الرئيسية || من نحن || || اتصل بنا

 

  

رموز وأشباح

لماذا سّلم عبد الكريم

قاسم نفسه الى جلاديه؟

أ.د. سيّار الجميل

علينا ان نتوقف قليلا وقفة تأمل امام لحظة تاريخية صعبة من تاريخ العراق الجمهوري ، وهي لحظة تسليم عبد الكريم قاسم نفسه طواعية مع ثلاثة من أعوانه الى خصومه الانقلابيين واغلبهم من البعثيين والقوميين ، فكان مصيرهم الاعدام رميا بالرصاص . المشكلة ان الجلادين لم يكتفوا باعدام الرجل ، بل أهانوه عمدا بعرض جثته معدوما على شاشة التلقزيون ، وقد رفع أحد الجنود راس قاسم من شعره وبصق عليه .

فماذا جرى ؟

اعتبر قاسم انقلاب 8 شباط حركة طائشة ينفذها أذناب الاستعمار وبعض الخونة والمفسدين لتحطيم النظام الجمهوري، قائلا بأن الحركة سوف تفشل بسبب قوته لأنه وحكومتة لا يُقهران، بما أنه يعمل في سبيل الشعب وفي سبيل الفقراء بصورة خاصة . وفي خطابه ، دعا الجيش لتمزيق قادة الحركة قائلا: "مزقوا الخونة، اقتلوهم، اسحقوهم، إنهم متآمرون على جمهوريتنا ليحطموا مكاسب ثورتنا، هذه الثورة التي حطمت الاستعمار، وانطلقت في طريق الحرية والنصر، وإنما النصر من عند الله، والله معنا، كونوا أشداء، اسحقوا الخونة والغادرين".

انقلابية 14 - 15 رمضان / 8- 9 شباط / فبراير 1963

اتفق قادة الحركة على ساعة الصفر ، فكانت التاسعة من صباح الجمعة 8 فبراير / شباط 1963 الموافق 14 رمضان.، وتمت السيطرة على دار الإذاعة التي بدأت تبث أناشيد ثورية ومنها تشيد " الله أكبر " الشهير للموسيقار محمود الشريف وكان له وقعه فضلا عن نشيد " بغداد يا قلعة الاسود " لأم كلثوم للتأثير على المعنويات .. كان اول قتيل شيوعي هو جلال الاوقاتي قائد القوة الجوية الذي اغتيل صباحا.. وكانت طائرات الميغ 17 والهوكر هنتر من السربين السادس والسابع في قاعدة الحبانية وقاعدة كركوك الجوية تقصف مبنى وزارة الدفاع الذي حاصرته الدبابات وطوقت قوات المشاة مبنى الوزارة ومبنى السراي الحكومي، ، ولم تتحرك القطعات العسكرية لمناصرة نظام الحكم، وبقيت الحامية العسكرية الخاصة بوزارة الدفاع وبقي مع قاسم بعض المخلصين له ، وهم كل من: فاضل عباس المهداوي وطه الشيخ أحمد، وقاسم الجنابي سكرتير عبد الكريم قاسم، ومرافقه كنعان حداد. في حين قاتل كل من عبد الكريم الجدة ووصفي طاهر حتى قتلا في باحة الوزارة . وكنت أتمنى على قاسم مخلصا لو نزل بنفسه الى باحة الوزارة ، وقاتل بنفسه حتى الرمق الأخير ، بدل موافقته على تسليم نفسه الى جلاديه ليموت امامهم مهانا ذليلا ..

لماذا سلّم الزعيم نفسه طواعية الى جلاديه ؟

نتيجة شدة القصف الجوي واحتدام المعركة في باحة الوزارة ، انتقل قاسم إلى قاعة الشعب المجاورة للوزارة ليلا ، واتصل من هناك هاتفياً بدار الإذاعة، وتحدث مع رفيقه الاقدم عبد السلام عارف يطلب منه التفاوض ليشركه في الحكم أو السماح له بمغادرة العراق، لكن عبد السلام كان فظا معه ، وطلب منه الاستسلام وان لا علاقة مباشرة له بالحركة ، وأنه سينقل مطاليبه الى قادتها. عند الساعة الواحدة والنصف من ظهر 9 شباط 1963 ، وبعد التفاوض من خلال وسيطه يونس الطائي ، قرر قاسم تسليم نفسه الى خصومه الانقلابيين ، وقد علم من يكونوا علم اليقين ، فاقتيد مع صحبه مجردا من رتبته العسكرية ، ووصل الى دار الاذاعة بالصالحية، وحال صبحي عبد الحميد بينه وبين الاهانات التي تلقاها وهو يدخل مبنى الاذاعة مع ثلاثة من أعوانه ، ووقف مع رفاقه امام محكمة صورية من جلاديه البعثيين والقوميين برئاسة عبد الغني الراوي .. ويحاول البعض تبرئة عبد السلام عارف من موقفه ، ولكن عارف كان حاضرا وشارك في القاء العتب واللوم والتقريع لصاحبه متشفيا به ، وحاول بكل الوسائل ا أن ينتزع منه أعترافا منه يؤكد فيه بأن عارف هو الذي خطط ( لثورة 14 تموز 1958 ) ، وأنه هو من كتب البيان الأول وليس عبد الكريم .. وفي غمرة الفوضى لم يحصل عبد السلام على ما اراد ! وقد سجلت تلك اللحظات في كاسيت كما روى القصة شاهد عيان هو المذيع الاستاذ ابراهيم الزبيدي في كتابه : دولة الاذاعة : سيرة ومشاهدات عراقية .

ولم يمانع عبد السلام في اعدام رفيقه قاسم ابدا ، اذ قرر الانقلابيون اعدام قاسم ورفاقه حالا ، وفي أستوديو التلفزيون ، انهار المهداوي ملقيا باللوم على قاسم .. رفضوا عصب اعينهم ، وتم اطلاق النار عليهم من قبل عبد الغني الراوي ومنعم حميد ، فسقطوا قتلى يتمرغون بدمائهم وسط شماتة اعدائه وصياح عبد الستار عبد اللطيف وتهريج الاخرين .. واتخذ القرار بعرض تنفيذ الاعدام على شاشة التلفزيون ، والاقسى ان يقوم احد الجنود برفع رأس الزعيم قاسم من شعره ويبصق عليه وتذاع اغنية مصاحبة ساخرة عن " الزعيم الهمشري " !!

كم كنت أتمنى مخلصا ان ينزل الرجل بنفسه الى باحة الوزاره ومعه سلاحه ليقاتل قتالا بطوليا حتى يقتل كما قاتل غيره .. وليسقط كما سقطوا ، ومثله الاعلى نوري السعيد الذي قتل نفسه قبل دقائق من ان يكون بايدي خصومه .. وكنت أتمنى ان يموت قاسم دون تسليم نفسه الى خصومه ، اذ غدا أسيرا بين أيديهم ويقتلوه امامهم ويموت متمرغا ميتة مهينة وقد نقلت على شاشات التلفزيون . والامنية نفسها تمنيتها على الرئيس صدام حسين ان يقاتل اعدائه في الشوارع حتى يقتل بدل المصير البائس

(شعب العراق الحر ثار )

استمرت الإذاعة ببث البيانات وبرقيات التأييد التي انهالت من مسؤولين وسفراء وشيوخ عشائر ورجال دين شيعة وسنة ومسيحيين وقادة فرق وضباط كبار واناس متبرعين بالمداهنة والمدح والرقص وكعادتهم العراقية عندما يتقلبون على الحبال ، وتوالت اعترافات الدول بالنظام الجديد ، واصبح قاسم في نظرهم عاهة وهمشريا وخداعا وشعوبيا ومجنونا .. الخ من الاوصاف ..

وامر عبد الناصر ان تغني ام كلثوم لثوار العراق الجدد ، ولما كانت علاقتها سيئة مع رياض السنباطي ، فقد اعتذر .. وفجأة تصله مكالمة من القصر الجمهوري ، فيهرول لتلحين اغنية " شعب العراق الحر ثار " التي غنتها ام كلثوم في اليوم نفسه ، وهي من كلمات عبد الوهاب محمد لتهدى الى عارف وصحبه ( الميامين ) - كما وصفوا انفسهم - وتذاع كما حدث في 14 تموز 1958 عندما غنت ام كلثوم "بغداد يا قلعة الأسود" للضباط الاحرار .. غنت ام كلثوم ليوم 8 شباط 1963 أغنية ثوار .. ونسيت انها كانت قد وعدت العائلة المالكة العراقية انها ستغني في عرس فيصل الثاني ببغداد .. والكل يعلم ان الاسود لم تأكل بعضها بعضا ، ولكن الثوار الاحرار اخذ احدهم يقتل الاخر .. بل ولا يكتفي بالقتل ، بل يهينه في حياته ومماته اهانات لم يسمع بها من قبل !

مصير جثة الزعيم قاسم

كان الانقلابيون يدركون ادراكا عميقا ان للزعيم قاسم شعبية كبيرة ، فخافوا حتى من جسده وهو قتيل ، فقد قبرت الجثة في منطقة المعامل ، وعرف الناس بها ، فاقترح احد القادة البعثيين رمي الجثة في قاع نهر ديالى ، فنقلت الجثة الى معسكر الرشيد ، وقام سفاحون بقصم ظهر الجثة الى قسمين ووضعوه في كيس جنفاص مع اثقال من الحديد وقامت سيارة اسعاف بألقائه في نهر ديالى ..

التساؤلات الضرورية : لماذا سّلم الزعيم قاسم نفسه لخصومه ؟

لماذا اتجه الزعيم قاسم من بيته صباح يوم 8 شباط/ فبراير بعد سماعه بنبأ الحركة الى وزارة الدفاع ، بدل ذهابه الى معسكر الرشيد ؟ لماذا حاصر نفسه في مبنى الوزارة لاكثر من 28 ساعة وهو تحت القصف ؟ لماذا حاول الاتصال بخصمه عبد السلام عارف ليستجدي منه الحياة ؟ لماذا تلقى الاهانات من ضباط قوميين صغار وهو يحاول استعطافهم ؟

السؤال المحير الاخر عن قراره تسليم نفسه لخصومه صباح يوم 9 شباط 1963 ، فهل يعقل وهو الضابط المحترف والمقاتل ان يسلّم نفسه طوعا ليكون بايدي اعدائه من دون التعهد كتابيا له بميثاق شرف ؟ فكيف وهو زعيم (ثورة) كما يقول ورئيس حكومة فعل ذلك ؟ كم كنت أتمنى عليه الخروج الى ساحة وزارة الدفاع ليقاتل حتى يقتل بعز واباء بدل مصيره المحزن الذي حسمه خصومه الالداء في دار الاذاعة واعدامه المهين الذي نقل على شاشات التلفزيون .. كي يتشمّت فيه كل اعدائه وخصومه وهم ليسوا بقلة ، ومنهم عبد الناصر في خطبه الساخرة من خلال اذاعته صوت العرب وتعليقات المذيع احمد سعيد ! أنتقالا الى القوميين والبعثيين والاسلاميين وبقايا الملكيين وحتى اولئك القادة من الساسة الاصلاحيين والديمقراطيين الوطنيين الذين انفضوا عنه .. ناهيكم عن بعض الشيوعيين الذين تمردوا عليه جراء اخطائه ! وكيف باولئك الذين هللوا وكبروا في اذاعاتهم لقتله في بلادج اقليمية وعربية جارة للعراق .

ماذا نستنتج ؟

هنا ، أجد نفسي أمام استنتاجات تكشف لنا ماهية شخصية قاسم بين الذات والموضوع مقارنة بزعماء اخرين في العالم ، وكيف تصرفوا في آخر لحظاتهم الحرجة وهي تاريخية ، اذ لم تعد شخصية انانية وعاطفية .. لقد انتحر نوري السعيد بمسدسه ليتفحصه قاسم جئة هامدة .. وانتحر هتلر مع عشيقته ولم يستسلم طوعا او بالاكراه .. وانتحر سلفادور اليندي بمسدسه وهو يخطب خطابه الأخير ويرى قصره محاصرا من قبل الانقلابيين عليه .. ولكن هناك من عزّت عليه حياته ليلقى مصيرا مهينا بين الجلادين ، ومنهم لويس السادس عشر وموسوليني وغيرهما.



 

 

   د. سيّار الجميل

 اكاديمي واستاذ جامعي وكاتب عراقي

 (مقالات سابقة)

 

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا