88
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 علي الامين كاتب وصحفي لبناني

  رئيس تحرير موقع (جنوبية)

 

مقالات سابقة

)حزب الله( وفائض القوة

والسلاح.. من حرب تموز

٢٠٠٦ الى إنتخابات أيار ٢٠٢٢!

علي الأمين

 لماذا فتح "حزب الله"جبهة الجنوب في تموز من العام ٢٠٠٦؟.. سؤال تستفيض بمعرضه الأجوبة والتحليلات والإستنتاجات، من أطراف عدة مناهضة او على الأقل تتحفظ على إندلاعها، تبعا لنتائجها المدمرة على لبنان، مع التأكيد، خارج المزاودات الرخيصة، على ان إسرائيل هي عدو و"شر مطلق"، بعد ان إستغل الحزب شر إستغلال "راية المقاومة" التي رفعها مستئثرا و"متكسباً"، و متلطياً خلفها للإنقضاض ل"شيطنة"، كل صوت معارض لسلاحه "الضال"، الذي أضاع بوصلته منذ زمن بعيد، وسلطه على أبناء "وطنه" وصوبه عليهم في اكثر من مناسبة، بدل ان يبقيه، كما يزعم، موجهاً لمواجهة إسرائيل. يعود النقاش، حول السلاح وقرار الحرب والسلم، الذي حوله “حزب الله”، الى سجال عقيم و “جدل بيزنطي”،  بقوة في زمن الإنتخابات، ليجيب أيضاً عن تساؤل مريب بشكل أكثر وضوحاً، مع تطور الأحداث الدرامتيكي، منذ حرب تموز مرورا بيوم “الحزب المجيد” في ٧ أيار، وصولا الى الإنتخابات التي ينخرط فيها الحزب كمعركة “وجودية”، لم يتوان عن إستخدامه بالمباشر لترهيب معارضيه، معطوفاً على فائض قوة، يكفي بمفرده، لإختلال ميزان “الشراكة المزعومة” مع غيره من الأطراف.إذا ثمة علاقة سببية، بين إرساء “حزب الله” ل”قواعد إشتباك” مع معارضيه وأخصامه السياسيين، لا مع العدو الإسرائيلي( الذي يلتزم بها راضيا مرضيا)، وبين اللحظة السياسية الإنتخابية الراهنة، التي تمكنه من إحكام “القبضة الإيرانية” عليه، كأحد أذرعتها، ولعل في إستعادة تلك “الحرب التموزية” وتدعياتها الدليل والعبرة.

قرار الحرب في عام ٢٠٠٦ لم يكن في سياق تحرير الأسرى، ولا في سياق المواجهة مع اسرائيل او تحرير مزارع شبعا، لأن بعد التحرير والانسحاب الإسرائيلي عام ٢٠٠٠، خمد سلاح “حزب الله”، وكان سلاحا هادئا ويعمل على تهدئة الجبهة مع اسرائيل. اذن هذا القرار جاء في سياق أخر، جاء في سياق الخروج من المأزق الذي وقع فيه “حزب الله” ، هذا المأزق تمثّل في امرين:الأمر الأول، فرض قرار الخروج  السوري من لبنان قبل عام من بداية الحرب، فهذا الوجود كان يوفر الغطاء السياسي والمعنوي لحزب الله، وحتى الغطاء الشرعي على المستوى الاقليمي والدولي.  الأمر الثاني، ان سلاح “حزب الله”، وُضع على طاولة النقاش والبحث في ماسُمي طاولة الحوار والبحث في الاستراتيجية الدفاعية، واصبح السلاح هذا محل شك ومحل تهمة. 

لقد ولّد  اغتيال الرئيس رفيق الحريري في عام ٢٠٠٥ دينامية لبنانية جديدة، تقوم على استعادة الحياة السياسية وتفعيل الدولة واستعادة السيادة، ومدعومة من غطاء دولي كبير.. كل هذه المعطيات وضعت “حزب الله” في مأزق، لأن هذا السلاح لا يمكنه ان يكون تحت ظل الشرعية اللبنانية، لأنه سلاح له خلفيته الخاصة سواء في تكوينه الامني، أو بنيته العقائدية، لا يؤهلانه ان يكون تحت ظل الشرعية اللبنانية، فهذا السلاح لم يصمّم في الأصل لأن يكون لبنانيا، بل صمّم لأن يكون جاهزا للعب ادوارا اقليمية، تفترضها السياسة الايرانية. إذن قرار الحرب كان قرار الخروج من المأزق، لا تحرير الاسرى ولا مواجهة اسرائيل، بل لخلط الاوراق وخلق حالة ضعضعة في الداخل اللبناني، بحيث بدل ان يكون السؤال الداخلي هو الذي يتصدر النقاش السياسي اللبناني العام، أي كيف تستعيد الدولة هيبتها وسيادتها وحضورها الفاعل بعد نهاية الوصاية السورية،  قام “حزب الله” بنقل النقاش الى مسألة خارجية تتصل باسرائيل وعدم التأمين على نواياها، وضرورة حفظ السلاح، وبالتالي نقل الحزب، من خلال الحرب، مسألة سلاحه من حيّز البحث والنقاش الى خارج البحث بالكامل. الحرب الحرب كانت جزءً من استراتيجية “حزب الله”، لاستعادة شكل من اشكال وصاية جديدة على لبنان. ذلك ان الوصاية السورية على لبنان، كانت وفّرت له فرصة الوجود خارج الجدل الداخلي، واضطر “حزب الله” بعد الحرب، ان يضع سلاحه على الطاولة كعنصر قوة للاشارة وللتأكيد على عدم وجود توازن في ميزان القوى، فحرب ال ٢٠٠٦ كشفت ان  السلاح ليس فقط ضد اسرائيل، انما يمكن استعماله في الداخل، فموازين القوى الداخلية بنظر “حزب الله”،  لا تقوم على من لديه الشرعية ومن لديه نواب اكثر، بل تقوم على قاعدة من يملك فائض القوة المادية في لبنان.  “حزب الله” برهن بعد حرب ٢٠٠٦ وعبر احتلال بيروت، انه هو صاحب فائض القوة في لبنان. الخطوة الثانية التي قام بها، غداة الحرب، هي استقالة الوزراء الشيعة، واعتبر الحكومة غير شرعية، ولا تتوافق مع ميثاق العيش المشترك، كذلك احتل وسط بيروت لنحو عامين، عبر اعتصامات منظمة ومستقوية بسلاح الحزب. كل ذلك لم يأت في سياق رد الفعل، انما في سياق خلق معادلة قوة جديدة، تبين الخلل في ميزان القوة، وان “حزب الله” له اليد العليا.كل ذلك العمل ترجم في اتفاق الدوحة، الذي رسخ الثلث المعطل في الحكومات، والذي رسخ “حزب الله” كقوة صاحبة الكلمة الاخيرة.اتفاق الدوحة لم يرسخ “الثلث المعطل” فحسب  بل رفع سلاح “حزب الله” من دائرة النقاش، وفرضه في كل بيان وزاري، اي اتخذ صفة شرعية وقانونية. ويُلاحظ ان في كل هذه السياقات، سعي حثيث لترسيخ  وصاية جديده في لبنان، لا يكون الدستور والقانون اساسها، انما فائض القوّة الذي يملكه “حزب الله” ولا يتردد في استعماله، والذي يجعله صاحب الكلمة الفصل، فبعد ٢٠٠٨ انتزع الحزب كل المقومات السيادية للدولة واحتكرها لنفسه، وترك القاء اللوم على الدولة في الخلل الاداري والفساد ، اي انه اخذ كل  الدسم من الدولة وترك لها نقاط الضعف، ليحمّل بقية السياسيين اسباب الضعف. بالتالي، يبرز السؤال، هل كان الشعب اللبناني بغنى عن هذه الحرب؟ يأتي الجواب سريعاً.. “نعم”، فبعد ٢٠٠٦ بدأ انهيار الدولة وتعززت الغرائز الطائفية، وحدث انقسام مجتمعي، وصار هناك استحالة لتحقيق اي اجماع حول اي قضية، وبدأ انهيار الاقتصاد وزاد منسوب الفساد والمحاصصة، فاذا كُسبت جولة او جولتين من الحرب  مع اسرائيل فبالمعنى الاستراتيجي، وليس كم سقط للبنانيين وكم سقط لهم من قتلى. لبنان بالمعنى الاستراتيجي كان الخاسر الأكبر، وكان الرابح الاكبر في هذه الحرب هو “حزب الله”، لأنه رسّخ معادلة جديدة وقواعد لعبة جديدة وأعراف جديدة، موازية لكل النصوص الدستورية والقانونية في لبنان، تكسّر العرف السياسي المعروف في لبنان الذي كان يضمن الاستقرار، لأن لبنان بحكم تعدديته كان يقوم على التسويات، أي على انصاف الطريق.

 “حزب الله” رسخ معادلة انه هو صاحب القرار في القضايا السيادية، وفرض تعطيل مجلس النواب، وفرض ميشال عون رئيساً، رغم انه لم يكن لديه الاكثرية النيابية، وهذا كله ترجمة للخلل في موازين القوى، الذي استثمره “حزب الله” لصالحه، ووضع عرفاً سياسياً موازياً للقواعد الدستورية، وللعرف السياسي الذي كان معمولاً به في الحياة اللبنانية.

كيف برّر «حزب الله» دخوله الى سوريا؟

الدخول الى سوريا لم يكن لغرض الدفاع عن المقامات الشيعية او الأقلية الشيعية، كما ادعى في بداية انخراطه في الحرب السورية، لأن الدفاع عن سوريا بحسب التعبير الايراني هو “اهم من الدفاع عن طهران”، فسوريا لها اهمية استراتيجية ولذا لا يجب ان تفلت من ايديهم، لذا عملت ايران على ان تمأسس حضورها في سوريا، وليس فقط تعزيز حضورها،  في البداية دافعت عن نظام الأسد ، ودفعت في سبيل ذلك العديد من الضحايا والأكلاف المادية والعسكرية، وعملت على تأسيس حضورها من خلال شراء الاراضي في سوريا، وتشكيل ميليشيات تابعة لها، وعبر حملات التشيّع، ورغم الحضور الروسي في سوريا يبقى الحضور الايراني حضوراً قوياً ومؤثراً وعميقاً، لأنه حضور ممأسس وليس حضوراً ميليشيوياً.  “حزب الله” هو حزب مكوّن من لبنانيين لكنه حزب يلتزم الاستراتيجية الايرانية فحضور “حزب الله” في سوريا هو تلبية لرؤية استراتيجية ايرانية، و”حزب الله” بصفته فصيلاً ايرانياً وليس حزباً لبنانياً،

“حزب الله” هو حزب مكوّن من لبنانيين لكنه حزب يلتزم الاستراتيجية الايرانية، والمنظومة الأمنية الايرانية والدفاعية ، هو جزء عضوي من هذه المنظومة، التي كانت تعتبر ان سوريا ثابت استراتيجي، لذا قدمت في سبيل ذلك الكثير من الضحايا والاموال، ووصلت بالتعبئة الدينية خلال الحرب  الى اقصاها، واضفت صفات غير مسبوقة دينيا لهذه الحرب الدفاع المقدس، وهو مصطلح لم يحظ به قتال اسرائيل. “حزب الله” هو استجابة للرؤية الاستراتيجية الايرانية، أين لبنان من كل هذا؟ لا مكان للبنان في كل هذا، لبنان كان من مصلحته، بالمعنى السياسي والاستراتيجي، ان يكون على الحياد وان ينأى بنفسه عن هذا الصراع، وسوريا بالنسبة الى “حزب الله” هي ضرورة وجودية، الجغرافيا السورية جسر عسكري له، زائدا انها ضرورة استراتيجية لايران.. ومأسسة النفوذ الايراني يعني انه يتسم بالدوام والاستمرارية والعمق، بما يعني، بالتالي، ان ازالته عملية صعبة ومعقدة.

ماذا يعني اعلان بعبدا لـ«حزب الله»؟

اعلان بعبدا بالنسبة ل”حزب الله” هو شيء ل”التسلية” من الخطابات التي يستهلكها للداخل، ويجب التنبه دوما، الى ان حزب لديه خطابين، واحد للرأي العام وللبيئة الشيعية التي يقدم نفسه على انه حامي لها، وللبيئة المسيحية عن حمايتهم من الارهاب السني ..هذا خطاب  للاستهلاك الداخلي والترويجي، لكن ليست هذه الخطابات التي تعكس استراتيجية “حزب الله”. فإعلان بعبدا كان شارك “حزب الله” في صياغته وتبناه ثم عاد وتنصل منه، اعلان بعبدا جزء من الاستهلاك المحلي والداخلي حتى يرفع عن نفسه العتب واللوم.. انما لا اعلان بعبدا ولا طاولة الحوار، هما من يقرر استراتيجية “حزب الله”.. انما تقررها المنظومة المعقدة والمترابطة عضوياً، والتي تقوم في بنيتها الايديولوجية على ولاية الفقيه، وفي بنيتها الامنية على الحرس الثوري والقوى المتفرعة عنه، ومنها “حزب الله” الذي يعتبر النفوذ في سوريا ضرورة، لا يمكن التنازل عنه من قبل المنظومة الايرانية. نتائج هذا التدخل على الساحة اللبنانية النتيجة الأبرز لتدخل “حزب الله” هي هشاشة الدولة، التي باتت عاجزة على ان تمارس سيادتها ودورها وسلطتها، اذ ليس فقط سلاح الحزب صار خارج التداول اليوم، بل انتقل الى ان ينتزع هذا السلاح المبادرة من يد الدولة، ويظهر كقوة في سوريا وبقوة اقل في العراق واقل في اليمن.  فكرة الوصاية هي مشروع بدأ تنفيذه منذ ان خرجت سوريا من لبنان ومن نافل القول ان “حزب الله” هو مكوّن قائم بذاته مستقل عن الدولة، حتى لا يقال انه “دويلة داخل الدولة”، بل بات بعد الحرب السورية، دولة الى جانب الدولة، لها اعتباراتها الايديولوجية والسياسية والاقليمية والاخلاقية والثقافية، مكوّن قائم بذاته، يستطيع ان يمتص من الدولة مصادر قوة لحسابه، وقادر على اختراقها عبر عنصر الدعم الشعبي، فيخترق قراراتها، لكن هو بتكوينه ليس حسابه لبنانيا بل خارج الحسابات اللبنانية، لذا كان اثر مشاركته في الحرب السورية كارثياً على لبنان، لانه عزّز الحساسيات المذهبية السنيّة الشيعية، واظهر هشاشة الدولة واضعفها، واظهرت الدولة عجزها عن ضبط المجموعات المتفلتة منها، فلا تستطيع الدولة ان تضبط الجماعات التي تضر وتناقض سياستها الخارجية، ف”حزب الله” فاتح على حسابه، يفتح معركة على حسابه في اليمن، ويفتح مواجهة مع دول الخليج، اي بما يخالف مصالح الدولة، ينظم تعبئة سياسية وينفذ لوحده، هذا اظهر ضعف الدولة وعجزها عن ان تدافع عن موقفها، وهذا نقل “حزب الله” من مرحلة الدولة الى جانب الدولة، الى مرحلة الوصاية على الدولة، وفكرة الوصاية هي مشروع بدأ تنفيذه منذ ان خرجت سوريا من لبنان.

 

 

الحريري «يقطع» لنفسه

one way ticket!

علي الأمين

فعلها سعد الحريري. حيث لا يجرؤ الآخرون، ولكن على "قاعدة علي وعلى أعدائي". قال كلمته ومشى. استدرك هذه المرة، و"قوطب" على الرئيس ميشال عون، وقطع لنفسه هذه المرة، one way ticket، وبالأخص عن "حزب الله"، الذي كان يشعر هو كما الجميع، انه على "قاب قوسين او أدنى" منه. آثر الحريري ان يكون خروجه من الحياة السياسية والإنتخابية، مدوياً ومباغتاً، أشبه ب"إنقلاب أبيض" على رأس المنظومة "حزب الله"، التي كان حتى الأمس القريب، حليف حليفه، والواقف دوماً على "خاطره"..إلى ان وقعت الواقعة.. ماذا بعد؟! انكفاء سعد الحريري و”تيار المستقبل” عن الانتخابات النيابية المقبلة، ترافق مع إعلانه عن “تعليق” مشاركته في الحياة السياسية بمعناها “التقليدي”. خطوة أراد منها صاحبها، أن تحرك المياه الراكدة على المستوى الوطني، اذ بات جمودها مبعث للموت لكل ما يحيط بها،  لما تسببه من “اوبئة” تهدد استمرار الحياة والسياسة والعيش، وصولا إلى بقاء الكيان والدولة.

لقد أقرّ الحريري في أخطائه السياسية، والتي طالما احالها إلى سعيه، من أجل حماية الدولة ومنع التدهور، وصولا إلى منع الانجرار إلى الحرب الأهلية، وطالما اتهمه كثر من بيته السياسي، بأنه هو من مكّن “حزب الله” عبر خياراته السياسية، من التمدد الأمني والعسكري، وصولا إلى تمكينه من الإمساك شبه الكامل، بالقرار السياسي والاستراتيجي. ولم تُجدي نفعاً، سياسة “ربط النزاع” التي “ابتدعها” الحريري، في لجم اندفاعة الحزب للتحكم والسيطرة، بل وفرت له الظروف الملائمة، للخروج عن كل قواعد الدولة، لاسيما في انحرافه المستفز عن سياسة النأي بالنفس، و تحويل لبنان إلى قاعدة أمنية وعسكرية وسياسية بقيادة ايرانية، من أجل تحرير اليمن والعراق وسوريا، وصولا إلى “الجزيرة العربية”.

 تعليق الحريري مشاركته السياسية، في جوهره قرار سياسي ومفصلي. هو لم يقل أنه اعتزل السياسة، ولم يعمد إلى وضع شروط للعودة، ولا استخدم قراره في سياق ابتزازي للمنظومة الحاكمة. أنه إعلان خروج من المنظومة هذه، التي ظنّ بعد استقالته غداة انتفاضة ١٧ تشرين ٢٠١٩، انها ستعيد حساباتها بعد هذا الإجماع اللبناني في الشارع، على مطالبتها بالاستقالة والتغيير، وهنا أخطأ ليس في الاستقالة، بل في رهانه على العودة برعاية فرنسية، رغم ادراكه أن مشروع “حزب الله” والمنظومة التي يديرها، لا يمكن ان تغامر بنفوذها لحساب مصلحة وطنية، انطلاقا من أن هذه المصلحة، هي في نظرهم مشروطه ببقاء السلطة في يدها، من دون أي تغيير في نهجها.

السياسة الإيرانية في إدارة الشأن اللبناني، كانت شديدة الحرص على بقاء رمزية الحريري في السلطة، بقاء تحت السيطرة، وقد عملت على “تدجين” الحريري وسلوكه، مستفيدة من النزعة السلمية لدى الحريري ورهاناته على تغليب المصالح الدولتية والوطنية، على مشروع الدويلة لدى “حزب الله”، بل رهانه على الهامش الذي يمثله الرئيس نبيه بري، الذي راهن الحريري على دوره المستقل، من أجل تزخيم البُعد الداخلي والوطني، على حساب الأبعاد الإقليمية القاتلة للبنان. لم يكن الرئيس الحريري مقصّرا في حماسته أو رهاناته أو حتى “أوهامه”، رغم أنها كانت مسبوقة بتجارب مخيبة وردت في خطابه الأخير، بدء من ٧ أيار، وصولا إلى التسوية الرئاسية، وبينها سياسة النأي بالنفس، وغيرها العديد من مثيل التعطيل الحكومي بالتشكيل والتأليف، ولا يخفى، أن إغواء السلطة واغرائها لعب دوراً لا يجب تهميشه في تغاضي الحريري، بل في “انخراطه”، بشكل أو بآخر، أسوة ببقية أفراد المنظومة مع تفاوت في درجات الإنغماس بينهم، في المحاصصة والفساد، على رغم أنه الوحيد الذي خسر ثروته في السلطة، فيما تضاعفت ثروات اقرانه في المنظومة.

 لعل “حزب الله” و”التيار الوطني الحر”، من أكثر الأطراف التي يجب أن تبتسم وتحتفي بانكفاء الحريري، طالما أن عصبيتي الطرفين، قامت بدرجة كبيرة في المسرح السياسي، على معركة أضعاف “الحريرية” بل اقتلاعها من جذورها، بعدما تم اغتيال الحريري الأب، لكن على الأرجح، هم قلقون من انكفاء الخصم “الوجودي” لهما، غيابه مربك ليس للطائفة السنية، ولا لجمهور ومحازبي “تيار المستقبل”، بل لأطراف المنظومة نفسها، التي خرج منها أحد أبرز حلقاتها في الشكل، و”الموسمي” في التأثير والفاعلية، فالحريري بخروجه أظهر أنه “الحلقة الأضعف” فيها دوما، إلى حدّ أن الخروج أو الانكفاء هذا يعطي انطباعا، بأنه كسب ولم يخسر، كسب فرصة الاستثمار في المستقبل، وكسب في التخفف من تحمل أعباء المنظومة وخياراتها، التي كان وظلّ على هامش خياراتها الاستراتيجية. يبقى أن فكرة الزعيم القوي في طائفته، والتي استثمر فيها “حزب الله”، بعدما نجح في فرض مفهومه الخاص للميثاقية، بعد إمساكه وسيطرته الكاملة على تمثيل الشيعة اللبنانيين، ومن ضمنها “تطويع” الرئيس بري الذي سلم لاستراتيجية إيران، واكتفى بمحصول خاص على صعيد الحصص، و و واضطلع بدور المُدافع عنها خارج القضايا الحساسة الخارجية، وتلك المتصلة بمصالح إيران الاستراتيجية.

الزعيم القوي، هي خطة إيرانية عبر عنها الاستثمار الإيراني الخاص، بشخص السيد حسن نصرالله، فلحق به الآخرون بتشجيع ايراني، والغاية كانت فرض “الفيتو” الشيعي، والدليل أن ذلك لم يتوفر لأي سياسي آخر في طائفته، فلا  الرئيس ميشال عون نجح في تحصيل حق “الفيتو”، ولا الحريري استطاع أن يحول دون توزير سني من “اللقاء التشاوري”، أو من سواه في حكوماته، ولا الوزير السابق وليد جنبلاط  استطاع التفلت من القيد الارسلاني أو سواه.

العودة الى تظهير التعددية داخل الطوائف، ولجم نزعة الاحتكار السياسي فيها، البعيدة عن المنطق وغير الواقعية، هو ما يقلق “حزب الله”، لا شك أنه يسيطر بقوته، لكنه لا يستطيع أن يتحكم من دون وجود أدوات فاعلة في طوائفها، وقادرة على تلبيته ويستطيع ابتزازها.

غياب الزعيم القوي، أو انكفائه وتراجعه داخل الطوائف، يشكل صفعة لمقولة الزعيم الأوحد، أو الثنائيات في حكم الدولة، وحتى الترويكا والمثالثة الفعلية، فكل تلك المظاهر والتعبيرات السياسية، أضعفت الدولة وشجعت المنظومة على استباحتها لحساب الدويلة التي سيطرت وتحكمت.

في خطوة الحريري ما يشي بقلب لطاولة يسيطر عليها “حزب الله”، وهي  كفيلة بأن تحفز، على إطلاق حيويات جديدة في المجتمع اللبناني، تتسم بنزعة انقلابية على مفهوم الزعيم الأوحد، لصالح تعددية موضوعية وطبيعية داخل المكونات الطائفية اللبنانية وعلى المستوى الوطني. أما التخويف من الاحباط السني، فهي كذبة، يتلطى خلفها أولئك، الذين يتشبثون بمقولة أن الميثاق، هو تفاهم بين أطراف المنظومة برعاية إيران أو “حزب الله”.. لا فرق!


 

 

(حزب الله) يَلعب بالنار..

يُحرق لبنان كرمى لإيران!

علي الامين

 

 لا يتورع "حزب الله" عن تحويل لبنان إلى "أرض محروقة"، وهو يكاد يقترف ذلك حرفياً، نتيجة "اللعب بالنار"، التي تُلهب الشعب اللبناني ومؤسساته وتحاصر لقمة عيشه وتخنق ما تبقى من حياة كريمة، لتمتد السنتها "الإيرانية" على كل الأشياء والتفاصيل، والمفاصل السياسية والإقتصادية والمالية والإجتماعية.  لبنان ينهار، والدولة إلى مزيد من التصدع في بنيانها الدستوري والقانوني، الذي ينسحب على قطاعاتها المالية والاقتصادية، كما القطاعين العام والخاص. هذه المؤشرات والعناوين، باتت تنذر بانهيار الدولة وربما الكيان، فيما يهجس الأمين العام  ل”حزب الله” السيد حسن نصرالله بما اسماه “الرهائن اللبنانيين” في دول الخليج العربي. لا معنى لتوصيف نصرالله لمئات الالاف من اللبنانيين المقيمين والعاملين في الخليج ب”الرهائن”، سوى السعي لتحريرهم واستعادتهم من معتقلاتهم، إلى رحاب النعيم والحرية في لبنان العظيم.  بمعنى أدق، هو يريد قطع أهم شريان حياة لجزء كبير من اللبنانيين، يسمح بتدفق بعض المعونات للعائلات التي يعمل ابناؤها أو اقربائها فيها، وهي دول توفر فرص الإنتاج والادخار للعاملين على أراضيها.

توصيف امين عام “حزب الله” هذا، ليس عفويا، بل يعبر عن وجهة سياسية، تريد الإستمرار في تدمير العلاقة بين لبنان ودول الخليج، ولو على حساب اللبنانيين، فنصر الله يدرك جيداً، أن خطابه يساهم ليس في استفزاز السلطة السعودية فحسب، بل ايضا السعوديين على وجه العموم الذين سيتأثرون سلبا، وهذا ينعكس ولو بدرجات متفاوتة، على العلاقة بين اللبنانيين والشعب السعودي في المملكة، لا سيما أن الأذى الذي يطال السعودية من “حزب الله”، ومن السلطة اللبنانية عموما، بات محرجا لكثير من اللبنانيين المقيمين في السعودية، ويؤثر على مصالحهم، من دون أن يكون ذلك نتيجة إجراءات رسمية سعودية، بل نتيجة اهتزاز صورة اللبناني، التي تعرضت لأذى وتشوهات لدى الرأي العام السعودي، سببتها سياسات “حزب الله” الإيرانية من جهة، وعدم قيام الحكومة اللبنانية بخطوات، تلجم اذى “حزب الله” تجاه السعودية وأمنها القومي.

  تحميل لبنان أعباء لا تحتملها إيران نفسها، في علاقتها مع دول الخليج والسعودية تحديدا، يعكس ذهنية لا ترى في الدولة اللبنانية ومصالح شعبها، سوى ذخيرة لفداء المصالح الإيرانية، فما لا تقوله أو لا تستطيعه الحكومة الإيرانية أو ولي الفقيه، لأسباب دولتية، تقوم به الأذرع أو الأدوات، التي طالما تعيش امتحان اثبات الولاء للولي الفقيه، ولو على حساب الكيانات الوطنية التي تنتمي اليها، بل تذهب الأذرع في المزاودة في الولاء إلى حدّ خيالي، من خلال ما قاله نائب نصرالله الشيخ نعيم قاسم، في كلمة خلال احتفال نظمته السفارة الإيرانية في بيروت قبل يومين، بمناسبة الذكرى الثانية لمقتل قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس: “إيران لم تطلب شيئا على مر التاريخ فهي أعطت ولم تأخذ”. وجاء كلامه في سياق حديثه عن دعم إيران لأطراف محور المقاومة ومن بينهم “حزب الله”.

المصالح اللبنانية ليست في برنامج “حزب الله”، وليست هي من يقرر سياسات الدولة، لذا بنى “حزب الله” بنيانه الايديولوجي والسياسي، على ركائز خارج نظام المصالح الوطنية، وبات معنيا بفرض رؤيته وبرنامجه على اللبنانيين، بضرب المصالح اللبنانية مع خصوم ايران، وهو يدرك أن ذلك سيؤدي الى افقار الشعب وعزله، وهذا ما يريده ليسهل عليه السيطرة والتحكم على الشعب، عندما يتحول إلى قطعان من الفقراء والجوعى.

 غير أن ذلك، وأن كان يبدو خارج المنطق، فهو بالضرورة يمثل منهج “حزب الله”، الذي يدرك أن أخطر ما يواجهه هو الدولة، كاستحقاق لا مفر منه أمام اي شعب أو جماعة تبحث عن مستقبل لها، لذا يحاول دوما الهروب من الأسئلة الملحة المطروحة على الشعب، إلى عناوين غائمة وشعارات رنانة و”بروباغندا”، يعتقد انها تؤجل الاستحقاقات الملحة للشعب، من هنا فإن خطاب “حزب الله” اليوم، لا يقارب أزمة المالية العامة في لبنان، أو الاصلاح، أو السياسات الاقتصادية، أو انهيار العملة الوطنية، لأنها أمور تفصيلية بالنسبة اليه، فالمقاومة والتعريض بالخليج وشتم أميركا وإسرائيل، هم الأساس والجوهر. هذه السياسة والمنهجية تدمر لبنان، لكن “حزب الله” لن يسلم من هذا التدمير، فالقوة ليست في امتلاكه مئات آلاف الصواريخ، ولا بالمئة الف مقاتل الذي لوح نصرالله بهم بعد احداث الطيونة، القوة في الفكرة القابلة للتطبيق والاقناع في محيطها، وهذه لم تعد قائمة بعدما فقد “حزب الله”، ولا يزال يفقد، التعاطف اللبناني معه، بل تترسخ في وعي اللبنانيين فكرة معاكسة، مفادها أن “حزب الله” هو علة لبنان، وهي فكرة قد لا تختصر الحقيقة والواقع، كما هي فكرة الحزب عن المقاومة وحماية لبنان، التي كانت قبل سنوات تجافي الحقيقة والواقع


 

 

رفع عصا «المقاومة» لضرب

اللبنانيين.. لا الإسرائيليين!

علي الأمين *

شتان ما بين ثورة تأكل أبناءها، ومقاومة تخطف شعبا بأكمله، وتحوله الى رهينة لأجندتها الداخلية والإقليمية، غير عابئة بمستقبله، ولا آخذة في الحسبان أو بالاعتبار تاريخه، كمجموعات شبت على الحرية و الإنفتاح و ستشيب عليها.  والأنكى من ذلك، ان “عصا” السلاح الذي ترفعه هذه المقاومة، أضاع بوصلته وضل طريقه، التي يفترض ان يكون، كما هو مزعوم، لدحر الإسرائيليين، و إذا به يتحول إلى “هراوة” لضرب اللبنانيين.. و”تأديبهم”!    السطوة الأمنية والتهديد لكل من يخرج عن سلطة المنظومة، لم يزل فاعلا ومؤثرا في المجتمع اللبناني، وكابحاً لأي تغيير في عنصر من عناصر هذه السلطة، التي تسعى عبر خلافات مكوناتها إلى معاودة السيطرة والتحكم على من تفلت من القطعان المذهبية والطائفية في ١٧ تشرين وما بعده، لكن هذه المحاولات، وإن أظهرت قدرة لدى المنظومة على استعادة السيطرة، الا انها عكست ايضا عجزا متماديا، عن تغيير الرأي العام الرافض لبقائها، والمُطالب بحلول لأزمات صنعتها هذه المنظومة، وهي عاجزة اليوم عن معالجتها أو لا تريد حلاً لها.

القوة المادية العارية للمنظومة، والتي يقف على رأسها ويديرها “حزب الله”، شكلت حجر الرحى في عملية الانقضاض على انتفاضة اللبنانيين ضد السلطة، ولكن ذلك ليس كافياً لضمان تحكم المنظومة، بل هو مؤشر على العجز والافلاس السياسي، ويمهد لاستكمال الإفلاس المالي والاقتصادي الذي سببته المنظومة نفسها للدولة. 

  لذا فإن السلاح والصواريخ والقوة القمعية، يمكن ان ينجحوا في حماية منظومة حاكمة في كوريا الشمالية مثلا، أو في أية دولة مختلفة عن لبنان، بمعنى ان تنجح في دولة قادرة على أن تنغلق على نفسها، ويقتات شعبها من ارضها، وتغلق نوافذها على العالم، رغم ان هذا النموذج ايضا يفقد جاذبيته، و هو مرشح للانهيار، في ظل التباين الذي يتسع بين كوريا الشمالية وجوارها اقتصاديا وسياسيا وتنمويا لصالح الجوار، وهذا كفيل مع الوقت أن يؤدي إلى انهيار نظام الحكم الشمولي فيها. في لبنان التاريخ، وكذلك النموذج الذي قام عليه الكيان، يتعارض تماما مع فكرة الاصطدام مع الجوار العربي، والانغلاق عن المحيط الإقليمي وعن الغرب عموما، طبيعة الكيان الجغرافية والديمغرافية، لا تتآلف مع الانغلاق، ولا تتماشى مع القوة المسلحة كقوة حاكمة ومقررة ومتحكمة، فالواقع يشير إلى أن قوة “حزب الله”، التي تتركز في الجنود والسلاح والعتاد والصواريخ، لم توفر للبنان حصانة من التداعي والانهيار على الأقل، وبالتالي فإن وجود ملايين الصواريخ للحزب، وحتى وجود قنبلة نووية افتراضا، فإن ذلك لن يضيف على الواقع، الا المزيد من التدهور والانهيارات. 

  مشكلة “حزب الله”، وكل من يؤيده بذريعة مقاومة إسرائيل وتحرير فلسطين، انهم في تأييدهم البريء هذا، قد قصروا مفهوم المقاومة على بعد واحد، و هو البعد العسكري، واهملوا ما هو أهم وأكثر فاعلية، اي البعد السياسي والاجتماعي والتنموي وحرية المجتمع. باختصار، فإن الأهم هو منظومة القيم التي تحكم أية دولة متقدمة التي بالضرورة تضم مجتمعا حيويا يحرص على حماية تلك القيم وأهمها الحرية. كل ذلك تم تقويضه في لبنان لصالح السلطة والاستبداد ولقمع المختلف، فقد تحولت “المقاومة” إلى عصا لتأديب الشعب اللبناني والثورة السورية،  وملاحقة الأفراد الذين يجاهرون باختلافهم السياسي وباعتراضهم على منظومة السلطة والدفاع عن حقهم بالاختلاف والتعبير الحر. لقد انهمك “حزب الله”، الذي احتكر حق المقاومة لنفسه في لبنان، في تأديب اللبنانيين والسوريين، أكثر مما انشغل في تأديب العدو، ونظره واحدة جلية نحو الحدود كفيلة بأن تظهر أين كان القتال واين كان الهدوء والاستقرار.

  كل ذلك، يشي بمفارقات عجيبة بل قاتلة، فبينما يحقق “حزب الله” الانتصار تلو الانتصار كما يروج، من انتصار على إسرائيل وانتصار في سوريا وصولا إلى اليمن، فإن كل هذه الانتصارات يعتبرها “حزب الله” انتصارات للبنان، فيما لبنان ينهار ويتراجع، وشعبه يزداد فقرا وبؤسا، ويبحث عن فرصة للهروب والهجرة، ليس بسبب حصار دولي مزعوم، بل بسبب هذه المنظومة المتحكمة والحاكمة، والتي نهبت المال العام، ودمرت الدولة، ونهبت أموال الناس، في جريمة موصوفة وغير مسبوقة ارتكبتها وهي تتفيأ برايات المقاومة وتحتمي بسلاحها، وتستكمل تدمير ما تبقى من إسرائيل..عفوا من لبنان!

* صحفي لبناني رئيس تحرير موقع (جنوبية)

 

(حزب الله) يخطف «القضية»

الفلسطينية بعد اللبنانية.. (حماس) نموذجاً!

علي الأمين *

 لم يعد خفياً على أحد ان “حزب الله”، بعد أن خطف “القضية اللبنانية”، وأطبق  على الحلفاء كما الخصوم، وأحكم السيطرة على مفاصلها كافة بكل تقاطعاتها أو  تناقضاتها، كذلك يفعل مع “القضية الفلسطينية”، بجناحها الشقيق حركة “حماس” الذي تدب “الحماسة” لديه في جزء من الحركة وليس كلها. و أسهم إنفجار برج الشمالي في قبو احد المساجد، في تظهير هذه الصورة، بعدما تبين أنه مخزن أسلحة يتبع للحركة،  أسفر عن مقتل كادر أساسي “حماساوي” ينشط كخبير في حقل المتفجرات، وما نتج عن تشييعه كان أعظم، حيث سقط أربعة قتلى ل “حماس”، بعد إنتشار عسكري لعناصرها تخلله إطلاق نار. هذه المجزرة، تحمل بعدا لا يقل خطورة، يتمثل بالخرق المزدوج  للقرار 1701، من قبل “حزب الله” و “حماس” التي تستقوي به، و خصوصاً بعد معلومات عن أن الحزب يُخزن اسلحته في هذه المنطقة التي يُفترض ان تكون محظورة السلاح والأعمال العسكرية، ما يؤسس لتعقيدات في المشهد الداخلي والخارجي، الأمر الذي يدفع ثمنه لبنان بالنيابة عنهما.

وبالتأكيد أظهرت زيارة رئيس حركة “حماس” خارج فلسطين خالد مشعل الى لبنان بعد أيام على حادثة الانفجار، ارباكا لدى “حزب الله” الذي تعامل مع الزيارة ببرود في الظاهر، لا بل أوحى من خلال وسائل اعلام قريبة منه، أنه غير معني بزيارة مشعل وأن لا موعد له مع الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله، فيما محطة “المنار” لم تول اهتماما بالزيارة، كما جرت العادة مع سواه من مسؤولي “حماس”.  يعلم القاصي والداني، ان زيارة مشعل الى لبنان، لا يمكن ان تتم من دون تنسيق مع الحزب، لا بل ان حصوله على تأشيرة دخول إلى لبنان، تتم من حارة حريك وليس اي مكان آخر. أما لماذا تنصل “حزب الله” من مسؤوليته، فيمكن القول، أن الازعاج السوري الذي عبر عنه هجوم القريبين من النظام ، الوزير السابق وئام وهاب و الصحافي جوزف ابوفاضل على مشعل و زيارته ودعوته إلى الرحيل، مضافا إلى الارتباك الرسمي اللبناني، زادا من تخبطه تجاه الزيارة، من دون أن تستبعد مصادر عليمة خاصة، ان “لقاء بين مشعل ونصرالله قد جرى بعيدا عن الأضواء”. 

يطرح هذا المستجد الأمني الخطير، قدرة “حزب الله” على إعادة ترتيب الساحة اللبنانية السياسية والامنية والعسكرية، وعلى هواه تبعا لحساباته الإيرانية والداخلية، في إحتضان هذا الطرف أو “شيطنة” ذاك، وتحت أعين الدولة بأجهزتها كافة، التي يتراوح تعاطيها بين التسهيل و المحاباة.. وغض الطرف.  ولعل أخطرها على الإطلاق هو حماية السلاح غير الشرعي ل “حزب الله” لسلاح المخيمات لدى الجناح التابع له، تحت شعارات ساقطة و زائفة حول تحرير فلسطين، التي أثبتت التجارب مع مرور الزمن أنّ الحزب و”حماس” “ليسا بهذا الوارد” علماً أن لا السلطة الفلسطينية ولا حركتي حماس والجهاد يتبنيا فكرة استخدام الأراضي اللبنانية للقتال الاحتلال الاسرائيلي بل يعلنان التزامهما بمقتضيات السيادة التي عاد وأكد عليها مشعل في اطلالته امس الجمعة في صيدا،! هذا ما يعزز مقولة أن وظيفة السلاح داخلية فلسطينية ولبنانية وليست وظيفة مقاومة! وفي إطار تبادل المنافع والمصالح بينهما، يبرز دور حماس كأحد الأذرع الإيرانية في لبنان وفلسطين كما “حزب الله” في لبنان (وان كانت حماس نفسها يتوزع ذراعاها بين  تركيا وايران) ولكن يبقى الحزب على قاعدة “متقدم بين متساويين”، يغطي حماس تحت جناحه، في لبنان، لزوم فكرة “الساحة المفتوحة” التي يسعى اليها نصرالله بتكليف من إيران، إذا إقتضى الأمر، وفي المقابل، يعطي “حماس” ما تبتغيه للإمساك بمركزية الساحة الفلسطينية وقرارها، الذي تسيطر عليه “فتح” (ومنظمة التحرير) رسميا في لبنان، من دون إلغاء دورهما الإداري والمالي، الذي يرتب على حماس تحمل أعباء تجاه اللاجئين الفلسطينيين، لا تريدها ولا تقوى عليها. وتأتي زيارة مشعل في هذا السياق لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني على هذا النحو، مستثمرا قوة “حزب الله” وضعف “فتح”.  الملف الفلسطيني بسلاحه ووجوده فُتح على مصراعيه، بين حزب الله وحماس وبينها “فتح”، ليستوجب حكما إعادة إحياء الإستراتيجية الدفاعية، التي يتهرب منها “حزب الله”، وشنّ حرب تموز في معرضها، ولأجل بقاء السلاح ليحكم ويتحكم بإسمه الى ما شاءت.. إيران!

* موقع (جنوبية) رئيس تحرير الموقع

 

إنتخابات لا إنتخابات..

إبحث عن «حزب الله»!

علي الأمين

 ينضم إستحقاق الإنتخابات النيابية المرتقب، إلى لائحة الخيبات اللبنانية الكبيرة والكثيرة، بعد تراجع حظوظ إجرائه في موعده أو ترحيله الى مدى منظور، و بالتالي القضاء على رجاء التغيير ، لحاجة في نفس المنظومة الحاكمة المأزومة والمتصدعة، والتي "ترعى" الخلافات في "حقولها"، يديرها "حزب الله"، الذي يحدد أولوياته الشعبية والسياسية، ومصالحه الإنتخابية من النيابية الى الرئاسية. الانتخابات النيابية المرتقبة في آذار أو أيار من العام المقبل، لا تبدو فرص اجرائها مرجحة، بل ثمة انطباع يتوسع لدى أكثر من طرف محلي وخارجي، بأن الانتخابات لن تجرى في موعدها، من دون أن يتحمل اي طرف داخل السلطة تبعات التأجيل، لا سيما أن الأطراف المؤثرة في العملية الانتخابية، تبدو غير متحمسة لاجرائها، وهي قادرة على التأجيل من خلال اي حدث أمني “غب الطلب”، يبرر تأجيلها في ظل الانهيار المستمر على مستوى مؤسسات الدولة، وفي ظل أزمة معيشة باتت ثقيلة جدا على كاهل المواطن، وتجعل من الانتخابات مطلبا لا يكتسب لديه صفة الإلحاح، كما كان عليه الحال خلال العامين الماضيين.

 المنظومة الحاكمة تدرك أن خريطة مجلس النواب ستتغير، فاي انتخابات في ظل ايّ ظروف سياسية، ستفرض مستوى من التغيير في حجم القوى.   الساحة المسيحية، أكثر الساحات المرشحة لذلك، فنسب التغيير مهما تدنت فيها، لن تقل عن ٢٥ في المئة بحسب احد الخبراء الانتخاببين، وهي قد تتجاوز ال ٥٠ في المئة من النواب المسيحيين. في الساحة السنيّة، تراجع “تيار المستقبل” مستمر، وسينعكس مزيدا من التراجع في الانتخابات، وغياب الزعيم السني الأول، هو احد أبرز النتائج المرتقبة لصالح  بروز زعامات مناطقية، في طرابلس وعكار والبقاع الغربي وزحلة وبيروت وصيدا، وسط معلومات تؤكد، أن مسؤولين سعوديين معنيين بلبنان، باتوا غير مقتنعين بضرورة وجود زعيم سني “أوحد” في لبنان، وهم يفضلون وجود تعددية سنية، لا تتيح حصر القرار في يد واحدة.  وبحسب مصادر قريبة من الأجواء السعودية، التي تتسم بغموض تجاه لبنان بوجه عام، فإن “ثمة اعتقاد بأن احادية الزعامة السنية في لبنان، كانت آثارها أكثر سلبية من زمن تعددها. في الدائرة الشيعية، ليس هناك من اوهام بتغيير في خارطة تمثيل “حزب الله”، الذي يرجح أنه سيتقدم مجددا على “حركة امل”، في ظل استعداده  لزيادة حصته الحزبية في التحالف بينهما، ولكن يبقى أن إمكان حدوث بعض الخروق، وارد في بعلبك-الهرمل وفي زحلة وفي جبيل، فإحدى مشكلات الحزب مع أمل هي الحصص، وليس القلق من خسارة في الانتخابات.

   من هنا تكمن مشكلة “حزب الله” في الانتخابات اولا، في الإتفاق مع “امل” على تقاسم المقاعد، وثانيا، توفير حماسة شعبية للمشاركة في الاقتراع، بينما الأهم هو تلمُّس “حزب الله” لحال من الانكفاء لدى مؤيديه عن دعمه، على رغم عدم انتقال هؤلاء إلى ضفة منافسة، وهو ما سيكشف مزيدا من أزمة الخطاب “الحزبللّهي” تجاه جمهوره، بعدما فقد الكثير من مصداقيته، إثر الوعود التي أطلقها في الانتخابات السابقة، تجاه الإصلاح في الدولة وتحسين شروط الحياة المعيشية، وهو اليوم أمام مشكلة يفضل تأجيل مواجهتها مع الجمهور، وتفادي تأمين متطلبات مالية تفرضها الانتخابات عليه، من تقديم خدمات ومساعدات أصبحت ديدن ناخبيه والسبيل للتخفيف من غضبهم. المشكلة رغم ذلك ليست شيعية بالدرجة الأولى، إنما يكمن قلق “حزب الله” من تغيير الأكثرية النيابية لصالح خصومه، وهو أمر محتمل جدا، بسبب تآكل شعبيته في البيئات غير الشيعية، وتردد العديد من حلفائه، في تبني خياراته السياسية في لبنان والمنطقة، وتفكك بائن في كتل حلفائه بسببه.

في ظل الحسابات السياسية المرتبطة بنتائج الانتخابات النيابية، وتأثيرها على الانتخابات الرئاسية، فإن “حزب الله” ورئيس الجمهورية وبقية أطراف المنظومة، تفضل تأجيل الاستحقاق الانتخابي، والدخول إلى الانتخابات الرئاسية بنفس موازين القوى، التي يقرر الحزب وحده خيارات الرئيس، بين جبران باسيل أو سليمان فرنجية أو أحد آخر، هذا المجلس يوفر هذه الفرصة، اما اي مجلس جديد مهما كانت صورته، فإنه بالضرورة سيكون اقل طواعية له من المجلس الحالي، لذا تتقدم أرجحية التأجيل، طالما لم يواكب الانتخابات النيابية أو يسبقها، اتفاق إقليمي يحدد مسار لبنان في العقود المقبلة.  في الخلاصة،  تبدو الانتخابات امتحانا مكلفا  و”مستبعداً”، لكونها تسهم بالمزيد من فضح المنظومة المتضامنة على صعيد التشبث بحصصها، في مواجهة موجة التغيير والتصدع في بنية علاقاتها البينية، والذي شكل “حزب الله” عنصر “القطع والوصل” بين أطرافها، و قد تراجعت هذه القدرة، أمام تصاعد عوامل الفرقة والترهل داخلها

موقع (جنوبية)

 

انفجار برج الشمالي…

سلاح إيراني ام فلسطيني؟!

علي الأمين

 الانفجار الذي وقع في مخزن أسلحة تابع لحركة حماس، في مخيم برج الشمالي شرق مدينة صور، كشف عن واقع المخيمات الفلسطينية في لبنان، من باب غياب اي سلطة فلسطينية مسؤولة أمام اهل المخيمات واللبنانيين. يكشف الانفجار بحسب الرواية المتداولة، أن حريقا طال مولد الكهرباء في مسجد المخيم، الذي تسيطر عليه حركة حماس، أدى إلى تمدد النيران إلى مخزن أسلحة، تشير المعلومات من داخل المخيم انه في قبو المسجد، بخلاف ما ذكر من أنه مخزن سلاح في مبنى قريب منه. وجود سلاح لحركة حماس داخل المخيم، وأن كان يتنافى مع ما اعلنته حركة حماس منذ دخولها إلى لبنان، بأنها لا تتبنى العمل العسكري ضد الاحتلال من خارج الأراضي الفلسطينية، وأن عملها على الأراضي اللبنانية غير عسكري. لكن الواقع يقول غير ذلك، وانفجار مخزن السلاح في مخيم في منطقة القرار ١٧٠١ أكد الواقع ولم يكشفه.  فالجدير ذكره أن اتفاقا جرى بين الدولة اللبنانية في عهد الرئيس ميشال سليمان، ومنظمة التحرير الفلسطينية برئاسة محمود عباس، على التنسيق الكامل بين الدولة اللبنانية و”المنظمة” بشأن أمن المخيمات، والالتزام الفلسطيني الكامل بمقتضيات السيادة اللبنانية، وألمح عباس في حينه إلى استعداد الفلسطينيين لبحث سحب السلاح من داخل المخيمات. وعكس هذا الاتفاق رؤية فلسطينية، تأسست على قراءة نقدية للوجود العسكري الفلسطيني في لبنان منذ اتفاق القاهرة ١٩٦٩. في المقابل أظهرت حركة حماس الانضواء الكامل لها في المحور الايراني، وبدأت بالانقلاب على الموقف الفلسطيني الرسمي، وفي الحرب الاخيرة على غزة، قالت قيادتها خلال الحرب أن احتمال فتح جبهة ثانية من قبل حماس وارد، وجاء الموقف بعد إطلاق عدة صواريخ من جنوب لبنان على إسرائيل، وهو عبر عن الخروج على مقتضيات العلاقة اللبنانية-الفلسطينية والاتفاقيات بين لبنان ومنظمة التحرير. انطلاقا من انفجار مخزن السلاح في برج الشمالي، واشكالية السلاح الفلسطيني في لبنان، ماذا يقول واقع المخيمات أمنيا وسياسيا: اولا، ليس خافيا أن حركة حماس، يمكن ان تسيطر خلال ساعات قليلة على كامل المخيمات الفلسطينية من الشمال إلى الجنوب، فهي الأكثر تنظيما والتي تحظى بدعم حزب الله، المقرر الأول في الشأن الأمني في المخيمات الفلسطينية وفي لبنان عموما، ويساعد على هذه الأرجحية لحماس وحزب الله، التزام القوى الأمنية والعسكرية اللبنانية بمقتضيات، يقررها “حزب الله” باسم المقاومة وباسم الوراثة من الوصاية السورية، التي قامت بعد الإنسحاب السوري من لبنان عام ٢٠٠٥. ، تتفادى حركة حماس القيام ب ٧ أيار أمني في المخيمات، ليس لأسباب أمنية وعسكرية أو لعجز على هذا الصعيد، بل لأسباب تتعلق بعدم قدرتها أو رغبتها بتحمل أعباء مالية واقتصادية تجاه أبناء المخيم، فيما حركة فتح تشكل المصدر المالي والرعائي والاغاثي في المخيمات، ولا تريد حماس أن تتحمل هذه المسؤولية، خصوصا ان تصدع حركة فتح، والتزام الاخيرة بمتطلبات حزب الله والأجهزة الأمنية اللبنانية داخل المخيمات، يخفف عن حركة حماس أعباء هذا الدور، خاصة أن حركة فتح عمليا تحولت في كثير من الأحيان، إلى أداة طيعة لتلبية اي مطلب أمني من قبل “حزب الله”.” ثالثا، هشاشة دور السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير داخل المخيم، وعلى الصعيد السياسي في لبنان، عزز من سطوة حماس، وسيطرة بعض المجموعات الإسلامية، التي تخضع لتوجيهات أمنية وحزبية لبنانية، وهذا ما يفسر عجز حركة فتح عن مواجهتها، لاسيما في مخيم عين الحلوة خلال السنوات الماضية. وهذا رسخ إلى حدّ كبير الوضعية الفلسطينية العاجزة، والأصح حول الوجود الفلسطيني، إلى وظيفة أمنية عند الطلب لمصالح سياسية وأمنية  لا تمت بصلة بمصالح اللاجئين ولا بالمخيمات ولا حتى بفلسطين.رابعا، حاولت حركة حماس غداة التفجير امس، الايحاء أن التفجير قد يكون نتيجة عملية اسرائيلية، وهي محاولة للهروب من تحمل المسؤولية حيال أبناء المخيم، ومن مغزى التعامل مع أبناء المخيم باعتبارهم مجرد هامش وتفصيل، فالاصل هو لماذا الاستهتار بأمن الفلسطينيين ولماذا هناك مخزن سلاح داخل المخيم.خامسا، كشف التفجير غياب الموقف الرسمي الفلسطيني، المسؤول عن أمن المخيمات والوجود الفلسطيني في لبنان، بدت حركة فتح، لا “المنظمة” أو “السلطة”،  أقرب إلى “شاهد ما شفش حاجة”، لم تقل كلمة على مستوى الحدث  وعلى مستوى مسؤوليتها المفترضة عن المخيمات، بدا هؤلاء وكأنهم مجرد شهود، لا مسؤولية يتحملونها، ولا موقف أخلاقي يصدر عنهم تجاه أمن الفلسطينيين، واتجاه المسؤوليات المترتبة على الفصائل بعد هذا التفجير. في الخلاصة، العبث بالورقة الفلسطينية في لبنان، والاستثمار بأمن المخيمات، هو نتيجة طبيعية لتداعي نظام المصالح الوطنية الفلسطينية، لصالح استثمارات حزبية واقليمية، كان النظام السوري أبرز روادها، وصارت اليوم وظيفة منظومة أمنية حزبية، غايتها امتلاك هذه الورقة، فيما القرار الوطني المستقل ورقة في مهب الريح، وأمن الفلسطينيين ومخيم برج الشمالي، اقل من أن يسأل احد، عن مسؤولية من اصيب أو قتل أو تضرر

(جنوبية)

 

(كابيتال كونترول)..

حتى آخر «قرش»!

علي الأمين

أنزلت الطغمة السياسية والمالية الحاكمة، أفظع أنواع "القصاص" بحق اللبنانيين، إنتقاماً من ثائرتهم عليها في ١٧ تشرين، ونفذت أكبر عملية نهب منظمة لأموالهم "عرق جبينهم"، كانوا قد أودعوها في مصارف تابعة لهذه الطغمة "اللئيمة"، التي"أغتنت" على حسابهم من خلال تسليفها للدولة، ما أدى إلى تضخم المديونية العامة من خلال خدمة الدين العام "خدمة" لهم.. وها هي اليوم "تبتدع" قوانين ملتوية ل"شفط" ما تبقى، مفصلة على قياس جيوبها، حتى آخر.. "قرش"! تشريع سرقة أموال المودعين، هو ما يجري الترتيب له من قبل المنظومة الحاكمة بمافياتها وميليشياتها. سرقة أموال المودعين أنجزت من خلال النهب الفعلي، الذي قامت به المنظومة للمال العام اولا، ثم أموال المودعين. تم ذلك خلال العقود الثلاثة الماضية، من خلال السياسات المالية، والقوانين التي اتاحت عمليات السطو على المال العام والمال الخاص، بالتكافل والتضامن بين أطراف المنظومة والمافيا. ما جرى في مجلس النواب على صعيد ورقة “الكابيتال كونترول” التي اعدت في ليل “حالك”، ليست يتيمة الأب والأم، انما هي بداية تشريع عملية النهب لأموال المودعين، على رغم السطو المستمر، من خلال التعميم الصادر من مصرف لبنان، باحتساب سعر الصرف ٣٩٠٠ ليرة لبنانية للدولار الأميركي للمودع بالعملة الأجنبية، وهو تعميم يوفر ارباحا للمصارف، التي لاتزال تسجل ارباحا من خلال الفوائد المستمرة على ديونها للدولة، فيما هي جمدت أموال المودعين وصفّرت الفائدة، بل زادت من الرسوم الإضافية على الإيداعات، أو أي عملية تحريك لهذه الودائع الاسمية أو المجمدة. اكبر عملية نهب للمودعين تستمر، فيما أكثر من ٩ مليارات دولار جرى تهرببها إلى الخارج، بين نهاية العام ٢٠١٩ و٢٠٢٠، وهي أموال تخص المنظومة ومافياتها،التي تضع في اولوياتها “قلع” المحقق العدلي في جريمة المرفأ القاضي طارق البيطار، وتعتبرها أهم من قضية وقف عملية نهب المودعين.  ومن الملاحظ بوضوح، أن “الثنائي الشيعي” غير مهتم باستعادة أموال المودعين، ومن بينها نحو أربعين بالمئة تعود لمواطنين شيعة، سواء منهم المغتربين في أفريقيا والخليج وغيره ومن المقيمين، علما ان المئات من كبار المتمولين الشيعة، استجابوا لطلبات “الثنائية الشيعية” لتعزيز ارصدتهم في البنوك اللبنانية، وهم اليوم متروكون على رصيف اللامبالاة، من قبل من طلب منهم او استدرجهم. بالتأكيد النهب ليس طائفيا. انها عملية سرقة وطنية أو “لاطائفية”، طاولت كل المودعين اللبنانيين بإستثناء المحظيين المنضوين تحت لواء المنظومة ومافياتها، التي هربت اموالها إلى بنوك خارجية. ما يحول دون تشريع عملية النهب هو صندوق النقد الدولي واستعراض اكثر النواب لمواقف الرافض لها من حسن الحظ النسبي، أن ما يحول دون تشريع عملية النهب، من خلال ورقة “الكابيتال كونترول، التي اعدت بين اقطاب المنظومة والمصارف، هو صندوق النقد الدولي، واستعراض اكثر النواب لمواقف الرافض لها، وادعاء حرصهم على أموال المودعين، ليس إلا استعراض رخيص، لمتورطين في تشريع وتغطية كل السلوك السياسي، الذي اوصل البلاد إلى هذا الحال الموغل في السوء. “قلع” البيطار وتعطيل الحكومة، هما القضية الكبرى التي تستحق، فيما أموال المودعين ومحاكمة المتورطين في نهبها، لا تستحق اي تظاهرة ل”الثنائية الشيعية”، كالتي جرت ضد البيطار.. هذا اذا صَدّقَ الشعب اللبناني أنها بريئة، من منهبة الأموال في مصرف لبنان إلى كل المصارف.. ومن قصورهم يدانون، تماهيا مع قول الإمام علي “ما جُمع مال إلا من شح أو حرام”.. فيما ” المال الحرام” لا لبس عليه!
(جنوبية) بيروت

 

 

هل يرفع

اللبنانيون نخب الإنتخاب؟!

 

علي الأمين

 

تبقى الإنتخابات النيابية "على علاتها" لو حصلت، ان بتأخير أو تقديم في مواعيدها، فرصة ذهبية مؤاتية لأحرار لبنان التوّاقين إلى التغيير، لشحن نفوسهم المحبطة من سلطة السلاح والنفاق المستبدة منذ عقود، وزرع شيئ من الخوف في "قلوب" رموزها "المحنطة"، حتى ولو كانت حظوظ إحداث فروق وخروق كبيرة غير مرتفعة. لا رهان لدى اي لبناني، بامكان الخروج من الأزمة المستفحلة، في ظل سلطة المنظومة الحاكمة للبنان، فالتغيير شرط لا بد منه من أجل فتح نافذة أمل، لوقف التدهور في كل القطاعات، ولتماسك بنيان المؤسسات الدستورية. الانتخابات النيابية توفر هذه الفرصة من دون الجزم بذلك، كونها تتطلب حدّاً أدنى من القواعد في القانون، كما في إدارة العملية الانتخابية، تتيح فرص الاقتراع والاختيار الحر لكل الناخبين، فضلا عن توفّر شروط دنيا من حرية الترشح، وحماية حقوق المرشح في خوض الانتخابات، إلى جانب شرط حياد الأجهزة الأمنية والإدارية، ولو نسبيا،  بما يحدّ من عمليات التزوير التي تأخذ اشكالا عدة، تفضي إلى التزوير وحماية مرتكبيه. يتم كل ذلك عبر الرضوخ لماكينات المنظومة الانتخابية، على اختلاف أطرافها المسلح عسكريا وامنيا،  بالدرجة الأولى ك”حزب الله”، واحزاب السلطة الممسكين بمفاصل إدارة العملية الانتخابية، بسطوة التسلط الحزبي. رغم ذلك فإن الانتخابات يجب أن تتم في موعدها، وستبقى فرصة يمكن ان تفتح نافذة لتغيير ملموس وجدي، لأن الخيارات الأخرى تشي بالإستمرار في الانهيار، والتأقلم مع تداعيات عنوانها: ترسّخ الاستبداد بقوة الافقار والبؤس. ما يعني استمرار المنظومة الحاكمة متسلطة، مع تغيير جذري لوجه لبنان المعروف خلال مئة عام، من دون أن نتوقع الصورة التي يرسو عليها هذا الوطن، بإستثناء البؤس الذي سيكون الأشدّ حضورا في هويته وتأثيرا في مجتمعه. العالم لن ينتشل لبنان، ولن تكلف دولة نفسها انقاذه من هاوية لا قرار لها، قصارى الاهتمام سيتركز دولياً على مصالح تتصل بحسابات أمنية واستراتيجية، يمكن توفيرها عبر المنظومة الحاكمة وبأقل الاكلاف المادية، ومن دون التورط في مسارات التغيير السياسي أو الديمقراطي، فطالما هذه المصالح الدولية والاقليمية يتم احترامها، فلا ضير أن يفتقر اللبنانيون وأن يّحكموا بالاستبداد وسطوة السلاح،  ويعطي استقرار الحدود الراسخ مع إسرائيل، مثالاً قوياً على ما تقدمه “المنظومة” من اغراء واغواء، لتجديد الثقة بها من أكثر من دولة مؤثرة وفاعلة وفي مقدمها إسرائيل نفسها. المشهد الانتخابي يبقى الفرصة المتاحة، رغم ضآلة ما تحمله من فرص لإنقاذ ما يمكن انقاذه من الدولة، واهميته لا تكمن في ما سيفضي اليه، من فوز مرشحين من خارج المنظومة بمختلف اوجهها، بل في ما يتوقعه الكثيرون من تجديد سيطرة المنظومة على مجلس النواب، وهو فوز للتفاهة والفساد والقتل، قتل كل ما هو مجال اعتداد وطني ومصدر فخر لأي مواطن بدولته أو وطنه، قتل للعدالة ولقيم الابداع، والاقتصاد والفكر الخلاق والحرية، واعلان موت الدولة. تدرك هذه المنظومة أن مشكلتها مع الانتخابات ليست في كسب المقاعد، ولا لمن ترسو الأكثرية في خارطة تقاسم الحصص والنفوذ تحت سقف “المنظومة”، فذلك مقدور على استيعابه وتجييره لصالح قواها بكل مكوناتها، أزمة المنظومة انها لم تعد تثير اهتماماً، لقد فقدت قدرتها على الجذب الخارجي، والاغواء الذي تقدمه من خلال استعراضاتها، باتت اشبه بمومس عجوز فقدت نضارة الشباب، وبالتالي كل ما يثير الانتباه أو الاغراء. رهان هذه المنظومة هو على السلاح، وعلى البطش العاري والاستبداد، لذا هي تستقوي بكامل اطرافها بسلاح “حزب الله”، حيناً بالاستقواء به على خصومها، و أحياناً بتخويف جمهورها منه، وفي معظم الأحيان بمحاولة استجداء الخارج بوظيفة تفيد استمراره ولو بالايجار. هل يتمكن اللبنانيون الأحرار من إنتهاز، ولو القليل، من فرصة التغيير المقبلة لو تحقق الاستحقاق الكبير؟ .. إن غد الإنتخابات لناظره قريب!


 

 

ما قبل الرابع من آب

ليس كما بعده!

علي الأمين

 

 لن يكون الرابع من آب “مناسبة” وطنية فحسب، ويوم حداد وطني “يمرّ مرور الكرام”، انّما من المتوقّع ان تجري رياح الشعب المكلوم بما لا تشتهي سفن السلطة، ويتحوّل الموعد الى محطة مفصلية، ما كان مقبولاً قبله لم يعد كذلك بعده. من الواضح ان العهد وسلطته وحليفه وسند ظهره “حزب الله” مع صهره، معطوفاً على الرئيس المكلف نجيب ميقاتي، يبتزّون هذا النهار الأليم، لتنفيس أهالي الشهداء والجرحى والمتضرّرين، ولكن تحت سقف الإنتهازية السياسية والقضائية، تأميناً للمصلحة السلطوية والطائفية، معطوفة على ايهام فقراء لبنان انهم خشبة الخلاص، بينما هم يغرقونهم ليقبعوا في الجهنم الموعودة! اقرأ أيضاً: لبنان… التأليف المفخخ انتخابياً الأرجح أن رئيس الجمهورية سيكون معنياً بالترويج لمفهوم الرئيس القوي و”تكريسه”، وبافتعال معركة حقوق المسيحيين عبر تسمية معظم الوزراء المسيحيين. فهو يدرك ان لم يعد ما لديه، لاختلاق عناوين جديدة لعهده بعدما وصل الحال في البلاد الى الدرك الأسفل، توفر فرص وصول رئيس “التيار الوطني الحر” الى رئاسة الجمهورية، فيما البقاء على مطلب “الثلث المعطل” هو الأسلم، والتمسّك بتسمية الوزراء هي المعركة التي يراهن العهد، على ان تحفظ له ما تبقّى من مناصرين. من الواضح ان الرئيس وفريقه يعمدون الى ترتيب عملية الحوار مع الرئيس المكلف، على القاعدة نفسها، اي تسمية الوزراء من قبلهما، ويدخل الرئيس ومعه الرئيس نجيب ميقاتي البلاد، بلعبة حقوق الطوائف التي لا تتحقّق الا بتعداد الوزراء الأتباع لهما او لوليهما، وطالما ان الرجلين لا يخطر في بالهما الاقتراب من “المحرم الشيعي” اي وزارة المالية، فقد اتاح لهما الثنائي الشيعي الصراع على حصص السنّة والمسيحيين بعيداً من الشيعة. خلاصة المشهد المكرور والمملّ الى حدّ قتل لبنان، ان هذه المنظومة تمسك بورقة التعطيل، وتمتلك فرص الاستثمار بالعصبيات، ولا تريد حلولاً طالما ان اي حل، يُفضي الى تقليص دورها ونفوذها. لم يكن اختيار ميقاتي رئيساً للحكومة الا تعبيراً عن الاستقتال، للدفاع عن “المنظومة” ومصالحها، فميقاتي منذ كان وزيراً للاشغال (هو اكثر من تولّى هذه الوزارة في ظل الوصاية السورية)، رسّخ وجوده كأحد رموز سلطة الوصاية في لبنان، وانهمك في تعزيز نفوذه من خلالها، من دون ان يُحدث اي فارق انمائي في مدينته، وتعكس قضية القروض الشهيرة من مصرف الاسكان الطريقة التي يفكّر بها تجاه المؤسسات والمجتمع، فهو لا يضيره وإن كان من اصحاب المليارات، ان يهبط الى مستوى ينافس فيه صغار الكسبة او متوسطي الحال، على قروض يستحقّونها ولا يستحقهّا كرجل سياسي يقدّم نفسه انه يعمل من اجلهم ويضحّي في سبيل حقوقهم. تكليف ميقاتي لا يبشّر بالحل، بل بمحاولة انقضاض جديدة على كل مطالب التغيير، بعدما توهّمت المنظومة ان اللبنانيين، لم يعد يعنيهم سوى تحصيل موارد النفط، وشيء من الكهرباء وتوفير الخبز، لذا عادت المنظومة الى منطق تشكيل الحكومات الذي رسّخه “حزب الله” منذ اتفاق الدوحة، عبر ترسيخ اعراف غايتها التعطيل. قرار التعطيل لم يزل سارياً، ويعرف رئيس الجمهورية ذلك والرئيس المكلّف ايضاً، فتشكيل الحكومة سيدخل في آليات التعطيل مجدّداً، من دون اي سعي جدّي للخروج منه، وان كان العديد من المراقبين، يرجّحون بقاء التكليف من دون التأليف الذي فيما لو تحقّق، فهو يحمل بذور التعطيل في عمل الحكومة، طالما ان المحاصصة هي الحاكمة، وطالما ان المنظومة الحاكمة، لم تستطع ابتداع سبل جديدة، للحكم من خارج ما اعتادته في ادارة الدولة، وهو سبيل أودى بالمؤسسات ويهدّد بقاء المجتمع. الرابع من آب، سيكون اختباراً لهذه المنظومة، وللقوى المعترضة والمتضرّرة من هذه المنظومة، ويشكّل رهاناً للذين يقوّضون التحقيق في قضية المرفأ، ان القضية ستموت، فيما اهالي الشهداء ومعظم اللبنانيين، باتوا يرون ان مسار العدالة في جريمة المرفأ، سيقرّر مصير لبنان، وليس ميقاتي والمنظومة التي يمثلها فحسب. يراهن ميقاتي على الدور الفرنسي وعلى دعم “حزب الله” له في عملية التشكيل، فيما الحزب يراهن على مزيد من اظهار الهشاشة في ادارة الدولة، طالما ليس في برنامجه وجود دولة الا اذا كانت هشّة… فهل يكون 4 آب القشّة التي تقصم ظهر بعير الطغمة الحاكمة؟!

(نداء الوطن)

 

تمخّضت بعبدا و«أخواتها»

فولدت إعتذار الحريري!

علي الأمين

وأخيراً، وبعد 9 أشهر من الحمل الحكومي الصعب و”خارج رحم” الوطن والمواطن، يصحّ القول “عون على بدء”، بعدما تمخّضت الإتصالات فولدت أزمات جديدة، بعد اتجاه الرئيس المكلف سعد الحريري الى الإعتذار، إثر تقديمه امس تشكيلة “رفع عتب بعبدا وأخواتها”، وبالنيابة والأصالة الى رئيس الجمهورية ميشال عون، لا تسمن ولا ولا تغني من جوع الى حلول. اللبنانيون لا يتوقعون أفضل من ذلك، فزمن المعجزات وتحديداً الحكومية قد ولّى، لتقطع الواقعات اللبنانية والإقليمية الشك باليقين بأن لا حكومة على المدى المنظور انما من يحزنون، بالرغم من تفاؤل الربع الساعة الأخير الذي يلوح من مصر بعد زيارة الحريري إليها قبيل توجّهه الى بعبدا، والتي أراد الحريري ان يحصّن خطوة إنسحابه من مصر، كونها تحوّلت الى الوسيط العربي المعتدل الواقعي بين الجميع، في ظل إقفال الأبواب الأخرى، وبأقل أضرار شخصية وسياسية ممكنة. وسواء بقي الحريري متمسّكاً بتكليفه تشكيل الحكومة، أو اعتذر، فإنّ التدهور الجهنمي مستمر ومن دون ادنى محاولة للجم الانهيار أو الحدّ منه، ولم يكن استمرار الحريري وإصراره على تشكيل الحكومة بعد التنازلات التي قدمها لـ”حزب الله” وحلفائه، بأن سلمهما قرار الحكومة المزمعة، من دون ان يتشبث بالثلث المعطل، ومن دون ان يخلّ بثلثي أعضاء الحكومة، الذين يضمن “حزب الله” ولاءهما في القضايا الاستراتيجية في الحدّ الأدنى، ورضي الحريري بأن يكون في الثلث المتبقي وزيران ملكيان. ورغم كل ذلك رفض رئيس الجمهورية هكذا حكومة ويبدو مستمراً في رفضه، على رغم ان مصدراً دبلوماسياً مصرياً لا يزال يحتمل ويتأمل، توقيع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيل الحكومة التي قدمها الحريري الى عون مؤلفة من 24 وزيراً. اقرأ أيضاً: لبنان في إنتظار «ساعة الحقيقة»..الحريري أقْدَمَ فكيف سيردّ عون؟ مصر لم تطلب من الرئيس الحريري عدم الاعتذار عن التكليف، بل تمنت عليه البقاء طالما هناك فرصة لتشكيل الحكومة، وهذان امران مختلفان، وأولوية السياسة المصرية على هذا الصعيد هي تأليف الحكومة، لا البقاء في دائرة التعطيل الحكومي. الموقف المصري هذا، كما يعبّر عنه المصدر الدبلوماسي، يرجح ذهاب الرئيس الحريري نحو الاعتذار اذا ما كان قرار الأخير يستند الى نصائح مصرية، أما اذا كان القرار تحكمه اعتبارات سياسية، لها علاقة بالمواجهة مع رئيس الجمهورية ومع صهره رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل، فإن الحريري أيضاً بات مقتنعاً بحسب ما ينقل مقربون منه، ان هذه المواجهة باتت اضرارها كبيرة على البلد وعلى دوره السياسي مستقبلاً، وبالتالي بات اكثر تقبّلاً لخيار الاعتذار. ما تقدّم هو عرض لما هو بادٍ على السطح وليس مخفياً في الجوهر، لا يقلّل المصدر الدبلوماسي المصري من شأن الأسباب المتصلة بالنفور السياسي بين أفرقاء السلطة، ولا سيما رئيسي الجمهورية والحكومة المكلف، ويؤكد انها مشكلة فعلية وتعطل تشكيل الحكومة، ويضيف اليها عوامل خارجية تحاشى التفصيل فيها، غير أن ذلك لا يخفي حقيقة قاتلة في إدارة الشأن العام في الدولة اللبنانية. والمقصود هو هذا الإصرار لدى المنظومة وعلى رأسها “حزب الله” على دفع الدولة الى مزيد من الانهيار، من الخطأ وصفه عجزاً، بقدر ما هو سلوك سياسي ومالي غايته حماية نظام التهريب بين لبنان وسوريا، واستنزاف الاحتياطي المالي في مصرف لبنان من اجل انعاش مافيات السلطة المتحالفة في لبنان وسوريا، بانتظار تبلور المواقف الإقليمية والدولية بشأن العلاقة مع ايران. وظيفة حكومة الرئيس حسان دياب المستقيلة هي حماية نظام الفوضى، فهي مستقيلة ولا تمارس تصريف الأعمال الا بالحدود الدنيا، وتتيح لأطراف المنظومة ان تخفف من تحمّل تبعات هذه السياسة التدميرية. ولم يكن الرئيس الحريري غائباً عن هذا المسار، وهو كان يدرك أنه ممنوع عليه الاعتذار، لأن في ذلك اعلان المواجهة مع “حزب الله”، الذي كان سبق وسلّمه رقبته، كما يقال في الدارج من الكلام، فـ”حزب الله” يسعى بكل قوته الى تأجيل تأليف الحكومة، لغايات عدة منها تأجيل المواجهة معها، باعتبار أن اي حكومة تباشر في الحدّ الأدنى من الاصلاح، ستصطدم بسلطة “حزب الله” على المعابر وفي المؤسسات ومفاصل الدولة التي تخضع له، ومنها مصرف لبنان، وهو ما سمح بتخفيف حملات الممانعة والمقاومة ضد “حاكم المال” و”حكم المصرف”، وبات على استعداد لصرف كل الاحتياطي المركزي هدراً على الدعم المشبوه، والذي يجمع كل المختصين على ان سياسة الدعم هي عنوان ملطف للنهب المنتظم لأموال المودعين. إعتذار الحريري ينطوي على اعلان مواجهة، ليس مع الرئيس نبيه بري، بل مع “حزب الله” مباشرة. كما أن الاعتذار عن التكليف والتأليف، لا يمكن ان يعلم به اللبنانيون قبل بعض الرعاة الدوليين، بل ان الاستقالة المرجّحة بحسب أكثر من مصدر على صلة بالحريري، تعني في المعيار الدولي والإقليمي، تصعيداً للمواجهة وتأجيلاً بعيداً لموعد الحكومة الجديدة، والأهم هو أن اللبنانيين سيتحمّلون سياسة عضّ الأصابع، بين إصرار “حزب الله” على أن ما يجري في لبنان لا يؤثر عليه، بل يصيب اللبنانيين، وبين اتجاه إقليمي دولي يعتقد أن مزيداً من التأزم والانهيار سيساعد على تقبل “حزب الله” والمنظومة الحاكمة على وجه العموم الشروط الإصلاحية، والتي في جوهرها تقتضي تقزيم نظام مصالح المنظومة الحاكمة، الذي يوفر النفوذ والقوة والاستمرارية لهذه المنظومة. إن غداً لناظره قريب، اعتذار الحريري ثمرة نضجت كثيراً ولامسها الاهتراء ومهدّدة بالتلف اذا لم تقطف، التردد في الاعتذار ينذر بالأسوأ للبنان وللحريري نفسه. فهل أعذر من أنذر أو إعتذر؟!

 

(نداء الوطن) البيروتية

 

رسالة عون «البائسة» تفتح

«كوة» في التشكيلة الحكومة الجامدة!

علي الأمين

رغم الرسالة الرئاسية "البائسة" لسحب التكليف من الرئيس سعد الحريري والتي مُنيت بفشل ذريع، لا بل كرست تسمية الحريري بحسب موقف الرئيس نبيه بري الذي إتخذه بإسم مجلس النواب، إلا ان ما قبلها لن يكون كما بعدها، وتمكنت من تحريك المياه الحكومية الراكدة.. و"العكرة". فتحت رسالة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى مجلس النواب ، “كوة” نتيجة الإتصالات والتطورات، وسط “تشاؤل” طغى الى حد ما على، التشاؤم المفرط لمصلحة تفاؤل “نسبي”، يُرجح تشكيلة مرتقبة قريبة. إذا، عادت مجددا نغمة تشكيل الحكومة لتحتل صدارة الحركة السياسية، من مواقف واتصالات رسمية، وفيما يتوقع ان يعود الحريري الى بيروت خلال ساعات، تذهب بعض الاوساط السياسية والاعلامية الى توقع اتفاق على التشكيلة الحكومية ب ٢٤ وزيرا بلا ثلث معطل، وباتفاق على شخص وزير الداخلية بما يرضي الرئيس في بعبدا والحريري، او لا يستفزهما في اسوأ الظروف، وهو اتفاق يصوغه الرئيس نبيه بري، الذي نجح في كسر الفيتو الذي طالما كان يصدر من بعبدا تجاهه، وهو الانجاز في كل هذه الحركة، طالما ان “حزب الله” لا يريد حكومة لا يشارك فيها اعداء ايران او خصومها. او لا يستفزهما يشدد بعض المتابعين للاتصالات في سبيل التسوية الحكومية بين اركان السلطة، ان “التطور الايجابي في مفاوضات فيينا بشأن العودة الى الاتفاق النووي مع ايران، يرخي بظلاله الايجابية على مسار التسوية هذا”. علما ان المطلب الدولي الذي عبرت عنه المبادرة الفرنسية الى كل المواقف الدولية، راحت الى الاكتفاء بمطلب تشكيل الحكومة كخطوة لا بد منها من اجل البدء بوقف المسار “الانهياري” الذي يطال الكيان اللبناني. قد يفاجِئ البعض، واقع ان الانهيار افقد السلطة الحاكمة في لبنان، القدرة على تقديم الحلول او وقف الانهيار، وهذا ليس تبرئة لأطراف السلطة من حال العفن الذي وصلت اليه، و اوصلت مؤسسات الدولة الى حدود الانهيار والتلاشي، بل محاولة لفهم قدرات منظومة السلطة تحت رعاية حزب الله وادارته، في اعتماد الحلول التي تفترض ببساطة شديدة، وقف النهب والاقلاع عن عقلية اعتبار المنصب العام غنيمة لمتوليه وازلامه ومعاونيه. اما احالة ازمة تشكيل الحكومة الى ابعاد دولية واقليمية، فهو من قبيل الهروب الى الأمام، او بتوصيف ادق الخداع الذي يريد ان يعلق الأزمة على مشجب الخارج، ويحاول خداع المواطنين بمقولة ان الحلول هي برسم الخارج. الأرجح ان الخارج لم يعد مهتما بأكثر من استقرار الحدود الجنوبية مع اسرائيل، وبضبط الوضع الامني بما لا يخل بالاستقرار الأمني والعسكري وبالحدود التي تحول دون حصول نزوح او تهجير. الخارج المؤثر في السياسات الاقليمية والدولية سيكتفي بهذا القدر من لبنان، ولن يضيف شيئا على النصائح التي تدعو الى تشكيل حكومة. وهو موقف الى جانب كونه تعبيرا عن ان الاقليم يعج بالمشكلات، ولبنان في آخر سلم الاهتمامات، انه موقف ينطوي على ان الاهتراء كفيل بارهاق الجميع في لبنان، وسيرضخون لاحقا لمقتضيات الحلول المطروحة. لعبة “عض اصابع” من جانب واحد هذه المرة، من جانب لبنان وتحديدا من السلطة وراعيها ومديرها وحامي وجودها، ذلك ان الأرضية التي يقف عليها هذا البلد لم تعد صلبه، بل تهتز وتتفسخ، والتخلي العربي والدولي شبه الكامل عن لبنان، لن يوفر فرصا لقيام بدائل موضوعية تلبي الفراغ الذي سببه الانكفاء العربي والدولي، فالنموذج الايراني في التمدد والسيطرة، دائما ما يحتاج الى شريك في اي بلد يتمدد فيه، وشرط الشراكة ان يكون الشريك عدوا او خصما وليس حليفا، اي ان ايران لا تنفعها تسوية في لبنان مع حليفها النظام السوري، بل تطمح الى تسوية مع واشنطن او الرياض او حتى تل أبيب، تسويات لا تخل بالتأكيد بالدور الأمني والعسكري للمنظومة الايرانية. ايران ومن خلال “حزب الله” لا تريد حكومة من دون شراكة اميركية او شراكة سعودية مشكلة “حزب الله” ومحور ايران على وجه العموم، غياب هذا الشريك العدو في لبنان، وهو ما يعطل تشكيل الحكومة، لا لأن الخارج المختلف مع ايران لا يريد حكومة، بل لأن ايران ومن خلال “حزب الله” لا تريد حكومة من دون شراكة اميركية او شراكة سعودية. هذا يُعيد الى ان الأكثرية النيابية بل مجلس النواب بمعظمه، سيمنح الثقة لأي حكومة يريدها “حزب الله” واتباعه، ولكن الحزب لا يريد حكومة طالما ان “الشيطان الأكبر” لا يباركها ولا يحتضنها. لذا يمكن فهم لعبة ملئ وقت الفراغ بالزجل السياسي، هكذا فعل السيد حسن نصرالله في خطابه الأخير بتقديم النصائح وبالدعوة للاستعانة بصديق، وما الى ذلك من كلام يفيد عمليا ان لا حكومة وان كان ظاهر كلامه معاكس. عدم تشكيل حكومة هو اشعار يقدمه “حزب الله” للخارج انه ايضا ليس مستعجلا وانه لا يخاف من تداعيات التفرج على الانهيار لذا الخيار المتاح امام “حزب الله” من اجل حماية نفوذه الامني والعسكري وميزته “الجهادية”، تتركز على حماية مكتسبات الدويلة واستثمار الدولة في سبيلها، وهذه الدويلة المعززة بقوة السلاح والصواريخ، هي الجهة المخولة للحديث معها بشأن الجغرافيا اللبنانية وجزء من سوريا، وهي وضعية قابلة للاستمرار بشروطها الميليشيوية، اي بمزيد من السطوة على اللبنانيين، وهي سطوة ستشتد كلما زاد الفقر والعوز، اللذان يشكلان وسيلتان حيويتان لاستعباد الناس، والسيطرة على المجتمع وهذه المرة ب”شق تمرة” لكل فم. من هنا فان عدم تشكيل حكومة هو اشعار يقدمه “حزب الله”، لمن يهمهم الأمر في الخارج الدولي والاقليمي، انه ايضا ليس مستعجلا وانه قادر على التفرج على الانهيار، من دون ان يخاف من تداعياته، طالما ان دويلته ستجد مكانها ووظيفتها، وطالما ان ذلك لن يخل بولاء الشيعة له طوعا او كراهية.. على قاعدة “شاء من شاء و أبى من ابى”!
(جنوبية)

 

من فلسطين إلى لبنان..

يذهب الشعب ويبقى الحزب!

علي الأمين

متى يتعلم الفلسطينيون والعرب على إختلاف فصائلهم وأحزابهم وحكامهم، من أخطاء المصالح الضيقة والتشرذم الفاقع والرسوب التاريخي في درس "الوحدة"، الذي قدم خدمة شبه مجانية لحكومة إسرائيل المأزومة، ويُغرق الشعب الفلسطيني المناضل في حمام دم مستدام؟! تساؤل موجع يقض مضجع العقل والقلب والوجدان، وسرعان ما يأتي الجواب عبر النموذج اللبناني الأكثر وضوحا وإيلاماً: يسقط الشعب ويبقى "الحزب الحاكم" المترامي الأذرع والمعمم في المنطقة بأشكال وألوان مختلفة، تصب في خدمة "الراعي الأكبر"! يبدو ان الآلة العسكرية الاسرائيلية مستمرة في تدمير غزة، تحت عنوان الحرب ضد حركة “حماس”، لا يريد رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو ان ينهي الحرب، من دون ان يضمن تحقيق مكاسب تتيح له القول امام الرأي العام الاسرائيلي،  انه حقق اهداف الحرب او معظمها، تمهيدا لاعادة استلامه منصب رئاسة الحكومة وتثبيت صورة انه ملك من ملوك اسرائيل. ثمة حرص اسرائيلي، على اظهار ان ما يجري هي حرب بين دولة اسرائيل وحركة حماس “الارهابية”، وهي استكمال لجولات من الحروب في ظل سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، بدأت في ٢٠٠٨ ثم ٢٠١٢ و٢٠١٤، حروب متتالية عززت فيها “حماس” سيطرتها على القطاع بالدم، وضمنت استبعاد السلطة الفلسطينية، وترسخ بتظافر جهود اقليمية ودولية مسار من الانقسام الفلسطيني، ساهم في اضعاف الموقف السياسي الفلسطيني تجاه اسرائيل وحيال الخارج ايضاً، ذلك ان الانقسام السياسي ساهم في تراجع القضية الفلسطينية دوليا، وجعلها  عرضة للتنكيل والاستثمار الضيق، اما سلطويا من خلال نموذج السلطة الفتحاوية،  التي صار ديدن معظم اعضائها حماية المكاسب الصغيرة التي يوفرها الاحتلال، او من خلال نموذج غزة التي تحولت الى سلطة حمساوية، غايتها السلطة، وفتح باب الاستثمار السياسي الضيق للاطراف الاقليمية من مصر الى ايران وتركيا وامارة قطر، بشرط اسرائيلي يدغدغ عقلية “حماس” والاسلام السياسي على وجه العموم،  مع المحافظة على الانقسام بين السلطة و”حماس”. ثمة حرص اسرائيلي على اظهار ان ما يجري هي حرب بين دولة اسرائيل وحركة حماس “الارهابية” الحرب في الحسابات الاسرائيلية قد تطيح برئيس حكومة، او قد تعيده الى الحكم بحسب المكاسب التي يحققها، لأن في اسرائيل ثمة مؤسسات دستورية وقضائية ورأي عام يحاسب ويثيب، في المقلب الفلسطيني والعربي عموما والعالم الثالث على وجه أعم، لا مجال للمحاسبة لأن لا رأي عام ولا مؤسسات، ونزعة الاستبداد الحاكمة في بنية السلطة الدولتية والحزبية، قادرة على قلب الهزيمة الى انتصار لدى الشعوب التي تعاني من فقد الحريات العامة، والمؤسسات الدستورية الضامنة. الحرب في الحسابات الاسرائيلية قد تطيح برئيس حكومة او قد تعيده الى الحكم بحسب المكاسب التي يحققها بهذا المعنى، اذا لم تعبر الحركة السياسية الفلسطينية عن الوحدة الفلسطينية التي تجلت على كامل اراضي فلسطين، في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي وعنصريته اليوم، فان السؤال عن الانتصار النسبي يفقد معناه السياسي، الا اذا كان المقصود انتصار هذا الفصيل او هذه الحركة، ذلك ان الفصائل في فلسطين تنتصر ولكن فلسطين او قضيتها لا تحقق مكاسب سياسية، ما يجب التركيز عليه حين النظر الى مسار الحرب الجارية ومآلاتها في غزة، هو المكسب السياسي الفلسطيني، فالتضحيات والدمار والدماء ليست بلا ثمن، ولا غاية لها الاّ ان تقدم على مذبح الحرب، من دون ان يحقق الفلسطينيون مكاسب توازي التضحيات بل تتفوق عليها. اذا لم تعبر الحركة السياسية الفلسطينية عن الوحدة الفلسطينية فان السؤال عن الانتصار النسبي يفقد معناه السياسي الضعف والقوة لدى الشعوب والدول ليسا امران منزلان او على سبيل الحظ، بل نتاج سياسات وخيارات ومسارات اجتماعية وثقافية وحضارية، ووعي هذا الواقع سيتيح امام كل شعب او دولة، فرص اعتماد الخيارات التي توازن بين القوة والفعل، وفعل تغيير واقع الهزيمة والقدرة على التقاط نقاط الضوء في عتمة الهزيمة. الهبة الفلسطينية والوحدة يجب ان تترجم وتتبلور سياسيا وهذا الانجاز الذي يمكن ان يوازي التضحيات التي قدمت وتقدم وفي هذا المسار، ، وهذا الانجاز الأهم الذي يمكن ان يوازي التضحيات التي قدمت وتقدم، لذا فان الانتفاضة ضد الاحتلال ومقاومته، مرشحان ان يشكلا عنصر ضغط وتغيير على السلطة الوطنية،  وعلى “حركة حماس”، بما يعزز من فرص توحيد القرار الفلسطيني، واذا كان من مخاوف من الخيبة، فهي في ان تحاكي التجربة الفلسطينية النضالية اليوم، مآلات انتفاضة ١٧ تشرين اللبنانية، الدولة تنهار والسلطة مستمرة و “حزب الله”.. الحزب المنتصر دوما.

(جنوبية) بيروت


 

نصرالله.. «انا الوالي بالوكالة»!

علي الأمين

 يعود الأمين العام ل “حزب الله” السيد حسن نصرالله الى عادته القديمة الجديدة، في تنصيب نفسه “واليا و ولياً” بالوكالة على اللبنانيين ب”رفع الإصبع” على قاعدة “الأمر، يرسم خطوطهم العريضة السياسية والاقتصادية والمالية . و لم يخف نظرته التشكيكية بل العدائية، لكل دعوات التغيير لمنظومة السلطة التي يديرها واوصلت لبنان الى الكارثة، لم يبخل في التعبير عن موقفه هذا في كل مناسبة اظهر فيها عموم الشعب اللبناني توقهم الى حكومة مستقلة من خارج منظومة المحاصصة والفساد، في سبيل اعادة ترسيخ قواعد الدولة من الدستور الى تطبيق القانون، ولعل اتهاماته لانتفاضة اللبنانيين منذ ١٧ تشرين ٢٠١٩ يجمعها خيط واحد امتد الى خطابه الأخير امس ١٨ اذار ٢٠٢١، هو احالة منظمي التحركات الى السفارة الأميركية، في محاولة لتقزيم الانتفاضة الاولى في لبنان وشيطنتها، هي التي رسخت في وعي اللبنانيين نهاية الحرب الأهلية واطلقت بداية وعي وطني ولغة جديدة في مقاربة الأزمة الكارثية بأوجهها المتعددة. وفي خطابه امس اعاد الكرّة مجددا في شيطنة الانتفاضة والاحتجاجات الشعبية،  وفي اعقاب ما قاله قبل يومين وزير الدفاع الإيراني العميد أمير حاتمي “ان احتجاجات لبنان… الحالية خطوات معادية لإيران”. لذا فان نصرالله بعد ان صنف الاحتجاجات وقطع الطرقات في سياق موجه وخطير، وجه رسالة تحذير الى  الجيش بشأن طريقة تعامله مع الاحتجاجات واغلاق الطرقات ملمحا الى خطوات سيقوم بها حزب الله في حال لم يقم الجيش والقوى الامنية بما يطلبه واردف في سياق تحذيري بعبارة “للبحث صلة”. ليس خافيا على اللبنانيين ان نصرالله كان يتحدث بلغة الآمر الناهي ليس خافيا على اللبنانيين ان نصرالله كان يتحدث بلغة الآمر الناهي، باتجاه سعد الحريري في شأن الحكومة المزمعة، لقيادة الجيش في قضية الاحتجاجات وقطع الطرقات، لحاكم مصرف لبنان في وجوب ان يوقف انخفاض سعر العملة، للموجوعين من اللبنانيين بأن تحركاتكم مشبوهة فاكتموا اوجاعكم ولا تنزلوا الى الشوارع محتجين. إقرأ أيضاً: نصرالله «يُسقط الهيكل».. اللبناني! استعراض القوة لم يسلم منه احد من اللبنانيين امس، اللهم الا العدو الاسرائيلي كان بمنأى عن التهديدات، وكذلك الاميركيين، التهديد هو للبنانيين ممن يستشعر “حزب الله” فيهم الرفض والاحتجاج على المنظومة الحاكمة. ببساطة يريد نصرالله اعادة عقارب الساعة الى الوراء، هو يريد حكومة على مثال ما رفضته الانتفاضة واسقطته اي حكومة المحاصصة والزبائنية، وهذا خيار لا يقنع اكثر اللبنانيين سذاجة بامكانية ان يوقف الانهيار، وفي المقابل يكشف عن عجز “حزب الله” عن مواجهة الأزمة الكارثية الا بسياسة الفرض والترهيب وبالذهنية الامنية والعسكرية. الاكثر تعبيرا عن العجز هو دعوة نصرالله محازبيه الذين يتلقون رواتبهم بالدولار لمساعدة جيرانهم لكن الاكثر تعبيرا عن العجز هو دعوة نصرالله محازبيه الذين يتلقون رواتبهم بالدولار لمساعدة جيرانهم، فيما لا يزال ينتظر موافقة الدولة اللبنانية على قبول المساعدات الايرانية لكي ترسلها ايران. المفارقة ان قوافل الاسلحة التي تصل الى سوريا ولبنان والتي تشكل ترسانة من الصواريخ الدقيقة وغير الدقيقة بمئات الالاف، هذه لا تحتاج الى موافقة الدولة، اما النفط والغذاء والمال فهو يتطلب موافقة الدولة التي يتحكم بها حزب الله حين يشاء. ما يمكن الخلوص اليه ان “حزب الله” لا يملك حيال اللبنانيين ازاء ما يعانون منه الا التهديد، وهو مؤشر على ان لبنان نحو مزيد من التدهور والانهيار، وما سيضر بالحزب  في هذا الواقع، سيرد عليه بما يتقنه “حزب الله” اكثر من سواه، اي القوة الامنية والعسكرية وهي الوسيلة المثلى لتعزيز الفوضى وقوانينها.

موقع (جنوبية)

من نداء المطارنة إلى صرخة الراعي…

إحذروا «الإنقلابيين الجدد»!

 

علي الأمين

تويتر تستعيد بكركي “ألقها السيادي”، الذي يسكن رأس الكنيسة المارونية تاريخياً، عند كل مفترق خطير يتهدّد الكيان والدولة. فقبل نحو 20 عاماً أطلق البطاركة الموارنة النداء الشهير العام 2000، أيام البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير، والذي أطلق الشرارة الاولى لمعركة الحرية والسيادة والاستقلال، وها هو اليوم البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي يُعرّي “الإنقلابيين الجدد” ويناشد العالم إنقاذ لبنان من الانهيار الوشيك. ولعل لبنان يعيش المرحلة الأسوأ في تاريخه، تتفوق على ما عداها وحتى العام 2000، فهو اليوم يجثم فوق فوهة بركان من الأزمات والحقد والعهر السياسي، يُتوقع ان ينفجر في اي لحظة، في حال لم يجر “تبريد” الرؤوس الحامية بأي وسيلة… قبل فوات الأوان. لم تكن الدولة اللبنانية امام مخاطر وجودية كما هي اليوم، لم تكن الحرب الأهلية ولا الاجتياحات الاسرائيلية في مخاطرها الكبيرة على لبنان، بنفس المخاطر التي يواجهها اللبنانيون اليوم على مستوى وجودهم الوطني والدولتي. اقرأ أيضاً: فارق بين خيارات الراعي ونصرالله..هل يطيح حزب الله بطرح التدويل؟ لم يسبق ان وصلت الحال في الدولة الى هذا المستوى من الفساد، والمديونية العامة الى هذا الحجم المتراكم الذي ينذر بالتفكك والانهيار، مترافقاً مع انهيار للنظام المصرفي، بالإضافة الى هذا النهب غير المسبوق والفاجر الذي طال المودعين في هذه المصارف، وصولاً الى انهيار معظم القطاعات التي ميّزت الاقتصاد اللبناني في الخدمات والسياحة والاستثمارات المتنوعة. وواكب ذلك وسبقه المزيد من تصدع المؤسسات الدستورية والقانونية التي مارس القيّمون عليها فعل تهميشها، لمصالح فئوية ولصالح الدويلة. صرخة بكركي التي اطلقها البطريرك بشارة الراعي أول من امس (السبت) امام الحشود، هي صرخة في سبيل لجم انهيار الدولة او ما تبقى منها، في ظل مسار انقلابي على المؤسسات، بحيث ان مركز السلطة والقرار لم يعد منبثقاً من ديمومتها، بل من خارجها وعلى حساب العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه الدول، ولبنان ليس استثناءً. سيطرة الدويلة التي يمثلها “حزب الله” على الدولة ليست اتهاماً او وجهة نظر تحتمل الخطأ والصواب، انها واقع ملموس في هذه الدولة، وهذه السيطرة ليست في سياق تعزيز منطق الدولة ومعاييرها، بل في سياق تعزيز الدويلة التي لا تستقيم الا بمزيد من اضعاف الدولة، وتحويل مؤسساتها الى ادوات لتعزيز نفوذ نقيضها. السؤال الذي يشغل اللبنانيين اليوم، واستطاعت بكركي التعبير عنه، هو وجود الدولة وبقاؤها، فالنظام المشكو منه في لبنان، والدعوات الى تطويره او تغييره، لا تستقيم خارج قيام دولة اولاً، دولة تحتكر حق استخدام العنف المشروع، دولة فعلية تلتزم الدستور وتطبيق القانون، وتتيح مسارات التحديث والتطوير في انظمتها ضمن قنوات شرعية وقانونية، تستجيب لمقتضيات العدل والمساواة. ما تطرحه منظومة السلطة اليوم والتي يديرها “حزب الله”، هو المزيد من الانهيار للدولة، المزيد من التهجير والهجرة، والمزيد من افقار الناس وتجويعهم، والمزيد من القمع، وباختصار المزيد من الفوضى الذي يجعل من الدويلة والميليشيا النموذج القابل للحياة على مآسي الدولة والمواطن. من هنا شكلت صرخة بكركي فرصة للبنانيين، من اجل مزيد من تعرية السلطة، واعلان البطريرك الراعي عن انقلاب يطال المجتمع والكيان، هو اعلان مواجهة مع السلطة التي تدمر الدولة، والمطالبة برعاية دولية للبنان، هو اعلان عجز اللبنانيين عن تغيير قواعد السلطة التي تحتمي وتستقوي على شعبها بالدويلة، وهو اعلان بأن القضاء ومجلس النواب والمؤسسات على وجه العموم، افتقدت اي قدرة على توفير الأمن والأمان السياسي والاجتماعي، وان كل ما قام به الشعب اللبناني في انتفاضته وثورته منذ 17 تشرين لم تعِره السلطة اي اعتبار، بل زادت في دفع لبنان نحو العزلة والتقهقر. الاستنجاد بالأمم المتحدة ليس نقيصة، انما هو شعور بالمسؤولية تجاه شعب تستفرد به سلطة، تدمر فرص وجوده واستمراره وتهدد وجود الدولة، وهذه حقيقة عبّر عنها كل اللبنانيين حتى المتسلطين على الناس، وان احالوا التدمير الى الفريق الآخر او الشريك في سلطة المحاصصة. المواجهة التي اطلقتها انتفاضة 17 تشرين ضد المنظومة الحاكمة، لم تتوقف ولن تتوقف وهي انتفاضة اصطدمت وستصطدم مع منظومة السلطة الفعلية التي تحميها، فانكشاف بعض اطرافها شعبياً، لن يحمي اقرانه في الطوائف الأخرى، ومنظومة السلاح والافساد، التي تحتمي بنظام المحاصصة باتت امام خيارات حاسمة لا يبدو ان منها التسليم بمنطق الدولة، فـ”حزب الله” يدرك ان الدولة بذاتها خطر وجودي عليه سواء كانت هذه الدولة هو حاكمها او لم يكن، ولبنان لا يبدو ان قيامته يمكن ان تتحقق من دون دولة. وهنا مكمن الداء الذي يفرض وجوده على كل اللبنانيين، والخيار الذي تبنته بكركي هو ما انحاز اليه كل الذين انتفضوا في وجه سلطة الفساد والافساد، الدولة اولاً.
(نداء الوطن)

من نداء المطارنة إلى صرخة الراعي…

إحذروا «الإنقلابيين الجدد»!

 

علي الأمين

تويتر تستعيد بكركي “ألقها السيادي”، الذي يسكن رأس الكنيسة المارونية تاريخياً، عند كل مفترق خطير يتهدّد الكيان والدولة. فقبل نحو 20 عاماً أطلق البطاركة الموارنة النداء الشهير العام 2000، أيام البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير، والذي أطلق الشرارة الاولى لمعركة الحرية والسيادة والاستقلال، وها هو اليوم البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي يُعرّي “الإنقلابيين الجدد” ويناشد العالم إنقاذ لبنان من الانهيار الوشيك. ولعل لبنان يعيش المرحلة الأسوأ في تاريخه، تتفوق على ما عداها وحتى العام 2000، فهو اليوم يجثم فوق فوهة بركان من الأزمات والحقد والعهر السياسي، يُتوقع ان ينفجر في اي لحظة، في حال لم يجر “تبريد” الرؤوس الحامية بأي وسيلة… قبل فوات الأوان. لم تكن الدولة اللبنانية امام مخاطر وجودية كما هي اليوم، لم تكن الحرب الأهلية ولا الاجتياحات الاسرائيلية في مخاطرها الكبيرة على لبنان، بنفس المخاطر التي يواجهها اللبنانيون اليوم على مستوى وجودهم الوطني والدولتي. اقرأ أيضاً: فارق بين خيارات الراعي ونصرالله..هل يطيح حزب الله بطرح التدويل؟ لم يسبق ان وصلت الحال في الدولة الى هذا المستوى من الفساد، والمديونية العامة الى هذا الحجم المتراكم الذي ينذر بالتفكك والانهيار، مترافقاً مع انهيار للنظام المصرفي، بالإضافة الى هذا النهب غير المسبوق والفاجر الذي طال المودعين في هذه المصارف، وصولاً الى انهيار معظم القطاعات التي ميّزت الاقتصاد اللبناني في الخدمات والسياحة والاستثمارات المتنوعة. وواكب ذلك وسبقه المزيد من تصدع المؤسسات الدستورية والقانونية التي مارس القيّمون عليها فعل تهميشها، لمصالح فئوية ولصالح الدويلة. صرخة بكركي التي اطلقها البطريرك بشارة الراعي أول من امس (السبت) امام الحشود، هي صرخة في سبيل لجم انهيار الدولة او ما تبقى منها، في ظل مسار انقلابي على المؤسسات، بحيث ان مركز السلطة والقرار لم يعد منبثقاً من ديمومتها، بل من خارجها وعلى حساب العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه الدول، ولبنان ليس استثناءً. سيطرة الدويلة التي يمثلها “حزب الله” على الدولة ليست اتهاماً او وجهة نظر تحتمل الخطأ والصواب، انها واقع ملموس في هذه الدولة، وهذه السيطرة ليست في سياق تعزيز منطق الدولة ومعاييرها، بل في سياق تعزيز الدويلة التي لا تستقيم الا بمزيد من اضعاف الدولة، وتحويل مؤسساتها الى ادوات لتعزيز نفوذ نقيضها. السؤال الذي يشغل اللبنانيين اليوم، واستطاعت بكركي التعبير عنه، هو وجود الدولة وبقاؤها، فالنظام المشكو منه في لبنان، والدعوات الى تطويره او تغييره، لا تستقيم خارج قيام دولة اولاً، دولة تحتكر حق استخدام العنف المشروع، دولة فعلية تلتزم الدستور وتطبيق القانون، وتتيح مسارات التحديث والتطوير في انظمتها ضمن قنوات شرعية وقانونية، تستجيب لمقتضيات العدل والمساواة. ما تطرحه منظومة السلطة اليوم والتي يديرها “حزب الله”، هو المزيد من الانهيار للدولة، المزيد من التهجير والهجرة، والمزيد من افقار الناس وتجويعهم، والمزيد من القمع، وباختصار المزيد من الفوضى الذي يجعل من الدويلة والميليشيا النموذج القابل للحياة على مآسي الدولة والمواطن. من هنا شكلت صرخة بكركي فرصة للبنانيين، من اجل مزيد من تعرية السلطة، واعلان البطريرك الراعي عن انقلاب يطال المجتمع والكيان، هو اعلان مواجهة مع السلطة التي تدمر الدولة، والمطالبة برعاية دولية للبنان، هو اعلان عجز اللبنانيين عن تغيير قواعد السلطة التي تحتمي وتستقوي على شعبها بالدويلة، وهو اعلان بأن القضاء ومجلس النواب والمؤسسات على وجه العموم، افتقدت اي قدرة على توفير الأمن والأمان السياسي والاجتماعي، وان كل ما قام به الشعب اللبناني في انتفاضته وثورته منذ 17 تشرين لم تعِره السلطة اي اعتبار، بل زادت في دفع لبنان نحو العزلة والتقهقر. الاستنجاد بالأمم المتحدة ليس نقيصة، انما هو شعور بالمسؤولية تجاه شعب تستفرد به سلطة، تدمر فرص وجوده واستمراره وتهدد وجود الدولة، وهذه حقيقة عبّر عنها كل اللبنانيين حتى المتسلطين على الناس، وان احالوا التدمير الى الفريق الآخر او الشريك في سلطة المحاصصة. المواجهة التي اطلقتها انتفاضة 17 تشرين ضد المنظومة الحاكمة، لم تتوقف ولن تتوقف وهي انتفاضة اصطدمت وستصطدم مع منظومة السلطة الفعلية التي تحميها، فانكشاف بعض اطرافها شعبياً، لن يحمي اقرانه في الطوائف الأخرى، ومنظومة السلاح والافساد، التي تحتمي بنظام المحاصصة باتت امام خيارات حاسمة لا يبدو ان منها التسليم بمنطق الدولة، فـ”حزب الله” يدرك ان الدولة بذاتها خطر وجودي عليه سواء كانت هذه الدولة هو حاكمها او لم يكن، ولبنان لا يبدو ان قيامته يمكن ان تتحقق من دون دولة. وهنا مكمن الداء الذي يفرض وجوده على كل اللبنانيين، والخيار الذي تبنته بكركي هو ما انحاز اليه كل الذين انتفضوا في وجه سلطة الفساد والافساد، الدولة اولاً.
(نداء الوطن)

 

من المرفأ إلى لقمان…

«تصبحون على وطن»!

علي الأمين

من لعنة السلطة – الطغمة الحاكمة على اللبنانيين انها لا ترعوي، وتمعن في إغراق العباد والبلاد في مستنقع الدماء والنفاق والشعارات الفارغة، وتجهز على ما تبقى من ركام مؤسسات على رأسها العدل لكون أكثرها تشظياً السلطة القضائية. من مقتلة المرفأ التي “تجهد” المنظومة الحاكمة لتجهيل الفاعل والتلهي بالقشور ودم الشهداء الذي لم يبرد بعد، الى ملحمة لقمان وإشاحة الأنظار بشكل خارج المنطق للتغطية على السفاح الحقيقي، وجريمة “تشليح” الناس والفساد المقيم، وما بينهما وقبلهما، كان الرهان دوماً على القضاء: القضاء بخير، لبنان بخير.. إلى أن تحول إلى القضاء ليس بخير ولبنان ليس بخير. والشهداء والشواهد تنضح بما فيها، حتى بات الشعب اللبناني المقهور يراوده حلم وطن ويصرخ… “تصبحون على وطن”! اقرأ أيضاً: إعدام لقمان سليم ما أحاط بقضية انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 وصولاً الى نقل ملف القضية من المحقق العدلي القاضي فادي صوان، عزز في وعي اللبنانيين ووجدانهم انهم امام انتكاسة كبرى في مسار استعادة الدولة ولو بشروطها الدنيا، فالعدالة التي ينشدها اهالي الضحايا واللبنانيون عموماً في هذه القضية باتت الضحية، بل الجريمة المستمرة والمتمادية، التي تتفوق في درجة الجرم المقتلة الرهيبة التي وقعت على رؤوس ابناء العاصمة ولبنان. وعلى هذا المنوال من الجرائم التي تستهدف الناس والدولة جرت جرائم أخرى لم تزل مستمرة، من دون توقف او تهيّب القاتل من الضحية، فالتوحش الذي يعاني منه اللبنانيون من سلوك السلطة الميليشيوية لن يتوقف، بل يوغل هؤلاء المصنفون قادة في ابتداع المزيد من وسائل القتل المادي والمعنوي، لكل ما يمكن ان يبعث على تفاؤل بامكان صلاحهم، بل بامكان القبول العام بأقل من ازاحتهم واسقاطهم في الشارع وفي مزابل التاريخ. سلطة نهبت وغطت أكبر عملية سطو على اموال المودعين في المصارف، سلطة مستمرة في نهب جزء كبير من اموال الدعم من خلال شركات محمية تحظى بحماية اطراف السلطة والميليشيا، سلطة تتمادى في تجويف المؤسسات الدستورية والقانونية، سلطة تستقوي على القضاء وتحوله الى اداة لممارسة بطشها على المواطنين من المعترضين على سلوكها التدميري للدولة، ليس هذا فحسب، بل هذه السلطة التي يديرها “حزب الله” ويوزع المغانم بين اطرافها، “يبشر” نائب امين عام حزبها الحاكم الشيخ نعيم قاسم بأنه يهدف الى تحرير القدس وفلسطين، ويدعو الى انضواء لبنان في المحور الايراني، وكأن لبنان ليس تحت سطوة هذا المحور، وتحت قيادته التي تدفع لبنان نحو مزيد من الانحدار والانهيارات، ويريد ان يصدق الجميع ان لبنان والمحور الذي ينتمي اليه سيحرران القدس، في الوقت الذي يستجدي احد رموز هذا المحور بشار الأسد لقاح الكورونا ممن يفترض انه عدو هذا المحور. من المفارقات في منطق الممانعة وخطابها، ان اسرائيل قتلت لقمان سليم من دون ان تدفع هذه الجريمة “حزب الله” الى التنبه الى قدرة اسرائيل على تسجيل خرق أمني فاضح في قلعته في الجنوب، كما ان لا يجد الاسد الا اسرائيل لأخذ اللقاح لمن تبقى من الشعب السوري، ومن دون ان يهب لعونه اركان المحور ولو بلقاح ايراني. وأمام الزعم ان كل ما يجري هو لتحرير فلسطين والقدس، يخرج السؤال اللبناني الكبير: هل تدمير لبنان بأيادي هذه المنظومة مقدمة لتحرير فلسطين؟ السؤال مفجع اكثر من الاجابة اياً كانت، طالما ان اللبناني اليوم لا يرى احتلالاً او ظلماً اشد واقسى على وجوده كمثل احتلال هذه المنظومة الحاكمة، تلك التي تتفنن في ضرب اي حلم للبناني، بدولة تضمن له الحدّ الادنى من العيش الكريم، فيها قضاء منصف، دولة لا دويلة، دولة تتوافر فيها فرص العمل وحياة سياسية يحكمها الدستور والقانون، لا السلاح وسطوة الأمن من خارج مؤسساتها، هكذا مطالب باتت بمثابة حلم اللبناني، اما فلسطين التي يلوحون بها فليست الا تجارة خاسرة، وسبيلاً للقضاء على ما تبقى من حلم بتحريرها لدى أي لبناني، فضلاً عن الفلسطينيين في محور الممانعة الذين بات قصارى ما يطمحون اليه البحث عن اماكن لجوء جديدة خارج هذا المحور، الذي تفنن في سحقهم على امتداد مخيمات اللجوء من العراق الى سوريا ولبنان. جريمة مرفأ بيروت تختصر كل هذا المشهد، هي جريمة المنظومة ضد كل ما يرمز الى الدولة والعدل والحياة، استفادت منها اسرائيل في العمق، بضرب اهم المرافئ المنافسة، وهي جريمة فضحت وتفضح كل يوم كيف تدار مصالح الدولة والناس وكيف ان المواطن هو ضحيتها والذبيحة على مذبح الفساد والشعارات الكاذبة. بهذا المعنى جريمة المرفأ تختصر مأساة لبنان، وهي مؤشر نهوض الدولة او طمر ما تبقى منها، ليس اقل من ذلك، هي امتحان للقضاء في مواجهة المنظومة ، وقبل ذلك اختبار لنبض الثورة وأفقه، كشف الحقيقة وتحقيق العدالة فرصة لنهضة لبنان، وعدم الوصول الى الحقيقة والعدالة سيعني استمرار احتلال المنظومة القاتل والخبيث. من هنا لبنان يتجه في أفضل الاحوال الى التدويل الايجابي اي تحييد لبنان واحتضانه ولجم الانهيار العام، وفي أسوأ حالاتها الى التدويل السلبي، اي مزيد من الانهيار والبؤس والموت… ماذا بعد؟!

(نداء الوطن)

 

 

بأي ذنب

قُتل لقمان «الحكيم»؟!

علي الأمين

عندما يخون “الذكاء” القاتل وتسيطر عليه “العنجهية الرعناء”، سرعان ما يصدر حكماً بإعدام لقمان سليم. من قرر وخطط وحرض على اغتيال لقمان “الحكيم”، لم يعِ للحظة بأن دمه وروحه وثقافته ومكانته ستلاحقه أكثر فأكثر، وستلعنه لمدة أطول وأطول، وما لم يُقدّر له ان يراه على الأرض، بفعل استعجال القاتل، من انجازات سياسية وطنية أرسى لبنتها على عدد دقائق حياته، سيأتي ذلك الغد القريب، وينظره لقمان من عليائه ويصفق له. بأي ذنب قُتل لقمان؟! سؤال موجع ومحيّر في آن. صحيح ان لقمان كما كل رفاقه الشرفاء من طينته الوطنية العابرة للطوائف والأحزاب، يتوقعون الموت في أي لحظة قدرية او مدبرة لأسباب وأسباب، أما ان يكون الموت متربصاً بهم فقط، لأنهم غلّبوا لغة الحوار والعلم والثقافة والدماثة وادخلوها في أدبيات السياسة، فتلك هي الجريمة! حين ابلغتني شقيقة لقمان سليم بعد منتصف ليل الاربعاء – الخميس (4 شباط) عن اختفائه وعن شعورها بأن خطراً قد طاله، وعن محاولتها الاتصال وزوجته مونيكا به هاتفياً منذ ساعات من دون أن يرد، حاولت استبعاد فكرة انه تعرض لشرٍّ ما، وتشبثت بفكرة انه نائم أو لا يريد الرد على هاتفه، وربما اضاعه. ساعات قليلة من الاتصالات المكثفة مع الاصدقاء المشتركين كانت كفيلة لتتكشف عن هول ما حدث. لقمان تعرض لعملية قتل فضحت جبن القاتل الذي لم يستطع ان ينظر في عينيه حين أرداه، بل افرغ الرصاصات الست من الخلف. من يعرف لقمان يعلم مدى التصاقه وتردده الى الجنوب، ومدى الصداقات التي يمتلكها فيه، صداقات متنوعة لا يحكمها التناغم السياسي، بقدر ما كانت صداقات تقوم على ما هو اعمق من ذلك بكثير، هي صداقات ممتدة في الزمن، راسخة في مساحات الفكر والثقافة والحياة على امتداد ما تحمله من تنوع وغنى، ذلك ان لقمان يصعب ان يختصر بصورة واحدة يحكمها اللون الواحد، ولا يمكن ألا تجد له أثراً من صداقة او نشاط بحثي او حقوقي او اجتماعي على امتداد المناطق اللبنانية، كان في حركة دائمة لا تهدأ ولم تمنعه التهديدات ولا التحريض، من ان يبقى على هذا المنوال من الحركة والتواصل والاتصال والانتقال من منطقة الى أخرى من الشمال الى البقاع ومعظم المناطق اللبنانية. النموذج الذي مثّله لقمان كما يعرفه الجميع من اصدقائه ومتابعيه من محبين وخصوم، هو هذا المقدار من الوضوح والجرأة في الرأي والموقف، لا اعتقد ان رجلاً في لبنان تعرّض للتحريض المباشر والاتهامات والتشويه كلقمان سليم. كان بيته في حارة حريك عبارة عن جزيرة محاطة بكاميرات المراقبة، بتهويل وتهديد مباشر شبه يومي منذ اكثر من عشر سنوات، كان يستطيع لقمان سليم ان ينتقل الى مكان آخر اكثر أماناً في لبنان او خارج لبنان، لكنه اصرّ على البقاء في بيته وبيت ابيه ومقر عمله في “جمعية أمم للأبحاث والتوثيق”، اي في المكان الذي ولد فيه ونشأ، على رغم كل العدوانية التي قوبل بها في سبيل ترهيبه واخراجه نحو مكان آخر. حيوية لقمان ونشاطاته جعلت منه نموذجاً فريداً، فهو الى جانب حرصه على التواصل المباشر مع الجميع والتنقل بشكل فردي وظاهر ومعلن، كان يقول دائماً ان التعبير الحر عن قناعاته هو مصدر حمايته، وانه رجل ليس مستعداً ان يخفي قناعاته، ولا نشاطه او طموحاته. وهو الى ذلك كان متميزاً في قدرته على التواصل مع كل المؤسسات الدولية والمسؤولين في دول العالم، كان يمتلك رصيداً كبيراً من العلاقات الخارجية، تظهر مدى قدرته على فهم هذا المجال الغني والمهم والذي يكاد يكون متفرداً في حضوره على هذا المستوى، في حجم العلاقات في فهم هذا العالم وسبل التواصل معه، وهو على هــذا الصعيد كان ثروة خسرها لبنان وخسرها حتى خصومه. وخسرته الطائفة الشيعية التي كان يشكل فيها احد ابرز ملامح التنوع والاختلاف، بل الاجتهاد الذي لطالما اتسمت به على رغم الاحادية والانغلاق الذي يحاصرها من داخلها ومن خارجها ايضاً الى حدّ الاختناق. القاتل اغتال لقمان وتقصّده، ليختبر من خلاله قدرته على الترهيب والقمع النفسي في نفوس اللبنانيين عموماً والمعارضين على وجه الخصوص، لكنه أمر لا ينفع مع لقمان سليم، فهو كان يضع في حساباته القتل ولكن كان يدرك ان الموت هو تفصيل طالما انه قدر، وكيفما لاقاه قتلاً او بسبب آخر، لذا كان يعتبر ان الموت الحقيقي بالنسبة اليه هو ان يقمع ذاته وينكر على نفسه حقوقه، وان الحياة لديه هي حريته وارادته الحرة وسواهما هو الموت ولو بقي على قيد الحياة الجسمانية. من قتل لقمان سليم سيكتشف كم كان مخطئاً وكم كان لا يدرك حجم ما بذره لقمان سليم في ارض الوطن، وان دم لقمان كفيل بأن يضاعفه على امتداد لبنان. ثمة حملات تشويه استمرت لسنوات في شيطنة لقمان سليم، لكن ما سيباغت القاتل ويفاجأ به، هو وجه لقمان وجعبته الممتلئة بالحب والعلم والأخلاق والرقيّ والثقافة والغنى الانساني، وهذا لا يموت بل يحيا. لذا لقمان حيّ كما تقول شقيقته وصديقته رشا، لأنها تدرك في اعماقها ان ما لم يحققه لقمان من احلام في حياته ستزهر بعد موته وهذا قدر الأحرار الذي كان لقمان ولا يزال النموذج والمثال. ويظل لقمان مضرجاً بحريته… ودمه يزهر حلم وطن لا اشرار فيه، يحمل شعلته كل من أحبه وآمن به، ولاحقاً سيكتشف من ناصبوه العداء انهم خسروا خصماً شريفاً… وأي منقلب سينقلبون!
(نداء الوطن)  البيروتية

 

فضيحة «القرض الحسن» توقظ

«الدولة النائمة»… لـ«حزب الله»!

علي الأمين

ينتقل “حزب الله” في لبنان من منطق “الدويلة” الى “الدولة”. ليس الأمر كما يبدو عليه للوهلة الأولى، انّها “عودة الإبن الضال” الى كنف الدولة، إنّما الأسف هو تحويل حزب إيديولوجي شمولي مترامي الأهداف والغايات إيرانياً، كأحد أذرع “ولاية الفقيه” بأجنحة سياسية ومالية وعسكرية، الى بديل عن الدولة أو الدولة نفسها! “الدولة العميقة” التي أرساها “حزب الله” المتجذّرة داخل ثنايا ما تبقّى من شذرات الدولة اللبنانية، وبات يديرها بكلّ تفاصيلها عبر أجهزة تحكّم مباشرة أو “عن بُعد”، يبدو أنّه تمادى الى تجاوز هذا المفهوم، ليصل الى إنشاء نظام إقتصادي مالي مصرفي خارج على القانون، الذي لا تعترف به أصلاً. ولعلّ آخر تجلّياته وأخطرها فضيحة “جمعية القرض الحسن”، وما أظهرته من محاولات “حزب الله” البائسة لطمس نوايا إعلان “دولته النائمة” التي أيقظتها الفضيحة المدوية، عبر “اختراع” نظام مصرفي خاص به خارج القطاع المصرفي ومصرف لبنان، وتنتشر فروعه مع ماكينات سحب الأموال ( ATM) علناً وجهاراً، في المناطق الواقعة تحت نفوذه، ويقدّم “رشى دولارية طازجة” (fresh money) لمناصريه ـ مودعيه بشكل منتظم، التي يسطو عليها من الدولار المدعوم والمهرّب، وعلى عين اللبناني من خارج دائرته المرذول والمذلول على أبواب المصارف “الشرعية” التي تستولي على جنى عمره. اقرأ أيضاً: الفراغ بعد الانهيار في لبنان فمؤسّسة القرض الحسن هي جمعية لبنانية من حيث الترخيص الذي نالته في العام 1987 كجمعية من وزارة الداخلية، وهي، بطبيعة الحال كما هو معروف، تابعة لـ”حزب الله” وإن كان هناك جدل خافت حول تأسيسها ومن هي الجهة التي أسّستها، الا أنّه لاحقاً تمّ دمجها مع مؤسّسة بيت المال، وهي مؤسّسة حزبية داخلية فيما “القرض الحسن” كانت تُعنى أيضاً بمن هم خارج “الحزب”، وهي الى جانب جملة المؤسّسات والجمعيات التي كانت فروعاً لمؤسسات ايرانية، أشرفت عليها ايران مباشرة قبل العام 1993، أسوة بمؤسّسة “جهاد البناء” ومؤسّسة “الشهيد” ومؤسّسة “الجرحى” و”جمعية إمداد الإمام الخميني”، وغيرها من المؤسّسات الإجتماعية والإقتصادية والدينية والتربوية والصحّية العديدة، التي بدأ “الحرس الثوري الإيراني” إنشاءها بعد قدوم نحو أربعة آلاف مقاتل من عديده الى منطقة البقاع، غداة الإجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. لا شكّ أنّ هذه المؤسّسات التي شكّلت أذرعاً للتمدّد والنفوذ داخل البيئة الشيعية، بقيت مرتبطة مالياً وإشرافاً بالمركز الإيراني. وهي كانت تخضع بشكل علني لمُشرفين إيرانيين مباشرين، وهو ما عاد وتراجع في الشكل من دون أن تفقد قيادة “الحرس” دورها القيادي الفعلي، وإن كان عبر قيادة “حزب الله” ومن خلالها. وهو أمر فرضته مقتضيات مرحلة ما بعد اتفاق الطائف في العام 1990، حيث عمدت ايران الى إدراج هذه المؤسّسات وسواها تحت إشراف قيادة “حزب الله”. وفي تلك الفترة، بدأ تحويل تلك المؤسسات من كونها فروعاً للمؤسّسة الأمّ في ايران، الى جمعيات ومؤسسات تجارية وشركات لبنانية، من دون أن يطاول ذلك عملياً طبيعة النشاط أو التوجّهات والأهداف التي قامت من أجلها، وهي بالدرجة الأولى ترسيخ النفوذ الإيراني وتعزيزه عبر ما يعرف بولاية الفقيه، كعنوان للسيطرة والتحكّم الكامل بالبيئة الشيعية على وجه الخصوص. الخرق الإلكتروني الأمني الذي طاول جمعية مؤسّسة القرض الحسن (قبل أسبوع) التي أدارها وأشرف عليها لنحو ربع قرن أحد القيادات المؤسّسة لـ”حزب الله” حسين الشامي، والذي استقال من إدارتها لأسباب صحّية قبل عدّة سنوات، كشف عن حجم الأعمال المالية في هذه المؤسّسة، والطبيعة التجارية والمالية لها، إذ أظهرت الأرقام المسرّبة وجود مئات آلاف الحسابات الدائنة والمدينة فيها، بل أظهرت حجماً من التعاملات المالية مع عدد من البنوك اللبنانية. وبالرغم من صدور بيانات نفي من معظم هذه البنوك، لجهة نفيها وجود أي حساب مصرفي باسم جمعية القرض الحسن، فإنّ بعض المطلعين على النظام المصرفي اللبناني، يؤكّدون أنّ هذه المؤسّسة كان لها في السابق حسابات مصرفية، ولكن تمّ إغلاقها في معظم البنوك المتعاملة بعدما فرضت العقوبات الأميركية على “الحزب” ومؤسّساته. ولكن الى جانب هذه الحسابات، كان لدى المؤسّسة حسابات بأسماء شركات وأفراد، ثمّ جرى اعتماد هذه الوسيلة من أجل الإستثمار، من جهة في سندات الخزينة، ومن جهة أخرى عبر الإستدانة من مصرف لبنان، بأسماء شركات تعمل في مجال المقاولات أو في الإستيراد والتصدير. وأتاح نفوذ “حزب الله” الأمني والسياسي، توفير ديون من المصارف اللبنانية بعشرات المليارات لهذه الشركات والمؤسّسات، التي شكّلت مورداً مالياً له ولمؤسّسة القرض الحسن التي كانت تتولّى إدارة العمليات المالية على هذا الصعيد. الخرق او “الهاكرز” الذي تعرّضت له مؤسّسة القرض الحسن، كشف الى حدّ بعيد معالم المؤسّسات المالية التي يمتلكها “حزب الله” وحجمها، من دون أن تتّضح طبيعة الجهة التي قامت به، أكانت جهاز دولة ما، أم مجموعة من المحترفين، في وقت تذهب بعض الترجيحات الى أنّ من يقف وراء هذه العملية قد تكون أجهزة استخبارية استنفدت حاجتها من الخرق فكشفته، فيما البعض الآخر لا يرى أنّ الأجهزة الإستخبارية معنية بالكشف عمّا تحقّقه على هذا الصعيد، بل تعمل على إبقاء الأمر سرّياً طالما أنّ الخرق لم يتمّ كشفه. ما تُظهره مؤسّسة القرض الحسن، هو حجم الإستثمار في مشروع الدويلة التي تشكّل الركيزة للنفوذ الإيراني، وإذا أُضيف ما جرى تعميمه على المستوى الإيديولوجي في سبيل ترسيخ “المجتمع النقيض” ووجه الدويلة فيه، فإنّ ذلك يرسّخ حقيقة أنّ لبنان يتّجه نحو مزيد من الإنهيار، ولبنان هنا هو الدولة التي بات من الصعوبة بمكان استعادتها طالما أنّ نظام المصالح فيها بات مرهوناً لمشروع نفوذ خارجي. نفوذ، تجري عملية فرض رموزه من خلال مؤسّسات تدمّر الدولة باسم حماية الايديولوجيا، وتقوّض رموز الوطن لصالح رموز مُستدعاة من خارج الحدود.

 

(نداء الوطن) البيروتية

 

العالم على حافة الهاوية

الأميركية ـ الإيرانية…

و«حزب الله» خارج السِباق!

علي الأمين

 تشخص عيون العالم الى الربع الساعة الأخير من ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب “إيرانياً”، وسط توجّس من إحتمال “قويّ” أن يسلّم خلفه جو بايدن قنبلة متفجّرة، كانت موقوتة لفترة طويلة في وجه العالم بوحي إسرائيلي يختبئ في ظلّه، من شأنها أن تُعدّل قواعد الإشتباك العالمي. إيران لن تشمّر عن سواعد أذرعها الإقليمية حتّى الساعة، وتحديداً “حزب الله” في لبنان الذي يبثّ أجواء “تهدوية تنفيسية” تعكس رسائل إيرانية وداخلية، أنّه ليس في وارد الحرب حتى لو فرضت عليه على الجبهة الحدودية مع إسرائيل، غير أنّ الأمور لا تعرف خواتيمها في هذه المعمعة. في سِباق مع الوقت، وقبل استلام جو بايدن موقع الرئاسة الأميركية في البيت الأبيض، تبدو اسرائيل متحفّزة لمواجهة ما مع ايران، وهذا ما هو ظاهر من خلال الضربات الإسرائيلية المستمرّة لها في مواقع مختلفة، ولا سيّما في سوريا، الى عملية اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زادة والذي كان من “اقوى أعمال الموساد في حربه على المشروع النووي الايراني”، كما وصفته صحف غربية عدّة. اقرأ أيضاً: أوراق باسيل في السلة الإيرانية..يُعوّل على طهران لتعويمه رئاسياً! الموقف الإسرائيلي التصعيدي يقابله موقف ايراني يتفاوت توصيفه بين تفسيرين: 1 – عدم رغبة ايران بالإنجرار الى حرب مع اسرائيل لأسباب عدّة، ومنها رهان طهران على وصول بايدن الى مركز القرار، وفتح الباب أمام عودة واشنطن الى الإتّفاق النووي، وبالتالي تسعى إيران لعدم القيام بأي ردّ عسكري تفادياً لخلق وقائع جديدة تفرض استمرار سياسة دونالد ترامب تجاه ايران على الرئيس الجديد. 2 – وبين تفسير آخر يذهب نحو عدم قدرة ايران على خوض مواجهة مفتوحة، طالما أنّ أيّ ردّ من أذرعها سوف يؤدّي الى تورّط مباشر لها في الحرب، وهذا ما تتفاداه أكثر في ظلّ الحصار الذي تعانيه، والأزمات المالية والإقتصادية التي تسبّب بها. ويمكن ملاحظة الإرباك الإيراني في العراق، مع اقتراب الذكرى السنوية لاغتيال رمز تمدّدها الخارجي الجنرال قاسم سليماني في بداية العام الجاري، فهي تطلق إشارات سياسية بأنّها لا تحبّذ تصعيد الموقف ضدّ الوجود الأميركي في العراق، وتتنصّل من أي عمل عدائي ضدّ هذه القوات. وكان المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي الجنرال هايدي زيلبرمان كشف قبل يومين، بأنّ إسرائيل تراقب تحرّكات طهران في المنطقة، وتتوقّع أن يأتي أي هجوم إيراني محتمل من العراق واليمن. وهي إشارة إسرائيلية تعكس استعداداً لنقل المواجهة مع ايران الى “الدائرة الثانية لإيران”، أي العراق واليمن، بحسب وصف زيلبرمان الذي اعتبر أنّ الدائرة الأولى هي لبنان وسوريا. وهذا الموقف الإسرائيلي يستدرج في المقابل مواجهة، قد تطاول دول الخليج، التي تتفادى مثل هذه المواجهة طالما انّها غير حاسمة، فيما المواقف التي صدرت أخيراً من الرياض تشير الى رغبة سعودية وخليجية على وجه العموم، بالمشاركة في أي مفاوضات مقبلة بين طهران ودول الإتّفاق النووي. ‏في هذا الوقت، لا تستبعد مصادر دبلوماسية غربية في بيروت أن يعمد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الى القيام بمفاجآت أمنية او عسكرية في لبنان وسوريا. ففي اعتقادها، أنّ نتنياهو الذي يصارع من أجل البقاء على رأس السلطة، لن يألو جهداً في سبيل إعادة خلط الأوراق الداخلية من خلال اللعب على حافة الهاوية في لبنان وسوريا، من دون أن يستبعد وقوع حرب سيسعى لأن يظهر بأنّه ليس هو من بدأها. ‏ ‏التطورات الداخلية في لبنان التي تعكس عدم الوصول الى حلول سياسية لتشكيل الحكومة، دفعت “حزب الله” من خلال رسالة طمأنة وجّهها رئيس المجلس التنفيذي هاشم صفي الدين الى اللبنانيين، بأنّه ليس في وارد الدخول في حرب وإن كان مستعدّاً لها، ولا يريد تغييراً في المعادلة الداخلية، إذ قال في حديث اذاعي قبل يومين: “إنّ احتمال الحرب قائم من باب تحمّل المسؤولية، وليس من باب الرعب ودبّ الذعر في نفوس الناس”. وقال في رسالة طمأنة الى المتخوّفين من تغيير النظام اللبناني: “إن الخصوصيات اللبنانية في الشأن الداخلي يجب أن تؤخذ كما هي”، وأضاف: “نحن نعرف حجمنا وواقعنا، ولا نتحرّك إلا ضمن برنامج يخدم الوطن”. ثلاثة أسابيع حرجة بالنسبة لإيران ولنتنياهو، الجهد الإسرائيلي يتركّز على منع العودة الى الإتّفاق النووي، وهو جهد يجعل من إيران أكثر قرباً من واشنطن، وهو تقرّب يمكن ملاحظته من خلال السعي الى حسن استقبال بايدن مع ما يعنيه ذلك من إغراءات تقدّمها ايران لواشنطن في سبيل العودة الى الإتّفاق النووي، ذلك أنّ القيادة الايرانية اكثر استعداداً للإقتراب من القيادة الأميركية الجديدة طالما أنّ ادارة بايدن لن تتماهى مع سياسة نتنياهو حيال ايران، وهذا الموقف الإيراني ينطوي على استعداد لفتح آفاق جديدة مع واشنطن، كان الرئيس السابق باراك اوباما بشّر بها، ونائبه الذي صار رئيساً ليس بعيداً من هذه الرؤية. يبقى أنّ نتنياهو هو الأكثر اندفاعاً نحو تفجير هذا التقارب الذي لن تهدّده الّا حرب، إيران يجب أن تكون في صلبها ورأس حربتها في الدائرة الأولى أو الدائرة الثانية. لعبة عضّ الأصابع على أشدّها، والمواجهة العسكرية أكثر من مجرد “احتمال”.

(نداء الوطن) البيروتية

 

اللبنانيون يصنعون معادلة

«الجيش والقضاء والثورة»!

علي الأمين

يعيش لبنان تحت وطأة معادلات “ذهبية” (لا ترقى الى مستوى الخشبية)، تُفرض بالإكراه اللفظي والعملاني على السواد الأعظم من الناس، من أجل غرزها زوراً وبهتاناً في عقولهم وذاكراتهم. ويبقى أخطرها معادلة “الشعب والجيش والمقاومة”، التي ابتدعها “حزب الله” عبر “مريديه” من أركان السلطة البائسة الفاسدة، بقوّة السلاح الإيراني والتعطيل “غبّ الطلب”، التي جرّت مسلسلاً من الويلات على البلاد والعباد لم تكتمل فصوله بعد. ولعلّ إقحام الجيش في هذه المعادلة الساقطة من قبل “حزب الله” هو بيت القصيد، بهدف محاولة خطفه وحرفِه عن المهام الوطنية الملقاة على عاتقه، والتي تمكّنت القيادة في مراحل كثيرة حرجة من التفلّت من قبضته وهيمنته، خصوصاً وأنّ الجيش، ضباطاً وعناصر، كانوا ضحيّته في حوادث عدّة، وتصرّفت بمناقبية عالية خارج كلّ هذا “الهراء المطلوب”. واذا كان الجيش تمكّن من “الوقوف على رجليه” من جديد وتعزيز ثقته باللبنانيين، فهو بطبيعة الحال أنقذ مؤسّسة لا تقلّ أهمية عنه، وهي القضاء، وبات الرهان عليهما كبيراً في ظلّ ثورة 17 تشرين المجيدة، في إعادة ترميم المؤسسات من أجل إرساء مداميك وطن جديدة على هياكل تثير الخشية من سقوط أعمدتها على رؤوس اللبنانيين، الأمر الذي يحبّذ عندهم إطلاق معادلة وطنية جديدة “الجيش والقضاء والثورة”! اقرأ أيضاً: السيادة.. قبل الإصلاح وقبل محاربة الفساد! فلا تزال المؤسّسة العسكرية تشكّل في نظر معظم اللبنانيين حجر الزاوية في أي عملية خروج من نفق الأزمة الوجودية التي دخل اليها لبنان عنوة. ويبقى القضاء كذلك، السلطة المعوّل عليها للتناغم مع صرخات اللبنانيين واحتجاجاتهم ضدّ السياسات التدميرية التي اعتمدتها السلطة، وأودت بهذا الوطن الى هاوية سحيقة، وبات الخروج منها يتطلّب تغييراً جذرياً في مقاربة شؤون المؤسسات والمواطن، تغييراً يتنافى مع كلّ المسارات السابقة، التي قامت على تقاسم النفوذ والفساد بما فيه التخلّي عن السيادة في السياسة الدفاعية والسياسة الخارجية. القضاء والجيش ليسا بمنأى عن النقد، ولا عن الخلل الذي يطال جوانب عدّة في الدور والأداء، لكنّهما شكّلا مع انتفاضة 17 تشرين نافذة أمل للبنانيين، ووسيلتين محوريّتين لفرص استعادة قواعد الدولة، وبدا الجيش والقضاء نسبياً، متقدّمين على السلطة السياسية، التشريعية والتنفيذية، في المحافظة على الدولة وحمايتها، الجيش من خلال عدم تحوّله أداة طيّعة لقمع التظاهرات، والقضاء عبر محاولة التفلّت من سطوة السلطة، لا سيّما عبر التشكيلات القضائية التي لم يجر تمريرها من قبل السلطة السياسية حتى اليوم. الثورة المضادة في مواجهة مشهد 17 تشرين والذي أدارته القوّة القابضة على السلطة، ركّزت ولا تزال على تهشيم كلّ ما يمكن أن يشكّل ركيزة لأيّ عملية تغيير في قواعد السلطة ونظام الفساد الذي يحكمها، الهدف من وراء ذلك القول إنّ الجميع فاسد أو متورّط، وعملت ايضاً على استنفار عصب طائفي كانت مجموعات حزبية تولّتها في مواجهة المعتصمين، سواء في وسط بيروت أو في المناطق ضدّ المحتجّين، بعدما امتنع الجيش عن القيام بوظيفة القمع. لا شكّ أنّ السلطة القضائية منتهكة ومُنهكة من التدخّلات الحزبية والسياسية، وتحوّل بعض النيابات العامة والقضاة أداة في يد القوى السياسية الحاكمة، وهي اليوم ولا سيّما في ملفّ التحقيق في جريمة “انفجار المرفأ” تبدو عُرضة لعملية تشكيك، لتقويض دورها أو تطويعه، كما هو جار مع المحقّق العدلي فادي صوّان، عبر التشكيك بإجراءاته ومصادرة حقّه في إدارة التحقيق، والدفع نحو استقالته بعد اتهامه بالتسييس. والجيش ليس بمنأى عن هذا التحدّي، أي محاولة جرّه الى ما لا يريده، أي المواجهة مع المحتجّين، ومحاولة استدراجه الى مساحة تُدخِله في مأزق مع المواطنين وتطرح تساؤلات حوله، وهذا واقع تجهد السلطة في الدفع به في سبيل تحويل المؤسسة العسكرية صورة طبق الأصل عن السلطة، وأداة طيّعة لمصالح اطراف السلطة. التظاهرات حول الدولار الطالبي ورفع قيمته في بعض الجامعات الخاصة، هو شأن يرتبط بالسلطة وليس بالجامعات، وتمنّع البنوك عن تنفيذ توصية مجلس النواب، تقع مسؤوليته على السلطة السياسية التي لم تسنّ قانوناً واضحاً يحول دون تفلّت البنوك من التزاماتها، أمّا التظاهر امام الجامعات الخاصة ومحاولة إحراق مدخل الجامعة الأميركية، فهو رسالة سياسية مفادها أنّ هذه الجامعة لن تكون بمنأى عن تداعيات الأزمة وربّما تكون عُرضة لأكثر ممّا جرى مساء السبت، والأهمّ أنّ الجيش لن يكون الملاك الحارس والقوة القادرة على حفظ الأمن والتوازنات بين السلطة والشارع المعارض، الثابت أنّ السلطة السياسية التي تتقاذف ملفّات الفساد لن تألو جهداً من أجل مزيد من توريط الجيش في مواجهة الشارع من جهة، وتهشيم القضاء منعاً لأيّ دخول جدّي الى مغارة المرفأ ومصرف لبنان ووزارة الطاقة، فالمغارة واحدة وإن تعدّدت كهوفها.

(نداء الوطن)




 

 

القضاء ليس بخير…

لبنان ليس بخير!

علي الأمين

لا تزال مقولة رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل الشهيرة “بريطانيا بخير لطالما القضاء بخير”، وهو في خضمّ الحرب العالمية الثانية وخراب بريطانيا على يد الألمان، تدوّي في حاضرة القضاء العالمي، وتهزّ ضمائر الدول وقضاتها. رهان قضائي تاريخي يذهب مثلاً في كلّ زمان ومكان، ليحطّ في لبنان، هذه المرّة وكلّ مرّة، مع المحاولات المكشوفة لتطويع القضاء وتدجين قضاته من قبل السياسيين، الذين يُمعِنون في تحويله مطية أو أداة ليفرّوا بأفعالهم أو يرهبون به خصومهم. صحيح أنّ القضاء اللبناني وقضاته ليسوا في أفضل أحوالهم، وقد أصاب الفساد والهوان والإرتهان بعضاً لا بأس به، لكن هذا لا يلغي أنّ هذا السلك لا يزال يعجّ بقضاة شجعان ونبلاء لا يركنون الّا لصوت ضميرهم، ولعلّ المسار القضائي الأعرج والملتبس والغامض في كثير من الأحيان في التحقيقات الجارية في مقتلة مرفأ بيروت خير شاهد.. ودليل “يندى له الجبين”! اقرأ أيضاً: مبادرات فارس سعيد التي تخيف حزب الله فعندما يتحوّل أصحاب السلطة والقرار في الدولة، خطوطاً حمراً يمنع المسّ بها من قبل القضاء، يعني ذلك أنّ فرص التوصل الى حقيقة ماذا جرى في هذه الدولة من فساد وإفساد وقتل، ومنها تفجير المرفأ، أصبحت مستحيلة من خلال أدوات العدالة. وضع الخطوط الحمر لا تكمن خطورته في عدم امكانية كشف متورّطين، بل في أنّه يفتح الباب في أفضل الأحوال الى اعتماد سياسة “كبش الفداء”، التي تقع على الصغار وأدوات التنفيذ لا الجهات الموجهة والتي تحتضنهم وتحميهم، وتبني سلطتها ونفوذها على هؤلاء الموظّفين من مدراء وضباط وسواهم من أدوات السلطة. وتكمن خطورتها أيضاً في أنّ السلطة السياسية المتصارعة والمتحالفة في آن، تسعى الى المقامرة بورقة الإصطفاف المذهبي والطائفي، من أجل حماية وجودها واستمرارها في ما تعتبره ملكاً لها، أي مراكز القرار في الدولة، ولو أدّى ذلك الى مواجهات لا تبدو فرصها متاحة بسهولة بعد انتفاضة 17 تشرين، وما أحدثته من تغيير ملحوظ في وعي اللبنانيين تجاه نظام مصالحهم الوطني. فالإستثمار في العصب الطائفي والمذهبي اليوم، بات “ورقة التوت” الوحيدة التي يراهن أطراف السلطة على بقائها وصمودها في وجه الإنهيار المالي والإقتصادي، الذي كانت المنظومة الحاكمة بنظام مصالحها الضيّق والفئوي وراءه وأحد أبرز أسباب هذا الإنهيار. من هنا، قد يسأل البعض، لماذا لا تقوم هذه المنظومة الحاكمة بتشكيل حكومة، طالما أنّها متحالفة ومتضامنة في ما بينها؟ لا بدّ من إدراك أنّ من حسن حظّ اللبنانيين اليوم، أنّ المجتمع الدولي الذي اعتاد على توفير موارد مالية واقتصادية للبنان، بات في موقع آخر، موقع لا يرى من خلاله أنّ المنظومة الحاكمة في لبنان يمكن الوثوق بها لتوفير الحدّ الأدنى من الإستقرار اقتصادياً ومالياً وحتّى سياسياً، وهذا ما يدفع أطراف السلطة الى سياسة التعطيل، التعطيل لأي خيارات حكومية بديلة من المحاصصة. ومن حسن حظّ اللبنانيين أيضاً أنّ الطائفية التي شكّلت ركيزة الزبائنية وأساس الخروج على السيادة، باتت متلازمة مع استمرار هذه المنظومة الحاكمة التي لا تنتج الّا المزيد من الإنهيار للدولة والوطن، وهي لا تمتلك ولا تريد الإعتراف ولا تريد الخروج من منهجية الحكم الفاسد الذي بات عاجزاً عن الإستمرار والبقاء. لذا، فإنّ اطراف السلطة يستغيثون بما تبقّى من اموال المودعين لتحقيق فرص المزيد من البقاء والاستمرار، ذلك أنّ هذه الأموال التي يجري صرفها تحت عنوان الدعم للنفط والمواد الغذائية والدواء، تجري عملية نهب منظّم لها لدعم ادوات السلطة التي تعتاش على الفساد والزبائنية، فيما الخارج بات على ما يبدو يراقب مسار الإنهيار وكوارثه، مُعتقداً أنّ ذلك يشكّل عنصراً مساعداً على التغيير، فيما أطراف السلطة يسيرون في الإتّجاه نفسه، مُراهنين على أنّ الفوضى والفقر وتصدّع الدولة سيعزّز مواقعهم، في اعتبارهم المتسلّطين على طوائفهم، رهانان مخيفان وقاتلان، لكن يبقى أنّ القضاء هو ملح الدولة الذي لا يجب أن يفسد، وهو الذي لم يزل محلّ رهان اللبنانيين وقبله الإنتفاضة التي لم تزل حيّة وتتجدّد كتعبير صادق عن إرادة اللبنانيين بالبقاء والنهوض.

(نداء الوطن)

 

 

"حزب الله"... ما بعد

بعد المفاوضات والعقوبات!

علي الامين

يبدو ان هامش المناورة السياسية، كما العسكرية، بدأ يضيق لدى "حزب الله" الى حد التلاشي فالإنعدام. وسواء اعترف "الحزب" بذلك ام لا، فإن "ما بعد بعد" المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية لترسيم الحدود تحت نظره و"مباركته" لن تكون كما قبلها، وبالتالي فإن عليه أن يغيّر عملياً "قواعد الإشتباك" وتعديلها من طرف واحد تبعاً للتطورات التي اسقطت عنه أيضاً مقولة "شاء من شاء وأبى من أبى"! والإشارات كانت في المواقف الفرنسية المنتقدة مباشرة لـ"الحزب" في معرض محاولته الحثيثة للإلتفاف عليها وتفصيلها على قياسه، رافضاً ان يكون "low profile، أو الأميركية الأخيرة عالية اللهجة تجاه الطبقة السياسية عموماً و "حزب الله" خصوصاً كمكون علني يجهض ولادة اي حكومة فاعلة، وصولاً إلى العقوبات على "عماده المسيحي" صهر العهد وسنده جبران باسيل.

ولعل نزع فتائل الفوضى والحرب وضروب الممانعة ومحورها وشرها، يحشر "حزب الله" في الزاوية ويجعله "يتفنن" في تدوير الزوايا "خارجياً"، ويُخشى ما يُخشى، وقد لاح نذيره السيئ ان "يفش خلقه" باللبنانيين ويصرف فائض قوته عبر "السلبطة" على اقتصادهم ومواردهم ولقمة عيشهم... ولعبة البترودولار بين لبنان وسوريا أحد أبشع تجلياتها!

في عملية الالتفاف على المبادرة الفرنسية، لم تخف احزاب السلطة قرارها في استبعاد اي ملمح تغييري في عملية تشكيل الحكومة. كل المسارات التي فتحها الفرنسيون واقترحها الشارع اللبناني المنتفض في عملية تشكيل حكومة تختلف عن سابقاتها لجهة المحاصصة، باءت بالفشل وبدا أنّ هناك عملية تضافر أدوار بين اركان السلطة من اجل تقويض اي مشروع لحكومة من خارج الاصطفاف السياسي توحي بالثقة للبنانيين والمجتمع الدولي الذي لا مفر من دوره في اي عملية لجم للانهيار العام، ولانتشال لبنان من بحر الأزمات الذي يغرق فيه.

جاءت العقوبات الاميركية ولا سيما تلك التي طالت رئيس "التيار الوطني الحر"، لتنذر بمسار من التشدد الاميركي تجاه السلطة بكل اطرافها، وكان كلام السفيرة الأميركية في لبنان دوروثي شيا هو الأشد تجاه هذه السلطة في تظهير دور واشنطن تجاه لبنان، فأطلقت سلسلة مواقف جديدة ومتشددة قبل يومين، أبرزها أنه "لن يكون هناك أي شيء مجانياً بعد اليوم وأن الإدارة الأميركية لم تتصرّف بعد مثل دول الخليج، بالابتعاد عن لبنان وعدم دعمه"، وتوجتها بالتذكير أن الولايات المتحدة "لم تدعم حكومة حسان دياب لأن حزب الله هو الذي شكّلها، لكنها وقفت إلى جانب الشعب اللبناني".

الموقف الاميركي حاسم تجاه رفض اي حكومة فيها ممثل عن "حزب الله"، ويبدو ان سياسة التهاون على هذا الصعيد لم تعد واردة، بحيث ان الادارة الاميركية التي تمسك بورقة لبنان مالياً واقتصادياً، لم تعد في وارد القبول بقواعد اللعبة الداخلية على مستوى تركيب الحكومة وتقاسم السلطة.

فورقة المفاوضات التي فرضتها واشنطن بين لبنان واسرائيل، بات لبنان اليوم الأكثر حرصاً على استمرارها وعدم حرقها، وتعتقد اوساط متابعة لملف التفاوض ان "واشنطن مهتمة بنصب طاولة التفاوض، وبعد بدء المفاوضات بات لبنان معنياً بانهائها اكثر من اي طرف آخر".

وهذا ما أكده مصدر اميركي في وزارة الخارجية، حيث اعتبر ان "الأولوية في الجهود الاميركية بين لبنان واسرائيل كانت الجلوس الى طاولة المفاوضات، والتسليم من الطرفين بأن الحلول تتم بوسائل سياسية وسلمية وليس عبر الوسائل العسكرية".

البعد الاقتصادي والمالي الى جانب الفشل المتراكم للسلطة في مواجهة ازمات لبنان، هما ما يدفع واشنطن للدخول بقوة الى مسرح عمليات تشكيل الحكومة، ولكن بتعليمات واضحة ومن دون الدخول في التفاصيل، فالاولوية في اي حكومة هي منع "حزب الله" من المشاركة فيها، والمسألة التي تكتسب اهمية في حسابات واشنطن اللبنانية، هي تولي شخصيات نزيهة ومستقلة عن الاحزاب مسؤوليات حكومية محورية، وهذا ما يمكن ادراجه ضمن مسار تهميش دور اطراف السلطة في اي حكومة تطمح لأن تتلقى دعماً من واشنطن وحلفائها، وسوى ذلك، فان المسار الانحداري للأوضاع اللبنانية سيستمر وبوتيرة كارثية.

ورداً على ما يقال في اوساط "حزب الله" وحلفائه من ان واشنطن لن تسمح بانهيار كارثي للبنان لأسباب ذاتية واسرائيلية، فان المصادر المتابعة في واشنطن، تعتقد "ان هذه الحسابات خاطئة جداً"، معتبرة ان "القدرة لدى حزب الله وحلفائه للذهاب نحو المزيد من الفوضى او تهديد امن اسرائيل لم تعد واردة او ممكنة، وان السلطة في لبنان باتت على شفا انهيار واقصى ما تستطيعه هو تأخير الموعد قليلاً ليس اكثر".

(نداء الوطن) البيروتية

 

باسيل بعد التعديل ..

«ما خرجت لا أشراً ولا بطراً»!

علي الأمين

 وكأن جبران باسيل و”صحبه” كانوا يتسمرون على جسر العقوبات الأميركية يتحرقون شوقاً لصدورها بحقه، كي يجددوا  بيعة “حزب الله” مواقف ” عنترية” ومزايدات لا طائل منها، معطوفة على إيحاءات اطلقها باسيل اليوم ليدغدغ المشاعر الشيعية الحسينية _ “فرع حزب الله”( الخروج لا أشراً ولا بطراً) وأصبح اكثر عزّة وحرية بعد العقوبات لانه لم يقبل بالتخلي عن “حزب الله”، والمسيحية ( من منكم بلا خطيئة).. والاميركية ( بلاد الفرص الجديدة).  العقاب الأميركي بحق باسيل كواجهة للإقتصاص من عهد عمه الرئيس ميشال عون، الذي رماه في أحضان “حزب الله” شر رمية وغرقوا جميعا في فساد سياسي ومالي مكشوف غير مسبوق، يشي بأن هناك “رؤوساً قد أينعت وحان قطافها”، وان السيف بدأ يدرك طريقه إليهم و”هم يتحسسون رؤوسهم” بعد “التحمية” بأخرى من الدرجة الثانية.  ولكن من أسف ومن غير شماتة، يتصرف باسيل بوصفه الصهر الخارق الحارق المتفجر واللبناني المتحذلق الذي “كيفما رميته يظل واقفاً”، وأنه ما لم يكسبه بقوة الآخرين سيحظى به بضعفه واستضعافه ( نظرية قوة لبنان في ضعفه)، و يستثير “حسد” السياسيين ليرددوا  في قرارة انفسهم  وربما علناً “يا ليتنا كنا معكم” ويأتي جوابه “عقبى لكم”.. و يابوا  جميعا بما يشبه  “تروما”  أوهام وأضغاث أحلام وامنيات!. فلم يكن الوزير السابق باسيل أوّل عنقود العقوبات الأميركية على مسؤولين سابقين وحاليين في الدولة اللبنانية، سبقه الى ذلك الوزيران السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس، وسيليه آخرون في الاسابيع والأشهر المقبلة. بين الفساد و”حزب الله” تتركز العقوبات الأميركية، والخزانة الأميركية تستند الى قوانين أقرّها الكونغرس تجرم الفساد في لبنان والتعاون مع “حزب الله” بوصفه منظمة ارهابية في القانون الاميركي. وهذه القوانين مرشحة بطبيعة الحال لأن تشكل عنصر ضغط واستمرارية للسياسة الأميركية تجاه لبنان، مع الادارة الاميركية سواء تعاملت الادارة الجديدة برئاسة الرئيس المنتخب جو بايدن بانفتاح مع ايران او بمزيد من التشدد، فهي ستبقى ادوات قوة في سياق اي ترتيب اقليمي او محلي في لبنان. تكتسب العقوبات الاميركية اهميتها وقوتها ليس فقط من الجهة التي تصدر عنها فحسب، بل في تعنت السلطة السياسية في لبنان تجاه اي محاولة لاعادة الاعتبار للاصلاح وتغيير السلوك في مقاربة الملفات المالية والاقتصادية في ظل انهيار غير مسبوق نتيجة الفساد السياسي ونظام المحاصصة هذا من جهة، ومن جهة ثانية يجري توجيه رسالة واضحة من قبل الاميركيين بأن الرهان على ايران وسياستها في لبنان لن يكون لصالح من وضع اوراقه في ملف المشروع الايراني. على هذا الايقاع تجري معاقبة جبران باسيل، بالطبع باسيل ليس متفردا في طبيعة التهم الموجهة اليه، لكنه بالتأكيد الأكثر انخراطا مع “حزب الله” والتزاما بموجبات تعزيز نفوذ ايران في لبنان، وهو ما فتح له الباب واسعا من اجل ترسيخ نفوذه داخل الادارة اللبنانية ووزارة الطاقة على وجه الخصوص، وفي المعلومات الاميركية ان باسيل كان محاطا بفريق يدير تقاسم الفساد في وزارة الطاقة وتوابعها، كان ممثلون في “حزب الله” احد اركان الفريق والمعروفين بالاسماء، وتشير المعلومات ان لدى الاميركيين ملفات موثقة عن دور باسيل في تنفيذ اجندة خدمات مشبوهة في وزارتي الطاقة والاتصالات لصالح “حزب الله”، واخرى في وزارة الخارجية التي يعتقد الاميركيون، بحسب بعض الدبلوماسيين اللبنانيين، الى ان السياسة الخارجية اللبنانية كان باسيل يديرها لترسيخ نفوذه الشخصي من جهة، ولصالح الحزب من جهة ثانية. العقوبات الاميركية انهت الى حدّ كبير طموحات باسيل الرئاسية، بعدما قوضت انتفاضة ١٧ تشرين هذا الطموح الباسيلي، بعدما تصدعت العلاقة بين “حزب الله” والجمهور المسيحي وانهاه انفجار ٤ آب في مرفأ بيروت، وانهيا مشروع حلف الأقليات الذي شكل ركيزة المشروع الايراني في المشرق العربي وفي القلب لبنان. يدرك باسيل هذه الحقيقة، كما يعيها امين عام “حزب الله” السيد حسن نصرالله، وهي الحقيقة التي تربك خيارات الطرفين، في ظل حال من التشتت وغياب اي رؤية للنهوض بالدولة خارج منهج المحاصصة والاستقواء، وهو منهج بات عاجزا عن الاستمرار اذا ما كان الهدف وقف الانهيار او لجمه. في المقابل تعكس العقوبات الاميركية مسارا يدفع باتجاه تغيير جدي في معادلة لبنانية بات “حزب الله” حصنها الذي يذود عنها، وهي لم تعد نتائجها سياسية فحسب، بل باتت تداعياتها الاقتصادية والمالية هي الابرز، فلبنان في عهدة الحزب امام واقع مزيد من العزلة والتدهور، وبقاء معادلة المحاصصة والفساد، يوفر عنصر قوة خارجية على لبنان ولا سيما واشنطن، لذا فان الادارة الاميركية ازاء غرق الطبقة الحاكمة في ملفات الفساد بمن يعتبر قريبا من سياستها او بعيدا عنها امام واقع مناسب لمزيد من تطويع هذه السلطة قبل تداعيها، بحيث بات من الواضح ان الطبقة الحاكمة العاجزة عن التجديد والرافضة لأي تغيير في اسلوب الحكم، باتت مرشحة بطبيعتها لتقديم التنازلات للخارج في مقابل حماية سلطة بات من الصعب توقع بقائها طالما هي عاجزة عن اي تغيير يوقف الانهيار ولو من باب التخلي عن مكاسب غير مشروعة من المال العام. رئيس التيار الوطني الحر كشريك في الفساد والافساد، وكركيزة ل”حزب الله”، يفتح الباب واسعا على مزيد من العقوبات التي تثبت جدواها اميركيا، وسط ارتياح داخلي يبرره التفاف السلطة على كل محاولة داخلية للتغيير الايجابي في منظومة السلطة او اسلوبها في الحدّ الأدنى.

(نداء الوطن)

 لحريري «يرقص مع الأفاعي»..

هل يُلدغ للمرة الثالثة؟!

علي الأمين

عندما اضطرت السلطة السياسية بقدها وقديدها الى الإختباء في جحورها جزئياً بعد كارثة إنفجار المرفأ وبالتالي عاصفة المبادرة الفرنسية، خُيل لمعظم اللبنانيين للوهلة الأولى انه آن أوان التخلص هذه الطبقة المشكو منهم تاريخيا، وسرعان ما خاب أملهم من جديد بعد ان استعصت هذه المبادرة و أصحابها وداعميها على هذه الطغمة المتحكمة. وبعد اسابيع من التمديد القسري للمهل المتساقطة التي كادت تسقط معها المبادرة الفرنسية بالضربة القاضية، ظهر الرئيس سعد الحريري بنسخة سياسية منقحة 2020، وقرر ان “يرشح” نفسه ليس الى رئاسة الحكومة فحسب، انما ليؤدي الدور الأخطر وهو “الرقص مع الأفاعي”، (ليتماهى مع نظيره العراقي مصطفى الكاظمي مع  بعض الفوارق)  بعد أن أيقظها من جحورها.. مقلعاً عن ترداده مقولة “لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين”.. ليبدو اما انه واثق ب “مبادرته” اللبنانية لتطبيق المبادرة الفرنسية وإما قد “حقن” نفسه بلقاح ضد اللدغ مرات ومرات! اذاً تعلّق الحريري بالمبادرة الفرنسية، واخذ على عاتقه اعادة تعويمها، بعدما فقدت الزخم الداخلي، واظهرت الى حدّ بعيد ان الدور الفرنسي الذي قاده الرئيس ايمانويل ماكرون لانقاذ لبنان، يتجه الى الانحسار على رغم التمسك اللفظي بالمبادرة من قبل اركان الطبقة الحاكمة في لبنان، والتخلي الفعلي عنها انطلاقا من الأداء الذي اظهرته هذه القوى برفضها تشكيل حكومة من خارج التمثيل الحزبي والسياسي الحاكم، وهو ما أفشل مهمة الرئيس المكلف مصطفى اديب. دخول الحريري على خط التكليف والتأليف، لم يزل عرضة للتساؤل حول ابعاد قبوله بهذه المهمة، والاندفاع نحوها، طالما أن فكرة تشكيل حكومة لا يسمي الوزراء فيها اركان السلطة ليست واردة كما تقول قوى الاكثرية النيابية التي وزعت اصواتها بين تسمية الحريري وعلى رأسهم الرئيس نبيه بري، وبين التمنع عن التسمية وعلى رأسها “التيار الوطني الحر”. نال الحريري ثقة ٦٥ نائباً، في لحظة انكفاء دولي عن الاهتمام بأليات التكليف والتشكيل، وهي اصوات لم تخلو من حسابات لا علاقة للحريري بها، بل ترتبط بتظهير تموضع المواجهة بين اركان الممانعة، معركة من يقرر  نتيجة انتخاب رئيس الجمهورية المقبلة، بين مرشحي “حزب الله” سليمان فرنجية وجبران باسيل، الحزب اختار الوقوف في الوسط، وبري اظهر قوته في تحجيم باسيل من خلال تجيير اصوات الحزب القومي وايلي الفرزلي وعدنان طرابلسي، فيما شجعت المواجهة بابعادها الرئاسية في فرط اللقاء التشاوري الذي انحاز فيه جهاد الصمد وطرابلسي وقاسم هاشم الى تسمية الحريري بل الى جانب فرنجية في مقابل باسيل. النواب الأرمن اعطوا الحريري وهو موقف ارمني خالص ينسجم مع الموقف الايراني وعدم الاعتراض الاميركي. هي اقرب الى بروفة رئاسية، كان  الحريري عنوانها الظاهر، لاسيما ان الأسئلة حول رهانات الحريري تجاه طبيعة الحكومة المقبلة لم تتضح بعد، على رغم الاتهامات له من اطراف معارضة ل”حزب الله” بأنه يستجيب لمتطلبات الحزب على هذا الصعيد. يبقى انه في ظل عدم اتضاح الصورة الكاملة لطبيعة الحكومة، وهل ستشكل ام سيبقى الرئيس المكلف على شروطه المعلنة، وهل سيتنازل اطراف الأكثرية عن مطلبهم بتسمية الوزراء ام ان تسوية ما تتيح للحريري الخروج بحكومة توحي بثقة داخلية وخارجية؟ لا يحتاج الأمر الى كثير من الانتظار، الايام المقبلة كفيلة بأن تكشف مسار الحكومة وطبيعتها وتوازناتها السياسية ومدى استقلاليتها، والأهم مدى قدرتها على تنفيذ الاصلاحات التي تضمنتها المبادرة الفرنسية. لا يحتاج المراقب الى كثير من التمحيص، ليدرك ان رهان اطراف السلطة يقوم على حماية كل طرف نفوذه ومكاسبه في اي حكومة من جهة، واعتقاد راسخ في نفوسهم جميعا بأن المبادرة الفرنسية هي عبارة عن كتلة نقدية يمكن الحصول عليها من دون تنفيذ فعلي للاصلاحات، هذا الاعتقاد الذي يعبر عن عقلية راسخة في منطق السلطة، من ان تحاصص السلطة هو المصدر الوحيد لصمود اطرافها، وبالتالي كل الجهود ستنصب على الالتفاف على الاصلاحات بمزيد من خلق الأعذار، والاستثمار في ما يسمونه خصوصيات لبنانية، سواء كانت سياسية او امنية وحتى اقتصادية ومالية.  هذا الرهان سيبقى امام اختبارات دولية وعربية حقيقية، فالخارج يدرك ان لا لجم للانهيار من دون اصلاحات جدية، اي ببساطة الحدّ من نفوذ قوى السلطة، وحكومة الحريري هذه المرة ستقرر مستقبل الحريري نفسه، هل هو قادر او يريد اصلا لجم نفوذ هذه القوى وهو واحد منها، ام سيسير متضامنا معها للالتفاف على الاصلاحات الجدية، ولو تلك المتصلة بالكهرباء والمعابر الحدودية، وبرنامج الاتفاق مع صندوق النقد الدولي؟  ‏الأرجح ان الحريري الذي نجح في اقصاء باسيل بقوة بري وبغض نظر من “حزب الله”، سيجد نفسه مكبلا بشروط الحزب الذي لن يقبل بأقل من ان يكون صاحب القرار في حكومة الحريري، في وقت لن يحظى لبنان بأي دعم حقيقي لا عربي ولا دولي طالما كانت الحكومة بإمرة “حزب الله”. والمبادرة الفرنسية التي يرفع الحريري لوائها في محاولة تعويض لخسائر ماكرون المعنوية، تتحول عند بقية اطراف السلطة، الى معبر لمحاولة استيلاد دور ونفوذ سياسي بغطاء فرنسي وان كان لا يقي من البرد والانكشاف امام الداخل والخارج.  ‏الرئيس الحريري امام الاختبار الأخير، فهو اتخذ قراره منفردا، والأرجح ان رؤساء الحكومات السابقين غير متحمسين لما ذهب اليه منفردا، ولن يفاجئهم فشله وحده، سواء كان على رأس حكومة الأكثرية او حكومة معطلة.
(نداء الوطن)  البيروتية

 

عندما يحل «سلام الشجعان»

على حساب لبنان!

علي الأمين

بعد كل هذا الصراخ السياسي والعسكري  الديني التاريخي وشعارات التكفير والتحريم لكل من “تسول” له نفسه حتى بتلفظ عبارات تفاوضية او “تطبيعية”، أو يحيد قيد أنملة عن العداء لإسرائيل “العدو الصهيوني الغاشم”، يأتي هذا  الفريق بعينه الذي يفترض انه أشد عداوة لهذا الكيان الغاصب في “ليلة لا ضوء قمر فيها”، وبما  يشبه التسلل الأقرب الى “التهريبة” ليعلن بدء مفاوضات رسمية حدودية مع إسرائيل.  وبقطع النظر عن مصلحة الدولة العليا للبنان أو بالأحرى ما تبقى من دويلة صغيرة منهكة، لا بد من التوقف مليا عند الشكل والتوقيت و المضمون. هم انفسهم أمراء الحرب والسلم و الممانعة والمحاباة يقررون مصير البلد ومتى “إذا جنحوا للسلم فإجنحوا”، يحتكرون أرنب “سلام الشجعان” الشعار الذي اتحفهم به حافظ الأسد ليهرب من محاربة إسرائيل منذ ان احتلت الجولان و الذي كرسه مع إيران و”حزب الله” في لبنان ايضاً تحت مزاعم تحرير القدس، و بالتالي  يخرجوا هذه  الورقة_ الأرنب في عز الانكسار العسكري والسياسي ليحرجوا الآخرين ويغطون على “تعاملهم” مع إسرائيل بأشكال وأشكال ويعوموا أنفسهم. إذا بعد غد الأربعاء تنطلق المفاوضات حول ترسيم الحدود بين لبنان واسرائيل، وسط مخاوف من ان يدفع لبنان اليوم في هذا المسار التفاوضي ما كان يمكن له ان يتفاداه غداة الانسحاب الاسرائيلي في العام ٢٠٠٠ او قبل عشر سنوات، حين كان لبنان أقل عرضة لضغط الخارجي، وفي ظروف مالية واقتصادية افضل حالاً، وفي وضع سياسي واجتماعي أقل تصدعاً مما عليه اليوم. اختيار توقيت اعلان التوصل الى “اتفاق الاطار” الذي صدر عن الرئيس نبيه بري، ومن واشنطن وتل أبيب، جاء توقيته بعد مقدمات لا يمكن تغييبها عن المشهد التفاوضي الجديد، فهو موقف صدر عن  بري وليس مجلس الوزراء، ولا عن اي جهة معنية قانونياً ودستورياً، بدا  بري مستعجلاً في ان يعلن هو شخصياً هذا الاتفاق، من دون ان يستبق الاعلان بتنسيق ولو في الشكل مع بقية المؤسسات الدستورية، وهذا ما بدأ يتكشف من التسريبات من القصر الجمهوري، حول التفاوض لجهة ان لبنان معني بترسيم الحدود البحرية وليس البرية، وان رئاسة الجمهورية لم تكن موافقة على ان يعلن بري ولا اي جهة لبنانية الاتفاق على اطار التفاوض، بل ان يكون الاعلان من الولايات المتحدة الاميركية باعتبارها الطرف الوسيط، لذا كان بيان رئاسة الجمهورية في حينه ترحيبا بالاعلان الاميركي حصرا من دون الاشارة الى ما قاله رئيس المجلس. ولا يفوت المتابع ان توقيت الاعلان ومن  بري نفسه، جاء اثر العقوبات الاميركية التي طالت معاونه السياسي الوزير السابق علي حسن خليل، وهو مؤشر يجب ان يثير القلق لبنانيا، لجهة ان يتم التفاوض على وقع سيف العقوبات، بحيث ان المفاوضات ستجري في ظل سلطة باتت الى حدّ كبير رهينة سيف العقوبات، وجزء كبير من اطرافها بات رهينة ما ارتكبه من فساد وافساد، وقد بات اسير النجاة من هذا السيف ولو على حساب المصالح الوطنية، بل سيسعى الى تقديم نفسه على انه الطرف المناسب لضمان اي اتفاق وهو الأقدر على تسويقه وحمايته، بمعزل ان كان ملائما لمصالح لبنان او العكس. في جانب آخر و هو المتصل ب”حزب الله”، ومن خلفه ايران، اذ ليس من الطبيعي او المطمئن ان يترافق الاعلان عن اطلاق المفاوضات بين لبنان واسرائيل، مع توقف الضربات الجوية الاسرائيلية للمواقع الايرانية وميليشياتها في سوريا، اذ يمكن ملاحظة ذلك هذا الامر الذي يجب ان يثير المزيد من الشكوك عن الأثمان التي يمكن ان يدفعها لبنان في سبيل المصالح الايرانية او تلك المتصلة بوجود حزب الله في سوريا. على ان ما يجب الالتفات اليه، هو عدم ذكر اتفاق الهدنة الموقع بين لبنان واسرائيل عام ١٩٤٩ كمنطلق للتفاوض وذكره في متن اطار التفاوض، باعتبار ان هذا الاتفاق الذي تم باشراف الامم المتحدة يقوم على تأكيد ان خط الهدنة هو خط الحدود الدولية بين البلدين والتي جرى تثبيتها بين بريطانيا وفرنسا في زمن الانتداب عام ١٩٢٤. وهذه الحدود هي مخالفة للخط الأزرق الذي جرى اعتماده في القرار ١٧٠١. اذا كان الجميع في لبنان يدرك ان المفاوضات مع اسرائيل امر صعب وخطر ويتطلب تماسكا داخليا ووحدة الموقف الداخلي خلف المفاوض اللبناني، فان ذلك يتطلب ان تبادر السلطة الى خلق حال من الالتفاف الوطني حول المصالح اللبنانية السيادية والوطنية، تبدأ من دعوة رئيس الجمهورية في الحدّ الأدنى الى تثبيت الخطوط الحمراء التي لا يمكن للبنان التنازل عنها، وهذا يتم بدعوة رؤساء الكتل النيابية الى لقاء في قصر بعبدا، لبحث هذه الثوابت وترسيخها، بما يجعل التفاوض شأناً يتحمل مسؤوليته الجميع وليس وظيفة طرف او جهة سياسية، مهما بلغت قوتهما و وطنيتهما سيكونان اكثر استجابة  للضغوط الخارجية مما لو كان ملف التفاوض يحظى بمظلة وطنية تحد من الابتزاز والمقايضة الفئوية الطائفية او الاقليمية. .. وتبقى الأمور مرهونة بخواتيمها.

(نداء الوطن)



 

 

الممانعة» تُفاوض..«الأمر لي»!

علي الأمين

 في زمن تساقط أوراق "التابوهات" اللبنانية و الاقليمية، التي لطالما كانت شعارات جوفاء رنانة يتلطى خلفها الزعماء بإنتظار اللحظة المناسبة لمحاولة النجاة بأنفسهم، فعلها فريق الممانعة وفي مقدمه "الثنائي الشيعي"، وبدا كمن يقول بصراحة وحماسة شديدتين.." الأمر لنا بموضوع إسرائيل في الحرب كما في التفاوض وما هو ممنوع على الدولة لا ينسحب علينا"! اعلان توقيت الرئيس نبيه بري الاعلان عن الاتفاق على اطار التفاوض حول ترسيم الحدود البحرية والبرية بين لبنان واسرائيل، لم يكن عفويا ولا نتاج تفاوض على هذا الاطار مع الراعي الاميركي، واي متابع لهذا الملف، على رغم الجهود التفاوضية التي بذلت من العام ٢٠١١ وحتى قبلها، كان يدرك ان قرار الترسيم هو قرار سياسي، لا يرتبط بحجم الخلافات الحدودية بين الطرفين، اي ان ترسيم الحدود هو خطوة سياسية تفترض الاقرار والاعتراف بحقوق كل دولة تحت شروط القانون الدولي والعلاقات بين الدول سواء كان هناك علاقات دبلوماسية بينهما او لا. مقتضى الاقرار بمبدأ الترسيم والانخراط في المفاوضات، يعني ان الطرفين يلتزمان باحترام ما يتوصلان اليه من خريطة الترسيم، وعدم القيام باي اجراءات او خطوات يدرجها القانون الدولي كفعل عدوان على الطرف الآخر. لبنان ذهب متحمسا الى هذه الخطوة، ومن بوابة الرئيس نبيه بري، وليس اي طرف آخر، كالحكومة اللبنانية باعتبارها السلطة التنفيذية، ولا رئيس الجمهورية الذي يوكل اليه الدستور واجب الاشراف والتوقيع على المعاهدات الخارجية. الرئيس بري الذي تولى ادارة هذا الملف بالتنسيق العضوي مع “حزب الله”، يدرك ان هذا المسار المتصل بالعلاقة مع اسرائيل، انتقل من الادارة السورية التي تحكمت بهذا الملف في زمن مقولة وحدة المسارين اللبناني والسوري، بعد انطلاق مفاوضات مدريد في العام ١٩٩٢ بين دول عربية واسرائيل برعاية واشنطن، الى مرحلة ادارة طهران لهذا الملف منذ ما بعد العام ٢٠٠٥. من هنا لا يمكن فصل موقف الرئيس بري عن موقف السيد حسن نصرالله، ولا يمكن عزله عن الرعاية الايرانية لهذا الاتفاق. ولعل من ابرز المخاطر التي يتخللها الذهاب في هذا المسار لبنانيا اليوم، يكمن في فهم اسباب الاندفاعة لدى “الثنائي الشيعي” الى توقيت هذا الاعلان اليوم، وليس قبل سنوات، وفي ظروف افضل للبنان مما هو فيه اليوم؟  ليس مقنعاً ان يقال ان لبنان في ظل الانهيار الذي يعانيه على كل المستويات حقق في شروط التفاوض ما لم يستطع تحقيقه قبل خمس سنوات، منطق موازين القوى والسياسة لا يقبل ذلك، وبالتالي فان الأقرب الى المنطق العقلي هو قبول لبنان ما هو معروض عليه من واشنطن وربما اسرائيل. المخاطر تكمن هنا في المفاوض اللبناني الذي يذهب نحو التفاوض مع اسرائيل، فيما سيف العقوبات لا يزال مسلطا، و لامس الرئيس بري وحلفاء الحزب الممسكين بهذا الملف ومن خلفهم ايران، قد رضخوا او قايضوا عملية التفاوض بحسابات ضيقة ولأولويات غير لبنانية.  ما يعزز من هذه الفرضية، هو ما نقله مساعد وزير الخارجية ديفيد شنكر عن تقييمه للاتصالات التي يجريها على هذا الصعيد، وقبل اكثر من عام، اذ قال في لقاءات متعددة، ان قرار المباشرة بالتفاوض حول الترسيم منجز، وان لبنان هو من يتمنع عن المباشرة بالتفاوض لانجاز الترسيم البحري، وهو لم يخف استياءه من “اضاعة الوقت التي لن تكون لصالح لبنان”. وفي زيارته الأخيرة قبل اسابيع الى لبنان، رفض شنكر لقاء المسؤولين اللبنانيين ومن بينهم الرئيس بري، واستجاب اخيرا لطلب لقاء من مستشار الرئيس بري علي حمدان، وكان لقاء بحسب المعلومات، طمأنة واشنطن الى ان لبنان على وشك الاعلان عن موافقته على اتفاق الاطار، ورفض شنكر خلال اللقاء اي محاولة لما سماه “تضييع الوقت” بعدما رفض نقل اي شروط او ملاحظات كان حملها حمدان اليه، واضعا شنكر اياها في اطار المماطلة، معتبرا ان ما انجز هو المعروض فاما يوافق لبنان او يرفض. ليس خافيا ان الرئيس بري كان اعلن غداة انفجار ٤ آب عن انجاز اتفاق الاطار، ولا يمكن فصل هذا الاعلان في توقيته عن تداعيات الانفجار نفسه، كما كان الاعلان عن الاتفاق في توقيته الاحتفالي وقبل مجيء شنكر الى بيروت غير مفصول عن الرسائل التي اطلقها رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو من على منبر الامم المتحدة ضد لبنان ولا سيما في ملف مخازن الاسلحة بين المدنيين، والمسبوق بالتفجير الغامض في بلدة عين قانا في اقليم التفاح، هي حلقات متصلة منها ما هو ظاهر ومنها ما هو خفي، لكنها مهما كانت فان الخلاصة ان لبنان يذهب نحو الترسيم في ظرف عام لا يحسد عليه، بعدما كان قادرا ان ينجز هذه المهمة في ظرف سياسي ووطني واقتصادي افضل. في المقابل فان ما يغري اسرائيل وربما واشنطن، ان الثنائية الشيعية هي من يفاوض وهي من سيوقع، ايّا كانت الشخصيات التي تجلس على الطاولة، وهذا بالنسبة للاسرائيليين يوفر ضمانة لأي اتفاق على هذا الصعيد في حال تم انجازه. لكنه في المقابل هو رسالة غير مرضية نحو الداخل اللبناني، انطلاقا من ان الاطراف الاساسية الممسكة بزمام السلطة والتي تتحمل المسؤولية الكبرى تجاه الأزمة المالية والسياسية، هي من تسابقت من اجل انجاز اتفاق الترسيم، وهي في ذلك تؤكد مجددا المزيد من الليونة والاستجابة لمطالب الخارج، فيما لاتزال مصرة على التشدد تجاه مطلب الاصلاح وحلّ الأزمات الداخلية، كما فعلت مع المبادرة الفرنسية، هكذا سلطة لن تطمئن اللبنانيين، طالما ان ما يحركها ليست مصالح الدولة، بل حسابات حزبية ضيقة وشخصية انانية هي من يقرر مصير لبنان ولا تزال..

(نداء الوطن)


 

عندما تغتال "الثنائية" الشيعية

الوطنية... وتسير في "تشييعها"!

علي الامين

المشهد السافر الذي ظهر مع اعتذار السفير مصطفى أديب عن تأليف الحكومة، هو أن الثنائية الشيعية بقيادة "حزب الله" تختطف لبنان وتمنع انقاذه من الانهيار الشامل الذي يتهدده.

غير ان التلاعب اللاأخلاقي وحتى اللاشرعي بمصير الطائفة كان بدأ منذ عقود، مع هيمنة الوصاية السورية الايرانية على لبنان لعقود مضت، وهي رسخت المحاصصة الطائفية التي استغلتها الثنائية أخيراً للاستئثار بحقيبة المالية وبالتالي تعطيل المبادرة الفرنسية.

آثرت "الثنائية الشيعية" استبعاد الأبناء عن طائفتهم الوطنية وتصفيتهم و"تشييعهم" كرمى لولاية الفقيه من اجل أحقاد وغايات ومآرب لا علاقة لها بالتشيع ولا بالمذهب الشيعي الجعفري.

تحول لبنان الى ورقة كما تحول الشيعة اللبنانيون في مسرح السلطة الى ورقة بيد الديكتاتور ومشغليه، لم يسبق ان كانت الطائفة على هذا القدر من التردي السياسي، جرى افراغها من كل ما يتصل بمفهوم التنوع والحيوية السياسية والاجتماعية، ايّ من جوهر ميزة التشيّع قبل ولاية الفقيه، اي الاجتهاد.

ما تعرضت له الطائفة هو الترسيخ الخبيث لمفهوم الأقلوية في وجدان ابنائها، عبر تعزيز ثقافة سياسية مذهبية، ترسخ فيهم مفهوم الانفصال عن المحيط، والخوف من كل ما يحيط بهم، والتحول الى كتلة بشرية مسوّرة بزنار من السلاح.

لعل الهزيمة الفعلية هي في هذا السقوط المريع والذي سيكون مدوياً في المدى القريب، سقوط نظرية السلاح بكل ما احاط بها من ديماغوجية واستقواء واستعراض، وتغييب لكل حيوية فكرية او سياسية ثقافية طالما كانت الجماعة الشيعية مسرحاً لتفاعلها منذ نشأة دولة لبنان الكبير والى ما قبل استحكام الأحادية بالجماعة الشيعية بمظلة ولاية الفقيه والاستقواء بالسلاح. انه سقوط لمقولة ان "القوة هي في امتلاك السلاح والصواريخ الدقيقة وغير الدقيقة".

‏المواطن السوري الموالي لنظام الأسد، يبحث عن كسرة خبز فلا يجدها، ولكن يجد بشار الاسد منتصراً ومنتشياً، انها الهزيمة بعينها، حين يفصل رئيس الدولة بين قصره وحاشيته الفاسدة من جهة وبين شعبه المنكوب والجائع، ما معنى ان تكون رئيساً ومسؤولاً لشعب منكوب، ان تزيد من جوعه والمه وتشرده؟ على هذا المنوال يسير اللبنانيون في طريق سلطة الفساد والافساد والنهب، لقد جرى تدمير الاقتصاد والدولة تحت ظلال السلاح.

لا معنى لكل الشعارات والادعاءات بالمقاومة حيناً ومحاربة الارهاب حيناً آخر، اذا كان المستقوون بها على شعبهم، لا يستفزهم نهب المال العام ولا الفساد والافساد، بل يبررونه ويمارسونه بذريعة الوحدة والمقاومة، بل يبتهجون بضعف الدولة واضعافها وتعظيم الدويلة.

هنا البؤس والانهيار والهزيمة.

حين يأنس الديكتاتور بالمصفقين له، وهذا وصف متساهل لنماذج حكامنا في لبنان، حتى لا نقول رؤساء عصابات ومافيات، تغويه لعبة التصفيق والتأليه والتنزيه، وهكذا تتحول السلطة الى فعل اشباع للأنا القاتلة، ولعل المأساة اللبنانية، شاهد على هذا النزوع لدى متزعمي الطوائف "المعصومين" المعتدّين بانهم أقوى من الدستور والقانون وأعلى من قواعد الدولة وشروطها.

على هذا المنوال جرى اختزال المواطنين والطوائف والمذاهب، ولكن المأساة الكبرى تكمن في ما آلت اليه الطائفة الشيعية التي صارت "ببراعة" زعيمها ومعاونه محاطة بالاعداء من كل صوب، لا رأي ولا عقلاء ولا اجتهاد، ولا تبصر ولا حكماء ولا رأي فيها لعاقل او حكيم، لا مجلس فيها ولا رفيق يؤنس وحدة الزعيم، لعل ابرز ما يميّز مسار استحكام الأحادية في الطائفة الشيعية ومصيرها ومسارها، ان ما يمكن ان نطلق عليه النخبة الشيعية اصطلاحاً، باتت اما خارج البلاد، او منكفئة امام سلاح التكفير والتخوين والغوغاء، ولعل المفارقة أنه في زمن صعود السلطة الدينية، يفتقد الشيعة اليوم اي حضور لأي نموذج في هذه المسيرة لشخصية تحظى بحضور عربي أو اسلامي وحتى لبناني، يتجاوز حدود العزلة وثقافتها.

يفتح مشهد ما يسمى الثنائية الشيعية، بمعنى ادق الأحادية الشيعية، في زمن سيطرتها ونفوذها، على واقع فيه الكثير من الخداع والالتباس، بل على حقيقة الجدار الذي وصلت اليه، وهي تقف امام الحقيقة العارية، تلك الحقيقة وبعد اربعين عاماً على بدء صعودها، تجد ان ما قدمته من نماذج على صعد بناء الدولة والحياة، امام فراغ هائل، يملؤه وهم القوة المذهبية التي لا تنتج الا استقواء على بقية المواطنين، وتراكم خوف مقيم من كل ما يحيط بها.

(نداء الوطن) البيروتية

بري يختبىء من العاصفة الحكومية.

. ويعود الى «الآحادية الشيعية»!

علي الأمين

 لعل دهاء الرئيس نبيه بري دفعه الى الإلتفاف على المبادرة الفرنسية التي أصابت منه خللا و”تخلخلاً” بعد العقوبات على ساعده الأيمن علي حسن خليل وإمتصاص الصدمة والإختباء وراء “الزهد الحكومي” حتى هدوء العاصفة الدولية الهوجاء التي قد تستفرد به وتقتلعه هذه المرة. من الواضح ان بري أجرى قراءات عدة لخطوة إنزال العقوبات فوق رأسه شخصياً، ورأى فيها أبعادا اقليمية تتجاوزه وتتخطى الموضوع اللبناني ومنها المحاولة الأميركية لتصفية جزء من حساباتها مع الفرنسيين على خلفية العقد السياسي الجديد ولعل الحكومة لبنته الأولى، فآثر حفظ رأسه وجوباً وإحتياطاً و:السير بين النقاط”، ونفذ استدارة سياسية شيعية خارج “الثنائية” محسوبة النتائج لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حرق مراكب “حزب الله” وقفز منها قبل غرفها، بإعلانه بهدوء وباسمه الشخصي انه أبلغ الرئيس المكلف من “عندياتنا وتلقائنا عدم رغبتنا بالمشاركة في الحكومة مع الإستعداد للتعاون من أجل إنقاذ لبنان”، في أحادية إنفكاك فاقعة عن حليفه الثنائي “حزب الله”. ولم يفت بري “تبكيلها” لا تكبيلها مع الفرنسيين فأفصح ان المشكلة داخلية وليست معهم، في محاولة فصلهم صوريا عن المطالب الحكومية لتشكيلها التي أوحى بأنها شبه تعجيزية عبر تغليب الاختصاص على كل الولاءات مع “النكز” من قناة “الاستقواء بالخارج وعدم اطلاق مشاورات”.  ما سبق من خطوات يرتدي أهمية أيضا، فعندما بشّر بري اللبنانيين بخواتيم سعيدة لترسيم الحدود البحرية مع اسرائيل، كان ذلك في ٥ آب المنصرم، اي اثر الانفجار الكارثي الذي طال المرفأ في بيروت،   أكد بري أن المفاوضات التي يخوضها مع الأميركيين لترسيم الحدود البحرية الجنوبية «وصلت إلى خواتيمها»، متوقعاً أن يحمل الموفد الأميركي ديفيد شينكر إجابات إسرائيلية بهذا الخصوص قريباً، ومتوقعاً أيضاً انعكاسات إيجابية لهذا الموضوع على الوضع اللبناني. جاء ديفيد هيل وجاء شينكر بعده الى بيروت، وكان اعلان الأخير عدم رغبته بلقاء المسؤولين الرسميين في لبنان، وقصر لقاءاته على قوى معارضة ومن طيف انتفاضة ١٧ تشرين ومن المجتمع المدني، اعلان غير مباشر عن فشل او عدم تقدم في المفاوضات بشأن الحدود البحرية، على رغم تبشير الرئيس بري بخواتيمها السعيدة. في المعلومات المستقاة من مصادر معنية في هذا الشأن لبنانياً واميركياً، تشير الى ان زيارة وزير خارجية ايران محمد جواد ظريف الى بيروت التي تزامنت مع زيارة هيل اليها، حمل ظريف خلالها نصيحة الى الجانب اللبناني ولاسيما الرئيس بري بتأجيل ملف الترسيم وعدم بته، وبحسب المتابعين، فان هذه الورقة يمكن تأجيلها الى حين انقشاع الأفق الاقليمي والدولي، ولا سيما أن ايران ليست في مرحلة مستعدة فيها لخوض حوار جدي مع واشنطن قبل معرفة نتائج الانتخابات الاميركية الرئاسية المقبلة، وبالتالي فان حسم هذه الورقة مع اسرائيل اليوم ينتزع من يد طهران احد الاوراق المهمة في ملف التفاوض المتشعب مع واشنطن. الرسالة وصلت الى واشنطن، لكن الرئيس بري الذي لا يريد ان يقطع شعرة معاوية مع واشنطن، حرص عند زيارة شينكر الى بيروت، ايفاد مستشاره لنقل رسالة الى شينكر الذي التقاه، ومفادها التأكيد على موقف بري الايجابي وارفقه بجملة اسئلة، وصفها شينكر بحسب المصادر المتابعة، انها محاولة جديدة لتمييع الملف، معتبرا ان هناك محاولة التفاف من الرئيس بري على ما انجز. جاءت العقوبات الاميركية على المعاون السياسي للرئيس بري  خليل مطلع الاسبوع المنصرم، لتلقي الضوء مجدداً على ملف الترسيم، اذ جاء في بيان رد حركة أمل على هذه العقوبات “..وكشفاً للحقيقة ان اتفاق السير بترسيم الحدود البحرية في الجنوب اللبناني اكتمل مع الولايات المتحدة الاميركية ووافقت عليه بتاريخ 9/7/2020 وحتى الآن ترفض توقيت اعلانه دون أي مبرر “.  اعلان هذا الموقف من قبل “امل” يشير بحسب المتابعين الى سعي الرئيس بري الى تجاوز ما جرى من عراقيل، وهو ما يعتقد انه سيكون محل اختبار في الزيارة المرتقبة لشينكر قريبا الى بيروت، وبالتالي ستتظهر الصورة الفعلية اي الوصول الى اتفاق ام ترحيل ملف الحدود الى مرحلة مقبلة تناسب حسابات طهران؟ على هذا المنوال يمكن النظر الى تشكيل حكومة مصطفى اديب، ففي ظل الاندفاعة الاميركية نحو فرض المزيد من العقوبات على افراد ومؤسسات لبنانية بتهم مساعدة “حزب الله” او الفساد، اعادت الثنائية الشيعية حساباتها، على قاعدة عدم الرضوخ الكامل للمبادرة الفرنسية، من باب التعبير عن الاحتجاج لا الرفض لها، وشكل موضوع وزارة المالية المدخل المناسب لها، عبر التمسك بتوليها من قبل وزير شيعي تسميه، وما رشح عن اتصال بين الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون والرئيس بري يظهر ان الأخير متمسك بشيعية وزير المالية، من دون ان تتضح طبيعة الموقف الفرنسي الذي قد يعمد الى مراعاة شيعية الوزير وعدم مراعاة ان يكون مسمى او قريبا  من حركة امل وحزب الله، اي عبر تعيين وزير شيعي مستقل. سيف العقوبات المسلط اميركيا على رقاب القوى السلطوية في لبنان، اربك العديد من القوى السياسية في اتجاهاتها المختلفة، لاسيما مع ما يتردد من ان العقوبات لن تقتصر على جهات حليفة تقليديا لحزب الله، انما قد تطال شخصيات معارضة له تقليديا وقريبة من الرئيس سعد الحريري، وهذا ما يفسر غياب المواقف السياسية المتضامنة مع الوزير علي حسن خليل من جهات سياسية حليفة لحركة امل ومن صلب فريق ٨ اذار، اذ لو ان حادثا عرضيا كان تعرض له معاون الرئيس بري، لكانت الاتصالات والبيانات والمواقف من مختلف القوى والجهات قد انهالت عليه من كل حدب وصوب، فيما عمليا كانت الادانة او شبه الادانة للعقوبات التي طالت الوزيرين السابقين خليل ويوسف فنيانوس، مقتصرة على الجهات الحزبية المستهدفة، لا رئيس الجمهورية استنكرها ولا رئيسي الحكومة حسان دياب و ومصطفى اديب رفضاها، ولا سواهما من وزراء ونواب واحزاب وهيئات باستثناء المجلس الشيعي الذي ايقظته العقوبات من سباته. من الثابت ان المبادرة الفرنسية في لبنان، باتت تشكل حبل النجاة السياسي للمنظومة الحاكمة، وهي بالأحرى الخيار السيء المتاح امام الخيار الأسوأ بالنسبة لهذه المنظومة، لذا فان عملية تشكيل الحكومة مهما بلغ في مضمونها من تحجيم حضور “المنظومة” في الحكومة، فهو أقل سوءً من تداعيات فشل المبادرة الفرنسية، لا سيما أن القرار الدولي بات حاسما تجاه تغيير قواعد السلطة في لبنان بالمعنى الذي يحرر الدولة من سطوة السلاح والفساد الى حدّ ما، ويعيد ترتيب الاوضاع الداخلية بما ينسجم مع مطالب شعبية متنامية ضد السلطة، ومع متطلبات الحياد الناشط الذي بات معبرا لأي عملية انقاذ جدي، او وقف للانهيار المريع للمؤسسات والمجتمع. الرئيس بري يدير عملية تراجع الثنائية الشيعية وانكفائها النسبي، لذا حرك مجموعة من القريبين منه باتجاه اكثر من جهة دولية ولا سيما الاميركيين، وحملهم رسائل مفادها الانفتاح على كل ما يعزز الاستقرار في لبنان، وسعيه لأن تكون علاقات لبنان على افضل حال مع المجتمع الدولي ولا سيما الادارة الاميركية. في كل الأحوال الأوضاع ليست بخير،  و اللبنانيون يكتوون ويتحرقون إنتطارا  لما ستؤول اليه الأوضاع في ظل شعور تشاؤمي عام، بالتزامن مع توقعات بأن يقدم الرئيس المكلف تشكيلته الحكومية المعدلة خلال ٤٨ ساعة الى رئيس الجمهورية،  والتي نمي انها قد تكون “خاليه الدسم”.. ليبنى على الشيء مقتضاه وتبدأ معها جولة عقيمة جديدة في البلاد!  

(نداء الوطن)   البيروتية

 

متى يكتشف الفرنسيون

ألاعيب السياسيين اللبنانيين؟!

 

علي الامين

 

يبدو ان ساسة لبنان يجرون "بروفات" على التملّص من "العقد السياسي الجديد"، عبر ممارسات تؤكد المؤكد بالنسبة اليهم: لا تراجع عن نظام المحاصصة تحت شعارات الميثاقية الجوفاء التي ستظل جاثمة فوق صدور اللبنانيين.. "شاء من شاء وأبى من ابى"!.

اركان السلطة المتسلطة يراهنون على خوار قوة اللبنانيين في بيوتهم كما في ساحاتهم، عبر سحب بساط الدعم عن سلعهم الاساسية و يهزمون ما تبقى من شريحة لا تزال صامدة ضد "العدوان الإقتصادي" عليهم، ويلحقون بالطبقة المتمددة تحت خط الفقر.

الفرنسيون والمجتمع الدولي من خلفهم، سيكتشفون عاجلاً أم آجلاً الاعيب وبهلوانيات العهد وصهره و"الثنائي" الذين يعطونهم "من طرف اللسان حلاوة".. وما أوتيوا من دهاء فطري وسياسي.. كي يبقى الوضع كما كان عليه.

حتى آخر العام الحالي ستكون سياسة دعم المواد الاساسية، لا سيما المتصل بالمشتقات النفطية والدواء وبعض المواد الغذائية الرئيسية امام حائط مسدود، بعدما أعلن حاكم مصرف لبنان ان ما تبقى من احتياطي مالي في المصرف يكفي لأشهر قليلة، وبالتالي سيكون لبنان امام مشهد اكثر مأسوية مما كان عليه منذ بدء الانهيار المالي نهاية العام المنصرم حتى اليوم، وسط سياسة المزيد من الشيء نفسه التي تعتمدها السلطة، من خلال منع اي محاولة تغيير اصلاحي نوعي في ادارة الشأن العام، وعبر الاصرار على التمسك بالسلطة من خلال محاولة الالتفاف على المبادرة الفرنسية، عبر تشكيل حكومة ظاهرها محايد، وجوهرها ملتزم بإمرة الطبقة الحاكمة، وهذا ما تكشف عنه المداولات الجارية بين اطراف السلطة والرئيس المكلف مصطفى اديب، التي تؤكد ان تشكيل الحكومة لم يزل تحت سقف المحاصصة مع حدود من مراعاة الفرنسيين في بعض التسميات، ومجافاة مطالب الانتفاضة التي دعت ولا تزال الى حكومة من المستقلين، وانتقالية تمهد لانتخابات نيابية مبكرة.

في زيارته الى بيروت لم يكن مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر، متفائلاً بالمبادرة الفرنسية، انطلاقاً من ان الأزمة التي يعاني منها لبنان، باتت تتطلب خطوات جذرية على المستوى السياسي، تنقل لبنان من مرحلة الخضوع لـ"حزب الله"، الى مرحلة تحرر الدولة ومؤسساتها من هذه السيطرة التي ادت الى استعصاء الاصلاح من جهة، وعدم وجود مصلحة لـ"حزب الله" باستعادة شروط الدولة بالكامل، لذا هو يرجح ان المبادرة الفرنسية ستصطدم بواقع صلب، طالما انها لم تذهب الى العناوين الجوهرية المتصلة باصل المشكلة وهي منظومة السلطة التي تخضع لـ"حزب الله" وتسير في مسار تدمير لبنان.

الموقف الاميركي من عدم الدخول في عملية تشكيل الحكومة، بوضع معايير للتعاون معها، تتجاوز المطلب التقليدي الذي يتكرر عند تشكيل اي حكومة، اي مطلب عدم ضم اي ممثلين لـ"حزب الله"، يمكن فهمه بعدم الرغبة في الدخول في تفاصيل غير مجدية لواشنطن، انطلاقاً من ان الحكومة المزمعة لن تحقق التغيير او الاصلاح، وبالتالي فان الاشهر المقبلة سوف تكشف الواقع البائس من دون ان تستطيع هذه الحكومة ولا الفرنسيون انفسهم من مواجهته.

وما يؤكد تجذر سلوك المحاصصة في اداء السلطة - وهو لا يحتاج الى تمعن او تحليل - أن الجدل القائم اليوم بين اقطاب السلطة لا سيما على مستوى الثنائية الشيعية وفي قصر بعبدا، هو كيفية تقاسم النفوذ وتعزيزه، من خلال الاصرار على تسمية الوزراء، وبحسب المعلومات، فان الرئيسين ميشال عون ونبيه بري، يحاولان ان يضمنا تمثيلاً وزارياً، يحول دون اظهار اي اشارة واضحة لتغيير في آلية التمثيل المعتمدة منذ سنين، بحيث ان الرئيس عون يريد ان يوجه رسالة الى المسيحيين واللبنانيين عموماً، ان كل ما جرى لن يهز حجم تمثيل "التيار الوطني الحر"، وكذلك الرئيس بري الذي يسعى الى حسم الجدل منذ البداية، بانه هو من يسمي الوزراء الشيعة بعدما احال "حزب الله" اليه هذه المهمة ولو شكلاً في الحدّ الأدنى.

ربما الرئيس مصطفى اديب كان يحاول ان يتجاوز اقرانه من رؤساء الحكومات السابقين، فما جرى تسريبه خلال لقائه مع ممثلي الثنائية الشيعية، قبل يومين، وتعليقاً على ما نقل اليه من الرئيس بري، بأن الأخير سيرسل له ثلاثة اسماء مرشحة لوزارة المالية من الشيعة، فيختار اديب واحداً منهم. الرئيس المكلف قال انه هو من يرسل اسماء ثلاثة مرشحين ولبري ان يختار واحداً منهم.

هذه الرسالة ربما تعكس جانباً من محاولات تغيير قواعد التشكيل، التي لن يقبل بها الرئيس بري ولا "حزب الله"، لكن بري الذي يكتم غيظه، لن يعدم وسيلة من اجل تفجير غضبه، وفي خضم محاولات الاستحواذ على اكبر قدر من الحقائب والتمثيل، يبدو الرئيس ميشال عون الأكثر قابلية لتفجير الخلاف حول الحكومة، فثمة رهان لدى العديد من الفرقاء من معارضي العهد او شركائه، على ان الرئيس وصهره، لن يقبلا بما يعتقدانه ظلماً للتيار في التمثيل الوزاري، وعملية التربص تبدو متبادلة بين اقطاب السلطة ولا سيما فريق الأكثرية النيابية، تربص يستند الى رهان من سيعلن الرفض لتشكيلة الحكومة، ليخفف عن الآخرين اعباء الرفض وتحمل تبعاته امام الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون.

اختبار تشكيل الحكومة يفتح هذه المرة باباً امام الرئيس المكلف، لفرض حكومة بشروطه او بشروط المبادرة الفرنسية، وهو اختبار يفترض تسليم "حزب الله" فعلياً بالنأي عن عملية التشكيل، وقبول الرئيس بري بألّا يكون هو من يسمي كل الوزراء الشيعة، والأهم تسليم الرئيس عون بأن تشكل حكومة لا يكون الرئيس وصهره بيضة القبان المسيحية فيها..

المبادرة الفرنسية والتربص الاميركي بها لا يختلفان عما يجري داخل فريق الأكثرية، وهي حالة مستمرة على وقع الانهيارات المنتظرة والمرتقبة لبنانياً وقدرة الاستثمار في الخراب العميم الذي لا راد له على ما تشي السياسات المحكومة بالمحاصصة والافساد في سلطة لبنان الحاكمة والمتحكمة.

(نداء الوطن) البيروتية

 

بعد دياب «العاشق» وأديب

«المشتاق».. ماذا يحل باللبنانيين؟!

علي الأمين

 لم يكد يتنفس اللبنانيون الصعداء بعد توديع “العاشق” حسان دياب حتى أتاهم  :المشتاق” مصطفى أديب. أوجه الشبه كبيرة بالشكل مع الإختلاف بخلفية التسمية التي حظي أديب بمظلة دولية محلية تجعله يتفوق على خلفه بالنقاط  اسمان لشخصيتان أكاديميتان سنيتان مغمورتان، نُفض عنهما الغبار السياسي لترؤس حكومتين في أكثر الظروف حراجة، ولم يتذوقا طعم السلطة من قبل، فأقبلا عليها بعرفان الجميل و استخدما الخطاب الرنان الطنان الشعبي والشعبوي في آن، مع فارق ان دياب عرف عرف ما ينتظره من نهايته المدوية، فيما أديب لم يمت ولا يريد ان يرى من مات. قدر أحمق الخطى ينتظر شريحة كبيرة من ثوار وفقراء وضحايا لبنان. فبين ليلة وضحاها، سقط القناع البشع  تلو القناع الأبشع أكثر فأكثر عن وجوه السلطة، لتضع حراكهم و تضحياتهم في مهب الريح و إعادتهم الى المربع الأول الأشد سوادا، وعليهم ان يستنهضوا قواهم الخائرة بفعل السلطة الفاشلة والمارقة التي سلبتهم أرواحهم وعافيتهم وأرزاقهم وانزلتهم الى مادون خط الفقر. لم تكن تسمية السفير المعيّن مصطفى اديب رئيسا للحكومة نتاج استجابة لانتفاضة اللبنانيين، بل حصيلة جهد فرنسي باركه امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، واستجاب له رئيس الجمهورية ميشال عون، وخضع له رؤساء الحكومات السابقين الذين استجابوا لمطلب ان تنطلق التسمية من قبلهم، في خطوة تزيد من ترسيخ اعراف مخالفة للدستور، مفادها ان تسمية رئيس الحكومة تتم قبل الاستشارات النيابية الملزمة، ويأتي تعيين موعد الاستشارات ليثبت النواب هذه التسمية. واذا كان رئيس الحكومة المستقيلة حسان دياب، هو اختيار صاف ل”حزب الله”، فان مصطفى اديب كما تشير المعلومات هو اختيار فرنسي بالدرجة الأولى، اختيار لا يزعج “حزب الله” طالما أنّ التسمية ترافقت مع اتصالات فرنسية مع ايران وساهمت الدولة الالمانية في انضاج القبول الايراني ليس بتسمية اديب، بل في الدخول في مرحلة جديدة في لبنان، تقوم على انضاج حكومة تضع مسارا اصلاحيا يقوم في الدرجة الأولى على المباشرة باصلاح قطاع الكهرباء، والدفع بمسار التحقيقات المالية في مصرف لبنان، والانخراط في مسار تعاون سريع مع صندوق النقد الدولي. التفاهم الفرنسي الايراني بمظلة المانية، ترى فيه مصادر سياسية انه تفاهم الوقت الضائع، وهو يعكس حال الاستعصاء الذي يعانيه لبنان حيال التغيير في بنيان السلطة التي تعاند اي تغيير جدي واصلاحي. الرهان الفرنسي يقوم على استثمار هذه اللحظة السياسية، من اجل استعادة زخم الفركفونية، بالتقاط حاجة ايرانية لتخفيف الضغط الدولي والأميركي تحديدا على منظومة السلطة التي تحكم بقوة حزب الله في لبنان من جهة، ومحاولة تنشيط دورها في لبنان في سياق حماية دورها في شرق المتوسط من جهة ثانية في ظل احتدام المواجهة الاقليمية والدولية حوله. وعلى رغم اعلان السفيرة الاميركية في بيروت أنها غير معنية بالمبادرة الفرنسية، فان الاوساط السياسية المتابعة للجهود الفرنسية، تلفت الى ان واشنطن ان لم تكن مؤيدة فهي غير معارضة، وترجح وجود “قبة باط” اميركية لا تلزم واشنطن بدعم الحكومة، ولا تقوم بعرقلة مسارها اسوة بموقفها من الحكومة السابقة. مصادر متابعة للقاء رؤساء الحكومات السابقين، تشير الى أن جوهر المبادرة الفرنسية لا يتوقف عند تسمية رئيس الحكومة، بل يتعداها نحو خطوات عملية تتصل بتشكيل الحكومة، لعل ابرزها الاتيان بحكومة تكنوقراط، يعين وزراءها الشيعة الرئيس نبيه بري، ولا وجود مباشر فيها ل”حزب الله”، ويتراجع فيها نفوذ جبران باسيل ولا سيما في وزارتي الطاقة والاتصالات، اللتان يعتقد انهما ستكونان في عهدة وزراء من خارج الانقسام السياسي الذي كان وبالا عليهما. في المقابل فان الثابت في وسط هذه المبادرة الفرنسية، غياب اي حضور عربي يعكس وجود دور فاعل في عملية تخريج المشهد الحكومي الجديد، من دون ان نغيب الدور المصري الذي بدا مشجعا على دعم المبادرة الفرنسية، فيما غاب عن المشهد اي دور سعودي في هذه المبادرة، وهو ما يؤشر الى انكفاء، او عدم اقتناع بالمبادرة الفرنسية التي لا تلبي السياسة السعودية تجاه لبنان، والتي لا ترى مجالا للحلول من دون الذهاب الى صلب موقع لبنان في المعادلة الاقليمية.  ويبقى لبنان حقل تجارب إقليمية لاختبار “فأرة التوافق” المزمنة، التي أضيف عليها المكون الدولي لإنجاحها ولو بالترهيب والترغيب، على الرغم من تلوع اللبنانيين من هذا التوافق الذي يأتي على حسابهم أولاً و أخيراً.. وعلى قاعدة ربما إسأل “مجرب ولا تسأل حكيم”!. 

 

(نداء الوطن) البيروتية

 

 

(حزب الله) يأكل حليفه الشيعي..

والجنوب يستعيد حرب إقليم التفاح!

علي الأمين

 لم يسبق ان تحول مناصري “الثنائي الشيعي” الحليف الى الأخوة الأعداء( الأعدقاء)، منذ نهاية حمام الدم في حرب إقليم التفاح التي أشعلها تمدد نفوذ “حزب الله” ومحاولته تغيير وجه الشيعة من لبناني الى إيراني، والتي يُسجل لرئيسها الرئيس نبيه بري انه أول من إستشعر بهذا الخطر وانتفض للحد منه رغم انها كلفت حرباً  استغرقت على مدار سنتين بين عامي ٨٨ و ٩٠، و ذهب ضحيتها عشرات القتلى والجرحى من أبناء “الشيعة المظلومين” من “حزب الله” وحركة “أمل” قبل المصالحة الشهيرة. غير ان مسار الأمور منذ ذلك الوقت لم يكن مستتباً بالكامل، فالنار خامدة تحت الرماد، سرعان ما بشعلها إشكال من هنا واحتفال من هناك، الا ان تغير المشهد كليا في مناسبة تعليق صور يافطات مع بداية ذكرى عاشوراء، فأهرق “حزب الله” دماء “أمل” بفعل “القلوب المليانة” التي انفجرت سريعا ليستعيد صورة من حرب “السنتين الشيعية”. يترقب اهالي القتيل حسين خليل في بلدة اللوبيا ما ستصدره المحكمة العسكرية، بشأن العنصرين من “حزب الله” اللذين يشتبه بأنّ احدهما كان وراء قتل المغدور الذي ينتمي الى حركة أمل، والذي كان اصيب منتصف الاسبوع الماضي في بلدته على اثر خلاف بين انصار التنظيمين المتحالفين، نشأ بسبب خلاف على تعليق اعلام ويافطات بمناسبة ذكرى عاشوراء، وغداة خطاب امين عام “حزب الله” الذي دعا الى رفع الاعلام واليافطات في الاملاك العامة والخاصة في هذه المناسبة. واللوبيا بلدة تقع ضمن قضاء الزهراني وهي المنطقة الوحيدة في الجنوب التي يمكن الحديث فيها عن نفوذ لحركة أمل يتجاوز نفوذ “حزب الله” او يوازيه، بخلاف مناطق الجنوب الأخرى التي رسى النفوذ الغالب لحزب الله على حساب “الحركة” وكشفت الانتخابات النيابية هذا الواقع من خلال التباين الواسع بين اصوات مرشحي الطرفين، والتي كشفت عن تفوق جلي لمرشحي الحزب  من حيث عدد الاصوات. لم يسبق في الربع القرن الأخير ان تم تناول امين عام “حزب الله” من قبل مناصري “أمل” وبشكل علني، كما فعل اهالي بلدة اللوبيا اثناء تشييع ابن بلدتهم الى مثواه الأخير، وهذا ربما ما استدعى قيادة الحركة الى ادانة هذه الشعارات المنددة بنصرالله، وهو ما دفع بالمقابل بعض مناصري “أمل” الى القول أن “حزب الله” لم يصدر حتى بيانا يدين الجريمة او يعزي أهل المغدور، وبقي صامتا من دون اي موقف يوازي الجريمة، ويتصدى لتداعياتها. سلم “حزب الله” عنصران للمحكمة العسكرية، من دون ان تتضح اسباب تسليمهما لهذه المحكمة، سوى ما يشاع عن ان سطوة الحزب على هذه المحكمة هي ما يفسر هذا التصرف، علما ان الجريمة حصلت بين اطراف لا ينتمون الى السلك العسكري، ولا الجريمة من الجرائم الارهابية، وبالتالي فهي جرت بين مدنيين وان كانوا ينتمون لأحزاب لبنانية. في الرد الفعل الأولي بعد الجريمة، جرت تهديدات مباشرة من قبل بعض ابناء عائلة المغدور خليل لأهالي المشتبه بهما باطلاق النار الذي ادى الى مقتله، وتم الاعتداء على بعض البيوت التي تعود لعائلة المشتبه به، وفي هذا السياق ينقل مقربون من عائلة المغدور في اللوبيا، الى أن المشتبه به اعترف باطلاق النار والقتل، علماً ان مصادر متابعة “للحادث الخطير” في قضاء الزهراني، تشير الى ان المغدور قتل برصاصة مسدس، وليس برصاص بندقية حربية، وتضيف ان احد الموقوفين في المحكمة العسكرية كان بحوزته مسدس يرجح انه وراء تنفيذ الجريمة. الأحاديث والانفعالات والتهديد والوعيد، على لسان حال رفاق خليل وابناء بلدته وعائلته، واجواء التوتر انتقلت الى اكثر من بلدة، بموازاة جهود تبذل من قبل طرفي الثنائية الشيعية، لمنع تمدد التوتر ومحاصرته.  وفي هذا السياق تجري اتصالات لايجاد مخرج لهذه القضية المحرجة، ذلك ان “حزب الله” لم يسبق ان كان عرضة لأن يكون احد عناصره في يد القضاء ومتهم في قضية قتل، وهي جريمة وقعت داخل البيئة الشيعية، اي ان معالجتها من خلال المحكمة العسكرية غير كافية اذا لم يقتنع اهالي المغدور وحركة “امل” بأي مخرج لا يحظى بأدلة دامغة تدين القاتل، سيما ان لا اطراف سياسية او امنية كانت موجودة اثناء المواجهة التي ادت الى مقتل خليل، باستثناء عناصر حركة “امل” و “حزب الله”، وهي بالطبع اعقد من قضة مقتل الطيار سامر حنا قبل نحو عشر سنوات، التي امكن للحزب  معالجتها، من خلال الدوائر القضائية والعسكرية. وفي هذا السياق بدأت محاولات تسريب اخبار ومعلومات لم تلق استجابة من اهل المغدور، بالقول ان طلقا ناريا من طرف ثالث ومجهول، ادى الى مقتل خليل، اي ان عناصر “حزب الله” ليسو هم من نفذوا عملية اطلاق النار المشؤومة. واللافت في سياق رصد التداعيات لما جرى في منطقة الزهراني، قيام بعض مناصري حركة “امل” باستحضار صور قيادات امل الذين تم اغتيالهم (اواخر الثمانينات) من قبل “حزب الله” كما تزعم حركة امل، اي داوود دوود ومحمود فقيه وابو حسن سبيتي، وضموا اليهم صورة حسين فقيه، ويمكن ملاحظة العديد من الشعارات والمواقف المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، التي تظهر حجم الغضب من “حزب الله” بسبب هذه الجريمة. التوتر على مستوى الشارع لم يتراجع، وحمل السلاح بشكل علني وامام القوى الامنية والعسكرية الرسمية مستمر، فيما يظهر بشكل واضح ان المعالجات تتم على مستوى حزبي، في وقت تتنامى مظاهر الغضب لدى مناصري “أمل”، خصوصا أن بعضهم بات يتحدث بصوت عال عن ان وراء ما جرى رسالة سياسية مفادها انه هو الذي يمسك بالشارع، وحتى في ما تبقى من مناطق نفوذ حركة أمل، وهي رسالة استباقية تستهدف اي محاولة للخروج عن سطوة الحزب وسيطرته، والتي يشكل تعليق الاعلام واليافطات عنصر سيطرة واستقواء، ووسيلة لاستعراض القوة، لاسيما بعدما جعل منها امين عام “حزب الله” بمثابة مهمة الهية، الغاية منها توجيه رسالة الى كل اللبنانيين والى داخل البيئة الشيعية، مفادها ان كلمة “حزب الله” هي العليا.

(نداء الوطن) البيروتية

 

اللبنانيون يحولون «محنة»

دمار بيروت الى «منحة»

لإسقاط «سلطة الإذلال»!

علي الأمين *

يبدو ان اللبنانيين تلقفوا هذه المرة الفرصة الأخيرة، التي منحتهم إياها الدول الراعية والمانحة وفي مقدمها فرنسا، بفعل هول دمار بيروت، الذي سوى جزءا حيويا منها بالأرض، وأزهق بالمجان أروحاً لا تعرف بأي ذنب قُتلت سوى انها تعيش في زمن دولة فاسدة “مارقة” يحركها حزب الله بين أصابعه، وخلفت جروحا وندوباً موغلة في الجسد والروح والذاكرة.  اللبنانيون على الرغم من انهم لا يزالون تحت وقع الصدمة، إلا انهم يتشبثون بلحظة الأمل “الدموية” بأسنانهم وأظفارهم، و شمروا عن سواعدهم وإستعادوا ساحاتهم بسلميتها وصخبها و”عنفها الثوري” للتعبير عن غضبهم المكبوت من جراء سلطة الإذلال والإهمال التي يعيشون تحت نيرها، وإنقاذ وجوههم  و وجودهم، و ما يمكن إنقاذه من وطنهم الممزق، والتصدي لنظام الفوضى الذى أرساه “حزب الله”، عبر إتيانه بحكومة نفح فيها من روحه، بالتكافل و التضامن “السلبي” مع عهد ينكث بكل العهود،  أوصلتهم الى ما وصلوا إليه. إذا لبنان دولة فاشلة. هذا ما يقوله اللبنانيون عمليا في كل ما عبروا عنه من غضب تجاه منظومة السلطة، اثر النكبة التي اصابت لبنان من خلال التفجير الذي وقع في مرفأ بيروت، وهذا ما يقوله العالم المندفع لمساعدة لبنان للخروج من النفق الذي دخل فيه منذ تفجير اكثر من الفي طن من مادة نترات الامونيوم، ففرنسا والولايات المتحدة الاميركية وغيرهما من الدول، اعلنت من دون تردد، انها ستقدم مساعداتها مباشرة الى الشعب اللبناني. وخلال  مؤتمر المانحين لمساعدة بيروت والشعب اللبناني، الذي عقد في باريس افتراضيا امس، اعلن ان المساعدات سيتم الاشراف عليها من خلال الأمم المتحدة، وهي رسالة قوية للحكومة اللبنانية بأن لا ثقة دولية تجاه الحكومة وكل منظومة السلطة في لبنان، وهي مؤهلة لايصال المساعدات الى مستحقيها. هذه الرسالة الدولية، تأتي استجابة لأصوات المنكوبين الذين اعلنوا من بيروت وامام الملأ وخلال زيارة الرئيس الفرنسي اثر الفاجعة، انهم يرفضون ان تتولى الدولة اللبنانية ومؤسساتها استلام المساعدات وتوزيعها على المنكوبين ومن يستحقها. هذه الرسالة القوية والمؤسفة في آن، بسبب ما وصلت اليه الدولة اللبنانية ومؤسساتها من فشل وتلاش، تعطي الاشارة الى ان لبنان بات على اهبة الدخول في مرحلة جديدة، بعدما فشلت السلطة او تمنعت عن القيام بالحدّ الأدنى من الاجراءات الاصلاحية منذ مؤتمر سيدر وقوضت الفرصة التي اعطيت لها كما قال الرئيس الفرنسي في بيروت منذ نيسان ٢٠١٨، وجاءت نكبة التفجير لتقوض نهائيا كل الأمال التي بقيت معلقة على السلطة، بعدما كشف التفجير الغامض، ان الاهمال وغياب المسؤولية، والفساد، هي من الاسباب الواضحة والجلية لوقوع الكارثة مهما كان سبب التفجير المباشر. ازاء ما تقدم فان لبنان امام استحقاق جديد، وهو اعادة ترميم الثقة والمصداقية، في سياق عملية الخروج من تحت الانقاض، وعملية ترميم واستنهاض الدولة. لقد كشفت التسوية الرئاسية بكل ما تضمنته من وصول العماد ميشال عون الى السلطة، ومن تسليم شبه كامل ل”حزب الله” في التحكم في الدولة وخياراتها، ان هذه التسوية التي اتاحت لهذا الحزب الامساك بلبنان والتحكم بسياساته الداخلية والخارجية، والاشراف على نظام المحاصصة والفساد، قد وصلت الى مفترق طرق، ومفصل سيقرر مصير لبنان. من هنا فان مؤتمر المانحين في باريس امس، تقدم خطوة باتجاه ملئ فراغ السلطة الذي سببه الحكم الفاشل والدولة المتهالكة بفعل السلطة وسوء الادارة ونظام المحاصصة، وهي فرصة للبنان من اجل اعادة الاعتبار لمفهوم الحكم الرشيد، وللدولة ومؤسساتها، وفرصة من اجل اسقاط الثنائيات التي قوّضت مصالح الدولة بما فيها الشعب الذي تعرض لأكبر عملية نهب من خلال احتجاز الودائع المصرفية، والى احدى اكبر الجرائم التي عبر عنها التفجير الاخير وما سببه من نكبة انسانية واقتصادية. من هذا المنطلق فان ما يجب استكماله، ازاء خطوة مؤتمر المانحين في باريس، هو الأهم في سياق انقاذ ما يمكن انقاذه من لبنان الوطن والمؤسسات والشعب، فالرعاية الدولية ومن خلال الأمم المتحدة، باتت حاجة وجودية للدولة، ولعل الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، التقط فرصة استثنائية لتحويل المشهد المأساوي في لبنان اليوم الى فرصة لانقاذ لبنان، وعلى رغم ان فرنسا تفتقد القدرة على تحقيق ما تصبو اليه في لبنان مع تراجع دورها ونفوذها في العالم العربي، الا انها تدرك ان ثمة فرصة تاريخية ان تلعب هي نفسها دورا محوريا في اعادة بناء دولة لبنان الكبير كما فعلت قبل مئة عام، وما اعلان ماكرون انه عائد الى لبنان في مطلع ايلول المقبل، اي في مئوية لبنان، الا مؤشر على ذلك، وفرنسا تدرك ان لبنان هو ما تبقى لها من دول الفرنكوفونية في هذا المشرق العربي. ماكرون يدرك في المقابل ان فرنسا لم تعد فرنسا التي كانت قبل مئة عام، فليس هي من يقرر في هذا البلد، ثمة دور ايراني فاعل، واميركي حاضر، لكن ما يجعل الهبة الفرنسية تجاه لبنان مؤثرة، هو ان الخيارات المتاحة والمسيطرة باتت مدمرة، ولا ثقة لبنانية شعبية بها ولا بقدرتها على انتشال لبنان من الدرك الذي وصل اليه. في المعنى السياسي فان مؤتمر المانحين، يفتح الباب مجددا للبنان من اجل الخروج من النفق الذي ادخل فيه، وهذا الخروج بات يتطلب بدرجة كبيرة انهاء المبررات المسببة للانهيار والتداعي، وهي الى حدّ كبير تتصل في جزء محوري منها حلّ سطوة “حزب الله” على الحياة السياسية، واعادة ربط لبنان بمحيطه العربي، وتثبيت الحدود البرية والبحرية مع اسرائيل، والتي اشار الرئيس نبيه بري قبل ايام الى انها باتت شبه منتهية، كما ضبط الحدود مع سوريا، عبر تحديدها وترسيمها، وتنفيذ كل القرارات الدولية المتصلة بلبنان، بما فيها القرار ١٧٠١. هذه البوابات والطرق التي نفذت الأزمة من خلالها الى عمق الدولة، يتطلب بالضرورة اعادة الاعتبار للاصلاح السياسي، وهو ما لا يمكن تحققه طالما بقي السلاح خارج الدولة عنصرا مؤثرا في الحياة السياسية من جهة، وطالما بقي الخارج مصرا على تحويل لبنان الى ساحة تصفية حسابات، من هنا تأخذ الدعوة الى الحياد التي اطلقتها بكركي، اهميتها، بعدما نجحت الممانعة بقيادة “حزب الله” من القضاء على كل مصادر القوة الوطنية والاقتصادية واضعفت الدولة وقوضت كل ما هو تعدد وتنوع سياسي، واختصرت لبنان ببندقية. الدور الفرنسي هو الفرصة المتاحة للبنان، وماكرون يلتقط هذه اللحظة المأساوية في محاولة لجعلها فرصة تاريخية تتلاقى مع اصوات اللبنانيين الغاضبة من سلطة عمياء ومدمرة وقاتلة بالوقائع والأرقام.

* (نداء الوطن) البيروتية

 

(حزب الله) وإسرائيل

(يربحان) الحرب.. قبل وقوعها!

 

علي الأمين

 

لعل “ملحمة” الصراع العربي الإسرائيلي باتت بحاجة ماسة إلى إعادة نظر جوهرية في تعريفاتها و أدبياتها، التي أسرت شعوباً وأفراداً في فخ أسطورة أًجهضت قبل أن تولد، وتحولت الى فعل بطولات وهمية متمادية، أسقطت القناع عنها مفاعيل الربيع العربي و الثورات المتوقدة. الصراع العربي الإسرائيلي تحول بفعل أنظمة مارقة وخانعة الى مصالح عربية إسرائيلية دخلت عليها الأجندة الإيرانية بقوة لتعممها وتعززها عبر “الشريك الأميركي المضارب”، من إيران الى سوريا ولبنان مرورا باليمن والعراق. الصراع المسلح والحروب الكلاسيكة الطاحنة عفا عنها الزمن، ليحل مكانها الحروب الإفتراضية السهلة، تكريساً للمثل الشعبي “الحرب بالنظارات هينة” الذي إنقلبت مقاصده وتحول الى حقيقة، إذ يكفي قرع طبول الحرب بين إسرائيل من جهة ومن جهة أخرى سوريا أ و إيران عبر “حزب الله” أوالتلويح بها والتهويل على الحكومات والشعوب، او القيام بعمليات عسكرية موضعية محدودة النطاق ومدرسة النتائج سلفاً نتيجة الإتصالات عبر القنوات الخفية أو المعروفة، حتى تؤتي الحرب ثمارها وتنتهي بفوز الطرفين بها.  والشاهد على ذلك ما جرى منذ أيام حيث زاد على نحو ملحوظ تحليق الطائرات الاسرائيلية المسيّرة على امتداد مناطق الجنوب، وهو ترافق مع تحذيرات اسرائيلية عسكرية وسياسية من مغبة قيام “حزب الله بالرد على مقتل احد عناصر “حزب الله” في سوريا بغارة اسرائيلية قبل نحو اسبوع، وكان آخر التحذيرات الاسرائيلية ما قاله رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، من ان اي استهداف لكيانه عبر لبنان “سيرتب ردّاً اسرائيليا في سوريا ولبنان”. في المقابل يتمسك “حزب الله” في ما يعتبره حقاًّ للرد من الأراضي اللبنانية، انطلاقا من قواعد الاشتباك التي شدد امين عام الحزب السيد حسن نصرالله على تثبيتها لجهة ان اي استهداف لعناصر الحزب  في سورية، سيؤدي الى رد حزبه من الاراضي اللبنانية على اسرائيل. وهذا ما جرى حين استهدفت اسرائيل عنصرين للحزب في نهاية آب من العام ٢٠١٩، واستهدافها كذلك مركز العلاقات الاعلامية للحزب في حي معوض بالضاحية الجنوبية، ورتب ذلك قيام “حزب الله” باستهداف آلية اسرائيلية قرب الحدود مع لبنان في مطلع ايلول. عملية الرد هذه جاءت في سياق تردد ان اتفاقا ضمنيا بتنسيق روسي، ضمن ان لا تستدرج العملية هذه حربا لا يريدها الطرفان على ضفتي الحدود اللبنانية-الاسرائيلية. “حزب الله” يطلق اشارات متناقضة حول عملية الرد، فوسائل الاعلام القريبة منه كقناة “الميادين” اشارت الى “ان حزب الله تلقى رسالة اسرائيلية عبر الامم المتحدة، تشير الى ان سقوط عنصر “حزب الله” لم يكن مقصوداً، وانه وقع عن طريق الخطأ” وكان عضو كتلة الوفاء للمقاومة قد ذهب في نفس الاتجاه، فالنائب الوليد سكرية قال في حديث اذاعي انه يتوقع ان لا يرد “حزب الله”، ملمحاً الى الرسالة الاسرائيلية الآنفة، ومشيرا الى ان الأوضاع اللبنانية لا تسمح بالتصعيد العسكري او الانجرار اليه. في المقابل لا يتوقف “حزب الله” عن توجيه الرسائل غير المباشرة الى أن الردّ آت وعبر الأراضي اللبنانية. ازاء كل ما تقدم يمكن الحديث عن حرج يقع فيه “حزب الله”، فهو امام عملية ادت الى سقوط احد عناصره في سوريا، وازاء عملية تحرش اميركية بطائرة ايرانية في الأجواء السورية، وهو يدرك ان فرص الرد وتمنع الحرب تتطلب تنسيقاً ضمنياً مع اسرائيل وبالتالي قبولاً بالرد، وهذا ما يبدو اعقد مما كان عليه الحال في العام الفائت، فالظروف الدولية والاقليمية اكثر تعقيداً، والأزمة اللبنانية تزداد تفاقماً، وسياسة الضغوط الاميركية على ايران وأذرعها انتقلت الى مرحلة جديدة منذ اغتيال قاسم سليماني مطلع شباط المنصرم. في المقابل فان عدم قيام “حزب الله” بالرد، سيزيد من استهداف عناصره في سورية، وربما يقوض قواعد الاشتباك التي يسعى الحزب للمحافظة عليها، ولا تبدو اسرائيل في موقع من يريد تقويضها، طالما انها تساهم في تعزيز الاستقرار على الحدود مع لبنان، من دون ان يغيب عن حساباتها ما يشغل بال نخبتها السياسية والعسكرية، “الصواريخ الدقيقة في لبنان”. اما ما يعوق عملية رد غير مدروسة وغير مضمونة النتائج بالنسبة ل”حزب الله”، هو قلقه من تقويض تحكمه بالدولة اللبنانية، اي ان اي حرب فيما لو وقعت، لن تكون نتائجها لصالحه هذه المرة، فالحزب جلّ مشروعه يقوم على ترسيخ النفوذ الايراني في سوريا ولبنان، وهذا يتطلب تأجيل اي مواجهة عسكرية مع اسرائيل، بل تحويل العداء لاسرائيل الى ذريعة في سبيل التمدد والسيطرة كما هو الحال في لبنان. أمين عام “حزب الله” الذي يجمع في شخصيته بين البعد الايديولوجي الذي يذهب بعيدا في الولاء للمشروع الايراني، وبين الشخصية الواقعية التي تتيح له ترتيب تفاهمات ضمنية مع اسرائيل، أن الركن الأساس في ولاء جزء من الشيعة اللبنانيين له، هو اطمئنانهم الى انه لن يجرهم الى مواجهة مع اسرائيل، وهذه القناعة هي العقد الراسخ وان كان غير موثق بين نصرالله وهؤلاء. لذا فان “حزب الله” ومنذ حرب العام ٢٠٠٦، وفي سبيل ترسيخ هذه الحقيقة في الوعي الطائفي، منذ ان حوّل فوهة البندقية وزخمها باتجاه الداخل، وبدأ في صوغ مشروع النفوذ الشيعي في المعادلة الداخلية، مستفيدا من بندقية “المقاومة” التي اتاحت له ان يخرج الى سورية مقاتلا باسمها امام اللبنانيين وغير الشيعة، وتحت شعار   “لن تسبى زينب مرتين” امام جمهوره الشيعي، و لاقى هذا التدخل نوعا من الالتفاف الشيعي الذي كان معياره الأقوى حماية الشيعة، في الوقت الذي لم يعر نصرالله فيه اي اهتمام لبقية اللبنانيين الذين رفضوا تدخله على المستويين الرسمي والشعبي. يستحضر ذلك التورط في سوريا، موضوع “الحياد” اليوم، فما كان لا يحتاج الى توافق في التدخل في سورية، يحتاج “الحياد” اليوم الى توافق لبناني كما تعلن (ملائكة حزب الله) اليوم. فكيف بوجوده في سوريا اليوم، الا يستحق اي مساءلة لبنانية او توافقا عليه؟  الرد على الضربة الاسرائيلية مشروط بعدم انجراره الى حرب، لذا فان “حزب الله” سيقدم على الرد، اذا توفرت شروط الأمان، اما غياب هذه الشروط فسيدفعه الى عدم الردّ، او القيام بعملية امنية لا تؤدي الى اتهامه في القيام بها، مردداً المقولة السورية المتخاذلة تاريخياً لحكام دمشق “حق الرد في الزمان والمكان المناسبين”، الذي لم “يحن أوانه” بعد رغم الضربات المتتالية على مر الأجيال!. 

 المصدر : (نداء الوطن) البيروتية

 

المجلس الشيعي "يُعاير"

البطريركية المارونية "بالحياد"

للتعمية على "قلة الحياد"!

علي الأمين

 

تستبطن المواجهة الخفية بين المرجعيتين المارونية والشيعية حروباً سياسية ودينية وجودية تاريخية، أخذت أشكالاً واضحة مع "بطريرك الإستقلال" مار نصرالله بطرس صفير، الذي شكل رأس حربة الثورة ومظلتها المسيحية والإسلامية المعارضة ومن أشرس المطالبين بالسيادة والحرية والإستقلال، إبان حقبة الإحتلال السوري وهيمنة النظام الأمني اللبناني السوري المشترك، والذي كان "حزب الله" في عداده، لكنها تغيرت صعوداً ونزولاً وتردداً مع خلفه البطريرك بشارة الراعي الى ان حسم أمره واتخذ موقفاً متقدماً بعد "ان بلغ الحياد الزبى"، وضرب "حزب الله" كل مفاهيمه ومندرجاته، وحوّل خرقه الى ماركة "شيعية" مسجلة في وجه المارونية السياسية الدينية!.

أما في المقابل فكانت مرجعية الثنائية الشيعية، المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى غائبة الى حد كبير عن الردود على الطروحات السياسية والدينية للمحور الإيراني والسوري، إلى ان تجند المجلس الشيعي، وهو الذي يتبع فعلياً لحركة "أمل"، للإنخراط في جبهة الدفاع عن "حزب الله" وتغطيته دينياً في الحروب التي يخوضها بالواسطة في سوريا واليمن والعراق وصولاً الى ايران نفسها.

اذا فان دعوة البطريرك الماروني بشارة الراعي الى "حياد لبنان" تصدر عن مرجعية دينية مسيحية، وهي وان صدرت من موقع بكركي، الا ان رد المجلس الشيعي من الأب والابن، يسعى الى تظهير ان الحياد دعوة مسيحية، ونقيضها بمثابة عقيدة سياسية شيعية، بحسب ما أوحى بيان رئيس المجلس الشيعي الصامت كما المجلس الشيعي نفسه الذي تصدر بيانات عن رئيسه او نائبه او المفتي الممتاز، بيانات غبّ الطلب، بيانات تصاغ في مكاتب حزبية ويجري اصدارها باسم المجلس الشيعي الذي لم يجد خلال الاشهر الماضية ومنذ انتفاضة 17 تشرين مبرراً لعقد اجتماع لهيئته الشرعية والتنفيذية، ولا كلف نفسه الاهتمام باصدار موقف بشأن الأزمات المعيشية والاقتصادية، ولا بشأن محاربة الفساد، الذي حول المجلس الشيعي خلال العقدين الماضيين، الى معبر لتمرير البضائع عبر المرافئ خدمة لحسابات تجارية وحزبية وشخصية، مستغلاً قانوناً يتيح استيراد ما تحتاجه المؤسسات الطائفية الرسمية من حاجيات لها من دون ان تدفع رسوماً جمركية.‏وبالعودة الى البطريرك الراعي الذي رفع مطلب الحياد كفرصة لاستعادة لبنان بعض انفاسه الاقتصادية والسياسية، فهي دعوة بدت مفاجئة ليس لمعارضي هذا المطلب فحسب، بل لمؤيديه، فالراعي منذ خلف البطريرك صفير، بدا مجانباً لدعوات السيادة المباشرة التي حملها سلفه، ومهادناً لنهج الممانعة الذي قاده امين عام "حزب الله"، وسار في ركبه الجنرال ميشال عون الذي نال مبتغاه بمنصب الرئاسة الأولى بعد تعطيل للانتخابات دام اكثر من عامين. البطريرك الراعي ساير هذا النهج وإن لم يسر به، بل كان توليه كرسي بكركي في ادبيات الممانعة، انتصاراً لها في مواجهة "بطريرك السيادة والاستقلال".

من هنا فإن البطريركية المارونية استفاقت على ما وصل اليه لبنان من حال لا يسر العدو والصديق، وهي التي أملت بوصول العماد عون الى رئاسة الجمهورية باستعادة ما فقد من دور المسيحيين في معادلة الحكم والسلطة، كما روّج العديد من المبتهجين بحلف الأقليات، او التحالف الماروني الشيعي بقيادة عون ونصرالله.

(نداء الوطن) البيروتية

الإنهيار... السلطة "تجلُد"

أبناءها ولا تقرّ بجلدها!

علي الامين

إنه جنون السلطة. "نوبات" لا حدود لها تفلت من عقالها، تُسوّي كل القيم الوطنية والسياسية والأخلاقية بالأرض. السلطة وحكومتها وأركانها و"أذنابها" كشّروا عن أنيابهم، ونزلوا الى الشارع ليرهبوا المنتفضين ويحاولوا النيل من حريتهم  وليرتهم وسمعتهم في الداخل والخارج.

حكومة تعيش حالاً من النكران الخطير، يجعلها تتصرف كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال، وتتجاوز ما اقترفت أيديها في لبنان وتتفرج على الإنهيار الكبير مالياً واقتصادياً و معيشياً، وجلُّ ما تفعله الهروب "شرقاً و"الإنتحار" غرباً. غير ان اللبنانيين بالمرصاد مهما جارت عليهم أيام الحكومة وإن طالت

الاعتداء على المحامي واصف الحركة قرب اذاعة صوت لبنان في منطقة الاشرفية، يأتي ضمن مسلسل ضغط وترويع طال ناشطين وشخصيات دينية واجتماعية معارضة للسلطة الحاكمة والمتحكمة، وهو سلوك بات ينذر بالمزيد من القمع لكل وجوه الانتفاضة اللبنانية، التي باتت تفرض وجودها في المشهد الوطني العام، كعنصر قوة للمجتمع الذي تجري استباحته من قبل السلطة.

القمع كما أنه تعبير عن ضيق الحاكمين بصرخات المواطنين وانينهم، فهو تعبير عن مشهد نهايات معادلة الحكم والحكومة، التي تدرك ان اي عملية إصلاح تلجم الانهيار المالي والاقتصادي ستعني بالضرورة انهيار هيكل السلطة الحاكمة، انطلاقاً من أن قوّة هذه السلطة ونفوذها يتأتيان من مصدرين اساسيين: الأول، هو نظام المحاصصة والفساد الذي اتاح لمنظومة السلطة واطرافها تقاسم موارد الدولة وأصولها لترسيخ النفوذ والسلطة، والثاني، مصدر النفوذ الخارجي الذي وفّر غطاء ودعماً لهذه السلطة، في مجملها ولأطرافها من خلال الموارد الخاصة التي كان ينالها كل طرف من جهة خارجية ما.

هذان المصدران اليوم تعرضا لنكسة كبيرة، فمع انهيار العملة الوطنية وتردي الاقتصاد، فقدت السلطة جاذبيتها لجهة ابتزاز المجتمع بالتوظيفات في الادارة العامة، او غيرها من الحقوق التي لا ينالها المواطن الا بواسطة الاستزلام ونظام الزبائنية.

الوظيفة العامة اليوم لم تعد محل اغراء بعدما انهارت قيمة الراتب الشرائية، حيث من المتوقع ان تشهد الادارة العامة استقالات وهجرة للكوادر والكفاءات، ولم يعد المواطن اليوم على وجه العموم، منهمكاً او منجذباً للوظيفة العامة. قدرة ابتزاز السلطة للمواطن وحتى للموظف نفسه انحسرت وتراجعت ومرشحة للانعدام مع استمرار الأزمة


ويمكن توقع المزيد من تراخي قبضة احزاب السلطة تجاه محازبيها، طالما ان المنافع تضمحل والقدرة على ضبط هذه القواعد تتراجع مع تراخي عصب المال الذي شكل الرابط الاساس بين احزاب السلطة واتباعها طيلة العقود الماضية.

وفي جانب آخر، بات من الصعب توقع دخول موارد مالية الى الدولة وحتى الى احزابها من الخارج، إمّا بسبب القطيعة العربية والدولية، التي ربطت اي مساعدة او قروض للبنان، بتنفيذ اصلاحات جدّية باتت معروفة، كما بات واضحاً ان احزاب السلطة لا تريد تنفيذها، او بسبب تراجع قدرة ايران على توفير التمويل المعتاد لـ"حزب الله"، وتغطية العجز المالي والاقتصادي، الذي سببته القطيعة العربية والدولية للدولة اللبنانية، فإيران ليست في أحسن احوالها لا في الداخل ولا على امتداد ما يعرف بدول الهلال الايراني.

انطلاقاً مما تقدم، فان المراوحة والانغلاق ضمن شبكة السلطة، يؤديان بالضرورة الى مزيد من الاستنزاف والتراجع، طالما لم تقرّ هذه السلطة أنّها عاجزة عن أيّ معالجة للانهيار الجاري في كل قطاعات الدولة، وهو الى ازدياد، ويشكل هذا الموقف مبرراً قوياً للانتفاضة ومجموعاتها من اجل الدفع نحو التغيير وإعادة تشكيل السلطة، في ظل هلع وارتباك واضح لدى "حزب الله" من طرح الحكومة المستقلة التي تزداد الحاجة اليها كمعبر لا مفرّ منه للخروج من الأزمة، ويكشف موقف "الحزب" القديم المتجدد من رفض خيار الحكومة المستقلة، حجم الترابط بين "حزب الله" ونظام الفساد والمحاصصة الذي اتاح له السيطرة على مفاصل القرار في الدولة، الى جانب السلاح الذي صارت وظيفته منذ سنوات السيطرة على الدولة مجتمعاً ومؤسسات.

العنف والترهيب والنظام البوليسي، هي الأدوات المتبقية لهذه السلطة، لتدجين المجتمع وقمع الانتفاضة التي باتت تتمدّد الى مناطق نفوذ "حزب الله" او ما يمكن ان نسميها قلاعه الأمنية والعسكرية، هذا التمدد يقلق "الحزب" الذي اعتاد على ان يكون حارساً لأنفاس المواطنين، وقلقاً من أي تعبير مجتمعي لا يمر من القنوات التي يحددها هو وعلى طريقته وفي الاتجاه الذي يلائمه، لذا فان خروج تظاهرة من جديدة مرجعيون قبل يومين (السبت) لم يكن جديداً بذاته، لكن المستجد هو الشعارات التي اطلقها المتظاهرون من كل الطوائف ولا سيما الشيعة منهم ضد كل رموز السلطة بالاسم الصريح، وهذا يدلّل على ان اوجاع الناس ستدفعهم مع استفحال الفقر والجوع، الى اسقاط الكثير ممن نصبوهم هم انفسهم آلهة عليهم.

الحكومة المستقلة الآن هي حبل نجاة ما تبقى من السلطة وأحزابها، لأن الانتفاضة قد لا تكون في وضعية تتيح لها التقاط هذه الفرصة اليوم، وقد يكون من حسن حظ "الانتفاضة" ومجموعاتها ان "حزب الله" لم يرم خيار الحكومة المستقلة وبالتالي الأزمة، في وجهها، في المقابل وإزاء العجز المتمادي للحكومة والبرلمان ولراعيهما "حزب الله"، عن الانخراط في الاصلاح، فان التداعيات المرتقبة مرشحة لأن تزيد من إنهاك المجتمع وتحلل الدولة وازدياد ظاهرة العنف في الشارع. أمّا ظاهرة الانتحار والتي تعبر عن خيار فردي في المجتمع فيزداد حضورها، يقابلها انتحار سياسي باتت السلطة وأحزابها متجهة اليه لكن على طريقة "الروليت الروسية، معتقدة ان في المسدس رصاصة واحدة " لكنها لن تكتشف ان المسدس محشوٌّ بالكامل...

(نداء الوطن) البيروتية

 

 أسئلة تعتمل في صدور اللبنانيين

برسم نصرالله... هل من مجيب؟

 

علي الامين

 

لا يستطيع "حزب الله" الهروب حرفياً او مجازياً إلى الأمام كعادته، في ظل الأزمات والنكبات المتناسلة من جراء أجندته وأدائه ورهاناته، وخصوصاً في هذه الفترة المالية والمعيشية والأمنية الحرجة.

في زمن الإنهيار المريع والسريع للبلاد والعباد، والدخول في نفق الفقر والعوز، بات لزاماً على "حزب الله" الذي نصب نفسه حاكماً على لبنان بالسلاح والدولار، وينفذ سياسة ورغبات الولي الفقيه الإيراني ومحوره، أن يصارح الناس كل الناس، ويجيب على أسئلة صعبة تعتمل في صدورهم لما آلت إليه الأمور، وتحديدا عن سر "قوة قلبه" على أذية اللبنانيين عبر حكومة محكومة به، كان ولا يزال بمقدوره ان يضع حداً ولو متواضعاً للتدهور غير المسبوق إلى السحيق من الخوف على المصير، الذي يتحمل جزءاً كبيراً من مسؤوليته. فهل من مجيب؟!

فالسيناريو المرتقب للانهيار المالي والاقتصادي الذي يعانيه لبنان، لا يحتاج لكثير من الدراسة والتحليل، تراجع مريع لقيمة الليرة اللبنانية قياساً للدولار الأميركي، حيث فقدت حتى نهاية الاسبوع ثمانين في المئة من قيمتها، في المقابل فقدان الدولار من الاسواق الذي يترجم زيادة في اسعار السلع بشكل صادم وعشوائي، ثم العجز المتنامي في القدرة الشرائية لموظفي القطاع العام، وممن تبقى في القطاع الخاص من عاملين لم يتعرضوا للتسريح او لقضم الرواتب المتهاوية اصلاً، او تمّ اغلاق المؤسسات التي عملوا فيها.

اللائحة تطول وتستنزف الدولة والمجتمع، من دون ان تبدي السلطة اي مبادرة جدية تجاه مطالب شعبية ودولية بضرورة تنفيذ خطوات إصلاحية تتصل بملفات فساد وهدر معروفة للجميع، بل لم توجه أيّ رسالة توحي بالثقة بهذه الحكومة، بينما اظهرت الوقائع السياسية والتعيينات المالية والادارية، ان الحكومة ليست الا ظلاًّ لتقاسم نفوذ بين اطراف حلف الممانعة الذي وصل الى ما يشبه القناعة بأن القضاء على الفساد او محاربته، يعني ضرب هذا الحلف وإسقاطه، والا ما معنى ألّا تبادر هذه الحكومة المطيعة والممثلة لهذا الحلف وقراراته، الى القيام بأي خطوة ولو في اتخاذ قرار بمحاسبة مرتكب واحد في طول لبنان وعرضه.

بات "حزب الله" اليوم الحامي لهذه السلطة، والمدافع عنها لا عن الدولة، هو يريد رعاية وادارة شبكة السلطة، ولو على حساب المؤسسات والشعب والأرض، غايته في ذلك تفادي مجابهة الأسئلة الوجودية للدولة اللبنانية اليوم.

لقد سعى "حزب الله" منذ نشأته حتى اليوم، نحو هدف هو مبرر وظيفته ووجوده جعل ايران على حدود اسرائيل، وكان أمينا لهذه الوظيفة التي كان يجري ترويجها وتعميمها حيناً باسم المقاومة الحصرية لـ"الحزب" ضد الاحتلال، وحيناً باسم محور الممانعة الذي تتصدره ايران، من خلال انخراط "حزب الله" في معارك خارج الحدود اللبنانية، ومحاولة ادراج لبنان ضمن هذا المحور بوسائل مكشوفة، قامت على ترسيخ ثنائية الدولة والدويلة، التي انتهت الى ما عليه لبنان اليوم، من عزلة عربية ودولية قاتلة، وباتت الدويلة التي تحصنت بالدولة في سنوات سابقة، هي اليوم المعنية بحماية السلطة لا الدولة، اي الحكومة والرئاسات الثلاث وكل مكملات هذا التحالف السلطوي الذي لم يعد لديه غير الاحتماء بعباءة السيد حسن نصرالله.

من هنا تضيق مساحة الخيارات امام "حزب الله" في مواجهة الأزمة الخانقة للبنانيين، وهي تتراوح بين حدّي تفجير حرب مع اسرائيل والتسليم بشروط الدولة اللبنانية وشروط مساعداتها الخارجية.


اولاً، خيار الحرب: يبقى من الاحتمالات الواردة اذا كانت القيادة الايرانية، قد وصلت الى قناعة ان ما يجري سيؤدي الى فقدانها الوجود الاستراتيجي على الحدود مع اسرائيل، وبالتالي يمكن ان تقوم بالزام "حزب الله" بخوض حرب مع اسرائيل، تدرك القيادة الايرانية انها ستكون انتحارية للحزب والشيعة واللبنانيين على وجه العموم، في ظل الانهيار الذي يعيشه لبنان، وغياب اي حاضنة عربية ودولية للبنان، وعدم قدرة ايران على تمويل هذه الحرب. وهذا هو نفسه ما يجعل اسرائيل غير متحمسة للمبادرة الى حرب، طالما ان الانهيار في لبنان يؤدي الى حد كبير وظيفة الحرب، ويحقق معظم أهدافها.

ثانيا، خيار التسوية: من الواضح أن القيادة الايرانية، تتعامل مع الهجوم الاميركي الأمني والمالي والاقتصادي، عليها وعلى دول محور الممانعة، بالانكفاء التكتيكي وتفادي الصدام العسكري، وكان رد الفعل على اغتيال البنتاغون قائد فيلق القدس قاسم سليماني، مؤشراً الى ان ايران لا تريد المواجهة العسكرية، وهذا ما رسخ لدى المراقبين ان الرهان الايراني هو على نتائج الانتخابات الاميركية، وفوز الحزب الديموقراطي، اعتقاداً منها ان اي رئيس غير الرئيس دونالد ترامب، هو أفضل لإيران، وقد تنجز تسوية معه امتداداً للاتفاق النووي، ولكن ذلك في ما لو تحقق فهو لن يجعل لبنان في منأى عنها وبالتالي لا يمكن في مسار التسوية هذه توقع مسار غير مسار إنهاء الدويلة داخل الدولة في لبنان، وربما مسارات اخرى، بحسب المشهد الذي يمكن ان يكون عليه لبنان، في ظل تداعيات الأزمة الحالية، وما ستؤول اليه اوضاع البلاد والعباد.

لم يخرج أمين عام "حزب الله" ليقول للبنانيين ولأنصاره ما هي وعوده للمرحلة المقبلة، وكيف يمكن للبنان الخروج من المأزق الذي وضعه فيه، هو وحلفاؤه، ما هي مقترحاته لصمود لبنان، وما هي البدائل عن وقف الفساد وتغيير الحكومة، وكيف يمكن تعويض ما يتم تهريبه من عملة صعبة وطحين ومازوت وبنزين وأدوية الى سوريا؟ لم يقل للبنانيين شيئاً عن احتمالات الحرب، ماذا لو بادرت اسرائيل اليها، ما هي خطط الصمود؟

كيف سيتعامل "حزب الله" مع تزايد الفقر والعوز، وردود فعل المواطنين حيالهما؟ هل سيستمر في الاعتداد انه لا يزال محازبوه يتلقون رواتبهم بالدولار؟ وهل سيدير ظهره الى الأزمات بالقول انها ليست من مسؤولياته؟ وهل سيكون القمع والتضييق على الناشطين، والتلويح بسيف العمالة هو الجواب على الأزمة؟

تضيق الخيارات، لكن ما هو متاح اليوم من حلول، لن يكون متاحاً في الغد، وما يمكن عدم التنازل عنه اليوم، لن يستطيع اللبنانيون المحافظة عليه غداً، سياسة الحدّ من الخسائر، هي الأساس في ما يمكن البناء عليه، فالانهيار المالي والاقتصادي في دول محور الممانعة وعلى رأسها ايران، يترجم ميزان القوى في المنطقة، والهزيمة وقعت منذ ان دمرت سوريا وتضعضع العراق، وتم عزل لبنان ببراعة الممانعة، وبالتالي ازاء هذه الوقائع لا يمكن توقع نتائج عكسية لوقائع استراتيجية دامغة.

العودة الى لبنان هي الحل كما كان الخروج على الدولة منذ عقود هو المشكلة، وترف الانتظار غير موجود، ما يمكن - وليس مؤكداً - ان يحول دون انهيار لبنان وتفتته، تشكيل حكومة مستقلين من رجالات تحظى بثقة الدول التي يمكن ان تساعد لبنان، وباحترام وثقة من الرأي العام، وإعادة الاعتبار للسلطة القضائية المستقلة، وبناء الثقة مع المحيط العربي، ووقف كل مشاريع الهدر والفساد، او ان يخرج الأمين العام للحزب ليجيب على الاسئلة التي يطرحها اللبنانيون ويقدم حلولاً تشعرهم انهم فعلاً محكومون من قبل سلطة موثوقة وتستحق ان تحكُم وتُطاع.

(نداء الوطن)

 

 

الإدّعاء" على العلّامة الأمين

عاجز عن إلغاء مدرسة "الاجتهاد"

 

علي الأمين

 

الحدث جلل. الإدعاء، وهو فعلاً "إدعاء" وزعم، على العلامة الجليل السيد علي الأمين بلقاء مسؤولين إسرائيليين يتجاوز المهزلة القضائية، ليصيب "حزب الله" المحرّض والفاعل عبر أدواته القانونية في قصر بعبدا مقتلاً وإفلاساً وفضيحة مدوية بعد خروج فاقع عن الأدبيات الإنسانية والدينية والشرعية، خصوصاً وأن الحزب وحلفاءه يعلمون جيداً أنهم يفبركون إساءة ترتد عليهم ولن تُغير بتاريخ الأمين وعمامته الناصعين.

لم يعد خافياً ان الاتهام بالعمالة صار الوسيلة التي تتم من خلالها محاولة إسكات وتطويع الأصوات المعترضة على سلطة "حزب الله" وامتداداتها في مؤسسات الدولة اللبنانية. آخر هذه المحاولات، وليس آخرها كان الادعاء على المفتي السابق في صور وجبل عامل العلامة السيد علي الأمين بجرم لقاء مسؤولين اسرائيليين.

وهذا الادعاء جاء على خلفية مشاركة السيد الأمين في مؤتمر في البحرين حول الأديان شارك فيه رجال دين وهيئات اجتماعية وثقافية من انحاء العالم من بينهم احد الحاخامات الاسرائيليين، وكان من بين المشاركين في المؤتمر من اللبنانيين السفير اللبناني في البحرين، ومؤسسة مخزومي، ورجال دين مسيحيون ومسلمون.

إعلان السيد الأمين غداة عودته انه لم يكن على علم بمشاركة رجل دين اسرائيلي، لم يمنع من اطلاق "حزب الله" حملة ضد العلامة الأمين عبر ادواته، وصلت الى استدعاء الأمين من قبل الأمن العام حصراً بالطبع من دون ان يتم استدعاء اي مشارك في المؤتمر ولم يصدر اي موقف رسمي لبناني لا تجاه السفير ولا ادانة المؤتمر او الاعتراض اللاحق عليه.

كل ما تقدم يكشف عن "أوضح الواضحات" العلامة الأمين وهو الفقيه الأبرز فقهياً بين علماء الشيعة اللبنانيين، والمعروف بمواقفه الوطنية يتم الادعاء عليه بتهمة التعامل مع العدو الاسرائيلي، فقط لأنه من العلماء الشيعة الذين يعلنون بوضوح التزامهم بخيارهم الوطني والعربي والاسلامي، ويعلنون تمايزهم او اعتراضهم على المشروع الايراني وسياسة "حزب الله" اللبنانية وفي الدول العربية.


محاولة النيل من السيد الأمين بهذه التهمة، هي استهداف لا يمكن فصله عن استهداف العمامة الشيعية، خاصة عندما تصدر عن جهة تحتمي بهذه العمامة، واذا كان البعض لا يدرك مغزى ما يرتكب تجاه قامة مشهود لها بفقهها ومرجعيتها، فهو يمهد شاء أم ابى الى إسقاط عمائم كثيرين من رجال الدين.
يعكس هذا الادّعاء حجم الضيق من اي اختلاف يعكس مدرسة الاجتهاد التي ستبقى راسخة في المذهب الشيعي مهما حاولوا التشويه واختصار المذهب بالولاء لشخص واحد أحد، هو زعيم دولة ايران.

النيل من السيد علي الأمين، بهذه الطريقة، وبعد اسابيع على اطلاق العميل عامر الفاخوري تحت اعين "حزب الله"، وبعد اشهر قليلة على تنفيذ عملية تهريب برعاية رسمية لكارلوس غصن، الذي اجتمع في وقت سابق مع مسؤولين اسرائيليين وعلى رأسهم رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، من دون ان يبدي "حزب الله" اي اعتراض على حمايته غير القانونية والمكلفة للبنان في علاقاته مع اليابان وغيرها، ولم تزعج حزب الله" مشاركة الوزير جبران باسيل في تظاهرة التضامن مع ضحايا شارل ايبدو في باريس، في وقت كان مسؤولون اسرائيليون يسيرون صفاً واحداً وعلى بعد امتار قليلة منه، والأمثلة عديدة في ما يتصل بقيادات وعناصر في التيار الوطني الحر، الذين كان ولاؤهم لسياسة "حزب الله" معبراً لعدم اتهامهم وملاحقتهم، "كن مع "حزب الله" وافعل ما شئت" هذا ما اثبتته الوقائع التي جعلت من ملف العمالة مجالاً للابتزاز والمقايضة، في المقابل مارس "حزب الله" سياسة "انت ضد "حزب الله"... انت عميل".
استهداف المفتي السيد علي الأمين رسالة واضحة الى معارضي خيارات "حزب الله" ورهاناته السياسية، سواء كانوا شيعة او غير شيعة، وهي تعبّر عن حجم الافلاس الذي وصلت اليه السلطة التي باتت وهي تعاني من الافلاس المالي والاقتصادي، تعلن على الملأ وعبر النيابة العامة عن إفلاسها السياسي.

(نداء الوطن) البيروتية  باتفاق مع الكاتب

 

 

"حزب الله"... "والي ولاية"

الإيديولوجيا والمال في لبنان!

علي الامين

 

يكاد ينجح "حزب الله" الى حد بعيد، في المواءمة بين الإيديولوجيا والمال. وصفة سحرية لخلطة عجائبية، وفرت لها مكوناتها السياسية والعسكرية والشعبية، "إكسير الحياة" ولو على حساب "كسر"الدولة واللبنانيين على حساب "جبر" خاطر بيئته ومحازبيه، عبر إدخالهم في جنة والي المال "النظيف" لتحيا ولاية الفقيه!

لم يكن المال هامشأً في صعود الايديولوجية الايرانية ونموذج "حزب الله" تحديداً وكل المؤسسات المالية والاجتماعية والأمنية والعسكرية والدينية التي تأسست وواكبت صعوده في عقد الثمانينات من القرن الماضي، لا يخفى على الذين عاصروا تلك المرحلة، ان الملاءة المالية شكلت عنصراً حيوياً ان لم يكن الأول في تعزيز نفوذ الحزب وترسيخه، مع تراجع بيّن وواضح للقوى اليسارية والوطنية والقومية في البيئة الشيعية لصالح تمدد "حزب الله".

لا شك ان "حركة أمل" التي قاسمت "حزب الله" النفوذ شيعياً، في تلك المرحلة وما تلاها حتى اليوم، استندت الى نظام المصالح الطائفية لتوفير المنافع والوظائف لمحازبيها، فيما الحزب بقي مستنداً الى الموارد المالية الايرانية التي كان يتلقاها بالدولار الاميركي، ومنذ منتصف الثمانينات نجح الدولار (الايراني) باضافة جاذبية مضاعفة لـ"حزب الله" الذي كان مستفيداً من تراجع سعر صرف الليرة اللبنانية التي شهدت حينذاك وحتى العام 1992انهياراً وصل بالعملة الوطنية من حوالى خمس ليرات لبنانية مقابل الدولار، الى ثلاثة آلاف ليرة مقابل الدولار الواحد في نهاية العام 1991وهو وفر للحزب ايضاً وبسبب امتلاكه الدولار المتدفق اليه من ايران، قدرة على الانتشار وترسيخ النفوذ والانطلاق في عملية استحواذ على المنابر الدينية الشيعية بشكل متدرج، والى ذلك وفّر وجود العديد من المؤسسات الاجتماعية التي كانت تؤمن لعناصر "حزب الله" وعائلاتهم، موارد مالية وضمانات صحية وتغطية كلفة التعليم وقروضاً ميسرة، عززت الولاء له الذي كان بالنسبة اليهم الدولة الفعلية الراعية لمصالحهم.

ويذكر الذين عاصروا تلك الحقبة في الثمانينات ما شاع من مقولات وتعليقات وانتشر بكثافة لاحقاً مع إنطلاقة "حزب الله" في الثمانينات: "أن للمقاتل أم 16 لميعة (البندقية) والفولفو السريعة والمرأة المطيعة"، وهي دلالة على المميزات لدى المنتسبين للحزب، وان استخدمت من البعض في سياق تهكمي.

التركيز على الجانب المالي ولا سيما الدولار، لا يستهدف التقليل من الشأن المتصل بالايديولوجيا، ولا التهوين من شأن القناعات لدى المنتسبين، ولا بالتأكيد التقليل من دوره في المقاومة اللبنانية ضد اسرائيل، لكن الغاية في الاشارة الى المال كعصب اساسي في صعود هذه الظاهرة الحزبية في لبنان وفي المجتمع الشيعي على وجه الخصوص.

مسار صعود

 

وفي عرض لمسار صعود "حزب الله"، من الملاحظ ان الدعم الايراني المالي وبالدولار الاميركي، هو من هوية الحزب، وحتى لو دخلت اليه موارد مالية من مصادر أخرى فهي تتم امام اعين الايرانيين واشرافهم، سواء تلك التي قدمتها دول عربية، او تلك المتصلة بعمليات مالية خارجية مشروعة وغير مشروعة.

المال هو الرسالة التي كان يحسن الأمين العام للحزب مخاطبة جمهوره بها، ففي خضم الحرب او التهديد بها، كان نصرالله يطمئن الجمهور والقاعدة الحزبية الى انها موجودة وانها لن تتأثر بكل ما يجري من حصار او تهويل على "حزب الله" من جهات خارجية.

ويمكن بقليل من المتابعة للعديد من مواقف حلفاء "حزب الله" ولا سيما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان، الملاحظة ان العنصر المالي كان اساساً في ترسيخ تحالفاته الداخلية، والدعم المالي الذي قدمه لعشرات الاحزاب والمجموعات والشخصيات السياسية وغير السياسية ومنها سرايا المقاومة، الى جانب استثمار نفوذه في الدولة اللبنانية لتمرير مصالحها من توظيف وتلزيمات ومعونات، كل ذلك كان ابرز مصادر قوة "حزب الله" للتمدد والنفوذ خارج الطائفة الشيعية، ولم يكن دوره العسكري والأمني وحده كافياً لجذب الحلفاء، المال هو العصب وهو القوة الناعمة التي اخترقت حصوناً كان من الصعب على "حزب الله" اختراقها بالايديولوجيا وحدها.

في حرب العام 2006 لم تكن نتيجة الحرب انتصاراً للبنان، فحجم الدمار الذي طال الدولة شعباً ومؤسسات لم يكن مسبوقاً، ولكن "حزب الله" استفاد من هذه الحرب بخلاف الدولة اللبنانية، ولعل ابرز وجوه الاستثمار، او الأهم شيعياً، كان المال الذي تدفق بالمليارات لاعادة البناء، وخروج نصرالله نفسه للقول لجمهور الشيعة المنكوبين بعد الحرب، ان بيوتهم وقراهم ومدنهم سيعاد بناؤها افضل مما كانت، وقام "حزب الله" مباشرة بدفع التعويضات للايواء وبشكل سريع بالدولار ايضاً، وهذا ما ساهم في امتصاص النقمة عليه بسبب الحرب، ونجح في تحويل نتائج الحرب السلبية الى قوة دفع شيعية ليس في اتجاه اسرائيل، بل الى الداخل اللبناني، بحيث بدأت بشكل واضح ومستتر عملية السيطرة والتحكم بالدولة اللبنانية، والانتقال لاحقاً الى سوريا والعراق واليمن وغيرها...، وبدأ رواج مقولة الحزب الاقليمي في دلالة على دور الحزب الفاعل خارجياً، وبالتأكيد الفاعلية هنا عربية وتحت مظلة التمدد الايراني في هذه الدول، فيما اسرائيل حققت منذ العام 2006 قفزات استراتيجية أمنياً وعسكرياً واقتصادياً.

هزيمة لبنان وسوريا

المال ثم المال ثم الايديولوجيا والخيارات السياسية والعسكرية والأمنية، بل لم تكن الايديولوجيا لتتمدد وتسيطر، لو لم تكن مشروطة بمنافع مادية، فولاية الفقيه العامة التي تقوم عليها ايديولوجية "حزب الله"، اتيح لها ان تنتشر لدى بعض الشيعة العرب، بعدما كانت هامشية ويرفضها معظم فقهاء الشيعة بل الأكثرية الساحقة في تاريخ المذهب الشيعي، لم تكن لتتمدد لولا دور المال والسلطة الذي مثلته الدولة الايرانية، على رغم ما لهذه الايديولوجية من تعارض جوهري مع الانتماء للدولة الوطنية والولاء لها، فالولاء للدولة الوطنية والاندماج في مجتمعاتها، هو الغالب والشائع في آراء الفقهاء والمفكرين الشيعة، بل لم يخرج من الفقهاء من طرح فكرة الدولة الشيعية باعتبارها غاية او هدفاً لهذه الجماعة.

كل ما تقدم يشير الى اهمية المال ونظام المصالح للفرد او الحزب او الجماعة او الدولة الوطنية وحتى النظام الاقليمي الذي يقوم على منافع مشتركة بين الدول المكونة له، كحال النظام الاقليمي العربي، واذ نجح "حزب الله" الى حدّ ما في ليّ عنق نظام المصالح الوطني والعربي والدولي للبنان، وقبل ذلك لمحازبيه وللجماعة الشيعية الى حدّ معتبر، فان هذه القدرة لم تكن لتتحقق لولا تقاطعها مع مصالح اقليمية ودولية، وبدا ان "حزب الله" يؤدي وظيفة تتناغم مع خيار التفتيت، العربي والوطني، فيما كانت اسرائيل تنمو وتتمدد وتحقق اختراقات استراتيجية عربياً ودولياً، ولم يكن الدخول الروسي والصيني الى المنطقة من دون شرط ضمني هو الدخول عملياً عبر علاقة وثيقة مع اسرائيل.

الهزيمة هي المحصلة مهما قيل عن صواريخ "حزب الله" الدقيقة، الهزيمة اللبنانية والسورية والعربية على وجه العموم، غير ذلك مكابرة وامعان في مزيد من ترسيخ الهزيمة.

اللبنانيون مهزومون في نموذج سلطتهم، في الفساد وفي ضعف الدولة، وضعف العدالة في تطبيق القانون، ان لم نقل غيابها كلما تعلق الأمر بمحاسبة الفاسدين المفسدين.

العودة الى نظام المصالح الوطني والولاء للدولة، والتسليم بأن هذه المصلحة تمثل المقدس اللبناني، وأول ما يعني اللبنانيين اليوم هو الحدّ من الخسائر ولجم الانهيار، واذا كان "حزب الله" لديه ما يقدمه للبنانيين على هذا الصعيد، فهم جاهزون لاتباعه، لكن لن يقبلوا بأقل ما قبل به محازبوه، اي ان يزيل عنهم شبح الفقر، وان يوفر لهم شروط العيش الكريم، وان يضمن لهم سريراً في مستشفى، ومقعداً لأبنائهم في المدرسة والجامعة، وفرصة عمل تتيح الحصول على راتب لا يهتز باهتزاز سعر الصرف لليرة اللبنانية، وان يضمن لهم حداً معقولاً من كرامتهم الانسانية، فالولاء والطاعة لا يتحققان بغير ذلك هذا ما قالته سيرة "حزب الله"، ولا يمكن ان يتحقق له لبنانياً من دون ذلك السبيل.

محصلة الفساد والافساد وإضعاف الدولة، مضافاً اليها قانون "قيصر" ضد النظام السوري، فضح حجم الانهيار للدولة في لبنان وكشف عن حجم المكابرة والادعاءات التي طالما شكلت عنصراً قاتلاً ومدمراً للوطن والمجتمع...قليل من التواضع يحيي لبنان!.

(نداء الوطن)

 

نصرالله يحلُّ «حزب الله»..

حتى إشعارٍ آخر!

علي الأمين

لم يكن لنصرالله ما أراد هذه المرة، جل ما فعله هو القيام بما يشبه الإنقلاب على حزبه.. "حزب الله" وتحويله حتى إشعار آخر إلى حزب الدولار.. بكل طيبة خاطر. اعلان لم تكن إطلالة الأمين العام ل “حزب الله” السيد حسن نصرالله عادية أو استثنائية بالمعنى السياسي، انما مفصلية تحولية بإمتياز، تصنع أصناما لأعداء جدد من “العدة القديمة” وتطلق تسميات جديدة على السلاح والدولار وما بينهما، وتستدرج العروض البائسة لبدائل يائسة، و تشق طريقاً معبّداً بالأهوال إلى الشرق وتسد المنافد إلى الغرب، تحت عناوين تهديدية، اراد من خلالها حشر اللبنانيين في زاوية واحدة لترهيبهم وتخويفهم و المزيد من المتاجرة بدمائهم ولقمة عيشهم، وتخييرهم بين السلاح والجوع، الشعار الذي استوحاه من الأميركيين ليهوّل على اللبنانيين.. ولم يكن له ما أراد هذه المرّة، جلّ ما فعله هو القيام بما يشبه الإنقلاب على حزبه.. “حزب الله” وتحويله حتى إشعار آخر إلى حزب الدولار.. بكل طيبة خاطر. “حزب الله” وتحويله حتى إشعار آخر إلى حزب الدولار ليس لدى السيد حسن نصرالله من يقارعه في لبنان، يبحث في الزوايا عن عدوّّ او عميل (طبعا غير عامر الفاخوري) لكي يسجل انتصاراً الهياً جديداً يضمه الى خزان الانتصارات الذي لا ينضب، رغم الهزائم التي تحيط بلبنان والعرب والايرانيين وتغرقهم بالفقر والذلّ. إقرأ أيضاً: الشماتة بقانون قيصر عيْب… يا «حزب الله» وحده يصارع طواحين الهواء، ويسجل في مفكرته حركة عداد الانتصارات حيث كان وحيث يجب ان يكون. من دون ان نعكر صفوّ الانتصارات ووعودها المتجددة، وبلا مزيد من تعداد للمهازل والمآسي التي يعيشها لبنان في زمن الدولة المقاومة، والحكومة المقاومة، والرؤساء المقاومين، وتعداد كل ما يمتّ للمقاولات والصفقات والفساد، المستقوي على المواطنين، بقوة “الوفاء” و”السلاح” و”المحاصصة”، من دون تعداد وتكرار ما بات معروفاً، لم يعد لسيّد المقاومة من يقاومه في لبنان، فالانتفاضة او بعض المحتجّين لا يعوزهم اكثر من عشرات الدراجات النارية وشعار “شيعة شيعة…” كي يتفرقوا وتذهب ريحهم، واذا اقتضى الأمر، يمكن اخراج او السماح لمئات من المقرّبين او المتحمّسين، لحرق بعض المتاجر في وسط بيروت، او حرق بعض المصارف وتحطيمها، ثم تتويج ذلك بالمطالبة باقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. لم يعد للسيد من يقارعه في لبنان لم يعد للسيد من يقارعه في لبنان، الحكومة حكومته والرؤساء حلفاؤه ورهن اشارته، واكثر..من كانوا خصوما او اعداء من رموز مرحلة قوى ١٤ اذار، يكاد الواحد منهم يرفع قبضته مطلقاً شعار “لبيك يا نصرالله”. ومن لم يصل منهم بعد الى هذا الشعور او الاستعداد، فهو ممن لا يستحق الانتباه له ولا الاستماع الى صراخه المحدود. ليس لدى نصرالله من يقاتله في لبنان، ويوم ٧ ايار “المجيد” لا فرص لتكراره، طالما ان السلطة بقضها وقضيضها رهن اشارة السيّد، يأخذها شرقاً واذا شاء غرباً، الدولة كلها في عباءته، بفسادها ونقائها، بفقرائها واغنيائها، بثوارها وعملائها، بدولارها وليرتها، بحاكم المصرف والمصارف، فماذا بعد؟  الدولة اللبنانية هذا هو حالها، لذا المشكلة مع اميركا، التي اقرّت قانون قيصر لمحاصرة ومعاقبة نظام الأسد ومعاونيه، والحصار في سوريا ليس عملة اميركية، فقد كان نظام الأسد وحلفاؤه، وانتم منه، قد قدم للشعب السوري نماذج مشهودة للحصار، من مثال الغوطتين الشرقية والغربية، ومخيم اليرموك، وداريا، ومضايا والزبداني واحياء حمص وغيرها… فمهما بلغ الحصار الاميركي من الشراسة، فهو لن يصل الى ما ارتكبه النظام ضد شعبه من اعمال الحصار والتجويع والابادة. ليس لدى “حزب الله” من يقارعه او يقاتله في لبنان، لأن القوى الحزبية والسلطوية على وجه العموم، حالهم ليس كحال اهل الكوفة مع الحسين، اي قلوبهم معه وسيوفهم عليه، حال جلّ المؤيدين من اللبنانيين لحزب الله اليوم كحال من اصطفوا مع يزيد بن معاوية.. سيوفهم معه وقلوبهم ضده. ما يجري وان كان هو من آمال وأمنيات السيّد نصرالله، اي حصوله على فرصة قتال “الشيطان الأكبر”، باعتبار ان هذا القتال لم يتح له في السابق بوضوح كما اليوم، فهو قاتل في سوريا من دون ان ينال هذا الشرف، قواته كانت تحظى بغض نظر اميركي واسرائيلي ان لم يكن اكثر، وكذلك الحال في العراق واليمن وغيرهما..اليوم المواجهة مباشرة، طالما ان واشنطن تستهدف معاقبة نظام الأسد وحلفائه، ولبنان الذي يقوده حزب الله لن يرضى ولن يسمح بتمرير هذا القانون على الأرض، ولا سيما عبر لبنان. التطلع الى الصين وايران يتطلع الى الصين وايران- و ليس معلوما لماذا تحاشى ذكر روسيا سلبا او ايجابا في خطاب الأمس- لا بأس بهذه النظرة طالما انه يمنع اذى اميركا، ومنع اذى اميركا او الحدّ منه، يتفوق على مبررات خوض حزب الله عملية ٧ ايار الشهيرة، ويمكن لحكومة حسان دياب ان تتبنى هذا الموقف طالما هو لمصلحة لبنان، وان لم تقم بذلك فيمكن للحزب وحلفائه ان ياتوا بحكومة جديدة تتبنى هذا الخيار، وبالتأكيد فان السيد نصرالله حين طالب بالتوجه نحو الصين، يدرك بما لديه من معلومات ورؤى استراتيجية ان الصين ستهرول لتنفيذ مشاريعها في لبنان، لاسيما اذا ما قرر لبنان مواجهة قانون قيصر، علما ان الشركات الصينية فرّت من ايران بسبب العقوبات الاميركية، لكن ربما “حزب الله” مطمئن لحماسة الصين التي وثقت علاقاتها مع اسرائيل اسوة بسوريا، انها ستفتح لها البوابة اللبنانية ولو كانت عبر المعبر الاسرائيلي، البحري وربما البري ايضاً. في عام ٢٠٠٦ احد ابرز اسباب قدرة “حزب الله” على استثمار الحرب لصالحه داخليا ..كان الدولار والاكوام التي تدفقت اليه …فتأمل .. لبنان أعجز من مواجهة “قيصر” الواقع يقول ان لبنان المتهالك ماليا واقتصاديا وسياسيا، كذلك سوريا المدمرة، اعجز من ان يواجها قانون قيصر، وهذه حقيقة لا يمكن التغطية عليها بالخطب والشعارات، طالما ان كل السوريين واللبنانيين او جلّهم وصلوا الى مرحلة من السوء الذي يجعلهم يقفون صفوفاً اما الصرّافين في السوقين الابيض والاسود، للتخلص كلٌّ من عملته الوطنية، ويا للمفارقة للحصول على الدولار ! لا بل اذا اراد “حزب الله” الاعتّداد بقوته يقول كما قال نصرالله في خطابه امس، “نحن من نأتي بالدولار الى لبنان”، الدولار هو البوصلة وقبلته واشنطن، الانتصار هنا والهزيمة ايضاً.. في عام ٢٠٠٦ احد ابرز اسباب قدرة “حزب الله” على استثمار الحرب لصالحه داخليا ..كان الدولار والاكوام التي تدفقت اليه تلك التي كانت كفيلة في حينه لأن يتمنى كثيرون عودة الحرب رغم مآسيها، هذه من مآثر الدولار، يعرف السيد نصرالله ماذا عليه أن يفعل ليصمد لبنان ويقارع “قيصر” ..انه الدولار الغائب الحاضر كما الشيطان الأكبر ..فتأمل ..

ينشر باتفاق مسبق مع الكاتب (رئيس تحريرجنوبية )

"حزب الله" الراعي

الرسمي للعهد والحكومة!

علي الامين

تضيق الخيارات أمام "حزب الله" بعد حشره في الزاوية الداخلية وانكشاف أمر أسلحته المدمرة عن بُعد بعد تعطيلها عن قُرب، ودخوله في زواريب السياسة والمال والإقتصاد لأسباب محلية وإقليمية باتت "أشهر من نار على علم"، ليتحول إلى الراعي الحصري "الرسمي" للعهد "المستقوي" وحكومته "البتراء".
والأنكى ان "حزب الله" وبلا وازع أو رادع يُغرق اللبنانيين بمن فيهم أبناء بيئته، في فوضى مالية اوصلت الجميع، باستثناء محميته، إلى الدرك الأسفل من الفقر المدقع، ويظلل مجموعات شغب مخاطراً بالإنجرار إلى اشكالات مذهبية وطائفية لا تحمد عقباها.

فقد كانت حكومة الرئيس حسان دياب إيذاناً بانتقال "حزب الله" من السيطرة المقنعة على الدولة الى مرحلة السيطرة الصريحة على ادارة الدولة وتحديد خياراتها من وقوف الحكومة على باب صندوق النقد الدولي، واطلاق سراح العميل عامر الفاخوري، الى ادارة عملية تقاسم الحصص في التعيينات الادارية، وصولاً الى حماية مصالح القوى التي كانت في الحكومة السابقة من الابتلاع الكامل من قبل اركان قوى 8 آذار، او من الاركان الجدد من ادواته او حلفائه كالرئيس حسان دياب.

لم تجد الحكومة الحالية من تحادثه في الخارج من دول عربية او غربية، وأظهر تشكيلها ان هذا الخارج ينظر اليها باعتبارها حكومة "حزب الله"، فلا رسائل متبادلة تشير الى وجود الثقة مع الخارج، الذي بات ينتظر الحكومة المقبلة او ما سيخلص اليه المشهد اللبناني في ظل الأزمة الخانقة التي يعيشها، وما ستنتهي اليه سياسة الحكومة التي تتمنع عن القيام بأي خطوة اصلاحية جدّية تبني من خلالها الثقة مع هذا الخارج الذي احالها الى صندوق النقد الدولي، والثقة مع الداخل التي تظهر الوقائع في الشارع انها حكومة صامدة بقوة سلاح "حزب الله" وسطوته الامنية والعسكرية.

الحكومة والاستسلام

لم يحظ حسان دياب بدعم المجموعات المنتفضة في الشارع، ولم يلق تعيينه ترحيباً في البيئة السنية، بل يعاني من عزلة سياسية على هذا الصعيد، وهو اظهر بشكل عملي ومن خلال التعيينات الادارية والمشاريع الحكومية، انه وفيّ لمن اوصلوه الى سدة الرئاسة الثالثة، وبدا مطواعاً لمتطلبات "حزب الله" السياسية لارضاء حلفائه، وبعيداً كل البعد عن نبض الشارع الذي يطالب بالاصلاح والخروج عن نظام المحاصصة والفساد.

 

هذه الحكومة تكشف يوماً بعد يوم عن عجز مقيم تجاه إظهار ارادة التغيير، بل عن استسلام مقيم لمنظومة السلطة التي باتت محكومة بالمزيد من الشيء نفسه في ادارة الشأن العام، لأنها شديدة الانتباه لمصالحها غير المشروعة، والتي بات الاصلاح مشروطاً بتفكيكها وتقويضها.

العصبية الطائفية وادارة صراعاتها وتناقضاتها شكلت في السنوات الاخيرة إحدى وسائل سيطرة "حزب الله" على السلطة، فقد كانت العلاقة التحالفية تترسخ مع الرئيس ميشال عون، ومع رئيس التيار الوطني الحر وتتعزز، كلما زادا من شدّ العصب المسيحي وتمتينه، وتجييره في سياق يظهر ان سلاح "حزب الله" هو عنصر قوة للمسيحيين، في وقت كانت الدولة تزداد هشاشة وضعفاً فيما الدويلة تنمو وتتمدد.

وفي سياق معادلة المتاريس المذهبية والطائفية، كان من الطبيعي ان أقرب حليفين لـ"حزب الله" اي الرئيس نبيه بري وحركة امل من جهة، وباسيل والتيار العوني من جهة ثانية، كانا الأكثر اصطداماً وتحريضاً متبادلاً، ولم يضر ذلك "حزب الله"، وكلاهما كانا الأكثر كسباً في النفوذ والسيطرة مقابل الولاء للخيارات الاستراتيجية لـ"حزب الله".

انتفاضة 17 تشرين

الانتفاضة في 17 تشرين وامتداداتها تهدد هذه المعادلة السلطوية، لأنها عاجزة بطبيعتها عن ان تكون طائفية او مذهبية، فهي قامت على نبض مناقض للمحاصصة وعلى نقيض مشروع السلطة في ادارة الدولة، وهي غير قابلة بطبيعتها ايضاً للانخراط في نظام المحاصصة، لذا برزت رغم الخيبات، عصيّة على الاستحواذ والتحكم، وتنوّعها بقي عصّياً على التحوّل الى تناقض رغم الجهود التي بذلها "حزب الله" في سبيل القضاء على روح التغيير الديموقراطي التي تعبّر عن تطلعات اللبنانيين في قيام الدولة. يمكن ان يقال الكثير عن الاحتجاجات، ولكن الثابت ان التغيير والخروج من دوامة عجز السلطة وعبثيتها اصبحا رهن ارادة الشارع المتنامية والمتصاعدة.

استحضار الخطاب الطائفي وشعاراته هو تعبير عن العجز ويعكس الارباك لدى السلطة، اذ ليس لدى السلطة في ما تبقى لها من اوراق داخلية، الا السعي لاعادة المتاريس الطائفية والمذهبية، وهو وسيلة تصطدم بعوائق كثيرة. أما الاستعانة بالتصويب على حاكم مصرف لبنان، فلم تعد نافعة، طالما انّ تغييره لم يعد مجدياً لهذه السلطة بقدر استمراره في موقعه، وطالما ان الرئيس نبيه بري يتولى رعايته وتسريب طلبات حليفه اليه.

لم يعد الالتفاف على الأزمة متاحاً بالطرق التي ألفها "حزب الله" في ظروف سابقة، اي بـ 7 ايار جديد، او القيام بحرب ما، ولا الحملات الاعلامية والتخوينية باتت مجدية، فذلك كله لم يعد كافياً لأن يسد رمقاً أو يخفف اوجاعاً مالية واقتصادية تكتسح الجسم اللبناني بأكمله. ليس لدى الحزب ما يقدمه لتهدئة غضب الشارع، غضب بات في بيئته، هو اليوم بخلاف ما كانت عليه الحال غداة حرب تموز 2006، يوم تدفقت الاموال الايرانية والعربية على لبنان، اليوم ما يخرج من اموال اكثر مما يدخل اليه، والمال الايراني وحتى العربي بات عصياً على اللبنانيين ولأسباب مختلفة، سكت الناس في تلك الحرب عن الدمار، لأن "حزب الله" والحكومة عوّضا القسم الكبير من الأضرار والخسائر المادية المباشرة، امّا اليوم فودائع اللبنانيين في البنوك اللبنانية قد نهبتها السلطة عملياً، وان كانت ارقاماً مسجلة لأصحابها في ذمة البنوك، وفرص النهوض المالي والاقتصادي تتلاشى، والفقر والجوع يتسللان الى معظم العائلات اللبنانية، والمؤسسات التجارية تغلق ابوابها، والبطالة تتفاقم والعملة الصعبة تختفي في بلد يعتمد على الاستيراد من الخارج، لا بل يجري تهريبها بوقاحة الى سوريا، في عملية مستمرة لاستنزاف لبنان في سبيل نظام مستعد ان يبيع بلده من اجل ان يبقى على هرم سلطة خاوٍ.

المأزق الذي خلص اليه "حزب الله"، هو انه بات يفتقد الى خصم في لبنان يمكن ان يقنع جمهوره بانه المسؤول عن الأزمة التي وصل اليها لبنان، رياض سلامة والمصارف ليسا كافيين، طالما ان "حزب الله" بات الحاكم الفعلي للدولة، وطالما ان الحكومة حكومته وباسيل حليفه وربيبه، وطالما ان الرئيس بري حليفه، ورئيس الجمهورية هو الرئيس المقاوم، فماذا بعد؟

استعراض فائض القوة في الشارع لا يسد جوعاً ولم يعد ينفع، التغيير بات قدراً وليس مطلباً، في السلطة وفي فك الارتباط مع النظام السوري اذا اراد لبنان التفلت من قانون قيصر.

(نداء الوطن) البيروتية

 

عندما يدس «حزب الله»

1559 في حراك ٦ حزيران

 

علي الأمين

ينتقل “حزب الله” الى مرحلة من التحكم بمفاصل الدولة ومصائر الناس، يُمكن ان تُعد الأخطر ممارسة وأهدافاً. ولعل التلاعب بالأدلة السياسية والمذهبية والفتنوية في مسارح جرائمه المتمادية بحق الحراك لشيطنته والذي بلغ ذروته امس، لم يحقق له نظرية “الجريمة الكاملة” من ساحة الشهداء إلى عين الرمانة وصولا إلى كورنيش المزرعة. السحر انقلب على الساحر أمس، وضبط حزب الله ب”الجرم المشهود” وهو يدس شعار القرار 1559 ونزع سلاحه في صفوف وعقول أدواته التخريبية، التي كانت تخلو منها الساحات، وشن حروب طواحين الهواء الوهمية على المنتفضين لإستخدام مظلومية جوفاء ومحاولة بائسة لإفشال صرخة الجوع والقهر بوجهه ووجه العهد والحكومة تهرباً من مسؤوليتهم. ففي مشهد ٦ حزيران ٢٠٢٠ اعلان ميداني لسقوط “الحجّر السياسي” الذي سعت الحكومة ورعاتها الى فرضه تحت جنح جائحة الكورونا. استكمال عملية ازالة الخيم بقرار من وزارة الداخلية، بعد حرق بعضها في ساحة الشهداء وفي ساحة رياض الصلح، كان مؤشراً على استعجال الحكومة استثمار اجراءات مواجهة الجائحة، لانهاء مشهد ساحات الحراك الشعبي تماما، بعدما كانت نجحت قبل ذلك، احزاب السلطة وعسسها في انهاء بعض الساحات التي رمزت لانتفاضة تشرين، من جل الديب والنبطية وغيرها ومحاولات فشلت نسبيا، في مناطق أخرى في صور وكفررمان وغيرهما. نزل الاف اللبنانيين الى ساحة الشهداء ليكسروا نهائيا الحجر السياسي، وليسقطوا كل القرارات التي تريد لهم البقاء في بيوتهم، بعيدين عن الشارع وساحات التغيير، والغاية التي دفعتهم الى الشارع التأكيد على ان الشعب لا يمكن ان يهدأ، طالما ان شيئا لم يتغير في سلوك السلطة، المحاصصة على حالها والفساد ايضا، ولا مرتكب جرت محاكمته، ولا سياسات حكومية تخفف من وقع الأزمة الطاعنة في حياة اللبنانيين الى حدّ الانهيار الكامل لنظام عيشهم حجم التحريض على دعوات النزول الى وسط بيروت في ٦ حزيران، لم يكن عفوياً، ولا تعبر عنه الصاق تهمة انه تجمع للمطالبة بتنفيذ القرار الدولي رقم ١٥٥٩، رغم ان البعض من مجموعات الحراك المحدودة يتبنى هذه الدعوة ولم يتوقف عن المطالبة بتنفيذه، وهذا ليس مطلبا مستجدا وهو لا يخلّ بالأهداف الثابتة التي لا تزال تجمع كامل طيف انتفاضة تشرين، وهو اسقاط الحكومة وتشكيل حكومة مستقلين والتمهيد لانتخابات نيابية مبكرة وتحرير القضاء واستقلاليته. لم تكن التجمعات الحزبية للثنائي الشيعي على تخوم ساحة الشهداء عفوية، بل شديدة التنظيم، ثمة من يدير ويوجه، وكان انتشار العناصر الحزبية المنظم لنقل الوقائع الى غرفة العمليات التي تدير هذه المجموعات، واضحا لمن يتابع المشهد الميداني، على طول الطرق المؤدية الى وسط بيروت، خصوصا عند تقاطع بشارة الخوري نزولا الى الوسط. لم يكن شعار “شيعة شيعة شيعة” الذي ينطلق من حناجر الذين تجمعو عند تخوم جسر الرينغ، يجد من يعترض عليه من منظمي هذه المجموعات وموجهيها، وهم كانوا قادرين على ضبطهم، طالما كانت تستجيب هذه المجموعات لتوجيهاتها بالتجمع، وفي التقدم وفي التراجع، وفي استدعاء دعم مجموعات وصولا الى ارسال مجموعات للنزول الى ساحة الشهداء كما حصل امس من دون ان يحصل اي صدام. إقرأ أيضاً: علي الأمين يُعلّق حول توقيت التظاهرات المطالبة بنزع السلاح.. ما علاقة صندوق النقد؟ لقد تهاوت فكرة ان الجموع في وسط بيروت هي جموع مطالبة بتنفيذ القرار ١٥٥٩، من حضر شخصياُ لا يلحظ وجود ما يوحي بذلك، ولكن في الحد الادنى كان من الصعب ايجاد شعارات تطال هذا القرار، بل كان من اليسير رؤية المطالبة باسقاط حكومة حسان دياب، والمطالبة باستعادة المال المنهوب، والدعوة الى محاكمة الفاسدين، والأعلام اللبنانية التي كانت وحدها ترفرف مرفوعة فوق هامات الجموع المحتشدة. فشلت عملية وضع الحراك في زاوية القرار ١٥٥٩، فانتقل المحرضون على التجمع الى مكان آخر، الى عين الرمانة في محاولة مكشوفة لخلق توتر طائفي والى كورنيش المزرعة لاستجرار توتر مذهبي، والغاية هي تخريب المشهد الذي شكل امتدادا لمشاهد انتفاضة تشرين. “شيطنة” الحراك مستمرة وستستمر، من خلال محاولات استعادة ما طوته انتفاضة تشرين، عندما رمى اللبنانيون خلف ظهورهم لعبة السلطة الطائفية، وقرروا النزول الى الشارع كمواطنين لبنانيين متحدين في مواجهة سلطة النهب والمصادرة، لذا محاولات استحضار خطوط التماس المذهبية والطائفية، هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق امرين: اولا، القضاء على الانتفاضة التي وحدت اللبنانيين، تلك التي ادرجها امين عام حزب الله في الخانة الاسرائيلية قبل اسابيع، من دون ان يطال في اتهامه ايّا ممن كان يدرجهم في السابق في خانة المتآمرين لاسيما (الحريري وجنبلاط وجعجع) بل حصر التهمة في مجموعات الحراك. ثانيا، حماية حكومة حسان دياب التي سيعني سقوطها فقدان “حزب الله” لأداة سياسية هو من خلقها ويحميها ولا وظيفة لها سوى حمايته، وسقوط هذه الحكومة في نظر الحزب وحلفائه، هو دخول في مرحلة لا يريد الحزب الدخول اليها بعد، اي بدء الاصلاح وضرب نظام المحاصصة والفساد الذي يحميه ويحتمي به. سلاح المقاومة لم يكن هو من جمع المحتجين في ساحة الشهداء، لكن مطلب الدولة وتطبيق القانون كان جوهر التحرك، فيما كشف يوم ٦ حزيران هذا السلاح، في وظيفته الفعلية التي باتت تحول دون التغيير، ويمنع ضبط الحدود، ويدير مجموعات لا وظيفة لها الا استدعاء الفتنة من عين الرمانة الى الطريق الجديدة.

(نداء الوطن)



 

اعتذار يستحضر سيرة "أبو خالد":

من عبد الناصر إلى كمال جنبلاط وأبو عمّار

علي الأمين

 

في مناسبة مرور 48 عاماً على تأسيس "منظمة العمل الشيوعي" في لبنان، قدّم عضو الهيئة التنفيذية وأمين سر "المنظمة" في البقاع حاتم خشن في حفل عشاء أقيم في البقاع (السبت)، اعتذاراً باسم "المنظمة" من كلّ اللبنانيين "عن مغامرة التغيير بواسطة الحرب الأهلية التي نتذكرها كي لا ننسى، فتتكرر"، وتوجه إلى اللبنانيين قائلاً: "سنقف معكم، في وجه كل من يسعى لإشعال نارها الكامنة تحت رماد الطوائف وتنازعها على الحصص".

أن يقوم طرف سياسي لبناني شارك في الحرب الأهلية العام 1975، بتقديم اعتذار من اللبنانيين عن مشاركته في الحرب باعتبارها سبيلاً للتغيير، هو أمر يستحق التوقف عنده، والتأمل في معانيه ودلالاته، بل التقدير لهذه الجرأة الأخلاقية التي نفتقدها في الحياة السياسية، لا سيما في الاصطفاف المرَضي الذي يجعل من كل طرف، أو حتى فرد في لبنان، ينحو نحو تبرئة الذات وإلقاء اللّوم على الآخر لدى الاقتراب من الحرب وسيَرِها المثقلة بالدّم والتّهجير والدّمار، في منحى لا يزال طاغياً في تفكير العديد من الأحزاب وحتى الأفراد الذين شاركوا في الحرب، عبر تظهير مظلومية الذات لتبرير ارتكاباتها أو ما ارتُكب باسمها. وهذا ان دلّ على شيء فهو يدل على أن الحرب لم تنته، ولم يتم تجاوزها بعد الى برّ السلام الوطني والأهلي.


"
الرفيق أبو خالد"

"
منظمة العمل الشيوعي" التي نشأت في العام 1971، كتنظيم يساري ثوري، كانت في مقدّم القوى السياسية والحزبية، المنضوية في اطار "الحركة الوطنية اللبنانية" بقيادة كمال جنبلاط، وكان محسن إبراهيم الأمين العام لـ"المنظمة" منذ تأسيسها، الأمين العام التنفيذي لـ"الحركة الوطنية"، وهو موقع استمر فيه "أبوخالد" الى حين أفولها (1982) الذي كان يعتبر المنظّر السياسي، والمُبلور لمواقفها السياسية، والقادر على إدارة الخلافات والتناقضات بين فرقائها. السطوة السياسية لدى "الرفيق أبو خالد" كما يحب رفاقه واصدقاؤه أن ينادوه، كانت تتأتى من براعة سياسية وتنظيرية يقرّ له بها الخصوم، جعلت الزعيم كمال جنبلاط متمسكاً به، لكفاءته وبراعته في صوغ الموقف السياسي، وفي النيابة عنه في إدارة العلاقة مع أحزاب الحركة الوطنية، وفي علاقاتها السياسية مع بقية القوى اللبنانية وغير اللبنانية.


محسن إبراهيم (1935) الذي نشأ في أحضان "حركة القوميين العرب" التي تأسست مطلع خمسينات القرن الماضي وعلى اثر النكبة الفلسطينية العام 1948، كان واحداً من كوادرها وقد برز وتقدم الصفوف فيها، ونجح خلال فترة وجيزة في أن يبني صلة مع الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، فهذه "الحركة" التي انفرط عقدها لاحقاً بعد هزيمة العام 1967، كانت تتسم بطابع عربي، لم تكن لها أي خصوصية قطرية، وكان من مؤسسيها في حينه طلاب جامعيون عرب في بيروت، مثل جورج حبش، وديع حداد، احمد الخطيب، صالح شبل وحامد الجبوري وغيرهم...



بين نكبة 48 ونكسة 67 عاشت "حركة القوميين العرب"، وبعد النكسة تفرق العشاق وتأسست من رحم "الحركة" قوى وأحزاب اتخذت طابعاً ماركسياً، كان طغى على معظم القوى التغييرية العربية في ذلك الحين، كسبيل لمواجهة الهزيمة وتحقيق التغيير في الداخل الوطني. فكانت "منظمة العمل الشيوعي" لاحقاً، وفي بداية السبعينات، احد هذه التعابير التي تزاوجت بين منظمة "الاشتراكيين الثوريين" و"لبنان الاشتراكي". في المؤتمر التأسيسي الأول تم انتخاب هيئة قيادية، كان منها حكمت عيد، وضاح شرارة، احمد بيضون، محمد كشلي ومحسن إبراهيم الذي انتخب أميناً عاماً ولا يزال.

بعد فترة وجيزة، وقبل الحرب، ترك الباحثان اللامعان وضاح شرارة وصهره أحمد بيضون "المنظمة"، فيما أكمل أبو خالد قيادة المنظمة، الى جانب نخبة من اليساريين الذين لمَع منهم كثيرون لاحقاً في مجال الفكر والسياسة والصحافة، على سبيل المثال الراحل سمير فرنجية كان واحداً من الذين انتسبوا للمنظمة ولو لفترة وجيزة، الراحل نصير الأسعد وعدنان الزيباوي وغيرهم من الكوادر السياسية التي عملت في فريق الراحل رفيق الحريري وقد أثرت في ماكينته السياسية والتنظيمية عشية انتقاله الى لبنان رئيساً للحكومة في العام 1992.


ينقل أحد أعضاء "المنظمة"، عن أبو خالد أنه لعب دوراً في ترتيب أول لقاء بين الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات في العام 1968. على أن علاقته الوثيقة بعرفات كانت من معالم هوية محسن إبراهيم ولا تزال، فهذه العلاقة جعلت منه في كثير من المحطات في موقع المسؤول الفعلي عن الملف الفلسطيني في لبنان بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت في العام 1982، وعلى خلاف معظم احزاب "الحركة الوطنية"، لم يخف أبو خالد علاقته السياسية والشخصية مع ابو عمار، على رغم ضغط النظام السوري الذي كان يخوض معركة انهاء أي علاقة بين لبنان وحركة فتح وتحديداً زعيمها ياسر عرفات. ربما هذا ما يفسر غياب أبو خالد عن المسرح السياسي الذي رسمته دمشق، وبقي محافظاً على علاقات ثابتة تركزت مع رئيس "الحزب الاشتراكي" وليد جنبلاط، وعدد من الشخصيات السياسية، الى جانب متابعاته للملف الفلسطيني في كل المحطات الأساسية والمهمة، من حرب المخيمات في منتصف الثمانينات الى المواجهات التي تنقلت في محيط المخيمات وصولاً الى اتفاق الطائف ومرحلة تسليم سلاح الميليشيات ومنها الفلسطيني في مطلع التسعينات.


في منزل كمال جنبلاط

لعل البيان الشهير الذي صاغه والأمين العام لـ"الحزب الشيوعي" جورج حاوي في 16 أيلول العام 1982 في منزل كمال جنبلاط في وطى المصيطبة، سيشكل إحدى المحطات الأساسية في سيرة محسن إبراهيم، وهو اعلان "المقاومة الوطنية" ضد الاحتلال الإسرائيلي، ويكتسب هذا الإعلان أهميته، من كونه أول اعلان رسمي يعبر عن مشروع المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال، الذي كان قد احتل أكثر من نصف الأراضي اللبنانية. واستتبع هذا الإعلان دور فاعل على صعيد المقاومة العسكرية التي أدت الى انسحاب إسرائيل من معظم المناطق التي احتلتها في العام 1985، وهي مرحلة شهدت بروز "المقاومة الوطنية"، التي بدأ أفولها لصالح "المقاومة الإسلامية" التي حظيت بحماية ودعم سوريين بخلاف "المقاومة الوطنية" التي تعرضت الى حصار وخنق سوريين بالدرجة الأولى.

محسن إبراهيم الذي ولد في بلدة أنصار في قضاء النبطية، ينتمي الى عائلة دينية معروفة ولها حضورها التاريخي على هذا الصعيد، لكن نشأته الأولى كانت في مدينة صيدا التي أتاحت له أن يكون مطلاً على مناخات اجتماعية وسياسية متنوعة، في الاربعينات والخمسينات، وقد تزوج من احدى فتياتها وهي كريمة مفتي صيدا آنذاك سميرة فأنجبت له ثلاثة أولاد.



قضيتان شغلتا مسار حياة محسن إبراهيم، فالى جانب القضية الفلسطينية التي صارت من معالم شخصيته وتاريخه السياسي، قضية التغيير التي بقيت أساساً في كل مطالعاته السياسية منذ البرنامج الإصلاحي للحركة الوطنية، وما تلاه من مطالعات سياسية واجتماعية كانت تحظى باهتمام النخب السياسية. جاذبية محسن إبراهيم نخبوية، هو ليس قيادياً شعبياً، لكنه يمتلك كاريزما سياسية لدى النخب، بسبب ثقافة سياسية مميزة، وذاكرة قوية، ودينامية عالية في الحركة، تجعله قريباً حتى من خصومه.

لعل رحيل ياسر عرفات كان اكثر ما أثر في ابو خالد، فانكفأ نسبياً بعد ذلك، وتوقف عن تقديم مساهمات سياسية فكرية كان يحرص على ان يقدمها دورياً، لعله كان اللبناني الأقرب الى ابو عمار، فالعلاقة الوثيقة لم تنقطع منذ تعارفا في نهاية الستينات الى يوم رحيله مسموماً في رام الله العام 2003.


في الاعتذار الذي تقدمت به "منظمة العمل الشيوعي" من اللبنانيين، ومهما كان حجم وموقع هذه "المنظمة" اليوم، الا أنه اعتذار يستحضر سيرة أبو خالد ما لها وما عليها، مع بقائه من بين ألمع السياسيين والحزبيين الذين مروا في تاريخ لبنان، والاعتذار من اللبنانيين مثال..  

(نداء الوطن)

 

"قيصر"... يجرّ لبنان

إلى ويلات سوريا!

علي الأمين

 

قدر لبنان ان يعيش "رهين المحبسين" الإيراني والسوري، معطوفاً على رهينة صراعات إقليمية ودولية. غير ان "الإبتلاء التاريخي" بسوريا، لم يمكّن لبنان يوماً من أن يتنعم بطعم الحرية والسيادة والإستقلال منذ أيام الوصاية المباشرة حتى اليوم. وخلاصات ونتائج المسار السوري في لبنان تنضح أكثر من الوقائع المرة بهذا الواقع، فعندما تكون سوريا قوية "تستقوي" وتفرط في استخدام القوة المباشرة وغير المباشرة على لبنان، وعندما تكون ضعيفة "تستضعف" لبنان أكثر فأكثر وتجره معها إلى ويلاتها، وبالتالي تأخذ دول القرار لبنان بجريرتها.

ولعل خير دليل حديث، إقرار "قانون قيصر" الأميركي هذا الشهر، المتعلق بتنفيذ عقوبات ضد النظام السوري والمتعاونين معه مالياً واقتصادياً، من أفراد وشركات ومنظمات حكومية وغير حكومية، فان لبنان سيخضع لمزيد من الضغوط المالية والاقتصادية، إما بسبب ما يمكن ان يصدر من عقوبات على جهات لبنانية بسبب تعاونها مع النظام السوري، او بسبب المزيد من استثمار النظام السوري للنافذة اللبنانية من اجل الحدّ من آثار العقوبات الأميركية عليه.

في كلتا الحالتين سيكون لبنان أمام مرحلة جديدة من التحديات النقدية والاقتصادية، وسط اصرار "حزب الله" على عدم السماح بما يصفه المقربون منه "عملية خنق "حزب الله" وسوريا"، وعلى الأرجح سيكون لبنان امام مشهد جديد من الانهيار المالي، بسبب عدم الاستجابة العملية تجاه "قانون قيصر"، ويرجح المراقبون ان يهبط مجدداً سعر صرف الليرة، بسبب الاختلالات الاقتصادية المعروفة من جهة، وازدياد الطلب على الدولار لأسباب سورية ولبنانية. وعلى الرغم من الزيارتين اللتين قام بهما الى الحدود الشرقية مع سوريا والى مقر قوات "اليونيفيل" على الحدود الجنوبية، فان رئيس الحكومة حسان دياب يعلن على طريقته اقصى حدود الاستعداد اللبناني للالتزام بموجبات القرار الدولي 1701 من جهة، والعمل على ضبط المعابر غير القانونية على الحدود مع سوريا، في رسالة ضمنية الى ان الحكومة اللبنانية لا تستطيع بمفردها ان تقوم بالمهمات الموكلة اليها ضمن القانون الدولي.

 

وعلى رغم ان اللبنانيين يعلمون ان حكومة حسان دياب، تعكس في مكوناتها ميزان القوة الذي يتحكم به "حزب الله"، فان امين عام الحزب يستمر في اسلوب التنصل من مسؤوليته عن تشكيل هذه الحكومة، بالقول ان هذه الحكومة ليست حكومة الحزب، وفي مقابلته الأخيرة مع اذاعة النور التابعة للحزب قبل ايام، قال: "لو كانت هذه الحكومة (اي حكومة حسان دياب) حكومة "حزب الله" لكنا اتخذنا الخيار المشرقي او الشرقي". وهذا الموقف ان دلّ على شيء فهو يدل على أنّ "حزب الله" يريد ان يحكم من دون ان يتحمل المسؤولية، فيقدم حكومة حسان دياب عندما يتطلب الأمر طلب المساعدة من صندوق النقد الدولي او غيره من دول، ويتقدم هو حين يتصل الأمر في تحقيق سيادة الدولة على اراضيها، وحصر السلاح بيد القوى الأمنية والعسكرية على كل الأراضي اللبنانية والمعابر الحدودية، فيرفض ويمتنع ويحرص على حماية الفوضى الحدودية، ويشترط ضبطها من خلال التنسيق مع النظام السوري كما اكد قبل اسبوعين نصرالله نفسه.

على هذا المنوال ينسج لبنان قماش المرحلة المقبلة، اي المزيد من التسليف الاقليمي باتجاه المحور الايراني، في مقابل المزيد من الاستنزاف الداخلي سياسياً ومالياً واقتصادياً، لا تتقدم المصالح الوطنية والدولتية اللبنانية في حسابات السلطة اللبنانية، على حسابات حزبية وفئوية ضيقة، ولا الحسابات الاقليمية والخارجية التي تجعل من لبنان ورقة في الحسابات الخارجية.الشعب اللبناني دفع كلفة تعزيز المصالح الحزبية والفئوية في الداخل، مزيداً من الفساد وتراجع الدولة، وأجبر على دفع فواتير خارجية لحساب مصالح خارجية سواء كانت لحساب النظام السوري او لتعزيز النفوذ الايراني.

ومع بدء تطبيق "قانون قيصر" يبدو ان لبنان سيظل رهينة الصراع الاميركي الايراني، والحلول التي كان يمكن للدولة اللبنانية ان تحصدها لصالح حماية الكيان، وللجم الانهيار المالي والاقتصادي، وللحدّ من العقوبات، تبدو غير متاحة، طالما أن اوراق التفاوض في الخزنة الايرانية، وما يمكن ان يناله لبنان دولياً، سيكون من فتات المائدة الأميركية - الإيرانية، اذا ما فرشت هذه المائدة، فالأولويات الايرانية في اي عملية تفاوض، تتقدم بالضرورة على الأولويات اللبنانية، والأوراق التي قد تتخلى عنها ايران ستكون على حدود اسرائيل وفي لبنان وسوريا، وهذا ثمن اضافي سيدفعه لبنان، بلا مقابل، طالما ان "حزب الله" لا يزال يعتبر أن اولوية حماية المحور الايراني تتقدم على المصالح الوطنية اللبنانية، من خلال ابقاء لبنان ساحة مفتوحة. ربما كان ذلك ممكناً في زمن مضى، الا انه اليوم بات يهدد وجود الدولة بل الكيان.

(نداء الوطن) البيروتية

 

)حزب الله( يتآمر..

«يتمنع و هو الراغب» بسلامة!

علي الأمين

ليس أبشع على اللبنانيين ان يتحكم بإرادتهم ومصيرهم فصيلاً ك “حزب الله”، تارة يستقوي براعيه الإقليمي و برفع سلاحه “الصاحي” او “منتهي الصلاحية” بوجههم حيثما تدعو الحاجة، وطوراً عبر حلفاء المصالح غير السوية والضيقة المحليين، ممن يطلقون يده وأفكاره ومناوراته العبثية لتصفية حسابات و”تأديب كبار القوم” لتطويعهم، غير آبه بإغراق السفينة اللبنانية ومن عليها، كونه يجيد القفز منها في “الوقت المناسب”.  غير أن ما “يعزي” نسبياً انه ألاعيب “حزب الله” ونواياه المريبة، باتت فاقعة ليس على عموم اللبنانيين فحسب، إنما داخل بيئته الشيعية، بعدما إنكشفت  “إدارته” المفضوحة في ملف الدولار وارتفاع سعره بشكل مشبوه، ومحاولته البائسة لإبعاد نفسه عن دائرة الإتهام، عبر شن حملة “متذاكية” متلطياً وراء الحكومة، على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ل”شيطنته” وتحميله المسؤولية علناً، فيما “تتمسك” به ضمناً أكثر من أي وقت مضى تبعاً لمصالحها المحلية والخارجية. إقرأ أيضاً: «حزب الله» يغطي «سموات» الفساد بـ«قبوات» الإنتخابات! ولكن لا تبدو الحملة المستمرة من قبل الحكومة ورعاتها في “الممانعة”، سوى ادانة لهذا الفريق الذي يتهم حاكم المصرف بالمسؤولية حيال ما يتعرض له لبنان من مآس مالية وتدهور في قيمة العملة الوطنية، والامعان في هذا السلوك، بات يكشف عن هزال السلطة التي يتقاذف اطرافها كرة النار التي اشعلوها هم، وما الترويج الى أن السفيرة الأميركية في بيروت، قد حذرت اطراف هذه السلطة من اقالة سلامة، من قبل اعلام الممانعة، الا محاولة بائسة ويائسة للاقرار بعجز “التيار الوطني الحر” و “حزب الله” ورجلهم رئيس الحكومة، عن الرد على ما يفترض انه تدخل خارجي في شؤون لبنان الداخلية هذا من جهة، والاقرار من قبل “حزب الله”، عشية عيد التحرير في ٢٥ ايار الجاري أن رياض سلامة هو اقوى من كل السلطة التي تحتاج باجراء بسيط اقالته بعد الكشف عن جرائمه المالية بحسب زعمهم وقد يكونوا محقين. الظاهر أن هذه السلطة انطلاقا من سلوكها الجبان تجاه سلامة، كما هو ظاهر على السطح، تقول نحن عاجزون عن اقالة حاكم مصرف لبنان. لكن باطن الأمور لم يعد بحاجة الى كثير من التدقيق لتظهير مشهد الانقسام على انه بين حاكم المصرف وامتداداته المالية والنقدية، وبين السلطة السياسية التي تحاول عبثا التنصل من مسؤولياتها وادّعاء العفاف مما نال لبنان واللبنانيين. هذا الجدل العبثي، ينطوي على اعتقاد، بل تمنّ ان يكون حاكم مصرف لبنان رأس حربة واشنطن في لبنان، وهو اعتقاد واهم وتمنّ في غير محله، ما لا تريده حكومة حسان دياب ومشغلوها، ان يكون لبنان الذي يحكمونه، بات خارج الاهتمام الدولي والاقليمي، ايّ ان الذين يرفضون مساعدة لبنان بسبب سيطرة “حزب الله” عليه، كما يردد اكثر من مسؤول عربي واميركي واوروبي، لن يقلقوا كثيرا فيما لو استكمل الانهيار دورته وتحوّل لبنان الى نموذج أول للدولة الفاشلة في العالم، وبالتالي فان بقاء سلامة او رحيله “حيّاً او ميتاً” لا يغير في واقع الأزمة المستفحلة شيئاً.  فالحل في لبنان، شروطه واضحة، يختصرها الاصلاح، وهو حل يتحمل مسؤوليته الداخل وليس الخارج، اي أن الاصلاح بات يتطلب تغييراً جذرياً في منظومة السلطة، وآلية الحكم، وفي وضع حدّ لكل الخلل الذي يسبب الافساد والفساد، وبعد اكثر من ستة شهور على “انتفاضة ١٧ تشرين”، تتضح الصورة اكثر ان الاصلاح والتغيير هذا بات شرطا وجوديا لبقاء لبنان ولقيام الدولة. كان الأمين العام ل”حزب الله” يردّد في محطات عديدة خلال العشرين عاماً الماضية، ان عروضا دولية قدمت له مقابل نزع سلاح  الحزب، اقله استلام السلطة، وغيرها من المليارات التي ستتدفق لحزبه وللبنان، مقابل نزع سلاحه. ربما كان ذلك حقيقيا يوما ما، ولكن ما نحن فيه اليوم بالتأكيد انه صار وهما، فهذا السلاح لم يعد ثميناً كما كان، بل لم يعد اولوية وبات تفصيلاً خارجياً، طالما انه لم يستخدم لتجاوز الخطوط الحمر، وطالما باتت روسيا الضمانة الاضافية لجعل هذا السلاح يكتفي بوظيفة حماية الاستقرار على الحدود مع اسرائيل، امّا الوظيفة اللبنانية لهذا السلاح كسبيل للاستقواء الداخلي، فهو شأن لبناني، لم يكن أولوية لدى الاميركيين او الاسرائيليين، فكل الاستخدامات الداخلية له، لم تثر اي اهتمام من قبل المجتمع الدولي، فلا  ٧ ايار ٢٠٠٨ حركت الاساطيل الاميركية، ولا الطائرات الاسرائيلية، وهذا أقل اهمية لدى واشنطن من قضية عامر الفاخوري، ولا يرقى الى مستوى الاشتباه بدخول شاحنة اسلحة متطورة ل”حزب الله” عبر الأراضي السورية، ويمكن ملاحظة ان تعطيل الحزب  لانتخاب رئيس جمهورية لعامين ونصف  لم يستفز واشنطن ولم يحرك اسرائيل. ما ينتظر لبنان هو تداعيات خيارات السلطة وقراراتها الحالية والمستقبلية، لا المؤامرات الخارجية ولا المطامع بالثروات التي تفتقد جاذبيتها، ولا بالطبع القلق على أمن اسرائيل، فمعادلة الأمن أو “توازن الرعب” أو “قوة الرّدع” كما يسمي السيد حسن نصرالله، سمح لاسرائيل ان تضم الجولان، وتضم الضفة الغربية، وتعمل باطمئنان على تصفية القضية الفلسطينية، وتستكمل التطبيع مع الدول العربية، كل ذلك يؤكد ان سلاح “حزب الله” لم يكن عائقاً، بل ربما كان مدخلا اسرائيليا لاختراق كل المنطقة العربية، وهو الى حدّ كبير تحوّل بغطاء دولي الى وسيلة من وسائل تحقيق أهداف السيطرة الدولية على المنطقة، وفي أحسن الأحوال موطأ قدم ايرانية، اثبتت في السنوات العشر الأخيرة انها كانت أفضل وسيلة لاضعاف وتدمير الدول التي وطأتها، واضعاف الحصانات العربية امام التطبيع والهرولة تجاه اسرائيل. وتأسيساً على ما تقدم، يتحول السلاح الى عبء على الدولة اللبنانية، لا على ما عداها، اضراره على العدو هامشية بل هو بمثابة سلاح صدئ، وفوائده اللبنانية اليوم يصعب اكتشافها، طالما أن الفساد والأنهيار المالي والاقتصادي، يوفر على اسرائيل وسواها من الأعداء عناء الحرب واكلافها، وطالما ان نصرالله يدرك ان زعامته الشيعية باتت مرتبطة بعدم الانجرار الى اي مواجهة  عسكرية مع اسرائيل، بينما الأضرار فعلية، طالما انه تحول الى سلاح داخلي، “يعلي من يشاء ويسقط من يشاء” في السياسة اللبنانية، وطالما انه شكل ولا يزال مصدر الحماية شبه الوحيد لمعادلة السلطة الفاسدة، ولمنظومة الحكم التي لا تتقن سوى تدمير ما تبقى من دولة. بهذا المعنى يبدو حاكم مصرف لبنان واحدا من هذه المنظومة، التي يدافع “حزب الله” على وجودها، لأنها تبرر وجوده النافر في مسار استعادة الدولة سلطتها ومرجعيتها، اسقاط رياض سلامة او عزله، سيزيد من كشف المنظومة الحاكمة، لأن هذه المنظومة لا تريد ايّ تغيير حقيقي، وايّ حاكم جديد، سيزيد وجوده من عريّ السلطة الحاكمة ويكشف هشاشتها اكثر، لذا “حزب الله” يحمي رياض سلامة ب”أشفار العيون”، طالما أن الغاية بقاء هذه السلطة مسيطرة واستمرار الدولة مشروعا معلقا.

(نداء الوطن)

 

 

 

إطلاق الفاخوري صفقة إيرانية

أميركية «تُتوّج» الحكومة الكاظمية!

علي الأمين

على الرغم من التطورات السياسية والإقتصادية و”الكورونية” التي أعقبت اطلاق سراح العميل عامر الفاخوري الشهير قبل قرابة الشهرين، إلا أن تردادات هذه العملية لا تزال ناشطة في لبنان كما داخل بيئة “حزب الله”، كونه مرت عليه “مرور الكرام” و خارج كل التوقعات.  غير أن النعومة الأمنية و الخطابية المفرطة للحزب حيال هذا التصرف، أو بالأحرى اللاتصرف، فتح واسعا باب التكهنات، إلى أن أتى “ترياق” الجواب الشافي من العراق، من خلال أداء إيران في العراق مع الحكومة الكاظمية الجديدة ذات النفس الأميركي، فضلا عن كلام المرشد الذي يصب مواربة في هذا الإتجاه الغربي.  اذا لم تكن عملية الإفراج عن العميل الفاخوري لتتم من دون ان يكون هناك ضوء اخضر ايراني لهذه العملية، فلمن يتابع السياسة الايرانية منذ صفقات الرهائن التي كانت بيروت مسرحها في عقد الثمانينات من القرن العشرين، يدرك ان الخبرة الايرانية والفهم الاميركي لها، يجعل من قنوات التواصل مفتوحة لتلقي رسائل ود او تصعيد عبر القناة اللبنانية التي تتحكم ايران بها. كما كان الحال في عشرات عمليات الخطف لرهائن غربيين في بيروت، جرى الافراج عنها لاحقا ضمن صفقات استثمرتها ايران ودفع لبنان اثمانا سياسية ودبلوماسية بسببها. إقرأ أيضاً: قضية العميل الفاخوري تضرب عمق «أيديولوجية» حزب الله! عملية الافراج عن الفاخوري تمت ادارتها ايرانياً، وقد يكون صحيحا ان امين عام “حزب الله” لم يكن على علم بالافراج الذي تم عن الفاخوري بحكم قضائي كما قال هو، لكن عدم المعرفة ناتج عن ان ايران دخلت على خط هذه العملية، وكانت حريصة ان تعطي اشارة للاميركيين انها ساهمت في الافراج عن الفاخوري. ولعل الرسالة المستجدة اخيرا ان ايران اعلنت انها مستعدة للافراج عن اميركيين معتقلين لديها دون قيد اوشرط بعدما كانت افرجت عن نزار زكا قبل اقل من عام، وهي العملية التي جرت ايضا عبر لبنان.  مرشد الجمهورية علي خامنئي في توسعه غير المسبوق في توصيف صلح الامام الحسن مع الخليفة معاوية والاشادة به، كان يطلق ايضا المزيد من رسائل الودّ لواشنطن،  وجاء في تغريدة خامنئي: “أعتقد أن الإمام الحسن المجتبى هو أشجع شخص في تاريخ الإسلام. حيث استعد للتضحية بنفسه وباسمه بين أصحابه والمقربين منه، في سبيل المصلحة الحقيقية، فخضع للصلح، حتى يتمكن من صون الإسلام وحماية القرآن وتوجيه الأجيال القادمة في التاريخ في وقتها”. وخامنئي في اشارته الى هذه الواقعة يمهد لمزيد من تبرير التقارب المرتقب مع واشنطن التي كانت اغتالت احد ابرز رموز ايران العسكري_السياسي، قاسم سليماني، في وقت كان يتوقع اتباع ايران ولا سيما في العراق ان تقوم مواجهة كبيرة بين الدولتين اثر هذا الاغتيال، لكن الوقائع اظهرت ان الرد الايراني اقتصر على بعض العمليات المحدودة والتي لا ترقى الى مستوى الرد على سليماني. ما جرى اخيرا مع تولي مصطفى الكاظمي رئاسة الحكومة، ان ايران اقرت بعدم قدرتها على الامساك بمفاصل السلطة العراقية، وتولي الكاظمي وهو رجل المخابرات الاقرب الى واشنطن منه الى ايران، والمنحاز الى ترسيخ دور الجيش والاجهزة الامنية الرسمية وتهميش دور ميليشيات الحشد الشعبي، وصول الكاظمي هو تراجع ايراني في العراق، واستجابة ضمنية للضغوط الاميركية التي اظهرت في اغتيال سليماني ان ثمة شيء اختلف عما سبق. التراجع الايراني نحو سعي لتفاهم مع واشنطن، في ملفات ايرانية تتصل بالعقوبات الاميركية والدولية، يتم من خلال الاستجابة للضغوط الاميركية خارج ايران، طبعا لا تريد ايران ان تستخدم او تقدم راس مال نفوذها، هي تدفع من الفائدة وليس اصل النفوذ حتى الآن، لكن ذلك لا يبدو قابلا للاستمرار اذا ما بقي خارج تفاهمات واتفاقات جدية مع واشنطن، التراجع الايراني في الهلال الشيعي، بات واضحا، وما يطال العراق من تراجع واهتزاز للنفوذ الايراني، فسوريا  مرشحة لان تكون ساحة مواجهة وتصفية او تسويات على حساب النفوذ الايراني. الحاجة الايرانية الى متنفس اميركي باتت واضحة من خلال تراجع النبرة التصعيدية الايرانية، على رغم شراسة العقوبات الاميركية، والرسائل الايرانية الايجابية من العراق الى لبنان، لا ترتقي الى مستوى محرج لايران بعد، وهي كما بدا واضحاً يتم دفعها من حساب اللبنانيين او العراقيين، او السوريين. على ان ذلك كله لا يعني ان لبنان امام مرحلة من التفاهم الايراني الاميركي، بل على العكس من ذلك. فسياسة العقوبات وتصعيدها ضد “حزب الله” مستمرة ومرشحة لمزيد من التصعيد، وهو مستوى من المواجهة لا يخل بما يجري بين طهران وواشنطن، فالموقف الاميركي من “حزب الله” يتجاوز العلاقة مع طهران، فهو حزب ارهابي بنظر واشنطن ويجب ملاحقته ومعاقبته، بخلاف النظرة الى ايران التي تبقى دولة ونظام وشعب، اما “حزب الله” فهو ميليشيا يجب ان تنتهي كمنظمة امنية وعسكرية. قنوات الاتصال تبقى هي المؤشر على ان مسار العلاقة بين واشنطن وطهران يتقدم، عبر المزيد من محاولة ايران عدم التصادم مع واشنطن، وعبر تقديم الهدايا او التنازلات لها، بعدما اظهرت ايران انها استنفدت وسائل التصعيد العسكري في المنطقة وتبحث عن تسوية تحد من الخسائر والإختناق المالي والاقتصادي. “من يعش يرَ”!

(نداء الوطن) البيروتية

 

خطباء المنطقة الخضراء

علي حسين

 

السياسي الفاشل عادة ما ينتقم من جمهور يرفض سماعه.. هكذا يخبرنا خطيب الثورة الفرنسية ميرابو، الذي اتهمه إبراهيم الجعفري ذات أيام بأنه كان مُنافِقًا ،.. لا يزال ساستنا مصرّين على أن يتعلموا من روبسبير لا من غاندي.. لا تفكر في أرواح الناس فهي لا تعادل خطبة ثورية واحدة..

هذا هو الدرس الذي يعطيه روبسبير للطغاة.. لم يكن صدفة أن تعطي البشرية في وقت واحد هتلر وغاندي.. يكتب غاندي: "حيثما توجد خطب وحيثما يتكاثر الخطباء.. فإن البلاد ستذهب في طريق الهلاك حتما"...

تأملوهم جميعا. كل واحد يستخدم لغة "القائد الضرورة" بجمله وتعبيرات وجهه وعصبيته وابتسامته.. يقال إن هتلر كان يلمّع شعره قبل كل خطبة نارية.. هل تعرفون ما اسم اللجنة التي أسسها هتلر لملاحقة خصومه؟ إنها لجنة "السلامة الوطنية". بهذه اللجنة حكم بالموت على الملايين.. وبمساعدة أعضاء اللجنة من الثوريين كانت الناس تعدم في الزنازين وتغيب في أقبية المعتقلات.

كم سياسيًا ومسؤولًا حرق البلاد بسبب لجان المصالحة والمساءلة والاجتثاث؟ كم سياسيًا يريد ترويض الناس بجمل وشعارات عن الوطنية ومخافة الله ؟ كم انتهازيًا يشن كل يوم هجومًا على أدمغة الناس باسم هيبة "الأحزاب المجاهدة"؟

كم زمنًا سنعيش تحت حكم المعقدين نفسيًا والمصرين على أن نعيش معهم دهورًا من الجهل والتخلف؟ إلى متى سنتحمل سياسيي الخطب الرنانة وهلوساتهم؟ كم عمرًا سنضيّع مع أحاجي وحزورات يطلقون عليها ظلمًا صفة خطاب من شاكلة: " لسنا في أزمة قوالب، وهياكل جديدة لا نُريدها سلطة جديدة، لكننا نُريدها أن تكون روحًا تتموَّج إلى بقية المُبادَرات الأخرى.".. لا تصدقوا أن هذه العبارة قالها المرحوم جاك دريدا وهو يفكك الخطاب ، إنها من تفانين فيلسوفنا السابق الجعفري.

كم صدمة ستتحملها قدراتنا، ونحن نجد المسؤول يطالبنا نحن المواطنين بأن نتحمل مسؤوليتنا فيما لم يلتفت إلى أصحاب القرار ليقول لهم: "اتقوا الله في مواطنيكم "!؟.

تعامل عادل عبد المهدي مع احتجاجات تشرين المطالبة بالاصلاح والخدمات والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد ، بان قرر ان يخطب منتصف الليل ، وبدلا من ان يصغي إلى مطالب المحتجين ، سارع بتوجيه عبد الكريم خلف ان يظهر في التلفزيون ، يشتم ويكذب ويبرر القتل ، من اجل ان يواصل رئيس الوزراء خطبه التي كانت يتمنى ان يتربى عليها هذا الشعب .

أيها العراقيون لا تصدّقوا خطباء المنطقة الخضراء ، إنهم يريدون لنا "الخراب" .في لحظة يحلم فيها الناس بدولة حقيقية... دولة مواطنين، لا دولة تنتظر الأوامر من الجارة الارجنتين لكي تشكل الحكومة .

(المدى) البغدادية

 

 

 

دراما العشائر

 

علي حسين

 

في كتابه"مراسل"يخبرنا الصحفي الأميركي الشهير سايمون هيرش أنه بعد حصوله على جائزة بوليتزر عن تحقيقاته الصحفية المثيرة، طلبت منه العديد من الصحف أن يكتب اكثر من موضوع . لكنه رفض، فقد اكتشف أن في إمكانه أن يكتب مقالاً واحداً،

أما أن يكتب أكثر، من أين يأتي بالأفكار، لكنه في مقال أسبوعي واحد باستطاعته القضاء على مستقبل الرئيس نفسه لو اتهمه بعدم الحفاظ على حياة مواطن واحد . في بلاد النهرين أمام الكاتب من أمثال " جنابي " الذي يتوهّم أنه"مؤثر "ويمكن أن يقرأ له أصحاب الكراسي، الكثير من الموضوعات، ولهذا وجدتني اليوم في حيرة، هل أكتب عن بيان العشائر التي طالبت فيه بالقصاص من الدراما العراقية ! أم أكتب عن استمرار الأحزاب"المؤمنة"بحوسمة المناصب ، أم عن تنبؤات " العلامة " باقر جبر الزبيدي من ان هجوم داعش يستهدف تمرير الحكومة ، فالرجل مشهود له بحفظ علوم الأولين والآخرين ، فهو مهندس وتاجر وسياسي ، وفتاح فال ، وأخيراً محلل سياسي ، سيقول البعض ياصاحب العمود الثامن، لماذا تلفّ وتدور ولا تتحدث عن استشهاد عدد من أفراد الحشد الشعبي والقوات الأمنية على يد عصابات داعش، هل أصبح الدم العراقي رخيصاً إلى هذا الحد .

نعم أيها السادة أصبح الدم العراقي رخيصاً بسبب اصرار الساسة على التحكم بمقدرات البلاد ، وايضا بسببنا نحن ، لأننا بعد أيام سننسى هذه الجريمة، مثلما نسينا ما جرى في الموصل وجسر الأئمة وجريمة سبايكر والشعلة، ، فلا تهتمّ عزيزي القارئ، في الوقت الذي سنجد فيه كل اصحاب المعالي والفخامات من الذين نددوا بهذه الجريمة ، سيستخدمونها مادة في مفاوضات الحصول على أكبر عدد من المكاسب ، وسيخلدون إلى النوم العميق بعد أن يوهموا عوائل الشهداء بأن الحكومة لن تنساهم !!

عندما نشاهد ونسمع عن أن معركة بالأسلحة الثقيلة تحدث بين عشيرتين في بغداد أو البصرة أو ميسان ، للسيطرة على مشروع حكومي ، وعندما تقوم عشيرة بتعليق لافتة مكتوب عليها "مطلوب عشائرياً" على موقع إحدى شركات النفط تحت سمع وبصر شيوخ العشائر ، دون ان يقول احد لهذه العشائر .. ياجماعة عيب !! .

عندما بدأنا نقرأ في الصحف وعلى مواقع التواصل الاجتماعي ونشاهد في الفضائيات عناوين "مطلوب عشائرياً"، و"كوامة عشائرية"، فإننا أيقنّا جيداً أن الخراب قد حلّ، وعندما تصر هذه العشائر على ان " تكاوم " مسلسل تلفزيوني " بدلا من ان تضع حدا لحروب القاذفات والرمانات .

لا ابحث لمبررات عن اخطاء ترتكبها الدرما ، لكن ياسادة ماذا يعني ان يلجأ كل سياسي إلى أهله وعشيرته للدفاع عن ما ارتكبه من خراب بحق الوطن 

(المدى) البغدادية

 

 

إيران تُسدد الضربة

القاضية ولبنان يخرُّ صريعاً

علي الامين

 

ابحث عن إيران. عبارة تختصر ما آل إليه لبنان من انهيار مالي وسياسي وأخلاقي، وتحوّله إلى دولة منقوصة السيادة مستباحة الحدود، يديرها محور الشر الذي تتزعمه إيران عبر ذراعها الأقوى حزب الله، الذي انتهى به شعباً منهكا يتآكله الجوع ويذهب عرق جبينه ومدخراته جراء الاستبداد السلطوي والمالي، ومؤسسات مهترئة ينخرها الفساد والسرقة والمحاصصة والزبائنية حتى العظم، إلى أن وصل إلى انتفاضة استنفرت السلطة الكيدية الفاشلة لتطويقها، والتنصل من مسؤوليتها عبر اختراع خصم ترمي عليه تبعات تقصيرها في كل واجباتها، باستثناء النهب المنظم لمقدرات الدولة.

إذا، وعلى الرغم من فاجعة جائحة كورونا في لبنان، إلا أنها لم تعد القضية الأولى التي تشغل بال اللبنانيين، بل ثمة ما هو أكثر أهمية وأشدّ وطأة على نفوس اللبنانيين وعيشهم، هي الأزمة المعيشية والاقتصادية، بما هي عنوان متصل بالأزمة السياسية التي فجرتها انتفاضة 17 أكتوبر التي أظهرت حجم الغضب الشعبي من السلطة السياسية ومعادلة الحكم التي أفضت إلى لبنان آخر، أي دولة مستلبة ومسلوبة، وسلطة تبني نفوذها وقوتها بنظام مصالح مناقض للشعب، والمؤسسات الدستورية، ويستبيح الحدود والمعابر للتهريب ولإنعاش نظام مافيوي، تحت مظلة حلف الممانعة الذي يشرف عليه ويديره الحرس الثوري في امتداد ما يسمى “الهلال الشيعي”.

الدخول الأميركي الحذر على خط الأزمة، لا يخلّ بسياسة المراقبة الأميركية وعدم الانخراط في المواجهة الداخلية، وهو موقف لا يزال يرتكز على حماية مواقع رئيسية في الدولة اللبنانية

لبنان هو الدولة النموذج في المحور الإيراني كما تُنبئ المسؤوليات التي يوكلها الحرس الثوري الإيراني لدرة تاجه في المنطقة، أي حزب الله، سواء في العراق من خلال المساهمة في معالجة الخلافات بين الفصائل العراقية ولاسيما الحشد الشعبي، وهو ما يفسر القرار الأميركي الأخير، برصد عشرة ملايين دولار أميركي لمن يقدم معلومات عن ممثل حزب الله في العراق محمد كوثراني، أو من خلال الدور المستمر في سوريا الذي يجعل من الحزب أحد أبرز أعمدة النفوذ الإيراني، كلما اقترب الحديث عن التسويات الدولية والإقليمية في سوريا، والتي تجعل إيران أكثر القلقين من أن تدفع ثمن هذه التسوية، وهذا ما يفسر جانبا من الزيارة الوحيدة إلى خارج إيران منذ أشهر، التي قام بها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى دمشق للقاء بشار الأسد، في أعقاب رسائل التوبيخ الروسية للأسد.

لبنان دفع وما زال يدفع فاتورة إيران، هذا باختصار جوهر الأزمة التي يعاني منها البلد من خلال أمرين، الدفع من رصيد علاقاته العربية ومن رصيده العالمي، بعدما تحول إلى مجرد قاعدة نفوذ إيراني، وإلى دولة فاشلة، عاجزة عن إيجاد أي حلول للأزمات المتفاقمة على كل المستويات، ونفوذ بات يتعامل مع لبنان وشعبه باعتباره رهينة للابتزاز عربيا ودوليا هذا أولاً، وثانيا من خلال ترسيخ منظومة حكم أو إدارة يقوم وجودها ويستمر بقوة الفساد والمحاصصة على حساب نظام المصلحة الوطنية اللبنانية، إذ يشكل حزب الله القوة الحامية والمستفيدة من استمرار نظام المحاصصة وضعف القضاء، وتسيب المرافق العامة، ومرافئ الدولة ومعابرها.

هذا البنيان الهشّ اقتصاديا ومؤسساتيا للدولة اللبنانية وصل إلى مأزقه اليوم، وكانت انتفاضة 17 أكتوبر بمثابة إعلان شعبي ووطني شامل وعابر لكل المكونات، برفض استمرار هذه الهشاشة التي تهدد وجود الكيان، وتجعل من اللبناني بلا نظام حماية وطني، ويفتقد أي قدرة على مساءلة الحاكم والسلطة التي أودت به إلى مهالك الفقر، والعوز وعرّته من الكرامة الإنسانية فضلا عن الوطنية.

وقف حزب الله ولا يزال يقف بقوة في مواجهة إرادة التغيير التي يعبر عنها اللبنانيون على وجه العموم، ويستخدم اليوم حكومة الرئيس حسان دياب كوسيلة لتصفية حسابات سياسية داخلية، عبر نقل المواجهة إلى مساحة تتيح له التحكم والسيطرة، من خلال إعادة استنفار العصبيات المذهبية والطائفية من جهة، ومحاولة إظهار أن المشكلة في لبنان ليست في دوره ونفوذه غير الشرعي والدستوري، بل في نظام المحاصصة الطائفي الذي يحول دون قيام دولة ويعطل المحاسبة ويشرع الفساد من جهة أخرى.

وفي جانب آخر وإزاء الانهيار المالي الذي جعل العملة الوطنية في حال من الانهيار غير المسبوق والمشابه لما هو الحال في إيران، أطلق حزب الله عبر حكومة حسان دياب حملة على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، متهما إياه والمصارف بالتسبب بهذا الانهيار وبحجز أموال المودعين في المصارف، ولئن كان ذلك فيه شيء من الصحة، إلا أن الأصح هو أن سلامة ليس إلا موظفا كان ينفذ سياسات رسمتها السلطة، ولم يكن إلا الحاكم بأمر السلطة. وبالتالي فإن المسؤولية هي سياسية بالدرجة الأولى.

على أن اللافت في هذا السياق، كان الدخول الأميركي على خط مواجهة هذه الهجمة، أو محاولة تلبيس حاكم مصرف لبنان مسؤولية الانهيار، فبحسب المعلومات أن السفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيا، أبلغت في رسالة مباشرة رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، أن واشنطن لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء استهداف سلامة، ورأت أن ذلك سيدفع واشنطن إلى اتخاذ إجراءات عقابية ضد بعض الشخصيات السياسية، ودائما بحسب المعلومات التي جرى تسريبها من أكثر من مصدر، من بينها مصادر رئيس البرلمان نبيه بري.

وفي السياق نفسه، برزت تلك الرسائل الأمنية من خلال تفجيرات طالت بعض فروع المصارف في صيدا وفي صور في جنوب لبنان، وهي رسائل لا تخلو من توجيه سياسي، ومن ضمن منهج اعتبار أن المعركة هي بين القطاع المصرفي وحاكم مصرف لبنان من جهة، والسلطة اللبنانية من جهة ثانية، وهو افتعال لانقسام غير قائم خاصة مع العلم أن جلّ القطاع المصرفي إما هو ملك لعائلات سياسية لبنانية، أو هو محصلة شراكة مالية – سياسية – سلطوية بحيث لا يمكن الحديث عن قطاع مصرفي خارج السلطة ونظام المحاصصة.

الدخول الأميركي الحذر على خط الأزمة، لا يخلّ بسياسة المراقبة الأميركية وعدم الانخراط في المواجهة الداخلية، وهو موقف لا يزال يرتكز على حماية مواقع رئيسية في الدولة اللبنانية، كالجيش والقوى الأمنية، والأهم النظام الاقتصادي الحر الذي لا يزال مطلباً لبنانياً لم يذهب أحد إلى طرح بديل له، إلا الخيار التخريبي الذي تمثله الفوضى التي تشكل عنصر القوة لحزب الله حتى الآن.

كاتب لبناني

 

 

عندما يُؤّثر اللبنانيون جائحة

 الكورونا على جموح السلطة!

 

علي الأمين

يَعَلقّ اللبنانيون وسط جائحة كورونا و جنوح السلطة وأدواتها الحكومية التي لا يكبحها كابح، على قاعدة “إثنان أحلاهما مرّ”، حتى باتوا يُؤثرون الجائحة الموقتة مهما استطالت لكونها ستحط رحالها ولو بعد حين، مقابل جنوح سلطوي شبق فاقع مستبد مزمن لا قرار له. إقرأ أيضاً: حكومة «نيرون» تحرق شعبها! ومع هذا كله تُغري جائحة الكورونا السلطة بسياسة المزيد من الشيء نفسه، فالمحاصصة لم تزل المحدد للسياسات الحكومية، والمحرك لمشاريع القوانين واقرارها في مجلس النواب، وحتى القوى الأمنية والعسكرية، ترسم خططها الأمنية والعسكرية، استنادا لمعيار المحاصصة وقواعد الحكم لدى السلطة، التي باتت عارية من كل ما يرمز الى الدولة، ومتفانية في ترسيخ النفوذ الحزبي والفئوي على حساب نفوذ الدولة وسلطتها، اذ لم تغير ثورة تشرين في مقاربة ملف الكهرباء، ولم يؤد الانهيار المالي والاقتصادي، في تبديل ذهنية مقاربة مشاريع القوانين، التي تقوم على تقاسمها، بناء على ما يوفر كل منها مكاسب فئوية او حزبية بالدرجة الأولى، كقانون العفو العام، وقبله قانون النفط الذي جرى رسم مواده على مبدأ المنفعة الفئوية والحزبية. ولا امكن تفكيك مافيا استيراد النفط، ولم يجر المسّ بكل المكاسب غير العادلة وغير المشروعة، تلك التي تتمثل بوضع اليد او استثمار الأملاك العامة على امتداد اراضي الجمهورية اللبنانية. هذا غيض من فيض، غاية الاشارة اليه، ان اللبنانيين عموما، امام سياسة المزيد من الشيء نفسه، وهو ما تكشفه الحكومة الحالية يوما بعد يوم، فهي حكومة لم تظهر انها منسجمة مع ما ادعته في بيانها الوزاري، وفي خطاب رئيسها حسان دياب بعد التكليف وخلال التأليف وغداة نيل حكومته الثقة، انها حكومة مستقلين بعيدة عن الحزبية والفئوية والمحاصصة، لكن ذلك كله لم يظهر شيء منه، بل عكسه تماما، حيث برزت كل الموبقات في مقاربة ملف التعيينات، وفي ملف التشكيلات القضائية، وفي عدم الاقتراب من ملفات الفساد، ولا في استنقاذ المؤسسات العامة على اختلافها من براثن الاحزاب ومافياتها التي تتقاسم الفساد بالعدل والقسطاس. هذه المعادلة تستقي قوتها من نظام مصالح اقطاب السلطة واحزابها باسم حقوق الطوائف، وتكتسب قوة استمرارها من خلال ما يوفره “حزب الله” من حماية لها، كما جرى خلال انتفاضة ١٧ تشرين، لقد ادرك حزب الله منذ البداية، ومنذ ان خرج اللبنانيون الى الشارع، ان سقوط الحكومة ومعادلات السلطة، هو الخطر الكبير على دوره ونفوذه وتحكمه، لذا كان الأكثر بطشاً بكل الأصوات الحرة والمنتفضة في وجه السلطة، وعمل ليل نهار على انهاء الانتفاضة وخنقها وتفكيكها، من المواجهة المباشرة عبر مجموعات القمع المنظم تحت شعار “شيعة شيعة..” في وسط بيروت وفي مناطق اخرى في البقاع والجنوب، وعبر اختراق الانتفاضة بمجموعات تتلقى تعليماته بغاية ضرب وحدتها وتشتيت قدراتها، واخيرا وليس آخرا، عبر المزيد من احكام القبضة والسيطرة على السلطة من خلال الاتيان بحكومة تسلم مكوناتها وتتماهى مع حقيقة ان “حزب الله” وامينه العام هو الحاكم والوصي والمرجع في قرارات الحكومة بل الدولة على وجه العموم. على هذا المنوال مشت الحكومة، مسلمة ومستسلمة لهذه المعادلة، بما يعني المزيد من عزلة لبنان وتأزمه، عزلة عربية بالدرجة الأولى، وغربية متنامية، تخرقها اهتمامات تتصل بالأمن الاقليمي واللاجئين، من قبل بعض الجهات الدولية.  جائحة الكورونا وان كانت وفرت للسلطة والحكومة فرصة من الراحة مع انكفاء التحركات الشعبية والمطلبية في الشارع، الا انها ساهمت بكشف المزيد من الهشاشة الاقتصادية والمالية والصحية، بطبيعة الحال، وفاقمت الأزمة المعيشية، ومع ذلك ايضا المزيد من الشيء نفسه، الذي رسخ في الوعي العام، ان السلطة تحاول اعادة انتاج نفسها من دون ان تتوافر لديها اي فرص لانتشال لبنان من بئر هي من حفرته ورمى الدولة بمؤسساتها وشعبها في غياهبه، وبدأت اخيراً كتعبير عن الافلاس السياسي، بخلق عدوّ وهمي خارجي، لتحمله كل تبعات السياسات التي انتهجتها. فبعد ان ترسخت معادلة الاستقرار على الحدود اللبنانية، على قاعدة الهدوء المقدس لاسرائيل، والعمليات الامنية المدروسة في سوريا ضد الميليشيات الايرانية، بات حديث الممانعة هذه الايام، عن هجوم سياسي اطلقته السفيرة الاميركية في بيروت ضد الحكومة، تزامن مع تصريحات للسفيرة الاميركية جددت فيها الموقف الاميركي من سياستها تجاه لبنان، لم يحمل جديدا. لعل اكثر ما يزعج الممانعة واحزابها انها وهي ازاء انكشافها امام جمهورها واللبنانيين عموما، باتت تستجدي اي تسوية مع الخارج، تسوية تحفظ سلطتها ولو كان الطرف الآخر هو “الشيطان الأكبر” لا بل انها تبدو مستاءة الى حدّ الحيرة والارباك، حيال عدم مسارعة احد من الدول “الاستكبارية” سواء كانت عربية او غربية على الشد من أزر خصوم الممانعة واعدائها، فحتى عملية اخراج أو رمي بعض القوى من التمثيل الحكومي، لم تغر أحد من اطراف الخارج، بل تراكض هؤلاء ممن كانوا في جبهة ١٤ اذار، الى نيل الرضى من حزب الممانعة وقائده حسن نصرالله، ولم يسمعوه ما كان يتوقعه ويحبذه من كلام مسيء او مستفز، بل حرصوا على مراضاته، مكتفين بالتصويب على “بي الكل” وصهره وعلى الموظف برتبة رئيس حكومة. ما لا تريده الممانعة بحزبها القائد ومجموعاتها اللبنانية، ان تصدق انها هي الحاكم والمتحكم، وأن أحدا لن ينازعها على سلطانها في هذا البلد، اما محاولة افتعال خصم اسمه حاكم مصرف لبنان، فهو أمر سيؤدي الى أن تفاقم خسائرها، فرياض سلامة مهما قيل في ادارته وسياسته وهو صحيح، ما كان ليتم لولا أنه لم يكن يستجيب لمطالب “حزب الله” ومعاوني الأمين العام في الرئاسات الثلاث في الحكومة السابقة والحالية. التخبط والافلاس والافقار هي عناوين الحكومة وراعيها، والأنكى في مسار سلطة الممانعة، ان يمسي اي صراخ شعبي من آفة الفقر والبطالة والجوع، هو فعل مؤامراتي، وهذا عنوان الافلاس بل قمته ان تتحول تلك الجماهير التي سمتها ابجديات الممانعة بالكادحين والمحرومين والمستضعفين، الى فئات شعبية متآمرة وخائنة، في لحظة رفع الصوت ضد الفاسد والسارق ولحظة الصراخ من شدة العوز، ولحظة المطالبة باسقاط حكم الفاسد.

(نداء الوطن) البيروتية

 

 

الحكومة اللبنانية ترتكب

"مجزرة" مالية تحت جنح الجائحة

علي الامين

 

صحيح أن جائحة كورونا يطفو همها على ما عداها من الأولويات، إلا أن مستقرها يحمل خطاً استغلاليا لها في لبنان ربما خلافاً لكل الكرة الأرضية. فالعهد وحكومته وساسته يتركون الشعب يواجه مصيره على “ما يقدر الله”، ما عدا بعض الإجراءات الشكلية المسيسة، والعبثية والفوضوية التي لا يُركن إليها، وتتفرغ تحت جنح الوباء إلى محاولة خنق انتفاضة اللبنانيين إثر سكونها المؤقت لاضطرار الشباب إلى الانسحاب من الشارع تحت وطأة الفايروس.

السياسيون الذين عرّتهم الانتفاضة وفضحت سرقاتهم لمقدرات الدولة وخزينتها، ظنوا أنه الوقت المناسب لخروجهم من القمقم الذي حشروا أنفسهم فيه تحت صيحات المنتفضين، وأنه آن الأوان للاقتصاص منهم وشفط ودائعهم وبالقانون.. “ما أدراك ما القانون”.

إذاً فإن عملية الانقلاب على انتفاضة 17 أكتوبر مستمرة في لبنان، حيث وفرت جائحة كورونا فرصة لاستكمال هذا الانقلاب من خلال استثمار إجراءات مواجهة هذه الجائحة في المزيد من تفعيل عملية الانقضاض على مطالب التغيير والمحاسبة عبر تعزيز سلطة القضاء من جهة، ولجم الهدر والفساد واستعادة ما تم نهبه من أموال عامة سواء كانت منقولة أو غير منقولة.

بداية الانقلاب تمثلت في الإتيان بحكومة، قيل إنها من مستقلين، لكن الواقع كشف مدى طواعية الحكومة للسلطة الحاكمة والمتحكمة بمفاصل السلطة والقرار، وبدا رئيسها حسان دياب، شديد الحرص على كسب رضا الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، الذي حرص في المقابل، على رمي فتات الرضا في كل إطلالة من إطلالاته المتعددة خلال الشهرين الماضيين، فيما أكدت الحكومة في سلوكها السياسي والإداري، أنها تعمل وتتحرك تحت سقف التوجيه السياسي “للثلاثي غير المرح” بحسب توصيف رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، للحلف الذي يديره حزب الله والذي يضم إضافة إليه رئيس الجمهورية ميشال عون وملحقاته ورئيس مجلس النواب نبيه بري وحركته.

يترافق هذا الانقلاب المستمر مع أزمة غير مسبوقة معيشيا واقتصاديا، ترسّخت في عجز المودعين عن سحب ودائعهم من البنوك، وفي انخفاض قيمة العملة الوطنية إلى حدّ النصف مقارنة بما كانت عليه، بحيث كان سعر صرف الليرة اللبنانية خلال النصف الأول من العام الماضي يساوي ما يزيد قليلاً عن ألف وخمسمئة ليرة، ولامس اليوم سعره في السوق غير الرسمي نحو ثلاثة آلاف ليرة لبنانية. وأضف إلى هذا الانخفاض الذي أدى عملياً إلى سرقة نصف قيمة أموال المودعين بالليرة اللبنانية، فقد أدى انخفاض سعر العملة إلى “تشليح” موظفي القطاع العام والخاص إلى حدّ كبير نحو نصف رواتبهم.

لم تكتف الحكومة بالوقوف كشاهد على هذه المجزرة، التي كانت سببت المزيد من إغلاق أبواب المؤسسات الاقتصادية والتجارية الخاصة، وأدت إلى انضمام عشرات الآلاف من المواطنين العاملين، إلى صفوف العاطلين عن العمل، وجاءت جائحة كورونا لتضيف على البلاءات اللبنانية بلاءً من نوع جديد، وإنْ كان في مواصفاته وخصائصه من حيث الانتشار والإيذاء يشبه تلك السياسات السلطوية المتمادية في لبنان، والتي أدت إلى إفقار اللبنانيين وإلى تعطيل الحياة العامة والاقتصادية، وتصديع بنيان الدولة في سبيل تعزيز المافياوية كنموذج للحكم على حساب الدستور والقانون، وبالطبع على حساب الشعب.

لعل أخطر ما يطال لبنان اليوم، إلى جانب سياسة إدارة الظهر التي تمارسها الدول العربية تجاهه، هو ما يمكن أن يوصف بعملية انقضاض من قبل السلطة على أموال المُودعين، وهو سلوك يعكس ذهنية السلطة التي تأبى أن تنحو نحو إصلاح حقيقي، أي الذهاب نحو مكامن الفساد والنهب، لتتجه مجددا نحو الشعب في سبيل المزيد من نهبه ودائما بغاية حماية السلطة.

ما يمكن أن يُسمى انقلاباً أيضاً، يتمثل في سعي السلطة التي يديرها حزب الله إلى رسم معالم صراع سياسي وهميّ، بغاية الانقلاب على الاصطفاف الذي فرضته انتفاضة اللبنانيين، بين سلطة وشعب، فيما السلطة اليوم تفتعل رسم اصطفاف وهمي، بين سلطة سياسية حاكمة يمثلها “الثلاثي غير المرح”، في مقابل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وجمعية المصارف.

هذا الاصطفاف المصطنع، يجري تحميله أبعاداً دولية، بحيث يتم الترويج على أنه يمثل جبهتي واشنطن وطهران في لبنان، وهو توصيف يفتقد إلى الدقة؛ ذلك أن حاكم مصرف لبنان كما المصارف، لَيْسَا خارج السلطة ونفوذها، فالمصارف تكتسب قوتها ونفوذها من كونها تمثل تحالفاً عميقا بين رجال السلطة ورجال المال، فيما الحاكم ليس إلا مُنفذا لتوجهات الحكومة والسلطة التي طالما كان مستجيباً لمتطلباتها في توفير الاستدانة لها من أموال المصارف التي هي في الأصل أموال المودعين اللبنانيين وغير اللبنانيين في هذه المصارف.

إعادة رسم معادلة الاصطفاف السياسي على هذه القاعدة الوهمية، تستبطن في جوهرها، ضرب الانتفاضة كما بدا واضحاً، واستكمال الانقلاب عليها، واستدراج تسوية مع الأميركيين تتيح استمرار قبضة إيران على المعادلة السلطوية في لبنان.

يبقى أن ما تحاول إيران فعله من خلال حزب الله، هو إعادة إنتاج معادلة السلطة شكلاً، أي المحافظة على نفوذ ولو محدود للقوى السلطوية الطائفية، ولكن من دون المسّ بدور الوصاية والنفوذ الإيرانيين. وهذه محاولة تعني أن خيارات الإصلاح في لبنان غير مطروحة على بساط البحث، فأقصى ما يمكن أن يقدمه حزب الله للبنانيين، هو وعود التخفيف من مستويات النهب للمال العام، والمزيد من الإفقار، على قاعدة أن البقاء في السلطة هو أثمن ما يمتلكه الحزب اليوم، والإفقار هو أحد وسائل السيطرة، بل سبيل لاستمرار النفوذ، وسلطة لا تقوم على قواعد الدستور والقانون والانتماء الوطني، بل على الاستئثار ومصادرة القرار والاستفراد.

من هنا يبدو واقعياً في أهداف السلطة خيار الاقتطاع من الودائع في المصارف، بعدما تمّ تهريب أو سحب 18 مليار دولار تقريبا خلال العام 2019 من الحسابات إلى الخارج، وهي في معظمها لكبار المودعين، أي من الذين أدركوا أن الانهيار المالي حاصل في لبنان، على الرغم من التطمينات الكاذبة التي كان يطلقها حاكم مصرف لبنان عن وضع الليرة المستقر.

الأموال التي أُخرجت من لبنان هي التي تحظى برعاية السلطة وأقطابها وبشراكة منها أيضاً، وما بقي من ودائع في لبنان جرى تجميده، وتحوّل إلى رهينة بيد السلطة التي قررت الاقتطاع منه وهي اليوم تنظم هذه العملية من خلال إكراه الشعب على التسليم بنهبه مجدداً، لصالح وصاية خارجية وإدارة “مافياوية” لا تنتمي في تفكيرها وسلوكها إلى نموذج الدولة، ولا إلى فكرة الدستور والقانون.

     حزب الله

 وحربه الوجودية

علي الامين

 

لا يعيش "حزب الله" أفضل أيامه، حيث يخوض حروبا سياسية وأمنية في الداخل وعسكرية و"تأديبية" في الخارج، يربح جولات ويخسر معارك، ولا يفوز بأي حرب منها. بيد أن “حروب الاستنزاف” التي يخوضها، مجتمعة ومتزامنة، أودت به إلى حرب "وجودية"، يتخبط فيها من أجل البقاء.

شكلت عملية الانتقال من السيطرة الأمنية والعسكرية على السلطة، إلى السيطرة على نظام الدولة ومؤسساتها، التحدي الأبرز الذي يحاول “حزب الله” مواجهته مع وصول الرئيس ميشال عون إلى سدة الرئاسة في العام 2016، وكانت هذه المهمة التي يمكن وصفها بالسعي إلى التحكم بـ"الدولة العميقة" في لبنان، ليست من المهمات أو الوظائف التي اعتادها “حزب الله” منذ تأسيسه، أي الحرفة الأمنية والوظائف العسكرية التي طالما كانت سبيله إلى تحقيق السيطرة والنفوذ على المؤسسات والمجتمع، لكن من دون أن يعير الدولة اهتماما، إلا بما يقتضيه الاهتمام بترسيخ دويلته التي قامت على نقيض الدولة، وتأسست على نموذج "المجتمع النقيض" انطلاقا من نظرة أيديولوجية تعتبر أن "حزب الله" ودويلته هما تأسيس واستكمال لدولة الإمام المهدي التي قامت في إيران، وأزهرت في لبنان وسواه من دول "حظيت" بنِعَمِ النفوذ الإيراني.

الانتقال إلى مرحلة استكمال السيطرة على مفاصل الدولة، هو ما يجعل "حزب الله" اليوم أمام أزمة حقيقية تتصل بمآلات وجوده، فهو إزاء عجز عن الاستمرار في الاعتماد على القوة الأمنية والعسكرية وحدها من جهة، وعاجز عن الاندراج في نظام الدولة التي تفرض عليه بطبيعتها التخلي عن دويلته أو في الحدّ الأدنى التسليم بمرجعيتها في تنظيم شؤون المجتمع والحياة السياسية والاقتصادية وفي العلاقات بين الدول من جهة أخرى.

ساهم انكفاء المشروع الإيراني أو اهتزازه وتصدعه، في فرض هذا التحدي على “حزب الله”، بل أدى تصدع الدولة اللبنانية سياسيا واقتصاديا ومالياً، إلى إرباك الحزب الذي وجد نفسه بعد تطويع القوى السياسية أو معظمها، أمام معضلة جديدة تتمثل في كيفية التعامل مع الانهيارات التي تحيط به في الاقتصاد وفي النقد، وعلى مستوى خطر الانهيار الاجتماعي. كل ذلك لم يدفعه إلى إعادة النظر في أصل المشكلة المتمثلة في دوره المحلي والإقليمي، الذي دفع لبنان ثمنه عربيا ودوليا، بل استمر في عملية قضم المؤسسات الرسمية، وإنهاء الحياة السياسية لصالح ترسيخ سلطته المطلقة، ولكن بطموح عقد تسوية مع الأميركيين تعطي شرعية لدوره، في مقابل إقرار حزب الله بدور واشنطن في لبنان، وهذا ما قاله الأمين العام للحزب، حسن نصرالله، علنا في خطابه إثر الإفراج عن العميل عامر الفاخوري قبل ثلاثة أسابيع، إذ أكد أن “لواشنطن نفوذ قديم في المؤسسات اللبنانية، وهذا النفوذ كان قائماً في زمن الوجود السوري، ولا يزال..”، وهو في هذا الخطاب لم يدعُ إلى مواجهة هذا النفوذ، بل ألمح إلى إمكانية أن تستعاد تجربة التعاون التي كانت قائمة مع سوريا، لكن هذه المرة مع إيران في لبنان.

في ظل أزمة انتشار فايروس كورونا التي تشغل العالم ومنه لبنان، بدا حزب الله في وضع أكثر حرجا، ذلك أنّ فايروس كورونا جاء ليضيف أعباء جديدة يصعب مقاربتها عسكريا وأمنياً، بل تتطلب منه مقاربة مختلفة، تعتمد على قدرة دويلته على مواجهة هذه الجائحة، لكنه رغم ذلك بدا شديد التكتم حيال تداعيات هذه الجائحة، التي كان من أول المتهمين باستقدامها من إيران عبر سرب الطائرات الإيرانية التي قدمت إلى لبنان حاملة الآلاف من اللبنانيين، من بينهم أعداد لا يستهان بها من محازبيه ومن بعض الإيرانيين، وجرى ذلك في ظل تكتم مريب، فيما عمد إلى نقل المصابين بفايروس كورونا إلى أماكن سرية.

وفي حين أعلنت الحكومة السورية عزل منطقة السيدة زينب ومنطقة جرمانا قرب دمشق، بسبب تفشي الكورونا، نقل "حزب الله" أعدادا من المصابين إلى لبنان، من جنسيات لبنانية وإيرانية وعراقية، حيث تم وضعهم في مستشفيات ميدانية بعيدا عن أي إشراف رسمي، لاسيما من قبل وزارة الصحة التي يتولاها الوزير حمد حسن الذي سماه حزب الله لهذه المسؤولية.

يأتي كل ذلك وسط عقوبات مالية ضاغطة على الحزب وعلى راعيته إيران، من قبل واشنطن. وفي ظل أزمة معيشية تفاقمت في لبنان وخاصة لدى البيئة الحاضنة للحزب، حيث ساهم ذلك في المزيد من إثارة المخاوف لدى هذه البيئة، التي اعتادت منه أن يوفر لها أو لجزء منها موارد دعم مالي واقتصادي، تبدو غير متوفرة إن لم تكن مستحيلة في المدى القريب.

بهذا المعنى فإن "حزب الله" الذي كان يستثمر في الأموال الإيرانية وحتى العربية لمواجهة الأزمات في بيئته الحاضنة كما جرى في أعقاب حرب تموز عام 2006، ها هو اليوم يواجه الاهتزازات حتى داخل بنيته الحزبية، التي باتت عرضة لأزمات شتى اجتماعية واقتصادية، من أسبابها تراجع القدرة المالية لدى الحزب ولبنان على وجه العموم.

بين الانكفاء المالي والإرباك السياسي الناتج عن التعامل مع أزمة لبنان المعيشية والاقتصادية والنقدية، يحاول “حزب الله” الموازنة بين منع الانهيار الكامل للدولة بالمحافظة على خيط العلاقة مع واشنطن من جهة، وبين المحافظة على بنيته الأمنية والعسكرية وتجديد دورها من جهة ثانية. فقد صدر موقف لافت عن النائب في البرلمان اللبناني عن الحزب، حسن فضل الله، قبل أيام، انتقد فيه ما سماه التدخل الأميركي لفرض تعيين اسم محدد نائبا لحاكم مصرف لبنان، وبمعزل عن صحة الاتهام أو عدم صحته، فإن هذا الاتهام الذي يصدر للمرة الأولى من قبل الحزب، ينطوي على تصعيد لفظي ضد الدور الأميركي في لبنان، لكن من دون أن يستدعي صداما، باعتبار أنه كان مسبوقا بالاستجابة لضغوط أميركية على لبنان أدت لإطلاق عامر الفاخوري، وبرسالة من نصرالله إلى الأميركيين بالاستعداد لإيجاد تفاهم في إدارة النفوذ بين طهران وواشنطن في لبنان.

علما أن الذراع الإيرانية في لبنان المتمثلة بالحزب أنجزت خطوات على صعيد السيطرة على مؤسسات الدولة في عملية قضم مستمرة منذ سنوات، أدت إلى تعيين الموالين للنفوذ الإيراني في أكثر المواقع القيادية في الحكومة وفي الإدارة العامة وفي المواقع الأمنية وفي معظم المواقع العسكرية، والحديث عن التدخل الأميركي في بعض التعيينات من قبل "حزب الله"، يستبطن أيضا تغطية على استحواذ حزب الله مباشرة على مفاصل الدولة، وكان آخرها إنهاء نفوذ الحريرية السياسية إلى حد كبير داخل الإدارة، التي شكلت استقالة سعد الحريري من رئاسة الحكومة، فصلا نوعيا في هذه العملية التي أدار "حزب الله" عملية تنفيذها بخبث ودهاء.

تبقى مشكلة إضفاء الشرعية الدولية والأميركية على وجه التحديد لهذا النفوذ المتمدد لإيران عبر "حزب الله"، وهو ما لا يبدو متاحا رغم الرسائل الإيجابية التي يوجهها الحزب مباشرة أو بالواسطة، تجاه واشنطن، لكن الموقف الأميركي حتى اليوم، يبدو حاسما لجهة رفضه لهذا النفوذ وعدم الاعتراف به، والإصرار على مواجهته بمزيد من التشديد في العقوبات والحصار على "حزب الله" وإيران.

ولكن التحدي الأكبر يبقى هو القدرة على "الصمود والتصدي" في حربه "الوجودية" التي لن تنتهي هذه المرة على قاعدة "لا غالب ولا مغلوب"، في ظل التغييرات الجذرية التي فرضت نفسها على راعيته، كما على كل العالم الذي يتلمس تحولا دراميا على وجه الأرض وكل ما عليها.

 كاتب لبناني

 لبنان في مواجهة

الشراسة "الكورونية" والإيرانية

علي الامين

 

على الرغم من انشغال لبنان بكليته، كما العالم، بجائحة وباء الكورونا وتداعياتها التي تشي بكارثة وشيكة يجهد لمواجهتها علّ القدر الإلهي يلطف به، إلا أن الواجب الوطني السيادي، يفرض عليه التنبه جيدا إلى مشاريع تخريبية تُحاك خارج الإقليم من قبل “محور الشر” المتربص به دولة وشعبا ومؤسسات، ويتناوب على تفتيته تاريخيا وتغيير وجهه العربي ووجهته الليبرالية، عبر أذرعه السياسية والعسكرية.

فقد لبنان العديد من ميزاته، وتضاءل دوره السياسي والاقتصادي والثقافي، وها هو اليوم في أشدّ أزمة اقتصادية ومالية ومعيشية لم يسبق أن شهدها منذ نشأة هذا الكيان الذي لعب دورا حضاريا على مستوى المنطقة العربية، وشكّل حلقة وصل بين الشرق والغرب، وبقي رغم الحرب الأهلية وأهوالها، جامعة العرب ومستشفى العرب وصحافتهم، وجاذب استثماراتهم ومصرفهم، ولم تكن الحريات فيه ترفاً أو سقطة مستعمر فرنسي، بل حاجة وجودية ونتاج نظام اقتصادي وتنوّع ديني وسياسي واجتماعي، ومبرّر وجود هذه الدولة الصغيرة ووسيلة إبداع لبناني متميّز في مجالات شتى.

الحرية ساهمت في تظهير الهوية اللبنانية كمركز تفاعل وحوار ثقافي فكري، وكان لبنان في مطلع الخمسينات من القرن الماضي، جاذبا لآلاف التجار والصناعيين والممولين العرب، من السوريين الهاربين من نظام التأميم في بلادهم، ومن لاجئين الفلسطينيين، وجدوا في لبنان فرصة لإعادة إطلاق حيويتهم المالية والاقتصادية، بعدما احتلت العصابات الصهيونية أرض فلسطين.

بطبيعة الحال لم تكن الحرب الأهلية في العام 1975، غيمة صيف في سماء صافية، بل ثمة أسباب داخلية تتصل بطبيعة النظام الطائفية وبالهوية الوطنية، وأسباب اقتصادية، وأسباب خارجية لها علاقة بإسرائيل وأخرى متصلة بصراعات إقليمية وجدت في لبنان متنفسا لها.

ليس هنا مجال التوسع في رصد أسباب الحرب الأهلية، بقدر ما هو مجال للتركيز على رسوخ الحريات، التي لم تستطع الحروب الأهلية والاحتلال الإسرائيلي تقويضها، طيلة 25 عاما من الاحتلال.

لا بل لا يمكن إحالة تجارب المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي، إلا إلى هذا الحيّز الطبيعي من الحريات، الذي أطلق المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي والتي نجحت في إخراج الاحتلال من لبنان، في تجارب بدأت متنوعة منذ العام 1982 حتى العام 1990، وانحسر التنوع في ذاك التاريخ لصالح مشروع المقاومة الإسلامية التي أوكلت من قبل إيران وسوريا بهذه المهمة حصرا، فيما مُنع اللبنانيون بقوة الوصاية السورية من أن يقوموا بواجب المقاومة من خارج إطار حزب الله.

مرحلة الوصاية السورية على لبنان، شكّلت ما بعد اتفاق الطائف، بداية إلغاء للخصوصية اللبنانية، وبدأ مسار جديد أداره النظام السوري جعل لبنان مساحة غير آمنة لكل من يخالف النظام السوري أو لا يتوافق مع نظامه، وجرت في المرحلة الممتدة بين العام 1990 و2005 محاولة تقويض مستمرة للنموذج اللبناني في بعده الحيوي والخلاق، بحيث رسخت عربيا وعالميا، صورة لبنان الأسدي حتى لا نقول السوري، أي تم جعل دمشق بوابة الدخول إلى لبنان إلى حدّ كبير، لكن لبنان بقي عصيّا على التدجين وظهرت فيه مقاومات سياسية سعت إلى الخلاص من الوصاية السورية، وشكّلت البطريركية المارونية في ظل البطريرك الراحل نصرالله صفير، رأس حربة المواجهة مع النظام السوري في لبنان.

ما تعرّض له لبنان منذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005، كشفته الوقائع التي تلت، والتي أظهرت أن إيران انتقلت من مرحلة العمل تحت الوصاية السورية في لبنان، إلى مرحلة السيطرة شبه الكاملة على لبنان، ولقد أدرك حزب الله، كذراع إيرانية في لبنان، أن عملية السيطرة لا يمكن أن تتم بالقوة العسكرية وحدها، بل لا بد أن يرافق ذلك تقويض لمصادر القوة الطبيعية للبنان، أي استكمال ما قوّضته ماكينة الأسد السورية في لبنان. ذلك أن التنوع في لبنان، اكتسب معناه وحضوره وحيويته الحضارية، من مساحة الحرية التي تمتع بها اللبنانيون، وهي ما وفرت لهم فرص الحضور العربي فيه، وتوق لاستثمارات من دول مختلفة، وكان لبنان لا يزال حتى ذلك العام محافظا، على دوره في جذب العديد من المؤتمرات الاقتصادية والثقافية، وسوى ذلك ساهم الحضور العربي الاقتصادي والثقافي وحتى السياسي، في فرض توازن نسبي في مواجهة شهية السيطرة السورية وما تلاها من عملية الابتلاع الإيراني.

أدرك حزب الله أنه معنيّ بضرب كل مصادر القوة التي يمكن أن تشكّل مصدر خطر مستقبلي على مشروع السيطرة الكاملة على لبنان. كانت الاغتيالات التي طالت شخصيات معارضة له، وسيلة لإحداث الخوف في صفوف الخصوم تمهيدا لتطويعهم، ووفرت مغامرته في العام 2006 ضد إسرائيل، فرصة الانقضاض على الداخل بعد نهاية الحرب التي دمرت لبنان، واستكمل حزب الله سيطرته على الداخل، عبر إطلاق ماكينته العسكرية نحو سوريا في العام 2011، وترافق ذلك مع عملية ترهيب الحضور العربي من خلال بعض عمليات الخطف التي طالت مواطنين عرب وخليجيين، ومع انكفاء الدور العربي شبه الكامل عن لبنان، كان حزب الله يجد في ذلك فرصة للقضم والسيطرة على ما تبقّى خارج تحكمه.

في الخلاصة كان الحزب مدركا أن السيطرة على لبنان، تتطلب القضاء على مصادر قوته، سواء كانت اقتصادية أو ثقافية أو عربية أو مالية، وهذا يعني بالضرورة ضرب مقومات التنوع والحرية أو تقزيمها، بما هي عناصر قوة المجتمع والدولة.

عمدت إيران من خلال حزب الله، إلى تشجيع وحماية قيم الفساد ومنظومته في الدولة، من أجل تقدم مشروع الدويلة التي يمثلها، وعمدت إلى استثمار الشعور الأقلوي، من أجل إحداث خرق نوعي في البيئة المسيحية.

تقزيم لبنان وانتزاع مصادر الحيوية الثقافية والإعلامية، وإضعاف البنية المالية والاقتصادية، وضرب علاقاته مع محيطه العربي، هي أهداف مدروسة وجدية في مشروع النفوذ الإيراني، لأن إيران تدرك أن فرص السيطرة الكاملة على لبنان، لا تتحقق إلا بتحويل لبنان إلى ما يشبه الركام والخراب وهي الحالة الوحيدة التي يمكن لإيران أن تمسك بلبنان، وتتيح لحزب الله أن يطمئن لنفوذه، وتمكن إسرائيل أن تضمن استقرارها طالما أن لبنان والخراب باتا صنوان ولو كانت صواريخ إيران منصوبة باتجاهها، ولكن ما يطمئن إسرائيل أن قواعد هذه الصواريخ الاجتماعية والاقتصادية أوهن من بيت العنكبوت.

 

كاتب لبناني

 

 

لبنان.. عزلة كورونا

وعزلة الأيديولوجيا

علي الامين

لا يمكن التعامل مع فايروس كورونا بوصفه جائحة وبائية توزع شهادات الموت أو تأذن بحياة أطول، إنما أبعد من ذلك ليتحول في معرضه إلى مناسبة غير سعيدة بالطبع، لتعديل دفتر من السلوكيات والأدبيات الجديدة حول العالم. في خضم المواجهة التي يخوضها معظم دول العالم في مواجهة جائحة كورونا، تبرز مؤشرات سياسية واجتماعية ودينية في سياق ما يرتبه عنصر الوقاية من تداعيات الفايروس على البشر.

التجمعات البشرية سواء كانت تظاهرات أو حفلات أو صلاة جامعة في المعابد الدينية أو زيارة المقامات الدينية والمراكز السياحية، وحتى الانتفاضات الشعبية، باتت في قانون المواجهة مع الجائحة المستجدة والقادمة من الصين، شرا مستطيرا وفعلا مدانا.

في لبنان الذي طالما كانت فيه التجمعات مظهرا من مظاهر الحياة، توافقت معظم الجهات الدينية وغير الدينية على نبذ التجمع مهما كانت أسبابه، وباتت الدعوة إلى البقاء في البيوت ديدن الإعلاميين والسياسيين، وحتى المنتفضين على السلطة وسياساتها باتوا يبحثون عن وسائل جديدة للانتفاضة، تقيهم شر التجمع في الساحات والشوارع للتعبير عن رفضهم وغضبهم من السلطة وسياساتها.

الكورونا باتت بداية فعل تغيير اجتماعي، يفتتح مسارا جديدا، لا يُعرف إلى أين سيؤول في بلد اعتاد فيه الساسة ورجال الدين، على إدارة التجمعات ورسم معالم سيرها وصياغة جملتها في النصّ اللبناني العام.

ليس مألوفا في الحياة الاجتماعية اللبنانية، إغلاق المنتجعات السياحية وأماكن اللهو والمطاعم، وليس معتادا إغلاق المساجد كمركز لصلاة الجماعة ولا الأندية الحسينية التي تقوم بوظيفة الاجتماع بمناسبات الموت وحفلات الترويج الحزبي، ولا الكنائس التي تحتضن المصلين وأكاليل الزواج وغيرها من مناسبات دينية.

ثمة اهتزاز في نظام السلطة الذي يشكل البعد الطائفي والديني، وهذا البعد يوفر لأحزاب شتى ولاسيما ذات النفوذ السلطوي مجالا لممارسة فعل التوجيه والقيادة وإصدار التعليمات، لإرساء المزيد من الانضباط والسير في ركب هذه الجهة أو تلك.

تتفاوت المنهجية بين هذه الجهة أو تلك، بقدر التفاوت في طبيعة الأيديولوجيا أو الانتماء، لكن السمة العامة في طبيعة التجمعات التي يجري استثمارها في الحياة اللبنانية، هي أنها تجمعات ذات طابع ديني وطائفي.

على أن الأكثر افتتانا بتجيير المناسبات الدينية وتلك المتصلة بوداع الموتى، هو حزب الله الذي يجمع الكثيرون على أنه رسم لهذه المناسبات معالم جديدة، وأرسى قواعدها المستحدثة كي تتناغم مع أيديولوجيته الإيرانية، وسخّر لتحقيق ذلك أجهزة إعلامية وأيديولوجية، من أجل صناعة مشهد واحد لا يتبدل بين قرية صغيرة أو مدينة كبرى، حتى الشعار واحد والصورة من علي خامنئي إلى حسن نصرالله، بل الحرف المكتوب هو عينه من دون أن تظهر أي خصوصية يمكن أن تعبر عنها منطقة أو حي أو قرية.

تبدل كل شيء في لحظة وصول الفايروس إلى لبنان. ثمة جهاز توقف عن العمل وظيفته تحويل المجتمع إلى كتلة متراصة. مجتمع لا يظهر تنوعه إلى السطح بل يكتمه لحساب الطاعة والولاء. هو جهاز أمني يلتحف بالعباءة الطائفية والدينية ويعمل على وأد الاختلاف لصالح الولاء باسم الأيديولوجيا.

العزلة التي فرضتها جائحة الكورونا، لا تشكل ردة فعل طبيعية وطبية من قبل الأفراد فحسب، بل بدت أبعد من ذلك، وكأنها تستبطن فعلا اجتماعيا يرتكز على ثقافة العزلة التي أسّست لها الأيديولوجيا الإيرانية في الثقافة الدينية الشيعية في لبنان. بالطبع لا علاقة بين الكورونا كفايروس يفتك بالإنسان، والأيديولوجيا الإيرانية كنموذج سياسي اجتماعي رسّخ فكرة العزلة الثقافية والحدود السياسية بين الشيعة اللبنانيين، وكل من يحيط بهم من مواطنين لبنانيين أو من سوريين وغيرهم من عرب.

فايروس كورونا كان دافعا موضوعيا نحو العزلة المنزلية، بينما كانت الأيديولوجيا الإيرانية في تمثلاتها الشيعية اللبنانية وفي خلاصاتها الاجتماعية والسياسية والطائفية، مشروع عزل وانكفاء مفروض على هذه الجماعة اللبنانية، وضرب لكل ما قامت عليه هذه الجماعة ثقافيا وسياسيا منذ تأسست دولة لبنان الكبير، أي أن هذه الجماعة في الزمن الإيراني، تشكلت عناصر وجودها كطائفة على مجرى من الدماء سال في مواجهة بقية اللبنانيين، وعلى مواجهة جموع السوريين ممن رفعوا لواء الثورة، وعلى جموع العرب بما يمثلون من فضاء قومي وانتماء حضاري، شكل الشيعة العرب أحد روافده منذ ظهور الإسلام وانتشاره.

العزلة التي فرضتها جائحة الكورونا على اللبنانيين، قد تسمح بالنجاة من المرض الجسدي، وقد تتيح فرصة للعودة إلى الذات واكتشاف ضعف الجسد وقوته، والتقاط معنى الوجود الإنساني وغايته في هذا العالم وفي هذا الوطن المقهور والمصادر، غير أن العزلة التي فرضها النموذج الإيراني على الجماعة الشيعية في لبنان، هي عزلة ليس عن محيطهم الاجتماعي والحضاري والوطني فقط، بل عزلة عن تاريخهم الذي لا ينفصل عن تاريخ لبنان وسوريا وفلسطين، وعن تاريخ المنطقة العربية.

هذه العزلة في مؤداها الاجتماعي جعلت المجتمع المسيّج بالأيديولوجيا عبارة عن تجمع بشري يفتقد التنوّع، بل ممنوع من التعبير عن تنوعه.

هذا المجتمع هو مجتمع مستسلم ومهزوم، فالمقاومة هي فعل تحرر دائم من كل استبداد وفعل انتماء إلى الشعب والدولة، وإلى محيطه العربي، ويكفي أن تشعر الجماعة الشيعية في لبنان في زمن الأيديولوجيا الإيرانية بأنها غير آمنة في محيطها العربي، ليمدّ بنيامين نتنياهو رجليه ويطمئن إلى مقامه وإلى طول عمر كيانه.

كاتب لبناني

 

 

لبنان.. "كنْ مع

المقاومة وانهب ما شئت "

علي الامين

 

ليس في لبنان دولة ولا مؤسسات دستورية تحكم بقواعد الدستور والقانون، وبالتالي لا مسؤولية على أحد من رموز هذه المؤسسات أو المتولّين المسؤولية التنفيذية أو التشريعية ولا حتى الأمنية والعسكرية. بهذه المقولة التي جرى ترسيخها في الوعي العام اللبناني وحتى العربي والدولي، جرت أكبر عملية تقويض للسيادة اللبنانية من قبل السلطة لصالح الحكم المافياوي والميليشيوي، أفضت إلى تحويل مؤسسات الدولة إلى هياكل يتم من خلالها تجيير السلطة إلى النظام المافياوي، وتحويل الخزينة العامة إلى مصدر لتمويل غير مشروع، لشبكة النفوذ والسيطرة لهذا “النظام” على مقدرات الدولة.

حققت المافيا المسيطرة مكاسب كبرى من خلال ما يشبه نظام الامتياز الذي جعل تجارة النفط والغاز والفيول، على سبيل المثال، المقدر قيمتها بنحو ستة مليارات دولار في يد مجموعة تمثل أركان السلطة الفعلية، وقد أُتيح لها تحقيق أرباح غير مشروعة على حساب الخزينة العامة ومنها مادة الفيول التي شكلت عنوان العجز في مؤسسة كهرباء لبنان، والذي يبلغ اليوم ملياري دولار.

هذا ما جرى أيضا في قطاعات عدة، ومنها سندات الخزينة وما سمي الهندسة المالية التي كانت عبارة عن عملية ربا فاحش أدت إلى أن قام البنك المركزي بدفع نسب فوائد بلغت نحو 40 في المئة استفاد منها رجال أعمال قريبون من السلطة، ومنهم بنوك معروفة بعلاقاتها الوثيقة بأركان السلطة، في قطاعي الكهرباء والاتصالات وفي المرافئ الشرعية وغير الشرعية، وصولا إلى مافيا التهريب عبر الحدود البرية مع سوريا.

هذه نماذج من عمليات غير مشروعة وغير قانونية، أدت إلى زيادة نفوذ المافيا وتراجع دور الدولة وسيادتها، لصالح منظومة تمت إدارتها من قبل مشروع جعل لبنان خارج أي معادلة سلطة ترتبط بمفهوم الدستور والدولة.

من هنا كانت النتيجة إبقاء مقولة أن “ليس في لبنان دولة” هي الهدف الذي يتم من خلاله تغييب المسؤوليات وتغطية مصادرة السلطة وتزييف الوعي، وتفكيكه لصالح مشاريع تنمو وتتمدد بقوة المافيا، باسم الطائفة حينا وباسم المقاومة أحيانا أخرى، وعلى حساب الدولة والهوية الوطنية معظم الأحيان.

باختصار قامت انتفاضة 17 أكتوبر ولا تزال، ضدّ هذا الواقع القاتل للدولة، وفي وجه محاولة القضاء على الهوية الوطنية اللبنانية، وفي سبيل استنقاذ ما تبقى من الدولة ومؤسساتها، وضرب المافيا التي بات وجودها يعني نهاية لبنان. لذا ما فرضته الانتفاضة هو كشف زيف معادلة السلطة التي سيطر عليها حزب الله وبات يديرها منذ سنوات، فعبر الولاء له تتم شرعنة عملية النهب، على قاعدة “كن مع المقاومة وافعل ما شئت” من نهب للمال العام، من دون أن يعني ذلك أن الحزب كان خارج هذه العملية، بل في صلبها والأقدر على استثمارها في البعد المتصل بهدف “لا دولة في لبنان”.

وصل لبنان إلى مفترق طرق بات الاختيار بينها يقرر مسار لبنان الدولة والكيان. ففي الذكرى المئوية الأولى على تأسيس الكيان عام 1920، لم يسبق أن كان لبنان على هذا القدر من الخطر الذي بات يهدد هويته، بل وجوده كما عرفه اللبنانيون طيلة المئة عام الماضية، حتى أثناء الحرب الأهلية والحروب الإسرائيلية، لم تصل بلبنان رغم عنفها وتدميرها إلى هذا الحد الذي وصلت إليه دولة لبنان اليوم.

لبنان اليوم تحكمه مافيا يقوم وجودها على استمرار نفوذها على قطاعات الدولة، وعلى منع سيطرة سلطة الدولة فعليا عليها، ومنها القطاع العسكري أيضا الذي جعل من حزب الله ووجوده العسكري والأمني مرتبطا ارتباطا وثيقا بتغييب الدولة وغيابها، أي أن نظام مصالحه بات مرتبطا بعدم وجود الدولة أو بدوام ضعفها، وعلى هذا قِسْ في ما هو دون المستوى العسكري من قطاعات حيوية اقتصادية ومالية، قطاعات منفصلة ومافياوية ترى في الدولة مجرد هيكل تحتمي بشرعيته، لتنفيذ أكبر عملية نهب للمالية العامة والشعب اللبناني على وجه العموم.

ولأن لبنان في موازناته العامة، لم يكن يخضع لأي عملية ضبط للإنفاق بما يتناسب مع الواردات منذ عقد ونصف على الأقل، فإن عمليات الإنفاق بطرق غير شرعية ولا قانونية، أوصلت الدولة إلى عجز متنام وحجم من الديون لا يُحتمل، هي في مجملها عبارة عن قيمة الفوائد التي تراكمت منذ نحو ثلاثين عاما والتي تبلغ نحو تسعين مليارا.

لبنان أمام مفترق طرق، فهو بات عاجزا عن استقطاب أيّ من الدائنين سواء كانوا لبنانيين أو من خارج لبنان، وهو يرفض حتى الآن الاستعانة بصندوق النقد الدولي كما أعلن بالنيابة عنه حزب الله، وهو في الأساس افتقد ثقة المحيط العربي والدولي الذي بات يرفض تقديم أي مساعدة مالية للبنان، وبعضهم يشترط القيام بإصلاحات بنيوية في الدولة على الصعيد المالي والاقتصادي.

حقيقة إن كل ما يمكن أن يقدم للدولة اللبنانية من مساعدات مالية لم يعد يجدي، سببه المعروف هو حجم الهدر والفساد الذي يتيح ابتلاع أي مساعدات أو قروض مالية من دون أن يغيّر في واقع الدولة شيئا، لذا فإن الربط بين المساعدة والإصلاح يكتسب حجته القوية، من أن لا مفرّ من ضبط الإنفاق ومراقبته وتحديد وجهته، وهو ما لا يتناسب مع منطق المافيا الحاكمة في لبنان. ذلك أن الإصلاح في لبنان اليوم بات يرتبط ارتباطا وثيقا بتحجيم دور المافيا الحاكمة اليوم، إن لم يكن إنهاؤها بالكامل، وهذا ما يدركه رئيس الحكومة حسان دياب، الذي أعلن السبت الماضي تمنّع لبنان عن دفع جزء من مستحقّات الدّين هذا العام التي تبلغ أكثر من مليار دولار في 9 مارس الجاري، فيما المتوجب على لبنان دفعه حتى نهاية العام الجاري هو 4.6 مليار دولار.

عدم دفع مستحقات الدين في موعدها، برّره الرئيس دياب بعدم قدرة لبنان على الإيفاء بالتزاماته وقال إن الدولة ستفاوض أصحاب سندات الدين لجدولته. وهو موقف لا يوحي بالثقة لا للدائنين وقبلهم للشعب اللبناني، ذلك لأن اللبنانيين إنْ كانوا ينتظرون شيئا من حكومتهم الجديدة، فهو أن تباشر خطوات تتيح للشعب أن يمنح الثقة لها، وهي خطوات تتصل بإظهار القدرة والجديّة على تقويض مصادر الفساد والهدر واختلال السيادة، أي أن تظهر الحكومة أنها صاحبة قرار وليست مجرد بوق لسياسات التدمير المستمرة للاقتصاد والدولة، لا بل الكيان نفسه.

من هنا فإن الخطر على الكيان اللبناني ووجوده لم يعد مجرد مقولة، بل بات واقعا يجد مبرراته في كل ما تتمسك به المافيا السلطوية التي تحكم لبنان، والتي تعتبر أن ما تحوزه من مكاسب هو أوْلى من عودة الدولة والقانون والسيادة، وهذا إن كان يبدو غير منطقي وغير مفيد حتى لأطراف المافيا، إلا أن واقع الحال يكشف أن حدة المواجهة التي جعلت لبنان أمام مفترق طرق، أصبحت تفرض اتخاذ قرارات كبرى لا مفر منها، فإما الذهاب نحو دولة متوازنة وسيدة قرارها ومنسجمة مع نظام مصالحها العربي والدولي، أو الذهاب نحو خيار الساحة المفتوحة لاستجلاب صراعات إقليمية ودولية لا تبدو أطرافها التقليدية مهتمة بالتورط. ساحة ليست لديها أي حصانة ضدّ الانزلاق والتدحرج نحو التصدع الاجتماعي والطائفي، في مرحلة من الانهيار الاقتصادي والمالي مضافة إليهما عزلة عربية غير مسبوقة في تاريخ لبنان منذ أن قامت دولته قبل مئة عام.

 

كاتب لبناني

 

"نيران صديقة" في مقتلة إدلب

تدفع نحو جلاء الجيوش

الأجنبية عن سوريا

علي الامين

لم تكن الضربة التي تلقتها الميليشيات التابعة لإيران في سوريا متوقعة (25 قتيلا بين إدلب وحلب)، بل بدت مباغتة لإيران وحزب الله، فبعد سقوط نحو 50 جنديا تركيا في سوريا خلال شهر فبراير الماضي، من ضمنهم استهداف قافلة عسكرية تركية أدى إلى مقتل أكثر من 30 جنديا تركيا، لم يكن حزب الله، ومن خلفه إيران، يتوقعان أن يكون الردّ التركي على مواقع عسكرية تابعة لإيران وميليشياتها، بسبب أن مسؤولية قتل الجنود الأتراك كانت تشير إلى روسيا والنظام السوري، خصوصا أن غارات جوّية هي التي حصدت العدد الأكبر من القتلى الأتراك، فيما إيران وحزب الله لا يستخدمان طائرات حربية كما هو معلوم في سوريا.

الضربة المعنوية التي تلقاها حزب الله بمقتل عشرة من محازبيه في الشمال السوري تتجاوز الضربة العسكرية، فالحزب الذي سارع بعد تلقيه الضربة إلى إيفاد المدير العام للأمن العام اللبناني اللواء عباس إبراهيم للقاء المسؤولين الأتراك، كشف في خطوته هذه عن ارتباكه ومحاولته الحدّ من الخسائر السياسية والعسكرية. فحسب المعلومات التي يتم تداولها من أوساط قريبة من حزب الله في بيروت، أن “ثمة تواطؤا تعرضت له الميليشيات الإيرانية كان طرفاه روسيا وتركيا في الحدّ الأدنى وربما الجيش السوري النظامي”، إذ أشارت هذه الأوساط إلى أن استهداف المواقع الإيرانية والتابعة لحزب الله، بدا وأنه بدل عن ردّ تركي على القوات الروسية، بحيث بدت القوات الإيرانية وميليشياتها الحلقة الأضعف التي تتيح للرئيس التركي رجب طيب أردوغان استعادة ماء الوجه بعد الضربة التي تعرض لها الجيش التركي ليل الخميس، وفي ظل إدراكه للكلفة التي قد يدفعها في حال استهدف القوات الروسية.

الضربة المعنوية أيضا هي لكل ما كان المحور الإيراني يسعى إلى ترميمه في العلاقة مع تنظيم الإخوان المسلمين، إذ ليس خافيا على المتابعين ما يجري في منظومة علاقات المحور الإيراني، هو السعي الإيراني لإعادة ترميم العلاقة مع حزب الله بعد التصدعات التي أحدثها بين الطرفين تورطه في دعم نظام بشار الأسد في مواجهة الثورة السورية، ففي السنوات الأخيرة وتحت عناوين فلسطين والقدس والمقاومة، عمل حزب الله وعبر حركة حماس أولا، على إعادة ترميم علاقاتها مع النظام السوري في الحدّ الأدنى، فضلا عن الدعوات التي تلقتها قيادات من هذه الحركة لزيارة إيران بشكل لافت في السنوات الأخيرة، ومن خلال هذه العلاقة بدأت جهات إيرانية رسمية بزيارة تركيا في سبيل إعادة بناء العلاقة بين إيران وتنظيم الإخوان، مستغلة العلاقات السيّئة لهذا التنظيم مع معظم الدول العربية.

من هنا كانت صدمة حزب الله بعد استهدافه من قبل الجيش التركي، لاسيما أن هذه الضربة ترافقت مع عمليات تهجير لمئات الآلاف من المواطنين السوريين من إدلب ومن ريف حلب، في ظل التمدد العسكري للنظام السوري بدعم من إيران ومن روسيا، وتجدر الإشارة إلى أن هذه المناطق هي أيضا مناطق نزوح للملايين من السوريين الذين فروا من بطش النظام السوري وحلفائه في السنوات الأخيرة وقدم جزء منهم في عمليات شهيرة تم خلالها نقل عشرات الآلاف من المقاتلين من مناطق دمشق وريفها ومناطق الزبداني والقلمون ومن بلدة القصير على الحدود مع لبنان.

لم يكن أمام المشروع الإيراني في المنطقة العربية في السعي لكسر العزلة التي يعيشها على المستوى العربي والإسلامي، إلا ترميم العلاقة مع الإسلام السياسي ومحاولة تغطية تمدده في العالم العربي من خلال ترميم العلاقة مع الإخوان، حيث عمد حزب الله إلى العمل على فتح القنوات مع التنظيم وتعزيزها، وعملت القيادة الإيرانية على استثمار علاقاتها مع تركيا وقطر في سبيل تحقيق هذا الخرق، ورغم الجهود التي بُذلت على هذا الصعيد فإن عودة المياه إلى مجاريها بقيت متقطعة وأسيرة نهر الدماء في سوريا.

كان الجيش السوري عرضة لضربات تركية أدت إلى خسائر بشرية ومادية وعسكرية، إلا أن الضربة القاصمة التي يصعب تعويضها كانت الضربة التركية، ذلك أنّ الترحيب بهذه الضربة من قبل السوريين، خاصة اللاجئين في تركيا، أظهر وجود مسافة بين الشعب السوري من جهة، والوجود الإيراني في سوريا من جهة أخرى.

اللواء عباس إبراهيم، وهو الذي يتولى عادة نقل رسائل من الدولة اللبنانية ومن حزب الله إلى جهات مخابراتية عربية وغربية، توجه إلى تركيا من أجل إيجاد مخارج تحول دون تدهور العلاقة بين حزب الله وتركيا، في لحظة سياسية تلمس من خلالها الحزب أنه وقع في فخّ نُصبَ له بإحكام، فخ لم يكن الروس بعيدون عنه ولم تكن تركيا غير مرحبة به، وأظهر ضعف إيران في المعادلة السورية.

شهدت مدينة القصير الإعلان العسكري عن بدء دخول حزب الله في الحرب السورية، وقد كلف ذلك حزب الله عشرات القتلى الذين وقعوا في أفخاخ من الألغام نصبت على مداخل المدينة وفي أنفاقها، فهل يكون فخ الشمال السوري الذي استدرج حزب الله إليه، الإعلان الرسمي والعسكري لنهاية تورطه، وربما إيران، في حرب سورية جرّت المآسي على الشعب السوري أولا ولبنان ثانيا؟

كاتب لبناني

 

 

"كورونا" النظام تنهش

أجساد الإيرانيين وأصواتهم

علي الأمين

 

يتزامن حلول المصيبة والخيبة في إيران مع مصيبة فايروس “كورونا” الذي ينهش الشعب الإيراني من دون أي جدية في المعالجة، تتماهى مع نظام دكتاتوري ليس أقلّ فتكاً يعيش خيبة الانتخابات على الرغم من الممارسات التعسفية اللاديمقرطية بحق المرشحين والناخبين.

بحسب الأرقام الرسمية بلغت نسبة المقترعين لانتخاب مجلس الشورى في إيران 42 في المئة وهي النسبة الأدنى في تاريخ الانتخابات على اختلافها في هذه الدولة التي قامت على نظام إسلامي ظاهره ديمقراطي، وجوهره يستند إلى سلطة مطلقة لولي الفقيه الذي يتمتع بصلاحيات تتفوّق على أيّ حاكم في أيّ دولة.

لا ريب أن الشكل الديمقراطي يتركز على العملية الانتخابية ذاتها، وهي رغم ذلك عملية مشوبة بمجموعة من الشوائب التي تجعل من نتائجها معروفة قبل إجرائها، وعلى رغم ذلك فإن الهيئات المنتخبة من الشعب كمجلس الشورى ورئيس الجمهورية ومجلس خبراء القيادة الذي ينتخب المرشد، هي هيئات غير متاحة الترشح لأيّ إيراني من دون أن يحظى بموافقة مُسبقة تقوم بها هيئات تابعة للسلطة، وهي من يقرر من يحقّ له الترشح ومن لا يحق له، ويتيح هذا الإجراء أو هذه الصلاحية، مجالا واسعا للسلطة ولاسيما الولي الفقيه، تقرير طبيعة الانتخابات من خلال تحديد المتنافسين مسبقا.

إيران تقعُ أمام خيارات أحلاها مرّ، فهي إمّا أن تذهب نحو عقد صفقة معلنة مع واشنطن لا يستطيع النظام تحمّل تبعاتها الداخلية، وإمّا أن تذهب نحو المواجهة والتسليم بالحصار

فعلى سبيل المثال تم منع مئة نائب في مجلس الشورى من الترشح مجددا للانتخابات التشريعية الأخيرة، وجرى رفض سبعة آلاف طلب ترشح للانتخابات التشريعية، ما أظهر بوضوح نتائج الانتخابات قبل إجرائها، بحيث كان واضحا أن نتائج الانتخابات ستؤول إلى فوز مرشّحي الحرس الثوري بعد استبعاد معظم المرشحين الذين يندرجون في إطار ما يسمى بالإصلاحيين أو المستقلّين، ولكن مع إبقاء جزء منهم في دائرة المنافسة، بما لا يخلّ بالنتيجة التي تريدها السلطة؛ أي فوز مرشحيها بالأكثرية المطلقة.

ومن المفارقات في الديمقراطية الإيرانية أنّ مجلس خبراء القيادة الذي يفترض أن ينتخب المرشد وأن يراقب سلطته ويحقّ له عزله، يخضع كذلك في عملية انتخابه، إلى عملية تصفية للمرشحين من قبل هيئة يعيّنها المرشد، بحيث يفقد هذا المجلس بعد انتخابه عمليا أيّ قدرة على ممارسة صلاحياته لأن أعضاءه خضعوا عمليّا للتعيين من قبل المرشد، وفي هذه الحالة من غير الوارد أن يقوم بمحاسبة المرشد أو إقالته بسبب تلك العملية التي تؤدّي فعليّا إلى تحوّله إلى أداة بيد السلطة أكثر مما هو مراقب لها.

الخصوصية الإيرانية للديمقراطية تفقدها معظم غاياتها، وتؤول بها إلى نموذج من الحكم الثيوقراطي الذي يتيح لطبقة أن تحكم وتتحكّم بالشعب والدولة على وجه العموم، وفي إيران يشكّل الحرس الثوري بقيادة المرشد القوة الفعلية التي يسند إليها حماية السلطة والنظام الذي ينظر إلى الشعب باعتباره غير مؤهل في اختياراته، لذا لا بد من مساعدته على الاختيار من خلال تحديد من يجب عليه انتخابه.

مرشد الدولة الإيرانية علي خامنئي قال في تعليقه على تدنّي نسبة المقترعين، أن فايروس كورونا والحملات الإعلامية المغرضة على إيران، هما سبب تراجع نسبة المقترعين. وعلى مسار إلقاء اللوم على الخارج وما يرسله الغيب، لا يجد مرشد الجمهورية أيّ سبب آخر يعوق اندفاع الشعب الإيراني نحو التغيير السلمي، لاسيما أن إدارة الدولة والسلطة أوصلت الدولة الإيرانية إلى وضع مالي واقتصادي ومعيشي لم يكن يتخيّله أيّ مواطن إيراني، كان اعتبر في سقوط شاه إيران محمد رضا بهلوي قبل 41 سنة نهاية لعهد دكتاتوري وبداية لمرحلة جديدة من الرفاه والحرية في دولة تعتبر من أغنى دول العالم في ثروتها الطبيعية وفي عراقة شعبها، إلى جانب مساحة جغرافية شاسعة تقارب المليون وستمئة ألف كلم مربع، فضلا عن تنوّع ديموغرافي غنيّ، بلغ تعداده نحو 80 مليونا اليوم، فيما كان تجاوز 30 مليونا حين نشوء الجمهورية الإسلامية عام 1979.

إزاء معضلة الحصار الذي تفرضه الإدارة الأميركية على إيران، فإن النظام الإسلامي في إيران لا يمكن أن يستمر في حكم شعبه بتبرير الفقر والأزمات الاقتصادية بهذا الحصار، ذلك أن أيديولوجية النظام طالما أعلنت أن عدوّها الأول هو أميركا، لذا كان شعار “أميركا الشيطان الأكبر” هو الشعار الأكثر انتشارا وتردادا في منابر النظام، وبالتالي من غير المقبول في إيران أن تحيل السلطة سوء الأحوال في البلاد إلى الحصار الأميركي، لأن أقلّ ما تتوقّعه من الشيطان الأكبر هو ان يحاصرك.

لكن السلطة في إيران التي خبرت وسائل متعددة لحماية سلطتها، تدرك أن نجاح الثورات بحسب الإحصاءات منذ مطلع القرن العشرين حتى اليوم، تحقق في دول ليست فقيرة ولا يقع شعبها في معظمه تحت خط الفقر، فالثورة الكوبية على سبيل المثال، نجحت في العام 1960 في دولة كانت أكثر الدول تقدّما في أميركا اللاتينية في ذلك الحين، وكذا الثورة الإيرانية حققت نجاحها ضد سلطة الشاه ودولته التي كانت في حينه أكثر الدول تقدّما في محيطها.

بحسب الأرقام الرسمية بلغت نسبة المقترعين لانتخاب مجلس الشورى في إيران 42 في المئة وهي النسبة الأدنى في تاريخ الانتخابات على اختلافها

النظام الإسلامي في إيران يدرك أن منع ظهور نخبة إيرانية متمايزة عن السلطة الحاكمة هو جوهر السياسة الإيرانية الداخلية، وبالتالي تشكّل “شمّاعة” الخارج والحصار إحدى وسائل القمع لكل تمايز تعبّر عنه مجموعة إيرانية.

هذا السلوك الإيراني للسلطة بات اليوم أمام خيارات وجودية، أكثر من أيّ وقت مضى، ذلك أن النظام في إيران الذي تمدّد خارجها باتجاه دول عربية عديدة، لم يكن ليحقق نجاحاته التوسعية من دون تقاطعات عميقة مع السياسة الأميركية، لكن ما يجري اليوم هو أن إيران تقعُ أمام خيارات أحلاها مرّ، فهي إمّا أن تذهب نحو عقد صفقة معلنة مع واشنطن لا يستطيع النظام تحمّل تبعاتها الداخلية، وإمّا أن تذهب نحو المواجهة والتسليم بالحصار الذي بات يهدد قدرة النظام على تلبية متطلّبات الشعب والدولة ومقتضيات النفوذ الخارجي الذي تتفاعل أزماته في أبرز معقليْن له في العراق ولبنان.

الكارثة في إيران لا تكمن في أن نظامها كان إحدى أدوات التدمير الذي شهدته المنطقة العربية باسم تصدير الثورة حيناً، وباسم تحرير القدس أو المقدسات في أحيانا أخرى فحسب، بل بما حمله النظام الإيراني من مآسٍ على الأمة الإيرانية والتي وهي تتطلع في هذه الأيام في ذكرى انتصار ثورة إيران في فبراير عام 1976، إلى ما حققته الثورة. تبدو الأمة الإيرانية في موقع زاد فيه أعداؤها على أصدقائها، وزاد الفقر فيها فيما ثرواتها أُهدرت من أجل هدف واحد هو حماية النظام لا الشعب ولا الدولة ولا العرب ولا فلسطين ولا القدس ولا وحدة المسلمين الذين تشتتوا وتلاشوا كما لم يشهد تاريخهم من قبل.

 

كاتب لبناني

 

 

الحكومة تعلق في

عنق حزب الله.. أين المفر

علي الامين

 

يدخل لبنان مع حكومة الرئيس حسان دياب فصلا جديدا من فصول الانهيار المالي والاقتصادي والنقدي، فالحكومة التي تشكّلت بخلاف إرادة اللبنانيين الذين طالبوا بحكومة من المستقلين من خارج الطبقة الحاكمة، عبّر تشكيلها عن غلبة خيار تمسك السلطة الفعلية والخفيّة المتمثلة بحزب الله بخيار الحكومة الممثلة للتحالف الذي يديره، وهو خيار يعكس في جوهره عدم التنازل عن المكاسب الحزبية في مفاصل الدولة، ولو أدى ذلك إلى الانهيار.

المجتمع الدولي لم يُبْد ترحيبا بالحكومة الجديدة، والدول العربية، وعلى رأسها دول الخليج، لم تظهر أيّ اهتمام يذكر بمساعدة لبنان، في ظل حكومة تؤول في سياستها العميقة إلى محور طهران ويديرها حزب الله.

ورغم نفي الأمين العام للحزب حسن نصرالله وصف الحكومة بأنها “حكومة حزب الله”، إلاّ أنّ التعامل المحلّي اللبناني والخارجي، لا ينظر إلى هذا النفي نظرة قبول، لإدراك عام بأنه لا يمكن أن تشكّل حكومة في لبنان لا يكون في أساسها مباركة الحزب أو الالتزام بقواعد السياسة التي رسمها منذ سنين في سيرة الحكومات التي نشأت منذ عقد على أقلّ تقدير، وترسّخت مع انتخاب العماد ميشال عون عام 2016.

يعتقد الأمين العام لحزب الله، أنه يمكن الفصل بين السياسة والاقتصاد، فهو حين دعا في خطابه الذي ألقاه يوم الأحد إلى عدم زجّ الخلاف السياسي في أتون الأزمة المالية والاقتصادية، طالبا من السياسيين اللبنانيين إعطاء فرصة للحكومة الجديدة ودعمها أو عدم عرقلتها على الأقلّ، كان يتجاوز في هذه الدعوة إحدى أبرز الحقائق التي شكلت سببا رئيسيا للأزمة القائمة، أي تحوّل لبنان إلى ساحة انطلاق لتدخلات أمنية وسياسية في دول عربية شتى، وكان حزب الله رأس حربة مواجهة مع أطراف عربية طالما كانت دولا مساعدة للبنان، وداعما اقتصاديا وماليا له، وساهمت سياسة الحزب وخياراته العسكرية والأمنية التي تجاوزت الحدّ المعقول في شروط العلاقات الطبيعية بين لبنان والدول العربية، في جعل لبنان بلدا منبوذا ومصدر خطر للعديد من الدول، بل وأسهمت هذه السياسة في إفقاد لبنان ميزة الجاذبية للمستثمرين العرب والأجانب، بعدما استفحلت فيه سلطة الميليشيات وتراجعت سلطة الدولة، التي صارت سلطة تحرّكها وتتحكم بها، وصولا إلى السيطرة العميقة لطهران على خيارات لبنان السياسية وعلاقاته الدولية.

لا يمكن رصد أسباب الأزمة الاقتصادية والنقدية، دون التطرّق إلى هذا السبب السياسي المحوري الذي سبّب الأزمة وعمّقها، لذا فالسياسة في صلب الأزمة وفي جوهرها.

هذا في البعد الخارجي لعلاقات لبنان العربية، أما البعد السياسي الداخلي في الأزمة القائمة، فهو يتمثّل في أن نظام الوصاية أو السيطرة الخفيّة على مفاصل القرار في الدولة اللبنانية، كانت تقوم في خطة حزب الله على أن جوهر العلاقة مع القوى السياسية يقوم على الولاء لخيارات الحزب الإستراتيجية، وفي مقابل هذا الولاء تفتح أمام من يلتزم بشروط الولاء، المنافع والمكاسب من كيس الدولة والخزينة العامة، ذلك أنه لم يضع ولا مرة في مسيرته السياسية شرط النزاهة ونظافة الكف لبناء تحالفاته أو إقامة علاقات سياسية مع أي طرف لبناني.

وأكثر من ذلك يمكن الاستنتاج بأن ثمّة شرطا غير معلن وأساسيّا في أي علاقة تحالفية أو ايجابية لحزب الله مع أيّ طرف سياسي. هذا الشرط الخفيّ والمحوري هو أن العلاقة يجب أن تكون على حساب سلطة الدولة، بما هي سلطة دستور وقانون. هكذا بنى تحالفه مع التيار الوطني الحر، وعلى هذا المنوال أدار صفقات التسوية مع سعد الحريري ووليد جنبلاط وسمير جعجع. والشرط الأساس أن يبقى هو خارج سلطة الدولة وفوقها، إما باسم المقاومة، وإما باسم “ربط النزاع” وهي كلمة مموّهة لوقف الاعتراض على خروجه على الدولة، والتي تعني أنّ ما يقوم به من تجاوز للدستور والقانون غير مقبول نظريا، ولكنه لا يجب أن يكون محلّ جدل أو اعتراض داخلي.

هذه السياسات همّشت الدولة وضعضعتها، وأفقدت لبنان جاذبية الاستثمار، وزادت من غضب الدول العربية تجاهه، وأدارت ظهر الكثير من أصدقاء لبنان التقليديين لأزماته، في مقابل استفحال الفساد والإفساد على مستوى إدارة مؤسسات الدولة وقطاعاتها، كل ذلك وغيره مما يندرج في سياق إضعاف مؤسسات الدولة والمجتمع، أدى إلى هذه الأزمة العميقة التي يعاني منها لبنان اليوم، وهي في جوهرها أزمة خيارات سياسية، فحزب الله اختار بدل اللبنانيين الانضمام إلى محور إيران خارجيّا، ودعم خيار السلطة الفاسدة داخليّا، باعتبارها الوسيلة الفضلى للتحكّم وسيطرته غير الموضوعية على المجتمع والدولة، وهي خيارات أوصلت إلى المأزق الحالي.

ليس هذا مستغربا لمن يعرف جوهر وطبيعة الأيديولوجيا الإيرانية، التي لا يستقيم وجودها وسيطرتها من خارج أسس هي من طبيعتها، وهي إضعاف الدولة أولا، والاستثمار في الانقسامات أو الشروخ المجتمعية ثانيا، ولم يكن نفوذ إيران يتحقّق في أيّ منطقة أو دولة من دون أن يتلازم ضعف الدولة والانقسام الطائفي أو المذهبي والديني، وهي وصفات ملائمة للانهيار الاقتصادي والاجتماعي في هذه الدول.

المستهجن ليس كل ما سلف ذكره، بل أن ينتظر حزب الله في لبنان أن يبادر العرب والغرب إلى مساعدة لبنان للخروج من أزمته، بل الأكثر من ذلك أن يتهم نصرالله بعض اللبنانيين في خطابه الأخير بالتحريض على الحكومة التي شكّلها وحلفاؤه، بأنها حكومة حزب الله.

المضحك والمبكي في آن، أن نصرالله يمكن أن يخطر في باله، أن جهات كالمملكة العربية السعودية أو الإدارة الأميركية أو الاتحاد الأوروبي، لا تعلم أن الحكومة الحالية هي من تأليفه وإخراجه، وأن من أخبر هذه الدول هي جهات لبنانية محرّضة. هذا التبسيط أو محاولة التخفّي، لن ينفع كثيرا حكومة حسان دياب، التي تفتقد الحدّ الأدنى من عناصر الخروج من الأزمة بل عناصر لجم الانهيار، وهي الاستقلالية أولا، فهذه الحكومة جرى تعيين كامل وزرائها من قبل حزب الله وحلفائه ويعملون في وزاراتهم ضمن فريق تابع لهذه القوى اليوم ويلتزمون بتوجيهات من قام بتعيينهم.

العنصر الثاني هو الكفاءة وهي ميزة لا تبدو جلية في سيرة معظم الوزراء الذين عيّنوا وهم أقرب إلى شخصيات تفتقد الألمعية أو التميّز. العنصر الثالث هو الجرأة على اتخاذ القرار، وهذا لا تبدو له أي مؤشرات جدية، ولعل معظم الوزراء الذين جرى تعيينهم قبلوا منذ البداية أن يكونوا ممثّلين لمن عيّنهم، ولم يصدر أي موقف من أيّ وزير حتى اليوم، يعطي انطباعا بأنهم مستقلّون يتمتعون بالجرأة وتنضح الكفاءة في سلوكهم.

حكومة حسان دياب، لن تعطي اللبنانيين ما يريدون من أيّ حكومة في هذه المرحلة، ذلك أن لبنان بات في عنق الزجاجة، وهو العنق الذي دفعت السياسات الإيرانية لبنان إليه، وبات من الصعب ترقب أن ينجو لبنان من دون التخلّص من هذه الوضعية التي انتهى إليها. فالنموذج الذي تتبنّاه إيران وعززته في اتفاق الدوحة عام 2008 ورسّخته في التسوية الرئاسية عام 2016، انتهى اليوم إلى فشل مريع في قدرته على الاستمرار، وما الانتفاضة اللبنانية التي لا تزال تتوهج على امتداد لبنان، إلا تأكيد على أن نظام المحاصصة والوصاية الذي يحكم لبنان، لم يعُد مقبولا، وبات تغييره شرط وجود لبنان وليس أقلّ من ذلك.

كاتب لبناني

 

 

إيران تلتقط ذراع حزب

الله لإنقاذ ما يمكن إنقاذه

علي الامين

 

لم تفرُغ إيران بعد من مواجهة تداعيات التطورات الدرامية السريعة المباغتة، التي هبطت على رأس قيادييها في توقيت غير محسوب، وتحت عناوين توهمت أنّها من الخطوط الحمر غير المتوقعة. ولعل أبرزها اغتيال قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني.

وعلى الرغم من تخبّطها من لحظة اغتيال سليماني، استدركت إيران سريعا الضربة التي قصمت ظهرها، بعدما أدركت أنها لن تقوى على استيعابها، وكأن شيئاً لم يكن، فلملمت جراحها وحاولت إنقاذ ما يمكن إنقاذه من نفوذها في المنطقة، عبر خارطة طريق جديدة تقوم على حماية ولاية الفقيه وإعادة ترميم ذراعها الأقوى، حزب الله في سوريا ولبنان، لكن على أساس تعديل قواعد الاشتباك السياسي والعسكري مع العدو الأميركي “المفترض”.

سوريّا، لطالما شكلت حماية نظام بشار الأسد لدى إيران أولوية في إستراتيجية نفوذها وتمددها في المنطقة العربية، لذلك كان قرار المشاركة بقوة في قمع الثورة السورية، قرارا استثنائيا في ضخّ حجم كبير من القوات العسكرية والميليشياوية التابعة لإيران ولمنظومة ولاية الفقيه إلى الأراضي السورية من أجل الذود عن نظام الأسد، ولقمع المنتفضين في وجهه. عشرات الآلاف من الجنود والمقاتلين، دخلوا بإشراف وقيادة قائد فيلق القدس آنذاك قاسم سليماني بشكل متدرج منذ العام 2011، وحققوا مع التدخل الروسي الجوي عام 2015 بقاء الأسد حتى اليوم، ودمار سوريا التي باتت دولة منهكة بمؤسساتها، ومشتتة بشعبها المشرد، وشبه دولة يبدو النظام فيها مجرد أداة إقليمية ودولية، إلى حين البتّ بمستقبل “النظام” في هذا البلد من قبل الأطراف الدولية، لاسيما موسكو وواشنطن.

ليس خفيا الأبعاد الدينية والأيديولوجية المقدّسة التي سخّرتها إيران وأذرعها لتبرير تدخلها وأذرعها في سوريا، من “السيدة زينب”، إلى “الحرب المقدّسة”، إلى “شق طريق القدس”، وصولا إلى مقولة راجت عن المرشد علي خامنئي مفادها أن الشهادة في سوريا أعظم من الشهادة في مواجهة إسرائيل. وليس خفّيا اليوم أن الموقف الإيراني من صفقة القرن وما سبقها من خطوات أميركية تجاه الجولان المحتل والقدس، لم يصل في ردّ فعله إلى ما يتجاوز التنديد اللفظي، وهو ما يفضح، كيف أن الدفاع عن نظام الأسد، يتقدّم بل يعلو ولا يُعلى عليه في الإستراتيجية الإيرانية، خصوصا إذا ما قورن بتحدي إسرائيل للعالم العربي والإسلامي، عبر تقويضها كل القرارات الدولية المتصلة بالقدس وبفلسطين التي أنشأت إيران لها فيلقا باسمها، لم يقم بأي عمل عسكري ضد إسرائيل، فيما قاتل بشراسة في سوريا والعراق وغيرهما من أجل حماية أنظمة مستبدة وفاسدة.

الإستراتيجية الإيرانية على حالها لجهة أولوية تعزيز نفوذها في الدول العربية، أمّا إسرائيل فستستمر كذريعة لهذا النفوذ والتمدد، والتي أضافت إليها اليوم وضع حدّ للوجود الأميركي في المنطقة، والنتيجة المرتقبة لهذه السياسة الذرائعية، إضعاف الدول العربية وتعزيز التصدّعات المجتمعية فيها والاستثمار في انقساماتها، والحرص على عدم التصادم مع إسرائيل ومصالحها فعليّا، والسّير، معا، من موقع العداء اللفظي، إلى تقاسم النفوذ على امتداد الدول العربية.

من هنا جاء اغتيال سليماني في بغداد قبل شهر، إيذانا بترتيبات إقليمية ودولية تطوي مرحلة الأذرع العسكرية الإيرانية، لصالح تعزيز منظومة الدول التي بات إعادة تركيبها بعد تفكيكها، أمرا أكثر سهولة ويتيح لواشنطن وموسكو رسم معالم النظام السوري الجديد، الذي سيقوم على تركيب السلطة على صورة النموذج العراقي، أي رئيس جمهورية بصلاحيات محدودة من الطائفة العلوية، ورئيس حكومة بصلاحيات تقريرية من الأكثرية السنية، وحصة إيران في هذه المعادلة ستبقى رهن ما تعطيه روسيا، ومدى تجاوب إيران والتزامها بمقتضيات المصالح الدولية والإسرائيلية، ورهن التفاهم مع العرب، ودائما على قاعدة إنهاء الأذرع العسكرية في سوريا.

على هذه الرؤى والتصوّرات التي يجري بلورتها دوليا، يسير حزب الله في حقل ألغام، ويسعى إلى أن يتجاوز هذه المرحلة، عبر المزيد من فرض وجوده كطرف ضامن في هذه المعادلات الإقليمية في الدائرة اللبنانية، فحزب الله الذي يتآلف مع فكرة خروجه من سوريا، يبحث بدعم إيراني عن تعويض لما دفعه في الحرب السورية، وهو تعويض يتمثّل في الإمساك بالمعادلة اللبنانية، والسيطرة على هذه الدولة ضمن تفاهمات دولية وإقليمية.

هذا التطلّع لدى حزب الله ومن خلفه إيران، يكتسب أهميته في كونه طرفا داخليا لبنانيّا، يستند إلى تأييد ونفوذ جدّي في الطائفة الشيعية، لكن الأهم من ذلك يكمن في أن الحزب سيكون عليه، أن يقدم التزاماته بشأن حفظ الاستقرار لاسيما على حدود لبنان الجنوبية مع إسرائيل، كما كان عليه الحال في السنوات السابقة، وهو أمر ستبقى كلفته محمولة لديه طالما أن السلطة كانت هدفا رئيسا في حروبه، وتتقدّم على كل ما يظهره من شعارات تتنافى مع هذا السعي أو الطموح.

العودة إلى لبنان بالمعنى التعويضي عن كل الدماء التي أسالها في سياق رسم معالم المنطقة العربية، قد يبدو مشروعاً في لعبة المحاصصة والتوازنات في الإقليم، لكن السؤال الذي تبدو الإجابة عليه غير واضحة حتى اليوم، ينطلق من أن التحديات الملحّة والطاغية في لبنان اليوم، لا يمكن مقاربتها على طريقة “7 أيار 2008” ولا بأسلوب “القمصان السود” عام 2011 ولا بطريقة حرب العام 2006، ولا على طريقة متطلبات مواجهة الإرهاب الداعشي أو السنّي أو الوهابي، فتلك عناوين من مخلفات ما قبل سليماني، وقبل اغتيال القيادي عماد مغنية، وما قبل – قبل انكشاف الدور الإيراني الذي باتت أزمته الفعلية مع المجتمعات العربية، أكثر مما هي مع المصالح الروسية أو الأميركية وصولا للإسرائيلية، فإيران في أحسن الأحوال اليوم بالنسبة للشعوب العربية، هي دولة ساعية إلى حماية نفوذها ببناء تفاهمات مع الدول الكبرى في أوطانهم.

من هنا فإن التحدي في لبنان مختلف عمّا ألفه حزب الله، إذ هو تحدّ مالي واقتصادي ويتصل ببناء الدولة وترميمها، ذلك أن الحزب الذي قامت أيديولوجيته على مقولة إن لبنان ساحة وليس وطنا أو دولة تستحق ولاء المواطن لها، عمد منذ تأسيسه على الالتفاف على أي فكرة أو مشروع يدفعان نحو ترسيخ الدولة ومفهوم المواطنة فيه، لذا لن تجد في أدبيات الحزب ولا في اهتماماته النظرية أو الأيديولوجية، أية مساهمة جادة تعكس رؤيته لإدارة الشأن العام أو الاقتصاد، أو النظام السياسي، ولا حتى الدور الإصلاحي الذي يجب أن يضطلع به.

التحديات يواجهها حزب الله اليوم محكومة بعقلية المحافظة على نفوذه أولا وأخيرا، حيث أعلن على لسان أمينه العام حسن نصرالله، أنه سيحمي النظام، ولكن التدقيق في مقولته يفضي إلى أنه سيحمي من النظام بما يتيح له استمرار الارتباط الوثيق بإيران، ويحصّن ما يعتبره خصوصية طائفية كورقة تبرر له حفظ سلاحه بذريعة المقاومة والدفاع عن أهله، ويأخذ بيد النظام بشرط أن يبقى هو المسيطر على المعادلة السياسية الداخلية كما هو الحال الآن، وهو مع النظام طالما أنّ الخوف قائم لدى الأقليات التي ينتظر منها دائما الامتنان، لأنه حماها أو يحميها من الإرهاب السنّي القادم من الشرق، كما يزعم.

أما إذا رفض اللبنانيون هذه المقايضة المصطنعة، فهو سيرفع لواء إلغاء النظام أو الطائفية السياسية، لكنه سيرفعه بنكهة طائفية، أي أنه التنظيم الشيعي المغلق والمسلّح الذي يقول بلا تردّد أنا مع إلغاء الطائفية السياسية في رسالة لا تخلو من التهديد الضمني بأنه سينتقل من حكم لبنان بالقوة العسكرية، بإضافة القوة العددية الطائفية إليها، ودائما بعنوان إلغاء الطائفية السياسية. أي أنّ الشكل الذي سمح ببقائه على مستوى السلطة من تقاسم المواقع والمناصب اليوم، سينتهي ليتطابق الشكل مع المضمون، أي لا حكم إلا لـ”حزب الله”.

يبقى أن الأسئلة الطاغية اليوم هي المتصلة بالاقتصاد ودور لبنان على هذا الصعيد، وبإنقاذ المالية العامة والعملة الوطنية ومواجهة الفساد المستفحل ولجم الانهيار الاجتماعي، وهي تحديات باتت تثقل على مشروع حزب الله الذي لا يزال يتخفّى خلف حكومة حرص على أن يكون فيها 12 وزيرا من أصل 20 يحملون جنسية “الشيطان الأكبر”، وهي رسالة يريد من خلالها حزب الله استعطاف الخارج، لا أكثر ولا أقلّ، بعد أن حسم أمر إدارة الظهر إلى انتفاضة الداخل ومطالب المنتفضين.

 

كاتب لبناني

 

 

بعد سليماني.. واشنطن

تستفرد بإيران وتعزل أذرعها

علي الامين

 

لا يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب مهتم بتجاوز الحكومة الإيرانية لملف اغتيال قاسم سليماني، فوزير خارجية إيران محمد جواد ظريف أعلن، بوضوح، أن اغتيال واشنطن لسليماني لا يشكل حائلا دون إجراء حوار بين إيران وواشنطن. هذه الهدية الإيرانية رفضها ترامب وقال “شكرا”.

يأتي الموقف الإيراني ليؤكد أن إيران ليست في وارد التصعيد ضد واشنطن، بل يُظهر أن سيف العقوبات الأميركية جعل إيران في موقع حرج، وباتت الآمال الإيرانية باهتزاز الموقف الأميركي وتراجعه غائبة، بل بات الانتظار الرسمي الإيراني إلى حين الانتخابات الرئاسية الأميركية، أمرا محفوفاً بمخاطر جدية، ليس بسبب ترجيح فوز ترامب بولاية ثانية، بل في ظل تساؤلات حول قدرة الدولة الإيرانية على تحمل تبعات الانتظار حتى نهاية هذا العام.

مردُّ التضعضع الإيراني يكمن في التداعيات التي يشهدها النفوذ الإيراني في “دول الهلال” التي تباهت قيادات إيرانية بالتحكم والسيطرة عليها، وكان اغتيال قاسم سليماني مؤشرا على نهاية مرحلة من التناغم الميداني الإيراني – الأميركي في أكثر من ساحة عربية، وبداية مرحلة جديدة بشروط ومعايير مختلفة، الثابت فيها الانتهاء من الأذرع العسكرية التابعة لقيادة الحرس الثوري، التي أسسها سليماني، أو عزّز نفوذها ودورها وولاءها لإيران.

ومع الانتفاضة التي تفجرت في العراق ثم في لبنان، بدا واضحا أن النفوذ الإيراني في أهم قاعدتين لهذا النفوذ، عرضة للانهيار وليس للاهتزاز فحسب. فالأولويات التي برزت لدى الشعبين العراقي واللبناني، باتت مغايرة لكل ما قام النفوذ الإيراني عليه. أي أن سؤال الدولة ومرجعيتها وتقويض الثنائيات المتناسلة من الدولة والدويلة، هي أبرز مطالب المحتجين، فضلا عن الفساد الذي بات هدفا يسعى المحتجون لعزله وتهميشه، كانت أذرع إيران تغذيه وتعيش عليه لسنوات طويلة.

على أن هاتين القاعدتين المهتزتين في العراق ولبنان، تنافسهما الساحة السورية التي تشهد حالة انكفاء إيراني في ظل تمدد روسي بات معنيا بضبط الحدود مع الجولان وإسرائيل، وبتغطية كل الضربات الأميركية أو الإسرائيلية على القواعد الإيرانية في سوريا.

على وقع هذه التطورات تشكلت الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة حسان دياب، وبرعاية حزب الله الذي يتحكم بقواعد سلوكها، لاسيما المتصلة بقضايا استراتيجية، لكن هذه الحكومة التي لم ترض الانتفاضة بسبب المحاصصة التي حكمت تأليفها وبسبب قفزها على مطالب المحتجين، تبدو في وضع لا تُحسد عليه، هذا إذا كانت فعلا معنية بإنقاذ لبنان من مأزقه المالي والاقتصادي ومن الانهيار الذي يطال بناه الاقتصادية، ذلك أن معظم الوزراء، إن لم يكن جميعهم، هم ممثلون لأطراف سياسية وحزبية قامت الانتفاضة ضدهم وضد منهجية الحكم التي أرسوها وأوصلت لبنان إلى ما هو عليه اليوم.

المعضلة التي يواجهها لبنان اليوم، هي حصيلة ما وصلت إليه الدولة في ظل سيطرة حزب الله كامتداد للنفوذ الإيراني. والمفارقة المؤلمة أن كل السياسات التي اعتمدها لبنان لاسيما في علاقاته العربية والدولية كان معيارها ما سماه حزب الله “الدولة المقاومة”، أو تلك الثلاثية المسماة “الجيش والشعب والمقاومة”. والكارثة أن لبنان تحول باسم هذه السياسة وبسببها إلى دولة ينخر مؤسساتها وسلطتها الفساد من جهة، ودولة لم يعد لها من خيار إلا الاستعطاء والتسكع على أعتاب الدول التي طالما كان يسميها حاملو لواء المقاومة والممانعة، دولا متآمرة أو استعمارية، أي تناصبها العداء ولا ترى ضيرا اليوم من استعطائها من جهة أخرى.

لكن الأهم من كل ذلك أن نموذج الدولة المقاومة الذي أداره ورعاه حزب الله في لبنان ولا يزال، جعل من لبنان دولة ذات مؤسسات عاجزة ومجتمع منهك، وسلطة نهب معظم أركانها مال الدولة والناس، ودولة عاجزة أن تلبي بذاتها تمويل استيراد الحدّ الأدنى من مقومات الصمود، القمح والنفط والدواء، هذا الذي خلص إليه مشروع سلطة المقاومة في لبنان، وهو نموذج عاجز عن أن يصمد إزاء أي تحدّ حقيقي، إذ أن مئات آلاف الصواريخ التي طالما تباهى بها الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، عاجزة اليوم عن أن تحصّن لبنان ليس من أي خطر خارجي فحسب، بل هي عاجزة أيضا عن التصدي لاحتلال الفساد والنهب للدولة والمجتمع.

 

كاتب لبناني

 

 

السلطة تستدرج العنف

والصدأ يطال سلاح حزب الله

علي الامين

 

مهما كان الموقف من مسألة الانجرار نحو العنف في لبنان، فإن المسار الذي تتجه إليه الأوضاع اللبنانية من الفوضى في إدارة الحكم والسلطة، يدفع إلى ترجيح دخول لبنان في حالات من العنف والفوضى، بدأت مظاهرها في البروز على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والمعيشي، وقبل ذلك على المستوى السياسي.

لعل أبرز ما يرجح هذا المسار العنفي ويدفع به إلى الأمام، هو تعامل السلطة الحاكمة غير المبالي مع مطلب الانتفاضة بتشكيل حكومة مستقلين، عبر الذهاب نحو مزيد من ترسيخ المحاصصة في الحكومة المزمع تشكيلها برئاسة حسان دياب. وإلى جانب هذا السلوك يشهد لبنان تدهوراً اقتصادياً، عبّر عنه إغلاق مئات المؤسسات الاقتصادية وصرف الآلاف من العمال، كما يشهد تدهورا للعملة الوطنية يترافق مع قيود غير مسبوقة في القطاع المصرفي على سحوبات المودعين، صغارهم وكبارهم، إلا من كان من المحظوظين ومن أزلام السلطة المحظيين، ما جعل المصارف هدفاً لمجموعات من المنتفضين، بسبب تلك الإجراءات التي لم يتقبلها اللبنانيون وعبر بعضهم عن رفضها بالعنف المباشر عبر الإحراق والتكسير لبعض فروع المصارف كما جرى في بيروت قبل أيام.

العنف المرتقب أيضا، يمكن أن تتسبب به البطالة وانعدام فرص العمل والإنتاج، وسط حال من عدم الاهتمام من قبل السلطة تجاه هذا التدهور.

فالتدهور المعيشي غير المسبوق حتى في زمن الحرب، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وغياب أية سياسة إنقاذية، مع إعلان إفلاس مئات المؤسسات الاقتصادية يعني أن الأمن الاجتماعي دخل مرحلة خطرة، وهو ما تعبر عن جانب منه حالة الغضب في الشارع، وهو رغم ما يحتويه من عنف، إلا أنه لم يزل في الخانة الإيجابية، لأنه لم يتحول بعد إلى مظاهر إجرامية، من نهب وقتل وسرقة، ولكنه قابل إلى هذا التحول، طالما أن السلطة تستدرجه من خلال سياستها التي تتمسك بإعادة إنتاج السلوك السياسي نفسه، أي المحاصصة وعدم الانخراط في خيار إنقاذي، بات لا مفر منه إن كانت تريد الحدّ من الانهيار أو لجمه.

الفوضى التي أشرنا إليها في توصيف أداء السلطة، لم تعد خيارا واعياً أو إرادياً، بل هي تعبير حقيقي وموضوعي عن واقعها اليوم. فهذه السلطة التي تتحكم بالدولة استندت منذ سنوات ولاسيما مع انتخاب الرئيس ميشال عون، إلى سلطة حزب الله وسطوته، فهو الذي ضَمن معادلاتها الحكومية، ونظام المحاصصة والفساد فيها، وأدار بشكل مباشر سياساتها الخارجية والداخلية، معتمدا على تفاهمات وتحالفات مع قوى سياسية جوهرها تسليم هذه القوى بدوره الاستراتيجي والعسكري وتبني الحكومة لرؤيته، في مقابل حمايته لنفوذ هذه القوى وصون مكاسبها وهي في غالب الأحيان غير مشروعة.

اليوم يبدو حزب الله واقفا أمام انهيار السلطة والدولة التي شكّلَهَا على صورة دولة سماها “دولة مقاومة”، يحكمها محور المقاومة، يمتلك القدرة فيها على استصدار ما يريد من قرارات ومنع ما يشاء. هذه السلطة التي قامت وتشكلت على صورته، باتت اليوم رغم فائض القوة الذي تمتلكه من خلال حزب الله، عاجزة عن اتخاذ أي قرار رغم أنها قادرة ماديا على اتخاذه. فحزب الله يستطيع أن يشكل الحكومة التي يريد، ويستطيع أن يلزم حلفاءه، بأي حكومة يراها، لكن الواقع يقول إن أي حكومة ستكون مسيئة له أكثر مما هي مفيدة، لأن أي حكومة محاصصة تابعة له، ستكون مرفوضة شعبيا فضلا عن أنها ستكون عاجزة عن القيام بأي خطوة إيجابية تستدرج دعما دوليا، وإذا كانت حكومة مستقلين فعلا، فإن دورها سيكون إنهاء سلطة المحاصصة والمحسوبيات التي يستند عليها نفوذ حزب الله.

الهشاشة التي يظهر فيها حزب الله اليوم، ترتكز على منهج القوة بمفهومها العسكري

ولعل أبرز ما تكشفه تداعيات الوضع اللبناني أن استعراض القوة الذي مارسه حزب الله في الداخل وفي الخارج العربي، كان نفوذا يرتكز في بطشه الأمني والسياسي والعسكري، على مستوى من التناغم مع المصالح الخارجية والدولية.

ومع بداية رفع الغطاء عن دوره ونفوذه العسكري والأمني من خلال العقوبات المالية، وأخيرا من خلال ما مثلته عملية اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني من تأثير على دور الأذرع الإيرانية ومنها حزب الله، فإن هذه القوة التي استعرض بها حزب الله بدت وهمية، ومربكة وعاجزة عن مواجهة أزمة اقتصادية ومالية في بلد كلبنان، وهي التي كانت تقدم نفسها على أنها قوة إقليمية قادرة على إدارة محور المقاومة، إلا أنها انكشفت على أنها تنتمي إلى نموذج حكم يكمن عنصر قوته في الإفساد والفساد وعلى تغييب نموذج يتمتع بمواصفات تنتمي إلى مفهوم الدولة.

الهشاشة التي يظهر فيها حزب الله اليوم، ترتكز على منهج القوة بمفهومها العسكري، فهو أسس لها وبناها منطلقا من ضعف الدولة، بل تحول إضعاف الدولة إلى شرط لقوته ونفوذه، متصورا أن تشغيل الدولة في خدمة مشروعه الحزبي كفيل بتحصينه، وأن ترسيخ ثنائية السلطة يجعل منه قويا على طول الخط، وأن تحويل الديمقراطية إلى مجرد آلية خالية من أي مضمون يحترم التنوع السياسي ويحميه، سيجعل من الديمقراطية الشكلية في خدمة سلطة الاستبداد التي لا يستقيم من دونها.

تنكشف سلطة حزب الله اليوم على الخواء، إذ لم يعد في لبنان من يطالب بنزع سلاحه لأنه فقد قدرته على ابتزاز الداخل والخارج، لا يذكر أحد من المنتفضين نزع هذا السلاح في سلة مطالبه، ولا يبدو أن أحدا هذه الأيام مهتم ببقائه أو عدمه. لقد خرج هذا السلاح من المعادلة، بل لم يعد أحد من اللبنانيين يهتم بمقايضته بثمن سياسي أو بغيره. هذا السلاح دخل في مرحلة الصدأ، بعدما صار لبنان أمام تحديات لا يستطيع السلاح أن يوفر لها أجوبة عملية، في وجوده أو في إنهاء وجوده.

السمة الوطنية لم تعد ملكا لحزب الله ولا لحلفائه، فبعد كل هذا الفساد والإفساد الذي مورس بقوة السلاح أو بالتحالف معه، وأدى إلى انكشاف لبنان وضعف الدولة فيه، وأدى إلى الوقوف على أعتاب الدول لاستجداء المساعدة، كل ذلك كشف أن القوة الفعلية للبنان جرى تقويضها عبر سياسة استباحة الدولة والدستور والقانون، والأهم في محاولة جعل لبنان مجردا من علاقاته العربية، ومستعديا لكل من كان يقرره الراحل قاسم سليماني على أنه عدو. والعنف الذي استخدمه حزب الله لترسيخ وجوده الشرعي وغير الشرعي في المجتمع والدولة، هو ما ينتظره، فالمقاومة التي طالما كانت في زمن حزب الله وسيلة لإلغاء أي مخالف، صارت اليوم واقعا مختلفا في نفوس اللبنانيين الذين صار معظمهم يدركون أن شرط بقاء لبنان هو استعادة الهوية الوطنية التي أفسدتها “سلطة المقاومة” وشوهتها دكتاتورية المقاومات الإيرانية باسم الدين حينا، وباسم المذهبية في معظم الأحيان.

 

كاتب لبناني

 

 

إيران.. الغاية تبرر عمالة قطر

والقرب من عُمان وعصمة سليماني

علي الامين

 

إذا صدّقنا الخطابات الأيديولوجية التي يصدرها قادة الحرس الثوري الإيراني وامتداداته في المنطقة العربية، لقدرنا أن أسوأ علاقة لإيران مع الدول العربية، ستكون مع إمارة قطر وسلطنة عمان. لماذا هاتين الدولتين؟

لأنهما تجاهران بعلاقات رسمية وطيبة مع إسرائيل، ولكونهما تتمتعان بعلاقات تحالف مع “الشيطان الأكبر” ومركز قواعد أميركية محورية في المنطقة العربية.

إيران، وقيادتها، تشيد بهاتين الدولتين كنموذج يجب أن يُحتذى لعلاقة الدول العربية مع إيران، ومن راقب وسائل الإعلام الإيرانية الناطقة باللغة العربية، إثر الإعلان عن وفاة السلطان قابوس بن سعيد، “العالم” على سبيل المثال لا الحصر، لأثاره بلا ريب هذا التبجيل بدور هذه الدولة، ولإنجازات السلطان قابوس رحمه الله، وهي صحيحة بلا ريب، لكن ما يثير الدهشة هو عدم الإشارة من قبل هذه المحطة ولا من ضيوفها العرب “الممانعين” إلى استقباله لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، باعتباره ولو زلة من الزلات السياسية للسلطان الراحل، طالما أن إيران تهاجم خصومها العرب باعتبارهم أدوات لإسرائيل وأميركا.

وهذا هو الأمر نفسه، بالنسبة لإمارة قطر، التي تستضيف القواعد الأميركية على أراضيها وتتشبث بوجودها حتى الرمق الأخير. فإيران التي استقبلت أميرها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني قبل يومين، لم تبد أي ملاحظة أو اعتراض على سياسة قطر تجاه من تفترضهم إيران أعداء لها، بل يكتشف المراقب أن هذا الميل للدور القطري، أساسه العلاقة القطرية مع ما يسميهما قادة إيران “الشيطان الأكبر” و”الشيطان الأصغر” هذا من جهة، وعلاقاتها السيّئة مع جيرانها من دول الخليج العربي ولاسيما السعودية ودولة الإمارات من جهة أخرى.

من هنا فإن معيار الموقف السياسي الإيراني من الدول العربية، ليس قربها من واشنطن أو تل أبيب أو بعدها عنهما، إنما المعيار هو عدم الاعتراض على السياسات الإيرانية التدميرية في العالم العربي باسم السيطرة والنفوذ، وهذا ما تتصدى له بعض الدول العربية التي تناصبها إيران العداء، وليس بسبب علاقاتها مع الولايات المتحدة. إذ ليس خافيا أن واشنطن ومنذ احتلالها العراق، عمدت إلى فتح الأبواب للنفوذ الإيراني في المنطقة العربية بشكل لا لبس فيه، ولم يكن تدفق آلاف المقاتلين بقيادة قاسم سليماني إلى سوريا وعشرات الآلاف من عناصر حزب الله والميليشيات العراقية والأفغانية وغيرهم إلى عاصمة “الأمويين” باسم “نصرة السيدة زينب” ليتحقق من دون غطاء أميركي إن لم يكن بإيعاز من إدارتها. حتى إسرائيل كانت تراقب بغبطة تدفق آلاف المقاتلين الشيعة المنضوين في حزب الله من لبنان لنصرة نظام بشار الأسد باسم شعار “لن تُسبى زينب مرتين”.

هذا ما يفسر مقتلة قاسم سليماني وأبومهدي المهندس بالطريقة التي تمت بها. إذ لم يكن لدى سليماني شك بأنه قد يقتل من قبل الأميركيين وإلا لكان اعتمد طريقة دخول مختلفة إلى العراق، أما إحالة الأمر إلى أنه كان يريد أن يستشهد، كما قال نصرالله، فهي محاولة للتغطية على أسباب الطمأنينة لديه بطريقة دخوله إلى بغداد عبر مطارها المراقب أميركيا، لعدم الكشف عن تاريخ التنسيق بين واشنطن وطهران في العراق.

ولعل الفيديو الذي انتشر بعد مقتل أبومهدي المهندس وهو يتحدث بالفارسية إلى عناصر من الحرس الثوري، يكشف مستوى العلاقة الاستراتيجية مع الأهداف الاستعمارية، ويكشف حقيقة من هو العدو لهذه المنظومة الأيديولوجية التي رسّخها سليماني في العراق. باختصار يخاطب المهندس محدثه في هذا الشريط المصور، أن المطلوب ضرب السعودية فقط، السعودية وليس إسرائيل ولا أميركا.

هذه الحقائق تزداد انكشافا في منظومة أهداف الأيديولوجيا الإيرانية. وما قاله أمين عام حزب الله حسن نصرالله، الأحد الماضي، ليس إلا محاولة لتبييض الدور الإيراني الذي يزداد هشاشة وانكشافا أمام واشنطن، فإظهار سليماني على أنه عنوان الخير للبنان وساعد من دون ابتزاز أو منّ، ترافق مع التزام مباشر من قبله بعدم الرد على القوات الأميركية ولا على إسرائيل، فما ينتظر من رجل كنصرالله يقدم نفسه كرمز للمقاومة في المنطقة، ليس توجيه العراقيين للرد على اغتيال سليماني، وفي العراق فقط، ولا أن يقول إن مسألة خروج أميركا من المنطقة مسألة وقت، فهذا ما يقوله الأميركيون أنفسهم. ما يُنتظر ممن يقدم نفسه بأنه مقاوم هو الرد وليس الكلام، وهذا ما لن يفعله نصرالله إلا إذا كان الهدف لبنانيا أو عربيا، أما أميركا وإسرائيل فهذا ما لا يريده أصلا، طالما أن الهدف هو حماية القيادة في إيران.

المفارقة في خطاب نصرالله التبجيلي بسيرة سليماني اللبنانية، هي أن نصرالله لم يكن منصفا حين لم يذكر كيف حمى سليماني معادلة النفوذ الإيراني التي قامت على استراتيجية إضعاف الدولة وإلحاقها بنفوذ طهران، وإضعافها بكل أشكال انتهاك السيادة وبحماية منظومة الفساد، لكن ما لم يقله نصرالله وهو يشيد بفضائل سليماني على لبنان، أن يشير إلى جرائم كبرى تمت وعلى رأسها اغتيال رفيق الحريري وجريمة 7 أيار وغيرهما من الارتكابات، وأن يشير إلى دور ما لسليماني فيها. مقتضى الإنصاف أن يشير نصرالله إلى بعض خطايا سليماني لا أكثر، حتى لا يظن السامع البسيط، أن سليماني ليس إلا نبيا أو مقدسا وبالتالي فهو لا يخطئ ولا يُساءَل.

 

كاتب لبناني

 

 

إيران«فُقاعة» أميركية

«تفقع» في المنطقة!

علي الأمين *

ليس سرّاً أنّ التمدّد الذي حقّقته ايران وقوى الممانعة للسيطرة على اربعة عواصم عربية، جاء في سياق تناغم اميركي-ايراني في بعضها، ونتيجة غضّ نظر اميركي حيال هذا التمدد في البعض الآخر، اذ لم تشهد الجغرافيا الممتدة على طول ما سمي “الهلال الشيعي”، بالاضافة الى اليمن، اي مواجهة بين واشنطن وطهران منذ الدخول الاميركي الى افغانستان اثر احداث ١١ ايلول الشهيرة في اميركا عام ٢٠١١ وصولا الى نهاية ٢٠١٩. لقد كان التمدد الايراني يتناغم مع مقولة رئيسية راجت على لسان العديد من المسؤولين الاميركيين الذين اشرفوا على احداث انقلاب تاريخي في العراق، ان الارهاب الذي آذى اميركا هو الارهاب الذي مثلته “القاعدة ” بما هي امتداد ل”ثقافة اسلامية” مصدرها المدرسة السنّية او “الوهابية” على وجه التحديد. وهذا تطلب اعادة الاعتبار ل “المدرسة الشيعية” و للمدرسة الشيعية من خلال دعم استلامها السلطة، بتنسيق ايراني اميركي عشية احتلال العراق في العام ٢٠٠٣. حيث قال جون بريمر حاكم العراق آنذاك، ان “الاكثرية الشيعية طالما كانت مضطهدة في العراق تاريخيا، وكان علينا ان نصحح هذا الخلل”. إقرأ أيضاً: إيران.. «عنتريات» ومحاربة الأعداء بالوكالة! في اليمن لم تواجه القوات الاميركية التمدد الايراني في اليمن والذي كان ينشط ويتمدد منذ التسعينيات من القرن الماضي، من خلال بناء نفوذ ثقافي وتربوي وعسكري لاحقاً عبر الحوثيين أو ما سمي “انصار الله”، في الوقت الذي كانت الغارات الجوية الاميركية تطال عشرات المعسكرات التابعة لتنظيم القاعدة طيلة الفترة التي امتدت على سنوات العقد الأول من القرن العشرين، ولم تكن واشنطن لترى في النفوذ الايراني وتمدّده خطراً يجب مواجهته كما كان الحال مع تنظيم القاعدة. في الشأن السوري، ومنذ انطلاقة الثورة السورية عام ٢٠١١ كان دخول مقاتلي “حزب الله” وجنود قائد فيلق القدس قاسم سليماني سلساً، لناحية عدم وجود اي اعتراضى اميركي او اسرائيلي، فعشرات الاف المقاتلين تدفقوا من لبنان والعراق وايران وافغانستان وباكستان، دعما لنظام بشار الأسد، من دون ان يتعرض ايّ من هؤلاء لاستهداف اميركي واسرائيلي خلال قتالهم وقمعهم الثورة السورية على امتداد الجغرافيا السورية. وفي مرحلة لاحقة مع نشوء تنظيم داعش وتمدده في العراق وسوريا ضمن ما سمي دولة الخلافة الاسلامية في سوريا والعراق، كان مقاتلو سليماني والحشد الشعبي العراقي، يقاتلون بحماية الطائرات الاميركية، التي قلبت موازين المواجهة مع تنظيم داعش في العراق ثم في سوريا، وبتناغم واضح وجلّي مع قائد فيلق القدس آنذاك سليماني. اما في لبنان، فلم يكن الأمر شديد الاختلاف وان كان له خصوصية تتمثل في ان واشنطن كانت تأخذ دوما الحسابات الاسرائلية الاستراتيجية في أولى اهتماماتها في الشأن اللبناني، لذا كانت اسرائيل تقارب المسألة اللبنانية من زاوية استراتيجية تتمثل في ضمان الاستقرار على حدودها الشمالية، وظلّ “حزب الله” ودوره افضل الخيارات السيئة، طالما انه يضمن عدم وقوع الفوضى على هذه الحدود، باعتبار ان الخيارات الاخرى غير مضمونة في ظل دولة ضعيفة سعى “حزب الله” دوما الى حماية هذا الضعف وادامته، باعتباره مصدر وجود الدور والفاعلية والحضور لنفوذه ولايران بطبيعة الحال. الخلاصة ان المواجهة الاميركية الايرانية عسكرياً لم تقع على طول هذه المنطقة رغم الخطاب العدائي الذي شغل المنطقة بين الطرفين، فيما التناغم كان غالبا في الميدان بين الطرفين منذ العام ٢٠٠٣ في الحد الأدنى، ما جرى منذ الغى الرئيس الاميركي الاتفاق النووي مع ايران، كان ذلك ايذانا بأن الادارة الاميركية لن تسمح بان تنتقل ايران من دولة اقليمية مؤثرة ومقبول دورها من قبل واشنطن الى دولة نووية. المسألة النووية هي الاساس في المشكلة القائمة بين واشنطن وطهران، اكثر مما هو نفوذ اقليمي ظلّ ولا يزال منضبطا ومتناغما مع متطلبات واشنطن، ولكن ما فاقم المشكلة اخيراً ان ايران وامام مرحلة تقاسم النفوذ وترتيبه اقليمياً ودولياً، عمدت الى تقديم دورها في المتطقة باعتباره مقرر وليس وظيفة دولية اقليمية، وهذا ربما ما جعل صاحب القرار في ايران يتوهم أنه قادر ان يحمي نفوذه ويعززه عبر مقارعة المصالح الاميركية في المنطقة، وربما توهم ان الانتصارات التي حققها على الثوار السوريين او بعض الجماعات العراقية، تؤهله لمقارعة واشنطن وفرض شروطه، متناسيا ان جلّ نفوذه في المنطقة تم بمعزل عن مواجهتها مباشرة ان لم يكن بعونها ولحسابات اميركية في المنطقة.  كما سقط الدور الايراني الموهوم، في فخ السياسات الاسرائيلية التي عمدت الى تضخيم خطر ايران وميليشياتها، على وجودها لمزيد من تحصين دورها بل تمدده الاستراتيجي الذي كان وهم الخطر الايراني جسره باتجاه كل من كانت ايران تهدد وجودهم في العالم العربي. ربما تدرك القيادة الايرانية واذرعتها في المنطقة ومنها لبنان، انها وصلت الى خط النهاية، فالزخم الفعلي لهذه القوى الممانعة على امتداد “الهلال الشيعي”، ربما حقّق بعض الانتصارات في اماكن لم تكن واشنطن طرفا فيها، اليوم واشنطن هي الطرف المباشر من داخل ايران عبر العقوبات الى العراق الذي شهد قتلاً علنياً لقائد التمدد الايراني، وحتى الطائرة المدنية الاوكرانية، واشنطن من كشف ان سقوطها لم يكن نتيجة خطأ من قائدها. المواجهة لم تعد تحتمل انصاف الحلول من لبنان الى ايران، اما المواجهة التي ستؤدي الى ضربة قاتلة للمشروع الايراني او البحث في ما يمكن ان تقدمة واشنطن من دور، لن تكون الميليشيا والسلاح غير الشرعي عنواناً من العناوين التي يمكن ان تستمر في زمن ما بعد سليماني في المدى المتوسط او القصير

·         (نداء الوطن)  البيروتية



 

 

 

إغتيال سليماني

«يكسر ضلع» نصرالله!

علي الأمين

 

صادمة كانت قضية مقتل قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني على محور "الممانعة"، وتحديداً "حزب الله" الذي يستمد "قوته" من إيران.. فهل كسر "إغتيال" سليماني ضلع الأمين العام لحزب الله حس نصرالله؟ تتكشف يوماً بعد يوم العلاقة التاريخية “الحميمية “الإستراتيجية” التي تربط “حزب الله” بالحرس الثوري الإيراني وتحديداُ بفيلق القدس الذي تولى قاسم سليماني مسؤوليته في العام 1998.  إقرأ أيضاً: الرد الإيراني يستعيد «الخط الأحمر» الأميركي! غير أن  ان علاقة سليماني بالحزب  سابقة على هذا التاريخ من خلال امينه العام السيد حسن نصرالله والقيادي الراحل عماد مغنية، ولعل العلاقة الوثيقة والعميقة مع هذين الرجلين هو ما جعل سليماني يضع في منزله صورة نصرالله وأثار خاصة لمغنية، كما ظهر في مقابلة جرت قبل سنوات مع سليماني وعرضتها محطة المنار قبل ثلاثة أيام.لذا كان اقتناع ابنة سليماني وثقتها بأن السيد نصرالله سيأخذ بثأر والدها، هو لمعرفتها بالعلاقة الوجدانية والعميقة بين والدها الراحل ونصرالله، ولادراكها ان نصرالله ربما هو الاجدر بهذا الثأر من أي مسؤول إيراني، بعدما حصرت هذه المهمة المرتجاة به. الثلاثي: نصرالله – سليماني – مغنية يشير بعض العارفين بالعلاقة بين الثلاثي نصرالله وسليماني ومغنية، ان سليماني كان الرجل الذي ساهم في حصر العلاقة بين حزب الله والقيادة الإيرانية به، ولا سيما بالولي الفقيه، بحيث انه لم يعد في لبنان ولا داخل حزب الله قنوات جدية خارج سليماني، والجدير ذكره في هذا السياق، ان مغنية الذي كان وراء وصول نصرالله الى الأمانة العامة في العام 1992، كان سليماني وراء تعزيز دور الأمانة العامة في حزب الله على حساب مجلس الشورى الذي كان يمثل فعليا القيادة لحزب الله، لكن تراجع دوره الى الحدّ الذي يكاد لا يذكر في أي من بيانات حزب الله ولا قراراته. سليماني الذي دفع نحو تعديل نظام الأمانة العامة في حزب الله الذي كان يمنع على شخص الامين العام تولي القيادة اكثر من ولايتين، وعمل على تسويقه لدى المرشد خامنئي. سليماني الذي دفع نحو تعديل نظام الأمانة العامة في حزب الله الذي كان يمنع على شخص الامين العام تولي القيادة اكثر من ولايتين، وعمل على تسويقه لدى المرشد خامنئي منذ ذلك الحين بدأ نفوذ نصرالله يتعزز داخل الحزب، الذي انتقل عمليا من قيادة الشورى التي كانت طاغية في حزب الله في زمن ولايتي الشيخ صبحي الطفيلي والسيد عباس الموسوي بين عامي 1985 و1992 الى قيادة الأمين العام الذي بات صاحب القرار الفعلي عمليا مع نقل العديد من الصلاحيات اليه عبر توسع مؤسسات الأمانة العامة وصلاحياتها المالية والتنفيذية. كسر ضلع نصرالله يعود الى سليماني الجزء الإيراني من هذه العملية، وهو في حزب الله الجزء الأهم على هذا الصعيد، انطلاقا من صلاحيات الولي الفقيه الذي له القرار الأول والأخير، وسليماني كان أفضل من يستطيع اقناع القائد بالتوجهات التنظيمية الجديدة. ومنذ ذلك الحين كان مسار العلاقة بين سليماني يتعزز ويترسخ، وزاد رسوخا بعد اغتيال مغنية في دمشق، ومن أثار هذا الاغتيال كان ان أحدا لم يستطع وراثة موقع مغنية لا في حزب الله ولا في قلب سليماني. حتى مصطفى بدرالدين الذي كان يحظى بشرعية التأسيس لحزب الله لم يستطع ان يكون احد اضلع المثلث الذي كانه مغنية ونصرالله وسليماني. غياب سليماني سيفرض نفسه بالضرورة على حزب الله، ذلك انه كما ان غياب مغنية لم يستطع ان يعوضه بدر الدين في حياته ، فغياب سليماني لن يجد له من يعوضه لما كان له من دور وتراكم خبرات في إدارة الملفات والتنسيق فيما بينها على امتداد الدول العربية، ولقربه من خامنئي ونفوذه الذي وصل الى مرحلة متقدمة وغير متوفرة لغير الولي الفقيه، هذا بحد ذاته كان يتيح لحزب الله ونصرالله تحديدا ان يكون له دور نافذ ليس في الإقليم فحسب بل حتى في ايران، واي شخصية مهما بلغت من خبرة وقوة لن تستطيع ان تملأ الفراغ الذي مثله سليماني. يعلم الكثيرون ان الميزة القتالية والأمنية هي درة تاج حزب الله، لكن الأخير سيجد نفسه محكوما بإعادة ترتيب الأولويات بعد غياب سليماني، والاولوية اللبنانية ستكون ملاذ حزب الله وسيفه المتبقي من هنا فان مرحلة جديدة ستفرض على حزب الله التأقلم معها، وهي بالضرورة مرحلة تتصل ببروز الأسئلة اللبنانية وتقدمها على حساب الامتدادات الإقليمية وتحدياتها، يعلم الكثيرون ان الميزة القتالية والأمنية هي درة تاج حزب الله، لكن الأخير سيجد نفسه محكوما بإعادة ترتيب الأولويات بعد غياب سليماني، والاولوية اللبنانية ستكون ملاذ حزب الله وسيفه المتبقي، لا يعني اليوم  تراجع استثنائي لحزب الله من ملفات الإقليم، لكن ذلك بدأ باغتيال سليماني الرمز لمرحلة بدأت بالانكفاء.

(جنوبية)

 

إيران وحزب الله

وأضعف الإيمان

علي الامين

 

تفادى الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله توجيه أي رسالة تهديد غير اعتيادية لـ”الشيطان الأكبر” كرد على عملية اغتيال قاسم سليماني. ففي الخطاب الذي ألقاه في احتفال أعدّ للمناسبة، بقي نصرالله ضمن الحدود التي اعتاد اعتمادها في خطابه قبل حدث الاغتيال الذي شهدته بغداد فجر الجمعة، وإذ كان أشار إلى تهديد مباشر للجيش الأميركي، فهو إلى كونه تهديدا تقليديا لمن يصفه بجيش عدو، أحال إلى القيادة الإيرانية عملية الرد على اغتيال سليماني.

وفيما تفادى توجيه أي تهديد يمكن أن يُسجّلَ في خانة الموقف المستجد له من الناحية الأمنية أو العسكرية تجاه أميركا أو إسرائيل، أعفى القيادة الإيرانية وعلى رأسها الولي الفقيه وقائد المحور الذي ينتسب له نصرالله، من أي مسؤولية تجاه أي عملية قد يقوم بها أحد أطراف المحور، مشيرا إلى أن إيران تركت لهم حرية تقدير الموقف دون أن تطلب أو تفرض عليهم القيام برد.

الخطاب الذي ألقاه نصرالله، رغم محاولات تحميله من مؤيديه أو بعض خصومه أبعادا إستراتيجية تجاه واشنطن، إلا أن واقع الحال يقول إن نصرالله الذي أجّل كلمة كان سُرِّب للإعلام من قبل حزبه بأنه سيلقيها يوم الجمعة، أي غداة اغتيال سليماني، إلى يومين أي الأحد الماضي، كشف أنه لم يكن لديه ما يقوله أو يفعله كرد يترقبه أنصاره على هذه العملية.

غير أن تفادي نصرالله القيام بأي رد أو خطوة عسكرية ضد ما اعتبره جريمة أميركية، عُوّضَ عن ذلك بالقول إن حذاء سليماني أهم من رأس الرئيس الأميركي وكل المسؤولين الأميركيين، وبذلك أشبع إلى حدّ ما غريزة الانتقام ولو لفظيا. ما يمكن أن يُشار إليه بعد هدوء نصرالله تجاه الرد العسكري، أنه كان يدرك أن المواجهة التي اختارها الأميركيون هي في العراق، وشدد على ذلك في تفسير معنى المكان الذي جرى فيه الاغتيال، لذا كان يطالب الحكومة العراقية والبرلمان بالرد على الاغتيال بإعلان البراءة من الوجود الأميركي وهو ما سماه “أضعف الإيمان”.

العراق ساحة المواجهة التي تدرك إيران أنها أساس في الهلال الشيعي، وبالتالي تسعى إيران لاستثمار اغتيال سليماني بما يزيل الكوابيس التي أطلقتها الانتفاضة العراقية تجاه إيران، إذ أن شعار “إيران برا برا” هو الشعار الذي صدح به المنتفضون في مدن العراق ولاسيما ذات الرمزية الشيعية، ومشهد حرق القنصليات الإيرانية هو العنوان الذي وسم هذه الانتفاضة التي زعزعت النفوذ الإيراني وهددت وجوده. ما تريده إيران هو طي هذه الصفحة وإلغائها من الوجود، وهو أقصى ما تطمح إليه في تحقيقه وتريد لاغتيال سليماني أن يكون وسيلة لقلب المشهد من عراقيين يطالبون بإخراج إيران، إلى مشهد عراقيين يطالبون بإخراج القوات الأميركية.

الرد الإيراني على عملية الاغتيال، يندرج في سياق أن الرد الفعلي سيؤدي إلى حرب لا تريدها إيران، وعدم الرد هو هزيمة معنوية لن يتحملها النظام الإيراني، وبالتالي فإن الحسابات الإيرانية تنطوي على مخاطر لكونها تتصل بهيبة أميركا ومصالحها من جهة، وبحرص إيراني على الاستفادة من الانقسام الأميركي الداخلي وبرغبة إيران في استخدام الرد في منع وصول ترامب إلى الرئاسة مجددا من جهة ثانية.

فيما يشكل تمدد إيران ونفوذها حجر الرحى في الحسابات الإستراتيجية، وبالتالي فإن الرد يجب ألا يخل بهذا المسار الذي تحاول إيران من خلاله أن تفرض في معادلة الصراع القائمة في المنطقة مقولة أن لا وجود في المنطقة إلا لمشروعين، واحد أميركي إسرائيلي والثاني تقوده إيران، وعلى الجميع في المنطقة إما أن يكونوا مع مشروع إيران أو كما سماه مشروع الحرية والسيادة والاستقلال، أو مع المشروع الأميركي.

وهو في ذلك، كما إيران، يمهد لإنهاء مشهد الانتفاضة في العراق وفي لبنان، انطلاقا من أن المعركة الوجودية أمام الخطر الأميركي والإسرائيلي تتطلب إزاحة كل العناوين السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية جانبا، والاصطفاف لمواجهة الهيمنة الأميركية.

هذه حسابات طهران، يبقى أن الدول التي تشكل المحور الإيراني باتت في وضعية يصعب أن تستجيب لهذا المطلب وسط حال من التحلل السياسي والاقتصادي بات فيه الحديث عن وجود دولة سواء في لبنان أو العراق صعبا إلا إذا أضيف على توصيف دولة كلمة معبرة، لتصبح دولة فاشلة.

كاتب لبناني

 

 

تكليف حسان دياب والتفاف

حزب الله على مطلب التغيير

علي الامين

 

لم يستقبل الشارع اللبناني الرئيس المكلف للحكومة المزمعة بالترحاب، فعلى الرغم من الانطباع الأوّلي الذي خلقه هذا الاختيار، بأنه رجل أكاديمي وأستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت، إلا أن تسميته واستحضاره من قبل مثلث السلطة الفعلي في لبنان، حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر، فتح شهية المواطنين ولاسيما المنتفضين في الشارع، على رفع صوت الاعتراض ضده، ورفضا لاختياره رئيسا للحكومة.

عرف اللبنانيون حسان دياب في العام 2011 حين اختاره الرئيس نجيب ميقاتي وزيرا للتربية والتعليم العالي، في الحكومة التي سميت حكومة الانقلاب على الأكثرية النيابية التي كان سعد الحريري مرشحها، كما أُطلقَ على هذه الحكومة حكومة القمصان السود، إشارة لاستعراض حزب الله عناصره الحزبية بقمصان سود في بيروت، في سياق الضغط على كتلة وليد جنبلاط النيابية من أجل تغيير موقفها والانخراط في تأييد حكومة ميقاتي. في الخلاصة كان دياب ابن بيروت والأستاذ الجامعي في مؤسسة أميركية وزيرا في حكومة حزب الله، التي كان من أولى مهماتها تغطية انخراط الحزب لضرب الثورة السورية انطلاقا من الأراضي اللبنانية.

لا يحظى دياب بسيرة سياسية يعتدّ بها، ولا حتى بميزة أكاديمية تتجاوز شهادته العليا في هندسة الاتصالات، كما أن الرجل حين كان وزيرا للتربية، كما ينقل عاملون في قطاع التربية والتعليم العالي، قد ذهب بعيدا في الانسحاق أمام الثنائية الشيعية، حيث كان الوزير الفعلي آنذاك في الوزارة هو مندوب أوفده الرئيس نبيه بري (حسين شكرون) ليكون صاحب القرار الفعلي، بحيث أن انسحاق دياب أمام سطوة بري وشريكه حزب الله أدى به إلى تمرير مرسوم يتمثل في التعاقد مع أكثر من سبعة آلاف مدرس في العام 2013، معظمهم من محازبي حركة أمل وحزب الله، من دون أن يكون هناك حاجة لمدرسين. فمن المعروف في لبنان أن لكل ثمانية طلاب مدرس في المدارس الرسمية، وهذا المرسوم كان من أبرز ما أنجزه دياب والذي يندرج في سياق الفساد.

هذا الضعف أمام سلطة الممانعة وحزب الله، هو ما يجعل صفة عدم الوفاء مبررة، ذلك أن دياب الذي اختاره الرئيس ميقاتي لوزارة التربية، كان ميقاتي نفسه ضحية من ضحاياه عندما طرد مندوبا له في وزارة التربية، ومنذ ذلك الحين نشأت قطيعة بين الرجلين، وصلت إلى حد رفض ميقاتي لقاءه أثناء الاستشارات.

هذا غيض من فيض من سيرة الرئيس المكلف حسان دياب، وهو يساعد على فهم معنى اختيار هذه الشخصية لهذا الموقع من قبل الممانعة وقائدها حزب الله، إذ أن أولى نتائج اختياره تنازل حزب الله عن مطلب حكومة تكنوسياسية التي كانت سبب الخلاف مع الرئيس سعد الحريري الذي كان اشترط لترؤس الحكومة أن تكون حكومة مختصين. ورغم أن هذا النقاش حول طبيعة الحكومة المقبلة امتد طيلة أكثر من 50 يوما، إلا أن هذا الشرط اختفى فجأة وخرج الرئيس المكلف ليعلن بثقة أنه سيشكل حكومة من دون محازبين بل متخصصين ومستقلين، ودون أن يظهر أيّ اعتراض من قبل قوى السلطة التي سمّته، علما أن من رفضوا تسميته لاسيما القوات اللبنانية وتيار المستقبل وكتلة اللقاء الديمقراطي وليد جنبلاط، أعلنوا عدم مشاركتهم في الحكومة.

ما يعني أن الحكومة التي سيشكلها الرئيس دياب، تحظى برضا من يوفر له الدعم، فهو لم يأت على حصان الانتفاضة، ولا من قاعدة شعبية مؤيدة، بل بدعم الثلاثي نصرالله وعون وبري، وبالتأكيد ضمن تفاهم مسبق لا يمكن لحزب الله أن يتهاون بشأنه.

ليس خافيا أن المجتمع الدولي ولاسيما واشنطن التي كان مساعد وزير خارجيتها ديفيد هيل وصل إلى بيروت في زيارة مقررة غداة تكليف دياب، قد شدد على ثوابت أساسية أولها أن لبنان محل اهتمام واشنطن وهي مستمرة في دعمه، وثانيا أن مسار تأليف الحكومة وتسمية رئيسها شأن لبناني، وأكد هيل أن واشنطن ستراقب مسار الأمور.

المهم في زيارة هيل ليس ما قاله، بل في ما لم ينبس حكام لبنان به، وهو عدم توجيه أيّ اعتراض على سياسة واشنطن تجاه لبنان، خاصة تلك العقوبات على حزب الله والمتعاونين معه، وحرصت أوساط الممانعة على الترويج أن اتفاقا تم مع واشنطن عبر سلطنة عمان تم من خلاله الاتفاق على تسمية دياب.

هذا كله يأتي في سياق الترويج الإعلامي ومحاولة تبرير التراجعات التي أدّت إلى خروج مفترض لحزب الله من الحكومة كما الوزير جبران باسيل، بعدما كان حزب الله يعتبر أن حكومة تكنوقراط لا يمكن أن تمر في لبنان.

وحسب المعلومات المتداولة فإن محاولات حزب الله التماهي مع المتطلبات الدولية على هذا الصعيد، تأتي في سياق محاولة تفادي المزيد من الخسائر، في بلد تستطيع واشنطن بمجرد إجراء إداري ومالي بسيط أن تدفعه نحو الانهيار المالي والاقتصادي، وبالتالي فإن إظهار حسن النية ومحاولة التقرب من شروط المجتمع الدولي في تشكيل حكومة منسجمة، هو توجه يسعى الحزب من خلاله إلى تشكيل حكومة سينظر اللبنانيون والمجتمع الدولي إلى حقيقة استقلاليتها، لتتقرّر على إثرها خطوات تصعيد أو تهدئة تجاهها.

على أن الانتفاضة في لبنان تبدو غير معنية بما يخيطه أطراف السلطة لحكومة يقدّرون سلفا أنها ستأتي على صورة السلطة القائمة وإن كانت مُقنّعة باختصاصيين، لذا استمرت مظاهر الاحتجاج والاعتراض من دون توقف.

لكن ما برز بعد تسمية دياب هو اعتراض أخذ بعدا مذهبيا، حيث ظهرت في العديد من المناطق ذات الغالبية السنية، حالات احتجاج عبّرت عن رسالة باتجاهين؛ واحدة تجاه الانتفاضة فيها نوع من الخيبة لعدم إصرار المنتفضين على إسقاط كل الرؤساء وليس الحريري فقط، ورسالة ثانية تجاه أطراف السلطة مفادها أن اختيار دياب هو استهانة واستفزاز للسنة ولا يمكن القبول به.

في الخلاصة، اختيار دياب لرئاسة الحكومة وإن كان يعبّر عن تراجع للسلطة عن ثوابت الحكومة السياسية، فإنه اختيار لا يبدو أنه سيلقى ترحيبا دوليا، حيث كان الصدى الأول لاختياره لرئاسة الحكومة، في الصحافة الغربية هو أنه مرشح حزب الله.

وهذا مؤشر على أن لبنان يتجه نحو مسار انحداري بات يصعّب التعامل معه من خارج معادلة السيطرة الإيرانية، ورغم محاولة تخفّي حزب الله خلف الستار، إلا أن حقيقة نفوذه وسيطرته لا يمكن إخفاؤها على مفاصل الدولة، وهذا ما سيعيق عملية الخروج من الأزمة طالما أن إيران لن تسلّم بالتراجع في لبنان.

فصل جديد من المواجهة هذه المرة عنوانه استجلاب الرضا الدولي على سيطرة حزب الله من خلال حكومة مختصين. هذا رهان حزب الله وحليفيه في رئاسة الجمهورية والبرلمان، لكن الوقائع تقول منذ 17 أكتوبر الماضي إن التغيير لا مفرّ منه، أي التغيير الفعلي لا الشكلي وهذا ما لا يستطيعه حزب الله ولا تريده إيران الآن.

كاتب لبناني

 

 

رسائل دولية

يحملها هيل إلى بيروت

 

علي الامين

 

المشهد اللبناني ينذر بالمزيد من التداعيات السياسية والاقتصادية والنقدية وسط إصرار أقطاب السلطة على إنتاج حكومة على قواعد المحاصصة، فيما يستمر الشارع في إظهار إصراره على تغيير جوهري في بنية السلطة، على أن يبدأ التغيير بحكومة تضم مستقلين من خبراء واختصاصيين، وينتهي بالدعوة لانتخابات نيابية مبكرة.

مساء الأحد حتى فجر الاثنين، موعد الاستشارات النيابية، كان وسط بيروت ساحة مواجهة شرسة بين المحتجين والقوى الأمنية، لكن هذه المرة كان لشرطة مجلس النواب دخول في مواجهة عكست محاولة لاستدراج العنف، لاسيما أن ذلك ترافق مع دخول مناصري حركة أمل وحزب الله، بشعار “شيعة شيعة” إلى ساحة الشهداء في وسط بيروت، بطريقة لا يفهم منها إلا استدراج المواجهات من مواطنين يواجهون السلطة إلى مواجهة تستدرج المواجهة المذهبية.

ليس خافيا على معظم المتظاهرين من أبناء انتفاضة 17 أكتوبر، أن هذه الوسيلة المتبقية للسلطة لإعادة الصراع السياسي إلى ما قبل هذه الانتفاضة، فلعبة العصبيات المذهبية المهينة باتت مكشوفة ولم يعد من السهل استدراجهم إليها بسهولة.

يبقى أن الاستشارات النيابية الملزمة لاختيار رئيس الحكومة، قد خلصت لاختيار الرئيس سعد الحريري، وهو اختيار لا يحظى برضا الشارع، ولا يحظى بقبول التيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية الذي أُجبرَ على تقبل هذا الاختيار استجابة لنصيحة من حزب الله كما تشير المعلومات، باعتبار أن الحزب يدرك حجم الأزمة التي تواجهه، وتفرض عليه عدم الذهاب نحو خيارات أحادية تزيد من عزلته الخارجية عزلة داخلية وخصومات يحاول تفاديها اليوم، وهذا ما عبر عنه أمينه العام حسن نصرالله، حين أشار إلى أن حزب الله لا يريد حكومة أكثرية رغم امتلاكه وحلفائه الأكثرية النيابية التي تتيح له تشكيل حكومة موالية له.

الاصطفافات السياسية وتجاوز مسألة تكليف رئيس الحكومة من خلال الاستشارات التي جرت الاثنين، لا تعني أن اتفاقا قد تم إنجازه على الصعيد الحكومي، فعملية تأليف الحكومة لم تزل عرضة لتنازع بين وجهتي نظر. الأولى تشكيل حكومة من الخبراء والاختصاصيين يمثلون قوى السلطة وهذه يتبناها الحريري. ووجهة نظر ثانية يتبناها الشارع، هي تشكيل حكومة من خبراء مستقلين عن السلطة، رغم أن موقف حزب الله وموقف التيار الوطني الحر لا يزالان غامضين في ما يحملانه من مواقف تبقى رهن حسابات سياسية تقررها المواقف الخارجية، ولاسيما حزب الله الذي بات شديد السعي لإنجاز اتفاق يحظى بضمانات خارجية لا تجعله عرضة للمزيد من العقوبات والحصار.

هذا الغموض وعملية شد الحبال، لاسيما على صعيد السلطة، تربطهما مصادر مطلعة بالزيارة التي سيقوم بها مساعد وزير الخارجية الأميركية ديفيد هيل الأربعاء إلى بيروت.

من المعروف أن ديفيد هيل صاحب علاقات وثيقة مع العديد من اللبنانيين، حين كان سفيرا في بيروت وقبل ذلك دبلوماسيا فيها، وفي السنوات الأخيرة معنيا بترسيم الحدود البرية والبحرية مع لبنان، قبل تولي الدبلوماسي الأميركي ديفيد شينكر هذه المهمة منذ أشهر.

باختصار يُنظر إلى هيل باعتباره الدبلوماسي الهادئ بخلاف شينكر المشاكس كما يوصفان من قبل أوساط السلطة في لبنان، وهذا ما يجعل من مهمة هيل ذات أهمية أولا لكونه متقدما على شينكر في الرتبة الدبلوماسية في الخارجية الأميركية، وثانيا لأنه يحمل رسالة دولية تنطوي على مطالب من الحكومة اللبنانية كشرط لمساعدة لبنان للخروج من الأزمة التي يعانيها.

بحسب أوساط متابعة في بيروت، وعلى صلة بدوائر أميركية، فإن الموقف الأميركي لن يكون متهاونا بشأن رفض مشاركة حزب الله في الحكومة، وكانت قيادات عدة في حزب الله قد أكدت أن حزب الله تلقى رسائل خارجية (يرجح أنها فرنسية) ونفت أن يكون هناك ربط بين تقديم المساعدات الخارجية للبنان وعدم مشاركة حزب الله في الحكومة.

غير أن الأوساط المتابعة نفسها تلفت إلى أن هيل استبق زيارته بإدراج ثلاثة لبنانيين على لائحة العقوبات الأميركية بتهمة التعاون مع حزب الله، من بينهم رجل الأعمال طوني صعب، قيل إنه قريب من الوزير جبران باسيل. وتضيف الأوساط أن في ذلك رسالة إلى باسيل والتيار الوطني الحر، بأن سيف العقوبات بات قريبا منهما، ولكن الأخطر حسب هذه الأوساط هو ما سينقله ديفيد هيل إلى الرئيس نبيه بري، حيث تصف الاجتماع المرتقب بينهما بأنه أهم ما في زيارة هيل، وتعلل هذه الأهمية بأن واشنطن ستسلم بري سلة الشروط الأميركية التي تتصل بحزب الله، ومرتبطة بتلويح أميركي بعقوبات ستطال رجال أعمال مقربين من الرئيس بري. وتجدر الإشارة إلى أن العقوبات الأميركية لم تطل مقربين من بري رغم العلاقة التحالفية بينه وبين حزب الله، وما يحمله هيل هذه المرة هو تحذير قد يؤدي إلى العقوبات على مقربين من بري.

خلاصة المشهد مهما كانت نتيجة الاستشارات لتسمية رئيس الحكومة، أن ما تنتظره أطراف السلطة ولاسيما حزب الله هو ما سيحمله هيل إلى بيروت، والذي لن يكون محملا سوى بسلة شروط لن ترضي حزب الله الذي لن يقبل أن تكون في لبنان سلطة تفوق سلطته، سواء كانت لبنانية أو دولية.

 

كاتب لبناني

 

 

اللبنانيون أمام فرصة

وطنية ودولية:

حان وقت التغيير

 

علي الامين

بعد مرور خمسين يوما على انتفاضة 17 أكتوبر، أطلقت بعض مجموعات الحراك الشعبي في لبنان مبادرة “المقاومة السلمية”. وتضمّن البيان الأول دعوة لإطلاق دينامية التغيير عبر الانتقال من دائرة المطالب المعيشية والاقتصادية التي يرفعها الحراك الشعبي، إلى دائرة التغيير السياسي، وهي دعوة تحمل عنوان “حان وقت السياسة”، انطلاقا من أن رفض السلطة الاستجابة للمطالب المحقة للمحتجين، جعل من الواجب الذهاب نحو تغيير قواعد اللعبة السياسية، التي تتحصن بها السلطة اللبنانية.

إذ ليس خافيا أنه وبعد مرور أكثر من خمسين يوما على الانتفاضة، تتمسك السلطة بخيار إعادة إنتاج قواعد السلطة ذاتها، أي منع إحداث أي تغيير حقيقي في قواعد اللعبة السياسية المغلقة على نخبة سياسية وطائفية تعيد إنتاج نفسها منذ أكثر من ربع قرن، وهي التي أوصلت إدارتها للشأن العام ومؤسسات الدولة، إلى أزمة اقتصادية ومالية، وعاثت في الدولة فسادا لم يعد محتملا من قبل اللبنانيين، وأدى إلى عجز في تلبية الدولة لأدنى احتياجات الشعب، وهذا ما عبّرت عنه رسائل رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري، إلى قادة الدول الغربية والعربية، حين استنجد بهم لمساعدة لبنان على تأمين اعتمادات مالية لتوفير متطلبات الأمن الغذائي للبنانيين. وهي أزمة كما بات معروفا ناشئة من تراجع السيولة المالية بالعملة الصعبة، التي أدت إلى فقدان المصرف المركزي القدرة على تلبية حاجة السوق إلى الدولار من أجل استيراد حاجات لبنان ومختلف البضائع من الخارج.

العجز المالي والنقدي والأزمة الاقتصادية والمعيشية التي تستفحل، لم يدفعا السلطة إلى الاستجابة لمطلب رفعه المحتجون ولا يزالون لتشكيل حكومة إنقاذ من خارج النادي السياسي، أي من شخصيات نزيهة ومستقلة، هدفها وضع وتنفيذ خطة إنقاذ على أن تمهّد لانتخابات نيابية مبكرة بعد ستة أشهر.

لم يقنع السلطة حراك الشارع المستمر بلا توقف ضدها، ولم تفلح الاحتجاجات في دفع السلطة إلى تغيير في سياسة المحاصصة التي لا زالت تتحكم في عملية تأليف الحكومة الجديدة، علما أن أطرافها أنفسهم يحيلون الفساد المستشري وعملية نهب المال العام إلى سلطة المحاصصة هذه، ورغم هذا الإقرار فلا تغيير في مقاربتها لتشكيل الحكومة.

والخلاف الناشئ اليوم بين أطراف السلطة، يرتكز على وجهتي نظر غير متباعدتين، والفارق بينهما في الشكل لا في المضمون المشترك، أي إعادة إنتاج السلطة.

الأولى، يمثّلها حزب الله وحليفاه رئيسا الجمهورية ومجلس النواب، وتقوم على تشكيل حكومة تكنوسياسية، أي حكومة تضم سياسيين واختصاصيين، ويعيّنون من قبل أطراف السلطة نفسها.

والثانية، يمثّلها رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري، الذي يدعو إلى تشكيل حكومة تكنوقراط، أي من الاختصاصيين ويسميهم أطراف السلطة أنفسهم.

انطلاقا من هاتين النظرتين، فالثابت أن التغيير المقترح من أطراف السلطة، هو في أفضل الأحوال بالنسبة إلى المحتجين، تغيير شكلي وغايته إعادة إنتاج الحكومات السابقة نفسها. وكان لمشهد اعتذار المرشح لرئاسة الحكومة سمير الخطيب عن الدخول في نادي المتنافسين إلى موقع الرئاسة، إشارة إلى أن السلطة لا تريد المغامرة بالتفريط بالرئيس سعد الحريري، لإدراكها، ولاسيما قلب هذه السلطة ورأسها حزب الله، أن التفريط بسعد الحريري سيجعل الحزب أكثر انكشافا أمام الشارع وأمام المجتمع الدولي، لاسيما وأن تجربة حزب الله مع الحريري منذ التسوية الرئاسية أظهرت، على ما يبدو، أن لا بديل له عن الحريري في رئاسة الحكومة، إلى جانب أن الأخير يبدو الأكثر قدرة على التعامل مع المجتمع الدولي بما يخدم إلى “حدّ مقبول” مصالح حزب الله.

انطلاقا من ذلك فإن الاستشارات المرتقبة التي تأجلت أسبوعا، أي إلى الاثنين المقبل، تتجه لتسمية الحريري، وهذا ما رفضه المنتفضون وعبّروا عنه برفضهم تسمية الخطيب أيضا، والتمسك بمطلب حكومة مستقلين.

في الموقف الدولي لا يبدو أن لبنان، الذي سيكون، الأربعاء، على طاولة المجموعة الدولية لبحث سبل دعمه، في موقع قوي خاصة وأنه لا توجد مؤشرات تدل على أن ثمة خطوات من قبل السلطة اللبنانية، توحي بالثقة. فالثقة الداخلية باتت شرطا دوليا لدعم لبنان، رغم ما يبثّه مسؤولون في حزب الله، من أن “دعم لبنان اقتصاديا وماليا مشروط بتشكيل حكومة جديدة من دون التدخل في مواصفاتها”، فيما تشير المعلومات إلى أن دولا عديدة شاركت في مؤتمر سيدر لدعم لبنان، لن تُقْدم على تقديم العون للبنان طالما بقي لبنان أسير معادلة السلطة القائمة والتي عجزت، وما زالت تعجز، عن استعادة سيادة الدولة من جهة، ولا توحي بالثقة لجهة إدارة عملية الإنقاذ من جهة ثانية.

وإن كان هذا الموقف مزعجا للسلطة القائمة، فإنه يلبي مطلب المحتجين الذين أعلنوا بوضوح أنهم لا يثقون بهذه السلطة للخروج من الأزمة الخانقة.

لذا فإن فرصة التغيير السياسي في لبنان، تتخذ هذه المرة أبعادا جدية، من حيث توفّر العناصر الموضوعية لإحداثه. والعنصر الحيوي يتمثل في توحّد اللبنانيين على أن مطلب التغيير يقوم على أساس وطني، من دون توسل أي عنوان طائفي أو حزبي أو جهوي، ولكن هذا ما يفرض تحديا أمام المنتفضين مفاده أن عملية التغيير الفعلي تتطلب تغييرا لقواعد اللعبة السياسية، أي تقويض نظام المحاصصة بتأمين خيارات بديلة تكون نتاج تفاعل حقيقي بين مكونات الحراك الشعبي، مستفيدين من مناخ دولي يدفع باتجاه قيام سلطة تتسم بثقة الشعب، وبالقدرة على إدارة عملية إنقاذ لبنان بأكبر قدر من الشفافية والإنتاجية.

حان وقت السياسة، وهو تحد يفرض نفسه بقوة على مجموعات الحراك الذي بات، أمام واقع إدارة السلطة ظهرها له، مجبرا على الانتقال إلى مرحلة جديدة من المواجهة، تستفيد من زخم الشارع وحيويته وضغط الأزمات من جهة، ومن الرغبة الدولية في مساعدة لبنان لاستعادة موقعه كدولة تتسم بشروط طبيعية وموضوعية من جهة أخرى، كبديل عن الانهيار الذي تدفع به سياسات الدولة الحالية، والذي شكّل خطرا ليس على لبنان فحسب بل حتى على سواه من الدول.

 

كاتب لبناني

 

 

حزب الله يستجدي الخارج

لحماية سلطة الفساد

علي الامين

 

بعد شهر ونصف على انطلاقة الانتفاضة اللبنانية، تبدو السلطة المستحكمة في لبنان أمام خيار وحيد لإعادة إنتاج السلطة نفسها، هذا الخيار هو الخارج بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، أي القوى الإقليمية والدولية المؤثرة، وليس الشعب اللبناني الذي يمارس فعل فضح السلطة، وتعريتها من خلال إصراره على مطالب الانتفاضة الواضحة والمُعلنة، تشكيل حكومة إنقاذية من المستقلين تمهّد لانتخابات نيابية مبكّرة.

السلطة هنا هي تلك التي تتركّز اليوم في المثلث الذي يقف على رأسه الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، ويمسك بزاويتيه رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه برّي.

لا يعني تغييب رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري عن هذه السلطة، نفيا لوجوده في السلطة أو تبرئة له منها، إنما للإشارة إلى أنه، كما الزعيم الدرزي وليد جنبلاط والمسيحي سمير جعجع، خارج التقرير في هذه السلطة التي تتركّز في المثلث أعلاه إن لم يكن في رأسه نصرالله وحده.

قوة الانتفاضة تكمن في عوامل شتى، فإلى جانب لبنانيتها وامتدادها الديموغرافي والجغرافي غير المسبوق وطنيا، وحيويتها في ابتداع أشكال متجددة في المواجهة مع السلطة، فإن قوتها أنها تواجه سلطة مكللة بالفشل والفساد والعجز عن الاستجابة لمطالب الشعب، ليس في الإصلاح السياسي والديمقراطي، بل في أدنى من ذلك بكثير أي في مواجهة الأزمة المالية أو الاقتصادية وحتى المعيشية، فنظام المحاصصة أو بتعريف أدق نظام الفساد، هو أساس قوة السلطة وأطرافها، ومصدر القوة هذا هو ما أوصل الدولة اللبنانية إلى المأزق، وأي مواجهة جدية لهذا المأزق تتطلب تفكيك مصادر الفساد ومكافحتها، أي تفكيك منظومة السلطة، وتغيير قواعد اللعبة السياسية، بما يتيح إمكانية خروج لبنان من الأزمة التي يعاني منها على مختلف المستويات.

للمفارقة، أن حزب الله طالما كان يقاتل خصومه في عملية سيطرته على السلطة، باعتبارهم أدوات للخارج، رغم أنه هو نفسه الذراع الإيرانية التي لا لُبْس في ولائها لمن سماه نصرالله “حسين العصر” أي المرشد علي خامنئي، إلا أن المستجد اليوم أن حزب الله الذي يبحث عن منقذ خارجي، يتفادى عملية الإصلاح ووقف الفساد والهدر في الدولة ويستجدي عونا خارجيا، لأنه يدرك أن وقف الفساد والهدر هو نهاية سلطته التي ترتكز على معادلة واضحة قوامها الولاء لحزب الله مقابل إطلاق يد الفساد لمواليه من الحلفاء والشركاء وحمايتهم.

في ردّه على موقف الرئيس سعد الحريري الذي يشترط لأن يكون رئيس حكومة أن لا تضم في مكوّناتها شخصيات سياسية، قال رئيس المجلس السياسي في حزب الله إبراهيم أمين السيد في موقف لافت، إن “واشنطن لا تمانع أن يكون حزب الله مشاركا في الحكومة” في سياق ما يعتبره اتهاما للحريري بأنه هو من يرفض وجود سياسيين. وإن دلّ على شيء فإن هذا الموقف يشير إلى أن الحريري صادق في استجابته لمطلب المحتجين، سواء في استقالته من الحكومة أو في اشتراطه تشكيل حكومة من التكنوقراط. رغم أن الانتفاضة تتمسك بمطلب حكومة من المستقلين ولا تستثني الحريري نفسه من رئاستها أو المشاركة بها.

حزب الله يتمسك بالحريري كرئيس للحكومة المقبلة، لا احتراما لما يمثّله الحريري من تمثيل سياسي، بل لسببين؛ الأول أن حزب الله يعتبر شخص الحريري الأقدر بين الأطراف اللبنانية على مخاطبة الخارج وإقناعه بدعم لبنان ماليا واقتصاديا. والثاني أن تشكيل حكومة أحادية في الشكل والمضمون لا يلبس فيها حزب الله في داخلها قناع الحكومة المتعددة، سيجعله في موقع مباشر أمام اللبنانيين وأمام الخارج، وهذا ما لا يريد أن يفعله ولا يستطيع التنبؤ بتبعاته.

استجداء الخارج هو حقيقة موقف حزب الله اليوم، فهو لا يزال يراهن على أنّ أحدا ما سيأتي إلى لبنان محمّلا بهدايا الدعم المالي والاقتصادي، كما يأتي “بابا نويل” في عيد الميلاد محمّلا بالهدايا للأطفال. ولا يريد الإقرار بأن ثمّة انتفاضة لبنانية حقيقية لن ترضى بأقل من تغيير قواعد السلطة والحكم في لبنان، وأن اللبنانيين باتوا مقتنعين أن العودة إلى ما قبل 17 أكتوبر، لم تعد واردة. وأن الخارج ولاسيما واشنطن وباريس، التي أخذت على عاتقها تنظيم “مؤتمر سيدر” لدعم لبنان، ليس في وارد القبول بتسيير دعم مالي لسلطة فقدت ثقة الشعب، لجهة نزاهتها وجدارتها في إنقاذ البلاد، وبالتالي فإن التغيير لا يمكن أن يكون شكليا كما يحاول حزب الله الإيحاء بقبوله بتغيير عنوانه أوبالإتيان بحكومة تكنو- سياسية، هي بالفعل إعادة إنتاج للحكومة الحالية، أي لنفس قواعد اللعبة السياسية التي قامت الانتفاضة من أجل إلغائها وتقويضها.

كل ذلك يعكس الإرباك الذي وصلت إليه السلطة، والعجز عن مواكبة التغيير الذي عبّرت عنه الانتفاضة في الإصرار الشعبي على الخروج من دوامة الأزمة التي تمثّلها السلطة نفسها، وهو ما تُرجمَ في التباين الذي فرضه نظام المصالح بين حزب الله ورئيس الجمهورية. فالرئيس عون بات قلقا من أن إصرار حزب الله على ترئيس الحريري ينطوي على مخاطر إضعافه، لاسيما أن الأخير يتمسك باستبعاد صهر الرئيس ووريثه الوزير جبران باسيل، لذا بات المقرّبون منه يتحدثون بوضوح عن ضرورة تشكيل حكومة من دون الحريري، وما يزيد من هذا التباين أن رئيس الجمهورية وفريقه هما من أكثر الخاسرين، وحال الانتظار هذه تزيد من استنزافهما مسيحيا، وتظهرهما في موقع التابعين لحزب الله. في المقابل فإن حزب الله الذي يتمسك بعلاقته وبتحالفه مع رئيس الجمهورية، لما يوفرانه من غطاء مسيحي له ولو أنه تراجع وضعف، يدرك أن الرئيس وصهره لا يستطيعان أن يقدّما له أيّ خدمة خارجية بعدما استهلك كل طاقة الولاء لديهما، وباتا في المشهد اللبناني والدولي ملكيّين أكثر من الملك، لذا فإن من يريدهم حزب الله اليوم هم من يمكن أن يستمع لهم المجتمع الدولي.

ما تقدّم هو الإرباك، لأنه ينطلق من رهان لدى حزب الله أن المعادلات الخارجية والتفاهمات الإقليمية والدولية، كفيلة بأن تعيد الاستقرار للسلطة بين يديه، من دون وعي حقيقة باتت جلية أن لبنان دخل مرحلة جديدة على كل المستويات، وأن الرهان على الخارج لإنقاذه من أزماته لم يعد مجديا، بل إن التغيير أصبح قدرا وليس ترفا؛ التغيير في قواعد اللعبة التي يديرها حزب الله والانتقال إلى قواعد جديدة، يرتكزان بجوهرهما إلى أن دولة القانون والعدل هي الأساس وليست الدويلة.

كاتب لبناني (العرب) لندن

 

 

دولة القانون

 فوق كل الطوائف

علي الأمين

 

انتفاضة لبنان والعراق وآفاق الدولة المدنية

الدولة المدنية هي حلم قابل للتحقق ونافذة لاستعادة الكرامة الإنسانية

، وهي هزيمة حضارية فعلية للأيديولوجيا الإيرانية في أبرز قواعد نفوذها.

 

انعقد مؤتمر “المسيحيون العرب” (23 نوفمبر- باريس) في لحظة تحولات سياسية ودينية وحراك شعبي عربي يعم المنطقة تحت شعارات محقة للتحرر من أنظمة فاسدة وعابثة، تمعن في هتك حرية الفرد والدين والمعتقد.

النهوض العربي في بُعده الجوهري لا يمكن أن ينفصل عن الوجود المسيحي الراسخ والعميق في المنطقة العربية، باعتبار أن الهوية العربية، هوية مؤسِسة ليس في الفكر والثقافة والتاريخ والجغرافيا، بل فعل تكامل مع الهُويات الإنسانية والوطنية والدينية والمناطقية والعائلية في الدول العربية من مشرقها إلى مغربها. والديانة المسيحية التي خرجت إلى العالم وبشّرت برسالة السلام من هذه المنطقة، هي رسالة فعلت وتفاعلت ولا تزال في تشكل الهوية العربية التي تكتسب حضورها ومعناها من تشكل دائم ومستمر، ومؤتمر “المسيحيون العرب” هو مصدر من مصادر الحياة والنمو والحضور لهذه الهوية العربية.

ليس من اليسير مقاربة مسألة النكوص والتراجع في إدارة المجتمعات في الدول العربية، من دون التطرق إلى مسألة فشل مشروع الدولة كإطار لعقد اجتماعي بين السلطة والشعب، يقوم على أساس المواطنة، من دون تمييز بين أفراد المجتمع. ولا شك أن هذا الخلل يفتح في الكثير من الأحيان الباب للأطماع الخارجية سواء كانت غربية أو إقليمية. ومن دون أن نقلل من شأن عوامل سياسية واقتصادية منها دور الحروب الإقليمية والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ولأراض عربية، في تعميق المأزق الوطني وتصدع مشروع الدولة، والتي باتت تهدد العديد من المجتمعات العربية في وحدتها الوطنية. قصدت الإشارة إلى ما بات يعرف منذ عقود بـ”مسألة الأقليات” ولاسيما في المشرق العربي.

إن غياب دولة المواطنة أو اختلالها منذ عقود، كان سببا من أسباب ترسيخ الدكتاتوريات في المنطقة، وفي نشوء أنظمة مصالح تستقوي بالانتماءات العصبية وتعزز دورها ونفوذها الاجتماعي والسياسي وتزيد من تراجع وضعف دولة المواطنة، من جهة، ومسألة الأقليات في المنطقة العربية التي تفاقمت في ظل غياب المساواة بين المواطنين داخل الدولة الواحدة، من جهة ثانية. من دون أن نغيّب دور الأيديولوجيات الدينية التي قامت في مشروعها السياسي على شيطنة المختلف وعلى النقيض من دولة المواطنة.

تعدد الأديان الذي ميّز الفضاء العربي، يؤكد أن سمة التنوع في المجتمع أصيلة في الثقافة العربية والإسلامية، وهو حقيقة ناصعة في تاريخ مجتمعاتنا العربية والإسلامية، تؤكدها تفاصيل العيش المشترك وترسخها التطلعات الصادقة للحرية والاستقلال والارتقاء.

انعقد مؤتمر المسيحيين العرب وسط أصوات تضج بها أوطاننا، ولاسيما لبنان والعراق، أصوات حرة، تنشد الوطن والدولة، انتفاضة تعيد ترتيب أفكارنا وتخترق جدران الوهم والخوف، وهم السجن الطائفي والخوف الأقلّوي. وهي انتفاضة الذات على الذات قبل كل شيء. ما يشهده لبنان والعراق اليوم، هو انتفاضة الدولة في وجه الدويلة، وانتفاضة الهوية الوطنية ضد تضخم الهويات الطائفية وتشوهها. هي قبل ذلك وبعده فعل خلّاق لدولة المواطنة والمساواة بين المواطنين.

بهذا المعنى تقترح انتفاضة العراق كما انتفاضة لبنان، برنامج دولة القانون، وعصب الدولة إذا صحّت المقولة في مقابل عصب الطائفة أو المذهب. نحن مواطنون نحتكم كأفراد في علاقاتنا إلى عقد اجتماعي، يحكم العلاقة بين المواطنين والسلطة. في المشهد اللبناني اليوم نكتشف لبنانيتنا ونختبر قوتها في الميدان، ليست الانتفاضة في عمقها فعل انفصال عن الانتماءات والهويات الدينية، بل هي فعل انعتاق من سجن الخوف الطائفي، الذي لطالما كانت الأحزاب الطائفية والأيديولوجيات الدينية وزعاماتها، ولا تزال، تستثمر هذا الخوف وتعززه في سبيل تعميم السلطة العمياء وتهميش سلطة القانون.

لم ينج الشيعة في لبنان والعراق من سطوة الأقلّوية، وقد كانوا في العقود الأخيرة عرضة لعملية فصل ثقافي وعزل وفكري، ليس عن محيطهم الوطني أو العربي فحسب، بل عن تاريخهم الاجتماعي والسياسي والثقافي الوطني والعربي أيضا. وساهمت الأيديولوجيا التي بشرت بها إيران في خلق سياج أيديولوجي حول الشيعة، جرى مدّه نحو الأقليات المسيحية والإثنية في السنوات الأخيرة، باعتماد مصطلح أطلقه المرشد الإيراني علي خامنئي منذ أشهر وردده أمين عام حزب الله حسن نصرالله مرات عدة، هو مصطلح منطقة غرب آسيا، وهي محاولة لاجتزاء المنطقة العربية وإدخال إيران فيها، وهو في جوهره فعل تهميش للهوية العربية وتقويض النظام الإقليمي العربي، وابتداع فكرة مقابلة مفادها أن غرب آسيا هو مجموعة طوائف وإثنيات لا دول وطنية ولا عربية.

انتفاضتا لبنان العراق، هما في جوهرهما العميق ردّ على هذا الوهم الإيراني، بقدرته على تدجين المجتمعات بمقولة الأقليات، وهما تشكلان أيضا انتفاضة وعي وإدراك لنظام المصالح الوطنية، وهو بالضرورة وعي عميق للانتماء إلى الهوية العربية، ليس باعتبارها هوية صمّاء، بل هوية متفاعلة مع العصر ومع كل الإنجازات، التي حققتها البشرية على مستوى الحرية والديمقراطية واحترام تنوع المجتمعات.

في نموذجي العراق ولبنان، كمساحتي تنوع ديني وثقافي وإثني في فضاء عربي، عمل المشروع الإيراني على تعزيز النزعة الأقلّوية، كمدخل ووسيلة لتبرير نفوذها وسيطرتها. وكان من الطبيعي أن تتفاعل مع كل فعل أيديولوجي تحت مسمى الأصوليات الإسلامية ذات النزعة الإقصائية والمنظمات التي اتخذت منهج الإرهاب أو العنف الأعمى كما هو حال تنظيمات القاعدة وداعش وغيرها من المنظمات التي تضيق بالتنوع الديني والإثني.

لم يكن المشروع الإيراني بعيدا عن دعم وتعزيز ثقافة الإقصاء والعزلة في العراق ولبنان، بل اعتمد في نفوذه وتمدده على ترسيخ التصدع في المجتمعات العربية، من خلال ضرب وتهميش الأسس الفكرية والثقافية للدولة الوطنية والمدنية. كما اعتمد ترسيخ مفهوم الأقلّوية، ولاسيما لدى الشيعة، سياسيا وثقافيا وأيديولوجيا من أجل صناعة الخوف أو تعميقه سواء في العراق أو لبنان وغيرهما، لتبرير دور الحماية الخارجية من قبل دولة تقدم نفسها كدولة إقليمية شيعية.

لم تكتف إيران بتعزيز مفهوم الولاء الأيديولوجي، الذي يتوسل العصبية الدينية المذهبية في تلك الدول، بل ذهبت أبعد من ذلك حين انتقلت إلى استثمار النزعة الأقلّوية في البيئات المسيحية والأقليات الدينية، وقدمت نفسها كطرف يمكن الاعتماد عليه في سياق مواجهة الإرهاب وخطر الأكثرية الإسلامية السنية. ما يقوله جوهر انتفاضتي العراق ولبنان اليوم هو أن المشروع الذي يقوم على صناعة الخوف من الآخر في الدولة والوطن، لم يعد قابلا للاستمرار، وأن دولة المواطنة والمساواة هي المرتجى والملاذ والهدف، وأن النزعات الطائفية والمذهبية ليست إلا وسيلة لتحويل الإنسان إلى مجرد ضحية، فاقد لحقوقه الإنسانية كمواطن وكقيمة، لا يمكن أن يلغيها أي انتماء لهوية دينية أو طائفية أو إثنية.

انتفاضة العراقيين واللبنانيين هي من أجل المواطنية والدولة المدنية، وهي بالضرورة انتفاضة عربية في وجه النفوذ الخارجي وهو في البلدين نفوذ إيراني بالدرجة الأولى.

استعادة الهوية الوطنية وثقافة المواطنة والإعلاء من شأن الدولة المدنية، هو السمة الأبرز والمشتركة بين انتفاضة الشعبين، التي لا تعبر عن موقف حضاري متقدم وعن رقي في مقاربة مسألة الدولة ووحدة الشعب واحترام الإنسان فحسب، بل هي إعلان صارخ بأن التعامل مع الدول العربية باعتبارها مجتمعات منقسمة طائفيا أو دينيا وقبليا، هو تعامل مرفوض وقد انتهى.

هذا المعنى الحقيقي لانتفاضتي لبنان والعراق، وأن الدولة المدنية أصبحت هدفا حقيقيا، بعدما مزقت الأيديولوجيات الدينية والطائفية المجتمع وبددت ثرواته الوطنية وزادت من التبعية للخارج.

الدولة المدنية هي حلم قابل للتحقق ونافذة لاستعادة الكرامة الإنسانية، وهي هزيمة حضارية فعلية للأيديولوجيا الإيرانية في أبرز قواعد نفوذها، هزيمة بدأت اليوم، وستتمظهر معالمها السياسية حكما بعد حين في هذه المجتمعات، بل حتى على امتداد المدن الإيرانية، التي باتت تنشد الخلاص من الأيديولوجيا وتنشد دولة المواطنة أو الدولة المدنية كبديل عن الدولة الدينية.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

 

الانتفاضة بدأت بترويض

"تنين" حزب الله

 

علي الامين

 

الانتفاضة اللبنانية أو الثورة البيضاء، لمّا تزل في بداية الطريق، رغم أنها حققت في أقل من شهر سلسلة إنجازات لا يحلم اللبنانيون بتحقيقها في سنوات. نجحت الانتفاضة في فرض استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، وفي فرض تبني سلسلة إجراءات، التزمت السلطة بها، هي بعض ما رفعه الشعب اللبناني في الشارع من مطالب تتصل بإلغاء الضرائب التي كانت قد أدرجت في موازنة العام 2020.

 حققت الانتفاضة أيضا إقرارا من السلطة بالتورط في الفساد، وتم استدعاء بعض السياسيين للاستماع إليهم في هذا الشأن من قبل المدعي العام المالي، على الرغم مما يحيط بهذه الاستدعاءات من شكوك بخلفيتها، حيث اعتبرها البعض تنطوي على تصفية حسابات سياسية. لا يهم ما دام أن السلطة اضطرت إلى فتح الباب، الذي يدرك المنتفضون أن فتحه كفيل بجعل قضية المحاسبة للسياسيين مفتوحة وستجر لاحقا ملفات مالية مشبوهة، طالما كان التعتيم عليها هو الحقيقة التي تفرض نفسها في مثل هذه الملفات المتصلة بالفساد المالي والسياسي.

هذا غيض من فيض الانتفاضة اللبنانية المستمرة دون توقف، حتى تحقيق المطالب، التي لم تقتصر على استعادة الأموال المنهوبة، بل تجاوزتها إلى الدعوة لإجراء انتخابات نيابية مبكرة. على أن سلة المطالب التي يتنازعها ميل سلطوي لإدراج الانتفاضة في سياق مطلبي، ونزعة في هوية الانتفاضة تنحو لإحداث تغيير سياسي، غايته تغيير نظام المحاصصة وتقويضه، لصالح آلية حكم تحول دون تسييس القضاء وآلية فعلية للفصل بين السلطات، إضافة إلى اعادة الاعتبار للقطاعات الإنتاجية والحدّ من سياسة الاستدانة التي أغرقت البلاد في عجز كان من أسباب انفجار الانتفاضة.

لا يخفى على اللبنانيين وسواهم، أن حزب الله يشكل سند السلطة وحاميها والمدبر لسياساتها، منذ إبرام التسوية الرئاسية قبل ثلاث سنوات، ومخاوف انهيار هذه السلطة التي اهتزت مع الانتفاضة، أثار قلق حزب الله الذي بات منهمكا في إعادة ترميمها، رافضا أي محاولة لتغيير قواعد الحكم التي رسمها وحددها.

في المقابل ثمة انتفاضة غير مسبوقة على هذه السلطة، التي أجمع أطرافها قبل خصومها على أنها أوغلت في الفساد، وزادت مآسي الشعب وأضعفت الدولة. وقد فرض تحدي الشارع على حزب الله التعامل معه بوسائل مختلفة، محورها المراوغة للوصول إلى إعادة إنتاج السلطة عبر حكومة لا تخل بما يعتبره توازنات سياسية لا يمكن القفز فوقها مهما بلغ حجم الاحتجاجات في الشارع.

اشترط الرئيس سعد الحريري لإعادة تكليفه رئيسا للحكومة الجديدة، أن يكون أعضاؤها من التكنوقراط، فيما كان لحزب الله رأي آخر مفاده أن تكون حكومة سياسية مطعمة بالتكنوقراط، في وقت يصر فيه الشارع على أن أي حكومة جديدة يجب أن تكون من شخصيات مستقلة تحظى بثقة الشارع، وهو ما ليس واردا في حسابات حزب الله وسواه من شركائه.

لعبة عض الأصابع لم تزل قائمة في ظل ضغوط اقتصادية ومالية أدت إلى إرباك شعبي وسياسي، من افتقاد السيولة بالعملة الصعبة إلى بروز أزمات فقدان المواد الأساسية من الأسواق، وهو ما اعتبره بعض أطراف الانتفاضة، عملية ضغط على الشارع والمنتفضين من أجل القبول بأي حكومة جديدة ولو كانت لا تتوافق مع مطلب الانتفاضة. ويرى فريق آخر من المنتفضين أن تفجر الأزمات سيشكل رصيدا للانتفاضة في معركتها مع السلطة، وتقوم بالتالي عناصر ضغط إضافية من أجل الاستجابة لمطالب الشعب.

في هذا السياق أيضا، يعمد حزب الله، الذي يدير عملية الاتصالات بين أركان السلطة، إلى استغلال الوقت بانتظار ما يتوقعه من تراجع زخم الشارع، ليتسنى له العمل على إعادة إنتاج السلطة بطريقة تضمن له الاحتفاظ بقرار الحكومة السياسي من خلال شرط الموافقة على كل من يمكن أن يشارك في الحكومة المزمعة.

رهان حزب الله ينطلق من عدة اعتبارات، أولها، أنه حاول ترهيب المنتفضين من أجل فض الاحتجاجات. وعندما فشل، دفع الانتفاضة إلى التمترس خلف الاحتجاجات المطلبية إلى حد كبير وحال دون تبلور إطار سياسي معبر عن هذه الانتفاضة. وساهمت عمليات القمع المعنوي والاتهامات بتلقي المنتفضين أموالا من الخارج، في تعطيل تبلور خطاب يمهد لبرنامج سياسي، يجري القياس على أساسه في مواجهة السلطة، ذلك أن السلطة التي تحكم في لبنان، لا تريد للانتفاضة أن تتجاوز المطالب المعيشية والحقوقية، معولا على أن الوعود كفيلة بإطفائها، وكفيلة باستيعاب أي شخصية نزيهة ومستقيمة في حال شاركت في الحكومة، إذا كان دخولها الحكومة لا يستند إلى مشروع سياسي وبرنامج تغيير لمعادلة الحكم والسلطة في لبنان.

وقد تمكن حزب الله إلى حد ما، بالتحالف مع الرئيس نبيه بري، من منع الاختراق العميق للبيئة الشيعية من قبل الانتفاضة، التي هزت في البداية أركان الثنائية الشيعية، وتمكن نسبيا من إعادة تحصينها بالخوف وبالسطوة الأيديولوجية والأمنية داخل هذه البيئة.

وقد عزز ذلك إصراره على إعادة ترميم السلطة، مستندا إلى أن تشكيل الحكومة بما لا يوافق المنتفضين، هو الأولوية، التي يمكن له من خلالها إعادة تنظيم المواجهة مع الانتفاضة. ولكن ما لا يمكن توقعه، هو كيف ستكون ردة فعل الشارع الذي يصعب خداعه بتغيير شكلي؟ وهل ستلبي حكومة تكنوقراط يمسك حزب الله بقرارها السياسي، متطلبات التعاون الدولي على مستوى تقديم المساعدات للبنان؟

ثمة أسئلة عديدة تواجه سيناريو الالتفاف على مطالب الشارع، دون إحداث تغيير فعلي في السلطة وفي بنية الحكومة، لعل أبرزها هل أن اللبنانيين سيقبلون بالخديعة مجددا أم أن خيار التغيير سيفرض نفسه كبرنامج لا مفر منه للانتفاضة من أجل إحداث التغيير في السلطة؟ وترتبط الإجابة بصعوبة استعادة ثقة الشعب بالسلطة إذا لم يلمس أن تغييرا حقيقيا قد حصل، وهذا ما لا يحتمله حزب الله الذي استثمر طويلا في بناء سلطة مطواعة، في وقت لم يعد يملك فيه مرونة العودة إلى الوراء في زمن الحصار الأميركي، الذي يعاني منه.

 

كاتب لبناني

 

 

سلطة مربكة

أمام ثورة جيل صاعد

علي الامين

 

هل ما تقوم به أطراف السلطة في لبنان اليوم، هو عدم فهم أم رغبة في معاندة الواقع؟

هذا هو السؤال الذي لم تتضح الإجابة عليه بعد منذ انفجار الاحتجاجات في 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. فالمشهد اللبناني الذي خرج على شكل انتفاضة أو ثورة منذ نحو عشرين يوما، أطلق جملة مؤشرات سياسية وثقافية واجتماعية، لم يسبق أن تمثلها مشهد احتجاجي أو مظهر سياسي، منذ نشأة لبنان قبل مئة عام إلى اليوم.

لعل السّمة المدنية والامتداد الجغرافي والتنوع الطائفي واللغة الواحدة والصرخة المشتركة، هي أبرز سمات الاحتجاجات المستمرة ضد السلطة السياسية بمختلف مكوناتها، بل الثورة على معادلة السلطة بما هي عنوان لتقاسم النفوذ والثروة الوطنية من قبل أطرافها، التي تعزز نفوذها على مسار تهميش الدولة وانتهاك الدستور والقانون، عبر الإعلاء من شأن الانتماء العصبي الطائفي أو المذهبي والحزبي الفئوي.

وهي ثورة قبل ذلك، بل إن جوهر الثورة اللبنانية اليوم، يكمن في الثورة على الذات، بمعنى أن اللبنانيين ثاروا على كل انتماء يعلو على الانتماء الوطني. كان مشهد الاحتجاجات في طول لبنان وعرضه، تعبيرا عن التقاط اللبنانيين على وجه العموم، حبل الخلاص المشترك والذي مثلته الهوية الوطنية أو تلك المواطنية التي استعادت معناها في تلك الجموع اللبنانية المليونية، التي أعادت الاعتبار لها.

رمت الاحتجاجات خلف ظهرانيها، كل العصبيات التي كانت مفاتيح استلحاقها السياسي، ومصدر نفوذ سلطة استبدت وأفسدت وأهانت عقول اللبنانيين واستهانت بهم. الثورة هنا في هذا الخروج من سجن العصبيات القاتلة إلى رحاب المواطنية، التي تعيد للإنسان مكانته وتفرض على السلطة شروطا جديدة، بل تعيد للعقد الاجتماعي مكانته الحقيقية وتوازنه بين السلطة والشعب.

بهذا المعنى تبدو السلطة في لبنان وفي أكثر التوصيفات رأفة بها أنها مربكة، هي لم تعتد على هذا النمط العابر للطوائف والانتماءات الحزبية، من الاحتجاج، ولم تألف تلك اللغة التي يطلقها المحتجون في وجهها، إذ طالما كانت الطائفية أداة السلطة في لجم الاحتجاجات أو إدارتها. أما اليوم فتلك الوسائل التقليدية تبدو غير مجدية لاستيعاب هذه الانتفاضة.

وفي تفسير آخر فإن السلطة لا تريد أن تنجر إلى مسرح الثورة، ولا إلى لغتها أو منهج التفكير الجديد الذي أطلقته في مقاربة الشأن السياسي والحقوقي. فالتسليم بهذه اللغة الجديدة هو نهايتها، باعتبار أن ذلك سيفكك نظام مصالح قوي وراسخ في بنية السلطة، نظام مصالح طائفي زبائني، كان أساس نفوذ أطراف السلطة ومصدر قوتهم.

تدرك السلطة أنها تنتحر فيما لو انحازت إلى لغة الثورة وهو ما لا يمكن أن تقدم عليه.

استقالة الحكومة اللبنانية، هو نتاج الثورة وتحقيق لمطلب أول رفعه المحتجون، ولكن هذه الاستقالة لم تثمر تهدئة الجموع المنتفضة في طول لبنان وعرضه، بل زادت من التمسك بمطلب ثان لديها، أي تشكيل حكومة مستقلة ومن خارج الطبقة السياسية الحاكمة، تمهد لانتخابات نيابية مبكرة، بعد إقرار قانون انتخابي عادل.

أطراف السلطة بدت مصرة على استدراج الجموع المحتجة إلى الملعب القديم الذي هجرته، أي الملعب الذي يدار بالعصبيات الطائفية. عمدت السلطة بكافة فروعها إلى محاولة استثارة نعرات مذهبية وطائفية من خلال تعظيم دور بعض أطراف السلطة في الثورة أو من خلال التحريض داخل البيئة الشيعية بأن هذه الثورة تستهدفهم وتستكمل المؤامرة الأميركية والصهيونية على الشيعة وعلى المقاومة.

كل تلك الأساليب إلى جانب العنف الميليشياوي، الذي مورس على المعتصمين في صور والنبطية وفي بيروت، بحجة أن المحتجين أهانوا رمزي الثنائية الشيعية حسن نصرالله ونبيه بري، لم تنفع أصحابها، بل زادت من الغضب. لم ينجر المحتجون إلى التحريض المتبادل، لإدراكهم أن السلطة لم يعد لديها ما تقوله، سوى أن المحتجين يشتمون هذا الزعيم أو ذاك.

المطلب شديد الوضوح، وهو تغيير السلطة بعدما أثبتت فشلها وباعتراف أركانها، والتسليم بنتائج الحقيقة المرة والقاتلة التي خلصت إليها السلطة، وبات اللبنانيون يعانون من خناجرها المعيشية والاقتصادية، ومن سموم الفساد الذي يهدد بموت كل ما تبقى من مظاهر الحياة اللبنانية.

كان قيام التيار الوطني الحر بخطوة التجمع الحزبي والشعبي في قصر الرئاسة في بعبدا دعما لرئيس الجمهورية، استمرارا لمحاولة التعامي عن التغيير الذي حققته الثورة في الوعي اللبناني الجمعي.

لم تكن الدعوة الحزبية لإظهار الحضور الشعبي للتيار الوطني الحر، وقبله رئيس الجمهورية، موفقة، بل كانت تعبيرا عن الإرباك لدى الرئيس وتياره، من خلال المعاندة السياسية للمشهد الثوري الجديد، ومحاولة القول إن ثمة ساحة مقابلة لساحات الثورة.

صحيح أن رئيس الجمهورية وصهره الوزير جبران باسيل، حاولا تفادي الاصطدام السياسي بحشود الثورة ومطالبها، إلا أنهما حاولا التنصل من كل موبقات الفساد ورميها على أطراف أخرى شريكة في الحكم، وهو أسلوب يعكس مجددا محاولة إهانة اللبنانيين، الذين يعرفون أن ذلك غير صحيح وهو جريمة أكبر من الفساد نفسه إن صحّ قول الرئيس وصهره، باعتبار أن الشاهد في السلطة على الفساد والساكت عن مواجهته، جريمته أكبر من المرتكب، لأنه سمح له بالارتكاب ولم يعترض عليه على رغم ما يمتلكه من صلاحيات، سواء من موقع رئاسة الجمهورية أو امتلاك التيار الوطني الحر ثلث وزراء الحكومة منفردا، وسيطرته على ثلثي الحكومة مع حلفائه.

لم تفهم السلطة أن الثورة حصلت في وعي اللبنانيين أولا، أو ربما لا تريد الاعتراف بذلك. في كلا الحالين، ثمة إصرار على البقاء في الملعب القديم، الذي يتيح لها، أي السلطة، استخدام وسائل أتقنت استخدامها في إدارة الشأن السياسي، رغم أن الثورة افتتحت ملعبا جديدا، ملعب بقواعد مختلفة وشروط جديدة.

هنا يكمن جوهر الصراع والمواجهة، الذي نقل لبنان من مرحلة اختصاره بمعادلة سياسية طائفية محدودة الخيارات، إلى مرحلة جديدة يفرض إيقاعها جيل جديد من الشباب بات خارج قضبان العصبيات إلى حد بعيد. جيل جديد يفجر مفاجآت كل يوم بقدرته على إحراج السلطة وإثبات عجزها عن مواكبة أسئلته الصادقة والبسيطة والجريئة عن العيش بصفة مواطن في وطن ودولة.

كاتب لبناني

 

 

الثورة اللبنانية تغير

قواعد الاشتباك مع الدولة

علي الامين

أظهر اللبنانيون قدرة غير مسبوقة على تجاوز الخطاب السياسي الذي طالما كانت السلطة تمسك من خلاله الشارع إلى حدّ كبير، ذلك أن معادلة السلطة قامت على خطاب طالما شكّل العصب الطائفي والمذهبي مصدر حضوره وفعاليته. وبدا انقسام السلطة اللبنانية عنوانا دفاعيا في مواجهة المحاسبة ومطالب المواطنين، لكن تحالف هذه السلطة بين أركانها كان هو الحقيقة الموضوعية، فإزاء أي خطر يهدد تركيبة السلطة المشكوّ منها ومن عدم جدارتها حتى من داخلها، ما تلبث أن تتحد حين الشعور بخطر تغيير في قواعدها وشروطها، وفي نظام المخاصصة المافيوي الذي يكاد يختصر دورها في لبنان.

منذ 17 أكتوبر الجاري، انقلبَ اللبنانيون على هذه المعادلة. لقد فرضت الانتفاضة اللبنانية إيقاعا جديدا غير مسبوق في الحياة السياسية والاجتماعية اللبنانية، لا لأنها أخرجت إلى الشارع أكثر من مليون مواطن في أقل التقديرات، ولا تزال حاضرة في الساحات اللبنانية فحسب، بل لكونها أربكت السلطة والطبقة السياسية على وجه العموم، بما حملته من تغيير جذري في اللغة والخطاب السياسيين، فالذين خرجوا هذه المرة ولا يزالون في الشارع، نبذوا اللغة الطائفية والمذهبية، وتحرروا من انتماءاتهم الحزبية والضيقة، وتحدثوا بلغة واحدة لم تألفها أركان السلطة، لذا ارتبكوا فسكت معظمهم، ومن نطق منهم بدا عاجزا عن قراءة ما يجري أو يكابر في التمنع عن فهم حقيقة ما جرى ويجري في المجتمع اللبناني.

الهوية الوطنية اللبنانية نبتت مجددا في اللغة والمشهد والخطاب في الشارع، وانكفأ خطاب الهويات الضيقة تماما. لغة واحدة واعدة ومتقدمة في الوعي أطلقتها ألسُن جيل مفاجئ في قوله من الشباب، بدا متقدما في خطابه وفهمه على العديد من النخب اللبنانية، وهو جيل يؤشر إلى قدرات لبنانية عالية للتفوق على الجدل الطائفي العقيم الذي أنهك لبنان، وأضعف الدولة وقوض الاقتصاد، بما وفّره من حماية استثنائية للفساد، لاسيما في عملية النهب المافيوي للدولة وللمال العام.

هذه الانتفاضة التي شهدها كل لبنان أربكت السلطة كما أسلفنا القول، لأنها أفقدت السلطة سلاحا فتاكا كانت تمتلكه قبل 17 أكتوبر، فها هو وزير الخارجية ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، على سبيل المثال لا الحصر، يفقد فرس الحقوق المسيحية الذي امتطاه، بعدما فقد صلاحيته وكبا أمام فرس الانتفاضة اللبنانية. ولم تعد كلمة الحقوق المسيحية تغري المسيحيين ولا تستنفر فيهم أيّ عصب، وباتت خلال أيام قليلة لغة بائدة أمام حقوق المواطن اللبناني، وأكثر من ذلك لقد خرج اللبنانيون من الملعب الذي رسم معادلته أركان السلطة، وانتقلوا إلى ملعب وطني لبناني تبدو السلطة فيه عاجزة عن استيعاب قواعده الجديدة، التي يجري رسمها بنبض جديد.

بهذا المعنى بدا حزب الله عاجزا، أو لا يريد فهم هذا التحوّل العميق في الوعي اللبناني الذي عبرت عنه الانتفاضة المستمرة، فمنذ أن بدأت هذه الانتفاضة أطلق أمينه العام السيد حسن نصرالله لاءاته؛ لا لإسقاط الحكومة ولا لإسقاط العهد، وتعامل مع ما يجري باعتباره رسالة إيجابية للسلطة، وأنّ على الناس أن يعودوا إلى بيوتهم.

ومع عدم استجابة الناس لتمنيات نصرالله، كان خطابه الثاني ينطوي على رسالة أكثر تشكيكا بـ”الحراك”، فهو وإن اعتبره حراكا عفويا وغير منظم من جهات داخلية أو خارجية، أشار إلى أن الحراك بات مشبوها بسبب ما اعتبره تدخلات خارجية تريد أن تحرِفه عن مساره، كما ألمح إلى الحرب الأهلية وحذر من الفوضى، من دون أن يُبدي أي استعداد لتحقيق مطلب إسقاط الحكومة، في سلطة يعلم الجميع أنه يتحكم بإدارتها إن لم يكن بالوصاية عليها. في وقت رسخ حزب الله رغم الإرباك الذي طاله حيال هذه الانتفاضة، سواء بالتشكيك بها أو باعتبارها مجرد حراك مطلبي، أو بإحالة المشهد إلى أنه مستثمر سياسيا، وكل هذه التوصيفات تخلص إلى أن ما يجري هو استهداف للمقاومة، لذا كان استحضار نصرالله لحركة السفارات التي أشار على طريقته التشكيكية بأنها تدير مساره وتوجهاته، وهو منحى يحرص حزب الله دوما من خلاله على إحالة كل تحدّ سياسي واجتماعي واقتصادي، إلى المؤامرة على المقاومة، أي أن العقلية الأمنية ستبقى هي المعيار المحدد لتعامله مع ما يجري اليوم، وهي العقلية التي تنذر بالمزيد من الأزمات التي ستكشف عقم هذا المنحى الأمني في تفسير التحولات المجتمعية.

ما قاله حسن نصرالله يعكس إخفاقا جديدا في إدارة الأزمة وحتى استشرافها، فهو من جهة عاد إلى عادته القديمة في التهديد والوعيد إذا لم تنصع الحكومة، التي يحميها وتحديدا رئيسها، إلى مراده. ومن جهة ثانية بالويل والثبور وعظائم الأمور على المحتجين، الذين “شيطنهم” أصلا، في حال لم يستعيدوا “رشدهم” ويعودون أدراجهم، وإلا وقعوا في “إثم الخيانة”. من يعش ير.

كاتب لبناني

 

 

الجلجلة الجنوبية

تُسقط الثنائية الشيعية

علي الامين

 

لم تندلع الثورة الجنوبية “الحمراء” المشهودة من عبث أو غوى أو ترف، إنها كظم لغيظ تاريخي من الثنائية الشيعية المستبدة، ولعل أشدها حركة أمل في بعض أوجهها المعيشية والاجتماعية. الجنوبيون المنتفضون على حكامهم يشتركون في الهم مع معظم اللبنانيين المنتشرين في ساحات الحرية، إلا أن لديهم “جلجلتهم الجنوبية” الشيعية التي يرزحون تحتها منذ أكثر من ثلاثين عاما.

يبدو أن حُسن طالع الجنوبيين، الذين لم يهضموا قبل نحو شهر “التزكية المقيتة” لنتائج الانتخابات النيابية الفرعية في مدينة صور، قَيَّضَ لهم أن يردوا صاع سرقة الديمقراطية منه صاعين. الانتخابات لم تجر لانسحاب المرشحتين الوحيدتين في مقابل مرشح الثنائية الشيعية، في معزل عن التفاصيل التي حالت دون إجراء الانتخابات، جل ما أراد أن “يزوره” طرفي الثنائية الشيعية أن أبناء صور هم موالون لهذه الثنائية، إلى درجة أن أحدا لا يترشح في مواجهة مرشحهما “المقاوم” إلى الانتخابات النيابية.

لعل هذه الانتخابات التي لم تجر، كانت ذروة من ذروات الإهانة المستمرة للناس. الإهانة في تقديمهم وهم يعانون من سلطة الاستئثار والفساد، على أنهم يوالونها ولا يختلفون معها، وملزمون ليس فقط بتقبّل الهزيمة الانتخابية، بل ملزمون بأن لا يترشح أحدهم في مواجهة مرشح هذه السلطة، حق الترشح ممنوع فما بالك بحق التنافس الانتخابي.

ليس صدفة أن يتوجه بعض المتظاهرين مع بدء الاحتجاجات الشعبية في بيروت إلى استراحة صور ومن ثم إحراقها، من دون أن تتضح صورة ما حصل. ليس صدفة، لأن في ما جرى ما يشكل رمزية ذات دلالة لا تخفى على أبناء صور والجنوب عموما، فهذه الاستراحة المملوكة للدولة اللبنانية، مستثمرة من قبل مستثمر، شائع منذ أكثر من عشرين عاما أنه واجهة لعقيلة الرئيس نبيه بري، على الرغم من بيان النفي من مكتب بري أنها لا تخص “حرمه”، وهو بحد ذاته إدانة جديدة لكون القاصي والداني يعرف هذه الحقيقة التاريخية، كما وقائع أخرى.

وهي بالتأكيد غيض من فيض ما يتداوله الجنوبيون عن حجم الثروة التي تجمعها “السيدة رندا” من خلال مقاسمة المستثمرين في الجنوب بنسب مالية تتجاوز النصف أو تقل عنه بقليل. هذه الحكايات بات يعرفها اللبنانيون وتحوّل جزء منها إلى نوع من النكات التي تتردد في كل مناطق الجنوب.

خرج المحتجون، كما العديد من المناطق اللبنانية، في مدينة صور قبل يومين، شباب وشابات اندفعوا كما لم يفعل أحد من قبل في زمن سيطرة الثنائية الشيعية، ذلك أن مطالبة السلطة بالحقوق كان من المحرمات، لاسيما إذا كان الوزراء ونواب صور كلهم ينتمون إلى حزبيْ الثنائية الشيعية. خرج الشباب وطالبوا بإسقاط الحكومة بل النظام الحاكم من رأسه إلى قاعدته، الذي كان مفاجئا لهم قبل غيرهم، لكنهم اخترقوا العوائق النفسية والمادية وكسروا حاجز الخوف، فبادر بعض مناصري حركة أمل باستباحتهم أمام أعين القوى الأمنية وبالرصاص الحي وجرى تشتيتهم، لكن هذه المرة كان الإصرار على البقاء أقوى من الانزواء والهروب.

في مدينة النبطية التي تجرأ المحتجون فيها على التعرض لمكتبي نائبي المدينة محمد رعد وهاني قبيسي وقبلهما منزل النائب ياسين جابر، كانوا بذلك يوجهون رسالة شديدة الوضوح بأنكم أنتم من يتحمل مسؤولية ما وصلت إليه الأحوال من بؤس، وما وصلت إليه الدولة من ترهل وتسيب في مؤسساتها.

ليس خافيا أن الثنائية الشيعية هي من تتحكم بالتمثيل النيابي والوزاري الشيعي منذ مدة من الزمن، ودائما باسم التكليف الشرعي كان يساق الناخبين إلى انتخاب مرشحي الثنائية، وإلى الالتفاف حول وزرائها ومسؤوليها والرضوخ إلى كل ما يطلبونه من الناس، لكن ذلك لم يعد على حاله اليوم. الاحتجاجات في البيئة الجنوبية والشيعية تحديدا، أظهرت أن هناك جرأة عبّر عنها المحتجون دون تهيب، وصوبوا على الثنائية الشيعية سهامهم، وطالبوا بحقهم بأن يكونوا مواطنين في دولة، لا مجرد أتباع منبوذين من سلطة الطائفة.

ما يريده المحتجون هو حقوقهم كمواطنين، أسوة ببقية المحتجين والمنتفضين في كل لبنان، حقهم في العمل والتعلم والصحة، وحقهم في الكرامة الإنسانية التي باتوا يفتقدونها بصمتهم عن الظلم الذي يحاصرهم، بالإهانة لهم كمواطنين لهم هذه الحقوق، والاستهانة بهم من خلال نهب الدولة ومقدراتها لحساب الأزلام والمقربين من هذه الثنائية

في خطابه، السبت الماضي، قال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله إن العهد هو بحمايته وكذلك الحكومة التي لن تسقط. لم يتعامل المحتجون الشيعة في البقاع والجنوب، بأن ما يقوله نصرالله هو بمثابة دعوة إلى السكون، بل كان الرد بمزيد من الحشود في صور وفي النبطية والتي زادت وتضاعفت بعد خطاب نصرلله عما كان عليه الحال قبل الخطاب.

لم يوجه المحتجون أي كلمة مسيئة لشخص السيد، بل ردوا على خطابه بالإصرار على إسقاط الحكومة، وهذا ما لا تستسيغه المعادلة السياسية والسلطوية المسيطرة، لكن ما قاله المحتجون وما يشددون عليه، ليس انتزاع السلطة من يد هذه الثنائية التي تحكمهم منذ العام 1992، بل حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية كمواطنين. هذه المطالب هي ما يجتمع عليه المحتجون، والذين وقفوا في وجه سلاح الميليشيا وسطوتها في صور والنبطية وغيرهما، بحيث بدا واضحا أن ما بعد 16 أكتوبر يختلف عما قبله، ثمة جدران تهاوت و”تابوهات” سقطت أمام حق الناس في الحياة بكرامة.

لم تعد قصة الإرهاب والخطر الإسرائيلي واستهداف الطائفة الشيعية أدوات قابلة لإسكات الشيعة وتحويلهم إلى طائفة. لقد قال المحتجون “نحن المواطنون اللبنانيون نختلف ونتنوع لكننا لبنانيون للوطن، له حق علينا ولنا حق عليه ولن نسمح لكم هذه المرة أن تنالوا منه”.

 

كاتب لبناني

 

 

الضجيج

 اللبناني حول سوريا

علي الامين

 

 “إنني ذاهب إلى سوريا”. قالها وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل، في خطابه الذي ألقاه في ذكرى 13 أكتوبر 1990. يوم اقتحم الجيش السوري ما سمي آنذاك المنطقة الشرقية من بيروت، وأنهى سلطة العماد ميشال عون آنذاك، الذي لجأ إلى السفارة الفرنسية، وبدأت منذ ذلك الحين، مرحلة الوصاية السورية على لبنان حتى عام 2005.

اختار باسيل هذه المناسبة ليعلن موقفه، رغم أن مثل هذا القرار يتطلب موافقة مجلس الوزراء اللبناني، الذي يبدو أنه بات ناضجا لإعادة فتح قنوات التواصل السياسي مع النظام السوري، فما الذي تغيّر ليُعلن باسيل هذا القرار في المناسبة المذكورة قبل يومين؟

لم تحسم الجامعة العربية قرار إعادة سوريا إلى حضن الجامعة بعد، ففي اجتماع وزراء الخارجية العرب الطارئ قبل أيام في القاهرة، إثر دخول القوات التركية إلى شمال سوريا، دعا باسيل في كلمته إلى عودة سوريا التي فقدت مقعدها منذ سبع سنوات، وفيما أدان التدخل التركي في سوريا، جدد التأكيد على أنه من غير المعقول أن تناقش أوضاع سوريا في غيابها.

بين التدخل التركي في سوريا، والمطالبة من قبل لبنان بعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، تحاول إيران من خلال قاعدتها اللبنانية، خلط الأوراق في سياق تهميش الدور العربي

لم يكن موقف باسيل في الجامعة العربية بشأن سوريا مستساغا لدى العديد من اللبنانيين الذين يعتبرون أن نظام الأسد يقف وراء مأساة شعبه، ويتحمّل مسؤولية ما عاناه لبنان من الوصاية ومخلفاتها. لكن في المقابل يمكن ملاحظة أن الاعتراض من قبل أطراف السلطة لم يسمع، بل لم تصدر أصوات معترضة على هذا الخطاب، باستثناء ما قاله رئيس الحكومة سعد الحريري، الذي أعلن أن لبنان يلتزم بقرار جامعة الدول العربية في شأن العلاقة مع سوريا، لكنه اعتبر أن باسيل في موقفه من التدخل التركي كان يعبّر عن الموقف اللبناني.

كل المؤشرات تدلّ على أن لبنان ينتقل إلى مرحلة سياسية جديدة عنوانها إعادة فتح قنوات التواصل السياسي مع النظام السوري، ولا يبدو أن الرئيس الحريري في قاطرة تقلّه إلى مكان مغاير، فالرئيس الحريري الذي انتقل من مرحلة قيادة مشروع مواجهة الممانعة بفروعها اللبنانية وعلى رأسها حزب الله، انتقل إلى مرحلة التأقلم مع ميزان القوى الجديد، الذي كان من أبرز نتائجه وصول مرشّح حزب الله العماد ميشال عون إلى سدة الرئاسة، وما تلاه من انتخابات نيابية جرى ترتيبها لتوفر الأكثرية لحزب الله وأتباعه، بحيث أن قائد فيلق القدس أعلن صراحة أنّ لدى حزب الله أكثر من 70 نائبا، إثر الانتخابات النيابية التي جرت العام الماضي.

على أنّ عاملا آخرا يدفع الحريري إلى مجاراة إعلانات باسيل حول العودة إلى سوريا، وذلك من خلال ما يعتقده أن ثمة قراراً عربياً سوف يصدر في هذا الشأن في المدى المتوسط، وهو كرئيس حكومة يطمح لأن يكون له دور في أي عملية نهوض بالوضع الاقتصادي على المستوى اللبناني والسوري، وهذا يتطلّب أن يكون مستعدّا لمثل هذا القرار العربي من جهة، وألاّ يكون في موقع يظهر فيه وكأنه آخر من يعلم.

قد يبدو هذا الكلام مبالغا فيه ولكن هذا واقع الحال لدى السلطة في لبنان اليوم. فالاستعجال نحو بناء علاقات سياسية مع سوريا، لم يعُد أمرا يثير اعتراضات يعتد بها، خصوصا أنّ الأوضاع المالية والاقتصادية السيئة في لبنان باتت الشغل الشاغل للبنانيين، وبات الكثير منهم يريد أن يصدق أن حلّ مشكلة اللجوء السوري في لبنان ستعيد للبنان عافيته، وهذا حسب “المعزوفة الباسيلية” يتطلّب إعادة العلاقات مع سوريا.

ليس خافيا أن بضاعة فتح العلاقة مع نظام الأسد، هي بضاعة لبنانية، لكن التدقيق في منشأ هذه البضاعة ومصدرها الحقيقي، يُظهر أنها بضاعة إيرانية يجري ترويجها بدمغة لبنانية مزوّرة، فإيران التي باتت المتحكّم بالسياسة الخارجية اللبنانية من خلال حزب الله، (جبران باسيل كان في ضيافة أمين عام حزب الله عشية توجهه إلى القاهرة) تدرك أن محاولات إخراجها من سوريا تجري على قدم وساق، وهي التي استثمرت بشخص الرئيس بشار الأسد، باتت معنية بحمايته وتوفير فرص بقائه لأنه الضمانة الوحيدة لإضفاء الشرعية السورية على الوجود الإيراني في هذا البلد، لذا فإن الحركة اللبنانية نحو العلاقة مع سوريا، هي محاولة تعزيز موقع الأسد في أيّ تسوية مقبلة، وحماية ما أمكن من الأوراق الإيرانية.

لم يكن موقف باسيل في الجامعة العربية بشأن سوريا مستساغا لدى العديد من اللبنانيين الذين يعتبرون أن نظام الأسد يقف وراء مأساة شعبه، ويتحمّل مسؤولية ما عاناه لبنان من الوصاية ومخلفاتها

وفي سياق متصل لم يكن الدخول التركي العسكري والمستمر إلى شمال سوريا، مصدر استياء لإيران، رغم المواقف المعلنة والرافضة لأيّ تدخل بمعزل عن موافقة النظام السوري. فإيران تدرك أنّ الدخول التركي الذي يتم تحت المظلة الروسية الأميركية، يعزز من مسار إبعاد المظلة العربية، فبدل أن تكون إيران الهدف الذي يتم التصويب عليه كطرف متدخل في سوريا، تتحوّل تركيا إلى هذا الهدف لاسيما في الدائرة العربية، علما أن العلاقة التركية الإيرانية أكثر من جيدة، حيث تعتبر تركيا من أكثر الدول المعترضة على العقوبات على إيران، ولا تزال تركيا متنفسا لإيران في مواجهة ضغط العقوبات الأميركية.

واقع الحال يقول إن المعادلة الإقليمية والدولية في سوريا تدخل في مفصل جديد، وسيشكّل الدخول التركي إلى شمال شرق سوريا محاولة تثبيت السيطرة الثلاثية التركية والإيرانية والروسية، فيما المظلة الأميركية الروسية المستمرة منذ تفاهم جون كيري – سيرغي لافروف هي الراعي لهذا النفوذ، لكن ذلك لا يقلل من شأن الأسئلة حول مستقبل النفوذ الإيراني وطبيعته، إذ أن إيران التي رضخت لمطالب إسرائيل في سوريا، تحاول من خلال ذلك توجيه رسائل مطمئنة لإسرائيل على الأرض، برز منها أخيرا التزام حزب الله عدم الرد على الطائرات المسيّرة الإسرائيلية التي لم تتوقف عن الطيران فوق لبنان، وكانت مساء السبت تحلق على علو منخفض فوق الضاحية الجنوبية، دون أن يصدر أي موقف أو إشارة من حزب الله.

بين التدخل التركي في سوريا، والمطالبة من قبل لبنان بعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، تحاول إيران من خلال قاعدتها اللبنانية، خلط الأوراق في سياق تهميش الدور العربي، عبر تثبيت أن النافذة المتاحة للعرب للدخول إلى سوريا، هي نافذة النظام السوري. في الوقت الذي تريد إيران من خلال حزب الله، غسل أياديها من جريمة قتل وتهجير الملايين من السوريين، بالقول ها هم العرب أنفسهم عادوا إلى حضن النظام السوري، وهي عودة يتم التحضير لها ببيع أوهام التسوية وسلة الإغراءات الاستثمارية، التي يسيل لها لعاب المسؤولين اللبنانيين من جبران باسيل إلى سعد الحريري.

 

 

قواعد الاشتباك تتغير في العراق:

الحشد الشيعي مقابل الحشد الشعبي

علي الامين

 

الاحتجاجات التي شهدها العراق ولا يزال فاجأت العراقيين أنفسهم في الحجم والمدى الذي اتخذته. لم تكن العاصمة بغداد مسرح الحدث كما جرت العادة في العديد من التحركات المطلبية والمدنية التي كانت بغداد مركزها، ولا تشبه أحداث البصرة التي جرت قبل عام إلا من حيث الدلالة الإيرانية، ففي البصرة أحرقت القنصلية الإيرانية، وفي الاحتجاجات الأخيرة أُحرق العلم الإيراني. ما جرى أخيرا كان مسرحه محافظات عراقية عدة، لكن اللافت أنها تركزت في المناطق ذات الغالبية الشيعية، التي يشار إليها باعتبارها مركز النفوذ الإيراني وقاعدة السلطة التي تحكم العراق فعليا منذ عام 2003.

ما يجب التنويه به في مقاربة هذا الحدث غير المسبوق في تاريخ ما بعد سقوط النظام السابق، وتمدد النفوذ الإيراني في العراق، أن الاحتجاجات هذه المرة تبدو في وجه السلطة بأكملها، إذ لم تبرز أي مواقف متبنية للحراك الشعبي أو تتبنى المشاركة في الاحتجاجات، ورغم محاولة التفاف بعض القوى، ومنها التيار الصدري الذي حاول استلحاق دور له في هذه الاحتجاجات، فقد قال أحد المتظاهرين في بغداد، وهو يعصب جبينه بعلم عراقي، “لا أحد يمثلنا، يأتون بأشخاص يلبسونهم بزات رسمية، ويضعونهم في البرلمان”. وأضاف “لم نعد نريد أحزابا، لا نريد أحدا يتحدث باسمنا”.

المسار الذي أسست له سلسلة تحركات مطلبية ومدنية خلال السنوات الماضية، نجح إلى حد كبير في نقل الحركة الاعتراضية من معادلة المحاصصة السياسية والطائفية إلى معارضة وطنية عراقية

السلطة كلها متهمة هذه المرة، وصرخة المحتجين لم تميز بين طرف وآخر، بل صوبت على الحكومة بكل مكوناتها، ولعل هي المرة الأولى التي تبدو فيها المرجعية الدينية في النجف، في موقع شبه حيادي، علما أنه طالما كانت المرجعية في تعليقاتها التي تطلقها في مناسبات سابقة، تتسم بالانحياز إلى مطالب المحتجين المشروعة وتقف في وجه الحكومة. ففي الخطبة التي ألقاها أحمد الصافي، ممثل السيد علي السيستاني، الجمعة الماضي، غير متحيزة لأي طرف في العراق. فقد قال “نرفض جميع الاعتداءات التي وقعت على المتظاهرين السلميين في عدد من المدن العراقية، ولكننا في الوقت نفسه نرفض الاعتداء على القوات الأمنية”.

موقف المرجعية يعكس حجم القلق من الاحتجاجات الذي بات يهدد بنيان السلطة القائم، في ظل “قلق من أن تشكل الاحتجاجات أداة لتقويض ما هو قائم من دون أن تتضح بدائل واضحة لهذه السلطة التي تقر المرجعية بأنها فشلت في تلبية الحدود الدنيا من حقوق العراقيين”، كما يفسر أحد العاملين في مؤسسات المرجعية موقفها الأخير.

الاحتجاجات اليتيمة، هو الوصف الذي يمكن أن ينطبق على ما جرى في العراق خلال أسبوع، والعنف الذي مورس ضد المحتجين كشف أن التواطؤ كان سمة المواقف الحزبية التي بدت في غربة عن الشارع، أو متواطئة مع سياسة القمع والعنف الذي مورس ضد المتظاهرين بالقتل والقنص والاعتقالات.

لا شك أن إجراءات الحكومة بإقالتها قيادات عسكرية مستقلة لحساب تعيين أفراد من الحشد الشعبي في مواقع قيادية للجيش فجّرت الاحتجاجات، لكن ما هو أعمق من تلك الإجراءات “المستفزة” لأنصار الدولة والجيش، هو عدم قيام حكومة عادل عبدالمهدي بأي خطوة تظهر أن السلطة العراقية جادة في وقف مزاريب الهدر والفساد من جهة، وفي إظهار أنها حكومة مستقلة عن النفوذ الإيراني وساعية إلى توفير شروط الحياة الكريمة في خامس دولة نفطية في العالم، من جهة ثانية.

السلطة كلها متهمة هذه المرة، وصرخة المحتجين لم تميز بين طرف وآخر، بل صوبت على الحكومة بكل مكوناتها، ولعل هي المرة الأولى التي تبدو فيها المرجعية الدينية في النجف، في موقع شبه حيادي

القرارات التي اتخذتها الحكومة العراقية في اليوم الخامس لتهدئة المحتجين، لاسيما ما وعدت به من إغداق بعض الأموال على الفقراء، والوعد بانجاز مشاريع إسكانية وغيرها من الوعود التي سأم العراقيون سماعها طيلة السنوات الماضية، ليس من الحصافة الاعتقاد بأنها ستنفذ، بل هي وسيلة من وسائل التغطية على سلسلة إجراءات ستعمد الحكومة من خلالها إلى القبض على الشارع ومنع تكرار مثل هذه الاحتجاجات مرة أخرى. الوجه الجديد للسلطة هو وجه “الحشد الشعبي”، السلطة الفعلية التي ستزداد رسوخا في سلطة الحكومة، وكما بات معلوما فإن فصائل الحشد الشعبي باتت تشكل الذراع التي تثق إيران بولائها، والأداة الطيعة لتنفيذ المهمات الأمنية والعسكرية وحتى الشعبية. الجيش والقوى النظامية بطبيعتهما ينتميان إلى منظومة الدولة، فيما “الحشد” منظومة مذهبية دينية توالي مراجع خارج الدولة وخارج العراق أيضا.

الاحتجاجات ‏فرضت مسارا جديدا وليس قصيرا، سيكون محفوفا بسلسلة تحديات أبرزها التعامل مع القبضة الأمنية التي ستسم سلوك السلطة في المرحلة المقبلة، فالحشد الشعبي هو الحارس الإيراني الفعلي لمنظومة السلطة. التحدي الثاني يتصل بتمدد المعارضة إلى مساحات سنية وكردية، في الحد الذي يخرج المشهد الاحتجاجي والتغييري من كونه حراكا في بيئة شيعية لا علاقة لبقية العراق بها. التحدي الثالث هو في الاستفادة من التجارب التي مر بها العراق وثورات الربيع العربي، أي أن السلمية والرؤية السياسية الواضحة والبرامج المتدرجة في عملية التغيير، كفيلة بإحداث التحول الإيجابي في عملية التغيير والإصلاح.

كل ذلك مهدت له الاحتجاجات في ما رفعته من شعارات، وفي اعتدادها بعراقيتها لا بعصبياتها الضيقة، هو ما يمكن إدراجه في سياق تبلور المعارضة الوطنية والمدنية العراقية، من خارج الاستقطاب الطائفي وحتى الحزبي، ووضعت إيران وأدواتها العراقية في موقع الخصم، لاسيما أن العراقيين، عموما، يدركون حجم الدور الإيراني في تركيب السلطة العراقية، ودورها الحاسم في تحديد المواقع القيادية داخل الدولة.

هذا المسار، الذي أسست له سلسلة تحركات مطلبية ومدنية خلال السنوات الماضية، نجح إلى حد كبير في نقل الحركة الاعتراضية من معادلة المحاصصة السياسية والطائفية إلى معارضة وطنية عراقية.

 

كاتب لبناني

 

 

حزب الله.. المشاغبات

مقابل العقوبات!

علي الامين

 

شهد لبنان سلسلة تحركات في الشارع الأحد الماضي، احتجاجات شعبية في وسط العاصمة بيروت وأخرى في مناطق لبنانية عدة، فيما جرى إغلاق بعض الطرقات الرئيسية لفترة وجيزة بالإطارات المشتعلة.

التحرك، الذي كان في جزء أساسي منه عفويا، وبقي محدودا من حيث أعداد المشاركين، لا يخفي وجود أبعاد سياسية تمثلت في سلسلة رسائل جرى توجيهها من خلال هذه التحركات في الشارع اللبناني.

لاشك أن الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعيشها لبنان اليوم تفاقمت في الآونة الأخيرة، وزادت من الضغوط على الحياة اليومية للمواطنين، وزادت من انعدام الثقة بين السلطة والشعب.

الجانب الآخر من الأزمة هو ما يمكن ملاحظته في تداعيات العقوبات الأميركية على حزب الله من جهة، وفي الخيبة الدولية، والفرنسية تحديدا حيال عدم قيام السلطة اللبنانية بالإصلاحات المطلوبة من أجل إطلاق برنامج دعم لبنان “سيدر” من جهة ثانية.

ففي الأسبوعين الآخيرين شهد لبنان أزمة تراجع العملة النقدية للدولار في السوق، نتيجة “ظاهرة غير طبيعية” تمثلت في سحب كميات كبيرة من الأسواق للدولار، فيما رفض مصرف لبنان ضخ الدولار في السوق، باعتبار أن ما يجري غير طبيعي ولا يتناسب مع العمليات المالية الطبيعية المعهودة، وهذا ما أدى إلى أن يرتفع سعر صرف الدولار إلى 1700 ليرة لبنانية، فيما بقي مصرف لبنان يتعامل مع البنوك على سعر يزيد قليلا عن 1500 ليرة.

باختصار، ما جرى كان يمثل قيام مافيات مالية محميّة بشراء الدولار بأسعار مغرية من محلات الصرافة وغيرها. وتحدث أكثر من خبير مالي لبناني عن عمليات نقل الدولار الورقي إلى سوريا، فيما رجحت مصادر متابعة قيام حزب الله، ولأسباب مالية سببها الحصار والعقوبات، إلى الاتكاء على السوق السوداء لتوفير العملة الصعبة، لتلبية احتياجات مالية كان يتم توفيرها بطرق بات من الصعب توفيرها اليوم بنفس الطريقة، أي عبر عمليات مالية باتت البنوك اللبنانية شديدة الحذر في الدخول فيها.

لذا صعّد حزب الله من هجومه على حاكم مصرف لبنان، الذي يتولى إدارة سياسة النقد، وفي نفس الوقت هو الذي يتولى عملية الرقابة على المصارف اللبنانية، وهو الجهة المسؤولة أمام وزارة الخزانة الأميركية لجهة التزام المصارف اللبنانية بالعقوبات الأميركية.

العقوبات المالية على حزب الله دفعت الحزب، وتحديدا أمينه العام حسن نصرالله، إلى التوجّه إلى طهران، فحسب ما يجري تناقله داخل أوساط حزب الله أن زيارة نصرالله، التي كانت مسبوقة بتجديده الولاء للمرشد الإيراني السيد علي خامنئي أو “حسين العصر”، جرت في سياق توفير موارد مالية لحزب الله. وتروّج هذه الأوساط أن “نصرالله رفع الصوت عاليا أمام القيادة الإيرانية إلى ضرورة إعطاء أولوية لدعم حزب الله ماليا وعلى مستوى ما يتطلبه الواقع، لاسيما في حال وقع عدوان إسرائيلي على لبنان”.

إلى جانب العقوبات الأميركية التي يُرجح أن تطال في مرحلة مقبلة متعاونين سياسيين مع حزب الله، فإن ما نقله مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى في الخزانة الأميركية، خلال زيارتهم بيروت قبل أسبوع، يبدو أنه أعمق في تأثيراته مما يشاع. ففي المعلومات أن الإدارة الأميركية باتت تدرك أن ثمة شبكة منافع ومصالح كبرى يديرها حزب الله من داخل المؤسسات الرسمية، كما يدير نظام مصالح مافيوي لمجموعة من رجال الأعمال اللبنانيين وغير اللبنانيين تتحكم به منافع مالية مشروعة وغير مشروعة. وحسب المعلومات من مصادر أميركية، فإن لبنان تحول إلى سوق غير شرعي لمنتجات إيرانية لاسيما على صعيد الدواء والحديد الصلب، مستفيدة من سيطرة حزب الله على المرافئ غير الشرعية ونفوذ مباشر وغير مباشر على المرافئ الشرعية.

من هنا تشير المواقف الأميركية إلى أن مسار العقوبات وإن كان يسير بخطوات بطيئة إلا أنه ينطوي، حسب بعض المحللين الاقتصاديين، إلى سياسة طويلة الأمد، تستهدف الفصل بين منظومة حزب الله وأذرعها من جهة، والمؤسسات اللبنانية سواء تلك الرسمية أو الخاصة من جهة أخرى، وهذا مسار دون صعوبات لا يمكن أن يحقق نجاحا كاملا على مستوى الأهداف الأميركية، إلا أن إثارة الخوف والحذر لدى أصحاب المال من ربط نظام مصالحهم بمصالح حزب الله حقق على ما يبدو الكثير من الخطوات.

ذلك ما جعل حزب الله يوجه أكثر من رسالة، بأنه لن يسمح بأن يُخنق اقتصاديا، وإذا كان لا مفر من ذلك فهو لن يكون وحيدا بل كل لبنان سيختنق أيضا.

التحركات في الشارع اللبناني انطوت على توجيه رسائل سياسية، بأن لبنان قابل لأن يعيش فوضى سياسية فيما لو استمر الضغط الاقتصادي والعقوبات المالية على حزب الله أولا. ورسالة أمنية مفادها أن الاستقرار الأمني ليس قدرا، وبالتالي فمن يريد الاستقرار الأمني في لبنان، سواء كان أوروبيا أو أميركيا، يجب أن يتعامل مع حقيقة أن حزب الله هو عنصر الاستقرار. ورسالة تحذيرية للمصارف، التي كان حزب الله يوجهها إعلاميا وعمل على إرسالها من خلال بعض التحركات الميدانية، هي أن حماية لبنان من العقوبات الأميركية تتطلب حماية حزب الله باعتباره مكونا لبنانيا وليس قوة خارجية، وأن سلوك حاكم مصرف لبنان لم يعد مقبولا وبات يتطلب الرد.

 

كاتب لبناني

 

 

حزب الله.. يهون

العميل في حب باسيل

علي الامين

 

أظهرت قضية دخول عامر الفاخوري إلى لبنان برعاية أمنية وسياسية عبر مطار بيروت، أن ثمّة ريبة من تنسيق عالي المستوى من أجل عودة المتهمين بالعمالة لإسرائيل إلى لبنان.

مصدر الريبة لا يخل به، الضجة التي أثيرت مع عودة الفاخوري الذي كان مشرفا على معتقل الخيام الشهير خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي للبنان خلال عقد التسعينات، وهو من الذين صدرت بحقهم أحكاما غيابية من قبل المحاكم اللبنانية عشية الانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000.

الاحتجاجات التي عبّر عنها الكثير من اللبنانيين الذين فوجئوا بعلاقات الفاخوري مع مسؤولين لبنانيين رسميين، أتاحت له الدخول عبر مطار بيروت قادما من الولايات المتحدة، ورافقه في خروجه من المطار أحد الضباط الكبار في جهاز المخابرات اللبنانية، وما كان ليكون هذا الدخول مثار ردود فعل، لو كان بقي طيّ الكتمان. فقد عمد بعض حلفاء حزب الله إلى تسريب خبر دخول الفاخوري، لأسباب سياسية داخلية تتصل باستياء هؤلاء من تنامي علاقة حزب الله ووزير الخارجية رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، إلى الحدّ الذي مكّن باسيل من إدخال الفاخوري برضا حزب الله، الذي رغم إحراجه، فإنه لم يقم بأي خطوة جدّية تكشف من كان يقف وراء دخول العميل الفاخوري إلى لبنان، واكتفى بإصدار مواقف مبدئية تتفادى أي مطالبة بمحاسبة المتورطين سياسيا في هذه العملية.

الريبة باتت أكثر من واقع، بل كشفت الوقائع السياسية والإعلامية، أن حزب الله لم يكن غائبا عن مشهد عودة الفاخوري وأكثر من مئتي متهم بالعمالة عادوا إلى لبنان، بواسطة التيار الوطني الحر.

ومنعا للالتباس فإن عودة أكثر من ثلاثة آلاف لبناني فرّوا إلى إسرائيل عشية التحرير عام 2000، هي قضية وطنية بالدرجة الأولى، إذ لا بد من بذل الجهود من أجل عودتهم، في سياق بعيد عن الصفقات الحزبية، وبما تقتضيه المصلحة الوطنية.

لكن ما يشهده هذا الملف هو أنه بات خاضعا لصفقات حزبية، هكذا يمكن تفسير الصمت الذي وقع به حزب الله، فلو كان المتورط في إدخال الفاخوري إلى لبنان خصما سياسيا لحزب الله، لكان الحزب وكبار مسؤوليه يتلونون آيات التخوين بحق من قام بهذه الفعلة، لا بل كان تحرّكَ باتجاه القضاء من أجل محاكمة الجهة السياسية التي عملت على العبث بالملفات الأمنية وقامت بإلغاء برقيات توقيف بعض العملاء، كل ذلك لم يحصل واقتصر التهديف على شخص الفاخوري دون النّيل من الذين أحاطوا به خلال عودته.

مقاربة هذا الملف تتم من زاوية حزبية، لا بل على أسس ترسيخ العلاقة الثنائية بين التيار الوطني الحر وحزب الله، وبتعبير أدق في سياق ترسيخ التحالف المسيحي – الشيعي بحيث لا يلحظ المراقب أيّ تدخل أو مساهمة فعلية من قبل الحكومة أو مجلس النواب في إمساك هذا الملف ومعالجته من زاوية وطنية لا تبدو فيها أنّ ثمة صفقة حزبية ولحسابات سياسية داخلية.

إذ ليس خافيا أن الوزير جبران باسيل إحدى أبرز الشخصيات المسيحية التي باتت تحظى بدعم حزب الله، بات يشكّل نافذة حزب الله اللبنانية على الخارج ونافذة الخارج الدولي والأوروبي على حزب الله، ما أتاح له أن يطلق مواقف هي أقرب ما تكون لرسائل تظهر أن حزب الله معنيّ بالاستقرار وعدم التصادم سواء مع إسرائيل، أو مع المصالح الغربية في لبنان والمنطقة. فباسيل اختار قبل أشهر إحدى محطات التلفزيون التابعة لإيران ولحزب الله (الميادين) ليعلن من خلالها عن حق إسرائيل بالأمن والاستقرار، وهو وإن آثار ردود فعل من قبل حلفاء حزب الله في لبنان، إلا أنّه لم يهزّ ثقة حزب الله به. وفي جولاته الأوروبية والأميركية، يحرص باسيل على تقديم حزب الله باعتباره حاميّا للأقليات، وضمانا لمحافظة لبنان على تنوّعه، وسدّا منيعا في وجه تمدد الجماعات الإسلامية أو تلك المسمّاة إرهابية. وينقل بعض المشاركين في مؤتمر الاغتراب الذي عُقد برعاية باسيل قبل أيام في نيويورك، أنّ وزير الخارجية يركّز في لقاءاته مع المدعوين من المغتربين ومن مسؤولين أميركيين، على أنّ التهديد الذي تتعرّض له الأقليات في المشرق يتطلّب أن تتعاون في ما بينها من أجل حماية التنوع الديني والإثني، وركّز على أنّ النموذج اللبناني وصمود الأقليات فيه، يتطلّب حماية الصيغة الحاكمة ومنع انهيارها.

وكما هو معروف فإن لبنان سيشهد منتصف الشهر المقبل مؤتمراً للجماعات الدينية والإثنية في المشرق العربي في بيروت سيكون برعاية رئيس الجمهورية ميشال عون، وهو على الأرجح سيشكّل إحدى وسائل ترسيخ حلف الأقليات في المنطقة، ويركّز على أهمية إيجاد مؤسسة جامعة تمثّل المكوّنات المشرقية، حسب التعبير الذي درج عليه التيار الوطني الحر في أدبياته السياسية، والذي ينطوي في جوهره على تظهير دور الأقليات التي تعاني من الأكثرية، فيما تتفادى هذه النظرة الإشارة إلى السياسات الدولية والأنظمة الأقلوية التي حكمت وتحكم ولاسيما في سوريا.

يمكن اختصار الحلف القابض على المعادلة اللبنانية، بأنه حلف على رأسه إيران، ويشكّل باسيل الذراع التي تمتد إلى دوائر القرار الدولي، في محاولة لإضفاء بُعد لبناني ومشرقي للنفوذ الإيراني، ويمكن رصد تراجع دور حلفاء حزب الله في الداخل اللبناني بل انكفاء هؤلاء الحلفاء الذين يفتقدون قدرة التسويق التي يقوم بها باسيل بدعم من رئيس الجمهورية لحلفه مع حزب الله لبنانيّا، ولحلف الأقليات إقليميّا، والذي لا يتناقض مع مصالح دولية وإسرائيلية. لذا ترتكز مهمّة باسيل في مشروع حلف الأقليات بالإضافة إلى مهمة بناء زعامة مسيحية على الشكل الآتي:

– دور خارجي لتسويق حزب الله كطرف قابل الانسجام مع المتطلّبات الدولية، لاسيما في موضوع التفاهم العميق مع إسرائيل من جهة، وكطرف حام للأقليات في مواجهة الإرهاب السنّي الذي يهدّد استقرار المجتمعات الغربية من جهة أخرى.

– وجه داخلي يتسم باستعداد حزب الله لمعالجة ملف اللبنانيين في إسرائيل، ومحاولة الترويج لكونه عنصرا إيجابيا في حماية التنوع تحت سقف التحالف بين حزب الله ورئيس الجمهورية.

لذا فانّ صعود دور جبران باسيل في المعادلة اللبنانية، يقوم على دعم حزب الله له من جهة، ومحاولة تثبيت موقع خارجي له، باعتباره إحدى أبرز قنوات التواصل مع حزب الله الموثوقة غربيّا من جهة ثانية.

كاتب لبناني

 

 

الصواريخ الإيرانية على "أرامكو"

تطوي التهدئة وتشرع باب الحرب

علي الامين

حبست السلطة العراقية أنفاسها يوم السبت، إثر انتشار خبر استهداف منشأتين سعوديتين تابعتين لشركة أرامكو، المعلومات التي تسربت من أكثر من طرف عراقي وكويتي، كانت تشير إلى أن طائرات مسيرة انطلقت من العراق استهدفت السعودية، رغم إعلان الحوثيين في اليمن مسؤوليتهم عن هذه العملية.

لكن آخر نتائج التحقيقات حول العملية، كما نقلتها صحيفة “وول ستريت جورنال” على لسان مسؤول أميركي، أن “فريق تحقيق سعوديا – أميركيا مشتركا وجد حطاما لـ19 صاروخ كروز يصل مداها إلى 1000 ميل متوسطة المدى”، مستبعدا مسؤولية الحوثي عن العملية التي تبدو وفق المعلومات الأولية لفريق التحقيق أنها قادمة من العراق أو إيران.

القلق في دوائر الحكومة العراقية، رغم نفي رئيسها عادل عبدالمهدي مسؤولية العراق في هذا الشأن، أشار إلى عملية تحقيق جارية للتثبت مما جرى. القلق في هذه الدوائر هو ما يمكن أن يسببه “العمل العدواني” من تداعيات في داخل العراق.

السعودية لم توجه اتهاما لإيران، لكن وزير الخارجية الأميركي هو من اتهمها بالوقوف وراء استهداف أرامكو. فيما أكدت أوساط رسمية أميركية لمحطات إعلامية منها الـ”سي.أن.أن” أن “دقة الهجمات على المنشآت النفطية السعودية تظهر أن انطلاق الهجمات كان من الشمال الغربي وليس من اليمن”.

هذا ليس الهجوم الأول على السعودية من قبل إيران من الأراضي العراقية. ففي 15 مايو، هاجمت طائرتان دون طيار إيرانيتان متفجّرتان من العراق محطتي ضخ رئيسيتين لخط أنابيب النفط شرق- غرب لشركة أرامكو وسط السعودية، وأشعلتا النار فيهما. وينقل هذا الخط النفط المنتج في حقول النفط السعودية في الشرق إلى ميناء ينبع غرب ساحل البحر الأحمر.

الإسرائيليون يرجحون أيضا أن الهجمات على بقيق السعودية جاءت من داخل العراق، وفق موقع “تيك ديبكا” الإسرائيلي.

هذا الهجوم يعتبر من أكثر الهجمات الإيرانية توسّعا على أهداف نفطية في الخليج منذ أن بدأت الهجمات قبل 5 أشهر، فقد تم توسيع الجبهة الإيرانية ضد العقوبات الأميركية في العراق.

وهو تطور خطير يتلاحق في الخليج مع تطورات يخشى أن تقلب مع الوقت حسابات المملكة العربية السعودية في المواجهة، بعدما تجاوز الخطر الإيراني الخطوط الحمر التي لا تهدد أمن النفط السعودي فحسب، بل العالمي أيضا. فدقة الضربة لمنشآت أرامكو أدت إلى خفض الإنتاج السعودي للنفط إلى النصف.

ومنذ العام 2015 توالت الهجمات على أهداف نفطية واستراتيجية في العمق السعودي آخرها هجمات على معملين لشركة أرامكو بقيق وهجرة خريص، أدت إلى وقف إنتاج النفط في المنطقة.

الموقف الأميركي بقي هادئا نسبيا في رد الفعل الأولي، ورغم الاتصال الذي أجراه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بولي العهد الأمير محمد بن سلمان غداة الهجوم، فقد أكدت واشنطن استعدادها لتعويض أي نقص للنفط في السوق العالمي، من خلال الاحتياطي الأميركي الاستراتيجي من البترول. وأعلن البيت الأبيض أن واشنطن ستواجه أي “هجوم إيراني على المملكة” من دون أن يتضح إن كانت واشنطن تصف ما جرى في أرامكو أخيرا هجوما إيرانيا، لكن مواقف ترامب ووزير خارجيته أوحت بجدية الرد إذا ثبت تورط إيران.

لا شك أن التطورات الأميركية الأخيرة والتي أظهرت اهتمام الرئيس الأميركي بإجراء مفاوضات مع إيران، وترافقت مع إقالة أحد أبرز صقور الإدارة الأميركية جون بولتون من موقع مستشار الأمن القومي، هي التي شجعت القيادة الإيرانية على التصعيد السياسي والعسكري، فطهران باتت أكثر اطمئنانا على ما يبدو لعدم قيام الرئيس الأميركي بضربات عسكرية ضدها، لاسيما بعد سلسلة اختبارات لردود فعله تجاه استفزازات طهران العسكرية.

وفي خطوة تبدو استيعابية دعا الرئيس الإيراني حسن روحاني الأحد الماضي عشية وصوله إلى تركيا، إلى ضرورة قيام هدنة في اليمن، مرفقة بدعوة إلى حوار بين دول المنطقة لمعالجة مشكلاتها.

هذا الموقف الإيراني لن يوقف تداعيات استهداف أرامكو، الذي سيعجل من سلسلة ردود فعل عسكرية، لعل أبرزها ما يمكن أن يدرج ضمن الحرب بالأدوات بين واشنطن وطهران، مع توقع طي ترامب فكرة لقاء روحاني في نيويورك الشهر المقبل حيث قال في تغريدة الأحد إنه “لن يلتقي روحاني بلا أي ثمن”. بل يرجح أن يتوقف أي مسعى للتخفيف من العقوبات على إيران. فإعلان واشنطن عن نتائج التحقيق بأن مصدر الصواريخ إيران أو العراق يستتبع بالضرورة سلسلة إجراءات داخل العراق، ومنها استهداف مقرات لميليشيات تابعة لإيران، في وقت ستوجه واشنطن رسائل أكثر جدية إلى الحكومة العراقية بشأن هذه الميليشيات، علما أن الإدارة الأميركية تنظر باهتمام إلى ما يمكن أن يصدر عن المرجعية الشيعية من مواقف بشأن حصر السلاح في يد الجيش وآليات تنفيذه.

في هذا الوقت يشكل السلوك الإيراني الأخير، فرصة إضافية لإسرائيل، لتصعيد هجماتها في سوريا والعراق، وحتى لبنان الذي بات مع التصعيد الإيراني الأخير، ساحة رد يمكن أن تستثمر إسرائيل اللحظة الدولية والإقليمية، لتنفيذ ما تخطط له لإنهاء وطي ملف الصواريخ الدقيقة لدى حزب الله، بعد الانتخابات البرلمانية المقررة الثلاثاء.

التصعيد الإيراني غير المسبوق في نوعيته، وإذا أثبتت التحقيقات مسؤولية إيران، سيفتح الباب واسعا على جملة تطورات، أولها أن الرد السعودي لن يكون مباشرا. فالقيادة السعودية التي راهنت في السنوات السابقة على إدارة واشنطن لملف المواجهة مع إيران، باتت أمام استحقاق التصعيد الإيراني، أمام خيار الرد الذي لا مفر منه، علما أن دائرة الخيارات واسعة أمام المملكة السعودية، فيما لو قررت ذلك.

أما ترامب فقد لوّح بالحل العسكري في وقت سابق لمعاقبة إيران التي اتهمها بشكل مباشر بتنفيذ العملية، وهو ما أكده وزير الخارجية الأميركي بعد يوم من العملية. بعد أن كشفت التحقيقات إطلاق صواريخ كروز، فإن فرضية الرد العسكري في أكثر من ساحة لا مفر منها، إن استبعد الرد المباشر على إيران كما هو مرجح.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

شنكر في بيروت حاسماً:

ستة أشهر لترسيم

الحدود مع إسرائيل

علي الامين

 

وصل إلى بيروت المبعوث الأميركي الجديد ديفيد شنكر، لمتابعة ملف ترسيم الحدود البرية والبحرية بين لبنان وإسرائيل، وشنكر الذي خلف ديفيد ساترفيلد في هذه المهمة، وفي منصب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى قبل أسابيع، يحمل إلى المسؤولين اللبنانيين رسالة واضحة وحاسمة، بعدما تحدثت مصادر أميركية قبل نحو شهرين، عن مماطلة لبنانية في شأن الوصول إلى مرحلة الدخول في المفاوضات والاتفاق النهائي على الترسيم، وهذا ما رفضه لبنان، معتبرا أن إسرائيل هي من يعمل على عرقلة الحل.

من المعلوم أن المفاوضات حول ترسيم الحدود، تخضع لأخذ ورد بين لبنان وإسرائيل منذ سنوات، فالوساطة الأميركية المستمرة بين الدولتين لم تكن على نفس الحيوية التي ظهرت خلالها في الأشهر الماضية، وبدا أن السعي الأميركي لإيجاد اتفاق دخل حيّزا فعليا، بحيث تتوقع أوساط بحثية متابعة في واشنطن أن يتم الاتفاق خلال الأشهر المقبلة نهائيا على هذا الملف.

ما يعزز من هذه الفرضية لبنانيا، ما قاله مقربون من رئيس مجلس النواب نبيه بري، عن أن ما تم الوصول إليه هو خط النهاية، “ولم تعد تفصلنا عن الاتفاق النهائي إلا بعض التفاصيل، التي ننتظر من المندوب الأميركي شنكر، معالجتها”.

من المعروف أن الرئيس نبيه بري مكلف من قبل الدولة اللبنانية بإدارة ملف التفاوض هذا، أو بالأحرى هو المكلف فعليا من قبل حزب الله ومن إيران بتولي هذه المهمة. وما ينطق به الرئيس بري في هذا الملف، هو ما يعبّر ليس عن موقف لبنان الرسمي فحسب، بل عن موقف حزب الله الذي لا يمكن أن يدع هذا الملف المتصل بإسرائيل خارج إدارته.

ما أثار انتباه اللبنانيين عشية وصول شنكر إلى بيروت الثلاثاء هو الانقلاب في الموقف اللبناني، الذي كان متشائما حيال التوصل إلى اتفاق قبل أسابيع، إلى موقف متفائل اليوم، فمستشار الرئيس بري علي حمدان، قدّم مطالعة إيجابية ومتفائلة بالوساطة الأميركية، وقال في حديث تلفزيوني إن “لبنان هو من طلب الوساطة الأميركية المرحب بها، بل الرئيس بري نفسه هو من دعا إليها قبل بدئها بسنوات”. وهو موقف يصدر أول مرة عن الرئيس بري بهذا الاعتداد، لاسيما أن ما كان ينقله عنه مقربون هو أنه يريد إعطاء دور أساسي للأمم المتحدة، التي لم ترد على لسان مستشار بري في موقفه الأخير.

ما سرّ هذا الانقلاب من التشاؤم إلى التفاؤل، من حال التذمر من الرعاية الأميركية إلى هذا الترحيب غير المسبوق بدور واشنطن، من القول إن فرص الاتفاق على ترسيم الحدود دونها صعوبات، إلى القول إننا “وصلنا إلى خط النهاية” كما كرّر علي حمدان في لقائه التلفزيوني الذي استبق وصول شنكر بيومين؟

تعتقد أوساط قريبة من وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، أن الأجواء المتفائلة والمستجدة في الموقف اللبناني ناشئة عن أسباب موضوعية فرضتها التطورات الأخيرة التي شهدها لبنان بعد الضربات الإسرائيلية الأخيرة والرد “المدروس” الذي قام به حزب الله على إسرائيل، وتشير هذه الأوساط إلى أبرزها:

أولا أن حزب الله قلق من قيام إسرائيل بضربة عسكرية على حزب الله في هذه المرحلة، وهو ما لا تريده إيران، لأسباب تتصل بحسابات دولية وإقليمية في هذه المرحلة التي تشكل الدبلوماسية عنوانها إيرانيا.

ثانيا يتحسّس حزب الله، ومن خلفه إيران، التصعيد الإسرائيلي الذي بات مطلق اليد دوليا في استهداف مواقع عسكرية للميليشيات الإيرانية والحشد الشعبي في سوريا والعراق، والتي كان آخرها استهداف مواقع لهما على الحدود العراقية السورية، فجر الاثنين.

ثالثا ما اكتشفته إيران وحزب الله عن حجم المعلومات التي تمتلكها إسرائيل عن الصواريخ الدقيقة التي بحوزة حزب الله، لاسيما بعد عملية الطائرتين المسيّرتين في الضاحية الجنوبية، أربك حزب الله ودفعه إلى إعادة حساباته الأمنية والعسكرية، وجعله أكثر تهيّبا من قيام إسرائيل بحرب.

إلى هذه الأسباب التي توردها الأوساط القريبة من وزارة الخارجية الأميركية ثمة من يشير في لبنان إلى أن الخناق بات يضيق على الدولة اللبنانية أيضا، فالأزمة المالية والاقتصادية باتت معالجتها رهن الاحتضان الدولي، والأميركي على وجه التحديد، للبنان. ففي خطوة رافقت وضع جمّال ترست بنك على لائحة العقوبات الأميركية، أوعزت واشنطن لبعض المؤسسات الأميركية الاكتتاب في سندات الخزينة اللبنانية بما قيمته مليار ونصف مليار دولار تقريبا، لدعم العملة الوطنية وقدرة البنك المركزي على تلبية المستحقات المالية. هذا الموقف الأميركي الذي يتضمن “رفع العصا وتقديم الجزرة”، معا، هو ما أجل وضع الخيارات أمام اللبنانيين، إما بالتجاوب مع متطلبات الدولة، وإما بتحمّل تبعات الانجرار وراء سياسة حزب الله، وتحمّل التبعات.

حزب الله لن يستقبل شنكر بالورود، وإن كانت المؤشرات التي أطلقها الرئيس بري قد توحي بذلك، فحزب الله الذي يتحسّس حجم المخاطر عليه بات معنيّا بالتخفيف منها، أو تأجيل مخاطرها إلى حين يتضح الخيط الأبيض من الخيط الأسود، بخصوص ما يحاك على مستوى العلاقة الأميركية – الإيرانية، فإذا كان لا بد من حرب فهو من يختار توقيتها، وإذا لم تكن الحرب خياره فسيجهد لمنعها.

إزاء ما تقدم فإن حزب الله سيبدي عبر الرئيس بري تجاوبا مع الطروحات الأميركية، وهو تجاوب ينطوي على رغبة جوهرية تخفف من التصعيد الإسرائيلي من جهة، وتطمح إلى أن تخفف من وطأة العقوبات الأميركية، وتحول دون استخدام العصا الأميركية.

لذا فإن المندوب الأميركي ديفيد شنكر، ينتظر جوابا على سؤال محدد من لبنان، حسب مصادر الخارجية الأميركية، وهو أن هناك سقفا زمنيا هو ستة أشهر، يجب أن يلتزم به لبنان للوصول إلى إنجاز الاتفاق الكامل على عملية ترسيم الحدود مع إسرائيل. علما وأن لبنان كان مصرّا على عدم وضع سقف زمني لعملية التفاوض بجوابه الأخير لساترفيلد قبل شهرين. الأرجح أن لبنان، أو حزب الله، سيوافق على السقف الزمني باعتباره الفرصة المتاحة لشراء الوقت، ووسيلة للجم إسرائيل عن القيام بأي عمل عدواني على لبنان.

 

كاتب لبناني

 

 

نتنياهو يحرج إيران وحزب الله

وترقب تهديدات نصرالله

علي الامين

لم يجد الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، غضاضة في إعلان أنه سيرد على سقوط أي عنصر من حزبه في سوريا، من خلال الأراضي اللبنانية، ففي خطابه الأخير، الذي ألقاه الأحد، من بلدة العين في البقاع هدد بالرد على سقوط عدد من عناصر حزبه إثر غارة إسرائيلية من الأراضي اللبنانية وعلى المناطق الإسرائيلية، ونفى سقوط جنود إيرانيين في هذه الغارة مؤكدا أنه سيرد من الأراضي اللبنانية على الضربة الإسرائيلية في الأراضي السورية.

لم يقل نصرالله الذي لم يرد أصلا على عشرات الضربات الإسرائيلية التي طالت مواقع إيرانية ولحزبه في سوريا خلال السنوات التسع الماضية، إنه سيستكمل طريق القدس من الجولان، ولم يصدر عن النظام السوري، المقاوم كما يصفه نصرالله، أيّ رد أو موقف يمكن أن يُفهم منه دعم سوري لحزب الله للرد على إسرائيل عبر الجولان، بل قال نصرالله بوضوح إنه لن يرد من سوريا على إسرائيل، أو بوصف أدق أعلن التزامه بعدم الرد على إسرائيل من الجغرافيا السورية.

لبنان هو المكان المناسب لإطلاق مثل هذه المواقف، فالدولة اللبنانية في أحسن الظروف، هي رهن إشارة نصرالله، ومسؤولوها هم ناقلو رسائل بين ممثل المحور الإيراني في لبنان، وبين واشنطن، وهذا ما قاله نصرالله بعدما أعلن قراره بالرد العسكري دون أي اعتبار للمؤسسات الرسمية، بأن على الحكومة اللبنانية أن تبلغ الأميركيين بضرورة أن يوقف رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو خروقات القرار 1701 والطيارات المسيرة في الأجواء اللبنانية.

لكن إسرائيل لم تأخذ كلام نصرالله على محمل الجد، فقامت بعد ساعات قليلة على تهديده بالرد فجر الاثنين بغارة عسكرية جوية على مواقع للجبهة الشعبية-القيادة العامة في منطقة قوسايا في البقاع اللبناني، وهو ما يعني أن إسرائيل إما أنها غير مهتمة بتهديد نصرالله وإما أنها تستدرج حزب الله إلى حرب.

كما هو معلوم وبعد ساعات على استهداف إسرائيل لمراكز إيرانية في عقربا قرب دمشق في سوريا، سقطت طائرة مسيرة في الضاحية الجنوبية، قال حزب الله إنها إسرائيلية، والملفت أن نصرالله أكد سقوطها “بعدما قام مواطنون برميها بالحجارة في الساعة الثانية من فجر الأحد”. وأعلن حزب الله عن تفجير طائرة ثانية بعد ساعة من سقوط الأولى لكن دون أن تتضح الصورة تماما، وفي ظل تساؤلات حول حقيقة ما جرى لاسيما أن الإعلام الإسرائيلي تحدث عن تفجير طائرة إيرانية مسيّرة ولم تكن إسرائيلية، فهل نحن أمام سيناريو ملتبس من قصة الحجارة إلى تفجير الطائرة؟

كانت إسرائيل مباشرة قد أعلنت وعلى غير المألوف، مسؤوليتها عن توجيه الضربة الصاروخية في عقربا قرب دمشق، وأشارت إلى أنها أحبطت عملية إطلاق طائرات إيرانية باتجاه إسرائيل، بإشراف قائد لواء القدس قاسم سليماني. الإعلان أيضا جاء على لسان نتنياهو نفسه الذي أشرف على العملية. إيران من جهتها وعلى لسان أكثر من مسؤول، نفت استهداف أي موقع لها في سوريا، فيما تكفلت الذراع الأهم لها أي حزب الله بالرد الذي اقتصر على طمأنة إسرائيل بأن لا رد من سوريا ولا من مزارع شبعا المحتلة، بل على الأراضي الإسرائيلية مباشرة.

في المبدأ سيرد نصرالله على مقتل عناصر من حزب الله في سوريا عبر الأراضي اللبنانية، وبمعزل عن الدولة اللبنانية، ومع الضربة الثانية في قوسايا التي تلت تهديد نصرالله أصبح من الصعب على حزب الله عدم الرد وبشكل قوي، ولكن بالتنسيق مع إيران التي تخوض معركة تحسين شروط التفاوض مع واشنطن، وهي معركة باتت شبه معلنة مع الوساطة الفرنسية حيث أعلن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، أنه قام بتقديم اقتراحات إيرانية جديدة للرئيس الفرنسي بشأن التفاوض مع واشنطن، وأعلنت الخارجية الإيرانية أنها تلقت دعوة فرنسية للمشاركة في قمة الدول السبع المنعقدة في فرنسا.

وسط هذه الأجواء التي تعكس تطورا في المفاوضات بشأن الملف الإيراني، وفي ظل موقف أميركي صامت حيال ما يتردد عن المبادرة الفرنسية، يصبح خيار الحرب عبر لبنان من الاحتمالات المستبعدة، وإن كان واردا من الناحية الميدانية، لكن إيران لا تريد التورط في مسار عسكري ولو عبر حزب الله، لأنها لا يمكن أن تتحكم بتداعياته في بيئة سياسية إقليمية ودولية مختلفة وغير ملائمة لإيران، قياسا على ما كان عليه الحال استراتيجيا واقتصاديا واجتماعيا في حرب العام 2006 التي كان لبنان منطلقا ومسرحا لها.

يبقى السؤال كيف سيرد حزب الله بعد دمشق والضاحية وقوسايا؟

إثر الغارة الإسرائيلية على دمشق وسقوط طائرتين مسيرتين في الضاحية الجنوبية، أجرى وزير الخارجية الأميركي مارك بومبيو اتصالين؛ واحدا برئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري والآخر بنتنياهو، دعا خلالهما إلى التهدئة ومنع التصعيد بين لبنان وإسرائيل.

الرد من قبل حزب الله في ظل سياسة تحسين أوراق التفاوض، لن يذهب إلى ما يمكن أن يستدرج حربا، وبالتالي من الممكن تكرار عملية شكلية كما حصل قبل ثلاثة أعوام، عندما قامت إسرائيل باغتيال نجل عماد مغنية قرب الجولان، قام حزب الله حينها بعملية استهدفت جرافة إسرائيلية في مزارع شبعا دون أن تقع إصابات إسرائيلية ولم تستدع ردا إسرائيليا، وأمكن تجاوز إحراج الحرب الذي لا تريده إيران ولا إسرائيل. انطلاقا من ذلك ترجح مصادر خبيرة، أن رد حزب الله سيكون بهذا المستوى الذي لا يحرج إسرائيل فيخرجها نحو حرب تفرضها ظروف غير محسوبة.

يبقى أن ما قاله نصرالله يتصل بإحراج إيراني من الاستهدافات التي تطول ميليشياتها في العراق، فالضربات المتكررة منذ أسابيع في العراق، وآخرها قبل يومين في الحدود السورية العراقية في البوكمال باستهداف موكب للحشد الشعبي أدى إلى سقوط قتلى، تدفع إيران إلى فعل شيء، حيث قال نصرالله إنه لن يسمح بنقل هذا المسار إلى لبنان، أي أن تتحول الضربات الإسرائيلية إلى أمر طبيعي كما يجري في العراق وسوريا، وبالتالي فإن رفع وتيرة التهديد وتكليفه للحكومة اللبنانية بمخاطبة الأميركيين للجم الإسرائيليين، ينطوي حسب بعض الخبراء على إعلان حزب الله استعداده لإنجاز تفاهم بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، يقوم على احترام القرارات الدولية لاسيما لجهة وقف الخروقات الإسرائيلية للقرارات الدولية المتصلة بلبنان.

ما يريده نصرالله هو حماية دور حزب الله ونفوذه في لبنان، وهذه الوظيفة التي تضمن لإسرائيل الاستقرار على حدودها، تتطلب في المقابل من الحكومة الإسرائيلية عدم الإخلال بشروط هذا التفاهم المستمر منذ عام 2000 وجرى تثبيته بعد حرب عام 2006. فانتفاضة نصرالله الكلامية في خطابه الأخير جاءت بعدما لمس تطورا في الموقف الإسرائيلي الذي يخلّ بتقاطع المصالح بين إسرائيل وحزب الله، معلنا قبل وصول مساعد وزير الخارجية الأميركي، ديفيد شنكر، مطلع الشهر المقبل إلى بيروت، تقبل حزب الله لدور أميركي يضمن أن لا يتحول لبنان إلى مركز لأهداف إسرائيلية.

 وشنكر كما هو معروف يشرف على ملف ترسيم الحدود البحرية والبرية بين لبنان وإسرائيل، والزيارة المقررة ستكون اختبارا أميركيا لمدى جدية لبنان، أو بوصف أدق لمدى جدّية إيران في تسهيل عملية ترسيم الحدود، وبالتالي لمدى تقدم المبادرة الفرنسية بين واشنطن وطهران. لبنان سيبقى ساحة الاختبار الإقليمية والدولية لمدى استجابة طهران لشروط التفاوض الإقليمي مع واشنطن، ودائما تحت سقف المناوشات العسكرية التي لا يرغب نصرالله في خوضها، رغم إعلان قائد الحرس الثوري قبل أيام أن حزب الله وحده كفيل بهزيمة إسرائيل.

 

كاتب لبناني

 

 

مؤتمر لحلف الأقليات

في "بيروت الإيرانية"

علي الأمين

 

يتصل الإغراء الذي تقدمه طهران لتعزيز نفوذها عربيا في ظل الصراع الإقليمي والدولي على النفوذ في المنطقة العربية، بتقديم نفسها كطرف منافس لإسرائيل في بلورة مشروع حلف الأقليات على أرض الواقع. القيادة الإيرانية تراجعت عن شعار كان عنوان دخولها إلى دول العالم ولاسيما الدول العربية والإسلامية، هو مشروع الوحدة الإسلامية مقابل الوحدة العربية، والأمّة الإسلامية مقابل الليبرالية الغربية والاشتراكية، وكان من أبرز شعارات الاختراق الإيراني والأيديولوجي لدى الشعوب العربية والإسلامية “لا شرقية لا غربية جمهورية إسلامية”.

‏المصطلح الجديد الذي بات عنوان تعامل إيران مع المنطقة العربية، هو “دول غرب آسيا”، وهو مصطلح جغرافي ينطوي على تجاوز يمكن أن نفهمه من قبل إيران للهوية العربية والنظام الإقليمي العربي، باعتبار أنها بتجاوزها لهذه الحقيقة الحضارية للعالم العربي، تريد أن تكون شريكا في رسم نظام مصالح المنطقة وهي في صلب جغرافيتها، لكن ما ليس مفهوما هو الانقلاب الأيديولوجي من مفهوم العالم الإسلامي والنظام الإسلامي إلى مصطلح دول غرب آسيا، في توصيفها المستجد لجزء من المنطقة العربية الذي تعتبره مجالا لنفوذها وسيطرتها.

‏إيران التي ساهمت في ضرب المنظومة الإقليمية العربية، وعملت أيديولوجيا وثقافيا لتقويض مفهوم العروبة، استخدمت الهوية الإسلامية، ورسّخت في خطابها الثقافي إلى العرب مقولة التناقض بين العروبة والإسلام، وهو تناقض مفتعل روّج له سواها من الأيديولوجيات الإسلامية في العالم العربي التي تقاطعت معها على هذا المنهج. غير أنّ المفارقة هي أن الهوية القومية الإيرانية بقيت راسخة في مشروع الدولة الإسلامية الإيرانية، بحيث بدأ يتضح اليوم أكثر فأكثر أن الثابت في إيران هو الهوية القومية، التي تقوم الدولة ونظام مصالحها على أسس هذه الهوية، فيما يتحول الدين أو المذهب أو الأيديولوجيا الدينية، إلى أداة لحماية هذا المشروع القومي وليس العكس.

اللقاء المشرقي في بيروت لن يقتصر على ممثلين لأقليات مسيحية في سوريا والعراق والأردن ولبنان، بل سيطال بعض الجماعات الكردية والإيزيديين والشيعة والعلويين وغيرهم من الجماعات التي تندرج ضمن تعريف الأقليات

دلالات رسوخ الهوية القومية في المجتمع والتاريخ الإيراني، برزت من خلال التحول الذي شهدته إيران في العهد الصفوي، حيث أمكن للسلطة الصفوية قبل 500 عام، أي في بداية القرن السادس عشر، تحويل الهوّية المذهبية للشعب الإيراني من المذهب الحنفي إلى المذهب الشيعي الإثني عشري، وقد تم ذلك في فترة وجيزة وبقرار من السلطة الحاكمة.

‏هذا التغيير لم يكن لأسباب تتصل بأرجحية هذا المذهب الإسلامي أو ذاك لدى الصفويين، أو في الحد الأدنى لم يكن هذا السبب هو الأساس في تغيير المذهب، بل ثمة سبب آخر استراتيجي وسياسي دفع الدولة الصفوية إلى مثل هذا القرار، هو التنافس مع الشرعية الإسلامية الجديدة الصاعدة آنذاك، المتمثلة بالسلطنة العثمانية، التي كانت في أوج تمددها. التنافس العثماني الصفوي دفع الصفويين للبحث عن شرعية دينية للنفوذ، ذلك أن السلطنة العثمانية فرضت شرعية الخلافة الإسلامية في مطلع القرن 16، ولم يكن أمام الصفويين إلا البحث عن شرعية دينية مقابلة ومنافسة، فكان هذا التحول نحو المذهب الشيعي. وهو تحول يعزز من مقولة أن الثابت في إيران هو الهوية القومية، أما الدين أو الأيديولوجيا فهي متحرّكة وفي خدمة المشروع القومي في إيران والهوية الفارسية.

على هذا المنوال والمنهج يمكن فهم الأدوات الفكرية والدينية والأيديولوجية التي تستخدمها إيران لاختراق المجتمعات والدول، استخدمت الإسلام كوسيلة لاختراق المجتمعات الإسلامية ذات الغالبية السنية، وروّجت الأيديولوجيا الإسلامية، مستفيدة من هذا الشعار لتبرير تدخلها في كل الدول الإسلامية، وهذا ما كان عليه الحال لنحو ربع قرن من التغلغل الإيراني في المحيط العربي والإسلامي، بدأ منذ قيام النظام الإسلامي، ثم ما لبثت إيران ومع الاحتلال الأميركي للعراق، أن سخّرت الهوية الشيعية في سبيل ترسيخ نفوذها في العراق، فأنشأت ودعمت العشرات من المجموعات الميليشياوية الشيعية في هذا البلد، بل سيطرت إلى حدّ لا يستهان به على المؤسسات والمراكز المذهبية، وعملت على إدارة عملية بناء العديد من المراقد أو توسعتها في سياق تعزيز الهوية الشيعية على حساب الهوية الوطنية العراقية، والهوية العربية.

‏انفجار الثورة السورية عام 2011، كان الاختبار الأبرز للمشروع الإيراني، الذي استشعر خطرا من تحول السلطة في سوريا من حكم الأقلية العلوية إلى حكم الأكثرية السنية، الإسلام السياسي الذي طالما كان أساس الخطاب الإيراني للعرب السنة، انقلبت عليه طهران لا لشيء إلا لأنه يهدد الحكم العلوي حليفها في هذا البلد، وتحوّل الإسلاميون السنة في سوريا إلى إرهابيين في خطاب طهران، بل جيّشت طهران الشيعة من خلال خطاب مذهبي راح يحذّرهم من أن سقوط نظام الأسد هو تهديد لوجودهم، وإذا دقّقنا في رموز القوة الإيرانية الميليشياوية في الدفاع عن نظام الأسد، لوجدنا أن كل الميليشيات العراقية والأفغانية الباكستانية واللبنانية التي جنّدتها إيران للقتال في سوريا، كانت أسماؤها تمثل رموزا شيعية، لا سمة إسلامية جامعة لها؛ فاطميون، زينبيون، أبوالفضل العباس.

بعد المرحلة السورية الغارقة في وحول التفتّت من جهة، والصراع الإقليمي والدولي على النفوذ والسيطرة من جهة ثانية، تبدو إيران في موقع الشريك القوي الذي يحسن تنفيذ متطلبات مشروع الشرق الأوسط الجديد، من ضرب الهوية العربية وتفسخ الهوية الوطنية، كانت إيران تخاطب من خلالهما نظام المصالح الإسرائيلي والغربي على وجه العموم، وكانت في نفس الوقت تدرك أن انخراطها في هذا المشروع يتطلب أن تستخدم في خطابها لغة معادية للولايات المتحدة وإسرائيل، طالما أن الخطاب شيء وواقع التنفيذ شيء آخر، فلا ضير أن تعلن إيران عداءها اللفظي لإسرائيل، طالما هي تنفذ ما لم تستطعه إسرائيل التي في مواجهتها للعالم العربي، طالما كانت تشجع الأقليات الدينية والمذهبية لأن تعبّر عن خصوصيتها في مشاريع سياسية وعسكرية، في سبيل تفجير التناقضات الداخلية في المحيط العربي المعادي لها.

‏إيران تنافس إسرائيل على السيطرة على هذا المشروع، وتعمل على أن تكون الطرف الضامن لحلف الأقليات في المنطقة العربية دوليا، بعدما أمسكت إلى حدّ بعيد بالورقة الشيعية عربيا. اللقاء المشرقي في بيروت الذي يعد له الرئيس ميشال عون لن يقتصر على ممثلين لأقليات مسيحية في سوريا والعراق والأردن ولبنان، بل سيطال بعض الجماعات الكردية والإيزيديين والشيعة والعلويين وغيرهم من الجماعات التي تندرج ضمن تعريف الأقليات.

المصطلح الجديد الذي بات عنوان تعامل إيران مع المنطقة العربية، هو "دول غرب آسيا"، وهو مصطلح جغرافي ينطوي على تجاوز يمكن أن نفهمه من قبل إيران للهوية العربية والنظام الإقليمي العربي

إيران شريكة في هذا المؤتمر الذي سيعقد بعد أسابيع في بيروت، بل الأرجح أنها أحد أهم الداعمين لانعقاده، طالما أن الجهات المنظمة المعلنة، هي حليفة حزب الله، بل تواليه سياسيا.

هذا المؤتمر لا تكمن خطورته في اجتماع هذه المكونات الطائفية والعرقية والدينية التي تتلاقى في بيروت لتبحث شؤونا دينية أو طائفية، بل الخطورة أن انعقاده يأتي في سياق ترسيخ الهوية السياسية لهذه المكونات في ظل تراجع الهوية الوطنية وتصدّع النظام الإقليمي العربي والانتماء العربي.

إيران تتلقّف هذا المسار من خلال تشجيع المنظمين على عقده في لبنان، فالجميع يعلم أن إيران، من خلال حزب الله، قادرة على أن تمنع انعقاده إذا أرادت أو تحول دون مشاركة جهات قادمة من العراق وسوريا وإيران وغيرها.

حلف الأقليات كما يجري تحضيره في بيروت، هو أبرز ما تحتفي به إيران اليوم، وأكثر ما يثلج صدر إسرائيل، وأكثر ما يهدد الهويات الوطنية ويواجه الهوية العربية، ذلك أن المشترك بين هذه الجماعات المدعوة إلى “اللقاء المشرقي” هو تململها من أي توصيف عربي لانتمائها، وشعور بأن بلاء المنطقة هو من الأكثرية العربية والأكثرية الإسلامية، ويأتي هذا المؤتمر للقول إن ثمة هوية مشرقية تمتد من بيروت إلى طهران، هذه الهوية المسيحية مكون أساسي لها، كما الأقليات سواء كانت دينية أو مذهبية إسلامية.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

الفلسطينيون في لبنان:

أيتام على مائدة الممانعة

علي الامين

منذ أكثر من أسبوعين، يشهد لبنان سلسلة تحركات احتجاجية من قبل اللاجئين الفلسطينيين، ضد إجراء قامت به وزارة العمل اللبنانية، ينطوي على تنفيذ قانون إلزام اللاجئ الفلسطيني بالحصول على إجازة عمل. ورغم إعفاء الفلسطينيين من رسوم الإجازة إلا أنّ الاحتجاجات لم تزل مستمرة بدعم من قوى سياسية لبنانية، تطالب بوقف هذا الإجراء، ولعل أبرز ما أظهرته هذه الاحتجاجات أن التظاهرات الفلسطينية خرجت من أسوار المخيمات وانتقلت إلى خارجها ولاسيما مدينة صيدا.

لا أحد من اللبنانيين يشكك بالأوضاع الاجتماعية البائسة داخل المخيمات الفلسطينية، كما أن تنظيم العلاقة اللبنانية الفلسطينية هو حاجة لبنانية كما هو مطلب فلسطيني، خاصة وأن هذه العلاقة ظلت ولا تزال رهينة الحسابات الإقليمية؛ السورية في زمن الوصاية السورية سابقا والإيرانية اليوم، رغم الخطوات المهمة التي تم إنجازها خاصة على صعيد تشكيل لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني بعد الانسحاب السوري من لبنان عام 2005. على أهمية هذه الخطوة المؤسساتية على هذا الصعيد، ما لبثت الوقائع السياسية، أن كشفت أن القرار اللبناني والقرار الفلسطيني في لبنان، هما خارج هذه اللجنة وفي مكان آخر، وتحديدا في جعبة المسيطر، أي إيران وتحت إدارة حز