الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

د.عامر صالح كاتب أستاذ جامعي  وباحث اكاديمي

 

مقالات سابقة للكاتب

 

 

كذبة الديمقراطية في العراق

 

د.عامر صالح

 

مع الأقتراب من الأعلان النهائي لنتائج الأنتخابات البرلمانية العراقية التي اجريت في العاشر من اكتوبر 2021 والتي افرزت بشكل عام انحسار شديد للتيارات الأسلامية المسلحة والمليشيات الحزبية المسلحة ذات الطابع الأسلاموي, كما افرزت نتائج الأنتخابات في تحسن ملحوظ تجسد في صعود نسبي لقوى الحراك التشريني الى جانب القوى المستقلة, وبعيدا عن نسبة المشاركة المتدنية في الانتخابات فأن مؤشراتها الأولية تؤكد ان هناك تغير نسبي قادم في موازين القوى البرلمانية والسياسية لصالح التيار المدني وقد يؤسس لحالة جديدة في العراق يجسدها بداية الخوض في معترك التأسيس لدولة المواطنة والأبتعاد عن منطق اللادولة والسلاح المليشياوي الذي تعبر عنه قوى اللادولة المافوية التي اغرقت العراق منذ 2003 في بحر من الصراعات الطائفية والأثنية الذي صادر الدولة وارتهنها لأجندته الخارجية والداخلية والتي تستهدف استنزاف الدولة ومواردها والأفساد فيها وفرض سلطة المليشيات بعيدا عن سلطة القانون.  

 كانت خسارة قوى اللادولة في الانتخابات مؤشرا ايجابيا لتفسير المزاج الشعبي العراقي العام في بداية توديعه لقوى احكمت السيطرة عليه خلال 18 عاما عابثة في مقدرات العراق وامكانياته المادية والبشرية ومستندة الى مختلف المرجعيات الدينية في الخفاء والعلن لأضفاء القدسية المشوهة على افعالها المشينة مستغلة الفاقة والحرمان الذي عاناه شعبنا من دكتاتورية النظام السابق ومفتعلة سلوك المظلومية الطائفية لتخريب الدولة والوطن واحلال العقاب بأبناء "الطائفة المظلومة" قبل غيرهم وحرمانهم من مستلزمات العيش الكريم في ابسط مستوياته الأنسانية في الخدمات العامة من صحة وتعليم وماء وكهرباء وضمانات الحد الأدنى الأجتماعي للحد من التسول والضياع.  

 مع هذا التحسن الملحوظ في ما افرزته صناديق الأقتراع في ابعاد القوى الطائفية المسلحة استعدت قوى اللادولة منذ الاعلان الاولي للنتائج عن اشهار سيف الأعتراض الصدئ على نتائج الانتخابات ملوحة في التهديد والوعيد في رفض النتائج واعتبارها مزورة بالضد من كل التصريحات الأممية والدولية والداخلية بتأكيدها بنزاهة الانتخابات وعدالتها النسبية, وبدأت تنشط  بكل قدراتها للحيلولة دون القبول بنتائج الانتخابات وعدم تقبل خسارتهم للأنتخابات بأعتبارها سنة حميدة في الديمقراطية, فهناك خاسر وهناك رابح وهناك منطق تبادل السلطة سلميا على خلفية نتائج الانتخابات, تلك القوى التي لا تؤمن بالخسارة المؤقتة بل تؤمن بالربح المطلق بأختلاف دورة الزمن, أنها قوى لا تؤمن بالديمقراطية ولا بالتدوال السلمي للسلطة, ووجدت في الديمقراطية مجرد صناديق اقتراع اذا لم يفوزون بها يحرقوها كي يفوزوا, تلك هي لعبة الأسلامويين مع صناديق الأقتراع, انها فرصتهم الوحيدة في التجييش وممارسة الدجل المقدس لفرض ارادتهم على مستقبل البلاد.  

 قوى الأسلام السياسي أسوة بكل القوى التي يفترض أن تقصى من المشهد السياسي بقوة القوانين السائدة " من عدم السماح للفصائل المسلحة والاحزاب الميليشياوية في الاشتراك في الانتخابات وفي العملية السياسية بصورة عامة, واقصاء كل القوى الغير مؤمنة بالتداول السلمي للسلطة, ثم التأكد من مصادر تمويلهم ونزاهة المال الذي يمتلكونه, للأسف ان تلك القوى اليوم تمتلك كل مقومات العبث في النظام وفي العملية الديمقراطية, فهي من يحيط المنطقة الخضراء بالسلاح والمقاتلين ويفرض طوقا محكما على مساحات واسعة من الحكم, وهي من يمتلك الفضائيات الصفراء التي تسهم في تشويه الرأي العام وخداعه, وهي من يمتلك الكثير من مراكز الأبحاث ومعهم جوقة من المحللين السياسيين والأستراتيجين المشوهين فكريا وعقليا, وهؤلاء هم من دعاة ومهندسي الكتلة الأكبر بغض النظر عن نتائج الأنتخابات تقودهم " دولة القانون " بزعامة المالكي مهندس الأستثناءات المريضة, فهو مهما بلغت اصوات الفائزين في الانتخابات يبقى هو الفائز الأكبر. 

 

 تلك القوى التي ترفض المنظومة "السياسـية" و "القانونيـة" المدنية بأي شكل من الأشكال؛ فهـي تـرى أن مـن واجبها إقامة الدولة الإسلامية المتمثلـة في دولـة الخلافـة، بـدل من الدولـة الوطنية الحديثة القائمة خارج اطار التنوعات الدينية والطائفية والاثنية، وتطبيق الشــريعة الإسـلامية بدل القانون "الوضعي"، كـما تـرفض المفهـوم المدني للأمـة، وتنـادي بفكرة الأمة المحددة بالعقيدة والطائفة, والتي تحمل في طياتها مزيدا من الصراعات واراقة الدماء لكل المكونات الاخرى وبالتالي تخلق ارضا خصبة لمزيدا من الاقتتال بين مكونات المجتمع الواحد.  

 وفي ضوء نتائج الأنتخابات البرلمانية فأن التيار الصدري الفائز الاول والمتنوع في تركيبته الداخلية" من دينية بحتة, ودينية بنصف مدنية ومدنية شبه كاملة عليه ان يبتعد عن التحالفات القادمة التي تسلب منه الفوز الانتخابي وان يبتعد التيار الصدري عن الأنفعالات الآنية التي قد تنقله بين ليلة وضحاها الى المعارضة البرلمانية والتنازل عن استحقاقه الانتخابي جراء ضغوطات الساعين وراء تشكيل الكتلة الاكبر خارج سياق الفوز الانتخابي, وبالتأكيد انها مهمة صعبة امام التيار الصدري كيف يقرر وجهته لأن الطرفان الكردي والسني والراغبين في ابقاء المحاصصة لا يستطيعوا اتخاذ القرار المناسب في الزمن المناسب ولم تتجرئ تلك القوى حسم وجهتها القادمة وهي ترفع شعار التحالف مع الشيطان من اجل الحصول على المغانم المؤقتة بمبررهم التقليدي " انهم ينتظرون البيت الشيعي وتحالفاته" كي يحسموا امرهم.  

 اما رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي" وهو الآن رئيس وزراء تصريف اعمال " وقد تطول مدة بقائه في المنصب على خلفية المجهول القادم في العملية السياسية كان يفترض عليه ان يتمتع بشجاعة استثنائية لتفويت الفرصة على قوى اللادولة وان يعزز من مكانة الدولة وحكم القانون وان يكشف عن قتلة المتظاهرين ومرتكبي الاغتيالات السياسية والجهات التي تقف ورائهم دون الاكتفتاء بأضفاء الشخصنة للجرائم المرتكبة واظهار المجرمين بسيناريوهات مبتورة ومضحكة دون الحديث عن المليشيات التي تقف ورائهم, كان بأمكانه ان يكون شجاعا ومتحديا وغير متساهل مع القتلة كي يمهد الطريق امام قوى الدولة كي تسود المشهد السياسي. ومن تداعيات ضعف رئيس الوزراء اليوم فأن القوى المليشياويه تطالبه بالكشف عن قتلة المتظاهرين وتطلب منه ان يكون شجاعا وجريئا لأنها تعلم انه لا يستطيع وهي اقوى منه ومتحدية له, رغم ان مصطفى الكاظمي غامر بالعديد من المحاولات للتحرش بالمليشيات ولكنه لم يفلح, حتى تطاولوا على محاولة اغتياله !!.  

 ورغم ان الكاظمي يتجنب المواجهة المباشرة مع قوى اللادولة والمحسوبة على الدولة في بعض منها فهو يخشى من مواجهة شيعية شيعية لا تحمد عقباها ولكن عليه ان يفهم سنة الصراع بين قوى الدولة واللادولة التي تكلف الكثير ولكنها تقرر مستقبل البلد في التخلص من العصابات والقوى المعوقة للديمقراطية وعليه ان يبني تحالفات عميقة مع قوى الدولة ويبتعد عن لغة المغازلة والتهديد الناعم الذي يبرئ المجرم مع مرور الزمن ويجعله يستقوي عليه كما فعلوا بمحاولة اغتياله, بل ويعيدوا انتاج سيناريو اغتياله بأنها محاولة مفبركة من رئيس الوزراء وكذبة منه لتوفير فرص اكبر في حصوله على رئاسة الوزراء للمرة القادمة, بل ويطالبوا بلجان تحقيق لمعرفة ملابسات وفبركة اغتياله, فأي صلافة تتمتع بها تلك المليشيات السائبة خارج سلطة الدولة والقائد العام للقوات المسلحة.  

 الديمقراطية في العراق تمر بمخاض عسير هذه المرة يفوق ما مرت به في الفترات السابقة ما بعد 2003 حيث ان الحسم اليوم يقرر وجهة البلد القادمة, فأما الاقتناع بالديمقراطية ونتائج الانتخابات هي السبيل الوحيد للتأسيس لنظام ديمقراطي تتمتع فيه القوى الفائزة بحق تشكيل الحكومة استنادا الى قاعدتها الشعبية, واعتراف القوى الخاسرة بمدى التأييد الشعبي لها, وانطلاقا من نلك القناعة فهناك حكومة اغلبية ومعارضة سياسية يفترض ان تؤدي دورها النبيل في تقويم مسار الحكم, وكما يعرف الجميع فأن البدء في ممارسة ديمقراطية واضحة المعالم سيجلب المزيد من اعادة انتاج ديمقراطية واضحة المعالم, اما عدا ذلك فأن العودة مجددا الى المجاصصة والتحايل على مفهوم الكتلة الأكبر هو عودة للبلاد الى المربع الأول وبالتالي فأن الديمقراطية في العراق هو كذبة كبرى لا غير !!!.  

 

 

 

الديمقراطية في العراق:

إن لم تكن لي فلن تكن لغيري

 

د.عامر صالح

 

يزخر الأرث الشعبي العراقي بالكثير من ما يدل على واقع حال الديمقراطية في العراق, وينطبق عليها المثل الشعبي بوضوح: " لو ألعب لو أخرب الملعب" أو "تريد ارنب أخذ أرنب .. تريد غزال أخذ أرنب" وجميعها ترجمة وتجسيد لما يجري في واقع السياسية العراقية والتي ينطبق عليه بوضوح: " تريد فاسد أخذ فاسد .. تريد نزيه أخذ فاسد ", وبكل الأحوال فأن خيار العبث في العملية السياسية وتأصيل منطق الفساد فيها والأستحواذ هو سيد اللعبة " الديمقراطية " في العراق, حيث أن القوى المتصارعة على صناديق الأقتراع لم تجد في الديمقراطية سبيل للتدوال السلمي للسلطة ومقدمات لازمة لأرساء أسس نظام يضمن الحقوق المتبادلة لجميع المكونات الاجتماعية والسياسية والأثنية عبر تأكيد الأختيارات الحرة, بل تجد في صناديق الأقتراع لعبة سهلة للأستحواذ على السلطة والدولة واعادة تكريس الأستبداد السياسي والاجتماعي والتشبث في البقاء في السلطة واعادة انتاجها لمصلحة خطاب لا يمت بصلة للحاضر واعادة بنائه على أسس من التقدم العلمي والتكنولوجي والمقترن بتطلعات الفكر الانساني في ارساء أسس العدل والحق والمساواة, بل اعادة لدورات التخلف والفساد واضفاء الشرعية المزيفة على ما يجري واعتبارها اقدارا مقررة سلفا وليست نتاج لقوى الفساد والخراب المهيمنة على مقدرات البلد وامكانياته.  

 منذ سقوط النظام الدكتاتوري السابق على أيدي المحتل الأمريكي في عام 2003 وبعد تأسيس النظام على أسس من الطائفية والأثنية المحاصصاتية دخل شعبنا في حالة من الأغتراب مع النظام الجديد حيث لم يلبي ادنى متطلباته في العيش الكريم وافتقار شديد للخدمات الانسانية من صحة وتعليم وماء وكهرباء, ورافق ذلك تدهور للبنية التحتية الأقتصادية والاجتماعية ونهب للمال العام واستشراء الفساد الاداري والمالي والاجتماعي وضرب منظومة القيم الاخلاقية  والاجتماعية في ابسط مقوماتها من صدق وامانة وحفاظ على المال العام, حتى باتت القوى السياسية الطائفية والاثنية الحاكمة يضرب بها المثل السيئ على الصعيد الداخلي والدولي في السرقة والفساد والاهدار العام وانعدام الشفافية وغياب دولة القانون, وانتشار للسلاح المنفلت والمليشيات المسلحة وعصابات الجريمة الفردية والمنظمة الى جانب ظواهر اجتماعية لم يعتادها العراق سابقا, من انتشار للمخدرات والسرقات والشللية الفاسدة وارتفاع نسب الطلاق بشكل مروع والازدياد المطرد للأرامل واليتامى والعوانس وحالات الانتحار المتصاعدة الى جانب الارتفاع المخيف لنسب البطالة وانعدام فرص العمل وخاصة بين اوساط الخريجين من حملة الشهادات المختلفة وعدم ايجاد حلول جذرية عبر اعادة احياء البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية وتوفير فرص لحياة وخدمات افضل.  

 حالة الاغتراب في المشهد الاجتماعي والسياسي وجدت صدى لها في الكثير من مظاهر الاحتراب الداخلي وفي حالات التمزق والتفكك الاجتماعي وقد انعكس ذلك في اقبح وجوهه بالحروب الطائفية والعداوات والكراهية الأثنية والمكوناتية وفي انعدام الأمن المجتمعي الشامل وعدم الايمان بالدولة بأعتبارها حاضنة للجميع والابتعاد في الممارسة العملية عن تطبيق القانون وفرض اللادولة وحكم المليشيات بأعتباره هو المنطق السائد في تصفية الحساب او انتزاع الحقوق, واحلال العشائرية والقيم البالية بديلا عن قيم دولة المواطنة, مما اصبح أمن الفرد والمجتمع في مهب الريح.  

 في الممارسة السياسية جسدت حالة الاغتراب حضورها الشديد في عدم المساهمة الشعبية في الحياة السياسية العراقية حيث عزوف الشعب عن ممارسته في المشاركة في الأنشطة السياسية ولعل في مقدمتها هو العزوف غن صناديق الأقتراع, وبأستثنا حقبة التجيش والانفعالات والعزف على اوتار خلط المقدس في السياسة وهي حقبة قصيرة نسبيا امتدت من تشكيل بداية النظام حتى الانتخابات البرلمانية الأولى وقد لعبت فيها المرجعيات الدينية دورا كبيرا في العزف على انفعالات ادعاء المظلومية التاريخية الطائفية ولعب دور المعبئ لأنتخاب الاحزاب الأسلاموية في تصور خاطئ وخطير أن الحزب الطائفي يساوي ابناء الطائفة, ولكن سرعان ما تهاوى هذا بعد ان انكشفت حقيقة الأسلامويين في السلطة بأعتبارهم جزء من الأزمة العراقية العامة وليست جزء من الحل, وقد تجلى ذلك في انكسار هيبتهم المفتعلة في عدم مساهمة الشعب في الانتخابات البرلمانية اللاحقة, والتي جسدت اشد حالات الضعف معبرة عن عدم الثقة في النظام السياسي القائم على المحاصصة المعادية لمصالح الشعب الاساسية, وقد كانت اشد حالات الضعف فيه هو المساهمة في الانتخابات البرلمانية للعام 2018 والتي لم تتجاوز 25% من نسبة المؤهلين للأنتخابات الى جانب التزوير وحرق صناديق الأقتراع, ثم الأنتخابات الخامسة الحالية التي اجريت في 10ـ10ـ2021 والتي تتراوح نسبة المشاركة فيها بحدود الثلث فقط من مجموع من يحق لهم التصويت والبالغ عددهم 25 مليون نسمة تقريبا.  

ورغم ان هناك مصادقة شكلية دولية من قبل المنظمات الدولية كالأمم المتحدة والاتحاد الاوربي على نزاهة  الانتخابات البرلمانية الخامسة التي اجريت في العاشر من شهر اكتوبر وعن بيئة أمنية لا بأس بها, ولكن على المنظمات العالمية الدولية ان تقرأحقيقة عدم المساهمة العامة والضعيفة في الانتخابات العراقية استنادا الى البيئة العراقية الأمنية الشاملة الهشة والى الاوضاع العامة في البلاد, لأن بيئة الانتخابات هي بيئة مصطنعة مؤقتة لا تعبر عن البيئة السياسية والأمنية العامة في البلاد, وبالتالي استدرك المواطن عدم المشاركة انطلاقا من فهمه للأزمة السياسية العامة في البلاد والتي تجسدها بوضوح أن معظم القوى السياسية غير مؤمنة بالديمقراطية كسلوك ونهج عام, بل ان بعض من تلك القوى يحمل السلاح بيد ويصوت باليد الأخرى " والكثير من هذه القوى محسوب على الدولة ", فأن لم تأتي نتيجة التصويت كما يشتهي فقد شهر سيفه مشككا بالأنتخابات ومطالبا بألغائها ومهددا للسلم المجتمعي عبر فرضة اجندة الأمر الواقع بقوة السلاح.  

 فحال اعلان النتائج النهائية لأنتخابات اكتوبر الحالية والتي فاز بها جناح شيعي يمثله مقتدى الصدر الى جانب قوى اخرى سنية وكردية حتى اعلن تجمع شيعي آخر وبمسمى " الأطار التنسيقي للقوى الشيعية " حيث شهر سيف التشكيك في الانتخابات البرلمانية ونتائجها موجها اصابع الأتهام الى شخص رئيس الوزراء بل ومطالبا بمحاكمته بالخيانة العظمى في تزوير الانتخابات, الى جانب ادعائهم بضلوع دول عربية وفي مقدمتها الأمارات العربية المتحدة في عمليات سطو سيبرانتي لتزوير الانتخابات, تلك الأدعاءات التي تتنافى مع التقارير الدولية والمحلية في نزاهة الانتخابات النسبية تجسد في فحواها سلوكية الخاسر في الانتخابات وغير المؤمن في العملية الديمقراطية وهو يشتغل ضمن المنطق العبثي " لو ألعب لو اخرب الملعب " والملعب هنا ليست المقصود به احتجاج شكلي او ردة فعل انفعالية بل يحمل في فحواه تخريب لمنظومة العمل بأكملها وفرض ارادة مشوهة عبر منطق التهديد بالسلاح والوعيد بتحريض الشارع العراقي ودفعه الى حريق شامل عبر ادعاءات كاذبة بأمتلاك الحق, انه سلوك مريض اختبره شعبنا ولم يتفاعل معه, حيث ان مشكلات شعبنا في الحياة الحرة الكريمة اكبر بكثير من أن يعبث بها من لا يؤمن بالديمقراطية, وان شعبنا يستذكر بذكاء من سبب ازهاق ارواح وقتل مواطنين ابرياء في انتفاضة اكتوبر للعام 2019 تجاوز عددهم 700 شهيد وجرح واعاقة اكثر من ثلاثين ألف مواطن.  

 أفرزت نتائج الانتخابات البرلمانية الخامسة فوز مجموعة برلمانية متعددة المشارب والرؤى الى حانب القوى التقليدية السابقة بأوزان مختلفة نسبيا, وحسب نتائج الانتخابات فهناك حضورا لوجوه جديدة او على الأقل لم تشارك في البرلمان السابق, وهناك مستقلين الى جانب تمثيل ما للحراك الاجتماعي الذي جسدته انتفاضة تشرين, اضافة الى حضور للعنصر النسوي فاق 90 مقعدا وقد فاز اكثر من 50 أمرأة بقوتهن التصويتية وليست عبر نظام" الكوتا ". والحديث هنا عن مدى فاعلية تلك التركيبة وادائها في ظل قانون الانتخابات المتعدد الدوائر الذي حصر التصويت والفوز مناطقيا مما يضعف لحمة الخطاب الوطني الجامع بأعتبار ان عضو البرلمان هو ممثل للشعب وليست لمنطقة او عشيرة او طائفة, وان هموم الوطن العامة تتقدم بالضرورة على هموم اخرى. اما دور المرأة المرتقب فلن يرتبط بكم تمثيلها في البرلمان فقد كانت في البرلمانات السابقة ممثلة بحدود 80 برلمانية ولكن اغلب ادوارهن بقيت معطلة في الدفاع عن قضايا المرأة العادلة في الحرية والمساولة, بل وفي احيان كثيرة ألحقن الضرر بقضيتهن من خلال انتمائهن الى احزاب لا تؤمن بالمساواة بين الجنسين. الى جانب هذا سوف يشهد سيناريو تشكيل الحكومة والكتلة الأكبر الكثير من محاولات الأحتواء وسلب الأدوار والضغوط المختلفة التي ستقع على الكتل الصغيرة التي تتمتع بقدر من الأستقلالية عن الاحزاب الطائفية والأثنية الأكبر, الى جانب ان الكثير من الاحزاب الحاكمة نزل مرشيحها بصفة مستقل وسوف ينكشف ذلك عند تشكيل الكتلة الأكبر.   

 لقد شاهدنا كيف ان قانون الانتخابات الجديد أدى إلى تحول في خطاب الكتل والائتلافات والمرشحين، حيث كانت الدعاية في الانتخابات الماضية تتناول الوضع في العراق ككل، مثل ظواهر الفساد الاداري والمالي واهدار المال العام ومحاسبة الفاسدين وفرض الرقابة السياسية على الحكومة وأعمالها والسيطرة على السلاح المنفلت وتعزيز هيبة الدولة والقضاء، أما بالقانون الجديد، فقد وجدوا المرشحون أنفسهم ملزمين بقناعة او لا للتواؤم مع ما فرضه القانون الجديد، حيث أصبحت القضايا المناطقية هي المسيطرة، وأصبحت البرامج محلية تعالج أموراً حتى على أقل من المستوى الجزئي، كالبنية التحتية والخدمية، ولم تعد الصورة تتسع لبرامج تعالج الهموم والتحديات التي تواجه العراق ككل, بل ان العشائرية وضيق الأفق والتكتلات المختلفة اخذت مديات اوسع من ذي قبل. 

 إن الانتخابات المبكرة كان ينظر إليها على أنها أحدى المخارج الفعالة للخروج من الأزمة السياسية التي رافقت المشهد السياسي منذ احتجاجات تشرين في أكتوبر/تشرين الأول 2019، من أجل إعادة تجديد شرعية النظام السياسي التي انهارت  بعد سلسلة من عمليات الاغتيال والإخفاء القسري التي مورست بحق الناشطين والمحتجين الذين تظاهروا من اجل تحقيق ابسط المطالب الانسانية " رغم ان شرعية النظام وتآكلها بدأت مع نشأته المحصصاتية"، إلا أن الخاسرين في الانتخابات الأخيرة يبدو أنهم يفضلون شرعية وجودهم وكيانتهم السياسية على شرعية النظام ودولة المواطنة، ولذلك بدأوا يشككون بالعملية الانتخابية التي صاغوا قانونها واشتركوا فيها  ووضعوا العراقيل ضد نجاحها, والى اليوم كما نتابع ان الحكومة والاجهزة الأمنية تستطيع بعمليات مخابراتية دقيقة ألقاء القبض على قيادات ارهابية معروفة في داعش وغيرها ولكنها عاجزة عن الكشف عن قتلة المتظاهرين وتقديمهم للعدالة والاعلان عن الجهات التي تقف ورائهم, ان ذلك يعكس بعض من اوجه التداخل بين قوى الدولة واللادولة المليشياوية.   

 ورغم ان الديمقراطية في العراق ومعوقاتها لا تختزل في دورة انتخابية برلمانية واحدة, بل هناك تجذر في اشكالية ممارستها, وللأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية وقع كبير في عدم الأرتقاء بها وبقائها رهينة الأمزجة السياسية التي تستلم السلطة والتي في غالبيتها تعبر عن غياب الثقافة الديمقراطية عند الاحزاب بل عدم قناعتهم بها لأسباب عقائدية وسلوكية, الى جانب البدايات الاولى القائمة على النهج المحصصاتي العرقي والطائفي والمناطقي واحلال الشرذمة المكوناتية مقابل ثقافة التنوع المبدع في اطار الوحدة الوطنية, الى حانب الثقافة القبلية التي لا صلة لها بالديمقراطية الى جانب حالات استمالة العشائر في الصراعات الطائفية السياسية واحلال ثقافة التحريض القطيعية مقابل ثقافة التفرد والأبداع وتعزيز مكانة الفرد الحر المستقل في خياراته الحياتية والسياسية منها بشك خاص. الى جانب عوامل اخرى افرزتها منظومة الحكم المتعاقبة من تحلل في المنظومة الأخلاقية الفردية والمجتمعية وانعكاساتها على قيمة الديمقراطية وجدوى مساهمة الفرد في صنع القرار, ناهيك عن الخراب الاقتصادي والازمات المتواصلة وتكريس الاقتصاد الريعي الذي حول الدولة الى بائعة نفط لا غير كي تأكل يوما بيوم, مما سبب انعدام الأفق في نهضة اقتصادية اجتماعية وعجز في امتصاص خيرة الخبرات والقوى العاملة الى عجلة التغير الايجابي, وقد انعكس ذلك في حالات اليأس وانعدام الجدوى من المساهمة في الافعال السياسية ومنها السلوك الانتخابي.  

 وتبدوا ملامح المرحلة المقبلة من خلال ما افرزته صناديق الاقتراع  أن هناك ليست أسابيع تفصل العراق عن تشكيل حكومته الجديدة، بل أشهراً، فتدخل البلاد الآن مرحلة المفاوضات بين الأحزاب. وهذه هي المرحلة الخطرة، التي قد تؤدي إلى مساومات تضر بالمصلحة العامة مقابل مصالح ضيقة. وهذا ما جعل الكثير من العراقيين ينتقدون العملية السياسية برمتها والقائمة على التوافقات على حساب الوطن وأمنه وسلامته. والتحدي أمام الكتل الفائزة " اذا ارادوا ان يتخلوا عن نهج المحاصصة الطائفي والاثني وعقلية الصفقات المريضة وهو امر مستبعد"  أن يراعوا المزاج العام في البلاد ويبذلوا جهوداً لسد الفجوة مع الشعب, وأن لا يفرضوا على الشعب أكثر الخيارات مرارة والتي يجسدها المثل الشعبي العراقي: "تريد فاسد أخذ فاسد .. تريد نزيه أخذ فاسد ", واذا كانت انتفاضة تشرين عبرت عن اكثر النماذج سلمية في الحراكات الاجتماعية الرافضة للمحاصصة والمطالبة في الحقوق الاساسية, فأن حراكات اجتماعية قادمة قد تختلف عن تشرين في الوسائل وطرائق الرفض للمنظومة الفاسدة وبالتالي لا تستدرك مدايات وسقف مطاليبها الى أين !!!.  

 

 

عندما تختزل الديمقراطية

فقط بصناديق الأقتراع

 

د.عامر صالح

 

 النظام السياسي في العراق يثير جدلا حول مشروعيته  كونه ممثلا لأرادة الشعب أم لا فمنذ انتخابات 2005 والى اليوم فأن المساهمة الشعبية في صياغة النظام وسلطاته الأساسية التشريعية والتنفيذية تسير نحو الأنحدار في المساهمة الشعبية, حيث التدهور في مصداقية النظام من حيث مشاركة الشعب لرسم ملامح تلك السلطات, واذا اردنا في التعبير عن ذلك احصائيا وبنسبة المشاركة فأن انتخابات 2005 بلغت نسبة المشاركة فيها بحدود الأقل من 70% الى آخرها في انتخابات 2018 وقد بلغت المشاركة فيها بحدود 20% أي أن سمعة النظام السياسي تسير نحو الهاوية والتدهور من حيث مصداقية شعبنا بتلك المنظومة السياسية الفاسدة والتي أختبرها شعبنا طوال السنوات الماضية ومنذ العام 2003. 

 الديمقراطية مذهب فلسفي يعيد أصل السلطة السياسية إلى إرادة العامة “إرادة الشعب” لأنه مصدر السلطات، وتعود على شكل النظام السياسي إذ نميز بين نظام سلطوي وآخر ديمقراطي، لكن مقصدنا هنا الحديث عن مضامين الديمقراطية كقيم ثقافية واجتماعية، فالقيمة الأولى هي أن الفرد بحد ذاته قيمة، وحريته نقطة الانطلاق فلا يجوز تقييده أو تكبيله باسم السلطة ومن قبلها في مجالات الحياة وفضاءات السلطة، فهي أي الديمقراطية تروج لفكرة الحرية، وحق تقرير المصير، والاختيار، والاستقلال الذاتي المعنوي ومسؤولية الفرد عن اختياره، وحماية مصالحه والخبرات التي يشارك بها الآخرون، ناهيك عن احترام كرامة الإنسان كانسان بغض النظر عن عرقه أو دينه أو جنسه واحترام حرية الرأي والاعتقاد، والتعبير بكافة الإشكال وبقية الحريات كما هي الحقوق من مدنية وسياسية. الحقوق التي ولدت معنا والتي اكتسبت من وجود التنظيم السياسي الذي تطور مع تطور المجتمعات البشرية.  

 وفي الممارسة العملية فالديمقراطية تعني بأختصار شديد: البرلمان والحكومة مسؤولان عن حماية و تطوير النظام الديمقراطي، و استقلالية السلطات التشريعية و التنفيذية و القضائية، و الفصل بين المهام الحزبية و التعليمات الحكومية، و السلطة السياسية و سلطة المجتمع المدني، و و توزيع وتقسيم السلطات على جميع المستويات الادارية في المناطق, ان البرلمان و الحكومة مسؤولان عن اقامة دولة القانون و احترام سيادة القانون الذين يتوجب تنفيذه على الجميع على نحو متساو، و اتباع المساءلة القانونية دون تمييز بين المناصب و الدرجات الوظيفية في الحكومة او التمييز بسبب الانتماء الحزبي او الاجتماعي, احترام و صيانة الحريات و الحقوق السياسية و المدنية و الحقوق والحريات الفردية، و حرية الاقامة و حرية الضمير و التعبير عن الراي و الفكر و حرية الاعتناق, تكريس ثقافة المعارضة المدنية و المعارضة السياسية و الثقافية و الانتقاد كحق يمثل الوجه الثاني للمسؤولية, وضع نظام انتخابي شفاف ومتحضر، نظام يتسم بكل المعايير القانونية الدولية و التقنية لمنع كل اشكال الخروق والتزوير في عمليات التصويت, تكريس ثقافة القبول بالاختلافات على المستويات السياسية و الاجتماعية و الثقافية، و القبول بالاخفاق الانتخابي و الصراع السلمي و تداول السلطة في جميع المستويات السياسية، و تداول المسؤولية على المستويات الادارية و الاجتماعية بين الاشخاص المناسبين و بين الجنسين و الاعمار المتباينة.  

 الأسلام السياسي في العراق كما في غيره من البلدان العربية والأسلامية ومنذ عام 2003 استخدم الديمقراطية كوسيلة للأستحواذ على الحكم والهيمنة السياسية على المشهد السياسي والاجتماعي والأقتصادي, سياسيا استخدم الاسلام السياسي صناديق الاقتراع كوسيلة فقط للأستيلاء على السلطة بمختلف الوسائل, من تزوير وأفساد لأرادة الناخبين واشاعة ثقافة اللاجدوى من الديمقراطية بأعتبارها بدعة غربية " وكل بدعة حرام " وان التحايل على صناديق الأقتراع فيه من الجواز الشرعي بعقول المتأسلمين, واجتماعيا اشاعة منظومة الخرافة والدجل وثقافة المسخ بما يحول الحياة الى تراجيديا مأساوية يحول الحياة الاجتماعية الى جحيم مشرعن, واقتصاديا شرعنة الفساد الأداري والمالي في سرقة المال العام وزرع ثقافة الأنحطاط وانعدام الوازع الاخلاقي والقيمي في تحريم الحلال وتحليل الحرام, حتى اصبح تحويل الدولة وممتلكاتها الى غنائم بين احزاب الاسلام السياسي والأثني.  

 منذ 2003 وما بعد سقوط الدكتاتورية بات مشروع الأسلام السياسي هو ليست الفوز بالأنتخابات ديمقراطيا والأستسلام لأرادة الديمقراطية في التدوال السلمي للسلطة بل هو مشروع للأستحواذ على الحكومة والدولة وتفريغ محتوى الأثنين من كونهما دعامة لحماية المواطن وتأمين الخدمات الأنسانية له وكذك ليست لزرع مفهوم دولة المواطنة والتعايش السلمي لكل التنوعات الأثنية والثقافية والعرقية الجامعة للعراق بكل مكوناته, بل فرض نموذج كسيح للدولة الطائفية والأثنية. 

 يمارس الأسلام السياسي في العراق منذ 2003 سلوكيات الأنقلاب على الدستور والعملية السياسية وعلى صناديق الأقتراع بممارسة التحايل بكل اشكاله لأفراغ العملية السياسية من كل محتواها والمتمثل اصلا في التداول السلمي للسلطة عبر صناديق الأقتراع. الأسلام السياسي لا يؤمن بهذا كله استنادا الى مسوغاته الشرعية والدينية في معاداة الديمقراطية الغربية وباعتبارها مخالفة للأحكام الشرعية للأسلام السياسي. ومما يثير الدهشة هو قدرة الاسلام السياسي في قدرته على التلون والتكيف كالحرباء, فهو يدعي الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة اكثر مما يدعيه اصحاب الحق والأيمان في الديمقراطية, ولكن حينما يؤمن الأغلبية الانتخابية سواء بالتزوير أم الأكراه اوبالعنف المسلح سوف يبدأ بمشروعه المعادي لبناء دولة المواطنة وتحويل الحياة الى جحيم على أسس من التخلف ومعاداة الحداثة والديمقراطية.   

الأحباط المزمن لشعبنا منذ 2003 ولحد اليوم يؤكد أن حالة الفقر والفاقة والجوع لاتعالجها دعاة أن "الأسلام السياسي هو الحل", بل أن الأسلام السياسي هو جزء من المشكل وهو يدخل طرفا مستميتا بخطابه او بقوة السلاح لفرض اجندة الفقر والتشرذم, والأسوء من ذلك فرض رؤى وردية لتنظيف ماضيه القريب وسفالته في محاولته للعودة الى المشهد السياسي بأي ثمن ولأعادة نوبات الفساد وسرقة المال العام.  

 الأسلام السياسي لا يعي اهمية الديمقراطية بفعل غبائه المستحكم او بفعل قناعاته الماورائية المضادة فالديمقراطية أهمية كبيرة على الفرد والمجتمع والدولة بشكل عام ومنها ما يلي: تعمل على تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي. عدم وجود الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية في ظل الديمقراطية . تقليل نسبة الفساد السياسي والإداري في الدولة. تؤثر بشكل كبير في تقليل مستويات الفقر والجوع في العالم. تعمل على النهوض بالدول، لذلك نلاحظ أن الدول الديمقراطية هي الدول الأكثر تقدماً في العالم. تعمل على تحسين الاقتصاد الوطني ونموّه بشكل ملحوظ. تحقق المساواة والعدالة الاجتماعية بين أفراد المجتمع. تحمي حقوق الإنسان وحرياته العامة.  

 خلال ما يقترب من عقدين من الزمن على التجربة العراقية " الديمقراطية " والتي يفترض ان تسير بمسارات ايجابية اكثر مما هو عليه في مجالات تعزيز قيم وتقاليد الديمقراطية السياسية, بل بالعكس يتصارع اليوم الأسلام السياسي بأقطابه المعروفة من الشيعة والسنة الى جانب القوى الأثنية, ويقرر سلفا بطموحاته المريضة دون احترام للناخب للأستحواذ على المقاعد النيابية ويفترض حصوله على مقاعد برلملنية خيالية تشكل في مقدماتها صراع شرس قادم بين المكونات الطائفية السياسية الواحدة, وهو أمر قد ينذر بمزيد من الفوضى في الشارع العراقي على خلفية التحريض بين جزئيات المكون الواحد.  

 ما هي جدوى الدعاوى والحماس المفتعل للمشاركة في الانتخابات القادمة في 10ـ10ـ2021 في ظل مراوحات في المكان, وماهو الجديد لكي تكون الانتخابات افضل من سابقاتها, حيث يستعد الأسلام السياسي بكل صلافة في العودة لتصدر المشهد السياسي وهو يستعد لأعادة تدوير نفاياه بواجهات مختلفة, تارة بأنشقاقات وتشظيات مؤقتة لحين الفوز بالأنتخابات, او النشاط من خلال منظمات المجتمع المدني الصفراء.  

 

الدعاوى من قبل الحكومة العراقية للمساهمة في الانتخابات القادمة لتغير واقع موازين القوى السياسية في البرلمان العراقي القادم هي دعاوى مشروعة ولكن عندما تقترن بأجراءات ميدانية تعكس قدرات السلطة التنفيذية لتوفير افضل الأجواء الأمنية لخوض الأنتخابات, فالأمنيات وحدها لا تحقق انتخابات ديمقراطية عادلة وخاصة ان التجارب البرلمانية السابقة فيها من المرارة ما يكفي لعدم الثقة بالحكومات وبالأحزاب المتنفذة في المشهد السياسي.  

  أن مطالب شعبنا في خوض انتخابات عادلة نسبيا يكمن في ما تقدمه الحكومة من خطوات جريئة, وفي ابرزها الكشف ومحاسبة عن قتلة المتظاهرين، منع السلاح المنفلت والميليشيات الاجرامية، منع ترشيح الاحزاب ذات الاجنحة المسلحة وتطبيق قانون الاحزاب الذي يمنع ذوي الأجنحة المسلحة لخوض الانتخابات، الأعلان الواضح عن رفض المحاصصة الطائفية والاثنية كنموذج قادم للحكم، خطوات جريئة في مكافحة الفساد والكشف عن رموزه وعدم الأكتفاء بالمطالبة الدولية بمكافحته , فالحكومة يجب ان تقدم للشعب ادلة ملموسة تؤكد مقدرتها في مكافحة الفساد بعيدا عن المراوغات الاعلامية والضحك على الذقون.  

 النظام " الديمقراطي " في العراق هو ولادة عسرة لتداعيات الاحتلال الامريكي له, حيث لم تكتمل عوامل النضج الذاتي والموضوعي لأختمار تجربة ديمقراطية تعبر عن تفاعلات القوى الداخلية في المجتمع العراقي, وبالتالي مما فسح المجال لقوى نشأت على خلفية انفعالية وليست سياسية, وكان ابرز سلوكياتها هو الثأر وعدم الاكتراث في بناء مستقبل أفضل !!.

  

 

 

العراق : السرقات العلمية ولصوص

الشهادات العليا على ضوء الأزمة

العامة في البلاد

 

د.عامر صالح  

 

يعاني العراق والتعليم العالي بشكل خاص من ظاهرة خطيرة تضر بسمعة ومكانة التعليم العالي في العراق وهي ظاهرة تزوير الشهادات العليا والسرقات العلمية بكل مظاهرها, وهي جزء من منظومة الفساد العامة في البلاد التي استفحلت ما بعد سقوط الدكتاتورية على يد المحتل الامريكي, ولكن جذورها تمتد الى حقبة النظام المتردي السابق, حيث الحروب العبثية الطويلة الأمد ثم الحصارات التي ترتبت عليها واستنزاف موارد البلاد في التسليح الى جانب القمع المستديم ومحاصرة الشعب في لقمة عيشه, كل ذلك اسهم في توفير الأسس الاخلاقية السيئة وتدهور المنظومة القيمية والتي وفرت اساسا للتزوير والفساد والرشاوى والاختلاسات والتي اشتدت في منتصف عقد الثمانينات والتسعينات, وكانت سرقة الشهادات وتزويرها انذاك استحوذت على الحصة الاكبر, وكانت الشهادات المزورة تصدر حتى "بالأختام الأصلية" باستثناء كونها غير مسجلة في الجهة التي تدعي الانتساب أليها, وكان سوق " مريدي " الكائن في مدينة صدام " الصدر حاليا " نار على علم ومعروف لدى الغالبية من العراقيين في اصداره لمختلف الوثائق والشهادات بل وحتى الترقيات العلمية والسير الذاتية المصادق عليها " بأختام الأصل ", وكان يتم استخدامها في الغالب خارج العراق بعد هجرة العراقيين في النصف الثاني من التسعينيات لأغراض الحصول على فرصة عمل بأي ثمن. 

في كل بلدان العالم هناك تزوير او محاولات تزوير للشهادات بمختلف المستويات وخاصة العليا " بكالوريوس, ماجستير, دكتوراه " ولكن هناك فرق ان يكون التزوير والسرقات العلمية هامش بسيط في وسط مجتمع يتمتع بدرجات عالية او مقبولة محليا وعالميا من النزاهة والعدالة وقوة القانون ويتصدى للفاسدين من المزورين وسراق الشهادات الدراسية ويعرضهم للمسائلة الشديدة والعقاب, قد تبدأ من ابسطها والمتمثلة بسحب الشهادة المزورة فورا والطرد من المهنة او موقع المسؤولية التي حصل عليها بالتزوير, وتنتهي الى الحبس والغرامة ودفع التعويضات المالية الباهظة جراء ذلك, الى جانب النبذ المجتمعي للأشخاص مرتكبي جرائم التزوير وقد تصل بصاحبها لاحقا حد تأنيب الضمير ومعاناة من العزلة الاجتماعية وخاصة عندما يرتبط ذلك بأجراءات التعميم والتبليغ لدوائر الدولة والمؤسسات الاجتماعية لتضييق الخناق على المزورين والحد من تماديهم السلوكي.  

 وقد شهدت دول العالم وخاصة ذات السمعة الطيبة في محاربة الفساد الكثير من حالات سحب الشهادات المزورة والمسروقة والطرد من الوظيفة وقد شمل مسؤولين كبار في الدولة, من وزراء ومدراء عاميين الى جانب موظفين صغار على خلفية التأكد من شهاداتهم المزورة, وفي هذه البلدان يكون الحديث عن النزاهة كسياق عام, وعن التزوير والفساد والسرقة كحالات شاذة وتمثل فسحة ضئيلة لا تهدد النظام والامن والاستقرار العام للدولة والمجتمع ولكن واجبة التصدي لها وحصرها منعا من تسللها وانتشارها, وهنا يمكن القول ان النزاهة قاعدة في مستويات معينة والفساد استثناء, ولكن الأمر مختلف عندما يكون الفساد والسرقة والتزوير قاعدة والنزاهة استثناء.  

 في عودة سريعة لظاهرة الفساد العام في العراق ومدى انتشاره وتمترسه في مفاصل الدولة والمجتمع بكل قطاعاته" باعتباره خلفية تضع امامنا بعض من الصورة القاتمة لكل الوزرارات والاجهزة الحكومية ومن ضمنها قطاع التربية والتعليم ". ففي أول جلسة للبرلمان العراقي من فصله التشريعي الثاني انذاك، والتي عقدت في 9 من مارس/آذار للعام 2019، كشف رئيس الحكومة المستقيل والمقال عادل عبد المهدي "خارطة للفساد بدعوى مكافحته"، شملت 40 ملفا، غالبها في مفاصل ومؤسسات الدولة. وشملت القائمة: "تهريب النفط، ملف العقارات، المنافذ الحدودية، الجمارك، تجارة الذهب وتهريبه، السجون ومراكز الاحتجاز، النقاط الأمنية الرسمية وغير الرسمية، المكاتب الاقتصادية بالمؤسسات والمحافظات والوزارات، تجارة الحبوب والمواشي، الضرائب والتهرب منها، الأتاوات و الكومشن (العمولة)، مزاد العملة والتحويل الخارجي، التقاعد، ملف السجناء، ملف الشهداء، المخدرات، تجارة الآثار، الزراعة والأسمدة والمبيدات،  تسجيل السيارات والعقود والأرقام،  الإقامة وسمات الدخول". 

 

وتضمنت أيضا: " الأيدي العاملة الأجنبية، الكهرباء، توزيع الأدوية، توزيع البطاقة التموينية، الرعاية الاجتماعية، السلف المالية المصرفية، التعيينات، بيع المناصب، العقود الحكومية، تهريب الحديد والخردة وغيرها، الامتحانات وبيع الأسئلة، المناهج التربوية وطباعة الكتب،  المشاريع المتوقفة، المشاريع الوهمية، القروض المالية، شبكة الاتصالات والإنترنت والهواتف النقالة، الإعلام والمواقع الإلكترونية، شبكات التواصل الاجتماعي، ملف النازحين، الاتجار بالبشر". 

 تضاف هذه القطاعات الأربعين الرئيسية إلى الكثير من ملفات الفساد المكتشفة بالأساس سابقا، لكن لم يتم تفعيل الأدوات والمؤسسات القضائية والتنفيذية لمتابعتها. تقدر الحكومة العراقية تلك الملفات بحوالي 13 ألف ملف للفساد، يقدر المتورطين فيها بقرابة مليون مشتبه، بين فاسدين ومتعاونين ومرتشين ومعطلين للقانون العام. تتراوح دائرة المؤسسات والإدارات المتورطة بها من التعليم والقضاء، وتمر بالتهريب والرشاوي، ولا تنتهي بوزارتي النفط والدفاع، اللتان تعتبران من أكثر وزارات العراق فسادا على الإطلاق. خارطة الفساد هذه تعكس بوضوح استباحة العراق شعبا وأرضا ووطنا ومواردا للعيش. فلا نستغرب عنما تشير الأرقام الدولية بأن موقع العراق هو بالمرتبة 166 من أصل 176 دولة على سلم الدول في مستوى الشفافية في العالم. أي أن العراق من أكثر الدول فسادا في العالم, كما لا نستغرب من الأحصائيات  التي تؤكد ان العراق اهدار اكثر من 1400 مليار دولار في الحقبة ما بعد 2003. 

الفساد في العراق اليوم هو فساد منظومة الحكم السياسية والحاكمة بمنطق المحاصصة الطائفية والأثنية, وبالتالي فأن الحديث عن الاصلاح الجزئي لقطاعات اجتماعية وحكومية هو حديث ليست ذي قيمة تذكر في ظل منظومة سياسية فاسدة, والتعليم العالي والبحث العلمي جزء من الأزمة العامة في البلاد وان الدعوة لأصلاح مؤسسات التعليم العالي وانتشالها من الفساد والتزوير والسرقات هي دعوى غير مستجابة في ظل نظام عام فاسد, وفي هذا السياق أشير الى ابرز ملامح ازمة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق:  

 ـ الأنتشار الواسع للجامعات الأهلية ذات الطابع الربحي البحت وانعدام تنسيقها مع الجامعات الحكومية والذي يدفع بدوره الى المزيد من الخريجين في مختلف التخصصات وبعيدا عن دراسة سوق العمل والحاجة الى التخصصات" رغم ان العراق لايزال في سبات أو ارض بكر وقد يحتاج الى الجميع لاحقا" ولكنه نذير الى المزيد من البطاله, الى جانب كون هذه الجامعات الأهليه في اغلبها تعود ملكيتها لزعماء احزاب طائفية وأثنية ويعج فيها الفساد اسوة بغيرها, ولاتتمتع مخرجاتها بكفاءة يعهد لها بالجودة والمنافسة مما يجعل منها بيئة طاردة للمعايير والقيم العلمية وارض خصبة لتفشي نمط من الطموحات غير المشروعة التي تنال من قيم البحث العلمي النزيه.  

 ـ وفقا لقانون معادلة الشهادات والدرجات العلمية الذي أقره البرلمان في 28 اكتوبر للعام 2020 يقوم القانون بنقل معظم صلاحيات وزارة التعليم العالي وتحجيمها وتوزيعها على جهات عدة غير أكاديمية، ومنها الأمانة العامة لمجلس النواب التي منحت صلاحية معادلة الشهادات التي تصدر من معهد التطوير البرلماني، كما تقوم وزارة التربية بمعادلة شهادات المرحلة الثانوية والدراسات التي تسبقها والشهادات الصادرة من كلية التربية المفتوحة، ووزارة الدفاع ووزارة الداخلية بمعادلة الشهادات العسكرية والمسلكية، كما تقوم الجامعات المتنوعة ومجلس الخدمة الاتحادي بمعادلة وتقييم الشهادات التدريبية والفنية، فلم تعد وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تملك الرأي الأول والأخير في معادلة الشهادات، كما درجت عليه الأعراف العربية، وبات القرار مرتبطاً بالجهات المذكورة، إضافة إلى خروقات علمية أصابت هذا القانون نتيجة قلة الخبرة وضعف الإرادة وتأثير مجلس النواب وابتزازات كثيرة تكتنف عملية المعادلة والتقييم، كما أكد عديد من الأساتذة، فيمكن اعتماد ومعادلة شهادة الدكتوراه من خارج العراق من دون تقديم أطروحة الدكتوراه والاكتفاء بالأمور الإجرائية فقط، وعدم مطالبة وزارة التعليم بتدقيق أطروحة الدكتوراه كما هو متبع حالياً، وهذه سابقة لا يمكن أن تحصر نتائجها أو قبولها، كما شجع القانون الجديد على معادلة شهادات الوزراء والبرلمانيين وأصحاب الدرجات الخاصة الحاصلين عليها أثناء فترة تكليفهم استثناءً من القواعد الجامعية والتعليمات الخاصة بالدراسات العليا التي ألزمت الدارسين جميعاً بالتفرغ التام أثناء فترة الدراسة، لكن الأكثر إغاظة للتعليم العالي وكادره الأكاديمي اعتماد القانون الجديد على الاعتراف بالشهادات عن طريق المراسلة، الأمر الذي ترفضه وزارة التعليم العالي ووزراء التعليم العرب بالإجماع. 



ـ حالة الفقر العامة في البلاد, فالفقر بطبيعته التي تجبر الإنسان على التفكير بلقمة العيش فقط, فهي تحصره في ضيق الأفق والتقليل من مساحات الإبداع والحد من استثمار القدرات العقلية.

ـ هيمنة الفكر السياسي والديني المتعصب في الحياة العامة والذي يرفض جميع أشكال التطور والتقدم العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي, ويتشبث في الماضي لإيجاد الحلول لمشكلات الحاضر, ويرفض ممارسة النقد والنقد الذاتي لفكره وممارساته, فيعتبر ما عنده صالح لكل الأزمان والأمكنة, وبالتالي يشل قدرة العقل على التواصل مع معطيات الحضارة العالمية.
ـ الاستبداد السياسي المتمثل بفقدان حرية الرأي وغياب الديمقراطية في كل مفاصل الحياة, ابتداء من السلوكيات الفردية والمؤسساتية صعودا إلى قمة النظام السياسي, التي تحاصر الحريات الفردية اللازمة لتطوير شخصية الفرد وعطائه, وتحول الكيان الاجتماعي إلى كتلة هامدة عديمة التمايز والفاعلية, تجيشها متى ما تشاء وتخرسها عند الحاجة وتساوي أفرادها هلاكا, حيث أن التمايز الفعال بين الأفراد في القابليات والقدرات هو احد حقائق الوجود الإنساني وصيرورته.
ـ ويرتبط بالعوامل المذكورة أعلاه غياب ثقافة أهمية البحث العلمي والاكتشافات العلمية والرغبة في الإبداع والاختراع في الوعي والتفاعل الاجتماعيين, وبالتالي يغيب التفكير والتشجيع والدعم عن المسار البحثي والعلمي وعن العلماء والباحثين والمكتشفين في المجتمع, وترتبط جذور ذلك أصلا في غياب القيمة البحثية في مناهج التعليم بمراحله المختلفة والقائمة أصلا على الحفظ والتلقين والاستذكار التقليدي, وهذا النظام التعليمي التلقيني لا يحتاج إلى كفاءات عالية ولا إلى مستلزمات تقيم متطور لقياس مهارات الطلاب في الفهم والتفكير وحل المشكلات, إلى جانب كونه نظام يدفع إلى الكسل والاتكالية والخمول العقلي, ولا يستثير في الطالب فكرا أو تساؤلا بل يقتل فيه ملكة التفكير, وتنتفي في هكذا نظم تعليمية القدرة على صناعة الباحثين في الخطط التعليمية عبر التراكم المعرفي في مراحل التعليم المختلفة.
ـ ضئالة الموارد المالية المخصصة للبحث العلمي وللباحثين في الجامعات العراقية بصورة عامة بسبب من غياب إستراتيجية واضحة في هذا المجال وتخلف النظرة إلى الإنفاق باعتباره إهدارا واستهلاكا للأموال غير مجدي, وليست استثمارا طويل الأمد يأتي أضعاف ما ينفق عليه, الى جانب ما حملته كورونا وأزمة النفط العالمية من شحة في المال والانفاق.
ـ الفساد الإداري والمالي وضعف معايير الكفاءة والأهلية المهنية والعلمية في انتفاء الكادر القيادي لمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي, واللجوء إلى معايير الحزبية والمذهبية والطائفية والموالاة في انتقاء الكوادر الإدارية, وغالبا ما تكون هذه القيادات بعيدة كل البعد عن مفهوم الاستقلالية والنزاهة, بل هي أطراف أساسية في صراعات مصلحيه ضيقة مع غيرها, بل هي أطراف في الفساد بمختلف مظاهره, مما يحرم هذه المؤسسات من الاستقرار والنزاهة والحيادية التي هي شروط لازمة للارتقاء بالعلم والبحث العلمي. ويرتبط بذلك ويرافقه سياسات أبعاد الكوادر العلمية عن مواقعها العلمية والبحثية من خلال التهجير ألقسري والإحالة على التقاعد وانتهاء بالتصفيات الجسدية ومسلسل الاغتيالات للكوادر في مختلف التخصصات العلمية.
ـ الآثار الضارة للمركزية الإدارية الشديدة في التعليم وغياب إستراتيجية إدارية ـ علمية معاصرة, حيث ساهمت الإدارة المتخلفة وعلى مر عقود في غياب تصور علمي دقيق وشامل للعمل البحثي, انتفت فيه عمليات التناسق والتناغم والتخطيط لمكونات العملية البحثية ومقوماتها الأساسية ( الباحثين, التمويل, التطورات العلمية والتقنية, الأولويات البحثية بما يخدم احتياجات المجتمع وتطوره, المعامل والأجهزة والمعدات العلمية وغيرها ), وبين المراكز البحثية المختلفة, وبين البحث واحتياجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية لمختلف البحوث.
ـ أن غياب إستراتيجية شاملة للبحث العلمي في العراق تتضح آثاره جليا في ما يسمى بالفوضى البحثية, والتي تتضح أبرز معالمها في العمل البحثي الفردي لأغراض فردية وذاتية بحتة, سواء لأغراض الترقية العلمية فقط أو للحصول على المال في أمكنة النشر, وعدم وجود فرق بحثية تتكامل بين أفرادها, وهو سمة مهمة من سمات تطور وارتقاء البحوث في عالمنا المعاصر, وعدم التنسيق بين المراكز البحثية المنتشرة في البلد الواحد, وانفصال البحوث عن المشكلات الاجتماعية واحتياجات المجتمع, مما أدى بدوره إلى تكرار واجترار البحوث السابقة, فهي لا تخدم في معظمها قطاعات صناعية أو زراعية ولا تواكب حاجات المجتمع في ميادينه الناشئة الحديثة كتقنية المعلومات والتكنولوجيا المتطورة, وكان ذلك سببا في إنتاج كم هائل من المجلات والدوريات ذات الموضوعات المتكررة في البلد الواحد بل وفي القسم و الكلية والجامعة الواحدة في البلد المعني, واغلب هذه الدوريات غير معروف عالميا ولا يضيف قيمة علمية للبحوث العالمية .
ـ عدم وضوح فكرة أن الجامعات هي جزء من آليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي يجب أن تكون بحوثها على تماس مع مشكلات المجتمع بمختلف قطاعاته, وبسبب غياب الرؤى في هذا المجال نرى أن اغلب بحوث الماجستير والدكتوراه تستهدف تهيئة وتدريب الكادر على طرائق ومنهجية البحث العلمي, وهي بهذا بعيدة كل البعد عن المساهمة في البحث عن الحلول للمشكلات الاجتماعية المختلفة, وبسبب من ذلك تأتي اغلب الأبحاث سواء الأساسية منها أو التطبيقية تكرارا لسابقتها, إن لم يكن تكرارا مملا فهو تكرارا بحلية شكلية ترضي المشرف عليها, وقد تبدو لصاحبها أصيلة وهي بعيدة كل البعد عن الأصالة.
ـ لا يشكل البحث العلمي إلا قدرا هامشيا أو ضئيلا من عمل الأستاذ الجامعي فهو مغرق بالساعات التدريسية مما يشغل جل وقته في التهيئة للمحاضرات النظرية أو أعمال المختبر التقليدية, كما أن الكثير منهم تضعف علاقاته بالبحث العلمي بعد حصولهم على الدكتوراه أو بعد نيل درجة الأستاذية أو الأستاذ مساعد أو أستاذ مشارك, وينصب اهتمامهم في الإشراف على الأبحاث فقط أو أعمال روتينية إدارية كإدارة قسم أو كلية أو جامعة, رغم أن دور الأستاذ يجب أن يكون مستمرا في إنتاج أفضل البحوث المفيدة سواء للمجتمع أم للعملية التعليمية في أروقة الجامعات.

ـ ضعف البنية التحتية للأبحاث النظرية والتطبيقية من مختبرات وأجهزة ومكتبات علمية, فالمختبرات وأجهزتها وصيانتها ونقص المواد الأساسية لها بمختلف التخصصات ونقص الكادر الفني ذات الصلة بذلك هو سمة بارزة لأغلب ما تعانيه الجامعات العراقية وتشكو منه, إلى جانب ضعف قاعدة المعلومات الحديثة, سواء من مطبوعات ودوريات علمية عالمية أو غياب المكتبات الرقمية أو الالكترونية وقواعد البيانات البحثية وغبرها من أدوات التعليم الالكتروني للتواصل مع العالم البحثي.


ـ التدهور الأمني المستمر لمؤسسات التعليم العالي وتدخل رجالات الأحزاب والمليشيات الطائفية في شؤون التعليم العالي مما يضع طرفي العملية التعليمية : الطالب ـ الأستاذ والعملية التعليمية برمتها في دوامة عدم الاستقرار والخوف من المستقبل¸مما يترك أثره الواضح في تسرب الطلاب وهجرهم لمقاعد الدراسة وهجرة الكادر التدريسي.

ـ الإجراءات التعسفية في إقالة أو إحالة الكادر التدريسي الجامعي ومن درجات علمية متقدمة " أستاذ وأستاذ مساعد " على التقاعد بذرائع ومبررات واهية, منها كبر السن أو بتهمة عدم الكفاءة, وهي إجراءات تنفذ في الخفاء بواجهات سياسية أو انتماءات طائفية, وتحرم هذه المؤسسات من خيرة كادرها المتمرس في التدريس والبحث العلمي.

ـ تدهور البنية التحتية اللازمة لتطوير التعليم العالي من مكتبات علمية ومختبرات وشبكة انترنيت ومصادر المعلومات المختلفة, وقد تعرض الكثير منها إلى الحرق والإتلاف الكامل والى التخريب والسرقات المقصودة لإفراغ الجامعات من محتواها المتمثل بالمراجع والكتب والأبحاث والمقررات الدراسية بمختلف التخصصات, وغلق أقساما للدراسات العليا بكاملها تحت ذريعة عدم توفر الكادر التدريسي اللازم لها.

ـ تدهور المستوى العلمي والتحصيلي للطلاب جراء تدهور الوضع الأمني والانقطاع عن الدراسة, أو النجاح بأي ثمن تحت وطأة تهديد الأستاذ الجامعي من قبل مليشيات الأحزاب السياسية ـ الطائفية وفرض معايير مشوه للتفوق الدراسي لا تعبر عن إمكانيات الطلاب الفعلية, بل تعبر عن أولويات الانتماء السياسي أو المذهبي أو الطائفي, وهي تذكرنا بممارسات التبعيث لفرض النتائج الدراسية وانتقاء الطلبة على أساس الولاء للحزب الحاكم.

ـ تغييب الكليات الإنسانية والتضييق على دورها المهم في الحياة الثقافية العامة عبر الحد وعرقلة أنشطتها المختلفة التي يفترض لها أن تسهم بإشاعة ونشر قيم التسامح والعدل والحق ومكافحة الإرهاب, وقد شهدت هذه الكليات حرق العديد من مكتباتها بالكامل, وعرقلة إصدار دورياتها الثقافية الشهرية أو الفصلية أو السنوية, وانعدام الأجهزة اللازمة لاستمرار عملها كأجهزة الاستنساخ والطباعة وغيرها, إضافة إلى محاصرة العديد من مبدعي وكتاب هذه الكليات ومنعهم من الظهور العلني للحديث عن نشاطاتهم ونتاجاتهم الثقافية والأدبية المختلفة.

ـ استشراء الفساد بمختلف مظاهرة الإدارية والمالية, من محسوبية ومنسوبيه وسرقة الأموال المخصصة لهذا القطاع وتزوير للشهادات والتلاعب بسجلات الدرجات من خلال ممارسة الضغط والابتزاز على إدارات الأقسام الدراسية و عمادة الكليات لمنح ضعاف التحصيل ما لا يستحقوه أو إضعاف المتفوقين دراسيا والعبث بدرجاتهم بدوافع الانتقام والثأر بواجهات مختلفة, سياسية ومذهبية وطائفية وغيرها.

ـ عدم السماح وعرقلة جهود المنظمات الدولية كالأمم المتحدة وأجهزتها المعنية بشؤون التعليم العالي على الإشراف والتأكد من ظروف عمل هذه المؤسسات بما يستجيب لشروط الجودة العالمية لهذه المؤسسات وحماية خريجها من عدم الاعتراف بالشهادة, وكذلك عرقلة جهود اللجنة الدولية للتضامن مع أساتذة الجامعات.

ـ في ظروف العراق الحالية والذي توقفت فيه التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الشاملة, تضعف فيه كنتيجة منطقية قدرة ودور الجامعات والمؤسسات البحثية في المجتمع وبالتالي تضعف روابط التعليم العالي ودوره الأساسي في التخطيط والاستجابة لظروف التنمية البشرية الشاملة وحاجتها الفعلية لمختلف القيادات والكوادر في مختلف التخصصات العلمية والأدبية والمهنية والتقنية وغيرها.  

 ـ رغم وضوح شروط الانتساب الى الدراسات العليا من حيث العمر والمعدل والخبرة الوظيفية " في الماجستير لا يتجاوز المتقدم عن 45 عام, والدكنوراه عن 50 عاما ", إلا انه جرت استثناءات من شروط " العمر, والمعدل, والخبرة الوظيفية لذوي الشهداء والمعتقلين في زمن النظام السابق وما بعد 2003 وحددد لهم نسبة 10% من مجموع المقاعد, ولكن الفساد لم يترك تلك الاستحقاقات تسير وفقا لمنطق العدالة, حيث استغلت اشد الاستغلال في تزوير مستندات تؤكد اعتقال المتقدم للدراسة سابقا او مستندات تؤكد استشهاد ذوي المتقدم وغيرها من مظاهر الفساد وبهذا تحولت تلك الاستثناءات الى فرص للبزنزه والفساد, ويذكرنا ذلك بما كان يفعله النظام السابق.

.
ـ غياب إستراتيجية واضحة للبحث العلمي في ضوء احتياجات المجتمع المحلي لها, حيث أن المبادرة الفردية للباحث والأستاذ تلعب دورا كبيرا في تقرير ذلك, ومعظمها يجري لأغراض الترقية العلمية أو لأغراض المتعة العقلية الخالصة للبحث, ويجري ذلك في ظل انعدام صناديق متخصصة لدعم وتمويل البحوث, وضعف القاعدة المعلوماتية, وعدم وجود مراكز أو هيئات للتنسيق بين المؤسسات البحثية, وضعف الحرية الأكاديمية كتلك التي يتمتع بها الباحث في بلدان العالم الديمقراطي, وعدم تفهم أو انعدام دور القطاع الخاص ومشاركته في الأنشطة العلمية حيث لا يزال قطاعا متخلفا يركز على الربحية السريعة والسهلة ولا يعي حقيقة وأهمية البحث العلمي في تطويره. ولا نستغرب من كل هذا ولتلك الأسباب حصرا عدم تبوء الجامعات العراقية لمكانتها العلمية بين الجامعات العالمية رغم الجهود المبذولة من قبل مختلف الجامعات العراقية, فالطموح لتبوء مكانة لائقة في وسط الجامعات العالمية شيء ويبقى طموح مجرد, وفهم أسباب التخلف العلمي والقدرة على تجاوزه شيء آخر.  

 

في تلك البيئة القاتمة أشتد ساعد التزوير والسرقات العلمية ما بعد 2003 فأنتقل من تزوير لأغراض العمل في الخارج الى تزوير من الداخل والخارج لأغراض العمل في الداخل وتبوء المناصب العلمية والسياسية والادارية والمهنية في ظل نظام سياسي فاسد يلغي المنافسة على اساس الكفاءة الفردية والذكاء المتميز ويبقيها على اساس المحاصصة الطائفية والاثنية والتعامل مع مؤسسات الدولة والقطاعات الاجتماعية على اساس غنائم يجب الاستحواذ عليها وتشويه ادائها.  

 

ومع استخدام الأنترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي وفي ظل الانفجار المعرفي والمعلوماتي انتشرت مواقع للتزوير والسرقات العلمية على قدم وساق وبدأت السوق السوداء تفعل فعلها في تلويث سمعة البحث العلمي والشهادة العلمية, وبات كل شيئ بتسعيرة محددة " وبالدفاتر " والدفتر بالعراقي يعني ألف دولار, وقد شاع التزوير وانتحال الشهادت الجامعية والعليا منتشرا في كل مواقع الدولة ومؤسساتها " في البرلمان والحكومة وفي كل المناصب من اسفلها الى اعاليها, بل واقترن ذلك بحملات الدفاع عن المزورين والاعفاء عنهم واعتبارهم مساكين واصحاب عوائل ويجب ان يعيشوا وعفى الله عن ما سلف. ومن ابرز مظاهر التزوير والسرقات العلمية ما يأتي:   

ـ شراء شهادة بأختصاص ما " بكالوريوس, ماجستير ودكنوراه " جاهزة وبالاختام الاصلية دون الحاجة لكتابة اطروحة او رسالة او مشروع بحث دون الحاجة الى الانتظام في الدراسات العليا.  

ـ وعند الانتظام في الدراسة اللجوء الى السرقات العلمية بمختلف اشكالها, كسرقة اطروحة جاهزة اجريت عراقيا او عربيا وعالميا والعبث بمتغيرات الدراسة واحداث بعض التغيرات على المحتوى بما يوحي اصالتها, وقد يساهم بعض من الاساتذة من ضعاف النفوس والعلمية المتدنية بمساعدة الطالب على اعادة تنظيم شغله المزور.  

ـ أنتشر في الآوانة الاخيرة ما يسمى بالمناقشة الصامتة للأطروحة تجنبا لضعف الطالب واخفاء لسرقاته حيث تتم المناقشة في اجواء شبه سرية لايتم فيها تسجيل ما يتحدث فيه " الباحث " ويكتفي بصور ثابتة غير ناطقة.  

ـ السرقة عن طريق الترجمة الكاملة مع التواطؤ مع المشرف واعادة صياغة محتوى الرسالة بطريقة ما قد تتسم بالغموض مما يترك انطباعا مزيفا ان " الباحث " متمكنا بطريقة خاصة تفوق المحيطين به.  

ـ سرقات لتحليلات وتفسيرات الاخرين دون ذكر اسمائهم وقد يستخدمها في التعليق والاستنتاج على الدراسات السابقة او في تفسير النتائج.  

ـ الاقتباس من دراسات اخرى دون ذكر مرجعيتها في محاولة من الباحث لأبراز مقدرته عبر سرقته لجهد الاخرين ولصقها به.  

ـ تكليف استاذ ما قد يكون  "المشرف " لكتابة بحث كاملا مقابل مبلغ من المال ثم يدرب الطالب في الدفاع عنه في عدة لقاءات مصغرة اشبه بجلسات المناقشة.  

ـ تضليل القارئ بذكر قائمة مراجع في نهاية العمل دون ان يستخدمها في محاولة لترك انطباع ان " الباحث " مستفيض في علمه من خلال ما يذكره من مراجع.  

ـ شراء اطروحة جاهزة من مكاتب التزوير تجرى عليها بعض من الحذف والاضافة والتغير لأخفاء جوهر العمل باعتبار المالك ليست هو وبالتالي تقديمها كأطروحة " أصيلة " لم تبحث من قبل.  

 القانون العراقي للعقوبات والمرقم 111لسنة 1969 والساري المفعول مع تعديلاته تناول جريمة التزوير في المواد 286إلى 298 منه، ويقصد بالتزوير هو تغيير الحقيقة بقصد الغش ماديا ومعنويا وان يؤدي ذلك إلى الأضرار بالمصلحة العامة أو شخص من الأشخاص، ومثاله بصمة الابهام أو ختم مزور أو تغيير واضافة بالحذف والتعديل في المحررات الرسمية أو العادية”. 

وقد “عاقبت المواد 289و 298 بالسجن لمدة ١٥ سنة على التزوير، وسبب هذه العقوبات المرتفعة لهذه الجريمة هو اقتران هذه الجرائم بالاحتيال وايضا تؤدي إلى فقدان الثقة في التعامل بين الناس”. وأن “استشراء هذه الجريمة سيؤدي إلى فقدان الثقة وعدم الاطمئنان في التعامل، وبالتالي توقف التعامل بين الناس وتعرقل التعاملات”. وأن “هذه الجريمة تكتشف عن طريق إرسال كتب صحة الصدور من الوزرات إلى الجامعات للتأكد من صحة الشهادات الدراسية المتنوعة”.  

المشكلة هنا ليست في حالات متفرقة من الغش والتزوير والسرقة يتم اكتشافها بل المشكلة مع منظومة فساد كاملة ترتضي لنفسها ممارسة الغش والتزوير كثقافة يومية امام ضعف الدولة والقانون والقضاء وبالتالي فأن الغش والتزوير اصبح ثقافة مجتمعية بديلة للصدق والأئتمان, وبالتالي لا تجدي نفعا هنا الحديث عن تقنيات الكشف عن التزوير والسرقة, فهناك الكثير من المواقع المتخصصة لفضح السرقات والتزوير, ولكن تلك الأدوات مهمة عندما يكون الفساد فسحة ضيقة في ظل نظام عادل ونزيه, ولكن في العراق الأمر مختلف حيث الاصلاح السياسي اولا والبقية تأتي. وفي ختام مقالي فأني أحيي الاساتذة المخلصين الشرفاء والطلبة المبدعين الذين يحصدون شرف التفوق بعرق جبينهم. 

 

  

 

 

نار المحاصصة تحرق المصابين

بكورونا في مستشفى الحسين في الناصرية

 

د.عامر صالح

 

للمرة المليون يكشر نظام المحاصصة الطائفية والاثنية في العراق عن انيابه في ارتكاب جرائم مختلفة جراء ادائه الخرب الذي يستهدف حياة الناس الابرياء من خلال خراب مؤسساته القائمة على اساس التحاصص والابتزاز وسرقة المال العام والعبث بأستقرار المواطن وصحته وأمنه, بالأمس كانت جريمة حريق مستشفى ابن الخطيب في بغداد واليوم جريمة حريق مستشفى الناصرية الذي اودى بحياة العشرات من الضحايا تجاوزت 170 بين موت وجريح, انها جرائم قتل جماعي ترتكبها منظومة الفساد والطائفية الحاكمة في العراق حيث تداخل الأدارة للقطاعات المجتمعية المختلفة مع توجهات المحاصصة في الاستحواذ على كل مرافق الدولة والمجتمع بما يحول الأداء لهذه القطاعات صفريا, وحال الاختلاف والتناحر حول غنائم الدولة يتحول الصراع الى صراع ابادة وانتقام بمختلف الوسائل اللااخلاقية واللاانسانية ويكون ضحيتها المواطن بما يستهدف الانتقام من صحته ورزقه اليومي وتعطيل خدماته اليومية من صحة وكهرباء وماء وتعليم وغيرها.  

 جريمة مستشفى الحسين في الناصرية مركز المحافظة ذي قار في العراق انه جريمة نكراء بكل المقاييس بغض النظر عن الاسباب المباشرة وما يقال من انفجار قناني الاوكسجين وغيرها فنظام المحاصصة فاقد لأي آلية لحماية المؤسسات المجتمعية من اي طارئ مفاجئ, لأن بنية النطام غير قادرة على توفير الحد الادنى من الضمانات ضد الكوارث المحتملة هذا على افتراض ان لم تكن الجريمة بدوافع سياسية مباشرة تكمن اسبابها في سر نطام المحاصصات البغيض الذي عرض كل البنية التحتية المجتمعية ومؤسساتها لسنة الصراع الطائفي السياسي والاثني القائم على تدمير الدولة ومؤسساتها بهدف احلال الخراب المستديم الذي تقتاد عليه مليشيات اللادولة في صراعها من اجل تدمير العراق وتحويلة الى كانتونات طائفية واثنية مسلحة تعم فيها مزيدا من الفوضى واللاخدمات وتحويل الحياة العامة الى مزيدا من العسكرة العبثية وفوضى السلاح الذي يتنافى مع منطق الدولة التي هي المحتكر الوحيد للسلاح.  

 كما نسمع فقد تشكلت لجان على مستوى رفيع وتمت اقالة عدد من المسؤولين المباشرين وسوف يجري التحقيق وستعلن نتائجه كما هي الحال في سابقاتها من اللجان دون جدوى باستثناء استقالة وزير الصحة على خلفية حريق مستشفى ابن الخطيب الذي حصل قبل اشهر وبذات الاسباب التي حصل فيها اليوم مستشفى الحسين في الناصرية ثم اختفت لاحقا نتائج التحقيق بالحادث, وهذا يذكرنا بكل اللجان التي شكلت للكشف عن قتلة المتظاهرين ولجان محاربة الفساد وجميعيها لم تكشف ذرة من ما يجري من فساد واستباحة لدم الابرياء.  

 نظام المحاصصة بفعل تركيبته المافوية السياسية غير قادر على بناء دولة المواطنة والقانون وغير قادر على تشخيص مواقع الخلل في النظام لأنه جزء منه وبالتالي فأن التخادم المشرك بين اطراف المحاصصة يحجب النور عن اي دور للعدالة والقانون ويسهم في تغطية الجرائم المرتكبة من قبل كل الاطراف السياسية المساهمة في ادارة الحكم وفي مقدمتها قوى الاسلام السياسي.  

 ان هذا النوع من الجرائم المرتكبة وذات الطابع المقصود بسبب بنية النظام المتهالكة والفساد العام المقصود والمخطط له لتخريب مؤسسات الدولة في اطار العبث بمعايير الأداء السليم, وان كانت شرارتها اعمال فردية مقصودة وغير مقصودة, فهي تعكس حجم الهلاك والتردي الداخلي الذي يجسد بوضوح انعكاسات المحاصصة في الأطراف كما في القمة, انه عمل يحمل الكثير من القصدية في نتائجه النهائية لتخريب المجتمع ومؤسساته, وبالتالي فهي جرائم لا يمكن ان تسقط بالتقادم, أسوة بجرائم الحروب الطائفية والتهجير وتدمير المدن وسلب الممتلكات العامة والخاصة وقتل المحتجزين, وان من يحرض عليها ويرتكبها يجب ان يساق للعدالة, فهي جرائم ضد الانسانية, وقد انتهكت في العراق كل حقوق المواطن الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بكل تفاصيلها بلغت حد تهجيره وقتله ومصادرة ممتلكاته.  

لقد عرقل نظام المحاصصة منذ نشأته في 2003 جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي، وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد، بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك، أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة، بل تؤسس إلى " إفساد للتنمية "، وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف، والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع، أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل، وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف دينه ومذهبه وطائفته وعرقه.  

ان جريمة مستشفى الحسين في الناصرية في حرق اجساد المصابين بكورونا هو جزء من جرائم متصلة والقادم افظع لا محال بفعل طبيعة النظام العاجزة عن حماية ارواح المواطنين وقد سبقتها جرائم مختلفة اطالت الحرث والنسل والخدمات بما فيها تدمير الكهرباء, وبالتالي نحن امام اداء نظام سياسي تكون مخرجاته الخراب والتدمير والحرائق ونسف البنية التحتية.  

 بالتأكيد ان التغير المرتقب نحو الافضل هو خيار صعب وعسير حيث قوى اللادولة وانتشار السلاح والفساد المتمترس الى جانب احزاب مليشياوية ستدخل من جديد الى العملية السياسية وتراهن على جمهور غوغائي لا يفقه غير لغة الانصياع وراء قائد الضروروة وبالتالي فأن صعوبات تغير موازين القوى لصالح القوى المدنية ليست سهلا ابدا وقد تكون الحقبة القادمة اشد قتامة إن لم يحسمها خيار الشعب الواعي صوب التغير لأنقاذ شعبنا ومجتمعنا من براثن التخلف والظلامية.  

 المجد والخلود لضحايا مستشفى الحسين في الناصرية والصبر لذويهم والخزي والعار لمرتكبي الجرائم بقصد او اهمال.  

 

 


الخرافة في خدمة انتشار وباء

كورونا مع اشارات حول وضع العراق

 

د.عامر صالح

 

الخرافة في معناها العام تعني البعد عن الحقيقة، والخرافة هي اعتقاد أو فكرة لا تتفق مع الواقع الموضوعي بشرط أن يكون لهذا الاعتقاد استمرارية وله وظيفة في حياة من يؤمنون بها ويستخدموها في مواجهة بعض المواقف وفي حل بعض المشكلات الخاصة بهم في الحياة رغم عدم عثورهم على الحل الحقيقي والمنطقي الذي ينسجم مع طبيعة العقل في حل المشكلات.  

 والتفكير الخرافي يفتقد إلى العلية أو السببية العلمية" أي إن لكل ظاهرة اجتماعية أو طبيعية سبب واحد أو مجموعة أسباب ويمكن التحكم فيها عبر حصرها في دائرة أسبابها ثم فهمها فهما صحيحا وصولا إلى التحكم فيها "، ويبحث التفكير الخرافي عن تفسير للظواهر الطبيعية والاجتماعية خارج إطار أسبابها الحقيقة، وغالبا ما يبحث عن أسباب ماورائية ميتافيزيقية غيبية. وتنتشر الخرافة انتشارا واسعا كلما زادت ظروف الحياة صعوبة وكلما زادت الأخطار المختلفة من اقتصادية واجتماعية وأمنية التي تهدد جماعة ما دون العثور على الحلول الطبيعية والممكنة لذلك. وتنتشر الخرافة في أوساط اجتماعية مختلفة ذات ثقافة فرعية سواء كانت مهنية أو دينية أو طائفية في إطار المجتمع العام حيث يعم القلق والاضطراب وعدم الاستقرار وانعدام الحلول الواقعية. 

 لا اريد هنا استفزاز مشاعر الناس بمختلف معتقداتهم وطقوسهم الدينية والمذهبية وسلوكياتهم الأيمانية في دفع الاخطار المهددة لحياتهم جراء المخاطر المختلفة التي تحدق بوجودهم, من امراض مختلفة وأوبئة او توقعات بكوارث قادمة, ولكن ماهو مجافي لمكانة الانسان وحرمته هو اللجوء الى ما يعقد حياة الانسان ويضعها على حافة الاخطار الجدية جراء فهم مشوه للدين او المعتقد وممارسة طقوس تفضي الى تشديد قبضة الامراض والابئة وانتشارها على خلفية ممارسة طقوس تفضي الى انتشار الوباء كما هو في وباء كورونا, الذي سهل انتشاره وتمعقله وحتى تحوره الى اشكال مختلفة جراء الطعن بمكانة العلم والتشكيك بجدوى اللقاح وعدم اخذه, وحتى التشجيع على عدم اخذه في اعتقاد متخلف انه سبب الوباء.  

 وقد وصل الامر الى الاستعانة بأنصاف المراجع والفتاوى بل والاستعانة بعامة الناس من يمارسو الطقوس الدينية شكلا بدون مضمون الى الأخذ بوصفات شعبية وتعويذات وطقوس مختلفة للخلاص من الوباء, ولكن كانت نتائجها القريبة هو انتشار الوباء على اشده وتحوله الى كوارث يومية تؤدي بحياة الناس وتيتم الاطفال وتقتل النساء والرجال دون شفاعة من احد, فكانت الزيارات الدينية لمختلف المراقد والامكنة الدينية تأتي بنتائج عكسية حيث طبيعة الزيارات الحشدية تسهم بشكل فعال في انتشار وباء كورونا وتحوره الى اشكال خطيرة وسريعة الانتشار" رغم ان هناك بعض من المراجع الدينية تؤكد الأخذ بنصيحة الطبيب والجهات الصحية والحكومية المختصة وارشاداتها العامة بهذا الخصوص", ولكن الخرافة شقت طريقها بهدوء وعمق الى مخيلة الناس لكي تغزز من استفحال الوباء وانتشاره وتكثر من الضحايا, ومن النماذج المتأصلة في تفكير الكثير من عامة الناس: ان الوباء قدر ألهي وعقاب رباني لما يقترفه الناس من مساوئ وموبقات في الدنيا ونسوا المعتقد السائد ان الله يحاسب في الآخرة على الافعال, وعندما كان الوباء محصورا في الصين كان عقابا للصين على سوء معاملتها للأقلية المسلمة كما يدعون, وعندما انتشر على اراضي المسلمين اختلف الامر واصبح عقابا ربانيا على الافعال وان الاوبئة اقدار من الرب والحكايات كثيرة ومعبئة بزخم انتشار الفكر الخرافي في عقول الناس.  

 اما علاج كورونا خرافيا فقد تنوعت اشكاله وابرزها رفض اللقاح لانه يقي من الاصابة, وقبل ان يتم اكتشاف اللقاح كان الجميع بأنتظاره, ونشر وعي مزيف بأن كل من اخذ اللقاح او معظمهم في العراق اصيبوا بكورونا, الى جانب الوصفات الشعبية بتناول بعض المأكولات بانتظام طقوسي وشرب بعض السوائل ايضا وقراءة التعويذات بانتطام وبترديد اشد وطأة من المعتاد كي يقف مناعة ضد الفيروس ولعل من الوصفات التي شاعت مؤخرا في العراق هو تناول خمسة حبات من التمر يوميا مع اكل نصف رمانة واضفاء قدسية على تلك الوصفة بأنها "وصفة من الصين وقد عالجت الوباء هناك بسرعة", ولكن النتائج الميدانية في العراق تقول مزيدا من حبات التمر والرمان تقابلها ارتفاع نسبة الاصابة حيث انعدام العلاقة المنطقية بين هذا وذاك والحديث يطول.  

استورد العراق اكثر من 16 مليون جرعة لقاح ضد كورونا ولم يبلغ عدد الملقحين لحد المليون ونصف في بلد يقترب او بلغ عدد سكانه 40 مليون نسمة وبقسمة بسيطة لو حصل كل عراقي جرعة واحدة لبلغ عدد الملقحين 16مليون واذا اخذ جرعتين فهناك 8 ملايين ملقح ويصل المجتمع بسرعة مقبولة الى ما يسمى " بمناعة القطيع ". وأرد هنا نموذجا لأحدى دول العالم وهي السويد" رغم ان المقاررنة فيها الكثير من الاجحاف بحق العراق لأن السويد احدى بلدان العالم المتقدم, ولكن العراق يمتلك موارد قد تجعله منافسا للكثير من دول العالم ان توفرت الظروف لذلك, حتى الآن، تلقى ما يقرب من 5.5 مليون من جميع السويديين جرعة واحدة على الأقل من لقاح كوفيد، وتلقى حوالي 3.5 مليون أيضًا جرعتهم الثانية (عدد السكان 10 ملايين), ويقف المواطن في الطابور لتعاطي اللقاح بأنتظام وحسب الفئات العمرية والمهن ذات الخطورة.  

 لقد شيدت الحضارات الإنسانية المعاصرة بالاستناد إلى التراكم المعرفي العلمي في مختلف المجالات التي نشهدها اليوم، ولم تبني الخرافة أي عالم معاصر لأنها لا تستجيب منطقيا لحاجات الإنسان المتواصلة في العيش الكريم وفي البحث عن حلول لمشكلاته. وفي الوقت الذي تنحسر فيه الخرافة في المجتمعات المتقدمة انحسارا شديدا وتبقى في أطرها الفردية الضيقة، فأنها تشيع شيوعا مذهلا في المجتمعات المتخلفة وتهدد بناء المستقبل تهديدا لا ياستهان به، بل يستعان بها لبناء المستقبل وأي مستقبل يشيد بالخرافة. ويبدو إن الخرافة ستظل تضطلع بدورها الكبير في نفسية الأفراد والجماعات مهما تقدمت العلوم والمعارف وذلك للأسباب الآتية: 

1ـ لأن سواد الناس ليس في وسعهم أن يتخلصوا من العقلية البدائية، فكل ما ينهكهم ويوهن أجسادهم ويقض مضاجعهم كالمرض والحزن والفقر والمصيبة وما إلى ذلك، لابد أن يدفعهم إليها طوعا أو أكراها. 

2ـ لأن الإنسان يعاني من جوع نفسي، فهو يصعب عليه أن يعترف بجهله وعجزه. انه يؤثر الخداع الذي تشيعه الخرافة على الفراغ النفسي الذي لا يطاق والذي يشعره بالعدم. 

3ـ لأن سواد الناس تلم بهم حاجة ملحة إلى المشاركة بالوجود. فهم لا يكفيهم أن يؤمنوا بالقيم أو أن يتقبلوها. أنهم يصبون إلى الاتصال بها.  

 وهكذا فالخرافة تشيع التوازن بين الإنسان وبيئته، وتنظم زمانه ومكانه، وتمد له في الوجود مدا، على تفاوت في الناس. ففي الوقت الذي يكون فيه تحكم الخرافة هامشيا في حياة الناس في المجتمعات المتقدمة، فأنها تشكل مفتاح الحل في مجتمعاتنا المتخلفة، بل هي العصا السحرية لكل صغيرة وكبيرة.  

 لقد شاهدنا في بداية انطلاق فيروس كوونا وبفعل محدودية المعارف عنه وقبل اكتشاف اللقاح ان الخرافة اخذت حيزا كبيرا في عقول الناس وفي مختلف مجتمعات العالم بغض النظر عن مستوى تطورها, بدا من رفض وجود هكذا فيروس واعتباره كذبة كبرى على الصعيد العالمي او انه فيروس صيني مصنع لمقاتلة امريكا او بالعكس انه فيروس امريكي لأعلان الحرب على الصين او انه جند الله لمحاربة الغرب الكافر وهكذا, وقد رافق ذلك رفض وتعنت من قبل الناس لوضع الكمامات ورفض فكرة التباعد الاجتماعي, ولكن ما ان انجلت حقيقة الفيروس والمعرفة به ثم اكتشاف لقاحات من عدة شركات عالمية له حتى بدأت النفوس تهدأ واخذ العقل يشق طريقه في ملاحقة الفيروس, وقد لعب هنا دور العلم ومكانته والثقافة العلمية المجتمعية الى جانب متانة المؤسسات الصحية دورا كبيرا ولكنه متفاوت على الصعيد العالمي استنادا الى مستويات التطور الاجتماعي وقد عبر الفيروس بوضوح عن صراع التخلف مع التقدم.  

 

وللأنصاف فأن هناك في اقصى العالم المتقدم فسحة من الخرافة وبالمقابل هناك في العالم الآخر فسحة من التفكير العلمي والعقلانية ولكن الاختلاف في فسحات ذلك في حياة الناس اليومية ورقيها والتعويل على هذا وذاك في بناء المستقبل. ولكن الاخطر في ذلك هو شرعنة الخرافة وزجها في التفكير الديني حتى اصبح من الصعب الفصل بينهما بل اصبحت الخرافة دين والدين خرافة واصبحت الخرافة مقدسة الى درجة ان من يعترض عليها يعترض على الدين واصبحت الخرافة تستمد القوة والثبات من الدين.  

 في العراق الحال اسوء عن مما ننظر له حيث اختلط الدين في السياسة والخرافة وقد انتج ذلك خلال اكثر من 18 عاما نظاما محاصصتيا منتج للتطرف والخرافة ويسعى لتكريس الخرافة كسلوك تخدم بقائه واعادة انتاجه ولا نستغرب من فساد اداري ومالي استنزف موارد البلاد وانهيار للبنية التحتية والخدمية من صحة وتعليم وغيرها وانعدام ابسط مقومات الحياة الكريمة, ونشير هنا الى انهيار القطاع الصحي وضعف ادائه وعدم توفر ابسط المستلزمات حتى بدت مخاوف المواطن من اخذ اللقاح وعدم ذهابه الى مراكزه واضحة جدا وهي من اسباب العزوف عن التلقيح, وقد تحالف هذا الانهيار مع الخرافة لينتج اشكال خطرة من الاحجام في وقت وصلت فيه الاصابات في بعض الايام بحدود تسعة آلاف اصابة ويقترب مجموع الاصابات الكلية من المليون والنصف.  

  

 

الخلفية السايكولوجية والفكرية

لتعديل المادة 57 من قانون الأحوال الشخصية

رقم(188) لسنة 1959 التي انتهكت المرأة والأمومة

 

د.عامر صالح

 

تتواصل الأحتجاجات الشعبية الى جانب الحراك الشديد لمنظمات المجتمع المدني والاحزاب السياسية المدنية أثر جلسة البرلمان التي انعقدت في الاول من تموز الجاري والتي كرست لتعديل المادة 57 من قانون الاحوال المدنية المرقم(188) للعام 1959, وتركزت الانتقادات، على تعديل المادة، 57 والتي جعلت الحضانة للأم غير المتزوجة قبل بلوغ الطفل سن السابعة، فيما منح الأب حق حضانة ولده بعد ذلك، وفق عدة معايير. كما نصت تلك المادة على أنه إذا أتم المحضون السابعة من عمره، وكان أبوه متوفياً أو مفقوداً أو فقد أحد شروط الحضانة تنتقل الحضانة للجد الصحيح، ثم إلى أمه ما دامت محتفظة بشروط الحضانة دون أن، يكون لإقاربه من النساء أو الرجال حق منازعتها فيه لحين بلوغه سن الرشد" للأطلاع على تفاصيل التعديلات المقترحة انظر الرابط اسفل المقال".  

 لم يكن هذا الأجراء جديدا ولا وليد الصدفة بل انه يعبر عن عقلية متخلفة يجسدها الجزء الاكبر من احزاب الاسلام السياسي الطائفي في البرلمان العراقي والتي تعكس الموقف المتخلف من المرأة وحقوقها المختلفة, ومن ضمنها حق الأمومة ورعاية اطفالها, وقد انتهجت تلك الاحزاب ومنذ سقوط الدكتاتورية بعد 2003 نهجا معاديا لمبدأ المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات, ومما يثير غضب الشارع العراقي والنساء بشكل خاص ان هناك برلمانيات نساء يقفن مستميتات ضد المرأة وحقوقها ومعظمهن من كوتة الاسلام السياسي ويجسدن بالملموس الموقف المتخلف من المرأة وابقائها اسيرة لثقافة المجتمع الذكوري الذي يعيد انتاج اضطهاد النساء بواجهات " مقدسة ".  

 لقد تعرضت الاوضاع الاجتماعية للنساء والفتيات الى انتهاكات خطيرة على مر العقود الاخيرة جراء الحروب العبثية التي اقدم عليها النظام السابق وتركت آثارها في ظواهر عديدة, ابرزها الترمل بفقدان الزوج وتحمل الزوجة اعباء الإعالة وتضيق فرص العيش الكريم في التربية والتنشئة الاجتماعية للفتيات وللأسرة بصورة عامة, وأشد اوضاع المرأة تراجعا ما حصل لها بعد عام 2003 بدءا من الاحتلال ومرورا بصعود التيارات والحركات والاحزاب الدينية والطائفية الى السلطة, وصولا الى عودة أثر الاعراف والتقاليد القبلية والعشائرية, وكان للحروب الداخلية وما سببته من تهجير ونزوح وتشتيت للمكونات, وتدهور الحياة الاقتصادية وتدني مستويات العيش وانتشار البطالة على نطاق واسع وفي اوساط النساء المتعلمات وفي المجتمع بصورة عامة, أثره الواضح في تصدع منظومة الاستقرار القيمي وتدهور في المعايير وانحسار لخيارات التكافئ والتكافل الاجتماعي وقد جعلت من الحياة الاجتماعية أكثر قتامة. ويكفي ان نشير هنا الى حجم الكارثة الاجتماعية عندما نتحدث عن نسبة العوانس وقد بلغت اكثر من 80%, كما تجاوز عدد الارامل والمطلقات المليونين أمراة, وبلغ حجم الأيتام والارامل خمس السكان, وتصاعد نسبة السكان دون خط الفقر الى 40%, الى جانب زواج القاصرات دون 18 سنة, وبعضها لا يتجاوز 11, 12 سنة.  

 الأم هي الحلقة الأولى في حياة الطفل والأسرة، لما لها من دور عظيم في إعداد وتنشئة الأجيال ، ولما يقع على عاتقها من مسئوليات في إعداد الطفل وتربيته، وبعاطفة الأمومة التي لديها تمنحه مشاعر الدفء والحنان، لما تشكله من علاقة نفسية وبيولوجية بينها وبين أولادها وبناتها، والأمومة هي أكبر وظيفة للمرأة وهبتها لها الطبيعة في صراعها للبقاء لتكون بها الحياة، فهي رمز الحياة واستمرارها؛ وتعتبر أقوى الغرائز لدى المرأة وتظهر لديها من طفولتها المبكرة فنجد الطفلة ترعى أخواتها الذكور وتعتني بهم وتجد لديها العديد من الدمى والعرائس التي تمارس من خلالها دور الأم

 

الأمومة هى علاقة بيولوجية ونفسية بين امرأة ومن تنجبهم وترعاهم من الأبناء والبنات. وهذا هو التعريف للأمومة الكاملة التى تحمل وتلد وترضع (علاقة بيولوجية) وتحب وتتعلق وترعى (علاقة نفسية) . وهذا لا ينفى أنواعاً أخرى من الأمومة الأقل اكتمالاً كأن تلد المرأة طفلاً ولا تربيه فتصبح فى هذه الحالة أمومة بيولوجية فقط ، أو تربى المرأة طفلاً لم تلده فتصبح أمومة نفسية فقط. هذه الأدوار للأم عندما تلد وعلى المستويين البيولوجي والنفسي يجب ان تشبع بقدر هادئ ومعقول استجابة لأشباع غريزة الأم البيونفسية في رعاية اطفالها, وفي سياقات طبيعية ومقبولة قد تحل الخالة او العمة او الجدة نسبيا مكان الأم على المستوى النفسي او لصعوبات مؤقتة على المستوى البيولوجي"كالأرضاع", وخلاف ذلك وعلى مستوى اكراه الأم لغير حضانة اطفالها فأنه أمر يهدد بمخاطر واضطرابات نفسية خطيرة وخاصة اذا كانت مؤظرة بكراهية من نوع خاص بين "الشريكيين " وعدم قبول الآخر بفعل عوامل كثيرة ومتعددة.

 يالتأكيد هناك عوامل تؤطر استقرار الأسرة ومنعها من التصدع, من بينها الاستقلال الاقتصادي للشريكين وخاصة عن أبوي وأم الشريكيين, وكذلك العمر المقبول للزواج حتى ما بعد 20 عاما, فالنضج الزمني يلعب دورا في انعكاساته على العمر العقلي وخاصة في تفاوت غنى البيئات المختلفة وبالتالي فالشراكة هي عقلية مقترنة بزمن مقبول. وفي عراق ما بعد 2003 ومنفتح على مصرعيه لمختلف التيارات الدينية وغير الدينية والانعتاق من العزلة العالمية التي كان يعيشها العراق مقابل انفتاح على الآخر غير مدروس وصراع قيمي على أشده بين العشيرة والمدينة وقيم الانفتاح التي تهواها النفس بفطرتها في صراعها مع دين سياسي يكرس ازدواجية الأخلاق ويحلل الحرام ويحرم الحلال ويتحالف مع قيم التخلف والردة وفي مقدمتها العشيرة ويتشبث بالسلطة السياسية, فلا نستغرب ان الوضع يؤسس لمختلف الأنهيارات والنكسات والمصائب, والمرأة كعادتها وبفعل استفحال الذكورية وعدوانيتها هي من اسهل الضحايا في القتل والتنكيل وحرمانها من امومتها, الى جانب اصابتها بمختلف الأضطرابات النفسية والعقلية.

أن تقدم المجتمعات يقاس بمدى تقدم المرأة فيه ومساهمتها في الحياة العامة, لقد اصاب المرأة شتى صنوف الأذلال والقهر والأستعباد جراء الظلم الذي وقع عليها تاريخيا وحاضرا, والمرأة العراقية اليوم بين عاطلة عن العمل وأرملة ويتيمة ومطلقه وعانس وحبيسة المنزل, لا نستغرب من تداعيات ذلك على سلوكيتها اتجاه اطفالها, وخاصة عندما تبلغ الحال حدا مرضيا فأن الضحايا الأقرب هم الاطفال. أن حقيقة كون اللامساواة بين الجنسين وما يترتب عليه من اقصاء للمرأة هو نزوع ثقافي أولا, يكفي أن نرى عمق التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تجري في البلدان المتقدمة, والتي قامت على خلفية ظهور الفكر التنويري وانتعاش حركات الإصلاح والمساواة الاجتماعية, ولاحقا تعزيز التقاليد والاحترام والالتزام بقرارات وتوصيات المنظمات والمواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق المرأة, وعدم تجاهل مطالب الحركات التحررية النسائية اليومية منها والمستقبلية. ولا نقول أن ما يجري في البلدان المتقدمة بخصوص النساء هو نموذجي ولا يمكن الطعن فيه,لأن في ذلك هو مجافاة للحقيقة في الكثير من وجوهها, ولكن المقارنة مع ما يحصل في مجتمعاتنا هو الذي يضعنا في صورة التفاوت المريع.

 اليوم قد يكون من السهل على التنظيمات السياسية الدينية المتطرفة في البحث عن مبررات لأقصاء المرأة من ميادين الحياة المختلفة وانتهاء ضربها في امومتها في ظل بيئات متخلفة تعيد انتاج عورة المرأة ودونيتها كثقافة ذكورية سائدة, وان التذرع بعدم كفاءة الأنثى تربويا في الأمومة والرعاية لغاية الثامنة عشر من عمر الطفل يشكل جزء من منظومة الارهاب الفكري والسلوكي لأضطهاد المرأة الأم وعدم السماح لها بأداء دورها التربوي في الامومة والاعداد الاولي.  

 

 

لقد فشلت البرلمانات العراقية ما بعد 2003 في التشريع لبناء أسس دولة المواطنة وبناء عراق آمن بعيدا عن المليشيات وقوى اللادولة كما فشل في التشريع لمحاربة الفساد الذي نخر الدولة وأهدر مواردها, واخفق في وضع حد للسلاح المنفلت الذي قتل الابرياء والسلميين في احتجاجات اكتوبر, ولم يشرع بما يضمن سلامة العملية السياسية والديمقراطية في البلاد ولم يستطيع وضع للأحزاب المليشياوية التي تقبع تحت قبة البرلمان وتسهم في صياغة اكثر قوانينه اجحافا بحق الشعب والدولة والمجتمع, ولكن البرلمان شاطر في التعبئة المشوهة لهدم الأسرة والمجتمع والعبث في الطفولة لتعزيز الثقافة الذكورية وبالأستعانة من البرلمانيات النساء ذات الثقافة الذكورية العدوانية اتجاه نساء من بنات جلدتها.  

 

 

قد لا نستغرب من وجود لوبي عصي ضد المرأة العراقية فأن مقترح تعديل المادة (57) من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1959 الذي قدم من قبل عضو اللجنة القانونية النيابية حسين العقابي (عضو كتلة الفضيلة النيابية) مطالبا فيه باسترداد الحضانة من الأم إلى الأب قد إنضمت اليه ابرز الشخصيات الذين خلقوا هذا الحراك البرلماني ضد حقوق الامهات وهم:

النائب الاول لرئيس مجلس النواب حسن كريم الكعبي
النائب الشيخ حسين اليساري رئيس لجنة الاوقاف النيابية
النائب هناء تركي الطائي نائب رئيس لجنة الاوقاف النيابية
النائب محمد الغزي نائب رئيس اللجنة القانونية النيابية
النائب حسن فدعم
النائب خالد الجشعمي
وسائر اعضاء اللجنة القانونية ولجنة المرأة والأسرة والطفولة النيابية (التي اساءت للمرأة والطفل) بأنظمامها الى لوبي استلاب الامومة, وتجدر الإشارة ان المادة (57) من قانون الأحوال الشخصية المرقم 188 لسنة ١٩٥٩ تُعطي الحق للأم المطلقة بالاحتفاظ بحضانة أطفالها بعد زواجها من رجل آخر ، كما سمحت لزوج الأم القيام بدور الولاية على الأطفال المحضونين ، والعيش معهم في بيت واحد.  

 

ولكن في العراق وبعد تجربة 18 عاما من الزمن من تجربة الأسلام السياسي في الحكم ان هناك وعي بديل دخل البيوت العراقية, تتجسد ملامحه في التوق الى المساوة بين الجنسين في مناحي الحياة المختلفة, ويصتدم هذا مع اجندة الأسلام السياسي في اعادة انتاج الثقافة الذكورية لأغراض بقائه, وبالتالي فأن كل التشريعات المتوقعة والمجحفة من قبل السياسين الذكور والسياسيات ذات الثقافة الذكورية لا تعني ابدا تغيرا سريعا في الوعي العراقي صوب الاستسلام بل ان الوعي التراكمي نحو دولة المواطنة والحق والمساواة بين الجنسين سيجد ضالته بعد ان شق طريقة بألاف الضحايا والسشهداء من اجل عراق صالح للجميع إلا القتلة !!!.  

 

الروابط ذات الصلة:  

موقع الحوار المتمدن: حملات التمدن, كلا لتعديل المادة 57 من قانون الاحوال الشخصية المرقم 188 لسنة  1959  

وكالة ناس نيوز: جدل واسع بشأن تعديل قانون الاحوال الشخصية ... قنبلة ذرية 

 

لماذا هكذا الحال في العراق

دون آفاق للتغيرـ محاولة سيكوسياسية

 

د.عامر صالح

 

في كل بقاع العالم وأنظمته المختلفة تجري حركات احتجاجية للمطالبة بتحسين ظروف الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وقد تختلف مظاهر التعبير عن تلك المطالب استنادا الى طبيعة النظم السياسية التي تجري في ظلها الاحتجاجات, وهي تتراوح بين الكبت والترقب واللجوء الى وسائل التعبير الرمزية او الخفية في ظل نظم القمع والدكتاتورية, الى مظاهر التعبير المباشر في ظل نظم الانفتاح والتعبير عن حرية الرأي والمطالبة في تحسين ظروف العيش في ظل نظم تحمي حق التظاهر بأعتباره حق انساني ودستوري, وهنا تعتبر حماية حياة المتظاهر من التنكيل والقتل مسلمة تعلو فوق كل الاعتبارات, باعتبار ان الانسان والمتظاهر وحياته خطوط حمراء لا يمكن المساس بها مهما اختلفنا او اجتهدنا حول صلاحية وجدوى وسائل التعبير عن المطالب, فالانسان هو الهدف الاسمى والغاية العليا من وراء الاصلاح وتحسين ظروف الحياة, وبالتالي فأن التعرض لحياته وتهديده وقتله وأخفائه قسرا وتغيبه يعتبر مسلمة اساسية في سقوط سمعة النظام السياسي وعدم جدوى بقائه باعتباره حاضنة للقتل والارهاب والتجويع ويجسد اشد الحالات اغترابا بين المواطن والحاكم, ومن هنا فأن ازاحته عن المشهد السياسي تعتبر ضمن اولويات حركات الاحتجاج المطلبية والتي تسعى في حقها المشروع لحماية نفسها وتعزيز السلم المجتمعي القائم على سنة الحوار والتنوع في الانتمائات بعيدا عن لغة السلاح.  

 في العراق كان بالامكان ورغم ظروف وملابسات الاحتلال الامريكي البغيض ان ينهض البلد من ركام حروب النظام السابق وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في وضع اللبنات الاولى لتأسيس ديمقراطية ناشئة والتأسيس لأجادة اللعبة الديمقراطية  في اساسها الضروري وهو التداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع, بشرط توفر القناعة السياسية ان  نتائج ما تفرزه صناديق الاقتراع هو ممهدات لأعادة انتاج العقد الاجتماعي بين المجتمع والدولة ومؤسساتها واضفاء شرعية على الحكومة المنتخبة وتسهيل مهمة ادوارها في الحفاظ على السلم المجنمعي ورعاية مصالح المجتمع وتحسين أداء مؤسساته.  

 اصتدم العراق وشعبه بمنظومة سياسية لا تؤمن بالديمقراطية السياسية ولا بالتدوال السلمي للسلطة, وهذا ليست اشكاليات فردية او عقم في القيادات السياسية بل هو تعبير عن قناعات ايديولوجية راسخة ان الديمقراطية السياسية هي بدعة غربية وبالتالي فأن محاربتها والعبث في الاستقرار المجنمعي هو واجب شرعي تستدعيه اجندة ما ورائية ويحمل قدسية مزيفة من نوع خاص, وعبر مسيرة 18 عاما ما بعد سقوظ الدكتاتورية في 2003 جرى التحايل والعبث والتخريب لكل مفاهيم الديمقراطية او فهم المكونات المجتمعية المتنوعة للمجتمع العراقي فهما متحايلا يصب في خانة تكريس نظام المحاصصة الطائفية والاثنية واعادة انتاجه قسرا لأبقاء الاوضاع كما هي في مستنقع التحاصص والتغانم للدولة ومؤسساتها, فقد جرى العبث بكل المفاهيم عبر تسويقها في لحظات الاستفادة القصوى من التداعيات الانفعالية او الشحن العاطفي, فمن شعارات المحاصصة الطائفية سيئة السمعة والصيت الى مفهوم الشراكة الوطني الى كتلة وطنية عابرة للطوائف او الاغلبية السياسية وجميعها تخفي ورائها نتن الطائفية والمحاصصة الاثنية عندما تسوق من قبل امراء الطوائف السياسية والاثنية.  

 ما يجري في العراق هو شيطنة سياسية بين سلوكيات قوى سياسية ليست لها صلة بالديمقراطية لا فكرا ولا ممارسة, بل ان ثقافة الغنيمة هي من يتحكم بمفاصل الدولة ومؤسساتها, وبالتالي الحديث عن الديمقراطية في العراق هو صراع بين مجموعة ثعالب سياسية لا يوجد بينهم أسد حريص على العراق, بل انهم متسولين في السياسة وكل اجماعاتهم المؤقتة هي جزء من دهاء سلوكيات الثعلب الذي يريد الخلاص بجلده والابقاء على مصالحه, ولعل المثل الاقرب هو حين اتفقوا على مجيئ الكاظمي كرئيسا للوزراء ثم تركوه لوحده, وكيف لرئيس وزراء يشتغل دون كتلة نيابية داعمة له, هذا يجري فقط في "العراق الديمقراطي" ان تأتي برئيس وزراء ثم تقول له دبر راسك أو "يطبك مرض".  

السياسيون في العراق يجسدهم بشكل واضح الثالوث السيكولوجي المظلم او ما يقال عنه مثلث برمودا والمتكون من السيكوباتيا, والنرجسية والميكافيلية, نجد السياسين العراقيين في سايكبوتيتهم من قسوة وعدم الندم والتعاطف مع الاخرين ويتلذذ بألحاق الاذى بالاخرين وانهم اصحاب تاريخ اسود عند التحري عن سيرتهم الشخصية وهم متهورون ومعتدين بأنفسهم.  

ثم صفة النرجسية المفرطة فهم لا يتقبلون النقد بل ويقابلوه بالسلاح والكواتم ويظنون انهم الافضل والاحسن دوما ولا يعجبون بالرضا عن اي شيئ من الآخر وقد يفسر ذلك لجوئهم للسلاح والاغتيالات وهم لا يستسيغوا غير المديح النفرط, ويفتعلوا السحر والجاذبية عبر خطاباتهم المموهة بالكذب والمبالغة والخداع وهم لا يعجبون بشيء على الاطلاق ولذلك يلجئون الى لغة السلاح.  

 اما الخاصية الميكافيلية فالسياسين العراقيين يجيدون المكر والخداع والازدواجية ولديهم اولوية المال والسلطة والسلاح, وهم يقترفوا ويرتكبوا اشد الجرائم للحفاظ على البقاء في الحكم ولديهم كل الوسائل والدنيئة في مقدمتها انها مشروعة ويجب استخدامها للبقاء والحفاظ على المحاصصة الطائفية والاثنية.  

 بالتأكيد ان فسحة الأمل لازالت قيد الاختبار في العراق للتغير واحداث نقلة نوعية في موازين القوى السياسية استنادا الى قدرات القوى الحاكمة في التشبث في السلطة بوسائل الترهيب والترغيب, ولكن الأمل معقود على قوى الاحتجاجات السلمية التي دكت قلاع نظام المحاصصة واضعفته بل ووضعته في خيارات محدودة تقوض من بنيته المتهالكة الفاسدة, ومن هنا ومن موقع المسؤولية ان على قوى الحراك ان تنظم نفسها بما يستجيب لحجم مهماتها الصعبة في اختراق نظام المحاصصة واعادة تشكيل القوى السياسية على اساس من خيارات الشعب وارادته الحرة, وعلى الحراك التحالف مع القوى السياسية ذات الارث المشرف في النضال ضد الدكتاتورية وفي مقدمتها قوى اليسار العراقي والقوى المدنية التقدمية, فأن الخلاص لا يأتي عبر بعثرة وتشتت الجهود المناهظة لنطام المحاصصة بل عبر توحيد كل القوى الفاعلة من اجل عراق افضل.  

 الحل الجذري في العراق ليست سهلا ولا يحل بتعويذة او دعاء ولكن هناك خطوات يعرفها العراقيون قبل غيرهم وهي:  أولاً يجب أن يكون القضاء قوياً وقادراً على فرض القانون في البلاد.. ثانياً، أن تستعد المحكمة الاتحادية لاتخاذ إجراءات صارمة ضد مَن يخطئ ويقصر. واتخاذ هذه الإجراءات يحتاج إلى محاكمات عادلة خالية من الفساد الإداري والسياسي الذي يحول دون المساس بأي شخص مدعوم من جهة سياسية أو ميليشياوية نافذة. وذلك يدل على أهمية الإجراء الثالث المقترح، وهو تغيير النظام السياسي القائم في البلاد، إذ هناك حاجة ملحة لإعادة النظر في النظام السياسي المبني على المحاصصة، وتفتيت موارد ومقدرات البلاد وتوزيعها على أطراف سياسية مختلفة بدلاً من نظام سياسي يعمل على بناء مؤسسات الدولة.
 أما العامل الرابع، فهو يعتمد على تأهيل الكوادر في الوزارات والدوائر الحكومية ووضع منهاج عمل واضح لها بعد أن تراجعت خلال السنوات الماضية. ويجب أن تشمل عمليات التأهيل هذه الصيانة الإلزامية لكل مرافق الدولة ومشاريعها. ففي الوقت الراهن، توقع غالبية العقود من دون إدراج بنود صيانة واضحة، إذ مَن يشرف على العقد عادة ما يكون حصوله على عمولة عالية فوق أي اعتبار آخر.

 وهذه القضايا كلها في النهاية تحتاج إلى العامل الخامس والأهم، وهو مكافحة آفة الفساد في البلاد؛ إذ لا يمكن لنجاح أي دولة وهي تعاني من الفساد من أبسط الأمور إلى أكثرها تعقيداً، إلا أن يكون قطع رأس الفساد هو العامل الأهم لديها. وإن لم يتم تبني هذه الإجراءات في العراق، فمن المحتم أن نعلن الحداد فيه وعليه مجددا, فقد اهدر 1400 مليار دولار للفترة ما بعد 2003 وغابت في العراق التنمية الشاملة وتنوع القطاعات الاقتصادية, حتى بات العراق يبيع نفطا ليأكل.  

 

هذه الاراءً يضعها كتاب عراقيون وعرب وليست مني فقط لأحساسهم المرهف بحال العراق وتمنياتهم بأصلاح حاله ولكن الأمر مرهون كله بتغير المنظومة السياسية الحاكمة كي تسنح الفرصة للبدء في عمليات التغير الجذري, فأن موزاين القوى هو من يسمح بأصلاح المنظومة السياسية الفاسدة اما عدا ذلك فأن العراق يسير الى حيث لا تشتهية سفن ابنائه !!!.

 

 

لماذا هكذا الحال في العراق

دون آفاق للتغيرـ محاولة سيكوسياسية

 

د.عامر صالح

 

في كل بقاع العالم وأنظمته المختلفة تجري حركات احتجاجية للمطالبة بتحسين ظروف الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وقد تختلف مظاهر التعبير عن تلك المطالب استنادا الى طبيعة النظم السياسية التي تجري في ظلها الاحتجاجات, وهي تتراوح بين الكبت والترقب واللجوء الى وسائل التعبير الرمزية او الخفية في ظل نظم القمع والدكتاتورية, الى مظاهر التعبير المباشر في ظل نظم الانفتاح والتعبير عن حرية الرأي والمطالبة في تحسين ظروف العيش في ظل نظم تحمي حق التظاهر بأعتباره حق انساني ودستوري, وهنا تعتبر حماية حياة المتظاهر من التنكيل والقتل مسلمة تعلو فوق كل الاعتبارات, باعتبار ان الانسان والمتظاهر وحياته خطوط حمراء لا يمكن المساس بها مهما اختلفنا او اجتهدنا حول صلاحية وجدوى وسائل التعبير عن المطالب, فالانسان هو الهدف الاسمى والغاية العليا من وراء الاصلاح وتحسين ظروف الحياة, وبالتالي فأن التعرض لحياته وتهديده وقتله وأخفائه قسرا وتغيبه يعتبر مسلمة اساسية في سقوط سمعة النظام السياسي وعدم جدوى بقائه باعتباره حاضنة للقتل والارهاب والتجويع ويجسد اشد الحالات اغترابا بين المواطن والحاكم, ومن هنا فأن ازاحته عن المشهد السياسي تعتبر ضمن اولويات حركات الاحتجاج المطلبية والتي تسعى في حقها المشروع لحماية نفسها وتعزيز السلم المجتمعي القائم على سنة الحوار والتنوع في الانتمائات بعيدا عن لغة السلاح.  

 في العراق كان بالامكان ورغم ظروف وملابسات الاحتلال الامريكي البغيض ان ينهض البلد من ركام حروب النظام السابق وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في وضع اللبنات الاولى لتأسيس ديمقراطية ناشئة والتأسيس لأجادة اللعبة الديمقراطية  في اساسها الضروري وهو التداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع, بشرط توفر القناعة السياسية ان  نتائج ما تفرزه صناديق الاقتراع هو ممهدات لأعادة انتاج العقد الاجتماعي بين المجتمع والدولة ومؤسساتها واضفاء شرعية على الحكومة المنتخبة وتسهيل مهمة ادوارها في الحفاظ على السلم المجنمعي ورعاية مصالح المجتمع وتحسين أداء مؤسساته.  

 اصتدم العراق وشعبه بمنظومة سياسية لا تؤمن بالديمقراطية السياسية ولا بالتدوال السلمي للسلطة, وهذا ليست اشكاليات فردية او عقم في القيادات السياسية بل هو تعبير عن قناعات ايديولوجية راسخة ان الديمقراطية السياسية هي بدعة غربية وبالتالي فأن محاربتها والعبث في الاستقرار المجنمعي هو واجب شرعي تستدعيه اجندة ما ورائية ويحمل قدسية مزيفة من نوع خاص, وعبر مسيرة 18 عاما ما بعد سقوظ الدكتاتورية في 2003 جرى التحايل والعبث والتخريب لكل مفاهيم الديمقراطية او فهم المكونات المجتمعية المتنوعة للمجتمع العراقي فهما متحايلا يصب في خانة تكريس نظام المحاصصة الطائفية والاثنية واعادة انتاجه قسرا لأبقاء الاوضاع كما هي في مستنقع التحاصص والتغانم للدولة ومؤسساتها, فقد جرى العبث بكل المفاهيم عبر تسويقها في لحظات الاستفادة القصوى من التداعيات الانفعالية او الشحن العاطفي, فمن شعارات المحاصصة الطائفية سيئة السمعة والصيت الى مفهوم الشراكة الوطني الى كتلة وطنية عابرة للطوائف او الاغلبية السياسية وجميعها تخفي ورائها نتن الطائفية والمحاصصة الاثنية عندما تسوق من قبل امراء الطوائف السياسية والاثنية.  

 ما يجري في العراق هو شيطنة سياسية بين سلوكيات قوى سياسية ليست لها صلة بالديمقراطية لا فكرا ولا ممارسة, بل ان ثقافة الغنيمة هي من يتحكم بمفاصل الدولة ومؤسساتها, وبالتالي الحديث عن الديمقراطية في العراق هو صراع بين مجموعة ثعالب سياسية لا يوجد بينهم أسد حريص على العراق, بل انهم متسولين في السياسة وكل اجماعاتهم المؤقتة هي جزء من دهاء سلوكيات الثعلب الذي يريد الخلاص بجلده والابقاء على مصالحه, ولعل المثل الاقرب هو حين اتفقوا على مجيئ الكاظمي كرئيسا للوزراء ثم تركوه لوحده, وكيف لرئيس وزراء يشتغل دون كتلة نيابية داعمة له, هذا يجري فقط في "العراق الديمقراطي" ان تأتي برئيس وزراء ثم تقول له دبر راسك أو "يطبك مرض".  

السياسيون في العراق يجسدهم بشكل واضح الثالوث السيكولوجي المظلم او ما يقال عنه مثلث برمودا والمتكون من السيكوباتيا, والنرجسية والميكافيلية, نجد السياسين العراقيين في سايكبوتيتهم من قسوة وعدم الندم والتعاطف مع الاخرين ويتلذذ بألحاق الاذى بالاخرين وانهم اصحاب تاريخ اسود عند التحري عن سيرتهم الشخصية وهم متهورون ومعتدين بأنفسهم.  

ثم صفة النرجسية المفرطة فهم لا يتقبلون النقد بل ويقابلوه بالسلاح والكواتم ويظنون انهم الافضل والاحسن دوما ولا يعجبون بالرضا عن اي شيئ من الآخر وقد يفسر ذلك لجوئهم للسلاح والاغتيالات وهم لا يستسيغوا غير المديح النفرط, ويفتعلوا السحر والجاذبية عبر خطاباتهم المموهة بالكذب والمبالغة والخداع وهم لا يعجبون بشيء على الاطلاق ولذلك يلجئون الى لغة السلاح.  

 اما الخاصية الميكافيلية فالسياسين العراقيين يجيدون المكر والخداع والازدواجية ولديهم اولوية المال والسلطة والسلاح, وهم يقترفوا ويرتكبوا اشد الجرائم للحفاظ على البقاء في الحكم ولديهم كل الوسائل والدنيئة في مقدمتها انها مشروعة ويجب استخدامها للبقاء والحفاظ على المحاصصة الطائفية والاثنية.  

 بالتأكيد ان فسحة الأمل لازالت قيد الاختبار في العراق للتغير واحداث نقلة نوعية في موازين القوى السياسية استنادا الى قدرات القوى الحاكمة في التشبث في السلطة بوسائل الترهيب والترغيب, ولكن الأمل معقود على قوى الاحتجاجات السلمية التي دكت قلاع نظام المحاصصة واضعفته بل ووضعته في خيارات محدودة تقوض من بنيته المتهالكة الفاسدة, ومن هنا ومن موقع المسؤولية ان على قوى الحراك ان تنظم نفسها بما يستجيب لحجم مهماتها الصعبة في اختراق نظام المحاصصة واعادة تشكيل القوى السياسية على اساس من خيارات الشعب وارادته الحرة, وعلى الحراك التحالف مع القوى السياسية ذات الارث المشرف في النضال ضد الدكتاتورية وفي مقدمتها قوى اليسار العراقي والقوى المدنية التقدمية, فأن الخلاص لا يأتي عبر بعثرة وتشتت الجهود المناهظة لنطام المحاصصة بل عبر توحيد كل القوى الفاعلة من اجل عراق افضل.  

 الحل الجذري في العراق ليست سهلا ولا يحل بتعويذة او دعاء ولكن هناك خطوات يعرفها العراقيون قبل غيرهم وهي:  أولاً يجب أن يكون القضاء قوياً وقادراً على فرض القانون في البلاد.. ثانياً، أن تستعد المحكمة الاتحادية لاتخاذ إجراءات صارمة ضد مَن يخطئ ويقصر. واتخاذ هذه الإجراءات يحتاج إلى محاكمات عادلة خالية من الفساد الإداري والسياسي الذي يحول دون المساس بأي شخص مدعوم من جهة سياسية أو ميليشياوية نافذة. وذلك يدل على أهمية الإجراء الثالث المقترح، وهو تغيير النظام السياسي القائم في البلاد، إذ هناك حاجة ملحة لإعادة النظر في النظام السياسي المبني على المحاصصة، وتفتيت موارد ومقدرات البلاد وتوزيعها على أطراف سياسية مختلفة بدلاً من نظام سياسي يعمل على بناء مؤسسات الدولة.
 أما العامل الرابع، فهو يعتمد على تأهيل الكوادر في الوزارات والدوائر الحكومية ووضع منهاج عمل واضح لها بعد أن تراجعت خلال السنوات الماضية. ويجب أن تشمل عمليات التأهيل هذه الصيانة الإلزامية لكل مرافق الدولة ومشاريعها. ففي الوقت الراهن، توقع غالبية العقود من دون إدراج بنود صيانة واضحة، إذ مَن يشرف على العقد عادة ما يكون حصوله على عمولة عالية فوق أي اعتبار آخر.

 وهذه القضايا كلها في النهاية تحتاج إلى العامل الخامس والأهم، وهو مكافحة آفة الفساد في البلاد؛ إذ لا يمكن لنجاح أي دولة وهي تعاني من الفساد من أبسط الأمور إلى أكثرها تعقيداً، إلا أن يكون قطع رأس الفساد هو العامل الأهم لديها. وإن لم يتم تبني هذه الإجراءات في العراق، فمن المحتم أن نعلن الحداد فيه وعليه مجددا, فقد اهدر 1400 مليار دولار للفترة ما بعد 2003 وغابت في العراق التنمية الشاملة وتنوع القطاعات الاقتصادية, حتى بات العراق يبيع نفطا ليأكل.  

 

هذه الاراءً يضعها كتاب عراقيون وعرب وليست مني فقط لأحساسهم المرهف بحال العراق وتمنياتهم بأصلاح حاله ولكن الأمر مرهون كله بتغير المنظومة السياسية الحاكمة كي تسنح الفرصة للبدء في عمليات التغير الجذري, فأن موزاين القوى هو من يسمح بأصلاح المنظومة السياسية الفاسدة اما عدا ذلك فأن العراق يسير الى حيث لا تشتهية سفن ابنائه !!!.

 

جريمة مستشفى ابن

الخطيب لا تسقط في التقادم


د.عامر صالح

 

 فاجعة مستشفى ابن الخطيب في بغداد والتي حصلت جراء حريق هائل اندلع في مخازن الأوكسجين والتي تستخدم في اسعاف مرضى كورونا كوفيد ـ 19 في نهاية الشهر الماضي في ليلة يوم السبت على الأحد من 24 ـ 25 ابريل والذي راح ضحيته اكثر من 200 بين وفاة وجريح كان حدثا مأساويا لا يمكن ان يمر مرورا عابرا أو الوقوف عند حدود الأجراءات الشكلية المعتادة التي تحصل يوميا في العراق اتجاه ما يحصل من قتل واغتيالات وحرائق تكاد تكون دورية الى جانب آفة الفساد والنهب والعبث في المال العام, فجميعها تصب في خانة مخرجات نظام المحاصصة الذي تأسس بعد 2003 والذي على ما يبدوا ان مهمته الأولى هو نسف البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية والخدمية على مدار 18 عاما مضت.  

 ان التعاطف والمواساة مع شعب العراق من قبل اغلب دول العالم العربي والأقليمي والعالمي وكذلك من قبل المنظمة الدولية المتمثلة في الأمم المتحدة يجسد عمق المأساة التي حصلت, حيث المواطن العراقي الذي يتصرف بسجية عفوية يستنجد للخلاص من كورونا في الذهاب الى المستشفى لتلقي جرعات الأوكسجين ولكن يخرج منه متفحما مشويا. وبحسب تقرير اللجنة النيابية، فإن «مستشفى ابن الخطيب»؛ الذي أنشئ عام 1959، " لا يحتوي على منظومة إطفاء حرائق مركزية، مع عدم وجود مراقبة وفحص نظامي من قبل مديرية الدفاع المدني". وأشار التقرير إلى "عدم سيطرة قوات حماية المنشآت وإدارة المستشفى على أعداد المرافقين الموجودين داخل المستشفى مع مرضاهم، حيث يوجد من 3 إلى 4 مرافقين، إضافة إلى وجود آخر من الزائرين، وتبين قيام بعض المرافقين باستخدام الهيترات (السخانات) لطهي الطعام داخل الردهات". وعلى اثر ذلك أقيل عدد من مسؤولي الصحة المحليين وسبقتها سحب يد وزير الصحة ثم قام الاخير بتقديم استقالته بشروط عدم محاسبته " حسب ما تناقلته بعض وشائل الأعلام ".  

 ان تشخيص اللجنة النيابية" رغم انتقائيتها " من حيث انعدام السلامة والآمان والتقصير في الواجب يجسد عينة ممثلة لكل الوزارات والمؤسسات والمشاريع الحكومية  بل وكل المؤسسات الرسمية والاهلية, وان انفجار مستشفى ابن الخطيب يعكس عمق التدهور في مؤسسات الدولة ويجسدها بوضوح, وكان حصوله هو اماطة اللثام عن واقع مزري يعيشه البلد منذ سنوات ويعكس حجم المزيد من الكوارث التي تنتظر شعبنا, انها خلاصة مركزة لأداء نظام المحاصصة الطائفية الذي يرتكز على التعامل مع مؤسسات الدولة كغنائم تتقاسمها الاحزاب الحاكمة وتفسد فيها ضمن معايير انعدام الكفاءة النوعية في الأداء, وبالتالي فأن مفاهيم الجودة ومعايير الكفاءة العالية لا دلالة لها في نظام يستند الى الأفساد والرداءة في العمل كخيار وحيد لتحطيم مؤسسات الدولة.  

 ان هذا النوع من الجرائم المرتكبة وذات الطابع المقصود بسبب بنية النظام المتهالكة والفساد العام المقصود والمخطط له لتخريب مؤسسات الدولة في اطار العبث بمعايير الأداء السليم, وان كانت شرارتها اعمال فردية مقصودة وغير مقصودة, فهي تعكس حجم الهلاك والتردي الداخلي الذي يجسد بوضوح انعكاسات المحاصصة في الأطراف كما في القمة, انه عمل يحمل الكثير من القصدية في نتائجه النهائية لتخريب المجتمع ومؤسساته, وبالتالي فهي جرائم لا يمكن ان تسقط بالتقادم, أسوة بجرائم الحروب الطائفية والتهجير وتدمير المدن وسلب الممتلكات العامة والخاصة وقتل المحتجزين, وان من يحرض عليها ويرتكبها يجب ان يساق للعدالة, فهي جرائم ضد الانسانية, وقد انتهكت في العراق كل حقوق المواطن الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بكل تفاصيلها بلغت حد تهجيره وقتله ومصادرة ممتلكاته.  

 

 أن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية وما أنتجه من تعصب أعمى، ومنذ ولادته بعد 2003 لحد اليوم كان عائقا ومعطلا للعملية السياسية، حيث حلت في الممارسة العملية الانتماءات الضيقة محل " علم السياسة " لإدارة شؤون البلاد، مما جعل من أحزاب الطوائف والأعراق أمكنة للحشود البشرية وليست أمكنة لانتقاء وتدريب النخب السياسية لقيادة البلاد، وكأنها تعمل على قاعدة أن الحزب يساوي كل أبناء الطائفة أو العرق بما فيها من خيرين وأشرار، وتحولت إلى أمكنة للاحتماء بدلا من الاحتماء بالدولة والقضاء كمقومات للدولة العصرية، مما فوت الفرصة على الانتقاء والفرز على أساس الكفاءة السياسية والنزاهة، وليست لاعتبارات لا صلة لها ببناء دولة المواطنة، أنه سلوك يؤسس لمختلف الاختراقات السياسية والأمنية وشتى ألوان الاندساس.
وقد عرقل نظام المحاصصة جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي، وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد، بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك، أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة، بل تؤسس إلى " إفساد للتنمية "، وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف، والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع، أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل، وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف دينه ومذهبه وطائفته وعرقه..

لقد أخلت سياسة المحاصصة بالسلم الاجتماعي وأضعفت الشعور بالوحدة الوطنية والتكافل الاجتماعي من خلال خلق التكتلات والشللية السياسية والاجتماعية على أسس طائفية وعنصرية مما يعزز بمرور الوقت حالات الاحتقان والفتنة الاجتماعية، فيتحول الصراع السياسي وغير السياسي إلى صراعات طائفية وعرقية لا حصر لها، أنها عملية استنفار للاشعور الجمعي لأفراد الطوائف والأعراق، وحتى لأتفه الأسباب، وهناك فرق جوهري بين حقك المشروع في الانتماء إلى دين أو طائفة أو عرق أو قومية ما وبين أن تبني دولة تضم مختلف الأديان والأعراق.  

 كارثة مستشفى ابن الخطيب في بغداد هي ليست كارثة ميدانية داخل جدار مستشفى وانتهى الأمر عند حدود التحقيقات الميدانية والتصريحات العبثية, لا أنها كارثة جسدت بوضوح طبيعة الفساد المستشري في مؤسسات الدولة ومدى خطورته على حياة الناس كالمؤسسات الصحية مثلا, ومثلها ايضا في قطاع الكهرباء والماء والتعليم ومجمل الخدمات الاجتماعية, انه انعكاس مزمن لتردي البنية التحتية الغارقة في الفساد الاداري والمالي, وبالتالي فأن محاسبة مسؤولين ميدانيين من الصحة والمستشفى " رغم اهمية ذلك في ظروف طبيعية " هو امر عبثي لصرف الانظار عن حجم الازمة المستعصية ومحاولات تنفيسها ببعض الاشخاص .  

 جريمة مستشفى ابن الخطيب هي توأم لجريمة قتل 700 متظاهر سلمي في احتجاجات اكتوبر خرج للمطالبة بحقوق الحد الادنى من العيش الكريم ولكنه لقى حتفه من قوى الظلام المحاصصاتي كما لقاها راقد مستشفى ابن الخطيب بسبب فساد ذات القوى المجرمة التي تتصدى لكل محاولات الاصلاح وتحسين الحياة كما ونوعا. المجد والخلود لكل ضحايا وشهداء نظام المحاصصة والنصر لقضايا شعبنا في التقدم والحرية والسلم المجتمعي. 

 

ألغاء انتخابات الخارج البرلمانية

بين دوافع الأقصاء والتبرير

 

د. عامر صالح

 

أثار قرار المفوضية العليا المستقل للانتخابات في العراق بحرمان المغتربين في الخارج من التصويت في الانتخابات البرلمانية المقبلة، المقررة في أكتوبر/تشرين الأول القادم، جدلا واسعا بين أوساط عراقية مختلفة، وانقسمت الآراء بين مؤيد للقرار ورافض له. 

وقالت مفوضية الانتخابات بالعراق في بيان إنها واجهت عدة معوقات فنية ومالية وقانونية وصحية من ضمنها قصر المدة المتبقية لموعد إجراء الانتخابات، وهي غير كافية لإصدار وتحديث البطاقات البايومترية وسجلات الناخبين بالإضافة إلى اعتذار وزارة الخارجية عن إجراء عمليات تسجيل الناخبين في مقارها الدبلوماسية بالخارج.  

 أشار البيان أيضاً إلى أن "إجراء العملية الانتخابية في أماكن غير خاضعة للسيادة العراقية يجعلها خاضعة لقوانين تلك الدول، ولا ولاية للقضاء العراقي على المخالفات والتجاوزات، التي قد تحصل خلال إجراء العملية الانتخابية، إضافة إلى أن إرسال موظفي المفوضية إلى دول أخرى في ظل الظروف الصحية الحرجة المتمثلة بانتشار جائحة كورونا يعرض سلامتهم إلى الخطر"، وهو ما أوضحته الأمانة العامة لمجلس الوزراء وفقا لقرار اللجنة العليا للصحة والسلامة رقم (11) لسنة 2021.  

وكان مجلس المفوضية أعلن في وقت سابق في بيان أن «قانون انتخابات مجلس النواب العراقي رقم (9) لسنة 2020 نص على أن (يصوت عراقيو الخارج لصالح دوائرهم الانتخابية باستخدام البطاقة البايومترية حصراً)». وأضاف البيان أن «المفوضية واجهت عدة معوقات فنية ومالية وقانونية وصحية أهمها أن إكمال عملية تسجيل الناخبين العراقيين في الخارج بايومترياً بمراحلها كافة يحتاج إلى (160) يوماً تقريباً في الظروف المثالية، بينما المدة المتبقية هي (40 يوماً) فقط». وأشار البيان إلى أن (وزارة الخارجية اعتذرت عن إجراء عملية التسجيل والاقتراع في السفارات والقنصليات العراقية لاستحالة إقامتها في المرحلة الراهنة ولهذه الدورة الانتخابية، إضافة إلى ما ستستغرقه عملية فتح حسابات جارية باسم مكاتب المفوضية في خارج العراق، وما يتطلبه ذلك من موافقات أمنية ومالية من تلك الدول).  

 وكما اكد المحرر السياسي لصحيفة طريق الشعب الصحيفة الناطقة بأسم الحزب الشيوعي العراقي: " ان  المراد من هذه الانتخابات هو ان تكون خطوة في سياق تراكمي لمستلزمات التغيير، وبناء ميزان قوى قادر على فرض إرادة الشعب وتطلعه الى الخلاص مما هو فيه من أزمات، طالت كل شيء في الوطن ووصلت تداعياتها الى الغالبية الساحقة من بيوت المواطنين.  

وهذا يستلزم بالضرورة ان تكون الانتخابات عادلة ونزيهة وشفافة، وان يستطيع المواطن داخل الوطن وخارجه الأدلاء بصوته بحرية تامة وفقا لخياراته وقناعاته، بعيدا عن الضغط والاكراه، من أيّة جهة جاءا وتحت أي مسمى وعنوان. وان تجري العملية الانتخابية في جميع مراحلها في أجواء آمنة، وبعيدا عن نفوذ المال السياسي واغراءات الكتل المتنفذة، وبعيدا أيضا عن ضغط السلاح المنفلت الذي يتوجب ان يحصر بيد مؤسسات الدولة، وان تتخذ إجراءات ملموسة في هذا الشأن، ويطبق نص المادة التاسعة/   أولا من الدستور، التي تنص على انه: يحظر تكوين مليشيات عسكرية خارج القوات المسلحة".   

ان من واجب الحكومة والمفوضية توفير مستلزمات تمتع المواطنين جميعا، بالحق في المشاركة في الشؤون العامة وبالحقوق السياسية، بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح، كما نصت المادة 20 من الدستور. ولم يميز الدستور ومواده، كذلك قانون الانتخابات، بين المواطنين العراقيين سواء كانوا داخل وطنهم او خارجه. ولهذا يبقى مدى قانونية حرمان العراقيين في الخارج من حق التصويت واختيار ممثليهم، موضع تساؤل مشروع".  

 في خارج العراق يتواجد اكثر من 5 ملايين عراقي بل واكثر من ذلك متناثرين في شتات العالم اضطرتهم في معظم الحالات ظروف القمع السياسي في زمن النظام الدكتاتوري السابق وما بعده من ظروف الاحتقان والاقتتال الطائفي والاثني والهجرة والتهجير القسري, وبالتالي تواجد خارج حدود العراق الجغرافية ملايين من العراقيين, وكانوا ولا يزالوا اصحاب قضية سياسية واجتماعية, وفيهم من النخب الفكرية والسياسية والأيديولوجية اسهمت في زمن المعارضة للنظام الدكتاتوري في بلورة الرأي العام العراقي وتعبئته في الخارج والداخل في الوقوف ضد القمع والحروب العبثية للنظام السابق الى جانب التثقيف الواسع من اجل احلال بديل ديمقراطي سياسي للعراق كنموذج منقذ للبلاد من وحل النظام السابق وعدوانيته المقيتة.  

 ان التذرع بأن انتخابات الخارج السابقة كانت مشوبة بالتزوير او التقليل من اهميتها بأنها لا تشكل سوى 4% هي مبررات قائمة على اساس عدم مقدرة الحكومات السابقة والحالية في توفير حدود معقولة من الشفافية والنزاهة, وبالتالي هنا يمكن التساؤل هل تستطيع الحكومة العراقية توفير اجواء انتخابية في الداخل العراقي من حيث النزاهة وردع المليشيات المسلحة من العبث في الانتخابات, وهل تستطيع الحكومة الحد من تأثير المال السياسي الفاسد على مسار العملية الانتخابية وهل تضمن نتائج انتخابية ذات مصداقية عالية, وعندما تقصي مفوضية الانتخابات والحكومة عراقيي الخارج من المشاركة في الانتخابات فعليها اولا ان تقصي حملة السلاح غير الشرعي والمليشيات السائبة والاحزاب ذات التمويل الفاسد الذي يتهيأ بكل قدراته لخوض الانتخابات القادمة وفرض نتائج مقررة سلفا بأعداد مقاعد برلمانية.  

 تقدر اعداد من يستحق له التصويت في الخارج وقد حرم منه اكثر من مليونين ونصف مواطن, الى جانب من لا يستطيعوا الحصول على البطاقة البايومترية وسيلجأون الى البطاقة الألكترونية وهم اكثر من ثلاثة ملايين وهم عرضة لشراء ذممهم من خلال العبث بأصواتهم وشرائها وتوظيفها في مختلف التحالفات الغير نزيهة, فهناك في المحصلة بحدود خمسة ملايين صوت انتخابي او اكثر تم تغيبهم بمختلف المبررات والصعوبات الفنية والاجرائية المفتعلة للحد من المساهمة الواسعة في الانتخابات القادمة.  

 لقد ساد خطابا منفعلا وتعبويا ذو مزاج عدوانيا استهدف عراقيي الخارج وقد استمد مسلماته من التجارب المرة لبعض القيادات السياسية الفاسدة والتي تمثل رموز الفساد للأحزاب الحاكمة وقد أتت من الخارج, ولكن الأمر غير منفصل عن آفة الفساد وتجذره في مؤسسات الدولة العراقية ومن " ابناء الداخل " فالفساد العراقي اخطبوطي ومن العبث بمعالجته وتشخيصه عبر تلك التوصيفات المفتعلة. الحديث عن الفساد وتحميله لحملة الجنسية الثانية او المزدوجة هو حديث كذب ورياء يراد به خلط الاوراق وتحميل السياسين القادمون من الخارج مسؤولية ما يحصل من الخراب, فالقضية اكبر من حاملي جنسية اخرى بل من احزاب فاسدة لا تؤمن بمشروع بناء دولة المواطنة, نعم منهم من حملة الجنسية المزدوجة ولكن الجنسية الثانية لم تكن سببا في الفساد إلا بقدر انتمائها الى حزب فاسد يروج للخراب وهلاك الدولة وقد يكون الكثير من اعضائه من حملة الجنسية العراقية الوحيدة ولكنهم لا ينتمون الى العراق بل ينتمون الى مشروع خرابه وارتهانه الى قوى الفساد واللادولة 

 أن تمترس المحاصصة فــي كل تفاصيل العمليــة السياســية أصبحت تشكل تهديـداً للهويــة الوطنية، وتقدم مصلحة الهويات الفرعية وتحالفــاتها العصبيــة أو الطائفيــة أو القومية على المصلحة العامة. وظلــت التوازنــات مــع المحاصصة مكونــاً أساسياً فــي النظام السياسي بعد 2003. وليــس ســراً تزوير الانتخابــات بسبب المحاصصة والسلاح السائب الحارس لها لــدى بعــض الفصائل والعشائر العراقية لفرض مرشــحيها فــي الانتخابــات البرلمانية والمحلية، بحيــث يلتــزم المنتمــون إلــى العشيرة والقرية والشلل المناطقية وعصابات الشوارع بتأييــد مرشــحهم. ويحــدث ذلــك بغــض النظــر عــن برنامــج المرشــح السياســي؛ كمــا يتجلــى دور المحاصصة فــي حــالات الاستقطاب السياســي أو الطائفي أو القومي, الى جانب اقصاء المكونات العراقية في الخارج للخلاص من تأثيرها في صناديق الأقتراع " رغم ما قيل عنها من ملاحظات ".  

 

مساهمة العراقيون في الخارج في الانتخابات البرلمانية القادمة والتي تم حجبها كان بالأمكان لها ان تسهم في مساهمة فعالة للنخب السياسة والفكرية في رفد ودعم تفاعلات الساحة العراقية الملتهبة بمزيدا من الرؤى الفكرية الصالحة لقيادة البلد في المرحلة القادمة انطلاقا من تفهم واستيعاب الكثير من عراقيي الخارج للتجارب الديمقراطية في دول اقامتهم, الى جانب خبراتهم النضالية المتراكمة في مقارعة انظمة القمع والدكتاتورية والمحاصصة. ان اقصاء عراقيي الخارج من المساهمة في الانتخابات القادمة يجسد قصور الجهات المختصة والمسؤولة عن الانتخابات وتقنياتها في فهم حجم التأثير الايجابي لأصوات الخارج في رسم ملامح عوامل ضغط على المحاصصة السياسية صوب التفتيت الممكن لما هو سائد. 

 

ثمانية عشر عاما من غياب الهوية

الوطنية وتداعيات سايكواجتماعية

 

د.عامر صالح

 

في العراق وما بعد عام 2003 أي بعد سقوط الدكتاتورية بآلية الاحتلال الأمريكي حيث أسس نظاما سياسيا قائم على المحاصصة السياسية العرقية أخل بأنتاج نظام سياسي قائم على اساس الحكم والمعارضة ورفع شعار " الجميع يحكم " ويتقاسم كعكة المحاصصة أو العراق الغنيمة، وهكذا نشأ نظام سياسي شاذ عن اصول اللعبة الديمقراطية يتقاسم مغانم السلطة ويعيد انتاج نفسه عبر انتخابات برلمانية طال الشك بمصداقيتها في كل الدورات الانتخابية وتوجتها سوءا وعدم شرعية الانتخابات البرلمانية الأخيرة من ضعف المشاركة في الانتخابات الى التزوير وحرق صناديق الاقتراع. 

جميع القوى السياسية العراقية وخاصة الطائفية منها غير المؤمنة بالديمقراطية اصلا والتي وجدت في تلك البيئة السياسية المريضة ملاذا لاعادة انتاج نفسها عبر الترهيب والترغيب والتحايل، هذه القوى مجتمعة وجدت نفسها في سلة الحكم والمغريات السلطوية وتقاسم النفوذ، اما معارضتها المفتعلة فهي جزء من اساليبها لامتصاص نقمة الشارع الغاضب وغير المتسامح مع الفساد مستندة تلك القوى الى جمهور قطيعي غير معارض بالمعنى السياسي وممتثل لأوامر مرجعيته، فتراه مرة ممتعض منتفض وتارة أخرى خانع مستكن ينتظر نتائج الصفقات الطائفية والأثنية لكي يتلقى الأشارة بالهدوء المؤقت بأنتطار الحصول على المزيد من الغنائم وليست الحقوق المشروعة.  

في التاسع من نيسان/ أبريل عام 2003 ، أطاح جنود ألأمريكان بتمثال رأس النظام السابق في بغداد. وبعد مرور ثمانية عشر عاماً، تبين أن الحرب، التي كلفت مئات الآف الضحايا، وأوقعت الشرق الأوسط في حالة من الفوضى "بنيت على أكاذيب أمتلاك النظام السابق لأسلحة الدمار الشامل". لم يستغرق الأمر أكثر من ثلاثة أسابيع على بدء الغزو الأمريكي للعراق، ليظهر مشهد الإطاحة بتمثال صدام حسين في بغداد عبر ملايين الشاشات حول العالم. ودخلت هذه الصورة في الـتاسع من نيسان /أبريل من عام 2003 الى الذاكرة الجماعية. لكن حتى بعد مرور ثمانية عشر عاما عليها، لا تزال هناك العديد من الأسئلة المفتوحة. أولها هو السؤال عن عدد ضحايا حرب العراق عام 2003 والفوضى العارمة التي تلت ذلك بين السكان المحليين. إذ تتحدث معظم التقديرات عن عدد ضحايا يتراوح بين 150 ألف ونصف مليون قتيل. حتى أن بعض الأبحاث الجادة تحدثت عن أرقام أعلى بكثير من هذه الأرقام، إذ سجلت المجلة الطبية الأقدم والأشهر في العالم "لانسيت" في عام 2006 عدد وفيات إضافية تجاوز الـ 650 ألف حالة وفاة. وذلك بالإضافة إلى ضحايا العنف، تم الأخذ بعين الاعتبار أيضاً ضحايا عواقب البنية التحتية المدمرة ونظام الرعاية الصحي المتهالك في البلاد.
.
ومن الطبيعي أن تكون حصيلة تلك الظروف والتحد يات تعثر في مسارات التنمية بعد أن شهد المجتمع العراقي التدهو والشلل التام في جميع المستويات: الفرد، المؤسسات والمجتمع. فعلى مستوى الفرد أدت إلى شيوع حالة من التوتر والصراع الداخلي، و الى الأحساس بالأحباط وعدم الرضا، وفي إقامة علاقات ذات مضامين نفعية ضيقة، والفشل في أداء الدور على النحو المرسوم اجتماعيا. أما على المستوى المجتمعي، فأدت إلى ظهور مشكلات اجتماعية وسلوكية معقدة, في مقد متها توقف عملية التنمية، وانهيار المؤسسات الأجتماعية، وضيق فرص العمل، وتدهور أوضاع الأسرة، وتراجع النظام التعليمي والصحي والخدماتي بصورة عامة، وضعف وسائل الضبط الأجتماعي الرسمية وغير الرسمية، مما فسح المجال واسعا لشتى أشكال العنف والأرهاب والجريمة، وتعاظم أعداد العاطلين والمشردين والمهجرين وأطفال الشوارع، والمتسولين والمرضى والمعوقين، وغير ذلك من الفئات المهمشة ذات القدرات المتدنية التي غالبا ما تفشل في مواجهة تيارات الحياة فتضطر للبقاء في قاع المجتمع خارج الشعور بالأنتماء والمواطنة, كما أدت هذه الاوضاع الى استشراء فئات من المضاربين والسماسرة والمحتالين والطفيلين" من داخل السلطة السياسية ومن خارجها أو بتواطئ منها " الى جانب الصور المتعددة للجريمة المنظمة, من تعاطي المخدرات, والعنف والارهاب, والفساد الاداري والمالي والسياسي والهدر العلمي والمعرفي وغيرها.

لم يكن سقوط النظام الدكتاتوري نتاج لتفاعلات داخلية ذاتية في مؤسسة النظام, رغم أن النظام كان يمر بأزمة اقتصادية وسياسية واجتماعية خانقة تؤهله للسقوط وعدم البقاء, ولكن القمع والأضطهاد السياسي أضعف القدرات الموضوعية المتمثلة بالقوى المعارضة له مما جعلها غير قادرة أن تتصدر عملية اسقاطه, وجعلها لاحقا متخلفة عن احتواء الفراغ السياسي الذي نتج بعد اسقاطه من خلال القوى العالمية العسكرية بقيادة أمريكا. وكان الفراغ السياسي بعد سقوط النظام ذو شقين, أولهما جماهيري سياسي حيث لا تمتلك القوى السياسية قاعدة شعبية منظمة كافية ومعبئة لكي يؤهلها لقيادة التغير, والشق الآخر هو فكري ايديولجي حيث ان اغلب القوى السياسية التي شغلت الفراغ بعد سقوط النظام لا تمتلك مشروعا وطنيا واضحا ينقذ العراق ويشكل بديلا صالحا عن النظام السابق المنهار, فحل البديل السياسي المحصصاتي الطائفي والأثني المدعي للمظلومية التاريخية والقائم على ردود الأفعال والبعيد عن سنة الصراع الاجتماعي وقوانينه, وقد لقي هذا البديل الدعم الكامل من قوى الاحتلال الامريكي ومتناغما مع اجندته في أضعاف العراق كقدرات ذاتية.  

 أن تجربة ثمانية عشر عاما من الزمن في الاخفاق المزمن للمطاليب العادلة لشعبنا تعكس بشكل واضح انها ازمة نظام متآكل وليست أزمة تلبية خدمات عامة كان يفترض على النظام تلبيتها في السنوات الأولى من الحكم, أنها أزمة فساد نظام الحكم المتهرئ الذي لا يمتلك أي شرعية للبقاء, وأن شعارات اهلنا في المحافظات المنتفضة في الاستجابة الى المطالب الاساسية ما هي إلا مدخل للمطالبة بتغير النظام المحصصاتي, واهلنا هناك يعرفون تماما فلا كهرباء تأتي ولا ماء صافي سيشرب في ظل نظام معوق وكسيح لا يستطيع تقديم الحد الادنى من مسلمات الحاجات الانسانية, في ظل نظام فاسد لا يتورع عن سرقة لقمة العيش. 

 أن ما تعرضه منظمة هيومن رايتس ووتش والمعنية بحقوق الأنسان يجسد جزء من مأساة الشعب العراقي خلال ما يقارب اكثرمن عقد والنصف عاما الماضية, والتي من خلالها على الأقل لايمكن القبول بالعملية السياسية وبأحزابها الفاسدة التي اسهمت بتبديد الثروات الطبيعيةة منها والبشرية, وتؤكد المنظمة: أن هناك ثلاثة ملايين وأربعمائة ألف مهجر موزعون على أربع وستين دولة. أربعة ملايين ومائة ألف نازح داخل العراق. مليون وسبعمائة ألف يعيشون في مخيمات مختلفة. خمسة ملايين وستمائة ألف يتيم" تتراوح اعمارهم ما بين شهر و17 عام ". مليونا أرملة" اعمارهن ما بين 15 و25 عاما". ستة ملايين عراقي لا يجيدون القراءة والكتابة" تتصدرهم البصرة وبغداد والنجف وواسط والأنبار ".بلغت نسبة البطالة 31%" الأنبار والمثنى وديالى وبابل في الصدارة تليها بغداد وكربلاء ونينوى". 35% من العراقيين تحت خط الفقر" اقل من خمسة دولارات". 6% معدل تعاطي الحشيش والمواد المخدرة" بغداد في الصدارة تليها البصرة والنجف وديالى وبابل وواسط". 9% نسبة عمالة الأطفال دون 15 عاما. انتشار 39 مرضا ووباء, أبرزها الكوليرا وشلل الأطفال والكبد الفيروسي وارتفاع نسبة الأصابة بالسرطان والتشوهات الخلقية. توقف 13 ألف و328 معملا ومصنعا ومؤسسة انتاجية.  تراجع مساحة الأراضي المزروعة من 48 مليون دونم الى 12 مليون دونم. استيراد. استيراد 75% من المواد الغذائية و 91% من المواد الأخرى. التعليم الأساسي في أسوأ حالاته: 14 ألف و658 مدرسة, تسعة آلاف منها متضررة, و800 طينية, والحاجة الى 11 ألف مدرسة جديدة. الديون العراقية 124 مليار دولار من 29 دولة. واردات النفط للفترة 2003ـ2017 بلغت ألف واربعمائة مليار دولار, لم تسهم هذه الاموال الطائلة في حل مشكلات الحياة الاساسية, بل ذهب معظمها في عمليات الفساد ونهب المال العام. 

 

 

وقد قدم شعبنا في  الاحتجاجات التي اندلعت في اكتوبر عام 2019 ما لا يمكن توقعه في حراك سلمي مشروع بعرف القيم الانسانية او كما يرد في دستور العراق الذي يكفل حق التظاهر والاحتجاج والتعبير عن الرأي, وقد بلغ شهداء الأحتجاجات اكثر من 750 شهيدا وما يقارب من 30 ألف جريح, من بينهم اكثر من 700 اعاقة منتهية, وكذلك اكثر من 2000 معتقل. وقد استندت السلطات الحاكمة الى اعتمادها القمع الدموي الى افتعال " نظرية المؤامرة " التي تستهدف العراق كما ترويه السلطة الحاكمة, وهي تعرف تماما ان سيادة العراق منتهكة من دول الأقليم وأمريكا, وقد مارست السلطة في سلوكها اسقاطا سيكولوجيا لاحدود له في تحميل المحتجين عيوب النظام وامراضه المزمنة, فتوغلت في القتل والتصفيات الجسدية وممارسة شتى صنوف العنف واساليبه اللأانسانية.  

   لقد تأكد للجميع أن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية خلال 18 عاما وما أنتجه من تعصب أعمى، ومنذ ولادته بعد 2003 لحد اليوم كان عائقا ومعطلا للعملية السياسية، حيث حلت في الممارسة العملية الانتماءات الضيقة محل " علم السياسة " لإدارة شؤون البلاد، مما جعل من أحزاب الطوائف والأعراق أمكنة للحشود البشرية وليست أمكنة لانتقاء وتدريب النخب السياسية لقيادة البلاد، وكأنها تعمل على قاعدة أن الحزب يساوي كل أبناء الطائفة أو العرق بما فيها من خيرين وأشرار، وتحولت إلى أمكنة للاحتماء بدلا من الاحتماء بالدولة والقضاء كمقومات للدولة العصرية، مما فوت الفرصة على الانتقاء والفرز على أساس الكفاءة السياسية والنزاهة، وليست لاعتبارات لا صلة لها ببناء دولة المواطنة، أنه سلوك يؤسس لمختلف الاختراقات السياسية والأمنية وشتى ألوان الاندساس. 

  كما أن نظام المحاصصة عرقل ويعرقل جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي، وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد، بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك، أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة، بل تؤسس إلى " إفساد للتنمية "، وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف، والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع، أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل، وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف دينه ومذهبه وطائفته وعرقه.  

  لقد أخلت سياسة المحاصصة بالسلم الاجتماعي وأضعفت الشعور بالوحدة الوطنية والتكافل الاجتماعي من خلال خلق التكتلات والشللية السياسية والاجتماعية على أسس طائفية وعنصرية مما يعزز بمرور الوقت حالات الاحتقان والفتنة الاجتماعية، فيتحول الصراع السياسي وغير السياسي إلى صراعات طائفية وعرقية لا حصر لها، أنها عملية استنفار للاشعور الجمعي لأفراد الطوائف والأعراق، وحتى لأتفه الأسباب، وهناك فرق جوهري بين حقك المشروع في الانتماء إلى دين أو طائفة أو عرق أو قومية ما وبين أن تبني دولة تضم مختلف الأديان والأعراق 

  اليوم نحن في العراق أمام واقع استطاع فيه الاسلام السياسي والقوى االسياسية الأثنية ان تنخر العملية السياسية وتشيع الفساد الاداري والمالي في كل مستوياته وتسعى جاهدة لتعزيز الخراب في ما تم تخريبه وتتشبث في البقاء, وقد استفادت من لحظات انفعالات شعببنا بعد سقوط الدكتاتورية لكي يستثمر انفعالات شعبنا في وجهة اضطرابية مرضية صوب التعبئة الانفعالية الحشدية من خلال تحويلها الى قطعان في كل المناسبات الانتخابية منها وغير الانتخابية.  

 اليوم شعبنا امام مسؤولية تاريخية لأنتاج قوى سياسية قادرة على انتشال ما تبقى من العراق من امكانيات وقدرات ذاتية لأعادة بنائه على اسس من الديمقراطية الحق والتداول السلمي للسلطة, وبالتأكيد انها مهمة ليست سهلة في ظل ظروف سائدة مخيفة تهدد مستقبل العراق حيث فوضى السلاح والمليشيات المنفلتة وقطاعي الطرق, وقتلة المتظاهرين لازالوا احرار طلقاء, وضعف تطبيق القانون واستشراس قوى الدولة العميقة وفي مقدمتها قوى الأحزاب المسلحة التي تستنفر قواها للأستحواذ مجددا على البرلمان عبر اعادة انتاج حجمها اضعافا في الانتخابات القادمة, انها مهمة عسيرة لشعبنا في الخلاص من قوى المحاصصة, ولكن التنظيم ورص الصفوف ووحدة الخطاب قد تمهد لملامح تغير قادم ولعل ذلك يشكل بداية لأزالة اثار الاحتلال وتداعياته ويشكل مدخلا للعراق في بناء علاقات متوازنة وكفوءة مع العالم الخارجي بعيدا عن الضغوطات الأقليمية, الى جانب اعادة انتاج الخطاب الوطني الجامع لوحدة العراقيين. 

 

المحاضرون المجانيون جزء من الأزمة

العامة للعملية التربوية في العراق

 

د.عامر صالح

 

لعله من نافلة القول أن دول العالم تولي اهتماما ورعاية بالتعليم من منطلق أن التعليم هو أساس تقدم الأمم ومعيار تفوقها في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية, وعن طريق التعليم يكتسب الفرد المعرفة وتقنية العصر والقيم والاتجاهات التي تحيط بشخصه من جميع الجوانب وتجعله قادرا على التكيف والتفاعل الايجابي مع البيئة والمجتمع. وأن اتساع القاعدة الشعبية لقطاع التربية والتعليم وتحوله إلى اكبر القطاعات الاجتماعية تجمعا للعنصر البشري دفع العديد من الحكومات المتقدمة والنامية إلى تبني استراتيجيات شاملة تزيل الطلاق التقليدي بين المدرسة والعمل والحياة وإحكام ربط هذا القطاع بحاجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وقد عززت هذا التوجه الدراسات الكثيرة التي بينت أن التربية ليست " خدمة استهلاكية " تقدم للناس بل هي توظيف مثمر للموارد يؤتي ثماره مضاعفة ويؤدي إن أحسن استخدامه إلى عائدات اقتصادية تفوق العائدات الاقتصادية للمشروعات الصناعية والزراعية وسواها, وهي ذات اثر طويل الأمد. وقد أكدت دراسات دنيون الأمريكي وريداوي البريطاني وستروملين الروسي, أن الزيادة في الإنتاج لا تعود فقط لزيادة رأس المال واليد العاملة, بل يرجع إلى عوامل التقدم التقني وما وراءه من إعداد وتدريب وتعليم للموارد البشرية. 

  ولعل من المسلم به القول ايضا إن عملية التربية والتعليم تعد ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وللتقدم والنهضة الحضارية ومجاراة للعصر,حيث أن المواطن المتعلم والمؤهل والمتربي هو ثروة حقيقية لأي مجتمع من المجتمعات,ومن هنا تعكف دول العالم على الاستثمار في العنصر البشري من خلال التعليم والتدريب والرعاية المختلفة, وذلك لقناعات مفادها إن الإنفاق المالي الكبير على قطاعي التربية والتعليم هو ليست من باب الاستهلاك بل هو من باب الاستثمار ذو العوائد طويلة الأمد,والذي تأتي فوائده أضعاف ما ينفق على هذه القطاعات ولسنين طوال ولأجيال متعاقبة.

فالتربية والتعليم تلعب دورا كبيرا في بناء الشخصية الوطنية وتكريس الهوية الحضارية من خلال دورهما في عملية التنشئة الاجتماعية والثقافية وتكريس قيم التسامح والمصالحة الوطنية,وهما يمثلان الركيزة الأساسية في خلق القوى العاملة المدربة في مختلف الاختصاصات لتلبية احتياجات التنمية الشاملة وسوق العمالة, ومن خلالهما أيضا يتم خلق أجيال قادرة على التواصل مع العالم والتعامل مع مستجدياته في ميادين التقدم الاقتصادي والاجتماعي والتقني لمواكبة ظروف العصر,حيث نحتاج فيه إلى إنسان يمتلك الخبرات والأفكار والأساليب والآليات الجديدة والمستجدة, أي نحتاج إلى إنسان يتصف بالقدرة على الإبداع والابتكار والبصيرة النافذة, ومن هنا تأتي أهمية دور نظام التربية والتعليم في تأهيل هذا الإنسان في ظل تأثر هذا النظام بالعديد من التحديات مثل ثورة المعلومات والاتصالات,وثورة العلم والتكنولوجيا,والتنمية الشاملة والمستديمة, والشركات المتعددة الجنسيات والعولمة, وهذه التحديات تؤثر في أساليب عمل المؤسسات التعليمية كما تؤثر في أهدافها ومناهجها وكادرها التدريسي وطبيعة إعداده وفي تحديد طرائق التدريس وطرائق عمل هذه المؤسسات وأدارتها بصورة عامة.

أن إصلاح حقيقي في مجال التربية والتعليم لا يمكن أن يحقق الأهداف المرجوة منه إلا إذا جاء كجزء من عملية إصلاح شاملة تشمل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية,وخاصة في ظل التداخل والتأثير المتبادل بين هذه المجالات, وحيث أنجز العراق الخطوة الأولى المتمثلة في التغير السياسي صوب "الديمقراطية السياسية" اللازمة لانتعاش الديمقراطية في قطاع التربية والتعليم " كما يفترض في سياقات صحية", إلا أنه اخل في ترك أي اثر ايجابي في هذا القطاع في الحقبة ما بعد 2003 والى اليوم, حيث ترك هذا القطاع فريسة للمحاصصات السياسية والطائفية وفتح باب الاجتهاد السيئ على مصراعيه في هذا المجال مما حوله إلى ميدان مصدر للتخلف الفكري والتربوي ومكان امن للفساد والتزوير والاستحواذ, وهو استمرار لما حصل من تدهور في العملية التربوية والتعليمية في زمن النظام السابق,بل وفي بعض من وجهوها أشرس مما وقع آنذاك. 

 في الوقت الذي حقق فيه العراق تقدما ملموسا في عقد السبعينيات على مستوى استيعاب الأطفال, فحسب تقرير اليونسكو أمتلك العراق قبل حرب الخليج الأولى نظام تعليمي من أفضل أنظمة التعليم في المنطقة قدرت نسبة المسجلين فيه بالتعليم الابتدائي ما يقارب 100% مقارنة بأعداد الأطفال في سن التعليم الابتدائي,وحسب تقرير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام 1973 فأن معدل التسرب في التعليم الابتدائي قد هبط في العراق إلى ما يقارب 5% بين الصف الأول والخامس الابتدائي,وكان هذا أوطأ معدلات تسرب في الدول النامية.ثم نال العراق في نهاية السبعينيات جائزة اليونسكو على حملة محو الأمية.وقد ساهمت في ذلك الطفرة المالية المتحققة من العوائد النفطية والتي وسعت من حجم الإنفاق على التعليم,وكذلك الدور الكبير والمتميز الذي لعبته الحركة الوطنية وفي مقدمتها قوى اليسار في التعبئة لنشر التعليم والثقافة في صفوف أبناء المجتمع وتعزيز الدور التعبوي عبر نشاطها وصحافتها العلنية, وخاصة في ميدان محو الأمية,ونقل تجارب الشعوب العالمية عبر صحافتها اليومية وخلق المزاج العام المواتي لتنفيذ ذلك. إلا إن الحروب الكارثية التي أقدم عليها النظام العراقي آنذاك وما سببته من استنزاف للموارد المالية والبشرية قد الحق أفدح الإضرار بقطاع التربية والتعليم, ويكفي إن نشير هنا إلى إن نسبة القادرين على القراءة والكتابة في البلاد عام 2003: الذكور 55%, الإناث 23%. وبلغت خسائر هذا القطاع أكثر من أربع مليارات دولار شملت كل عناصر وأبعاد العملية التربوية ومستلزماتها ومؤسساتها ومراحلها المختلفة.  

 أن مصير العملية التربوية كما هو معروف يرتبط وثيقا بالاستقرار السياسي الذي يبعث الأمل في مؤسسات الدولة وقيامها بأنشطتها على أسس موضوعية وحيادية, ومنها قطاع التربية والتعليم,فالنظام السياسي يلعب دورا مهما في إعادة توليد القيم الأخلاقية والاتجاهات الاجتماعية العامة, والنظام التربوي هو احد أدواته لتكريس هذه القيم ونشرها على نطاق واسع عبر الممارسات اليومية, من خلال المناهج والأنشطة المدرسية, وتشكل في هذا السياق ظاهرة التعصب الديني والطائفي والقومي احد القيم الأخلاقية والتربوية الضاغطة على وحدة نظام التعليم ونسيجه الاجتماعي, ويشكل هنا التسرب من التعليم والابتعاد عنه احد وسائل احتماء الأقليات في حالات الاحتقان الشديد وسببا في انقطاع الكثير من أبناء الأقليات والطوائف عن التعليم والعزوف عنه.

تعرض النظام التربوي جراء سياسات النظام السابق الهوجاء وما تلتها من سياسات عشوائية على أيدي الاحتلال وما تبعتها من تكريس للمحاصصة الطائفية, إلى انهيارات كبرى في مراحله المختلفة, فقد تم تدمير اغلب المؤسسات التربوية من أبنية ومستلزمات وأجهزة, وقد تحول الكثير من المدارس إلى مجرد أربعة جدران وأماكن شكلية لإقامة الدارسين,لا تشد الطالب إلى المجيء والمواظبة, بل إلى طرده من المدرسة, ناهيك عن اقتسام المدارس إلى مناطق نفوذ طائفي أو حزبي, فهي تعتبر في أذهان الكثير أماكن غير آمنه.

 بعد مرور 18 عاما على سقوط النظام السابق ولا زال النظام التربوي والتعليمي في العراق يتعرض الى هزات بنيوية تهدد بأنهيار ما تبقى للقطاع من سمعة وطنية ودولية, وتلك الانهيارات تشمل عناصر العملية التربوية بأبعادها المختلفة: من كادر تربوي, ومناهج, مكان الدراسسة, الأدارة والطلاب وفي سياقتها الكمية والكيفية. وفي سياق حديثنا عن الكادر التدريسي والتربوي بصورة عامة حيث يتعرض الى المساوامات اللاانسانية من قبل السلطات التربوية المحصصاتية التي لا تفقه قيمة العيش الكريم للكادر التربوي وآثار ذلك على أدائه اليومي في سياق العملية التربوية, وتلك السلطات تمارس نفس حالات الاستلاب والأكراه التي مارسها النظام السابق لأذلال الناس من خلال سياسة التبعيث والشوفينية وفرض سياسة الرضوخ لشروط الحاكم الجائر لتجويع الكادر التربوي.  

 هناك عشرات الألوف بل تجاوز العدد 140 ألف كادر تدريسي يعمل في السخرة او على شكل مكافئات مقطوعة او مكرمة مالية كما تعطى للفقراء في الشوارع او المعوزين وذوي الأعانات الاجتماعية, ولا يمكن لعاقل ان يصدق ان هذا الأمر يحصل في العراق, في بلد نفطي بلغت عائداته منذ 2003 اكثر من 1400 مليار دولار ذهبت جميعها في جيوب الفاسدين والسراق من سياسي الصدفة مختلسي المال العام ورافعي شعارات المليشيات المسلحة اولا ولا لدولة المواطنةا, وما انفق على قطاع التربية والتعليم الى اليوم تجاوز 30 مليار دولار بحسب التقديرات, وهذه الاموال لا تستطيع تأمين فرص تعين بشروط انسانية للكادر التربوي, بل تلجأ الى حلول عرجاء وغير محسومة الى ما يسمى بالعقود, في ظل افتراضات اكيدة في توسع التعليم الهائل في العراق استنادا الى البنية السكانية الفتية او في اعمار الدراسة, وبالتالي فالحاجة قائمة الى الكادر التربوي في العراق الى يوم يبعثون, فلماذا هذا التحايل عليهم ومساومتهم بأبخس الشروط.  

احتجاجات الكادر التربوي اليوم في مختلف المحافظات العراقية هي جزء لا يتجزأ من الحركة الأحتجاجية في عموم العراق ولمختلف الشرائح الاجتماعية لتحسين ظروف العيش ومحاربة الفساد وسرقة المال العام وتوفير الخدمات الانسانية الضرورية من صحة وتعليم وكهرباء وماء وضمانات للفئات المجتمعية المحرومة, مقرونا بمطالب مشروعة لأعادة بناء العملية السياسية من جديد عبر الأقصاء الديمقراطي للطبقة السياسية الفاسدة كمقدمات لأعادة بناء العراق على اسس دولة المواطنة, وبالتالي نرى ان الحلول الترقيعية والوعود للكادر التربوي عبر تحويلهم الى "مكرمة العقود" هي ذات الوعود التي تحدثت عنها السلطات المتعاقبة في حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية لعموم شعبنا ولم تحل, وقد بلغت ضحايا مطالبات شعبنات منذ انتفاضة اكتوبر اكثر من 700 شهيد و30 ألف جريح ومئات الأعاقات المنتهية غير القابلة للعلاج, ولا زال المجرم القاتل حرا طليقا, والوعود بألقاء القبض عليهم وتقديهم للعدالة كما هي الوعود في الاستجابة لمطالب الشعب. 

 

 

موازنة العراق للعام

2021 واعادة انتاج المحاصصة

 

د. عامر صالح

 

ليست من السهل الحديث عن العدالة في توزيع الموارد المالية والمتمثلة في العائدات النفطية اولا واخيرا في ظل نظام ريعي سعى منذ سقوط الدكتاتورية في عام 2003 الى التعامل مع السلطة وأرث الدولة كغنائم يجري تقاسمها دوريا سواء عبر الانتخابات البرلمانية التي تعيد انتاج القوى المتغانمة للسلطة او عبر الميزانيات السنوية التي يعول عليها العراق وشعبه سنويا ولكنه يفاجئ كالعادة بصراع شرس مع كل اقرار للميزانية, حيث الصراع على اقتسام الموارد النفطية وتوزيع الحصص جغروا مذهبيا واثنيا في اطار من المساومات غير المبدئية للحصول على اكثر قدر ممكن من المغانم في ظل بلد غاب فيه الحرص على وحدة البلاد ومكوناته الأثنو دينية والمذهبية, حيث مبدأ الانتفاع في اللحظة الراهنة من الموارد واستنزاف قدرات الدولة والعبث في مستقبل القادم من الأيام, أو كما يقال: " أصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب".  

 نظام المحاصصة الأثنية والطائفية ومنذ عام 2003 لم يأتي بجديد أيجابي يسهم بتغير العراق من حال الى حال افضل كما لم يعمل على ازالة ارث الدكتاتورية البغيض بل وجدت فيه مناسبة وبيئة حاضنة لسياستها التي تعيد انتاج الدكتاتورية ولكن برؤوس متعددة لدكتاتوريات تتصارع حول اقتسام العراق وموارده وتفتقد الى المشروع الوطني الجامع والحافظ لسيادة العراق بأعتباره حاضنة ومظلة للجميع, ومن هنا يشتد الخلاف حول الصيرورة التي تجري بها ادارة موارد البلاد كجزء من الغنائم الواجبة التوزيع وفقا لموازين القوى السياسية وبعيدا عن مصلحة العراق, فالجميع يغني على ليلاه.  

 وما يعبر عن حجم الأزمة المستعصية في صراع المتحاصصين هو استمرار العراق لعدة اشهر بدون موازنة للعام 2021 وقد انتهى ربعه الأول, وحتى العالم الخارجي" وهي حالة نادرة" يتابع بعناية مسارات اقرار الميزانية العراقية, فعادة كل دول العالم تقر ميزانياتها بهدوء ولم يعلم بها أحد من الخارج سوى اخبار عابره, اما ان تهنئ امريكا العراق على اقرار الميزانية وغيرها من الدول الى جانب اهتمام الصحافة الاقليمية والعالمية فهو مؤشر لتفهم العالم الخارجي لعمق الأزمة السياسية  لتي يعاني منها العراق والصراعات السياسية الاثنية والطائفية التي اعتاد عليها المشهد السياسي العراقي منذ سقوط نظام صدام حسين الدكتاتوري وانهيار الدولة العراقية ومؤسساتها على يد المحتل الامريكي الذي أسس لنظام اثني طائفي تتصارع فيه المكونات الأثنية السياسية والطائفية على الموارد المالية ولا تتصارع على ضرورات وحدة العراق بأعتباره أولوية وشرط مسبق للسلم والأمن والحفاظ على المال العام.  

لا يمكن الحديث عن نظام يستند الى النفط كمورد اساسي ووحيد او على شاكلة" يبيع ليأكل فقط " ان يمتلك رؤيا للمستقبل, فكل قواه السياسية تتحدث عن صفقات للموارد وليست صفقات لاعادة البناء, تلك هي ضالة القوى السياسية الطائفية والاثنية المتشبثة بالهويات الفرعية, فالموازنات السابقة ومنذ 2003 لم ترى النور منها لا بمشاريع انتاجية واستثمارية ولا فرص عمل ولا اعادة بناء البنية التحتية التي دمرها الاحتلال والصراعات الطائفية الاثنية, بل كانت كانت ملغومة بالفساد واهدار المال العام والمشاريع الوهمية, حتى بلغ ما خسره العراق ما يقارب 1400 مليار دولار في مجمل وارداته النفطية لتلك الفترة, والقوى السياسية هي نفسها التي قادت المشهد بعد السقوط وتقوده الآن وتتصارع على الموارد والميزانية السنوية.  

 وحسب ما تم التصريح به وافق برلمان العراق الأربعاء، على ميزانية عام 2021 التي يبلغ حجمها 130 تريليون دينار عراقي (89.65 مليار دولار)، في وقت تعاني به البلاد أزمة اقتصادية ومالية بسبب تدني أسعار النفط. وقال مشرعون إنه من المتوقع أن يبلغ عجز الميزانية 28.7 تريليون دينار (19.79 مليار دولار). وتفيد وثائق ومشرعون أن الميزانية موضوعة على أساس سعر نفطي بلغ 45 دولارا للبرميل، وصادرات متوقعة قدرها 3.25 مليون برميل يوميا، منها 250 ألف برميل يوميا من إقليم كردستان العراق. ويعتمد العراق على النفط في تمويل 97 بالمئة من ميزانيته، وأدى التزامه باتفاق أوبك لخفض إنتاج النفط إلى تقليص الموارد المالية لحكومة تكافح من أجل معالجة تداعيات سنوات الحرب والفساد المستشري.  

  ورغم الفرح الشكلي والذي ابتهجت به القوى السياسية المتحاصصة حيث حصولها على ما تريد من صفقات مالية, والتي جرت المصادقة عليها على طريقة خذ ما تريد واعطني ما اريد, وكذلك ما افرزته عمليات التصويت على الموازنة من صفقات انتخابية مبطنة قادمة قد تبدو ملامحها واضحة لاحقا في شخص رئيس الوزراء القادم ورئيس الجمهورية المحصصاتي, لكن الشارع العراقي قد استوعب اللعبة بوضوح اكبر هذه المرة ولعله يبلور ذلك في صيرورة وعي قادم لأعادة اصطفاف القوى السياسية وتفويت الفرصة على قوى المحاصصة المتخاذلة امام مصلحة البلاد وامنه واستقراره.  

  الذين تاكتفوا لتمرير الميزانية بهدف الحصول على مكاسب آنية فرحوا لحالهم والذين غضبوا من القوى الاخرى او اضافوا تعديلات على فقرات الميزانية لدوافع مختلفة فقد عرفهم الشعب العراقي خلال 18 عشر عاما بفسادهم وبالتالي فأن الثقة الشعبية بجميع الاطراف المتحاصصة هي ثقة حذرة ان لم نقل معدومة, فالحديث عن الميزانية هو حديث عن صراع مستميت بين قوى السلطة المحاصصاتية وعلى كيفية اغتنام موارد البلاد, فلا تحسن قادم في الظروف العامة الخدمية وتحسين ظروف العيش حيث ان مستلزمات ذلك تكمن من خلال تجربة الحكم ما بعد 2003 في عدم محاربة الفساد ووضع حد له, وبالتالي استنزفت موارد البلاد وميزانياته وسرق قوت الشعب ومستقبله.  

  يفترض ان فرح السيد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي ومباركته في المصادقة على الميزانية ان يكون مشروعا, فليست المباركة في ضخ الاموال المليارية لقوى المحاصصة مفرحا بل انه سيكون اشد حزنا عندما لا يقترن بمحاربة الفساد المالي والاداري ونهب المال العام الذي لم يستطيع السيد الكاظمي محاربته رغم وعوده ولجانه المختلفة لمحاربة الفساد لكنه لم يستطيع بل وخائف في محاربته, في دليل قاطع ان قوى الفساد اقوى من قوى الدولة, وبالتالي فأن المتحاصصين بعد اقرار الموازنة هم بأنتظار ضخ الاموال للأفساد فيها وسرقتها وحجب اي بارقة أمل في انتشال العراق من الوحل الذي يتمرغ فيه, والحديث عن الاستثمارات وفرص العمل وتحسين مستوى الحياة هو حديث مشكوك فيه لتصريف ازمة الحكم والنظام, وينتظر العراقيون مزيدا من شد الأحزم على البطون في ظل سياسات انخفاض سعر الدينار بغياب مظلة الدعم الاجتماعي للفئات الفقيرة والمحرومة وغياب فرص العمل وارتفاع الاسعار الجنوني الذي سيؤذي منخفضي الدخول ويعرضهم الى مختلف الانتهاكات.  

 خيارات شعبنا هي خيارات استنفار للمساهمة في اعادة اصطفاف القوى السياسية عبر المساهمة في الانتخابات القادمة على نطاق واسع لأستبدال منظومة الحكم الفاسدة بمنظومة اخرى بديلة, رغم ان الحديث عن ذلك ليست سهلا فمنظومة الفساد تمتلك امكانيات كبيرة للعبث في مسار الانتخابات وتزويرها او تهديد المواطن وتشويه خياراته الانتخابية, ولكن يفترض ان بصمات انتفاضة تشرين تكون حاضرة بوضوح في المعادلة السياسية عبر تسلحها بضرورات الوعي البديل بعيدا عن الصراعات الثانوية التي قد تعرقل بل وتشوه انجازات تشرين, وعلى الكاظمي ان يتحلى بشجاعة اكبر وجرئة في ان يحمي مسار التحولات نحو الأفضل وإلا سيلعنه التاريخ والعراقيين كما لعنوا سابقه, وعلى الأقل ان يكون امينا لما ادعى به وليست مناورا على حساب دماء الشعب.  

  لا توجد معطيات ان اسقاط النظام عبر انتفاضة مسلحة هي البديل حيث ان موازين القوى غير موجودة كبديل ديمقراطي, بل هو نذير بمزيد من الانقسامات والتشظيات والحروب الداخلية والمقابر الجماعية, ولكن العالم كله مع انتفاضة تشرين السلمية لأزاحة القوى الفاسدة والميليشياوية المدججة بالسلاح, وبالتالي فأن عنصر التنظيم لقوى تشرين سيلعب دورا كبيرا في التأسيس لمرحلة التغير الجذري لأزالة القوى الفاسدة عن المشهد السياسي, وهي مقدمات للحفاظ على موارد العراق المالية والبشرية وانطلاق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومحاربة الفساد واعادة استنهاض العنصر البشري في العراق على اسس الحق والعدل وتكافؤ الفرص. 

 

 


الميليشيات المغلفة

بشعارات المطالب الشعبية

 

د.عامر صالح

 

لكل متتبع للوضع السياسي في العراق يرى ان خيار الدولة الآمنة  المستقرة في العراق هو خيار صعب وبعيد المنال, حيث صراع قوى الدولة واللادولة على اشده, وان خيار اللادولة يطفح على سطح الأحداث ليؤكد مجددا أنه خيار شرس تجسده قوى سياسية ميليشياوية من داخل البرلمان العراقي وخارجه او بتواطئ الأخير مع قوى برلمانية عرفت بتشددها وكراهيتها للدولة كخيار للأمن المجتمعي الشامل, وان قوى الدولة تعاني الأمريين لفرض ارادتها على التراب العراقي بفعل غياب موازين القوى وضعفها لصالح قوى الميليشيات المدججة بالسلاح التي تستبيح الأمن الفردي والمجتمعي وتبعث على اللااستقرار وتهديد السلم المجتمعي وخلق فوضى مستديمة تستجسيب لأجندة الخراب والارتهان الى القوى والدول الأقليمية التي لا يعنيها ان يكون العراق بلد مستقلا ومعافى من التدخلات الحارجية والأجندة السياسية الداخلية ذات الطبيعة العقائدية المتحجرة والمعادية لفكرة بناء دولة المواطنة وعلى اسس عابرة للأنتماءات الطائفية والأثنية.  

 ان استعراض ميليشيات ما يسمى " ربع الله " لقواتها يوم الخميس بتاريخ 2021ـ03ـ25 في بغداد يمثل عينة تجسد بوضوح امتداد لأستعراض ميليشيات سابقة هي الأخرى تعبث في الأمن والأستقرار وتهدد حياة الناس اليومية, وللميليشيات المذكوره بأختلاف مسمياتها تاريخ اسود في العراق منذ بداية العملية السياسية في العراق بعد اسقاط نظام الطاغية صدام حسين, من حروب طائفية استنزفت فيها مئات الألولف من ارواح الأبرياء, الى ما تمارسه يوميا من ابتزاز للمواطنين واستلاب اموالهم وحرق محلاتهم  ومصادرة ممتلكاتهم واغتيال اصحاب محلات ومؤسسات مختلفة تمارس مختلف المهن الطبية والرياضية والترويحية العامة الى جانب فرض طقوس الأكراه ومغادرة العادات والتقاليد الخاصة بالتنوع الديني والمذهبي والأثني الى جانب اضفاء السوداوية المقيتة على الحياة العامة في محاولة منها لتحويل العراق وخاصة العاصمة بغداد الى قندهار ثانية, وقد ساهمت تلك الميليشيات بأغتيال اكثر من 700 منتفض تشريني وجرح واعاقة اكثر من 30000 ألف شخص, والمئات منهم يقع ضمن الأعاقات المنتهية وغير القابلة للعلاج.  

 وفي الوقت الذي تبرأت هيئة الحشد الشعبي من جماعة "ربع الله " وكذلك القوى الأسلاموية البرلمانية مما يضع تلك القوى المستعرضة في عزلة كما ينبغي ويسهل امر محاسبتها من قبل قوى الدولة والحكومة, إلا ان الأمر هنا مختلف تماما عن السياقات الطبيعية والعقلانية عندما ترفع الحصانة عن تلك القوى والتي يفترض ان تساق الى العدالة حالا, ولكن على ما يبدو الأمر في العراق مختلف, فالحكومة تدعو الى التهدئة وعدم الانجرار الى الاقتتال الداخلي, والحكومة تعرف حق المعرفة من هي القوى الاستعراضية المسلحة والى اين تنتمي, وبالتالي فأن رئيس الوزراء العراقي يعرف جيدا ما هي موازين القوى وما هي تحالفات تلك القوى الميليشياوية داخل البرلمان وخارجه, وبالتالي فأن رئيس الوزراء وحكومته هو الحلقة الأضعف في الصراعات السياسية والمليشياوية بحكم كونه لا يمتلك كتلة برلمانية تعينه في تنفيذ برنامجه الحكومي والذي من ضمنه سيادة الدولة وحصر السلاح المنفلت كما يدعي, ولكن الوقائع الميدانية تؤكد ان ضعف رئيس الوزراء متهالك فهو لا يستطيع إلا ان يراهن على انتخابات قادمة سواء كانت مبكرة او في توقيتها الرسمي لتغير موازين القوى السياسية الاجتماعية, ولكنه قد لا يعي او متغافل ان هناك خطوات جذرية يجب العمل بها قبل الشروع بالانتخابات, وابرزها حصر السلاح بيد الدولة وتوفير بيئة انتخابية آمنة بعيدا عن قوى الميليشيات وتأمين رقابة اممية صارمة على الأنتخابات.  

 

مما يثير سخرية الشارع العراقي ان تلك القوى الميليشياوية تنادي بأصلاح الاوضاع الأقتصادية وقد جسدتها جماعة ربع الله في " مطالبها " مثل ارجاع سعر صرف الدولار, واقرار الموازنة, عدم تسليم الموازنة الى البرزاني دون دفع مستحقات النفط والمعابر, وتحذير عملاء امريكا في العراق, تلك المطالبات هي لدغدغة مشاعر الشارع العراقي بعد ان فشل الأسلامويون وفقدوا رصيدهم الجماهيري بعد 18 عشر عاما من الفشل, وهذه الموضوعات تحتاج الى كفاءة سياسية لمعالجتها وليست قوى ميليشياوية لا تفقه غير لغة السلاح والقتل والخراب.  

 ولكن بالتأكيد فأن مطالب " ربع الله " تتناغم مع مطالب قوى اسلاموية داخل البرلمان العراقي لها تحالفاتها مع القوى الاقليمية الخارجية, ومن هنا يأتي ضعف الكاظمي في مقارعة " ربع الله " وغيرهم حيث التحالفات المستميته لتنفيذ اجندة الجوار الذي يرغب في رهن حياة العراقيين كاملة بدوامة الصراع الأيراني الامريكي ولكي يبقى العراقيون وقودا مستعرا لذلك الصراع العبثي, ويكفي هنا الأشارة الى أن تهريب العملة الذي قضى عليه رفع الدعم عنها سبب خسائر أخرى كبيرة للاقتصاد الإيراني الذي كان يشتري العملة الأميركية الرخيصة بسبب الدعم ويستفيد من فرق السعر الكبير الذي يصل إلى عشرين في المئة من قيمة تلك العملة, فالقضية ليست دعوى للأصلاح الاقتصادي بل هي دعوى لأنقاذ الجار الخاسر من ذلك, وهذا ما يجسد فحوى ومبرر الدعوى المتحايلة للميليشيات المسلحة لعودة سعر صرف الدولار السابق.  

 وعلى ما يبدو فأن الدولة العراقية لا تتجه نحو استعادة هيبتها وفرض قوانينها رغم ما يدور من حديث بشأن جهود تبذل لتحقيق ذلك، بل إن تحركات الميليشيات بين الحين والآخر على الأرض وأنشطتها المعلنة واستعراضاتها المسلّحة المتحدية للسلطات السياسية والأمنية في قلب العاصمة بغداد تظهر أن الدولة تسلك مسارا عكسيا باتّجاه المزيد من فوضى السلاح وتغول الفصائل ذات الارتباطات والأهداف العابرة لحدود الدولة نفسها, وقد ستشدد تلك الفصائل بهجومها على العملية الديمقراطية حال اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية, وسيدعمها من داخل البرلمان ذات القوى بمزاجها الميليشياوي لتخريب كل شيء مقابل مغانمها السلطوية الانتخابية وتحالفاتها العابرة للحدود العراقية.   

 استعراض ربع الله كما غيره من الاستعراضات يجسد اشد الحالات تعسفا وانتهاكا للدولة ومؤسساتها  واشد جرما في اختيار السلاح لغة للحوار عبر استعراض العضلات المسلحة وفرض ارادة القوة المتخلفة عقليا وفكريا مقابل الحوار الوطني السلمي لأنقاذ الوطن من براثن الطائفية والعرقية المتخلفة, اما شعارات الأصلاح الأقتصادي والخلاص من الاحتلال فتلك مهمات يدركها العقل المدني استنادا الى حاجة شعبنا للبقاء الصالح وتحسين ظروف العيش الكريم ولا للسلاح المنفلت دخل في ذلك !!!. 

 

 

 

 

على طريق أسلمة المجتمع

العراقي وتفتيت مكوناته

 

د. عامر صالح

 

منذ نشأة النظام المحاصصاتي الطائفي والأثني بعد سقوط الدكتاتورية في عام 2003 بواسطة الأحتلال الامريكي والزحف جاري من قبل قوى الاسلام السياسي لأضفاء الأسلمة على مظاهر الحياة المختلفة وتكريس قيم الكراهية والأقصاء لمختلف المكونات الأثنية والدينية والمذهبية وفرض لون واحد من الطقوس والممارسات العبثية, والتي تكمن في جوهرها ليست قيم التسامح الديني المتعارف عليها في المجتمع العراقي بمختلف مكوناته الأثنية والدينية والثقافية بل هو فرض ممارسات الأكراه في تبني وفرض طقوس قهرية من قبل احزاب اسلاموية تتدعي انها تجسد الدين الاسلامي بقيمه المتعارف عليها من صدق ووفاء والحفاظ على الأمانة وتقبل الآخر المختلف, ولكنها في الممارسة العملية تجسد اجندة تخريبية تلغي الآخر وتحرض على قتله وتصفيته ان لم يمتثل لأوامر الحزب الاسلاموي المعني او المتلبس برداء المذهبية ذات الكراهية لكل انتماء آخر عبر تأطير وزج المذهب في السياسة وترسيخ ثقافة الأستحواذ في كل مفاصل الدولة.  

 منذ 2003 بعد سقوط دكتاتورية صدام دخل العراق في شرنقة الطائفية والاثنية البغيضة حتى اصبح جسد الدولة ومؤسساتها بالكامل أسير لثقافة الغنيمة الطائفية والاثنية وباتت اجهزة الدولة معبئة بأقتسام مناطق النفوذ, انه احتلال من نوع اخر للدولة ومؤسساتها, بل انه خراب يخطط له لأنهاء الدولة العراقية ومؤسساتها عبر احتوائها فئويا وألغاء لدورها الوطني الشامل بعيدا عن مختلف الأنتماءات.  

 هذه المرة تطال المحاصصة المحكمة الاتحادية, وعلى الرغم من الاعتراضات والرفض الذي جوبهت به الأحزاب الإسلامية الشيعية والسنية في البرلمان العراقي منذ العام 2019، في محاولاتها الرامية إلى إدخال رجال الدين ضمن عمل المحكمة الاتحادية العليا ومنحهم صلاحيات واسعة في قراراتها، إلا أنها لم تمنع حصول توافق سياسي يُفترض بعرف المحاصصة السيئ أن يتحول إلى تشريع ملزم خلال الأيام القليلة المقبلة, انها سلطنة المحاصصة النشاز.

 وحاولت منظمات المجتمع المدني والناشطين والنقابات خلال العامين الماضيين، من خلال ندوات ومؤتمرات، إيقاف محاولات معظم الكتل السياسية لإدخال المحاصصة إلى عمل المحكمة الاتحادية العليا عبر دخول  فقهاء الدين من المذهبين الشيعي والسني، ومنحهم صلاحيات التصويت ورفض القوانين والقرارات التي يجدونها مخالفة للشريعة الإسلامية في المحكمة الاتحادية.

 وبموجب المادة (92) من الدستور العراقي، تتكون المحكمة الاتحادية العليا من عدد من القضاة، وخبراء في الفقه الإسلامي، وفقهاء القانون، يُحدد عددهم، وتُنظم طريقة اختيارهم وعمل المحكمة، بقانون يُسَن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب.

 ووفق المادة (93) من الدستور، فإن اختصاصات المحكمة الأساسية تنحصر بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة وتفسير النصوص الدستورية والفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين والتعليمات الصادرة من السلطة الاتحادية والفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية والمصادقة على نتائج الانتخابات. وهناك توقعات بأن المحكمة الاتحادية ستسير على خطى المحاصصة الطائفية البغيض بما يلحق الأذى بكل المكونات الدينية والمذهبية ويكرس تصدع الوحدة المجتمعية ويعيد انتاج التحريض على الطائفية والاثنية.  

 أن معضلة مجتمعنا الكبرى هي ليست مع أشخاص, بل مع الأسلام السياسي الغير مؤمن بالديمقراطية أصلا, والتي يراها لعبة غربية لا تصلح لمجتعاتنا, وأن الاسلام السياسي مكره على ممارستها في ظل الظروف العالمية الضاغطة والتي لا تقبل إلا بالتدوال السلمي للسلطة وفي ظروف طبيعية وصحية. في عودة سريعة لضبط مصطلح الديمقراطية وماهيته والذي يخدمنا كثيرا في هذا المقال, وهو أن الديمقراطية تعني حكم الشعب, أو الحكم للشعب, وإذا كان للديمقراطية مصطلحات عديدة إلا إن لها مدلولا سياسيا والذي شاع استخدامه في كل الأدبيات والفلسفات القديمة والحديثة وأنها مذهب سياسي محض تقوم على أساس تمكين الشعب من ممارسة السلطة السياسية في الدولة, فالكلمة العليا والمرجعية النهائية إنما هي للشعب ولا شيء يعلو فوقه, فهي تعني أن يضع الشعب قوانينه بنفسه, وأن يحكم نفسه بنفسه, ولنفسه, والحكومة التي تقبلها النظرية الديمقراطية هي الحكومة التي تقر سيادة الشعب وتكفل الحرية والمساواة السياسية بين الناس تخضع فيها السلطة صاحبة السلطان لرقابة رأي عام حر له من الوسائل القانونية ما يكفل خضوعها لنفوذه, وقد تبلورت هذه الفكرة فيما بعد تحت مصطلح السيادة, وقد عرفت السيادة بأنها سلطة عليا مطلقة لا شريك لها و لا ند متفردة بالتشريع الملزم, فيما يتعلق بتنظيم شئون الدولة أو المجتمع, فلها حق الأمر والنهي والتشريع والإلزام بذلك, لا يحد من إرادتها شيء خارج عنها, ولا تعلوها أو تدانيها سلطة أخرى, والسيادة في الفكر الديمقراطي إنما هي الشعب. وتتمثل ممارسة الشعب للسيادة في ثلاث جوانب رئيسية على الأقل هي:

ـ إصدار التشريعات العامة الملزمة للجماعة التي يجب على الجميع الالتزام بها وعدم الخروج عليها, وهذه تمارسه السلطة التشريعية.

ـ المحافظة على النظام العام في ظل تلك التشريعات, وهذه تمارسها السلطة التنفيذية.

ـ حل المنازعات سلميا بين المواطنين انطلاقا من هذه التشريعات, وهذه المهمة تمارسها السلطة القضائية, ويتبين من ذلك أن السلطة التشريعية هي أم السلطات الثلاث.

 وعلى خلفية هذه الرؤى فأن الديمقراطية كفلت الكثير من الحقوق والحريات التي تتحقق بها إنسانية الإنسان كحرية التنقل, والاستقلال في الرأي والتفكير, والمشاركة في القرار السياسي وفي اختيار الحكومة, وفي القدرة على رفض الحكومات وتغييرهم في حالة عدم صلاحيتهم, وفي حق التملك وحق الأمن والأمان, كما يحقق المساواة للجميع أمام القانون, والدعوة إلى الآراء وحرية تكوين الأحزاب, وحق المعارضة للسلطة القائمة, وحق الاقتراع العام, وتنظيم الانتخابات للوصول إلى الحكم, وتداول السلطة بين أفراد الشعب, واعتماد مبدأ الأغلبية في اتخاذ القرارات وسن القوانين.

وفي زحمة هذه الصلاحيات الواسعة للشعب في ظل الديمقراطية الحقيقية يقع الإسلام السياسي في دوامة الصراع النفسي والسلوكي مع القوى الديمقراطية ومع الشعب, كون هذه الأخيرة مصدر كل السلطات وبالتالي تشكل بديلا عن الشريعة الإسلامية ذات الطابع الإلهي, أي كما يفهمه الإسلام السياسي بأن جعل التشريع بيد الشعب هو إلغاء لشريعة الله تعالى, وهذه الخاصية التي تميزت بها الديمقراطية على تعاقب التجارب والأزمان, تعد من الاختلافات الحقيقية بينها وبين الإسلام, انطلاقا من قاعدة الإسلام التي جوهرها هي توحيد الله تعالى, والتي تعني أن يكون المسلم عابدا لله وحده, وذلك بالاحتكام إلى ما شرعه الله تعالى في كلها من صلاة وصيام وحج, معاملات بين الناس وخصومات, وفي شؤونه نه كلها, وبالتالي أن تحل سلطة الشعب مكان سلطة الإلهة أمر غير مقبول جملة وتفصيلا لدى الإسلام السياسي.

 واليوم إذ تتطور الحياة الإنسانية على أسس من معطيات مختلف العلوم الإنسانية والطبيعية وتزداد مقدرة الإنسان الفعلية في التحكم في الطبيعة والمجتمع, فأنها تقع في صراع مستمر مع الخطاب الديني الذي أريد له أن يكون صالحا في كل زمان ومكان وبين الحياة المتغيرة بدون انقطاع التي تستدعي الاعتماد مزيدا على الذكاء الإنساني ومقدرته على إيجاد مختلف الحلول للمشكلات الإنسانية انسجاما مع ظروف العصر ومكانة الإنسان الريادية في التقدم. هذا لا يعني نهاية للدين, فالدين باقي في أكثر المجتمعات تطورا وله فسحته في حياة الناس التي لا تتعارض مع سنة وقوانين التطور والارتقاء, فالدين باقي هنا كحاجة شخصية وكما هي نشأته الأولى.  

 اما بخصوص المحكمة الاتحادية وتركز معظم النقاشات وحالات عدم الرضا عن القانون، حول الفقرة المتعلقة بإضافة 4 أعضاء من فقهاء «الفقه الإسلامي» إلى عضوية المحكمة المؤلفة من 11عضواً، ضمنهم الرئيس ونائبه, وانصب معظم مخاوف المعترضين على القانون الجديد حول إمكانية تحول العراق إلى «دولة دينية» بوجود الثقل الذي يمثله الفقهاء الأربعة، أو أن تتحول المحكمة الاتحادية إلى «مجلس لتشخيص مصلحة النظام» على غرار النموذج الإيراني. ولعل ما عزز تلك المخاوف هو أن النسخة الأولى من القانون التي قدمت إلى البرلمان العراقي عام 2015، كانت تتضمن فقيهين اثنين فقط ضمن أعضاء المحكمة، لكن النسخة الجديدة للقانون رفعت سقف تمثيلهم إلى أربعة.  

أن الخندقة الدينية للنظام السياسي وما تسوق ورائها بالضرورة من خندقة مذهبية يعني بالتأكيد أن يلحق الغبن والتميز الديني والمذهبي لقسم هام وغير قليل من المواطنين,وهذا ناتج من أن النظام السياسي المتخندق مذهبيا يتخذ من دينه ومذهبه إطارا مرجعيا ومحكا لتقيم دين ومذهب الآخر. وهو خلاف المفهوم العصري للدولة التي لا تعرف المواطن إلا من خلال الأوراق الثبوتية التي تشير إلى اسمه الثلاثي أو الاسم واللقب, أي رمزيته وخصوصيته في سجل الأحوال المدنية.أما خلاف ذلك فنأتي بأفعال تدفعنا إلى البحث (النبش) والتنقيب عن دين الآخر ومذهبه, ونذهب بعيدا في فحص أوراقه الثبوتيه للتأكد من ( سلامته) الدينية والمذهبية من خلال أسمه وأسم عائلته. وفي ذلك تجاوزا على حريته الشخصية وحرية معتقده, والتي يفتخر بهما أي نظام ديمقراطي. ونحن نعرف أن الدين والمعتقد الديني هو حرية شخصية قد تعجبني وقد لا تعجبك, والجميع ورثها من آباءه وأجداده, فأنا شيعي, وأنت سني, وهذا مسيحي, أو صابئي أو يزيدي. ولا اعتقد أن احد منا بذل جهدا استثنائيا لكي يدرس حقيقة انتماءه الديني أو المذهبي لكي يفضي إلى تغيره, إذا ما توفرت القناعة لديه, بل نبحث عن أدلة لتكريسه, لأنه مكون جمعي. وبالتالي نرثه كما نرث خصائصنا الوراثية: لون العينين,شكل الأنف, لون الشعر, طول القامة وهكذا.  

 المحكمة الأتحادية ليست استثناء من صراع قوى المحاصصة بل انها ستشهد اكثر الصراعات شراسة انطلاقا من خطورة المحكمة الاتحادية في الشأن العام وبالتالي فالصراع عليها هو صراع  حياة او موت لقوى المحاصصة وان الاسلام السياسي سيلوث المحكمة الاتحادية كما لوث كل مؤسسات الدولة وما تبقى منها في عرف المحاصصة وامراضها المستعصية. 

 

 

 

غادر بابا الفاتيكان

العراق وبقى الحل عراقيا

 

د.عامر صالح

 

في زيارة تاريخية لبابا الفاتيكان الى العراق استغرقت اربعة ايام أقل ما يقال عنها ومن خلال تصريحات البابا فرنسيس أنها صادقت رسميا على الخراب والدمار الذي حل بالعراق, وكانت اشارته السريعة في لقاءاته وخطبه الرسمية  مع المسؤولين العراقيين وكذلك خطاباته في الكنائس الى الفساد والسلاح المنفلت والأقتتال الداخلي وانعدام الأمن والتهجير القسري الى جانب الفقر وانعدام الحياة الحرة الكريمة, الى جانب مواساته الخاصة لمسيحيي العراق ومحنتهم الانسانية في التهجير ومصادرة الممتلكات والتغير الديموغرافي المذهبي والديني الذي تعرض له العراق, فالمسيحين كمكون عراقي تعرض للتهميش بعد السقوط, وحيث الأحصائيات التي تشير الى وجود اكثر من مليون ونصف مسيحي قبل سقوط الدكتاتورية وقد تبقى منهم اليوم بحدود 250 ألف فقط, طبعا الى جانب الأضطهاد الذي لحق بالمكونات الأخرى جراء الحروب الطائفية والاثنية واحتلال داعش وما قام به من سبي وتنكيل وقتل واغتصاب للمكونات الأخرى وخاصة الأيزيدية, واليوم نحن نتحدث عن غبن كل المكونات دون استثناء.  

زيارة البابا كانت ناجحة بأمتياز من حيث الحفاوة والاعداد لها وتنفيذها والاستقبال الشعبي الهادر لها من كل المكونات العراقية دون استثناء, الى جانب الرسالة التي اوصلها البابا للشعب العراقي, ولكن بالتأكيد فالحكومات الغارقة في الفساد وجدت ضالتها في متنفس سريع في زيارة البابا للعراق وأرادت ان تترك انطباعا مزيفا ان ما يجري في العراق برد وسلام ولا يوجد هناك ما يعكر صفو المواطن العراقي, من انعدام الخدمات والأمن وضيق فسحة العيش, وكانت اجراءات الحكومة السريعة في التهيئة للزيارة, من تبليط للشوارع وزرع للملصقات والصور وتعليق الشعارات وتهيئة مختلف الفرق الفنية والفلكلورية للتهيئة لأستقبال البابا أثار تعجب وجنون المواطن العراقي المحروم وقد انعكست في تساؤلات عديدة ابرزها لماذا لا تفعل الحكومة ذلك في سياقات طبيعية يومية استجابة لحاجات المواطن الماسة للكهرباء والخدمات, بالتأكيد ورغم انعكاساته الايجابية على الضيف ولكنه كان نفاقا وتحايلا حكومي وجزء من سلوكيات الفساد المستشري في الدولة, وكانوا يعملون ذلك في الحملات الانتخابية لخداع المواطن العراقي, وكان لتعبئة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والدفاعية دورا كبيرا وفاعلا في توفير الظروف الآمنة لزيارة البابا, فكيف لا يمكنهم العثور على قتلة المتظاهرين في انتفاضة تشرين وقد بلغ عددهم اكثر من 700 شهيد الى جانب آلاف الجرحى والمعوقين.  

اذا كانت زيارة البابا بالنسبة للحكومة العراقية هي محاولة لفك طوق العزلة الدولية عن العراق من خلال توفير اجواء مناسبة لزيارته فأن البابا لم يمنح صك الغفران للحكومات العراقية وكانت خطاباته توبيخية للحكومات ولكنها بالتأكيد تستند الى مبدأ اللياقة والاخلاق الدبلوماسية لضيف حل بالعراق وليست مهمته التشخيص للحالة العراقية عبر الاشارة الى رموز العملية السياسية الفاشلة المحاصصاتية, وفي اطار تجنب الحساسيات المفرطة للتدخل في الشأن العراقي.  

 

وعلى المستوى الجماهيري فكان صدى تأثيرات البابا فرنسيس واضحة وعميقة في الشارع العراقي, فقد رحبت به جميع الاطياف والملل والمذاهب, وهنا يلعب الوعي وتفاوتاته دورا كبيرا في فهم الزيارة, فقد رأى البعض انها فرصة الخلاص من نظام المحاصصة دون وعي كافي الى مجريات الصراع الطبقي الدائر في المجتمع العراقي بين فئات المحرومين والفاسدين, وبالتالي لا توجد وصفة سحرية من البابا لحل المشكل العراقي, ورأى البعض الآخر ان البابا رفد الشارع العراقي بطاقة سيكولوجية روحية هائلة عبر ايصال صوت العراقيين الى المجتمع الدولي ونعتقد في ذلك فأن صوت البابا قد فاق صوت الأمم المتحدة في التعريف بمعاناة العراقيين من الجور وظلم النظام الطائفي والأثني, وخاصة عندما تختلط المشاعر الدينية بالسياسسة في المحنة فأنها تضفي هالة وقدسية للخلاص بعيدا عن الطرائق المتبعة وماهيتها والتي قد لا نتفق مع مداخلها في العلاج, اي المساهمة في تحريض الغرائز الجمعية الأولى ذات الطابع الميتافيزيقي واحداث نوع من الصدمة في استيعاب المشكل العراقي.  

كان لقاء البابا فرنسيس بالسيد علي السيستاني ليست لقاء شكليا لتتمة مراسيم زيارته أو لقاء بمقلد الطائفة الشيعية" فهناك اكثر من مقلد ومرجع لها" ولكن لقائه بالسيد السيستاني هو لقاء برجل مفصلي في العملية السياسية بعد 2003 فقد ساهم السيستاني ورجالاته بوضع اسس الدستور العراقي كما لعبت المرجعية في الأطوار الاولى من العملية السياسية على تشجيع الناس في انتخاب الاحزاب الاسلامية وحتى عبر فتاوى خاصة, ووقفت لاحقا الى جانب منتفضي تشرين 2019 وشددت على تنفيذ مطالب المحتجين وساهمت بأزاحة عادل عبد المهدي رئيس الوزراء السابق والذي جصلت في زمنه مجازر دموية ضد المتظاهرين, كما سبق ذلك فتوى الجهاد الكفائي للخلاص من داعش, الى جانب ذلك ان اللقاء به ضمنا يعني هو لقاء بمقلد الكتلة السياسة الشيعية التي تقود الحكم والمسؤولة عن أمن البلاد ومستقبله واستقراره وهي نفسها التي عاثت في الارض فسادا وسرقة للمال العام وقادت الحكم الى المجهول خلال ثمانية عشر عاما, فهو لقاء خاص بأمتياز وللتحذير بما هو قادم ودعوى بابوية ضمنية للسيد السيستاني لأستخدام صلاحياته الواسعة في التأثير على مستقبل البلاد السياسي.  

 

بابا الفاتيكان لم يعطينا خارطة طريق لأنقاذ العراق "فتلك ليست مهمته " بل منحنا طاقة للعمل والتفاؤول وتدارك المخاطر المحدقة في البلاد, ونحن نترجمها الى موضوعات فرعية تضمن سلامة العراق باعتباره حاضنة للجميع: 

أولاـ الأمن السياسي ويتضمن حماية الكيان السياسي للدولة العراقية كدولة ديمقراطية حرة وذات سيادة، وبما يكفل ديمقراطية الحياة السياسية العراقية في التعددية والانتخابات والعمل والمعارضة السلمية، بعيدا عن الإرهاب السياسي والاستئثار بالسلطة السياسية واستخدامها لتكريس حالات مشوه من الممارسات ألا ديمقراطية لنيل من ا الكيانات أو المعارضة السياسية السلمية. 

ثانياـ الأمن الاقتصادي ويعني حماية اقتصاد الدولة العراقية ومواردها وخططها من الفساد والنهب والتزوير وسوء استخدام الموارد المالية، ويشمل ذلك كل من اقتصاد مؤسسات الدولة واقتصاد الأفراد والشركات. 

ثالثاـ الأمن القانوني ويضمن حماية الحقوق الإنسانية والوطنية للمواطن العراقي، وبما يكفل تأدية واجباته في أطار منظومة عادلة وواضحة ومتوازنة من الحقوق والواجبات، ويشمل ذلك تأمين قضاء عادل غير متحيز، يحمي الجميع بغض النظر عن الحزب أو الطائفة أو القومية التي ينتمي أليها الفرد. 

رابعاـ الأمن الاجتماعي ويشمل كافة الإجراءات التي تضمن وحدة المجتمع العراقي بأطيافه المختلفة من طوائف وأديان ومذاهب وأقليات قومية وعرقية، وبما يؤدي إلى تماسكه واندماج أفراده في الولاء إلى العراق كوطن للجميع، ويشمل ذلك أيضا الأمن الوقائي من التخريب والجريمة والإرهاب والترويع والتهديد بمختلف مظاهره. 

خامساـ الأمن القيمي ويتضمن الحفاظ على منظومات المجتمع العقائدية والقيمية والثقافية بكل تنوعاتها الايجابية في أطار مناخ من الانفتاح والتناغم والتواصل مع المجتمعات والحضارة الإنسانية ومعطياتها الايجابية، ويأتي هنا دور الأعلام الحيادي والثقافة المبدعة في تكريس ذلك. 

سادساـ الأمن الصحي ويقصد به حماية المواطن وسلامته من الأمراض والأوبئة وكل ما يهدد سلامته، ويأتي ذلك عبر خطط ملموسة لتطوير قطاع الصحة لانتشاله من حالة التدهور المستمر في ظل جائحة كورونا التي استنزفت كل الأمكانيات الى جانب الفساد. 

سابعاـ الأمن البيئي ويضمن الحماية من نتائج التلوث الطبيعي والصناعي الذي لحق في البيئة جراء الحروب المتواصلة واستخدام مختلف أنواع الأسلحة المحرمة وغير المحرمة والتي ألحقت دمارا بالبيئة الطبيعية، مما أثر سلبا على صحة الإنسان وبيئته.  

لا نتفائل كثيرا فالساحة العراقية تعج بالكثير من المتغيرات الخطيرة والمفاجئة في ظل صراع العراق مع القوى الاقليمية والداخلية المليشياوية, وبالتالي يقف العراق على اعتاب محاذير ومخاطر جمة, منها العبث في الأسس الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة, وفوضى السلاح والمليشيات والعصابات المسلحة وعدم وجود قانون انتخابات عادل وكذلك قانون للأحزاب يمنع المليشيات من العملية السياسية والمشاركة فيها وعدم اقرار قانون المحكمة الاتحادية وفوضى مجتمعية واحتجاجات لا ترتقي الى مستوى تنظيمي يقارع الطغمة الفاسدة. فالبابا فرنسيس ليست عصى سحرية ويبقى الشأن عراقيا. 

 

 

 

 

هل تسبح

" البطة " عكس التيار

 

د.عامر صالح

 

"البطة" تسمية محلية لسيارات تويوتا كراون من موديلات 1994 – 2002، استخدمت خلال حقبة الحرب الطائفية التي شهدها العراق (2004 - 2008)، والتي اتهم فيها سياسيون سنة، ميليشيا المهدي التابعة للتيار الصدري بخطف وقتل أبناء المكوّن السني في العراق، في حين قال قياديون في التيار الصدري إن عناصر التيار قضوا على الطائفية والإرهاب بوسائلهم، من بينها استخدام سيارات "البطة". بالتأكيد أنها صفحات من الرعب في تلك السنوات الى جانب وجود التنظيمات الارهابية التي ترعرعت في المناطق الجغروسنية,  تلك هي افرازات نظام المحاصصة الطائفية والاثنية الذي عبث في استقرار البلاد وامنها المجتمعي والذي أسس له الأحتلال الامريكي البغيض لذلك, مما خلق خندقة جغروطائفية وأثنية في عموم العراق, والتي لازال العراق يحصد بفعل ذلك مزيدا من الفوضى واللااستقرار, وكان حصادها المزيد من التدهور الامني والفساد الاداري والمالي وتدهور مكانة الدولة العراقية لتفسح المجال لنشوء الدولة العميقة ذات الباع في الشأن العراقي وعدم استقراره, بل اصبحت صاحبة القرار في العبث في الامن والسيادة الوطنية.  

 أن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية وما أنتجه من تعصب أعمى, ومنذ ولادته بعد 2003 لحد اليوم كان عائقا ومعطلا للعملية السياسية,حيث حلت في الممارسة العملية الانتماءات الضيقة محل " علم السياسة " لإدارة شؤون البلاد,مما جعل من أحزاب الطوائف والأعراق أمكنة للحشود البشرية وليست أمكنة لانتقاء وتدريب النخب السياسية لقيادة البلاد, وكأنها تعمل على قاعدة أن الحزب يساوي كل أبناء الطائفة أو العرق بما فيها من خيرين وأشرار, وتحولت إلى أمكنة للاحتماء بدلا من الاحتماء بالدولة والقضاء كمقومات للدولة العصرية,مما فوت الفرصة على الانتقاء والفرز على أساس الكفاءة السياسية والنزاهة, وليست لاعتبارات لا صلة لها ببناء دولة المواطنة, أنه سلوك يؤسس لمختلف الاختراقات السياسية والأمنية وشتى ألوان الاندساس والفوضى المجتمعية. 

 كان استعراض جزء من سرايا السلام التابعة للتيار الصدري في يوم الأثنين المصادف 2021ـ02ـ08 لم يكن مفاجئة قطعا, حيث استعراض العضلات لمختلف القوى المسلحة جاريا على قدم وساق وفي مختلف المنعطفات والمناسبات السياسية, لطالما ان لغة القوة والسلاح هي البديل عن لغة الحوار. وخاصة ما يجري داخل القوى الشيعية حيث تشظيها المستمر على خلفية تشبثها بحيازة منصب رئيس الوزراء الذي يمتلك الصلاحيات الواسعة بما فيها القائد العام للقوات المسلحة وتشكيل الحكومة وتقرير سياستها الداخلية والخارجية وغيرها من الامتيازات ذات الصلة بأستقرار البلاد وأمنه وسيادته.  

 لم يكن استعراض التيار الصدري لبعض من قواه المسلحة نشاز عن مما يجري في البلاد سواء انه كان مباشرا في التعبير عن طموحاته وفرض ارادته انطلاقا من قدراته في التعبئة الحشدية لجمهوره والتي صاغها على شكل طموحات معلنة في رغبته في الحصول على 100 مقعد برلماني في الانتخابات البرلمانية القادمة التي ستجري في الشهر العاشر, ورغبته في تسلم رئاسة الوزراء, مادام الأمر محصورا في الطائفة الشيعية بتسمية رئيس الوزراء, فلماذا لا تسنح الفرصة للتيار الصدري بقيادة البلاد اسوة بمن سبقوه وهو من يدعي التعبئة المليونية عند الشدائد, فالمظلة المحصصاتية المثقوبة هي من يدفع القوى الشيعية للصراع المميت فيما بينها للأستحواذ على رئاسة السلطة التنفيذية وتركيبتها, حيث لا يستطيع الآخرون تقرير ذلك رغم عدم دستورية ذلك, حيث لا يوجد نص محصصاتي بتقسيم السلطات التنفيذية والتشريعية والرئاسية وحتى القضائية طبعا ولكنها من اسوء العادات التي تحولت الى عرف لا يمكن مغادرته, وان الذين يتحدثون عن عقد سياسي عراقي جديد والتأسيس لعقد اجتماعي سياسي متصالح مع الذات والمجتمع هم اطراف في المشكل العراقي المستعصي, حتى اصبح الحديث عن ذلك سخافة وتصريف اعلامي, فجميع الناطقون بها هم اطراف مريضة في نظام منهار.  

 التيار الصدري بأستعراضه العسكري الذي أطره بمخاوف أمنية للنيل من العتبات والرموز الدينية المختلفة فهو يتحدى فيه قوى شيعية سياسية متنافسة معه ورافضة له اصلا والتي يجسدها قطب المالكي, حيث اعلن علانية بعدم السماح للتيار الصدري بقيادة المشهد السياسي, والخلاف هنا ليست خلاف حول ما يعانيه شعبنا من فقر وفاقة وفساد او خلاف في برامج المعالجة لانتشال العراق من المستنقع الذي فيه, من ازمة اقتصادية واجتماعية وصحية, بل الخلاف على من يتزعم المشهد من الطائفة الشيعوسياسية والغارقة في الفساد الاداري والمالي وسرقة المال العام وتوقف المشاريع التنموية, في مجتمع يصل في عدد السكان تحت خط الفقر اكثر من 12 مليون نسمة, انه صراع على السلطة السياسية وليست صراع على برامج اقتصادية اجتماعية لأنقاذ البلاد, حديثي هذا ليست تزكية لفساد الطبقة السنية السياسي, فمن يسرق مخصصات اصلاح مناطقه فهو كافر ظالم ومجرم.  

 

لقد أخلت سياسة المحاصصة بالسلم الاجتماعي وأضعفت الشعور بالوحدة الوطنية والتكافل الاجتماعي من خلال خلق التكتلات والشللية السياسية والاجتماعية على أسس طائفية وعنصرية مما يعزز بمرور الوقت حالات الاحتقان والفتنة الاجتماعية, فيتحول الصراع السياسي وغير السياسي إلى صراعات طائفية وعرقية لا حصر لها, أنها عملية استنفار للاشعور الجمعي لأفراد الطوائف والأعراق, وحتى لأتفه الأسباب, وهناك فرق جوهري بين حقك المشروع في الانتماء إلى دين أو طائفة أو عرق أو قومية ما وبين أن تبني دولة تضم مختلف الأديان والأعراق.  

 نعم يستطيع التيار الصدري حصاد اكثر من 100 مقعد برلماني, فهو يستنفر الخطاب الشعبوي الذي يؤطره الحرص على العراق وشدة التركيز على العراقوية المفتعلة وعلى استقلال القرار العراقي وعدم التدخل في شؤونه الداخلية لأستهواء مزاج الشارع العراقي الذي تعب ويأس من مختلف التحالفات, فالعزف على الانفعالات المؤقتة قد يؤدي الى مكاسب مؤقتة ذات طابع انفعالي مؤقت وبالتالي الانجرار وراء القطيع الانتخابي يشكل اكثر المخاطر ايذاء للديمقراطية.  

 ومن التجربة الماضية وعلى خلفية هذه التعبئة المشوهة اندفعت شرائح واسعة من مجتمعنا في البداية إلى الارتماء في أحضان الحركات الأسلاموية على خلفية فهم محدود لإزالة أثار الفقر ومسبباته في تصور خاطئ مفاده إن جرة قلم سوف تنقلهم من فقر مدقع إلى غنى لا حدود له, في ظروف سياسات انفتاح غير مدروسة وعبثية صوب الانتقال إلى اقتصاديات السوق, في وقت توقفت فيه الدولة عن أداء دورها التنموي في بلد غني كالعراق, وتتسع دائرة الظلم الاجتماعي والفساد, ويبدأ الفقر بالضرب بشدة في ما تبقى من صلابة التنظيم الاجتماعي بما فيه العائلة ليفضي إلى تصدع اجتماعي وترهل سياسي مخيف فيخيم على المجتمع شعور طاغ بالاغتراب وفقدان المعنى والمصداقية مع انعدام العدالة والتخلص من كل تخطيط ليقع المجتمع فريسة ضروب الفوضى وارتفاع مخيف لنسبة البطالة وسط غنى هو الأخر مخيف وفاحش, وتتعمد القوى السياسية لتسريع الانتقال إلى الرأسمالية المشوهة والوحشية لتحقيق مكاسب خاصة عبر الوكالات والسماسرة والفساد بكل أنواعه, ونفس هذه القوى تندفع إلى تسويات سياسية غير عادلة يسودها منطق الانهزامية الوطنية في ظروف يبدوا فيها محيط العراق الخارجي أكثر شراسة وعنف في التدخل في شئونه وارتهانه وأضعاف وحدته الداخلية.  

 وبالتالي فأن التيار الصدري بما يحمله من شرائح اجتماعية متنوعة من فقراء ومتوسطي الدخول بل ومن الاغنياء وملاكي العقارات وغيرهم قد يلعب دورا تمويهيا لجمهوره من خلال دغدغة المشاعر في الوعود لمعالجة الفقر والانتشال من البؤس خارج اطار الوعي الحقيقي للمسببات, ومن خلال تشبثه بمنصب رئيس الوزراء القادم بعيدا عن المخاطر الناتجة من نظام المحاصصة سيئ السمعة, فالمهم في ذلك ليست الفقر لذاته بل الوعي به.  

 تواصل الكتل الشيعية بتشظيها المتواصل كما هي الكتل السنية والكردية, وقد تكن الاخيرة اقل استنادا الى المزاج القومي والطموح نحو الاستقلال, ولكن الخلاص من نظام المحاصصة هو الحل في عراق آمن يضمن الأمن والتنمية للعراق والسلام لكردستان, ومن هنا فلا يسعد شعبنا الحصول على عدد المقاعد لكتل طائفية بل الخلاص من نظام المحاصصة الى نظام وطني جامع للتنوع العراقي بعيدا عن استئثار الطائفة والعرق. 

 
العراق: من صدمة الدكتاتورية

الى صدمة المحاصصة الطائفية

والعرقية والى الأصلاح بالصدمة

 

د.عامر صالح

 

علينا الأعتراف بأن حاضر العراق هو نتاج صدمات لتاريخه القريب, ولا يوجد ما يشير الى ان العراق كان بلد مستقر وهادئ خلال عقوده الماضية وان ما كان فيه هو نعيم وجنة ورخاء, ولكن بالتأكيد المقارنة تكون نسبية, فالأسوء يستنهض فينا ايجابية السيئ رغم مرارة الأخير, إلا ان الفطرة الانسانية تشتغل على سنة من يرى الموت يرضى بالسخونة المرتفعة, والذاكرة الانسانية تنشظ بذكرى الاحداث من حيث تراتيبيتها ووقع الألم فيها ودرجة تلاشيه في مختلف الحقب التاريخية, الشخصية منها والعامة.  

في التاريخ الحديث للشعوب توجد عدة أحداث بارزة شكلت صدمة أو رجة في الوعي الجمعي، قادت بدورها إلى تحولات على المستوى السياسي والحضاري، بما في ذلك إجراء مراجعات فكرية مختلفة وممارسة للنقد والنقد الذاتي. باستثناء منطقتنا العربية والاسلامية, والعراق نموذج لذلك العزوف عن نقد الذات وانتاج خطاب يسهم في رسم ملامح حاضر افضل والذي يبدو أنه محصن حتى الآن من تأثير هذا النوع من الصدمات, بل ان مافيه من تفاعلات تعيد احياء السيئ بما هو اسوء منه.  

 فبالاضافة إلى الاستبداد والقمع والفساد الذي عانى منه ويعاني العراقيون، هناك أيضا حجب كامل للمعلومات واستهتار واضح بقيمة الإنسان العراقي. وهناك ميل دائم للتعامل مع المواطنين كما لو كانوا أطفالا أو قصرا بحاجة دائمة إلى من يفكر عنهم ويتخذ القرارات نيابة عنهم. وهناك حرص سلطوي على جريان السياسات والتعليمات والمعلومات في اتجاه واحد فقط من الأعلى إلى الأسفل وهناك التعامل مع الشعب كقطيع يستحق الرعاية والقيادة الرتيبة الى حين يريد القائد الفذ او الحزب القائد, إن كان دكتاتوريا ام اسلامويا او غيره.  

 لقد نشأ الظلم والفساد في العراق في عقوده الأخيرة على أرضية قسوة خارقة واستثنائية حيث قائد الضرورة كان على هبة الاستعداد لذبح مئات الألوف من عامة الناس ومن كوادر البلد العلمية والمهنية والسياسية ومن خيرة مفكريه وأدبائه وكتابه وشعرائه, وحتى من أنصاره ومؤازريه,وحرب ضروس استمرت ثماني سنوات لم تلبث أن انتهت بأعجوبة ساهم العناد الإيراني باستمرارها وإراقة الدماء عند كلا الطرفين, حتى لحقت بها حرب احتلال الكويت,ثم تلتها حرب تحرير الكويت ضد العراق وكان في ذلك اشد دمارا للبنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية للدولة العراقية, وقد ساد مناخ من الإعتام واليأس والقنوط والإحباط ارتبط بفقدان الأهل والإخوة والأقارب في الحروب وتصدع العائلة والمدينة والقرية والحي والحارة والجار بتأثير شدة الفقر والحاجة حيث بلغت الرواتب في أفضل الحالات من 5 الى6 دولارات في بلد نفطي كالعراق,إضافة إلى التصدعات القيمية والأخلاقية العامة كمحصلة لهذا كله, وقد قادت هذه الظروف إلى شيوع الجريمة العادية والسرقة ولكنها كانت في معظمها تحت قبضة النظام السابق حيث كان على استعداد لتشجيعها أو القبض على منفذيها بنفس الوقت للتخفيف من أزمته الداخلية, وكذلك تاركا لأجهزته المخابراتية والأمنية حرية ارتكاب الجرائم النوعية ضد مناوئيه.

 ثم أتت فترة  الاحتلال الأمريكي عام 2003 واسقاط النظام السابق حيث شيوع وانتشار التنظيمات السياسية الطائفية التي نمت نموا مذهلا وسريعا وبتشجيع من دول الجوار العربي وغير العربي مستفيدة من حالة الإحباط التي عانى منها الشعب العراقي لعقود في ظل النظام السابق جراء الكوارث الاقتصادية والاجتماعية التي سببها له,وهي بمثابة استجابة انفعالية ـ سياسية في تصور غير عقلاني للخلاص من الظلم الاجتماعي دون فهم قوانينه وأسبابه, والكثير من هذه التنظيمات الطائفية ـ السياسية تربى في جبال أفغانستان أو في سهول إيران والجميع حمل أجندة البلد الذي قدم منه لينفذها على ارض العراق المظلوم ويتلقى إلى اليوم وباستمرار دعم تلك البلدان واشتراطاتها السياسية, بما فيه حتى شروط تشكيل حكومته القادمة, أنها كارثة حقيقية ضد استقلال البلد وسيادته, وعلى خلفية ذلك اشتد الاقتتال بين طوائف الدين الواحد ليتخذ طابع التصفيات الدموية والانتقام والتكفير المتبادل, بل امتد ليشمل أديان وطوائف أخرى لا ناقة لها ولا جمل في الصراع الدائر في عمل هستيري لا حصر لحدوده, وفي محاولات عبثية لحرق الأخضر باليابس.

لقد تواجدت هذه القوى تحت المظلة الأمريكية والجميع غير مؤمن بالديمقراطية السياسية كأسلوب لإدارة الحكم, وإذا كان المحتل صادقا في نيته في بناء نظام ديمقراطي في العراق فتلك هي حالة الاغتراب بين المحتل وبين من يتعامل معهم لإدارة شئون البلاد,وكما يقول المثل " إن كنت تدري فتلك مصيبتي وان كنت لا تدري فالمصيبة أعظم ", وعلى خلفية ذلك ولد الدستور"رغم مثالبه "معطلا والمؤسسات الديمقراطية الناشئة فارغة المحتوى غير ذات جدوى,والجميع يعمل على شاكلته وبطريقته الخاصة مستلهما من الدكتاتورية السابقة اعتى دروسها في "التبعيث الجديد" والاستحواذ والقمع, وكل من هؤلاء انشأ ميليشياته "الجيش الشعبي الجديد " وحتى منظمات مجتمعه المدني الصفراء, وقواه الأمنية ليدافع عن نفسه وعن امتيازاته وبقائه بعيدا عن الانتماء إلى الوطن والمواطنة.

وعلى خلفية هذه التعبئة المشوهة اندفعت شرائح واسعة من مجتمعنا في البداية إلى الارتماء في أحضان هذه الحركات على خلفية فهم محدود لإزالة أثار الفقر ومسبباته في تصور خاطئ مفاده إن جرة قلم سوف تنقلهم من فقر مدقع إلى غنى لا حدود له, في ظروف سياسات انفتاح غير مدروسة وعبثية صوب الانتقال إلى اقتصاديات السوق, في وقت توقفت فيه الدولة عن أداء دورها التنموي في بلد غني كالعراق, وتتسع دائرة الظلم الاجتماعي والفساد, ويبدأ الفقر بالضرب بشدة في ما تبقى من صلابة التنظيم الاجتماعي بما فيه العائلة ليفضي إلى تصدع اجتماعي وترهل سياسي مخيف فيخيم على المجتمع شعور طاغ بالاغتراب وفقدان المعنى والمصداقية مع انعدام العدالة والتخلص من كل تخطيط ليقع المجتمع فريسة ضروب الفوضى وارتفاع مخيف لنسبة البطالة وسط غنى هو الأخر مخيف وفاحش, وتتعمد القوى السياسية لتسريع الانتقال إلى الرأسمالية المشوهة والوحشية لتحقيق مكاسب خاصة عبر الوكالات والسماسرة والفساد بكل أنواعه, ونفس هذه القوى تندفع إلى تسويات سياسية غير عادلة يسودها منطق الانهزامية الوطنية في ظروف يبدوا فيها محيط العراق الخارجي أكثر شراسة وعنف في التدخل في شئونه وارتهانه وأضعاف وحدته الداخلية.  

 أن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية وما أنتجه من تعصب أعمى,ومنذ ولادته بعد 2003 لحد اليوم كان عائقا ومعطلا للعملية السياسية,حيث حلت في الممارسة العملية الانتماءات الضيقة محل " علم السياسة " لإدارة شؤون البلاد,مما جعل من أحزاب الطوائف والأعراق أمكنة للحشود البشرية وليست أمكنة لانتقاء وتدريب النخب السياسية لقيادة البلاد, وكأنها تعمل على قاعدة أن الحزب يساوي كل أبناء الطائفة أو العرق بما فيها من خيرين وأشرار, وتحولت إلى أمكنة للاحتماء بدلا من الاحتماء بالدولة والقضاء كمقومات للدولة العصرية,مما فوت الفرصة على الانتقاء والفرز على أساس الكفاءة السياسية والنزاهة, وليست لاعتبارات لا صلة لها ببناء دولة المواطنة, أنه سلوك يؤسس لمختلف الاختراقات السياسية والأمنية وشتى ألوان الاندساس.

كما أن نظام المحاصصة يعرقل جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي, وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد, بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك, أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة ,بل تؤسس إلى " إفساد للتنمية ",وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف, والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع, أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل ,وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف دينه ومذهبه وطائفته وعرقه.  

 

لقد أخلت سياسة المحاصصة بالسلم الاجتماعي وأضعفت الشعور بالوحدة الوطنية والتكافل الاجتماعي من خلال خلق التكتلات والشللية السياسية والاجتماعية على أسس طائفية وعنصرية مما يعزز بمرور الوقت حالات الاحتقان والفتنة الاجتماعية,فيتحول الصراع السياسي وغير السياسي إلى صراعات طائفية وعرقية لا حصر لها, أنها عملية استنفار للاشعور الجمعي لأفراد الطوائف والأعراق, وحتى لأتفه الأسباب, وهناك فرق جوهري بين حقك المشروع في الانتماء إلى دين أو طائفة أو عرق أو قومية ما وبين أن تبني دولة تضم مختلف الأديان والأعراق.

 أن إضفاء الصبغة الطائفية والعرقية على الصراع السياسي واللجوء إلى الحلول ذات الطبيعة التوافقية ـ الطائفية والعرقية تسهم في تكريس منظومة قيمية ذات طبيعة تعصبية " شاء الفرد أم أبى" لتشكل بدورها اتجاها نفسيا سلبيا مشحون بشحنة انفعالية ضد الأخر الديني أو الطائفي أو العرقي دون سند علمي أو منطقي أو بمعرفة كافية, ليتحول التعصب إلى مشكلة حقيقية في التفاعل الاجتماعي الإنساني المنفتح, وحاجزا يمنع كل فكر تقدمي جديد, ويفتت مكونات المجتمع الواحد ويحولها إلى أشلاء منغلقة ذاتيا بعيدة كل البعد عن التطورات المتلاحقة التي تحصل في العالم الخارجي في كل المجالات, أنها حالات من الصمم والبكم والعمى الهستيري والتي لا تدرك الأشياء والظواهر إلا من خلال اتجاهات التعصب الأعمى, أنها فرصا مواتية لتشديد قبضة الكراهية والعدوان الاجتماعي, ونحن نعلم من الناحية النفسية أن التعصب والتخندق الطائفي والعرقي هي سلوكيات مكتسبة ومتعلمة في أعمها الأغلب ولا توجد أدلة قاطعة ذات طبيعة غرائزية أو فسيولوجية لوجودها,فهي حالات من التمركز حول الذات وعدم تقبل الحوار مع الأخر المغاير. 

استكمالا لذات النهج المريض وتأسيسا عليه يمر العراق اليوم بأزمات مركبة, سياسية, واقتصادية, وصحية وأمنية قد تؤدي الى ما لا يحمد عقباه من انهيارات كبرى, حيث عدم الاستقرار السياسي والصراعات السياسية تفتك بالعملية السياسية وتقود البلاد الى المجهول, وبالمقابل يشتد قمع المتظاهرين المطالبين بتحسين اوضاعهمم الحياتية وتغير العملية السياسية, حيث قوبلت بالقتل العمد والاغتيالات والاختطاف والتغييب حيث تجاوزت اعداد الضحايا اكثر من 700 شهيد واكثر من 30 ألف جريح ومئات الاعاقات المنتهية, دون ان تجري محاسبة القتلة وتقديهم للعدالة.  

كما ان الحديث عن انتخابات مبكرة استجابة لمطالب المتظاهرين باتت للأستهلاك الاعلامي ولأمتصاص نقمة المجتمع الغاضب على الطبقة السياسية, وقد تم ترحليها ايضا الى اكتوبر بدلا من حزيران ولازال الصراع على اجرائها والكيفية التي تتم بها هاجس قوى المحاصصة كي تؤمن فوزها القادم, وهناك صعوبات معروفة للجميع بأستحالة قيام انتحابات عادلة ونزيهة, من انتشار السلاح المنفلت وغير المنفلت الذي يستخدم للترهيب, وكذلك المال السياسي, واشكاليات انجاز سريع للبطاقات الانتخابية البايومترية للحد من التزوير, وعدم اكتمال نصاب المحكمة الاتحادية, وعدم تعديل قانون انتخابات مجلس النواب واشكاليات اخرى متعلقة بانتخابات مجالس المحافظات التي يريد مجلس النواب اجرائها متزامنة مع الأنتخابات البرلمانية.  

 

ثم تدهور الاوضاع الأمنية على مستوى عودة العمليات الارهابية والاختراقات للأجهزة الأمنية في مختلف مناطق العراق, وكانت العملية الارهابية التي حصلت في ساحة الطيران بمثابة جرس انذار للجميع, الى جانب الاغتيالات الفردية المستمرة للناشطين المدنيين والمحللين السياسين والجرائم العادية المنتشرة في العراق. وكان تدهور الوضع الصحي بسبب جائحة كورونا وعدم القدرة احتواء نسبي للوباء عكس بشكل جلي المكانة المتدهورة لقطاع الصحة والذي صرفت عليه المليارات من الدولارات في السنوات السابقة دون جدوى ومخرجات تذكر وقد ألتهم الفساد الكثير من هذه الاموال اسوة بالقطاعات الاخرى.  

 

اما في نطاق  العملية الاقتصادية والاجتماعية فأن حقبة مابعد 2003 شهدت فسادا واهدارا وسرقة للمال العام لم يحصل في تاريخ الدولة العراقية, فقد تجاوز اهدار المال العام 1400 مليار دولار في سرقات مباشرة ام تلكأ مشاريع او مشاريع وهمية, وقد رافق ذلك تدهور لقطاع الدولة في مختلف المجالات الانتاجية والخدمية, وتعثر وخراب في القطاع الخاص ونسف للبنية التحتية في كل المجالات, وبات الاقتصاد العراقي ريعيا بأمتياز حيث بيع النفط من اجل الرواتب والأكل والشرب والاستيراد من الخارج ابسط المستلزمات التي كان يصنعها العراق سابقا, والاعتماد على النفط كمورد اساسي ووحيد تصل بنسبة 97%, ومع تداعيات اسعار النفط تم اللجوء الى الاقتراض الداخلي والخارجي بما يكبل الدولة ومستقبل البلاد بمزيدا من الارتهانات. ووفقا للتقارير الدولية فأن اعداد السكان التي تحت خط الفقر وصلت الى 12 مليون او تجاوزته بسبب انهيار اسعار النفط ووباء كورنا الى جانب انعدام السياسات البديلة لأحتواء الازمات, ومن الممكن ان تتضاعف معدلات الفقر الى 40% من عدد السكان.  

 وقد لجأت الحكومة العراقية مؤخرا رفع سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي من 1190 دينار للدولار الواحد إلى 1450 دينار، ما تسبب بصدمة اقتصادية كبيرة في البلاد التي تعاني أساسًا من أزمة مالية كبيرة منذ أشهر نتيجة تبعات فيروس كورونا وما تسبب به من حالة إغلاق عالمية وتأثير ذلك في أسعار النفط التي انهارت إلى مستويات قياسية, الى جانب عدم المقدرة لوضع حد للفساد المالي, وقد رافق ذلك توجه الحكومة الحالية عبر ما يسمى " بالورقة البيضاء للأصلاح " الى جانب موازنة 2021 التي يرى فيها العديد من الخبراء الاقتصاديين والسياسيين " أنها موازنة بائسة معتمدة على القروض الداخلية والدولية ، وإنها أعدت على عجل ، بأرقام غير دقيقة ، ولم تعرض على وزارة التخطيط ، وأشارات بزيادة الأنكماش الأقتصادي ، وتخلو من برامج تحفيزية حقيقية جعلت الشعب العراقي يستذكر العودة إلى زمن الحصار الأقتصادي ، وان هذه الموازنة البائسة سوف تزيد الفقراء فقراً واللصوصية ثراءاً وفحشاً ، وأن الوطن المنكوب ذاهب إلى الهاوية ، وهذه بعض الملاحظات:
ـ الأرتفاع المفاجيء لسعر الدولارفي مسودة الموازنة ، مما أدى إلى خفض القوّة الشرائية للمواطن والتسبب في كساد السوق  

ـ أستقطاع من رواتب الموظفين ، وفر ض رسوم على البنزين.
وفي مشروع موازنة 20-21 تضمنت الأقتراض من أكثر من 50 جهة لتأمين الكهرباء فقط والكارثة بضمانة سيادية. ـ
وفي الموازنة هناك دوائر ووزارات لم تقدم بعد حساباتها الختامية منذ سنوات ربما منذ سنة 2012. ـ
ـ أحتساب أيرادات النفط الخام على ( التخمين ) وذكر رقم 42 دولار للبرميل الواحد ، بالوقت الذي صعد اليوم إلى أكثر من 50 دولار.  

ـ التوزيع الغير عادل للثروات بين المحافظات مثلا البصرة المغبونة التي تضخ الميزانية العراقية بأيرادات النفط بنسبة 90% ، وفي
محافظات الوسط والجنوب هناك عشرة ملايين مواطن تحت خط الفقر.
ـ مشروع موازنة 2021 تفرط بعقارات الدولة ، كما ورد في المادة 60 من قانون الموازنة : ” تجيز بيع الأصول المالية للدولة وشركاتها العامة ” ( طريق الشعب).  

 لن نرى في كل هذا إلا ان يكون تراكم لصدمات سوف تجعل من المجتمع العراقي يقترب من حافة الهاوية والانفجار غير المحسوب العواقب, فأذا كانت احتجاجات اكتوبر سلمية بأمتياز, فمن يضمن السلمية في المرات القادمة على خلفية تعاظم الكبت الناتج من الحرمان في اشباع الحاجات الانسانية الاساسية وبالتالي فنحن امام برميل بارود اذا لم يحكم السيطرة عليه لحيلولة دون انفحاره فأنه قطعا سينفجر !!.  

  

 

توأمة الفساد والأرهاب في

العراق تريق الدماء البريئة

 

د.عامر صالح

 

استيقظت العاصمة العراقية بغداد, وفي منطقة ساحة الطيران وسط العاصمة يوم 21ـ01ـ2021 على وقع تفجير انتحاري أرهابي مزدوج مفاجئ، أيقظ أسوأ كوابيس البلاد التي شهدت هدوءاً نسبياً ومتفرقا لسنوات وجدد المخاوف والهلع والرعب من عودة العنف. وأعلنت السلطات العراقية سقوط 32 قتيلاً على الأقل وأكثر من 110 جرحى وقد تتزايد اعداد القتلى بفعل الكم الهائل من الجرحى.
وأن الطريقة التي تمت بها عملية الهجوم وشرحها المسؤولون الأمنيون في وزارتي الدفاع والداخلية تحمل بصمات تنظيم «داعش الأرهابي»، إذ ادعى الانتحاري الأول أنه مريض فتجمع الناس حوله لمساعدته، ففجر نفسه فيهم. وحين تجمع الناس بأعداد أكبر لينتشلوا الضحايا، فجر الانتحاري الثاني نفسه فيهم. ولاحقا قالت وكالة "أعماق"، التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية الأرهابي داعش، في بيان تبنت فيه العملية الاجرامية إن الهدف كان ضرب المسلمين الشيعة, ورغم غباء البيان او كذبه بعدم معرفته بالتنوع الأثني والمذهبي لسكنة بغداد وتحديدا في منطقة التفجير التي تضم خليطا من الأنتماءات يوحدها الانتماء الى طبقة الكادحين والشغلية والفقراء الذين يبحثون عن لقمة العيش في ممارسة مختلف المهن من بيع للخضار والملابس وتقديم خدمات الشاي والقهوة لسد رمق العيش اليومي, لكن العملية تتجاوز البعد الطائفي " رغم عدم مشروعيته وسفالة تبريره " فهي تستهدف الأمن المجتمعي بعمومه في ظروف حساسة يمر بها العراق أبرزها تفشي الفساد المالي والاداري وعدم المقدرة على وضع حد له الى جانب هشاشة الأمن وضعفه في مختلف مناطق العراق, وكذلك عدم معالجة آثار داعش المتبقية ما بعد القضاء عليه ميدانيا في مناطق تواجده التي احتلها في عام 2014.  

 ورغم استمرار العمليات الإرهابية التي يقوم بها تنظيم «داعش» في مناطق مختلفة من العراق، لا سيما في غرب البلاد، فضلا عن قيامه قبل نحو أربعة أيام بتفجير محطات طاقة كهربائية بالقرب من منطقة جرف الصخر شمالي محافظة بابل (100 كلم جنوب بغداد)، وكذلك قيامه بعمليات ارهابية من قتل وترويع في مناطق ذات تواجد سني كبير, فإن الأسلوب الذي اتبع في تفجير أمس لم يكن متوقعاً حدوثه، خصوصاً بعد سريان الهدوء الأمني النسبي في العاصمة, رغم بقاء عمليات ذات طابع ارهابي من اغتيال وتصفيات جسدية وخاصة تلك التي طالت المتظاهرين السلميين او من وقف لنصرتهم من السياسين والمحللين وغيرهم, الى جانب مختلف انواع الجرائم.  

 لعله من نافلة القول بأن التطرف والإرهاب خاصيتان سلوكيتان متصلتان ومنفصلتان بنفس الوقت, أي إن الإرهاب يستدعي تشبع ممارسيه بدرجة عالية من التطرف لكي يندفعوا لارتكاب الفعل الإرهابي, لكن ليست بالضرورة كل متطرف هو إرهابي, إلا إن تحول سلوكيات التطرف إلى فعل إرهابي يرتبط بتأثير السياقات والظروف المجتمعية والأطر التاريخية والعوامل الإيديولوجية والدينية , أي أن التطرف أشبه بحامل فيروس خامل ينشط حين توفر البيئة المواتية لكي يتحول إلى فيروس نشط يجسده فعل الإرهاب, وان سلوك التطرف ـ الإرهابي ليست مقصورة على طائفة بعينها وخاصة عندما تتوفر البيئة الحاضنة له, فبإمكانه أن يكون أراهبا بلباس سني, أو شيعي, أو قومي, أو فاشي وغيره, وخاصة عندما تتشبع هذه المكونات الدينية والاثنية والفكرية بفكرة التطرف والكراهية للآخر المغاير بعيدا عن التسامح والاعتدال والوسطية.  

 أن كل متابع للمشهد السياسي العراق لم يرى في العمليات الارهابية إلا كونها الذراع المسلح للعملية السياسية في العراق " بقصد وتخطيط او بدونه ", فهي تنطلق فورا في عملياتها الجبانة حال انفراط عقد السياسة في قبة البرلمان لتوغل في العنف وإراقة الدماء ولتحقيق أجندتها عبر التهديد والوعيد. أن العمليات الإرهابية في العراق تنسجم كثيرا مع رؤى البروفسور بروس هوفمان في قوله : " إن الإرهاب هو الخلق المتعمد للخوف واستغلاله في تحقيق التغير السياسي , وبالتالي فهو دون شك شكل من أشكال الحرب النفسية ", ويؤكد أيضا أن الناس كثيرا ما يتعرضون للقتل والإصابات المأساوية في هجمات الإرهابيين, إلا أن الإرهاب بطبيعته يرمي لأحداث آثار نفسية بعيدة المدى بشكل يتجاوز الضحية أو الضحايا المباشرين وما استهدفه عنفهم, فالإرهاب يرمي إلى غرس الخوف في داخل النفوس وبالتالي إلى إرهاب المجموعة التي يستهدفها الإرهابيون وللتأثير على سلوكها. أن الإرهاب في العراق يجسد هذا النمط من التصور للفعل الإرهابي في محاولة لإعادة بناء التحالفات السياسية وفق أجندة خارجية وداخلية وفي ظل ظروف غياب ملموس لسلطة الدولة والقضاء العادل وضعف الممارسة الديمقراطية, يقابلها في الطرف الآخر مواطنا مخترق في الأمن والخدمات والعيش الكريم.  

 وقد لعب الفساد الاداري والمالي دورا كبيرا في ما بعد 2003 في تغذية الارهاب ومده بعوامل بقائه وديموته واعادة انتاجه بأشكال مختلفة سواء بعمليات واسعة النطاق والتأثير كالارهاب الداعشي والقاعدة التي سبقته وكذلك الارهاب الفردي المتمثل بالقتل العمد على الهوية السياسية والمذهبية والدينية بصورة عامة والاثنية, وحتى بسقوط اجزاء من العراق سابقا بيد داعش والتي تجاوزت اكثر من 30% من اراضي العراق كانت من ضمن اسبابها الرئيسية وسهولة وقوعها هو الفساد في الاجهزة الامنية والعسكريين والقيادات السياسية العليا والميدانية, وقد اريقت مئات الألوف من دماء الأبرياء وسبيهم وتشريدهم وتهجيرهم وتغييبهم وواختطافهم. من يخون وطنه ومواطنيه سواء أكان إرهابياً أم فاسداً ، كمن يخون أهله ، ويهدد أمنهم واستقرارهم ومستقبل أطفالهم . أليس الوطن هو الملاذ الأخير لأي مواطن, أليس الوطن وكما يفترض هو الأمن والأمان وهو مظلة الجميع بتنوعاتهم الثقافية والاثنية والمذهبية, أليس الوطن هو من يحفظ كرامة مواطنيه من الأهانة والذل والفقر والجوع ويضمن حد مقبول من كرامة العيش, فمن يعتبر نفسه مواطناً حقاً سواء سياسيا ام مواطن بسيط ، لا يقبل أبداً المساس بوطنه وتسهيل احتلال ارضه وحتى العمالة للأجنبي . أما من ينظر للأمور من خلال مصالحة الشخصية والآنية ، وما يحققه من ثروات كسبها بالحرام والخداع والسرقات والرشاوى والفتاوى ، فالوطن منه براء بل لا ينطبق عليه مفهوم المواطنة, يقال إن وطناً لا تحميه لا تستحق العيش فيه, ووطن لا يحميك فهو ليست وطن كما يتمناه المواطنون ، فكيف إذن لو كنت تسرقه وتعبث فيه, وتسهم في انهياره وتبديد ثرواته, انها فرص داعش الذهبية لأستغلال المناطق الرخوة تلك.  

 العمليات الارهابية التي وقعت في بغداد كما غيرها من العمليات السابقة تعيد الى الأذهان نفس التساؤلات التي لم تلقي الأجابة بعد, ولعل ابرزها: كيف يمكننا تنظيم قوات الأمن الوطني والمخابرات والعسكرية والداخلية على اسس غير محصصاتية وكذلك الأجهزة القضائية والقانونية , وكيف يمكن حماية تلك الاجهزة والمؤسسات من قبضة وطغيان وعنف الكتل السياسية وميليشياتها الخاصة, وهل تستطيع هذه الجهات محاسبة القيادات السياسية والحكومية النافذة في البرلمان وخارجه. كيف يمكن تفعيل أجهزة الرقابة المالية والقانونية وهيئة النزاهة وماهي ضمانة إستقلاليتها وما هي قوانينها الخاصة وكيف يتم تعيينها ونفس الشيء بالنسبة الى الدوائر الرقابية في جميع مؤسسات الدولة ووزاراتها. كيف نضمن مجتمع آمن بعيدا عن حكم الميليشيات وتسلطها وهي تقارع الدولة بدولة عميقة اقوى منها. أنها مهمات تستدعي تغير بنية النظام السياسي وموازين القوى السياسة فيه. 

 وكما يقال " وشهد شاهد من اهلها " وفي جزء من المعضلة, حيث الكاظمي يقول خلال الجلسة الاستثنائية للمجلس الوزاري للأمن الوطني، (22 كانون الثاني 2021)، إن "الأمن ليس مجرد كلمة نتحدث بها في الاعلام، بل مسؤولية، فحياة الناس وحياة اطفالنا ليست مجاملة، ومن لا يرتقي الى مستوى مسؤولية حماية المواطنين وأمنهم عليه ان يتنحى من موقعه". وأضاف، "ما حصل يوم امس هوخرق لا نسمح بتكراره، لقد وعدنا شعبنا بالأمن، وهذا الخرق دليل ومؤشر على ان هناك خللا يجب الإسراع بمعالجته". وقال "ان العراق دولة واحدة ويجب ان تتصرف كل مؤسساته الأمنية والعسكرية بروح واحد، وسنفرض توحيد الجهود الاستخبارية بكل جدية، لا مكان للمجاملة على حساب العراق والعراقيين". من السهل عليه تشخيص الأزمة "وهو يعيها تماما " في محاولة لأمتصاص نقمة الشعب ولكن من الصعب عليه تحديد السبل الواضحة للمعالجة والجرأة الكافية, إن لم يكن هو جزء من الأزمة.  

 المعضلة الأكبر في هذا كله هو الفساد المالي والسياسي الذي يلعب دورا لوجستيا واخلاقيا خطيرا في تسهيل المهمات الارهابية واختراق الاجهزة الأمنية والمخابراتية والعسكرية والتواطئ الميداني مع داعش وغيرها لتنفيذ الأعمال الأجرامية بحق أمن المواطنين وارواحهم, الى جانب الصراع السياسي المستفحل بين القوى السياسية داخل البرلمان والذي يضع الأمن المجتمعي في آخر اهتمامات تلك القوى المتصارعة على السلطة والمال والنفوذ, لا نتحدث هنا عن الفقر وتداعياته المتشعبة بما فيها تغذية الارهاب فهو امر مفرغ منه, وبالتالي فأن كل المعالجات للحد من الارهاب والقضاء عليه تشمل جبهات مختلفة ومتضامنة كما يفترض, اقتصادية واجتماعية وثقافية وأمنية ونفسية, وتشكل جزء من عمليات الأصلاح الشامل للمنظومة الاجتماعية وتشعباتها والقائمة اساسا على اساس العدل ودولة القانون لفرض الأمن المجتمعي الشامل.  

 المجد والخلود لشهداء ساحة الطيران والشفاء العاجل للجرحى والصبر والسلوان لذوي المفقودين, والخزي والعار للقتلة المجرمين مرتكبي الجريمة الشنعاء, من داعش الارهابي الكافر بكل القيم الانسانية وغيرهم سفاكي دماء شعبنا الصابر والمناضل, وكل الأمن والأمان لبغداد الحبيبة واهلها وللعراق اجمع. 

 

الترامبية بين الثقافة

الديمقراطية وثقافة القطيع

 

د.عامر صالح

 

الديمقراطية منذ نشأتها الأولى وبما يؤرخ لها منذ عام 500 قبل الميلاد في أثينا وفي بقاع اخرى من العالم لم تأتي لأطفاء او ألغاء الغرائز الانسانية الفطرية في المنافسة واشباع الدوافع الاساسية من جوع وعطش وجنس وتجنب الألم والارتقاء الى مستويات اعلى من الحاجات في الأمن والثقافة والأبداع, بل اعادة تنطيم اشكال اشباع الغرائز الانسانية استنادا الى الاجماع الاجتماعي في اضفاء البعد الانساني والحيلولة دون وقوع ما يفني العضوية الانسانية بسبب من عوامل المنافسة خارج أطر القيود الاجتماعية المشروعة الناتجة من العقد الاجتماعي, والديمقراطية هنا افضل الحلول النسبية لما توصل له الفكر الانساني لحد الآن على اقل تقدير. 

 لقد شكلت نقطة التحول الفسيولوجية التشريحية الحاسمة بالنسبة للإنسان وانفصاله النسبي عن مملكة الحيوان هي بامتلاكه الجهاز العصبي المتطور, وبشكل خاص امتلاكه للدماغ ونصفي الكرة المخيين المتخصصين تخصصا عاليا ديناميكيا, وخاصة القشرة الدماغية المتطورة وذات التخصص الدقيق ذو الصلة المباشرة بالعمليات النفسية أو العمليات العقلية العليا أو النشاط العصبي الأعلى " حسب تعبير علم الفسيولوجي " الذي تجسده عمليات التفكير والانتباه والتخيل والتصور والتعلم والإدراك والتذكر والبرمجة والتخطيط, والاهم من ذلك كله هو نشوء الأساس الفسيولوجي التشريحي للغة ونشأة اللغة نفسها التي أضفت على العمليات العقلية بعدا معقدا, حيث لا يمكن تصور العمليات العقلية خارج إطار اللغة,لأنها تلعب دور الممول لمحتوى العمليات العقلية وخاصة عبر عمليتي التجريد والتعميم اللازمتين للعمل الفكري. وفي هذا الانجاز التاريخي أعلن الإنسان انفكاكه عن الغابة وتحوله إلى كائن رمزي منتجا للحضارة المادية والمعنوية وللثقافة بمفهومها الواسع.  

 هذه النقلة النوعية التي حققها الإنسان في سلم التطور البيولوجي لم تلغي إبقائه مشتركا مع أسلافه في الكثير من العمليات الفسيولوجية التي تضمن له البقاء والاستمرار, أو ما نسميها بعلم النفس بالدوافع الفسيولوجية الأولية وهي فطرية في أساسها ومشتركة بين مختلف أنواع الكائنات العضوية, ومنها دوافع الجوع والعطش والجنس وتجنب الألم وكالحاجة إلى الهواء, والاحتفاظ بحرارة الجسم, والحاجة إلى الراحة والتخلص من التعب وغيرها, إلى جانب طبعا دافعية العدوان" المنازلة والمنافسة ", إلا أن رمزية الإنسان " ثقافته بمعنى اشمل " أضفت على جميع هذه الدوافع بعدا اجتماعيا تطبيعيا يستجيب لمكانة الإنسان الجديدة, وعلى أساس ذلك نشأت ثقافة الأكل والشرب وثقافة الجنس وكذلك " ثقافة " أو " حضارة " العدوان والعنف, وتتنوع هذه الثقافات ومظاهرها متأثرة بعوامل غنى البيئة وثرائها ومدى تطورها الفكري والاقتصادي والاجتماعي والتقني والمعلوماتي.  

 كانت الديمقراطية ولا زالت هي الأستجابة الانسانية الأولى لأعادة رسم واشباع مختلف الحاجات الانسانية عبر مايسمى بالعقد الأجتماعي الذي يقترن به دستور معبر عن مصالح المكونات المجتمعية الى جانب سيادة  القانون ومجتمع مدني وصحافة حرة ومستقلة للتعبير عن مختلف الأراء. "ولايمكن طبخ الديمقراطية دون الاعتماد على ميزان الاقلية والاكثرية.صحيح ان الديمقراطية ليست نظام مائة في المائة ولانظام 99%99 بالمائة ولكنها نظام 50+ 1 في ابسط تجلياتها عن حكم الاكثرية. لكن نصاب الثلثين هو الميزان الحقيقي للاكثرية ولذلك تصدر اغلب القوانين والتعديلات الدستورية والاستفتاءات بهذه النسبة لكي تعبر عن رأي الاكثرية في المجتمع".  

 

وقد شكلت اركان الديمقراطية الأساسية احد عوامل دعم البنية التحتية للديمقراطية وديمومتها وتجددها, والمتمثلة بأرزها: الأنتخابات النزيهة الحرة والشريفة, والتسامح السياسي, وسيادة القانون, وحرية التعبير, والمساءلة والشفافية, واللامركزية والمجتمع المدني. وقد اثبتت التجربة التاريخية لممارسة الديمقراطية الى أفراز ابرز محاسنها وهي: الاستقرار السياسي, التجاوب الفعال في اوقات الحروب, انخفاض مستوى الفساد, انخفاض مستوى الارهاب, انخفاض الفقر والمجاعة, السلام الديمقراطي" أي ان الديمقراطيات لا تدخل في حروب فيما بينها",  انخفاض نسبة قتل الشعب وارتفاع نسب السعادة.  

 لقد جاء ترامب ليقلب موازين القوى في دولة عمر الديمقراطية فيها اكثر من مائتي عام بأستناده الى خطاب القطيع الذي يلغي الديمقراطية  كخطاب موجه الى المجتمع بأكمله وبكل تنوعه الأثني والثقافي الى خطاب منفعل قوامه العزف على الأصول العرقية والثقافية والأثنية واستنهاض الغرائز الأولى ذات الصبغة العدوانية والتحريضية على الانقسام المجتمعي وبما يفضي الى تشظيته وتحوله الى كانتونات متعادية ومتخاصمة ولا يمكن الجمع بينها على اساس المواطنة المتساوية, فقد كان غبيا بارعا في العزف على سمفونية افضلية الجنس الابيض,  " لديكم جينات جيدة، تعرفون ذلك، أليس كذلك؟ إنها نظرية سباق الخيل. هل تعتقدون أننا مختلفون جداً؟ نعم لدينا جينات جيدة في مينيسوتا". المتحدث، بالطبع، هو دونالد ترامب، الذي لعب، على ما يبدو، ببطاقة التعصب في تجمعه  الانتخابي ويصف أنصاره البيض بالتفوق الجيني. 

 المشكلة الأولى: أن دونالد ترامب لم يمثل حزباً سياسياً هُزِم في انتخابات الرئاسة، بقدر ما يُمثل تيارات اجتماعية متعددة وقوية. 

كلمة "متعددة" هنا مهمة. ذلك لأن أهم نجاح لترامب كان في جمعِه تيارات مختلفة ورائه.. تيارات لها ليس فقط مصالح مختلفة، ولكن أيضاً أفكار وتصورات متضاربة. 

أهم هذه التيارات هي: 

أقصى اليمين الرأسمالي، الذي يريد تحجيماً كبيراً لدور الدولة في كل قطاعات الاقتصاد الأمريكي تقريبا.  

أقصى اليمين المسيحي، الذي يريد قوانين داخلية يراها متبعة رؤيته لقوانين الله. والذي أيضاً يريد سياسة خارجية تعكس قناعات دينية لذلك التيار. 

مجموعات واسعة في أسفل الطبقة الوسطى، خاصة من ذوي البشرة البيضاء، الذين يرون في التغيُرات الاقتصادية في الولايات المتحدة في العقدين الماضيين إفقارا لهم وتراجعاً لمستويات معيشتهم. وعليه يريدون سياسات داخلية وتوجهات خارجية ضد تلك التغيُرات الاقتصادية. 

ترامب نجح في جمع هذه المجموعات وراءه. صحيح، أن جغرافيا الولايات المتحدة الشاسعة، وهيكل الإعلام فيها (بتعدديته)، والنظام الانتخابي فيها، يُسهِل على أي سياسي أن يصل لمجموعات مختلفة من الناخبين برسائل مختلفة، وأحيانا متعارضة. لكن ترامب برع في ذلك الوصول المتعدد لتلك المجموعات المختلف.  

 المشكلة هنا ان ترامب عزف على خطاب ليست واقعي بمسلمات المنافسة الانتخابية حول برامج ما بل عزف على انفعالات خالصة تستنهض العدوان والتحريض واحتمالات القتل. فقد استند ترامب الى الأشاعة بما فيها من تضخيم وتنميق ومبالغة حد الخرافة والدهشة, ويمكن للإشاعة أن تنتقل عبر الجمهور وأيضا بواسطة وسائل الاتصال، أمام التطور التكنولوجي وسرعة انتقال المعلومة التي قد تحمل الصدق أو الكذب، والجمهور ميال بطبعه لتصديق الإشاعة لما تحمله من إثارة وتشويق، من هنا نعتقد أنه يتم استغلال الإشاعة بكثير من الخبث للتأثير في الجمهور النفسي، خاصة إذا كان القائد انتهازيا ميكيافيليا، حساباته دنيئة، فيستغل قوة الجماهير وسذاجتها لتحقيق مآرب قد تبدو ذات نفع عام، وما هي في الحقيقة سوى دسائس شخصية، تروم تحقيق السلطة والمال والضغط على الآخر، ولو أن سيجموند فرويد يرى أن محرضات الجمهور تكون نبيلة أو خبيثة، فالجمهور يتأثر ويندفع ويصدق الإشاعة بسرعة في غياب حس نقدي أو بعد نظر لما قد يأتي من عواقب للأحداث، ويتسم الجمهور بالعواطف البسيطة التي تتأجج بسرعة متلاحمة بين أفراده، فيجد الجمهور نفسه أمام وضعية أو وضعيات تتطلب رد فعل أو مبادرة أو التخلص من موقف أو اتخاذ قرار، وهنا يتجلى أبداع الجمهور ليبدع وينتج الحلول بكيفية لا تخرج عن دائرة الجماعة، وهو بذلك يفكر بعقل الجمهور، وتحت تأثيره النفسي، ويقوم الجمهور بوضع قواعد للاشتغال وخطط، قد تبدو له جامحة لتحقيق أهداف تمت صياغتها من طرفه أو من الخارج، أو من طرف “القائد”، وتبقى طموحات الجمهور غير واضحة المعالم، فقد تتلاشى بفعل الزمن أو امتصاصها من الطرف النقيض، أو قد تصل الذروة لتجد من يحولها في اللحظة الحاسمة لفائدة جهة معينة، لأن البداية، بداية اندفاع الجمهور لم يكن مخطط لها، حكمها اللاوعي واللاشعور، وتلك القوة المكبوتة المقموعة التي دقت ساعة تفجيرها، فالجمهور نزاع لكل ما هو متطرف، وما إن ينفلت من عقاله حتى ينخرط في العنف والتخريب والتكسير، لهذا نجد التعامل معه يتوجب الحذر وعدم مواجهته بالعنف. 

 ترامب، الذي رفع منذ فترة حملاته الانتخابية عام 2016 شعار «فلنرجع أمريكا عظيمة مجددا» تمكن، خلال «غزوة الكونغرس» من تسديد أكبر الضربات المهينة لصورة الولايات المتحدة الأمريكية كدولة ديمقراطية، بتحريض المتطرّفين من أنصاره على الهجوم على مركز إصدار القوانين وتمثيل الأمة الأمريكية، وأحد أهم المواقع الرمزية للعظمة التي يتغنى بها، وبإهانته كل عناصر هذه العظمة، بدءا من مؤسسة الرئاسة نفسها، التي أصبحت، خلال حكمه، مركزا لإطلاق الأكاذيب، وإثارة الغرائز، وتحريض قسم من الشعب على القسم الآخر، مرورا بالمحكمة العليا، المنوطة بحماية الدستور والقوانين، ومجلسي النواب والشيوخ، اللذين تعرضا للاقتحام، ولمحاولة التلاعب بهما بكافة الأشكال الممكنة، ومرورا بالقضاء والأجهزة الحكومية، والمؤسسات الأمنية، وانتهاء بالإعلام، الذي كان محطا لهجماته وإساءاته.  

وبالتالي عمل ترامب على خلق قطيع انتخابي ذو مواصفات غوغائية عدوانية, ابرز ملامحها هو
الشعور باللامسؤولية:
عندما يجد الفرد نفسه في صلب المجموعة «الغوغائية» أو «القطيع»، فإنه يشعر بـ «قوة لا تقهر» ويتخلص بالتالي من كبح النفس والزواجر التي كانت تمنعه من التحرك ويحتمي بالتالي بالمجموعة ويشعر بالأمان في وسط «القطيع». عندها قد يصل به الأمر إلى ارتكاب أفعال لا يجرؤ بمفرده على إتيانها «مواجهة شرطة الشغب، عمليات التخريب، السطو على البنوك والمحلات التجارية، مهاجمة الأملاك الخاصة والعامة وغيرها من الأفعال الغوغائية التي قد يدخل فيها أيضا الاغتصاب الجماعي وهي من أشنع الجرائم التي قد تنجم عن عقلية القطيع.
تنتفي روح المسؤولية والاحساس بالمصلحة العامة تماما وتحل محلها نشوة البطولة الزائفة والانتصار لقضية قد لا يفهمها الغوغائيون وإنما تحركهم أياد وتوجههم مثل قطع الدومينيو أو البيادق فوق رقعة الشطرنج، مجرد أجساد وطاقات جسدية بلا فكر ولا حس ولا روية. إذا ما «غرق» الفرد في القطيع فإنه يفقد ذاته وقد يصعب بعد ذلك الوصول إليه، الأمر الذي يشعره بالأمان وبأن يد العدالة لن تطوله لمحاسبته عما فعله.
الإصابة بالعدوى:
يتحدث غوستاف لوبون في كتابه "سيكولوجيا الجماهير" عن «انتقال العدوى» بين الغوغاء والقطيع وهو ما يسميه كتاب آخرون في مؤلفاتهم ودراساتهم على غرارديفيد هيوم «التعاطف». قد تبدأ «العدوى» على مستوى فردين اثنين فقط أو أفراد يعدون على أصابع اليد قبل أن تسري بعد ذلك سريان النار في الهشيم ويتم ذلك خاصة عبر «بث الشائعات» و«المبالغة» و«التهويل» الأمر الذي يهيج المشاعر ويخاطب المشاعر وينفي العقل وملكة الفكر التي تسمح بتبيان الحقيقة من الافتراءات. تنقل العدوى من الفرد إلى العائلة فالجيران قبل أن تصل إلى الطريق العام وتشمل القرية فالمدينة ثم البلاد ثم العالم ليحدث بعد ذلك العنف والتخريب لجلب الانتباه. لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورا كبيرا في تغذية «العدوى» وتكريس عقلية «القطيع» وبث «الشائعات» و«الأخبار المفبركة» لكن يجب ألا ننكر جوانبها الايجابية إذا ما أحسن استخدامها. 

غيبوبة الفكر:
إن الفرد يذوب في «القطيع» الأمر الذي يصيبه بما يشبه «الغيبوبة الفكرية» ويصبح وكأنه تحت تأثير «التنويم المغناطيسي». عندها لن يكون له أي رأي فوق رأي «القطيع» كما يصبح مجردا من أي عواطف وأحاسيس خاصة به. هذا ما يفسر القرارات التي يتخذها «القطيع» والتي تتناقض تماما مع مصالح «الفرد» أو «الأفراد» الذين يكونون "القطيع".
تذوب «الشخصية الواعية» وتحل محلها «الشخصية غير الواعية» في صلب «القطيع». عندها يسهل على متزعمي «القطيع» توجيه «أعضاء القطيع» عبر «العدو» والأمر «وحتى عبر «الغمز» و«الإشارة» و«الرسالة المشفرة» أو «الايحاء». عندها يسهل تحويل «أفكار القطيع ومشاعره المتشنجة» إلى «أعمال عنف» و«مظاهرات» و«شغب» و"تخريب".

 يقول المؤلف جوستاف لوبون في كتابه «سيكولوجيا القطيع»: «إن الفرد في القطيع لن يكون فردا بل يتحول إلى آلة ميكانيكية مسلوبة الارادة، تسيرها إرادة أخرى خارجة عنها وتوجهها الوجهة التي تريدها». يعتبر المؤلف أن الفرد الذي يتواجد مع المجوعة لا يتحول بالضرورة إلى جزء من «القطيع» - يتطلب هذا الأمر تحلي «الفرد» بروح المسؤولية والوعي والقدرة على النقد الذاتي إضافة إلى إلادراك.  

 هكذا فعل ترامب بأنصاره بتحويلهم الى كتل هامدة لا قدرة لها على الخيار السليم واخضاعهم لعمليات التنويم المغناطيسي لغسل ادمغتهم بغسيل العنصرية والشوفينية القاتلة للديمقراطية, ولكن الديمقراطيات العريقة يفترض ان تجدد نفسها بأعادة انتاج خطابها المسالم والجامع للحمة الوطنية ومحاسبة مرتكبي جرائم انتهاك الديمقراطية ولعبتها في التدوال السلمي للسلطة.   

 الذي فرح لكل ما جرى لديمقراطية أمريكا هم من الأسلامويين والدكتاتوريين من الانظمة الشمولية الذين وجدو في ذلك فرصتهم السانحة للتنفيس عن فشلهم واخفاقهم واستباحة دماء شعوبهم, واعتبروا احداث امريكا هي مؤشر لنهاية الديمقراطية  التعددية في امريكا وفي العالم, بل يوعدون العالم بديمقراطيات لا نعرف منها شيئ إلا عبر التصفيات الجسدية والاغتيالات والفساد الاداري والمالي وانتهاك المال العام.  

في الديمقراطيات الهشة والنظم القمعية ستجد ما يجري في أمريكا فرصتها "الذهبية" لتبرير كل أفعالها المشينة للعبث في الأستقرار والتداول السلمي للسلطة وتكريس منطق السلطة الغنيمة وعلى طريقة ما ننطيها. سينتظر الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته وصلاحيته"ترامب" طريق قضائي وقانوني طويل على خلفية تحريضه باستخدام القوة والعصيان ضد الديمقراطيةومؤسساتها الدستورية وتعريض السلم الأهلي والمجتمعي إلى الخطر بل وهناك توجه لمنعه من ممارسة السياسة لاحقا فهل تتم الأستفادة العالمية من تلك التجارب ام تبقى حكرا للأمريكان.  

 المصادر:  

عامر صالح: العدوان عند الأنسان والحيوان  

عامر صالح: سيكولوجيا احتجاجات اكتوبر العراقية  

روبرت كوهلر: أمريكا 2020 الفوضى المقبلة  

طارق عثمان: الوصول لحافة الفوضى  

محمد حماس:  غريزة القطيع لدى الجماهير  

كوستاف لوبون:  سيكولوجيا الجماهير  

موقع موضوع: مفهوم الديمقراطية  

نبيل ياسين: تاريخ الديمقراطية  

 

الفساد الأداري والمالي بين

مزدوجي الجنسية وأحادي " الجنسية الأصل "

 

د.عامر صالح

 

أحال القضاء العراقي، السبت، 20 وزيرا عراقيا للمحاكمة بتهم فساد، كما شملت القائمة مئات المسؤولين الآخرين، ضمن حملة لمحاربة الفساد في العراق. وكشف عضو مجلس النواب النائب جمال المحمداوي، عن مناصب المسؤولين المحالين إلى القضاء بتهم فساد. وقال المحمداوي لوكالة الأنباء العراقية (واع): إن "قائمة المتهمين المحالين ضمّت أكثر من 20 شخصية بدرجة وزير تمت إحالتهم إلى محكمة الموضوع"، مشيرا إلى أن "هذا مؤشر يؤكد وجوب ألّا يتم اختيار الشخصيات التي تتسلم المواقع الرئيسة من مزدوجي الجنسية.  

 وأضاف أن "20 شخصية متهمة بدرجة وزير من أصل 333 أحيلوا للمحكمة غيابيا، أما من هم بدرجة مدير عام فقد أحيلوا غيابياً للمحاكم وعددهم 27 ممن اتهموا بالقضايا الجزائية الخاصة بوزارة الكهرباء". وتابع أن "الفئة الأخرى التي هي أقل من مدير عام، يصل عددهم إلى أكثر من 286 ، وهم أحيلوا غيابيا للمحاكم، فيما تمت كفالة 72 ومن ضمنهم وزيران وأربعة بمنصب مدير عام، و66 من درجة درجات وظيفية أقل". وأشار إلى أن "الإدانات شملت 4 وزراء فقط و7 مدراء عامين من أصل 198 متهما بالقضايا التي تتعلق بملفات الفساد لوزارة الكهرباء". 

 طالما وجه الاتهام لمزدوجي الجنسية أي من الجنسية العراقية وحاملي الجنسية الثانية من بلد الأقامة في محاولة لخلط الاوراق في تشخيص رموز الفساد وأضفاء نزاهة مفتعلة على حملة الجنسية الأصل فقط, وهو سلوك اسقاطي سيكولوجي يأمتياز لتحميل حملة الجنسية الأخرى نتائج ما يجري من فساد واهدار للمال العام, نعم هناك من سياسين من حملة الجنسية الثانية متورطين في الفساد بما تزكم له الأنوف, ولكن في التعميم اعاقة فكرية واهداف اريد بها التغطية على فساد اعظم ارتكبه ذو الجنسية الأصل والوحيده لحاملها, وعلى الشعب العراقي ان يعي حقيقة تلك اللعبة المزدوجة التي يرغب الفاسد في لعبها للهروب من القصاص العادل بحق الجميع من مزدودي الجنسية وغيرهم.  

 ارتبط تفاقم ظاهرة الفساد في العراق بمجمل سياسات النظام السابق الاقتصادية والاجتماعية والحروب المدمرة، والتي أدت بمجملها إلى إفقار المواطن وحرمانه من ابسط مقومات الحياة الإنسانية الكريمة، إضافة إلى ما أدت من تفتيت للبنية الأخلاقية والقيمية وضعف الوازع الداخلي، إلا إن سطوة النظام وقمعه حصرت ظاهرة الفساد، وخاصة الإداري والمالي برأس النظام وأطرافه، وحولت بنفس الوقت الفساد إلى ما يشبه الفيروس الخامل تحمله قطاعات اجتماعية واسعة، وجدت في إسقاط النظام والطريقة أو السيناريو التي هوى فيها النظام فرصة مواتية لينشط هذا الفيروس ويتحول من حالة الكمون أو الخمول إلى حالة الفعالية أو النشاط الكامل ليتحول إلى وباء شامل ينشط بطرائق أخطبوطية وبمدى يصعب التحكم والسيطرة عليه أو تحديد سقف له، وقد وفرت الظروف السياسية ما بعد السقوط وطريقة أداء الحكم بيئة صالحة لنشاط فيروس الفساد ليلتف بدوره حول السياسة ويضربها في الصميم ويعيد بعث ظاهرة الفساد السياسي المتمثلة بالاستئثار بالسلطة واستغلال النفوذ السياسي وتكريس قيم الحزب الواحد عند الكثير من الكيانات السياسية، ولعل المثل الصيني " الماوي " القائل : " رب شرارة أحرقت السهل كله " يلقي مصداقية كبيرة في تفسير الفساد في العراق.  

 

أن إحدى تجليات الخوف من الفساد الإداري والمالي هي تحوله إلى ثقافة سائدة ما بعد 2003 أو ما يسمى " ثقافة الفساد " مضفيا على نفسه الشرعية في الشارع وفي المعاملات الرسمية اليومية، ومن ترسخه كنمط سلوكي لإشباع الحاجات المختلفة والاكتفاء الذاتي، وبالتالي يتحول الفساد من كونه عمل منبوذ اجتماعيا وقيميا إلى عمل يلقي الاستحسان ويندمج ضمن المنظومة الايجابية للأخلاق والأعراف، ويعتبر نوعا من  الشطارة أو الدهاء الشخصي لصاحبه، وأحد معايير الشخصية الدينامية والمتكيفة القادرة على حل المعضلات بطرائق سحرية.  

 أن القبول بالفساد كأمر واقع شكًل احد عوامل الضغط على المنظومة القيمية والتربوية لدى أفراد المجتمع العراقي وفي تبديد قناعاته الأخلاقية والوطنية، فقد انتشرت اللامبالاة والسلبية بين أفراد المجتمع، وبروز التطرف والتعصب في الآراء وشيوع الجريمة كرد فعل لانهيار القيم وعدم تكافؤ الفرص، كما شاعت قيم فقدان احترام العمل والتقبل النفسي لفكرة التفريط في معايير أداء الواجب الوظيفي وتراجع الاهتمام بالحق العام والشعور بالظلم لدى الغالبية مما يؤدي بدوره إلى الاحتقان الاجتماعي وانتشار الحقد بين شرائح المجتمع وانتشار الفقر، وقد جاء ذلك على خلفية التراكمات التي افرزها النظام السابق متبوعة ومعززة بالإفرازات السلبية التي سببتها الاستقطابات السياسية والتحالفات المشوه والاعتبارات الفئوية والطائفية والقبلية حيث غياب مفهوم المواطنة ومصالح البلاد العليا.   

 وهكذا لعبت المحاصصة لاحقا بمختلف مظاهرها سببا في شيوع الفساد الإداري والمالي,ولعبت دور الحاضنة الأمينة له ,فلم يتم اختيار أفراد السلطة ولا الوظائف العامة على أساس النزاهة والعصامية والتكنوقراط وإنما جرى ذلك وفقا لتوافقات سياسية واستحقاقات غير متوازنة ولا معقولة, وعلى هذا الأساس استخدم الفساد كطريقة وجزء من منظومة " الحوافز الإيجابية " ," فالمظلوم " من النظام السابق يقوم باسترداد " حقوقه " بطرق غير قانونية كردة فعل على القمع والإقصاء, ويصبح بدوره ظالما وسارقا للمال العام كاحتلاله منصبا سياسيا أو وظيفيا لا يحمل له أي مؤهل وتحت واجهات ومبررات مختلفة: "خطية يستاهل", "وصاحب عائلة وأطفال وين يروح", "خوش آدمي صائم مصلي", "أحسن ما يمد أديه للناس", أو يعتبر نفسه مفصول أو مضطهد سياسيا من النظام السابق فيقوم بتزوير الوثائق والمستندات اللازمة لذلك لكي يسترجع " حقوقه ". أما المظلوم الحقيقي من النظام السابق فيعاني الأمرين لانتزاع حقوقه, بل الكثير تنازل عن جدوى الادعاء بحقوقه تحت وطأة سوء المعاملة’كاصطدامه بموظف كارها له في الفكر أو بعثي سابق احتمى بطائفته ويشغل منصبا جديدا تكريما" لمظلوميته ".  

 وهكذا وفرت المحاصصة غطاء لسرًاق المال العام وللمفسدين بصورة عامة, والجميع بعمل على قاعدة أضرب(أسرق) وأهرب إلى طائفتك أو قبيلتك أو حزبك أو إلى قوميتك, أو هذا لك وذاك لي, بل وصل الأمر إلى العبث في تفسير النصوص القرآنية التي لا خلاف على تفسيرها, في محاولة لانتزاع "الاعتراف الإلهي" بأهلية الفاسد وفساده, فعلى سبيل المثال لا الحصر مثلا يرون في النص القرآني: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله" لا تشمل العقوبة سرًاق المال العام, وأن السارق له حصة في هذا المال فهو يأخذ من حصته,والسارق يعرف تماما أن السرقة من المال العام يعني السرقة من أكثر من 40 مليون عراقي, وبالتالي يستحق ليس قطع اليد، بل تقطيع الأوصال(حسب بعض المفسرين),أما اللهاث وراء الفتاوى الدينية لتحريم الحلال وتحليل الحرام فلا حدود لها,وعلى قاعدة " ذبه برأس عالم وأخرج منها سالم " وما أكثر العلماء في عراق اليوم.  

 ومن الضروري الإشارة هنا إلى أن في كل تجارب البلدان التي مرت في محنة الفساد بقيت لديها فسحة من الأمل في بعض من قطاعاتها خالية نسبيا من الفساد, نظرا لارتباط هذه القطاعات بأهداف إنسانية كبرى ذات صلة وطيدة بمستقبل مجتمع بالكامل من حيث الأعداد والتربية والتأهيل وغرس روح المواطنة ونشير منها على سبيل المثال إلى قطاع التربية والتعليم باعتباره قطاعا مصدرا  لنماذج القيم المتقدمة وإعادة توليد ما هو ايجابي ومشرف في ذهنية الدارسين,إلى جانب كون العاملين فيه من النخب الاجتماعية والتربوية التي يفترض أن تكون نماذج ومعايير يقتدى بها ويسمع رأيها, خاصة في الأزمات العامة, إلا انه مع الأسف كان هذا القطاع من الضحايا الأولى للفساد بمختلف مظاهره من تزوير وسرقة أموال الدارسين وإفساد للعملية التربوية والتعليمية,منهجا وطرائفا وكادرا ومؤسسات, بل أن المحاصصات السياسية والحزبية والطائفية والقومية دخلت بكل حمولتها السيئة لهذا القطاع لكي تحي في ذاكرتنا الآثار السيئة للتبعيث, وبهذا حرم هذا القطاع من دوره الحقيقي في محاربة الفساد بتحويله إلى قطاع مُصدر للفساد.  

 

وتبقى محاربة الفساد وتجفيف منابعه إحدى المهمات الصعبة التي تقف عائقا أمام تطور مجتمعنا "وديمقراطيته السياسية الوليدة التي بلغت من العمر 17 عاما " ولازالت تحبو, وأن المدخل اللازم للقضاء عليه يتجسد في بناء دولة المؤسسات ألحقه القائمة على سلطة القانون لا سلطة الحزب أو الطائفة أو القبيلة والقومية, والعمل على تفعيل النزاهة والمسائلة والعدالة ضمن آليات عمل مفوضية النزاهة المستقلة ويجب أن تقوم بدورها بملاحقة المتورطين بقضايا الفساد وتقديمهم للعدالة باختلاف مناصبهم ووظائفهم ومسؤولياتهم وأنتمائاتهم الحزبية والطائفية والقومية, والجرأة الكاملة والواضحة في مكافحة الإرهاب بشدة باعتباره لونا من ألوان الفساد وخاصة عندما يستخدم للوصول إلى أهداف سياسية, والحفاظ على قطاع التربية والتعليم وتخليصه وتحًيده من الصراعات الطائفية والحزبية والسماح له بأداء دوره الإنساني والوطني في محاربة الفساد على نطاق واسع, فهو صمام الآمان لخلق جيل مؤمن بقيم النزاهة والحق والعدالة,وإعادة توليد القيم الايجابية في أذهان رجال المستقبل.   

 وبهذا  يتحول الفساد من ظواهر فردية متناثرة هنا وهناك إلى عمل مافيوي مخطط يدخل سوق العمالة ويقدم خدماته من خلال اختراقه كل القطاعات الإنتاجية والخدمية, ويخضع لمبادئ العرض والطلب والمنافسة الكمية والكيفية ويتحكم بمفاصل تشغيل العمالة, وهذا ما نشهده اليوم من تسهيل معاملات على مختلف المستويات, فهناك تسعيرات محددة لشغل مختلف المناصب من مدرس إلى ضابط, إلى شرطي أمن, إلى مدير دائرة والى مدير عام , وتسعيرات للحصول على  مختلف الوثائق والمستندات الشخصية من وثائق دراسية وشهادة جنسية وبطاقة أحوال مدنية وجواز سفر وغيرها,طبعا جنبا إلى جنب مع الفساد الكبير الذي يخترق مختلف العقود والمشاريع والمخصصات والاستثمارات الإنتاجية والخدمية التي تستهدف إحياء البنية التحتية المدمرة. 

 الحديث عن الفساد وتحميله لحملة الجنسية الثانية او المزدوجة هو حديث كذب ورياء يراد به خلط الاوراق وتحميل السياسين القادمون من الخارج مسؤولية ما يحصل من الخراب, فالقضية اكبر من حاملي جنسية اخرى بل من احزاب فاسدة لا تؤمن بمشروع بناء دولة المواطنة, نعم منهم من حملة الجنسية المزدوجة ولكن الجنسية الثانية لم تكن سببا في الفساد إلا بقدر انتمائها الى حزب فاسد يروج للخراب وهلاك الدولة وقد يكون الكثير من اعضائه من حملة الجنسية العراقية الوحيدة ولكنهم لا ينتمون الى العراق  بل ينتمون الى مشروع خرابه وارتهانه الى قوى الفساد واللادولة. 

عام 2020 وداعا

ولعله بدون عودة

 

د.عامر صالح

 

شكل مشهد تفشي وباء كورونا كوفيد ـ 19 أكثر المشاهد العالمية حزنا على المستوى الشخصي الذاتي وعلى المستوى العام المجتمعي وعلى الصعيد الدولي للعام 2020, حيث الخسارة في الارواح والمتمثلة بالوفيات حول العالم وانتشار هذا الوباء بشكل مخيف ومرعب دون سابق انذار او ممهدات تذكر او توقعات مسبقة بحصوله, الى جانب ما احدثه هذا الفيروس من انهيارات كبرى في الاقتصاد العالمي وشبه توقف لعصب الحياة القائم على التبادل الاقتصادي العالمي بسبب الأغلاقات العالمية والمحلية لحركة السوق وانسيابية التواصل بين الاقتصاديات المحلية والعالمية, الى جانب الآثار المزمنة التي فرضتها الجائحة في الاقتصاد حيث ارتفاع نسبة البطالة على الصعيد العالمي, وانهيار في الاقتصاديات الضعيفة في الكثير من دول العالم.  

 وقد تركت كورونا بصماتها الكبيرة والحاسمة في مجمل العلاقات الاجتماعية فقد فرضت نمطا جديدا من التواصل الاجتماعي لم تعهده البشرية ولم تعتاد عليه, فقد فرضت العزلة القهرية على الأسر والافراد والتجمعات والمجتمعات العالمية  التي اعتادت التواصل اليومي المباشر وجها لوجه وفرضت قيودا وانماطا اجتماعية جديدة قوامها التواصل عن بعد وقد فرضت ذلك على قطاعات التربية والتعليم بشكل اساسي عبر مزيدا من التوجه نحو التعليم عن بعد واستخدام تقنيات الأنترنيت المختلفة للتواصل مع مكونات العملية التربوية والتعليمية وقد اصتدم ذلك بصعوبات كبيرة وخاصة في المجتمعات العالمية غير المهيأة لهذا النمط من التعليم الى جانب ضعف البنية التحتية المعلوماتية في الكثير من دول العالم, الى جانب تقليص المعاملات المباشرة في مختلف القطاعات الاجتماعية الاخرى واللجوء الى الانترنيت لتسهيلها.  

 وقد لعبت جائحة كورونا دورا فرض نفسه في اعادة صياغة التواصل الاجتماعي على اسس من الابتعاد وعدم التواصل المباشر ففرضت التخلي عن الكثير من العادات الاجتماعية والتي لايمكن لها ان تتغير قطعا بدون اشتراطات كورونا عليها, فقد حذرت الجهات الصحية العالمية والمحلية من التجمعات البشرية في المناسبات المختلفة كالأعراس والاعياد والمناسبات الدينية بما فيها مواسم الحج السنوية, كما دعت الى عدم ضرورة التقبيل والمصافحة والاحتضان ودعت بوضوح الى التباعد الاجتماعي والجسدي في اللقاءات المختلفة لأنها تشكل مصادر العدوى المهمة في نقل الفيروس وانتشاره, ونصحت الى جانب ذلك بالغسيل المستمر للجسم ولليدين بشكل خاص واستخدام التعقيم على نطاق واسع.  

 وقد افرزت الجائحة وعززت من مظاهر سلبية مختلفة بسبب الحجر المنزلي, منها العنف الأسري وتصاعد نسبته على نحو غير مسبوق في العالم جراء حالات الضيق الاقتصادي الناتجة من فقدان الدخل الاسري بدون دعم اجتماعي من قبل الدول, وكذلك تزايد حالات الانتحار بين الافراد وفي داخل الأسرة جراء ضيق الأقامة الجبرية وتحت وطأة الاحتياج والفاقة والفقر, وقد حذرت منطمة الامم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية والمنظمات الاخرى من تداعيات ذلك وخطورته على النهايات المأساوية للأسرة وتفككها من الداخل وتحولها الى بيئة مواتية لارتكاب مختلف الجرائم بحق افرادها. ويكفي هنا ان نشير هنا على سبيل المثال وليست الحصر ان  

 وزارة الداخلية العراقية سجلت رسميا فقط لهذا العام بحدود 15 ألف حالة عنف اسري تراوحت اسبابها بين الاقتصادي والثقافي وتعاطي المخدرت والكحول والانترنيت وتداعيات استخدامه وغيرها من الاسباب, وقد تنوعت مظاهر العنف بين قتل واضطرار للأنتحار وحرق واحداث اعاقات مختلفة, علما ان العام 2019 سجل 17 ألف حالة عنف اسري, وهي عموما احصائيات فقط تلك المبلغ عنها.  

 

وسط هذه الفوضى وقلق العالم، أثمرت الجهود العلمية عن تطوير لقاحات للعالم ضد مرض لم تكن البشرية على علم به قبل عام. تم تطوير واختبار لقاحات كوفيد-19 بسرعة مذهلة. في آخر إحصاء، في نوفمبر، قالت منظمة الصحة العالمية " إن هناك أكثر من 200 لقاح قيد التطوير، حوالي 50 منها في مراحل مختلفة من التجارب السريرية ". تستخدم أبحاث تطوير اللقاحات مجموعة مذهلة من الأساليب، بداية من المدرسة التقليدية القديمة للقاحات بحقن فيروس كورونا المُستجد والمُعطل كيميائيًا ووصولًا إلى التقنيات الأحدث التي لم يسبق أن تم استخدامها من قبل لإنتاج لقاحات مرخصة. 

 أظهرت نتائج التجارب ذات الفعالية الكبيرة أن اللقاحات، التي طورتها شركة الأدوية "فايزر" وشركة التكنولوجيا الحيوية الألمانية "بيونتك" وشركة التكنولوجيا الحيوية الأميركية "مودرنا" وشركة الأدوية "أسترازينيكا" وجامعة "أوكسفورد" بالمملكة المتحدة تسهم بشكل فعال في الوقاية من كوفيد-19. وقد بدأت اخيرا امريكا وبريطانيا ودول الاتحاد الاوربي في تلقيحات ضد كورنا رغم مشاعر الناس المتضاربة حول جدوى اللقاح واحتمالات تداعياته والاسئلة المتكررة حول الاصابة بكورونا بعد اللقاح أو الاصابة بامراض جانبية بعد التلقيح.  

اما في بلدي العراق فأن الجائحة كورونا اصطفت الى جانب الازمة الاقتصادية العامة, والتي تجسدها انخفاض اسعار النفط وتشوهات البنية التحتية الاقتصادية التي يجسدها الاقتصاد الريعي والازمة السياسية المزمنة في حلف غير مقدس ليضرب البلاد عرضا وطول ليصل بها الى حد عدم المقدرة بدفع الرواتب واللجوء الى الاقتراض الخارجي والداخلي, الى جانب تراكم فساد مالي واداري لسنوات سبقت كان سبب في اهدار ما يقارب 1400 مليار دولار من عوائد النفط المتراكمة لسنوات ما بعد 2003.  

 تقلبات سياسية غاية في التعقيد، تلك التي شهدها العراق عام 2020، إذ ومع انطلاق التظاهرات الشعبية التي وصفت بالأوسع في أكتوبر/تشرين الأول 2019 أقيل رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي بضغط شعبي في نهاية عام 2019، لتستمر التظاهرات بذات الوتيرة حتى مارس/آذار 2020 عندما بدأ تفشي فيروس كورونا في العراق وفرض حظر التجوال في البلاد, ولكنها استمرت بأشكال اخرى. ولم يستطيع مصطفى الكاظمي الذي جاء خلفا لعادل عبد المهدي أن يوقف مسلسل الأغتيالات والخطف والتغيب الذي اطال المتظاهرين السلميين, ولم يستطيع الأيفاء بوعوده في محاسبة قتلة المتظاهرين, بل أنه ولد في عملية قيصرية من قبل الكتل الشيعية السياسية لملئ الفراغ لا غير ولم يتمتع الرجل بأي دعم من قبل الكتل السياسية التي جاءت به وهي ظاهرة فريدة في " الديمقراطية العراقية ", فكان حصاد ضحايا انتفاضة اكتوبر للعام 2019 وحتى اليوم اكثر من 700 شهيد و 30 ألف جريح واكثر من 7 ألف اعاقة منتهية واستمرار عمليات الأختطاف والاغتيال والتغيب مستمرة الى يومنا هذا.  

 لم يستطيع السيد الكاظمي خلال مجيئه وحتى نهاية العام 2020 ان يفتح ملفا واحدا من ملفات الفساد الكبرى وقد اثبت عجزه واكتفى بتشكيل لجان مختلفة كسابقه عادل عبد المهدي ولم تثمر عن أي شيء. يتصارع الكاظمي مع مليشيات الدولة العميقة وقد اثبت انه غير قادر على ذلك بسبب سطوة المليشيات من داخل البرلمان وخارجه ومن يتحالف معها من الكيانات السياسية والتي يفترض ان تمنع من ممارسة العمل السياسي لأنها تنشط ضد الدولة وضد العملية الديمقراطية وغير مؤمنة بها.  

 العراق خلال 2020 ذهب الى مزيدا من المجهول بأفتقاد عوامل استقراره ونهضته من خلال وقوعه اسيرا للصراع الامريكي ـ الايراني وارتهانه للأجندة الاقليمية رغم جهود الكاظمي لأيجاد حالة توفيقية يرضي بها الجميع إلا أن قوى الدولة العميقة والمليشيات لا تترك له خيار الوسط بل تشده الى دائرة استقطاب المحاور وتدفعه الى مغامرات تنهي ما تبقى للدولة من مكانة.  

 واذا كانت هناك من ايجابية لحكومة السيد الكاظمي فهي العزم على اجراء انتخابات مبكرة في يونيو 2021 رغم ان هناك توقعات بعدم تغير الحال نحو الافضل بسبب سطوة السلاح والمليشيات وعدم نزاهة الجهات المسؤولة عن الانتخابات ثم مخاطر التزوير والتلاعب بنتائج الانتخابات كما جرت سابقا, الى جانب ان المتظاهرين الى اليوم يشكون من سوء تنظيم صفوفهم وضعف وحدتهم وتباعد وجهات نظرهم رغم هدفهم الموحد لأزالة الطغمة الفاسدة الحاكمة.  

 

العلم يقول ان اللقاح سيحقق انجازات كبيرة على مستوى التصدي لوباء كورونا والحد منه على طريق القضاء عليه, اما السياسة في العراق فمن الصعوبة التكهن بتغير الحال نحو الأفضل. وكل عام والعراق والعالم بأفضل منه. 

 


بين ترميم "البيت الصغير"

وخراب البيت الأكبر

 

د.عامر صالح

 

أثارت الدعوة التي أطلقها مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري إلى "ترميم البيت الشيعي" وعقد تحالف "عقائدي" جدلا في البلاد، خاصة وأن الصدر انتقد التحالفات الطائفية مرارا خلال السنوات الماضية. ودعا الصدر إلى "ترميم البيت الشيعي"، على خلفية "التعدي الواضح والوقح ضد الله ودينه ورسوله وأوليائه" حسب زعمه، من قبل "ثلة صبيان لاوعي لهم ولا ورع"، في إشارة منه إلى المتظاهرين العراقيين، كما طالب بكتابة ميثاق شرف "عقائدي".  

 وقال في تغريدة على حسابه عبر "تويتر"، "أجد أن من المصلحة الملحة الإسراع بترميم البيت الشيعي من خلال اجتماعات مكثفة لكتابة ميثاق شرف عقائدي وآخر سياسي لنرفع به راية (لا إله إلا الله محمد رسول الله) .  ورفضت النشطاء وجماعات الحراك دعوة الصدر، وعدّوها مدخلاً جديداً لإعادة البلاد إلى حقبة الاصطفافان الطائفية ومحاولة لجر البلاد إلى مرحلة جديدة من الصراع والاقتتال الطائفي التي بالكاد تجاوزتها. ورغم ان هناك ترحيب شيعي خفي ومعلن عن دعوة الصدر ولكن بالمقابل هناك حذر شديد من دعوته استنادا الى طبيعة شخصيته الانفعالية وغير المستقرة  والتي تتغير على عجالة استنادا الى تصريحات الكتل الشيعية واستجابة السيد الصدر الأنفعالية لذلك. فالسيد الصدر له اعداء في المحور الشيعي وسبق وان حاربوه بقوة السلاح للحد من نفوذه الى جانب اصدقاء حذرين منه.  

    ويرى الكاتب مصطفى فحص ان زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر يواجه معضلة في المواءمة بين حركة احتجاجات شعبية تطالب بالسيادة الوطنية الكاملة وإصلاح شامل للعملية السياسية، وبين حرصه على الحفاظ على مكتسبات تياره السياسية والشعبية. ومع تمسك الانتفاضة بمطالبها، تتراجع فرص التيار في التماهي مع حركة إصلاحية بطبيعة ثورية ترفع شعارات القطيعة مع مرحلة ما بعد 2003.

ويؤكد الكاتب المذكور ان الانتفاضة امكنت من فرض شروطها على الطبقة السياسية التي فشلت في مهمتين؛ الأولى محاولة إخمادها، والثانية في أن تكون جزءاً منها، وقد أدَّت استدارة الصدر الأخيرة إلى قطيعة شبه كاملة مع «انتفاضة الأول من أكتوبر». وقد نجحت سريعاً في تعويض الزخم الشعبي بعد خروج جمهور الصدر من الساحات، وحولت قرار الانسحاب إلى أزمة داخل صفوف التيار، الذي يعاني صعوبة في تحديد خياراته بسبب خطوات ضبابية قام بها زعيمه في الفترة الأخيرة لا تنسجم مع الأدبيات التاريخية للحركة الصدرية وهويتها العقائدية، التي نشأت مع صعود نجم الراحل محمد باقر الصدر، وتبلورت كحالة شعبية جماهيرية على يد الراحل محمد صادق الصدر والد مقتدى الصدر.  

 أن التيار الصدري وولادته هو تعبير عن حالة الأستعصاء العراقي والفراغ السياسي الذي ولد ما بعد 2003 والتي قام التيار بشغلها مستفيدا من غياب الأحزاب الطبقية ذات المصلحة في التعبير عن ماهية الصراع الطبقي في العراق واطرافه الأساسية, وعلى خلفية ذلك ولد تيار غير متجانس بأنتمائته الأجتماعية والطبقية بل ولد التيار متصارعا مع مكوناته الأساسية وتوجهاتهم المختلفة في التعبير عن مصالح المكونات المجتمعية, ويلخص الدكنور كاظم حبيب جوهر مكونات التيار الصدري الطبقية والأيمانية بما يلي:  

 أولاً: المجموعة المؤمنة والتي كانت ضمن مريدي والد مقتدى الصدر والكثير من الشبيبة من أبناء وبنات هؤلاء المؤمنين، وهم في الغالب الأعم كادحين وفقراء يعيشون الحرمان والبؤس والفاقة ويحسون الإساءة لكرامتهم الإنسانية في أوضاعهم المعيشية وهامشيتهم السياسية والاجتماعية وعدم عدالة النظام الذي يعيشون تحت وطأته.

 ثانياً: مجموعة من القوى الدينية التي لا تختلف عن بقية القوى الدينية التقليدية ولكنها محكومة بتقليد السيد محمد صادق الصدر وبالتبعية لأبنه وتنتظر الحصول على مكاسب من وجودها مع كتلة الصدريين.

 ثالثاً: أما المجموعة القيادية الصغيرة الثالثة في الكتلة الصدرية فأعضاؤها من قوى بعثية سابقة وقوة طائفية متطرفة وتتسم بالشراسة والفساد المالي والإداري والتي احتلت مناصب كبيرة وزارية ووكلاء وزارات وعضوية مجلس النواب ومدراء عامون وغيرهم. إنهم يشكلون النواة الصلبة في الكتلة الصدرية التي تأتمر بأوامره وتقود البقية الباقية، وهي مستعدة في كل لحظة إلى الافتراق عن الصدر إن وجدت ذلك في منفعتها، كما حصل مع قيس الخزعلي وغيره، وكما يمكن ان يحصل مع غيره مثل حاكم عباس الزاملي على سبيل المثال لا الحصر. وهذه النواة الصلبة ذات اتجاهات متباينة ولكنها في المحصلة النهائية تخضع لمصالحها وتقترب دوما من إيران ومخططات إيران في العراق.  

 التجربة المؤذية للتيار الصدري انه كان مفرخة للمليشيات والتنظيمات المسلحة والتي تشكل جزء من بنى الدولة العميقة, وهنا يؤكد الكاتب حيدر الموسوي  أن ابرز الفصائل التي خرجت من رحم التيار الصدري هي: عصائب اهل الحق,  ومليشياء النجباء,  ومليشياء اليغقوبي, ومليشياء ابو درع, ومليشياء الخراساني, ومليشياء ابو فضل العباس ومليشياء مرقد الأمام علي وكربلاء, طبعا الى جانب الفصائل المسلحة الأخرى الأم وهي , جيش المهدي, وسرايا السلام والقبعات الزرقاء وألوية اليوم الموعود.  

 على التيار الصدري ان يدرك ان نهج المحاصصة الذي التمسه شعبنا بوضوح واكتوى به طوال السبعة عشر عاما المنصرمة, وتحويله من نهج انتقائي/مصلحي إلى نهج مشاركة سياسية حقيقية هو التعبير العملي والأمثل عن العقد الاجتماعي الطوعي, إذ تعيد المشاركة السياسية البناءة إنتاج العقد الاجتماعي كسلوك يومي, أي إعادة إنتاج الوحدة الوطنية كمفهوم سلوكي ـ معرفي وعقلي في الممارسة السلوكية اليومية, وليست شعار اجتراري خبره شعبنا لعقود سلفت, وأن الوحدة الوطنية في كل الفلسفات الإنسانية ركيزة أساسية لا يمكن العبث بها وعرضها في سوق النخاسة السياسية, بل لعلها أهم منجزات الحداثة, وما يترتب عليها من اعتراف بالحقوق الناجمة عن الاعتماد المتبادل بين مختلف فئات المجتمع وإسهام كل منها في عملية الإنتاج الاجتماعي في بعديه المادي والروحي,ونعني به الإنتاج والاستهلاك والتوزيع العادل للثروات, وهي التعبير العملي عن المواطنة الدينامية الحية, وأن المشاركة السياسية الشاملة هي جوهر المواطنة وحقيقتها العملية.

 لعل نظرة متأنية وموضوعية منطلقة من روح الحرص على مستقبل البلاد,تؤكد لنا أن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية وما أنتجه من تعصب أعمى, ومنذ ولادته بعد 2003 لحد اليوم كان عائقا ومعطلا للعملية السياسية, حيث حلت في الممارسة العملية الانتماءات الضيقة محل " علم السياسة " لإدارة شؤون البلاد, مما جعل من أحزاب الطوائف والأعراق أمكنة للحشود البشرية وليست أمكنة لانتقاء وتدريب النخب السياسية لقيادة البلاد, وكأنها تعمل على قاعدة أن الحزب يساوي كل أبناء الطائفة أو العرق بما فيها من خيرين وأشرار,وتحولت إلى أمكنة للاحتماء بدلا من الاحتماء بالدولة والقضاء كمقومات للدولة العصرية, مما فوت الفرصة على الانتقاء والفرز على أساس الكفاءة السياسية والنزاهة, وليست لاعتبارات لا صلة لها ببناء دولة المواطنة,أنه سلوك يؤسس لمختلف الاختراقات السياسية والأمنية وشتى ألوان الاندساس.

كما أن نظام المحاصصة يعرقل جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي, وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد,بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك, أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة ,بل تؤسس إلى " إفساد للتنمية ",وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف, والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع. أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل, وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف دينه ومذهبه وطائفته وعرقه  

 أن إضفاء الصبغة الطائفية والعرقية على الصراع السياسي واللجوء إلى الحلول ذات الطبيعة التوافقية ـ الطائفية والعرقية تسهم في تكريس منظومة قيمية ذات طبيعة تعصبية " شاء الفرد أم أبى" لتشكل بدورها اتجاها نفسيا سلبيا مشحون بشحنة انفعالية ضد الأخر الديني أو الطائفي أو العرقي دون سند علمي أو منطقي أو بمعرفة كافية,ليتحول التعصب إلى مشكلة حقيقية في التفاعل الاجتماعي الإنساني المنفتح,وحاجزا يمنع كل فكر تقدمي جديد,ويفتت مكونات المجتمع الواحد ويحولها إلى أشلاء منغلقة ذاتيا بعيدة كل البعد عن التطورات المتلاحقة التي تحصل في العالم الخارجي في كل المجالات,أنها حالات من الصمم والبكم والعمى الهستيري والتي لا تدرك الأشياء والظواهر إلا من خلال اتجاهات التعصب الأعمى,أنها فرصا مواتية لتشديد قبضة الكراهية والعدوان الاجتماعي,ونحن نعلم من الناحية النفسية أن التعصب والتخندق الطائفي والعرقي هي سلوكيات مكتسبة ومتعلمة في أعمها الأغلب ولا توجد أدلة قاطعة ذات طبيعة غرائزية أو فسيولوجية لوجودها,فهي حالات من التمركز حول الذات وعدم تقبل الحوار مع الأخر المغاير.  

 أن الدعوى الصادقة لأي تغير في العراق تمر من خلال استيعاب الخطوات التالية في العملية السياسية:  

 
ـ الاصلاح الشامل لأعادة بناء العملية السياسية من خلال اعادة صياغة الدستور على أسس واضحة بعيدا عن الازدواجية والغموض فيه.

 ـ التأكيد على النظام الفدرالي بشكل واضح لا لبس فيه في اطار وحدة العراق, وضمان حقوق الشعب الكردي الى جانب المكونات الأخرى دون تميز.

 ـ العمل على اعادة صياغة قانون الانتخابات بما يضمن حقوقا متكافئة للجميع للمساهمة في العملية الانتخابية والديمقراطية. 

ـ التأكيد على فصل الدين عن الدولة ومنع نظام قائم على اساس الدين او الطائفة او العرق.

 ـ الأعمار السريع لكافة المناطق التي تضررت من الارهاب واحتلاله واعادة النازحين والمهجرين ومساعدتهم ماديا ومعنويا لعودتهم للحياة الطبيعية.

 ـ مكافحة الارهاب وتجفيف كافة منابعه ومصادر تغذيته المادية والفكرية, والقضاء على المظاهر المسلحة غير الرسمية والمليشيات المسلحة.

 ـ تأكيد سياسة العراق الحيادية والابتعاد عن المحاور الاقليمية المتصارعة وتجنب كافة اشكال الدعم الخارجي التي تكبل السيادة الوطنية.  

 ـ اجراء حوار شامل لنزع سلاح المليشيات وخاصة السائبة منها وذات المصادر المعروفة للجميع دون محاباة او تهاون, فالعراق اليوم مهدد بأمنه المجتمعي وقابل للأنهيار في أي لحظة.

أن الديمقراطية الحقيقية غير المحاصصاتية الطائفية والشوفينية هي التي تنقل العراق الى بر الأمان وتعيد انتاج الخطاب الوطني المتصالح مع الذات ومع الوطن. على التيار الصدري ان يكون بمستوى خطورة الوضع في العراق ويبتعد عن المناورات الضارة وغير المجدية للعراق واستقراره وان يكون بمستوى المسؤولية لأنصاره واتباعه بعيدا عن تسويف مطالبهم في الحياة الحرة الكريمة, وعلى التيار الصدري احترام القاعدة الواسعة والفقيرة والمعدمة من التيار بعيدا عن زجهم في مشاريع قد تفضي بهم الى نهاية مفجعة. 

 

ناصرية العراق بين سيكولوجيا

الترهيب وغياب الدولة

 

د.عامر صالح

 

في محاولة لشرعنة القتل وتحميل الضحية مسؤولية الجرائم المرتكبة بحقه بواجهات شرعية ينقصها الدليل والحكمة وتسويف المطالب, اقدمت مليشيات مسلحة تنتمي الى التيار الصدري " حسب ما تناقلته اغلب وسائل الأعلام ومشاهدات الميدان " لإحراق الساحات، بذريعة إقامة تظاهرات وصلاة موحدة لتأييد إعلانه سعيه للحصول على الأغلبية البرلمانية في الانتخابات المبكرة المقبلة، وتشكيل الحكومة الجديدة, وكانت دعوات مسبقة عن توعد التيار الصدري بالحصول عن ما لايقل عن 100 مقعد نيابي والتعبير عن نيته في تقرير شكل الحكومة القادمة ورئيس وزرائها القادم خلفا للكاظمي.  

 وبالفعل ما إن انتهت هذه الصلاة، حتى بدأ أنصار التيار الصدري مهاجمة عدد من ساحات الاعتصام والتظاهر جنوبي العراق، والتي قاومت الأشهر الماضية مساعي الحكومة لفضها، على غرار ما حدث في ساحة التحرير ببغداد. وأسفر هجومان في مدينتي الناصرية والرفاعي، امتدا من أولى ساعات مساء الجمعة في 27 نوفمبر وحتى قرابة الساعة الخامسة الفجر من يوم السبت عن استشهاد ثمانية وجرح ما لايقل عن ثمانين متظاهرا على خلفية مهاجمة مسلحين من أنصار الصدر الساحات التي يحتشد المتظاهرون فيها، وفتح النار من أسلحة خفيفة. وجاء هذا وسط حالة من التفرج التام اتخذتها قوات الأمن العراقية التي كانت تحيط بالساحات، مع تسجيل ثلاث هجمات طاولت ناشطين في الكوت مركز محافظة واسط، والعمارة المجاورة، بواسطة عبوات ناسفة استهدفت منازلهم, ومن ثم الى محافظات اخرى متفرقة في الايام التالية لذلك وقد يبدو هناك تحالفا بين السلطة الحكومية والتيار الصدري لفرض الأمن بتلك الطريقة الدموية, او ان الأجهزة الحكومية عاجزة عن السيطرة على المشهد فتركت للآخرين مسؤولية ضبطه بطرائق دموية. 

 وتزامن الاعتداء الجديد على المتظاهرين في الناصرية، مركز محافظة ذي قار، مع الاستعدادات لإحياء الذكرى الأولى لمجزرة الناصرية التي نفذت في 28 نوفمبر/تشرين الثاني العام 2019، وأدت إلى مقتل وجرح العشرات من المتظاهرين إبان حكومة عادل عبد المهدي. وكان المتظاهرون يحشدون للمطالبة بالكشف عن قتلة المتظاهرين وإلزام حكومة الكاظمي الإيفاء بوعود تقديمهم للقضاء.  

لا نريد هنا الدخول في حيثيات المشهد الدامي الذي رافق انتفاضة تشرين منذ انظلاقتها في في العام الماضي حيث تجاوز عدد الشهداء اكثر من 700 شهيد والجرحى اكثر من 30 ألف الى جانب المئات من المغيبين والمعتقلين وآلاف من ذوي الأعاقات الدائمة. ففي الوقت الذي تدعوا فيه كافة المنظمات الانسانية المحلية والعالمية ومنظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الانسان في الكشف عن قتلة المتظاهرين وتقديمهم للعدالة كي ينالوا جزائهم, تجري محاولات لشرعنة قتل المتظاهرين بواجهات مزيفة شعارتها الاساسية الحفاظ على الدين ومحاربة الفساد الاخلاقي وغيره من الواجهات العبثية التي لا تمت بصلة للدين النقي, وانما تستهدف الأكراه في اعادة الأصطفافات الاجتماعية وخلق حالة من الحراك المرضي الباثيولجي للعبث في سنة الصراع الطبقي القائمة على اساس القوانين الموضوعية لمسار التحولات الاجتماعية.  

 أنها من المفارقات الغريبة والشاذة التي اعتمدتها " الديمقراطية العراقية " هو اشاعة "القتل المقدس " للأستحواذ على السلطة الى جانب اساليب سابقة للعبث في نتائج الانتخابات البرلمانية عبر التزوير وحرق صناديق الانتخابات, وبالتالي فأن المخزون والموروث السلوكي والثقافي للحركات الدينية السياسية المتطرفة وانطلاقا من عدم قناعتها بالتدوال السلمي للسلطة وعدم قناعتها بالديمقراطية السياسية يضعها في موقع الهجوم والانتقام على اصحاب الحق الشرعي في المطالب المشروعة لتأمين حياة افضل, مما يجعلها تندفع بقوة السلاح واستخدام جمهورها الغوغائي الذي تسهل عملية اغوائه لارتكاب ابشع الجرائم بحق اصحاب القضية العادلة, وبما ان تلك الجرائم تلقى الاستنكار والأدانة الاجتماعية فأن التشبث في الخطاب المقدس لشرعنة الجرائم المرتكبة هو احدى الآليات النفسية لغسل العار لدى مرتكبيها وتأمين قدر من الراحة النفسية المفتعلة والمؤقتة للتكفير عن الذنوب.  

 

لطالما استخدمت العقيدة الدينية في العراق عبر خصوصية نظام المحاصصة الطائفية في حشد الجماهير في المعارك السياسية والحزبية، وغالباً ما يتمّ حشد الجماهير تجاه اختيارات تبدو دفاعاً عن الله وصحيح دينه، من خلال الدعوة إلى انتخاب ساسة يدافعون عن التقية والإيمان على الأرض شكليا غارقين في الفساد الاداري والمالي ونهب المال العام, ومن هنا تبدوا خطورة انصياع " جمهور الأسلامويين " في ارتكاب افظع الجرائم بحق اصحاب المطالب العادلة للحفاظ على فتات مكتسباتهم اللاشرعية. 

 حتى وإن لم ينتمِ هؤلاء الساسة بشكل مباشر إلى جماعات دينية ، إلا أن التلويح بالدين وافتعال حالة  الحفاظ عليه واستقراره في المجتمع ضد المعارضين، كان من أكثر الأساليب شيوعا في تطويع سيكولوجية الخوف لدى الجماهير لخدمة الأغراض السياسية.  لكن لم تلجأ السلطة المعاصرة إلى الدين فقط كوسيلة للدعاية، وإنما لجأت كذلك إلى رسائل الخوف المباشرة وغير المباشر، وفي المفارقة حين تجد احزاب في البرلمان تمارس طقوس ديمقراطية وتجد اجنحتها في الظلام تمارس الارهاب والتخويف وخلق الرعب لدى المنتفضين.   

 ولهذا تعمل تلك المليشيات المدججة بالسلاح على مناهضة اي تغير من خلال استهداف الكتلة الجماهيرية المنتفضة او ما يسمى بالكتلة الحرجة المناوئة للفساد السلطوي والمليشياوي, وهي تمارس طقوس نظام دكتاتوري عبر مايلي:  

 التفتيت: وذلك بتجريم التجمعات وسلب حق التظاهر او اشتراط تصريحات يصعب الحصول عليها, او التفجير من الداخل بواسطة العملاء المندسين لأثارة الفوضى وترك انطباع ان ما يجري هي افعال ممولة من الخارج وتمس السيادة الوطنية. 

 الإجهاض: ويتم من خلال المتابعة الدقيقة واللصيقة لأي بادرة تجمع جماهيري أو إثارة من أي شخص أو جماعة فيتم إجهاضها قبل أن تبلغ مرادها. ومع تكرار عمليات الإجهاض تسود لدى قوى التغيير حالة من اليأس والإحباط, فإما أن ينصرفوا عما هم فيه وإما أن يتجهوا إلى العمل السري أو العنف وبهذا يعطوا مبررات لاجتثاثهم بدعاوى جنائية تحرمهم من شرف البطولة الشعبية.  

 الترغيب والترهيب: حيث يتم احتواء بعض القيادات المؤثرة من خلال الاغراء بالمناصب او المكاسب او المكانة الاجتماعية, ومن لا تنجح معه هذه الوسائل تكفيه العصى الغليظة تهوى على رأسه فتردعه وتردع غيره ممن تساورهم انفسهم بالتفكير فيما فكر هو فيه.  

 الرقابة: وهي عين ساهرة ترصد بدقة اي بادرة تفكير او نية تغيير فتتعامل معها بأي طريقة من الطرق السابقة, والرقابة تستدعي عيونا في كل مكان لرصد افكار واتجاهات ومشاعر الجماهير, وقد تتم من خلال افراد سريين او من خلال اجهزة وتنطيمات او من من خلال مؤسسات شبه رسمية. 

 الإبعاد: وهو طريقة للحفاظ على مراكز الرأي والتأثير خالية من أي بادرة تفكير أو تغيير لا يخدم المصالح القائمة, فتوضع اشتراطات ولوائح معينة تحول دون وصول المعارضين للمراكز أو المناصب المؤثرة. وفى بعض الدول التي تقوم على النظام الطائفي يوضع في الاعتبار أن مستويات معينة من الوظائف لا يتقلدها أبناء طائفة معينة حتى تظل السيطرة في يد الطائفة الأكثر سيطرة.  

 منذ 2003 الى اليوم وبعد مرور 17 عاما على اسقاط النظام الدكتاتوري لم تستطيع الحكومات المتعاقبة في اعادة بناء الدولة وهيبتها, بل اعادت تكريس كل البنى الاجتماعية المتخفلة والتي تستهدف اضعاف الدولة وسلطة القضاء والقانون, وكان نتاج ذلك نشوء دولة عميقة قائمة على الفساد الاداري والمالي والسلاح والعصابات الاجرامية المنفردة والمنظمة والميليشياوية, وتستمد قوتها وبقائها من منظومة الاحزاب الحاكمة غير المؤمنة بالدولة. الدولة العميقة وسلوكها يدب اليوم في شريان الدولة الرسمية ويشد مفاصلها وينساب في كل قطاعاتها ولها هويتها السياسية والاقتصادية والادارية والثقافية ولها من يشرعن افعالها ويقتص من مخالفيها. إن الفساد المتمثلة في الدولة العميقة مكون يقظ وحذر ويملك جهاز مناعة ومقاومة لا نظير له يقيه من كل الضربات ومحاولات النيل منه، ويملك قوة تجديد ذاته أمام كثرة ضعاف النفوس والمغرر بهم والدجالين والمنتفعين، ومن يدور في فلكهم، وكل من يملك صبغيات وكيميا الانغماس في ملذاته، وقد يقوم بحرب استباقية ووقائية ضد كل من يتربص به, ولهم دينهم الخاص, فأخلاقهم عند الاقتراب منهم هي اخلاق داعش في السبي والتنكيل. في الدولة العميقة تنقلب الاخلاق والقيم والمقاييس, فالسارق لديهم مؤمن محصن والمظلوم معتدي على   الحق العام.

ان دولة الفساد العميقة لها استراتيجية محكمة وقوة خارقة لهدم كل القيم النبيلة وزرع بدل ذلك قيم الحط من النفس ووضاعتها ونزع أي بذرة من الاخلاق واقتلاعها من جذورها، وتحويل الفرد الى كائن ذو نوازع مرضية لا يقدر قيمة العمل الا بمقدار التحصيل غير المشروع ويحاول ان يجد لنفسه تبريرات ومسوغات على ان الامر يندرج في خانة الاكراميات او الحق المشاع وليس في بند الرشوة او السرقة والاهدار وسوء الأخلاق، فيصبح الفساد واقع يومي معاش لا محيد عنه وممارسة اعتيادية ودارجة في السلوك اليومي بل وثقافة يومية وشجاعة من نوع خاص يمارسها جبان مختفي وراء طقوس واعراف مشوهة, وقد ابتلى العراق بمنظومة الفساد الاخلاقية المنحطة التي افرزتها قيم الدولة العميقة, وهي نفسها التي تمارس التزوير في الانتخابات البرلمانية والمحلية لأنتاج طغمة فاسدة تسعى لأعادة انتاجها وبقائها ولكي تلقى الدعم والبقاء رسميا. 

 الناصرية في رفضها لواقع الفساد الاداري والمالي ومطالبها العادلة في الحياة الحرة الكريمة ليست حالة استثنائية عن باقي المحافظات العراقية, وهي تمثل عينة شديدة التركيز وممثلة بصدق لطموحات المجتمع العراقي, ويعينها في ذلك تاريخ المدينة المفعم بالشعر والادب والفنون والسياسة وعمقها التاريخي الذي تشاركه فيه محافظات عراقية اخرى, فقد احتضنت السياسة ونشأتها من اقصى يسارها الى اقصى يمينها فهي ناصرية العراق الوطن عاشقة الشعر والفن والحرف والسياسة، وكان قدرها ان تقدم الشهداء، وتحمي الوطن من مرتكبي جرائم القتل والابادة، داعية كما هي دعاوى كل العراقيين الى وطن خالي من الحكام والمهووسين بالقتل والخطف، لذلك كانت التضحيات بحجم التحدي وصعوبة المهمات الملقاة على عاتق العراقيين للخلاص من نظام المحاصصة البغيض. 

 المفارقات السايكومعرفية

والعقلية في أدانة فعل الأرهاب

 

د.عامر صالح

 

شهدت فرنسا العديد من العمليات الأرهابية الشنيعة في اساليبها وطرق تنفيذها التي تزرع الرعب في الآمنين من السكان وتستهدف امنهم الشخصي والمجتمعي, وقد تصدرت فرنسا قائمة الدول الأوربية التي يجري استهدافها من قبل المتطرفين الأرهابين في السنوات الأخيرة من هجوم على صحيفة "شارلي إيبدو" الساخرة منذ عام 2015 إلى الحوادث الأخيرة في مدينتي باريس ونيس, ولا يوجد أشد هولا وهلعا وخوفا من قطع الرأس والطعن والتمثيل في الضحية.

كانت اعمال القتل مروعة وأجرامية بكل المقاييس الانسانية ولا تستدعي إدانته أي لحظة تردد أو تفكير, فأنسانية السلوك لا تتجزأ إنتقائيا حسب المكان ونوع الضحية وجنسيتها, فالقتل مدان عندما يطال المدنيين والعزل ويعبث بأستقرار الناس ولحظات راحتهم, والقتل فعل جبان عندما يستهدف من لا ناقة ولا جمل لهم من الآمنين الابرياء. إنه عمل خسيس يستهدف إثارة الرعب وعدم الاستقرار ولا يستهدف الضحية بعينها فقط, بل يستهدف عمليات الاستقرار الاجتماعي والامني في المجتمع الذي يقع عليه فعل الارهاب. ومن العيب والخزي ان تسود لغة التشفي والفرح الكامن لما حصل للفرنسيين من مأساة ومحاولة ايجاد أشتراطية لإدانة الجريمة عبر إفتعال قرينة مشوهة وغير دقيقة للمقارنة ووضعها شروطا مسبقة للإدانة.

كيف نطلب من العالم المتمدن أن يقف الى جانب قضايانا العادلة وان يسهم في ايجاد حل لمشكلاتنا المستعصية وان يدعمنا في دحر داعش ونحن نخجل في إدانة فعل قتل جماعي يرتكب بحق الابرياء والعزل من الناس ونضع شروط مسبقة للإدانة. ان الموقف من إنسانية الانسان وتحريم هدر دمه لا تحتمل الاجتهاد ولا الفتاوى, وان السكوت وعدم الادانة والتحايل في التصريحات هو مساهمة في جرائم القتل وإيجاد غطاء شرعي لها مما يسهم في التشجيع عليها واعادة إنتاجها على نطاق واسع.

لقد تركت لنا البشرية ومسيرة الحضارة تراكما ايجابيا لإحكام السلوك الانساني وتقنينه والحكم عليه, وبالتالي وضعت معايير وتصنيفات لتلك الجرائم المرتكبة بحق الانسانية, ومنها بشكل خاص جرائم الإبادة الجماعية, والتي كانت ولاتزال محط اهتمام الكثير من المنظمات الانسانية والدولية, حيث توصف جرائم الإبادة الجماعية بأنها أشد الجرائم الدولية جسامة وبأنها "جريمة الجرائم"، فهي وكما تشير بعض المصادر سياسة للقتل المنظم المرتكبة تنفذ بحق مجموعات من الأشخاص على أساس قومي أو عرقي أو ديني أو سياسي، وقد صنفت كـجريمة دولية في اتفاقية وافقت الأمم المتحدة عليها بالإجماع سنة 1948 ووضعت موضع التنفيذ عام 1951 بعد أن صادقت عليها العديد من الدول. وحتى الآن صادقت عليها أكثر من 133دولة على هذه الاتفاقية بينها الاتحاد السوفييتي " روسيا حاليا " والولايات المتحدة وغيرها من الدول الأخرى.

وفي هذه الاتفاقية، بموجب المادة الثانية، تعني الإبادة الجماعية أيا من الأفعال التالية، المرتكبة علي قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو اثنية أو عنصرية أو دينية، بصفتها هذه: قتل أعضاء من الجماعة، إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة، إخضاع الجماعة، عمدا، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليا أو جزئيا فرض تدابير تستهدف تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة، نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلي جماعة أخرى.

كذلك نصت المادة 18 من مشروع مدونة الجرائم ضد أمن وسلامة البشرية لعام 1996 على تعريف الجرائم ضد الإنسانية وتحديد صورها بأنها "كل فعل من الأفعال التالية عند ارتكابه بشكل منتظم أو على نطاق واسع أو بتحريض أو توجيه من إحدى الحكومات أو من أي منظمة أو جماعة، وتشمل القتل العمد - الإبادة - التعذيب - الاسترقاق - الاضطهاد لأسباب سياسية أو عنصرية أو دينية - التمييز النظامي لأسباب عنصرية أو إثنية أو دينية والذي يشمل انتهاك الحقوق والحريات الأساسية للإنسان ويؤدي إلى ضرر جسيم بجزء من السكان - الإبعاد التعسفي أو القتل القسري للسكان - الاحتجاز التعسفي - الإخفاء القسري للأشخاص - الاغتصاب والدعارة القسرية والأشكال الأخرى من الاعتداء الجنسي - الأعمال اللاإنسانية الأخرى التي تلحق ضررًا جسيمًا بالسلامة الجسدية أو العقلية أو بالصحة العامة أو بالكرامة الإنسانية مثل التشويه والإصابات الجسدية الجسيمة".

وقد جاءت تلك المدونة على ذات نهج مدونة 1991، إلا أنها أضافت لها صور الجرائم التي تتمثل في التحريض أو توجيه من إحدى الحكومات أو أي من المنظمات أو الجماعات، مع استبعاد الحالات التي ترتكب فيها تلك الجرائم بواسطة فرد بتصرف ذاتي منه دون دعم أو تشجيع أو توجيه من حكومته أو جماعته. هذا في ما يعني ضد استباحة كرامة الأنسان وتحريم قتله مهما بلغت الدوافع والمبررات النفسية والفكرية والعقلية لمرتكبي الجرائم, حكومات كانوا أم أفراد.

اما بخصوص حرية المعتقد وممارسة الطقوس المختلفة فقد ورد في الإعلان العالمي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 الذي اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة وفرنسا جزء منها،حيث يعد الإعلان وثيقة تاريخية مهمة للإنسانية كافة كونها تؤسس لحقوق الإنسان وقد تولى صياغتها ممثلو الدول وهم يحملون خلفيات القانونية والثقافية متباينة مستقاة من جميع أنحاء العالم، واعتمدت الجمعية العامة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في (10 كانون الأول/ 1948) بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بالقرار رقم (217)، حيث تؤكد المادة الثانية على أن "لكلِّ إنسان حقُّ التمتُّع بجميع الحقوق والحرِّيات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أيِّ نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدِّين، أو الرأي" وتضيف المادة الثامنة عشر بأن "لكلِّ شخص حقٌّ في حرِّية الفكر والوجدان والدِّين، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في تغيير دينه أو معتقده، وحرِّيته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبُّد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة" والأهم ان المادة السادسة والعشرين ترسي مبدأ غاية بالأهمية يسمى حيادية المؤسسات التعليمية حيث تنص على أن "يجب أن يستهدف التعليمُ التنميةَ الكاملةَ لشخصية الإنسان وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، كما يجب أن يعزِّز التفاهمَ والتسامحَ والصداقةَ بين جميع الأمم وجميع الفئات العنصرية أو الدينية، وأن يؤيِّد الأنشطةَ التي تضطلع بها الأممُ المتحدةُ لحفظ السلام".

وكذا الأمر في الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان والتي وقعت في روما عام 1950وورد النص فيها بالمادة العاشرة على أنه "لكل إنسان الحق في حرية التفكير والضمير والعقيدة، هذا الحق يشمل حرية تغيير الدين أو العقيدة، وحرية إعلان الدين أو العقيدة بإقامة الشعائر والتعليم والممارسة والرعاية، سواء على انفراد أو بالاجتماع مع آخرين، بصفة علنية أو في نطاق خاص".

وكذلك العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية 1966، الميثاق الأمريكي لحقوق الإنسان 1969، وثيقة اليونسكو للمبادئ الأساسية الخاصة بإسهام وسائل الإعلام في دعم السلام والتفاهم الدولي، الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان 1979، مبادئ جوهانسبورغ حول الأمن القومي وحرية التعبير، الميثاق العربي لحقوق الإنسان 2004، وأكدتها وكفلتها الدساتير العالمية وبنصوص صريحة وواضحة لا غموض او لبس فيها، ومنها الدستور الفرنسي "دستور الجمهورية الخامسة لعام 1958 المعدل".

 

 

في سيكولوجيا

 التشبث والبقاء في السلطة

 

د.عامر صالح

 

تشكل تجربة ترامب في البقاء في السلطة وممارسة الخداع السيكوسياسي من التجارب النادرة في الأنتخابات الأمريكية على مر التجربة الديمقراطية الأمريكية في اكثر من 250 عاما, حيث سلوكيات الرفض وعدم الأعتراف بالآخر المنافس مهما كانت النتائج, بل والتلويح بفوضى عارمة في حالة عدم فوزه, او عبر التشكيك بالتصويت البريدي بسبب كورونا والتلويح بعدم تسليم السلطة سلميا للفائز القادم والمماطلة في في متابعة فرز الأصوات عبر الدعوة الى ايقاف الفرز في بعض الولايات والذهاب الى القضاء وكذلك الأستعانة بتحريض انصاره لخلق حالة من الفوضى لعرقلة مسار الأنتخابات.

هذا يذكرنا في المتناقضات أنه عندما يتحدث أغلب سكان العالم عن الديمقراطية فإن النسخة الأمريكية من الديمقراطية تكون هي المسيطرة على خيالهم في أغلب الأحيان. النموذج الأمريكي هو الأبرز بين باقي النماذج الديمقراطية رغم أنه ليس النموذج الأمثل ولكنَّه ربما يكونُ الأقدر على الترويج والرواج مستغلًا في ذلك سطوة الولايات المتحدة على جميع الأصعدة تقريبًا. فلا يمكن لأحد أن يتجاهل أن الديمقراطية الأمريكية أو النموذج الديمقراطي للولايات المتحدة الأمريكية هو النموذج السياسي الأشهر والأقوى منذ خمسينات القرن الماضي وحتى اليوم في اطار الممكنات المتاحة الى الآن.

"الأمة الأمريكية" التي يبلغ عمرها قرابة الأربعة قرون استطاعت أن تصنع نموذجًا ديمقراطيًا ناجحًا " حسب الكثير " متفوقة في ذلك على أمم كثيرة أعرق منها حتى في الديمقراطيات الأخرى. لكن الأمر لم يكن يسيرًا ولا كان الطريق ممهدًا أو مرسومًا بوضوح بل كانت هناك العديد من العقبات التي كادت تودي في أحيانٍ كثيرة باتحاد الدولة الوليدة. مفارقة ترامب تضع سلوكياته الفردية بالضد من الديمقراطية المستقرة, وبالتالي يثير في الشارع الأمريكي رعبا من نوع خاص يتجسد في مغامرة ترامب في العبث في التقاليد الديمقراطية المستقرة في امريكا. وهنا حصرا نتحدث عن قصور في السلوكيات الفردية وليست عن التجربة الديمقراطية بذاتها, وهنا فأن تجربة الحكم لاتسمح بصنع دكتاتور بقدر ان الدكتاتورية هنا صناعة ذاتية بأمتياز وللنشأة الاولى للدكتاتور ملابساتها الخاصة بعيدا عن طبيعة الحكم.

واذا كانت تجربة ترامب في رفض التدوال السلمي للسلطة مؤطرة بالمواصفات الشخصية له وليست بالتجربة الديمقراطية ومكوناتها السياسية فأن العالم العربي وعموم بلدان العالم الثالث  الأمر مختلف حيث التداول السلمي للسلطة لاوجود له, بل ومؤطرا بأيديولوجيات وعقائد دينية ووضعية وسياسية  ترفض في عمومها فكرة التدوال السلمي للحكم وتعتبر وجودها خارج اطار الزمان والمكان الذي تحكم فيه وان صلاحيتها ابدية وغير قابلة للأنتهاء, وبالتالي المشكلة هنا هي في الأفكار والقناعات السياسية وجوهر التفكير بمشكلة الحكم وفلسفته وماذا يعني. والمشكلة هنا في البيئة الحاضنة لممارسة الديمقراطية, ونموذج العراق والدول العربية الأخرى حاضرة, فحين سقوط الأنظمة الدكتاتورية سواء بهبات ما يسمى بالربيع العربية ام عبر الأحتلال الأمريكي والغربي فأن البيئة السيكواجتماعية والسياسية لم تكن مواتية لأحتضان بذور الديمقراطية الوليدة, فلا نستغرب من تصدر القوى الأسلاموية والشوفينية من تصدر المشهد السياسي وإدعائها الكاذب في ممارسة السلطة وتداولها سلميا, عبر سلوكيات انتهاك ممارسة الديمقراطية من خلال الترغيب والترهيب واستخدام السلاح لأعاقة ممارسة طقوس الديمقراطية الى جانب ارتهانها للأجندة الأقليمية ذات البنية العقلية والسياسية المتخلفة.

  ما تمارسه قوى اعاقة التداول السلمي للسلطة هو هوس السلطة والرغبة الشديدة للتمسك بها والاستحواذ على مغانمها، ومحاولة عدم التفريط بها مهما كانت النتائج المترتبة على ذلك (حروب، فتن، اغتيالات، فقر، فساد بأنواعه، ضياع جزء من الأراضي، وضع البلد في مستقبل مجهول, افلاس الدولة, هدر للمال العام وسرقة مدخرات الشعب)، فالبعض يضحي بوطنه ويضحي بشعبه ويضحي بولده لغرض الاستمرار والبقاء على رأس السلطة. نموذج العراق حاضرا في قتل 700 متظاهر وجرح اكثر من 25000 واعاقة آلاف بأعاقة منتهية هو دليل على ان السلطة مفسدة عند هؤلاء.

لذلك يمكن القول، بأن هوس السلطة في تلك النماذج هو بمثابة مرض نفسي ليست حكرا على شخصا كما في حالة ترامب، لكنه مرضاً عقائديا يلف كل منتسبي تلك الفكرة المريضة لا يمكن علاجه بسهولة البته، كون المصاب به ومجموعته يرفضون التشخيص، إضافة إلى رفضهم الشديد لأخذ العلاج, لهذا السبب نظر أغلب الباحثين والمفكرين إلى السلطة بأنها مفسدة، لذلك سعى كل من يريد تجنب هذه المفسدة إلى تقييدها وتقنينها في إطار المؤسسات القانونية والدستورية, ومع هذا فأن القدرة على اشاعة الخراب وحرف مسار الاستقرار يفوق اضعافا سلوكيات ترامب البسيطة والتي لا تجدي نفعا في المجتمع الامريكي الذي أتقن لعبة الديمقراطية.

ويلعب هنا التلوث السيكوباتي والفساد حيث الشخصية البارانوية والشخصية النرجسية هما أكثر شخصيتين يسعيان نحو السلطة ويتواجدان فيها ويتشبثان بها، والسلطة بالنسبة لهما احتياج شخصي لتدعيم الذات وتضخيمها لذلك نراهما في طريق سعيهما للسلطة ينتهكان الكثير من القيم أو الأعراف أو القوانين تحت زعم "الغاية تبرر الوسيلة"  أو تحت وهم أنها ضرورات مرحلية يتم فيها التجاوز عن بعض المحظورات، وحين تصل هذه الشخصيات إلى السلطة وتذوق طعمها وتتوحد معها تتأكد أنه لا وجود لها بدون السلطة لذلك تستمر في محاولات الاستبداد بالسلطة والتشبث بها وهذا يستدعي ممارسة سلوكيات سيكوباتية للتحايل والالتفاف والتلفيق والخداع والكذب، وتصبح هذه الأشياء من ضرورات الاستمرار في اغتصاب السلطة, وتشكل تجربة الأسلام السياسي في العراق وفي الدول العربية الأخرى نموذج للفساد السياسي من خلال التحايل وحرق صناديق الأقتراع والتسلح ضد العزل والترهيب والتخويف من خلال الخطاب المقدس.

وهكذا يحدث التلوث السيكوباتي لشخصية صاحب السلطة وينتشر هذا التلوث في كافة جوانب المجتمع في صورة فساد عام، والفساد هنا ضرورة بقاء حتى يحدث تناغم بين المنظومة السلطوية والمنظومة العامة لأن المنظومة العامة لو بقيت نقية في حالة فساد وتلوث المنظومة السلطوية فإنها سرعان ما تلفظها, وكل هذا يحدث طبقا للمعايير السيكوباتية التي تهتم بالمبالغة في إعلان عكس ذلك فنجد مبالغة في الحديث عن الشفافية والطهارة والمبالغة في الحديث عن المثاليات الأخلاقية والمبالغة في الطقوس والمظاهر الدينية الخالية من روحانيات الدين، في الوقت الذي يستشري فيه الفساد ويتوحش.

ما يجري هو صراع للسلطة المتأرجحة بين ما تعلنه وما تبطنه.. بين الايديولوجيا (وجهها المعلن) ، وبين السيكولوجيا (وجهها الخفي) الذي في غالب الأحيان يخترق جدار الإيديولوجيا لتحقيق الأهداف، وممارسة السلطة لكسب الخضوع والطاعة بالوسائل التي تريدها، ولا تتوانى لحظة عن ابتلاع الدولة فيما إذا اقتضى الأمر ذلك، فتمسي سلطة ودولة في آن، فتستبد بكل شيء، وتعصف بالمعارضة بحجج شتى، الأمر الذي يوسع الهوة بين السلطة والشعب، فتنشب الأزمة وهكذا نسترخص الضحايا والشهداء, وتبقى معرفة قتلة المتظاهرين لغزا صعبا ولكنه وسهلا حين توفر الأرادة السياسية الصادقة.

الخسارة تبدو طبيعية.. فماذا يمكن أن يحصد رجل لا ينظر أبعد من كرسى حكمه فى نظام سياسى يرتكز على الديمقراطية، ولا يمنح أى فرد مهما كانت مصادر قوته ومهما امتلك من أدوات فرصة الاستمرار فى الحكم إلا بإرادة شعبه؟

وصل "ترامب" إلى البيت الأبيض على سفينة "الشعبوية".تلك "الموضة" التى خلبت عقل المواطن الأمريكى لبعض الوقت، وأحس معها بالانبهار بشخصية «ترامب» الذى يحمل خطاباً جديداً ويؤدى بطريقة شديدة الإثارة، وكأنه شخصية وقعت من أحد أفلام الأكشن.

منذ وصوله إلى البيت الأبيض بدا "ترامب" جريئاً.. فردياً.. لا يعرف الحسابات السياسية ولا يريد أن يفهم شيئاً عنها.. يبيع العقل فى سوق الإثارة.. يضع الأوهام فى علب شديدة الشياكة.. ويبيعها بأغلى الأثمان.. لا يحب المؤسسات لأنه جاء من خارج المؤسسة السياسية.. من يختلف معه فى الرأى يطيح به فى عرض الطريق. سيخسر ترامب مهما بلغ من حنكة في المراوغات وتشويه الحقائق, فالديمقراطية رغم انها لعبة في بعض وجوههها إلا انها تستند الى الذكاء الاجتماعي في الوعي وقراءة المستقبل, وان ترامب لا يمتلك تلك الفطنة في ادارة الصراع مع منافسه بايدن لأنه يستند الى الأنفعلات في كسب الاصوات وقد يخسر الكثير من الاصوات. سيربح بايدن الانتخابات ولكن لا يعني ذلك تغير جوهري في السياسة الامريكية كما يتمناه العرب وغيرهم من الشامتين بخسارة ترامب أو بالعكس, لأن السياسة الامريكية تستند الى ثوابت رغم تغير الوجوه

 

نظام المحاصصة والعبث في منظومة

التعليم العالي والبحث العلمي في العراق

 

د.عامر صالح

 

 البحث العلمي ضرورة ملحة لنظام الحكم ومؤسساته ووزاراته وكل أجهزة المجتمع ومؤسساته ومنظماته, حيث لا يمكن التخطيط واستقراء المستقبل بدون بحث علمي, ولا يمكن أيضا بدونه القيام بعمليات التنفيذ والمتابعة والتطوير وحل المشكلات الطارئة؛ والبحث العلمي أيضا شرطا أساسيا على المستوى الفردي, حيث يحتاج الفرد من اجل حياة موفقة أن يفكر في كل خطواته وتحركاته من إقدام وإحجام, وان يجمع لها البيانات اللازمة ويحسب الخسارة والربح المترتب على ذلك وتأثيره المستقبلي؛ كما أن البحث العلمي بمعناه الواسع يمتد ليشمل جمع المعلومات وتوظيفها في جميع أنشطة الحياة العلمية والعملية, ويمتد ليشمل الأفراد والجماعات والمجتمع, فإذا ما ارتبطت بخطوات محكمة منظمة ومتسلسلة لجمع المعلومات وتحليلها والتأكد من صحتها بغرض الإجابة على سؤال معين أو تفسير علاقة ما أو حل مشكلة ما, كان ذلك يعرف بالبحث العلمي, أنه سلوك المجتمعات المتمدنة والمتحضرة ووسيلتها لحل مشاكلها والتغلب على أزماتها. وعدا ذلك يصبح كل شيء عشوائي, مما يزيد من فرص الفشل والإحباط والتخبط في إيجاد حلول للازمات. أن غياب البحث العلمي في بلادنا هو مصدر أساسي في التخلف والفوضى التي تضرب كل مرافق الحياة, مما يسبب في ضياع الوقت وإهدار المال وشيوع الفساد بمختلف مظاهره, ويشكل فرصا مواتية لشيوع الخرافة بكل ألوانها, السياسة والدينية وانتشار الجهل والغباء في تفسير ما يجري على ارض الواقع وفقا للمنطق المعكوس في وضع العربة أمام الحصان.

يعاني التعليم العالي في العراق من اختلالات هيكلية مرتبطة بفشل الدولة التي سقطت في أتون أزمة عميقة تحولت فيه الدولة ومواردها الى غنيمة بيد احزاب السلطة. وأدّت هذه الأزمة الوجودية إلى اختلال شامل في الرؤى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لدى المؤسسات التي تصنع القرارات وترسم السياسات. وباتت هذه المؤسسات عاجزة عن إشباع الحاجات الأساسية والإيفاء بالحقوق الإنسانية للأفراد، ما أدّى إلى الإخفاق في تحقيق الاستقرار السياسي ووضع البلاد على طرق التنمية المستدامة والمتكاملة للمجتمع.

ومعالجة أزمة التعليم العالي في العراق تكون عبر معالجة الأزمة بقمة هرم السلطة في النظام الاجتماعي، أي أزمة التوجّه العام للدولة؛ فلا نهوض للتعليم نحو الجودة والجدوى، أو للبحث العلمي نحو الجدّة والجدّية، ولا للمجتمع نحو التجدد الحضاري في دولة تعاني من التفكك في رؤيتها السياسية، والضبابية في نظرتها إلى نفسها ومجتمعها، والفوضوية في إداراتها والعشوائية في سياساتها.

وفي وقت يتجه فيه العالم إلى تعزيز استقلالية الجامعات لما في ذلك من تدعيم مناخات صناعة المعرفة، ولتحريرها من الأطر البيروقراطية باتجاه المزيد من الحريات الجامعية المؤطرة بقيم الرصانة العلمية والانضباط الأكاديمي، فإن ما تفعله النخبة السياسية هو تصدير أزمتها الحزبية والسلطوية إلى الجامعات العراقية.

واستكمالا للهجمة الشرسة على منظومة التعليم العالي والبحث العلمي فقد أثار قانون معادلة الشهادات العلمية الجديد الذي شرَّعه مجلس النواب العراقي سخطاً غير مسبوق من المؤسسات العلمية والتعليمية، وأغضب الجهة المختصة المتمثلة بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، التي تعتمد معايير عالمية رصينة، درجت عليها منذ عقود، جعلت الشهادات العراقية في غاية الاحترام؛ كونها تستوفي معايير دولية باتت سياقات تعتمد عليها أرقى الجامعات في العالم.

 

وألزمت الهيئة الخاصة بمعادلة الشهادات، بضوابط صارمة وفق التعليمات المعتمدة لمعادلة الشهادات والدرجات العلمية العربية والأجنبية رقم 5 لسنة 1976، التي وُضعت على الرَّف، وخالفها التشريع الجديد المليء بالعيوب والمخالفات لأحكام الدستور، كما أكد عدد كبير من المشرعين. أن قانون معادلة الشهادات جاء كمقترح من لجنة التعليم العالي البرلمانية وليس مشروع قانون من مجلس الوزراء، لذا فهو مخالف لفتوى المحكمة الاتحادية، فضلا عن أنه يعد نكسة حقيقية بحق التعليم العالي في العراق، وينبغي من الجميع الوقوف ضده، إذ إنه سيمنح اللقب العلمي بالاعتماد على معيار (الموهبة أو الجهود المتميزة بالعمل)، وهذا خارج عن معايير الجودة.

ويقوم القانون بنقل معظم صلاحيات وزارة التعليم العالي وتحجيمها وتوزيعها على جهات عدة غير أكاديمية، ومنها الأمانة العامة لمجلس النواب التي منحت صلاحية معادلة الشهادات التي تصدر من معهد التطوير البرلماني، كما تقوم وزارة التربية بمعادلة شهادات المرحلة الثانوية والدراسات التي تسبقها والشهادات الصادرة من كلية التربية المفتوحة، ووزارة الدفاع ووزارة الداخلية بمعادلة الشهادات العسكرية والمسلكية، كما تقوم الجامعات المتنوعة ومجلس الخدمة الاتحادي بمعادلة وتقييم الشهادات التدريبية والفنية، فلم تعد وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تملك الرأي الأول والأخير في معادلة الشهادات، كما درجت عليه الأعراف العربية، وبات القرار مرتبطاً بالجهات المذكورة، إضافة إلى خروقات علمية أصابت هذا القانون نتيجة قلة الخبرة وضعف الإرادة وتأثير مجلس النواب وابتزازات كثيرة تكتنف عملية المعادلة والتقييم، كما أكد عديد من الأساتذة، فيمكن اعتماد ومعادلة شهادة الدكتوراه من خارج العراق من دون تقديم أطروحة الدكتوراه والاكتفاء بالأمور الإجرائية فقط، وعدم مطالبة وزارة التعليم بتدقيق أطروحة الدكتوراه كما هو متبع حالياً، وهذه سابقة لا يمكن أن تحصر نتائجها أو قبولها، كما شجع القانون الجديد على معادلة شهادات الوزراء والبرلمانيين وأصحاب الدرجات الخاصة الحاصلين عليها أثناء فترة تكليفهم استثناءً من القواعد الجامعية والتعليمات الخاصة بالدراسات العليا التي ألزمت الدارسين جميعاً بالتفرغ التام أثناء فترة الدراسة، لكن الأكثر إغاظة للتعليم العالي وكادره الأكاديمي اعتماد القانون الجديد على الاعتراف بالشهادات عن طريق المراسلة، الأمر الذي ترفضه وزارة التعليم العالي ووزراء التعليم العرب بالإجماع.

وقالت الوزارة في بيان لها، إنه "استنادا إلى السلطة العلمية المخولة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي ومؤسساتها الجامعية بموجب القوانين النافذة، وحفاظا على اشتراطات الشهادة الأكاديمية ومتطلبات معادلتها التي تضمن سلامة الآثار المترتبة عليها في المجتمع العراقي وانطلاقا من خصوصية مؤسسات التعليم العالي ومسؤوليتها الحصرية في تقدير المصلحة بعيدا عن الحسابات الخاصة، تؤكد هيئة الرأي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي رفضها قانون أسس تعادل الشهادات".

ودعت، رئيس الجمهورية إلى "التدخل وعدم المصادقة على القانون، وتدارك مخاطره، وإنقاذ الموقف الذي سيجعل القرار العلمي بتقييم الشهادات معطلا، وتأمين مبدأ تكافؤ الفرص وحماية المبادئ الدستورية الضامنة لمساواة الجميع أمام القانون"

استنكرت شبكة العلماء العراقيين في الخارج، الاحد، قانون معادلة الشهادات الذي صوت عليه البرلمان، مبينة ان القانون يقضي بالاعتراف بالشهادات العليا بطرق بعيدة عن العلمية، ويمنح الألقاب العلمية من قبل مؤسسات لا علاقة لها بالجامعات، كما يسمح بمنح الشهادات الجامعية للبرلمانيين والوزراء دون الحاجة الى تفرغ.

وقالت الشبكة في بيان لها اليوم (1 تشرين الثاني 2020) انه "أطلعت شبكة العلماء العراقيين في الخارج (نيسا) وباهتمام بالغ على قانون أسس تعادل الشهادات الذي صوت عليه مجلس النواب العراقي بتاريخ 28 تشرين الأول 2020. كما اطلعت كذلك على بيانات ورسائل الرفض التي أصدرتها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ونقابة الأكاديميين العراقيين ونخبة كبيرة من الأكاديميين العراقيين.

 

وبعد الوقوف عن كثب لمعرفة ابعاد هذا القانون ونتائجه السلبية التي لن تعود بخير على التعليم العالي ولن تصب في مصلحة البلد وتقدمه، وانما ستساهم في تدهور الرصانة العلمية، وبدلا من ان يسعى مجلس النواب العراقي الى التعاون مع وزارة التعليم العالي والجامعات والأكاديميين العراقيين لوضع أسس وضوابط عصرية لمعادلة الشهادات العربية والأجنبية والمعايير العلمية المستخدمة في معادلة هذه الشهادات كما هي معتمدة في الدول المتطورة، نجده ينفرد في اصدار قانون يفتعل الازمات ويقضي بالاعتراف بالشهادات العليا بطرق بعيدة عن العلمية المتعارف عليها عالميا وبمنح الألقاب العلمية الجامعية الخاصة بالتدريسيين في الجامعات لعموم الموظفين من قبل مؤسسات لا علاقة لها بالجامعات، ويسمح بمنح الشهادات الجامعية للبرلمانيين والوزراء واصحاب الدرجات الخاصة بدون الحاجة الى تفرغ، وإلغاء متطلب وجود أطروحة او بحث في شهادة الدكتوراه لأجل معادلتها، بالإضافة الى استثناء فئات كثيرة من اسس تقييم وتعادل الشهادات، ومنح صلاحية تقييم ومعادلة الشهادات الى جهات لا علاقة لها بالتعليم العالي والجامعات

"كما دعت الجمعية الطبية العراقية الموحدة في المملكة المتحدة وايرلندا الى المشاركة الفاعلة في حملة لإلغاء قانون معادلة الشهادات الاكاديمية الصادرة خارج العراق والذي أقرّه مجلس النواب العراقي في 28 أكتوبر 2020. وجاء في دعوتها الموجهة الى الرئاسات العراقية الثلاث

 نحن الموقعون ادناه من نقابات وجمعيات مهنية واساتذة واكاديميين وحاملي شهادات علياومن جميع الاختصاصات نعبّر عن رفضنا واستنكارنا الشديدين لاقرار مجلس النواب العراقي قانون معادلة الشهادات سيء الصيت. أن هذا القرار يأتي استمرارا للتدمير الممنهج للتعليم العالي والبحث العلمي في العراق .

وإستكمالاً لمسلسل زعزعة وتهديم الأسس العلمية الرصينة والأطر الأكاديمية المعروفة عالمياًوفي بادرة غير مسبوقة في العالم ومنها دول الجوار. هذا المسلسل الذي ابتدأه السياسيون والمتصدون للعملية السياسية منذ ٢٠٠٣ ولحد الان. ويأتي هذا القانون بعد قرارات اغراق الساحة العلمية العراقية بالكليات والجامعات الأهلية وبعد فضيحة الشهادات المزورة وآحرها المعدلات الفلكية في امتحانات الدراسة الأعدادية.

ان هذا المسلسل المنهجي والمتواصل يهدف بشكل واضح وجلّي الى تدمير آخر مرتكز للتطور العلمي المستقبلي وسيقضي على أيّ بادرةأمل في ان ينهض العراق واجياله المستقبلية لبناء وطن حديث و متطور.

ان هذا القانون السيء والخبيث في نفس الوقت يهدف الى سحب البساط من الاكاديميين العراقيين وتجريدهم من ابسط أدواتهم للحفاظ علىالرصانة العلمية والاكاديمية المتوقعة من الشهادات العليا التي تصدر من خارج العراق، علاوة على الإضرار الكبير بسمعة الاكاديميالعراقي في المحافل الدولية".

أن أسباب تخلف البحث العلمي وتدهوره هو جزء من تخلف الحياة العامة الذي يعكسها تخلف البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والذي ينعكس بدوره على تخلف المنظومة التربوية والتعليمية والتي يرتبط بها العلم والبحث العلمي والقناعة به كمنهج للحياة وحل المشكلات. وتتضح ابرز أسباب ملامح ضعف البحث العلمي وكفاءته فيما يأتي:

ـ حالة الفقر العامة في البلاد, فالفقر بطبيعته التي تجبر الإنسان على التفكير بلقمة العيش فقط, فهي تحصره في ضيق الأفق والتقليل من مساحات الإبداع والحد من استثمار القدرات العقلية.

ـ هيمنة الفكر السياسي والديني المتعصب في الحياة العامة والذي يرفض جميع أشكال التطور والتقدم العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي, ويتشبث في الماضي لإيجاد الحلول لمشكلات الحاضر, ويرفض ممارسة النقد والنقد الذاتي لفكره وممارساته, فيعتبر ما عنده صالح لكل الأزمان والأمكنة, وبالتالي يشل قدرة العقل على التواصل مع معطيات الحضارة العالمية.

 

ـ الاستبداد السياسي المتمثل بفقدان حرية الرأي وغياب الديمقراطية في كل مفاصل الحياة, ابتداء من السلوكيات الفردية والمؤسساتية صعودا إلى قمة النظام السياسي, التي تحاصر الحريات الفردية اللازمة لتطوير شخصية الفرد وعطائه, وتحول الكيان الاجتماعي إلى كتلة هامدة عديمة التمايز والفاعلية, تجيشها متى ما تشاء وتخرسها عند الحاجة وتساوي أفرادها هلاكا, حيث أن التمايز الفعال بين الأفراد في القابليات والقدرات هو احد حقائق الوجود الإنساني وصيرورته.

ـ ويرتبط بالعوامل المذكورة أعلاه غياب ثقافة أهمية البحث العلمي والاكتشافات العلمية والرغبة في الإبداع والاختراع في الوعي والتفاعل الاجتماعيين, وبالتالي يغيب التفكير والتشجيع والدعم عن المسار البحثي والعلمي وعن العلماء والباحثين والمكتشفين في المجتمع, وترتبط جذور ذلك أصلا في غياب القيمة البحثية في مناهج التعليم بمراحله المختلفة والقائمة أصلا على الحفظ والتلقين والاستذكار التقليدي, وهذا النظام التعليمي التلقيني لا يحتاج إلى كفاءات عالية ولا إلى مستلزمات تقيم متطور لقياس مهارات الطلاب في الفهم والتفكير وحل المشكلات, إلى جانب كونه نظام يدفع إلى الكسل والاتكالية والخمول العقلي, ولا يستثير في الطالب فكرا أو تساؤلا بل يقتل فيه ملكة التفكير, وتنتفي في هكذا نظم تعليمية القدرة على صناعة الباحثين في الخطط التعليمية عبر التراكم المعرفي في مراحل التعليم المختلفة.

ـ ضئالة الموارد المالية المخصصة للبحث العلمي وللباحثين في الجامعات العراقية بصورة عامة بسبب من غياب إستراتيجية واضحة في هذا المجال وتخلف النظرة إلى الإنفاق باعتباره إهدارا واستهلاكا للأموال غير مجدي, وليست استثمارا طويل الأمد يأتي أضعاف ما ينفق عليه, الى جانب ما حملته كورونا وأزمة النفط العالمية من شحة في المال والانفاق.

ـ الفساد الإداري والمالي وضعف معايير الكفاءة والأهلية المهنية والعلمية في انتفاء الكادر القيادي لمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي, واللجوء إلى معايير الحزبية والمذهبية والطائفية والموالاة في انتقاء الكوادر الإدارية, وغالبا ما تكون هذه القيادات بعيدة كل البعد عن مفهوم الاستقلالية والنزاهة, بل هي أطراف أساسية في صراعات مصلحيه ضيقة مع غيرها, بل هي أطراف في الفساد بمختلف مظاهره, مما يحرم هذه المؤسسات من الاستقرار والنزاهة والحيادية التي هي شروط لازمة للارتقاء بالعلم والبحث العلمي. ويرتبط بذلك ويرافقه سياسات أبعاد الكوادر العلمية عن مواقعها العلمية والبحثية من خلال التهجير ألقسري والإحالة على التقاعد وانتهاء بالتصفيات الجسدية ومسلسل الاغتيالات للكوادر في مختلف التخصصات العلمية.

ـ الآثار الضارة للمركزية الإدارية الشديدة في التعليم وغياب إستراتيجية إدارية ـ علمية معاصرة, حيث ساهمت الإدارة المتخلفة وعلى مر عقود في غياب تصور علمي دقيق وشامل للعمل البحثي, انتفت فيه عمليات التناسق والتناغم والتخطيط لمكونات العملية البحثية ومقوماتها الأساسية ( الباحثين, التمويل, التطورات العلمية والتقنية, الأولويات البحثية بما يخدم احتياجات المجتمع وتطوره, المعامل والأجهزة والمعدات العلمية وغيرها ), وبين المراكز البحثية المختلفة, وبين البحث واحتياجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية لمختلف البحوث.

ـ أن غياب إستراتيجية شاملة للبحث العلمي في العراق تتضح آثاره جليا في ما يسمى بالفوضى البحثية, والتي تتضح أبرز معالمها في العمل البحثي الفردي لأغراض فردية وذاتية بحتة, سواء لأغراض الترقية العلمية فقط أو للحصول على المال في أمكنة النشر, وعدم وجود فرق بحثية تتكامل بين أفرادها, وهو سمة مهمة من سمات تطور وارتقاء البحوث في عالمنا المعاصر, وعدم التنسيق بين المراكز البحثية المنتشرة في البلد الواحد, وانفصال البحوث عن المشكلات الاجتماعية واحتياجات المجتمع, مما أدى بدوره إلى تكرار واجترار البحوث السابقة, فهي لا تخدم في معظمها قطاعات صناعية أو زراعية ولا تواكب حاجات المجتمع في ميادينه الناشئة الحديثة كتقنية المعلومات والتكنولوجيا المتطورة, وكان ذلك سببا في إنتاج كم هائل من المجلات والدوريات ذات الموضوعات المتكررة في البلد الواحد بل وفي القسم و الكلية والجامعة الواحدة في البلد المعني, واغلب هذه الدوريات غير معروف عالميا ولا يضيف قيمة علمية للبحوث العالمية .

 

ـ عدم وضوح فكرة أن الجامعات هي جزء من آليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي يجب أن تكون بحوثها على تماس مع مشكلات المجتمع بمختلف قطاعاته, وبسبب غياب الرؤى في هذا المجال نرى أن اغلب بحوث الماجستير والدكتوراه تستهدف تهيئة وتدريب الكادر على طرائق ومنهجية البحث العلمي, وهي بهذا بعيدة كل البعد عن المساهمة في البحث عن الحلول للمشكلات الاجتماعية المختلفة, وبسبب من ذلك تأتي اغلب الأبحاث سواء الأساسية منها أو التطبيقية تكرارا لسابقتها, إن لم يكن تكرارا مملا فهو تكرارا بحلية شكلية ترضي المشرف عليها, وقد تبدو لصاحبها أصيلة وهي بعيدة كل البعد عن الأصالة.

ـ لا يشكل البحث العلمي إلا قدرا هامشيا أو ضئيلا من عمل الأستاذ الجامعي فهو مغرق بالساعات التدريسية مما يشغل جل وقته في التهيئة للمحاضرات النظرية أو أعمال المختبر التقليدية, كما أن الكثير منهم تضعف علاقاته بالبحث العلمي بعد حصولهم على الدكتوراه أو بعد نيل درجة الأستاذية أو الأستاذ مساعد أو أستاذ مشارك, وينصب اهتمامهم في الإشراف على الأبحاث فقط أو أعمال روتينية إدارية كإدارة قسم أو كلية أو جامعة, رغم أن دور الأستاذ يجب أن يكون مستمرا في إنتاج أفضل البحوث المفيدة سواء للمجتمع أم للعملية التعليمية في أروقة الجامعات.

ـ ضعف البنية التحتية للأبحاث النظرية والتطبيقية من مختبرات وأجهزة ومكتبات علمية, فالمختبرات وأجهزتها وصيانتها ونقص المواد الأساسية لها بمختلف التخصصات ونقص الكادر الفني ذات الصلة بذلك هو سمة بارزة لأغلب ما تعانيه الجامعات العراقية وتشكو منه, إلى جانب ضعف قاعدة المعلومات الحديثة, سواء من مطبوعات ودوريات علمية عالمية أو غياب المكتبات الرقمية أو الالكترونية وقواعد البيانات البحثية وغبرها من أدوات التعليم الالكتروني للتواصل مع العالم البحثي.

  ـ التدهور الأمني المستمر لمؤسسات التعليم العالي وتدخل رجالات الأحزاب والمليشيات الطائفية في شؤون التعليم العالي مما يضع طرفي العملية التعليمية : الطالب ـ الأستاذ والعملية التعليمية برمتها في دوامة عدم الاستقرار والخوف من المستقبل¸مما يترك أثره الواضح في تسرب الطلاب وهجرهم لمقاعد الدراسة وهجرة الكادر التدريسي.

ـ الإجراءات التعسفية في إقالة أو إحالة الكادر التدريسي الجامعي ومن درجات علمية متقدمة " أستاذ وأستاذ مساعد " على التقاعد بذرائع ومبررات واهية, منها كبر السن أو بتهمة عدم الكفاءة, وهي إجراءات تنفذ في الخفاء بواجهات سياسية أو انتماءات طائفية, وتحرم هذه المؤسسات من خيرة كادرها المتمرس في التدريس والبحث العلمي.

ـ تدهور البنية التحتية اللازمة لتطوير التعليم العالي من مكتبات علمية ومختبرات وشبكة انترنيت ومصادر المعلومات المختلفة, وقد تعرض الكثير منها إلى الحرق والإتلاف الكامل والى التخريب والسرقات المقصودة لإفراغ الجامعات من محتواها المتمثل بالمراجع والكتب والأبحاث والمقررات الدراسية بمختلف التخصصات, وغلق أقساما للدراسات العليا بكاملها تحت ذريعة عدم توفر الكادر التدريسي اللازم لها.

ـ تدهور المستوى العلمي والتحصيلي للطلاب جراء تدهور الوضع الأمني والانقطاع عن الدراسة, أو النجاح بأي ثمن تحت وطأة تهديد الأستاذ الجامعي من قبل مليشيات الأحزاب السياسية ـ الطائفية وفرض معايير مشوه للتفوق الدراسي لا تعبر عن إمكانيات الطلاب الفعلية, بل تعبر عن أولويات الانتماء السياسي أو المذهبي أو الطائفي, وهي تذكرنا بممارسات التبعيث لفرض النتائج الدراسية وانتقاء الطلبة على أساس الولاء للحزب الحاكم.

ـ تغييب الكليات الإنسانية والتضييق على دورها المهم في الحياة الثقافية العامة عبر الحد وعرقلة أنشطتها المختلفة التي يفترض لها أن تسهم بإشاعة ونشر قيم التسامح والعدل والحق ومكافحة الإرهاب, وقد شهدت هذه الكليات حرق العديد من مكتباتها بالكامل, وعرقلة إصدار دورياتها الثقافية الشهرية أو الفصلية أو السنوية, وانعدام الأجهزة اللازمة لاستمرار عملها كأجهزة الاستنساخ والطباعة وغيرها, إضافة إلى محاصرة العديد من مبدعي وكتاب هذه الكليات ومنعهم من الظهور العلني للحديث عن نشاطاتهم ونتاجاتهم الثقافية والأدبية المختلفة.

 

ـ استشراء الفساد بمختلف مظاهرة الإدارية والمالية, من محسوبية ومنسوبيه وسرقة الأموال المخصصة لهذا القطاع وتزوير للشهادات والتلاعب بسجلات الدرجات من خلال ممارسة الضغط والابتزاز على إدارات الأقسام الدراسية و عمادة الكليات لمنح ضعاف التحصيل ما لا يستحقوه أو إضعاف المتفوقين دراسيا والعبث بدرجاتهم بدوافع الانتقام والثأر بواجهات مختلفة, سياسية ومذهبية وطائفية وغيرها.

ـ عدم السماح وعرقلة جهود المنظمات الدولية كالأمم المتحدة وأجهزتها المعنية بشؤون التعليم العالي على الإشراف والتأكد من ظروف عمل هذه المؤسسات بما يستجيب لشروط الجودة العالمية لهذه المؤسسات وحماية خريجها من عدم الاعتراف بالشهادة, وكذلك عرقلة جهود اللجنة الدولية للتضامن مع أساتذة الجامعات.

ـ في ظروف العراق الحالية والذي توقفت فيه التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الشاملة, تضعف فيه كنتيجة منطقية قدرة ودور الجامعات والمؤسسات البحثية في المجتمع وبالتالي تضعف روابط التعليم العالي ودوره الأساسي في التخطيط والاستجابة لظروف التنمية البشرية الشاملة وحاجتها الفعلية لمختلف القيادات والكوادر في مختلف التخصصات العلمية والأدبية والمهنية والتقنية وغيرها.

ـ غياب إستراتيجية واضحة للبحث العلمي في ضوء احتياجات المجتمع المحلي لها, حيث أن المبادرة الفردية للباحث والأستاذ تلعب دورا كبيرا في تقرير ذلك, ومعظمها يجري لأغراض الترقية العلمية أو لأغراض المتعة العقلية الخالصة للبحث, ويجري ذلك في ظل انعدام صناديق متخصصة لدعم وتمويل البحوث, وضعف القاعدة المعلوماتية, وعدم وجود مراكز أو هيئات للتنسيق بين المؤسسات البحثية, وضعف الحرية الأكاديمية كتلك التي يتمتع بها الباحث في بلدان العالم الديمقراطي, وعدم تفهم أو انعدام دور القطاع الخاص ومشاركته في الأنشطة العلمية حيث لا يزال قطاعا متخلفا يركز على الربحية السريعة والسهلة ولا يعي حقيقة وأهمية البحث العلمي في تطويره.

ولا نستغرب من كل هذا ولتلك الأسباب حصرا عدم تبوء الجامعات العراقية لمكانتها العلمية بين الجامعات العالمية رغم الجهود المبذولة من قبل مختلف الجامعات العراقية, فالطموح لتبوء مكانة لائقة في وسط الجامعات العالمية شيء ويبقى طموح مجرد, وفهم أسباب التخلف العلمي والقدرة على تجاوزه شيء آخر.

أصدار البرلمان العراقي لقانون معادلة الشهادات والدرجات العلمية في 28 اكتوبر 2020 هو استمرار للسياسات والسلوكيات التي تستهدف المكانة العلمية والاكاديمية وفي مقدمتها الأخلال بعناصر وشروط جودة الكادر الى جانب اضعاف مكانة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ذات العلاقة المباشرة في الشأن العلمي وجودته, وفسح المجال بعيدا للأجتهاد من قبل الوزارات المختلفة والجهات الأخرى والبرلمان ايضا للعبث وتسيس العلم واعادة تكريس المحاصصة واقتسام مناطق نفوذ الأحزاب. لا يستغرب المرء من برلمان شرعيته اقل من 20% من الشعب أن يصدر هكذا قوانين خدمة لأعضائه وطموحاتهم المريضة.  

روابط المقال:

https://m.ahewar.org/s.asp?aid=695048&r=0&cid=0&u&i=2393&q&fbclid=IwAR1LgX4mlr0YNTpFsrWeJjn_7pl4HfcwwSiHDU0u_jdw0JJPDO2ttQ_KpyQ

 

https://m.ahewar.org/s.asp?aid=545940&r=100&cid=0&u=&i=2393&q=&fbclid=IwAR04uAdQJAd6IAOIAFpKbzO6dfYCgcStlHo7hh22xPSW44cA5HLsfy29FBk

 

https://alarab-co-uk.cdn.ampproject.org/c/s/alarab.co.uk/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AC%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%83%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%AA%D8%AF%D9%87%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9%D9%8A%D8%A9?amp&fbclid=IwAR1ciFqmf-x74QiKVKUXxE743XTdIE5FKygvUyHiogFAIERkOCOuSnt_LhQ

 

https://ultrairaq.ultrasawt.com/%D9%83%D9%8A%D9%81-%D9%8A%D9%85%D9%83%D9%86-%D8%A7%D9%95%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%A1-%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%87%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AB%D9%8A%D8%B1-%D9%84%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%84-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%AA%D9%85%D8%B1%D9%8A%D8%B1%D9%87-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D8%9F/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A7-%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9?fbclid=IwAR3yEWP5UhEE6uiKs3Ekv67r5gxXH3TGvGl-Sjpol-uq9W7phBtHKVEWizw

 

https://www.aredaonline.com/295445?fbclid=IwAR1TWCuWPwF8eUrClvDXyt7gyDDeMEPXUYmjxe9Bg3wmrAHRAfYlC7NJdio

https://mustaqila.com/%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%87%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D9%8A%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87/?fbclid=IwAR0eaE4f8qUTmwfHh4PDlU-XRrJDfS7BHrOS9SwoCliFZIv7CHmu0lak_YU

https://hathalyoum.net/amp/2529423-%D9%85%D8%A4%D8%B3%D8%B3%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B3%D8%AA%D9%86%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%87%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%AA%D9%88%D8%B6%D8%AD-?fbclid=IwAR1rymifZmvyCpiYQ0zXurwn_Z4Up0_JAzcWUWWO5uTUvY7OE0qCAtLkDHE

 

https://www.independentarabia.com/node/165296/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D9%85%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%B9%D8%A7%D8%AA/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D9%8A%D8%B5%D8%AF%D8%B1-%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86%D8%A7-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A7-%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%87%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9?fbclid=IwAR2RGL2HkR4EOXsgUyCc8hMxXiakeH8TO_GQ6gg_fT_x0AHpm8pzAi31XGg

 

 

هل  الأمومة العراقية في

انتكاسة كما يتصورها البعض !!!

 

د.عامر صالح

 

اشتعلت الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي بحادثة الأحد 18 أكتوبر, والتي قامت فيها أمرأة برمي طفليها على خلفية خلافات أسرية وحالة طلاق, في نهر دجلة وفي ذات الجسر " جسر الأئمة " الذي حصلت فيه فواجع وغرق للمئات ورمي للأطفال لأكثر من مرة بل مرات عديدة , وكعادتها بعض الفضائيات وبعض من مواقع التواصل الأجتماعي ان ترى في الحدث هو سقوط مدوي للحكومة والدولة العراقية في عدم قدرتها للحفاظ على ارواح العراقيين من أي ضرر كان شخصيا او او جماعيا, في الوقت الذي تبرر فيه حالات غرق جماعي بسبب استخدام سيئ للطقوس الدينية هو عمل مقدس وان ارواح الضحايا في جنات النعيم من خلال منح صكوك الغفران للألتحاق بالجنة, وتتهافت الفضائيات في اسقاط ما تبقى للحكومات المتعاقبة من هيبة, ونحن نعرف كم ان الحكومات متهاوية الهيبة حتى في أعين من شكلها وقرر رئيس وزرائها ما بعد عادل عبد المهدي, ولكن النفاق السياسي للقوى المعادية للدولة من جانب والوقوف الى جانبها في التصريحات كم هو مؤذي وخبيث في افعاله, الى جانب قنوات وصفحات تواصل اجتماعي لا ترضى بأي انجاز للحكومة ان يحصل حتى وان حصل.

الحديث ليست تبرير لجريمة قتل الأطفال, وبالتأكيد انها جريمة بكل المقاييس في اختطاف ارواح طفلين والتخلص منهم تحت وطئة الخلافات الأسرية, وانه نمط من السلوك المرضي للأنتقام من طرف العلاقة وألحاق اشد الأذى به وبأهله من خلال الأنتقام من الأطفال لترك ألم مستديم في نفسية شريكها السابق, وبالتأكيد فأن لحظات ارتكاب فعل الانتقام برمي الاطفال في النهر رافقه تدهور سيكولوجي بل واختلال عقلي دفع بصاحبه " مرتكبة الجريمة " الى ارتكاب هذا الفعل الشنيع الذي يفتقد الى ابسط مقومات وعواطف وغرائز الأمومة, وان الخروج عن الطور في هكذا حوادث لا يمكن إلا أن يكون فعلا مرضيا بلغت صاحبته ذروته ويكون في هكذا حوادث الوازع الداخلي شكليا وغير موجود اصلا بفعل ما حل بالشخصية من تفكك وتداعيات خطيرة للمنظومة الفطرية التي تجسدها الأمومة.

ولا بد للأشارة هنا" وليست من باب الدفاع عن المجرم " أن ارتكاب جرائم محتلفة ضد المرأة وتصفيتها جسديا بقتلها او تعذيبها حتى الموت بدافع الثأر لشرف الشريك او العشيرة واستخدام المرأة في المقايضة بين اطراف عشائر مختلفة متقاتلة لتعويض ضحايا الطرف الآخر في الأقتتالات العشائرية, وحتى يتم قتل المرأة بدوافع الكبت الجنسي من قبل الشريك حال رفضها لأشباع غرائزه في الوقت الذي يرتأيه هو مناسبا بعيدا عن مزاج وحاجة الآخر بنفس التوقيت.

 وهناك عوامل يجري التغاضي عنها عند التحقيق في جرائم الشرف هو وجود اضطراب عقلي. تشير الدراسات إلى أنه إضافة للآثار الاجتماعية فإن بعض الاضطرابات النفسية مثل السادية أو الأذية والشك المرضي والغيرة المفرطة المبنية على تأثيرات بيئية، قد تؤدي إلى الانتقام من حالات الاغتصاب والشرف، يصل المعتدي إلى ذروة المتعة العاطفية والجسدية من خلال أذيته للآخرين، الأمر الذي يؤدي في بعض الحالات إلى الاغتصاب أو القتل، وما يبرر هذا السلوك هو الذهنية الذكورية السلطوية الحاكمة المناهضة للمرأة،

بعض الأفراد يعانون من شك وغيرة مرضية بسبب غرقهم في التفاصيل والتفسيرات السلبية المخالفة للوقائع، مما يؤدي إلى ارتكابهم جرم القتل في بعض الأحيان، ويجب النظر في هذه الحالات بعناية من قبل مختصين مؤهلين.

 

عندما نقول امرأة فنحن نعني بها الأنثى والزوجة والأم والإنسانة. وغالباً ما تجد المرأة نفسها مجبرة على خلق توازن بين كل هذه الأدوار، ما يخلق ضغطاً إضافياً عليها بالإضافة إلى الضغوط البيولوجية والاجتماعية واليومية. لكن جميع الضغوط تنهار أمام غريزة الأمومة التي تولد مع المرأة التي تسعى طيلة حياتها لإشباع هذه الغريزة. لذا في حالة حرمان المرأة من أمومتها نتيجة عقم مثلاً أو استلاب اطفالها ومصادرتهم بفعل خلاف قهري مستديم، تصاب المرأة بمشاكل نفسية عديدة كالاكتئاب والقلق والتوتر والعصبية بالإضافة إلى أعراضٍ بيولوجية قد تصل إلى درجة شعورها بأعراض "حملٍ كاذب", كما أنه نذير بأرتكاب افعال تخالف فطرتها كردة فعل مرضية لقساوة ظروفها وعدم عثورها على حلول مشروعة في ظل مجتمع ذكوري. 

الأم هي الحلقة الأولى في حياة الطفل والأسرة، لما لها من دور عظيم في إعداد وتنشئة الأجيال ، ولما يقع على عاتقها من مسئوليات في إعداد الطفل وتربيته، وبعاطفة الأمومة التي لديها تمنحه مشاعر الدفء والحنان، لما تشكله من علاقة نفسية وبيولوجية بينها وبين أولادها وبناتها، والأمومة هي أكبر وظيفة للمرأة وهبتها لها الطبيعة في صراعها للبقاء لتكون بها الحياة، فهي رمز الحياة واستمرارها؛ وتعتبر أقوى الغرائز لدى المرأة وتظهر لديها من طفولتها المبكرة فنجد الطفلة ترعى أخواتها الذكور وتعتني بهم وتجد لديها العديد من الدمى والعرائس التي تمارس من خلالها دور الأم.

الأمومة هى علاقة بيولوجية ونفسية بين امرأة ومن تنجبهم وترعاهم من الأبناء والبنات. وهذا هو التعريف للأمومة الكاملة التى تحمل وتلد وترضع (علاقة بيولوجية) وتحب وتتعلق وترعى (علاقة نفسية) . وهذا لا ينفى أنواعاً أخرى من الأمومة الأقل اكتمالاً كأن تلد المرأة طفلاً ولا تربيه فتصبح فى هذه الحالة أمومة بيولوجية فقط ، أو تربى المرأة طفلاً لم تلده فتصبح أمومة نفسية فقط. هذه الأدوار للأم عندما تلد وعلى المستويين البيولوجي والنفسي يجب ان تشبع بقدر هادئ ومعقول استجابة لأشباع غريزة الأم البيونفسية في رعاية اطفالها, وفي سياقات طبيعية ومقبولة قد تحل الخالة او العمة او الجدة نسبيا مكان الأم على المستوى النفسي او لصعوبات مؤقتة على المستوى البيولوجي"كالأرضاع", وخلاف ذلك وعلى مستوى اكراه الأم لغير حضانة اطفالها فأنه أمر يهدد بمخاطر واضطرابات نفسية خطيرة وخاصة اذا كانت مؤظرة بكراهية من نوع خاص بين "الشريكيين " وعدم قبول الآخر بفعل عوامل كثيرة ومتعددة.

يالتأكيد هناك عوامل تؤطر استقرار الأسرة ومنعها من التصدع, من بينها الاستقلال الاقتصادي للشريكين وخاصة عن أبوي وأم الشريكيين, وكذلك العمر المقبول للزواج حتى ما بعد 20 عاما, فالنضج الزمني يلعب دورا في انعكاساته على العمر العقلي وخاصة في تفاوت غنى البيئات المختلفة وبالتالي فالشراكة هي عقلية مقترنة بزمن مقبول. والمرأة العراقية التي اقدمت على رمي طفليها وهي كما يتناقل من مواليد 1999 وزوجها كذلك وفي عراق ما بعد 2003 ومنفتح على مصرعيه لمختلف التيارات الدينية وغير الدينية والانعتاق من العزلة العالمية التي كان يعيشها العراق مقابل انفتاح على الآخر غير مدروس وصراع قيمي على أشده بين العشيرة والمدينة وقيم الانفتاح التي تهواها النفس بفطرتها في صراعها مع دين سياسي يكرس ازدواجية الأخلاق ويحلل الحرام ويحرم الحلال ويتحالف مع قيم التخلف والردة وفي مقدمتها العشيرة ويتشبث بالسلطة السياسية, فلا نستغرب ان الوضع يؤسس

لمختلف الأنهيارات والنكسات والمصائب, والمرأة كعادتها وبفعل استفحال الذكورية وعدوانيتها هي من اسهل الضحايا في القتل والتنكيل الى جانب اصابتها بمختلف الأضطرابات النفسية والعقلية.

 أن تقدم المجتمعات يقاس بمدى تقدم المرأة فيه ومساهمتها في الحياة العامة, لقد اصاب المرأة شتى صنوف الأذلال والقهر والأستعباد جراء الظلم الذي وقع عليها تاريخيا وحاضرا, والمرأة العراقية اليوم بين عاطلة عن العمل وأرملة ويتيمة ومطلقه وعانس وحبيسة المنزل, لا نستغرب من تداعيات ذلك على سلوكيتها اتجاه اطفالها, وخاصة عندما تبلغ الحال حدا مرضيا فأن الضحايا الأقرب هم الاطفال.

 

 

ما يحدث اليوم في العراق هو بعض من سلوكيات الانتحار الجماعي للأخلاق وللمدنية قبل أن يكون عبورا بمرحلة انتقالية ما. وما يحدث اليوم في العراق هو نتاج لغياب ثقافة الحضارة والتمدن التي تؤمن بسيادة القانون وهيبة الدولة. إنه أمر مريع وبداية لحقبة قد تكن مدياتها قاتمة. فالناس في العراق يقتلون لاختلاف الرؤى والمعتقدات، وكل يرى أنه أحق بالحياة من الآخر، لا لشيء إلا لاعتقاده بأنه أقرب إلى الحق ممن سواه, فماذا يعني قتل 700 متظاهر في مظاهرات سلمية وجرح 30 ألف وتغييب المئات واعاقات مطلقة بالمئات, انها مشاهد مقززة وتجرح حياء الانسانية , وجماعات مسلحة تقتل وتغتال وتجز الأعناق وتهجر الساكنين من مناطقهم الأصلية وتعبث في الديمغرافية المحلية لحسابات دنيئة وفوز مرتقب تافه, وأغلبها ينفذ بشرعية دينية وأثنية ومسوغات روحية بعد ان حصلوا على فتاوى الأنتماء المشرذم للوطن.

السيدة التي اقدمت على فعلتها الشنيعة في رمي اطفالها في نهر دجلة  ستنال جزائها وفقا لقانون العقوبات العراقية في القتل المتعمد, وفي ظل فوضى وانتقائية في تطبيق القوانين فأن "الأم المجرمة" ستنال عقوبتها, ويبقى آلاف القتلة والفاسدين وسراق المال العام ومصاصي دماء العراقيين طلقاء واحياء واعضاء في البرلمان الحالي والقادم.

 

 

نتائج الأمتحانات العامة للسادس الأعدادي

 بين ضغوطات كورونا وأزمة التعليم العامة في العراق

 

د. عامر صالح

 

أعلنت نتائج الأمتحانات للصفوف السادس الأعدادي في العراق للعام 2019 ـ 2020 وقد أثارت الكثير من الجدل التربوي والعلمي حول مصداقيتها والظروف القسرية التي انتجتها هذا من جهة وكذلك مدى أنسجامها ومطابقتها للمعايير العالمية للحفاظ على جودة الشهادة, ومن جهة أخرى فوزير التربية غير مكترثا بذلك فهو يسعى للأنجاز حتى وأن كان شكليا او محفوفا بالمخاطر على مستقبل العملية التربوية والتعليمية في العراق, فقد بارك الوزير بحسب بيان للوزارة "للطلبة ولذويهم الجهود العالية والواضحة من خلال نسب النجاح التي تحققت في نتائج الطلبة مقارنة بالاعوام السابقة بكافة فروعه، مشيداً وبفخر بطلبتنا الذين قهروا الظروف الاستثنائية من اجل عراقنا الحبيب". وقالت الوزارة في بينها أن "وزير التربية تقدم في كلمة خاصة بهذه المناسبة، الشكر والعرفان لدولة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي على مساندته للعملية الامتحانية منذ انطلاقها إلى انتهائها، وكذلك الوزارات الساندة كلًا من الصحة والتعليم العالي، والداخلية، والدفاع، والأمن الوطني، وهيئة الحشد، والاتصالات، كما تقدم الدليمي بالشكر والعرفان لكافة الملاكات التربوية التي أوصلت الامتحانات إلى مبتغاها المطلوب".

 واكدت الوزارة ان نسب النجاح كانت كالآتي:

الفرع العلمي التطبيقي ‌‎%81

الفرع العلمي الاحيائي%74

الفرع الادبي   %77

ورافق إعلان نتائج امتحانات طلبة السادس الإعدادي، جدلاً واسعاً، بسبب ارتفاع نسبة الطلبة الحاصلين على معدل 90 فأعلى. فقد بلغ عدد الطلبة الذين تراوحت معدلاتهم بين 97 ـ 99  15 ألف و470 طالب وطالبة, وعند مقارنتها بالعام 2018 فقد لبغت النتائج لنفس المعدلات المذكورة 5718 طالبا وطالبة, وفي العام 2019 بلغ العدد 4969 طالبا وطالبة, فما هو السر في تضاعف الأعداد بشكل يثير الشبهات حول طبيعة الأداء الأمتحاني ونزاهته, في ظل التدني المستمر لظروف البلد بصورة عامة وظروف المؤسسات التربوية والعملية التعليمية بشكل خاص. 

و هناك شبه اجماع شعبي بعيدا عن حالات الفرح الفردي بالنجاح وشبه اجماع رسمي قد يلخصه الخبير التربوي فالح القريشي أن "وباء كورونا كان له تأثیر كبیر في ارتفاع معدلات النجاح للعام الدراسي الماضي، حيث وبسبب ظروف الجائحة حذفت حوالي 35 %من جمیع المواد المنھجیة".  "كما ان الوزارة امتحنت طلبة السادس الاعدادي وفق أسئلة سھلة ومرنة، الامر الذي ساعد على تحقیق نسب النجاح العالیة وكذلك تحقیق معدلات نھائیة غیر مسبوقة.  وأردف "الا ان ھذا الامر لا يعني ان التعلیم في العراق يتعافى، بل على العكس التعلیم في العراق فاشل وبحاجة الى إعادة ھیكلة"، مشیرا الى انه "ومنذ 2003 كلما جاءت سنة دراسیة جديدة ينحدر التعلیم بشكل اقسى مما كان علیه في العام الماضي". وأكد أن  المحاصصة الحزبیة، وعدم اللجوء للكفاءات في إدارة وزارة التربیة، ھو من أدى بالتعلیم الى الوصول نحو ھذا الفشل والانحدار في مستويات الطلبة العلمیة.

وقد أغفل الكثير من المسؤولين والتربويين الأشارة الى ظواهر خطيرة اخرى متفشية في الوسط التربوي العراقي, كبيع وشراء الأسئلة, والدروس الخصوصية المشبوهة التي تفضي الى البوح في الأسئلة الأمتحانية, ودور المليشيات المسلحة في التهديد الخفي للجهات التربوية للحصول على الأسئلة الامتحانية, والرشاوى المختلفة التي تفسد الأجواء التربوية السليمة, وعدم التفتيش عند الدخول الى القاعات الامتحانية وخاصة عندما تجرى الامتحانات في نفس المناطق والمدارس التي تم تدريس الطالب فيها حيث علاقات التواصل والقربى الفاسدة, واستخدام الأجهزة الألكترونية لتسريب الأجابات والتواصل مع خارج القاعة الامتحانية.

 

 

الأمر الآخر الذي يثير الأستغراب هو تصريح وزارة التعليم العالي حيث اكد حيدر العبودي المتحدث بأسم وزارة التعليم العالي:

ان “وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مستعدة لاستيعاب مخرجات الدراسة الاعدادي ونظام القبول المركزي والتعليم المدمج أيضاً سيضيف لحالة الطاقة الاستيعابية للكليات والاقسام العلمية ونعمل بهذا الاتجاه". وأضاف العبودي “توقعاتنا بأن الأعداد ومخرجات الدراسة الاعدادية في زيادة واضحة ولكن خطة العام الدراسي المقبل وخطة الجامعات تم تكييفها لتغطية هذه الزيادة” مشيراً الى “استحداث 7 كليات و20 قسما في 15 جامعة عراقية لتغطية هذه الزيادة والاحتياجات". ونوه العبودي الى ان هذه الخطة وضعت “بغض النظر عن ارتفاع المعدلات وعددها بالنسبة لنتائج السادس الاعدادي” مؤكدا ان التنافس في حجز المقاعد الدراسية يمثل معيارا حاكما فصعود سقوف المعدلات لا يلغي حالة التنافس وحجز المقاعد في مختلف التخصصات".

هذا التناغم بين وزارتي التربية والتعليم العالي وإن بدى من الناحية الشكلية ضروري للتنسيق واستيعاب الخريجيين إلا أنه يعكس جهلا مفتعل ينمي بل ويعكس حجم الفساد المغطى بالتنسيق المشترك بين الوزارتين, وكلا الطرفين يعلم  أن ما يتم استيعابهم من الطلبة في الجامعة هم من حملة المعدلات العالية, وترك البقية الباقية من خريجي الاعدادية تتصارع الجامعات والكليات الأهلية لأبتلاعهم في ظل استغلال واضح وصريح للظروف الأقتصادية والمالية المحدودة للطلبة المتقدمين لها, وبالتالي يتحول الطلبة الى مشاريع ربحية لملاكي الجامعات الأهلية الذين يشكلون جزء من منظومة الفساد المستشري في الدولة والمجتمع.

الجميع يعلم أن تداعيات كورونا كان لها أثر سلبيا كبير على التحصيل الدراسي وتدهوره في العراق في كل مراحله, وخاصة الأعدادي منه, فألى جانب البنية التحتية التقنية والمعلوماتية الضعيفة في العراق والتفاوت المريع لخدمات الأنترنت في العراق والناتج من سوء الخدمة الى جانب التفاوت في دخول الأسرة وقدراتها في الحصول على خدمات النت فأنه لأمر منطق ان يسهم في تدني مستويات التحصيل, ولكن في المقابل لا تتم المعالجة عبر التنازل والأخلال في شروط وجودة الحصول على الشهادة الأعدادية عبر التنازل غير التربوي واعفاء الطلبة من العديد من المواد الدراسية واللجوء الى الأسئلة السهلة, فأن ذلك بالتأكيد سيسهم في ضعف خريجي المرحلة وبالتالي في ضعف قدراتهم في التخصص اللاحق في الجامعات وخاصة ممن حاز على معدلات عالية, فالفشل في الطب والهندسة يعني الفشل في تأمين حياة الناس والعمران. لا توجد أي نقلة ايجابية في قطاع التربية والتعليم ما بعد 2003 لكي تنبؤنا عن نقلة نوعية في النتائج, فالفساد في القطاع وسرقة المال العام فيه والتدهور المستمر للبنية التحتية وعناصر العملية التربوية الأساسية وانتشار الأمية, جميعها ليست مؤشرات لتعافي التعليم من محنته والأرتقاء به الى آداء افضل بما ينعكس على التحصيل في كل المراحل, ومن ضمنها بشكل خاص التعليم الأعدادي, بأعتباره المحطة الأخيرة صوب التعليم العالي. 

أما على مستوى كفاءة مؤسسات التعليم العالي بأعتبارها الحاضنة المرتقبة لخريجي الأعداديات في العراق فأنها هي الأخرى مبتلاة بأزمة مركبة ومتشعبة الأبعاد ويطال الشك فيها لأنتاج خريجين ذو كفاءة بمواصفات عالمية, ولعل المؤشر في ذلك هو تذيل الجامعات العراقية سلم الجودة والكفاءة ووقوعها أسيرة الأجتهاد والمحاصصة والفساد, ولعل ابرز مشكلاتها هي:


ـ التدهور الأمني المستمر لمؤسسات التعليم العالي وتدخل رجالات الأحزاب والمليشيات الطائفية في شؤون التعليم العالي مما يضع طرفي العملية التعليمية : الطالب ـ الأستاذ والعملية التعليمية برمتها في دوامة عدم الاستقرار والخوف من المستقبل¸مما يترك أثره الواضح في تسرب الطلاب وهجرهم لمقاعد الدراسة وهجرة الكادر التدريسي.

ـ الإجراءات التعسفية في إقالة أو إحالة الكادر التدريسي الجامعي ومن درجات علمية متقدمة " أستاذ وأستاذ مساعد " على التقاعد بذرائع ومبررات واهية, منها كبر السن أو بتهمة عدم الكفاءة, وهي إجراءات تنفذ في الخفاء بواجهات سياسية أو انتماءات طائفية, وتحرم هذه المؤسسات من خيرة كادرها المتمرس في التدريس والبحث العلمي.

ـ تدهور البنية التحتية اللازمة لتطوير التعليم العالي من مكتبات علمية ومختبرات وشبكة انترنيت ومصادر المعلومات المختلفة, وقد تعرض الكثير منها إلى الحرق والإتلاف الكامل والى التخريب والسرقات المقصودة لإفراغ الجامعات من محتواها المتمثل بالمراجع والكتب والأبحاث والمقررات الدراسية بمختلف التخصصات, وغلق أقساما للدراسات العليا بكاملها تحت ذريعة عدم توفر الكادر التدريسي اللازم لها.

ـ تدهور المستوى العلمي والتحصيلي للطلاب جراء تدهور الوضع الأمني والانقطاع عن الدراسة, أو النجاح بأي ثمن تحت وطأة تهديد الأستاذ الجامعي من قبل مليشيات الأحزاب السياسية ـ الطائفية وفرض معايير مشوه للتفوق الدراسي لا تعبر عن إمكانيات الطلاب الفعلية, بل تعبر عن أولويات الانتماء السياسي أو المذهبي أو الطائفي, وهي تذكرنا بممارسات التبعيث لفرض النتائج الدراسية وانتقاء الطلبة على أساس الولاء للحزب الحاكم.

ـ تغييب الكليات الإنسانية والتضييق على دورها المهم في الحياة الثقافية العامة عبر الحد وعرقلة أنشطتها المختلفة التي يفترض لها أن تسهم بإشاعة ونشر قيم التسامح والعدل والحق ومكافحة الإرهاب, وقد شهدت هذه الكليات حرق العديد من مكتباتها بالكامل, وعرقلة إصدار دورياتها الثقافية الشهرية أو الفصلية أو السنوية, وانعدام الأجهزة اللازمة لاستمرار عملها كأجهزة الاستنساخ والطباعة وغيرها, إضافة إلى محاصرة العديد من مبدعي وكتاب هذه الكليات ومنعهم من الظهور العلني للحديث عن نشاطاتهم ونتاجاتهم الثقافية والأدبية المختلفة.

ـ استشراء الفساد بمختلف مظاهرة الإدارية والمالية, من محسوبية ومنسوبيه وسرقة الأموال المخصصة لهذا القطاع وتزوير للشهادات والتلاعب بسجلات الدرجات من خلال ممارسة الضغط والابتزاز على إدارات الأقسام الدراسية و عمادة الكليات لمنح ضعاف التحصيل ما لا يستحقوه أو إضعاف المتفوقين دراسيا والعبث بدرجاتهم بدوافع الانتقام والثأر بواجهات مختلفة, سياسية ومذهبية وطائفية وغيرها.

ـ عدم السماح وعرقلة جهود المنظمات الدولية كالأمم المتحدة وأجهزتها المعنية بشؤون التعليم العالي على الإشراف والتأكد من ظروف عمل هذه المؤسسات بما يستجيب لشروط الجودة العالمية لهذه المؤسسات وحماية خريجها من عدم الاعتراف بالشهادة, وكذلك عرقلة جهود اللجنة الدولية للتضامن مع أساتذة الجامعات.

ـ في ظروف العراق الحالية والذي توقفت فيه التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الشاملة, تضعف فيه كنتيجة منطقية قدرة ودور الجامعات والمؤسسات البحثية في المجتمع وبالتالي تضعف روابط التعليم العالي ودوره الأساسي في التخطيط والاستجابة لظروف التنمية البشرية الشاملة وحاجتها الفعلية لمختلف القيادات والكوادر في مختلف التخصصات العلمية والأدبية والمهنية والتقنية وغيرها.

ـ ضعف الإنفاق على التعليم العالي والبحث العلمي باعتباره دعامة أساسية لإعادة بناء بنيته التحتية وإقامة المشاريع البحثية والتعليمية المتقدمة, وبالتالي فأن أي نوايا للإصلاح دون توفير الأموال اللازمة هي نوايا باطلة وقد تعكس بنفس الوقت رؤى متخلفة للقيادات التربوية والتي ترى أن ما يصرف على التعليم هو من باب الاستهلاك الغير ضروري وليست الاستثمار طويل الأمد.

ـ ضعف وتدهور البحث العلمي وأصالته ومكانته في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وضعف استقلالية الأستاذ الباحث الذي يتعرض إلى ضغوطات مختلفة لتوجيهه الوجهة التي يرغب فيها هذا الكيان السياسي أو ذاك, وأن اغلب ما يجري من أبحاث يعتمد على نظريات ومفاهيم مهجورة أو أنها تقادمت في ظل عصر تتغير فيه المعلومة يوميا, أو أنها هجنت بطريقة عجيبة نتيجة للقيود والضغوطات الرقابية والحزبية والطائفية.

ـ غياب إستراتيجية واضحة للبحث العلمي في ضوء احتياجات المجتمع المحلي لها, حيث أن المبادرة الفردية للباحث والأستاذ تلعب دورا كبيرا في تقرير ذلك, ومعظمها يجري لأغراض الترقية العلمية أو لأغراض المتعة العقلية الخالصة للبحث, ويجري ذلك في ظل انعدام صناديق متخصصة لدعم وتمويل البحوث, وضعف القاعدة المعلوماتية, وعدم وجود مراكز أو هيئات للتنسيق بين المؤسسات البحثية, وضعف الحرية الأكاديمية كتلك التي يتمتع بها الباحث في بلدان العالم الديمقراطي, وعدم تفهم أو انعدام دور القطاع الخاص ومشاركته في الأنشطة العلمية حيث لا يزال قطاعا متخلفا يركز على الربحية السريعة والسهلة ولا يعي حقيقة وأهمية البحث العلمي في تطويره.

في الختام نقول أن التحصيل الدراسي وجودته مرتبط بعوامل جودة المؤسسات التربوية  وكفائتها في الأداء, وكذلك الظروف البيئية المحيطة بعملية التحصيل وبسلامة أفق احتواء خريجي المراحل بما ينسجم مع الحاجة الفعلية للسوق, وبالتالي الى جانب الأجتهاد الفردي من عدمه والظروف المحيطة به, فهناك فهم يجب ان يسود ان الطموحات لا تتحقق إلا على اساس الحاجة الفعلية لها, وبالتالي سنفاجئ في اجيال من العاطلين المتعلمين في ظل عراق كسيح تفسد فيه الطائفية والمحاصصة كيفما تشاء, وبالتالي فأن الحل السياسي هو المدخل لحل كل الأزمات وفي مقدمتها الأزمة التربوية والتعليمية.
 

الحوار مع من لا يؤمن بالديمقراطية

والتعددية هو حوار أصم

 

د.عامر صالح

 

عندما تتحاور مع أي طرف سياسي أو شريك في عملية سياسية يفترض ان هناك قناعات الحد الأدنى في أن الحوار مبني على مشتركات او مسلمات بين اطراف الحوار وأن الأختلاف في التفاصيل وكيفية بلوغ الأهداف, ولكن عندما يكون الحوار مبنيا على اساس الأختلاف الجذري والعدائي في الرؤى بما لا يؤمن الحد الأدنى من عوامل البقاء الصالح واستمرارية الوجود, وحتى بعدم امتلاك المرونة الضرورية والمشروعة للبقاء الصالح من اجل سلامة الوحدة العضوية, الفردية منها والمجتمعية, وبالتالي تكون هنا ومن المتوقع أن لغة السلاح والكاتيوشا العبثية والمريضة هي لغة الممكن المتاح لأغراض الفناء والخراب الشامل, والناتج في معظم الأحيان من اجندة عقائدية متتحجرة ترى في نفسها الصواب المطلق وفي غيرها الخطأ الكامل, وبالتالي حصيلة ذلك الأستعصاء والتحجر هو مزيدا من الضحايا الأبرياء ومزيدا من الخراب في مؤسسات الدولة وانعدام الاستقرار.

وعندما تكون تلك القوى الغير مؤمنة بالحوار الديمقراطي أو الرافضة اصلا للعملية الديمقراطية في الخفاء والتي تناور فقط لعوامل بقائها, وهي التي جاءت للمؤسسات الديمقراطية العراقية بعوامل الأكراه والضغط والتزوير وتهديد المواطن بأمنه واستقراره ولقمة عيشه, فأن الأمر يبدو ليست حوارا من اجل اصلاح الحال العام بل حوار من اجل تخريب ما تبقى من المخرب وتجزأت المجزء, أنه سيناريو يعكس عمق أزمة سياسية عرفها العراق منذ 2003 حيث الصراع الدائر على المحاصصة واقتسام غنائم السلطة بين قيادات الطوائف الأسلاموية والأثنية والتي تتحايل في اقتسام نفوذ السلطة, أنه مافيا الأستئثار بالسلطة بعيدا عن الأرادة الشعبية الحرة للمواطن.

تصور عندما يختلف المتحاصصون بالأتفاق على قانون الأنتخابات وحيث الشعب يغلي في ساحات الأحتجاجات ويطالب بتعديل قانون أنتخابات عادل ومنصف, وان القوى السياسية المحاصصاتية تتفرج على معاناة شعب أهدرت دمائه وقدم خيرة ابنائه من شهداء وجرحى ومغيبين, فأي طبقة سياسية هذه التي ترعى مصالح الشعب وطموحاته وهي تختلف على جزئيات لا اهمية لها قياسا بالدم العراقي المراق, فقط لأن اهمية ذلك الأختلاف تكمن في الصراع على البقاء واعادة انتاج العملية السياسية برموزها وسياقاتها الفاشلة منذ 17 عاما, بل هو صراع لأعادة تدوير نفايا العملية السياسية الفاشلة وتكريس بقائها خارج اطار الزمان والمكان والمتغيرات التي تعصف بالعراق.

العناد كسلوك متخلف والناتج من أيمان متحجر تغلفه مسبقات وقناعات وهمية يقود العراق الى المجهول, بل ينذر بتفكيك الدولة وما تبقى منها, وينذر بالمزيد من التفكك الأجتماعي والصراعات الاجتماعية المكوناتية وينذر ببوادر حرب اهلية لا تنتهي ولا تحمد عقباها في ظل تربص خارجي للأستفادة من ضعف وانهاك العراق العراق كدولة ومجتمع, وفي ظل تدهور مستمر من خدامات انسانية مختلفة " صحة وتعليم وكهرباء وماء وغياب فرص العمل وبنى تحتية منهارة ودولة نفطية مفلسة ووباء كورنا المستفحل ". 

نقولها بأنصاف ان اغلب مطالب المتظاهرين هي مطالب منصفة وعادلة وتنسجم مع مطالب الحد الأدنى للعيش الكريم, من خدمات اساسية وفرص عمل ومكافحة الفساد الأداري والمالي وسرقة المال العام وتعزيز هيبة الدولة ومكانتها, ووضع حد للسلاح المنفلت ومحاربة الجريمة المنظمة, والكشف عن قتلة متظاهري اكتوبر والاستجابة للمطالب العادلة في ضمان عملية سياسية سليمة وصحية وما يرتبط بها من انتخابات حرة وديمقراطية نزيهة, أنها مسلمات العيش بسلام وطمأنينة ولا يمكن بدونها الحديث عن عراق تعددي وديمقراطي بل وفدرالي آمن وذو أفق مستقر.

نقول أذا اريد لما تبقى للعراق  من فرص للنجاة, وما تبقى للقوى السياسية الحاكمة من ذرة من الحياء وللأحزاب من ضمير في الحرص على العراق, فأن جهد الحد الأدنى من االتضحية يتطلب التنازل عن المصالح الذاتية والتخريبية التي تؤذي استقرار العراق ومستقبله, فأن الأنفتاح على المطالب الآتية يشكل جزء من الحل وهي:

 

أقرارالقانون الانتخابي: وهو من اختصاص مجلس النواب وقد تم التصويت على أغلبية مواده، وان المتبقي تحديد عدد الدوائر وعدد المقاعد المخصص لكل دائرة، والتي هي محل شد وجذب بين الكتل السياسية حتى هذه اللحظة. وحسب تقديرات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، لابد من إقرار القانون الانتخابي قبل ستة أشهر من الموعد المحدد للانتخابات، لغرض توفير المواد اللوجستية.
تعديل قانون المحكمة الاتحادية: لقد أصبح تعديل قانون المحكمة الاتحادية حاجة ملحة بعد الاختلال في قوامها، لغرض إعادة النصاب لاجتماعاتها، لأنها هي المعنية بالمصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب، وفق (الفقرة سابعاً، المادة 93 من الدستور العراقي).
حل مجلس النواب: لا يمكن الحديث عن الانتخابات العامة المبكرة دون الاتفاق بين الكتل السياسية على حل مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، بطلب من ثلث أعضائه أو من قبل رئيس مجلس الوزراء وموافقة رئيس الجمهورية، وان يكون ذلك قبل شهرين من السادس من حزيران إذا اتفقت الكتل السياسية على هذا الموعد، ليتسنى لرئيس الجمهورية الدعوة للانتخابات العامة المبكرة، وفق (الفقرة ثانيا، المادة64 من الدستور).

تطبيق قانون الاحزاب السياسية: لقد تم إصدار قانون الأحزاب منذ 2015 دون إجراءات حقيقية لتفعيله، وقد جاء ضمن المنهاج الوزاري: التطبيق الكامل لقانون الأحزاب وهو من اختصاص الوزارة والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات وكذلك ديوان الرقابة المالية وأيضا يقع من مهام مجلس النواب المعني بالرقابة على أداء هذه المؤسسات. لضمان الحد المقبول من تكافؤ الفرص بين الكيانات السياسية عند خوض الانتخابات.

نزع سلاح المليشيات السائبة والسيطرة على السلاح المنفلت والاستعانة بالمنظمات الدولية لمراقبة الانتخابات وتوفير بيئة آمنة للناخبين الى جانب الجرئة الحكومية في الاعلان عن قتلة المتظاهرين وبما يسهم في خلق مزاج مطمئن للناخب ورسالة للمواطنين ان الحكومة قادرة على اتخاذ قرارات مصيرية تبعث الامل وتؤسس لنظام سياسي جديد يعبر عن ارادة المواطن بعيدا عن التزوير والتهديد وسلب ارادة الناخب.

 أن فرصة النجاح امام العراق ليست كبيرة بدون تضحيات ولكن هول مشاكل البلد يفترض ان يضع الجميع امام حالة استنفار للحرص على الوطن من الضياع والخراب, وعلى رئيس االوزراء السيد الكاظمي أن يبتعد عن الخطابات الأنشائية كسابقه عادل عبد المهدي, وعليه أن يسمي الأشياء بمسمياتها ويبدأ بأفعال ملموسة, في اهمها محاربة المليشيات المنفلتة علنا والأعلان عن قتلة المتظاهرين ومختطفي الناشطين المدنيين, ومطلقي الكاتيوشا بعناوينهم الرئيسية " والتي يعرفها الكاظمي قبل غيره" فالشعب العراقي مع الكاظمي حين يريد وضده حين لا يفعل, وعلى الكاظمي ان يكون ذكيا وجريئا ويستفيد من مزاج الشعب الذي قد يقف معه في أشد لحظات احراج الأسلامويون له.

 

سجاد العراقي ومشروعية

القلق على جهاز مكافحة الأرهاب

 

د.عامر صالح

 

أعلنت خلية الإعلام الأمني، الاثنين الماضي في 21 أيلول 2020، تكليف قوة من جهاز مكافحة الإرهاب للتوجه إلى محافظة ذي قار والبحث عن الناشط المختطف "سجاد العراقي" والذي تم أختطافه يوم السبت مساء بتاريخ 19 أيلول 2020. وقالت الخلية في بيانها إن "رئيس مجلس الوزراء  القائد العام للقوات المسلحة، وجه قيادة العمليات المشتركة بإجراء فوري للبحث عن الناشط المدني  سجاد العراقي الذي اختطف في مدينة الناصرية". وتابع، "تم تكليف قوة مِن جهاز مكافحة الأرهاب للتوجه الى محافظة ذي قار مسنودة بطيران الجيش للبحث عن المخطوف وتحريره، وانفاذ القانون بالخاطفين وتقديمهم للعدالة، وسنوافيكم التفاصيل لاحقا". وقد تم لاحقا فرض حصار على بعض المناطق والعشائر المشتبهة بأختطاف الناشط المذكور استنادا الى الشهود والمعلومات التي وردت من متابعة الحدث وكذلك من اصدقاء سجاد العراقي الذين كانوا معه في السيارة الخاصة التي كانت تنقلهم, وقد أصيبوا بجراح من عملية الأختطاف التي رافقها اطلاق نار من كواتم.

ويوم الثلاثاء المصادف 22 أيلول 2020، أعلنت خلية الإعلام الأمني، انطلاق عمليية تحرير المختطف سجاد العراقي في ذي قار، مشيرة إلى أن العملية تشمل 6 مناطق. وقالت الخلية في بيانها: “انطلقت وحدات (افواج من جهاز مكافحة الارهاب و فوج من شرطة ذي قار وفوج من لواء مغاوير قيادة عمليات سومر، بتنفيذ واجب مشترك للتفتيش والبحث عن المخطوف (سجاد العراقي) والقاء القبض على الخاطفين". وأضافت أن " الواجب يشمل مناطق ( أم الغزلان وناحية الدواية الشديد والعبيد والعكيكة الهصاصرة وسيد دخيل) بالتزامن مع خروج اللواء الرابع بالرد السريع على الحدود الفاصلة مع محافظة ميسان, ويأتي هذا الواجب بإسناد الأبطال في طيران الجيش".

 وبعد مضي ما يقارب الأسبوع على أختطافه وتجنيد أفضل القوات المسلحة العراقية والمتمثلة بجهاز مكافحة الأرهاب الى جانب قطعات اخرى واسناد جوي, لم تتم عملية تحريره من الخطف وألقاء القبض على الخاطفين المجرمين, حيث كشفت قيادة شرطة محافظة ذي قار, الخميس 24 أيلول 2020 عن آخر التطورات بشأن عملية البحث عن الناشط المختطف سجاد العراقي, وقال المتحدث الرسمي بأسم القيادة العامة العميد فؤاد كريم للأعلام ان " عملية البحث والتفتيش التي تقوم قوة مشتركة من جهاز مكافحة الارهاب والجيش العراقي توقفت منذ يومين" وأوضح  أن " سبب التوقف جاء بعد حدوث اشكالية مع شخصيات ذات ثقل اجتماعي مهم وستستأنف العملية في الساعات المقبلة بعد ان حلت الاشكالية التي حصلت, ولحرص الحكومة والقوات الأمنية على النسيج الاجتماعي ولأثبات نيتها الحسنة توقفت العملية حينها وانسحبت القوة الأمنية للقاعدة الجوية في الناصرية".

بالتأكيد ان خبرة جهاز مكافحة الارهاب وقدراته الاستثنائية يعكس الصورة الحسنة والمتقدمة للقوات العراقية التي تعتبر نموذجا في بناء الاجهزة الحيادية والبعيدة نسبيا عن تأثير السياسات الطائفية الأقصائية وقد مثل الجهاز في بنائه وقيادته مختلف شرائح الكفاءات العلمية والمهنية الميدانية وكذلك مثل مختلف ألوان الطيف العراقي وأنتماءاته المتنوعة, وقد قدم الجهاز في المعارك ضد داعش بحدود اكثر من 40% من قدراته لتحرير الأرض من داعش, وهو قادر بالتأكيد على حسم سريع لموقف ميداني ولوجستي كقضية اختطاف " سجاد العراقي ", ولكن بالتأكيد وعلى ما يبدوا أن سطوة العشائر وخاصة المتحالفة مع الأسلامويين السياسين يريد ان يخرج من العملية بالحفاظ على ماء الوجه وحماية "شرف" العشيرة من ألحاق العار بها بسبب عملية الأختطاف والتي قد تكون انجزت بتواطئ قيادات سياسية عشائرية, وبالتالي تحويل القضية الى قضية جنائية عادية فيها مجرم وضحية, وبعيدا عن التسميات السياسية لمن يقف وراء الأختطاف. وقد قامت بعض العشائر في الناصرية في تحدي بائس امام جهاز مكافحة الارهاب بأستعراض قواتها, ولكن الجهاز المتمرس في المناورات الميدانية اكثر حكمة من عقل متحجر.

 

 

بالتأكيد هناك من يتربص للأيقاع وألحاق الأذى بجهاز مكافحة الأرهاب, وخاصة من الأحزاب والمليشيات الأسلأموية وحتى من قوى سياسية طائفية متمرسة في التخريب والأختطاف, وفي واقعة اختطاف سجاد العراقي من مدينة الناصرية والتدخل السريع لجهاز مكافحة الأرهاب للأفراج عنه بدأت بعض القوى المليشياوية والمعروفة بجرائم الأختطاف في تحريض العشائر على جهاز مكافحة الأرهاب, ذلك الجهاز المهني والمحترف في الأداء والذي قاتل داعش وقدم خيرة منتسبيه شهداء لتحرير الأرض المغتصبة من داعش, نعتقد ان عملية تحرير سجاد العراقي لا تحتاج الى تدخل جهاز مكافحة الأرهاب بل الى قوى صغيرة حيادية, لأن الأختطاف هنا سياسي مليشياوي ويحتاج الى المناورة الذكية مع الجهة المختطفة, ما دام لحد الآن لايتجرأ الكاظمي على تسمية الأشياء بمسمياتها ولا يقدر على المواجهة المباشرة, وهناك سوابق لذلك حيث الضحايا بقوا دون تشخيص للمجرم القاتل والجهة التي تقف ورائه ومجرد وعود في ألقاء القبض على القتلة, ويعرفهم الكاظمي بعناوينهم الرئيسية ولكن تلك هي إشكاليات موازين القوى في مختلف المعالجات.

وبالتالي قد يتمكن جهاز مكافحة الأرهاب في ألقاء القبض على مختطفي سجاد العراقي والأفراج عنه, وهو احتمال وارد جدا, ولكن هل يشار الى جهة المختطف بوضوح كما يتمناها الضحايا, الى جانب أن تداعيات تدخل الجهاز في بيئة عشائرية ملغومة بالتحالفات السياسية المليشياوية والفساد قد يترك آثارا ومزاج سيكواخلاقي للنيل من مكانة جهاز مكافحة الأرهاب والتي بدأها عادل عبد المهدي في محاولته لتصفية قيادة الجهاز. أن التحريض المقصود على جهاز مكافحة الأرهاب سيعبد الطريق امام عودة داعش الأجرامي بكل ثقلها وعندها لم تستطيع المليشيات الكارتونية المسلحة " خفافيش الظلام " الدفاع عن نفسها, أما مهمة الدفاع عن العراق كوطن للجميع فهي حصريا تناط بتلك الأجهزة المهنية الحيادية التي تجد في الشعب حليفا ثابتا لها.

ما يجري لقضية الشاب العشريني "سجاد العراقي" الباحث عن لقمة العيش وهو خريج الكلية ـ قسم التاريخ يسري على غيره من ضحايا سلطة الدولة العميقة حيث الشهداء اكثر من 700 والجرحى تجاوزا 30 ألف جريح وفيهم من الاعاقات الدائمة وغير القابلة للعلاج الى جانب المغيبين والذين انظم أليهم الناشط المدني سجاد العراقي وقد تجاوزعددهم 150 مغيب, تلك هي مخرجات نظام المحاصصة الطائفية والاثنية الى جانب الفساد الاداري والمالي والاجتماعي الذي انهارت على  خلفيته الدولة العراقية ووصلت الى حد العجز والشلل التام..

 الدولة العراقية

بين هيبتها وتآكلها

 

د.عامر صالح

 

ما بعد سقوط الدكتاتورية في 2003 أنتقلت معاناة العراقيين من الحديث عن الدولة القمعية البوليسية المتمثلة بجمهورية الخوف والأضطهاد والحرمان والحروب الى الحديث والتساؤل عن هيبة الدولة وفقدانها, وأين هي الدولة عن مما يجري من انفلات وفوضى وقتل واهدار للمال العام والارواح, وأين هو القضاء العادل الذي يقتص من المجرمين والقتلة والفاسدين ولماذا الاساءة الى هيبة الدولة ولماذا هذا التراجع في دور الدولة الذي وصل في الكثير من مظاهر التدهور والانحلال وضعف السيادة الى حد الأضمحلال, الى جانب المطالب اليومية في استعادة هيبة الدولة رسميا وشعبيا, بل وحتى على ألسنة اعداء الدولة العراقية واستقرارها, لأن المساس بهيبة الدولة هو خط احمر مجتمعيا وعالميا, وبالتالي فأن اعداء الدولة بالأفعال, لا يستطيعوا الأفصاح عن عدائهم في العلن وبالأقوال بذلك, ولكنهم يسعون الى "دولة خفافيش" من طراز خاص في الخفاء.

تتعرض الدولة العراقية الى مخاطر داخلية وخارجية تهدد أنهيارها, وابرزها تلك المخاطر والضغوطات هو ارتهان العراق الى التطلعات غير المشروعة للدول الأقليمية والمجاورة: تركيا, ايران, السعودية والدول الخليجية الأخرى, منها الراغب في جعل العراق ساحة للصراع الامريكي ـ الأيراني, او سياسات التحريض الخليجي في ظل الصراع الأيراني ـ الخليجي وفي مقدمته الصراع السعودي ـ الايراني " وان اختلفت حدته عن الصراع الأمريكي الأيراني" على الأرض العراقية بسبب اختلاف اجندة الأحتواء وارتهان العراق لتلك الصراعات بفعل حجم التدخل الأيراني والامريكي الكبير في العراق, وبأختلاف حجم مشروعيته ودوافعه.

ومما يعزز تلك الصراعات الأقليمية والدولية هو هشاشة الجبهة الداخلية للعراق وفرقائه السياسيين الذين تجدهم مطابقين لأجندة الصراع الخارجي, فهم منقسمون الى حلفاء لتركيا في العلن والخفاء, وحلفاء لأيران, وكذلك من منهم حلفاء لدول الخليج المختلفة. تلك الجبهة الداخلية التي غذتها شدة الصراعات الطائفية السياسية والمذهبية والأثنية والقومية ما بعد 2003 وكرس استقطابها بنية النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية والاثنية, والذي ادى الى استنزاف الموارد والطاقات في عمليات فساد ونهب وقتل غير مسبوقة بتاريخ العراق والدولة العراقية وحروب داخلية وأهلية قائمة على العبث بمشاعر الانتماء المذهبي والقومي.

وقد بات للقاصي والداني أن العراق على مستوى المزاج السيكوسياسي الرسمي والجيوبولتيك مقسم الى ثلاث اقسام او اكثر متناحرة ومتصارعة على الموارد والنفوذ ولا تمت بأي صلة بمفهوم بناء العراق الموحد الفدرالي, حتى بات منطق( رئيس جمهورية ـ كردي, ورئيس وزراء ـ شيعي ورئيس برلمان ـ  سني) وما تحت تلك المناصب وما يتفرع عنها والتي لم ترد في الدستور العراقي, من أكثر الآليات نشازا وعقما لأعادة انتاج الصراع الأثنوطائفي السياسي ومأسسته واعادة تكريسه في كل دورة انتخابية تشريعية. 

من المؤسف وبعد مئة عام من تأسيس الدولة العراقية وما رافق ذلك من تحولات عميقة في البنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية وظهور ملامح راسخة لأزدهار نسبي للمدن العراقية وفي مقدمتها العاصمة بغداد كضرورة موضوعية لبداية اضمحلال للبنى الاقتصادية والاجتماعية المتخلفة السابقة, تعود العشيرة والقبيلة لتحل محل الدولة في عمل تراجعي تقهقري ومزودة بالمال والسلاح لفرض اجندتها في اعادة بث منظومة القيم والسلوك القائمة على احياء قيم الثأر والانتقام واضعاف منظومة القيم الاجتماعية الايجابية من خلال اضعاف دولة المواطنة, ومما يزيد الطين بلة دخول الاحزاب الحاكمة وخاصة المتأسلمة على خط الاستعانة بالعشيرة ودعم تسليحها في ادارة صراعها مع قيم الدولة والمجتمع المدني, واستخدام العشيرة في التعبئة الحشدية في العمل السياسي, حتى اصبح تحالف الأحزاب مع العشائر من اشد المخاطر التي تواجه استقرار البلد والمجتمع والدولة وتفككها وتقهقرها, واصبحت العشائر احد الحاضنات الخطرة للسلاح المنفلت الى جانب سلاح الميليشيات المنفلتة التي تستهدف الأضعاف المتواصل للدولة وتشكل معضلة الدولة العميقة في العراق.

 

مع ضعف الدولة العراقية وتدهور هيبتها وعدم مقدرتها على بسط سلطة القانون بعد ان سقطت مؤسساتها في عمل قسري من خارج الحدود عام 2003 وتزامن ذلك الأنهيار ليست فقط مع سقوط النظام الدكتاتوري الحاكم أنذاك, ولكنه أسقط فيه مؤسسات الدولة العراقية التي امتدت الى عهود تأسيس المملكة العراقية وبدايتها منذ عام 1921, وقد اختلف آداء هذه المؤسسات اجتماعيا وسياسيا وثقافيا واقتصاديا مع تعاقب الأنظمة السياسية المختلفة على الحكم في العراق وتباين فلسفاتها. أي ان الاحتلال الأمريكي للعراق لم يستهدف التغير النوعي لأداء مؤسسات الدولة العراقية, بل استهدف بنتائجه الميدانية تحطيم البنية التحتية المؤسساتية للمجتمع, والتي هي ثابتة نسبيا بأختلاف من حكم العراق.

 

وكان من جراء ذلك فقدان الأمن المجتمعي وتفكك الوحدة الجغروأثنية للعراق, فأنتعشت بسبب ذلك كل الاشكال المتخلفة للضبط الاجتماعي والسابقة للمدنية وفي محاولة منها أستغلال تأزم الاوضاع وخروجها عن السيطرة وانهيار مؤسسات الدولة ولتفرض نفسها بديلا عن الحياة المدنية ومؤسساتها المستقرة, وكان من تداعيات ذلك هو التشرذم الديني والمذهبي والاحتماء بالطائفة والمكون الاثني وتشديد قبضة العزلة والانكفاء الجغروطائفي والاثني وتعزيز دور الهويات الفرعية خارج اطار السياق الوطني الجامع, فأنطلق الارهاب الفردي والمنظم وشاعت التنظيمات المسلحة, من سلاح عشائر وسلاح مليشيات وعصابات اجرامية مختلفة تتخذ من من المناطقية والتمترس الجغرو اثني والمذهبي واجهات لفرض نفوذها كبديل عن الدولة وسلطة القانون والقضاء.

في ظل تلك الاجواء اشتد ساعد كل اشكال الضبط والسيطرة البدائية السابقة لنشوء الدولة, والتي اختفت او ضعفت في عهود وحقب سابقة للأحتلال الامريكي, بفعل التغيرات الجذرية في البنية الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية والساعية الى بناء نمط من الحياة المدنية بأختلاف طبيعة الأداء الفكري والسياسي لها. وفي ظل هذه الظروف كان حضور العشيرة وتصدرها مشهد الحياة اليومية ما بعد 2003 هو تحصيل حاصل لعملية التفكيك المنظم للبنى المؤسساتية للدولة والرجوع الى بنى اجتماعية سابقة تستند في قوامها الى الانتماء الجغرووراثي لأصول مجاميع من الافراد والعوائل ذات الروابط المحددة في الوراثة والنسل والقربى. 

ومنذ 2003 الى اليوم وبعد مرور 17 عاما على اسقاط النظام لم تستطيع الحكومات المتعاقبة في اعادة بناء الدولة وهيبتها, بل اعادت تكريس كل البنى الاجتماعية المتخلفة والتي تستهدف اضعاف الدولة وسلطة القضاء والقانون, وكان نتاج ذلك نشوء دولة عميقة قائمة على الفساد الاداري والمالي والسلاح والعصابات الاجرامية المنفردة والمنظمة والميليشياوية والعشائر المسلحة بمختلف انواع السلاح, وتستمد قوتها وبقائها من منظومة الاحزاب الحاكمة غير المؤمنة بالدولة. الدولة العميقة وسلوكها يدب اليوم في شريان الدولة العراقية الرسمية ويشد مفاصلها وينساب في كل قطاعاتها ولها هويتها السياسية والاقتصادية والادارية والثقافية ولها من يشرعن افعالها ويقتص من مخالفيها. إن الفساد المتمثلة في الدولة العميقة مكون يقظ وحذر ويملك جهاز مناعة ومقاومة لا نظير له يقيه من كل الضربات ومحاولات النيل منه، ويملك قوة تجديد ذاته أمام كثرة ضعاف النفوس والمغرر بهم والدجالين والمنتفعين، ومن يدور في فلكهم، وكل من يملك صبغيات وكيميا الانغماس في ملذاته، وقد يقوم بحرب استباقية ووقائية ضد كل من يتربص به, ولهم دينهم الخاص, فأخلاقهم عند الاقتراب منهم هي اخلاق داعش في السبي والتنكيل. في الدولة العميقة تنقلب الاخلاق والقيم والمقاييس, فالسارق لديهم مؤمن محصن والمظلوم معتدي على الحق العام.

ان دولة الفساد العميقة لها استراتيجية محكمة وقوة خارقة لهدم كل القيم النبيلة وزرع بدل ذلك قيم الحط من النفس ووضاعتها ونزع أي بذرة من الاخلاق واقتلاعها من جذورها، وتحويل الفرد الى كائن ذو نوازع مرضية لا يقدر قيمة العمل الا بمقدار التحصيل غير المشروع ويحاول ان يجد لنفسه تبريرات ومسوغات على ان الامر يندرج في خانة الاكراميات او الحق المشاع وليس في بند الرشوة او السرقة والاهدار وسوء الأخلاق، فيصبح الفساد واقع يومي معاش لا محيد عنه وممارسة اعتيادية ودارجة في السلوك اليومي بل وثقافة يومية وشجاعة من نوع خاص يمارسها جبان مختفي وراء طقوس واعراف مشوهة, وقد ابتلى العراق بمنظومة الفساد الاخلاقية المنحطة التي افرزتها قيم الدولة العميقة, وهي نفسها التي تمارس التزوير في الانتخابات البرلمانية والمحلية لأنتاج طغمة فاسدة تسعى لأعادة انتاجها وبقائها ولكي تلقى الدعم والبقاء رسميا.

اليوم عنما تحاول الحكومة العراقية الحالية بأعادة هيبة الدولة بمحاولات قد تكون متواضعة قياسا بحجم الأرث البغيض المتراكم فأنها مطالبة بالوضوح والجرأة والشجاعة وعدم الخوف من الدولة العميقة لأن الأخيرة لا يمكن ان تستسلم بسهولة ابدا ولكنها تحمل موتها في احشائها, وقد تستمر هذه المحاولات بين كر وفر ولكن الضمانة هو اتجاه الاحداث لأضعاف عناصر الدولة العميقة, من خلال المصداقية في محاربة الفساد وحصر السلاح المنفلت ووضع المليشيات تحت الحظر وتهديدها دوما لحين القضاء عليها, والتشديد على تطبيق قانون الاحزاب الذي يحظر اي حزب له مليشيات وفصائل مسلحة ومنعه من الدخول في العملية الانتخابية والسياسية بصورة عامة وسوقه الى القضاء.

أن محاولة الحكومة في ارساء ملامح هيبة الدولة والتي تقترب من الانهيار الكامل وفي لحظة ما, هو ان يجري العمل على تأكيد عدم المساومة بممارسة الدولة لوظائفها الأساسية والمتمثلة اولا بحفظ النظام وتطبيق القانون, وهي المسؤلة عن حفظ ارواح المواطنين وممتلكاتهم وبسط الأمن في ربوع البلاد والحفاظ على السلم الأهلي, وهي المسؤل الاول والوحيد في الدفاع عن الوطن وارض البلاد من الاعتداءات الخارجية والحفاظ على امنه من الاختراق الخارجي والداخلي وهي من يقرر سياسته الخارجية.

وكذلك في الميدان المالي والاقتصادي فهي من الوظائف الأساسيّة المنوطة بالدولة في هذا الجانب، وضع السياسة النقديّة العامة، وصك النقود، وتنظيم المؤسسات، والتعاملات الماليّة على أرض الدولة، وتحقيق الرفاه الاقتصادي للمواطنين، وتنظيم الأنشطة الاقتصاديّة في غالب الأحيان، ومن هنا فإن الدولة مسؤولة عن إنشاء العديد من المؤسسات الماليّة، والاقتصاديّة المسؤولة عن القيام بمثل هذه المهام.

وكذلك الوظيفة الدولية من أبرز وظائف الدولة تنظيم العلاقة بينها وبين الدول الأخرى، والتأسيس لشراكات حقيقيّة قائمة على تبادل المنافع، والتعاون المشترك من أجل تحقيق الأهداف المشتركة، فأي دولة تسعى للتطور والنهوض، تؤمن أنها ليست وحدها على هذه الأرض، وأن عليها السعي لبناء سمعة دوليّة طيبة, ولا يحق لأي حزب او فصيل او ميليشيا فرض اجندتها على سياسة الدولة الخارجية.

ان استعادة هيبة الدولة في كل المجالات هو عمل شاق وطويل الأمد و لكن التأسيس له بشكل سليم هو الضمانة الأكيدة لأنقاذ العراق من براثن الفساد المالي والاداري والسياسي عبر ألتماس أفق الاجراءات الحالية ومدى فعاليتها وحجم ردود الافعال من اقطاب الدولة العميقة الرافضة لهيبة الدولة واستقرارها ومعالجتها في الزمن المناسب, وبالتأكيد ان الانتخابات المبكرة مسبوقة باكمال تشريع المحكمة الاتحادية, وقانون انتخابات جديد, وتطبيق قانون الاحزاب, ومحاسبة قتلة المتظاهرين, وضمان عملية انتخابية نزيهة بعيدة عن تهديد السلاح, ورقابة أممية على سير الانتخابات, تشكل جميعها مقدمات لحسن النوايا في تغير الاوضاع خطوة نحو الافضل, عبر اعادة تشكيل موازين القوى السياسية لصالح بناء دولة المواطنة.

 
 

ماكرون وسيكولوجيا

الحنين( النوستالجيا )

 

د.عامر صالح

 

قام الرئيس الفرنسي بزيارة الى عاصمتين منكوبتين هما بيروت وبغداد,  الاولى بكارثة تفجير مرفأ بيروت الذي حول الى اكثر من 30% من العاصمة اللبنانية الى أنقاض وركام الى جانب فساد نظامها المافيوي, والثانية منكوبة في سياقات نظامها الطائفي والاثني من عدم الاستقرار السياسي والفساد الاداري والمالي وتفشي المليشيات المسلحة المنفلتة خارج القانون  ويشكل بعد الدولة العميقة في العراق الحاكم في الظل. وفي كلا الزيارتين تم الترحيب الشعبي والرسمي برئيس جمهورية فرنسا ماكرون, ولو في الحالة العراقية كان الاحتفاء الشعبي ليست كما هو اللبناني, وكان ذلك مرتبطا بقصر زيارة ماكرون الى بغداد وعدم تنقله او تجواله في مناطق بغداد كما فعل في بيروت, وبالتأكيد فأن روابط  لبنان مع فرنسا ذات عمق تاريخي, وكان الاحتفاء عراقيا بماكرون على المستوى الشعبي جرى عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشكل واضح, وهناك كالعادة سيل جارف من نظريات المؤامرة والتشكيك بنوايا ماكرون وكأن الحياة جنة في كلا العاصمتين وجاء ماكرون ليقلب عاليها اسفلها.

عكست زيارة ماكرون نموذجا من سلوكيات اللبنانين والعراقيين في الحنين الى الماضي وكانت اشد تركيزا في بيروت منه في بغداد, ولكن في بغداد اتخذت من رمزية ماكرون حنينا خاصا الى حقب عراقية سابقة لعام 2003. الى أي حد من الذل والظلم والأضطهاد الذي تمارسه الأنظمة" الوطنية " الحاكمة الجائرة بحيث يندفع المواطن الى الأستغاثة بالمحتل ويبكي بين يديه ويطلب منه عودة الأحتلال من جديد او وضع بلاده تحت الوصاية الدولية في محاولة للخلاص مما اصابه من احباط ويأس, انها مفارقات زمن فساد الانظمة المتعفنة التي تدفع مواطنيها في لحظة ما الى الخلاص او الاستعانة بالشيطان في تلمس أفق المستقبل. بالتأكيد انه حالات من الحنين او عودة الى الماضي مؤطرة بقساوة الحاضر وشراسته, وهي حالات يطلق عليها سيكولوجيا ( نوستالجيا ) او سيكولوجيا الحنين الى الماضي. 

يعود أصل كلمة نوستالجيا إلى اليونانية، فكلمة نوستوس تعني العودة للوطن وكلمة ألغوس تعني الألم، وعلى الرغم من كون الكلمة حملت معنى تاريخياً سلبياً مرتبطاً بالمشاعر الجارفة نحو العودة للوطن، والتي كان يعيشها المغتربون والبعيدون عن عائلاتهم وأوطانهم، إلا أنها مع الوقت اكتسبت معنى جديداً في علم النفس؛ وهو الحالة النفسية التي يشعر فيها الإنسان بالحنين للعودة لمرحلة أقدم من حياة الإنسان؛ إلى طفولته وشبابه وأيامه التي خلت, وكذلك الحنين الى العودة الى حقب وازمنة تاريخية سلفت, وقد يكون الحنين فرديا, اي ان الشخص يحن الى ماضى من احداث او امكنة او الى زمن بكامله, وعلى المستوى المجتمعي او الجماعي فهي مؤشر ان هناك دلالات غير مطمئنة في الحاضر.

وعلى المستوى الفردي فأن الحنين اذا بقى في حدوده الطبيعية فأنه مؤشر ايجابي وممكن ان الشعور في الطمأنينة ويخرج الفرد من حالة الحزن ويجعلها اكثر خفة,كما يعتبر التفكير في الماضي طريقة للتأقلم مع مخاوف المستقبل المتعلقة بسؤال الموت والخلود، وسؤال أهمية الحياة وجدواها, كما تربط النوستالجيا الفرد بالآخرين. ففي العادة ما يكون التفكير بالماضي وأحداثه وتجاربه مليئاً بذكرى الأماكن والروائح والموسيقى التي تكون غالباً مرتبطة بأشخاص معينين، مثل أصدقاء الطفولة وشخصيات مؤثرة التقيتها في العمل الأول والمدرسة والرحلات, وفي احيان كثيرة فأن الحنين الفردي احد مصادر التفريغ لأنفعالات الحاضر مما يبعث نسبيا على الشعور بالدفئ, وحتى كتابة مذكرات الماضي يبعث نوعا من الدفئ العاطفي وحتى الجسدي في لحظات الحاجة القصوى لذلك.

 اما على مستوى الجماعات البشرية او المجتمعات المحلية فهي محاولة الهروب الجماعي من الحاضر،تحت وطأة واقع يعاني ولادات متكررة وصعوبات بالغة الأثر ورداءة ظروف العيش الحاضر. ان أكثر ما يميز النوستالجيا الجماعية في واقعنا وخاصة العراقي هو الحنين الى عودة البعث والحنين الى عودة الملكية او تمنيات بعودة الجمهورية الاولى,  وجميعها تفسر انتكاسة الحاضر, فلا الملكية كانت كما في اذهاننا الحاضرة نموذج السعادة, ولا البعث بمصائبه وكوارثه كان مطمئننا, ولم تكن الجمهورية الاولى نموذجا بدون اخفاقات وارهاصات مختلفة وكانت سبب في انتكاستها. ولكن ما يجري في المجتمع العراقي هو حنين مشروع بيمكانزمه كتعبير عن الاخفاق المستديم ولكن محتوى الحنين يعبر هو الاخر عن صور مشوهة من الواقع وهو اشبه بعملية تدوير النفايات بفعل عوامل اليأس والقنوط وقد تكن الصورة مطابقة للجموع اللبنانية, رغم فرط العواطف الى جانب ماكرون في حالة بيروت, حيث بقايا العمق الثقافي حاضرا في التواصل مع باريس.

حالة الحنين في العراق الى مرحلة سابقة بما فيها الحنين الى المحتل او الى الزائر الفرنسي فهي تجسد بعمق افلاس النظام السياس ما بعد 2003 وعدم مقدرته في حل المشكل السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتمترسه في الاطر الطائفية والمذهبية والاثنية المتخلفة وغياب دولة المواطنة الى جانب الفساد الاداري والمالي والاخلاقي الذي افقر الشعب خلال سبعة عشر عاماو وعملية سياسية ديمقراطية قائمة على التزوير وشراء الذمم والتهديد والافساد في كل قطاعات المجتمع, كل ذلك شدد من قبضة الحنين لمختلف الازمنة وتمني عودة السيئ بأعتبار الحاضر اسوء, وبالتأكيد انها آلية لا تفضي الى الحل وفقا لظروف العصر والحياة المتجددة, ولكن هذا الحنين يحمل في طياته قدرة استثنائية للخلاص من الظلم والتعسف والجور بأعتبار ذلك آلية خاتمة المطاف وقد جسدتها انتفاضة الاول من اكتوبر التي اندلعت في العام الماضي بوضوح بعد استنفاد كل سبل الاصلاح من داخل بنية النظام المحصصاتي.

 

 

لماذا التحذير من

الحرب الأهلية في العراق

ـ ملاحظات سايكواجتماعية

 

د.عامر صالح

 

طالما حذر العقلاء من سياسي العراق والحريصين على مستقبله من الحرب الأهلية, او من عمليات العنف والعنف المتبادل, لأنها بالنتيجة النهائية ستعقد اي حل مرتقب لأزمة الحكم في العراق, كما انها تزيد الخراب بمزيدا من الخراب وتفقد بصيص الأمل في العثور على حل للمشكل السياسي والاقتصادي والاجتماعي, الى جانب ما تؤديه تلك الحروب الى مزيدا من الخراب والدمار في البنية التحتية للبلاد أو ما تبقى منها وتضعف النسيج الاجتماعي العراقي وتهشمه, وقد تعرض المجتمع العراقي ما بعد 2003 الى المزيد من محاولات دفعه صوب الحرب الاهلية الشاملة وتكريس تمترسه الطائفي والاثني على حساب وحدة المجتمع وسلامة تنوعه الديني والمذهبي والعرقي بمكوناته المختلفة. والتجارب العالمية والعربية في الحروب الاهلية او استخدام العنف والعنف المتبادل على نطاق واسع تؤكد طيلة استمرارها لا يوجد فيها طرف رابح, وبالتالي لا يوجد غير لغة الحوار بديلا عن لغة السلاح لتجنب المزيد من الكوارث الاقتصادية والاجتماعية والانهيارات الكبرى غير المتوقعة.

وبالتأكيد عندما نتحدث عن لغة الحوار بين اطراف النزاع لا يعني هذا العمل على قاعدة"عفى الله عما سلف" أو" تصفير للمشاكل" لأن مظلة الحوار بين اطراف الصراع يفترض ان يكون القانون والقضاء وسيادة الدولة وهي الثوابت التي تجري في ظلها كل التسويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية, وان الاستمرار في غياب أجهزة الدولة المسئولة عن إحقاق العدالة وفرض القانون وهيبته على جميع شرائح المجتمع بدون تمييز ستعزز ثقافة التشرذم والانتقام والثأر وتزيد من تغول المجموعات المتناحرة السياسية الحاكمة على النفوذ والموارد والسلطة في ظل زيادة التمترس حول القبيلة والعشيرة والطائفة لحماية مصالحها التي تقف ضد استقرار الدولة وسلطة القانون.

قد يكون خيار الحرب الأهلية او الدفع بأتجاهها والتملص من الحساب والقصاص المجتمعي هو خيار المليشيات المسلحة التي يضيق الخناق عليها مع مرور الوقت ومع الدعم المجتمعي والعالمي لخيار الانتفاضة السلمي, وتزايد مطالب المجتمع الدولي في محاربة مجرمي المليشيات الحاكمة قتلة المتطاهرين السلميين, وبالتالي ترى المليشيات الحاكمة في الظل فرصتها الوحيدة للهروب من العقاب المجتمعي والقانوني هو الدفع بأتجاه خلط الاوراق والوصول الى الذروة في اعلان الحرب الأهلية وهي محاولة بائسة لمساواة المجرم القاتل بصاحب القضية العادلة. نعم الحرب الأهلية اعلنت من طرف واحد وهي المليشيات المسلحة او ما يسمى بالطرف الثالث بأرتكابها عمليات قتل لأكثر من 700 متظاهر سلمي وجرح اكثر من 30 ألف مواطن من بينهم المئات من الأعاقات الدائمة, وكذلك تغييب اكثر من 130 ناشط مدني وكادر اعلامي وصحفي.

معهد السلام العالمي، وهو معهد أمريكي مستقل يتخذ من مدينة نيويورك مركزا له ويعمل على منع الصراعات بين الدول وضمن الدول نفسها، قام بإعداد دراسة موسعة لجميع الحروب الأهلية التي حظيت باهتمام مجلس الأمن الدولي على مدى عقدين من السنين. ووضع في ضوء ذلك بعض المعايير للحكم على طبيعة النزاعات وتصنيفها، وقد ورد تعريف للحرب الأهلية يتلخص في أنها "صراع مسلح يشترك فيه طرفان أو أكثر، يسقط فيه ما لا يقل عن 500 قتيل سنويا، وتكون الحكومة القائمة الطرف الرئيس في هذا الصراع". وقد أولى المعهد اهتماما للحروب الأهلية التي قد تستمر سنوات عديدة قد تهدأ فيها أحيانا، واعتبر أن هذه الحرب تعتبر نشطة وقائمة متى تخللتها معارك دموية، لا يقل عددها عن خمس وعشرين معركة خلال سنة. وفي ضوء تلك المعالجات فأن حالة الحرب الاهلية في العراق هي معلنة من طرف واحد قد يكون حكوميا أو مليشيات الدولة العميقة وبما سببه من ضحايا منذ الاول من اكتوبر الماضي الذي اندلعت فيه الاحتجاجات المطلبية.

 

معالجة الوضع السياسي العام في العراق لا يحتمل اعلان حرب اهلية من قبل المحتجين السلمين الذين قدموا التضحيات الميدانية الكبيرة لأغناء وترسيخ المفهوم السلمي للحركات الاحتجاجية, وان هناك من يدفع بأتجاهات لجعل انتفاضة اكتوبر انتفاضة مسلحة وتلك اجندة تلحق الضرر بالسلم الاهلي الذي يعاني اصلا من تلكأءات كبيرة ومن بقايا حقب الحرب الاهلية ما بعد 2003 وخاصة ان موازين القوى ومستويات التنظيم الميداني لازالت غير راجحة لجانب المحتجين. وبالتالي أن جوهر الضغوطات الجماهيرية المشروعة بعد اسقاط حكومة عادل عبد المهدي تجري التركيز على ما يلي والذي يسبق اجراء الانتخابات المبكرة:

أقرارالقانون الانتخابي: وهو من اختصاص مجلس النواب وقد تم التصويت على أغلبية مواده، وان المتبقي تحديد عدد الدوائر وعدد المقاعد المخصص لكل دائرة، والتي هي محل شد وجذب بين الكتل السياسية حتى هذه اللحظة. وحسب تقديرات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، لابد من إقرار القانون الانتخابي قبل ستة أشهر من الموعد المحدد للانتخابات، لغرض توفير المواد اللوجستية.

تعديل قانون المحكمة الاتحادية: لقد أصبح تعديل قانون المحكمة الاتحادية حاجة ملحة بعد الاختلال في قوامها، لغرض إعادة النصاب لاجتماعاتها، لأنها هي المعنية بالمصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب، وفق (الفقرة سابعاً، المادة 93 من الدستور العراقي).

حل مجلس النواب: لا يمكن الحديث عن الانتخابات العامة المبكرة دون الاتفاق بين الكتل السياسية على حل مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، بطلب من ثلث أعضائه أو من قبل رئيس مجلس الوزراء وموافقة رئيس الجمهورية، وان يكون ذلك قبل شهرين من السادس من حزيران إذا اتفقت الكتل السياسية على هذا الموعد، ليتسنى لرئيس الجمهورية الدعوة للانتخابات العامة المبكرة، وفق (الفقرة ثانيا، المادة64 من الدستور).

تطبيق قانون الاحزاب السياسية: لقد تم إصدار قانون الأحزاب منذ 2015 دون إجراءات حقيقية لتفعيله، وقد جاء ضمن المنهاج الوزاري: التطبيق الكامل لقانون الأحزاب وهو من اختصاص الوزارة والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات وكذلك ديوان الرقابة المالية وأيضا يقع من مهام مجلس النواب المعني بالرقابة على أداء هذه المؤسسات. لضمان الحد المقبول من تكافؤ الفرص بين الكيانات السياسية عند خوض الانتخابات.  

نزع سلاح المليشيات السائبة والسيطرة على السلاح المنفلت والاستعانة بالمنظمات الدولية لمراقبة الانتخابات وتوفير بيئة آمنة للناخبين الى جانب الجرأة الحكومية في الاعلان عن قتلة المتظاهرين وبما يسهم في خلق مزاج مطمئن للناخب ورسالة للمواطنين ان الحكومة قادرة على اتخاذ قرارات مصيرية تبعث الامل وتؤسس لنظام سياسي جديد يعبر عن ارادة المواطن بعيدا عن التزوير والتهديد وسلب ارادة الناخب.

ان مشكلات العراق الاقتصادية والاجتماعية السياسية والمتراكمة لعقود لا يمكن حلها بحرب اهلية تحرق الأخضر واليابس وتضيع بصيص أمل التغير, وناهيك عن انخفاض اسعار النفط وتداعياته الاقتصادية والمالية الخطيرة على البلاد الى جانب جائحة كورونا وعجز القطاع الصحي عن التخفيف من هول الوباء, فهناك وبالارقام فقط بعيدا عن التفاصيل ما يعكس عمق ازمة مجتمعية تحتاج الى معالجات شاملة:

3 ملايين و400 الف مهجر موزعين على 64 دولة. 4 ملايين و100 ألف نازح داخل العراق. مليون و700 ألف يعيشون في مخيمات مختلفة. 5 ملايين و 600 ألف يتيم ( اعمارهم بين شهر ـ 17 سنة ). 2 مليون ارملة أعمارهن بين 15 ـ 52 سنة. 6 ملايين عراقي لا يجيد القراءة والكتابة وفي مقدمة المدن التي منتشرة فيها هي: البصرة وبغداد والنجف وواسط والانبار. نسبة البطالة 31% وفي مقدمة المدن: الانبار والمثنى وديالى وبابل في الصدارة تليها بغداد وكربلاء ونينوى. 35% من العراقيين تحت خط الفقر(اقل من 5 دولار يوميا). 6% معدل تعاطي الحشيش والمواد المخدرة ( بغداد في الصدارة تليها البصرة والنجف وديالى وبابل وواسط). 9٪‏ نسبة عمالة الأطفال دون ١٥ عاماً. انتشار 39 مرض ووباء ابرزها الكوليرا وشلل الأطفال والكبد الفايروسي وارتفاع نسبة الإصابة بالسرطان والتشوهات الخلقية. توقف 13 ألف و 328 معملا ومصنعا ومؤسسة انتاجية. تراجع مساحة الاراضي الزراعية من 48 مليون دونم الى 12 مليون دونم. استيراد 75% من المواد الغذائية و91% من المواد الاخرى. التعليم الاساسي في اسوء حالاته( 14 ألف و658 مدرسة, تسعة آلاف منها متضررة و 800 طينية والحاجة الى ألف مدرسة جديدة). الديون العراقية اكثر من 124 مليار دولار من 29 دولة. بلغت مبيعات النفط للأعوام ( 2003 ـ 2016 ) الف مليار دولار لم تسهم في حل اي مشكلة من مشكلات المجتمع العراقي, بل هناك تقديرات بأن مابلغ من اهدار للمال بلغ 1400 مليار دولار.

الوعي في القضايا المصيريه واتخاذ موقف منها محددا هو ليست سلوك فطري تحمله لنا الوراثة البيولوجية على نسق ما نولد به من صفات جسميه بل انه سلوك وموقف عقلي وفكري يتربى عليه المرء والمجتمع من خلال زرع منظومة قيمية صالحه تكون مخرجاتها النهائية هو تشكيل وعي محدد اتجاه الوطن والمواطنه وادراك حجم المخاطر التي تهدد البلاد وما يتبع ذلك من سهولة وانسيابية في تشكيل رأي عام يصب في مجمله في التعبئة الوطنية الصالحة ووفقا للأمكانيات المتاحة وخلق حالة من التلاحم بين الشعب والحكومة الحالية بما يعزز تماسك الجبهة الداخلية.

في العراق وحيث الجبهة الداخلية تعاني من تصدعات كبرى على مستوى السياسة والأقتصاد والمجتمع وحيث معاناة الشعب وعدم اشباع الحاجات الأساسية التي تشكل بدورها الحد الأدنى من ضرورات تشكيل المناعة الصالحة, نجد اليوم خلاف حاد حول اولويات المواطن العراقي في حياته اليومية وخاصة عندما يرى الفساد الأداري والمالي ينخر في السلطات الحاكمة ومؤسسات الدولة والمجتمع, ولا اريد هنا اعادة التذكير بعقود سبقت سقوط الدكتاتورية والتي أخلت بمفهوم الأنتماء للوطن والمواطنة ومن تأصيل لقيم الدكتاتورية والقمع وربط كل المفاهيم الوطنية بشخص قائد الضرورة فهو الفلتر الأساسي للمنظومة الأخلاقية والقيمية وهو المحك والمصدر الأساسي في الرضى وعدمه ومنه تشتق مفاهيم ماهية الدفاع عن الوطن وتعريف المواطنة وتحديد الأصدقاء والأعداء, في وسط هذا التراكم وتراكم ما بعد سقوط النظام يرى المواطن العراقي نفسه في قلق وجودي يتمثل في فوضى الحاضر وغياب المستقبل الى جانب عدم ثقته في النظام السياسي الحالي. كل هذا التراكم يعزز من صراع الأقدام والأحجام في المواقف المصيرية. 

الطريق للتغير الايجابي ليست سهلا لأن طبيعة وبنية السلطة في العراق واحزابها القائمة على الهويات الفرعية وليست على فكرة المواطنة والولاء للوطن لن تؤمن بالتدوال السلمي للسلطة وديمقراطية الانتخابات, وترى في صناديق الاقتراع وسيلتها للاستحواذ على السلطة والانفراد بها, وبالتأكيد ستتشبث القوى القديمة البالية في البقاء والعناد وسوف تلجأ الى كل الخيارات غير النزيهة لتغير وتشويه مسار ونتائج وعملية الاقتراع, طبعا الى جانب عبثها الحالي بتوقيتات اجراء الانتخابات مبكرا والتحايل على القوانين ذات الصلة, ولكن انها فرصة شعبنا لخوض غمار تجربة الانتخابات لتغير موازين القوى السياسية والبدأ في عملية اعادة بناء النظام السياسي على اسس من العصرنة والديمقراطية الحقة.

 

 

 

 

في سيكولوجيا الدفاع عن النفس...

حذاري من أراقة الدم العراقي

 

د.عامر صالح

 

بات المشهد العراقي اليومي أكثر دموية حيث ضحايا الأحتجاجات التي بدأت في الاول من اكتوبر من العام الماضي بتزايد مستمر وبأنتقائية اجرامية للضحايا, حيث الضحايا من النخب الميدانية والقيادية لأحتجاجات اكتوبر وايضا من الكوادر الطبية والهندسية والتدريسية والاعلامية التي انخرطت في الحراك الاجتماعي دفاعا عن المطالب المشروعة للشعب في الحياة الحرة الكريمة, من خدمات اساسية: صحة وكهرباء وتعليم وفرص عمل, الى جوانب الدعاوى الشرعية في اعادة بناء خريطة النظام السياسي المحصصاتي والطموح المشروع للأنتقال به الى نظام المواطنة الصالحة بعيدا عن الانتماءات الفرعية المذهبية والدينية والمناطقية والعنصرية والشوفينية التي ارهقت العراق وأفلسته خلال 17 عاما وأركنته مع مصافي الدول المعوقة والفاشلة وجعلت شعبه يعاني الأمريين, من بؤس وفقر وجوع وفساد أضاع ثروات العراق ومستقبله وكرست ملامح حاضر تعيس ورسمت ملامح مستقبل غامض عديم الأفق والاستقرار الانساني.

 

قبل وبعد زيارة رئيس الوزراء العراقي الى الولايات المتحدة الامريكية ازدادت موجات العنف ضد المتظاهرين السلميين, وازدادات معها موجات صواريخ الكاتيوشا الموجهة الى المنظقة الخضراء والى معسكرات الجيش العراقي المختلفة والتي يتواجد في بعض منها أمريكان, وهي كما معروف وسائل ضغظ ليست دبلوماسية بل عسكرية وهدفها واضح للضغط على رئيس الحكومة العراقية للتحاور مع الامريكان كي تنسحب من العراق وتهديد ضمني للكاظمي أنه في حالة عودتك الى العراق ولم تنسحب القوات الامريكية ستكون الارض تحت اقدامك جحيم" من مزيدا من الصواريخ الكاتيوشوية الى مزيدا من قتل المتظاهرين السلميين وتحميلك مسؤولية دمهم المراق" وبما أنك مسؤول مخابرات سابق فأنك تتحمل مسؤولية قتلهم لأنك تعرف بكل شاردة وواردة, وبالتالي خلط الأوراق على الكاظمي ووضعه في موقع المجرم القاتل والمبارك لبقاء القوات الأمريكية. تلك هي لعبة سوداء يجيدها من يسعى الى اللااستقرار في العراق, بل ويجيدها من أتى ودعم مجيئ الكاظمي للخلاص من الضغظ الجماهيري للأفلات من العدالة, ثم التنصل عنه ووضعه في موضع الضعيف وغير القادر على الخروج من مأزق البلاد وتحميله كل اخفاقات الحكومات السابقة. 

 

أن كل هذه التكتيكات من ضرب القوات الأمريكية، واستخدام البرلمان والحلفاء السياسيين لإصدار قرارات، واستهداف المتظاهرين والاختطاف والجريمة المنظمة، وإيجاد جيوش إلكترونية تثير الهلع والرعب وتبث أخبارا كاذبة، كلها الغرض منها خلق حالة من الاضطراب؛ للضغط على صانع القرار السياسي بالعراق والحكومة العراقية بشكل خاص وحرف مسارات حوار بناء يستجيب للمصلحة العراقية في ظروف صعبة وتهديدات خارجية وداخلية ماثلة امام العراق, ولكن هذه المجاميع تستجيب لأمزجة ومصالح آنانية ضيقة وتستجيب لضغوط اقليمية خارج اطار المصلحة الوطنية العراقية. أن الجماعات المسلحة التي تستهدف الأمريكيين تدرك أن الوجود الأمريكي أكبر بكثير من أن تجعل الولايات المتحدة تغير من منظومة تحالفاتها بضربات متفرقة من صواريخ كاتيوشا، لذلك هم يريدون الضغط على الحكومة العراقية الضعيفة أصلا بطبيعة نشأتها وعدم وجود كتلة برلمانية واضحة تدعمها وعلى طريق اسقاطها.

 

في هذه الملابسات المعقدة وفي هذا التوقيت الصعب يجري خلط الاوراق وزج المحتجين السلميين في آتون الصراع بين الحكومة والميليشيات المسلحة, واستخدام الأخيرة وعلى نطاق واسع تهم التخوين والعمالة للمحتجين وفبركة مختلف الحجج والروايات للتغطية على الاعمال الاجرامية والقتل التي تستهدف ناشطي الاحتجاجات ورموزهم القيادية, وهي لعبة مزدوجة, تستهدف التخلص من القيادات الميدانية للأحتجاجات الى جانب احراج الكاظمي واضعاف قدرته في اتخاذ خطوات جريئة وملموسة لفضح ما يدور حوله من تحالفات سياسية برلمانية غير نزيهة وشل قدرته على اتخاذ اي قرارات تفضح دور الدولة العميقة ودورها التخريبي في استقرار العراق.

 

أن تهم العمالة للسفارات الاجنبية وخاصة الامريكية منها هي من اسهل التهم لشرعنة قتل المحتجين بشكل يومي واستباحة دمائهم وتيتيم اطفالهم وترمل زوجاتهم والعبث بمستقبل الأسرة العراقية. وتجربة ما بعد 2003 تؤكد لنا من هو العميل, الذي بارك المحتل وصفق له وفرح لقدومه للخلاص من الدكتاتور دون حسبان لعواقب الاحتلال, وكان جزء من التحركات المكوكية للمحتل في صياغة النظام الطائفي والاثني البغيض والذي فرح لقوات الاحتلال الامريكي بما تفعله في العراق من تحطيم لمؤسسات الدولة والمجتمع بواجهة الخلاص من الدكتاتورية, أم أن العميل هو المحتج السلمي والراغب في اصلاح النظام السياسي وانتشاله من مستنقع الطائفية والاثنية المحصصاتية والفساد الاداري والمالي والداعي الى خروج القوات الاجنبية من العراق في أطر مقننة تضمن سلامته.

 

منذ اسبوع والمليشيات السائبة وحملة السلاح المنفلت يسرحون ويمرحون في البصرة وبغداد والناصرية وغيرها من المدن المحتجة ويستبيحون الدم العراقي في وضح النهار وبكل صلافة وسقوط اخلاقي, انه استمرار لمسلسل القتل والأغتيالات الذي اشتد منذ الأول اكتوبر من العام المنصرم, وقد عجزت الحكومات عن تحديد هوية القاتل وسوقه للعدالة او تغافلت عن تحديد هوية القاتل لأسباب متعددة ومتشعبة ولكنها غير مبررة بكل الأحوال, وأمام هذا العجز الحكومي قد يضع المحتجين امام خيار حمل السلاح للدفاع عن النفس والرد على اطلاق النار بأطلاق نار مقابل ومشروع في اطار الحق العام للدفاع عن النفس بما يكفله الدستور والقانون, وقد بدأت بوادر ذلك لدى احدى الناشطات في البصره في الدفاع عن نفسها ضد محاولة اغتيالها. تلك ليست دعوى لحمل السلاح من قبل المحتجين ولكن سياق الأحداث قد يفرض مختلف الخيارات للدفاع عن النفس في ظل العجز والشلل التام للحكومات المتعاقبة في وضع حد لقتل الأبرياء وبالتالي فلكل فعل تراكمي ردة فعل مساوية له.

 أشكالية السياده العراقية تتحملها جميع الأطراف الدولية والأقليمية والداخلية السياسية والطائفية وان انتهاك الدولة وسيادتها يجري يوميا, وبكل الأحوال لا يجوز تبرير قتل العزل وممارسة الأغتيالات ويفترض بدولة مستقرة وقضاء مستقل قوي يبت في كل الأشكاليات بعيدا عن التصفيات الجسدية. وليست من الأنصاف والعدل والاخلاق ان نضع المسؤولية برقبة المواطن كي يدفع حياته ثمنا لمطالبته بحقوقه اما الخوض في التفاصيل وفرز الطالح من الصالح فلا تحله لغة السلاح.

 ان الحاجة لتجنب الألم و الخطر حاجة فطرية بيولوجية يشترك بها الإنسان مع بقية الكائنات الحية في سلم التطور البيولوجي ، أذ يخلق الإنسان و هو مزود ببعض الأساليب التي تمكنه من الابتعاد عن ما يؤذيه و يسبب له الضيق ، و قد نشاهد بداية هذا السلوك لدى الإنسان في مرحلة الرضاعة ، و يظهر في صراخ الوليد و بكائه والتي تشكل احتجاجاته البدائية الأولى ، أو عندما نكبل الطفل بوسادة أو يدنا على وجهه فسرعان ما يدفعها بيديه او حركة رأسه لتجنبها أو دفعها بعيداً عنه . و هكذا مع نمو الإنسان و احتكاكه مع الآخرين من أفراد الأسرة و الأصدقاء و المجتمع واندماجه لاحقا بالنظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ، يطور الإنسان هذه الحاجة بتعلم الكثير من السلوك الذي يساعده في الدفاع عن نفسه ضد ما يعترضه من مثيرات خطرة و مؤلمة, سواء في بيئته الأصغر أم الأكبر ، و يظهر ذلك في اهتمامه بتحسين ظروف وجوده من خدمات انسانية تليق بأنسانيته.

 الأحباط في اشباع الحاجات الاساسية يدفع الفرد الى المزيد من الخيارات جراء الكبت المتواصل وفي ظل غياب سلطة القانون او ضعفها وتدهورها وعدم مقدرتها الاستجابة للمطالبه المشروعه في البقاء الطبيعي, بل وتهديد وجوده بالقتل والتصفيات الجسدية, فمن حق الانسان للدفاع عن نفسه في درء الاخطار التي تهدد وجوده كعضوية بيولوجيةـااجتماعية, وقد كفلت الشرائع السماوية والوضعية حق الدفاع عن النفس ضد المخاطر المجهولة التي تهدد حياته. وقد جاءت المادة (42) من قانون العقوبات العراقي متضمنة الشروط الواجب توافرها لقيام حالة الدفاع الشرعي كسبب من أسباب الإباحة قائلة : (لا جريمة ان وقع الفعل استعمالا لحق الدفاع الشرعي) ويوجد هذا الحق اذا توافرت الشروط الأتية :

1ـ اذا واجه المدافع خطر حال من جريمة على النفس او على المال او اعتقد قيام هذا الخطر وكان اعتقاده مبنيا على أسباب معقولة.

2ـ ان يتعذر عليه الالتجاء الى السلطات العامة لاتقاء هذا الخطر في الوقت المناسب.

3ـ ان لا يكون أمامه وسيلة أخرى لدفع هذا الخطر. ويستوي في قيام هذا الحق ان يكون التهديد في الخطر موجها الى نفس المدافع او ماله او موجها الى نفس الغير او ماله. يتبين من دراسة هذا النص انه يتضمن نوعين من الشروط الأول منهما يتعلق بالخطر المراد رده والدفاع عنه والثاني يتعلق بفعل الدفاع.

 أباحة الدم العراقي والذي يهدر أمام قضاء غير مستقل واجهزة امنية غير مهنية نسبيا وعليها ملاحظات كثيرة بفعل تركيبتها التي تعكس طبيعة النظام المحصصاتي الفاسد والتي لا تستطيع حماية المواطن وعدم المقدرة عن الكشف عن الجرائم المرتكبة بحقه, فأنها تضع شعبنا وطلائعه المحتجة امام مسؤولية كبيرة في الدفاع عن النفس ومقارعة المليشيات والعصابات المستهترة بكل الوسائل الممكنة في اطار مشروعية الدفاع عن النفس بما يكفله القانون الدولي والوطني.

 لقد اثبتت تجربة اكثر من 17 عاما من الحكم بعد 2003 أن القوى المليشياوية وذات العقائد المتحجرة لا تؤمن بالديمقراطية ولا بالتداول السلمي للسلطة, بل انها تستخدم الديمقراطية وفسحة الحرية المتاحة للأيغال في القتل والقمع والاختطاف لشعب اعزل, وبالتالي فأن مشروعية الدفاع عن النفس تكتسب شرعية قانونية وانسانية واخلاقية لردع تلك العصابات المتمردة على الدولة وعلى السلم المجتمعي, وبالتالي يصبح أمر ازاحتها من المشهد السياسي واجب وطني واخلاقي. ولعل في المهمات القادمة لحكومة الكاظمي ما يحمل في طياتها من انتخابات مبكرة, وسن قانون انتخابات عادل, وتشكيل مفوضية انتخابات نزيهة عادلة وسن قانون المحكمة الاتحادية واستكمال نصابها, الى جانب ضرورة التنظيم الذاتي للمحتجين والارتقاء بمستوى أدائهم, والمشاركة الفعالة في الانتخابات القادمة المبكرة الى جانب الدعم المعنوي لمصطفى الكاظمي لتشجيعه في تشكيل جرأة استثنائية لخوض المعركة القادمة ضد الفساد والمفسدين ولعل القادم افضل.

 في سيكولوجيا حنين بيروت

الى المحتل الفرنسي الذي

يشبه حنين بغداد

 

د.عامر صالح

 

كانت التفجيرات في مرفأ بيروت ليست حدثا لوجستيا فقط أشاع الخراب فيما حوله وعطل الحياة اليومية بالكامل وأرجعها الى عقود مضت او عودة الى اللاحضرية وتقهقر بيروت الى حياة بدائية سبقت تألقها في محتلف مجالات الحياة الادبية والثقافية والعمرانية والسياسية, بل انه نكوص في الحضارة المادية وما تفرزه من نكوص سيكولوجي يعود بالتفكير الى مراحل سبقت نهضة بيروت الجميلة واستقلالها من الاحتلال الفرنسي, ولكن لا توجد فنتازيا مبتذلة خارج فهم الظروف الموضوعية التي انتجت انساق من التفكير الغرائبي الذي يدفع بأتجاه العودة الى الماضي.

على الرغم من انتهاء الانتداب الفرنسي على لبنان عام 1943 وانسحاب آخر جندي عام 1946 بعد أكثر من 20 عاما من الاحتلال، ترددت أثناء جولة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حي الأشرفية اللبناني، أمس الخميس، هتافات باللغة الفرنسية التي يجيدها اللبنانيون جيدا تقول: "تحيا فرنسا"، كما كانت هناك دعوات بعودة الانتداب الفرنسي، تأكيدا على عدم الرضا عن النظام الحالي, وهناك ألحاح شعبي يطلب بعدم تسليم أي مساعدات دولية الى الحكومة اللبنانية مباشرة لأنها" كما يقول البيروتيين " ستسرقها كما هي في سابقاتها من المساعدات, فهل الشعب اللبناني المعروف بحسه المرهف وفطنته كان غبيا في مطالباته !!.

لقد عانى الشعب اللبناني كثيرا، وتغلب على الكثير من المآسي من قبل، ابتداء من المعارك الضارية بالوكالة إلى حرب أهلية كارثية دمرت وسط بيروت. وأظهر الشعب اللبناني قدرة فائقة على التحمل؛ لكن يبدو أن صبره نفد الآن، خاصة بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت يوم الثلاثاء الماضي. اليوم يعيش لبنان حالة اللادولة, بل هو ركام دولة أسست لها المحاصصات الاثنية والطائفية في اطار مشروع ابقاء لبنان ضعيف وأسير للمليشيات الطائفية والكارهة اصلا لبناء دولة المواطنة العابرة للطوائف والاديان, وبالتالي فأن الصراع بين الدولة والفوضى هو صراع لم يستكين, بل ان كفة اللادولة هي الارجح في النموذج اللبناني الذي يسير على سنته النموذج العراقي.

ان الفشل في النهضة الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة وبناء دولة المواطنة هو احد اسباب نكوص المواطن اللبناني بل وحتى العراقي في ترحمهما على الاحتلال والرغبة في عودته, فأنعدام الخدمات الانسانية الاساسية من صحة وتعليم وكهرباء هي مقياس جوهري لجهد الحد الادنى لأي نظام انساني عادل, والعدالة ليست في ابتذال واجترار الشعارات, بل في خطوات ملموسة لتحسين ظروف العيش والارتقاء بها بما يجعله انسانيا غير متؤسف على الاحتلال وعودته, وما يتحقق على الارض اللبنانية والعراقية هو مخزي ومعيب ولن يمت بصلة لنهضة الانسان واشباع حاجاته الاساسية الاولى, فالفساد وسرقة المال العام والرشوة والمحسوبية في كلا  البلدين يستنزف موارد البلدين ويجعلهما في صدارة البلدان الاولى في العالم من حيث الفساد وعدم الاستقرار, فهل تحرير فلسطين يمر عبر بوابة الفساد الاداري والمالي لبيروت وبغداد.

عندما نستنكف من الاحتلال الفرنسي للبنان ونشك بتضامنه, وكذلك في العراق نمتعض ونشك عندما يعلن المحتل الغربي والامريكي وقوفه مع الشعب العراقي " وهو مزاج مشروع في اغلب دوافعه " علينا ان نقدم قوة المثل في بناء دولة المواطنة الجامعة لكل التنوعات الاثنوظائفية بعيدا عن التخندق الميليشياوي, دولة قوية وليست دولة عميقة تنفرد فيها ميليشيات سائبة في ادعاء تحرير فلسطين, ويعرف القاصي والداني أنه اذا اريد تحرير فلسطين فأن اول ما تحتاجه هو دول قوية مساندة ومتماسكة في الداخل, وفيها اشباع الحد المعقول من الامن والحاجات الاساسية الانسانية, من صحة وتعليم وخدمات, وفيها وحدة القرار المصيري وليست كل يقرر مصيره بمفرده, فالدول لا تنتصر على اعدائها إلا بوحدتها وتماسكها الداخلي, وبديمقراتياتها النزيه وليست المزوره, فأرادة الشعوب هي الفصل بين الحق والباطل. 

 

لقد كان ترحيب اللبنانيون بزيارة ماكرون " المحتل " لا يوصف، حيث وقف في وسط الجماهير في بيروت وتحدث إليهم؛ بل إنه أزاح أحد حراسه جانبا من أجل أن يعانق سيدة لبنانية رغبت في ذلك. لقد اعتبره اللبنانيون "منقذا لهم". لقد بادر بهذه الزيارة غير مبالٍ بالمخاطر، وأقلها إمكانية الإصابة بفيروس "كورونا" وسط جموع اللبنانيين الذين جاء إليهم للإعراب عن تضامنه وتضامن فرنسا معهم. 

لقد كان ماكرون أثناء جولته يرتدي ربطة عنق سوداء، تعبيرا عن الحزن على ضحايا الانفجار المدمر الذي شهده مرفأ بيروت الرئيسي وأسفر عن مقتل من 135 شخصا "حتى لحظة كتابة المقال " على الأقل وإصابة الآلاف، وتشريد حوالى 300 ألف شخص. وتقدر الأضرار بنحو 5 مليارات دولار، وهو مبلغ لا تمتلكه لبنان الآن، حسب بلومبرج. وفي حديثه للصحافيين في نهاية زيارته دعا ماكرون إلى إجراء تحقيق دولي لتحديد أسباب الانفجار، الذي تردد أنه كان نتيجة لوجود شحنة كبيرة من نترات الأمونيوم في أحد مستودعات المرفأ. وقال ماكرون: "نحن في حاجة إلى تحقيق دولي شفاف وصريح، لضمان عدم إخفاء أي شيء أو بقاء أي شكوك", بالتأكيد فهناك من يشكك بنوايا ماكرون ويعتبر سلوكه دعوة لزعزعة لبنان واستقراره" وهو البلد الفاقد للاستقرار اصلا ".

غدا سيأتي مسؤول امريكي او غربي الى العراق على خلفية اي حدث ارهابي او تفجيرات بأسباب مختلفة لا سامح الله " وخاصة للأسلحة والعتاد والمتفجرات السائبة المنتشرة في ارض العراق"  وسنرى كيف يحتضنونه العراقيون ليست محبة به " فالمحتل لا يستساغ مهما كان " ولكن فشل الحكومات العراقية المتعاقبة في تأمين الحد الادنى من العيش الكريم الى جانب اهدار المال العام والفساد الاداري ونخر مؤسسات الدولة العراقية, سيضع العراقيين في موقع المصفق على مضض لمن يأتي لنجدتهم سواء كان امريكي أم غيره, أنها آلية نفسية طبيعية تجسدها العودة الى الاعتزاز والتشبث بمرحلة سابقة برغم سلبياتها واشكالياتها بسبب من تدهور الحاضر وانعدام أفق المستقبل, أنها حالات من من الحنين المشروع وغير المشروع يجسدها عمق ازمة الحاضر غير القابلة للحل في المنظور القريب وما يرافقها من يأس وجزع لدى المواطن العراقي.

تفجيرات بيروت ألقت بظلالها على شكل مخاوف مشروعة لدى الشعب العراقي بسبب من تشابه بنية النظامين السياسيىن القائمين على ضعف الدولة وسيطرة الميليشيات التي تتدخل في اقحام الحكومة العراقية ورسم سياسات غير مستقلة من مختلف القضايا الاقليمية والدولية ودفع العراق الى المزيد من التخندق والارتهان لمختلف المحاور ذات عدم الاستقرار. والحل واحد في بيروت وبغداد والذي يكمن في حصر السلاح بيد الدولة وبسط نفوذ الدولة وان يكون القرار بيد الدولة حصرا. أنها سنة بناء دولة المواطنة الحاضنة للجميع بعيدا عن الاجتهاد المؤذي والمخرب للدولة والمجتمع, وكل الاجتهادات واردة ولكن تحت مظلة الوطن والقرار الوطني.

 

 

 

في سيكولوجيا التعذيب في العراق

ـ قوات حفظ النظام والفيديو المسرب

 

د.عامر صالح

نشر مغردون عراقيون يوم السبت، فيديو يظهر فيه مراهق وقد جرد من ملابسه بالكامل بينما يستجوبه أفراد يرتدون ملابس تبدو عسكرية، موجهين له الإهانات، بينما يقطع أحدهم شعره باستخدام آلة حادة, وكان الفيديو مقرفا ومخدش للحياء بكل ما ورد فيه من تعامل مع الشاب الحدث في عمر 16 سنة, الى جانب استخدام الألفاظ السوقية النابية بحقه, والتي لا تعبر عن اخلاق قوات حفظ النظام كما ينبغي, والذين يجب ان يتحلوا بثقافة حقوق الانسان في التعامل مع حالات الأعتقال  او عموم سلوكياتهم المهنية والتي يجب ان ترتبط اصلا بالحفاظ على ارواح المواطنين والتعامل وفق القانون واللوائح الانسانية التي اقرتها القوانين العراقية ومنظمات حقوق الانسان, ولكن على ما يبدوا ابتلاء هذه الاجهزة الأمنية بالمحاصصة الطائفية والسياسية والاجندة الحزبية في تركيبة تلك الاجهزة لم يترك فسحة انسانية لعمل تلك الاجهزة على اسس من التعامل الانساني النزيه والمهني, مما يضع المواطن ضحية سهلة لأفتراس تلك الاجهزة, التي اصبحت ملاذا لمن لم يحصل على عمل في القطاعات المدنية, كما ان البطالة في القطاعات الأجتماعية الاخرى دفعت الكثير للأنتساب لتلك الاجهزة بعيدا عن النزاهة في المهنية وشروط الاختيار وبعيدا عن دراسة الخلفية الاجتماعية والنزاهة العامة للمتقدم لتلك الاجهزة, مما ترك تلك الاجهزة فريسة لمختلف السلوكيات المنحرفة والسيكوباتية للعديد من منتسبيها.

 

وقد اكدت وزارة الداخلية، انه تم تدوين أقوال المشتكي المجني عليه الذي طالب بالشكوى وتوجيه الاتهام ضد من قام بهذا الفعل، مؤكدة انه تم التعرف على هوية مرتكبي هذا الفعل الاجرامي، وباشرت فرق العمل بإجراءات القاء القبض عليهم واحتجازهم لاستكمال التحقيق معهم واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لإنجاز التحقيق وعرض النتائج أمام القائد العام للقوات المسلحة. واوضحت الوزارة، انه لثبوت وجود تقصير في القيادة والسيطرة من قبل قائد قوات حفظ القانون وجه القائد العام للقوات المسلحة بإحالته إلى الامرة وإعادة النظر بهذا التشكيل الذي من المفترض أنه تم استحداثه لتعزيز سيادة القانون وحفظ الكرامة الإنسانية ومحاربة كل المظاهر غير القانونية، لا أن يكون هو نفسه أداة خرق للقانون والاعتداء على المواطنين بالصورة البشعة.

 

هذا الحدث والتعامل المشين يعزز المزيد من التساؤلات والاقتراب من الاجابة عليها, وهي من كان يقف وراء قتل وتعذيب المئات من الابرياء المحتجين منذ اندلاع انتفاضة الاول من اكتوبر في العام الماضي والى اخر الشهداء والضحايا الذين وقعوا في نهاية شهر تموز 2020 ومن يقوم بالاختطاف والاعتقال الكيفي والتغييب للمحتجين, وان اقرب الدلائل الأخيرة تشير الى القتل ببنادق الصيد من قبل أفراد محسوبين على القوات المسلحة الحكومية والذين جرى اعتقالهم وهم قيد التحقيق" حسب المصادر الرسمية ". 

 

وعلى خلفية تلك الاحداث اصدرت المنظمة العليا لحقوق الانسان في العراق بيان يوم السبت في الاول من آب 2020 جاء فيه  أن المفوضية تعرب عن استهجانها لتصرفات القوات الامنية وفي مقدمتها قوات حفظ القانون بالتمادي في أنتهاك حقوق المواطن العراقي وأمعانها في استخدام العنف اللفظي والتعذيب الجسدي المهين الذي يحط من كرامة المتظاهرين السلميين المطالبين بالحقوق.

 
وأكدت المفوضية في بيانها ان الكثير من التصرفات المسيئة رصدتها فرقها الرصدية في العديد من ساحات التظاهر وتم ابلاغ الحكومة العراقية واجهزتها التنفيذية وقواتها الامنية بضرورة الزام منتسبيهم بعدم التمادي في انتهاك حقوق المتظاهرين والالتزام بالمعايير الدولية لفض التظاهرات وأحترام كرامتهم وأعتماد آليات الاشتباك الآمن الذي يضمن حياة المتظاهرين والقوات الامنية على حد سواء. فيما أضافت أن تجاهل قيادة التشكيلات الامنية "لتوصياتنا" شجعت منتسبيها على الاساءة للمواطن وانتهاك حقوقه والحط من كرامته وهي بحد ذاتها جريمة يعاقب عليها القانون.


وطالبت المفوضية العليا لحقوق الانسان في العراق رئيس الوزراء و وزير الداخلية بعدم التسويف والمماطلة وتحمل المسؤولية بالكشف عن "منتسبيها المنتهكين لحق التظاهر وكرامة المواطن" وتقديمهم للقضاء لأنتهاكم حقوق الانسان الدستورية، وانتزاع الاعترافات بالاكراه "خلافا للأتفاقية الدولية" لمناهضة التعذيب المصادق عليها من قبل العراق.

 

يُعرف التعذيب تعريفات مختلفة، ولكن التعريفَ الأكثر استخداماً ما ورد في المادة الأولى من اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب لعام 1984، والتي عرَّفت التعذيب على أنه " أي فعل يُحدَث فيه الألم أو تُسبَّب من خلاله المعاناةُ الشديدة، سواءً الجسدية أو العقلية، قصداً، لشخص ما ". والتعذيب جريمة يعاقب عليها القانون الدولي.

 

يُعد الألم المزمن من أشيع الآثار التي يعانيها الناجون بسبب مركزية الألم وشدة العديد من ممارسات التعذيب القاسية والمدمرة. ولهذا السبب يمكن أن تستمر الآثار النفسية فترة طويلة، أو أن تتطور بعد مدة معينة من الزمن. ومن المحتمل أن يختبر الناجون من التعذيب ألماً مستمراً ومشكلات نفسية تظهر في سياق صعوبات اجتماعية ومالية. 

 

وللتعذيب مخاطر بالغةٌ لفهم الأعراض النفسية والجسدية للناجين، فلكل قصة نجاة تفاصيلُها التي تؤثّر في كلِّ حالة خصوصاً. وتتباين هذه المشاعر بين الهزيمة واليأس والكبرياء والبقاء على قيد الحياة والمرونة. تُقسم أنواع التعذيب إلى: الاعتداءات البدنية, والتعذيب النفسي, والحرمان من الظروف الانسانية" مثل الحرمان من الطعام والماء", والتحفيز الحسي المفرط" مثل التعرض المستمر للضوضاء".

 

آثار التعذيب: الآثار الجسدية الطويلة الأجل: الندبات، والصداع، وآلام العضلات والعظام والقدم، وفقدان السمع، وآلام الأسنان، والمشكلات البصرية، وآلام البطن، واضطرابات القلب والأوعية الدموية، وإصابات الجهاز التنفسي والعصبي. الآثار النفسية الطويلة الأجل: صعوبةُ التركيز، والكوابيس والأرق، وفقدان الذاكرة، والتعب، واضطرابات القلق والاكتئاب وحتى محاولات الانتحار، واضطراب ما بعد الصدمة.

 

أن بناء الأجهزة الأمنية على اساس القوة وليس على السلطة الشرعية النابعة من المجتمع يعتبر احد مصادر استخدام العنف المفرط واللامسؤول, وعدم الحيادية لهذه الاجهزة يعتبر احد مصادر تهديد السلم الاجتماعي وانتشار الجرائم المنطمة وشيوع المافيات المحمية من قبل اجهزة امنية مخترقة وهي تقترب من اداء الميليشيات وليست الاجهزة الامنية المستقلة, كما ان الطائفية والمحاصصتية في بناء هذه الاجهزة تركها فريسة في عدم اداء مهماتها في حفظ كرامة الفرد والمجتمع, وبالتالي شاعت الانتقائية المريضة والواسطات والمحسوبية والرشاوى في انتقاء الكثير من عناصر تلك الاجهزة, بدلا من ان تكون متاحة للجميع وللعناصر المهنية والوطنية في الانتماء أليها, وبالتالي اصبحت تؤدي وظائف قمعية لا حمائية للمواطن. صحيح ان هذه الاجهزة لها في جذور القمع في العراق تاريخ طويل وليست وليد نظام المحاصصة ما بعد 2003 إلا ان وظاائفها يفترض ان تختلف جذريا عن حقب ماضية وخاصة في المجتمعات التي ترغب في بناء نظام العدالة الاجتماعية والديمقراطية.

 

وبدل ان تتحول هذه الاجهزة الحساسة الى امكنة مهنية وعادلة وحامية للمواطن, اصبحت هذه الاجهزة امكنة لمن يمارس التعذيب والقتل والاهانة لمن يريد الاحتماء بهم, وبات الكثير من منتسبيها يحمل الصفات السيكولوجية لممارس التعذيب والعنف دون وجه حق, ولعل ابرز تلك الصفات المستواحاة من الادبيات النفسية هي:

 

1ـ السادية: وهي تعني استمتاع الشخص برؤية الآخرين وهم يتألمون وحصوله على نشوة نفسية من القيام بتعذيب الآخرين، وهذه السادية تعتبر اضطرابا شديدا في الشخصية يجعلها تسعى نحو إذلال الآخرين والتنكيل بهم، والشخصية السادية لا تستطيع العيش إلا بهذا الاسلوب. وهذه الصفة قد تكون في الأمرين بالتعذيب او المنفذين له.

 

2 ـ  المسايرة: هذه الصفة قد تكون مستغرَبةً ومتناقضةً مع الصفة السابقة، ولكنها ضرورية جدا لمن يقومون بالتعذيب، فهم يستجيبون لأوامر رؤسائهم استجابة تتسم بالاستلاب والخضوع والمسايرة، ولا يناقشون هذه الأوامر ولا يعرضونها على عقل واع أو ضمير حي، فهم في هذه الحالة يطيعون رؤساءهم طاعة عمياء وينفذون أوامرهم في التعذيب دون بصيرة، وغالبا ما يكون هؤلاء المسايرون المنفذون من أصحاب الذكاء المحدود والثقافة الضحلة أو المنعدمة، ومن الذين يسهل إقناعهم واستهواؤهم والإيحاء لهم بأن ما يفعلونه فيه مصلحة للبلد أو للبشرية أو لقضية ما.

 

3 ـ الشخصية السيكوباتية: وهي شخصية مضادة للمجتمع لا تحترم قوانينه ولا قيمه ولا أعرافه، وهي شخصية عدوانية لا تعرف الإحساس بالذنب أو الندم ولا تتعلم من تجاربها السابقة ولا تعرف الشفقة أو الرحمة أو العدل أو الكرامة، وكل ما يهم هذه الشخصية هو تحقيق أكبر قدر من اللذة حتى لو كانت هذه اللذة مبنية على أكبر قدر من الألم الذي يصيب الآخرين. والسيكوباتي ليس بالضرورة لصا بل أحيانا تجد هذه الصفات في رؤساء أعتى الدول وفي مسئولين كبار، وفي هذه الحالة نجد الصفات السيكوباتية مغلفة بقناع من الدبلوماسية والنعومة ولهذا يطلق على هذا النوع السيكوباتي المهذب, هو أخطر من السيكوباتي العنيف الظاهر العنف لأن الأول يحمل كل صفات السيكوباتية مضافة إليها صفات الخداع والتستر وهذه الشخصية تتسم بالانتهازية والبراجماتية، والقانون والأخلاق لديها كلمات ليس لها معنى أو وجود وهي تستخدمها فقط حين تجد  في مصلحتها ذلك.

 

4 ـ الشخصية البارانوية: وهي شخصية متعالية متغطرسة ترى في الجميع أعداءً لها، وتتوقع النوايا السيئة والأفعال السيئة من الناس، لذلك فهي تتسم بسوء الظن وتلجأ إلى العدوان الاستباقي أو الوقائي وتبرر هذا العدوان بأنه لحماية نفسها أو غيرها من الإرهاب أو الأذى المتوقع من الغير (الأشرار دائما في نظرها)، وهذه الشخصية تحتقر الآخر وتسحقه إذا استطاعت وبالتالي فلن ترعى له حرمة أو كرامة ولن تأخذها الرحمة أو الشفقة بها لأنها تعتبر الجميع شياطين أو حشرات صغيرة تستحق السحق والتعذيب والإذلال.

 

5ـ التبرير: وهو أحد الدفاعات النفسية التي يستخدمها المعذِّبون" من غير الانواع السابقة " لكي يقوموا بالتعذيب وهم مرتاحو الضمير، فمثلا يعتبرون التعذيب وسيلة مشروعة لتحقيق الأمن لبقية الناس أو لانتزاع اعترافات مهمة تؤدي إلى تحقيق السلام" في نظر امريهم او قادتهم ", فهم في النهاية يربطون التعذيب بقيمة وطنية أو أمنية تسمح لهم بقبوله والتفنن فيه.

 

قد يكون الأمر مفهوما أن يقترب الفرد من حالات المرض العقلي او اضطراب شخصي فيرتكب افعالا تضر بالأخرين, وتكون هذه الصفات الخمسة اعلاه او بعض منها قد استحوذت على سلوكه ودفعته لأرتكاب جرائم ألحاق الاذى او تعذيب الآخرين, ولكن الاخطر عندما يكون فعل التعذيب والاهانة والمساس بالكرامة عمل مؤسساتي تقوم به اجهزة محسوبة على كيان الدولة, فأن الامر اشد خطورة وتهديدا للدولة والمجتمع, وهنا تلعب العقائد المتحجرة والطاعة العمياء والتصديق على قرارات غير عادلة ومبهمة دورا خطير وكبيرا في حرف مهنية الاجهزة الامنية وتوظيفها لصالح فئات واحزاب ومصالح مختلفة لا صلة لها بالأمن المجتمعي. أن سيطرة الدولة على كافة الاجهزة الامنية والدفاعية كان ولايزال وسيبقى واجبا لا يمكن المساومة عليه ابدا, وسوق من تسول له نفسه في العبث بالاستقرار الاجتماعي او التجاوز على الابرياء الى العدالة لينال جزائه, اما خلاف ذلك فأن القدر المجهول ينتظر الجميع.

 

العراقيون بين الداخل والخارج

ـ في سيكولوجيا التعصب الأعمى

 

د.عامر صالح

 

لا زلت غير مقتنع في التقسيم المتحجر الذي يقسم الشخصيات العربية او الأسلامية او التقسيم القائم على اساس جغرومناطقي الى شخصيات ذات ثبات شبه مطلق وغير قابل للتغير أو التأثر بالظروف او الفترات والحقب التاريخية التي تنتج شخصيات مختلفة في مراحل سياسية وتاريخية مختلفة, وبالتالي عندما نتحدث عن الشخصية المصرية, او الشخصية العراقية, او اللبنانية او المغربية وغيرها يجب ان يكون الحديث مقترنا بسلامة منهجية تعبر عنها الظروف المحيطة والتغيرات السياسية والاقتصادية والسياسية والاجتماعيىة لكل حقبة زمنية أنتجت شخصيات مختلفة, حتى وأن سميت بأطرها الجغرافية المكوناتية العرقية, وبالتالي يمكن القول أن ما كان عراقيا او مصريا او لبنانيا أن يتبادلا المسميات عندما تتشابه الظروف التي يمرون بها, فما هو عراقي يمكن ان يكون لبناني او مصري او مغربي وبالعكس.

وهنا اتفق نسبيا ان ثبات الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية عبر حقب مختلفة ينتج بالضرورة ثباتا نسبيا في الصفات السيكولوجية للشخصية وقد تتأصل الكثير من الصفات السلوكية والشخصية بفعل عوامل التعزيز الدائم والدعم المحيط بما يترك انطباعا اوليا انها صفات وراثية وذات طبيعة تأصلية ويصعب تغيرها او يستحيل حتى اذا تغيرت الظروف التي انتجتها" طبعا هذا غير صحيح " والصح هو ان هناك بطئ شديد او عدم توافق وتطابق دينامي بين التغيرات الحاصلة في البنية الاقتصادية والاجتماعية وبين منظومة القيم والصفات الشخصية حيث الاخيرة تتخلف عنها نسبيا بفعل ارتباطها في البعد الشخصي ومدى تفاعله مع التغيرات الموضوعية الحاصلة على الارض, ولكنه لا يستمر طويلا حتى يلتحق بتلك التغيرات ويكتسب افرازاتها السايكولوجية وحتى بما تفرزه من منظومة اخلاقية.

ما اريد الحديث عنه بتلك المقدمة هو ما افرزته الظروف السياسية في العراق حاليا بعد 2003 وبتأصل جذورها الى مرحلة النظام السابق هو الدعاوى الباطلة والفاقدة للسند العلمي والاخلاقي هو تقسيم العراقيين الى عراقيي الداخل وعراقي الخارج والتفضيل المفتعل لعراقي الداخل على عراقي الخارج, والذي وصل الى مطالبات تفتقد الى الحس الانساني والتي تدعو الى الخلاص او اسكات صوت عراقي الخارج, هذه الدعاوى المبطنة لها جذورها في موقف النظام السابق من المعارضة العراقية ودعواه للخلاص منهم وتصفيتهم وخاصة عندما رفعوا شعار الكفاح المسلح لأسقاط النظام الدكتاتوري, وفشلت اغلب محاولاته لترويض المعارضة العراقية في الخارج وخاصة ذات المزاج والتوجه اليساري, في محاولة منه لأستغلالها في كسب الرأي العام العالمي لدعم النظام وبقائه وفك العزلة الدولية عنه.

 

وللأسف الشديد ان هذه الدعاوى اليوم امتدت وبأشكال مبطنة الى بعض مجاميع الحراك الجماهيري وبشكل خاص الى جماهير انتفاضة اكتوبر العراقية والتي اندلعت في الاول من اكتوبر للعام الماضي ولا تزال مستمرة, بل وصل الأمر الى ما هو الأسوء ان يتجاوز بعض من " المثقفين او الاساتذة " على عراقي الخارج ويدعوهم الى السكوت عن المطالب العراقية المشروعة في العيش الكريم او تحت دعاوى مبطنه تحت شعار " دعوا شعب الداخل وشأنه " ولا اريد التشكيك بتلك الدعوات إلا من منطلق من استفاد الكثير منهم في اكمال دراساته في ظل النظام السابق والجميع يعرف ضغوطات النظام السابق على ذوي الدراسات العليا وغيرهم, فأن لم يكون مع النظام عليه توقيع تعهد براءة من العمل السياسي المعارض, وفي تلك الاشكالية قد تفسر بعض من عقدة كراهية عراقي الخارج, واليوم في هذا الظرف عندما يحضروا هؤلاء كناشطين مدنيين او دعاة تغير فأن التلوث الأسقاطي اشد حضورا في سلوكياتهم الأضطرابية.

عراقيو الخارج كما يحلو للبعض ان يطلق عليهم هم عراقيون ليس من حق احد ان ينتزع منهم وطنيتهم وولائهم للوطن وليس من حق احد ان يوزع الوطنية كيفما يشاء وينتزعها ممن يشاء. كما لا يمكن أن  يُأخذ ستة  ملايين عراقي في الخارج بجريرة حفنة أساؤوا  التصرف ، فليس من العدل ان يجردوا من وطنيتهم ، ويتم الهجوم عليهم وكأنهم خونة أو متآمرين. ولو قارن المواطن النبيه والفطن: كم من فاسد سياسي قادم من الخارج ساهم في الحكم بمن هم فاسدين من عراقي الداخل, ومن اعلى درجة وظيفية الى ادناها !!!.

ان افتعال الفرقة بين العراقيين و تقسيمهم الى داخل وخارج  وزجهم في معركة خاسرة خطيئة بحق الوطن ، فالعراق عراق الجميع ، وما تحدث به بعض المسؤولين أو سياسين او من  المشعوذين " المثقفين " بأن العراق للعراقيين في الداخل هي كلمة حق يراد بها باطل. ان في عراقيي الخارج كفاءات كبيرة وطاقات مهمة ، يقومون بدور فاعل في بناء البلدان التي يعيشون فيها ولهم سمعة طيبة، فاقصائهم  هو مؤامرة مقصودة ، وانا هنا لا اعني السياسيين بل ، الكفاءات العلمية والاكاديمية والطبية والهندسية والفنية والادبية الأبداعية وفِي بقية المجالات ، ان دول العالم تدفع الأموال الضخمة وتقدم الإغراءات الكبيرة من اجل استقدام العقول والطاقات ونحن في العراق وللاسف نمارس وبجهل طرد العقول البناءة من ابناء الوطن. أن فاسد سياسي قادم من الخارج وينتمي الى حزب لا يؤمن بالديمقراطية والتعددية والتداول السلمي للسلطة لا يمكن تعميمه على عراقي الخارج, ففي ذلك جهل وفتح بوابة جهنم  لتشتيت شمل العراقيين في الداخل والخارج.

 

يجب على كل شعبنا ومثقفيه وطلائعه السياسية الخيره ان تقف بقوة ضد هذا التصنيف المفتعل: عراقيو الخارج وعراقيو الداخل, وان هذا التقسيم والتجزئة للجسد العراقي الواحد قد يحمل في طياته بوادر سيئة لقتل وتصفيات متبادلة بين مكونات شعبنا وقد تفقده اكثر الناس كفاءة ونزاهة, وفي مجملها تصب في خدمة الأسلامويين غير المؤمنين بالديمقراطية والتعددية, وبقايا ثقافة البعث المنهار وتعيد انتاج العنف المجتمعي بين شرائحه النوعية والأكثر وفاء للوطن.

وبهذا السلوك الاقصائي بين عراقي الداخل والخارج فهو سلوك أناني سلبي قائم على تعميمات وأوهام ومشاعر وانفعالات تجعل المتعصب من عراقي الداخل يتصرف على نحو عاطفي غير منطقي، يتنازعه دافعان متناقضان، الحب الأعمى للذات من جهة، والحقد الأعمى للآخر من جهة ثانية. وكما يمكن الحديث عنه باعتباره سلوكا فرديا، يمكن الحديث عنه باعتباره سلوكا جماعيا، باعتبار الجماعة المتعصبة هي مجموع الأفراد المتعصبين المكونين لها. ولذلك يعد التعصب، بهذا المعنى، مرضا نفسيا واجتماعيا في آن معا. وذلك بالنظر إلى كونه إنتاجا للفرد والجماعة معا، يتأثران به معا. ومن المعاني التي ترتبط بالحقل الدلالي للتعصب التقوقع والتزمت والعمى والعنصرية والتمييز والإقصاء والاستبعاد والتطرف. وهي كلها معاني سلبية. هكذا نجد أن التعصب داء يصيب الأفكار والقناعات والمشاعر فيؤثر سلبيا على معقولية وجودة وحكمة التصرفات التي تصدر عن المتعصب.

 

في هذا التعقيد من النزوع جراء تعقد الاوضاع الداخلية في العراق, ولكي نكون براء من تلك النزعة اللاانسانية علينا نحن عراقي الداخل ان نكون اكثر وعيا في تشخيص مواطن الضعف واسباب الانهيارات الكبرى في مجتمعنا وان نكون اكثر بعدا عن الانفعالات المدمرة للذات العراقية الواحدة في تجزئتها الى عراقي داخل وخارج, أنها ازمة حضارية ومعبرة عن عزلة شعبنا عن العالم الخارجي لعقود ماضية, تلك ثقافة النظام المقبور والاسلامويين الذين يعزفون على الانفعالات المريضة في محاولة للخلاص من ازماتهم, وبالتالي فأن شعبنا امام مهمة معقدة ومتشابكة وهي الخلاص في ثقافته من التعصب الديني والمذهبي والابتعاد عن الهويات الفرعية الضارة وعدم تجزئة شعبنا الى شعب في الداخل وشعب في الخارج, انها هجمة مفبركة ضد أي تغير مرتقب في الاوضاع الحالية للعراق, بل انها دعوى لأقصاء النخب السياسية النزيهة, بل وللأنفراد بشعبنا مجددا واقحامه في آتون الطائفية والمناطقية والفرعية والمذهبية والشوفينية العرقية.

اعتقد ان تلك التجزئة والفرقة بين عراقيي الداخل والخارج هي ردة فعل حضارية حملها النظام السابق بعزلته العالمية والحضارية عن العالم الخارجي والتي وضع فيها العراقي في موقع القوي المفتعل شكليا ولكنه ضعيفا امام متغيرات الحضارة الانسانية وضعيف الاستيعاب امام ما يجري من منجزات في الفكر والثقافة والعلوم المختلفة, ومن ثم كان مجيئ الاسلامويين اشد وقعا في اعادة انتاج التخلف وفهم ظروف العصر والانفتاح واعادة انتاج خطاب القرون الوسطى الذي لا يصلح للحياة, وعلى شعبنا ان يدرك اللعبة بأمعان وان يستفيد من خبرة اليسار العراقي بكل اطيافه في استعادة اللحمة الوطنية والابتعاد عن خطاب التفرقة والتراجع الى الخلف, فأن العودة الى الصفر يعني ضياع العراق !!.

 

ثورة 14 تموز 1958

وسيكولوجيا الحنين" النوستالجيا "

 

د.عامر صالح

 

يحتفل العراقيون كل عام وفي يوم 14 تموز تحديدا بذكرى ثورة تموز التي أسقطت الحكم الملكي في العراق, وتثير ذكرى الثورة جدل واسع, وخاصة على صفحات التواصل الاجتماعي والاعلامي بصورة عامة بما فيها القنوات الفضائية التي تقف بالضد او مع هذا الحدث, انطلاقا من رؤى وتجاذبات ومصالح مختلفة لهذا الحدث في تاريخ العراق, وقد تجاوز الاختلاف حول تقيم الحدث المذكور" والذي تم استذكاره قبل ايام حدود المعقول في احيان كثيرة" سواء من طرف انصار الحكم الملكي أو من انصار ثورة تموز " ووصل في بعض صفحات الأنترنيت حد السب والشتم والغلق المتبادل لصفحات الأصدقاء وانهاء الكثير من العلاقات الاجتماعية عن بعد, مما فوت فرص كثيرة وغنية كان يفترض توظيفها في قراءة الحدث قراءة موضوعية وبعيدة عن التشنجات والرؤى الجامدة لجميع الاطراف, وبما يخدم توظيف الحدث لتشخيص علل الحاضر المستعصية التي يمر بها العراق ويهدد مستقبله. طبعا دون انكار كان هناك العديد من الصفحات الشخصية التنويرية والمواقع الاعلامية المرموقة والتي عكفت على دراسة الحدث دراسة موضوعية وفي اطار زمانية ومكان الحدث وتفاعلاته الوطنية والاقليمية والعالمية. ومما يثير الانتباه والاشمئزاز انظمام بعض الابواق الاعلامية والقنوات الفضائية الى جانب جوقة السب والشتم لأحداث ثورة تموز" واعتبارها يوم اسود في تاريخ العراق" ووقوفهم الى جانب الأشادة بالملكية وهم لم يكونوا يوما من انصار الملكية, بل محسوبين على تيارات الفوضى واللااستقرار والشوفينية في تاريخ العراق عبر عقود. 

اذا كانت الشعوب هي التي تزكي أنظمتها أو تحجب عنها الشرعية فأن ثورة تموز 1958 تمتعت منذ انطلاقتها الأولى وحتى نهايتها على يد النظام الأنقلابي الفاشي في 8 شباط 1963 بزخم جماهيري هائل واستعدادات ذاتية للدفاع عنها, ولم يكن موقف الشعب العراقي أنذاك موقفا انفعاليا عابرا بل استند الى مجمل المعطيات الأقتصادية والاجتماعية والانسانية العامة التي كان برنامح الثورة يتبناها ويسعى الى تحقيقها وكانت بمجملها تستجيب لمطالب الشعب العراقي في تحسين ظروف العيش والحياة العامة والسيطرة على ثروات البلاد, بعد أن أخذ الفقر والبؤس والعوز والفساد وتفشي الاوبئة والامراض مأخذه في حياة الناس في الحقبة الملكية, وبالتالي كانت الثورة استجابة لتفاعلات العوامل الذاتية والموضوعية التي وصلت ذروتها في رحم النظام الملكي, ومن اراد أن يقيم ثورة 14 تموز اليوم عليه ان يقيم الحدث ضمن خصوصية الزمان والمكان الذي وقعت فيه الثورة, واعتقد سيسعفنا منهج البحث التاريخي وادواته في وضع الثورة في سياقها الذي نشأت فيه.

وبالمقابل فأن من يمجد الملكية العراقية اليوم عليه أن لا يتأثر بنموذج مملكة السويد أو الدنمارك أو المملكة المتحدة ويتخذها محكات لأضفاء الهالة على المملكة العراقية. اما اعمال العنف والتصفيات الجسدية المنبوذة والمرفوضة انسانيا سواء لرموز النظام الملكي ولاحقا لرموز اول جمهورية فأنها تعبر جليا عن سلوكيات القطيع الخطيرة في المنعطفات التاريخية, واكثرها خطورة التي يغذيها خطاب الثقافة الشوفينية واالعنصرية الذي يشدد قبضة الكراهية واستباحة الدم والتحريض على القتل.

أن مرور 62 عاما على ذكرى الثورة واستعصاء أزمة الحكم وعدم المقدرة على حل المعضل السياسي وعدم وجود انجازات في الحاضر جعل الناس اكثر نكوصا وتقهقرا وعودة الى الماضي للبحث في ثناياه بما يشبع رغبتنا في الانجاز, ولعل الأفراط في الحنين الى الملكية عند الفريق المناصر واعتبار كل ما حصل فيها هو مثالي ويجب استذكاره ايجابيا وتكراره هو مؤشر لأحباطات الحاضر وعدم القدرة على ألتماس أفق مستقبل أفضل. اما الهجمومات على ثورة تموز فهي اسقاط سيكولوجي بأمتياز في تحميل الآخرين فشل المنظومات السياسية التي أتت ما بعد الثورة الى يومنا هذا, حيث خاتمتها الأحتلال الامريكي عام 2003 واسقاط الدكتاتورية عبر الاحتلال والذي اسقط الدولة ومؤسساتها ولم يسقط النظام ومنظومته الأخلاقية" وقد تم بمباركة من يحن للملكية ويشتم ثورة تموز".

 

تقييم مصداقية المفاهيم والأحداث تبقى نسبية في اطار البحث عن الحقيقة وتلعب ظروف عصرنا الضاغطه نحو عقلنة الأحداث التاريخيه دورا كبيرا في اعادة تقييم الأحداث.اما ما هو خارج السياق هذا هو اعتبار ثورة" انقلاب" 14 تموز 1958 هو اول محاولة داعشية لقلب نظام الحكم وكأن النظام الملكي لم يشهد انقلابات عسكرية ناهيك عن التعسف في استخدام التوصيف للحدث, هذا النمط من التفكير ذات الأندفاعات المتهوره يحرمنا من الخروج من دائرة التشنجات لفهم الأحداث ووضعها في سياقها الزماني والمكاني الذي نشأت فيه. ادعاء السبق في الوعي وممارسة النقد والنقد الذاتي هو نتاج تحسن ظروفنا الفكرية والحياتية الحاضرة وليست تقدم فطري في بنيتنا الدماغية . 

وما هو ضروري التذكير به هو ان النظام الملكي عانى من احتقانات سياسية وتعثرات جوهرية في السير قدما لأرساء ديمقراطية وتعددية سياسية راسخة بل أنه أسس لديمقراطية ارستقراطية, أتهمت في زمن نوري سعيد بالتزوير والتلاعب والتجاوز على ارادة الشعب, الى جانب القمع المستديم لأحزاب المعارضة والحد من نشاطها ومحاربتها, وقد تشكل على خلفية ذلك اجماعا شعبيا وسياسيا خارج السلطة على خلفية استعصاء ازمة الحكم والسلطة وضرورة رحيلها, الى جانب الازمات الاقتصادية والاجتماعية, من فقر وسوء خدمات وبطالة وفساد اداري ومالي لعقود تركز في رموز السلطة الحاكمة انذاك, وبالتالي فقد النظام قدراته الذاتية على التطور والاصلاح الذاتي.

كانت الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والتشريعية التي جاء بها حكم عبد الكريم قاسم بعد 14 تموز 1958 مهمة في جوهرها وتستجيب لمصالح السواد الأعظم من الشعب العراقي، لكن الرجل فشل في الإصلاح السياسي، إذ لم يكن مهتماً باستيعاب الأفعال السياسية الحكومية والمعارضة في إطار مؤسساتي وحزبي منظم فضاع سريعاً وعده بالانتخابات واستعادة الحياة البرلمانية في بداية 1960 ليصبح الشارع مكان حسم الخلافات السياسية وتحل تدريجيا فوضى الشارع بدلاً من المؤسسات البرلمانية والحزبية, طبعا جرى ذلك على خلفية محدودية التجربة السياسية لرموز الحكم الجديد وانشغالاتهم بعوامل بقائهم واستحواذهم على السلطة بعيدا عن الاستماع الى صوت الشعب وممثليه في ضروروة الحفاظ على الثورة وتطويرها الى صيغ متقدمة افضل" وهنا ارى التذكير بظروف العصر انذاك والعوامل الدولية وصراع الدول العظمى ومفاهيمها المختلفة بطبيعة الأنظمة السياسية التي تختلف عن اليوم".

اعتقد ان الأجترار في النقاشات حول الحقبة الملكية والجمهورية دون توظيف لها بشكل مثمر لأستنهاض الحاضر المتردي هو جزء من حالات الحنين الى الماضي أو ما يسمى سيكولوجيا وبشكل اوسع هو النوستالجيا, فيتم الأفراط في تجميل الماضي في مواجهة حاضر صعب وقاسٍ، وهذا هو حال الأجيال الأولى من الناس وحتى من السياسيين الذين يستبدلون الحاضر بذاكرة بعيدة لا ترى في الماضي المندثر سوى بديل وهمي لواقع يعجز الفرد عن التعامل معه بإيجابية.

و ان الحنين الى الماضي "  النوستالجيا "  هي الية دفاع يستخدمها العقل لرفع المزاج وتحسين الحالة النفسية، لذا فإنها تكثر في حالات الملل أو الشعور بالوحدة خاصة عن اجيال مختلفة تمر بأوضاع صعبة، أي عند شعور الإنسان بأن حياته فقدت قيمتها وأصبحت تتغير للأسوأ، فيقوم العقل باستدعاء ذكريات الماضي الطيبة بدفئها وعواطفها، فتعطيه تلك الذكريات الدفعة التي يحتاجها للتعامل مع التحديات الحالية, وفي السياسة حيث الأمر اكثر تعقيدا من الحالات الفردية فأن استدعاء حقب تاريخية لأغراض الدراسة والنقد والتحليل يختلف عن استدعائها باعتبارها صح مطلق ولا يمكن المساس به, فأن ذلك لا يسهم باعادة تشكيل حاضر افضل, وهنا تأتي الاستفادة من مراحل تاريخية سابقة باعتبارها دروسا للحاضر والمستقبل.

نحن نحب الحنين للماضي ” النوستالجيا “، ولكنها ليست جيدة كما نظن، وليست سيئة أيضاً, من الأسلم أن نقول إننا جميعاً أو أن معظمنا يتمنى العودة إلى الماضي، وأننا جميعاً مررنا ونمر دائماً بذاك الشعور الذي يشبه مشاعر الحزن والسعادة، كلما زاد رضانا عن واقعنا يقل ذلك الشعور ولكنه لا يختفي, فالنوستالجيا جهاز آخر في أجسامنا يمدنا بالسعادة ولحظات الراحة، ومهما أخذنا منه لا نكتفي، شعورٌ يجمعنا ويربطنا بأشخاصٍ معينين وأماكن دافئة وروائح مألوفة، ” النوستالجيا ” تعطينا دفعة نحو المستقبل وتحسن من حالتنا النفسية وتزيد رغبتنا في التواصل الاجتماعي خصوصاً مع الأشخاص الذين يرتبط الماضي بهم كالأهل وأصدقاء الطفولة، الحنين يجعلنا أكثر أمناً وأكثر دفئاً، فهي إذاً حالة نافعة وليست سيئة أبدا.

في الواقع إن الخطر الوحيد وراء ” النوستالجيا ” او الحنين للماضي يكمن عندما نقف عندها، أو عندما نفهمها بشكل غير صحيح، فنظل نرتدي تلك النظارات الوردية عن الماضي بدلاً من أخذ نظرة جادة عن الحاضر، ونغرق أنفسنا في الماضي ونعيش فيه كوسيلة لتجنب الحاضر، ونرفض الانتقال إلى المستقبل أو إلى كل ما هو جديد لأن الماضي هو الأفضل دائماً وأبدا. فالأزياء القديمة رائعة، والمطاعم القديمة مثالية، والأفلام القديمة هي الأفضل, ونظل نحيي صيحات القديم لمجرد إحيائها وندور في دائرةٍ مفرغة لا نجني منها سوى أننا نفقد التعامل مع الحاضر ونهدم المستقبل.

ومن المخاطر السياسية التي تهدد الحاضر والمستقبل في العراق بعد 2003 أن الكثير من القوى السياسية الحاكمة تلجأ في محاولاتها وسياساتها العامة الى استحضار اشكال من الماضي السياسي والسياسي الديني لفرض اجندة على الحاضر والمستقبل لا صلة لها بالديمقراطية والتعددية السياسية, وهذا جزء من نوستالجيا مرضية. وبقدر ما فشل النظام الملكي في اصلاح نفسه من الداخل, وعدم تمكن ثورة تموز من الانتقال الى اشكال اكثر نضجا في الادارة والحكم السياسي نجد صورة تلك الاخفاقات في عدم تطور ونضج ديمقراطية العراق بعد 2003 ومراوحتها في المكان بل واحتمالات فشلها المطلق. وتبقى الدروس المستخلصة من حقبتي الملكية والجمهورية مادة تاريخية غنية لمن يريد رسم ملامح استقرار افضل لعراق آمن.

 جريمة أغتيال الدكتور

هشام الهاشمي ضحية

صراع الدولة واللادولة

 

د.عامر صالح

 

في ظل احتدام الصراع المتزايد والعنيف من اجل مشروع دولة المواطنة يقدم العراقيون المزيد من الشهداء والضحايا النوعية من الاوساط الفكرية والسياسية والثقافية والتي ناضلت من اجل اعادة بناء الدولة العراقية, دولة المواطنة التي افرغ محتواها جراء عقود من القمع والدكتاتورية وتلتها سنوات ما بعد 2003 حيث انهارت مؤسسات الدولة العراقية وتصدع المنظومة القيمية والاخلاقية والسياسية, واصبح القول الفصل للدولة العميقة, دولة الميليشيات المسلحة والمجاميع الأجرامية والقتلة المأجورين من حملة العقائد المتحجرة والسلوكيات المنحرفة, والتي لا ترى في الأختلاف في الرأي والجمال وتنوع الافكار إلا عدوها اللدود والذي يجب تصفيته رموزه بشرعها الخاص المعادي للحياة والوجود الانساني القائم على ستة الاختلاف والتنوع.

ولكي يبقى العراق أسيرثقافة القبح والتفرد في الرأي وثقافة الكراهية التي طالما نخرت بالجسد العراقي وأقحمته في متاهات فقدان الأمل والمستقبل وغياب دولة القانون, حيث يكون فيها المواطن العراقي عموما والمثقف بشكل خاص هدفا سهلا ومستساغا للتصفية الجسدية والقمع الفكري, وأحلال ثقافة اليأس المتراكم واعادة انتاج ثقافة البقاء لحملة السلاح المنفلت والميليشيات المشرعنة وغير المشرعنة وحملة كواتم القتل, وتحويل الدولة الى حاضنة للموت والفناء اليومي, بعيدا عن مهمتها الأصل في حماية المواطن وأمنه وسلامته ودعم التكافل الاجتماعي وتعزيز السلم المجتمعي.  

لقد أقدم خفافيش الظلام المسلحة بأغتيال الدكتور هشام الهاشمي, المحلل السياسي والخبير الأمني, مساء يوم الأثنين الماضي قرب منزله ولاذوا بالفرار, ويعتبر مراقبون عراقيون، أن اغتيال الهاشمي وفق ما أظهرته كاميرات المراقبة، يكشف مدى ترهل أجهزة الدولة الأمنية، في ظل سهولة تحرك منفذي الجريمة في شوارع بغداد، خاصة وأن التوقيت كان متزامنا، مع بدء ساعات حظر التجول، المفروض للحيلولة دون تفشي وباء كورونا، ويضع هؤلاء علامات استفهام كبيرة، أمام كيفية تحرك منفذي الجريمة بهذه السهولة، ثم تمكنهم من الانسحاب والعودة من حيث أتوا بنفس السهولة، بعد تنفيذ جريمتهم النكراء.

والشهيد الدكتور الهاشمي ولد في بغداد عام 1973, هو مؤرخ وباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية والجماعات المتطرفة، ومختص بملف تنظيم داعش وأنصارها. متابع للجماعات الإسلامية العراقية منذ عام 1997، عَمِل في تحقيق المخطوطات التراثية الفقهية والحديثية، مع أن تحصيله الأكاديمي بكالوريوس إدارة واقتصاد - قسم الإحصاء. وتم اعتقاله وحكم عليه بالسجن من قبل نظام صدام حسين، وقد خرج من السجن عام 2002، وبعد عام 2003 انصرف إلى العمل في الصحافة، وبدأ يشارك في كتابة التقارير والوثائقيات مع الصحف والقنوات الأجنبية، وبدأ يكتب مدونة عن خريطة الجماعات المسلحة في العراق، ولم يكن يوماً عضواً في الجماعات المتطرفة، لا سيما أنصار الإسلام وتنظيم القاعدة وفروعها وداعش . الجماعات المتطرفة تحكم على الهاشمي بأحكام مختلفة، منها الردة والعمالة بسبب مواقفه المناهضة لهم, يعد الهاشمي أول من أماط اللثام عن قيادات تنظيم الدولة - داعش في كُلٍ من العراق و سوريا، حيث افصح عن أسماء ومعلومات تخص قيادات التنظيم وآلية عملهم. وقد ساهم من خلال قدراته الفكرية والتحليلية في تقديم خدمات مهمة للحكومات العراقية أسهما في تفكيك تنظيم داعش من الداخل, ويعتبر الشهيد من صناع القرار والرأي العام في قضايا مختلفة. 

ولدى الدكتور عدد من المؤلفات هي: عالم داعش, ونبذة عن تاريخ القاعدة في العراق, وكتاب تنظيم داعش من الداخل, ولديه اكثر من 500 مقال وبحث منشور في الصحف والمجلات العراقية والاجنبية عن الجماعات المتطرفة. وقد عمل في عدة مراكز ابحاث, أبرزها: 

مدير برنامج الأمن الوطني ومكافحة الإرهاب في مركز آكد للدراسات والابحاث الاستراتيجية, ومستشار أمني لمرصد الحريات الصحفية العراقي, ومستشار أمني لنقابة الصحفيين العراقيين, وعضو فريق مستشارين لجنة تنفيذ ومتابعة المصالحة الوطنية في مكتب رئيس الوزراء, وعضو اللجنة العلمية لمؤتمر بغداد لمكافحة الأرهاب, ومحاضر لمادة مكافحة الأرهاب في الأكاديميات الأمنية, وباحث زائر في مركز النهرين للدراسات الاستراتيجية وعضو ملتقى النبأ للحوار وغيرها.

ونددت كل من الأمم المتحدة والولايات المتحدة وبريطانيا ودول اخرى باغتيال هشام الهاشمي، ودعت ممثلة بعثة الأمم المتحدة في العراق هينس بلاسخارت في تغريدة الحكومةَ العراقية لتحديد الجناة بسرعة وتقديمهم للعدالة واعتبرت اغتياله عمل خسيس. والهاشمي هو أحد أبرز المحللين السياسيين والأمنيين العراقيين، ولديه العديد من المقالات في مراكز أبحاث عراقية، وهو أحد أبرز الشخصيات العراقية حضورا في منصات التواصل الأجتماعي، ولديه العديد من المتابعين، ويعد من المؤثرين في مسار الرأي العام العراقي.

وقد غرد الدكتور الشهيد هشام العديد من التغريدات لعدة ايام وحتى يوم استشهاده, وبالتأكيد سيغضب وينتقم من شملته التغريدات ضمنا ولم يحترم حرية أبداء الرأي, وابرز هذه التغريدات هي:

الحراك التشريني, بما فيه النخب المعارضة, التي ترفع شعار السلمية, عليها تنظيم نفسها سياسيا للتنافس انتخابيا عبر وسائل الديمقراطية, ومن يرى تأييد الحراك بدون تنظيمه فهو يسعى الى حراك فوضى ووهم, بدون حراك منظم سياسي وقوي ستأكل النخب السياسية الفاسدة الحراك أصلا وفصلا.

"أكثرُ الشباب الذين يطبلون للسياسيين الفاسدين هم باحثون عن فتات وبقايا طعام من موائدهم وأموالهم التي سرقها الفاسدون، لا يعرفون شيئا لحظة التطبيل لسلطة الفاسد، فلا ناقة لهم فيها ولا جمل. وإنّما أنفُسَهم يظلِمون".

"مشكلة القوى السياسية التي خسرت مكاسبها باستقالة عادل عبد المهدي، أن معظم الخاسرين من الأحزاب السياسية، فقدوا قدرتهم على التفكير المتوازن. وأصبح الانتقام والعبثية والوهم، رأس الحربة لمهاجمة الكاظمي الذي ساهموا بمنحهِ الثقة والمشروعية من خلال تفاهمات سباعية البيت السياسي الشيعي".

"السياسي الفاسد حينما يقارن مع صديقه الشيطان، قد لا يبدو صديقه على ما هو عليه، ربما نقارن بين سياسي فاسد ومخلوق ورع. سياسي برلماني ينتمي لحزب عنده هيئة اقتصادية مستحوذة على منفذ حدودي وميناء بحري، يزعم أن بيته في البصرة بدون خط كهرباء المولدة الأهلية، ورع كاذب وكذب مكشوف".

"إن قدرة الدولة على فرض سيادتها الداخلية ترتبط بصورة رئيسية بالحد التدريجي من تأثير الفصائل والاحزاب الهجينة، من دون الدخول بصدامات عنيفة ومعارك تكسير عظام لإنهاء وجودهم، ولكن الخطوة التدريجية تكمن في احتواء كيانهم لإصلاحه، وتفكيك نواتهم الصلبة بفتح حوار قانوني وطني، ومن ثم معالجة المتمرد بفرض القانون ولو بالعنف".

تأكدت الانقسامات العراقية ب: 1 ـ عرف المحاصصة الذي جاء به الاحتلال" شيعة, سنة, كرد, تركمان, اقليات " الذي جوهر العراق في مكونات. 2 ـ الاحزاب المسيطرة" الشيعية, السنية, الكردية, التركمانية .." التي ارادت تأكيد مكاسبها عبر الانقسام. 3 ـ الاحزاب الدينية التي استبدلت التنافس الحزبي بالطائفي.

وكذلك ظهوره قبل استشهاده بيوم في احدى الفضائيات متحدثا عن المليشيات المنفلتة وعدمية جدوى صواريخ كاتيوشا التي يقذف بها بين الحين والآخر على مختلف المناطق ولا تصيب الاهداف المعنية بل تلحق الضرر بالمنازل السكنية والاطفال"حسب قوله". الى جانب علاقاته المقربة والاستشارية من رئيس الوزراء الحالي قد اثار ضغن وكراهية من لا يرغب الاستماع لرأي الآخر.

لقد كان اغتيال الخبير الامني والمحلل الاستراتيجي والباحث الدكتور هشام الهاشمي" حسب حديث لأحد السياسين" " ليس فقط جريمة بشعة لشخصية تميزت بمعارفها الواسعة والعميقة بشؤون الجماعات المسلحة المتطرفة والارهابية، ورؤيته الرصينة والمتوازنة للاوضاع السياسية وانحيازه الفكري لخيارات الاعتدال وارساء اسس الدولة مدنية القائمة على المواطنة ولجرأته في التعبير عن افكاره وتشخيص المخاطر التي تتهدد امن البلاد واستقراره ومصادرها، وانما هو حدث صادم يحمل رسائل سياسية تحمل تحذيرا جديا لاكثر من جهة وتمثل تحديا للحكومة ورئيسها ولمنهجه".

 

 

وما يؤذي الذات الانسانية ان يكون لدى بعض اوساط "مثقفة" أن  ادانة الجريمة عمل خجول وحذر, ومغلفا برؤى مريضة محتواها" ان الضحية هو نتاج للأوضاع العامة وبالتالي متوقعة هذه العمليات وستزداد, وعلينا معالجة القضية في اطار الصراع الاقليمي والدولي, بل اعتبرها البعض جريمة ارتكبتها اسرائيل وامريكا لتأجيج الصراع الطائفي مجددا", انها محاولات بائسة للتخفيف من هول الجريمة المرتكبة بحق الخبير الامني والسياسي, بل واعطاء الضوء الاخضر للقتلة بارتكاب مزيدا من الجرائم. لقد اهتز الرأي العام العالمي الرسمي والشعبي لأغتياله, ولم يهتز بعض من الضمائر" المثقفة ".

لقد كان اغتياله نكسة لحرية التعبير, بل ان الهاشمي كان احد رموزها, وقد عانى العراق ومنذ 2003 بفقدان الكثير من الاعلاميين والصحفيين وقد بلغ عددهم اكثر من 240 ضحية في مختلف التخصصات الاعلامية والصحفية والثقافية, حتى صنفت المنظمات الدولية العراق ضمن الدول الخطرة على ارواح الصحفيين والاعلاميين وغيرهم, الى جانب ما استثهد مؤخرا وفقط في احتجاجات اكتوبر الماضي والتي بلغ عددهم اكثر من 700 شهيد وآلاف الجرحى والمعوقين والمغيبين واالمعتقلين, وفي صفوفهم الكثير من يعمل في الصحافة والاعلام.

وكانت أصوات الشعب قد تعالت، مطالبة بكبح جماح الجماعات المسلحة في الشارع العراقي، وضبطها في إطار سلطة الدولة، وقد طالب نشطاء عراقيون إبان انتفاضة تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بالكشف عن مرتكبي عمليات اغتيال واختطاف الناشطين، التي زادت بصورة كبيرة في ذلك الوقت، وكانت تتم بنفس الطريقة في العاصمة بغداد، وعدة مدن ومحافظات أخرى، منها كربلاء والنجف والناصرية. 

تبقى الدروس المستخلصة من استشهاد الهاشمي كما غيره تثير تساؤلات مشروعة لدى الناس والرأي العام, ولعل ابرزها: هل ينجح الكاظمي في منع عودة عمليات الاغتيال للشارع العراقي كما تعهد, واين دور الحكومة الحالية وجهودها في الكشف عن قتلة محتجي اكتوبر وهل سيتم الكشف عنهم فعلا أم اللعب في الوقت الضائع, وهل تمتلك الحكومة اجهزة امنية واستخبارتية حيادية تعمل بدون مساومات وضغوط, هل ستنحدر نحو الأسوء حرية التعبير على خلفية اغتيال الهاشمي ويعود الخوف انتاج نفسه اضعافا بسبب عدم العثور على الجناة المجرمين, وهل هناك سقف زمني لفك الارتباط بالدولة العميقة وجماعاتها المسلحة. انها مهمة ليست سهلة في وجه مصطفى الكاظمي اذا اراد يبدء فعلا بخطوة الآلف ميل ولكن هناك شعب سيقف معه وعلى افتراض صدق نوياه. المجد والخلود لروح الشهيد هشام الهاشمي شهيد الكلمة الحرة والخزي والعار للقتلة الجبناء.

 المؤتمر الصحفي الأول

لرئيس الوزراء العراقي

ملاحظات سايكوسياسية

د.عامر صالح

 

أستمعت وشاهدت المؤتمر الصحفي الذي عقده رئيس الوزراء العراقي الجديد مصطفى الكاظمي بتاريخ 11ـ06ـ2020 وهذا هو المؤتمر الأول بعد توليه المنصب خلفا لرئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي الذي قدم استقالته على خلفية الاحتجاجات الشعبية العارمة, والداعية الى إحداث تغيرات جذرية في العملية السياسية الى جانب البعد المطلبي والمتمثل في تأمين الخدمات العامة, والتي اندلعت في الاول من اكتوبر في العام الماضي, وقد راح ضحيتها الألوف من الجرحى والمئات من الشهداء الى جانب الألوف من الاعاقات المنتهية الفير قابلة للشفاء.

لم يكن رئيس الوزراء الجديد في حديثة الصحفي منظرا من الطراز الكلاسيكي خلافا لسابقه, ولم يكن أنشائي الحديث او مسترسلا كسابقيه في حديث ممل ومجتر ولم يتحدث عن انجازات متسقبليه خيالية تضع العراق في موقع خارق غير موقعه الموضوعي الواقعي, بل تحدث عموما بلغة بسيطة تضعه في احتمالين, قد يكون الرجل غير متمكن على الارتجال والطلاقة اللغوية والفكرية, او قد يكون الرجل قد اختار خطابا موجها الى الشارع العراقي والى المنتفضين بشكل خاص وعامة الناس, ليضعهم في تصور دقيق عن الوضع العام وليؤكد للناس على اصراره وقدراته الكامنة ومجازفته لأختراق قواعد اللعبة السياسية المحاصصاتية التي اعتاد عليها السياسيين منذ 2003. وقد لاحظت في الرجل بعض التوقفات في النطق ولا اعرف إن كانت ناتجة من عيوب لغوية أم من لحظات انفعال وغضب مشروع.

في خطابه يستدرك المرء حجم المهام الكبرى التي وضعت في عهدته وفي مقدمتها محاربة الفساد الذي انهارت على خلفيته مؤسسات الدولة واعلنت افلاسها كليا بعد العجز المالي وهبوط اسعار النفط وازمة كورونا, وعجز الدولة عن قدرتها في توفير الرواتب للأشهر القادمة. كان الرجل في حديثة للأعلام اقترن بمشاعر دفينة واحساس بعمق الأزمة وهو رجل المخابرات السابق الذي يعرف ذلك قبل غيره, ويعرف جيدا اعدائه واصدقائه وحجم المعارضة التي وقفت ضد توليه منصب رئيس الوزراء, الى جانب أن الشارع العراقي المنتفض منذ الاول من اكتوبر ضل متوجسا ويتعامل مع مصطفى الكاظمي عن بعد, بل هناك من لا يثق به اصلا بأعتباره نتاجا وخيار طوارئ أقدم عليه نظام المحاصصة عند ختياره وخوفا من عواقب الفراغ السياسي وتداعياته الجماهيريه والتي قد تعصف بالطبقة السياسية الحاكمة بل وبنطام المحاصصة برمته.

وعلى الرغم من جرأته الواضحة وتحديه وتأكيده ان هدفه الأسمى هو خدمة الشعب العراقي الذي يستحق الأفضل" حسب قوله " وتأكيده انه مستعد للتضحية بحياته, بل اشار بوضوح ان جهات تستهدف تصفيته بالقتل ولكنه جاهز لكل الاحتمالات, كما طالب الشعب العراقي بدعمه والوقوف الى جنبه في محاربة الفساد واجتثاثه, وبالتأكيد فأن خطابة استقبل شعبيا بين الشك ونصف اليقين, وخاصة انه لم ينجز لحد الآن أي مطلب من مطالب المتظاهرين, ولكن وعوده وتلويحه بمقدرة كامنة للمواجهة وكذلك هو من يقرر ساعة الصفر قد ينعكس بظلال ايجابية على الشارع, رغم ان الشارع العراقي قد اصابه الملل واليأس وسمع الكثير وبالتالي ان تزرع الثقة بشعب محبط خلال 17 عاما من الوعود أمر ليست هين وخاصة ان مصطفى الكاظمي لم يكن خيارا شعبيا من ساحات التظاهر, وهو ايضا نتاج لعملية سياسية ديمقراطية لا تتجاوز شرعيتها 20% من الشعب العراقي, فيها القول الفصل للجماعات والاحزاب المسلحة داخل البرلمان.

ومما يؤكد بعض من نزاهة الرجل هو استقلاليته النسبية عن الاحزاب السياسية والطائفية منها بشكل خاص, ثم نزعته المدنية والعلمانية وكونه ناشط مدني سابق وفاعل مع المنظمات العالمية المعنية بحقوق الانسان والديمقراطية وعمل في الصحافة في خدمة قضية العراق ونضال الشعب من اجل الديمقراطية وضد الديكتاتورية, الى جانب كون الرجل غير مرغوب فيه من قبل الاحزاب الاسلاموية وكذلك من المليشيات الطائفية المسلحة وسبق له وأن أتهم في المساهمة في اغتيال سليماني والمهندس بالتخطيط مع القوات الامريكية, الى جانب الصراع المستميت من قبل الاحزاب المليشياوية برفضه رئيسا للوزراء, في مقابل ذلك طبعا وفي الجانب الآخر هو التأييد والدعم الدولي والاقليمي لتوليه منصب رئاسة الوزراء, والذي يمكن ان يوظف لمصلحة بناء الدولة المدنية في الاستفادة من الدعم الخارجي.

 

نجاح حكومة السيد الكاظمي في تحقيق المطالب والاستحقاقات الوطنية المطلوبة منها على صعيد تلبية مطالب المتظاهرين، وتحقيق الاستقرار السياسي على الصعيد الوطني ومحاربة ظواهر الفساد وعدم الاستقرار بشكل عام، ولو بشكل جزئي. قد تكون البداية الحقيقية في بذرة إصلاح العملية السياسية وتصحيح مسار الديمقراطية العراقية، ومعالجة أداء النظام السياسي الحالي, فالأنتخابات القادمة وقانونها ومفوضيتها هي الشاغل الأهم للتأسيس لمرحلة انتقالية سياسية تحمل بذور الصحة والتفاؤل في اعادة بناء العملية السياسية في العراق على اساس المساهمية الفعلية والنزيهة للشعب العراقي بعيدا عن الترهيب واستخدام السلاح وحرق صناديق الأقتراع وضمان مساهمة اوسع للشعب العراقي في انتخاب ممثليه.

كما يشكل ملف الفساد الاداري والمالي من اصعب الملفات امام حكومة السيد مصطفى الكاظمي, واذا ما تمتع بشجاعة كافية ومقدره استثنائية في البدء بفتحه فأنه يشكل بارقة أمل للعراقيين لأسترداد اموالهم المنهوبة. وللتذكير فقط وفي أول جلسة للبرلمان العراقي من فصله التشريعي الثاني، والتي عقدت في 9 من مارس/آذار للعام 2019، كشف رئيس الحكومة المستقيل عادل عبد المهدي "خارطة للفساد"، شملت 40 ملفا، غالبها في مفاصل ومؤسسات الدولة. وشملت القائمة: "تهريب النفط، ملف العقارات، المنافذ الحدودية، الجمارك، تجارة الذهب وتهريبه، السجون ومراكز الاحتجاز، النقاط الأمنية الرسمية وغير الرسمية، المكاتب الاقتصادية بالمؤسسات والمحافظات والوزارات، تجارة الحبوب والمواشي، الضرائب والتهرب منها، الأتاوات و الكومشن (العمولة)، مزاد العملة والتحويل الخارجي، التقاعد، ملف السجناء، ملف الشهداء، المخدرات، تجارة الآثار، الزراعة والأسمدة والمبيدات،  تسجيل السيارات والعقود والأرقام،  الإقامة وسمات الدخول".

وتضمنت أيضا: " الأيدي العاملة الأجنبية، الكهرباء، توزيع الأدوية، توزيع البطاقة التموينية، الرعاية الاجتماعية، السلف المالية المصرفية، التعيينات، بيع المناصب، العقود الحكومية، تهريب الحديد والخردة وغيرها، الامتحانات وبيع الأسئلة، المناهج التربوية وطباعة الكتب،  المشاريع المتوقفة، المشاريع الوهمية، القروض المالية، شبكة الاتصالات والإنترنت والهواتف النقالة، الإعلام والمواقع الإلكترونية، شبكات التواصل الاجتماعي، ملف النازحين، الاتجار بالبشر".

تُضاف هذه القطاعات الأربعين الرئيسية إلى الكثير من ملفات الفساد المُكتشفة بالأساس سابقا، لكن لم يتم تفعيل الأدوات والمؤسسات القضائية والتنفيذية لمتابعتها. تقدر الحكومة العراقية تلك الملفات بحوالي 13 ألف ملف للفساد، يقدر المتورطين فيها بقرابة مليون مشتبه، بين فاسدين ومتعاونين ومرتشين ومعطلين للقانون العام. تتراوح دائرة المؤسسات والإدارات المتورطة بها من التعليم والقضاء، وتمر بالتهريب والرشاوي، ولا تنتهي بوزارتي النفط والدفاع، اللتان تُعتبران من أكثر وزارات العراق فسادا على الإطلاق. خارطة الفساد هذه تعكس بوضوح استباحة العراق شعبا وأرضا ووطنا ومواردا للعيش. فلا نستغرب عنما تشير الأرقام الدولية بأن موقع العراق هو بالمرتبة 166 من أصل 176 دولة على سلم الدول في مستوى الشفافية في العالم. أي أن العراق من أكثر الدول فسادا في العالم. وقد بلغ ما أهدره العراق وخسره شعبه ما بعد 2003 يقدر بتريليون و400 مليار دولار.

وبالتأكيد أنها للكاظمي خطوة المليون ميل لمحاربة الفساد في العراق, ولكن البداية تؤسس لضمانات لاحقة في السير قدما لمحاربته, أنه عمل ليست هين وبسيط فقد تحدى أستعراضيا الذين سبقوا الكاظمي ولم يتمكنوا, وقد كانوا اكثر اذعانا لمنطق المحاصصة الطائفية والقومية والأثنية, ولعل في الكاظمي وطاقمه ما يستطيع فعله والتأسيس له, وهو وبفعل قصرالمدة المتبقية له ليست مطالب بحلول سحرية, ولكن اقدامه على خطوات عملية ملموسة ستضعه امام فرص تاريخية وتوقعات بتلاحم ميداني من المتظاهرين معه, وتلك هي سنة التغير نحو الأفضل: أن تبدأ الآن خير من أن لا تبدأ ابدا. وختاما لقد تحدث الكاظمي في مؤتمره الصحفي عن رواتب وامتيازات السجناء والمعتقلين في زمن النظام السابق والشهداء وضحايا الارهاب وكذلك ازدوواجية او اضعاف الرواتب التي تستلم الى جانب الفضائيين في قطاعات الدولة والعمل على معالجة ذلك جذريا, وهي جميعيها بالتأكيد جزء من سوء التشريع ومصالح المشريعيين ونواياهم الحزبية والطائفية, ولكنها جزئية بسيطة في اطار الفساد الآعظم الذي يجب البدء في مكافحته على طريق اجتثاثه.

 

 

 

المناسبات العالمية

 للطفولة ومأساة أطفال العراق

 

د.عامر صالح

 

احتفلت العديد من دول العالم في الأول من حزيران بعيد الطفل العالمي علما أن عيد الطفل العالمي حسب مواثيق وتوقيتات الأمم المتحدة هو العشرين من نوفمبر من كل عام, ولكن مرونة الأمم المتحدة تركت الأمر لظروف البلدان وتقاليدها المعتمدة للأحتفال بيوم الطفل العالمي. وهناك مناسبات ذات صلة بيوم الطفل العالي, وهي: اليوم الدولي لضحايا العدوان من الأطفال الأبرياء والمصادف يوم 4 حزيران من كل عام , وكذلك اليوم العالمي لمكافحة عمل الاطفال والمصادف يوم 12 حزيران, ثم اليوم الدولي للطفلة والمصادف في يوم 11 أكتوبر. وقد استحدث اتحاد النساء الديمقراطي العالمي يوم الاول من حزيران للاحتفال بيوم الطفل العالمي منذ عام 1950 وقد اتخذ هذا القرار في مؤتمره الذي انعقد في موسكو في الرابع من نوفمبر في العام 1949 ولا يزال الكثير من دول العالم تحتفل بعيد الطفل العالمي في الاول من حزيران من كل عام, وقد كان زخم الفكر الاشتراكي في انصاف الطفولة وانقاذها من التعسف والاضطهاد قويا آنذاك ولا يزال حتى اليوم تحت وقع فكر العدالة والمساواة والذي ساهم فيه الفكر الماركسي عالميا في التأسيس له كمزاج اجتماعي غير قابل للمساومة.

أقرّت الأمم المتحدة وفقاً لقرار رقم 836 في عام 1954م اليوم العالمي للطفل أو يوم الطفل، حيث يتم الاحتفال به في العشرين من شهر تشرين الثاني/نوفمبر سنوياً من أجل دعم وتعزيز الترابط الدولي ونشر الوعي بين الأطفال في جميع أنحاء العالم، إذ يحمل هذا اليوم أهمية بالغة في تاريخ الطفولة، فهو اليوم الذي اعتمدت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان حقوق الطفل، وتبنّت اتفاقية حقوق الطفل التي صادَقَت عليها معظم دول العالم، وذلك في عام 1989م، فمنذ عام 1990م والعالم يحتفل بالذكرى السنوية لتاريخ اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة للإعلان والاتفاقية المتعلقة بحقوق الطفل.

لاقت اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989موافقة وتأييد معظم دول العالم، لا سيّما أنّها كانت الوسيلة الأساسية لمنح الإنسان كامل حقوقهِ سواءً الحقوق المدنية، أو الثقافية، أو الاقتصادية، أو السياسية، أو الاجتماعية، إذ تبنت أربعة مبادئ ومتطلبات أساسيّة وتوجيهية في سبيل تحقيق وتطبيق الالتزام بجميع هذه الحقوق، وهي كما يأتي:

المساواة وعدم التميّز: تشمل اتفاقية حقوق الطفل جميع أطفال العالم دون تمييز، ودون النّظر إلى الدين أو العرق، حيث شملتهم على اختلاف ثقافاتهم وأفكارهم وقدراتهم، سواءً كان الطفل ذكراً أم أنثى، أو كان ضمن طبقة الفقراء أم الأغنياء. الحرص على مصلحة الطفل: تتعهّد الاتفاقية على أنّ أيّ قرار أو إجراء قبل اتخاذه يتمّ النظر في أثره على الأطفال ويجب أن يصّب في مصلحة الطفل وفوق جميع المصالح الأخرى. البقاء على قيد الحياة والنّماء: يُعتبر حق الحياة حقاً أساسياً ومُتجذراً لجميع الأطفال، وتقع مسؤولية الحفاظ عليه على عاتق أصحاب القرار في جميع الدول، بالإضافة إلى ضمان نموّهم وتطوّرهم جسدياً وعقلياً بشكلٍ طبيعي. المشاركة وحرية التعبير: لجميع أطفال العالم الحق في حرية التعبير عن آرائهم واتخاذ القرارات المناسبة بشأن حياتهم الخاصة دون إجبار، والالتزام بحماية جميع حقوق الطفل من السّلب وتوفيرها لهمّ قدر المُستطاع.

وقد أستندت اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل على مجموعة من المعايير لتضمن للأطفال حقوقهم، إذ تم وضع 12 حقاً أساسياً لجميع الأطفال، وهي كما يأتي:

ـ العيش في بيئة عائلية وجو أُسري مُستقر يُشعر الطفل بالراحة والآمان والمحبة، والطمأنينة، والانتماء، وتوفير الظروف الملائمة لعيش حياة كريمة سواءً مع أهله أو ضمن بيئة عائلية تُشعره بذلك.

ـ توفير الرعاية الصحية والتغذوية المنتظمة في جميع الأوقات، وغرس مجموعة من العادات الصحية والسليمة والجيدة فيهم، وتزويدهم بأطعمة صحية ذات قيمة غذائية مفيدة.

 

ـ توفير جميع المُستلزمات الأساسية من مأكل ومشرب ومبيت، والحرص على وجود مصدر ثابت للحصول على مياه نظيفة، وتأمين الطاقة الكهربائية في بيئة آمنة.

ـ تلقّي الأطفال التعليم الذي يتوافق مع قدراتهم واهتماماتهم، إذ إنّه من المُفترض احتواء البرامج التعليمية على برامج إثرائية لتأهيلهم للتعليم العالي أو توجيههم نحو التعليم المهني.

ـ تكافؤ الفرص بين الأطفال، فلكل طفل الحق في الحصول على الفرصة المناسبة دون النظر إلى جنسه، أو عرقه، أو أصله، أو أوضاعه المادية، أو دينه، أو عقيدته، أو حالته الجسدية أو الجسمانية، سواءً كان الطفل سليم الجسد أو من ذوي الاحتياجات الخاصة.

ـ تقديم الرعاية المناسبة للطفل ودعمه، وذلك على يدّ شخص بالغ مُتدِّرب يهتم بالطفل ويرعاه، ويمتلك القدرة على قيادة الطفل نحو النجاح.

ـ اشراك الطفل في عملية اتخاذ القرارات لجميع الأمور المؤثرة عليهم، وإعطاؤه الحق في التعبير عن آرائه وأفكاره.

ـ غرس المواطنة الصالحة والنشطة، والمسؤولية، والانتماء تجاه مجتمعه أو وطنه، وتعليمه الطُرق المناسبة لخدمة مجتمعه الذي سيعيش فيه مستقبلاً.

ـ تقديم الحماية الفعالة من التأثيرات السلبية عليه، وسوء المعاملة، والإهمال، والإيذاء الجسدي والنفسي، وجميع أشكال الاستغلال.

ـ العيش حياة هانئة وكريمة ضمن ظروف كافية لتعزيز شعوره بالكرامة والحرية، ومعاملته باحترام وتقدير.

تعزيز شعور الطفل بالروحانية وتنمية أخلاقه، وذلك عن طريق التطور الروحي والانتماء الديني. ـ

العراق أحد البلدان ذات التنوع العرقي والاثني والديني, وهو من ضمن دول العالم التي تعهدت لأطفالها بضمان طفولة أفضل وفقا لتوصيات أتفاقية حقوق الطفل الدولية, تعرضت فيه الطفولة العراقية الى انهيارات كبرى جراء الحروب المتواصلة وهيمنة قيم الدكتاتورية والتسلط, ثم أعقبها حروب داخلية بنكهة طائفية مقيتة, وتغيرات في البنى الثقافية والاجتماعية, واشاعة ثقافة فئوية انكفائية مغلقة, وتدهور في العملية التربوية والنفسية للطفولة العراقية, وإشاعة موقف متهاون من ضرورة التعليم والرعاية للطفولة العراقية. وهنا لا بد من تسجيل بعض ما لحق بالطفولة العراقية من أضرار بليغة, تستدعي منا وقفة انسانية لمعالجة مخاطرها, وهي: 

1 ـ التسرب والرسوب المتواصل للاطفال الدارسين في التعليم الابتدائي والمتوسط جراء الضغط المتواصل لظروف العيش وعدم مقدرة الأسرة العراقية للأيفاء بمتطلبات الدراسة وظروف العيش.

2 ـ انخراط اعداد هائلة من الاطفال في سوق العمل الرثة لمساعدة ذويهم وأسرهم في ظروف ضنك العيش, مما حرم الاطفال من فرص النمو الطبيعي, العقلي منه والتربوي.

3 ـ ظاهرة التسكع في الشوارع بين الاطفال كأفراد وكمجاميع شللية مما يعرضهم الى مختلف مشاريع الاستمالة, من جريمة منظمة وانحرافات خلقية وسلوكية, وحتى زجهم في مشاريع انتحارية كالارهاب وغيره.

4 ـ ظاهرة الاطفال اليتامى والذين فقدو والديهم في الحروب المختلفة, أو جراء العمليات الانتحارية كضحايا لها, وعدم تمكن مؤسسات الدولة التربوية والرعائية لأحتضانهم وتوفير الأمن والآمان لهم, مما يجعل طفولتهم في مهب الريح.

5 ـ زج الاطفال وعبر العملية التربوية بثقافة الانحياز الطائفي والتعصب الاثني من خلال تعبئة عقول الاطفال بثقافة التمترس والانغلاق الذهني والفكري في اطار ثقافة احادية الجانب وغير منفتحة على الآخر.

 

6 ـ النزوح المتعاظم للأطفال مع أسرهم بسبب الحروب الداخلية, أو حروب تحرير الاراضي  العراقية من داعش, أو حروب التصفيات العرقية والاثنية, مما يجعل مستقبل الاطفال مجهولا.

7 ـ انتشار الاوبئة والامراض وسط مجاميع الاطفال وتجمعاتهم الشللية مما ينذر بانتشار محتلف الامراض المعدية وغير المعدية, وفي ظروف انعدام الفحوص الدورية الطبية للتأكد من سلامة الاطفال.

8 ـ أنعدام وسائل الترفيه والتسلية والانشطة الثقافية لأمتصاص الوقت الزائد لدى الاطفال وتوظيفه وجهة مفيدة لنموهم العقلي والجسدي والفكري.

9ـ عدم الالتحاق بالمدارس الابتدائية في العمر المقرر بسبب من صعوبات مادية للأيفاء بمتطلبات النقل او عدم المقدرة في تحمل المستلزمات الدراسية من قبل الوالدين, الى جانب انخفاض الوعي لديهم بضرورة ارسال ابنائهم الى الدراسة, مما يسهم في رفد جيوش الأميين من السكان بالمزيد من الأفراد.

10 ـ تعرض الاطفال للعقاب الجسدي من قبل البيت أو المدرسة أو العنف في خارج المنزل يشكل تهديدا خطيرا للطفولة العراقية, لما يتركه من آثار وخيمة في بناء شخصية ضعيفة تستجيب بشكل خضوعي وسلبي لضغوطات الحياة المختلفة.  

وفي ظل جائحة كورونا فأن الاطفال العراقيين  يتعرضون الى  تهديدات متزايده تستهدف سلامتهم وعافيتهم، بما في ذلك إساءة المعاملة والعنف الجنسي والاستغلال والإقصاء الاجتماعي والانفصال عن مقدمي الرعاية بسبب الإجراءات المتخذة لاحتواء انتشار جائحة كوفيد – 19 وقد تعرض الكثير من الاطفال الى شتى صنوف الاهانات والتعذيب وصلت الى درجة القتل والتصفيات بأشد الاساليب كراهية للخلق الانساني, وقد ساهم في ذلك الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية وعدم التمكن الأسري من خلق ظروف استقرار او الخلل في ستيعاب كورونا وتداعياتها السايكو اجتماعية. 

 وقد يساعد تواجد أفراد الأسرة على مساحة مغلقة وضيقة ولفترات طويلة في توتر العلاقات العائلية، كما أن التقارب المكاني الحالي بين أفراد الأسرة يؤدي إلى تماس مباشر بينهم، وهو ما قد يؤدي إلى ضغط نفسي، ربما سيتحول إلى عنف جسدي ضد المرأة والطفل. كما أن مستوى التوتر والقلق يرتفع داخل المنزل في حالات الطوارئ المختلفة كما في كورونا، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة إمكانية تعرض الأطفال في العائلة للاعتداءات والعنف كونهم أكثر الفئات المستضعفة في المجتمع., وبالتالي فأن الاطفال العراقيين معرضين لمختلف صنوف التضييق والأذلال وسيزداد تعنيفهم اكثر مما سبق بأضعاف.

 ومن هنا وبمناسبة یوم الطفل العالمي نؤكد على ضرورة اتخاذ إلاجراءات العاجلة لأطفال العراق الأكثر حرمانا من حقوقھم الأساسیة ، كما ندعو جمیع الجھات المعنیة في الحكومة والمجتمع المدني والمجتمع الدولي لحمایة الأطفال من الاستغلال احتراما لكرامتھم، ومنحھم الفرص المتساویة لیصبحوا شابات وشباب أصحاء ومنتجین في عراق الغد، ومعالجة كل الانتھاكات لحقوق الطفل في العراق من نقص فرص الحصول على الخدمات الصحیة والتعلیم الجید والحد من التسرب، والعنف ضد الأطفال في المدارس وبین الأسر والتمییز والأثر النفسي من العنف نتیجة الحروب والإرھاب المستمر والاحتجاز في سجون الأحداث وعدم أیلاء الاھتمام الكافي بالأطفال ذوي الاحتیاجات الخاصة والمشردین والذین لیسوا في بیئتھم الأسریة, وبذل كل الوسائل للحد من تأثير كورونا على سوء معاملة الاطفال. 

أن الاعلان العالمي لحقوق الطفل يشكل حافزا قويا للدفاع عن الطفولة العراقية ومحاولة للنهوض بمستلزمات الطفل العراقي في الحرية والتربية والعيش الكريم بعيدا عن الحروب والتعصب الديني والمذهبي والاثني الذي يمزق شخصية الاطفال, وتأمين فرص العيش الذي يليق بالطفولة الانسانية, ولعله يكون حافزا للمزيدا من فهم الطفولة واهيمتها لبناء رجال ونساء المستقبل.

 التأصيل السايكو اجتماعي والتربوي

والسياسي للفساد الأداري والمالي في العراق

وما يمكن للحكومة أن تقوم به

 

د.عامر صالح

 

أصبح الحديث عن محاربة الفساد الاداري والمالي في العراق مادة دسمة "رغم انعدام ثقة المواطن" لمن يرغب ان يفوز في انتخابات برلمانية أو يكون في منصب رئيس وزراء أو حتى ان يكون مسؤول صغير في الدولة لأن حجم مشكلة الفساد وسعته واستعصاء حلها لا يمكن تصديقه, وقد اخفقت كل الحكومات المتعاقبة على الحكم ما بعد 2003 في الحديث عن رموز الفساد علانية, بل ان جميع تلك الحكومات بطواقمها متهمة بالفساد إلا ما ندر. ولأن الأمل معقودا على من يستطيع تقديم الفاسدين الى العدالة واسترجاع المال العام فأن الشعب يترك هامشا من المناورة وزرع ثقة أولية لمن يدعي محاربة الفساد.

ويتحدث الكثير من السياسيين، إن "الفساد المالي والإداري في العراق ليس مسألة ارقام، فما خسره العراق يفوق بأضعاف ما تتحدث عنه هيئة النزاهة والجهات المختصة"، مؤكدًا أن "الموازنات الفلكية ذهبت في جيوب الأحزاب عبر تقسيمها، حيث كل همهم كان، كيف يسرقون أكثر". أن "الفساد لم يترك بابًا إلا وطرقه في كل القطاعات والمؤسسات والملفات، وخلف لنا كمًا هائلًا من المشاريع الوهمية ومليارات الدولارات كديون خارجية، فضلًا عن تحطيم الاستثمار والبنى التحتية وتدمير كل إمكانات الدولة".

تجاوزت الواردات المالية للعراق منذ الغزو الأميركي وسقوط النظام السابق، في نيسان/إبريل 2003، 1000 مليار دولار، ذهب نصفها إلى الموازنة الاستثمارية الوهمية، رمز "الفساد الأعظم"، وفق لجنة النزاهة النيابية. خسر العراق، كما تقول اللجنة، أكثر من 350 مليار دولار من خلال تهريب العملة ومزاد البنك المركزي، والعقود والمشاريع الوهمية والمتلكئة منذ العام 2003 حتى اللحظة. وفي تصريح سابق لرئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي، قال ان "الفساد أفقد البلاد 450 مليار دولار مع وجود ناتح محلي للموظفين الحكوميين بمقدار 6%، أي بمقدار 20 دقيقة عمل في اليوم"، مؤكدًا أن "موازنات العراق منذ العام 2003 وحتى العام الجاري بلغت 850 مليار دولار", وقد سلم ميزانية الحكومة فارغة الى خلفه مصطفى الكاظمي.

يواصل الفساد نخر العراق، حيث كشفت إحصائيات برلمانية في فترة سابقة عن وجود أكثر من 6 آلاف مشروع وهمي منذ عام 2003 كلفت العراق ما قيمته 178 مليار دولار. في هذا السياق، قال مسؤول عراقي في مكتب رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي، إن المشاريع الوهمية 30 بالمائة منها تمت برعاية الأميركيين، وهناك ضباط وحلقات أميركية مختلفة إبان الاحتلال تتورط معها. وأضاف  أن النسبة المتبقية من المشروعات الوهمية، البالغة 70 بالمائة، تمت في زمن الحكومات العراقية المتعاقبة بعد رحيل الأميركيين، وأكثر الفترات التي شهدت مشاريع وهمية كانت في عهد حكومتي نوري المالكي الأولى والثانية، بينها مجمعات سكنية وسياحية وأخرى خدمية قام هو بنفسه بوضع حجر الأساس لها لكنها انتهت إلى المجهول ولم تر النور، رغم أن مبالغها تم صرفها من الموازنة العامة. وفي محصلة جنونية رقمية فأن العراق اهدر ما بعد 2003 الى وقتنا الحاضر أكثر من تريليون و 400 مليارد دولار, وهي مبالغ تبنى فيها مدن وعواصم حضارية وتشيد فيها ابراج وناطحات سحاب وتضمن مستقبل اجيال وتؤسس منها صناديق ضمان للمستقبل.

 

 

وفي أول جلسة للبرلمان العراقي من فصله التشريعي الثاني، والتي عقدت في 9 من مارس/آذار للعام 2019، كشف رئيس الحكومة المستقيل عادل عبد المهدي "خارطة للفساد"، شملت 40 ملفا، غالبها في مفاصل ومؤسسات الدولة. وشملت القائمة: "تهريب النفط، ملف العقارات، المنافذ الحدودية، الجمارك، تجارة الذهب وتهريبه، السجون ومراكز الاحتجاز، النقاط الأمنية الرسمية وغير الرسمية، المكاتب الاقتصادية بالمؤسسات والمحافظات والوزارات، تجارة الحبوب والمواشي، الضرائب والتهرب منها، الأتاوات و الكومشن (العمولة)، مزاد العملة والتحويل الخارجي، التقاعد، ملف السجناء، ملف الشهداء، المخدرات، تجارة الآثار، الزراعة والأسمدة والمبيدات،  تسجيل السيارات والعقود والأرقام،  الإقامة وسمات الدخول".

 

وتضمنت أيضا: " الأيدي العاملة الأجنبية، الكهرباء، توزيع الأدوية، توزيع البطاقة التموينية، الرعاية الاجتماعية، السلف المالية المصرفية، التعيينات، بيع المناصب، العقود الحكومية، تهريب الحديد والخردة وغيرها، الامتحانات وبيع الأسئلة، المناهج التربوية وطباعة الكتب،  المشاريع المتوقفة، المشاريع الوهمية، القروض المالية، شبكة الاتصالات والإنترنت والهواتف النقالة، الإعلام والمواقع الإلكترونية، شبكات التواصل الاجتماعي، ملف النازحين، الاتجار بالبشر".

 

تُضاف هذه القطاعات الأربعين الرئيسية إلى الكثير من ملفات الفساد المُكتشفة بالأساس سابقا، لكن لم يتم تفعيل الأدوات والمؤسسات القضائية والتنفيذية لمتابعتها. تقدر الحكومة العراقية تلك الملفات بحوالي 13 ألف ملف للفساد، يقدر المتورطين فيها بقرابة مليون مشتبه، بين فاسدين ومتعاونين ومرتشين ومعطلين للقانون العام. تتراوح دائرة المؤسسات والإدارات المتورطة بها من التعليم والقضاء، وتمر بالتهريب والرشاوي، ولا تنتهي بوزارتي النفط والدفاع، اللتان تُعتبران من أكثر وزارات العراق فسادا على الإطلاق. خارطة الفساد هذه تعكس بوضوح استباحة العراق شعبا وأرضا ووطنا ومواردا للعيش. فلا نستغرب عنما تشير الأرقام الدولية بأن موقع العراق هو بالمرتبة 166 من أصل 176 دولة على سلم الدول في مستوى الشفافية في العالم. أي أن العراق من أكثر الدول فسادا في العالم.

ترتبط بدايات جذور ظاهرة الفساد في العراق بمجمل سياسات النظام السابق الاقتصادية والاجتماعية والحروب المدمرة, والتي أدت بمجملها إلى إفقار المواطن وحرمانه من ابسط مقومات الحياة الإنسانية الكريمة, إضافة إلى ما أدت من تفتيت للبنية الأخلاقية والقيمية وضعف الوازع الداخلي, إلا إن سطوة النظام وقمعه حصرت ظاهرة الفساد, وخاصة الإداري والمالي برأس النظام وأطرافه, وحولت بنفس الوقت الفساد إلى ما يشبه الفيروس الخامل تحمله قطاعات اجتماعية واسعة, وجدت في إسقاط النظام والطريقة أو السيناريو التي هوى فيها النظام فرصة مواتية لينشط هذا الفيروس ويتحول من حالة الكمون أو الخمول إلى حالة الفعالية أو النشاط الكامل ليتحول إلى وباء شامل ينشط بطرائق أخطبوطية وبمدى يصعب التحكم والسيطرة عليه أو تحديد سقف له, وقد وفرت الظروف السياسية ما بعد السقوط وطريقة أداء الحكم بيئة صالحة لنشاط فيروس الفساد ليلتف بدوره حول السياسة ويضربها في الصميم ويعيد بعث ظاهرة الفساد السياسي المتمثلة بالاستئثار بالسلطة واستغلال النفوذ السياسي وتكريس قيم الحزب الواحد عند الكثير من الكيانات السياسية, ولعل المثل الصيني " الماوي " القائل : " رب شرارة أحرقت السهل كله " يلقي مصداقية كبيرة في تفسير الفساد في العراق.
أن إحدى تجليات الخوف من الفساد الإداري والمالي هي تحوله إلى ثقافة سائدة أو ما يسمى " ثقافة الفساد " مضفيا على نفسه الشرعية في الشارع وفي المعاملات الرسمية اليومية, ومن ترسخه كنمط سلوكي لإشباع الحاجات المختلفة والاكتفاء الذاتي, وبالتالي يتحول الفساد من كونه عمل منبوذ اجتماعيا وقيميا إلى عمل يلقي الاستحسان ويندمج ضمن المنظومة الايجابية للأخلاق والأعراف, ويعتبر نوعا من الشطارة أو الدهاء الشخصي لصاحبه, وأحد معايير الشخصية الدينامية والمتكيفة القادرة على حل المعضلات بطرائق سحرية.

وعلى هذا الأساس يتحول الفاسد من شخص مجرم يجب أن يساق إلى العدالة إلى شخص قاضي حاجات أو "حلاًل مشاكل ". ففي الوقت الذي كان فيه الفاسد يسير منحنيا بإذلال يخشى أن يعلم به احد جيرانه أو أبناء منطقته,ويذكرني ذلك في نهاية الستينات وبداية السبعينات عندما كانت تعلق صور الفاسدين" السرَاق منهم" في مراكز الشرطة ويكتب أعلاهم بخط عريض " أحذروا هؤلاء ", اليوم يفتخر الفاسد بمكتسباته وبمهاراته وماله الحرام, ولم يعد الفاسد يخشى المواطن بل انتقل الخوف إلى المواطن وأصبح الجميع يحسب آلف حسابا له, لأنه يمتلك السلطة والمال والقرار السياسي, فهو الكادر الحزبي أو القيادي في حزب ما,وهو المدير العام,وهو الموظف الصغير والوزير أو عضو البرلمان وهو أيضا حامل المفخخات والأحزمة الناسفة, بل نبحث عن الفاسد لتسهيل معاملاتنا مهما كانت صعبة, وهو الذي يأتي لنا بالماء والكهرباء والخدمات المختلفة, ويضمن لنا التعيين في أي موقع وفي أي دائرة نرغب بعد أن يمنحنا الشهادة المزورة ويصدر لنا أمر التعين ,وكل ذلك مقابل هدية بحجمه, وإذا لم نقبل بشروط الفاسد فأنه قادر على أن يفرض عليك حصارا لا تقوى الأمم المتحدة على رفعه, فلا غرابة من أن 80% من مراجعي دوائر الدولة العراقية يدفع رشوة لانجاز معاملته.
وبالتالي يتحول الفساد كسلوك وأداة تفضي إلى بلورة جماعات واسعة من المنتفعين ورعاة المصالح الذاتية التي تعمل على توطيد دعائم نظام ما بعد 2003 ولكن بشروط الفساد حفاظا على أوضاعها ومكانتها من الانهيار, وبهذا يطرح الفساد نفسه كطريقة وبديل عن التنمية الاقتصادية الشاملة وفقا للضوابط القانونية والأخلاقية, وتعزيز فكرة أن الفساد يعجل بقضاء المصالح والحوائج وتبسيط الإجراءات وتسير المعاملات مع الجهاز الحكومي, كما انه يعمل على إعادة توزيع الثروات بشكل مشوه من خلال خلق طبقة من أصحاب المال الصغار المستفيدين من رشاوى الحيتان الكبار, كما يزج الطبقة الوسطى" الطبقة المطلوبة رقم واحد في المشروع الوطني الكبير, فكرا وثقافة ومهنية " قي آتون الفساد فيحولها من طبقة إنقاذ إلى طبقة متعايشة مع ظروف الفساد ومكملة له,وعلى خلفية ذلك تنشأ قناعات سلوكية واضحة تفضل الاستقرار و " التنمية " مع الفساد على اللااستقرار بدونه.

وبهذا يتحول الفساد من ظواهر فردية متناثرة هنا وهناك إلى عمل مافيوي مخطط يدخل سوق العمالة ويقدم خدماته من خلال اختراقه كل القطاعات الإنتاجية والخدمية,ويخضع لمبادئ العرض والطلب والمنافسة الكمية والكيفية ويتحكم بمفاصل تشغيل العمالة, وهذا ما نشهده اليوم من تسهيل معاملات على مختلف المستويات,فهناك تسعيرات محددة لشغل مختلف المناصب من مدرس إلى ضابط , إلى شرطي أمن, إلى مدير دائرة والى مدير عام , وتسعيرات للحصول على مختلف الوثائق والمستندات الشخصية من وثائق دراسية وشهادة جنسية وبطاقة أحوال مدنية وجواز سفر وغيرها, طبعا جنبا إلى جنب مع الفساد الكبير الذي يخترق مختلف العقود والمشاريع والمخصصات والاستثمارات الإنتاجية والخدمية التي تستهدف إحياء البنية التحتية المدمرة.

أن القبول بالفساد كأمر واقع شكًل احد عوامل الضغط على المنظومة القيمية والتربوية لدى أفراد المجتمع العراقي وفي تبديد قناعاته الأخلاقية والوطنية, فقد انتشرت اللامبالاة والسلبية بين أفراد المجتمع, وبروز التطرف والتعصب في الآراء وشيوع الجريمة كرد فعل لانهيار القيم وعدم تكافؤ الفرص, كما شاعت قيم فقدان احترام العمل والتقبل النفسي لفكرة التفريط في معايير أداء الواجب الوظيفي وتراجع الاهتمام بالحق العام والشعور بالظلم لدى الغالبية مما يؤدي بدوره إلى الاحتقان الاجتماعي وانتشار الحقد بين شرائح المجتمع وانتشار الفقر,وقد جاء ذلك على خلفية التراكمات التي افرزها النظام السابق متبوعة ومعززة بالإفرازات السلبية التي سببتها الاستقطابات السياسية والتحالفات المشوه والاعتبارات الفئوية والطائفية والقبلية حيث غياب مفهوم المواطنة ومصالح البلاد العليا.

وهكذا لعبت المحاصصة بمختلف مظاهرها سببا في شيوع الفساد الإداري والمالي, ولعبت دور الحاضنة الأمينة له ,فلم يتم اختيار أفراد السلطة ولا الوظائف العامة على أساس النزاهة والعصامية والتكنوقراط وإنما جرى ذلك وفقا لتوافقات سياسية واستحقاقات غير متوازنة ولا معقولة, وعلى هذا الأساس استخدم الفساد كطريقة وجزء من منظومة " الحوافز الإيجابية " ," فالمظلوم " من النظام السابق يقوم باسترداد " حقوقه " بطرق غير قانونية كردة فعل على القمع والإقصاء, ويصبح بدوره ظالما وسارقا للمال العام كاحتلاله منصبا سياسيا أو وظيفيا لا يحمل له أي مؤهل وتحت واجهات ومبررات مختلفة: خطية يستاهل, وصاحب عائلة وأطفال وين يروح, خوش آدمي صائم مصلي,أحسن ما يمد أديه للناس, أو يعتبر نفسه مفصول أو مضطهد سياسيا من النظام السابق فيقوم بتزوير الوثائق والمستندات اللازمة لذلك لكي يسترجع " حقوقه ". أما المظلوم الحقيقي من النظام السابق فيعاني الأمرين لانتزاع حقوقه, بل الكثير تنازل عن جدوى الادعاء بحقوقه تحت وطأة سوء المعاملة’كاصتدامه بموظف كارها له في الفكر أو بعثي سابق احتمى بطائفته ويشغل منصبا جديدا تكريما" لمظلوميته ". وهكذا وفرت المحاصصة غطاء لسرًاق المال العام وللمفسدين بصورة عامة, والجميع بعمل على قاعدة أضرب(أسرق) وأهرب إلى طائفتك أو قبيلتك أو حزبك أو إلى قوميتك, أو هذا لك وذاك لي, بل وصل الأمر إلى العبث في تفسير النصوص القرآنية التي لا خلاف على تفسيرها,في محاولة لانتزاع "الاعتراف الإلهي" بأهلية الفاسد وفساده,فعلى سبيل المثال لا الحصر مثلا يرون في النص القرآني: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله" لا تشمل العقوبة سرًاق المال العام, وأن السارق له حصة في هذا المال فهو يأخذ من حصته, والسارق يعرف تماما أن السرقة من المال العام يعني السرقة من أكثر من 38 مليون عراقي, وبالتالي يستحق ليس قطع اليد،بل تقطيع الأوصال(حسب بعض المفسرين), أما اللهاث وراء الفتاوى الدينية لتحريم الحلال وتحليل الحرام فلا حدود لها, وعلى قاعدة " ذبه برأس عالم وأخرج منها سالم " وما أكثر العلماء في عراق اليوم.

ويتقاطع الفساد الإداري والمالي مع الفساد السياسي ليشكل مقدرة استثنائية في التحكم في الأمن وبعث " الاستقرار " وفي انهياره أيضا,وتلجأ العديد من الفصائل السياسية في التعبير عن قوتها وقدرتها على العبث في الاستقرار عبر ممارسة الفساد المقترن بالقوة المسلحة لاختراق مؤسسات المال العام وقتل حراسه, ثم إعادة المال واختفاء المجرمين, وهي شبيه بالمناورات العسكرية لاستعراض القوى" ولتأديب " الحليف السياسي عند الضرورة, ناهيك عن الإرهاب المعلن بغير أقنعة والمدعم خارجيا والقائم على خلفية عقائدية في العداء للديمقراطية بدون رتوش. أن اقل ما تتركه هذه الأساليب من آثار تربوية ونفسية سلبية هو فقدان الأمل في الاستقرار والخضوع لتفاعلات الأمر الواقع وعدم الثقة بالنظام السياسي باعتباره بديلا عن النظام الديكتاتوري السابق,إلى جانب ما يتركه من حالات إحباط وقنوط تتضح آثارها بصور مختلفة من الاضطرابات النفسية لعل أبرزها مظاهر الاكتئاب والعدوان وإلحاق الأذى بالذات وبالمصلحة العامة.
ومن الضروري الإشارة هنا إلى أن في كل تجارب البلدان التي مرت في محنة الفساد بقيت لديها فسحة من الأمل في بعض من قطاعاتها خالية نسبيا من الفساد,نظرا لارتباط هذه القطاعات بأهداف إنسانية كبرى ذات صلة وطيدة بمستقبل مجتمع بالكامل من حيث الأعداد والتربية والتأهيل وغرس روح المواطنة ونشير منها على سبيل المثال إلى قطاع التربية والتعليم باعتباره قطاعا مصدرا لنماذج القيم المتقدمة وإعادة توليد ما هو ايجابي ومشرف في ذهنية الدارسين, إلى جانب كون العاملين فيه من النخب الاجتماعية والتربوية التي يفترض أن تكون نماذج ومعايير يقتدى بها ويسمع رأيها ,خاصة في الأزمات العامة ,إلا انه مع الأسف كان هذا القطاع من الضحايا الأولى للفساد بمختلف مظاهره من تزوير وسرقة أموال الدارسين وإفساد للعملية التربوية والتعليمية, منهجا وطرائفا وكادرا ومؤسسات, بل أن المحاصصات السياسية والحزبية والطائفية والقومية دخلت بكل حمولتها السيئة لهذا القطاع لكي تحي في ذاكرتنا الآثار السيئة للتبعيث,وبهذا حرم هذا القطاع من دوره الحقيقي في محاربة الفساد بتحويله إلى قطاع مُصدر للفساد.


 

وتبقى محاربة الفساد وتجفيف منابعه إحدى المهمات الصعبة التي تقف عائقا أمام تطور مجتمعنا وديمقراطيته السياسية, وأن المدخل اللازم للقضاء عليه يتجسد في بناء دولة المؤسسات ألحقه القائمة على سلطة القانون لا سلطة الحزب أو الطائفة أو القبيلة والقومية, والعمل على تفعيل النزاهة والمسائلة والعدالة ضمن آليات عمل مفوضية النزاهة المستقلة ويجب أن تقوم بدورها بملاحقة المتورطين بقضايا الفساد وتقديمهم للعدالة باختلاف مناصبهم ووظائفهم ومسؤولياتهم وأنتمائاتهم الحزبية والطائفية والقومية, والجرأة الكاملة والواضحة في مكافحة الإرهاب بشدة باعتباره لونا من ألوان الفساد وخاصة عندما يستخدم للوصول إلى أهداف سياسية, والحفاظ على قطاع التربية والتعليم وتخليصه وتحًيده من الصراعات الطائفية والحزبية والسماح له بأداء دوره الإنساني والوطني في محاربة الفساد على نطاق واسع, فهو صمام الآمان لخلق جيل مؤمن بقيم النزاهة والحق والعدالة,وإعادة توليد القيم الايجابية في أذهان رجال المستقبل.

مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء العراقي الحالي و رجل المخابرات العراقية ورئيس جهازها كما يقال عنه, يفترض أنه كان عارفا بكل شاردة وواردة وهو الحارس الأمين للمعلومة الأمنية في حفظ حياة الشعب, وعليه أن يفهم إذا رغب, أن الفساد في العراق وهو نتاج لفساد نظام المحاصصة الدينية السياسية والأثنية, وعليه استغلال الوقت للشروع بالخطوات الفعلية للأصلاح الشامل, بعيدا عن مضيعة الوقت وضغوطات الأحزاب الطائفية والاثنية او الارتهان الى اجندة تفكيك العراق. ومن هنا ومن برنامج الكاظمي عليه البدء بما يلي: إجراء انتخابات مبكرة بعد استكمال القانون الانتخابي، وتفعيل مفوضية الانتخابات وتطبيق كامل لقانون الأحزاب بالتعاون مع الأمم المتحدة. فرض هيبة الدولة من خلال حصر السلاح بيد المؤسسات الحكومية والعسكرية. فتح حوار وطني بهدف الاصغاء لمطالب حركة الاحتجاج السلمي والشروع بحملة شاملة للتقصي والمساءلة بشأن أحداث العنف التي رافقتها وتطبيق العدالة بحق المتورطين بالدم العراقي. إعداد مشروع قانون موازنة استثنائية لمواجهة الأزمة الاقتصادية وتداعيات انهيار النفط، فضلا عن تسخير إمكانات الدولة لمكافحة جائحة كورونا. حماية سيادة العراق وأمنه وإنتاج رؤية وطنية مشتركة للتفاوض بشأن مستقبل وجود القوات الأجنبية ضمن نطاق عمل أمن البلاد واستمرارية مكافحة فلول الإرهاب وخلاياه. إجراء مفاوضات جادة مع قيادات دول التحالف الدولي بما يضمن تحقيق تطلعات الشعب بالسيادة الوطنية الكاملة في ضوء مصالح العراق وعدم المساس بأمنه الداخلي. عدم استخدام أرضي العراق للاعتداء على أي من دول الجوار جيران وعد السماح بتحويلها الى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. تتعاطى الدولة مع مؤسسات رسمية في علاقاتها الخارجية وفي نطاق قواعد الدبلوماسية الدولية وليس مع أشخاص أو جهات غير رسمية. تؤسس الحكومة العراقية مجلسا استشاريا شبابيا تطوعيا مرتبطا بمكتب رئيس الحكومة يمثل المحافظات كافة ويتم التنسيق مع هذا المجلس بشأن الخطوات الحكومية الخاصة بمجال الإصلاح، ويكون له دور في صياغة آليات دائمة لحماية الحق في التظاهر وضمان سلميته. مكافحة الفساد وتفعيل الملفات المعطلة وتطبيق القانون على الفاسدين مهما بلغ نفوذهم. البدء الفوري بتدقيق السجلات المالية للشركات الحزبية والشخصيات وأصحاب رؤوس الأموال المشكوك بحصولها على أموال بطريقة غير مشروعة.

أن البلاد تقف اليوم على مفترق طرق بسبب الازمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والصحية التي انهكتها، وان انتشالها يستلزم الإسراع في معالجة ملفات الإصلاح والتغيير التي طرحتها الانتفاضة وشدد عليها المنهاج الحكومي والمذكورة بعض من نقاطه اعلاه وهي مقدمات لازمة لمحاربة الفساد على نطاق واسع واقتلاع جذوره ورموزه السياسية. فهل هناك غطاء برلماني للسيد الكاظمي كي يفي بوعوده لفتح واثارة مختلف الملفات والتأسيس لمعالجتها موضوعيا, أم ان الأوضاع مفتوحة لمختلف الاحتمالات وان الوقت يجري سريعا ليست لمصلحة الكاظمي فقط, بل لكل العملية السياسية في البلاد, وقد تندفع البلاد الى حافة المجهول وعندها لا يوجد رابح من خيارات لا تحمد عقباها.

.

حكومة الكاظمي في العراق

التفاؤل والتشاؤم

 

د.عامر صالح

 

بعد فراغ دستوري وأزمة سياسية صعبة استمرت لأكثر من خمسة أشهر، صوّت مجلس النواب العراقي، في ساعة متأخرة من يوم  الأربعاء الماضي والمصادف 6ـ 5 ـ 2020، على حكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، لتكون سابع الحكومات بعد عام 2003، والتي سيتعيّن عليها التعامل مع ملفات أمنية وسياسية واقتصادية وصحية تضع العراق، بحسب مراقبين، على مفترق طرق خطير.

وبعد ساعات من منحها الثقة، بدعم غير مسبوق داخلياً وخارجياً. وبالإضافة إلى الترحيب الداخلي واسع النطاق الذي حظيت به الحكومة الجديدة، فإنها قوبلت بترحيب إقليمي ودولي مماثل، بعد منح البرلمان ثقته لـ15 وزيراً وحجبها عن 5 مرشحين، فيما بقيت وزارتا الخارجية والنفط شاغرتين.

وكان البرلمان العراقي عقد مساء الأربعاء جلسة للتصويت على تشكيلة حكومة الكاظمي ومنهاجه الوزاري استمرت حتى الفجر، لتنال بعدها الحكومة السابعة منذ 2003 الثقة بصعوبة بعد فقدان 5 وزراء فرصهم لأسباب مختلفة. الجلسة التي حضرها أكثر من 260 نائباً من أصل 329، وهو عدد كبير جداً بالقياس إلى المعدل العادي لحضور الجلسات، لم تشهد توتراً خلال التصويت. وتعهد الكاظمي بعد نيل الثقة مواجهة التحديات التي تمر بها البلاد، بما في ذلك إجراء تحقيق في عملية قتل المتظاهرين خلال مظاهرات أكتوبر ومواجهة جائحة «كورونا» والأزمة الاقتصادية وإجراء انتخابات مبكرة. وشدد على أولوية سيادة العراق وأمنه واستقراره وازدهار.

شكليات هذا الأنجاز وبعيدا عن مقدرته الحقيقية لمعالجة مختلف المعضلات المجتمعية هو انجاز لقوى التظاهر والاحتجاج التي انبثقت في الاول من اكتوبر للعام الماضي وما سبقها ايضا من احتجاجات, والتي عرت نظام المحاصصة الطائفية والاثنية ووضعته في قفص الاتهام, وتوجتها بأسقاط حكومة عادل عبد المهدي المتهم الأول بقتل المتظاهرين بأعتباره رئيس الحكومة والجهاز التنفيذي ورئيس للأجهزة الأمنية والمخابراتية والعسكرية بكل صنوفها, وبالتالي فأن تهمة قتل المتظاهرين تساق ضده قبل غيره بأعتباره المسؤول التنفيذي الأول في البلاد, وبالتالي فأن تعهدات مصطفى الكاظمي لمحاسبة قتلة المتطاهرين هي اولا موجهة ضد السيد عادل عبد المهدي, مادام الى حد اللحظة لم يلقى القبض على قناص او قاتل, او على الأقل لم تقم حكومة عبد المهدي بجهد الحد الادنى لحماية ارواح المتظاهرين.

ورغم ان خيار مصطفى الكاظمي شخصيا هو ليست خيار ساحات التظاهر ولا يجسد طموحها الأفضل لحل ازمة البلاد, ولكنه مؤشر ايجابي ان قوى المحاصصة الطائفية التقليدية والاثنية وخاصة من الصف الأول والذين امسكوا بزمام الامور لم تعد تتحكم كليا بأوراق اللعبة السياسية في البلاد كما كان لها سابقا رغم تشبثها في البقاء وعنادها ونفوذها من خلف الكواليس الذي لايستهان بخطورته في العودة للمربع الاول, وهنا يشكل مصطفى الكاظمي مرحلة انتقالية او حلقة وصل بين قوى المحاصصة وقوى الخلاص منها, وقد ينجح نسبيا الكاظمي في مهمته وقد يفشل استنادا الى قوى الردة المحاصصاتية وقدراتها في ابقاء الوضع كما هو عليه, ولكن قوى الاحتجاج الضاغظة لا تسمح للعودة الى المربع الاول, بل وتهدد النظام السياسي برمته اذا اقتضت الضروروة, وبالتالي على قوى المحاصصة التقليدية ان تدرك ان اي انجاز يتحقق وتحت مختلف الظروف ومهما كان حجمه هو استحقاقات مرحلة ويجب ان تتجذر بخطوات تراكمية افضل تقود بالضرورة الى مرحلة الانتقال النوعي في اعادة النظر باعادة بناء العملية السياسية جذريا وعلى طريق الخلاص من نظام الأعاقة الطائفي والاثني البغيض.

 

لايمكن ان يكون مصطفى الكاظمي عصى سحرية لمعالجة ما وقع بعد 2003 من خراب شامل وفساد, ولا يمكن ان نتوقع نقلة جذرية مفاجئة في الاوضاع السيئة في العراق وفي ظل ازمة تراكمية, ولكن المدخل اللازم لأي مصداقية في فعل الحكومة القادمة يتمحور حول اهم القضايا وفي مقدمتها محاربة الفساد بشكل جاد, وحصر السلاح بيد الدولة, ومحاسبة قتلة المتطاهرين وتقيمهم للمحاكم, والتهيئة لأنتخابات نزيهة قادمة, وهنا نذكر بمأثور القول: هل يصلح العطار ما افسده الدهر.

إن الأزمة الراهنة في العراق " وكما يلخصها الدكتور كاظم حبيب " والمتراكمة منذ سنين هي "أزمة مركبة ذات ثلاثة أبعاد متلازمة ومتفاعلة أساسها واحد، إنها أزمة نظام سياسي غير ديمقراطي، طائفي وأثني محاصصي تابع، متخلف ورث في آن واحد. إنها أزمة اقتصادية تجد تعبيرها في بنية الاقتصاد الوطني المشوهة الوحيدة الجانب واعتماد الدحل القومي على إيرادات النفط الخام المصدر، كمورد أساسي ورئيسي، وغياب الرؤية الاقتصادية العقلانية في عملية التنمية الغائبة أساساً، وفي توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي واستخدامه غير العقلاني لإعادة بناء الاقتصاد الوطني وتأهيله، إضافة إلى غياب كامل للعدالة الاجتماعية في ظل النهب المنظم والمتفاقم للدخل القومي وللنفط الخام والجمارك وتجويع غالبة المجتمع. إنها أزمة اجتماعية متفاقمة بسبب طبيعة بنية المجتمع ومشكلاته الكبيرة وهيمنة فئة اجتماعية طفيلية نهابة ومخاتلة وكذّابة، إذ تستخدم الدين والمرجعيات الشيعية والمؤسسة الدينية لفرض هيمنتها السياسية لمواصلة تعزيز سلطتها وتكريس نفوذها ونهبها للمال العام والخضوع لسيدها الأجنبي. وهناك أزمة رابعة موجعة هي الأزمة البيئية والرثاثة المنتشرة في البلاد نتيجة هيمنة الفئة الطفيلية الرثة على حكم البلاد".

وتشير معلومات البنك الدولي, إلى أن عدد سكان العراق بلغ 38.5 مليون نسمة، وأن خط الفقر محدد بـ3.2 دولار في اليوم. وذكر وزير التخطيط الأسبق سلمان الجميلي في عام 2016 على حسابه في «فيسبوك»، أن الفقر في العراق ازداد بنسبة 30 في المائة، والبطالة 20 في المائة. من جانبها، تشير إحصاءات وزارة التخطيط، إلى أن نسب الفقر في المحافظات العراقية في عام 2018 سجلت 1.2 في المائة في السليمانية، و3.8 في المائة في أربيل، و5.8 في المائة في دهوك، و9.1 في المائة في كركوك، و34.5 في المائة في نينوى، و10.8 في المائة في النجف، و12 في المائة في بغداد، و14.8 في المائة في بابل، و14.8 في المائة في البصرة، و26.1 في المائة في واسط، و42.3 في المائة في ميسان، و44.1 في المائة في الديوانية، و52.5 في المائة في المثنى، و40.8 في المائة في ذي قار.
وبحسب المتحدث الرسمي لوزارة التخطيط عبد الزهرة محمد الهنداوي، فإن إحصاءات العمل تشير إلى المزيد من التدهور في أوضاع سوق العمل، حيث سجل معدل مشاركة الشباب بين 15 - 24 عاماً تراجعاً ملحوظاً، وزاد معدل البطالة نحو الضعفين في المحافظات المنكوبة بالإرهاب، حيث سجلت 21 في المائة مقارنة بباقي المحافظات البالغة 11 في المائة. وتتوجب الإشارة هنا إلى أن الفقر والبطالة ازدادا في المحافظات الجنوبية كذلك بسبب السرقات المليارية وليس الإرهاب الذي لم يمتد إلى الجنوب. وتدل الأرقام بوضوح على تدهور الوضع الاقتصادي في المحافظات الجنوبية، رغم تزعم أحزابها بالبرلمان والوزارات منذ 2003.
وبحسب الهنداوي، فإن دراسة مسح للفقر في العراق لعام 2018 تشير إلى أن نسبة إنفاق الأسرة قد تغيرت ما بين الأعوام 2014 و2018 لتصبح نسبة الإنفاق على المجموعة الغذائية بالمرتبة الأولى (32 في المائة)، تليها مجموعة الوقود والإضاءة (24 في المائة)، ثم النقل بالمرتبة الثالثة (12.1 في المائة)، والملابس والأحذية بالمرتبة الرابعة (6.4 في المائة)، ثم الأثاث والتجهيزات المنزلية بالمرتبة الخامسة (5.2 في المائة).
وتبين كذلك من متوسط إنفاق الأسرة في 2018، أن 31 في المائة من الأسر تنفق أقل من مليون دينار (نحو 838 دولاراً) شهرياً، و48.2 في المائة من الأسر تنفق ما بين مليون ومليوني دينار شهرياً، و14.6 في المائة من الأسر تنفق ما بين مليوني وثلاثة ملايين دينار شهرياً. و5.7 في المائة من الأسر تنفق ثلاثة ملايين دينار فأكثر شهريا. وتشير الإحصاءات، إلى أن نسبة الفقر في العراق وصلت إلى 41.2 في المائة في المناطق المحررة (من إرهابي «داعش» و«القاعدة»)، و30 في المائة في المناطق الجنوبية، و23 في المائة في الوسط، و12.50 في المائة في إقليم كردستان. كما أوضحت الإحصائيات، أن 48 في المائة من سكان العراق أعمارهم أقل من 18 عاماً، منهم 23 في المائة من فئة الفقراء، وتشير معلومات الإحصائية إلى أن (5 في المائة نسبة الأطفال الفقراء في كردستان و50 في المائة نسبة الأطفال الفقراء في المحافظات الجنوبية هذا، ويبلغ أعداد الموظفين في القطاع العام والمتقاعدين أكثر من 5 ملايين شخص تخصص لهم رواتب نصف ميزانية العراق سنوياً؛ مما يعني عدم توفر الأموال اللازمة للاستثمار والتنمية الشاملة. ومما يعني أيضاً ازدياد الدين العام الذي ارتفع من 73.1 مليار دولار في عام 2013 إلى 132.6 مليار دولار في عام 2018، هذا في حين أن الاحتياطي النقدي قد أخذ في الانخفاض من 77.8 مليار دولار عام 2013، بحيث وصل 40.8 مليار دولار في عام 2018).

تعود نسب الفقر العالية في العراق إلى الحروب والنزاعات المسلحة الداخلية والحصار الأممي خلال عقد التسعينات. لكن المشهد الرئيسي لهذا الفقر هو الفوضى والهدر في إدارة الدولة والفساد غير المسبوق خلال العقدين الماضيين، رغم الأسعار القياسية لأسعار النفط خلال هذه الفترة التي فاقت 100 دولار للبرميل والصادرات النفطية الأعلى التي تم تسجيلها والتي فاقت 3 ملايين برميل يومياً.
ازداد مرض سرطان الأطفال في العراق خلال العقدين الماضيين نتيجة التلوث الحربي والإشعاعي منذ عام 1991، حيث ذكر موقع «كاونتر بانغ» الأميركي، أن تزايد التلوث الحربي والإشعاعي قد أدى إلى تراوح الإصابات بالمرض سنوياً إلى نحو 3500 - 4000 إصابة إثر قصف العراق بأكثر من 970 قنبلة وصاروخ أميركي مشع باليورانيوم المنضب؛ ما رفع نسبة الإصابة بالسرطان إلى 600 في المائة.

تلقي الدولة الريعية بظلالها الآن أمام الحكومة والقوى السياسية بعد انخفاض أسعار النفط بشكل غير مسبوق، ليضع تحديات ماثلة تتعلق بكيفية القدرة على تأمين رواتب الموظفين المقدرة شهريا بأكثر من ثلاث مليارات دولار، في حين أن العائدات الحالية لم تتجاوز مليار دولار شهريا، في ظل ذلك أمام الحكومة لمواجهة تراجع أسعار النفط حاليا والركود الحاصل نتيجة تفشي فيروس كورونا ونقص الإيرادات.

أن انهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية، تجلب الكارثة الاقتصادية والمجتمعية للعراق ، وقد يسبب هذا الانهيار المتوقع توقف رواتب الموظفين العراقيين ، كون تأمين رواتبهم يعتمد على إيرادات بيع الخام بنسبة اكثر من 90 في المئة ، هذا ما خلفه سوء إدارة الدولة وغياب التخطيط والاستخدام العشوائي للموارد والثروات ، والتنظيم، والتنسيق، والتوجيه، والمتابعة، والرقابة، نتج عن ذلك فوضى وتخبط القرارات من قبل رئاسة الوزراء والبرلمان والمسؤولين والعصابات والفسادين والجهلاء الذي سيقضى على الدولة العراقية.

وتزداد المؤشرات والآثار السلبية لأزمة فيروس كورونا، التي ألقت بظلالها على الجوانب الحياتية والاقتصادية وقد تصل إلى الأمنية بحسب المعطيات المرتبطة بالاجراءات القائمة لمكافحة خطر الوباء. وبسبب حظر التجوال وتمديد أيامه لفترات اضافية بشكل مستمر، يتوقع مراقبون أن يدفع استمرار الحظر واثاره السلبية على الوضع الاقتصادي لدى العوائل التي تعتمد على القوت اليومي، إلى ارتفاع معدل الجريمة والتمرد على حظر التجوال والخروج بشكل غاضب ضد الجهات الحكومية. فيما قد يتسبب الاعتماد على القطعات الامنية والجيش بالسيطرة على الوضع داخل المدن وفرض حظر التجوال إلى تهديد ثانٍ يتمثل بحصول ثغرات على خطوط الصد والجيوب التي تنشط فيها عناصر تنظيم “داعش”، فضلا عن عامل آخر وهو تعليق التحالف الدولي لنشاطاته.

أن المدخل السليم لمعالجة الاحتقان المزمن في العملية السياسية يكمن في الاستجابة السريعة لما يأتي, كمقدمات ضرورية على طريق التغير الجذري وتعزيز المشاركة الحقيقية للشعب في رسم ملامح مستقبله:

اجراء الانتخابات المبكرة في موعد لا يتجاوز السنة كحد اقصى.

مراجعة قانون انتخابات مجلس النواب، واعتماد صيغة منصفة وعادلة.

 مراجعة تشكيل مفوضية الانتخابات بما يضمن ان تكون مستقلة حقا، وقادرة على ادارة عملية انتخابية نزيهة وشفافة وذات صدقية، بعيدا عن المال السياسي والسلاح، وباشراف دولي فاعل.

اعلان ضحايا الانتفاضة والاحتجاجات شهداء للشعب، ووقف القمع ضد المنتفضين وإطلاق سراح المعتقلين منهم وإبطال اجراءات ملاحقتهم والكشف عن مصير المغيبين. كذلك اعلان نتائج التحقيق في قضية قتل المنتفضين والمحتجين، ومحاسبة كل من تورط في الجرائم المرتكبة بحقهم.

مباشرة إجراءات جدية وملموسة لمكافحة الفساد، وتقديم المتهمين بمختلف مستوياتهم، خاصة الكبار، الى القضاء.

انجاز الخطوات الآنية العاجلة لتأمين القوت للشعب، وتطمين حاجاته المعيشية والخدمية الملحة.

 ان تحقيق هذه الاهداف وغيرها مما يتطلع اليه الشعب والانتفاضة ويطالبان به " وكما تؤكده القوى الوطنية المخلصة"، يستلزم خلق ارادة شعبية وطنية ضاغطة على القوى المتنفذة، عبر توسيع الانتفاضة وتنظيم صفوفها وزيادة مساحة تأثيرها وتوحيد رؤاها وتصوراتها، وفتح حوارات جدية بين المنتفضين وسائر القوى والشخصيات الوطنية الداعمة لهم والتي تحملت معهم الظروف الصعبة التي مرت بها الانتفاضة، وشاركتهم شرف تقديم الشهداء والتضحيات، لتأمين قيام اصطفاف شعبي وسياسي وطني واسع، داعم ومساند للانتفاضة، بما يديم زخمها وحيويتها ومواصلة الضغط لتحقيق اهدافها، وفتح الطريق امام التغيير المنشود الذي بات ضرورة ملحة كما انه  انه حافز نحو التكيف مع نتائج الاحداث الخارجية.

من حق اي مواطن عراقي ان يتفائل أو يتشائم استنادا الى الخطوات الملموسة التي سيقدم عليها مصطفى الكاظمي ومدى استجابتها للطموحات المشروعة لحق الناس في الحرية والكرامة والعيش الكريم, ولكن ايضا ان يكون تفاؤلنا مقرونا بأستراتيجية التفاؤل الايجابي والذي يتمحور ان كل ما حولنا ليست ثابت مطلقا ومتغير ونتاج ظروف محددة وبالتالي يكون تفاؤلنا مبني على ديناميات نفسية مرنه ومتحركه. أما التشاؤم من خطوات الحكومة القادمة فيحب ان يبنى على مبررات الرفض العقلاني لما يصدر من احكام وقرارات وليست رفض كل شيئ مقابل لا شيئ, رغم ان التشاؤم في بعض من وجوهه أنه يعمل كمنطقة عازلة لحماية الذات من الاذى والصدمات اذا ألتمس الفرد نتائج سيئة, كما انه حافز نحو التكيف مع نتائج الاحداث الخارجية. المعضلات امام الكاظمي هي خارج اطار امكانية حكومة مؤقتة ولكن الخطوات الايجابية وصدق الإدعاء قد يؤسس لمزاج عام يمكن ان تستمر به الحكومات القادمة واستنادا الى خيارات الشعب ومن يمثله في الانتخابات القادمة.

 

 

أزمة كورونا بين سيكولوجيا

الهلع ومسلمات المناعة النفسية

د.عامر صالح

أن مفهوم الأزمة من المفاهيم الواسعة الانتشار في مجتمعاتنا المعاصرة، ويمس كل جوانب الحياة بدءاً من الأزمات الفردية، وانتهاء بالأزمات الدولية، كما أن عالم الأزمات عالم حي ومتفاعل له خصائصه و أسبابه ومكوناته. كما يعد مفهوم الأزمة واحدا من المفاهيم التي يصعب تحديدها لشموليته واتساع نطاق استعماله، ليشمل مختلف صور العلاقات الإنسانية السلبية في كافة مجالات التعامل، وعلى قدر مستوياته، وعادة ما ترتبط الأزمة بالإحساس بالخطر والتوتر وأهمية عنصر الوقت اللازم لاتخاذ قرارات وإجراءات المواجهة. نشأ مفهوم الأزمة في نطاق العلوم الطبية، ثم انتقل بعد ذلك بمعان مختلفة إلى العلوم الإنسانية، وخاصة علم السياسة، والإدارة، وعلم النفس...الخ.

ومفهوم الأزمة في العلوم النفسية عبارة عن ضغوط نفسية داخلية أو تغير الحالة النفسية للفرد، وبالتالي تمثل مشكلة أو صعوبات تحد من أساليبه وقدراته التقليدية للتعامل مع الوضع الجديد وتعيقه من أنجاز أهدافه وتحدث خللا في التوازن النفسي والاجتماعي للفرد، كما تعد موقف أو حادثة غير مرغوبة تؤدي إلى تعطيل الفرد أو الجماعة عن القيام بدورهم بصورة طبيعية. وقد حرص علم النفس على دراسة الآثار النفسية للازمة، والتي قد تتخذ أشكالا متنوعة(كالارتباك، والصدمة، والقلق، والتوتر، وعدم التوازن) وغالبا ما تسبب ارتباكا كبيرا للناس في حياتهم وأساليب تكيفهم مع الضغوط، وعادة ما تثير مشاعر الخوف وتوتر العلاقات المستقرة. أما الأزمة من الناحية الاجتماعية عبارة عن توقف الأحداث المنظمة والمتوقعة واضطراب العادات مما يستلزم التغير السريع لإعادة التوازن وتكوين عادات جديدة أكثر ملائمة.

أزمة كورونا في السياق هي ازمة مركبة ومعقدة وذات ابعاد نفسية واجتماعية واقتصادية خطيرة ضربت المجتمع العالمي دون استثناء, وبعد ان تجاوزت الأصابات بكورونا  الثلاثة ملايين وثلاثمائة ألف حول العالم وتقترب الوفيات من 235 ألف, فأن الشهور القادمة لا تبدو مشرقة للعالم، وستكون هناك تداعيات سياسية واجتماعية أكثر خطورة من التداعيات الصحية والاقتصادية, وخاصة في ظل القصور العلمي الحالي في المعرفة الدقيقة للفيروس وميكانزم  عمله وطريقة انتشاره ومن هم المستهدفين بهذا الفيروس, وماهي ظروف وملابسات فاشية هذا الفيروس. ولكن هذا ليست مدعاة لليأس والحزن, فالتراكم المعرفي في العلوم الطبية أمر لايستهان به ولا هو مزحة عابرة والبشرية سبق لها وأن مرت بجائحات عدة كانت نهايتها العثور على لقاح مناسب يعيد انطلاق المجتمعات الأنسانية من جديد في خضم صراعها من اجل البقاء.

انطلاقا من آثار الجائحة كورونا (كوفيد 19) فأنها زلزال مدمرا ضرب العالم اجمع وأودع الملايين في المنازل وقد اغلقت المدارس والجامعات وتقيدت الحريات التقليدية المعتادة وعم الاحساس بالضياع والوحدة والقلق، ولم يفرق بين أسود وأبيض وأحمر، وبين مسلم ومسيحي وهندوسي وملحد، وبين قوي وضعيف، او ثري وفقير, فقد توزعت اضراره على البشر أجمعين بعدالة السماء أو عقاب الطبيعة. وخطر هذه الجائحة لا يتوقف عند أضرارها الصحية، بل أن خطرها الحقيقي هو التسونامي الكبير المرافق لها: سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا والذي يبدو ان ملامحه النهائية غير واضحة في الوقت الحاضر؛ لأنها تتوقف في محصلتها النهائية على مدة استمرار الجائحة، وعدد المصابين والهالكين بسببها، فكما تذكر معظم التقارير الصحية الواردة من منظمة الصحة العالمية والمؤسسات ذات العلاقة ان العالم لازال بعيدا عن إيجاد لقاح نهائي للفايروس، ولا زال الكثير من البشر في انتظار الإصابة به. 

ولكي نضع الوباء كورونا( كوفيد ـ 19) في خلفية المقارنة بما حصل من وباءات وامراض مزمنة قد يضعنا في صورة من الهدوء النفسي المؤقت وخلق قناعة نفسية عقلية مستمدة من مما سبق للبشرية من اوجاع وآلام وضحايا قد تضع كورنا وحجم المعانات منها في اطارها المعقول والسليم بعيدا عن الأستخفاف بحجم الضحايا, ولكن ذلك سيضعنا في اطار القبول التاريخي للفجائع المختلفة في اطار التفاؤل المقبول للصراعات الطبيعية  التلقائية الى جانب العبث في الطبيعة وسوء استخدامها من قبل المجتمعات العالمية. وهنا سنشير " كما ترده الأدبيات العالمية والعربية" الى حجم الأنتشار والوفيات في مختلف الاوبئة للقرن الحالي والماضي:

 

الجدري 1901: أدى وباء الجدري في بوسطن إلى إصابة 1500 شخص، ووقعت 270 حالة وفاة.

الطاعون 1910: حدثت أكبر حالات تفشي الطاعون في القرن العشرين في منشوريا بين عامي 1910 و1911، ومات حوالي 60.000 شخص.

وباء الإنفلونزا الكبير 1918: تشير التقديرات إلى أن وباء الإنفلونزا الكبير، الذي حدث في عامي 1918 و1919، قد تسبب في وفاة ما بين 50إلى 100 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، من بينهم 675،000 أمريكي.

شلل الأطفال 1952: بلغ شلل الأطفال ذروته في الولايات المتحدة؛ حيث أصيب ما يقرب من 60.000 طفل وتوفي أكثر من .3000

فيروس نقص المناعة البشري 1984: في هذا العام حدد العلماء أن فيروس نقص المناعة البشرية هو سبب الإيدز، وفي نفس العام قتل هذا المرض الفتاك أكثر من 5500 شخص في الولايات المتحدة، واليوم أكثر من 35 مليون شخص حول العالم يعيشون مع عدوى الفيروس، وتوفي أكثر من 25 مليون شخص بسببه منذ الإبلاغ عن الحالات الأولى.

مرض الالتهاب الرئوي الحاد الوخيم (سارس) 2003: ظهر سارس عام 2003 لأول مرة في الصين أيضاً، رغم أنه يعتقد أن أول حالة حدثت في نوفمبر 2002، وبحلول يوليو تم الإبلاغ عن أكثر من 8000 حالة و774 حالة وفاة، واقترب معدل الوفيات لحوالي 10٪ من المرضى الذين يعانون من العدوى المؤكدة، وكان معدل الوفيات أعلى بكثير لأولئك الذين تزيد أعمارهم عن 60 عامًا، حيث اقترب من 50٪ لهذه المجموعة الفرعية من المرضى.

 

إنفلونزا الخنازير 2009: هذا الوباء اعتبرته منظمة الصحة العالمية جائحة عالمية، وكانت الوفيات المؤكدة بسبب المرض 18500 حالة وفاة فقط.

الكوليرا 2010: تسبب وباء الكوليرا في مقتل ما لا يقل عن 10000 شخص في هايتي في عام 2010، بعد الزلزال المميت الذي أصاب البلاد بالشلل، مما أعاق الجهود لإعادة البناء.

الحصبة وأوبئة أخرى 2012: في عام 2012، توفي حوالي 122000 شخص في جميع أنحاء العالم بسبب الحصبة، وهو مرض شديد العدوى يسببه فيروس، وفي نفس العام قتلت حمى التيفود حوالي 216000 شخص، وقتل مرض السل ما يقدر بنحو 1.3 مليون شخص في عام 2012.

الإيبولا 2014: كان وباء حمى الإيبولا النزفية لعام 2014 في غرب أفريقيا أكبر تفشي للإيبولا على الإطلاق. قتل الفيروس أكثر من 11300 شخص قبل الإعلان عنه في عام 2016.

زيكا 2016: في هذا العام أعلنت منظمة الصحة العالمية عن حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقًا دوليًا بشأن فيروس زيكا، حيث توقعت إصابة 3 إلى 4 ملايين شخص بالعدوى خلال العام، ويسبب المرض عيبًا خلقيًا في الأجنة، ويرتبط أيضًا بالإجهاض والإملاص والعجز العصبي.

 


الوفيات بسبب الإنفلونزا الموسمية: حسب إحصائيات الولايات المتحدة فإنه يموت ما بين 20 ألفا إلى 37 ألف حالة كل عام بسبب الإنفلونزا الموسمية.

حجم الوفيات بسبب أمراض أخرى: حسب الإحصائيات العالمية فإن أكثر من نصف الوفيات العالمية السنوية تحدث بسبب الأسباب العشرة الأولى للوفيات، وهي أمراض القلب الإقفارية والسكتة الدماغية، والتي تتسبب في أكثر من 15 مليون وفاة سنوياً، ثم مرض الانسداد الرئوي المزمن الذي يسبب وفاة عدة ملايين سنوياً، ويتسبب سرطان الرئة في وفاة حوالي مليوني شخص، ومرض السكري يتسبب في وفاة حوالي 1.6 مليون شخص في العام، وتضاعفت الوفيات بسبب الخرف.

والتهابات الجهاز التنفسي السفلي هي أكثر الأمراض المعدية فتكًا، حيث تسببت في وفاة عدة ملايين شخص في جميع أنحاء العالم، كما تسبب إصابات الطرق ما يزيد عن 1.5 مليون شخص في العام، حوالي ثلاثة أرباعهم من الرجال والفتيان. وبالطبع فهذه الإحصائيات تقريبية، ولكنها بمعظمها في إزدياد مطرد. (هذه الإحصائيات من عام 2016).

الوفيات بسبب وباء تدخين التبغ: تشير التقارير الصحية العالمية إلى أن الوفيات التي تحدث نتيجة الإصابة بأمراض مرتبطة بالتدخين تصل إلى 12% من إجمالي الوفيات العالمية، ما يعني أن عدة ملايين يموتون سنويا بسبب عادة ضارة، ويمكن، إذا امتلك الإنسان إرادته أن يتخلص منها.

تلك خارطة الوباءات في التاريخ القريب وهي تضعنا امام حجم الضحايا في اطار المقارنة مع (كوفيد ـ 19) قد تبدو في الأخير اقل من منظور الأعداد المطلقة كثيرا وقياسا بأعداد سكان الأرض أنذاك, ولكنها تشكل فزعا من منظور التقدم العلمي والمعرفي وتسارع الزمن من اجل العثور على علاج او لقاح يحد من الانتشار والفتك, والفزع يأتي ان البشرية في ألفيتها الثالثة وتراكمها العلمي والمعرفي لم تعثر الى حد اللحظة على ما يقف هذه الجائحة عند حدها.

لا شك في أن جائحة كوڤيد-19 وما يرتبط بها من إكراهات اجتماعية واقتصادية (الحجر، فقدان الشغل، شلل الحياة العامة...) تمثل وضعية تنجلي فيها مختلف المحددات التي ترتبط بوضعيات التوتر التي تستدعي لدى الأفراد استجابات سلوكية وذهنية معينة لمواجهتها. فمن وجهة نظر سيكولوجية، في الوضعيات التي تتسم بوجود شروط بيئية (المحيط) تُدرَكُ من طرف الفرد كإكراهات تتطلب موارد نفسية واجتماعية استثنائية لمواجهتها، فإنها تقيم وتحدد عموماً من طرف الفرد كوضعيات توتر تستدعي تفعيل استراتيجيات نفسية-معرفية للتعاطي معها.

يتم التمييز، على وجه العموم، في الاستراتيجيات النفسية-المعرفية والسلوكية لمواجهة وضعيات التوتر بين استراتيجية مركزة على الانفعال وأخرى مركزة على المشكل. فإذا كان الفرد في الفئة الأولى يوجِّه نشاطه الذهني وسلوكه لتدبير الانفعالات المرتبطة بالوضعية، ويتم تصريف ذلك من خلال التعبير المفرط عن هذه الانفعالات (الغضب، القلق...) أو اللوم (لوم الذات ولوم الآخرين) أو التقليل من خطورة الوضعية أو التفكير فيها بكيفية عجائبية؛ فإنه في الفئة الثانية يُوجِّه هذا النشاط للحدِّ من متطلبات هذه الوضعية والرفع من موارده لمواجهتها، ويتضح ذلك من خلال استجابات من قبيل التحليل الموضوعي للوضعية والبحث عن تنمية المعارف في الميادين المرتبة بها أو البحث عن المعلومات ووضع الخطط المناسبة وكذا القيام بالاستش