الرئيسية || من نحن || || اتصل بنا

 

 

السياسة ليست طلاسم

 

ضرغام الدباغ

 

قبيل أيام، وقبل انصرام العام الحزين 2021، كنت في جلسة ضمتني مع قيادات وطنية، وحديث السياسة دائما فاكهة المجالس، والحديث يدور عن احتمالات تطور الموقف السياسي في العراق وفي الساحات العربية والمجاورة ... وهناك المتفاءل كما هناك المتشاءم ... قلت للأخوة أن الأمور لا تحسب هكذا ... لا بالتشاؤم ولا بالتفاؤل، بل بالتحليل المادي الموضوعي، بدون توابل وفلافل ...

 

الأمر هكذا: لنحدد الظواهر الحاسمة غير النسبية، ونعتبرها مؤشرات وعلامات، ثم لنربط بين هذه المؤشرات المضيئة، وعلى الأرجح ستتضح معالم الطريق ... وبالاستناد إلى قواعد العمل السياسي التي لا يتجاهلها محترفوا السياسة والدبلوماسية وصناع القرارات الاستراتيجية.

 إذن ..... الحقائق المادية الثابتة ...

 ليس كل رغبة للولايات المتحدة تنفذ حتماً.

ليس بالضرورة من تدعمه الولايات المتحدة ينتصر.

نعم بوسع الولايات المتحدة التدخل في أية بلد في العالم، ولكن ليس بوسعها حسم المعركة.

كافة المؤشرات تؤشر، أن الولايات المتحدة مقبلة ليس على معارك كبيرة (ليس بالضرورة أن تكون حربية) وعلى هزائم أكبر.

من الواضح الجلي أن العملية السياسية المتعثرة التي بدأت بعيد احتلال بغداد سارت سيرا متعثراً.. ثم أصبحت نقيصة ومثلبة لمن يشارك بها، ثم أصبحت كارثة، وأخيراً عاراً التصق إلى الأبد بمن شارك بها ومد يده في طبيخها الملوث. والأسباب واضحة ولكن دعنا نضرب عنها صفحاً الآن.

قد تقدم الولايات المتحدة على انسحابات مذلة لحفظ ماء الوجه، بما يشبه الانكسار الواضح.

قد تتخلى الولايات المتحدة تحت الضغط : السياسي / الاقتصادي / العسكري، عن بعض حلفاؤها.

ليست فقط التطورات الدولية التي تشير إلى بروز قوى عالمية جديدة: سياسية واقتصادية وعسكرية، بل وأن درجة تحكم الولايات المتحدة على حلفاء الأمس لم يعد بدرجة مقبولة لأميركا. بمعنى رغبة الحلفاء الانتقال من التبعية إلى الشراكة ..!

والولايات المتحدة بدورها تخاطب حلفاءها في مختلف الساحات : نحن قاتلنا معكم، ووضعناكم على قمة السلطة، وخسرنا سياسيا واقتصاديا وبشرياً، ولكنكم لم تثبتوا أهليتكم السياسية والعقلية (التخطيط) في إدارة أوضاعكم. ونحن مضطرون للنظر بواقعية أكثر لمصالحنا ....!

 ستركز الولايات المتحدة على المحيط الهادي (الباسفيكي) وأستراليا ونيوزيلندة واليابان كمخافر أمامية أمام البر الأمريكي.

 رصانة ومتانة الموقف الصيني على كافة الصعد، بلغ درجة النضج، واللاتراجع.

 الروس يتقنون اللعب وأصول التصرف في أوربا في الساحة الأوربية، ولهم فيها خبرة وباع طويل.

 

ماذا سيجري في العراق ...؟

 

الأمريكان وحلفاءهم هم القوة الأمضى في العراق، رغم فشل كافة مشاريعهم وخططهم فشلا ذريعاً، إلا أنهم يتسيدون الآن الساحة بسبب :

القوة السياسية للولايات المتحدة، والتفوق العسكري الساحق للتحالف الثلاثي (الولايات المتحدة إيران إسرائيل).

تشتت القوى الوطنية المعارضة للاحتلال، وافتقارها لقدرات الرؤية الاستراتيجية والأيديولوجية والسياسية. وثغرات أخرى مهمة.

سياسة الأرض المحروقة والاقتلاع والإبادة والتجريف بلا هوادة التي ارتكبتها قوى الاحتلال وفي المقدمة العدو الفارسي. ولكن هذه ستسجل وباستحقاق المساءلة التاريخية.

الولايات المتحدة حققت تقدماُ على حليفيها (إسرائيل بسبب ضعف معسكرها العراقي، وإيران التي يتعرض جذر موقفها السياسي والأيديولوجي والعسكري للضعف بسبب سوء التخطيط والعمل، وتناقضها الصارخ مع المحيط العربي / الإسلامي.

 

احتمالات الموقف في العراق ...!

 

افتضاح الخطط الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية في العراق والمنطقة.

تراجع الوسط الشعبي  المساند للعملية السياسية، وبروز معارضة وطنية جديدة، ستقود الحراك النضالي / السياسي.

سيتأثر الموقف الإيراني بشدة بهزائم تلحق بها في ساحات في المنطقة.

بالتزامن أو كنتيجة لذلك، نظام الملالي الإيراني ومشروعه الفاشل سيندحر في إيران بسبب عجزه التام في صياغة نظرية حكم مقبولة.

سيتبلور الوعي الشعبي في العراق بدرجة ملموسة، وسوف تتوصل الجماهير الشعبية إلى إفراز قيادات وطنية جديدة، والأحزاب الوطنية التاريخية التي تعاني حالياً من مشكلات صعبة، سوف تتخلص (وإن متأخراً) من أزمتها السياسية والآيديولوجية والتنظيمية الخانقة.

 

بعض هذه النتائج قد تحقق فعلاً، وتشخيصها بحاجة فقط لرؤية دقيقة بعقل سياسي واع، وملامح المرحلة المقبلة ستكون نتيجة للواقع المادي الموضوع.

 

 

 

 

 

د. ضرغام الدباغ

 استاذ جامعي باحث وكاتب عراقي مقيم في المانيا

 مؤسس المركز العربي الألماني برلين

  ( من كتاب البلاد)

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا