والمؤرخين القدماء والمعاصرين.

ولعل ما واجه جعيط واجه عالم الاجتماع العراقي علي الوردي (1913-1995) الذي بحث أيضاً في الشخصية العراقيّة بشكل خاص والعربية بشكل عام، ناهيك عن الصراعات المذهبية وتفسيرات وتأويلات المؤرخين، وكلاهما اعتبر الجامعة ميدانه الأساس في البحث عن الحقيقة وفي تعميق التوّجه التنويري وإثارة الأسئلة المشاكسة، وأغنَيَا المكتبة العربية بكتب ومؤلفات يتداخل فيها التاريخ بالفلسفة، والاجتماع بالفكر، والسياسة بالدين.

وكان النقد وسيلتهما الأساسيّة في الوصول إلى المعرفة. وإذا كان الوردي قد بحث في علم الاجتماع السياسي من زاويته التاريخية، وركّز على الشخصية العراقية وازدواجيتها والصراع بين قيم البداوة والحضارة بمواصلة المدرسة الخلدونية نسبة إلى عبد الرحمن بن خلدون (1332-1406) مؤسس علم الاجتماع، فإن جعيط انشغل ببيئة الرسول والثقافة والإنثربولوجيا العربية، وخصوصاً في الجزيرة العربية واليمن، مستنداً إلى القرآن بالدرجة الأساسية معتبراً ما كُتب عن الرسول أو نقل عنه (الأحاديث والسيرة النبوية) جاء متأخراً، أي في وقت لاحق، وهو قابل للإضافة والحذف، لأنه شفويّ، وبالطبع قد يخضع للتأويل السياسيّ والتفسير المصلحيّ، كلما تقادم عليه الزمن، انطلاقا من اصطفافات آيديولوجية وسياسية وانقسامات مذهبية، ويعتبر"الوحي والقرآن والنبوة" ثلاثية متلازمة لأبحاثه.

الاستشراق

اعتبر جعيط الدراسات الاستشراقيّة مُثقلة بالمركزية الأوروبية الاستعلائية الكولونيالية ولاحقاً بالثقافة النيوليبرالية الأمريكية، على الرغم من دراسته في فرنسا واعتماده المنهج التاريخي الذي حاولت المدارس الاستشراقية الغربية دراسة التاريخ العربي- الإسلامي والإسلام كدين

من خلاله. وفي هذا المجال قام بتأصيل فكري ثقافي للتاريخ الإسلامي دون الغرق في الاستراتيجيات المركزية للاستشراق.

وبالعودة إلى تاريخ الاستشراق ودراسات المستشرقين فهي ليست بريئة أو أكاديمية صرفة، أو اجتهادات تحتمل الخطأ والصواب، إنها في الكثير من الحالات مغرضة وفوقية تحاول إسقاط مناهجها على الواقع كما أنه ليس حديثاً، بل يمتد إلى حروب الفرنجة (1095-1291) وسقوط الأندلس(غرناطة) في العام 1492. وهو بهذا المعنى فضاء متحيّز وفوقي يفترض أفضلية للغرب تفرض بالقوة العسكرية أو بالاستتباع، والأخير يعني "الاغتراب" تأثراً بالمنهج الاستشراقي، حيث يبرر البعض أن السير في عالم الحداثة يفترض قطع الصلة بالتراث، لأنه يشكّل عائقاً أمام التقدّم. وإذا كان جعيط يعتبر الحداثة "تيار لا يُقاوم فهو المجرى الحتميّ للتاريخ"، فهذا يعنيالانفتاح على العالم، لأن الإسلام والبلاد الإسلامية ليسوا جزراً معزولة، بل هم جزء من الحضارة الإنسانية ويفترض أن يلعبوا مثل هذا الدور في المستقبل. أي أن البلاد الإسلامية لا يمكنها أن تغلق الباب وتقفل النوافذ أمام تيار الحداثة، الذي هو عابر للجغرافيا والأمم والقوميات والأديان والحدود، ولا أحد يستطيع أن يعفي نفسه منه.

حاول جعيط الذهاب إلى ما هو مسكوت عنه، فناقش في "المُسلّمات"، وأثار نقاط استفهام عديدة حول تاريخنا، بما فيها السيرة النبوية لاسيّما من منظور المدرسة الاستشراقية التي تسعى على نحو مباشر وغير مباشر إلى إثارة الكثير من الشكوك والارتياب، خصوصاً خلال نصف القرن الماضي.

لعل جعيط يتميّز عن غيره من المفكرين الحداثيين كونه يعتبر الإسلام عنصراً أساسياً في تشكيل الشخصية العربية والإسلامية، وأنه لا يمكن الاستغناء عنه، لأنه جزء لا يتجزأ من الهويّة، لكنه دعا إلى أن يكشف العرب أنفسهم وليس عبر مستشرقين غربيين يمينيّين أو يساريين، عن ماضيهم باتّباع المناهج المعترف بها عالمياً. وأجد نفسي في اتفاق مع وجهة نظر

جعيط في هذا الميدان، لأن الثقافة بما تشمل من لغة وتاريخ ودين وعيش مشترك وعادات وتقاليد تشكل أساس الهوّية. وبقدر ما انشغل جعيط بالاستشراق، فقد اتهمه البعض أنه تأثر بالمدرسة الاستشراقية، في قراءة النص الديني خارج سياقه التاريخي، وبأدوات لا تنسجم مع الحقل المعرفيّ في الدراسات الإسلامية، خصوصاً ميله للمدرسة التاريخية التي قالت بتأويلات وتخمينات لا ترتقي إلى المنهج الأكاديمي. كما اتهمه أنصار المدرسة الاستشراقية بأنه تقليدي ومحافظ.

صدمة الحداثة

يعتبر جعيط أن تحوّلاً عميقاً حصل في تطور الإنسانية، خصوصاً في العقود الأخيرة فما بالك ونحن على أعتاب الثورة الصناعية الرابعة، حيث يمثل هذا التطور ما يعادل عشرة آلاف سنة عاشتها البشرية منذ اختراع الزراعة وتدجين الحيوانات والاستقرار، وحتى سومر ومصر وصولاً إلى غاليلو وديكارت والحداثة الصناعية المبنية على عقلنة التاريخ والفلسفة والسياسة وإعادة صياغة العقل ارتباطاً بالثورات العلمية - التكنولوجية المتلاحقة وبمجالات التفكير العلمي.

لقد فتحت بداية الثورة الصناعية الباب أوروبياً للانتقال من مرحلة الإقطاع إلى نمط إنتاج رأسمالي، حيث أخذ رأس المال يتراكم "المركنتيلية" التي ترتبط بالتجارة والسيطرة على الأسواق والمستعمرات ومن ثم احتكارها، ففي هذه الفترة كان المجتمع العربي في حالة جمود حيث عاش صدمة الكولونيالية القائمة على الصناعة الغربية والحداثة المرتبطة بها التي انتجت التطور الرأسمالي غير المتكافئ، وهو ما حاول رواد النهضة مواجهته، ولأن الإسلام مسألة مركزية في المجتمع العربي والإسلامي، فلا يمكن شطبه، وقد أخفق بعض التحديثيين في القرن العشرين حين اعتقدوا إمكانية ذلك، ولاسيّما عن طريق السياسة، لذلك فإن التحديث الكولونيالي قاد إلى فشل الدولة الوطنية، والمسألة تتعلق بالهوّية، وهو ما حاول بحثه في كتابه "أزمة الثقافة الإسلامية" الصادر عن دار الطليعة، بيروت، 2000، مشيراً إلى أن هزيمة 5

حزيران/يونيو1967 كانت هزيمة للمشروع القومي العربي وهي تاريخية عادلة، حسب اعتقاده بسبب عدم ديمقراطيته بشقيّه الناصري والبعثي.

وبما أن الحداثة هي الطور الراهن في تاريخ الإنسانية فإنها ستستفحل مثل الحضارات الزراعية مرتقية بنفسها إلى عالم الحداثة بكل ما فيها من شساعة وتواصل واتصال ومواصلات وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والطفرة الرقمية "الديجيتال"، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة.

فهل هي خيبة ظن من الحداثة بوجهها المتوحش أم أن الأمر يحتاج إلى مواجهة عربية وإسلامية بمشروع نهضوي أساسه استقلال سياسي وتحرر اقتصادي وتنمية مستدامة وديمقراطية وعدالة اجتماعية ووحدة أو اتحاد مع انبعاث وتجدد حضاري لمواجهة صدمة الاستعمار وإخفاق مشروع الدولة الوطنية. ولعل جعيط يعبّر عن ذلك باقترابه من الفكر النهضوي العربي الحديث الذي يضع تلك الأهداف أساساً لما يصبو إليه مشروعه الفكري.

وأختتم باقتباس فقرة من كتابه "الفتنة" الذي بدأتُ حديثي عنه وأنتهي به، لأبرز تميّزه واستقلاله الفكري، في مواجهة تيارين متعاكسين، حين يقول "من واجبي أن أقول للقارئ إن المقصود هنا هو كتاب وضعه رجل ترّبى في كنف التقليد الإسلامي، عليه أن يكافح في وقت واحد ضد الرؤية التقليدية للأمور وضد حداثة تبسيطية...".

* ولد هشام جعيط في العام 1935 وتوفي في الأول من حزيران/يونيو2021، وكانت عائلته تتمتع بمكانة فقهية دينية وقانونية، وهي عائلة ثقافية ومحافظة في الآن نفسه. وفي هذه الأجواء نشأ مُحباً للفلسفة والتاريخ.

 

 

 

العروبة المؤنسنة

 

د. عبد الحسين شعبان

 

 

     كان اختيار منتدى أصيلة وجامعة المعتمد بن عبّاد المفتوحة بالمغرب لموضوع "العروبة والبناء الإقليمي العربي: التجربة والآفاق" كعنوان لندوة ذات طابع راهني بأفق مستقبلي وقراءة إستشرافية ، فرصة مناسبة لتبادل الآراء واستمزاج وجهات النظر والاستئناس بأفكار حاولت ملامسة الجديد في فكرة العروبة، التي ظلّت تشغل الأفق السياسي والاستراتيجي لغالبية مشاريع النهضة والإصلاح في العالم العربي منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى الأن، وقد اتخذت ثلاث اتجاهات أساسية:

الأول – "العروبة الثقافية"، وهي الفكرة التي حاولت محاكاة مشاريع النهضة الأوروبية التي كان توجّهها نحو "دولة مدنية"، وقد أخذت هذه الفكرة تتعمّق بالتجربة العملية وبعد طائفة من الإخفاقات والممارسات السلبية التي عملت باسم "العروبة" .

الثاني – "العروبة الآيديولوجية"، وهي الفكرة التي حاكت السياسة والتيارات القومية الأوروبية الإستعلائية الشوفينيّة بشيفرة قومويّة.

الثالث – "العروبة في طور التكوين المؤسساتي"، وهي فكرة قامت عليها جامعة الدول العربية (22 مارس / آذار1945 ) كمنظّمة إقليمية أرادها الآباء المؤسسون أن تكون نواة أو خطوة للوحدة العربية وعلى طريقها، وهي وإن أخفقت سياسياً في حل المشكلات والنزاعات والحروب العربية – العربية، والعربية – الأجنبية، إلاّ أنها تمكنت من لعب دور إيجابي في دعم البلدان العربية لنيل استقلالها والتحرر من الإستعمار وفي دعم تنميتها، إضافة إلى مساندة القضية الفلسطينية في المحافل الأممية ضدّ العدوان "الإسرائيلي" المتكرر.  

     و خلال القرن ونيّف الماضي تعرّضت العروبة إلى تحدّيات عديدة، من خارجها ومن داخلها إذا جاز التعبير.

أولها – إخفاق المشروع السياسي الوحدوي وتضبّب صورته الحلمية، والأكثر من ذلك فإن الدولة العربية (القُطرية) التي اعتُبرت من مخرجات التجزئة وسبباً في عدم تحقيق مشروع النهضة  تصدّعت هي الأخرى بسبب الحروب والنزاعات الأهلية، إلى درجة أصبح الحفاظ عليها مهمةً عروبية بامتياز.

وثانيها – التداخلات الإقليمية غير العربية وتأثيرها على القرار العربي، وذلك بسبب محاولات الهيمنة الإيرانية والتركية، فضلاً عن محاولات أثيوبيا المائية التي ألحقت ضرراً بالمصالح العربية، ناهيك عن تحالفاتها الإقليمية.

وثالثها – تراجع القضية الفلسطينية، التي مثلّت جامعاً للعروبة الثقافية والمؤسساتية .

ورابعها – إنفجار الهويّات الفرعية وانبعاث رياح الطائفية والإثنية المناوئة لفكرة العروبة، خصوصاً بعد تنكّر أو عدم اعتراف بها.

وخامسها – الممارسات الإستبدادية السلبية لأنظمة حكمت باسم العروبة.

     العروبة بصفتها هويّة منفتحة ليست ساكنة أو نهائية أو تمامية. لأنها متجدّدة ومتحوّلة ومتفاعلة ، حيث تتغير بعض عناصرها مثل العادات والتقاليد والفنون والآداب حذفاً أو إضافة، ومثلما هي كذلك، فلا بدّ أن تقّر باختلاف الهويّات وتعترف بحقوقها وتتعامل معها كأمر واقعي وليس مفتعلاً أو متخَيّلاً، كما هي النظرة الإستعلائية الشوفينيّة. وهكذا يصبح من واجب العروبة المؤنسنة احترام  حق كل شعب أو مجموعة بشرية تشعر بوجود خصائص تجمعها هويةً وانتماءً، بل و أن تعمل على مساعدتها في تعزيز وتطوير خصوصيتها بما يجعلها تتفاعل إنسانياً معها.

    وبهذا المعنى لا يمكن إختزال العروبة بالقومية أو العرق أو النسب ، وإذا ما فعلنا ذلك فأين سيكون مكان الأندلس والمعتمد بن عبّاد وابن طُفيل وابن باجة وابن حزم وعبّاس بن فرناس من فكرة العروبة ؟

     والعروبة هي لغة امرؤ القيس والمتنبّي وأبو القاسم الشّابي وطه حسين وجبران خليل جبران والجواهري، وكانت وما تزال فعل مواجهة، خصوصاً حين  تبلورت في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين من خلال مفكرين ورُوّاد مثل جورج أنطونيوس وشكيب أرسلان ورشيد رضا والبساتنة والريحاني واليازجي وصولاً إلى ساطع الحصري، ولعلّ ما هو مطلوب اليوم تعزيز العروبة وتجذيرها وتحصينها وأنسنتها بالحرية والإقرار بالتنوّع وقبول الآخر والاعتراف بالحق في الإختلاف.

 

 

الصين:

الحضور الاستراتيجي

 

عبد الحسين شعبان

 

إذا كانت استراتيجية شياوبينغ الإصلاحية الذي تولّى القيادة بعد الزعيم التاريخي ماوتسي تونغ توصف بالصبر، فإن استراتيجية الرئيس شي جينبينغ يمكن اعتبارها استراتيجية حضور، خصوصاً بعد أن خطت الصين خطوات كبرى في تحديث اقتصاداتها وتطوير تكنولوجياتها وربوتاتها (إنسانها الآلي) في ظلّ الذكاء الاصطناعي.

ومنذ أن تولّى الرئيس شي جينبينغ القيادة في العام 2012 سارع إلى تعزيز دور الصين ومكانتها، وذلك بالتوجّه للسيطرة على أراضي في بحر الصين الجنوبي وإنشاء منطقة تعريف في الدفاع الجوي (فوق الأراضي المتنازع عليها في بحر الصين الشرقي)، وتأسيس بنك التنمية الجديد (بنك بريكس) مثلما أقدم على مشروع البنية التحتية الدولي المعروف باسم "مبادرة الحزام والطريق" Belt and road initiative (2016) وأثبت قدرة الصين في ظلّ إدارته على احتواء تفشّي وباء كورونا "كوفيد 19" وذلك بحلول صيف (2020) حيث استطاعت الصين في ظلّ فضائل التحكّم المركزي من احتواء الانتشار المحلي للوباء، وأصبح نهجها  في مكافحة الفايروس مصدر فخر وطني ينظر إليه عالمياً بإعجاب كبير، وقد جرى التعبير عن إستراتيجية الحضور هذه خلال الاحتفالات بمرور100 عام على تأسيس الحزب الشيوعي الصيني (يوليو/ تموز المنصرم).

وقد استند جينبينغ إلى تراكم طويل وطائفة من الإصلاحات التدرجية لإعادة بناء الدولة وهيكلة اقتصاداتها والتي بدأت في عهد قيادة شياوبينغ منذ انتهاء عهد الثورة الثقافية "1965 - 1976" وبداية مرحلة جديدة من الانفتاح منذ نهاية السبعينيات وصولاً إلى وضع الصين منافساً للولايات المتحدة. ومن المحتمل أن يتقدّم اقتصادها على اقتصادات العالم العام 2030،  وهو ما يسعى إليه.

وإذا كان أسلاف جينبينغ قد تجنّبوا الصراع الإقليمي والدولي بالنأي عن النفس واستخدام وسائل ناعمة وطويلة الأمد فيما يتعلّق بـ هونغ كونغ وتايوان، وركّزوا على فرصة الصين في التنمية الاقتصادية السريعة والتوسّع المنتظم لنفوذها من خلال الاندماج التكتيكي في النظام العالمي الحالي، وهو ما لمسه كاتب السطور لدى مشاركته في دورة للحوار العربي - الصيني في بكين، (العام 2010) حيث كان المفكرون والباحثون الصينيون يصرّون على أن الصين دولة نامية ولا تريد أن تنخرط في الصراعات الدولية كما لا تريد أن تلعب دور الاتحاد السوفيتي السابق، ويهمّها تنمية قدراتها الاقتصادية بالقضاء على الفقر والتعامل التجاري مع الجميع على أساس المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، إلاّ أنّ الرئيس جينبينغ اختار طريقاً جديداً يحمل درجة عالية من التحدّيات بعد انقضاء الصبر الإستراتيجي، خصوصاً وهو يقود مجموعة واسعة من المبادرات السياسية هدفها إعادة تشكيل النظام العالمي بشروط مؤاتية لبكين.

ومثل هذه الشروط تبنى وفقاً لحسابات سواء كانت تطلعات أو مخاوف، ولذلك يراهن القائد الصيني اليوم على الزمن، فقد عزّز سلطته بشكل كبير وزعزع الوضع الراهن الدولي بقوة، وهو ينظر إلى موقع الصين خلال العقد وربما العقد ونصف العقد القادم للاستفادة من مجموعة التحوّلات التكنولوجية والجيوسياسية المهمة التي يمكن بواسطتها التغلّب على التحدّيات الداخلية الكبيرة.

ويرى جينبينغ أن تلاقي التحوّلات الديموغرافية والتباطؤ الاقتصادي الهيكلي والتقدّم السريع في التقنيات الرقمية والتحوّل الملحوظ في ميزان القوى العالمي بعيداً عن الولايات المتحدة يمثل بحدّ ذاته "تغيرات عميقة لم نشهدها منذ قرن" وهذه تتطلّب حلولاً جريئة وعاجلة وهنا يكمن حضور الصين.

ولهذه الأسباب أدخل جينبينغ تعديلات جوهرية على النظام السياسي الصيني لكي تتمكّن الصين من منظوره أن تهندس نظاماً سياسياً عالمياً يقوم على التعدّدية القطبية والمنافسة في التصنيع والتسليح والتكنولوجيا لقدرات البلدان الأكثر تقدّماً، كما يعتقد أن الغرب (نفوذاً وقوة) دخل مرحلة التدهور المتسارع  خصوصاً بعد فشل الولايات المتحدة في احتلال أفغانستان العام 2001 وانسحابها المشين منه 2021 واحتلال العراق 2003 واضطرارها للانسحاب العام 2011 وتخلخل وجودها الحالي، الذي يمكن وصفه بـ "مستنقعات غير مأمونة" وفي بيئة ليست قابلة لها، يضاف إلى ذلك الأزمة المالية التي ضربتها والعالم الرأسمالي بشكل عام العام 2008، ثم إعلان  بريطانيا عن خروجها من بريكست بالتصويت في العام 2016 واعلان انسحابها النهائي 2020 وانتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، الأمر الذي أضعف من هيبتها وأنزل من سمعتها في قيادة النظام الدولي الجديد، وهذه تحدّيات كبرى يواجهها الرئيس جو بايدن منذ تسنّمه إدارة البيت الأبيض.

وإذا كان ماوتسي تونغ قد بنى الصين وفقاً لنظريته بضرورة توجيه الاقتصاد وتأميم أدوات الإنتاج، وكبح جماح القطاع الخاص وفقاً للعقيدة الآيديولوجية ونظام الولاء والطاعة الحزبية وعلى أساس الأمن القومي، فإن ذلك العهد لم يعد قائماً، بما عليه من مآسي وما له من إيجابيات، ولذلك فـإن استمرار جينبينغ مطالبة الكوادر الحزبية الالتزام بالعقيدة الآيديولوجية وإبداء الولاء الشخصي له يعني تقويض مرونة نظام الحكم وكفاءته، بل أنه سيؤدي إلى جعل "الذئب المحارب" أكثر عزلة بدلاً من الانفتاح، كما أنه سيقلّص من البدائل ويضعف النقد، خصوصاً بعد إلغاء القيود المفروضة على فترة الرئاسة واحتمال استمراره بالحكم إلى أجلٍ غير مسمّى والسؤال الأخير من سيخلف جينبينغ وكيف سيحكم؟

 

 

 

الملك حسين

الاستثناء في الاستثناء

 

د. عبد الحسين شعبان*

 

مقدمة: مئوية الدولة الأردنية

     يستذكر الأردنيون والعرب والمسلمون عموماً في هذه الأيام الذكرى العطرة لتأسيس المملكة الأردنية الهاشمية، وذلك بمناسبة مرور مئة عام على تأسيسها، كما ويصادف في هذه الذكرى مرور 86 عاماً على ولادة جلالة الملك حسين، الذي أبصر النور في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 1935 ، وغادرنا في 7 شباط / فبراير 1999 ، وكان تسلّم عرش المملكة لنحو 46 عاماً، أي حوالي نصف عمر الدولة الأردنية، وترك بصمته الواضحة على مسارها وتوجّهها.

      وإذا كان عمره البيولوجي قد بلغ 65 عاماً يوم رحل إلى "الرفيق الأعلى"، فقد قضى أكثر من ثلثيه وهو على رأس الدولة الأردنية، واكتسب خلاله تجارب لا حدود لها وخلص إلى عبر ودروس غاية في الأهمية والعمق، وهو ما يزال يافعاً في مقتبل ربيع حياته وفي عزّ شبابه، وهو ما مكّنه من قيادة المملكة بحكمة وعقلانية وتسامح واعتدال وبُعدَ نظرٍ، خصوصاَ وقد تلقّى تأهيلاً علمياً ودينياً ولغوياً وعسكرياً عالياً وتربية عائلية سديدة في بيت يزخر بالقيم والمعاني الإنسانية. وأستذكر ما قاله الشاعر الجواهري الكبير في 2 كانون الأول / ديسمبر 1992  بحق جلالة الملك حسين وبحضوره في حفل مهيب :

يا  سيّدي  أَسْعِفْ   فَمِي   لِيَقُــولا  

                            في عيدِ  مولدِكَ  الجميلِ جميلا

أَسْعِفْ  فَمِي يُطْلِعْكَ  حُـرّاً  ناطِفَـاً

                            عَسَلاً، وليسَ مُدَاهِنَاً  مَعْسُولا

يا  ابنَ  الهواشِمِ  من قُرَيشٍ  أَسْلَفُـوا 

                          جِيلاً  بِمَدْرَجَةِ  الفَخَارِ ، فَجِيلا

 

يا   ابنَ   الذينَ    تَنَزَّلَتْ   بِبُيُوتِـهِمْ    

                            سُوَرُ الكِتَابِ ، ورُتّلَتْ تَرْتِيلا

 

يا  ابنَ  النَبِيّ ، وللمُلُـوكِ  رِسَالَـةٌ، 

                            مَنْ حَقَّهَا  بالعَدْلِ كَانَ رَسُولا

 

                       

 

العنف والقدس

     في العام 1921 ، وعلى هامش الثورة العربية الكبرى التي قادها الشريف الحسين بن علي    للتحرّر والإنعتاق والتخلص من الهيمنة العثمانية، أعلن الأمير عبد الله الأول عن تأسيس "إمارة الشرق العربي" ، ثم سُمّيت "إمارة شرق الأردن" وأعلن عن استقلالها في 25 أيار/ مايو 1946 تحت اسم "المملكة الأردنية الهاشمية"، ونوديَ ﺒالأمير عبد الله الأول بن الحسين  ليصبح ملكاً دستورياً عليها وهو المؤسس الأول لها، لكن اغتياله في العام 1951 في القدس وهو على درجات المسجد الأقصى، ترك أثراً كبيراً لدى الفتى الذي سيتولّى عرش المملكة بعد سنتين من إطلاق النار على جدّه، ومثل هذا الأثر لازمه حتى آخر يوم في حياته. واتّسم بتوجّهين أساسيين:

أولها – نبذ العنف بكل أشكاله ومبرّراته وحججه وتداعياته ؛ فقد أدرك منذ وقت مبكّر أن العنف ليس السبيل السليم لحلّ الخلافات أو إجبار الآخر على تغيير قناعاته، بل أن الحوار خيار واضطرار في الآن، فأي اجتهاد يبقى نسبياً وهو قابل للخطأ مثلما هو قابل للصواب أيضاً، وحسب الفيلسوف الفرنسي فولتير : أننا كائنات بشرية قابلة للوقوع في الخطأ، وبما أن البشر خطاءون، فعلينا أن نأخذ بعضنا البعض بالتسامح.

 وثانيها – رسوخ صورة القدس في وجدانه والتي ظلّت حاضرة في كلّ خطوة اتخذها كجزء من إستراتجيته، وهو الذي كان قال: إن الرمز الحقيقي للسلام هو القدس وعودتها عربية هو المعيار الوحيد لصدق الداعين إلى السلام في المنطقة.

     وهو ما كتبه في رسالة إلى الرئيس الأمريكي رونالد ريغان مصحّحاً المعتقدات التوراتيّة المزيّفة حول فلسطين والقدس والمسجد الأقصى نتيجة الدعاية الصهيونية،  مؤكداً على حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره وضرورة عودة أراضيه المحتلة وسيادته عليها ، واستمرّ الأردن حامياً للأماكن المقدّسة الإسلامية والمسيحية ووصياً عليها حتى بعد قرار فكّ الارتباط ، وحيث تستمر الرعاية الهاشمية بالإعمار والصيانة والتبرع الشخصي لهذه الغاية.

 

الملك الباني

   

      إذا كان الملك طلال قد صاغ دستور المملكة فإن الملك حسين هو بانيها منذ أن اعتلى عرشها في 11 آب/ أغسطس 1952 ، وفي 2 أيار/ مايو 1953 تسلّم الحسين سلطاته الدستورية كاملة بعد أن أتمّ الثامنة عشر من عمره وفق التقويم الهجري. وحدّد خطاب العرش المبادئ الأساسية التي تسير عليها المملكة والتي ستصبح بمثابة "بلاتفورم" للملك حسين وللمملكة مكمّلة ومتمّمة دستورها ومواثيقها. وهي ما يأتي:

النظام رائدنا

التعاون مطلبنا

الاتحاد في الصفوف رمزنا

العمل شعارنا

بناء وطن محكم الدعائم راسخ الأركان هدفنا

مساواة جميع المواطنين مبدؤنا

     وظلّت هذه المبادئ مرشداً لسلوك الملك حسين طيلة فترة حكمه، بل إنها مثلّت الخلفية المرجعية القيمية الأساسية للمملكة الأردنية الهاشمية خلال الفترة المنصرمة، وحين يتم  الخروج عليها أحياناً أو التهاون بِشأنها بسبب تعقيدات الوضع السياسي كان الملك حسين يبادر إلى إعادة البوصلة باتجاهها محاولاً تصحيح ما ينشئ من أخطاء وممارسات سلبية بروح الشجاعة والنقد، فقد كانت مسألة توطيد أركان الدولة وتعزيز مكانتها وتثبيت هيبتها داخلياً وعلى المستوى العربي والإقليمي والدولي شغله الشاغل ووضعها هدفاً استراتيجياً له، بالاستناد إلى مبادئ الثورة العربية الكبرى التي فجرها جدّه  الشريف حسين بن علي في 10 حزيران / يونيو العام 1916 في مكة والمصادف 9 شعبان 1334 ﻫ ، واسترشاداً بمسيرته التي ساهمت في تعزيز حركة الوعي واليقظة العربية نحو التحرّر والاستقلال وتقرير المصير . وما تزال ألوان علم الثورة العربية الكبرى تمثل أساس أعلام العديد من الدول العربية، وهو ما أوردته في بحثي الموسوم:" ملاحظات أولية وقراءة ارتجاعية بعد قرن من الزمن لأول كيانية عربية"، وذلك بمناسبة مئوية الحكومة العربية والمملكة السورية بزعامة الملك فيصل بن الحسين (1918 - 2018)، ندوة منتدى الفكر العربي، 2 أيلول/ سبتمبر 2018 .

 

استثنائية الموقع

     أدرك الملك حسين ما لا يدركه الآخرون، من حساسية وخطورة موقع الأردن في خريطة الشرق الأوسط التي ظلّ نابليون يقول عنها منذ أواخر القرن الثامن عشر أنها:" مفترق طرق العالم"، ويصفها الرئيس أيزنهاور في العام 1957 : " بأنها أقيم قطعة عقار في العالم"، فحاول وهو يواجه عواصف عاتية أن يتوازن  ويوازن ويضع مسافة من الجميع  بحيث لا ينخرط في الصراعات القائمة أو ينجرّ إليها إلاّ دفاعاً عن النفس والحق وعند الضرورة، خصوصاً وهو يعرف موازين القوى، بما لها وما عليها.

     فالأردن يمتلك موقعاً استثنائياً وسطياً وهو ما جعله يواجه تحدّيات استثنائية أيضاً، وهو محاطٌ ﺒ خمس دول، فمن الغرب فلسطين التي تحتلّها "إسرائيل" بؤرة العدوان المستديمة والترسانة العسكرية التي   تغتصب حقوق أهلها وتشرّدهم ، ومن الشرق، العراق الذي ارتبط مع الأردن ﺒ "اتحاد هاشمي" في العام 1958 ، سرعان ما أطاحت به ثورة 14 تموز/ يوليو العام 1958 وانفرطت العلاقة بين البلدين لسنوات غير قليلة ، ومن الجنوب المملكة العربية السعودية التي لا تخلو علاقاتها  من منغّصات مع الأردن، ومن الشمال الجمهورية العربية السورية، ويشترك الأردن مع مصر بحدود مائية في خليج العقبة، ومصر وسوريا كانا ضدّ توجهات الأردن على الرغم من أن الأخير لم يشارك في حلف بغداد الاستعماري العام  1954 - 1955 ، بل نأى بنفسه وتعرّض حينها إلى ضغوط غربية وإقليمية عديدة.

     وإذا تأسست "إسرائيل" في ظلّ تواطؤ دولي واستناداً إلى مزاعم دينية ورواية أقرب إلى الميثولوجيا، فإن المملكة العربية السعودية تحتضن مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة، وهما مكانان مقدّسان للمسلمين، وتأسست في العام 1926 باتحاد نجد والحجاز، واتخذت الدين عنواناً لها. أما العراق وسوريا، فهما منذ قيامهما شهدا حركات راديكالية ثورية وأقيمت فيهما أنظمة قومية شمولية ، ومعهما مصر منذ ثورة 23 يوليو/ تموز العام 1952، وهذه البلدان عملت ما في وسعها لتغيير نظام الحكم في الأردن، في حين استمرّت المملكة الأردنية الهاشميّة تغرّد خارج السرب وسط هذا الخضم من الواحدية والإطلاقية ، فاتجهت صوب الإعتدال والوسطية وبصياغات أقرب إلى الليبرالية أو بعض إرهاصاتها، حسب وصفة نهاية الأربعينيات والخمسينيات.

     وقد حاول الأردن وهو بلدٌ صغير قياساً بجيرانه: السعودية والعراق وسوريا، ناهيك عن مصر، الحفاظ على خصوصيّته وتوجهه الوسطي، وإن بإمكانات محدودة مادياً وبشرياً وجغرافياً، حيث  تبلغ مساحة الأردن 89.213 كيلو متراً مربعاً وعدد نفوسه لم يتجاوز الأربعة ملايين في مطلع الستينيات، ولكن العين ظلّت عليه بين هذه الدول الكبيرة، ناهيك عن أطماع "إسرائيل" المختلفة والمتعدّدة والمتجدّدة.

     وحين يحتفل الأردن اليوم بمئويته، فالاحتفال ليس أردنيّاً فحسب، بل هو احتفال عربي ودولي أيضاً، فقد تمكّن هذا البلد الصغير والفقير قياساً بدول تجلس على بحر من النفط والمحاط بأطماع وتحدّيات كبرى أن يواصل البقاء وأن يحرص على علاقات طيّبة مع الجميع، ويمسك بأوراق غير قليلة في ذروة لعبة الكبار. وكان الأردن من الدول المؤسسة لجامعة الدول العربية في 22 آذار/ مارس 1945، وانضمّ إلى الأمم المتحدة في العام 1955.

 

استثنائيّة التحدّيات

     واجه الأردن تحدّيات وامتحانات عسيرة منذ استقلاله العام 1946 ، منها حرب العام 1948 العربية - "الإسرائيلية"، بعد قيام دولة "إسرائيل" بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 181 لعام 1947 ومحاولة تمدّدها في الأراضي الفلسطينية، وخصوصاً في القدس التي ظلّت الإدارة الأردنية وصيّة عليها، كما واجه مسألة بناء الدولة وتعريب الجيش والعلاقة مع بريطانيا التي تُوّجت بإلغاء المعاهدة معها ، فضلاً عن التجاذبات السياسية في مراحل عديدة من تاريخها، ثم عدوان "إسرائيل" العام 1967 .

      ولعلّ أهمها الموقف من الحرب العراقية -  الإيرانية 1980 - 1988 ، وأخطرها غزو القوات العراقية للكويت العام  1990 ، ثم حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت 1991 والتي قادت إلى تدمير العراق، يضاف إلى ذلك رفض الأردن المشاركة في مفاوضات كامب ديفيد الأولى ( 1978 - 1979  ) بعد زيارة الرئيس المصري محمد أنور السادات إلى القدس في العام 1977 ، واستمرّ الأردن اقتفاءً بإثر نهج الملك حسين في مواجهة العديد من التحديات أهمها: احتلال العراق العام 2003 ، إضافة إلى صفقة القرن التي حاول الرئيس دونالد ترامب الترويج لها، وذلك في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني.

     ومثل هذه التحدّيات الاستثنائية لم تتمكّن دول أكبر وأغنى من الأردن وأكثر سكاناً أن تصمد أمامها، لكن الأردن بحكم قيادة الملك حسين وتوجّهاته الإعتدالية وحنكته السياسية تمكّن من ذلك لميزات شخصية وعامة.

استثنائية الشخصية

 

     تجمّعت في شخص الملك حسين استثناءات عديدة، سواء على المستوى الشخصي أو العام، وهذه الاستثناءات جعلت منه شخصية استثنائية بامتياز، وقد تمكّن بفضل ذلك السير بالأردن في طريق تُجنّبُه المغامرة، وكان مقياسه ذهبياً أحياناً، أي دقيقاً لكلّ خطوة يخطوها، لأن أي خطأ أو عدم تقدير سليم سيكلف الأردن خسائر فادحة بما فيها وجودها، وهو ما فتح أبواباً أمامها  للتنمية والتقدم، ومن ينظر إلى مسيرة الدولة الأردنية ويعرف إمكاناتها الشحيحة والمخاطر التي تحيط بها يدرك حقيقة الدور الاستثنائي الذي لعبه الملك حسين بنجاح واقتدار وأفق مستقبلي.

وتتجلى عناصر استثنائية الملك حسين في:

قدرته الاستثنائية على استنباط الجوهري من الأشياء وعلى الرغم من اهتمامه بالتفاصيل التي قد تقود إلى الجحيم أو الهلاك أحياناً، إلاّ أنه كان ينظر بشمولية إلى المشهد العام وكان حريصاً عليه، مثل حرصه على التدقيق في التفاصيل.

      وبقدر اتساع رؤيته فقد عمل بواقعية استثنائية أيضاً ، معتبراً السياسة  فن الممكن دائماً (صراع واتفاق مصالح) وهي كانت كذلك منذ أرسطو وكتابه "السياسة": تحقيق الخير العام ووصولاً إلى عبد الرحمن بن خلدون، دون طموحات أقرب إلى الأوهام ودون يأس أقرب إلى الاستسلام، فرغم الظروف الصعبة واضطراره لتقديم تنازلات أحياناً، لكنه بقي ماسكاً بالجوهر والمضمون، ولذلك امتاز بأنه صاحب مبادرات ومشاريع باستمرار، فعقله ظلّ شغّالاً ومنفتحاً وحيوياً حتى آخر لحظة من حياته، فضلاً عن نظرته المستقبلية.

 

شخصيته الكاريزمية الاستثنائية، وهي شخصية آسرة، وهو ما يدرس في إطار أدبيات علم الاجتماع السياسي والعلوم السياسية، والمقصود بذلك دور الفرد في التاريخ، أي ما يمكن أن يلعبه القائد أو الزعيم في السياسات العامة وفي الحرب والسلم وفي البناء والهدم والتأثير على الآخر، صديقاً أو خصماً أو عدواً، وهذا يندرج في علم النفس الاجتماعي، وغالباً ما تكون لمثل هذه الشخصيات قدرة في التأثير على الآخر، مثلما لها قدرة على الإقناع، ناهيك عمّا يمنحه من ثقة سرعان ما تنتقل إلى الغير، فتنفتح أمامه فرصاً ونوافذ وحتى بعض المغاليق من خلال صداقة تمتد بجسور من التواصل، فما بالك حين يكون مصحوباً بأدوات حديثة من علم الإدارة ، الذي سيكون نجاح أي خطةٍ مستنداً إليه وإلى الإدارة الحكيمة.

 

تواضعه الاستثنائي، وهو ما يجمع عليه كلّ من قابلوه أو التقوا به أو استمعوا إليه، وقُدّرَ لي، لمرة واحدة، أن ألتقي به وإن كان بحضورٍ عام في لندن (لدى السيّد عبد المجيد الخوئي)، إلاّ أني بقيت أراقبه طيلة فترة وجوده، وكنت أُصغي إلى حديثه وكلماته، فضلاً عن اختيار مفرداته، ومع الأسف ضاعت عليّ فرصة اللقاء المباشر والخاص، حين طلب لقاء بعض الشخصيات العراقية في لندن ، وكنت حينها مسافراً، وحصل أن تجدّدت الفكرة لاحقاً باتصال من اللواء عبدالإله الكردي السفير لاحقاً، لكن ذلك لم يحصل حتى خلال دعوتي إلى الأردن من رئيس مجلس النواب سعد هايل السرور،  بسبب تدهور صحّته الذي حال دون ذلك.

      ومثل هذا التواضع ينطلق من تربيته العائلية، وإضافة إلى حُسن معشره، منذ أن كان  طفلاً مع أقرانه في المدرسة، فلم يشعر يوماً بالتعالي أوالتكبّر عليهم وهو ما يستذكره الأردنيون من الناس البسطاء الذين أحبوه حبّاً جمّاً، بل بكوا بكاءً مرّاً حين رحيله.

      وقد نقلتُ في بحث لي عن الملك حسين بعد عام على رحيله قدّمته إلى "المؤتمر الفكري الدولي" العام 2000 في جامعة معان (الأردن) والموسوم" الملك حسين: الحاكم والإنسان وسؤال التسامح"، ما قالته الصديقة د. ليلى شرف وزيرة الإعلام الأسبق وعضو مجلس الأعيان سابقاً، وهذا الاقتباس يمثّل نموذجاً لعلاقة الحاكم بالمحكوم، ومن هو في قمّة الهرم ﺒمن هو في قاعدته، وذلك نقلاً عن شابة أردنية روت لها بأن أمها خاطبت زائرين (أجانب) عبّروا عن دهشتهم لما شاهدوه من مظاهر الحزن التي تلت وفاة الملك حين قالت لهم : انظروا، لم يسبق لي أن قابلت الملك أو صافحته، كما لم يسبق له أن مرّ شخصيّاً بجوارنا ولم أرَه شخصياً أبداً، إلاّ أنني في كل مساء عندما أعدّ مائدة العشاء، أشعر أن هناك شخصاً غائباً عنّا.

     وتلك الحادثة بالغة الدلالة على النوافذ المفتوحة بين الحاكم والمحكوم، على الرغم من جميع التعقيدات التي أحاطت بها والملابسات التي عرفتها أجواء التوتر السياسي أحياناً وبيروقراطية الدولة ودواوينيّتها وتجاوزاتها أحياناً على حقوق المواطنين وحريّاتهم وهو ما ينبغي أخذه بسياقه التاريخي.

      ولعلّ السيماء الشخصي للملك حسين وروح السخاء والبساطة والمروءة التي امتاز بها هي التي جعلته قريباً من الحس الشعبي. وحسب ليلى شرف، فالأردنيون يشعرون أنهم يعرفونه فرداً فرداً وأنهم يستطيعون اللجوء إليه في أوقات الشدّة. وهو ما سمعته من دولة أحمد عبيدات ودولة طاهر المصري ودولة عدنان بدران ومعالي سمير الحباشنة ومعالي جواد العنّاني وآخرين.

 

تسامحه الاستثنائي الجّم  فقد امتاز بتواضع الكبار، وكلما تسامت النفوس تواضعت، ولم يكن ذلك متكلّفاً أو مصطنعاً، وإنما كان نابغاً من سويّة إنسانية وخلق رفيع ، فالتسامح بالنسبة إليه يقوم على أسس أخلاقية وحضارية وإنسانية، وهو ما  شكّل صورةً للدولة الأردنية وأصبح ملمحاً من ملامحها حتى اقترب من القاعدة الحقوقية، حيث أصبحت حالة عامة، وهو ما يطبع علاقة الحاكم بالإنسان، وحين تجري مقارنة بينه وبين صدام حسين مثلاً أو حسني مبارك أو معمّر القذّافي، ستجد فرقاً شاسعاً بين شخصية الملك حسين المتواضعة وبين هذه الشخصيات المتغطرسة، وهو فرق بين التواضع والتعالي وبين التسامح والتعصّب وبين الشموخ والغرور.

      وقد ذكرت في البحث الذي جرت الإشارة إليه، أنه لم يلتجأ إلى إعدام شخص واحد خلال كل فترة حكمه، على الرغم من العديد من محاولات الانقلاب العسكري التي قامت ضدّه، لكنّه بعد حين يلجأ إلى تخفيف الأحكام من الإعدام إلى المؤبد، ومع مرور الوقت يتم الإفراج عن المحكومين، وفي الغالب، تتم معاملتهم بالحسنى، وبعضهم احتل مناصب رفيعة.

     وقد تطورت نظرته المتسامحة مع نضج تجربته وأصبح التسامح الوسيلة الأكثر ملائمة لتحقيق المثل الإنسانية والقيم العليا، فلم يجلب العنف غير العنف والانتقام غير الانتقام والكراهية غير الكراهية ،ﻓ رذيلتان لا تنتجان فضيلة، و ظلمان لا ينجبان عدلاً  وقد كان حقّاً قريباً من إعلان منظمة اليونسكو الصادر في 16 تشرين الثاني / نوفمبر 1995 "إعلان مبادئ التسامح" ، لأنه أدرك أن نقيض التسامح هو اللّاتسامح ، ونقيض اللّاعنف هو العنف، وهما ينجمان عن التعصّب ووليده التطرّف، وحين يصير الأخير سلوكاً يصبح عنفاً، وإذا ما ضرب العنف عشوائياً فإنه يتحول إلى "إرهاب" و"إرهاب دولي"، حين يكون عابراً للحدود.

     إن إيمانه بمبادئ التسامح جعله أميل إلى الاعتدال والوسطية، وحين يصبح الحاكم  بمثل هذا الفهم والمسؤولية،  فإنه يتطلّع بعدلٍ إلى الدولة وبنائها وترسيخها وحقوق المواطن ومستقبله، بل يحاول معالجة ما ينشأ من ظواهر سلبية وممارسات خاطئة وانتهاكات لحقوق الإنسان، لأنها ستعود بالضرر على الدولة وعليه.

     إن وسطيّته واعتداله جعلت من إيمانه الديني بعيداً عن التعصّب والتطرّف، فقد كان مؤمناً بحب الحياة وفي الوقت نفسه معتقداً باليوم الآخر، وغالباً ما تأتي آيات قرآنية على لسانه، على نحو عفوي وغير متكلّف وهو ما وجدته أيضاً لدى شقيقه سمو الأمير الحسن، الذي يكاد يكون الوجه الآخر للملك حسين، وهو ما أشرت إليه في بحث عن سمو الأمير الحسن الموسوم:" لا يكتمل نصفه إلاّ بالنصف الآخر".

عقلانيته الاستثنائية، وهي نتاج لمراجعة وتفكّر ونقد ذاتي  ورسوخ رؤية، فقد قادته المبادئ التي أعلنها والسياسات التي رسمها وسار على هداها إلى التوازن والعقلانية ،  فالغاية بالنسبة إليه لا تبرّر الوسيلة، لأن الأخيرة ملموسة ومعروفة، في حين أن الغاية بعيدة المدى وغير منظورة، وهكذا تصبح الوسيلة من "شرف الغاية"، ولا غاية شريفة وعادلة دون وسائل شريفة وعادلة، وحسب المهاتما غاندي فإن الوسيلة إلى الغاية هي مثل البذرة إلى الشجرة ترتبط بها عضويّاً ولا يمكن فصلهما.

      وكان الحسين  يقلّب الأمور ولا يحاول أن ينفرد في رأي وإن كان رأيه مختلفاً، وهو ما كانت قراراته خلال الحروب مع "إسرائيل" والتصدي لعدوانها، سواء دخلها مقتنعاً أو اضطّر عليها بفعل الجو العام السائد أو حين حاول تجنّبها، ومثل تلك العلاقة المركّبة والمزدوجة كانت تطبع مواقفه من المقاومة الفلسطينية على الرغم من الموقع الحسّاس الجيوبوليتيكي للأردن كدولة مواجهة ضدّ "إسرائيل" ،  ذلك بحكم أن القدس ضمن الإدارة الأردنية قبل احتلالها العام 1967 (القسم الشرقي) والضّفة الغربية، وحتى فك الارتباط في العام 1988، يضاف إلى انطلاق الثورة الفلسطينية والعمليات الفدائية من الأردن.

      وعلى الرغم من اختلاف التصوّرات والتباين في وجهات النظر وتنازع السلطات، إلاّ أن دور الجيش الأردني في معركة الكرامة 21 آذار/ مارس 1968 كان له صدىً كبيراً في دعم المقاومة الفلسطينية وإعلاء شأنها، وذلك بإلحاق ضربة موجعة ﺒ "إسرائيل" بعد عدوان 5 حزيران/ يونيو العام 1967 . 

     لقد تعامل الأردن مع الفلسطينيين من منظور مختلف، فعلى الرغم من رفضه فكرة التوطين، مثل بقية البلدان العربية، بما فيها من جانب المنظّمات الفلسطينية لأسباب سياسية، إلاّ أنه منح الفلسطينيين الحقوق الأساسية كمواطنين، وهذه الحقوق جزء من الحقوق الإنسانية كالملكية والجنسية والإقامة والسفر، ناهيك عن الحقوق السياسية، وهو ما أخذت به لاحقاً العراق وسوريا. وكان أمام الأردن قرابة مليون لاجئ فلسطيني في حين كان عدد الأردنيين لا يزيد عن 400 ألف أردني، وخلال ثلاث سنوات ارتفع عدد سكان عمّان من 30 ألف ليصل إلى 200 ألف نسمة.

     وتعتبر مخيّمات اللاجئين في الأردن أكبر المخيمات وهي ستة أساسية. وكان الملك حسين يعتقد وهو على حق أن منح الفلسطينيين الحقوق الأساسية لا يتعارض مع حقّهم الثابت وغير القابل للتصرّف بالعودة والتعويض. وعلى الرغم مما حصل من أحداث مؤلمة في أيلول / سبتمبر 1970، راح فيها ضحايا من الفلسطينيين والأردنيين في اقتتال الأخوة ، إلاّ أنه ما إن انتهت الأحداث فإنها لم تترك مجالاً للكراهية أو الحقد أو الانتقام، وعاد الملك حسين والتقى مع  الرئيس ياسر عرفات وفتح صفحة جديدة، حيث كان خطر"إسرائيل" قائماً ومستمراً ، وهو الذي ينبغي أن تصوّب نحوه البنادق.

 ثقافته الاستثنائية الموسوعية، فهو يمتاز بين الزعماء العرب بأفقه الثقافي الواسع، فقد كان أديباً وشاعراً وخطيباً ذرب اللسان بلغة متقنة وحديثة. وكان مجلسه الأدبي والثقافي عامراً جمع فيه نخبة من الشعراء والأدباء، وكان يدخل معهم في حوارات ونقاشات ثقافية، ويتردّد عليه عدد من المثقفين المعروفين منهم: محمد علي الحوماني ونديم الملّاح وفؤاد الخطيب وسعيد البحرة وتيسير ظبيان وعرّار (مصطفى وهبي التل) وحسني زيد الكيلاني وغيرهم الكثير.

     وخلال فترة حكمه انتعشت الحركة الثقافية التي أولاها اهتماماً خاصاً وأسس مجمّع اللغة العربية العام 1976 وكذلك تطوّرت حركة الفنون التشكيلية والمسرحية والسينمائية والموسيقية، كما اهتم بالتنوع الثقافي للمجموعات المختلفة، وأقصد بذلك من المسيحيين والشركس والشيشانيين وغيرهم، الذين شاركوا في بناء الدولة وحماية صرحها على أساس المواطنة، وأصبح منهم رؤساء حكومات ووزراء وفنّانين ورُوّاد في الأدب. كما تأسست في عهده  المنتديات والمراكز الثقافية وتعزّزت مكانتها ، واهتم بالعلوم الآثارية فأسس متحف الآثار الأردني عام 1951 ومتحف البتراء في العام 1963 ، ومتحف الحُلي والأزياء العام 1971 ومتحف الحياة الشعبية العام 1977 ومتحف صرح الشهيد العام 1977 وأُسس لاحقاً في عهد الملك عبد الله الثاني متحف الأردن ومتحف الأطفال .

 رؤيته الاستثنائية الإستشرافية، حيث امتاز الملك حسين بقراءة استشرافية للمستقبل فهو شخصية رؤيوية وضعت المستقبل دائماً في ذهنها وفكرها، وربما ينطبق عليه قول الروائي الروسي مكسيم غوركي عن أحد مفكري وثوريي عصره:"أن نصف عقله يعيش في المستقبل"  ، بل إنه امتلك حاسّة شمّ سياسية واجتماعية ذكية جداً، فكان يقرأ إرهاصات المتغيرات الدولية والإقليمية ويحاول أن يضع خططاً استراتيجية وتجريبية في الآن، أي  قصيرة ومتوسطة المدى لاختبار مدى تساوق ما يجري كونياً وإقليمياً وانعكاساته على الوضع الداخلي، فيتخذ المبادرة السريعة بشجاعة وبُعدَ نظرٍ.