الرئيسية || من نحن || || اتصل بنا

 

  

)حزب الله( وفائض القوة

والسلاح.. من حرب تموز

٢٠٠٦ الى إنتخابات أيار ٢٠٢٢!

علي الأمين

 لماذا فتح "حزب الله"جبهة الجنوب في تموز من العام ٢٠٠٦؟.. سؤال تستفيض بمعرضه الأجوبة والتحليلات والإستنتاجات، من أطراف عدة مناهضة او على الأقل تتحفظ على إندلاعها، تبعا لنتائجها المدمرة على لبنان، مع التأكيد، خارج المزاودات الرخيصة، على ان إسرائيل هي عدو و"شر مطلق"، بعد ان إستغل الحزب شر إستغلال "راية المقاومة" التي رفعها مستئثرا و"متكسباً"، و متلطياً خلفها للإنقضاض ل"شيطنة"، كل صوت معارض لسلاحه "الضال"، الذي أضاع بوصلته منذ زمن بعيد، وسلطه على أبناء "وطنه" وصوبه عليهم في اكثر من مناسبة، بدل ان يبقيه، كما يزعم، موجهاً لمواجهة إسرائيل. يعود النقاش، حول السلاح وقرار الحرب والسلم، الذي حوله “حزب الله”، الى سجال عقيم و “جدل بيزنطي”،  بقوة في زمن الإنتخابات، ليجيب أيضاً عن تساؤل مريب بشكل أكثر وضوحاً، مع تطور الأحداث الدرامتيكي، منذ حرب تموز مرورا بيوم “الحزب المجيد” في ٧ أيار، وصولا الى الإنتخابات التي ينخرط فيها الحزب كمعركة “وجودية”، لم يتوان عن إستخدامه بالمباشر لترهيب معارضيه، معطوفاً على فائض قوة، يكفي بمفرده، لإختلال ميزان “الشراكة المزعومة” مع غيره من الأطراف.إذا ثمة علاقة سببية، بين إرساء “حزب الله” ل”قواعد إشتباك” مع معارضيه وأخصامه السياسيين، لا مع العدو الإسرائيلي( الذي يلتزم بها راضيا مرضيا)، وبين اللحظة السياسية الإنتخابية الراهنة، التي تمكنه من إحكام “القبضة الإيرانية” عليه، كأحد أذرعتها، ولعل في إستعادة تلك “الحرب التموزية” وتدعياتها الدليل والعبرة.

قرار الحرب في عام ٢٠٠٦ لم يكن في سياق تحرير الأسرى، ولا في سياق المواجهة مع اسرائيل او تحرير مزارع شبعا، لأن بعد التحرير والانسحاب الإسرائيلي عام ٢٠٠٠، خمد سلاح “حزب الله”، وكان سلاحا هادئا ويعمل على تهدئة الجبهة مع اسرائيل. اذن هذا القرار جاء في سياق أخر، جاء في سياق الخروج من المأزق الذي وقع فيه “حزب الله” ، هذا المأزق تمثّل في امرين:الأمر الأول، فرض قرار الخروج  السوري من لبنان قبل عام من بداية الحرب، فهذا الوجود كان يوفر الغطاء السياسي والمعنوي لحزب الله، وحتى الغطاء الشرعي على المستوى الاقليمي والدولي.  الأمر الثاني، ان سلاح “حزب الله”، وُضع على طاولة النقاش والبحث في ماسُمي طاولة الحوار والبحث في الاستراتيجية الدفاعية، واصبح السلاح هذا محل شك ومحل تهمة. 

لقد ولّد  اغتيال الرئيس رفيق الحريري في عام ٢٠٠٥ دينامية لبنانية جديدة، تقوم على استعادة الحياة السياسية وتفعيل الدولة واستعادة السيادة، ومدعومة من غطاء دولي كبير.. كل هذه المعطيات وضعت “حزب الله” في مأزق، لأن هذا السلاح لا يمكنه ان يكون تحت ظل الشرعية اللبنانية، لأنه سلاح له خلفيته الخاصة سواء في تكوينه الامني، أو بنيته العقائدية، لا يؤهلانه ان يكون تحت ظل الشرعية اللبنانية، فهذا السلاح لم يصمّم في الأصل لأن يكون لبنانيا، بل صمّم لأن يكون جاهزا للعب ادوارا اقليمية، تفترضها السياسة الايرانية. إذن قرار الحرب كان قرار الخروج من المأزق، لا تحرير الاسرى ولا مواجهة اسرائيل، بل لخلط الاوراق وخلق حالة ضعضعة في الداخل اللبناني، بحيث بدل ان يكون السؤال الداخلي هو الذي يتصدر النقاش السياسي اللبناني العام، أي كيف تستعيد الدولة هيبتها وسيادتها وحضورها الفاعل بعد نهاية الوصاية السورية،  قام “حزب الله” بنقل النقاش الى مسألة خارجية تتصل باسرائيل وعدم التأمين على نواياها، وضرورة حفظ السلاح، وبالتالي نقل الحزب، من خلال الحرب، مسألة سلاحه من حيّز البحث والنقاش الى خارج البحث بالكامل. الحرب الحرب كانت جزءً من استراتيجية “حزب الله”، لاستعادة شكل من اشكال وصاية جديدة على لبنان. ذلك ان الوصاية السورية على لبنان، كانت وفّرت له فرصة الوجود خارج الجدل الداخلي، واضطر “حزب الله” بعد الحرب، ان يضع سلاحه على الطاولة كعنصر قوة للاشارة وللتأكيد على عدم وجود توازن في ميزان القوى، فحرب ال ٢٠٠٦ كشفت ان  السلاح ليس فقط ضد اسرائيل، انما يمكن استعماله في الداخل، فموازين القوى الداخلية بنظر “حزب الله”،  لا تقوم على من لديه الشرعية ومن لديه نواب اكثر، بل تقوم على قاعدة من يملك فائض القوة المادية في لبنان.  “حزب الله” برهن بعد حرب ٢٠٠٦ وعبر احتلال بيروت، انه هو صاحب فائض القوة في لبنان. الخطوة الثانية التي قام بها، غداة الحرب، هي استقالة الوزراء الشيعة، واعتبر الحكومة غير شرعية، ولا تتوافق مع ميثاق العيش المشترك، كذلك احتل وسط بيروت لنحو عامين، عبر اعتصامات منظمة ومستقوية بسلاح الحزب. كل ذلك لم يأت في سياق رد الفعل، انما في سياق خلق معادلة قوة جديدة، تبين الخلل في ميزان القوة، وان “حزب الله” له اليد العليا.كل ذلك العمل ترجم في اتفاق الدوحة، الذي رسخ الثلث المعطل في الحكومات، والذي رسخ “حزب الله” كقوة صاحبة الكلمة الاخيرة.اتفاق الدوحة لم يرسخ “الثلث المعطل” فحسب  بل رفع سلاح “حزب الله” من دائرة النقاش، وفرضه في كل بيان وزاري، اي اتخذ صفة شرعية وقانونية. ويُلاحظ ان في كل هذه السياقات، سعي حثيث لترسيخ  وصاية جديده في لبنان، لا يكون الدستور والقانون اساسها، انما فائض القوّة الذي يملكه “حزب الله” ولا يتردد في استعماله، والذي يجعله صاحب الكلمة الفصل، فبعد ٢٠٠٨ انتزع الحزب كل المقومات السيادية للدولة واحتكرها لنفسه، وترك القاء اللوم على الدولة في الخلل الاداري والفساد ، اي انه اخذ كل  الدسم من الدولة وترك لها نقاط الضعف، ليحمّل بقية السياسيين اسباب الضعف. بالتالي، يبرز السؤال، هل كان الشعب اللبناني بغنى عن هذه الحرب؟ يأتي الجواب سريعاً.. “نعم”، فبعد ٢٠٠٦ بدأ انهيار الدولة وتعززت الغرائز الطائفية، وحدث انقسام مجتمعي، وصار هناك استحالة لتحقيق اي اجماع حول اي قضية، وبدأ انهيار الاقتصاد وزاد منسوب الفساد والمحاصصة، فاذا كُسبت جولة او جولتين من الحرب  مع اسرائيل فبالمعنى الاستراتيجي، وليس كم سقط للبنانيين وكم سقط لهم من قتلى. لبنان بالمعنى الاستراتيجي كان الخاسر الأكبر، وكان الرابح الاكبر في هذه الحرب هو “حزب الله”، لأنه رسّخ معادلة جديدة وقواعد لعبة جديدة وأعراف جديدة، موازية لكل النصوص الدستورية والقانونية في لبنان، تكسّر العرف السياسي المعروف في لبنان الذي كان يضمن الاستقرار، لأن لبنان بحكم تعدديته كان يقوم على التسويات، أي على انصاف الطريق.

 “حزب الله” رسخ معادلة انه هو صاحب القرار في القضايا السيادية، وفرض تعطيل مجلس النواب، وفرض ميشال عون رئيساً، رغم انه لم يكن لديه الاكثرية النيابية، وهذا كله ترجمة للخلل في موازين القوى، الذي استثمره “حزب الله” لصالحه، ووضع عرفاً سياسياً موازياً للقواعد الدستورية، وللعرف السياسي الذي كان معمولاً به في الحياة اللبنانية.

كيف برّر «حزب الله» دخوله الى سوريا؟

الدخول الى سوريا لم يكن لغرض الدفاع عن المقامات الشيعية او الأقلية الشيعية، كما ادعى في بداية انخراطه في الحرب السورية، لأن الدفاع عن سوريا بحسب التعبير الايراني هو “اهم من الدفاع عن طهران”، فسوريا لها اهمية استراتيجية ولذا لا يجب ان تفلت من ايديهم، لذا عملت ايران على ان تمأسس حضورها في سوريا، وليس فقط تعزيز حضورها،  في البداية دافعت عن نظام الأسد ، ودفعت في سبيل ذلك العديد من الضحايا والأكلاف المادية والعسكرية، وعملت على تأسيس حضورها من خلال شراء الاراضي في سوريا، وتشكيل ميليشيات تابعة لها، وعبر حملات التشيّع، ورغم الحضور الروسي في سوريا يبقى الحضور الايراني حضوراً قوياً ومؤثراً وعميقاً، لأنه حضور ممأسس وليس حضوراً ميليشيوياً.  “حزب الله” هو حزب مكوّن من لبنانيين لكنه حزب يلتزم الاستراتيجية الايرانية فحضور “حزب الله” في سوريا هو تلبية لرؤية استراتيجية ايرانية، و”حزب الله” بصفته فصيلاً ايرانياً وليس حزباً لبنانياً،

“حزب الله” هو حزب مكوّن من لبنانيين لكنه حزب يلتزم الاستراتيجية الايرانية، والمنظومة الأمنية الايرانية والدفاعية ، هو جزء عضوي من هذه المنظومة، التي كانت تعتبر ان سوريا ثابت استراتيجي، لذا قدمت في سبيل ذلك الكثير من الضحايا والاموال، ووصلت بالتعبئة الدينية خلال الحرب  الى اقصاها، واضفت صفات غير مسبوقة دينيا لهذه الحرب الدفاع المقدس، وهو مصطلح لم يحظ به قتال اسرائيل. “حزب الله” هو استجابة للرؤية الاستراتيجية الايرانية، أين لبنان من كل هذا؟ لا مكان للبنان في كل هذا، لبنان كان من مصلحته، بالمعنى السياسي والاستراتيجي، ان يكون على الحياد وان ينأى بنفسه عن هذا الصراع، وسوريا بالنسبة الى “حزب الله” هي ضرورة وجودية، الجغرافيا السورية جسر عسكري له، زائدا انها ضرورة استراتيجية لايران.. ومأسسة النفوذ الايراني يعني انه يتسم بالدوام والاستمرارية والعمق، بما يعني، بالتالي، ان ازالته عملية صعبة ومعقدة.

ماذا يعني اعلان بعبدا لـ«حزب الله»؟

اعلان بعبدا بالنسبة ل”حزب الله” هو شيء ل”التسلية” من الخطابات التي يستهلكها للداخل، ويجب التنبه دوما، الى ان حزب لديه خطابين، واحد للرأي العام وللبيئة الشيعية التي يقدم نفسه على انه حامي لها، وللبيئة المسيحية عن حمايتهم من الارهاب السني ..هذا خطاب  للاستهلاك الداخلي والترويجي، لكن ليست هذه الخطابات التي تعكس استراتيجية “حزب الله”. فإعلان بعبدا كان شارك “حزب الله” في صياغته وتبناه ثم عاد وتنصل منه، اعلان بعبدا جزء من الاستهلاك المحلي والداخلي حتى يرفع عن نفسه العتب واللوم.. انما لا اعلان بعبدا ولا طاولة الحوار، هما من يقرر استراتيجية “حزب الله”.. انما تقررها المنظومة المعقدة والمترابطة عضوياً، والتي تقوم في بنيتها الايديولوجية على ولاية الفقيه، وفي بنيتها الامنية على الحرس الثوري والقوى المتفرعة عنه، ومنها “حزب الله” الذي يعتبر النفوذ في سوريا ضرورة، لا يمكن التنازل عنه من قبل المنظومة الايرانية. نتائج هذا التدخل على الساحة اللبنانية النتيجة الأبرز لتدخل “حزب الله” هي هشاشة الدولة، التي باتت عاجزة على ان تمارس سيادتها ودورها وسلطتها، اذ ليس فقط سلاح الحزب صار خارج التداول اليوم، بل انتقل الى ان ينتزع هذا السلاح المبادرة من يد الدولة، ويظهر كقوة في سوريا وبقوة اقل في العراق واقل في اليمن.  فكرة الوصاية هي مشروع بدأ تنفيذه منذ ان خرجت سوريا من لبنان ومن نافل القول ان “حزب الله” هو مكوّن قائم بذاته مستقل عن الدولة، حتى لا يقال انه “دويلة داخل الدولة”، بل بات بعد الحرب السورية، دولة الى جانب الدولة، لها اعتباراتها الايديولوجية والسياسية والاقليمية والاخلاقية والثقافية، مكوّن قائم بذاته، يستطيع ان يمتص من الدولة مصادر قوة لحسابه، وقادر على اختراقها عبر عنصر الدعم الشعبي، فيخترق قراراتها، لكن هو بتكوينه ليس حسابه لبنانيا بل خارج الحسابات اللبنانية، لذا كان اثر مشاركته في الحرب السورية كارثياً على لبنان، لانه عزّز الحساسيات المذهبية السنيّة الشيعية، واظهر هشاشة الدولة واضعفها، واظهرت الدولة عجزها عن ضبط المجموعات المتفلتة منها، فلا تستطيع الدولة ان تضبط الجماعات التي تضر وتناقض سياستها الخارجية، ف”حزب الله” فاتح على حسابه، يفتح معركة على حسابه في اليمن، ويفتح مواجهة مع دول الخليج، اي بما يخالف مصالح الدولة، ينظم تعبئة سياسية وينفذ لوحده، هذا اظهر ضعف الدولة وعجزها عن ان تدافع عن موقفها، وهذا نقل “حزب الله” من مرحلة الدولة الى جانب الدولة، الى مرحلة الوصاية على الدولة، وفكرة الوصاية هي مشروع بدأ تنفيذه منذ ان خرجت سوريا من لبنان.

 

 

علي الامين

 كاتب وصحفي لبناني

  رئيس تحرير موقع (جنوبية)

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا