الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

(جيمس بوند) ولقاح الوباء

محمد عارف


يقول مثل روسي ساخر: «إذا كان جيمس بوند حقاً أشهر جاسوس في العالم، فهذا يعني أنه جاسوس فاشل». ويبدو هزل الروس جدياً، عندما تواصل لندن منذ أكثر من سنة في الإعلان عن أن موسكو تتجسس على تجاربها في إنتاج اللقاح المضاد لفيروس «كوفيد-19». وقبل أيام أعلنت موسكو عن تصدير 100 مليون جرعة من اللقاح إلى المكسيك ودول أخرى في أميركا اللاتينية، وخمسة ملايين ملايين إلى كازاخستان، وأكثر من 500 مليون جرعه في العام المقبل. وأطلقت موسكو على اللقاح اسم «سبوتنيك تيّمناً بأول مهمة فضائية استهلّت بها عصر الفضاء في خمسينيات القرن الماضي. وأحدث اللقاح الروسي استجابة مناعية قوية لدى مَن حُقن به، ومِن دون آثار جانبية. ذكر ذلك تقرير موثق في «لانسيت»، إحدى أبرز المجلات الطبية العالمية. وأوضحت «لانسيت» أن روسيا استخدمت سلالات معدلة من الفيروس «الغُدّي» الذي يسبب النزلة العادية، فيما استخدم اللقاح الذي تلكأت أخيراً جامعة أكسفورد البريطانية في إنتاجه، فيروس خاص بالشمبانزي. وأوضح العالم الكويتي الأميركي فواز العنزي، أستاذ أمراض القلب والباطنية في جامعة «ديوك» بالولايات المتحدة، أن تقنية الهندسة الجينية استخدمت في اللقاح الروسي الذي يطلق استجابة مناعية كافية لمواجهة فيروس «كورونا-19» مهما بلغت كمياته. واللقاح الروسي ليس فكرة عبقرية لعالم منفرد، بل اعتمد على إنجازات الطب السوفييتي الذي طوّر اللقاح ضد وباء «إيبولا» المستخدم حالياً في مواجهة عودة «إيبولا» إلى الكونغو، ويثير الخشية الآن من ظهوره في بلدان أفريقية أخرى
و«من موسكو مع الحب»، عنوان أشهر أفلام «جيمس بوند»، تجعله تطورات اللقاح المضاد للفيروس «من واشنطن مع الحب». وإذا كان الحب من موسكو قد انتهى بالبيروسترويكا، فلا أحد يعرف بعدُ مصيرَ حب جيمس بوند من واشنطن، حيث رفعت كورونا عجز ميزانيتها إلى أكثر من ثلاثة تريليونات دولار، وتواجه في نوفمبر انتخابات رئاسية في غمرة اتهامات حول التجسس لحساب موسكو وبكين. والوضع أكثر هزلا أو مأساوية عندما يتعلق الموضوع بتطوير اللقاح المضاد لفيروس «كوفيد-19». 
والمرجّح أن تكون الصين الثانية في تطوير اللقاح، حيث شرعت إحدى الشركات الصينية المنتجة للقاح في تطعيم موظفيها بلقاح يتوقع طرحه للاستخدام العام نهاية العام الحالي. وفي الصين وروسيا وحّد العلماء جهودهم مع الدولة، حسب «نيويورك تايمز»، وشارك آلاف المتطوعين في حملة تلقيح أنفسهم وأفراد عوائلهم، بينهم ابنة الرئيس بوتين
وفي الولايات المتحدة، أرض المبادرات الفردية، انطلقت حملة تشبه حُمّى البحث عن الذهب. أطباء يجربون لقاحهم على أيّ متطوع، وبعضهم يعرض المعلومات الطبية عن التلقيح عبر «الفيسبوك»، ويشرح كيف يعمل اللقاح لمن يريد أن يُحضّره بنفسه. وذكر عالم البيولوجيا «إستيب» أنه أخذ على نفسه عهداً بتطوير اللقاح، عندما قرأ عن وفيات الوباء في بوسطن، حيث يقيم. وأوضح أن اللقاح يتكون من خمس بروتينات فيروسية صغيرة يمكن مزجها في عيادة طبيب، ورَج المزيج بالكف، وبخّه في منخر الأنف. ويقوم المزيج بتدريب الجهاز المناعي للدفاع ضد فيروس كورونا
وكما حدث في عصر «حمّى الذهب»، هناك رواد مغامرون وشرطة تلاحقهم. ففي واشنطن، حرّك المدعي العام دعوى ضد «إستيب» لعرضه لقاحه، الذي يفتقر للبرهان، على الجمهور. وهناك عشرات المبادرات الذاتية للعلماء والمتخصصين حول العالم، وكثير منهم يحقن نفسه وأفراد عائلته باللقاح الذي يطوره. ودعواهم «الظروف الاستثنائية التي تستدعي جهوداً استثنائية». وعندما سُئل «إستيب»: كيف يستخدم لقاحاً غير مجرّب على الحيوانات؟ قال: «نحن الحيوانات»! 

*مستشار في العلوم والتكنولوجيا

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 محمد كامل عارف

 كاتب وصحفي عراقي من جيل الرواد

 ينشر في جريدة (الاتحاد) الاماراتية

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا