الرئيسية || من نحن || || اتصل بنا

 

  

رموز وأشباح

مصرع الملك غازي الأول

أ.د. سيّار الجميل

 

التأويلات  والتجريحات  والاتهامات التي لا محلّ لها من الاعراب

كنت قد كتبت في  تقديمي كتاب " أوراق الملك غازي الأول " الذي  حققه ونشره الصديق القاضي  زهير عبود عام 2009   والمعروف ان الملك غازي قد حكم العراق بين  1933- 1939 م  اذ قلت واصفا هذا الملك الشاب الذي  أحبه العراقيون  كثيرا  :  

مواصفات  الملك غازي  واخلاقياته

 " ان اوراق غازي تمنحنا الفرصة  للتعرف على هذا الرجل الذي لم يسلم ايضا من القدح والذم ، اذ كان قد لاكته الالسنة ، واتهم بشتى الاتهامات الشخصية .  إن تاريخه وأوراقه ومواقفه وخطاباته تحدثنا كلها عن زعيم شاب  أحبه شعبه  حبا جما ،  صحيح انه كان مندفعا ، ولكنه لم يكن أهوجا أو ارعنا ، وصحيح انه قوي العلاقة بضباطه ، ولكنه كان يستمع للنصائح .. صحيح ان له حياته الشخصية ، لكنه احب الشعب العراقي حبا كبيرا ، ولم يميز بينهم .. صحيح ان بعض قراراته التي صنعها تنقصها بعض الحكمة ، ولكن لم يكن يقف هشّا  أو ضعيفا أمام منطق التمردات التي حدثت هنا او هناك ، ولقد علّمته نيابته لأبيه الكثير إبان غياب والده في سفراته  .. امتلك غازي الاول كاريزما عربية  وعراقية قل نظيرها ، احبه الناس كثيرا كونه ظهر عليهم وهو كاره للانكليز كراهية عمياء ليس في العراق وحده ، بل في كل اصقاع بلاد الشام .. وكان شجاعا لا يتوانى عن استعداده للعمل على انحسار نفوذ البريطانيين في زمن كانوا يعتبرون فيه اسيادا للعالم .. لم يكن نازيا او فاشيا في زمن اصطبغ بهذه الصبغة ، ولكنه كان يريد ان يقف العالم الى جانبه في وقفته ضد الانكليز .. " .

   واستطردت قائلا :  "  لقد كان ملكا متواضعا يختلط بكل ابناء المجتمع ، ولم يهتم بالطقوس الملكية التي كان عليها نظيره في مصر الملك فاروق الاول .. وكان غازي يعشق قيادة السيارات والطائرات معا ، اذ كان ماهرا في كليهما ..  لقد كان انسانا عاطفيا جدا ، ولا يتحمل سماع أي خبر محزن الا وتدمع عيونه .. احب غازي والده حبا كبيرا ، كما ترينا اوراقه وهو يؤبنه الى مثواه الاخير في تراب العراق . تزّوج الأميرة عاليه ابنة عمه الملك علي ، ملك الحجاز ، فأنجبت منه أبنهما الوحيد فيصل ( الثاني )  ، فتعلق بمحبة طفله ، ولكنه رحل الى دار الخلود وهو في مقتبل الشباب اذ لم يتجاوز السابعة والعشرين من العمر تاركا طفله يتيما وهو في الرابعة من العمر .."  . ربما ارتكب بعض الهفوات السياسية على ايام حكم والده فيصل الاول وعلى عهده  ايضا  ، ولكن بقي وفيا للدستور  ،  ويشهد الجميع بوطنيته  وشجاعته وصراحته  وتواضعه  وتطلعاته  نحو المستقبل

مصرع  ثلاثة ملوك 

وتابعت القول : "  أصبح الطفل ملكا بعد رحيل والده باسم الملك فيصل الثاني ، وعرف شعب العراق في ارجاء العالم ابان الاربعينيات انه يعتني بالملك الطفل ويربيه تربية خاصة ، ليغدو للعراق مكانته وشأنه الكبيرين  على يديه ، ولكن القدر لم يمهل ابن غازي ايضا ، اذ قتله شعبه ومعه كل العائلة المالكة صباح يوم 14 تموز 1958 ، وفيصل في الرابعة والعشرين من العمر ! واذا كانت ميتة فيصل الاول يحيطها الغموض عام 1933 ! ( وساعالجها في حلقات قادمة )  وكانت ميتة فيصل الثاني على مشهد علني صارخ أمام كل العالم .. فان مصرع غازي  يوم 4 ابريل / نيسان 1939 كان ولم يزل عند البعض (لغزا ) يستعصى حله حتى يومنا هذا .. مع رواج الاتهامات واطلاق الاحكام من قبل  العراقيين  عن ميتة  جاءت جراء  اصطدام  سيارته  بعمود  اقتلع من مكانة  ليسقط عليه  ويهشم جمجمته  رحمه الله .

وتساءلت  في نهاية  التقديم قائلا : "  ان هذه " الاوراق " التي كتبت بخط الملك غازي رحمه الله ـ تعد اضافة جديدة الى معلوماتنا التاريخية نحن العراقيين على نحو خاص وللعرب والعالم كله عموما .  ان اوراق غازي الاول الذي يتضمنها هذا " التحقيق " يحتاجها كل الباحثين والمؤرخين الذين يعتنون بتاريخ العراق المعاصر .. كما انها تكشف لنا عن حقائق تاريخية نحن بأمس الحاجة الى معرفتها .. وكنت اتمنى مخلصا على صديقنا المحقق الكريم ان يعلمنا  كيف توّصل الى هذه " الوثائق " ؟ واين كانت طوال هذي السنين الماضية ؟ ومن يحترز عليها اليوم ؟  رحم الله الملك غازي الاول ، فلقد ظلم كثيرا في حياته وبعد مماته .."  . 

اليوم بعد ثمانين عاما

هذا ما قلته قبل عشر سنوات  ..  اليوم اود أن اتوقف قليلا  ، فقد ارسل لي  الأخ الدكتور مناف  النداوي  قبل أيام مقالة  عن مصرع  الملك غازي  ،  وقد سيطر  في اللاوعي العراقي الجمعي وللأسف الشديد ان  الملك  مات مقتولا  بفعل  فاعل  من دون ان يحقق من اشتغل على تاريخه  من الاخوة المؤرخين العراقيين  الجدد  في  نقد الروايات التي راجت  عن  قصد  وتعمد  او  عن سذاجة او  عن مكر  وخبث ، وكان عليهم  محاكمة نصوص من قال ان  غازي قد  قتله فلان او علان  ، فهناك من اتهم الإنكليز  بالجريمة ، وهناك من اتهم  ابن عمه الأمير  عبد الاله  ، وهناك من اتهم  نوري السعيد  ولو احصينا الاتهامات التي  نشرها العراقيون عن هذا الأخير  لقلنا  ان نوري السعيد  كان  قاتلا  من الطراز الأول  ، ( وساثبت عكس ذلك في  حلقات قادمة  )

أول إشاعة  مدسوسة  لآسباب سياسية وتداعياتها  الخطيرة

مصرع المستر مونك ميسن القنصل البريطاني في الموصل

بادئ ذي بدء  ،  بدأت  الاشاعة  مدسوسة  إعلاميا منذ الدقائق الأولى  لمصرع غازي عندما نشرها  يونس  بحري  لأول مرة  متهما  الإنكليز  بالحادثة من دون اية  مستندات  أو حيثيات  او أي تحقيقات وقد اعترف  يونس بحري لاحقا بأنه روّج  الاشاعة  عمدا  لأسباب سياسية  نازية  كونه مع الالمان  ضد الإنكليز ،  وكانت تداعيات تلك الاشاعة  خطيرة  جدا  قد وصلت فجرا الى كل العراق  ، فكان من نتائجها  سير مظاهرة كبيرة في الموصل  منطلقة من الثانوية المركزية ( الشرقية حاليا )  باتجاه القنصلية البريطانية في شارع المحطة  وتألفت من عشرات الطلبة والعمال  والكسبة  ويقودها  طلبة  الثانوية ، وكان ان وصلوا  مبنى القنصلية  ولما خرج اليهم  القنصل البريطاني المستر  مونك ميسن  قتله  احدهم  مهشما رأسه  ، وقد قبض على  المتهمين وحوكموا  امام المحاكم العرفية  ، وفي تلك الحادثة  ، اتهم بعض الطلبة  الأبرياء  وقبض عليهم  واعتقلوا  جراء وشايات  شخصية  في مجتمع  تتنافر فيها الطبقات  !!  وقد نشرت جريدة البلاغ الموصلية  تفاصيل  ما حدث  ..  ( وساقف عند مصرعه في  قابل )  .

الموت نتيجة اصطدام سيارة  يقودها الملك  بسرعة 

نرجع الى  الحدث  ، فنجد  ان  الملك كان يقود  سيارته  بسرعة بالغة  فاصطدم  بأحد الاعمدة الكهربائية  فوقع  العمود  على سيارته مهشما رأسه  وقد توفي  بعد قليل  ، وقد عاين المحققون  المكان  ووجدوا  العمود ملقى على السيارة  المهشمة  ، وثمة صور  تثبت ذلك  . وعليه  ، فان  القتل  قد حدث نتيجة اصطدام السيارة  وليس  جراء  جريمة  مرتبة  وقد الفّ  البعض من العراقيين  كالعادة  القصص والروايات  واختلقت جملة من الاتهامات  ..  ونجح بعض  الذين  لديهم احقاد سياسية  او  كراهية  شخصية  ضد  الملك غازي  او  ضد  اسرته المالكة  ، وخصوصا  ضد ابن عمه  الأمير عبد الاله  او ضد نوري السعيد  يخرجون على الناس  بحكايا  تشمئز  منها  النفس  ..  اتهموا  غازي  انه  كان مسرعا  للقاء  احد الغلمان !  وقال آخر  بأن  خادمه الذي  كان معه  هو الذي  قتله  وهرب !  وردد آخر  انها مؤامرة بريطانية نفذها  عبد الاله ونوري !  ومن  غير الاخلاق عند آخرين الطعن  في  ملك شاب  وفي شرفه بعد موته  ونشر ذلك بين الناس  ظلما وعدوانا .

أين  النقد التاريخي  للنصوص  التي  كتبها  سياسيون ؟ 

كنت أتمنى مخلصا على  زملائي المؤرخين العراقيين  ( الاكاديميين ) المحدثين  الذين اشتغلوا على  هذا " الموضوع " بالذات  ان يتوقفوا  مليا  لمحاكمة  النصوص  كي  يفكروا في  أسباب ذلك  سياسيا واجتماعيا ، ونقد أصحابها  نقدا باطنيا إيجابيا وسلبيا  حتى يثبتوا  صحتها ام  بطلانها  ..  وكنت أتمنى ان يكونوا  منطقيين في  تسفيه  هذه الروايات التي  جاءت في الأصل  عند  بعض السياسيين  العراقيين المخضرمين الذين   كانت علاقتهم سيئة  بالملك غازي  كونه  حجّم ادوارهم  جراء  أخطاء ارتكبوها  ، ثم  جاءت احداث  1941  ليصطف  البعض مع  حركة رشيد عالي  فساء  موقف بعضهم  مع عبد الاله ونوري كي يتهمان بهذه التهمة   ..  المهم ،  كان عليهم ان يتدارسوا  المذكرات الشخصية والتي غالبا ما نجد فيها أكاذيب  وتزويرات  وفحص ما جاء فيها  بكل دقة  وانصاف  ذات البين  ليدرك الناس  كيف يتم  تزوير  الحقائق  ..  وكان عليهم أيضا ان  يحاكموا  نقديا  النصوص  التي ساقها  مؤرخ  عراقي آخر  ، وهو من المخضرمين  والذي  تزدحم كتبه بالاتهامات  !   وكنت أتمنى  مخلصا على  الباحثين العراقيين  ان  يدعموا  تلك  " الاتهامات "  بالوثائق  والمستندات  ان  وجدوا  مستندا واحدا  رسميا  سواء في العراق او بريطانيا  يثبت  ادعاءاتهم الواهية  . 

وأخيرا :  ماذا أقول ؟ 

تؤكد  الوثائق  البريطانية والعراقية معا  كتقارير  ومحاضر  جلسات البرلمانيين  البريطاني والعراقي  ان ليس هناك  مؤامرة  قد حيكت لمقتل  غازي  .  واقول ربما  تظهر  في المستقبل  اية معلومات  شريطة ان تكون رسمية  او سرية  تعلن  عن جريمة قتل  ولكن حتى يومنا هذا لم نجد أي مستند  او  وثيقة  رسمية   تثبت  ان مصرعه  كان مبيتّا  ،   وان كان كذلك  ، اليس  هناك  اكثر من طريقة اسهل  من هذه   حتى  يتخلصوا من غازي ؟؟؟  طيب  ، من اقتلع   العمود  واسقطه على السيارة   ان كان قد  قتل  من قبل  خادمه ؟   كلما  يسألني  الناس  والطلبة  عن سر  مصرع الملك غازي  رحمه الله ، أجيبهم  بان نهاية الرجل  كانت جراء  اصطدام سيارته  ،  حتى تثبت لنا  الأيام  عكس ذلك من خلال  مستندات  رسمية  دامغة  ، وليس  مجرد  اقاويل  هذا  السياسي  او  أكاذيب  ذاك  ( المؤرخ )  ، او هذيان  هذه   الجماعة  او تلك  ،  او  تفاهة وسخف  أحد  المعتوهين  اليوم  ؟؟؟

في ابريل/ نيسان 1939

نشرت يوم السبت  24  ابريل / نيسان 2021  على الموقع الرسمي  للدكتور سيار الجميل

المصادر  المعتمدة  ستثبّت في  نهابة  هذه  الفصلة  عند نشر كتاب  رموز  وأشباح  لاحقا .

 

 

   د. سيّار الجميل

 اكاديمي واستاذ جامعي وكاتب عراقي

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا