الرئيسية || من نحن || || اتصل بنا

 

  

عن "سردية"

 الفساد في العراق

عبداللطيف السعدون

 

لافتٌ حقاً أن يتصدّى ثلاثة شبان عراقيين لركوب المركب الصعب، في محاولتهم الرائدة لفضح منظومة الفساد في بلادهم، تلك المنظومة التي اكتسبت شرعيتها المنتحلة زورا بموجب قوانين وتشريعات وأحكام صمّمت لكي تكون "حمّالة أوجه"، توافق عليها حرّاس "العملية السياسية" التي اخترعها الأميركيون لحكم العراق، وخلف أبواب تلك المنظومة المغلقة التي لا تزال عامرة بأهلها كومة أسرار وخفايا يكاد المواطن العادي يعجز عن رصدها ومتابعتها، فكيف باستقصاء مجرياتها وفك خيوطها على النحو الذي فعله العراقيون الثلاثة في "سرديةٍ" مثيرةٍ فتحت عيون كثيرين من مواطنيهم على ما يدور من حولهم، وكله حصيلة الحقبة السوداء التي استغرقتهم منذ الغزو الأميركي لبلادهم.

"المتطوعون" الثلاثة الذين تجرّأوا على كسر الأبواب وتفكيك الأسرار: محسن أحمد علي وعبد الرحمن المشهداني (أكاديميان) وعمر الجفال (باحث)، وقد نشروا بحثهم الاستقصائي، وفي خلاصته أنّ التأسيس لمنظومة الفساد بدأ في السنوات الأولى التي أعقبت الغزو الأميركي، وأنّ هذه المنظومة أرست آليات مكّنت الطبقة الحاكمة من تناقل الفساد وتحويله إلى طريقة حكم مشروعة سياسياً وقانونياً واجتماعياً. وأدّى تنامي الظاهرة إلى تعزيز قبضة الأحزاب والكيانات المشاركة في السلطة على مفاصل الدولة المختلفة، وباتت ثروات البلاد نهبا لذوي النفوذ والسيطرة، حيث بلغت قيمة الهدر المالي وحده أزيد من مائة وخمسين ملياراً من الدولارات.

في البحث حكايات تثير الشجن على ما آل إليه الوضع في العراق، تم تدمير القطاع العام بطريقة ممنهجة، جعلت الوظائف مضمونة الدخل، محتكرة لدى رجال السلطة النافذين وأحزابها التي تستخدم ورقة التوظيف في دوائر الدولة لكسب شريحةٍ واسعة من السكان إلى جانبها، واحد من كلّ خمسة عراقيين يعتمد في معيشته على الحكومة، وآلاف الموظفين "الفضائيين" يحسب لكلّ واحدٍ منهم أكثر من راتب لكنّهم، في حقيقة الأمر، وهميون لا وجود لهم. وبالطبع، تؤول رواتبهم التي تقدّر بأكثر من مائة مليار دينار شهرياً لجهات وشخصيات تابعة لمن بيده الأمر.

"المكاتب الاقتصادية" للأحزاب بدعة ابتكرتها عقول دهاقنة السلطة للسيطرة على ثروات البلاد، تسهم هذه المكاتب في إحدى أكبر عمليات غسيل الأموال في العالم. يعترف وزير سابق بأنّ هذه المكاتب تتقاضى نسبة معينة من كلّ مقاولة أو عقد. أدّت هذه العمليات إلى تضخّم الثروات الشخصية لزعماء الأحزاب وقادة المليشيات. وقد كان بعض هؤلاء، إلى ما قبل بضع سنوات، لا يملك شروى نقير، ونائب في البرلمان يقرّ بأنّ الوزارات تحوّلت إلى "دكاكين"، وأنّ مديري مكاتب الوزراء هم الذين يديرون عملياً وزاراتهم، ومحافظ يروي أنّ مدير مكتب أحد الوزراء طلب منه مبلغاً مالياً مقابل المصادقة على صرف تخصيصات مالية لمشاريع خدمية في محافظته.

الإعلام هو الآخر دخل إلى منظومة الفساد هذه، ثمّة أكثر من ثلاثمئة صحيفة ومجلة ونحو 55 قناة تلفزيونية وعشرات مواقع التواصل والجيوش الإلكترونية تابعة للأحزاب ومموّلة منها، وتعتاش على الابتزاز وإدارة الحروب بين الأحزاب والقوى السياسية نفسها.

نفهم من "سردية" الفساد العراقية أيضا أن للقيادات الدينية التي تعشّش تحت عمائمها عقارب الخداع والغش، حصتها هي أيضا في هذه اللعبة الشيطانية، وسلاحها "الفتاوى" المصنوعة على مقاسات من يحتاج لها، وواحدة من تلك "الفتاوى" تعتبر المال العام ملكاً مشاعاً للجميع.

كلّ شيء في العراق هو ضرب من ضروب الفساد التي يبدو بعضها مبتكراً، وقد لا تعرفه دول أخرى، ومن نماذج ذلك: تهريب النفط، تهريب الأموال، بيع المناصب، الاتجار بالبشر والأعضاء البشرية، مزاد العملة، تجارة المخدرات، تجارة الآثار، المشاريع والعقود الوهمية، عقود النفط، عقود التسليح، أموال إعادة الإعمار .. إلخ. ولكي يتم إحكام تلك المنظومة الشريرة، تتداعى وقائع وقصص غريبة عن اغتيالات موظفين وإبعادهم وحبسهم، لأنهم فقط تحدّثوا عن ملفات فساد، أو رفضوا تمرير عقود مشبوهة.

هكذا أصبح الفساد في العراق قاعدة ثابتة في العمل الميداني الاقتصادي والاجتماعي، وليس استثناءً كما كان يحدث من قبل، ووضع ذلك العراق في أسفل قوائم الشفافية والنزاهة التي عادة ما تصدرها جهات دولية وإقليمية معتبرة.

وبعد، تحلّى الشبان العراقيون الثلاثة الذين كشفوا سوءات سلطات بلادهم بالجرأة التي أهلتهم للتفكير بصوت عال من دون خوف... هل سمعتم ببلد مثل هذا من قبل؟ يبدو أنّ هذا هو السؤال الذي أراد الباحثون الثلاثة إيصاله إلى الناس، والذي يحمل إجابته معه: ليس ثمّة بلد كهذا!

 

 

عبداللطيف السعدون

  *كاتب وصحفي عراقي

 ماجستير علاقات دولية من جامعة كالجري – كندا،

يكتب مقالا اسبوعيا في (العربي الجديد) لندن

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا