الرئيسية || من نحن || || اتصل بنا

 

  

بين إياد شفاعمرو

وعزيز عمان ميدالية واعتذار

جواد بولس


لقد حظيت أخبار فوز الشاب إياد شلبي ابن مدينة شفاعمرو بميداليتين ذهبيتين في أولمبياد طوكيو لذوي القدرات المحدودة، بأصداء إيجابية لافتة في الإعلام العبري والإعلام العربي على حد سواء. ويعدّ هذا المديح المضاعف في حياتنا، مؤشرا لغرابة الحدث أو لكونه «شاذا»؛ ويعكس، في واقعنا المركب، إشكالية تتخطى تبعاتها شؤون الشخص نفسه، أو حتى عائلته أو مدينته.
نحن أمام دليل آخر على تعقيدات علاقاتنا مع الدولة؛ فإياد شلبي المواطن المسلم العربي، فاز باسم دولته إسرائيل بميداليتين ذهبيتين واستلمهما، على إيقاع نشيد هتكفا الصهيوني، كبطل إسرائيلي «كاشير». مع ذلك قامت عدة قيادات وشخصيات عربية بتهنئته على إنجازه الكبير، فكتب ابن مدينته محمد بركة رئيس لجنة المتابعة العليا: «الآن شفا عمرو تحتفل بعودة ابنها وابن جماهير شعبنا كله، البطل العالمي إياد شلبي. إياد حقق ميداليتين ذهبيتين في أولمبياد طوكيو لذوي القدرات الخاصة. فخورون بإياد وفخورون بأهله الإعزاء الكرام».
وقامت عدة مرجعيات رسمية إسرائيلية بتهنئته بحرارة، برز من بينها رئيس الدولة يتسحاك هرتسوغ، ووزير الثقافة والرياضة حيلي طروبر، الذي أعلن بدوره: «أنه انتصار كبير. كل التهاني لسبّاحنا الإسرائيلي.. إياد هو شخص مثير للإعجاب. نحن فخورون بك إياد شلبي». سيبقى، رغم هذا الاشتباك، إيادنا بطلا عالميا ويستحق تقديرنا وإعجابنا.

عزيز مرقه «يا باي»

لا أعرف لماذا نشر، قبل يومين، الفنان الأردني عزيز مرقة، صاحب الأغنية الشهيرة «يا باي» على حساب الفيسبوك الخاص به اعتذارا يبدو، من حيث موضوعه وتوقيته الحالي، غريبا ومستهجنا ومثيرا للشفقة؛ حيث جاء فيه: «أود أن اعتذر عن أسفي الشديد واعتذاري الأكيد عن الأخطاء التي ارتكبتها دون تثبت منّي للظروف التي أحاطت بالفعالية التي أقمتها بتاريخ 2019/12/16 لأهلنا في كفرياسيف المحتلة من الداخل الفلسطيني، بناء على دعوة من بلديتها، وأوكد أنني ضد التطبيع بكل أشكاله، قولا وفعلا، وأنني التزم من الأن فصاعدا بالمعايير التي أجمعت عليها الهيئات المناهضة للتطبيع مع العدو الإسرائيلي، وأنني أؤكد أنه لم يكن لديّ في أي وقت من الأوقات علاقة بالكيان الصهيوني.. إنني اتحمل مسؤولية جميع الأخطاء المتعلقة بي من هذه القضية، ومرة أخرى أعتذر من كل قلبي لأهلي وشعبي الفلسطيني وأمتي العربية عن تلك التجربة المريرة التي آلمتنا جميعا»! لقد أعادنا هذا المنشور إلى ملابسات حدث جرت تداعياته على خلفية إحياء الفنان عزيز مرقة حفلا غنائيا ناجحا، نهاية عام 2019، في قرية كفرياسيف الجليلية، حل فيه ضيفا على أهل الجليل وشاركهم الفرحة، ملبيا دعوة مجلس القرية المحلي، كضيف خاص على هامش احتفالات «الكريسماس ماركت» التي استمرت فعالياتها الثقافية والفنية لمدة أربع ليال متتالية. لن أنهك القراء بتفاصيل تلك الحادثة؛ ففي حينه تعرّض الفنان الأردني/الفلسطيني، بسبب تقديمه للعرض الفني في كفرياسيف، إلى هجوم كاسح من قبل ناشطين يعملون فيما يسمى «اللجنة الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل من الداخل (BDS 48)؛ ورغم الظلم الذي سببه ذلك الهجوم عليه، واتهامهم الجائر له بالتطبيع مع العدو الصهيوني، أعلن هو في حينه عن اعتذاره الصريح، لاعتبارات يستطيع كل مواطن عربي واع وصادق مع نفسه، أن يتخيّلها، ثم طلب ممن هاجموه العفو وصك غفرانهم.

علّمنا أجدادنا الذين رفعوا في وجه الليل المناجل وخاطوا من الكرامة للوطن كوفية، أن نرفض الذل والتذلل

ما زال، على ما يبدو، عزيز مرقة ملاحقا بسبب تلك الزيارة من قبل بعضهم في بلده، أو ربما في محافل أخرى، وما زال يدفع ثمن غنائه على أرض الجليل؛ فلولا معاناته المستمرة حتى هذه الأيام، هكذا افترض، لما اضطر، بعد مرور قرابة العامين، أن يكرر نشر اعتذاره الآنف، وبلغة محزنة تذكرنا بأجواء محاكم التفتيش البغيضة، وبما ساد في مجالس أمراء الاستبداد. ومن المؤسف، في الوقت نفسه، ألا نسمع أصواتا تدافع عنه وعن أمثاله، ليس من أجل إنصافهم، كفنانين أحرار وحسب، بل من أجل تصويب حالة عربية مشوهة يشوبها كثير من الالتباس والخلل؛ وأقصد تلك الحملات والملاحقات التي تشنها ما تسمى «اللجان الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل من الداخل، وما تثيره مواقفهم أحيانا من نقاشات زائدة، وتتيحه نصوص لوائحهم التوجيهية من مغالطات وفرص للمزايدات والبلبلة، التي خلقت في بعض الحالات وتخلق الفوضى في صفوف المناصرين لنضالات المواطنين العرب داخل إسرائيل، وتضر بنشاطاتهم الاجتماعية والثقافية، التي تهدف إلى المحافظة على هويتهم الثقافية الجامعة العريقة، وإلى ترسيخ وجودهم الصلب في وطنهم.
من المؤسف أن يضطر بعضنا، من حين لآخر، إلى العودة ومناقشة تلك اللجان وحثها على ضرورة إعادة النظر في منطلقاتها نحونا، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، والتدقيق مجددا فيما يضعونه، جزافا، من مساطر تحرّم علينا وعلى غيرنا القيام، أو عدم القيام بفعل ما، تحت يافطة مقاطعة إسرائيل، العدو الصهيوني. فعزيز مرقة لم يأت إلى كفرياسيف مطبعا مع العدو الصهيوني، بل على العكس تماما، فهو حين وقف على المسرح قرب ساحة السوق الكفرساوية الشهيرة وحيا فلسطين وهو يضم كوفيتها بعفوية ساحرة، روّى حناجر الشباب بحماس وأسقاها حبا أعاد إلى ربوع الجليل وعد أآبائنا الصادق، لكن ما دمنا في حضرة اعتذار جديد لابن الأردن بسبب الظروف التي أحاطت بفعاليته في كفرياسيف، على حد تعبيره، أودّ تذكيره كيف تماوج آلاف الشباب على وقع «دمعته» السخية وهي تغني لهم بفرح جليلي فريد؛ وكيف وقفت الحشود أمامه وقبل مجيئه، على مدار أربع ليال متتالية، كي تنشد للحرية أهازيج من عزة، وترقص بفرح على إيقاعات الجمر الذي أوقده قبله وقبل ميلاد صرعات المقاطعة والتحريم، شاعر صبغ الوطنُ سمرةَ وجهه، فصرخ في وجه القهر والقمع والرصاص معلنا في أحد مهرجانات كفرياسيف التاريخية: «اليوم جئت وكلنا سجناء فمتى أعود وكلنا طلقاء»؛ هذا هو راشدنا، فهل تعرفتم عليه في بلادكم، وهو ينفخ في رماد العرب ويتحلّف دولة القهر ويتوعدها صارخا: «سنفهم الصخر إن لم يفهم البشر».
نحن يا عزيزنا، في كفرياسيف وأخواتها، الرابضات من أعالي جبال الجليل حتى آخر خيمة ساهمة في رمال النقب، ولدنا كأبناء للقلق؛ فعلّمنا أجدادنا الذين رفعوا في وجه الليل المناجل وخاطوا من الكرامة للوطن كوفية، أن نرفض الذل والتذلل، وعلّمونا، أيضا، كيف نعتصر الأمل من بطن غيمة ساهرة لتحرس ساحات البلد. أنا لا أعرف من أو ماذا يجبرك، في هذا الصيف المريض، على نشر اعتذارك بهذا النص المستفز لكل حر؛ لكن عليك أن تتيقن بأن حضورك وغناءك بين أهلك في الجليل، بخلاف لو غنيت في احتفال ترويجي للمؤسسة الصهيونية أو لعملائها، لم يكن تطبيعا مع دولة العدو الصهيوني؛ واعلم كذلك بأن صدى تلك الليالي، رغم ضجيج من هاجموك ورغم اعتذاراتك، بقي في صدور جيل علمه الكبار قبلك وقبلهم كيف تلاطم أياديهم المخارز، وعلموهم ألا يرضخوا لهرطقات مستوردة عرجاء ومغرضة، ولا لسفسطائيات هوجاء ونزقة. لقد اعتذرت يا عزيزنا في حينه أمام قلة هاجمتك، لأنك غنّيت للحب في ساحات كفرياسيف، التي كانت كما وصفها حاديها محمود درويش «بالبيت والطريق» فأحزنتنا وأبكيت نجوم الجليل؛ أو لم تكن تعلم أنك وقفت ليلتها في حضن التاريخ، وغنيت في إحدى قلاعه المنيعة التي وقف على أبراجها «السميح» وخاطب سماءها قائلا: «أنا لا أحبك أيها الموت.. لكنني لا أخافك»؛ وتألق في رحابها قبله رفيقه سالم جبران حين علم الكون درسا في حب الوطن وأنشد: «كما تحب الأم طفلها المشوه أحبها.. حبيبتي، بلادي». فهناك قريبا من حيث وقفت أنت، أشهرَ «الدرويش» هويته في وجه الحاكم الإسرائيلي العسكري وأمره: «سجّل أنا عربي». أولئك، وأمثالهم كثر، هم أهلي وهم بناة هوية شعبي الثقافية؛ فقل لي بربك، يا عزيز، أمام من اعتذرت؟
وأخيرا، أعرف أن القضية لم تبدأ بزيارتك إلينا ولن تنتهي عند مخاضات التطبيع والتتبيع؛ ولذلك ستبقى محاولات إخضاع مجتمعنا العربي في إسرائيل لمفاهيم المقاطعة الثقافية، من خلال استنساخ تجارب هجينة لا صلة لنا فيها، هي مجرد محاولات عاقر لا يمكن أن تلد، إلا الاعتذارات أو المناكفات التي تستفيد منها في النهاية إسرائيل.
لن استعيد اليوم قوائم معضلاتنا التي تنتظر تفكيكها ومواجهتنا لها بجرأة وبحكمة، لكنني سأكتفي بالعودة إلى ما بدأت فيه؛ فإياد الشلبي بطل ذهبي شفاعمري احتضنته إسرائيل بكل دفء ورعاية، ويحتضنه، أهله وأبناء شعبه، بكل تقدير وبجداره.. فماذا سيقول أهل المقاطعة في ذلك؟ أنا لا أنتظر الإجابة من أحد؛ فكما ترى، يا عزيزنا، نحن قوم يعرف بعضنا كيف يفخر بأبطاله، ويصرون، رغم الوجع والالتباس، على أن «ينقوا عدسهم بغرابيلهم» ولا يخشون الوقوع في حفرة، فهذه كي تأمنها يفضل أن تطمرها. وأخيرا، لا أعرف كيف ستعتذر من أمة أضاعت طريقها على ضفاف دجلة والجيحون، وتشتت أبناؤها كحبات الرمل في البحار. أما من أهلك فاعتذر فهم حصنك والأدرى بشعابك، لكن لا تعتذر من شعبك فلقد اتخمته، يا باي، القوافي هباء واعياه، يا ويلي، اللهاث وراء السراب. لك منا كل الحب، ودعوة جليلية خالصة لتحل ضيفا عزيزا في ربوعنا متى ما شئت، واعلم أن بين شفاعمرو وعمان ميدالية وحسرة وحب.
كاتب فلسطيني

 

 

جواد بولس

 كاتب فلسطيني محامي 

 ناشط في مجال حقوق الانسان  (من كتاب البلاد)

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا