الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

الصهيوني الصغير

ومعركة الأردن الوجودية

 

مهنا الحبيل

 

جاء إيقاف رسّام الكاريكاتير لصحيفة العربي الجديد، الزميل عماد حجاج، الذي أُطلق لاحقاً، في سياق التغيّر الأخير في موقف الأردن، حيث تحول إلى مقاربة سياسية مع محور أبو ظبي، بعد حالة شد وجذب لا تزال قائمة إلى اليوم، كما هي لغة الخطاب التي وُجهت للأمير علي بن الحسين، على خلفية انتقاده لتبني أبو ظبي رسمياً مشروع تطبيع الفكرة الصهيونية، والتي دائماً نُذكّر بها، وأنها أشد خطورة من التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، وإن كان التشارك بنيوياً في المسارين.

غير أن مشروع التثقيف الصهيوني لعرب المنطقة، يعتمد نزع التاريخ والتشريع الإسلامي، والهوية العربية وشيطنة العرب وليس الفلسطينيين وحسب، مقابل المدح والثناء على منظومة العقيدة الصهيونية، فهو نوع من الردة الفكرية الشاملة، التي تُصنف مهنياً بالثقافة العميلة القبيحة، ويسعى محور أبو ظبي لتطبيع الناس في الخليج على قبولها.

وهو ما لا يوجد له قاعدة شعبية تستحقً الإشارة، رغم أن الضغط الشرس والتوظيف، يُظهر لبقية العرب عبر كومة عملاء وموظفين، أنها ثقافة حقيقة على الأرض في الخليج العربي، وأقاليم السعودية، وهذا غير صحيح، ولذلك ندعو دائماً لوحدة المجتمع العربي، وعدم السقوط في وكر خديعة المشروع الصهيوني لمحور أبو ظبي، وصمود روح الوحدة العربية، الرافضة والمقاومة للفكرة الصهيونية، من المحيط للخليج.

أما الأردن فله قصة مختلفة، فهو أدرك عند بدايات تسويق صفقة القرن، أن الصفقة تهدد بإسقاط الحكم الهاشمي، سواءً عبر إعلان وطن قومي بديل للشعب الفلسطيني، أو حتى عبر مشروع تهجير ممنهج، لبقية الشعب الفلسطيني، وتحويلهم للأردن، وتحريك الصراع الاجتماعي بين مكونات الشعب الأردني.

غير أن عَمّان تعرضت لهجوم شامل ممنهج، استهدف البيت الملكي ودخل في خصوصياته الاجتماعية، وهو ما انعكس على الموقف الأخير وبالتالي، فسح الأردن للعاصفة أن تعبر، فكيف يَفسح لها، وقد تقتلع وجوده؟

الحقيقة أن تاريخ السياسة الخارجية للأردن، وخاصة في عهد الراحل الملك حسين، خضع لمعادلات تموضع متعددة ومتناقضة في بعضها، غير أنها كانت تعبر بالعرش الهاشمي، في سياق الحدود القومية التي سمحت لها معركة ما بعد ثورة الشريف الحسين بن علي، ضد العثمانيين، والموقف الغربي الموجه لها.

اليوم يتبنى الصهيوني الصغير جاريد كوشنير، جنباً إلى جنب رسائل نتانياهو المكثفة، باعتبار أن مشروع أبو ظبي-كوشنير يُغرق فلسطين كلياً في النهر، وبالتالي هناك خطابات وتغطيات مكثفة، لتحويل الأردن بمسماه أو مسمى الأرض الفلسطينية الكبرى، التي ستحسمها نهايات المشروع، بحيث تكون عمّان عاصمة لها، وإن كانت طبيعة العقل الصهيوني الخبيث المُخَطِّط أنه يعطي مصطلحات، ثم يُفرّغها من محتواها، ثم يسقط المصطلح ذاته، ومسيرة أوسلو كافية للدلالة في هذا الصدد.

فحين أدرك أبو عمار هذه المرحلة، واجهها ودفع حياته في رحلة الحصار، الذي صفّاه الصهاينة فيها، أمام العالم المنافق الذي صفق له حين توقيع سلام الذئاب المخادع بواشنطن، وبالتالي هنا حسابات الأردن دقيقة، فمع وجود قدرة مناورة فائقة للملك حسين، فإنه كان يتمتع بعلاقات اجتماعية وتأمين سلامة المعارضة المقنّنة، وإرخاء الحبل فوراً، وهو ما ساعد سياسته للعبور، وللجسم القومي للأردن بالبقاء، أما اليوم فإن حالة الاحتجاجات النقابية والشعبية، والتوتر مع الإسلاميين وغيرهم تتصاعد.

فكيف يستطيع الأردن أن يصمد، ولنُلاحظ هنا أن الزناد الظبياني ومخالبه القوية في السعودية وغيرها، لم يكّف عن الضغط على الأردن خاصة بعد قضية الشيخ محمد بن راشد المكتوم حاكم دبي، والأميرة هيا بنت الحسين، وهو يمارس هذا الضغط في ظل سياق مركزي للفكرة الصهيونية لإعادة صناعة الأردن كوطن بديل.

فإلى أي حد ستعبر مناورة عمّان اليوم، لتكون قادرة على الاحتواء، وإلى أي حد ستمثل لها دحرجة عكسية خطيرة، تهدد بقاء الأردن أو بقاء الحكم الهاشمي فيه، في ظل صراع المشروع الصهيوني، وحاجته لزحزحة بعض أحجار الأرض العربية.

في حين تمسُك الأردن بمجرد رفض مشروع الصهيوني الصغير، ولو كموقف سياسي عام، يدعمه الشارع الشعبي، هو في ذاته يمثل جسر عبور للأردن، تتقاطع مصالحه مع بقاء قضية فلسطين، وهذا بالطبع يحتاج أيضاً للانفتاح على ثورة الغضب المعيشية في الشارع الأردني.

أمام الأردن أيضاً إعادة فهم صورة التوسّع الصوري لمحور أبو ظبي، في مسار التوافقات السياسية مع الدول العربية والإقليمية، فالمحور سرعان ما يخذل من يتكئ عليه، ليس في اليمن فقط، حيث يفكك شرعيته وأرضه، ويعقد صفقته مع طهران، ولكن في نموذج باكستان والمغرب وتونس وغيرهم، وهو ما يعني أن الأرضية هشة جداً لاتكاء الأردن، المعرّض أن يُترك لمصيره لو فاز ترامب مجدداً، وإن كان الفارق هنا، هو شخصية الصهيوني الصغير جاريد كوشنير، وليس خلافاً استراتيجياً مع الحزب الديمقراطي.

هنا زلة قدم عمّان ستكون مكلفة، وهي تعيش حالة الفوضى المستمرة في كل محيطها، في معركة الصراع المعقدة بين حلفاء تصفية الثورة السورية، وارتداداتها على الأردن، وواقع العراق الذي تعيد فيه إيران رص صفوفها، لمنع التعديل الأمريكي من التوسع، وضمان هيمنتها المطلقة على مصالح العراق وثقافة شعبه، والانفجار اللبناني الكبير سياسياً، بعد أن دمرت النترات مرفأ بيروت.

المحصلة هنا هو أن الأردن غير مضطر رغم الضائقة الاقتصادية عليه، ربما كانت عمّان قلقة من رسالتها الإعلامية الموسمية التي بُثت من خلال صراع أزمة الخليج، عن تاريخ الأشراف في الحجاز، وعودته لهم بعد سقوط السعودية، وهي رسالة كان يُعرف من البداية، بأنها مجرد ورقة ضغط موسمي لا أكثر، وبالتالي عادت الأردن لاسترضاء السعودية، والحقيقة أن حسابات هذه المرحلة دقيقة جداً، فلا تحتمل المراهنات ولا الخضوع لإرادة محور أبو ظبي والرياض، فتسقط خارطة الأردن في جغرافيا الصهيوني الصغير.

 

مهنا الحبيل 

باحث عربي مستقل

أونتاريو - كندا 

 

 

 

مهنا الحبيل

 باحث عربي مستقل أونتاريو - كندا 

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا