الرئيسية || من نحن || || اتصل بنا

 

  

ماذا حدث

للحركة المناهضة للحرب؟

هيفاء زنكنة

 

ماذا حدث للحركة التي ولدت المظاهرات المناوئة للحرب على العراق وشارك فيها 36 مليون شخص، من جميع أنحاء العالم، في حوالي 3000 احتجاج مناهض للحرب قبل وبعد الغزو في 20 آذار/ مارس 2003. وكانت مظاهرات 15 شباط/ فبراير، قبل أسابيع من شن الحرب، هي الأكبر في تاريخ البشرية، المتميزة بأنها حدثت قبل شن الحرب وليس اثنائها. التظاهرة التي صّورها مخرج الأفلام الوثائقية الإيراني أمير أميراني في فيلمه «نحن كثرة». وهو عنوان مقتبس من قصيدة للشاعر الإنكليزي بيرسي شيللي بعنوان «قناع الفوضى» واستخدمتها الروائية الناشطة الهندية أرونداتي روي في كلمة لها أثناء الاحتجاجات المناهضة للحرب، قائلة: «لا تنسوا! إننا كثرة وهم قلة. هم يحتاجوننا أكثر مما نحتاجهم». وكانوا كثرة فعلا، حيث سجلت بريطانيا رقمها الأعلى في مساهمة المتظاهرين الذين بلغ عددهم مليوني شخص، تظاهروا تحت شعار «ليس باسمنا».
ماذا حدث للحركة المناهضة للحرب؟ قد يكون هذا هو السؤال الأكثر خطورة في عصرنا، يقول جيفري سانت كلير محرر موقع « كاونتر بانتش» اليساري المعروف، مركزا في تساؤله على نشاط الحركة في الولايات المتحدة الأمريكية التي تشكل تاريخها المعاصر على الموقف الجماهيري الكبير ضد الحرب في فيتنام ومساهمة الملايين في الاحتجاجات المناوئة لاستمراريتها. لماذا، إذن، نرى خفوت الأصوات الآن؟ تشير الدراسات التي تصدت لتحليل هذه الظاهرة إلى أن أحد أسباب التحشيد الكبير الذي رافق الاحتجاجات المناوئة للحرب في فيتنام هو نظام التجنيد العسكري الإلزامي أثناءها. حيث دخلت الحرب، بآثارها البشعة، الحياة اليومية للعائلة الأمريكية. وصار جرحى الحرب والقتلى حقيقة لا يمكن للإدارة الأمريكية وأجهزة الإعلام تغطيتها. وكان لانتصارات المقاومة الفيتنامية الدور الرئيسي في إعلان الهزيمة العسكرية الأمريكية وإنهاء الحرب، في ذات الوقت الذي ساهمت فيه حركة مناهضة الحرب بتوفير الدعم التضامني مع الشعب الفيتنامي.
بعض هذه الأسباب وليس كلها، تمظهر في الموقف المناهض للحرب ضد العراق. لم يعد الشاب الأمريكي مجبرا على الانخراط في الخدمة العسكرية الإلزامية مما يؤجج المشاعر ضد الحكومة في حال الإصابة أو القتل وعدم تحقيق النصر الموعود. بل بات توجهه إلى الخدمة العسكرية اختيارا يتحمل مسؤوليته. ويكون انخراطه لأسباب اقتصادية أو إغراءات بتوفير الإقامة أو مشاعر وطنية لحماية الوطن من « الإرهاب» تماشيا مع كثافة التحشيد السياسي والإعلامي. ففي بيان رسمي، نصحت وزارة الداخلية الأمريكيين بتخزين الأغطية البلاستيكية والأشرطة اللاصقة لحماية أنفسهم من الهجوم الإشعاعي أو البيولوجي المتوقع من العراق الذي جاء نقلا عن تصرح لتوني بلير، رئيس الوزراء البريطاني، بأنه سيصل بريطانيا خلال 45 دقيقة، ناهيك عن التصريحات المدوية عن « التحرير والديمقراطية وحقوق الإنسان». على الرغم من هذا كله خرج آلاف الناس بأمريكا احتجاجا على شن الحرب. فلِم حل الصمت بعد ذلك ونتيجة الغزو الهمجي وانعكاساته الكارثية على حياة الشعب العراقي ومستقبله، مرئية وموثقة للجميع؟ أين الاحتجاج من قبل التقدميين والليبراليين والمدافعين عن الحقوق المدنية ورجال الدين والأكاديميين والفنانين والمتطوعين المجتمعيين وغيرهم ممن شاركوا في الحركة سابقا والذين يجب أن يُواصلوا العمل تذكيرا بمسؤولية أمريكا وبريطانيا؟ هل هو اهتمام الشباب المُنصب على البيئة والجنسوية؟

ماذا حدث للحركة المناهضة للحرب؟ قد يكون هذا هو السؤال الأكثر خطورة في عصرنا، يقول جيفري سانت كلير مركزا في تساؤله على نشاط الحركة في الولايات المتحدة الأمريكية التي تشكل تاريخها المعاصر على الموقف الجماهيري الكبير ضد الحرب في فيتنام

يقول ديفيد بواز، نائب الرئيس التنفيذي لمعهد كاتو التحرري، على موقع بريتانيكا الإلكتروني، أن الاحتجاجات الأمريكية ضد الحروب بدت وكأنها توقفت لحظة انتخاب باراك أوباما رئيسًا في عام 2008. «ربما افترض المنظمون المناهضون للحرب أنهم انتخبوا الرجل الذي سيوقف الحرب». وما حدث، كما نعلم هو أنه كان مهووسا باستخدام الطائرات بل طيار القاتلة. السبب الآخر هو استمرار تسويق سياسة «الحرب على الإرهاب» بذكاء، والسيطرة على الأخبار الواردة من الجبهة عن طريق تحديد حركة الصحافيين، وتلويث سمعة المقاومة العراقية بسمة الإرهاب وتصوير الجندي الأمريكي باعتباره منقذا للمواطن العراقي من الإرهابيين. ولا يمكن إغفال الدور الاعلامي الذي لعبته «المعارضة العراقية» في مرحلتي الترويج للحرب وأثناء الاحتلال، واستفادت منه الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية، بشكل كبير. وهل هناك ما هو أكثر نجاحا في التسويق من استخدام معارضين يدعون الى التحرير وبقاء القوات الأجنبية لتوفير الحماية لهم؟
بالإضافة إلى الأسباب المعروفة، تطرقت جوان رويلوفس، أستاذة العلوم السياسية والناشطة المناهضة للحرب ومؤلفة عدة كتب، في كتابها الاستقصائي الجديد المعنّون «كاتم صوت بتريليون دولار» إلى النقص المذهل للاحتجاج الشعبي على الموت والدمار الذي يُلحقه المجّمع الصناعي العسكري بالناس والأمم والبيئة. ركزت المؤلفة على كيفية تغلغل الإنفاق العسكري في الاقتصاد الوطني، ومدى امتداد تمويله، ليشمل الآن، إلى حد كبير، حتى الحركات المناهضة للحرب. إذ تمتلك مؤسسة – جيش الولايات المتحدة – آلاف الوظائف وأوجه الاستثمار الاقتصادي الحربي، وميزانية تصل حوالي ألف مليار دولار كل عام لدعم دورها في التحضير للحرب وشنّها في جميع أنحاء العالم. وتجيب المؤلفة على سؤال جوهري يُطرح غالبا وهو كيفية نجاح المجّمع الصناعي العسكري بالحصول على الرضا الشعبي؟ بتفاصيل الميزانية والمُنح والجداول، تبين المؤلفة أوجه التغلغل العسكري في المجتمع الأمريكي اقتصاديا وثقافيا. حيث يُعتبر المقاولون والقواعد بمثابة محاور اقتصادية في مناطقهم. تشمل المشاريع المشتركة مع وزارة الدفاع مساعدة الإدارات البيئية بالولاية، وفرق المنظمات الحكومية والبيئية لإنشاء مناطق عازلة لميادين القصف. تعد مستشفيات إدارة المحاربين القدامى نعمة لمجتمعاتهم.
ويتسلل التأثير الأخطر عبر حصول الجامعات والكليات وأعضاء هيئة التدريس على عقود ومنح من وزارة الدفاع ووكالاتها، مثل وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة. وتوفر الوظائف المدنية في وزارة الدفاع فرصًا للعلماء والمهندسين ومحللي السياسات وغيرهم. يتغذى كل نوع من الأعمال التجارية وغير الربحية، بما في ذلك المنظمات البيئية والخيرية على مائدة وزارة الدفاع من خلال العقود والمنح. إذ تتبرع وزارة الدفاع بمعدات للمنظمات، وخاصة منظمات الشباب، وتقرض كتائب مجهزة لهوليوود. وتقدم شركات الأسلحة منحا سخية للفنون والجمعيات الخيرية، خاصة للشباب والأقليات.
تنطبق هذه التفاصيل على أمريكا أكثر من المملكة المتحدة التي لاتزال منظمات مناهضة الحرب فاعلة فيها إلى حد ما، وإن كان النموذج الأمريكي في الهيمنة عن طريق التمويل العسكري يتسلل ويتوسع بسرعة كبيرة. مما يستدعي، كخطوة أولى، لإعادة نصب الحدود بينه وبين المجتمع المدني، أن نرى كيف يؤدي الإنفاق العسكري إلى تواطؤ المجتمع المدني في نتائجه الوخيمة.

كاتبة من العراق

 

 

*هيفاء زنكنة

 كاتبة وصحفية وناشطة عراقية تقيم في بريطانيا

 تكتب اسبوعيا في جريدة (القدس العربي(

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا