الرئيسية || من نحن || || اتصل بنا

 

  

قصة رحاب

بانة القاسم *


الوقت : الساعة السادسة صباحا" ، الزمن : بالأمس البعيد، الأبطال: هي.
تقوم سريعا" من فراش دافىء في يوم شتوي بارد والأمطار تغمر المدينة ، تلبس سريعا" ، تتناول شايا" أو ربما لا تتناوله، تقضم لقمة أو ربما لا يسنح لها الوقت. وهناك طفلتين عليها أن تجهزهما للخروج معها سريعا" إلى المدرسة.وهناك طفلة غادرت إلى الروضة منذ قليل.
وقوفا" على قدميها خمس ساعات مستهلكة روحها في تعليم الأطفال مباديء القراءة والحساب والعلوم، ومحتملة بصبر صراخهم و شكواهم ومشاكساتهم لبعض . ينتهي الدوام وتركض إلى بيتها تقوم بواجباتها المنزلية. هي ماكينة الحياة ، خلقت لتظل تحيك أسبابا" للعيش . كانت تعود من عملها مرهقة لدرجة أن تظل صامتة ساعتين وتتعامل بلغة الإشارة والحركات. كانت تقول عن طالباتها ، أنهن بناتها. وكانت ابنتها الحقيقية تستشيط غيظا" لأنها تقاسمها مع غرباء حبها واهتمامها.
في يوم من الأيام شديدة البرودة ، اكتشفت أن هناك طالبتين أختين لا تحضران إلى المدرسة ولما سألت وتقصت ، علمت أن الفاقة الشديدة منعتهما،  فهما لا تملكان أحذية للسير ولا حتى مريول(لباس المدرسة الرسمي آنذاك) .. في اليوم التالي كانت الطالبتين اول الحضور بملابسهما وأحذيتهما الجديدة، لقد ذهبت إلى منزل عائلتها ترجو والدهما إرسالها وبأنها مسؤولة عن تيسير كل المستلزمات. وهكذا اقترحت صندوقا" مدرسيا" لدعم الطالبات ذوات الحاجة ( كما نرى اليوم في مدارس كندا).
في مكان عملها كانت شعلة ابداع وطاقة حتى أن ابنتها (اياها) كانت تموت من الغيرة عندما ترى البنات تغمرن والدتها بالعناق أو تقديم الهدايا والورود...فهي أمها لها وحدها.
في البيت هي نور الشمس الذي يملؤه حياة واطمئنان، هي رائحة الطعام اللذيذ ، ونكهة طبق الحلوى، و الذوق الراقي في ترتيب منزلها. في العمر هي أم ومعلمة وحضن كبير متسع يملأ زوايا الحياة بحنان ذو نكهة خاصة . صنعت عائلة بمزيج من الحنان الشديد والحزم وعدم التغاضي عن الأخطاء ، حتى أن ارضاءها لم يك بالأمر اليسير  .
ليس عيد المعلم ،وليس عيد الأم ،وليست كل المناسبات هي التي تذكرني بهذه التفاصيل لأكتبها ولكن، رسالة قصيرة من إحدى صديقات الفيسبوك تفتح بوابة ذاكرتها في يوم المعلم لتشاركني قصتها التالية: قالت لي : أعلنت المدرسة عن رحلة سنوية ولم أك أملك طبعا ثمن الاشتراك ويوم الرحلة طلبت من والدتي أن تسمح لي برؤية ووداع صديقاتي يركبن الباص .... خرجت الساعة الخامسة صباحا" برفقة شقيقي الكبير كي أشهد فرحتهم وتشهدن حرقتي . ولكن للقدر رؤية أخرى ، إذ رأتني المعلمة رحاب ابكي عن بعد وهي تعرفني ، ولما علمت سبب عدم اشتراكني، ارسلت أخي ليعلم الأهل بذهابي معهم وسددت من جيبها مشاركتي وطعامي. ...كيف ينسى الطفل الحروم موقفا" كهذا في حياته كله ..
رجتني أن أرسل تحيتها إلى هذه السيدة .
هذه المرأة النبيلة هي أمي ، وانا مازلت أغار من محبة طالباتها (بناتها) لها.
هي أكبر من كلماتي وأرقى من كل المعاني ، هي رحاب عشت فيه وصنع أجمل مافيي.  

هي ليست قصة شخصية، هي قصة كل واحد في قلبه رحابه التي زرعت طريقه ورودا" و روتها من مصل روحها. تفاصيل القصة تشبهني ، وأنت لك تفاصيلك، نكهة الطعام الخاصة بأمك والتي لا تستسيغ غيرها، الحضن الذي يختصر العالم والذي تصغر الدنيا ببعاده، الرائحة التي تسكن ذاكرتك أبدا" ...رحابك أنت ، لك وحدك، يفصل بينكما حبل مشيمة وتلتصق بروحك بعدد أيام العمر ...دامت أمهاتكم جميعا"

 

*صحفية وكاتبة من اسرة جريدة (البلاد) لندن اونتاريو

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا