الرئيسية || من نحن || || اتصل بنا

 

 

 

ازدهار الأوطان بأهلها ولأهلها ...

 وسورية ليست استثناء

 

عبد الباسط سيدا

 

 

ممّا يميّز السلطات الاستبدادية ويجمع بينها أنّها، بصورة عامّة، تركز على البعد الجغرافي ولواحقه في مفهوم الوطنية، وتهمل الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والعلمية البحثية، وغيرها. فالوطنية في ما يخص السلطات المعنية فحواها الإخلاص للأرض، والتضحية في سبيلها، وزراعتها، وإقامة الصروح العمرانية عليها، والولاء المطلق للقيادة، بغضّ النظر عن طبيعة تلك القيادة، وعن مدى إخلاصها للوطن وأهله، وعن حدود استعدادها لتقديم كشف الحسابات بصورة دورية لتكون جاهزة للمساءلة والمحاسبة. لا تعرف الأنظمة الاستبدادية التزاماً بنتائج الانتخابات النزيهة التي لا بدّ من تنظيمها دورياً لتجديد الشرعية أو الإقرار بصورة سلمية بانتقالها إلى قوّة، أو قوى، سياسية أخرى كانت في المعارضة، واستطاعت عبر برامجها وممارساتها المقنعة كسب تأييد غالبية المواطنين. وفي حال عجزها عن تنفيذ وعودها، تخضع هي الأخرى للمساءلة والمحاسبة، وتدفع الضريبة عبر خسارتها للحكم لصالح قوى سياسية جديدة، فالوطنية لا تقتصر على مُجرّد التغنّي بالشجر والحجر، وإنّما تشمل، بالدرجة الأولى، النظام السياسي الذي يحقّق العدالة للبشر، ويفتح آفاق مستقبل أفضل أمام الجيل الشاب، والأجيال المُقبلة، وذلك برفع مستوى التعليم عبر إبعاده عن توجّهات الأيديولوجيات الشعبوية التعبوية، والاستفادة من أحدث النظريات والتجارب التربوية، وإزالة العقبات التي تحدّ من تقدّم البحث العلمي، ليتمكّن من مواكبة التحدّيات المعاصرة.

مناسبة هذا الحديث عن مفهوم الوطنية وأبعاده ودلالاته حرص بشّار الأسد في مختلف المناسبات على اتهام الثائرين على حكمه المُستبدّ الفاسد المُفسد باللاوطنية، وخيانتهم الوطن، حتّى إنّه في مناسبةٍ تهجّم على نجاحات السوريين، ولا سيما الطلبة في الخارج، واعتبرها فشلاً باعتبار أنّ أصحابها قد تركوا الوطن أو فرّوا، بحسب وصفه، إلى الخارج، من دون أن يُكلّف نفسه عناء السؤال عن الدوافع وراء خروجهم وتحمّلهم عذاب الهجرة وضرائبها، ولكنّهم أثبتوا، بتفانيهم وصبرهم وإصرارهم، أنّهم يمتلكون قابلية النجاح والتفوّق إذا ما توفّرت لهم الشروط المناسبة، وهي الشروط التي كانت غائبة في وطنهم نتيجة القمع المتوحّش والفساد المزمن الشَّرِه. من جهة أخرى، يتّهم بشّار معارضيه، الرافضين حكمه المافياوي المستبدّ الشهير بالتصفيات، بالارتباط بالأجنبي. وحتّى يُعطي صورة مقبولة عن ذاته وسلطته أمام الأوساط الدولية، يُعلن قبوله المعارضة الوطنية، المتماثلة مع معارضة الجبهة الوطنية التقدّمية المُدجّنة.
ويتجاهل بشّار، بخبث ساذج، حقيقة أنّه هو الذي فتح أبواب الوطن أمام الروسي والإيراني وأذرع الأخير من مليشيات حزب الله والزينبيين والفاطميين، وفصائل الحشد الشعبي العراقي، وحزب العمّال الكردستاني، الأمر الذي أدّى إلى تدخّل الإسرائيلي والأميركي والتركي. كما أنّه يصمت إزاء دور سلطته في إغراق البلاد بالمُتطرّفين الإرهابيين حينما أخرجهم من السجون، وعاد إلى دفاتره ودفاتر والده القديمة ليستثمر في "حلفاء الأمس"، وذلك بالتنسيق مع الراعي الإيراني.
من جهة أخرى، يُصرّ بشّار الأسد على إطلاق اسم المؤامرة على ثورة السوريين، ليُسوّغ لنفسه الحرب الضروس التي أعلنها عليهم، وكلفت أكثر من مليون سوري، إلى جانب عدد مماثل من المصابين والمُعتقلين والمُغيَّبين، بالإضافة إلى ملايين المُهجَّرين. هذا فضلاً عن التدمير الحاقد الذي كان بسلاح الأسد والروس و"محور المقاومة"، وهو التدمير الذي شمل جميع القطاعات الخاصّة بالمدنيين، واستُخدمت فيه سائر أنواع الأسلحة، بما فيها الطيران والصواريخ الباليستية والأسلحة الكيماوية، هذا فضلاً عن التصفيات الوحشية لعشرات آلاف من السوريين في السجون وأقبية المخابرات.

لا تقتصر الوطنية على الحُبّ الرومانسي للأماكن والتراب والماء والمناظر الطبيعية والحجر، رغم أهمية ذلك كله، وإنّما تشمل أيضاً حبّ أهل الوطن، وتتضمّن الحرص على تحقيق العدالة المجتمعية والاقتصادية، وطمأنة كلّ الانتماءات المجتمعية من دون أيّ تمييز أو استثناء، وتوفير الفرص أمام الشباب ليتمكّنوا من الإسهام في نهضة مجتمعهم وتطوير وطنهم. أمّا أن تُختزل الوطنية بالالتزام بما تفرضه سلطة لا شرعية أصلاً، تحرم مواطنيها من كلّ الحقوق، فهذه وطنية كسيحة، مفصّلة على مقاس السلطة الأسدية، وممثلها الراهن بشّار الأسد. ... تتعارض الوطنية بالمطلق مع أيّ حديث عن هندسة التجانس، والانسجام المجتمعي. وهذا فحواه أنّه ليس مِن حقّ مَن لا يعطي أيّ اعتبار أو اهتمام لمعاناة السوريين القاسية في مخيمات اللجوء، بل يفرح شامتاً لحملات العنصرية التي يتعرّضون لها، ويطالب المجتمع الدولي برشوة في مقابل الالتزام بالقبول بعودة المهجّرين السوريين الذين يتجاوز عددهم عدد المقيمين حالياً في الوطن. ليس من حقّ هذا الشخص التحدّث في الوطنية الجاذبة، التي يتطلّع نحوها السوريون، لأنّ حديثه في الوطنية لا يتجاوز حدود الوطنية العنصرية التي يستقوي منظّرها بأيّ كان من أجل البقاء في السلطة.
أما خطابات بشّار الأسد الإنشائية في موضوع الوطنية فتُذكّرنا بخطاباته عن السيادة وأهمية المحافظة عليها، وهو منْ أدمن الصمت تجاه الانتهاكات التي تتعرّض لها السيادة السورية صيفاً وشتاءً، بل في مدار الساعة. وحتّى لو سايرناه، في تعريفه لمفهوم الوطنية بالمحافظة على أرض الوطن، لوجدنا ثغرات كبيرة، لا يمكن تغطيتها بمماحكات عقيمة، فالجولان السوري المُحتلّ منذ 1967 ما زال يخضع لالتزامات اتفاقية فكّ الاشتباك التي عقدها والده حافظ الأسد مع هنري كيسنجر عام 1974. أمّا الجزر الإماراتية التي احتلّتها إيران عام 1971، فما زالت خاضعة للاحتلال الإيراني في عهد نظام "ولي الفقيه" راعي "محور المقاومة"، رغم أنّها، وفق عقيدة حزب البعث، التي يريد بشّار إحياءها، جزء من الوطن العربي. من الواضح أنّ ما يقصده بشّار الأسد بالوطنية التزام السوريين مُجدّداً بحدود المزرعة التي بنتها لهم السلطة الأسدية، ليكونوا مُجرّد أقنان في خدمة تلك السلطة ولحمايتها. وفي السياق ذاته، صرّح الأسد، في مناسبة أخرى، بأنّ الوطنية لا تعني الانتماء الجغرافي أو الارتباط بالأرض عن طريق الولادة والإقامة، وإنّما "الدفاع عن الوطن". وأردف، مستنداً إلى منطقه المعكوس المتناقض، "الوطن هو لمن دافع، ويدافع، عنه". وتكشف هذه الجملة المستور، وتلقي الضوء على المخطّط المُتّفق عليه، فالسوريون الذين أجبروا على الخروج نتيجة القتل والتجويع والتدمير باتوا "خونة الوطن" في منظور بشّار وبطانته، هذا في حين أنّ من قتلهم وجوّعهم ودمّر منازلهم وأسواقهم ومدارسهم وقراهم وبلداتهم ومدنهم، وارتكب المجازر المروّعة ضدّهم، قد غدوا أصحاب الوطن، وممّن لهم الحقّ فيه قبل أبنائه.
والأمر الذي يستوقفنا أنّ هذه السياسة لا تقتصر على بشّار الأسد وحده، بل تشمل أيضاً واجهات حزب العمال الكردستاني، التي تحوّلت سلطة أمر واقع في المناطق الكردية، ومناطق الجزيرة وشرق الفرات بصورة عامّة، ولا غرابة في هذا الأمر، إذا علمنا أنّ هذه الواجهات قد دخلت مع قواتها إلى سورية منذ بدايات الثورة السورية، وبالتنسيق والتوافق مع سلطة بشّار، وضمن إطار الاستراتيجية العامة التي اعتُمِدَت بتعلميات الراعي الإيراني، وتحت إشرافه.

بناء على ما تقدّم، يُلاحظ أنّ تعريف الأسد مفهوم الوطنية يتوافق مع نزعة التحوير والتحريف التي يلوذ بها لقلب الحقائق رأساً على عقب. وما شجّعه، ويُشجّعه، على ذلك تيقّنه من عدم وجود إرادة دولية، خصوصاً من الولايات المتّحدة بإزاحته عن المشهد. وإنّما كلّ ما هو مطلوب منه لا يتجاوز حدود تغيير السلوك. وهذه عبارة غامضة، روّاغة، حمّالة أوجه، ولا تلزم صاحبها، أو المقصود بها، بأيّ إجراء ملموس في أرض الواقع. ونحن إذا تجاوزنا منطق بشار الأسد الهشّ وتبعاته، فسنجد أنّ الوطنية التي تنقذ السوريين هي الوطنية الجامعة التي تفتح الأبواب، أمام سائر السوريين من دون أيّ استثناء، وبغضّ النظر عن الانتماءات المجتمعية، والتوجهات السياسية، والمواقع الطبقية، وذلك ليتمكّن الجميع من المشاركة في تقرير المصير السوري العام، والإسهام في تحسين قواعد العيش المشترك بموجب عقد وطني جديد، يكون أرضية لدستور مدني عصري يُقرّ بحيادية الدولة تجاه جميع مواطنيها، وتضمن المقوّمات المطلوبة لتمكين الجيل الشاب والأجيال المُقبلة من العيش في الوطن بحرّية وكرامة، بُغية تسخير الطاقات كلّها في سبيل تقدّمه وازدهاره، والعمل على مدّ جسور الحوار الحضاري مع الجوار الإقليمي والمحيط العالمي، وذلك مقدّمة لتعاون بنّاء منتج يكون في مصلحة الجميع.

(العربي الجديد) لندن

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا