الرئيسية || من نحن || || اتصل بنا

 

  

مسافرون إلى أمل

 

بانة القاسم *

 

لا أدري كيف ساقتني قدماي إلى تلك المرآة الشفافة، لأقف أمامها وأكتشف كيف مرت عشر سنوات في عالمي الجديد هذا وماذا تركت هذه العشر من ندوب على وجهي.

انتهت الامتحانات وبدأ توتر الأعصاب فمن اجتهد ينتظر ثمرة جهده ومن عمل كل الوقت ينتظر نتيجة عمله ومن أغلق على نفسه العام كله الأبواب، عله يفتح نافذة الأمل لمستقبل، يترقب نتيجة الامتحانات هذه. إلى كل هؤلاء أقول إن في لسعة الانتظار حلاوة لا يدركها فاقد الأمل. فالذي تقاعد عن الدرس لن ينتظر اي نتيجة، ومن فضلت ارتباطًا سريعًا على تحصيل شهادة دراسية ستذهب إلى ما أرادت دون حلم خاص بالنجاح او الفشل. لا تحزن ياصديقي لو أدركت نجاحا ضعيفا قد لا يحتمل طموحك، ولا تحزن لو لم يسمح لك مركب النجاح بالعبور إلى الضفة المقابلة للأمل سالمًا غانمًا. ولا تحزن لو نهضت في داخلك بذرة في حالة طموح إلى تجديد في شخصك وإعادة تصنيع ليومك القادم وفشلت. قد تفشل ولم لا؟ فالفشل حق، صنعته المحاولة، صنعته رغبتك في التغيير ومن لا يعرف الفشل قد لا يحس رعشة فرح النجاح. من لم تقتلع الرياح أحلامه الواحد تلو الآخر، فهو غير جدير بأرض يتقاسم هواءها مع آخرين يحرثونها بأرواحهم ليخرجوا منها فكرة الأمل بالحصاد غدًا.

قد أحلم بنجاح على مستوى رؤيتي، وأفقده بهبة ريح قدرية، وقد يأمل آخر بعمل في السفر ويضع كل أمنياته في سلة واحدة تهشمها لاحقًا قوانين هجرة جائزة. وقد تخبئ إمراة في أحشائها بذرة طفل ظلت وزوجها عقودا يحلمون بخروجه للنور ويذهب الحلم أدراج الرياح، قد يحلم رجل بامرأة ولا يستطيع أن يرى بين نساء الأرض إلا وجهها الذي فقده إلى الأبد بضربة قدر. قد ينتظر أحدنا مبلغا من المال ظل يدخله طويلا ليحمل شفاء لإحدى أعضائه العليلة وربما لا ينفع العلاج. قد تنهار سفننا وسط البحار الهائجة، وتصطدم أمانينا بصخور الواقع، فتنكس رايات أفراحنا لوهله نظنها دهورا طويلة. قد يخبو في أرواحنا ضوء الأمل بالخلاص فما جدوى الحياة، والأمنيات، لغد مجهول الهوية،  قد نفقد الشراع، والخل الوفي، والحب الذي ظنناه كل الحياة، والفكرة التي راودتنا كل الوقت تحثنا على ضرورة الفرح ... ولكن لن نفقد الأمل بالأمل، ولن نفقد تلك القطعة من الروح التي تظل تطالب بالحلم في عز الحلكة.

هذه الكلمات لها علاقة بحالات نعيشها كلنا نسميها احباطًا، خوفًا من الفشل ارتدادًا إلى الاكتئاب وضرورة إلى زيارة الطبيب النفسي ومراكمة أدوية القلق والعصاب، سمّها ماتشاء. إلا أن الفكرة لا تزال حية وهذا يكفي للعودة مرة أخرى لصناعة آمال أخرى نحيكها على مقاس طموحاتنا. يقول محمود درويش: "إن اختلاج الروح في البذرة أقوى من الصخرة". مع كل الدمار الذي احدثته الحروب هناك شعوب تبني، وشعوب تقاوم احتلال، وشعوب ترفض الذل وشعوب تخسر البنيان ولا تخسر الإنسان ... وأنت، هيا قم وربت على قلبك وأخبره أنك أقوى من كل الخذلان ووحشة الغربة وانتظار أوراق الهجرة والسعي للقمة عيش في بلاد لا تفهم لغتها ولا هويتها، هيا قم وجذف باتجاه الضفة الأخرى ويداك مصنع للأمل، من أجلك ومن أجل من تحب ... لا تفقد الأمل ... وسنة جديدة حلوة كلها أمل وثقة بالمستقبل والخير.

·         كاتبة وصحفية من اسرة (البلاد) لندن اونتاريو

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا