الرئيسية || من نحن ||| اتصل بنا
 

د. ضرغام الدباغ استاذ جامعي باحث وكاتب عراقي مقيم في المانيا مؤسس المركز العربي الألماني برلين

  ( من كتاب البلاد)

 

 مقالات سابقة

ضربتان قاسيتان

 

ضرغام الدباغ

 

تلقى التحالف الغربي العريض (أوربا ــ الولايات المتحدة) في غضون يومين أثنين، ضربتان قااسيتان، وما هي سوى افتتاحية وتنبأ بأكثر من ذلك ربما في القريب العاجل.

الولايات المتحدة قائد المعسكر المالي / السياسي / العسكري، حامل لواء الديمقراطية كذباً وزورا وبهتاناً، ولكن الكذب المدعوم بقوة عسكرية خارقة، وبتفوق مالي، وسياسي، يجعل الأكاذيب حقائق والأباطيل واقعا موضوعياً، ولكن قواعد الحياة تغير قواعد اللعب، فالصغير لن يبقى صغيراً، والضعيف لن يبقى للأبد ضعيفا ، وهكذا تطرح التعاملات مستوى جديداً من العلاقات ... وبناء على ذلك يتعين من كان يعربد على عرش العالم أن يكف عن عربدته، وأن يتقبل التحولات التاريخية ...وربما أن يدفع ثمن طغيانه ..

 الحدثان هما .. تدهور الموقف السياسي في فرنسا (9/ حزيران) يضع كافة الاحتمالات ممكنة، حيت تتصاعد مكانة قوى يمينية ويسارية، بدرجة ستفقد القوى التقليدية (تحالف قوى المال والدولة) مما ينضج إمكانية حدوث تحولات حاسمة على الصعيد الداخلي والخارجي، وحين نقول الخارجي، نقصد أن هناك شكلان أو كيانان مهمان للعمل الخارجي هما : الاتحاد الأوربي، وتحالف الناتو .

 وعنونت صحيفة "لوفيغارو" افتتاحيّتها "قفزة نحو المجهول". أما مجلة "دير شبيغل" الألمانية فعنونت "فرنسا صوّتت وعاقبت ماكرون". حلّ تحالف الرئيس الفرنسي في الصدارة لكن بدون أغلبية مطلقة وهُزم عدد من وزراء حكومة إليزابيت بورن كانوا مرشحين للانتخابات.

 لم تمنح هذه الانتخابات الأغلبية لأي حزب، وقد اتّسمت بتحقيق اليمين المتطرّف تقدما كبيرًا وبتأكيد انقسام المشهد السياسي إلى ثلاث كتل: الوسط بقيادة إيمانويل ماكرون (245 نائبًا، تحالف معًا ..! )، واليمين المتطرف بقيادة مارين لوبن (89 نائبًا، حزب التجمّع الوطني) وتحالف اليسار بدءًا باليسار الراديكالي وصولًا إلى الاشتراكيين (135 نائبًا) بقيادة جان لوك ميلانشون (الاتحاد الشعبي البيئي والاجتماعي الجديد).

ورأت صحيفة "لوفيغارو" أن فرنسا "تقوم بقفزة نحو المجهول السياسي. زلزال في الجمعية: فرق متناحرة تثير ضجيجًا ستستقر في المجلس وتحوله إلى قدر يغلي... إن نقاشنا الديموقراطي برمّته (...) سيتأثر بشكل عميق"..

 

في الولايات المتحدة،  صرحت سيدني باول : (*)

صرحت بما يلي :

من مصلحة الرئيس بايدن أن يعترف بالخسارة وينسحب (يستقيل) بدلاً من أن يسجن مدى الحياة.

لدينا دليل قاطع على سرقة 7 ملايين صوت من الرئيس دونالد ترامب.

و10 ملايين صوت غير قانوني لبايدن.

وعدة ملايين صوت أدلى بها الموتى لصالح بايدن.

وسنقوم بتقديم جميع الأدلة.

 

هذا التصريح ليس من سياسي يجازف من أجل الصعود، بل الدعي العام الفيدرالي السابق، وأبرز محامية في الولايات المتحدة، ويستحيل أن تلفق أي من هذه الاتهامات.

 

ما معنى وقوة هذه الضربة، وهناك سابقة في تاريخ الولايات المتحدة هي فضيحة وترغيت، حين تلاعب ريتشارد نيكسون بنتائج الانتخابات، وأضطر للاستقالة، يوم كانت الولايات المتحدة تهتم بشيئ أسمه " حفظ ماء الوجه ".، ومن المستبعد أن تحافظ إدارة بايدن المتهالكة صحيا وماديا بإجراء يحفظ ماء الوجه .. بل يرجح أنهم سيعمدون للكذب، والاحتيال والتدليس، ليقلبوا النتائج .. هذا ممكن، ولكن ما هو ليس بالامكان، هو مسح عار التزوير والخيانة من وجه النظام المهترئ، النظام لم يعد باقيا على سدة الحكم إلا بالكذب والتزوير والاحتيال ... وليس نادراً باللجوء إلى تصفيات بأشكال مختلفة، فم يشتط به الخيال ليصنع فلم كرامبو وسسوبر مان لا يصعب عليه أن يحتال ... مجرد حيلة ...!

 

الوهم الكبير الذي صنعته الصحافة المأجورة، وهوليود، وحفلات الأباطيل يتهاوى ... والكذب لم يكن ينطلي على الجميع، فالكل يعلم أن النظام الديمقراطي / رأسمالية الدولة الاحتكارية، أنتجت الفاشية في إيطاليا، والنازية في ألمانيا، وفرانكو في أسبانيا، وحكم الجنرالات في اليونان، ونظام سالازار في البرتغال، وأنظمة طغيانية في أميركا اللاتينية، وأنظمة كثيرة في آسيا وأفريقيا،  النظام ( الديمقراطي ) يستطيع بدقة وحرفية عالية أن يحيك أكاذيبه وتحايله كما يصنع الأفلام الخرافية، والألعاب السحرية. الآن كل هذا يهتز بشدة وآيل للسقوط،

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(*) سيدني باول ” المدعي العام الفيدرالي السابق.

مارست سيدني باول المحاماة في الدائرة الفيدرالية الخامسة منذ عقود؛ وكانت محامية رئيسية في أكثر من 500 من قضايا الاستئناف. وحاليا فإنها تتولى دعاوى الاستئناف الفيدرالية ذات الصبغة التجارية المعقدة إذ يلجأ إليها الأفراد والشركات وحتى الحكومات في هذا النوع من القضايا.

سيدني باول” رئيسة سابقة للأكاديمية الأمريكية لمحامي الاستئناف ورابطة المحامين بالدائرة الفيدرالية الخامسة، وهي عضو في معهد القانون الأمريكي، حديثا ألفت كتاب  Licensed to Lie” “/ مرخص له بالكذب” والذي أثار ضجة كبرى بفضحه الفساد في وزارة العدل الأمريكية

 

 

حرب مع السمندر

 

ضرغام الدباغ

 

حرب مع السمندر هو عنوان لرواية عميقة جداً، كتبها الكاتب التشيكي كارل تشابك  التي صدرت عام 1938. وبتقديري هذه الرواية هي من بين أفضل الروايات في تاريخ الأدب.

ولد كارل تشابك (Karel Capek) في شهر كانون الثاني / يناير عام 1890، في مدينة سفاتونوفيكس التشيكية، وتخرج من جامعة تشارلز في براغ، وتوفي في شهر كانون الأول / ديسمبر من عام 1938 في العاصمة براغ بعمر 48 عاماً ...!

ويعد تشابك من رواد الأدب التشيكي الحديث، وأعماله تتوزع بين الأدب الواقعي والنقد الاجتماعي والخيال العلمي، وهو أول من أستخدم كلمة " الروبوت " (الإنسان الآلي). وهو شقيق الكاتب والرسام جوزف تشابك، وقد تعاونا معاً في بعض المؤلفات. وتصف الموسوعة الألمانية كارل تشابك بأنه : روائي، مخرج، مصور، وكاتب مسرحي، وكاتب خيال علمي، وكاتب للأطفال، وكاتب وفيلسوف.

لا أضع شخصيا هذا العمل في حقل روايات الخيال العلمي قدر إجادة الكاتب الكبير تشابك على توظيف تصور أستخدم فيه حيوان السمندر للتطورات الاقتصادية / الاجتماعية / الديمغرافية التي حدثت لاحقاً، وهو يضع أسماء ومسميات، ويترك للقارئ الفطن وضعها في مكانها الصحيح، إذن فالكاتب يطالب القراء بالتفاعل في وضع مرتسمات المستقبل بطريقة فنية رائعة.

لا أنكر أني تأثرت كثيرا بقراءة هذه الرواية عام 1966، وقرأت وصفاً لكاتب يصف تحليلاً لهذه الرواية الكبيرة، يسرني أن أنقله حرفياً للقراء وللأسف وجدته في موقع لم أجد فيه أسم الكاتب.

 

حرب السمندرات

يكتشف قبطان السفينة "كاندون بادونغ" فانتا ، التي تعمل في صيد اللؤلؤ على ساحل سومطرة، بشكل غير متوقع خليج ديفل الرائع في جزيرة تاناماس. وفقا للسكان المحليين، تم العثور على الشياطين هناك. ومع ذلك ، يجد القبطان مخلوقات ذكية هناك - هؤلاء هم السمندر. هم أسود، متر ونصف في الارتفاع ويبدو أنهم يشبهون الأختام. يقوم القبطان بترويضهم من خلال المساعدة في فتح الأصداف برائتهم المفضلة - المحار، ويقبضون عليه جبال من اللؤلؤ. ثم يأخذ Vantach إجازة في شركة الشحن الخاصة به ويسافر إلى وطنه، حيث يلتقي مع مواطنه، رجل الأعمال الناجح G. X. Bondi. تمكن الكابتن فانتاهو من إقناع الرجل الغني بالشروع في المغامرة الخطرة التي يقدمها، وسرعان ما يبدأ سعر اللؤلؤ في الانخفاض بسبب زيادة الإنتاج بشكل حاد.

في هذه الأثناء، بدأت مشكلة السمندر تثير اهتمام الرأي العام العالمي. في البداية كانت هناك شائعات بأن فانتا ينقل الشياطين في جميع أنحاء العالم، ثم تظهر المنشورات العلمية والعلمية الزائفة. خلص العلماء إلى أن السمندر الذي اكتشفه الكابتن فانتا هو نوع منقرض من Andrias Scheuchzeri.

يدخل أحد السمندر حديقة حيوان لندن. بمجرد أن تتحدث إلى الحارس، وتقدم نفسها باسم أندرو شيخستر، ثم يبدأ الجميع في فهم أن السمندر مخلوقات ذكية يمكنها التحدث، وفي لغات مختلفة، القراءة وحتى العقل. ومع ذلك، فإن حياة السمندر، التي أصبحت إحساسًا بحديقة الحيوان، تنتهي بشكل مأساوي: يفرط الزوار في تناولها بالحلويات والشوكولاتة، ويصبح مريضًا بنزلات المعدة.

قريبا، اجتماع للمساهمين في شركة تصدير المحيط الهادئ تشارك في استغلال السمندر. يكرم الاجتماع ذكرى الكابتن فانتاخ، الذي توفي بسكتة دماغية ويتخذ عددًا من القرارات المهمة، على وجه الخصوص، بشأن وقف إنتاج اللؤلؤ والتخلي عن احتكار السمندرات، والتي تتكاثر بسرعة بحيث يستحيل إطعامها. يقترح مجلس إدارة الشركة إنشاء نقابة سمندر عملاقة لاستغلال السمندر على نطاق واسع، والتي تخطط لاستخدامها في أعمال البناء المختلفة في المياه. يتم نقل السمندر في جميع أنحاء العالم، واستقرارهم في الهند والصين وأفريقيا وأمريكا. صحيح أن هناك إضرابات في بعض الأماكن احتجاجًا على طرد القوى العاملة البشرية، لكن الاحتكارات تستفيد من وجود السمندر، لأن هذا يسمح بتوسيع إنتاج الأدوات اللازمة للسمندر والمنتجات الزراعية. كما يتم الإعراب عن مخاوف من أن السمندر سيهدد الصيد ويقوض شواطئ القارات والجزر بجحورها تحت الماء.

وفي الوقت نفسه، فإن استغلال السمندر على قدم وساق. حتى التخرج من السلمندر تم تطويره: قيادة، أو مشرفين، أغلى الأفراد ؛ ثقيل، مصمم لأصعب عمل بدني؛ تيم - "الشغل" العادي وهلم جرا. يعتمد السعر أيضًا على الانتماء إلى مجموعة أو أخرى. كما تزدهر التجارة غير المشروعة في السمندل. يخترع الجنس البشري المزيد والمزيد من المشاريع الجديدة التي يمكن استخدام هذه الحيوانات في تنفيذها.

بالتوازي، تعقد مؤتمرات علمية لتبادل المعلومات في مجال علم وظائف الأعضاء وعلم النفس من السمندر. تتكشف حركة التعليم المدرسي المنهجي عن السمندر المربى، وتنشأ نقاشات حول التعليم الذي يجب تقديمه إلى السمندر، واللغة التي يجب أن يتحدثوا بها، وما إلى ذلك. . يتم اعتماد التشريعات المتعلقة بالسمندر: نظرًا لأنهم يفكرون في المخلوقات، يجب أن يكونوا هم أنفسهم مسؤولين عن أفعالهم. بعد نشر القوانين الأولى بشأن السمندر، يبدو أن الناس يطالبون بالاعتراف بحقوق معينة للسمندر. ومع ذلك ، لا يخطر ببال أحد أن "مسألة السمندر" يمكن أن تكون ذات أهمية دولية كبيرة وأنه سيتعين على السمندر التعامل ليس فقط مع المخلوقات الفكرية ، ولكن أيضًا مع جماعة سمندل واحدة أو حتى أمة.

وسرعان ما يصل عدد السمندرات إلى سبعة مليارات، ويقطنون أكثر من ستين بالمائة من جميع سواحل العالم. ينمو مستواهم الثقافي: يتم نشر الصحف تحت الماء، وتظهر المعاهد العلمية حيث يعمل السمندر، ويتم بناء المدن تحت الماء وتحت الأرض. صحيح أن السلمندر أنفسهم لا ينتجون أي شيء، لكن الناس يبيعونهم كل شيء حتى المتفجرات لأعمال البناء تحت الماء والأسلحة لمحاربة أسماك القرش.

سرعان ما يدرك السمندر مصالحهم الخاصة ويبدأ في صد الأشخاص الذين يتطفلون على مجال مصالحهم. واحدة من الأولى هي صراع بين السمندر والفلاحين الذين تناولوا الطعام حول الحدائق، الذين لا يشعرون بالرضا عن كل من السمندر والسياسات الحكومية. يبدأ الفلاحون في إطلاق النار على نهب السمندر، الذي يخرجون إليه من البحر ويحاولون الانتقام. بالكاد تمكنت العديد من شركات المشاة من إيقافهم ، انتقامًا من تفجير الطراد الفرنسي Jules Flambo. بعد مرور بعض الوقت، تعرضت سفينة البخار البلجيكية Udenburg ، التي كانت في القناة الإنجليزية ، للهجوم من قبل السمندر - اتضح أن السمندر الإنجليزي والفرنسي لم يتشاركا شيئًا فيما بينهما.

على خلفية انقسام البشرية، يتحد السمندر ويبدأ في التقدم بمطالب بالتنازل عن مساحة المعيشة لهم. كدليل على القوة، أقاموا زلزالًا في لويزيانا. يطالب السمندر الأعلى بإخلاء الناس من سواحل البحر التي أشار إليها ويدعو الإنسانية ، جنبا إلى جنب مع السمند، لتدمير عالم الناس. يمتلك السمندر حقًا قوة كبيرة على الناس: يمكنهم حظر أي ميناء، أي طريق بحري وبالتالي تجويع الناس. لذلك، يعلنون حصارًا كاملاً للجزر البريطانية، وتضطر بريطانيا إلى إعلان الحرب على السمندر كرد فعل. ومع ذلك ، فإن قتال السمندر أكثر نجاحًا - حيث بدأوا للتو في إغراق الجزر البريطانية.

ثم يتم عقد مؤتمر تسوية عالمي في فادوز ، ويعرض المحامون الذين يمثلون السمندر تلبية جميع شروطهم، واعدًا بأن "فيضان القارات سيتم بشكل تدريجي وبطريقة لا تؤدي إلى إثارة الذعر والكوارث غير الضرورية". في غضون ذلك، تجري الفيضانات على قدم وساق.

وفي الجمهورية التشيكية تعيش وتعيش عموم Pondondra ، البواب في منزل G.X. Bondi ، الذي لم يتمكن في وقت من الأوقات من ترك الكابتن فانتاخ على أعتابه وبالتالي منع وقوع كارثة عالمية. يشعر أنه هو المسؤول عن ما حدث، وهو يرضيه فقط لأن جمهورية التشيك تقع بعيدة عن البحر. وفجأة رأى رأس السمندر في نهر فلتافا ...

في الفصل الأخير، يتحدث المؤلف إلى نفسه ، محاولاً التوصل إلى طريقة ما على الأقل لإنقاذ البشرية، ويقرر أن السمندر "الغربي" سيخوض حربًا على "الشرقية" ، ونتيجة لذلك سيتم إبادةهم بالكامل. وستبدأ البشرية في تذكر هذا الكابوس كفيضان آخر.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هامش

السلمندر حيوان من فئة العضايات .... (من أصناف السحالي) ربما تتواجد بأحجام وأشكل مختلفة إلا أنها متقاربة في الشبه وهناك أنواع ضخمة منها في الجزر الاندنوسية شرسة ومفترسة للحيوانات الأخرى،.

 

وكلمة السمندر كتبت بالعربية بطرق عديدة، فقد كتبها البعض " السلمندر " وكتبها " السمندل " وبكتبها البعض " السمندر " كما آثرنا نحن كتابتها وفقا لترجمة الكتاب إلى اللغة العربية . وكانت قد صدرت للمرة الأولى من دار نشر حكومية في براغ / تشيكوسلوفاكيا، وهي غير متواجدة حاليا في الأسواق، هناك إعلان عنها لبيعها بواسطة الانترنيت.

 

والسمندر هنا في رواية كارل تشابك (كتبها في الثلاثينات) ترمز إلى مرحلة تنبأ الكاتب أن الرأسمالية الاحتكارية ستبلغها في أ‘لى مراحل تطورها، التي ستكون البداية لأنحدارها وتدهورها في عموم سياق تدهور الحضارة الغربية التي تلوح مؤشراتها بكل وضوح.

 

ترجم الكتاب  للغة الألمانية،  أعتقد لمرات عديدة إذ يمكنك إيجاده في المكتبات بسهولة نسبياُ وهناك حيوان السحلية ويطلق عليه بالألمانية (Salamander )  ولكن في الترجمة الألمانية ارتأى المترجم أن يستخدم كلمة (Molchen)  البريص، أو السحلية، ولكن هناك كلمة أخرى بذات المعنى وهي السلمندر. وعامة يكون شكل السلمندر هكذا يمكن بألوان وأحجام مختلفة

 

المركز العربي الألماني

برلين

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

حرب مع السمندر

 

ضرغام الدباغ

 

حرب مع السمندر هو عنوان لرواية عميقة جداً، كتبها الكاتب التشيكي كارل تشابك  التي صدرت عام 1938. وبتقديري هذه الرواية هي من بين أفضل الروايات في تاريخ الأدب.

ولد كارل تشابك (Karel Capek) في شهر كانون الثاني / يناير عام 1890، في مدينة سفاتونوفيكس التشيكية، وتخرج من جامعة تشارلز في براغ، وتوفي في شهر كانون الأول / ديسمبر من عام 1938 في العاصمة براغ بعمر 48 عاماً ...!

ويعد تشابك من رواد الأدب التشيكي الحديث، وأعماله تتوزع بين الأدب الواقعي والنقد الاجتماعي والخيال العلمي، وهو أول من أستخدم كلمة " الروبوت " (الإنسان الآلي). وهو شقيق الكاتب والرسام جوزف تشابك، وقد تعاونا معاً في بعض المؤلفات. وتصف الموسوعة الألمانية كارل تشابك بأنه : روائي، مخرج، مصور، وكاتب مسرحي، وكاتب خيال علمي، وكاتب للأطفال، وكاتب وفيلسوف.

لا أضع شخصيا هذا العمل في حقل روايات الخيال العلمي قدر إجادة الكاتب الكبير تشابك على توظيف تصور أستخدم فيه حيوان السمندر للتطورات الاقتصادية / الاجتماعية / الديمغرافية التي حدثت لاحقاً، وهو يضع أسماء ومسميات، ويترك للقارئ الفطن وضعها في مكانها الصحيح، إذن فالكاتب يطالب القراء بالتفاعل في وضع مرتسمات المستقبل بطريقة فنية رائعة.

لا أنكر أني تأثرت كثيرا بقراءة هذه الرواية عام 1966، وقرأت وصفاً لكاتب يصف تحليلاً لهذه الرواية الكبيرة، يسرني أن أنقله حرفياً للقراء وللأسف وجدته في موقع لم أجد فيه أسم الكاتب.

 

حرب السمندرات

يكتشف قبطان السفينة "كاندون بادونغ" فانتا ، التي تعمل في صيد اللؤلؤ على ساحل سومطرة، بشكل غير متوقع خليج ديفل الرائع في جزيرة تاناماس. وفقا للسكان المحليين، تم العثور على الشياطين هناك. ومع ذلك ، يجد القبطان مخلوقات ذكية هناك - هؤلاء هم السمندر. هم أسود، متر ونصف في الارتفاع ويبدو أنهم يشبهون الأختام. يقوم القبطان بترويضهم من خلال المساعدة في فتح الأصداف برائتهم المفضلة - المحار، ويقبضون عليه جبال من اللؤلؤ. ثم يأخذ Vantach إجازة في شركة الشحن الخاصة به ويسافر إلى وطنه، حيث يلتقي مع مواطنه، رجل الأعمال الناجح G. X. Bondi. تمكن الكابتن فانتاهو من إقناع الرجل الغني بالشروع في المغامرة الخطرة التي يقدمها، وسرعان ما يبدأ سعر اللؤلؤ في الانخفاض بسبب زيادة الإنتاج بشكل حاد.

في هذه الأثناء، بدأت مشكلة السمندر تثير اهتمام الرأي العام العالمي. في البداية كانت هناك شائعات بأن فانتا ينقل الشياطين في جميع أنحاء العالم، ثم تظهر المنشورات العلمية والعلمية الزائفة. خلص العلماء إلى أن السمندر الذي اكتشفه الكابتن فانتا هو نوع منقرض من Andrias Scheuchzeri.

يدخل أحد السمندر حديقة حيوان لندن. بمجرد أن تتحدث إلى الحارس، وتقدم نفسها باسم أندرو شيخستر، ثم يبدأ الجميع في فهم أن السمندر مخلوقات ذكية يمكنها التحدث، وفي لغات مختلفة، القراءة وحتى العقل. ومع ذلك، فإن حياة السمندر، التي أصبحت إحساسًا بحديقة الحيوان، تنتهي بشكل مأساوي: يفرط الزوار في تناولها بالحلويات والشوكولاتة، ويصبح مريضًا بنزلات المعدة.

قريبا، اجتماع للمساهمين في شركة تصدير المحيط الهادئ تشارك في استغلال السمندر. يكرم الاجتماع ذكرى الكابتن فانتاخ، الذي توفي بسكتة دماغية ويتخذ عددًا من القرارات المهمة، على وجه الخصوص، بشأن وقف إنتاج اللؤلؤ والتخلي عن احتكار السمندرات، والتي تتكاثر بسرعة بحيث يستحيل إطعامها. يقترح مجلس إدارة الشركة إنشاء نقابة سمندر عملاقة لاستغلال السمندر على نطاق واسع، والتي تخطط لاستخدامها في أعمال البناء المختلفة في المياه. يتم نقل السمندر في جميع أنحاء العالم، واستقرارهم في الهند والصين وأفريقيا وأمريكا. صحيح أن هناك إضرابات في بعض الأماكن احتجاجًا على طرد القوى العاملة البشرية، لكن الاحتكارات تستفيد من وجود السمندر، لأن هذا يسمح بتوسيع إنتاج الأدوات اللازمة للسمندر والمنتجات الزراعية. كما يتم الإعراب عن مخاوف من أن السمندر سيهدد الصيد ويقوض شواطئ القارات والجزر بجحورها تحت الماء.

وفي الوقت نفسه، فإن استغلال السمندر على قدم وساق. حتى التخرج من السلمندر تم تطويره: قيادة، أو مشرفين، أغلى الأفراد ؛ ثقيل، مصمم لأصعب عمل بدني؛ تيم - "الشغل" العادي وهلم جرا. يعتمد السعر أيضًا على الانتماء إلى مجموعة أو أخرى. كما تزدهر التجارة غير المشروعة في السمندل. يخترع الجنس البشري المزيد والمزيد من المشاريع الجديدة التي يمكن استخدام هذه الحيوانات في تنفيذها.

بالتوازي، تعقد مؤتمرات علمية لتبادل المعلومات في مجال علم وظائف الأعضاء وعلم النفس من السمندر. تتكشف حركة التعليم المدرسي المنهجي عن السمندر المربى، وتنشأ نقاشات حول التعليم الذي يجب تقديمه إلى السمندر، واللغة التي يجب أن يتحدثوا بها، وما إلى ذلك. . يتم اعتماد التشريعات المتعلقة بالسمندر: نظرًا لأنهم يفكرون في المخلوقات، يجب أن يكونوا هم أنفسهم مسؤولين عن أفعالهم. بعد نشر القوانين الأولى بشأن السمندر، يبدو أن الناس يطالبون بالاعتراف بحقوق معينة للسمندر. ومع ذلك ، لا يخطر ببال أحد أن "مسألة السمندر" يمكن أن تكون ذات أهمية دولية كبيرة وأنه سيتعين على السمندر التعامل ليس فقط مع المخلوقات الفكرية ، ولكن أيضًا مع جماعة سمندل واحدة أو حتى أمة.

وسرعان ما يصل عدد السمندرات إلى سبعة مليارات، ويقطنون أكثر من ستين بالمائة من جميع سواحل العالم. ينمو مستواهم الثقافي: يتم نشر الصحف تحت الماء، وتظهر المعاهد العلمية حيث يعمل السمندر، ويتم بناء المدن تحت الماء وتحت الأرض. صحيح أن السلمندر أنفسهم لا ينتجون أي شيء، لكن الناس يبيعونهم كل شيء حتى المتفجرات لأعمال البناء تحت الماء والأسلحة لمحاربة أسماك القرش.

سرعان ما يدرك السمندر مصالحهم الخاصة ويبدأ في صد الأشخاص الذين يتطفلون على مجال مصالحهم. واحدة من الأولى هي صراع بين السمندر والفلاحين الذين تناولوا الطعام حول الحدائق، الذين لا يشعرون بالرضا عن كل من السمندر والسياسات الحكومية. يبدأ الفلاحون في إطلاق النار على نهب السمندر، الذي يخرجون إليه من البحر ويحاولون الانتقام. بالكاد تمكنت العديد من شركات المشاة من إيقافهم ، انتقامًا من تفجير الطراد الفرنسي Jules Flambo. بعد مرور بعض الوقت، تعرضت سفينة البخار البلجيكية Udenburg ، التي كانت في القناة الإنجليزية ، للهجوم من قبل السمندر - اتضح أن السمندر الإنجليزي والفرنسي لم يتشاركا شيئًا فيما بينهما.

على خلفية انقسام البشرية، يتحد السمندر ويبدأ في التقدم بمطالب بالتنازل عن مساحة المعيشة لهم. كدليل على القوة، أقاموا زلزالًا في لويزيانا. يطالب السمندر الأعلى بإخلاء الناس من سواحل البحر التي أشار إليها ويدعو الإنسانية ، جنبا إلى جنب مع السمند، لتدمير عالم الناس. يمتلك السمندر حقًا قوة كبيرة على الناس: يمكنهم حظر أي ميناء، أي طريق بحري وبالتالي تجويع الناس. لذلك، يعلنون حصارًا كاملاً للجزر البريطانية، وتضطر بريطانيا إلى إعلان الحرب على السمندر كرد فعل. ومع ذلك ، فإن قتال السمندر أكثر نجاحًا - حيث بدأوا للتو في إغراق الجزر البريطانية.

ثم يتم عقد مؤتمر تسوية عالمي في فادوز ، ويعرض المحامون الذين يمثلون السمندر تلبية جميع شروطهم، واعدًا بأن "فيضان القارات سيتم بشكل تدريجي وبطريقة لا تؤدي إلى إثارة الذعر والكوارث غير الضرورية". في غضون ذلك، تجري الفيضانات على قدم وساق.

وفي الجمهورية التشيكية تعيش وتعيش عموم Pondondra ، البواب في منزل G.X. Bondi ، الذي لم يتمكن في وقت من الأوقات من ترك الكابتن فانتاخ على أعتابه وبالتالي منع وقوع كارثة عالمية. يشعر أنه هو المسؤول عن ما حدث، وهو يرضيه فقط لأن جمهورية التشيك تقع بعيدة عن البحر. وفجأة رأى رأس السمندر في نهر فلتافا ...

في الفصل الأخير، يتحدث المؤلف إلى نفسه ، محاولاً التوصل إلى طريقة ما على الأقل لإنقاذ البشرية، ويقرر أن السمندر "الغربي" سيخوض حربًا على "الشرقية" ، ونتيجة لذلك سيتم إبادةهم بالكامل. وستبدأ البشرية في تذكر هذا الكابوس كفيضان آخر.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هامش

السلمندر حيوان من فئة العضايات .... (من أصناف السحالي) ربما تتواجد بأحجام وأشكل مختلفة إلا أنها متقاربة في الشبه وهناك أنواع ضخمة منها في الجزر الاندنوسية شرسة ومفترسة للحيوانات الأخرى،.

 

وكلمة السمندر كتبت بالعربية بطرق عديدة، فقد كتبها البعض " السلمندر " وكتبها " السمندل " وبكتبها البعض " السمندر " كما آثرنا نحن كتابتها وفقا لترجمة الكتاب إلى اللغة العربية . وكانت قد صدرت للمرة الأولى من دار نشر حكومية في براغ / تشيكوسلوفاكيا، وهي غير متواجدة حاليا في الأسواق، هناك إعلان عنها لبيعها بواسطة الانترنيت.

 

والسمندر هنا في رواية كارل تشابك (كتبها في الثلاثينات) ترمز إلى مرحلة تنبأ الكاتب أن الرأسمالية الاحتكارية ستبلغها في أ‘لى مراحل تطورها، التي ستكون البداية لأنحدارها وتدهورها في عموم سياق تدهور الحضارة الغربية التي تلوح مؤشراتها بكل وضوح.

 

ترجم الكتاب  للغة الألمانية،  أعتقد لمرات عديدة إذ يمكنك إيجاده في المكتبات بسهولة نسبياُ وهناك حيوان السحلية ويطلق عليه بالألمانية (Salamander )  ولكن في الترجمة الألمانية ارتأى المترجم أن يستخدم كلمة (Molchen)  البريص، أو السحلية، ولكن هناك كلمة أخرى بذات المعنى وهي السلمندر. وعامة يكون شكل السلمندر هكذا يمكن بألوان وأحجام مختلفة

 

المركز العربي الألماني

برلين

 

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

غير صالح للحكم

 

ضرغام الدباغ

 

الكلمة الأولى باللغة الألمانية (Regierungsunfähigkeit)، غير صالح للحكم، والثانية باللغة الإنكليزية، (incompetent governmen) وفي اللغتين تعطي ذات المعنى الحرفي والسياسي، وفي اللغة العربية أفضل ترجمة كما أعتقد هي " غير صالح للحكم " أو " فاقد أهلية الحكم " .

وحين تطرح هذه الجملة القصيرة الصغيرة، بحق حكومة ما، أو شخصية سياسية سيادية (رئيس دولة، رئيس حكومة، وربما رئيس مجلس النواب)، فأنها تعني الكثير جداً، وربما من بين ما تعنيه، نهاية عهد الشخصية المعنية بالمرتبة السيادية، أو نهاية الحكومة رغم سريان مدة صلاحيتها .

والجهة التي تطلق هذا الوصف على الشخصية أو الجهة المقصودة، عليها أن تتيقن بدقة أبعاد هذا الوصف، وأن تمتلك من الأدلة والبراهين لتقدمها بهذا الطلب ..

 

ضرغام الدباغ

 

 

غير صالح للحكم

 

ترجمة : ضرغام الدباغ

 

تعريف هذا المصطلح، وهو في الأدب السياسي لا يعتبر توصيفا أدبياً معنوياً، بل هو توصيف مادي لشخص، (أو حكومة عاجزة)  عن القيام بمهام المنصب، بسبب عجز مؤقت أو دائمي، لأسباب ذاتية (بسبب أوضاعه الصحية أو عوامل أخرى تحول دون ممارسته لمهامه)، أو لأسباب موضوعية بسبب وضعه القانوني، (أو وقوعه تحت ظروف قاهرة تمنعه عن أداء مهامه / المترجم). ويستفاد من مؤشرات تاريخية، أن هذا المصطلح يقود غالبا إلى تغير في السلطة.

وفي رؤية متواصلة، فإن وصم الحكم أو شخصية مسؤولة بعدم الأهلية للحكم، غالبا له علاقة بأداء الحكومات. أو الأحزاب. والأسباب في هذه الحالة تكون قوية، وغالبا مما له علاقة بأصول عمل المؤسسة.حيث يجري البحث في الأسباب الموجبة (لوصم شخص أو جهة بعدم الأهلية والكفاية) وإيجاد سبب توجيه الوصف. وهنا أيضا احتمال  بالادعاء على حكومة بعدم الكفاية والأهلية،  مبعثه الصراعات السياسية ونتيجة له، ليخدم كهدف ضمن الصراع السياسي ليقود في النهاية إلى التبديل في السلطة.

  تاريخياً  كانت الأسباب الموجبة لاستخدام هذا المصطلح، بحق الأفراد نتيجة لوضع إعاقة جسدية أو عقلية، والعقلية كالإصابة بالاكتئاب،  أو مرض عقلي، أو وضع صحي معيق لأداء المسؤول، كالإصابة بالسكتة الدماغية (وهي ما تقود غالبا إلى شلل تام أو جزئي معيق للحركة / المترجم) أو الإصابة بفقدان البصر (العمى). ومع في العصور الوسطى كان يصار اللجوء إلى إحداث إعاقة متعمدة بالشخصية السياسية المنافسة، من أجل إبعاده عن مسرح التنافس، كسمل العيون (فقأ العين لتعطيل النظر) أو لإرغامة بصورة ما على الابتعاد عن التنافس.

وإحدى المشكلات الشائعة في تحديد العجز، أو عدم القدرة والأهلية على الحكم في الأنظمة الملكية، هي تحديد الجهة التي لها الحق في تحديد عدم القدرة أو الأهلية بالحكم.وهذه المسألة المهمة التي لم تتم الإجابة عليها بطريقة صحيحة وقانونية إلا بعد ظهور الأنظمة البرلمانية، إذ تثار هذه القضية بمجرد اكتشاف حقيقة أن الشخص المعني(الملك) غير صالح للحكم. واستبداله، أو تعيين وصاية على العرش، إذا كان المرشح تحت السن القانونية / الدستورية.. وهناك أسباب أخرى أو بسبب غياب الملك لفترة طويلة (غالبا بسبب الحرب)، وهذه لا تعني أنه غير أهل للحكم.

وبمعنى أوسع، يقال عن مؤسسة معينة " غير مؤهلة للحكم " إذا أظهرت تلك المؤسسة (بلاط، رئاسة دولة، حكومة، قيادة حزب ..الخ )، إذا بلغت من العجز عدم الاقتدار للتوصل إلى قرارات، أو تنفيذ مقررات، أو بسبب عدم قدرتها الحصول على الأغلبية البرلمانية، وأيضا بسبب خلافات حادة (وربما انشقاقية / المترجم) داخل المؤسسة، ولا صيما في قرارات يكون الإجماع فيها شرطاً لاتخاذ القرار. ومثل هذا الوضع يقود للتغير عبر تغير الإطارات (القيادات).

ومن الحالات الخاصة للعجز عن الحكم، هو عدم قدرة حكومة البلاد على ممارسة الحكم في حالة حدوث هجوم مسلح،  ولهذا الغرض في ألمانيا مثلاً هناك مادة في دستور البلاد : المادة رقم  a) 115 ( الفقرة (4) التي تنص في حالة ظروف طارئة، تسمح بصورة تلقائية بالانتقال لحالة الدفاع.

 

شخصيات غير صالحة للحكم.

ـــ تعرض ملك القوط الغربيين وامبا (Wamba/ 672 ــ 680) لتسميم، ثم أصيب بمرض مميت، ووفقا لتقاليد ذلك العصر، ونتيجة لذلك أصبح غير أهل للحكم، فأنسحب من الحياة العامة ليعتكف في دير، حيث مكث لمدة سنتين، توفي بعدها. 

ـــ من أجل تجنب التقاسم التقليدي للسلطة عند الفرانكيين، قام الملك تشارلز الأصلع  بتسمية ولديه: الأصغر كارلمان، والآخر لوتار كرجال دين. ولكن فيما بعد ثبت أن هذا الإجراء لم يكن ضرورياً، ولم يعيش من أولاده السبعة سوى لودفيغ وهو أكبرهم سناً  .

 

ـــ سمل العين (الحاق الاذى بالعين وإفقاده البصر).

ــ أصيب ملك إيطاليا برنارد بالعمى في عام 818 بعد ثورته ضد عمه الإمبراطور لودفيغ الورع، وبالتالي مما أفقده قدرته على الحكم. مات الملك بيرنارد بعد يومين من إصابته بالعمى.

ــ تم القبض على الدوق هوغو فون الألزاس في عام 885 ، وأُصيب بالعمى ثم نُقل إلى قصر Prüm Abbey كإقامة إجبارية، باعتباره غير قادر على الحكم.

ــ الإمبراطور لودفيغ الثالث بافاريا / ألمانيا : تعرض للسمل وإفقاد البصر، من قبل خصمه بيرينغار من فريولي في 905 وفقد نتيجة لذلك  اللقب الإمبراطوري ؛ ولكنه مع ذلك، احتفظ بمملكته الموروثة في منطقة بورغوندي السفلى.

 

بعد السكتة الدماغية (السكتة الداغية إن لم تقتل صاحبها تصيبه بالشلل)

ــ أصيب الملك لويس السابع ملك فرنسا بجلطة دماغية عام 1179 نجم عنها أصابته بالشلل في جانب واحد. بعد أسابيع قليلة توج ابنه فيليب ملكًا. توفي لودفيغ السابع بعد عام تقريبًا.

ــ عانى دوق بافاريا فيلهلم الأول من سكتة دماغية عام 1357 ، ثم اعتُبر مريضًا عقليًا وغير قادر على الحكم وسُجن حتى وفاته عام 1389.

ــ أصيب دوق بوغيسلاف الرابع عشر من بوميرانيا (أمارة بشمال شرق بولونيا والمانيا) بجلطة دماغية عام 1633. نظرًا لأنه لم يكن لديه ورثة ، فقد وضع دستور عام 1634 ، والذي حاول من خلاله تأمين حكومة بوميرانيا أثناء مرضه وبعد وفاته. توفي عام 1637، وتم تقسيم بوميرانيا بعد ذلك بين السويد وبراندنبورغ ، خلافًا لنوايا الدوق.

ــ عانى الملك فريدريش فيلهلم الرابع ملك بروسيا (1840-1858) من عدة سكتات دماغية عام 1857 ثم سلم الحكم لأخيه فيلهلم عام 1858. يشار إلى هذا التغيير في العلم على أنه نهاية عصر رد الفعل وبداية العصر الجديد.

بسبب أمراض أخرى

ــ  الملك جورج الثالث. من بريطانيا العظمى (1760-1820) لم يكن قادرًا على الحكم من عام 1811 بسبب مرض خطير (ربما البورفيريا)، يشار إلى السنوات حتى وفاته في التاريخ البريطاني (والأسلوب) باسم ريجنسي.

 

بسبب المرض العقلي

ــ  الملك شارل السادس / فرنسا. (1380-1422) كان يعاني من نوبات جنون أحيانًا،  منذ عام 1392، عانى من متاعب عصبية بسبب المؤامرات المحكمة التي نشأت نتيجة لمرض تشارلز بلغت ذروتها في الحرب الأهلية في أرماجناك وبورغينيون (1410-1419)

ــ الملك هنري السادس/ إنجلترا (1471) لم يكن قادرًا على الحكم اعتبارًا من مارس 1454 بسبب مرض عقلي، وتم خلعه عام 1461 ، لكنه أعيد ملكا في 1470-1471 وقتل أخيرًا في برج لندن. بعد فترة وجيزة من مرض هنري، اندلعت حروب الورود ، وشلت إنجلترا لمدة ثلاثين عامًا.

ــ الدوق الأكبر لودفيغ الثاني ملك بادن/ ألمانيا (1852-1856) أعتبر مريضًا عقليًا وترك الحكومة لأخيه فريدريش، الذي خلفه في عام 1856. توفي لودفيج بعد ذلك بعامين.

ــ الملك أوتو ملك بافاريا (1886-1916) أعتبر غير قادر على الحكم بسبب مرض عقلي، كان تحت وصاية الأمير ريجنت لويتبولد (1886-1912) ولودفيغ (1912-1913)، الذي أُعلن في النهاية ملكًا لبافاريا دون الإطاحة بأوتو.

 

بسبب الاكتئاب

ــ الدوق ألبريشت فريدريش / بروسيا : أصيب بأزمة كآبة بعد فترة وجيزة من توليه السلطة عام 1571، الأمر الذي أجبر سيده، الملك البولندي ستيفان باتوري، على تزويده بشخصية إدارية لإدارة أعماله عام 1577، والذي حل محل ألبريشت فريدريش بعد عام. توفي ألبريشت فريدريش نتيجة اضطرابات عقلية عام 1618. سقطت دوقية بروسيا في يد أمراء براندنبورغ، التي مثلت جزءاً من مملكة بروسيا .

ــ مع الملك تشارلز التاسع / فرنسا (1560-1574) ، الذي كان تحت تأثير والدته كاترينا دي ميديشي طوال حياته، أدت أحداث يوم القديس بارثولوميو 1572، الذي أمر به هو نفسه، إلى صدمة أدت إلى حالة الاكتئاب. توفي عن عمر يناهز 23 عامًا بسبب فقدان الوعي (دوران)، قبل أن يؤدي ذلك عجزه الفعلي عن الحكم.

 

لأسباب سياسية (على الأرجح)

ــ الملكة جوان ملكة قشتالة : (1504-1506)، والمعروفة باسم جوان المجنونة،  اعتبرت غير مؤهلة للحكم كما قيل بسبب مرضها العقلي، لذلك تمكن والدها، الملك فرديناند ملك أراغون (1479-1516) من تولي زمام الحكم. الوصاية على كل أسبانيا، ومع ذلك ، يمكن الافتراض أن جوانا لم تكن مجنونة بأي حال من الأحوال ، ولكنها حُرمت من السلطة من قبل والدها ولاحقًا من قبل ابنها تشارلز الخامس - وقد سجنت جوان في دير سانتا كلارا في قلعة تورديسيلاس، حيث توفيت بعد 48 عامًا تقريبًا.

ــ السلطان العثماني مراد الخامس (ولد21 / أيلول 1840، وتوفي 29 / آب 1904)  هو خليفة المسلمين الخامس بعد المائة، وسلطان العثمانيين الثالث والثلاثين والخامس والعشرين من آل عثمان الذين جمعوا بين الخلافة والسلطنة (30بويع عفي أيار/ 1876 وخلع بعد ثلاثة أشهر في  31 /آب / 1876). وخلفه أخوه السلطان عبد الحميد الثاني، ومكث في السلطة ثلاثة أشهر فقط بعد أن طرأ اختلال في قواه العقلية، وبويع أخوه الأصغر عبد الحميد الثاني بالخلافة، ونقل مراد الخامس إلى قصر جراغان حيث تابع حياته فيها كسلطان سابق حتى وفاته عام 1904

ــ تم إعلان ملك بافاريا لودفيغ الثاني، أعتبر، "مختل عقليًا" و "غير قابل للشفاء" في عام 1886 بتحريض من الحكومة دون تحقيق ، بناءً على إفادات الشهود. بعد أربعة أيام مات في بحيرة شتارنبرغ.

ــ تنازل ملك بلجيكا بودوان عن العرش عام 1990 على أساس "عدم الكفاءة" ليوم واحد من أجل أن يسمح للبرلمان بسن قانون الإجهاض كان يعرض تشريعه، وبعد يوم واحد ، أعاد البرلمان بودوين ملكًا.

 

المركز العربي الألماني - برلين

 

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

الحكمة في

 

اتخاذ القرار الصحيح ...!

 

ضرغام الدباغ

 

ما هو الموقف الصحيح ...وكيف نتوصل إليه ...؟

هل هو الموقف الذي يلبي مصالحك بصورة تامة ....؟

أم هو القبول بالأمر الواقع مهما كانت نتائجه..

أم أن السياسي المحنك قادر على صياغة الموقف الأفضل الملائم لمصلحته.

 

تحقيق المصالح الوطنية البعيدة المدى / الشاملة، أو الأهداف التكتيكية، هو هدف العمل السياسي وأداته المختصة المحترفة هي الدبلوماسية. ولكن ينبغي فحص كل حالة بدقة تامة وتفصيلية بواسطة موظفون سياسيون مختصون وبالاعتماد على مصادر دقيقة. وتبلغ الدقة درجة رفيعة حين يتمكن السياسيون، والموظفون الأكفاء قياسها باستخدام الرياضيات العالية، ووسائل أخرى منها طريقة تبادل الأدوار، للتوصل إلى أدق نتيجة ممكنة، وعلى ضوء نتائج الفحص والجرد والتدقيق الذي يشترط أن يكون على درجة عالية جداً من النزاهة، والابتعاد عن الانفعال وأحكام الهوى، تصاغ قرارات تضمن (بدرجة كبيرة) نجاح المسعى السياسي. أو باستخدام المؤثرات. وفي حالات كثيرة تحول ظروف موضوعية وذاتية دون الحصول على كامل الأهداف، والأقل من النجاح التام هو أيضا نجاح، وإبقاء الطريق سالكاً للمساعي السياسية، هو أفضل من قطع الجسور وأقفال أفق العمل.

 

القبول بالأمر الواقع ونتائجه، هي الفقرة الأخيرة في قائمة الممكن، وهنا يقدم  السياسي / الدبلوماسي البارع أفضل ما يمكن من المساعي السياسية بأستخدام أساليب عمل مدروسة، حيال العجز التام في تحقيق موقف لصالحه، مستخدما ثقافته وتجربته وحكمته، في تقليص حجم الخسارة، بالقدر الممكن، ومحاولة تليين مواقف الطرف/ الأطراف المقابلة، وإعادة صياغة الموقف، والنتائج، بصبر وتوءدة، ولا تبخس قيمة أي جهد يمكن أن تصحح وتعدل النتائج النهائية مهما كانت بسيطة، فهذه الدرجة البسيطة ستشكل ربما القاعدة التي ترتكز عليها فعاليات ومجهودك اللاحق في تصليح الموقف.

 

نسعى ..البشر والحكومات لتحقيق الأفضل ..والأفضل هو كامل برنامجك ومخطط وما تريد، ولكننا وخاصة في عالم اليوم، يصعب الحديث عن مصالح لا تصطدم أو تحتك، أو تمس مصالح الآخرين، أفرادا كانوا أو حكومات، وحتى حين تسكن في شقة بمفردك،  سيسألونك أت كنت تحتفظ بكلب أو حيوان في الشقة، فذلك قد يزعج بعض الجيران بدرجة ما، وسوف لن يسمح لك بأن ترفع صوت التلفاز أو الراديو بعد الساعة العشرة مساء، وتصرف الأولاد يجب أن يضبط بدقة، والبعض يستاء أن حضرت وجبة لها رائحة الطبخ نفاذة ...الخ إذن الحديث عن تحقيق برنامجك ومصالحك قضية لا تخلو من صعوبات، وعليك ان تخطط لتنفيذ مشاريعك بصبر، ولا بأس على مراحل لكي لا تبدو طموحا جموحا حيال الآخرين فيخشونك ويخشون مخططاتك  ..!

 

المهم هو أن تحقق درجة من النجاح وتحقيق تقدم بأي نسبة من برنامجك، هو أمر جيد ..

مثال مهم : حسب الظروف السياسية والعسكرية المعروفة إلى أدت إلى نتائج سلبية، تمكن العدو من احتلال كامل شبه جزيرة سيناء البالغ مساحتها (60088 كم مربع)، بأستثناء جزء من محافظة بورسعيد الواقع على الجانب الشرقي لقناة السويس (بورفؤاد)، وتحديدأ منطقة صغيرة لا تتجاوز بضعة كيلومترات (رأس العش)، تمركز فيها فصيل من القوات الخاصة / الصاعقة (30 جندي)، وحين أراد العدو إتمام سيطرته على سيناء (1 / تموز / 1967) صمد فصيل الصاعقة وقاوم إرادة العدو ومنعه من تحقيق هدفه وتواصلت القوات المسلحة المصرية في المنطقة، وهذه المنطقة أصبحت رأس جسر لعمليات تحرير سيناء في حرب اكتوبر / 1973.

 

والسياسي الحكيم هو الذي يمكنه التوصل إلى قرارات صحيحة، أو خالية من الأخطاء أو قليلة الثغرات، ويستعين السياسي بخبراء ومساعدين ومستشارين اخصائيين، وصناعة القرار ليست عملية عشوائية، بل هي أشبة بورشة تمر بمراحل ودوائر عديدة وقد تستغرق وقتاً طويلاً، وبمرور الزمن، ومع ارتقاء الاقتصاد إلى مستويات عالية  من الأهمية في العلاقات الدولية، توجب على القادة السياسيون متخذو القرار السياسي، الاعتماد بدرجات أكبر على العلماء والخبراء، وإعطاء فسحة أكبر للمداولات، وتغيرات في المادة موضوعة التداول، فإن طرأ تحسن بدرجة معينة، تعدل الخطط المقابلة، وإن ازداد سوءاً فسينعكس على أوساط متخذي القرار وسيبرر أتخاذ قرارات صلبة.     

 

التفكير في البدائل 

بتقديري أن للسياسي أن يلجأ للمناورة وأن يجيد هذا الفن ... بل من الضرورة أن يضع السياسي في حساباته مواقف بديلة، أن أصطدم قراره أو مشروعه بموانع صلبة، فمن أجل تجنب الفشل وتراجع العزم والاندفاع، فهو يمكن له أن :

يعيد صياغة مشروعه ليبدو أقل أستفزازاً للآخرين، وأكثر مقبولاً.

أن يقبل بتجزئة برنامجه إلى مراحل.

أن يطمئن الجهات (وهناك طرائق عديدة) التي تعتقد أن في برنامجه هواجساً لها.

أن يشرك آخرين في برامجه ويشعرهم أن من مصلحتهم دعم مشروعه.

أن يتقبل بواقعية أن مشروعه لا يلقى القبول اللازم، أو نه سيصادف عراقيل جمة، أو خسائر أكثر من الفوائد، لذلك عليه أن يحدث التغير المناسب في جدول أعماله وخططه لكي يكون مقبولاً.

أن يتقبل أخيرا إذا لاحظ أن أمام المشروع موانع جمة، عليه أن يجد البديل، وقد يكون البديل لا يصيب الهدف، ولكنه سيقذفك بالقرب منه، أو يبقيك لاعباً في الميدان.

 

ــ ليست هناك نظرية سياسية تقام على أساس " أنا والآخرين في الطوفان " مصالحي أنا ومصالح الآخرين في الجحيم "، هذه طروحات لا علاقة لها بالسياسة.

ــ حتى إذا كنت قوياً بدرجة خارقة وقادراً بقواك الذاتية المادية والمعنوية، على فرض إرادتك، عليك أن تحسب ردود الفعل في الملعب وعلى أطرافه القريبة ولكن البعيدة أيضاً.

ــ من الضروري أن يكون كل موقف يقام على أساس مراعاة القانون وقواعد التعامل، وحتى الجوانب الأخلاقية رغم ضعفها في عالم اليوم ...!

 

الدبابة الحديثة تزن 50ــ 60 طناً من الفولاذ، طائفتها مكونة من 4 جنود مدربين تدريبا ممتازاً، سعرها بين 4 ــ 5 مليون دولار، تحمل 50 ــ 60 قنبلة متنوعة : خارق للدروع، مهداد ضد المباني والموانع، منثار ضد الأفراد، وربما أنواع حديثة، مزودة بمقدرة مدى، وجهاز للرؤية الليلية، ولكن بوسع سلاح خفيف يديره جندي واحد لا يستغرق تدريبه أكثر من يوم واحد، بقاذف لا يتجاوز سعره 100 ــ 300 دولار أن يدمر هذه الدبابة بصاروخ لا يتجاوز سعره 80 دولار. وعلى قائد الدبابة أن يحسب في عمله أن يطلق النار وينتقل فورا بلا تأخير إلى موقع بديل يختاره سلفا، وإلا فسيتلقى مقذوفاً يدمره بعد ثوان.

المقاتل يفعل ذلك بحسه القتالي العالي، وربما بتجاربه، ولكن السياسيون لا يرون ذلك عيانياً، لأن ذلك هو في فلسفة العمل السياسي لا يشاهد بالعين المجردة، ولا يدرك إلا بأستخدام العقل ..

 

لاحظوا (والأمثلة على الممارسات السياسية كثيرة)  درس ألقاه الرسول محمد (ص)، متنبئاً بحدوث فتن سياسية : " ستكون فتنة، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي ". و " سيروا على سير أهونكم ..!".

ثم لاحظوا الذكاء الفطري عند أعرابي نطقها بصراحة البدوي الذكي، حين سأل مع من هو في النزاع  بين علي بن أبي طالب ومعاوية: فقال "  اللقمة مع معاوية أدسم ، والصلاة وراء علي أتم، والجلوس على التل أسلم ".

 

ولاحظوا عمق الفكرة في قول معاوية " لا أستخدم سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أستخدم سوطي حيث يكفيني صوتي ".

 

ولاحظوا أخيراً الحنكة في موقف فرقة المرجئة من الخلاف بين علي أبن أبي طالب ومعاوية :

 

نرجئ الأمـور إذا كانـت مشـبهة               ونصدق القول فيمن جار أو عندا

وما قضى الله من أمر فليس له مرد           وما يقضي من شيء يكـن رشدا

أمـا عـلي وعثـمان فإنـهما                      عبدان لم يشركا بالله منذ عبدا

يجزي علي وعثـمان بسعيهما                  ولست أدري بحق أية وردا

الله أعلـم ماذا يحضـران به                     وكل عبد سيلقى الله منفرداً

 

ويقول عمرو بن العاص أن " الحكمة والذكاء ليس في معرفة الخير من الشر، فهذه قد يتعرف عليها حتى المبتدأ، ولكن الذكاء في أختيار أهون الشرين ".

 

ثم لنلاحظ كيف تعامل أثنان من الرؤساء الأمريكان حيال قضية الحرب في فيثنام :

عرض المستشارون في القصر الأبيض على الرئيس ليندون جونسون 1964، بعد أن تفاقم الوضع في فيثنام وغطست الولايات المتحدة في مستنقعات فيثنام، خياراتهم المقترحة وكان على الطاولة خياران: الأول إما قصف فيثنام الشمالية (هانوي) بالسلاح النووي ولهذا تداعياته السياسية والعسكرية، أو تطبيق خطة تدمير شامل بالأسلحة التقليدية، وغير التقليدية الخفيفة (غازات، رش الكيمياوي على الغابات وإبادتها، قنابل عنقودية، ونابالم) وسميت الخطة " النيران المتدحرجة " (Rolling Thunder). فأعتقد الرئيس جونسون أن الخيار النووي الأول ستكون له تداعياته الخطيرة جداً غير مرغوبة، فلجأ للخيار الثاني وجرى تنفيذه.

حين تسلم الرئيس ريتشارد نيكسون (1969) كانت الحرب في فيثنام في أسوء مراحلها، تأكد الرئيس بفطنته (وهو من أكفأ وأثقف الرؤساء الأمريكان) أن لا حل عسكري لهذه الحرب، وأن تكاليفها باهضة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، فأيقن أن الأمر بحاجة لاتخاذ قرار كبير، وصعب، وتسليم بالحقائق، وهو ما عبر عنه بالتفاوض في باريس مع الثوار الفيثناميين (1973)، والانسحاب من هذا البلد.وهذا الخيار على صعوبته، إلا أنه كان الممكن الوحيد، وتم الوصول إليه بطريقة سياسية / قانونية. واتخاذ الموقف الصحيح العب، هو موقف كفوء وذكي، ويدل على حكمة وبعد نظر، خير من المضي في طرق المهالك.

 

هل تعين الأجهزة الالكترونية القائد السياسي اليوم ...؟

نعم بالتأكيد، فأجهزة الحاسوب / الكومبيوتر (PC) المعبئة بطريقة ممتازة بشى المعطيات الممتازة، ستكون مصدرا هاما لرفد القادة السياسيين في منح قراراتهم أبعاداً جديدة ومزيد من الإنضاج. بل يحملنا هذا على الجزم، أن فريقا مدربا وكفوءا بإدارة قديرة هي اليوم من أشد الضرورات.

 

ختاماُ، نقول للسياسيين، عليك أن تعلم أنك لست وحيداً في هذا العالم، وما يفيدك قد يلحق الضرر بالآخرين، وأي تدخل بسيط (حتى ارتفاع درجة الحرارة درجتين فقط) قد تتدخل في مسار جهدك وخطط قد تغير النتائج. متخذي القرارات ينبغي أن يكونوا على إلمام كامل وشامل في شتى الاتجاهات المؤثرة على قراراتهم، لكي يأتي قرارهم أقرب للصواب

 

لوبي السلاح في

 

 الولايات الأمريكية المتحدة

 

ترجمة : ضرغام الدباغ

 

كثير من الناس يهون جمع السلاح وعرضه ... والأمريكيون لا يكتفون بذلك، بل ولدى الغالبية من الأمريكيين مشجب سلاح صغير في البيت، وغالبا ليس للاحتفاظ كهواية، بل واستخدامه، وهذا ما يفسر حجم الجرائم العائل في الولايات المتحدة. ويجمع الخبراء أن السبب الرئيسي هو سهولة حصول المواطن الأمريكي على السلاح، الخفيف وحتى المتوسط منه (رشاشات حربية متوسطة)، بسهولة بالغة وكأنك تشتري الخبز ..! ولكن  ربما حتى الثقيلة.

 

وحين نلاحظ ظاهرة خطيرة تلحق الضرر الفادح بالمجتمع الأمريكي ولكن مع ذلك تجارة السلاح تزدهر ويباع علانية فالظاهرة لها أبعاد مختلفة، ويقف وراءها رجال متنفذون وقوى كبيرة، سياسية ومالية، واجتماعية بحيث تستطيع الصمود أمام حملات تهدف إلى تقليص تجارة السلاح ولو جزئياً، بل وأبعد من ذلك فصناعة وتجارة السلاح لها لوبي قوي في الكونغرس الأمريكي، وجمعيات أشهرها : " الاتحاد القومي الأمريكي للأسلحة "  (National Rifle Association of America). وهدفها الصريح المعلن هو " حماية حقوق حمل السلاح في الولايات المتحدة، وقد تأسست هذه الجمعية عام 1871 ويقع مقر الجمعية في واشنطن. وتتعرض الجمعية بين حين وآخر إلى محاولات لحلها، ولكنها بفعل القوة الخفية والعلنية التي تقف خلفها، تحبط هذه النوايا، فالجمعية قوية بقوة القوى المالية التي تمارسها. وهذا المقال يقع ضمن تلك المحاولات الفاشلة لتحجيم تجارة السلاح. إذ تريد ولاية نيويورك (الأكثر تضررا من تجارة الأسلحة) أن تحل جمعية المدافعين عن تجارة السلاح،والمدعي العام للولاية يتهم قوى الفساد في اللوبيات وهو ما يزعج الرئيس ترامب.

 

 

مأزق لوبي السلاح في أميركا

 

تقرير كتبه : فراوكة شتيفانيس/ نيويورك

في صحيفة فرانكفورتر الغماينة (Frankforter Algemeir)

التاريخ : 7 / آب ــ أوغست / 2020

ترجمة : ضرغام الدباغ

 

 

كان أمرا مروعا ما حدث في ولاية نيويورك، حين وجه الرئيس دونالد ترامب توبيخاً للمدعي العام للولاية  الذي كان لتوه قد رفع دعوى ضد منظمة (NRA) (National Rifle Association of America).

منظمة البندقية الوطنية الأمريكية. وكان هناك تعهد بأن تتولى المنظمة (وهي يمينية الاتجاهات)، بأن تكون جزء من حملة المرشحة ليتيتيا جيمس (Letitia James) والتي ربحت الانتخابات قبل عام. وتواصل السيدة جيمس أسلوبها الهجومي الذ كان سلفيها (أيريك شنايدرمان / باربرا اندروود) ينتهجانه. وفي عام 2019 نجحت بالفعل بحل مؤسسة عائلة ترامب بدعاوي الفساد. وقد كلفت المرافعات الرئيس مليوني دولار، لذلك كان رد فعل ترمب ضعيفا في أحداث شركة (NRA).

 

ولكن المرشحة جيمس النيويركية كانت واثقة بأن ما بين يديها يكفي ضد لوبي جمعية السلاح، من عمليات الارتشاء والاحتيال مما تكفي لحل المنظمة لعدة سنوات. فهناك الادعاء على قادة منظمة (NRA) وخاصة المدير التنفيذي الفيدرالي واين لابير الذين قاموا بسحب أموال التبرعات والإيرادات الأخرى لاستخداماتهم الشخصية.، ونتيجة لذلك خسرت المنظمة على مدى سنوات ثلاث، 64 مليون دولار، كما يعتقد أن لا بيير نفسه وقع عقداً مع (NRA) يضمن العقد له دفع 17 مليون دولار إذا غادر العمل. كما أستلم مكتب المدعي العام في واشنطن العاصمة  دعوى تخص بتحويل أموال من رصيد المنظمة. كما قامت المنظمة بتأسيس لوبي (تجمع يرعى المصالح) ضد قوانين الأسلحة الفيدرالية الصارمة.

 

كان رئيس المنظمة لا بيير قد حول المنظمة وموارده إلى مكاسب شخصية له. فحول لحسابه مئات الألوف من الدولارات من أجل السفر وشراء الهدايا والطائرات الخاصة. وبوسع ولاية نيويورك أن تسجل وتفتح دعوى ضد جماعات اللوبي، لأن المنظمة المؤسسة قبل 148 عاماً كمنظمة غير ربحية. ووصفت رئيسة رابطة اللوبي كارولين ميدوز الدعوى القضائية بأنها مناورة سياسية لا أساس لها، ورفعت بالمقابل الدعوى ضد ولاية نيويورك.

 

تخضع الاجراءات ضد منظمة (NRA) وفق القانون المدني، ولكن المدعي العام لم يستبعد أن تتحول إلى إجراءات جنائية، ويمكن أن يستمر النزاع لسنوات ملحقا المزيد من الأضرار السياسية لمجموعة الضغط (اللوبي). فقد تبرعت قوى الضغط بمبلغ 54 مليون دولار لحملة ترامب الانتخابية وللمرشحين الجمهوريين الآخرين، ولكنها الآن تعاني من صراعات داخلية ومن سوء الإدارة.

 

وكانت جيمس تحقق قبل 16 شهراً في موارد المنظمة، إذ أرسل مكتب المدعي العام إلى أنصار المنظمة (من مؤيدي حرية السلاح)، مذكرات استدعاء تنفيذية. وكان أوليفر نورث (الضالع في قضية إيران كونترا / المترجم)، من الذين تم استدعائهم للتحقيق معه بشأن الإطاحة بالسكرتير الفيدرالي لا بيير الذي دفع ثمن صراعه  على السلطة بخسارة منصبه. و السيد نورث يعتبر من بين الشخصيات اليمينية البارزة في الولايات المتحدة، والذي أشتغل مستشاراً عسكرياً لمجلس الأمن القومي في عهد الرئيس رونالد ريغان، وكان شخصية رئيسية في قضية إيران كونترا في منتصف الثمانينات

 

ففي ذلك الوقت جرى فيه نقل عائدات مبيعات الأسلحة الأمريكية لإيران، وقدمت لمقاتلي الكونترا الذين يقاتلون النظام الساندينستي في نيكاراغوا. ولم يكن بوسع لا بيير الرئيس السابق للمنظمة (NRA) وسائر الشخصيات القيادية في المنظمة  الذين ادينوا فعل شيئ وتركوا ليسقطوا. ولم يكن واضحاً تماماً ما إذا كان المال قد تحويله من أجل حملات سياسية ولأغراض الإثراء الشخصي كما يتكهن بعض المراقبين. وبسبب ذلك أيضاً فقد تم التشدد في قواعد جمع التبرعات الحزبية في السنوات اللاحقة. (*)

 

ولاية نيويورك لديها أسبابا وجيهة لمحاربة لوبي السلاح.  ففي الولاية قوانين سارية ضد السلاح أكثر صرامة من سائر الولايات الأخرى. مع أن قانون ولاية نيويورك لا يزال يسمح بنص صريح : " أن " ميلشيا مسلحة تسليحاً جيداً " هي الأساس الفعال للمجتمع، وأن حق المواطن في حمل السلاح هو من الحقوق الأساسية للمواطنة ولا يجوز إلغاء هذا الحق ".

 

ومن أجل الحصول على السلاح يحتاج المرء إلى رخصة بشراء وبحمل السلاح، وفي ولاية نيويورك يحظر بيع الأسلحة الهجومية (assault weapons)، والتي تشمل معظم البنادق نصف الآلية، ولكن مع ذلك يمكن للمجرمين والراغبين بالأسلحة الهجومية الحصول عليها من الولايات الأخرى، وتشير الكثير من الجرائم أن السلاح ما يزال منتشراً في المدينة.

 

تقدم الرئيس ترامب الذي كان لحد الآن قد أوقف محاولات أصلاح بعيدة المدى لقانون الأسلحة بمقترح بسيط لحل الأزمة بين المنظمة (NRA) وولاية نيويورك " أعتقد أن الحل يكمن في نقل المنظمة إلى ولاية تكساس حيث بوسعهم أن يعيشوا حياة جيدة وجميلة للغاية ". وقال ترامب للصحفيين معززا رأيه " كنت أقول لهم منذ وقت طويل أن عليهم الانتقال إلى تكساس حيث القوانين المحلية أكثر ملائمة. أما حاكم ولاية أركنساس آسا هاتشينسون فقد عبر بقوله " إذا كانت ولاية نيويورك لا تحتمل منظمة (NRA)، فعلى المنظمة التحرك جنوباً  حيث تجد المزيد من الاحترام، وسيجدون الاحترام التام في اركنساس  ". ولكن رجال القانون يؤكدون أن المنظمة لا يمكنها أن تجري مثل هذا الانتقال طالما أن هناك دعوى قضائية مفتوحة ضدها  في نيويورك .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

هوامش

(*) هذه أشارة يفهم منها بوضوح أن قضية إيران غيت لم تكن فضيحة سياسية فحسب، بل وقضية فساد تطال كبار الموظفين في الإدارة الأمريكية.

 

المركز العربي الألماني برلين

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

المركز الألماني العربي

 

DETSCH ARABISCHES ZENTRUM

 

د. ضرغام الدباغ

 

 

بتاريخ 17 / 10 / 2006 ، توجهت برفقة صديق إلى مكتب تسجيل الشركات والجمعيات في حي نوي كولن ببرلين، وقدمت طلباً بأسمي لتأسيس كيان بأسم : (Deutsch Arabisches Zentrum) المركز الألماني العربي بتخصص : دراسات، معلومات، نشر. وخرجت من المبنى بعد 14 دقيقة وبيدي سد تسجيل المركز.

وكانت باكورة عمل المركز، إصدار نشرة أسبوعية باللغتين الألمانية والعربية عن أهم الأحداث السياسية والاقتصادية والثقافية التي حدثت في ألمانيا خلال أسبوع، وقمنا بتجميع نحو 450 عنوان ألماني، ومثلهم باللغة العربية، أي بين 900 / 950 باللغتين، نقوم بأرسال النشرة الألكترونية لهذه العناوين السياسية الصحفية، الثقافية، الاكاديمية، بواسطة الأنترنيت. وبأعتراف جهات كثيرة أن النشرة كانت عملاً ممتازا لجهة الاخراج الفني والمحتوى العلمي / الاعلامي لهذه النشرة. ولم يكن يساعدني في هذا العمل الكبير والشاق سوى فتاة ألمانية ذكية تحسن الانكليزية والفرنسية إضافة للألمانية بالطبع.

 

ولكن للأسف لم نجد التشجيع الذي كنا نأمله، والسبب الرئيسي هو أن الفضاء الالكتروني يعج وبكثافة بالنشرات التي تصدرها مؤسسات صحفية عملاقة وبقدرات مالية هائلة، وصحفية / فنية خارقة، وليس من مجال لجهة ناشئة وبأمكانات هي في الواقع لا شيئ سوى الحماس والإرادة على تقديم شيئ. ولكننا اضطررنا للتوقف، وتعديل خطة العمل، وانصرفت الفتاة الألمانية إلى عملها، وقررت مواصلة العمل وتوزيع النشرة مجاناً خدمة للثقافة العربية، إضافة أن وجدت في العمل متعة النشر والإنتاج الثقافي، وعدد من الأصدقاء صاروا متابعين للنشرة، وهكذا قررنا أن نواصل إصدار نشرة شهرية " إجمالي الأحداث السياسية والاقتصادية والثقافية في ألمانيا خلال شهر ....". وقد تواصل صدور هذه النشرة وتوزيعها مجاناً منذ عام 2005 ولحد الأن (16 عاما متواصلة).

 

ثم أني أضفت إلى النشرة شهرية، بحوث عن الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية في ألمانيا وأوربا، والقضايا حول التاريخ العربي / الإسلامي، والعلاقات العربية الألمانية، وقضايا تحدث في أوربا أجدها مهمة، أو ترجمة بحوث أعتقد أنها ضرورية لأطلاع المثقف العربي. وتصدر هذه البحوث والدراسات  بمعدل مرة أو مرتين شهرياً دون تحديد موعد محدد، وقد صدر البحث رقم 1 وكان حول التجديد في الثقافة الأوربية،  العدد رقم 300 صدر يوم 22 / 4 / 2022، أي ان البحوث تصدر منذ 16 عاماً أيضاً، والبحث رقم 300، هو بعنوان " ملفات عراقية أمام العدالة الدولية "

 

وفي أواسط عام 2021 أضفت لفعاليات المركز، إصدار كتب الكترونية، بسبب الصعوبات في النشر المطبوع ورقيا، وتوزيعه. وقررت أن أبدأ بنشر الكتب التي قمت بتأليفها ونشرها منذ عام 1984، في بغداد وبيروت ودبي، وعمان، ولندن، وكندا، فقررت إعادة نشرها وتوزيعها مجاناً، وكذلك الكتب التي قمت بترجمتها عن الألمانية، ليبلغ مجموع ما نشرت من كتب صادرة عن المركز الألماني العربي نحو 63 كتاباً مؤلفا ومترجماً وزعتها على مئات العناوين البريدية، نحو 1200 عنوان، والعديد من هذه العناوين تقوم بإعادة  بتوزيعها، لذلك يصعب معرفة العدد الذين وصلتهم هذه الكتب مجاناً في الوطن العربي، وفي أرجاء العالم، فأنا أستلم رسائل كثيرة جداً من كافة أقطار العالم .. وحسبي أن أقوم بخدمة الثقافة العربية، مجاناً ودون مكاسب شخصية. ولكني أتلقى الشكر والامتنان من شبان من اليمن، وموريتانيا والجزائر والمغرب ... وطلاب دراسات عليا من مختلف الأقطار العربية ...  وهذا ما يشعرني بالرضا ..!

 ولعل من المفارقة القول، أني أدير هذا المركز من غرفتي ببيتي في برلين، ولدي طاولة كتابة واسعة، وكافة مستلزمات العمل الالكتروني، كومبيوتر عملاق ذا استطاعة عالية جداً، وبكفاءة غير عادية، وجهاز تصوير، وطابعة ليزرية، وأجهزة حفظ ذات قدرات كبيرة (1000 غيغابايت)، واشتراك قوي بالانترنيت (سرعة عالية) بأجرة معقولة.

 وبمرور الوقت تعلمت وتطورت آليات إنشاء النشرة، بحيث لا تستغرق مني إلا وقتا قصيرا جداً، كما أني اعتدت الترجمة من الألمانية إلى العربية بسهولة، ولكن مع تقدم العمر وتراجع الصحة وقوة النظر، صرت أعاني من التعب بسرعة، ومن بطء وصعوبة في الترجمة،  ولكني قررت أن لا أتوقف ابداً .. وأن أواصل العمل حتى آخر دقيقة من عمري. لن يصيبني تعب في خدمة الأمة، فقد أوقفت حياتي من أجلها .. لذلك سيواصل المركز الألماني / العربي الإرسال ....

 منذ سنوات طويلة تراودني فكرة إنشاء معهد دبلوماسي، وبحوث سياسية وتنموية، وهي مجازفة محسوبة، لأنه سيكون المعهد العربي الوحيد خارج سلطة الأنظمة العربية. ومعهد سيعلم الشباب العربي الدبلوماسية وتهيئة كوادر سياسية وفنية وإدارية للدولة. وقد توفقت في طرح الفكرة على علماء عراقيين معروفين بكفائتهم ومكانتهم العلمية، وممن كانت لهم خدمة دبلوماسية مرموقة في وزارة الخارجية العراقية.  فوجدت الجميع متحمسين مثلي على التعليم المهني البحت بعيداً عن التوجهات السياسية / الحزبية،  والهدف الوحيد هو نشر الثقافة السياسية / الدبلوماسية بوسائل علمية، استناداً لأرقى المناهج التعليمية في العالم.

 المركز الألماني العربي الذي يعمل بدون ضجة، وبدون دعم من قوى عربية أو أجنبية وهذا محط فخري واعتزازي، وأود التنويه أنني لم ألقى الدعم لا المادي كما نوهت ولا حتى المعنوي، بل حاول أحدهم الالتفاف على هذا العمل وإنهاؤه .. أو تسخيفه (تلاعب ضروري للغة ..!) ولكني كنت فاطن للمحاولة ففشلت في مهدها ....!

 

16 عشر عاماً .....

192 نشرة شهرية...

304 بحث ودراسة ...

65 كتاب صدر عن المركز ....

 

شكراً ....!

 

شكراً لمن تابعنا ... شكراً لمن تعاطف معنا ...  وسوف نواصل العمل بلا هوادة .....!

 

 

أوربا بعد أوكرانيا

 

ضرغام الدباغ

 

في السؤال : هل خلقت الأزمة الأوكرانية معطيات جديدة في أنماط التفكير والسلوك في أوربا .. ستكون الإجابة : نعم بالتأكيد، وفي السؤال هل مثلت الأزمة الأوكراني قنبلة انفجرت فوق طاولة أوربا الفسيفسائية، وبعثرتها، بدرجة يصعب لم شعثها كما كانت أول مرة .. الإجابة نعم بالتأكيد ..!

 

بداية لا توجد أوربا موحدة وفق المفهوم الرياضي /السياسي للكلمة. لأنه لا توجد أمة أوربية أصلاً، سواء كأعراق أو ككينات سياسية وثقافية، فهناك من الدول لم تنظم بعد إلى الاتحاد الأوربي، وهناك دول ضمن الاتحاد ولكنها بنظرية "إكمال العدد". وبالإمكان شكليا وبروتكولياً ضبط الإيقاع، وكذلك دبلوماسيا إلى حد ما، نعم هناك هموم مشتركة، وهناك أمكانية لقيام أو تطوير المصالح المشتركة، وتطوير ما هو قائم، ولكن في الواقع العملي هناك تفاوت بديهي في  المصالح، وهناك من لا يود أن يجد اتحادا أوربيا متيناً قوياً، وهناك مجموعة من الأفكار والآراء والمواقف وليتبلور في النهاية قائد اقتصادي (ألمانيا)، وقائد سياسي (فرنسا) وعلى أساس هذا التفاهم الألماني / الفرنسي القوي اقتصاديا بوجود القاطرة الألمانية، والقوي سياسيا بوجود فرنسا الدولة العظمى، يقاوم  الاتحاد الأوربي عوامل ضعفه واحتمالات انهياره.

 

بريطانيا غادرت الاتحاد الأوربي، بعد أن مثلت الدور الموالي لأميركا، ولا يزال هنا في الاتحاد الأوربي " متعاونون " يعكسون المصالح الأمريكية في الاتحاد الأوربي، والسؤال الأكبر والأخطر، هو لماذا لا تريد الولايات المتحدة للاتحاد الأوربي أن ينهض ككيان له وزنه السياسي / الاقتصادي في الحياة السياسية الدولية. لأن يكون لهذا الكيان رؤيته للعلاقات الدولية الحالية والمستقبلية، وهي رؤية تخلف كثيراً أو قليلاً من الرؤى الأمريكية للالتزامات السياسية والعسكرية والاقتصادية لما يسمى بالعالم الغربي بقيادة الولايات المتحدة، وتخشى الولايات المتحدة أن يكون للرؤية الأوربية تأثيرات تتعارض مع رؤيتها للعلاقات مع الصين وروسيا، فالولايات المتحدة تحبذ أن تتواصل أجواء التوتر وسباق التسلح، والمناورات على حافات الأزمات الملتهبة .. والإبقاء على المواجهة مع هذا المعسكر الافتراضي (الصيني ــ الروسي)  وهذا ما سيتيح لها مواصلة قيادة العالم الغربي وفرض إيقاع المواجهة على شتى الأصعدة وهو سيضمن لها بالتالي دور المايسترو لقيادة التحالف الغربي.

 

وبالطبع يدرك الأوربيون تماماً، أن مرامي الولايات المتحدة  ليست إنقاذ أوكرانيا، فالاتحاد السوفيتي هو من جعل من أوكرانيا دولة لأول مرة في تاريخها، ومنحها أراض شاسعة من الأراضي الوطنية الروسية، وبعد انفراط عقد الاتحاد السوفيتي منحها حق الاستقلال، كل هذا وأوكرانيا لم تكن تخشى على أمنها، حتى وضعتها أميركا بتخطيط وتصميم في هذا المأزق لأن تكون ساحة مواجهة مع روسيا، على أمل أن:

تستنزف سمعة روسيا، وتحاصرها سياسياً وتشهر بوجهها العقوبات.

 تثير مخاوف دول صغيرة. وتحثها على الالتحاق بالناتو لتضع نفسها تحت قيادتها فعلياً.

إرهاق روسيا دولة وجيشاً واقتصاداً في معركة طويلة ساحتها الرئيسية أوكرانيا، مع احتمال أن تتسع المعركة وهو أمر مرغوب به أميركيا وتتمناه  .

أن تدعو بلدان أوربا الغربية لمزيد من الإنفاق على التسلح، وبالفعل دفعت الدول الرئيسية كفرنسا وألمانيا مئات المليارات للتسلح، والتسلح إنفاق لا طائل منه. وبالفعل نشبت الأزمات الاقتصادية وارتفاع الأسعار في بلدان كانت مرفهة كألمانيا مثلاً.

 

ولكن أوربا، مع تصميمها بالطبع على رفض أي توسع روسي غرباً، فمع توغلها شرق أوربا سيجعل من روسيا شريكا أوربيا بحجم عدد السكان والموارد والقوة العسكرية، يؤهلها للعب دور القائد، وبتحالفه مع الصين تتضاعف قدراته ... ولكل قدرة استحقاقها في الميدان ... وهنا تبدأ الحاسبات بالعمل ...!

الأوربيون أذكياء، وخبراء بالسياسة على مسرح العلاقات الدولية وما خلف الكواليس، وها هم يناورون بذكاء، ويمارسون لعبة توزيع الأدوار بطريقة لماحة ذكية، فهذه الدولة ترفض العقوبات على روسيا، وأخرى تعتذر لحاجتها الماسة لتوريدات الطاقة (غاز ونفط)، وأخرى توع أن الرأس العام المحلي ضاغط على الحكومة، وآخر يعتذر بسبب مشكلات اقتصادية لا قبل له بها .... وكلام كثير جداً ..! ودول وافقت على الدفع بالروبل ...!

 

لا شك أن الأوربيون في مأزق، وأميركا تلعب دور البلطجي، وقد ضاقوا ذرعاً بأميركا وبدورها القيادي الاستعلائي، ولكن بالمقابل فإن الخطر القادم من الشرق مثير للقلق أيضاً ..المرحلة المقبلة سترجح إحدى الكفتين، والأوربيين يتركون المسالك مفتوحة لكل الاحتمالات ... بالطبع لا يرغبون بتحدي علني لأميركا ولكنهم سوف لن يدعوها تسوقهم كالخراف لحروب وتجعل أوربا ساحة مواجهة مع روسيا. الناس هنا (في أوربا) يريدون السلام، والجيل الذي عاش الحرب العالمية الثانية ما يزالون يذكرون أهوالها. والسياسيين يعتقدون أنه يمكن التوصل لحلول سلمية، والدبلوماسية بوسعها أن تجد الحلول لكل معضلة، والحرب ليست من بين الحلول، ففي ظل الأسلحة الحديثة ، الحروب الشاملة انتحار، والانتصار وهم ..!

 

من أجل هذه المعطيات وأخرى ربما كامنة، هناك سياسة أوربية جديدة ..وتبلور لشخصية أوربية بمستحقات مرحلة ما بعد كورونا ... وأوكرانيا ...!

 

مؤشرات ومعطيات

 لحقائق الموقف

 

ضرغام الدباغ

 

حدثني صديق، عمل في الستينات وزيراً في أكثر من حكومة عراقية واحدة، أنه ذهب للولايات المتحدة للدراسة بعد حل الوزارة التي كان عضواً فيها، ولإجادته الإنكليزية بشكل تام، كان قد أقام علاقة صداقة شخصية / عائلية مع السفير الأمريكي ببغداد وزوجته. وحين وصل واشنطن للدراسة، التقى صديقه القديم الذي كان قد حل في إحدى الدوائر المهمة القريبة من مراكز القرار، وأسر صديقنا العراقي بين الجد والمزاح،  بما يلي: لدي صناع القرار الأمريكي 3 هموم لا حل لها (حتى ذلك الوقت أواسط السينات) :

 

أن يجدوا صديقا عربيا لا يريد تصفية إسرائيل.

أن تصنع أميركا سيارة تضاهي الفولكس فاغن.

كل ما يرسلون مبشرين لأفريقيا، يتزايد عدد المسلمين في القارة السمراء.

 

في أواخر الثمانينات صرح المرحوم الملك حسين بن طلال بعد عودته من زيارة للولايات المتحدة، أنه لا يستطيع أن يفهم لماذا لا تريد الولايات المتحدة أن تتفهم المصالح العربية.

عام 2004، صرح الملك الأردني  عبد الله بن الحسين، أن هناك هلالاً شيعياً سيظهر في الشرق الأوسط وسيعمل على تغير حقائق سياسية وجغرافية.

عام 2005 التقيت في برلين بصديق قريب من مواقع القرار في إحدى الدول العربية، فجاءه نداء هاتفي، وكان من وزير خارجية بلاده، وانتحى عني ليتحادث معه، وبعد أن أنهى المكالمة، وعاد ليجلس رأيته متغير الوجه مرتبكاً، فتمتم بأسى " الأمريكان أعطوا العراق للشيعة ". ولم يكن بوسعه أن يتحدث بأكثر من ذلك، كما لم يكن الظرف مناسباً أن أسأله المزيد.

كولن باول لم يكن دبلوماسياً، بل هو ضابط محترف (عمل كرئيس لأركان الجيش)، أدلى بتصريح لا يدل على احتراف دبلوماسي بقوله "  أن المؤسسة الدينية ستحكم العراق " وهذا قبل نهاية ولاية السيد أياد علاوي للحكومة العراقية.

صرح السيد أياد علاوي لمقربين منه، أنه أخبر السفير الأمريكي بسرور، أن قائمته العلمانية تصدرت نتائج الانتخابات، وفوجئ عندما أجابه السفير الأمريكي بجفاء.. " ومن قال لك أننا نريد علمانيين في الحكم ..؟ ".

بتاريخ 25 / 10 / 2016، نشر موقع أورينت نت،  " كشف بروفيسور إسرائيلي خفايا المخطط القذر الذي تنفذه الولايات المتحدة الأمريكية وشريكتها روسيا وبالتعاون والتنسيق مع إيران في كلاً من سوريا والعراق، عبر تطبيق مشرع طائفي ممنهج يهدف إلى "اقتلاع السُنة" من المنطقة، وتوطين المكون الشيعي، وذلك في غفلة وتخاذل وعجز من العالم الإسلامي والعربي ".

علمت من صحفي عربي مطلع، أن الولايات المتحدة الأمريكية وبهدف تحويل منطقة الشرق الأوسط الملتهبة دون توقف، إلى منطقة آمنة وضمن مناطق نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري، من خللا خطة طويلة الأمد، بتحويل العرب السنة إلى أقلية تحت القمع والسيطرة، بتقديم الدول العربية : العراق، سوريا، لبنان، واليمن، للهيمنة الإيرانية، ولما كانت هذه أشبه بعملية جراحية معقدة للتاريخ والجغرافية، عليه ستغض الولايات المتحدة والغرب النظر عن الأساليب اللاإنسانية وجرائم الحرب من خلال إطلاق يد إيران وأذنابها، وبعض الفصائل الكردية، ولكل من هب ودب ليأكل مجاناً من المائدة السياسية والاقتصادية والديمغرافية. 

تم إنقاذ البحرين فقط من هذه القائمة، بناء على إصرار سعودي رضخت له الولايات المتحدة. والمدهش حتى إيران لم تعد تتكلم بحرف واحد عن إيران .. والأمر إشارة من المايسترو ... الشيطان الأكبر ...!

اعتراف امريكي بدعم الحوثي ففي أحدث وأخطر تصريح أمريكي اعترفت أمريكا رسميا بدعم الحوثيين في اليمن حيث صرح جنرال أمريكي رفيع المستوى لمجلة "فورين بوليسي" الأمريكية أن أمريكا تدعم الحوثيين في اليمن لمحاربة الإرهاب الإسلامي وأن أمريكا هي من سلمت اليمن للحوثيين وهي من تدخلت لإنقاذهم وحالت دون سقوطهم بوضع الخطوط الحمراء حول صنعاء والحديدة وصعدة ومنعت الجيش اليمني من التقدم وفتحت ميناء الحديدة لدعم الحوثيين بمختلف أنواع الإسلحة بما فيها الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وفي المقابل ساهمت في إفشال عمل الحكومة الشرعية وتفكيك الجيش اليمني ومنع تزويده بالأسلحة الثقيلة المتطورة !!! وحول شعار الحوثيين "الموت لأمريكا الموت لإسرائيل" قال الجنرال الأمريكي أن هذا مجرد شعار لا حقيقة في أرض الواقع ونحن نتواصل مع الحوثيين عبر القنوات الخلفية وهم شركاء وحلفاء لنا في محاربة الإرهاب الإسلامي وأشار الجنرال الأمريكي إلى وجود اتفاقية مع الحوثيين ، حيث نص أول بند من الاتفاقية، على تمكين الحوثي من اليمن مقابل قيامهم بضرب الإسلاميين في جزيرة العرب، كما نص البند الثاني على أن يقوم الطيران الأمريكي بدون طيار «الدرونز» بإسناد جوي لدعم الحوثيين، أما البند الثالث فينص على أن تلتزم الولايات المتحدة الأمريكية بدفع تكاليف الحرب ودفع رواتب المقاتلين الحوثيين ورعاية أسر القتلى الحوثيين وعلاج جرحاهم ، وذكر أن الحوثيين اشترطوا على أمريكا سرية هذا الاتفاق !!!

 

هذه أعلاه هي المعطيات الستة بشكل تجريدي، دون إضافات أو تعديلات. وإليك التحليل لها:

 

الملك الأردني هو الوحيد من صرح علناً عن هواجسه، وأغلب الظن أن العديد من الملوك والرؤساء العرب أحيطوا علما بالمشروع الأمريكي بعد احتلال العراق، ولكني أرجح أن روسيا تعلم بالخطة تفصيلاً وبوقت مبكر وكذلك بعض الزعماء الأوربيين.

الدول العربية التي أحيطت علماً، بعد الاحتلال هي من الدول المقربة للسياسة الأمريكية، ولكن طلب منها عدم إبداء الممانعة، أو تشجيع القوى العراقية المقاومة للمشروع، ونفذت هذه الدول كل ما طلب منها، وإن بغير حماس.

سربت جهات معينة بالمخطط إلى القيادة السورية، التي لم تجد أن بوسعها مقاومة المشروع أو عرقلته، ولكنها احتاطت بالاسراع بمغادرة المعسكر العربي، والالتحاق بإيران التي أوكل إليها تنفيذ الفصول الرئيسية (الأكثر قذارة) من المشروع بعد احتلال العراق.

الولايات المتحدة، وبتأييد متحمس أو متردد من بعض الأوربيين، ولكن بحماس من الإسرائيليين،  على تطبيق المخطط، والمشروع على الورق ينص بتحويل العرب السنة إلى أقلية، أو قوة تحت القمع الدموي بحسب ظروف كل بلد، فظروف العراق هي غير ظروف سوريا، وغير ظروف لبنان. كما أن سعار القتل عند الإيرانيين المبالغ به، ربما اعتبرته أميركا أكثر من المطلوب، ولكنها جوهريا لم تكن تمانع الهدف النهائي للتغيير. والمخاوف الأمريكية والإسرائيلية من أن ابتلاع دول لصالح إيران سيحولها بالإضافة للقدرات النووية، سيحولها إلى لاعب مهم في الشرق الأوسط، وقد تحاول الخروج عن نص الاتفاقات أو تحاول تحويرها، وهم (أطراف التحالف) سيحاولون إعادة (وليس أكثر) إيران إلى رشدها بالعقوبات والتهديد، فهدف المخطط هو إزالة خطر محتمل، وليس خلق قوى جديدة، تنظم للتحالفات الدولية التي في أفق الرؤية الاستراتيجية الأمريكية.

الولايات المتحدة تريد ذلك لأسباب مختلفة. هناك توجه يميني حاد في بعض الدوائر الأمريكية، وهناك قوى خفية (اليمين المتطرف) المعادي للإسلام والسود، والأجانب وترى فيهم الخطر المقبل على أميركا عبر عنها الكتاب: صمؤيل هينتغتون، وفرانسيس فوكوياما، وآخرون. وأميركا هي قاعدة للعمل الكنسي للبيوريتان (Puritanismus) وهم فئة بروتستانتية متطرفة.  ينتمي لها الرئيس بوش وديك شيني ورامسفيلد. وإضافة لذلك، الغرب كله يريد أن يتخلص من اليهود، بدليل ما يزالون حتى اليوم يضطهدونهم في أوربا، لذلك أتخذوا من فلسطين مكب نفايات ... وتخلصوا منهم، ثم مآرب أخرى صغيرة، وهي اتخاذهم من إسرائيل قاعدة عمل ونشاط آمن في منطقة تعج بالأعداء.

كل هذه المعطيات هي سياسية، والسياسة تعني السعي لتحقيق المصالح، وبالتالي فإن الأمور عرضة للتغير بتغير المصالح. هذه قاعدة سياسية عامة، وعلى القارئ / الباحث وضعها نصب عينيه لدى حل الإشكالات السياسية.

أتخذ صناع القرار قرارهم بالاعتماد على قواهم وتفوقهم السياسي والاقتصادي والعسكري، وبأستفرادهم لوحدهم بقيادة العالم، بأستخدام مفرط للقوة المسلحة، وهذه جميعها ليست قدرات نهائية، وهذه المعطيات خاضعة للتغيير ولا سيما السياسية.

الدول الأوربية الرئيسية (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) ليست بدرجة واحدة من التأييد للخطة الأمريكية ولكنها ليست في موقف معارضته.

بتقديرنا : أن الولايات المتحدة سوف تتدخل فعلياً في حالة واحدة " إذا  داهم خطر حقيقي النظام الإيراني " ونقصد بالخطر هو عندما تتغير تركيبة النظام وليس هوية الحاكمين. فالوضع الإيراني بشكله الحالي ضرورة سياسية / استراتيجية أمريكية سواء بنظام الشاه أو الملالي، أو أي جهة أخرى لا تغير من خريطة إيران وطبيعة نظام الحكم وفق التوليفة الحالية. (الفرس / الشيعة يحكمون إيران). وبغير هذا النظام فستكون هناك قوى كبيرة وستنشأ خارطة ليست وفق المصالح الامريكية، على الأقل من الآن وحتى أمد قصير .. ربما قصير جداً .!. وسوف تتعامل معها الولايات المتحدة واقعياً، أما البشر ومصائرهم فهذا آخر ما تفكر به الولايات المتحدة .. حتى لبضع ثوان ...

الأمريكيون قبل عقدين وأكثر، لم يكونوا ليعتقدوا أنهم سيفقدون القدرة على السيطرة على الشرق الأوسط، وحين بدأت ملامح المقبل تلوح لهم، اعتقدوا أن مراكزهم الرئيسية في الشرق الأوسط : إسرائيل ــ إيران تكون. الضامن القوي للمصالح الغربية.

 

ولكن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن، ومبكراً، وإدارة جوقة موسيقية ضخمة تنطوي دائماً أن يكون أحد العازفين أقل مقدرة من زملاؤه، فالمعطيات في العالم وفي الشرق الأوسط بدأت تمنح مؤشرات جديدة للمخططين الأمريكيين ومن تلك :

ـــ السجال الاستراتيجي الحاد مع التحالف الصيني / الروسي وتراجع مستوى الأداء الأمريكي، والهيمنة الأمريكية.

ـــ خروج تركيا من دائرة القوى المضمونة.

ـــ لم تنجح إيران في أن تكون قوة سياسية واقتصادية وعسكرية مؤثرة، وواصلت أسلوبها (الإرهاب والتخريب) وأعتمادها المفرط على سياسة صانع المشاكل  (Troublemaker).

ـــ لم تنجح الولايات المتحدة في تكتيل مجموعة دول حليفة في الشرق الأوسط بسبب إصرارها على جمع المتناقضات، وفشلت عسكرياً في أفغانستان، وفشلت بسبب تراجع قوتها الاقتصادية، ووجود حالة عداء للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا.

ـــ فشل إسرائيل في أن تكون قوة قادرة على بسط السيطرة، بسبب تنامي القوى المحلية (مصر/ السعودية / فلسطين). برغم الحشد الهائل الغير مسبوق تاريخياً، فشل الجهد الأمريكي وحلفاءه، بسبب لا تريد الولايات المتحدة الاعتراف به. لأن الحليف الأول (إسرائيل) قوة توسع فاشلة فشل سياسيا وعسكرياً في تحقيق مشروعه، لأنها كوكتيل دولة غريبة / شرقية، ولا تمتلك قدرات التوسع، وفشل الحليف الثاني الرئيسي (إيران)  لم تنجح في مشروعها الغيبي الغبي في التوسع وأفتقارها التام للقدرات السياسية والاقتصادية والثقافية.

ربما أدركت الولايات المتحدة، أو أنها في سبيلها للإدراك أن:

 

" حسابات الحقل لا تنطبق على حسابات البيدر "

 

 

   

أسود الرافدين

 

ضرغام الدباغ

 

  

استناداً إلى الكثير جداً من المصادر الدقيقة، أن الأسد كان موجودا في العراق حتى بعد 1920، وقد قرأت في مصادري عن تاريخ العراق القريب، أن الجنود الإنكليز قد شاهدوا الأسد خلال حملة احتلالهم للعراق، وبالتحديد بالقرب من مدينة الناصرية،  ويروي سكان منطقة الفرات الأوسط والجنوب، قصصاً وحكايات عن الأسد، ويطلق عليه تسمية " أبو خميس " وبنقل عنه أنه الأسد يحترم المرأة ولا يهاجمها. ويحكى أن الأسد شاهد إمرأة تسبح في نهر الفرات فأحترم عريها وغض بصره وأنصرف.

 والأسد في عالم الحيوان يعتبر ملك الغابة " ملك الحيوانات "، وهذا متعارف علية في الأدب العالمي وفي شتى المجتمعات. ومن المؤكد أن هذا لا يحدث دون أسباباً منطقية، متفق عليها. فالأسد في عالم الحيوان له شخصية مهابة بسبب قوته العضلية وليس بسبب شراسته. والأسد يعيش في مجاميع أسرية، ومن المعروف عن الأسد أنه لا يخرج لصيد حيوانات ضعيفة وسهلة، بل يدع الإناث تقوم بهذا العمل، ولكنه ينهض لقتال الحيوانات الشرسة الصعبة، كالجاموس والنمر. والأسد يأكل طعامه من الغنيمة ولا يشاركه أحد، وبعد الفراغ من طعامه ينسحب لتأتي الإناث والأشبال .والأسد لا يصطاد إلا حين يكون جائعاً ... ولا يأكل من الجيف. وهو ليس بقاتل أو مغتصب، إذن للأسد أخلاق الفرسان.

     قرأت مرة  أن البشر لهم طباع الحيوانات التي تعيش في جوارهم أو مألوفة في مجتمعاتهم. والبشر أذكى من الحيوانات قطعاً، لذلك يربى الكلاب لمزاياها في الشجاعة والوفاء، والبشر يحذرون من العقارب ويطلقون عليها بالخبث، فيما البشر يعلمون أن الأفعى لا تتحرش بالبشر إلا إذا لقت منها الأذى ,,.!

 إذا كانت أخلاق الحيوانات تشابه مع أخلاقَ الإنسان، مشابهةً وثيقة في بعض الأحيان مع اختلاف قابلياتهما العقلية كثيرًا، فالإنسان، وإن كان يختلف عن الحيوانات اختلافًا عظيمًا في ميدان العقل،  يَقْرُب منها في ميدان العاطفة والحياة.

 يشاهد المتتبع ويقرأ الكثير في مصادر تاريخ العراق، أو تلك الأخبار التي ترد في مذكرات الشخصيات العراقية والأجنبية، وحتى في صور وتماثيل وجداريات في المتاحف الوطنية أو الأجنبية، ما يفيد أن الأسود كانت منتشرة بصورة كثيفة في العراق من شماله حتى جنوبه. فلدينا تماثيل كثيرة وجداريات تدل على وجود الأسود في شمال العراق في مناطق عاصمة الآشوريين، وكذلك في مناطق وسط العراق والجنوب حتى الناصرية وربما البصرة، في حين لم نسمع بوجود الأسود في مناطق أخرى من الشرق الأوسط.

 في عام 1957، كان والدي يشغل منصب مدير شرطة لواء الموصل، وقد صادف أصدقاء للوالد نمراً مرقطاً بالغاً كبير الحجم في الجبال القريبة من منطقة قضاء عقرة. وقام الوالد بتكليف بعض المختصين بتحنيطه وتعبئته بالتبن وربما أقمشة، وأتقنوا صنعه، ثم جيء بنمر آخر صغير الحجم، ولكن لم يحسنوا تحنيطه كالأول فتلف خلال بضعة سنين . ثم أن ضابطاً صديقا لي أخبرني أنه شاهد بنفسه نمراً مرقطاً خلال عمله في منطقة دربندخان / محافظة السليمانية في أعوام السبعينات.

 الأمر يكتسب بعض الغرابة حين نلاحظ أن الأسود لم تكن معروفة في البلاد العربية، شبه الجزيرة، وسورية الكبرى، وحتى تركبا. النمور بأنواعها من القط الوحشي إلى الفهد، إلى النمر المرقط كانت متوفرة حتى في شبه الجزيرة العربية وجبال عمان، والعراق وإيران وربما تركيا.

 وعدا اللوحات الكثيرة، والجداريات، فهناك الأخبار الموثوقة والمصورة المعاصرة. شاهدت مرة لوحة لأحد ولاة بغداد يصطاد أسداً في ضواحي مدينة بغداد وكانت عاصمة ولاية العراق.

 فقد قرأت في مذكرات الضابط والشخصية السياسية العراقية، اللواء الركن إبراهيم الراوي،  أنه كان مرة في سفرة من بغداد لأسطنبول حيث الكلية العسكرية التي التحق إليها والمسير بقوافل من بغداد إلى الفلوجة بمحاذاة نهر الفرات عبر سورية إلى تركيا، يقول خرجنا من بغداد صباحاً وقبيل الظهر وصلنا إلى منطقة عكركوف، ويبدو أنها كانت تبعد عن بغداد التي كانت تنتهي في ضاحيتها علاوي الحلة ... يقول في عكركوف توقفت القافلة وسمعنا  صياحاً وهرجا ومرجاً، ونظرنا فإذا بأسدين من الذكور على درجة كبيرة من ضخامة الجثة  يتقاتلان بشراسة .. وتوقفت القافلة وأستعد حراسها ورجالها للموقف، إلا أن القتال بين الأسدين انتهى وواصلت القافلة سيرها إلى سوريا ثم إلى اسطنبول.

 

 

 

بواية عشتار الأصلية في متحف بيرغامون ببرلين / ألمانيا)

 ويستمتع زوار متحف برلين بمشاهد النسخة الأصلية لبوابة عشتار الشارع (شارع الموكب) الذي تنتشر على جانبية جداريات الأسود، في متحف بيرغامون (Pergamon) وإلى جانب المنظر المهيب للشارع الموكب والإنجازية الرائعة للجداريات، يتساءل زوار المتحف، كيف حافظت هذه اللوحات على ألوانها وأصباغها بعد ألاف السنين ... (5 ـ 6 ألاف سنة). وفي هذه عبقرية أخرى للفنان العراقي.

   

(الصورة: أحد الولاة العثمانيين يصطاد اسداً بالقرب من بغداد)

  

ثمة تمثال مبهر لملك آشوري يربي شبلاً، والتمثال يتصدر مدخل جامعة أمريكيو وأعتقد أنها جامعة شيكاغو ... والتمثال رائع ويزخر بالمعاني وما ترمز إليه. والملك الآشوري يمسك بيده اليسرى الأسد، وبيده اليمنى بالكتاب .. وهو دليل نحن نمتلك القوة، ولكن مع الحكمة ...! فيا لها من عبرة بليغة.

  

   

الصورة: مدخل جامعة أمريكية: ملك أشوري بيده شبل أسد

 

   

وثمة جدارية أخرى موجودة في متحف لندن، ذات قيمة فنية عالية، تمثل ملكا آشوريا يصطاد الأسد باستخدام السهام، ولاحظ العربة القتالية ودواليبها.

 نصل إلى العبرة من هذا العرض، هو أن الأسد لعب دورا في حياة العراقيين، فهم كانوا يصطادونه، ويتشبهون بقوته العضلية، ويتغلبون عليه، وهذا كان مبعث فخرهم

 يحكى أن الخليفة العباسي المعتصم (ولد سنة 179 هجري وتوفي بمدينة سامراء في 18 من ربيع الأول سنة 227 هجرية.4  من فبراير سنة 842 ميلادي)  وهو أبن الخليفة الرشيد، تولى الخلافة بعد أخوه المأمون، كان شجاعاً قوياً يربي في بستان بيته الأسود، وذات يوم افلت أسد من قفصه، وهاجم الخليفة، فكان له حارس شجاع، وجه ضربة هائلة لرأس الأسد جعلته يخر على الأرض مغشيا عليه .. فما كان من الخليفة إلا وأن قرب هذا الضابط الشجاع.

  

 

   

(الصورة: ملك آشوري يصطاد الأسود، جارية في متحف لندن)

 

المركز العربي الألماني

برلين

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

ضرغام الدباغ

التجديد .... احذروا الألغام ..!

 

ضرغام الدباغ

 

هناك أنواع عديدة من الألغام تستخدم ضد أهداف مختلفة وفي ظروف وأغراض مختلفة، فهناك الألغام ضد الأفراد، والألغام ذد الآليات، والألغام المضادة للدروع بأنواعها وأحجامها المختلفة، وهناك لغم له أسم طريف " مصائد المغفلين " وهذه يطيب لي أن أستخدمها في السياسة بناء على وظيفتها وليست تسميتها فحسب.

 

مصائد المغفلين هي عبارة عن ألغام صغيرة، وقد تكون صغيرة جداً، ولكنها شديدة الفاعلية. تزرع هذه الألغام " مصائد المغفلين " في أماكن لا تخطر على البال، يتعثر بها قليلوا الحذر كأن توضع في ظرف رسالة لا تثير الشبهات ....! فتقل من يحاول فتح الرسالة، أو تبتر أصابعه على الأقل جزاء عدم حذره...! أو خلف لوحة زيتية رائعة يتغافل من يريد أن يستولي عليها وينتزعها من مكانها على الجار فتنفجر وتودي بحياته. فالمغفلين يقتلون أو تبتر أجزاء مهمة منهم فيصبحون مقعدين يلازمون بيوتهم يتفرجون على التلفاز وعلى المسلسلات الدرامية وما أكثرها ...!

 

خلص ... انتهيت من التلميح ولننتقل للتصريح ..! ليست هناك عبارة، امتهنت، وأهينت حاول مستخدموها أن يغلفوها بما لا تحتمل كمصطلح أو عبارة " التجديد " فيضعون عليها كميات كبيرة من أصباغ وألوان التجميل لتبدو على ما غير عليه في الواقع ترويجاً لسلعة خربانة، تعبانة ... أو حتى مشبوهة .. وأحيانا لكي تنسجم مع منطوق المصطلح " تجديد " للسلعة التعبانة المنتهية الصلاحية (expired) وتكثر الاصباغ طرديا مع وعي الجمهور المتلقي، فيتقلب الأمر إلى مهزلة حقيقية. والمهزلة الأكبر حين يتولى الأمر " التصبيغ والتجميل .... التجديد " أناس لا قبل لهم ولا قدرة، فيصبح حالهم ككلمات الأغنية " لا تلعب بالنار تحرق اصابيعك " .

 

وإذا أسأنا الظن والعياذ بالله ولسنا ممن يسيئون الظنون بسرعة، نقول أن المجددين غير مؤهلين لهذا الدور، فهم كمبتدأ في الرقص، ويتنطح لرقص الفالس ... والجمهور المشاهد الأذكياء يكتشف بسرعة أنهم هواة في الرقص .. وفي حالتنا هواة في الرقص على الكلمات فيأتي التلفيق بدائيا ساذجاً وتلاعب وتحايل (Minipulation) بالكلمات، وقصة التجديد هذه مفضوحة المرامي والأهداف، فكل من يريد أن يدس لنا لغماً يهتف بلوعة " التجديد ... التجديد .." لماذا ... لأن التجديد ينطوي على أن يحاول أن يغير ما عجزت أسلحته فعله .. لهؤلاء نقول كلمة واحدة : " قولوا لنا إن كنتم تقدرون .. تجديد ماذا ..؟ " فهم إما لا يعلمون ماذا يقولون وهو الأرجح، ولكنها كلمة / لغم / قنبلة دخان لإعماء الأبصار نجزم أنهم لا يعلمون ماذا يعني التجديد، أو لا يجرأون على قوله، فمخرج الحفلة  أغبى منهم، ولم يخبرهم بتفاصيل الدور .. وهم مروجون لسلعة فاسدة، ضحى بهم المخرج  بسهولة ...

 

أسفا ً ... على المروجين ... وأسفي على من أبتلع الطعم

هكذا تحدث شولتس

 

ضرغام الدباغ

 

قرأت خطابا للمستشار الألماني أولاف شولتس، أقل ما يقال فيه، أنه خطاب لقائد يشعر بالمسؤولية في كل نصف حرف يتلفظه ..!.. ألمانيا في قلب الأزمة، وفي عين التيارات المختلفة، بين متطرف مع، ومتطرف ضد، وعلى القائد المحنك أن لا يكون مع ولا يكون ضد، هو عليه أن يصيخ السمع جيداً .. ينصت لدقات قلب شعبه، لا يكون شعبويا يبحث عن التصفيق، ولا من يقول له    والله إنك لشجاع، هو لا يريد أن يضع ألمانيا في موضع الخطر، فليكن صدره واسعاً يحتمل الدق والرفس ... أفعلوا ما تشاؤون، قولوا ما تريدون ، لن أعرض ألماني للخطر، لن أضحي بحياة مواطن واحد، لن أهدر مالا جمعه مواطنون بلادي بعرقهم .. بدمهم ودمائهم ودموعهم ... المكانة الاقتصادية التي عليها ألمانيا نتيجة جهد غير أعتيادي، يسهرون الليالي ويكدون في النهارات المثلجة، لكي يزدهر هذا البلد، ويأتي شخص يبحث عن أفاقا وردية كالاحلام ...

 الأحلام لست مهنتي، أنا أشاهد بدقة الأهوال مقبلة، الأفق يصطبغ بالدماء، وشباب بعمر الزهور يقتلون شر قتلة ... يجب أن أتأكد أن كل ألماني حين يضحي بيورو واحد، أنه يضعه في المكان المناسب، البشر ليسوا مشاريع قتل .. ومت يزج بلاده في المخاطر عليه أن يبحث عن المخارج.

 

للأسف الحياة وهذا العصر حاد بحقائقه الجارحة، حين يطلب مني أن أقذف ببلادي في أتون النار، يجب أن أفكر ملياً، أنا أقسمت بالاخلاص والولاء وخدمة الوطن وليس التبرع به ... والمواطنون ينتظرون مني أن أقودهم في حلكة الظلمة إلى حيث الأمان، وليس في مجاهل المجازفات ...

 

هذه مقتطفات من حديث المستشار الألماني أولاف شولتس ...

 

ــ في ذكرى انتهاء الحرب العالمية الثانية  "نحن لا ننفّذ كل يُطلب منا"، مضيفا "لأني أقسمت عندما توليت المنصب على عدم إلحاق الضرر بالشعب الألماني".

 

ــ برلين التي تنتقد نهجها السلطات الأوكرانية، تتعرض كذلك لانتقادات على خلفية رفضها فرض حظر على الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه. وتبرر برلين موقفها بأن حظرا من هذا النوع من شأنه أن يؤدي إلى عواقب وخيمة على اقتصاد البلاد.

 

ــ "خرجنا بدرس محوري من التاريخ الكارثي لبلادنا في الفترة بين 1933 و1945، وهو لا لتكرار الحرب أبدا لا لتكرار الإبادة الجماعية أبدا لا لتكرار الحكم المتسلط أبدا".

 

سيادة المستشار الألماني أولاف شولتس ............. تحية أجلال وتقدير لكم، شعبكم يحترمكم ..

 

 

ملفات عراقية

 

مفتوحة أمام العدالة الدولية

 

د. ضرغام الدباغ

 

بوصفي مؤرخاً مجازاً، أؤكد أن لا قضية / ملف عومل بغير عدالة وبجور منقطع النظير كالملفات التابعة المتفرعة من الملف العراقي الذي جرى التعامل  فيه منذ 1990 وحتى قبل أشهر (فبراير / 2022) أي نحو 32 عاماً.

 

وقد سبق لي وان وضعت كتاباً نشر  بعنوان " معاهدات جائرة " شرحنا فيه تأريخ أشهر 12 معاهدة ظالمة، لم تكن العدالة نبراس من عمل فيها وساهم وأقرها، بل كان التنكيل هو هدف مشرعوا وواضعوا المعاهدات بصرف النظر عن العناوين التي تمترسوا وراءها، والديباجات البراقة التي تصدرت المعاهدات، ولكنها في واقع الحال كانت تنكيلاً بالغ الأذى، وانتقاما سياسيا مثل موقفا ر يتسم بالنزاهة، ما كان يجب أن تنزلق إلية القوى التي ساهمت بهذه المعاهدات وفي مقدمتها وضع أسم وشعار المنظمة الدولية زورا وبهتاناً وأففتئاثاً على العدل والقانون والحقيقة.

 

وما أكدناه في مؤلفنا لم يكن يهدف بالدرجة الأولى تحليل المعاهدات  الأكثر جورا في التاريخ، بقدر ما نهدف إلى تأكيد جوهر المعاهدات وما سئول إليه في مجرى التاريخ. والمعاهدات الأكثر جورا بتقديرنا هي :

 

معاهدة فرساي.

صلح بريست.

معاهدة سيفر (1920)

معاهدة لوزان. (1923)

 اتفاقية سايكس بيكو.

 الانتداب البريطاني على العراق 1921.

معاهدة بوتسدام 1945.

 المعاهدات الجائرة بحق الصين

معاهدة كامب ديفيد.

10. أتفاق أوسلو.

11. تقرير دويلفر حول الأسلحة العراقية.

12     . الانتداب الأمريكي على العراق.

 

فالملاحظ أن معظم هذه المعاهدات كانت سبباً مباشراً لصراعات وحروب لاحقة، كمعاهدة فرساي التي وضعت خاتمة جائرة للحرب العالمية الثانية، وكانت السبب المباشر للحرب العالمية الثانية. وصلح بريست ألإرغامي، حين أرغم الاتحاد السوفيتي عن التنازل عن مقاطعات كبيرة ظلما، كانت سببا في المطالبة السوفيتية بإعادة الحق لنصابه. واتفاقية سيفر (10 / آب / 1920)، الظالمة بحق الأتراك التي قادت لحرب التحرير وبتصحيح الموقف في معاهدة لوزان (تموز / 1923)، والتي تضمنت الكثير من الفقرات الظالمة بحق تركيا، والتي هي اليوم مثار صراع سياسي يمكن أن يتطور لصراع عسكري، لتضمنه فقرات مخالفة للقانون الدولي في تحديد المياه الإقليمية. وهذه وضعت لأهداف سياسية لا علاقة لها بالحق والقانون والعدالة.

 

وبدن الخوض في تفاصيل  كثيرة، فالمعاهدات الأخرى كانت تمثل إرادة المنتصرين السياسية وليس الاستناد للحق والمنطق وقوة التاريخ والجغرافيا، ولهذا جاءت جميع المعاهدات والاتفاقيات تمثل الرغبة بالتنكيل والمبالغ به بحق خصوم سياسيين . وخدمة أهداف واستراتيجيات لدول عظمى بعيدة عن المنطقة، ولكنها " تحاول " أن تضمن سيطرتها ومصالحها على التطورات السياسية والاقتصادية لأطول حقبة ممكنة. 

 

واليوم أضيف لتلك الملفات إحدى الملفات العراقية التي بولغ من خلالها الانتقام من العراق ومحاولة إيذاؤه قدر الإمكان وباقصى ما يمكن حتى بأستخدام الغش والتدليس المفضوحين، والتي يمكن مقاضاتها أمام أسوء المحاكم .. ولكن هذا يصعب تحقيقه اليوم، لأن القوى القابضة على العدالة هي من تهين العدالة وتجعله سخرية للزمان، ولكن هذا لا يمكن أن يطول ويتواصل للأبد ... فليس من الضروري أن يبقى القوي قويا غلى الأبد، وأن أن يبقى الضعيف ضعيفا للأبد، والشعوب ستذهب منها سكرة الغضب والرغبة بالانتقام، وستحل محلها التفكير والتأمل في مآل الأحداث والبقاء في قفص الاتهام ودائر العار عذاب ما بعده عذاب يطال الأفراد والجماعات والمجتمعات.

 

ملف التعويضات الذي حدد تاريخ (22/ شباط / 2022) لإنهاء العمل فيه، هو أحد الملفات البالغة الظلم والجور التي فرضت على العراق تعسفاً وإرغاماً، وهو فرع من فروع الملفات العراقية الكثيرة (منها أعمال المفتشين/ الجواسيس) الذين عملوا تحت علم المنظمة الدولية (الأمم المتحدة) للأسف عاثوا فساداً وتخريبا وتدميرا في العراق بأساليب يرفضها أكثر اللصوص أنحطاطاً،  منها مثلاً تدمير أثاث وسيارات لا علاقة لها بأسلحة الدمار الشامل، ولكن هؤلاء المفتشون / الجواسيس اشتغلوا وفق نظرية فليخسر العراق ولو 100 دور إضافية، بهذه الدرجة من الحقد والحقارة كانوا يمثلون العدالة المنتهكة على ايديهم.

 

وبطيه تقرير موجز سريع عن أعمال التعويضات، أدعو المنظمات وجمعيات حقوق الإنسان والدوائر القضائية الاحتفاظ بها، فسيأتي يوم لا محال تثار فيه هذه الخروق للإنسانية والقانون والعدل.

 

هذه اللجنة المسماة لجنة التعويضات كانت تتلاعب بأموال العراق.... حددت 22 02 2022 موعداً لحل لجنة تعويضات العراق للكويت استمر عمل اللجنة 30 سنة. ثلاثة عقود من النهب المتواصل دون هوادة.

في عام 2001، قام صحافي نزيه  ألان غريش Alain Gresh فرنسي (من أصل يهودي مصري)، مدير تحرير صحيفة "لوموند ديبلوماتيك" الرصينة بتحقيق معمق عن تلك اللجنة، نشره في الصحيفة على صفحتين كاملتين. أبرزَ التحقيق نذالة اللجنة وتحيزها وتعمدها هدر أموال الشعب العراقي. جاء فيه:

أعضاء اللجنة كافة من 5 بلدان ناطقة بالإنكليزية: أغلبهم أميركان ومعهم إنكليز، أستراليون، نيوزلنديون وكنديون. عضوية اللجنة ممنوعة على الآخرين.

مصاريف اللجنة في حد ذاتها 500 مليون دولار سنوياً، تستقطع من بترول العراق. أعضاؤها يلهون ويمرحون ويستأجرون "شاليهات" في سويسرا للتزلج على الثلج على حساب الشعب العراقي (مقر اللجنة في جنيف). هذا فضلاً عن رواتبهم الباهظة. وعملهم أشبه بإجازة 5 نجوم مجانية.

السفير الكويتي ومساعدوه دائمو الحضور في مقر اللجنة، يطلعون على الملفات أولاً بأول ويمررون شكاوى بالواسطة، ويعترضون في حال عدم رضاهم عن ملف ما، فتستجيب اللجنة لمطالبهم.

في المقابل، غير مسموح بتاتاً للجانب العراقي الاطلاع على الملفات. يحيلون التقرير السنوي إليه قبل 3 أيام من المصادقة، وهو يضم آلاف الصفحات بالإنكليزي، بحيث يستحيل تحليلها في 72 ساعة. وحتى عند تقديم أي اعتراض أو طلب تصحيح، يجرى رفضهما تلقائياً.

اللجنة تغدق العطاء لأي طلب تعويض كويتي أو لشركة أجنبية عملت في الكويت.

المثال الأكثر "سوريالية": صاحب بقالة كويتي طلب 600 ألف دولار تعويضاً لهبوط مبيعاته خلال 6 أشهر من الاحتلال. فتمّ تعويضه.

الأنكى: قدم الطلب مرتين، مرة باسمه ومرة باسم ابنه. فتم تعويضه مجدداً. أي ما مجموعه مليون و200 ألف دولار! أي صاحب بقالة يربح 200 ألف دولار بالشهر؟

مثال آخر: شركة تنقيب أميركية متواضعة جداً طلبت 24 مليون تعويضاً عن تأخر عملها 6 أشهر. تمت الموافقة على 22 مليوناً. أكد ألان غريش، بعد التحقق، أن ذلك المبلغ يعادل ما لا يقل عن 4 سنوات عمل شاق للشركة في الظروف الاعتيادية.

 

إنها ورقة يانصيب رابحة للكثيرين... عدا عن العراقيين. واستمرت تدر الأرباح طوال 30 عاماً. ولكن لكل نهب نهاية ... ولكل مصيبة خاتمة ... وعبر الحياة تقول لا يهنأ أمرء  بما نال حراماً

 

 

 

 

المركز العربي الألماني برلين

 

المراسلات :

 

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

ملفات عراقية

 

مفتوحة أمام العدالة الدولية

 

د. ضرغام الدباغ

 

بوصفي مؤرخاً مجازاً، أؤكد أن لا قضية / ملف عومل بغير عدالة وبجور منقطع النظير كالملفات التابعة المتفرعة من الملف العراقي الذي جرى التعامل  فيه منذ 1990 وحتى قبل أشهر (فبراير / 2022) أي نحو 32 عاماً.

 

وقد سبق لي وان وضعت كتاباً نشر  بعنوان " معاهدات جائرة " شرحنا فيه تأريخ أشهر 12 معاهدة ظالمة، لم تكن العدالة نبراس من عمل فيها وساهم وأقرها، بل كان التنكيل هو هدف مشرعوا وواضعوا المعاهدات بصرف النظر عن العناوين التي تمترسوا وراءها، والديباجات البراقة التي تصدرت المعاهدات، ولكنها في واقع الحال كانت تنكيلاً بالغ الأذى، وانتقاما سياسيا مثل موقفا ر يتسم بالنزاهة، ما كان يجب أن تنزلق إلية القوى التي ساهمت بهذه المعاهدات وفي مقدمتها وضع أسم وشعار المنظمة الدولية زورا وبهتاناً وأففتئاثاً على العدل والقانون والحقيقة.

 

وما أكدناه في مؤلفنا لم يكن يهدف بالدرجة الأولى تحليل المعاهدات  الأكثر جورا في التاريخ، بقدر ما نهدف إلى تأكيد جوهر المعاهدات وما سئول إليه في مجرى التاريخ. والمعاهدات الأكثر جورا بتقديرنا هي :

 

معاهدة فرساي.

صلح بريست.

معاهدة سيفر (1920)

معاهدة لوزان. (1923)

 اتفاقية سايكس بيكو.

 الانتداب البريطاني على العراق 1921.

معاهدة بوتسدام 1945.

 المعاهدات الجائرة بحق الصين

معاهدة كامب ديفيد.

10. أتفاق أوسلو.

11. تقرير دويلفر حول الأسلحة العراقية.

12     . الانتداب الأمريكي على العراق.

 

فالملاحظ أن معظم هذه المعاهدات كانت سبباً مباشراً لصراعات وحروب لاحقة، كمعاهدة فرساي التي وضعت خاتمة جائرة للحرب العالمية الثانية، وكانت السبب المباشر للحرب العالمية الثانية. وصلح بريست ألإرغامي، حين أرغم الاتحاد السوفيتي عن التنازل عن مقاطعات كبيرة ظلما، كانت سببا في المطالبة السوفيتية بإعادة الحق لنصابه. واتفاقية سيفر (10 / آب / 1920)، الظالمة بحق الأتراك التي قادت لحرب التحرير وبتصحيح الموقف في معاهدة لوزان (تموز / 1923)، والتي تضمنت الكثير من الفقرات الظالمة بحق تركيا، والتي هي اليوم مثار صراع سياسي يمكن أن يتطور لصراع عسكري، لتضمنه فقرات مخالفة للقانون الدولي في تحديد المياه الإقليمية. وهذه وضعت لأهداف سياسية لا علاقة لها بالحق والقانون والعدالة.

 

وبدن الخوض في تفاصيل  كثيرة، فالمعاهدات الأخرى كانت تمثل إرادة المنتصرين السياسية وليس الاستناد للحق والمنطق وقوة التاريخ والجغرافيا، ولهذا جاءت جميع المعاهدات والاتفاقيات تمثل الرغبة بالتنكيل والمبالغ به بحق خصوم سياسيين . وخدمة أهداف واستراتيجيات لدول عظمى بعيدة عن المنطقة، ولكنها " تحاول " أن تضمن سيطرتها ومصالحها على التطورات السياسية والاقتصادية لأطول حقبة ممكنة. 

 

واليوم أضيف لتلك الملفات إحدى الملفات العراقية التي بولغ من خلالها الانتقام من العراق ومحاولة إيذاؤه قدر الإمكان وباقصى ما يمكن حتى بأستخدام الغش والتدليس المفضوحين، والتي يمكن مقاضاتها أمام أسوء المحاكم .. ولكن هذا يصعب تحقيقه اليوم، لأن القوى القابضة على العدالة هي من تهين العدالة وتجعله سخرية للزمان، ولكن هذا لا يمكن أن يطول ويتواصل للأبد ... فليس من الضروري أن يبقى القوي قويا غلى الأبد، وأن أن يبقى الضعيف ضعيفا للأبد، والشعوب ستذهب منها سكرة الغضب والرغبة بالانتقام، وستحل محلها التفكير والتأمل في مآل الأحداث والبقاء في قفص الاتهام ودائر العار عذاب ما بعده عذاب يطال الأفراد والجماعات والمجتمعات.

 

ملف التعويضات الذي حدد تاريخ (22/ شباط / 2022) لإنهاء العمل فيه، هو أحد الملفات البالغة الظلم والجور التي فرضت على العراق تعسفاً وإرغاماً، وهو فرع من فروع الملفات العراقية الكثيرة (منها أعمال المفتشين/ الجواسيس) الذين عملوا تحت علم المنظمة الدولية (الأمم المتحدة) للأسف عاثوا فساداً وتخريبا وتدميرا في العراق بأساليب يرفضها أكثر اللصوص أنحطاطاً،  منها مثلاً تدمير أثاث وسيارات لا علاقة لها بأسلحة الدمار الشامل، ولكن هؤلاء المفتشون / الجواسيس اشتغلوا وفق نظرية فليخسر العراق ولو 100 دور إضافية، بهذه الدرجة من الحقد والحقارة كانوا يمثلون العدالة المنتهكة على ايديهم.

 

وبطيه تقرير موجز سريع عن أعمال التعويضات، أدعو المنظمات وجمعيات حقوق الإنسان والدوائر القضائية الاحتفاظ بها، فسيأتي يوم لا محال تثار فيه هذه الخروق للإنسانية والقانون والعدل.

 

هذه اللجنة المسماة لجنة التعويضات كانت تتلاعب بأموال العراق.... حددت 22 02 2022 موعداً لحل لجنة تعويضات العراق للكويت استمر عمل اللجنة 30 سنة. ثلاثة عقود من النهب المتواصل دون هوادة.

في عام 2001، قام صحافي نزيه  ألان غريش Alain Gresh فرنسي (من أصل يهودي مصري)، مدير تحرير صحيفة "لوموند ديبلوماتيك" الرصينة بتحقيق معمق عن تلك اللجنة، نشره في الصحيفة على صفحتين كاملتين. أبرزَ التحقيق نذالة اللجنة وتحيزها وتعمدها هدر أموال الشعب العراقي. جاء فيه:

أعضاء اللجنة كافة من 5 بلدان ناطقة بالإنكليزية: أغلبهم أميركان ومعهم إنكليز، أستراليون، نيوزلنديون وكنديون. عضوية اللجنة ممنوعة على الآخرين.

مصاريف اللجنة في حد ذاتها 500 مليون دولار سنوياً، تستقطع من بترول العراق. أعضاؤها يلهون ويمرحون ويستأجرون "شاليهات" في سويسرا للتزلج على الثلج على حساب الشعب العراقي (مقر اللجنة في جنيف). هذا فضلاً عن رواتبهم الباهظة. وعملهم أشبه بإجازة 5 نجوم مجانية.

السفير الكويتي ومساعدوه دائمو الحضور في مقر اللجنة، يطلعون على الملفات أولاً بأول ويمررون شكاوى بالواسطة، ويعترضون في حال عدم رضاهم عن ملف ما، فتستجيب اللجنة لمطالبهم.

في المقابل، غير مسموح بتاتاً للجانب العراقي الاطلاع على الملفات. يحيلون التقرير السنوي إليه قبل 3 أيام من المصادقة، وهو يضم آلاف الصفحات بالإنكليزي، بحيث يستحيل تحليلها في 72 ساعة. وحتى عند تقديم أي اعتراض أو طلب تصحيح، يجرى رفضهما تلقائياً.

اللجنة تغدق العطاء لأي طلب تعويض كويتي أو لشركة أجنبية عملت في الكويت.

المثال الأكثر "سوريالية": صاحب بقالة كويتي طلب 600 ألف دولار تعويضاً لهبوط مبيعاته خلال 6 أشهر من الاحتلال. فتمّ تعويضه.

الأنكى: قدم الطلب مرتين، مرة باسمه ومرة باسم ابنه. فتم تعويضه مجدداً. أي ما مجموعه مليون و200 ألف دولار! أي صاحب بقالة يربح 200 ألف دولار بالشهر؟

مثال آخر: شركة تنقيب أميركية متواضعة جداً طلبت 24 مليون تعويضاً عن تأخر عملها 6 أشهر. تمت الموافقة على 22 مليوناً. أكد ألان غريش، بعد التحقق، أن ذلك المبلغ يعادل ما لا يقل عن 4 سنوات عمل شاق للشركة في الظروف الاعتيادية.

 

إنها ورقة يانصيب رابحة للكثيرين... عدا عن العراقيين. واستمرت تدر الأرباح طوال 30 عاماً. ولكن لكل نهب نهاية ... ولكل مصيبة خاتمة ... وعبر الحياة تقول لا يهنأ أمرء  بما نال حراماً

 

 

 

 

المركز العربي الألماني برلين

 

المراسلات :

 

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

الحرب السرية

  

د. ضرغام الدباغ

 

الحروب السرية

1

ضرغام الدباغ

 

الحرب عمل سياسي، بل مرحلة من مراحل تطور ملف سياسي معين، وهذه التسمية (الحروب السرية) التي بوسعي أن أقدم لها وأصفها وأثبت صدق وصحة أطروحتي، هي حروب تدور حين تهدف الدولة المحاربة إخفاء غاياتها الحقيقية، ربما لدناءتها، أو همجيتها، أو ربما لمقتضيات سياسية، وأهداف سرية، الإعلان عنها ينطوي على الضرر أكثر من الفائدة. وكنا قد تعرفنا على أصناف من الحروب، والقوى التي تدعي أنها مسالمة إنما تقيم التحالفات السرية والعلنية، وتعقد المعاهدات، وتبقى طي الكتمان في الخزائن الحديدية، كمعاهدة كامبل ــ  لندن/ 1905 ، أو معاهدة سايكس بيكو / 1919.

 

الحروب السرية  (Secret Wars) : هناك الحروب السرية، وهي خطط تفصيلية تضعها دولة ما تستهدف كياناً سياسياً، لإلحاق الضرر أو التدمير الشامل، ولكن دون إعلان حرب. لأغراض تكتيكية، وتتولي الأجهزة الاستخبارية تنفيذ مهام الحرب السرية، وتتولى تلفيق وترتيب اتهامات بحق الدول والأفراد المسؤولين، التحقق منها سيتطلب وقتاً طويلاً، ترزح فيه الدول المستهدفة في حقل الاتهام، وضغط سياسي وإعلامي واقتصادي تتكبد فيه خسائر مادية ومعنوية.

 

والحروب السرية قد تبدأ بحرب إعلامية، بتجميع مبررات عدوان، وشيطنة الطرف الفلاني، ثم تشجيع جماعات وكتل انشقاقية ودعمها بالمال والسلاح والتدريب، وفرض أنظمة معاقبة اقتصادية وآلية من أجل الإضرار بالاقتصادات الوطنية، وقد تقوم مجاميع عمل سرية بالقيام بعمليات تخريب واغتيالات، وصولاً إلى إقامة مناطق خارج سيطرة الحكومات الوطنية، وفي قائمة الأعمال التي تؤدي هذا الغرض واسعة وكثيرة، وجميعها تعتبر من وجهة النظر القانونية الدولية تدخلاً فاضحاً في الشؤون الدولية، تحضره القوانين والأعراف الدولية.

 

وللجهات المخططة عناصر خلقتها الأجهزة الأستخبارية، سيعتبر بعض ممن يقرأ هذه المقالة، أننا نعتمد على مصطلحات عفا عليها الزمن ... ولكننا سوف لن نترك هؤلاء دون أن ننزع عنهم أخر ورقة تين تستر عورتهم، سنثبت لهم بدقة متناهية، كيف أنهم مقاتلون في الطابور الخامس للثالوث الغير مقدس (أميركا إيران، إسرائيل)، لا داع بعد اليوم للمجاملات السخيفة، وليحدد كل موقعه، مقاتلاً كان، أو سياسياً، أو كاتباً، أو فناناً، هناك حلف، ولهذا الحلف أهدافه، ولكل حلف عناصره، يتشابهون ويختلفون، لا يهم، فلون البشرة لا يغير من جوهر الأمر شيئاً، والثالوث القديم الجديد : الإمبريالية الأمريكية، والصهيونية، الصفوية الفارسية.

 

ربما يستاء، أحد مثقفي الأمة المزورين، إن ساوينا نحن بين أمريكا وإيران الصفوية ؟ لماذا ؟

 

فليتكرم وليقل لنا (س)  لماذا إيران ليست أسوء من أمريكا ؟ ألم تعمل إيران وتساعد على أحتلال أفغانستان .. ؟ ألم ترسل إيران بقواتها لتقاتل المسلمين في الشيشان .. ؟ ألم تقف بالمال والسلاح مع أرمينيا ضد أذربيجان ..؟ ألم تعمل وما زالت تعمل إيران بقواتها المسلحة ومخابراتها وميليشياتها وعملائها في العراق؟ ألم يشاهد بعينه أمريكا تتفاوض مع إيران على أقتسام العراق ..؟ ألا يشاهدون المذابح اليومية للعراقيين والفلسطينيين في العراق ..؟ هل يستطيع المطايا الثقافية للحلف الثلاثي(واشنطن ـ تل أبيب ـ طهران) أن يقولوا لنا ما لفرق في النتيجة النهائية بينهم ..؟ هل يستطيع جوقة الشتامين أن يجدوا الفرق بينهم وبين سلفان شالوم وهنتغتن وفوكوياما وبين ألمع اسم بينهم ؟

 

النتيجة واحدة: شتم العرب والمسلمين، كيفما كان وبأي شكل كان، وتحت أي مسمى كان لا يهم .. المهم النتيجة، صيحة الموضة اليوم هي شتيمة العرب، في كوبنهاجن وطهران وتل أبيب وواشنطن، وحيث يعلو الديك على قمة المزابل .. المهم علو ... ويعتقد أنه يغيظ العرب والمسلمين .. إنكار ثقافتتهم، إنكار دورهم في الحضارة العالمية، مع أن العرب أول من كتب الحرف وأخترع الرقم الذي يستخدمونه...!

 

شتم العرب ... ثقافتهم، حضارتهم، دينهم، لغتهم ... المهم شتمهم ... قضية بكسب بها بعض المأجورون، وينالون مكافئات، وفرصاً للعمل ..وللأسف هناك من يعتقد أنه لا مجال ليشتهر إلا إذا شتم وأسرف في الشتائم، ولكن ولا حرف عن الذي يرقص على الأنغام الفارسية، ويلعب أدوراً صغيرة على المسرح الفارسي،  أليس هذا أمراً عجباً ..؟ ألا تدركون الآن كيف هي ملامح الشعوبية الجديدة، إحدى جبهات الحرب السرية على الإسلام ...؟ الحرب المتعددة الجبهات والأصعدة والوسائل ...!

 

بالطبع، ولو أحصينا الخسائر العراقية، والسورية واللبنانية واليمنية والليبية، والفلسطينية، والمصرية، والجزائرية والمغربية، الخسائر بالأفراد/ العسكريين، والأفراد المدنيين، وبالأسلحة والمعدات، وبالأموال المنقولة وغير المنقولة، لتبين لك أنها تقارب الخسائر في حرب عالمية. نعم هي حرب واضحة، وأحياناً تفلت منهم عبارات تؤكد هذه الحقيقة المخفية ..!

 

هذه المنطقة، وطننا العربي الكبير، كبير وإن جن جنون الحاقدون، ويموت بغيظهم الشعوبيون، ورغم الجهد الخطير المسعور الذي تبذله جبهة عريضة من الدول، إلا أن البلاد العربية تحرز تقدماً تحت القصف، نعم لقد كبدونا خسائر فادحة، وسنخسر المزيد منها قبل أن نلحق الهزيمة التامة بهم. كيف ستأتي الهزيمة ...؟ الهزيمة ستأتي حين سيبذلون أقصى قواهم، وكل قنابلهم، وكل أكاذيبهم، وكل عملاءهم، والاحتياطي المخفي لحد الآن (هم يزجونه في الحرب الآن).

 

ما نعيشه الآن محنة من المحن الكثيرة في تاريخ الأمة، ولكنها ستتلاشي وتضمحل ولا يبقى منها سوى الدهشة ..!... في ساحة التاريخ الفسيحة سيزول من هو طارئ، ويبقى الأصيل يزدهر ... ويمضي للمزابل من يستحق أن يمضي إليها من الممثلين المهرجين وخدم المعتدين .

 

 

 

 

أدلتي على الحرب السرية

2

ضرغام الدباغ

 

تكرر في الأيام الأخيرة سواء في المقال اليومي، أو في البحوث الصادرة عن المركز العربي الألماني. جملة " الحرب السرية على العرب والإسلام ". ولعل القراء يتساءلون إن كان ذلك نتيجة معلومات، ـو استنتاج عقلي، أو فيما إذا كانت لي مصادر على الرأي تؤيد ما أذهب إليه.

وفي الواقع مثل هذا الاستنتاج لم أتوصل إليه عشوائياً أو من خلال الاستماع إلى صوت الضمير، رغم أن أثق بضميري وأتجاهات الميل .. ولكنني كسياسي، لابد من وجود معطيات مادية قوية لتكون دليلي في أتخاذ القرار.

يعرف عن الغرب عامة، حرصهم ودقة تصريحاتهم وألفاظهم، ولكن ليس هناك معصوم، صحيح أن الأمر يدور في المواقع العليا، ولكن لا أحد يضمن عدم التسرب. ولكن الحديث عن سبب هذا العداء والكره للبلاد العربية والإسلامية أمر تكتنفه الألغاز والأسرار. وإذا كان الغرب: الولايات المتحدة وبريطانيا، وبدرجة أقل متفاوتة بقية الدول الغربية، كانت ترى في النظام الملكي العراق عام 1956 خطراً ينبغي الأنتباه له، ويترددون في بيع عدد 6 طائرات نفاثة للعراق الذي كان عضوا في حلف بغداد تحت إدارتهم وحماية لمصالحهم، فما بالك في مراحل قطعت الدول العربية أشواطاً في التقدم، ترى كيف يفكرون اليوم ..؟

 

إشارة الفريق الكسندر ليبيد

مبدئياً، الاتحاد السوفيتي، كان صديقا تقليديا للعرب، وإذا كان هناك سوء تفاهم، فهذه مسألة في العلاقات بين الدول يتحملها الطرفان. ولكن نحن نعلم أن رياح التغير، بل قل عواصف وأعاصير التغير ضربت الاتحاد السوفيتي نفسه، فكان أن أتخذ قرار (وبالطبع هناك تفاصيل كثيرة لسنا بصددها الآن) بحل الاتحاد السوفيتي نفسه، وهو حلم خصوم الاتحاد السوفيتي، ولست متأكداً أن كانت المفاوضات السياسية بين الاتحاد السوفيتي كقائد للمعسكر الاشتراكي، والولايات المتحدة كقائد للمعسكر الرأسمالي، كانت تنطوي على تفصيلات قادت لأتخاذ هذا القرار الكبير، ومقابل ماذا ؟ وقد علمنا مؤخراً أن المفوض السوفيتي (ميخائيل غورباتشوف) قبل بوعود غير مكتوبة ومبهمة بعدم توسيع حدود الناتو، ولكن الغرب لم يكتفي بضم البلدان الاشتراكية، بل وحاول دخول القفقاس (جورجيا)، وله تغلغل في أرمينيا، والضربة الكبرى في محاولاته المحمومة لضم أوكرانيا، وانكرت الولايات المتحدة تعهدها الشفوي الغامض. هذه مقدمة ضرورية لما للبيان اللاحق .

 

الجنرال (الفريق) ألكسندر ليبيد، هو أحد أشهر القادة العسكريين الشبان، شغل منصب نائب قائد قوات المظليين ثم سكرتير مجلس الأمن الروسي وكان مرشحا للرئاسة منافسا ليلتسين ولزعيم الحزب الشيوعي زيوغانوف وحصل على 15% من الاصوات عام 1996 وتحالف مع يلتسين في جولة الانتخابات الثانية لمنع زيوغانوف من الفوز وهذا ما حصل بالفعل فعينه يلتسين سكرتيرا لمجلس الأمن وبههذه المناورات السياسية الغير متقنة، فقد تدريجيا شعبيته كعسكري صارم ونزيه، يطلق الشعارات المدوية ضد الفساد، والمافيات. وبعد فترة شهور أقاله يلتسين (من المرجح لعدم توافقه مع الخط السياسي) ليصبح محافظا لمقاطعة كراسنودار وهناك سقطت المروحية التي كان يقلها. وأعتبر الحادث قضاء وقدر، وسط شكوك لدى الروس، وعدم تصديق المبرر.

 

 ما يهمني هنا، أني قرأت تصريحاً للجنرال ليبيد أستطيع أن أورده بالنص (تقريباً)، إذ صرح ليبيد محتجاً ومستاءاً من السياسة الروسية التي تسمح للغرب بتدمير روسيا وأصدقاءها، والسماح (أو بالاتفاق) على دخول منطقة الشرق الأوسط وشبهها كدخول مجنون إلى قاعة مليئة بالأشياء القابلة للكسر وتحطيمها.

 

في ذلك الوقت المبكر، ساورتني الشكوك، أن غورباتشوف الذي باع أقرب المقربين للاتحاد السوفيتي (إريش هونيكر/ سكرتير الحزب الاشتراكي الألماني الموحد)، ورفض استقبال قادة الدول الاشتراكية وتركهم للقتل (شاوشيسكو) أو للمحاكمات كالرئيس هونيكر والرئيس جيفكوف، ورفض قبله لجوء العديد من المناضلين، ألن يبيع العراق ...؟ بالطبع باع العراق وربما مجاناً .. فقد كان وزير خارجية الاتحاد السوفيتي شيفردنازة متحاملاً أكثر من الأمريكيين على العراق لأنه كان يطمع برئاسة جورجيا، ولكنه طرد منها شر طردة بمكائد غربية، فذهب تملقه أدراج الرياح .

 

مرجحاً ولست متأكداً ما إذا كانت مفاوضات مالطا (3 ـ ـ4 / ديسمبر / 1989)  بين الرئيس السوفيتي غورباتشوف والرئيس الامريكي بوش، قد تضمنت تفاهماً صريحاً بقيام الولايات المتحدة بإعادة رسم خرائط المنطقة دون تدخل روسي.

 

خطاب توني بلير في مجلس العموم

إذا قرأ سياسي محترف خطاب توني بلير، أو شاهده تلفازياً، وبقليل من القدرة على قراءة الوجوه، ندرك أن بلير كان يصطاد الأكاذيب من بحيرة سموم قاتلة . وتوني بلير أعتمد على نظرية ملفقة قانونيا وسياسيا بشكل ذريع، بإطلاقه مصطلح هلامي غير محدد (يحتمل الإضافة والتحميل والتأوبل) خطير، لدرجة أنه يبرر لأي دولة إعلان الحرب، هو" الإسلام السياسي تهديد أمني من الدرجة الأولى "..

 

ورغم أن هيئة الأمم المتحدة وهيئاتها القانونية لم تتوصل إلى تعريف مانع جامع لكلمة الإرهاب أصلاً، فأختراع مصطلح وإدراجه في بيان لحكومة لها خبرة وباع في السياسة الدولية والحروب، ينطوي على خطأ قانوني جسيم، تستحق حكومة المملكة المتحدة أن تحاسب عليه. إذ يمكن بالمقابل القول "الإرهاب المسيحي: أو اليهودي، أو البوذي، أو الهندوسي ..الخ ..

 

وتوني بلير هذا الذي أشتكى منه النواب البريطانيون وكذلك عامة الشعب، بأنه ذنب للسياسة الأمريكية، (ذنب بوش) زعم أمام مجلس العموم/ مستخدماً حزمة أكاذيب يرفضها العقل، زعم أمام البرلمان أن لدية أدلة مادية ثابتة على أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل وهذه تمثل خطورة على الأمن القومي البريطاني.

 

هذه المعطيات، تمنح مؤشراً أن هناك قرارا قد أتخذ في جهة ما، ولكن الغرب أختلف في تقدير حجم الخطر وطريقة التصرف حياله، والأسباب كان دون ريب، في إطار الحرب على العرب والإسلام لقطع الطريق لأي محاولة تقدم، والإفلات من الهيمنة. وبتقديرهم أن هذه ستود إلى بروز قوة عالمية عربي / إسلامية، ستكون قوة عظمى(بحجم سكاني وإنتاج اقتصادي) تفرض إرادتها في السياسة الدولية.

 

تصريحات الرئيس بارك أوباما

الرئيس أوبا خلال جولاته في الترويج لحملته الانتخابية، عقد لقاءات عديدة، منها مع الجماهير مباشر. وأذكر وأنا أتابع إحدى لقاءاته هذه أن قال بالحرف الواحد "أتعهد بمواصلة الضغط على العرب والإسلام"

هو لم يقل أتعهد بتصعيدها، ولكنه قال سأواصلها، فهو سيستلم الحكم من بوش الأبن، ولم يكن معقولاً أن يزايد على رئيس غزا بلدين(أفغانستان والعراق) ولكنه عهد حكمه شهد واقعياً أسوء الأحداث، وعرف عنه تصريحاته المعادية للعرب والمسلمين بشدة.

 

" لسنا في حرب مع العرب والإسلام "  هذه جملة أطلقها أكثر رئيس أمريكي بتاريخ الولايات المتحدة كرها بالعرب والمسلمين، وهناك بيت شعر للمتنبي يقول " يكاد المريب يقول خذوني " ولأن أوباما هذا من أب مسلم، فهو يبالغ في إظهار انتماؤه إلى كل شيئ عدا الإسلام، وصولاً لارتداء الطاقية اليهودية. وأبدل أسمه الإسلامي "مبارك" إلى بارك .. نعم هكذا يفعلون ..!

 

باراك أوباما، كان يريد أن يفتتح مرحلة جديدة في الحرب على الإسلام، فقرر أن يلقي خطاباً ساذجا قي هدفه .. إذ لا يريد أن يواجه المسلمين كتلة واحدة، فقرر أن يزور عاصمة إسلامية مهمة، فكروا باندونيسيا، ولكنه تراجع لأن والدته تزوجت بعد والده اندونيسيا مسلماً، وله أخ غير شقيق فيها، فألغيت الفكرة، وتقرر الذهاب إلى أنقرة أو اسطنبول، ولكنهم فكروا أن هذا قد يمنح انطباعاً أن تركيا موقع زعامة إسلامي، فقرروا أن يكون الخطاب في جامعة القاهرة. وبعد أن ألقى الخطاب، شنت الجيوش والطائرات المسيرة الأمريكية هجمات قتل عشوائي، فأرتكبوا جرائم إبادة فضيعة في العراق وأفغانستان. . فالخطاب كان يعني حرفيا " سنشن حربا بلا هوادة على العرب والمسلمين .. وسننظر في أمر العرب الذي يشهرون تحالفهم معنا ..!

إذن هناك حرب على المسلمين ونحن من يقرر نعفي من ونشمل بالقتل من ..!

 

تصريح روسي

حين اشتداد الأزمة الاوكرانية مطلع عام 2022، تراجعت العلاقات الروسية مع بلدان الغرب، أعضاء حلف الناتو. واللافت أن درجة تراجع العلاقات لم تكن بمستوى واحد، فالولايات المتحدة تمثل الطرف الأبعد في رفع درجات التوتر تليها بريطانيا، وألمانيا في الطرف الآخر،  وتليها  فرنسا، اللذان يحاولان إيجاد سبل هادئة لحل التناقضات، وعدم دفع الأمور تتجه للتصعيد، وفي هذا المجال سمعت رأياً أظن كان روسياً أو من الأطراف الداعية للتهدئة، فهناك فكرة في الغرب : دعنا لا ندفع روسيا للمزيد من الألتحام مع الصين ! وهنا تحديداً طرح رأي "ولا ننسي أن روسيا تحارب الإسلام مثلنا في سوريا وأفريقيا .!".

 

عزيزي القارئ ...

لا تعتقد أن الغرب مثقف ومتحضر ويترفع عن الدخول في مستنقعات الحروب الدينية، بل عليك أن تعلم أن الطوائف المسيحية، البروتستانت خاصة ومنهم فئة البيوريتان. (Puritans) الأطهار أو الأنقياء، هم أكثرهم تعصباً، وهؤلاء لهم اليد الطولى في السياسة الأمريكية، ولا يتورعون عن إشهار عدائهم للأرثودوكس، ومن غير المستبعد، أن تجدهم على هذه الدرجة أو تلك من العداء من الكاثووليكية.

 

قد تعتقد للحظة واحدة أننا نبالغ، وأننا معادون للغرب، وأننا نتوهم الكراهية ,,, حسناً فلنتفق على أمر بسيط جداً ولا يحتمل الخطأ ... وهو ... : أنظر .. أقرأ  ... فكر ... أين يقتل العرب والمسلمون وعلى يد أي قوى ...فهؤلاء هم أعداءك

 

ستجد أنهم يقتلون على يد الأمريكان، وإسرائيل وإيران ..... وفي الكثير من الإٌيضاح استهانة بذكاء الناس

 

 

المركز العربي الألماني

برلين

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

  فرانشيسكو لارغو كاباليرو

 

القائد الاشتراكي الاسباني الكبير

 فرانشيسكو لارغو كاباليرو

 

ضرغام الدباغ

 

 

فرانشيسكو لارغو كالباليرو ( Francisco Largo Caballero) القائد التاريخي للعمال الأسبان،  الزعيم التاريخي لحزب العمال الاشتراكي الأسباني، ورئيس الاتحاد العام للعمال الأسبان، وزير العمل خلال عهد الجمهورية الأسبانية (1931 ــ 1933)، ثم رئيس وزراء أسبانيا (1936 ــ 1937) خلال الحرب الأهلية الأسبانية ولد عام 1869، توفي في المهجر / فرنسا عام 1946.

 نشأ في أسرة عمالية كادحة، وأمتهن العمل بالجس (من أعمال البناء) حتى أنه شارك بتأسيس نقابة العمال في مجال الجبس، وفي العشرينات من عمره أصبح نقابيا قيادياً، وابتدأ بالسن المبكرة اهتمامه بالشأن العام، حيث أنظم عام 1993 إلى الحزب الاشتراكي العمالي (PSOE) ع وفي غضون سنوات ستة فقط، وصل عام 1899 إلى مرتبة عضو في اللجنة الوطنية للحزب، ثم فاز في الانتخابات البلدية لمدريد عام 1905، بلغ سنه ال 35 عاماً فتفرغ للعمل النقابي والسياسي، وفي عام 1907 أنتخب كأمين الحزب الاشتراكي العمالي فرع مدريد. وفي عام 1908 أنتخب نائبا لرئيس أتحاد نقابات العمال العام، ولكنه دخل السجن لمدة 6 سنوات، بتهمة التهيج الجماهيري والعثور على ملصقات ثورية بداره.

 

 

 

(الصورة لارغو دي كاباليرو في شبابه)

 

وأبتدأ نجم كاباليرو السياسي بالسطوع، في العمل السياسي مساهماً نشيطاً وشجاعاً في الاحداث السياسية من تظاهرات وإضرابات، وأنتفاضات،وفي عام 1918 أصبح الأمين العام لأتحاد نقابات أسبانيا. وفي نفس العام اصبح عضوا في اللجنة القيادية لحزب العمال الاشتراكي. ودافع لارجو كابييرو عن تكتيك التدخل في كل من المؤسسات وفي التجمعات وفي مقالات الصحف، أي الضغط والمشاركة في جميع مؤسسات الدولة التي لها علاقة بـ "المسألة الاجتماعية" بحيث تمت الموافقة على القوانين الاجتماعية التي تحسنت ظروف العمل والمعيشة للطبقات العاملة - وتم الالتزام بها فيما بعد، دون التخلي عن هدفه النهائي " الاشتراكية "، مما يعني التحول الكامل للمجتمع. عندئذٍ شكلت تلك المبادئ التي حددت أساسًا لما أُطلق عليها في حقبة الجمهورية الاسبانية الثانية،  " الكابالارية"، والتي عرفها بعض المؤرخين بأنها إصلاحية ثورية.

 وبنتيجة العمل الثوري الدؤوب، خلال عامين تضاعف عدد المنتسبين أتحاد نقابات العمال من حوالي 100,000 في 1918 إلى 200,000 في سنة 1920، وهو الرقم الذي استمر إلى نهاية العقد. ولأنه الأمين العام لـلأتحادT فقد كانت مهمة كابييرو الرئيسية هي الحصول على عمل موحد مع القوى الثورية لتكون خطوة سابقة " لدمج الطبقة العاملة بأكملها في منظمة وطنية واحدة "، وهو الاقتراح الذي تمت الموافقة عليه في المؤتمر العمالي العام الثالث عشر 1918. وكان هذا في خضم حالة من الصراع الاجتماعي الشديد كما كانت السنوات التي تلت نهاية  الحرب العالمية الأولى، في مدريد حيث برز الاتحاد العام وفي كاتالونيا والأندلس، خلال ما سمى بالبلشفية الثلاثية. مع ذلك لم تنجح تلك المبادرة بسبب الاختلاف في الأيديولوجية (الفوضوية "اللا سياسية" مقابل "التدخل الاشتراكي") والاستراتيجية. بالإضافة إلى ظهور هجمات الجماعات المسلحة في كاتالونيا التي رفضها الاشتراكيون، والذي أدى إلى انفصال منظمتي العمال، على الرغم من أنه تم توقيع اتفاق بين النقابتين في 3 سبتمبر 1920، "للتعامل مع الإجراءات الرجعية والقمعية التي تقوم بها العناصر السياسية وأرباب العمل في إسبانيا"، لكن هذا استمر ثلاثة أشهر فقط بسبب رفض نقابات العمال دعم 50 % من البطالة في الإنتاج في جميع أنحاء إسبانيا استجابة للسياسة القمعية للحكومة وخاصة سياسة الجنرال مارتينيز أنيدو في برشلونة الذي عين حاكمًا مدنيًا لتلك المقاطعة في نوفمبر، فقام باضطهاد الفوضوية النقابية التي جلبت مرحلة جديدة النزاع المسلح في كتالونيا.

 والقضية الأساسية الأخرى التي اشغلت لارجو كاباليرو هي الانقسام الداخلي للاشتراكية الأسبانية بسبب النقاشات حول الاندماج في الأممية الثالثة التي أنشأها بلاشفة لينين في موسكو بعد انتصارهم في ثورة أكتوبر 1917. لقد كان لارجو كاباليرو أحد الزعماء الاشتراكيين الذين عارضوا بشدة دمج الحزب الاشتراكي العمالي، وأتحاد نقابات العمال في الشيوعية الدولية، انتهى الأمر بمغادرة الفصيل الثالث حزب الاشتراكي العمالي لتأسيس الحزب الشيوعي العمالي الأسباني  في نيسان 1921.

 طويلة هي تفصيلات نضال الاشتراكيين الأسبان المنقسم إلى حركات رئيسية، وكان القائد كاباليرو يعمل بهمة ونشاط لتوحيد قوى الاشتراكية الاسبانية في حرمة واحدة.:

الاتحاد العام لنقابات العمال الأسبان.

الحزب الشيوعي الاسباني.

الحزب الاشتراكي العمالي.

الأنارشيست (الفوضويين).

 اندلعت ثورة اليسار الشاملة بعد دخول ثلاثة وزراء من حزب سيدا CEDA اليميني في حكومة أليخاندرو ليروكس في أكتوبر 1934، التي تضامن معهم الاتحاد الوطني للعمل (CNT) فقط في ثورة أستورياس حيث قاد التمرد عمال المناجم الاشتراكيين والفوضويين والشيوعيين. كان لدى عمال المناجم أسلحة وديناميت وكانت الثورة جيدة التنظيم. أعلنت الجمهورية الاشتراكية في عدة مواقع، وتعرضت مواقع الحرس المدني والكنائس والمباني البلدية وغيرها للهجوم. وخلال ثلاثة أيام أضحت كامل منطقة أستورياس تقريبًا بيد عمال المناجم، بما في ذلك مصانع الأسلحة في تروبيا ولا فيجا. وفي غضون عشرة أيام شكل حوالي 30,000 عامل جيش أستوريان الأحمر. كانت هناك أعمال نهب وعنف لا تعزى إلى التنظيم الثوري. لكن القمع كان قويا جدا بحيث وجد الثوار مقاومة من الحكومة اعتبرت أن الثورة هي حرب أهلية على كل الحكم، ولا يزالون غير مدركين أن عمال المناجم بدأوا بالتفكير باحتمال القيام بمسيرة من ميريس  إلى مدريد.

 بعد قمع تلك الثورة اعتقل كابييرو باعتباره قائد لها في 14 أكتوبر. ثم رفعت عنه  الحصانة لغرض محاكمته،  وفي 10 نوفمبر اتهمته المحكمة العسكرية بارتكاب جريمة تزعم تمرد. فقدم الدفاع عنه في فبراير 1935 استئنافاً للمحاكمة في المحكمة العليا وليس أمام محكمة عسكرية بالنظر إلى وضعه كنائب ووزير سابق. تم الرفض من حيث المبدأ الاستئناف حتى إجراء محاكمة شفوية في نوفمبر 1935، فبقي كابييرو في سجن مدريد النموذجي مع زملائه الآخرين من القيادات الثورية، بحيث انعقدت اجتماعات المديرين التنفيذيين لكلا المنظمتين هناك. ونال تصريح بالخروج لمدة عشرين يومًا في أكتوبر 1935 بسبب مرض زوجته الخطير، حيث ماتت في 11 أكتوبر في مصحة تبادل العمال الاشتراكيين الذي أنشأه لارجو كاباليرو نفسه. وقد حضر الجنازة العديد من السياسيين. وما لبث أن تمت تبرئته تحت الضغط الشعبي وأطلق سراحه.

 بعد انهيار حكومة غيرال في 4 سبتمبر 1936، وفي خضم الحرب الأهلية تم تعيين كابييرو رئيسًا للحكومة، وهو أول شخص من حزب عمالي تولى هذا المنصب في إسبانيا. وتولى كذلك وزارة الحرب، حيث أعاد بناء الدولة جزئيًا من خلال دمج الميليشيات العمالية الاشتراكية والشيوعية والفوضوية في الألوية المختلطة. حاول لارغو كاباليرو القضاء على التطوع العشوائي وسلطة الميليشيات عند توليه قيادة الحكومة وإلحاقهم ليكونوا جهازا في إدارته، بدعم من الاتحاد السوفيتي والحزب الشيوعي الستاليني. وبصرف النظر عن مجرى الأحداث، فقد كان همه الأكبر هو الحفاظ على الانضباط في الجيش المنظم حديثًا وابقاء سلطة الحكومة المركزية داخل المنطقة الجمهورية بأي ثمن، معتبرًا أنه بدون القوات النظامية ومدربة جيدا سيكون من المستحيل على الجمهورية هزيمة المتمردين.

 وحين آذنت شمس الجمهورية بالأفول، لم يكن يعد ممكناً البقاء على الأرض الأسبانية، فقطعان الفاشست المتوحشة تجوب البلاد في كل مكان،  والتي أنجزت هيمنتها على البلاد بدعم من القوى الفاشية العالمية (إيطاليا وألمانيا)، ولم يفعل الاشتراكيون بقيادة بلوم الذين كانوا يحكمون فرنسا شيئاً سوى الدعم اللفظي، في حين لم يقف مع الجمهورية داعماً بالقوة غير الاتحاد السوفيتي، الذي واجه صعوبات لوجستية بدعم الجمهورية، ووقفت البلدان الغربية الرأسمالية موقف الداعم الخفي للفاشست الأسبان (الفلانغ) ولفظت الجمهورية آخر أنفاسها في أواسط 1939، بعدها ليقوم الفاشست بتصفية كل من له علاقة بالجمهورية وبقواها اليسارية الثورية وخاصة : الحزب الشيوعي، الحزب الاشتراكي، اللاسلطويون / الأنارشيست (الفوضويون). فشهدت أسبانيا حركة نزوح واسعة إلى فرنسا بصفة خاصة، وكان كاباليرو من آخر النازحين.

 وبعد محاولات عديدة فاشلة للخروج من فرنسا الآيلة للسقوط بيد ألمانيا الهتلرية، إذ كانت الحرب العالمية قد نشبت، وبين أحتجاز وإقامة إجبارية من قبل سلطات فيشي(المتعاونة مع النازي)  التي رضخت أخيرا وسلمت القائد كاباليرو وكان يبلغ من العمر 72 عاماً، للجستابو النازي  في شباط / 1943، قاوم بجسده الواهن الاعتقال والترحيل هاتفاً " أقتلوني  ... أقتلوني " وأجري معه التحقيق في ليون من قبل كبير المحققين الألمان، ثم نقل إلى باريس، وبعدها في تموز / 1943 نقل إلى برلين، ووصل إلى معتقل النازية الشهير سكسنهاوزن في 31 / تموز / 1943 القريب من برلين في مقاطعة أورانينبورغ، بعد أنتهاء الجستابو (البوليس السري الهتلري) من التحقيق معه .

 وبالنظر لتقدم سنه  وتعدد أمراضه، كانت معظم إقامته في مستشفى السجن، وهذا ما أبقاه على قد الحياة حتى نهاية الحرب، وتحرير السجن من قبل الجيش السوفيت والقوى المتحالفة معه (الجيش البولوني الأحمر)،  وناقش الحلفاء معه أمكانية تعاونه مع نظام فرانكو، إلا أنه رفض وفضل العودة إلى باريس، حيث أقام عند أحد اصدقاءه القدامى.

 شارك في باريس في النقاشات التي كانت تجري بكثافة حول مستقبل أسبانيا،  إلا أن وطأة المرض اشتدت عليه، حتى توفي بعد جولات علاج ورقود في المستشفيات حتى توفي هذا القائد الاشتراكي التقدمي الكبير بتاريخ 23 / آذار

 وري جثمانه التراب في 27 / آذار  وسط حضور كبير للجنازة (تجاوز ال 20000 شخص)، وعدد لا يحصى من ممثلي النقابات السياسية والعمالية مع العربات والأعلام واللافتات، كانت تلك الجنازة أكبر من جنازة لأي قائد إسباني في المنفى.... حضر الجنازة القادة الاشتراكيون الإسبان القدماء ومعهم قادة الاشتراكية وممثل عن حكومة فرنسا، والعديد من السياسيين الأسبان المنفيين، وحضور الحكومة جمهورية المنفى برئاسة خوسيه غيرال. وكذلك حضر كلا من ميغيل مورا ودولوريس إيباروري وخوان نيغرين (من القيادات الشيوعية والاشتراكية) ودفنت جثته بمقبرة بير لاشيز في باريس، عند سفح الجدار الفيدرالي المخصص لشهداء كومونة باريس (وهذا تكريم كبير) ثم  نُقلت رفاته إلى مدريد سنة 1978 مع نهاية حكم فرانكو، حيث تم الاحتفال بدفنه بحضور حوالي 500,000 شخص دعوتهم المنظمات الاشتراكية (.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 إشارات وإيضاحات معلومة

1. قُبض على لارجو كاباليرو بمنزله في الساعة الثانية صباحًا، وأُرغم على مغادرة الفراش حيث كانت حرارته حوالي أربعين درجة بسبب إصابته بمرض التيفوس، ونقل إلى السجن. وكان كناليخاس يندد في البرلمان -وفقًا للحكومة- بوجود مؤامرة بدعم خارجي مقرها في بلباو»(Aróstegui - صفحة 89)

 

2. واقعيا تولى كابييرو منصب رئيس الاتحاد منذ سنة 1916 بعدما عانى إغليسياس من مشاكل صحية خطيرة. وترأس معظم دورات اللجنة الوطنية منذ ذلك العام»(Aróstegui - صفحة 122).

 

3. حضر لارجو كاباليرو الاجتماع التحضيري الذي عقد في برن في فبراير 1919 (حيث اتفق مع جوليان بستيرو الذي كان ذاهبا إلى العاصمة السويسرية لإعادة إعمار الأممية الثانية) وحضر مؤتمر أمستردام هذه المرة برفقة بستيرو لإعلان ولادة الاتحاد الاشتراكي الدولي الجديد في يوليو 1919»(Aróstegui - صفحة 168).

 4. من الواضح أن كاباليرو ادرك أهمية المشاركة النشطة في مهام المنظمات الدولية الرئيسية المكرسة لقضايا قانون العمل باعتبارها امتدادًا طبيعيًا للخط الإصلاحي للنقابة في إسبانيا. احتل التصديق على الاتفاقات من هذا النوع مكانًا مهمًا في عهده كوزير للعمل»(Aróstegui - صفحة 168)

 5. La Vanguardia, 26 de noviembre de 1935, p. 28La Vanguardia, 28 de noviembre de 1935, p. 25 y La Vanguardia, 1 de diciembre de 1935, p. 26

 6.  كان خروج لارجو كاباليرو من أسبانيا موضوع حملة واسعة من الصحافة الشيوعية ومن حزبه بالذات الذي أصدر مكتبه السياسي في 2 فبراير -قبل أربعة أيام فقط من خروج رئيس الجمهورية والحكومة أيضًا-قرارًا ذكر فيه:«يدين المكتب السياسي للطبقة العاملة والشعب الأسباني الفرار المخزي للسيد لارجو كاباليرو من أرض الوطن، الذي يحيط به مجموعة صغيرة من أعداء وحدة الشعب الإسباني [و] من تنظيماتهم، لقد فعل الكثير وتمكن بيده من تخريب عمل الحكومة وكسر وحدة شعبنا ومقاومته التي توجها الآن منهزما ومعه عمله الإجرامي»(Aróstegui - صفحة 671).

 7. من الأهمية التي عزاها نظام فيشي منذ اللحظة الأولى إلى تفاهم جيد مع أسبانيا فرانكو هو وضع شخصيات الجمهورية الأسبانية اللاجئة في فرنسا ذات أنشطة سياسية في سجن أو حبس في أماكن حراسة. ناهيك عن التعامل الإجرامي للمحتل النازي [في جزء فرنسا الذي كان تحت سيطرتهم المباشرة]. وبالتالي فإن وجود لاجئ بأهمية الرئيس السابق لحكومة الجمهورية الأسبانية والقائد الرمز للاشتراكية الأسبانية في إقليم فيشي لن يغفل عنه في أي وقت.»(Aróstegui - صفحة 691).

 8. تعرض في سجن ليموج "لمعاملة قبيحة" شملت العري والبرد والجوع وهو في سن السابعة والسبعين وحالته الصحية محفوفة بالمخاطر، واستمر على ذلك مدة واحد وثلاثين يومًا"، وهي ظروف غير ملائمة لعمره المتقدم الحالة الصحية والتمثيل السياسي والاجتماعي ".»(Aróstegui - صفحة 700).

 9. في كتاب "رسائل إلى صديق (مذكراتي)"، الذي نشر بعد مرور ست سنوات على وفاته، كرس كابييرو فصلًا طويلًا بعنوان "جحيم معسكرات الاعتقال الألمانية". "قصص الرعب لا تذكر شيئًا جديدًا بالنسبة إلى ما كان معروفًا عن معسكرات الاعتقال النازي، ولكن هناك مقاطع ذات أهمية بسبب التاريخ المبكر لكتابتها. يتحدث كابييرو بصراحة عن القتل بإطلاق النار أو الشنق أو الاستحمام بالغازات السامة وأفران المحرقة.»(Aróstegui - صفحة 714).

  المركز العربي الألماني برلين

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

هل ستنتج الأزمة الاوكرانية

 

نظاما عالميا جديداً

 

ضرغام الدباغ

 

 

ابتداء نتفق مع علماء العلوم السياسية والمحللين والباحثين أن أزمة أوكرانيا سوف لن تمر بدون نتائج كبيرة،  إن مباشرة أو غير مباشرة .. وهذه النتائج ستضاف إلى التراكم الذي يتواصل منذ 1990، أي منذ نهاية الحرب الباردة التي أفرزت النظام الدولي الجديد والذي أطلق عليه العولمة (Globalisation). الأزمة الاوكرانية ستصيب النظام العولمي إصابات بالغة، ولكن ليس الأزمة الأوكرانية هي الوحيدة التي أنهكت الديناصور الإمبريالي.

 

الحرب العالمية الأولى أنتجت نظام عصبة الأمم الذي شرعن الاستعمار صراحة وعلنية، وراحت الدول الاستعمارية القديمة والجديدة (ألمانيا وايطاليا والنمسا) تحاول مزاحمة الدول الاستعمارية القديمة (بريطانيا وفرنسا)، وفي تفاعلاتها اللاحقة، قادت إلى الحرب العالمية الثانية، التي أنتجت معسكرين : اشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي، والرأسمالي بقيادة متروبول الرأسمالية الاحتكارية الولايات المتحدة الأمريكية. وسرعان ما تهاوى التحالف الدولي الذي هزم دول المحور " ألمانيا، أليابان، إيطاليا "، وبدأت الحرب الباردة بين معسكرين عملاقين.

 

الحرب الباردة انتهت، بتراجع الاتحاد السوفيتي الذي قرر حينها بعد قراءة دقيقة وجرد مادي للموقف السياسي والاقتصادي والعسكري، عدم مواجهة الولايات المتحدة وحليفاتها (الناتو)، وما ينتج عن الحروب من اقتسام نفوذ سياسي واقتصادي وحصد لمكاسب الفوز، جرى على نحو هادئ، ذلك أن القيادة السوفيتية قررت إنهاء الحرب سلميا وعلى طاولة مفاوضات بين الرئيس بوش الأب والسوفيتي غورباتشوف، مفاوضات مالطا (3 ـ 4  / ديسمبر / 1989)، ومن المرجح وجود ملاحق سرية في التفاوض السوفيتي / الأمريكي، ويفترض أن الاتحاد السوفيتي أقر بتسليم بعض مناطق نفوذه التقليدية للأمريكان، ومنها وفي مقدمتها الشرق الأوسط، وهو ما يفسر الهجمة الشرسة العدوانية الأمريكية على دول الشرق الأوسط.

 

بيد أن حسابات الحقل لا تنطبق غالبا على حسابات البيدر، فالغول الأمريكي الذي اعمته نشوة الانتصار، وأعتقد أن الدنيا بأسرها دانت له، وفي هذه اللحظة بالذات ابتدأ انحدار النظام الإمبريالي / العولمي، فشعور بالأستيلاء التام ومصادرة حقوق ومصالح الغير، سيؤدي إلى موقف جديد، أعداء وحلفاء، و سيقود بالضرورة إلى أن يعيد المهزوم حساباته جذرياً، وحتى الحلفاء أن يتوجسوا خيفة من تزايد طلبات المنتصر، وتجاهل لمصالحهم .. لذلك لا يمكن اعتبار سقوط أوكرانيا لوحدها سببا في سقوط النظام الدولي وبروز نظام دولي جديد فالأحداث التي جرت بعد عام 1990 وتراكمها هي حالتي قادت إلى موقف دفعت النظام العولمي إلى خنادق الدفاع  .. في تدشين لعملية سقوط بطيئة  النظام العولمي. فالنظام العولمي سوف لن يسقط بمعركة عسكرية نووية، ولا يسقط اقتصاديا بسهولة، فهو ما يزال له انياب ترليونية وصناعات فائقة الجودة ومتقدمة على أعتاب الثورة التكنولوجية الرابعة والخامسة.

 

ثمة ظاهرة مهمة جداً في العلاقات الدولية، وتتمثل في بروز التحالف الصيني ــ الروسي، تحالفا متيناً واعداً ينبأ بقيام قوة تتمتع بقوة سياسية واقتصادية وعسكرية لا يمكن تجاهلها، قوة سترغم النظام العولمي الأحادي القطب على إعادة حساباته، وأن مؤشرات التوازن الدولي (بكافة مقاييسه) لا تشير إلى تفوق النظام العولمي، وهذه الحقيقة الموجعة سترغم قائدة النظام العولمي على إعادة تقيمه الشامل للموقف، ومن ذلك قيام تحالف أوكس (AUKUS) الذي تشكل الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا عموده الفقري، والذي وضع نصب عينيه السيطرة على حوض الاطلسي والباسفيكي والهندي كهدف أولي .. حتماً وضعوا خطوط دفاعهم حيال العدو الافتراضي (الصين وروسيا) الذي تتطور قواه باستمرار.

 

الرئيس صدام حسين لم يكن قد تلقى علومه في جامعات راقية. ولم يكن قد درس الاستراتيجية، لكن مثله مثل ستالين والجنرال جياب هزم دولتين عظميين (فرنسا والولايات المتحدة) بدون أن يدخل كلية عسكرية ولا كلية أركان، والقادة العظام الذين لم تسنح لهم ظروفه ليتعلموا في مدارس راقية، ولو فعلوا ذلك لكانوا من المتفوقين والعباقرة في ميدان العلم.

 

وهناك نظرية معروفة تقريبا على نطاق واسع، وقال بها افلاطون، " أن العلماء والفلاسفة لا يصلحون أن يكونوا رؤساء دول ". لأن الرؤساء لا يتعاملون بالسياسة وفق معطيات علمية، بل يعملون في السياسة ونصب عينيهم تحقيق مصالح الدولة وقد ينطوي عملهم أحياناً على خطوات وأعمال يعتبرها العلماء من قبيل المغامرات، والمجازفات .

 

سمعت يوماً وشاهدت بعيني الرئيس صدام يتحدث أمام التلفاز وجمع من المراقبين، بما معناه :  أن الولايات المتحدة ارتكبت خطأ مميتاً وهاجمت العراق، فسيكون هذا العدوان هو بداية نهاية الإمبراطورية الأمريكية وسوف تظل تتدحرج إلى أن تصل القاع. وأني أعتقد أن الرئيس صدام كان سيعجز (لو سئل) عن تقديم الحجة العلمية / الفلسفية على مقولته الخطيرة، التي أطلقها على الأرجح في تنبؤ مدهش، ورؤية عبقرية للتطور وحتمياته التاريخية.  إذن كيف تنبأ الرئيس صدام بهذه النهاية الفضيعة للولايات المتحدة، وما نشهده الآن هو المقدمات الحتمية لمسار تاريخي.

 

النظام الرأسمالي " رأسمالية الدولة الاحتكارية "، تمترست وراء شعارات "الديمقراطية"، " حقوق الإنسان "، " حقوق المرأة" ، و" حقوق المثليين " ، وفي الواقع الموضوعي تمارس الولايات المتحدة ما يخالف معظم هذه الشعارات. فمن أبسط الملاحظات التي يكتشفها أي إنسان دون أن يحتاج لثقافة عميقة، أننا لم نشهد تغيراً النظام الرأسمالي حتى بعد حروب عالمية (الأولى والثانية)، أو ما يقرب منها(كوريا، فيثنام، أفغانستان، العراق)، حروب كارثية زجت بلدانها فيها، تسببت في خسائر بشرية ومادية يصعب حصرها. ورتبت أوضاعها الداخلية بحيث يستحيل أن يحدث تغير جوهري في السلطة. والنظام الرأسمالي العولمي أرتكب خطيئة كبيرة وجرائم خطيرة ضد الإنسانية في العراق وأفغانستان، والجرائم التي أرتكبها الكيان الصهيوني محسوبة على النظام العولمي الداعم المادي والمعنوي للنظام العنصري.

 

النظام الرأسمالي لا يستطيع الاستمرار إلا على وقع هدير المدافع، والتوسع ضرورة واختلاق الأزمات والتصعيد لدرجة الصراعات المسلحة مهنة دوائر الحرب، ليجري تنفيس احتقان الموقف وإيجاد أسواق، حيوية للنظام الرأسمالي هي وفق قاعدة " من لا يكبر ... يصغر " 

 

 

فن الذرائع

في إشعال الحرائق

 

ضرغام الدباغ

 

الولايات المتحدة تلعب دور مشعلة الحرائق ... انتهى العالم من الفاشية والنازية والعسكرتاريا اليابانية في تموز / 1945، ولكن الولايات المتحدة لم تكتفي من ملايين الضحايا المدنيين والعسكريين ممن ذاقوا ويلات الحرب العالمية الثانية ...(نحو 50 مليون ضحية) فبدأت الولايات المتحدة مباشرة بالابتزاز النووي، ولكن بعد أن كسر الاتحاد السوفيت ألاحتكار النووي، اخترعت الولايات المتحدة  مبدأ " الحروب بالوكالة ". ثم اخترعت مبدأ آخر، " العصا والجزرة "، ثم مبدأ اللعب على حافة الهاوية "، وقامت بربط العالم بشبكة معقدة من الأحلاف العسكرية (ناتو، سنتو، سياتو) التي تحمل صراحة شعارات التوسع، رافضة مبدأ التعايش السلمي، إلي يتقبل تعايش أنظمة مختلفة سياسياً في إطار من التعاون الإنساني، وشرعت تمارس سياسات العقوبات، والحصار، والحملات السريعة والتهديد والابتزاز.

 

وحين قبل الاتحاد السوفيتي خيار السلام على هذه السياسات، وأقدم على حل اتحاد الجمهوريات السوفياتية وحلف وارسو، ولكن الولايات المتحدة واصلت تعزيز حلف الناتو، وإظهار نواياها التوسعية، رغم أن روسيا والصين تحولتا للنظام الرأسمالي، ترى ما هو سبب مواصلة أجواء التوتر الدولي ...؟ لماذا تظهر الولايات المتحدة حالة العداء الشديد مع الصين وروسيا لدرجة اللعب على تخوم الحرب الباردة واحتمالات تحولها لحروب ساخنة ..! ترى هل هناك سبب جوهري كبير وحاسم لهذه الدرجة ..؟ هل هو تقاسم نفوذ سياسي واقتصادي جديد ...أم تحقيقاً لنبوءة فوكوياما وهنتغتن في رؤيته لصراع حتمي عرقي/ عقائدي مع الصين والكونفوشيوسية .. وهل تستحق هذه الذرائع حرباً عالمية جديدة وملايين من الضحايا الأبرياء ..؟

 

الولايات المتحدة والغرب عموماً يتذرعون بشعارات من قبيل " حقوق الإنسان " والديمقراطية " وحقوق الأقليات والمجاميع العرقية والدينية"، وتوفير الحياة الكريمة للمرأة وأخيراً الحرية التامة لمثليي الجنس ..! ..وبكل بساطة شديدة هذه نكات سياسية مضحكة جداً ولكنها شديدة المرارة، وتسيل منها الدماء .... وأي تمساح مفترس في نهر الكونغو ومستنقعات الأمازون  له الحق في الحديث عن حقوق الإنسان أكثر من الولايات المتحدة .. إذ توجد إحصائية فلكية عن عدد ضحاياها في جميع قارات وبحار العالم، بل هم لوثوا حتى المياه والسماء وأضروا البيئة، وانتهاك البشرية عندهم مشرع بالقوانين وأكثر من 25% من شعبهم (من السود) يتعرضون للتميز العنصري بوسائل شتى، ويندر أن يمر عام ما لم تقم انتفاضات للسود تقمع بالقوة المسلحة، ولا يوجد مجتمع يمتهن كرامة المرأة بقدر مجتمعاتهم، فالمرأة لها وظيفة أساسية هو التعري بسبب وبدون سبب إثارة الرغبة والشهوة، ومهنة الدعارة لها فروع وشركات وعصابات ووظائف فرعية يعتاش منها الملايين ...وحتى البنات حين يمارسن المسابقات الرياضية في الملاعب يدخلن الملاعب شبه عاريات ... وكأن السباق يدور في التعري لأكبر جزء من أجسادهن .

 

ـ حقوق المرآة: شاركن النسوة في البلاد العربية في الوزارات قبل الولايات المتحدة وقبل الكثير من الدول الأوربية، ففي 1958 كانت في العراق وزيرة، وكذلك في مصر، وسوريا ولبنان والأردن، والكويت، ودولة الأمارات العربية، والمغرب، وموريتانيا، والجزائر وتونس، وفي البرلمانات، وهناك كادر علمي كبير من النسوة في الجامعات، وفي كافة أوجه الحياة الفنية والسياسية والاجتماعية، بما في ذلك نسوة تعاطين الأعمال في التجارة والصناعة، وفي البلاد الإسلامية الأخرى تقلدن حتى منصب رئيس الوزراء كما في أندونوسيا وباكستان وبنغلادش. ربما هناك بعض من الاختراق لحقوق المرآة، ولكن مثل هذه الحوادث تحدث في مجتمعات كافة الدول حتى في بلدان الغرب كأمريكا وكندا وفرنسا وبريطانيا، وهذه الأرقام بعض من ذلك تتحدث عن نفسها.

ــ  في الولايات المتحدة الأمريكية هناك 79% من الرجال يضربون النساء، وهناك 17%   من النساء يدخلن غرف الإسعاف نتيجة لذلك الضرب. ونشرت مجلة التايم الأمريكية أن حوالي 4 آلاف زوجة من حوالي ستة ملايين زوجة تنتهي حياتها نتيجة لهذا الضرب. وأشار مكتب التحقيقات الفدرالية إلى أن 40% من حوادث القتل ضد السيدات يرتكبها الأزواج، وفي إحدى الدراسات في إحدى المستشفيات الكبرى الأمريكية جاء أن 25%من محاولات الانتحار التي تقدم عليها الزوجات يسبقها ماض حافل بضرب أزواجهن. أي أن ذلك الضرب عامل هام من عوامل الأقدام على التخلص من الحياة. وتبعا لتقرير الوكالة الأمريكية المركزية للفحص والتحقيق  F.P.T   فأن هناك زوجه يضربها زوجها كل 18 ثانيه. ومحاولات الانتحار التي تقدم عليها الزوجات يسبقها ماض حافل بضرب أزواجهن.

ــ  وفي فرنسا: نقلت صحيفة (فرانس سوار) في تحقيق لها حول الموضوع أن 92.7 % من عمليات الضرب بين الأزواج في المدن، و 60% من استغاثات الليل من نساء يسيء أزواجهن معاملتهن. ويقول الكاتب الفرنسي الكسندر دوما: إنهن كرقائق اللحم كلما ضربتهن كلما أصبحن أكثر طراوة، ومع ذلك لم يحل أحد الكاتب دوما لمحكمة الجنايات الدولية.

ــ وفي بريطانيا: ظهر أن 10% من المشاركات في أحد الاستفتاءات يضربهن أزواجهن، و 70% منهن يشعرن بالمهانة في حياتهن الزوجية، وفي تقرير بريطاني ذكر أن 77% من الحالات يضرب الزوج زوجته دون أن يكون هناك مبرر لهذا الضرب.

ــ  وفي كندا: مائة وخمسون ألف رجل يضربون نساءهم، ونشرت مجلة (التايم) الأمريكية أن حوالي ( 4000 ) زوجة من حوالي ستة ملايين زوجة تنتهي حياتها نتيجة لهذا الضرب.

 

ـــ  حق تقرير المصير

لمن يمكنه فتح الكومبيوتر، فليكتب على الغوغل (أنتشار الجيش الأمريكي)، أو (أنتشار الجيش الفرنسي)، ومنها سيعلم كم يحترم الغرب الحريات الديمقراطية وتقرير المصير، ويكتشف أن هذه المصطلحات تستخدم فقط لأغراض سياسية، أو ليحاول من يبحث عن الحقائق، أن الحروب الأمريكية في القارات، وسيشاهد بنفسه، أنه قليل هي تلك البلدان التي لم تنال الموت من الجيش الأمريكي.

 

ــ الحريات الديمقراطية /

هل هناك تميز عرقي في الغرب والولايات الامريكية خاصة ................. نعم وبشدة.

هل هناك تميز على أساس الدين في الغرب والولايات المتحدة خاصة ....... نعم وبشدة.

هل هناك تميز على أساس الطائفية المسيحية ................................نعم وهذه تشد في المرحلة الراهنة.

 

ـــ حقوق الإنسان ..

.مصطلح من كلمتين فقط، تستخدمه الولايات المتحدة خاصة والغرب عموماً، حين يضعون دولة ما أو حتى  شعبا ما تحت المطرقة، وينهالون عليه بحسب درجة سخطهم أو رضاهم عن ذلك الشخص أو الحكومة. وقد يتهم شعباً بأكمله أنه لا يحترم حقوق الإنسان.  جوهر حقوق الإنسان عندهم  هي أن يرقص زعيم أي دولة وحكومة على موسيقاهم السياسية، وإذا فعل ذلك فهو عظيم ...!

بالأمس كتبت، أن الغرب حين يتخبط بين الإنكار الساذج، والكذب، والتغافل، وتزوير الحقائق، ورفضه رؤية الحقائق رغم كونها ساطعة، ويعاند كي لا يضطر مرغماُ للقبول بالحقيقة، فهذه بداية التخبط والانحدار في إعلام كان أحترافياً، وسياسيون كانوا رغم وساختهم، إلا أنهم يضيفون على أنفسهم هالة من الاحترام، فالفرق بين ونستون تشرشل وتوني بلير ليس كبيراً، والمسافة ليست بعيدة جوهرياً، ولكن بلير يكذب علناً كالذباب، ويصعر خده، ويكذب أمام مجلس العموم بقلة حياء لا يفعلها أسقط الساقطون، راح زمن يرؤساء الدول وزعماء كشارل ديغول، وجاء زمن يتمرقص فيه ولد ويعرب عن سخطه لأن عن فئة واسعة فقط لأنهم لا يأكلون لحم الخنزير ..! ويصدر أوامره،  إما أن تمارسون دينكم كما أمركم أو أغلق مساجدكم ... ولا يقول له أحد أنك ضد حقوق الإنسان ..يحق لي أن أقلل الأدب أو أفرش مظلة القانون حماية لمن يقلل الأدب، ويحق لي أن أتجاسر وأشتم وأسخر، وأنت لا يحق لك إلا القبول، وهذه من جملة مبادئ حقوق الإنسان..!

 

وزير الدفاع الحالي لويد أوستن أعلن قائلاً أن الحروب التقليدية استنزفت أميركا وقد ولى عهدها بعد أن أفقدت الولايات المتحدة آلاف البشر ومليارات الدولارات. منذ إعلان استقلالها في الرابع من شهر يوليو/تموز 1776، خاضت الولايات المتحدة الأميركية العديد من الحروب في مختلف دول العالم. هذه الحروب أفقدت الولايات المتحدة آلاف البشر ومليارات الدولارات، فكان من الطبيعي أن يعلن وزير الدفاع الحالي لويد أوستن أن "الحروب التقليدية استنزفت أميركا وقد ولى عهدها".

ـــ يرسلون جيوشهم ليقتل الناس في دول أخرى .... في نحو عشر دول يقصف ويقتل ويغتصب... وأنت الإرهابي ولسنا نحن ... بل إذا قاومتني أنت إرهابي .. هم أبطال تاريخ العالم الأسود في القتل والنهب والاغتصاب، ومع ذلك يتهمون غيرهم.  (على مدار تأريخها منذ استقلالها عن بريطانيا (246 عاما) غاب تورط الجيش الأميركي في مغامرات عسكرية بالخارج 17 عاما فقط).

ـــ لدولةٍ كأميركا  تبلغ نسبة نفقاتها العسكرية 45% من الإنفاق العسكري العالمي ولديها 725 قاعدة عسكرية في الخارج، ويتحكّم صانعوا الأسلحة فيها بالدولة العميقة ويحددون السياسة الخارجية المسؤولة عن 20 مليون قتيل منذ سنة 1945. في هذا الصدد يقول مارتن لوثر كينغ : "إن حرب فييتنام هي أحد أعراض المرض الذي يضرب الذهنية الأميركية التي تقوم على دعائم ثلاث هي العنصرية والمادية والعسكرة."

ـــ وإذا أضفنا إلى ذلك أن العجز التجاري مع أوروبا والمكسيك وكندا وروسيا قد تفاقم أيضاً، يمكننا قياس الصعوبات التي تضرب القوة العظمى المتداعية. لكن ذلك ليس كل شيء. إذ أنه بالإضافة إلى العجز التجاري، فقد تعمّق العجز في الميزانية الاتحادية (779 مليار دولار مقابل 666 مليار سنة 2017). لقد ارتفعت النفقات العسكرية بشكلٍ مذهل. حيث أن ميزانية وزارة الدفاع لسنة 2019 هي الأعلى في تاريخ الولايات المتحدة وقد وصلت إلى 686 مليار دولار. بينما أنفقت الصين في السنة ذاتها 175 مليار، رغم أن عدد سكانها يبلغ أربعة أضعاف الولايات المتحدة. وليس من المفاجئ أن تضرب الديون الاتحادية رقماً قياسياً بلغ 22175 مليار دولار. أما الديون الخاصة بالشركات والأفراد فهي تصيب المرء بالدوار إذ بلغت 73000 مليار دولار.

ـــ لا مشكلة لي شخصيا مع الهولوكوست، فهي فضيعة بأحداثها، وأكثر فضاعة بنتائجها، ولكن لاحظ أنهم يعوضون اليهود من مال غيرهم، ثم يحكمون بالسجن 8 سنوات لمن  ينكرها ويذكر خلاف ذلك ... هذه حرية الرأي عندهم ..!

ـــ يشتمون رموزا دينية ويعتدون عليها بالكلمة والرسم والفعل، ويعتدون عليك بأسم حرية الرأي ..!

ـــ العالم بأسره يعبر عن اشمئزازه عن معتقل غوانتنامو ... ولكنهم لا يعتبرونه خرق لحقوق الإنسان.

ـــ أقاموا سجوناً سرية في أوربا (افتضح أمرها)، ولكن من غير المسموح الكتابة عنها ...

ــ ولماذا نذهب بعيداُ .. فالعراقيون والعرب يعرفون تفاصيل يندى لها حتى من كان جبينه من الخشب ...  من أحداث جرت في سجن أبو غريب على أيدي الأمريكان، شكليا قدمت الفاعلة الرئيسية للمحاكم وأدينت شكلياً، إلا أنها نال عفواً وتولت مناصباً أعلى ...

ـــ بموجب معطيات نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" (كانون الثاني / 2022) خلال خمس سنوات، شن الجيش الأمريكي أكثر من خمسين ألف غارة جوية في أفغانستان وسوريا والعراق. وقد اعترف بقتل 1417 مدنياً خطأ في غارات جوية في سوريا والعراق منذ 2014. والعدد الرسمي للقتلى في أفغانستان 188 مدنياً سقطوا منذ 2018. " وتفيد وثائق وزارة الدفاع الأمريكية أن 4 % فقط من الأخطاء في تحديد العدو أدت إلى سقوط مدنيين. لكن التحقيق الميداني الذي أجرته الصحيفة يدل على أن نسبة هذه الحوادث تبلغ 17 % وسقط خلالها ثلث القتلى والجرحى المدنيين.

ــ الشرطة الأمريكية أسوء شرطة في العالم من حيث أطلاق النار الحي بدون إنذار على أي مواطن لا يمتثل لأمر الوقوف. أفاد تقرير لصحيفة الواشنطن بوست أن عناصر الشرطة الأمريكية قتلت 86 شخصا على الأقل، وأن هذه الحوادث وقعت في عامي 2015 و2016.

ــ يندر أن يمر يوم في الغرب، أن يقتل فيه شخص مسلم، أو ملون، أو من عناصر الأقليات، وتهاجم دور عبادة ومراكز ثقافية، وهناك سجل مذهل يوثق جرائم العنف والقتل، ولكن هذا ليس بإرهاب ... تهمة الإرهاب توجه فقط  للمسلم، أما الآخرون ... فهم مختلون عقلياً، أو يعانون من أزمة نفسية أو صدمة عائلية ... يستحقون العناية الصحية والاجتماعية وليس المحاسبة ...!

 

 

أفكار ميكافيلية في الإمارة

 

ضرغام الدباغ

 

يتحدث ميكافيلي هنا عن إيطاليا المجزأة، وكان كثير الاهتمام بوحدة إيطاليا، ومن يحب بلاده يحبها موحدة عزيزة، ويقدم الولاء لها على أي اعتبار آخر، فهو يريد القول أن الأمير عليه أن يتصرف بطريقة تكون مقبولة من شعب الإمارة التي صار الاستيلاء عليها.

 

" الممتلكات التي اكتسبت بهذه الطريقة (أي بالضم) إما أنها قد ألفت حكم أمير آخر فيما سبق أو كانت ولايات حرة يلحقها الأمير بممتلكاته.. إما بقوة أسلحته هو أو بقوة أسلحة غيره أو يسقطها في يده حسن الطالع أو قدرة خاصة ".(13)

وتصريف هذه المقولة تصلح في حال إعادة الاتحاد لقطرين، كالوحدة الفيثنامية، أو الوحدة اليمنية، أو مشاريع الاتحاد والوحدة عليها أن تراعي هذا الجانب.

ولكن إن شئنا أن نبحث المقولة في العلاقات الدولية غير حالات الوحدة والاتحاد، فنذكر أن فكرة الضم والإلحاق هي فكرة استعمارية تكاد تختفي بصيغها التي عرفت بها منذ الثورة الصناعية والفتوحات الاستعمارية وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن القوى الكبرى ما تزال تمارس ذات السياسة ولكن بصيغ حديثة، فحشد كبير من الدول النامية هي دول شكلية فحسب، لها مقعد في الأمم المتحدة ولها علمها ونشيدها الوطني وإذاعة رسمية، لكن الدول الكبرى تتدخل حتى في صغائر الأمور تبعاً لمصالحها السياسي والاقتصادية والاستراتيجية، وفي سائر شؤونها حيثما عن لها ذلك. فالتبعية الاقتصادية ما توال في أقسى أشكالها، وهو ما أفضى إلى تبعية سياسية، والأنكى من كل ذلك، أن القوى العظمى تحاول اليوم (وهي تصادف النجاح والمقاومة)، فرض أنماط من الثقافات وصيغ الحياة والدخل في دقائق الحياة اليومية ومفرداتها، بل هي سمة العصر وأحدى ملامحه الرئيسية.

وقد تخفي الدول العظمى أساليب تدخلها وراء عدة أقنعة: كالديون وال(المساعدات) وبرامج التنمية، وما إلى ذلك من العلاقات المشروطة على الأرجح، والتي تمثل المدخل للتدخل في الشؤون الداخلية، انتهاء بفرض المعاهدات غير المتكافئة التي تلب حاجات الدولة العظمى، ونادراً ما تهتم بهموم وهواجس الدولة الصغيرة، الطالبة للمساعدة.

ــ عن الملكيات المتوارثة يكتب " إن الصعوبة في المحافظة علي الدول الوراثية التي الفت حكم أسرة حاكمة أقل بكثير منها من حكم الملكيات الجديدة لأنه يكفي ألا نتجاوز أوضاع السلف وان نتهيأ للطوارئ المقبلة "

ومن النادر في الأنظمة المتوارثة، أن يستمر نظام الحكم على ذات السمت الذي كانت عليه، بسبب اختلاف القدرة الزعامية لوارثي الزعامة، من جهة وتغير الظروف والمعطيات السياسية والاقتصادية من جهة أخرى، ناهيك عن أن الوارث لا يجد ذات البواعث التي كانت لمن سبقه.

ونجد أن أفكار أبن خلدون في هذا المجال أكثر علمية ونضجاً، فميكافيلي يرى هنا ولكن دون أن يتوصل لذلك كما فعل أبن خلدون، أن الدول تتعرض للشيخوخة، بسبب فقدان العصبية التي دعت لنهوضها، وهو في ذلك ينتقد الأنظمة الملكية، ومن هنا وصفت أفكار ميكافيلي بأنها جمهورية مبكرة.

ويحاول مفكرون رجعيين أمثال: صامؤيل هنتغتن، وفرانسيس فوكوياما، أن يخلقوا عناصر شد جديدة بإشاعة مشاعر التخوف من هذه الجهة أو تلك، والهدف الرئيسي هو الإبقاء على حالة الشد العصبي، والالتفاف، عن طريق اختراع مخاطر موهومة.

وكان وزير الخارجية الأمريكي الكسندر هيغ، قد صرح أن لا بد من إيجاد المبررات لحلف الناتو، وابتكار جبهات ومواجهات. وأحدث تلك الأساليب، هو مشروع الدرع الصاروخي التي تحاول الولايات المتحدة تأسيسه في أوربا، هي تدعي أنه لحماية شرق أوربا من مخاطر وهمية(الصواريخ الإيراني) وعلى الرغم من أن هذا المبرر هزلي، ولا يصدقه أحد، إلا أن إجراءات تتخذ وتداعيات تحدث، وهناك ملامح أزمة تلوح في الأفق، الغاية منها إبقاء الأوربيين تحت شعور أنهم تحت حماية الولايات المتحدة القوية والضامنة للسلم والأمن على حافتي الأطلسي.

ـ كتب مكيافيلي " ولكن حين نستولي علي ممتلكات في منطقة تختلف معنا في اللغة والقوانين والعادات فإن الصعوبات التي لابد من التغلب عليها عظيمة ".

هذا خطاب يصلح لدعاة الإمبريالية والعولمة اليوم، وما لم يقله ميكافيلي لأنها لاحقة لعصره، أن الاستعمار هو مشروع اقتصادي / سياسي، والإمبريالية نموذج أعلى للاستعمار القديم (Colonialism)، أما العولمة فهي أعلى أشكال الإمبريالية، وهي مشروع اقتصادي / سياسي / ثقافي، أكثر تكاملاً من أي مشروع استعماري سابق، لأن التوسع الثقافي وسبله قد بلغت شأواً كبيراً، في ثورة شاملة رفيعة المستوى في جميع وسائل النقل والمواصلات (Communication System) من أبرز ملامحها: استخدام الأقمار الصناعية، وانتشار الحاسوب(الكومبيوتر) والهواتف النقالة، وآلات التصوير الديجتال وغيرها، وسهولة الانتقال بالطائرات، وهي أدوات تستخدمها دوائر العولمة في نشر ثقافة موحدة، عابرة للقارات والأمم، يملي فيها الأقوى إرادته ومعتقداته الثقافية، كما هي وسيلة لشعوب العالم الثالث في تحسين أدائها الثقافي، واستخدام هذه المعطيات لمصلحتها.

ــ " أن من لم تؤخذ أرضه منه لإقامة مستعمرة عليها سيحتفظ بالولاء له أي للأمير والخوف من أن تؤخذ منه أرضه مثلهم ".

ويكاد مكيافيلي يشير إلي أسلوب الدعاية بالترهيب، ولو عاصر ميكافيلي عالمنا اليوم، لأشار إلى أشهر واقعة تهديد وترهيب وابتزاز في التاريخ الحديث والقديم والحديث، ولأدرك أن تهديد القوي المتغطرس ليس على الدوام تأتي بثمارها، ونعني بها الجلسة التي هدد فيها وزير الخارجية الأمريكي بيكر وزير الخارجية العراقي طارق عزيز، بقوله سنعيد بلدكم إلى القرون الحجرية ما لم تقبلوا إنذارنا (Ultimatum). وقد رفض الوزير العراقي الإنذار، إذ لم يكن أكثر من استسلام كامل.

بوسع الدول العظمى اليوم بما تملكه من قوة هائلة، نقل جيوش جرارة خلال ساعات إلى أي بقعة في الكرة الأرضية وزجها في معارك قد تحرز النصر في صفحاتها الأولى، بيد أن هذه القوى سوف لن تكسب النتائج سياسياً، أو لنقل، أنها لن تستطيع التحكم في المسارات اللاحقة سياسياً بالدرجة الأولى، ولكن عسكرياً أيضاً، وسف تحتاج هذه الدولة العظمى، إلى مساعدة وجهود سياسية / عسكرية / أخلاقية لدول أخرى في معركتها.

ـ ويقول مكيافيللي " إن إهانتنا لإنسان لابد أن تكون إهانة تعنينا عن أن نخشي انتقامه "

ويريد ميكافيلي هنا القول أنك عندما تلحق الإهانة كضرر معنوي، أو إلحاق الضرر بطرف ما، عليك أن تتوقع ردود فعله إن عاجلاً أو آجلاً، وربما بطريقة تختلف عن تلك التي أقدمت عليها.

وفي السياسة المعاصرة، ورغم ضعف العوامل الأخلاقية، إلا أن هزيمة الولايات المتحدة في فيثنام خلقت عقدة نفسية لدى صناع القرار السياسي في هذه الدولة العظمى ما تزال تعاني منها، وقد أضافت العمليات الحربية في العراق الدائرة منذ سبعة سنوات المزيد من العقد السياسية، بعد الخسائر الكبيرة في الأفراد والمعدات التي منيت بها القوات المسلحة الأمريكية بخاصة.

ـ (من كان سببًا في قوة غيره هلك )..

 كتب نيقولا مكيافيلي تحت عنوان (لماذا لم تثر مملكة داريوس علي خلفاء الاسكندر عقب وفاته). يقول:  " الممالك التي عرفها التاريخ قد حكمت بطريقتين.. إما حكمها أمير وأتباعه يساعدونه في حكم المملكة كوزراء بفضله وإجازة منه.. أو حكمها أمير ونبلاء يتبوءون مراكزهم بدون مساعدة من الأمير.. ولكن لقدمهم.. ولمثل هؤلاء النبلاء ولايات ومواطنون لهم خاصة يعترفون بهم سادة عليهم بطبيعة الحال.. وللأمير في تلك الولايات التي يحكمها أمير وأتباعه سلطان أكبر من سلطان الأمير الثاني.. لأنه لا يوجد فوقه سواه ".

وفي السياسة المعاصرة نفهم ذلك أن القوى العظمى تدير أزمات، أو ملفات معينة، أو ربما مناطق كاملة بواسطة وكلاء تعمل على إمدادهم بمصادر القوة، أو تسمح لهم أن يكونوا مراكز قوى ليخدموا سياستها في نهاية المطاف، ولكن الولايات المتحدة كقوة عظمى تستخدم هذا المبدأ، تحرص أن تخلق قوى لتكون في مصلحتها وتحت قيادتها، وليس خلق قوة من أجل المطالبة بشراكة. وهناك فرق قانوني / سياسي كبير بين مصطلحي: تحت إشراف أو تحت كنف (Supervision) ومصطلح شراكة (Partner).

ـ يطرح مكيافيلي ثلاثة أساليب لإخضاع المستعمرات الجديدة التي لا نتفق معها في لغة أو جنس.. وهي التخريب، نقل السلطة إليها، تتويج حكومة عملية. وتمارس القوى العظمى هذه السياسة منذ عصر الاستعمار، وبكثافة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وشيوع أساليب الاستعمار الجديد. وتنصيب حكومات عميلة خيار محبب للمستعمرين القدامى والجدد، وكذلك في عصر العولمة.

وتنصيب حكومات متعاونين من أبناء البلاد وسيلة التجأ إليها كل المحتلون عبر العصور في محاول لإيجاد عناصر / شريحة تقبل بوجود المحتلين مقابل الحصول على مغانم فردية / فئوية لا ترتقي إلى مصلحة الوطن، وسرعان ما سيلحق التناقض التحالف الهش بين المتعاونين والمحتلين، المتعاونين على تعدد أطرافهم، والمحتلين على صعيد تقبل مسرح العلاقات الدولية لعملية نهب معاصرة تجري تحت أنظار العالم.

ــ (في الإمارة الجديدة التي استولي عليها بقوات غيرنا وخطه) يقول مكيافيلي: " إن أولئك الذين يرقون من أفراد عاديين ليصبحوا أمراء لمجرد الحظ، لا يعانون عناء كبيرًا في الصعود.. لكنهم يقاسون كثيرا في توطيد ولايتهم.. هم لا يقابلون في الطريق إلي الإمارة أية عقبات لأنهم يطيرون فوقها) ويضيف (وهؤلاء يعتمدون اعتمادا مطلقاً علي حظ أولئك الذين يرفعونهم وإرادتهم الخيرة) ويعلل (وهم غير قادرين علي المحافظة علي أنفسهم لأنهم لا يملكون قوات صديقة وموالية لهم ".

والترجمة العصرية لهذه الأفكار هي أن وضع أشخاص في موضع المسؤولية دون تدريب وتأهيل لمهماتهم، قد يتعود بالنتائج الوبيلة على البلاد والحكم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن القوى الكبرى المخلصة لاستراتيجيتها وليس لاعتبارات أخلاقية، تتعامل بواقعية: أنت لم تعمل لنا مجاناً، والآن قد حان وقت غيرك. والواقع والأحداث تشير أن الولايات المتحدة وبريطانيا قد استغنتا مرات عديدة عن كثيرين ممن تعاملوا معهم، لأن الحاجة استدعت التعامل مع وجوه جديدة. 

ــ يعتبر ميكافيلي أن " الدول التي ترمي شباكها وقواعدها سريعاً لجميع الأشياء الأخرى ذات البدايات والنمو السريع لا تستطيع أن تتجذر بعمق. هي تتشعب في أماكن رحبة حتى أن أول عاصفة تهب تدمرها ".

والغرب الاستعماري لم يستفيد من هذه المقولة الميكافيلية، لجهة كسب تعاطف الشعوب، بل كان جل سعيها، نهب أقصى قدر من القدرات الاقتصادية، وفي هذا السبيل فإن العناصر المحلية التي تعاونت مع الغاز المحتل، اتهموا من شعوبهم بالخيانة العظمى، ولم يعد مهماً في هذه الحالة البرنامج الذي يتقدمون به للشعب.

أما القصص التي يسردها مكيافيلي أن أميراً لكي يستجلب محبة الناس ولي عليهم قائدا فظا ولما جأروا من بطشه قاوم بالقبض عليه وقسمه بالسيف نصفين وعلقه في الميدان. فهذه تدخل في نطاق الحيل والأحابيل السياسية التي يتبعها المحتلون أو حتى الحكام المحليين، لإظهار مزايا السطوة والمبادئ الضائعة التي يريد المحتل أن يشرعها. كما يروي ميكافيلي الكثير من الأحداث التي تشير أن الأمراء كانوا يحيكون الدسائس والمؤامرات من أجل الاحتفاظ بالسلطة أو توسيع النفوذ، ويذكر أحداثاً كثيرة أم المؤسسة الدينية (الكنيسة ـ البابا) غالباً ما كانت تشارك في المؤامرات، لقاء صفقات ومكاسب.

ــ ويطرح مكيافيلي عدة نقاط يطلب مراعاتها من الأمير(النظام) الذي يصل للحكم بالحظ أو بأسلحة غيره:

1. تأمين نفسه ضد الأعداء.

المقولة كمبدأ عام صائبة، ولكن أن لميكافيلي أن يعيش عصرنا هذا ويشاهد أعلى أشكال البراغماتية (Pragmatsim) تطبق في عالم السياسة، بل وحتى العقائديين الدوغماتيون (Dogmatism) صاروا برغماتيين يسلكون أكثر الوسائل انفضاحاً من أجل مصالح لا تداني المصداقية (Credibility) العقائدية ولو حتى بالقليل. عالم اليوم يقبل ويدعو لإقامة التحالفات، والائتلافات بهدف حلحلة الموقف ودفع العملية السياسية. 

2. استعمال القوة أو الخديعة.

يؤمن ميكافيلي باستخدام القوة عند الحاجة لها، وحينما يمتلكها دون هوادة ولا شفقة، وعندما يتفوق طرف ما فعليه أن يستخدم معطيات التفوق بلا تراجع أو تردد لدرجة سحق الخصم بحيث قطع أمكانية أن يعود ذو حجم مؤثر. أما مبدأ الإيهام(Camouflage)، والاستتار خلف أي ستارة تؤمن تأجيل المواجهة الحاسمة، أو دفعها إلى الوراء سعياً وراء أهداف سياسية قد تكون مؤثرة بمجموعها. ميكافيلي يعتقد أن واجب السياسي أن يحافظ على الدولة ومصالحها فحسب.

3. أن يكون محبوبا ومهيبا للشعب.

ميكافيلي لا يقبل بالطغاة، وقوله هذا وإن كان الحاكم أو النظام يتسم بالقوة، ولا أمل يلوح لخصومه وأعدائه، إلا أن عليه أن يجعل وجوده مقبولاً، بل وخياراً محبباً. ولكن أي نوع من المحبة، إنها المحبة الممزوجة بالاحترام والتقدير، وهو ما يسعى الحاكم أو النظام أن يشيعه بين صفوف الشعب لا أن يفرضه قسراً.

4. التخلص من كل مكامن الخطر.

الحاكم إن تمتع ببصر وبصيرة ثاقبة، وبقدرة ضرورية للتنبؤ، عليه أن يدرك بعمق أي المخاطر ينطوي عليها إقدامه على هذه الفعلة أو تلك. وأن يتنبأ أي المخاطر هي أمامه وبأية درجة. والتخلص من الخطر في عرف ميكافيلي فهو قد يعني ربما التآمر، أو أتباع ما من شأنه تلبية الغرض، ولكن في علم السياسة المعاصر، فإن النظام / الحكومة ينبغي لها أن تنصت لرأي الخبراء، والخبراء هم علماء السياسة والقانون الذين ينيرون طريق الإجراءات بالأفكار السديدة، واستجلاء لعواقب القرارات ونتائجها المحتملة.

5 ـ يقوم بتجديد كل ما هو قديم.

هذه مقولة رائعة، وثورية حقاً، ربما قالها ميكافيلي دون معرفة وافية للديالكتيك(Dialectic)، ربما كان قد أطلع على مقولات هيروقليطس، بيد أن الديالكتيك لم ينضج إلا على يد هيغل وماركس وهما لاحقان لمرحلة ميكافيلي بعدة قرون. التجديد ببساطة يعني استمرار الحياة، بل قل قابلية استمرارها، وأنها السبيل الوحيد لفهم التطور وحركة التاريخ، من يتخلف عن فهمها، يصبح للأسف كالشجرة اليابسة لا أمل بالثمار منها، وستكون عائقاً أمام من يريد مواصلة المسيرة.

6 ـ يجمع بين القسوة والشفقة.

القسوة دليل الحزم، وإشارة للقاصي والداني أن من يخطأ يعرض نفسه للمساءلة، وستكون قاسية إن كان الخطأ جسيم، ولكن عليه أيضاً أظهار العطف حين توفر ظروفه، ففيه يؤكد الحاكم (النظام) أن المواطن هو أبن الدولة، وفسحة العطف موجودة، إن توفرت ظروفها، ومنها تنزع الدولة (الحاكم) صفة السطوة والطغيان.

7 ـ نبيل الخصال.

هذه قالها كل علماء العلوم السياسية، فمن يتصدى لقيادة الناس، لن يكون مقنعاً ما لم يتمتع بخصال متميزة. وبعض من هذه الخصال هي مكتسبة، والأخرى هي لصيقة به كأن يكون كريم المحتد.

وقد يختلف علماء السياسة حول من هو النبيل أو كريم المحتد ..؟

في عصر ميكافيلي، لا بد أنه لا يمكن له أن يتصور أميراً دون أن يكون سليل عائلة إقطاعية، واسعة الثراء كبيرة العدد، تمتلك الأراضي الشاسعة، وهي صفات تؤهل العائلة على إقامة تحالف عائلات مع عائلات أخرى، وتتمكن بذلك أن تشكل القوة السياسية والاقتصادية والسياسية الأكبر. أما في عصرنا الحالي، فالقائد السياسي ينبغي له أن يمتلك كاريزما قيادية، وليس سوى ثقافة ممتازة تجعله محدثاً يستحق الانصات له، وتجربة مهمة في العمل السياسي، وله إطلالة طيبة على الجمهور.

فما لذي يجعل الفرنسيين ينتخبون رئيساَ مثل ساركوزي، وهو المهاجر أبن المهاجر، تمتد جذوره لديانة غير المسيحية، سوى كفاءته في وزارة الداخلية التي أقنعت حزبه أولاً ومن ثم الجمهور أن بوسعه قيادة البلاد.

8 ـ رحب التفكير.

هي نصيحة طيبة من ميكافيلي في ذلك العصر الذي كانت الدولة تفتقر فيه للمؤسسات الدستورية القوية، وبالتالي كان الشعب يرجو، وليس أكثر من الرجاء أن يتسع صدر الأمير لرأي غيره.

في عالم السياسة المعاصرة، فإن حرية التفكير والاستماع خاصة لرأي المعارض هو من بديهيات الأمور، ولكن أي حاكم وأي حكومة وأية معارضة، فذلك هو الشأن الجوهري في الواقع.

فالحاكم كسلطة تنفيذية، ومجلس النواب كسلطة تشريعية إنما سلطات تعمل بنصوص القانون، وهي مقيدة بشكل حازم بالدستور، وهناك محكمة دستورية تنظر في كل حالة يشتبه بأنها خالفت الدستور أو روح الدستور ..!

9 ـ يبقي علي علاقة بين الملوك والأمراء تفرحهم إذا نفعوه ويخافونه إذا أضروه.

ـ ثم يقرر مكيافيلي بأن: المنفعة الحديثة لا يمكن أن تمحو أثر الإساءة القديمة من نفوس العظماء. ولعلنا في هذا الباب قصدنا الإطالة لمأثورات مكيافيللي نظراً لما تراءي لنا من أهمية تلك الملحوظات في عصرنا الحالي.. وما يمكن أن نلاحظه يوميا في حياتنا علي أي مستوي من مستويات السلطة.

في السياسة المعاصرة نعلم أن الدول كالأشخاص. فمنها ما هو محترم الجانب، لأن الدولة وبصرف النظر عن حجمها(للحجم والسكان دور لا ريب في ذلك)، إلا أن الدول تستطيع أن تثبت للدول الجارة محلياً وقارياً، أنها ذات منفعة، وأنها تتحرك في أي اتجاه يكون مفيد للعلاقات الثنائية والدولية.

10ـ ويؤكد أن الشدة الصالحة (لو أمكن استبدال الشر خيرا) لا يجب أن تستعمل سوي مرة واحدة لتأمين مصير الأمير.. كما لا يجب استخدام الشدة في تلك الحالات التي سوف تتلاشي مع الزمن تلقائيا.

لعل ميكافيلي يريد أن ينصح أن لا يسرف الأمير(الحاكم / الدولة) في استخدام القوة، وإظهار الجبروت. وفي ذلك يلعب الاقتصاد في القوة دوراً في تقرير أين ينبغي أظهار القوة والتشدد، وأين تكون إبداء المرونة واجبة. والإسراف في القوة قد يؤدي أن يكون ذاك الطرف مرهوب الجانب، بيد أن القوى المناوئة له سوف تتحالف ضده متى ما بدا أنه خطر محدق على الجميع.

11 ـ ويشير إلي: أن الفاتح الذي يستولي علي ولاية جديدة عليه أن يهيئ الأمر لكي يقترف ضروب قسوته مرة واحدة حتى لا يضطر إلي أن يمارسها كل يوم ويعلل ذلك بأنه (سيضطر دائما أن يقف والخنجر في يده ولا يستطيع أن يركن إلي رعاياه بتاتا لأنهم لا يستطيعون أن يطمئنوا إليه بسبب أذاه الذي يتجدد لأن الإساءة يجب أن تكون جميعها دفعة واحدة حتى أنه كلما قل حدوثها قل ضررها).

في السياسة المعاصرة لا توجد ولايات تفتح بالمعنى القديم،  بيد الأمريكان على سبيل المثال كغزاة في القرون المعاصرة، لا ينفكون عن استخدام القوة المفرطة ولسنين طويلة، بل هم يتبعون حزمة أساليب عديدة في آن واحد، وكلها تنطوي على الشدة أكثر مما تعتمد على الحوار السياسي مع خصومهم، وهذه دلالة أن الدولة العظمى التي تتمتع بقدرات اقتصادية وسياسية كبيرة، لكنها تعتمد على القوة بالدرجة الأولى، رغم أن دراسات استراتيجية أمريكية تنصح بعدم وضع القوة المسلحة في المقام الأول، بل السياسة المدعومة بالمال، ويستشهد استراتيجي أمريكي معاصر بالقول: أن المال لم يخلق من أجل قيماً أفلاطونية ..! (14)

12 ـ في الإمارات المدنية تحت هذا العنوان كتب: (وبلوغ هذه الولاية لا يتوقف بتاتاً علي الجدارة أو الحظ ولكنه يعتمد بالأحري علي المكر يعينه الحظ لأن الأمير يبلغها برغبة الشعب أو بإرادة الطبقة الأرستقراطية)

يريد ميكافيلي بالصياغات السياسية المعاصرة، والمكر عنده العمل السياسي / الدبلوماسي الذكي،  يريد القول: أن ترسيخ السلطة لا يعتمد فقط على المعطيات القانونية، التي يفترض أن الكفاءة والجدارة عمادها، بل أن على الحكومة اللجوء إلى أساليب أخرى، هو يطلق عليها المكر، بيد أنها الذكاء والحصافة التي تتمتع بها الحكومة، والحاكم، من خلال سياسة داخلية وخارجية منسجمة، وبجهاز إعلامي متطور يفسر عمل الحكومة بطريقة ذكية للشعب.

13 ـ وإذا كان نيقولا مكيافيلى ينصح الأمير العاقل بأن (يبحث عن وسائل يكون رعاياه بها في حاجة إلى حكومته دائما وفى كل ظرف ممكن وحينئذ سكونون أوفياء له على الدوام).

الحكومة ينبغي لها على الدوام أن تكون حججها وأسانيدها في العمل الشرعي، وأن تكون حائزة على ثقة المواطنيين، وليس فقط قلوبهم واحترامهم، المهم هنا الولاء للدولة قبل الولاء للحكومة القائمة هذه أو تلك.

14 ـ كيف يجب قياس قوة كافة الإمارات ؟ تحت هذا العنوان كتب مكيافيلى (أعتبر الذين في حاجة إلى غيرهم دائما هم أولئك الذين لا يقدرون أن ينزلوا أعدائهم في الميدان ولكنهم يضطرون إلى الانسحاب داخل مدنهم ويدافعون ) و ( ليس ثمة قول سوى أن تستنهض هذا الأمير لتحصن مدينته تحصينا منيعا ويهاجم بإحجام شديد وذلك لأن الناس يعافون دائما المشروعات التي تنبئهم بمصاعبها ولا يمكن أبدا أن تبدو مهاجمة أمير له مدينة منيعة ولا يناوئه شعبه أمرا هيناً )

في السياسة المعاصرة ليست هناك قلاع وحصون، إنما هناك فهم عميق ودقيق لقضايا الأمن القومي، ولتلك معطياتها وركائزها على الصعيد الداخلي والخارجي. فعلى الصعيد الداخلي يعد الأمن الغذائي والاقتصادي عامة، والوحدة الشعبية، والسلم الاجتماعي من أهم مرتكزاتها، فيما على الصعيد الخارجي، علاقات الدولة الخارجية، محلياً وقارياً ، والدور الذي تلعبه في الحياة الدولية سياسياً واقتصادياً، وثقافياً.

خاتمة

برأينا :

* المفكر أبن عصره.

* المفكر يستخدم مفردات من القاموس السياسي لعصره.

* لا يمكن مقارنة أعمال أي مفكر إلا بمن سبقوه من المفكرين أو المعاصرين له.

* ينبغي أن يتذكر من يتصدى للتقييم أو النقد، الظروف التاريخية لذلك العصر.

* لا يجوز اقتباس مقطع صغير من أعمال المفكرين، فقد يختفي المعنى في النص بأكمله.

 

هذه بتقديرنا عناصر مهمة، ينبغي للكاتب، الناقد أن يتذكرها عند تصديه لمهمات تحليل أو تقييم عمل أحد المفكرين. وقد تعرض ميكافيلي لحملة تشويه واسعة، بل ووضعت كلمات لم يقلها في فمه، من تلك مثلاً مقولة انتشرت كالنار في الهشيم، لم يقلها ميكافيلي مطلقاً، وقد أطلعت على عمل لباحثة ألمانية مختصة بأعمال ميكافيلي، تذكر أن هذه المقولة موضوعة، ربما هي استنتاج توصل إليه أحدهم لأفكار ميكافيلي، إلا أنه لا يوجد نص في أعماله، والمقولة هي: الغاية تبرر الواسطة.

من له مصلحة في تدمير سمعة ميكافيلي العلمية والشخصية ..؟

الكنيسة كانت قد ناصبته وناصبها العداء، هذه حقيقة مؤكدة.

الكنيسة رمت ميكافيلي بأنه من أشياع الوثنية. المؤسسة الدينة اعتادت أن ترمي من يعاديها أو يسعى لإبعادها عن أنشطة السياسة والحكم بالزندقة، بالهرطقة، بالفسق، بالكفر ..الخ .

ولكن ميكافيلي كان متديناً، بمعنى أن كان مؤمناً وموحداً، ولكن الكنيسة تريد الاستسلام الكامل الشامل وليس أقل من ذلك، وهو ما لم يكن ميكافيلي ليقبله، لأن الزمن كان قد تجاوز مثل هذه الفكرة، بل وميكافيلي وآخرون غيره كانوا قد توصلوا إلى حقيقة أن الكنيسة عائق أمام التقدم، عائق ضد الوحدة الإيطالية، الكنيسة كان لها المصلحة أن تبقى إيطاليا مقسمة إلى دويلات، على أن تتحد، لأن في التجزئة ضمان لتفوقها على السلطة الزمنية(الدولة)، وأن الوحدة ستقود إلى قوة الدولة والحكومة والقوانين الوضعية وهو سيعرض نفوذها للتقلص التدريجي وربما لاختفاء.

هل تقبل المؤسسة الدينية أن تحصر عملها بين جدران الكنيسة ..؟

هل الأمر يتعلق بإطاعة أوامر إلهية بالقيادة والحكم ..؟

في غالب الأحيان لم يكن تلك الفقرة الوحيدة في رسالة الكنيسة (Argumentation)، الكنيسة كانت ثرية، بل المالك الأعظم للأراضي ووسائل الثروة. وقد تمتع رجال المؤسسة الدينية دائماَ بالوجاهة الاجتماعية إضافة إلى المقدرة الاقتصادية.

لذلك فإن المؤسسة الدينية لا تحبذ أن تكون الدولة قوية. لأن قوة الدولة يعني الدستور، ويعني بالتالي سائر القوانين الوضعية، الذي تضمن الفعاليات الاجتماعية، القانون ينبغي له أن يلبي حاجات الأنشطة الاجتماعية، والأنشطة الاجتماعية تتضمن فعاليات لا ترضى عنها الكنيسة أو تقف منها موقفاً سلبياً.

 

الحياة تطرح منطقاً، يؤدي لاشتداد نفوذ الدولة بالنظر للتطورات الاجتماعية والاقتصادية التي دارت في نهاية القرن الخامس عشر يصفه جورج سباين بأن كان لها عواقب اجتماعية وسياسية بعيدة الغور، وكلها تؤدي إلى تقوية نفوذ السلطة الزمنية (الملوك والأمراء) قادت في نهاية المطاف إلى نهاية النفوذ القانوني للكنيسة. (15)

كانت الكنيسة قد أفلست إفلاسا تاماً، لم تنقذها الحركات الإصلاحية (اللوثرية)، ولا محاولات التوفيق بينها وبين الفلسفة (السكولاستية) التي يمتد جذور نفوذها إلى 300 عام قبل الميلاد، إي قبل حلول المسيحية وانتشارها في أوربا بما لا يقل عن 700 عام.

كانت رياح التغيير قد هبت لا محالة، الاكتشافات الفكية كانت أكثر من أن يطمسها حرق العلماء، أو إعدامهم، الفنون اجتذبت عقول الناس وأفئدتهم معاً، الشعراء والفنانون عامة قد أقنعوا الناس، أن الحياة جميلة، ويمكن أن تصبح أكثر جمالاً. التغيرات كانت تدب فوجدت هذه آثارها في فكر مفكر ألمعي مثل ميكافيلي، الذي أستشف بوضوح لم يجاريه أحد، أن المستقبل هو الدولة، وبالدولة فقط يمكن إحراز مكتسبات تعزز من كيان الشعب، تجمع إرادة الناس، ولا تفرق بينهم، لذلك لا بد من إنهاء دور الكنيسة، مقابل تقوية سلطة الدولة متمثلة بالملوك والأمراء، ومن خلال منح الفرص للعمل السياسي. (16)

ـ وكان عداء ميكافيلي للكنيسة ناجم عن اعتقاده أن لا تقدم مع هيمنة الكنيسة الثقافية / الاجتماعية، كتب يسخر من الكنيسة بقوله: " نحن الإيطاليين مدينون لكنيسة روما (الفاتيكان) ولقساوستها بأننا أصبحنا (بفضل فسادها وتخلفها) غير متدينين واشرارأً، ولكنا ندين لها بدين أكبر وسوف يكون سبب خرابنا، ألا وهو أن الكنيسة أبقت ولا تزال تبقي على انقسام بلدنا، ومن المؤكد أنه لا يمكن لبلد أن يصبح أبداً موحداً وسعيداً إلا إذا أطاع تماماً حكومة واحدة، سواء كانت ملكية أم جمهورية ". (17)

ـ ويصف سباين أعمال ميكافيلي بقوله: إن كتاباته وأعماله في الدبلوماسية، مزاياها ونقائصها المميزة لها، فيها أذكى بصر بنقاط الضعف والقوة في موقف سياسي، ألأوضح وأرزن حكم على موارد خصم ومزاجه، وأكثر تقدير موضوعي للقيود التي تحد من سياسة ما، واسلم إدراك في التنبؤ بمنطق الأحداث ونتيجة المجرى الذي يسير فيه بالفعل، وهي صفات جعلت منه محبباً لدى الدبلوماسيين من عصره وإلى الآن.(18)

ــ أمتلك ميكافيلي بصيرة ثاقبة، وإخلاصا لا حدود له للعلم، ولمستقبل بلاده، فعمل بكل قواه على إعلاء شأنها، وفي ذلك ناهض القوى الكبرى في مجتمعه: الكنيسة والأمراء الفاسدين(الميديتشيين الذين عادوا للسلطة بحراب المحتلين الأسبان) وبإخلاصه بدت مواقفه وأفكاره غريبة مشايعي الكنيسة، والمتملقين للأمراء بدفع من مصالحهم الشخصية. وأفكاره المتحررة بدت جريئة في " مجتمع كانت بقايا الفكر الإقطاعي، ولا سيما فرديته ونفاقه، تطغي علي عقول الجانب الأكبر من أصحاب الكلمة والفكر فيه. فقد كان ضعاف النفوس من أقرانه يحسدونه ويحاولون النيل منه عن طريق خلق المشاكل له وإشاعة الرذائل عنه والطعن في إخلاصه، فلم يجد من الأصدقاء المخلصين، لا سيما بعد نفيه، سوي الذين كانوا علي مستوي تفكيره أو من كانوا في أخلاقهم ارفع من أن يسمحوا لأنفسهم بالتحلل والانحطاط، ويأتي علي رأسهم المؤرخ المعروف كويجارديني والدبلوماسي الفلورنسي فرانسيسكو فيتوري. وبحق قال عنه أحد المؤرخين: كان وحيدا لكنه كان ارفع من الآخرين. (19)

ـ وميكافيلي شأنه شأن معظم عباقرة التاريخ، يموتون منفيين جياع، يدفنهم الغرباء. ولكن التاريخ يحترمهم، ولئن قاسى ميكافيلي في عصره، فذلك لأنه كان سابق بفكره، وقد شاء له طالعه أن لا يستطيع الحديث عن توافه الأمور التي تسعد وتبهج بعض الحكام، عن فن صناعة الحرير، ولا عن فن نسج الصوف ولا عن الربح أو الخسارة، فقد كان لا يجيد الحديث إلا عن أمر واحد بل عن موضوع واحد هو قضايا الدولة.

لذلك بتقديرنا:

الدولة:

هي الخلاصة الحقيقية وزبدة أفكار ميكافيلي هي، الدولة، والدولة فقط، ومن أجل أن تكون كلمة الدولة هي العليا، ناصبته الكنيسة (المنافس التقليدي للدولة) العداء، فشهرت به واستخدمت كافة وسائل الإسقاط بحقه شخصياً ولم تنج حتى عائلته من التشهير.

وقد توصل ميكافيلي لقناعاته تلك عبر قراءات لأفكار فقهية / قانونية (شيشرون ـ سينكا ـ سولون)، كذلك من خلال التجربة التي عايشها شخصياً وكان وفياً لها ودونها في أعماله: الكنيسة خطر على الوحدة الوطنية، لا تقدم مع هيمنة الكنيسة، فالدولة بنظر ميكافيلي كيان يمكن السيطرة عليه عبر القوانين، ويمكن توجيه اللوم لها واتهامها بالتقصير ومحاسبتها، ولكن من الذي يجرأ على اتهام الكنيسة والمؤسسة الدينية ..؟

حتى القس مارتن لوثر الذي قاد انتفاضة ضد الانصياع الأعمى، وضد صكوك الغفران، وضد معصومية البابا، وقف إلى جانب الأمراء في قمعهم لثورة فلاحية، وانتهى الأمر به ليكون مسالماً للقياصرة والملوك، ليقول مقولته الشهيرة: لا يجوز لمسيحي أن يثور ضد القيصر.

ومن أجل إعلاء شأن وكلمة الدولة، قبل ميكافيلي أن يخوض المعارك دون هوادة، وكان قبلها قد قبل أن يفعل السياسي كل شيئ من أجل الحفاظ على أهم مكتسب يمتلكه أي مجتمع:

 

الدولة ـ النظام ـ القانون

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

 

 13. سيد أمين: أمريكا الميكافيلية / دراسة تطبيقية(المقولات مقتبسة من المقال)

14. بالدوين، هانسون: استراتيجية للغد، ص295

15. سباين، جورج: نفس المصدر، ج3، ص467

16. سباين، جورج: نفس المصدر، ج3، ص471

17. سباين، جورج: نفس المصدر، ج3، ص473

18. مظهر، د. كمال: ميكافيلي والميكافيلية، كراس

19. مظهر، د. كمال: نفس المصدر

 

درس أوكرانيا البليغ

 

ضرغام الدباغ

 

 

 أين الحكمة في هذه :

أن تذهب إلى الدب الجريح الجائع، فتستفزه وتهينه، وتشعره بالخطر، وتستحثه أن يهاجمك، وحين لا يجد الدب أمامه حين يبلغ الهياج أشده، إلا أن يهجم ويجرح، ويثأر لنفسه ولكرامته، فتقم أنت ويتعالى منك الصراخ، وتطلب النجدة من ضبع ....؟ قل لي أين الحكمة في هذه ..؟

أنا لا أقبل بالضرب والجرح والزثير والخوار، ولكن بنفس الوقت تجاهل التهديد بدرجاته القصوى سذاجة .. وإذا كانت روسيا التي تمتلك 6500 رأس نووي وعدد لا يحصى من الصواريخ البالستية العابرة للقارات، ذات الدقة البالغة في إصابة الأهداف، دولة كهذه لا تشعر بالأمان، ألا نتفهم (لا أبرر) قلقها ..؟

لماذا رفض طلبها حين أرادت الانظمام للناتو فرفض طلبها في عهد الرئيس كلنتون، وفي لقاء قمة مالطا (1989) نهاية الحرب الباردة، كانت قد قبلت بحل منظومة الدول الاشتراكية وحلف وارسو، ولم تشترط بالمقابل حل حلف الناتو، بل طلبت عدم اقتراب الناتو من حدود دولة روسيا، فوافقوا شفهياً، وفاتهم أن يطلبوا ذلك تحريرياً (وتلك غلطة)، وإن كانت أميركا لا عهود لها لا شفهية ولا مكتوبة. فأقترب الناتو من روسيا حتى بلغوا تخومها ... لماذا ...؟

 

 

 

 

(لاحظ الجدول)

 

ـــ يقول الجنرال الباكستاني وهو يتجرع خيبة علاقاته مع أميركا: " المتعامل مع أميركا كبائع الفحم، عليه أن يتقبل أن يغمره السخام الأسود "

ـــ ويقول الرئيس المصري السابق. " من يتغطى بأميركا عريان ...! "، لاحظ عمق الألم في التجربة ..!

 

أميركا أرادت من أوكرانيا المليئة بالمتناقضات والمتعارضات أن تجعل منها بؤرة مشاكل، تتعب روسيا من خلالها، وأن تجعل منها مقراً وممراً لألعابها .. وأن تضع فيها قواعدها الخطرة، وأن تصبح من خلالها على مرمى حجر من موسكو، وأجزم أنها كانت تعلم أن موسكو سوف لن تقبل بهذا التطور الذي يحمل المخاطر الجمة (على أصعدة عديدة) على الأمن القومي الروسي .. والقبول بهذا الخطر سيجعل من الخطوة المقبلة حرباً نووية شاملة لا تبقي ولا تذر ..! احتمالاً معقولاً، فلماذا يتعين على روسيا قبول هذا الخطر الساحق الماحق ....؟

 

الأمريكان كانوا واثقين أن الروس سوف لن يقبلوا أن يصبحوا على مرمى الحجر ..وأنهم سوف يردون، ولكن كيف سيردون ..؟ وعلى طبيعة الرد سيتكشف مدى قوة الموقف الروسي، وقدراتهم العسكرية، ويأملون بمقاومة اوكرانية (ولكن ..لا تنتظروا مساعدتنا المباشرة)، تلحق أكبر قدر من الخسائر المادية (عتاد وأرواح) وسياسية بشد موقف بلدان الناتو الأوربية، وتكريس زعامة أميركا المهزوزة بشدة، بعبارة أخرى ..جعلوا من أوكرانيا فأر تجارب ..وساحة اختبارات وميدان رمي ..وسيدفع طراطير الأوكرانيون ولمن يعشق الروك أندرول وبنطلونات الجنس والاباحية منهم سيدفعون ثمناً باهضاً ..! في محاولاتهم البائسة تقليد الأمريكيين.

مالذي سينجم عن الحرب ...

ـــ ستمثل مفارقة تاريخية، ومفصلاً مهماً وافتتاحية عصر انهيار لنظام العولمة، وربما ملحقات أخرى.

ــ أن المارد الأمريكي قد تحجم (رغم كون يمتلك أضخم ميزانية دفاع في العالم)، وعليه أن يعود لقمقمه ..وأن الصفحات المقبلة تشير أنه سيخسر ساحة شرقي آسيا، والهيمنة المطلقة على حوض المحيط الباسفيكي.

ــ روسيا موجودة في أوربا كياناً وقوة سياسية واقتصادية وعسكرية. لابد من حساب حسابها بدقة.

ـــ مستقبل التفاعلات السياسية والاقتصادية في القارة لا تنبأ بخير عميم ..بعد أن اهترأت مصطلحات : حقوق الإنسان، والديمقراطية، والأقليات، فهذه مصطلحات تستخدم في بورصة السياسة الأمريكية / الغربية، كما يجري الأمر في سوق الأوراق المالية (البورصة).

ــ هذه التداعيات وغيرها ستنهي الأحادية القطبية، إلى نظام تعدد الأقطاب.

ــ  وهذه المعطيات ستقود إلى تقاسم جديد للعالم.

 

 

 

 

المخطط أعلاه يشير إلى الفارق الكبير جداً بين ميزانية الحرب الامريكية والروسية، نحو 12 ضعفاً،  وأربعة أضعاف الميزانية الصينية ...... وهذا يؤكد مكانة القوة بين الخيارات الامريكية ...

 

1. ميزانية الدفاع الامريكية : 731,8 مليار دولار

 

2. الصين : 261,1 مليار دولار

3. الهند : 71.1 مليار دولار

4. روسيا : 65,1  مليار دولار

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

أقل الدول

1. تركيا : 20,4 مليار دولار.

2. هولندة : 12.1 مليار دولار.

3. إيران : 12,6 مليار دولار .

4. إسرائيل : 20,4

5. بولونيا : 11,9  مليار دولار

 

27 / شباط / 2022

العالم يتغير ...

ماذا نحن فاعلون ...!

 

ضرغام الدباغ

 

 

كنت أواخر عام 1986، قد شرعت بكتابة مقال، بموضوع ماذا نفعل ..  ويوم القي القبض علي بتاريخ 5 / كانون الثاني / 1987 في مدينة السليمانية لم يكن المقال قد أكتمل بعد، بل كنت قد أنجزت صفحتان أو ثلاثة بحجم (A4)،  وجرى التحقيق معي، وأصر المحقق أني أقصد العراق ونظامه السياسي، ولم ينفع دفاعي أن المقال (الغير كامل) لم يكن يحتوي  على أي أسم، سواء شخص، أو دولة، ولا حتى أي أسم علم، ولكن المحقق لم يقتنع، فأحالني (مع مواد أخرى) وحكم علي بموجب قانون المطبوعات بالسجن لمدة 8 سنوات، أدغمت مع الحكم الصادر علي بالإعدام.

اليوم وبعد 35 سنة، أعيد كتابة المقال بعنوان آخر، ولكن بمحتوى آخر، هو أني أريد أن أطلق التحذير، أن عقبات وعراقيل كبيرة أمامنا، فليحذر ربابنة السفينة ... أن الواقع الموضوعي صعب، بل هو صعب للغاية، ولا يحق لنا أن نقرع الربابنة كثراً، بل أن نرشدهم وندعمهم، ونشد من أزرهم.  والموضوع الذي سأكتبه يستحق هذا العنوان  ...المهم ان هذا النداء يحذر المشاركين .. انتبهوا قبل فوات الوقت والفرصة ..... انتبهوا رجاء ......!

 

التنبؤ بمآل تطور الأحداث السياسية هو من أهم مهام علماء السياسة، ومحترفو العمل السياسي من رجال الدولة ومن الدبلوماسيين ومن صلب مهامهم الرئيسية، يتقدمون بآرائهم للقيادات السياسية، لذلك يشترط من أجل التوصل لمستوى رفيع في قراءة الأحداث ونتائجها، الاطلاع الكثيف على الأخبار ومتابعتها على مدار الساعة، وهناك قدر مهم من المعلومات الدقيقة والتحليلات، لا ينشر في الصحافة أو في الإعلام، بالعكس، فألاخبار في وسائل الإعلام كثير ما تكون مصاغة ومنتجة في مختبرات يراد منها تضليل الرأي العام، أو حرف انتباههم إلى غير ما تدور في الساحة الرئيسية من أحداث، ولم تكتب على أيدي خبراء ومختصون. وحتى ميدان البحث صار يحفل بمن يتعامل مع الأمور على نحو تجاري.

 

يعتمد الدبلوماسيون بدرجة كبيرة على المعلومات والتقارير الاستخبارية، وبعض المعاهد المحترفة للدراسات والبحوث، وهذه عددها ليس كبير، في حين يلاحظ للأسف كثرة أعداد مراكز الدراسات والبحوث تلك التي تعمل كما أسلفنا لأغراض تجارية، وبحسب اطلاعنا على الكثير منها، لاحظنا أن معلوماتها وتحليلها لا يتعدى مستوى الصحافة الورقية المطبوعة، أو الالكترونية، أو الأخبار السياسية التحريضية التي تفتقر للمصداقية، فقراءة مثل هذه التقارير قد تضر أكثر مما تفيد، لأنها تكون أراء سطحية تقود إلى تعامل هش مع الأحداث وتكوين أراء لا ترتقي إلى درجة تعامل يأمل منها التوصل لقرارات ناضجة بمستوى الأزمات.

 

" تقاسم جديد للعالم " نظرية معروفة في السياسة الدولية، وهي عملية تجري بأشكل عديدة، أكثرها وضوحاً، أن يجلس الرابحون والخاسرون على طاولة واحدة، (أو يستبعد ؤالخاسرون) ويبدأ القضم والالتهام، يرغم فيها الخاسر على التوقيع على التنازل عن  أراض كانت تحت إدارته خسرها حرباً، أو مناطق ما زالت تحت هيمنته، فيسلمها طائعاً مختاراً في المفاوضات، كما حدث ذلك في مؤتمر فرساي / باريس (حزيران 1919)، بعيد الحرب العالمية الأولى.  وفي مؤتمرات الحلفاء (يالطا وبوتسدام / 1945) في أعقاب الحرب العالمية الثانية. أما نتائج الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي الاشتراكي،  فدارت في لقاء على ظهر بارجة روسية راسية في مياه جزيرة مالطا بين الرئيس الأمريكي بوش(كانون الأول / 1989)، والرئيس السوفيتي غورباتشوف، ولم يعلن ما دار بدقة ولا النتائج الكاملة(صدر بيان صحفي غير تفصيلي). ولكن مؤشرات الاتفاق ظهرت على أرض الواقع، بتفكيك لحلف وارسو، والمعسكر الاشتراكي، بل وحتى الاتحاد السوفيتي. ونتائج أخرى نشاهد تطبيقاتها تباعاً في أرجاء شتى وبأشكال متفاوتة.

 

ولا غراوة أن تدور الأحداث بسرعة شديدة (فنحن في عصر الصواريخ الأسرع من الصوت)، وهي الآن على وشك أن تفرز واقعاً دولياً جديداً (بدأت مفرزاته الابتدائية تظهر على أرض الواقع) بناء على تعاظم مكانة الصين السياسية والاقتصادية والعسكرية، كقطب دولي، ويتمثل هذا الواقع الجديد بتشكيل معسكرات جديدة تتقاسم النفوذ في العالم، وسيبدو من الصعب بمكان، أن تتمكن دولة ما، بما في ذلك الدول الكبرى (ذات المساحات الكبيرة وأعداد السكان المرتفعة والاقتصادات الضخمة) من النجاة من تأثيرات وتداعيات التقسيم الدولي الجديد، والأمريكان (الديمقراطيون منهم) يصرحون اليوم بالضبط كما صرح بوش الابن الجمهوري من قبله " من ليس معنا فهو ضدنا ". فحجم القوى الاقتصادية هائل بدرجة لا تتيح مجالاً للقوى الصغيرة إلا أن تلعب دور التوابع، أما حجم القوى الاقتصادية فمخيف ومرعب، ستقود إلى درجة تمركز عالية. ولا أمل مطلقاً لدول وكيانات صغيرة، وإذا كان أقتصاد عملاق كالاقتصاد الأمريكي يرى ضرورة حاسمة بالالتحام باقتصادات حليفة، فكيف ستجد الاقتصادات الأصغر طريقها بدون التشارك أو التعاون الوثيق مع مجموعات اقتصادية...؟

 

العالم سوف لم يعود إلى لقطة الموقف ما قبل أزمة أوكرانيا ... إذن نحن سنشهد تقسيم جديد وشيك بين القوى الصاعدة، والقوى النازلة أو تلك التي على وشك النزول. أو تقليص لمكانة دول عظمى، أو لمناطق نفوذها، أو هيمنتها، بمعنى نظام يشبه أنظمة الانتداب في عشرينات القرن الماضي، نظام ربما سيكون أنيقا في مظهره، ولكنه قاسيا في جوهره. ولكن على أية أسس أو حقائق سينهض هذا النظام ..؟

 

أولاً :

تراجع مكانة الولايات المتحدة حقيقة : يمثل تراجع مكانة الولايات المتحدة حقيقة لا جدال فيها، والتراجع يعني أن هناك ضعفاً بقدر معين أصاب الولايات المتحدة، ويتفاقم هذا الضعف بصورة متواصلة،. والتراجع العام هو يسبب  عوامل عديدة منها: الاشتباك الواسع النطاق على الصعيد العالمي للولايات المتحدة مع حكومات ودول وقضايا، قادتها لحروب تدخل (Intervention wars) وصراعات سياسية، حملتها على تخصيص ميزانيات خيالية للقوات المسلحة استنزفت اقتصادها، وتسببت بديون هائلة تعجز الولايات المتحدة من معالجة أوضاعها المتراجعة. هذا بالإضافة إلى شدة تمركز رأس المال الأمريكي، واشتداد ظواهر الفقر وانعكاسها في مشكلات اجتماعية، بالإضافة إلى تصاعد النزعة العنصرية وبروز قوى يمنية فاشية. وأسباب موضوعية خارجية تمثلت ببروز مراكز صناعية وقوى كبيرة تتمتع بثقل بشري ومساحة واسعة، تمتلك مؤهلات الدول العظمى، أضعفت من المكانة العظمى والتفرد بتقرير الشؤون العالمية. 

 

ثانياً :

تعاظم مكانة أقطاب عالمية : ويقابل التراجع الأمريكي نمو وتعاظم في القدرات الاقتصادية والعسكرية لأطراف أخرى (الصين / روسيا). أتبعت من أسلوب العمل الرأسمالي في تكوين ثروات وطنية  بغض النظر (تقريباً) عن التوجه الاجتماعي. وقد قررت الدول الاشتراكية منافسة الدول الرأسمالية وسد الفجوة بينها وبين العالم الرأسمالي، وأتباع أساليب جديدة في تشجيع الاستثمارات الأجنبية. فنمت قدراتها وأصبح تمثل قدرات عملاقة غزت بقدراتها واستثماراتها الولايات المتحدة نفسها في عقر دارها، كما كونت لها محيطاً اقتصاديا في شرقي آسيا من دول حليفة كفيثنام وكوريا، ولها امتدادات أخرى في الدول مجاورة، وشكلت منظمة شنغهاي للتعاون. ونفوذها في شرقي آسيا لم يعد موضع تساؤل، بل هي موجودة بقوة في أفريقيا، وأوربا والأمريكيتين. قوة اقتصادية في المقام الأول تعزز مكانتها السياسية . وأضافت أمتلاكها للتكنولوجيا العسكرية وقدرات حربية كبيرة، متانة إلى موقفها الذي بدأ يتسم بالندية، أحال تربع الولايات المتحدة على قمة النظام الدولي الذي يتسم بالقطبية الواحدة إلى وهم  من الأوهام، والعالم يواجه اليوم وضع الملامح للنظام الدولي الجديد,

 

ثالثاً :

وهن في أداء بلدان أوربا الغربية والناتو : فبالرغم ما تبذل من جهود، إلا أن تفككا واضحا يسود المعسكر الغربي، لذلك هناك نزعة أوربية قوية للحفاظ على سيادة أوربا وابتعادها عن قداحات الصراعات المسلحة وأجواء التوتر. بيد أن هذه المسألة ليست بسيطة، ذلك أن الأوربيين متفرقين كتلاً ومجاميع تعوزهم الثقة والأهداف المشتركة. فهناك دولاً تعمل في الإطار الأمريكي (بريطانيا، النرويج، بولونيا، ليتوانيا، لاتفيا)، ودولاً حيادية (سويسرا، السويد، فنلندة)  وأخرى تحاول أن لا تزج بنفسها بعمق في الصراعات، والاتحاد الأوربي يمثل جوهرياً إرادة ألمانية / فرنسية في الأساس، ودرجة تمحور الدول حول هذا الإطار هو متفاوت. والتحالف بين ضفتي الأطلسي باتت الشكوك تحوم حوله، بدأت الولايات المتحدة ترميم خطوطها الدفاعية، فأنشأت تحالف أوكوس (Aukus) يضم : الولايات المتحدة / بريطانيا / استراليا.  فبريطانيا التي غادرت الاتحاد الأوربي وعززت تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة بتقوية قدراتها البحرية، سيوكل  لها دور سياسي / عسكري بحماية وضبط الأمن بالمشاركة مع الولايات المتحدة في منطقة ساحة عمليات حوض الأطلسي،. كما ستتولى أستراليا التي بدورها عززت قدراتها البحرية بصفقة أسلحة بحرية كبيرة مع الولايات المتحدة السيطرة على حوض الباسفيكي. وأستراليا هي جوهرة البحر الباسفيكي وقاعدة الرئيسية. أما الجزر الصغيرة التي لعبد دورا استراتيجيا في الحرب العالمية الثانية (غوام، الفلبين) فقد تراجعت أهميتها الاستراتيجية بفعل تقدم هائل في تكنولوجيا الأسلحة بأستخدام الطاقة النووية في حاملات الطائرات والغواصات..

 

رابعاً :

معسكر القوى الحليفة للصين وروسيا : مع أن التحالف الصيني / الروسي يزداد رسوخاً على شتى الأصعدة، إلا أن ما زال من المبكر الحديث عن تأسيس معسكر أو تحالف بين الدول التي تربطها بروسيا والصين بروابط وثيقة، " كوريا الديمقراطية، وفيثنام، وكوبا، وربما فنزويلا ". وتسعى الصين وروسيا جاهدة لتعزيز موقفا في مناطقها (شمال وجنوب شرق  آسيا) وتكوين جبهة من القوى الحليفة ربما من بين خططها استعادة جزيرة تايوان، والسيطرة على بحر الصين الجنوبي، وامتداد نفوذها إلى تايلند والفلبين وكمبوديا ولاوس، كمرحلة أولى.

ومن المحتمل أن تنسيقاً استراتيجياً بدرجة عالية يجري بين الصين وروسيا، تتولى فيه روسيا إدارة الشؤون الأوربية، وفيما تتولك الصين الشؤون الآسيوية واستراليا. معتمدين على النفس البعيد والمطاولة، وعدم استعجال النتائج، والتركيز على التقدم الاقتصادي / التكنيكي، وأتباع أساليب براغماتية في العمل، واستبعاد التوجه الآيديولوجي في التعامل مع الدول، واستبعاد تام للدوغماتية، التي كان لها تأثيرها في الحقبة السوفيتية والصين الماوية.

 

خامساً :

تراجع في مكانة الدول الاستعمارية القديمة : في خضم هذا السجال الاستراتيجي الكبير، هناك تراجع مهم لمكانة القوى الاستعمارية القديمة (بريطانيا ــ فرنسا)، وسوف تتحول لقوى تابعة، بريطانيا حسمت أمرها ووضعت نفسها تحت سيطرة القصر الأبيض، وستخوض معها المغامرات والمجازفات. أما فرنسا فأول الغيث قطر، ها هي تنسحب بخفي حنين من مالي ...والبقية ستأتي ...وإذا تمكنت فرنسا مع ألمانيا وإيطاليا وأسبانيا وبعض الدول الأوربية حماية أوربا ( بالكاد ....! ) فسيكون هذا واجبها في المرحلة المقبلة، الأنظمة الأوربية التي فشلت في مواجهة تحديات العصر، سيكون هناك نمط جديد تتشكل ملامحه في العقود المقبلة .. نعم أوربا حققت تقدماً صناعياً ولكن على حساب تهرأ مجتمعاتها .. وحقوق الإنسان ما هي إلا فرية كبيرة تستخدم ضد أنظمة أخرى. والديمقراطية جرى بمرور الوقت تشذيبها ووضعها في إطار محدد، يضمن تفوقا طبقيا، معيناً، ويضمن سلامة النظام الرأسمالي، وتمكنت عبر مسيرتها الطويلة لمدة تتجاوز القرنين، من استنباط وسائل وأشكال عززت فيها أنظمتها ومنحتها طابع الاستقرار. ومنحت لنفسها حق تصدير أنظمتها بالقوة لدرجة التدخل المسلح. 

 

سادساً :

احتمال صعود معسكر عربي / إسلامي : ليست هناك قوة مرشحة للتصاعد سوى معسكر الدول العربية / الإسلامية. ويتألف من بلدان يفوق عددها الخمسين، وسكانها المليارين نسمة، العرب منهم نحو 500 مليون نسمة، يمثلون ثقلاً سكانيا كبيراً، بالإضافة إلى الثقل الاقتصادي والمنطقة الاستراتيجية الحساسة، الزاخرة بالمعادن والثروات الطبيعية والمواد الخام.

بيد من المعلوم أن هناك ضغطاً شديداً يحول دون قيام تفاهمات تفضي لهذا الهدف للحيلولة من بروز معسكر له خصائصه السياسية والثقافية والاجتماعية له طابع التمدد والانتشار السريع.  لكن الأمة تضم بين ملايينها حكماء وعباقرة، يستطيعون أن يرسموا لها الطريق بين الألغام ... ويحولوا دون تدخل القوى الأجنبية الفض في شؤونها الداخلية، ودون إرادتها في التقدم.  إن اتخاذ الطريق الصعب الشاق، قد يكون هو طريق الخلاص. ومن ذلك مثلاً لا بأس من قيام كتلتين إسلاميتين واحدة بزعامة تركيا، والأخرى محور مصر والسعودية، بشرط أن يسود التفاهم والتنسيق بين الكتلتين.

الصمود بوجه التغيرات العالمية مهمة صعبة للغاية، فليس بمقدور دولاً صغيرة أن تواجه تيارات مسرح السياسة الدولية بتحدياتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، فلا بد من تجمعات قوية تمثل كتل سكانية كبيرة، وقدرات اقتصادية عملاقة وقدرات عسكرية، أو أن تتحول لتوابع. والتوابع لا صوت لهم، ولا قرار سيادي حاسم.

 

التحديات جسيمة، والمرحلة المقبلة صعبة، بل صعبة للغاية، وإذا كانت دولة عظمى عملاقة مثل روسيا تمتلك أكثر من 1200 رأس نووي، تحافظ بالكاد على أمنها القومي، وتسعى جاهدة للتحالف مع دولاً أخرى، أفلا يدعو هذا القيادات العربية والإسلامية للتفكير وإعادة حساباتها ..!

 

والمقال ماثل للطبع والنشر، تتفاقم الأزمة الاوكرانية. العالم لن يعود إلى مال قبل اندلاع الأزمة ...! والمستجدات تنبئنا بها ... هي الآن تسير على الأرض .. فقط دقق البصر والبصيرة .....!

 

22 / 02 / 2022

 

الأزمة الأوكرانية :

 الموقف على وجوهه

(4)

 

ضرغام الدباغ

 

لا نحتاج إلى عقل كبير لندرك، أن الولايات المتحدة لا تشتري أوكرانيا ورئيسها وشعبها بسنت واحد  (الدولار الواحد يساوي 100 سنت)، وأعتقد جازماً أن الأوربيون خير من يعرف ذلك ويفهمه، والروس كذلك، إذن هي كلعبة شطرنج تدور بين لاعبين مهرة، يحاول كل منهم أن يزج خصمه في زاوية ستمثل نقطة ضعف كبيرة تأكل من قدراته، وتعمق من أزماته. كيف ...وما هي قواعد اللعبة ..؟ القاعدة الأساسية هي أن لا تترك جزء من معطياتك مكشوفة صالحة للطعن بالشرعية، عرضة لتوجيه الأتهام  ..

 

سنشرح ونضع مؤشرات لتصور ابعاد الموضوع .....

 

 

1-      1- الأمريكان، قدموا إشارات عديدة للروس أننا سوف لن نتحرك عسكرياً، بل سنسخط ..!  إن هاجمتم أوكرانيا، وسيكون لنا رد فعلما ..ويفضل الأمريكان أن يكون الهجوم الروسي كبيراً، لتكون ورطة الروس بقدرها أو أكبر.

2-      2- لذلك يرسل الأمريكان، ودفعت حلفاءها أن يفعلوا مثلها بأن يرسلوا، أسلحة لتقوية الدفاع الأوكرانية بوجه الجيش الروسي وإعاقة تقدمه، وإلحاق أكبر قد ممكن من الخسائر، وجعل أوكرانيا مستنقع تغرق فيه القوات السوفيتية،  وتكبيد الروس أكب قدر من الخسائر السياسية والاقتصادية والبشرية، وإظهارهم بمظهر المتوحشين الهمج.

3-      3- إذا ما احتلت روسيا أوكرانيا، فستظهر روسيا بمظهر المعتدية، وقرارات إدانة دولية سوف لن تكون مهمة بوجود الفيتو الروسي والصيني، ولكن ستشغل أميركا ماكنها السياسية والإعلامية العملاقة لإدانة روسيا إنسانيا وأخلاقياً وتستثمر حجم الخسائر البشرية في الدعاية.

4-      4- الروس يدركون بدقة تامة الخطط الأمريكية وتفاصيل الوقف وحواشيه ..!، لذلك سيعملون على الحفاظ في موقف الدفاع عن مصالحهم المشروعة (الأمن للجميع لكم ولنا ..) الحفاظ على المصالح مع أقصى قدر من ضبط النفس.

5-      5- الأوربيون بدورهم يعرفون هذا السيناريو جيداً، وكل همهم الحالي، أن لا تسوقوهم الظروف والأحداث والتصعيد المحتمل (وإن كان ضعيفا) لمواجهة عسكرية مع الروس، لذلك مبادراتهم تفتقد إلى القدرة على التسويق، وغير مقبول ولا يقبضها الروس ولا الأميركان.

6-      6- الأمريكان يعتقدون أن الروس إذا اجتاحوا أوكرانيا فهذا ممتاز، وسيمثل مستقنع يصعب الخروج منه بسلام، وإذا تراجعوا عن موقفهم  وهذا ممتاز أيضاً إذ سيمثل للعالم انصياعاً للضغوط الأمريكية، خياران مهينان كلاهما جميل ومرحب به من الأمريكان، ومكسب لها في السجال الاستراتيجي. المصالح الأوكرانية آخر فقرة في سلسلة الأهمية.

7-      7- الروس بدورهم لا يعوزهم الدهاء، فهم يدركون بالضبط قدراتهم وقدرات خصمهم، وسيحفرون في أعماق فكرهم السياسي بحثاً عن مسرب سيحير خصومهم، يربحون من خلاله، ويخسر المعسكر الأمريكي ماء وجهه، دون أن يستطيع فعل عمل حاسم.

8-      8- الشعب الأوكراني، بنسبة غير بسيطة معبأ خلف الدعاية الأمريكية، ولكنهم سيلاحظون أن طموحهم بلأنظمام للناتو هو نقطة القتل لهم، وستتحول بلادهم إلى ساحة صراعات سياسية وعسكرية لأمد غير معروف، والأزمات الاقتصادية التي يمر بها الشعب الأوكراني لم يفكر بها الأمريكان والغرب، فجل اهتمامهم يتركز على إحراج الروس وحصارهم وهم من سيدفع هذا الثمن الباهض جداً مقابل لا شيئ .

9-      9- بالطبع الروس  لديهم خبرة في مواجهة الخبائث الأمريكية منذ ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى/ 1917، وكقوة عالمية عاصروا كافة المناورات السياسية كمشاركين أو كمراقبين، لذلك سوف لن يطول الأمر حتى يتفتق العقل الروسي عن خطة، ستقلب الطاولة على الأمريكان.

الاحتمالات الواردة هي :

          آ . تطوير شكل وجوهر الكيانين الروسيين في الأقاليم الروسية ضمن أوكرانيا .

   ب. تحويل مسار الصراع، بين روس أوكرانيين، وأوكرانيين النظام.

   ج. إحداث اضطرابات داخلية في أوكرانيا تعيق الحياة السياسية للنظام الموالي لأمريكا.

10. بتقديري أن الوضع السياسي والعلاقات الدولية ستتأثر بدرجة كبيرة في أعقاب هذه المواجهة،   وأن الولايات المتحدة سوف لن تخرج أقوى مما كانت عليه قبل أزمة أوكرانيا، وهذه لن توقف تدهور أوضاعها الداخلية والخارجية.

11. العالم يريد السلام، والتعايش السلمي، والحروب صارت مكلفة لضحاياها وحتى لمن يشعلها، والمكاسب منها مزعومة ... ثمة مجازفة في طريقة إدارة الولايات المتحدة للأزمة أوكرانيا، فالعالم يرفض سياسة الولايات المتحدة ونبذ سياسة المناورات على حافة الهاوية ...

 

ختاماً، أوكرانيا بيئة صالحة لبذر بذور التوتر، وخلق نافذة تهب منها ما يوجع رأس الروس الذين يدركون بالطبع ما تريده أمريكا ولهم خططهم المضادة، الأمريكان لا يربحون معاركهم على المدى الطويل ..

 

 

أوكرانيا ... الأبعاد

 الحقيقية والقنابل الدخانية

 

ضرغام الدباغ

 

تشهد القضية الأوكرانية، جعل منها الغرب قضية بل ربما بؤرة توتر جديدة تضاف لبؤر التوتر ...!  من أجل أن يشعلوا ناراً يضعوا من خلالها موضع قدم لهم ويتدخلون ليحرقوا البلاد، ثم يتدخلون بعدها يعرضون خطط ومشاريع .. ويفرضون أنفسهم لإصلاحها، ليضعوا في النهاية ذلك البلد تحت هيمنتهم .. هذا هو السيناريو الأمريكي الأجمل التي تحبذه أميركا ومعها زبانيتها .. من الأوربيين وغيرهم (كندا واستراليا) وهم للأمانة ليسوا بدرجة واحدة من الحماسة، بل بدرجات متفاوتة للعب دوراً على هذه المسرحية.

  ومن أجل فهم دقيق للمسألة الأوكرانية، نذكر ببعض المعطيات المادية المجردة :

 ـــ لم يعرف للأوكرانيين تاريخ لكيان سياسي  لدولة مستقلة، وإن شئنا أن نبدأ منذ القرن التاسع، يبدأ تاريخ أوكرانيا الحديث مع السلاف الشرقيين  ومنذ القرن التاسع، أصبحت أوكرانيا مركز القرون الوسطي للسلاف الشرقيين. امتلكت هذه الدولة، المعروفة (بأسم روس كييف)، القوة والأرض، لكنها تفككت في القرن الثاني عشر بعد حرب الشمال العظمى،  حيث تقسمت بين عدد من القوى الإقليمية، ومنذ القرن التاسع عشر فصاعداً، خضع الجزء الأكبر من أوكرانيا للإمبراطورية الروسية،  وجزء آخر مما تبقى كان تحت سيطرة الإمبراطورية النمساوية الهنغارية.

 ـــ وبعد فترة من الفوضى والحروب المتواصلة ومحاولات عدة للاستقلال (1917-1921) بعد الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية الروسية، برزت أوكرانيا في 30 كانون الأول 1922 بقيادة الحزب الشيوعي الاوكراني كأحد الكيانات المؤسسة للاتحاد السوفيتي. وكان عدد مهم من قادة الاتحاد السوفيتي ينحدرون من أصول وكرانية، بعدا تم توسيع جمهورية أوكرانيا السوفيتية الاشتراكية غرباً، وبعد الحرب العالمية الثانية، وجنوباً في عام 1954 ضمت شبه جزيرة القرم  الروسية إلى أراضي جمهورية وكرانية الاشتراكية السوفيتية، في عام 1945، أصبحت جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفيتية من الأعضاء المشاركين في تأسيس ، بدعم من الاتحاد السوفيتي القوة العظمى، والمساهم الأساسي حين تأسست الأمم المتحدة.

ـــ لعبت قوى كثيرة على وتر أوكرانيا، منها ألمانيا النازية الهتلرية، حين استغلوا جنرالاً سوفيتياً (أوكرانيا)  أسر في الحرب، وجمعوا له قوات من المنشقين ليقودهم ضد الاتحاد السوفيتي في محاول فاشلة لزعزعة الموقف السوفيتي.

ـــ منحت روسيا مساحات كبيرة من أراضيها الوطنية لجمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفيتية، منها أقليم القرم وربما أراض أخرى.

ـــ يتألف سكان أوكرانيا (42 مليون نسمة) من مجاميع عرقية متعددة، منهم الروس، والبيلوروسيين، ورومانيين،، يمثلون نحو 22,5% من مجموع السكان. 

ـــ في المفاوضات إلي قادت لتفكك الاتحاد السوفيتي، (مالطا ــ 3 ــ 4 / ديسمبر / 1989) وعدت الولايات المتحدة (شفوياً) أن لا تعمل على التوسع إلى البلدان التي كانت من جمهوريات الاتحاد السوفيتي، ولا تعمل على دخولها لحلف الناتو. ولكن الولايات المتحدة، لا تؤكد هذا الأمر.

ـــ  ينتمي الأوكرانيون من العرق السلافي، وتاريخهم وثقافتهم متداخلة بدرجة وثيقة مع الشعب الروسي، والشعبان يتبعان الكنيسة الارثودوكسية،

ـــ اللغة الأوكرانية، هي لغة من فرع اللغات السلافية الشرقية   وهي اللغة الرسمية في أوكرانيا . وتكتب هذه اللغة بالأبجدية الاوكرانية، وهي أبجدية مشتقة من الأبجدية السيريلية.  ويبلغ عدد متحدثي اللغة الأوكرانية يبلغ زهاء 51 مليون شخص تقريباً، يقطن 90% منهم في أوكرانيا، و و10% الآخرون في الشتات الأوكراني، الذي ينتشر على طول عدّة بلدان في كافة أنحاء العالم مثل الأرجنتين وبيلوروسيا، البرازيل، كندا، لاتفيا، بولندا، رومانيا، روسيا، والولايات المتحدة.

ــ يقدر عدد المسلمين في اوكرانيا بمليوني شخص، يضافون إلى الخارطة الثقافية في أوكرانيا.

ـــ استعادت موسكو الأراضي الروسية التي منحت لأوكرانيا بعد قيام الاتحاد السوفيتي،(مناطق القرم) وهي أرضي حساسة مطلة على البحر الأسود. وأجرت فيها استفتاء وتصويت طالب فيها السكان الالتحاق بروسيا.

ـــ  هناك أقاليم يمثل فيها الروس الغالبية العظمى، وهي أقاليم مهمة شرقي البلد وملاصقة للأراضي الروسية، تطالب موسكو لهم بوضع خاص. (أنظر الخريطة شرقي الخط البرتقالي، أراض ذات أغلبية روسية).

ـــ لا تقبل روسيا بانظمام أوكرانيا أو بلدان أخرى ملاصقة لحدودها إلى حلف الناتو.نظر الخريطة(

 

 

 

 

 

 

ماذا تريد الولايات المتحدة

سئل مرة صحفي من مجلة فوكوس (Focus) الألمانية وزير خارجية الولايات المتحدة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وحل حلف وارسو، الكسندر هيغ،(وهو جنرال تولى وزارة الخارجية ولم يكن ناجحاً في مهامه)، سئل عن سبب بقاء حلف الناتو بعد حل الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو. وباعتبار أن الوزير هو عسكري في الأساس، لذلك كانت إجابته تخلو من الكياسة، فقال بما معناه، أن الحلف هو أداة للهيمنة الأمريكية، وأن الولايات المتحدة ترى أهمية وجوده كأداة للتدخل.

 

إذن هذا هو جوهر الأمر وبسببه يحرق أعضاء الناتو سنويا مئات المليارات من الدولارات، بالطبع هناك أسباب ولكنها ليست للنشر والإعلان ..! ولكن لندع الأسباب الهامشية والثانوية، والتي بعضها لا يكاد يصدق، ولكن في الإجمال هي تهدف إلى مواصلة وضع الحلفاء الأوربيين تحت الهيمنة، ومواصلة إشهار العداء لروسيا، مع أن هذا غير مفهوم وشعار غير مرحب به وغير مفهوم في أوربا، وينطوي على عودة غير مستحبة لعصر التكتلات، ودور التيار الديني ليس مستبعداً في خضم التناقضات الحقيقية والمصطنعة، ولكننا نعتقد أن المسألة برمتها، ترمي لهيمنة الولايات المتحدة في العالم، والخندق الأقرب لها، هو أوربا الغربية ... وما يجاورها، وهناك دائماً أسباب ويمكن اختلاق أخرى، ومن جملة الأسباب،

احتمال تحالف روسيا مع الصين.

هيمنة روسية على أوربا من خلال إمدادات الطاقة.

التصدي لخطط روسيا التمدد خارج إطارها السياسي والجغرافي.

عدم السماح بالنمو الاقتصادي الروسي ليصبح اقتصاداً عالمياً.

 

في تحليل هذه المعطيات، هناك تياران، أو احتمالان، الأول محاولة احتضان روسيا وإعطاء جرعة دفء للعلاقات، كيلا يمنح لروسيا المبررات بالارتماء في تحالف مع الصين.

 

تخشى الولايات المتحدة خشية عميقة أن تهيمن روسيا على أوربا الغربية، لأن الأوربيون دفعوا غاليا ثمن الحروب الساخنة والباردة معظم القرن التاسع عشر والعشرين، والأرض الأوربية ما تزال مليئة بقنابل الحرب العالمية الثانية، وملايين الأسر تمزقت، شر ممزق وتبعثرت في أصقاع العالم، وما تزال تعاني من الفجوات في التراكيب السكانية، وأجواء التوتر في العلاقات تلحق بها أضرار على المدى القريب والبعيد. وبأستثناء بريطانيا التي علاقتها وتحالفها الاستراتيجي ليس موضع نقاش، وبدرجة ما بولونيا، ودولاً أخرى متفاوتة في التحامها بالسياسة الأمريكية.

 

هذه المعطيات وغيرها تشير إلى رغبة أوربا عن الصراعات الحادة أو المسلحة، فالولايات المتحدة لم تسقط عليها حتى رصاصة طيلة الحروب الماضية، ولكن أوربا ما زالت تعاني لليوم من آثارها، والروس بدورهم لن يكونوا من الساعين للحروب أو محبذين لها، ولكنهم يدركون أن وصول الأمريكان تحت مظلة الناتو إلى أوكرانيا يجعل موسكو أمام أسلحتهم التقليدية ... وهذا ما يسمح لهم بابتزاز له طابع القوة والواقعية.

 

بإلقاء نظرة على الشكل البياني، تلاحظ الموقف السكاني في ألمانيا يشير نحو ربع السكان  24,93 مليون هم خارج سن العمل، و 15,3 مليون هم تحت سن العمل، أي 39,96 مليون من السكان هم خارج سن العمل، وهذا يمثل نصف الشعب الألماني البالغ 82 مليون نسمة.

 

إذا كانت هذه المؤشرات(وهي ابتدائية) هو حال واحدة من أقوى البلدان الأوربية(ألمانيا)، فكيف الحال في سائر بلدان أوربا الغربية التي تعاني من مشاكل عديدة اقتصادية واجتماعية وكادت أن تواجه الإفلاس  أعوام 2017 / 2018، (اليونان، أيرلندة، أسبانيا، إيطاليا... الخ) لن تكون أجواء التوتر إلا سبباً في مضاعفة متاعبها لا تقليصها. وفوق هذا أن واشنطن ولندن مقتنعتان أن روسيا سوف لن تشن حرباً، بل ستخطف منها حلفاءها .

 

بالطبع الولايات المتحدة لا تفعل كل ذلك من أجل قيم نبيلة ومن أجل الشعب الأوكراني محض ..! بالطبع لديها مصالحها وأهدافها، وهذه الحرب لو اندلعت، فسيدفع تكاليفها الشعبان الأوكراني والروسي أولاً، الولايات المتحدة ستلعب على الأرجح دون الممون بالسلاح، وربما بالمال، والإسناد السياسي، وسوف تتجنب المواجهة المباشرة مع الروس، ومصلحتها تكمن، في توتير الأجواء في أوربا، فتشد من العلاقات المرتخية، وتكلف الروس خسائر، وستعرض روسيا لعقوبات اقتصادية، قد تصيب بعض الشلل في أفرع الصناعات ومرافق الإنتاج الروسية، وتعرض نفسها للأوربيين، " أنا من يحميكم من الخطر الروسي " والأوربيون بما فيهم الأوكرانيين، يعلمون أن الخطر ليس جاداً ولا وشيكاً بهذه الدرجة، بل أن الأوكرانيين يدركون تمام الإدراك أن من يريد إشعال نار صراعات مسلحة إنما يفعل ذلك لتحقيق مصالح سياسي واقتصادية. وأن بلادهم (أوكرانيا) ستتحول إلى ساحة صراع بين روسيا والولايات المتحدة والسائرين في فلكها. وأن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أكد أن روسيا لا تهدد باجتياح أوكرانيا.

الولايات المتحدة تطرح شعارات سياسية (حقوق الإنسان، الديمقراطية) من أجل مواقف سياسية، فهي ترفض على سبيل المثال رغبة الأقلية الأوكرانية في نيل حقوق، وحتى تدفع الحكومة الأوكرانية بعد الحوار مع الأقلية الروسية في مقاطعاتهم، كما رفضت قرار الأقلية الأبخازية في جورجيا، وأوستينيا الجنوبية في القرم.

 

الولايات المتحدة تعتبر مناورات الجيش الروسي داخل أراضيهم تهديداً للأمن والسلام، ولكنها لا تعتبر تحركاتها من الولايات المتحدة حتى بولونيا والنرويج والبحر الأسود تهديداً، وتشيع الولايات المتحدة أن روسيا ستجتاح أوكرنيا لتبرر تحركاتها، والحكومة الأوكرانية نفت رسمياً الأنباء التي تتحدث عن هجوم متوقع عليها. في حين رفض وزير خارجية بريطانيا أن بلاده ترفض فكرة تقييد أو التعهد بعدم توسيع حلف الناتو إلى ما وراء خط الأودر والنايسة (الحدود بين ألمانيا وبولونيا). وحتى الأوربيون بدؤا يعبرون عن انزعاجهم من الطلبات الأمريكية الكثيرة، والتورط في إشهار العداء لروسيا والقيام بفعاليات خطيرة (كعبور الأسلحة والقوات عبر مطاراتهم وأراضيهم وأجوائهم). في حين رفضت ألمانيا عبور طائرة تحمل شخصيات عبر أجواءها إلى أوكرانيا، نأيا بنفسها عن صراع محتمل.بل أكد السيد شولتس مستشار ألمانيا في أعقاب محادثاته مع أمين عام حلف الناتو، أن ألمانيا سوف لن تزود أوكرانيا بالأسلحة. وهو موقف يعبر عن خصوصية واضحة حيال الأزمة. وبوضوح أكبر عبر عن ذلك اللقاء بين المستشار الألماني شولس، والرئيس الفرنسي مكرون في برلين (25 / كانون الثاني / 2022) أنهما سيواصلان مساعيهما من أجل التوصل لحلول دبلوماسية.

 والأوربيون يدركون أن مصالحهم في أوربا، والمخاطر المحدقة بهم هي من التخوم القريبة، وروسيا ليست من ضمنها، )على الأقل في المرحلة الحالية ولأمد غير منظور، لذلك ليس من الحكمة أن  نعمق الحلاف رما البسيط، إلى حالة العداء والصراع المسلح من أجل مخاطر وهمية. وإذا كانت الصين هو المتسيد المقبل للساحة الدولية، فمن المصلحة الاصطفاف مع روسيا القريبة هنا في القارة خير من عبور الأطلسي. الأمريكيون أدركوا بعمق أن الأوربيين لا يمكن الاعتماد عليهم في أزمة متصاعدة، فالألمان وربما مثلهم الفرنسيون، وربما أوربيون آخرون، موقفه يشير إلى " لسنا مع التوتر والتصعيد والصراعات المسلحة، ويرسلون بذلك إشارة واضحة لروسيا، نحن لسنا مع تصعيد أمريكا وبريطانيا، ولكننا لا نقبل بأعمال توسع وضم وإلحاق ...! ".

 والولايات المتحدة لم تكن هذه الصورة بعيدة عن أذهانها، لذلك قامت بتمتين علاقاتها مع أستراليا في ساحة النزاع المقبل مع بريطانيا التي شرعت مؤخراً بتطوير سلاحها البحري ليكون بدرجة عالمية متقدمة لتلعب دوراً سياديا في المحيط الأطلسي. وهي (الولايات المتحدة) تدفع باتجاه موقف تضع فيه روسيا في زاوية محرجة، غير قادرة على تحقيق مصالحها، ولكن سياسة الولايات المتحدة تفتقر للمصداقية، وحلف الناتو يفتقر إلى الوحدة بين أعضاءه.

فالموقف الروسي يعتمد على مواصلة السيطرة على الأقاليم التي يقطنها أغلبية روسية (إقليم الدونباس)، وستواصل لعب دورها المؤثر داخل أوكرانيا.والشعب الأوكراني يدرك أن لا مصلحة له بمناكفة روسيا الجار التاريخي والتقليدي للاوكرانيا.

 

 

الفساد كمعرقل رئيسي

للتنمية وبوابة الخراب

 

د. ضرغام الدباغ

يشخص الفساد (corruption) اليوم في العديد من البلدان النامية على أنه الآفة الداخلية الأولى، إلى جانب العوامل والظروف الخارجية الموضوعية الأخرى. ودون ريب أن حالات الفساد بدرجتها الكبرى، هي حالات فساد هيكلية (strukturelle Corruption) ناجمة عن محصلة عوامل (سياسية بالدرجة الأولى) أفضت إلى هذه النتيجة التي يبدو أنها مستعصية الحل بالوسائل التقليدية، ذلك لأنها عشعشت واستوطنت وصار لها جذور، ثم امتدت عمودياً وأفقياً، وتكونت فئات وشرائح تعد في لغة الاقتصاد طفيلية (Parasitie) لأنها تعتاش من خيرات المجتمع، لذلك يعتبر علماء الاقتصاد الفساد من معوقات التنمية، بل تعتبر اليوم في مقدمة تلك المعوقات.

 

ويتصاعد هذا الاعتبار منذ عام 1990 منذ اشتداد الدولنة (صيرورته دولياً) في الاقتصاد، كما يعتبر صندوق النقد الدولي (IMF) الفساد بوصفه عقبة رئيسية للتنمية، في حين انه حتى لما قبل العام 1990 لم يكن التقييم بهذه الدرجة من الخطورة، وذلك لتصاعد دور الاقتصاد الدولي في الحياة الاقتصادية في العالم. ولعبت المنظمة( (IMF أيضاً دوراً أساسياً في تقديم ميثاق الأمم المتحدة ضد الفساد، وتحولت إلى شأن دولي مهم، ولذلك فهي تستدعي من كافة الدول حلولاً جذرية : سياسية واقتصادية وثقافية. وهو أمر نرجح يكون خارج قدرة بعض الأنظمة التي هي نفسها بالذات وليدة تلك العناصر السلبية التي بلغت في تدهورها درجة كارثية، أفضت بالتالي كنتيجة حتمية هذا الوضع.

 

 لذلك فالدول التي تتربع في هذه المكانة هي نفسها منذ سنوات طويلة دون تغيير كبير (تقريباً) : الصومال، العراق، بورما، هايتي، أفغانستان، السودان، غينيا، تشاد، كمبوديا، زيمبابوي، وتقسم منظمة الشفافية العالمية (Transparency International) دول العالم في ستة فئات (category) من الدول، عشرة دول تقع في الفئة الخضراء، وعشرة مثلها في الفئة أخضر فاتح(فستقي)، وعشرين دولة بلون أزرق في حالة ليست ممتازة، وبعدها تأتي فئة تقع في اللون الأصفر، وهي فئة لا تزال مقبولة، وبعدها فئة اللون البني(وهي خمسة وأربعون دولة) وهي دول يعد الفساد فيها كارثة أمن قومي، وفي أسفل هذه القائمة العراق، ولا يترك وراءه سوى الصومال ....!. ويحق للمراقب والباحث أن يستنتج استنتاجات سياسية عديدة في تحليل معطيات هذا الدول.

 

إن خطورة ما يطرحه الفساد من مشاكل ومخاطر على استقرار المجتمعات وأمنها والذي يقوض مؤسسات الديمقراطية وقيمها والقيم الأخلاقية والعدالة، ويعرض التنمية المستدامة وسيادة القانون للخطر وما يترتب على ذلك من الفساد المالي والإداري، ومن آثار اقتصادية وسياسية واجتماعية تؤثر بشكل سلبي على المجتمع، وآثار مدمرة تطال كل مقومات الحياة في الدولة، فتضيع الأموال والثروات والوقت والطاقات وتعرقل سير الأداء الحكومي وانجاز الوظائف والخدمات، وتقود إلى تخريب وإفساد ليس على المستوى الاقتصادي والمالي فحسب، بل في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية، ناهيك عن التدهور الخطير في مؤسسات ودوائر الخدمات العامة المتصلة بحياة المواطنين. لتصل النتائج إلى أن الفساد معرقل أساسي للتنمية.

 

الفساد بحسب تعريف منظمة الشفافية العالمية (Transparency International) تشكل الأنشطة غير المشروعة التي يتم التستر عليها عن قصد ولا يتم الكشف عنها إلا من خلال الفضائح والتحقيقات أو الملاحقات القضائية. أما إذا شئنا التوغل في معنى الكلمة لغوياً، ففساد الشيئ يعني أن العطب قد نال منه، أو اللهو واللعب أو اخذ المال ظلماً أو إلحاق الضرر، أو الجدب، وكلها معان وصفات سلبية إذا لحقت بفرد أو جماعة. والفاسد في مجال بحثنا هو معتد على حقوق الملايين، بينما النشال واللص العادي قد اعتدى على جزء بسيط جداً من ممتلكات شخص واحد، فالمعتدي على المال العام بهذا المعنى الإنساني والقانوني مجرم خطر يتجاوز في حدود فعله جرائم الجنح إلى الجنايات، لذلك هناك من الدول تحكم على جرائم المال العام بالإعدام، فجريمة القتل الخطأ تعتبر جنحاً(كالدهس المفض إلى الموت) وقد لا يحكم على مرتكبها أكثر من خمسة سنوات، بينما يعتبر الفساد جريمة من الدرجة الأولى ضد المجموع.

 

ويعد الفساد المالي والإداري المعرقل الرئيسي لخطط وبرامج التنمية إذ تتحول معظم الأموال المخصصة لتلك البرامج لمصلحة أشخاص معينين من خلال استغلال مراكزهم أو الصلاحيات المخولة لهم. وبذلك تتعرقل عملية التنمية ويتفشى التخلف والفساد وينعكس بدوره على مجالات الحياة كافة وفي ذلك خسارة كبيرة للمال والجهد والوقت وضياع فرص التقدم والنمو والازدهار.  

 

أن ظاهرة الفساد المالي والإداري ظاهرة عالمية شديدة الانتشار ذات جذور عميقة تأخذ أبعاداً واسعة تتداخل فيها عوامل مختلفة يصعب التمييز بينها، وتختلف درجة شموليتها من مجتمع إلى آخر، كما أن  الآثار المدمرة والنتائج السلبية لتفشي هذه الظاهرة المقيتة تطال كل مقومات الحياة لعموم أبناء الشعب، فتهدر الأموال والثروات والوقت والطاقات وتعرقل أداء المسؤوليات وإنجاز الوظائف والخدمات، وبالتالي تشكل منظومة تخريب وإفساد تسبب مزيداً من التأخير في عملية البناء والتقدم ليس على المستوى الإداري والمالي فقط، بل في الحقل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي،  أي فيما يتعلق بالتنمية الشاملة، ناهيك عن مؤسسات ودوائر الخدمات العامة ذات العلاقة المباشرة واليومية مع حياة الناس، مما يحتم ضرورة إنشاء نظام رقابي فعّال مستقل مهمته الإشراف ومتابعة الممارسات التي تتم من قبل الوزراء والموظفين العاملين في كل وزارة ومؤسسة. يُعتبر الفساد مكلفا. فهو يعمل على إعاقة النمو الاقتصادي، حيث في البلد الفاسد أو الصناعة الفاسدة " يختفي الحافز لدى الشركات لتحسين نوعية السلعة، وستتوقف مكاسب الإنتاجية والابتكار اللذان يأتيان من شركات جديدة ". بكلمة أخرى، الفساد يُضعف تنافسية الاقتصاد ويكبح الاستثمار ويحول دون خلق الوظائف.

 

في احدي الدراسات وُجد أن المستوى المنخفض من العائد الضريبي في العالم العربي هو جزئيا يعود إلى الفساد. هذا الأمر خصيصا مثير للقلق في ضوء عدم مقدرة الدول العربية النفطية الاعتماد على الموارد النفطية، وحيث الاحتياطات تنضب بسرعة وعوائدها بدأت تتناقص بشكل كبير في السنوات القليلة الماضية. أو أن تذبذب أسعار المواد الخام ومنها النفط الخام والغاز المسال، يضع الخطط الحكومية في مأزق، بسبب تضارب الأسعار والواردات الحكومية. 

 

وفي الاقتصاد والسياسة وفي القانون، فالأمر ينطوي أيضا على إشارة تعني أن عطباً شديداً (Defect) قد لحق بعملية سياسية أو اقتصادية أو كلاهما معاً وهو الأرجح، وأن الفساد يتحول إلى قضية سياسية / اقتصادية عامة، تخرج عن إطارها كحادث فردي تعالج قضية فرد ما موقعياً بشكل إداري. وقد يكتسب الفساد العام على الفور صفة جنائية، فمعظم القوانين الجزائية في أغلب دول العالم تعالج قضايا الفساد في حدوده الدنيا، كحادثة ارتشاء موظف، ويفهم تحت عبارة تختص بمثل هذه الحالات (situativer corruption) أي حالة بنت ظرفها الآني. أو وليدة ظرفها، وهي قد تنجم عن تصرف عفوي، بمعنى أنه حدث كرد فعل مباشر في موقع عمومي رسمي ولم يتضمن الحال تخطيطاً أو تحضيرات مسبقة.

 

أما في حالات الفساد الكبيرة التي يطلق عليها في الاقتصاد (strukturelle corruption) أي الفساد الهيكلي، ففي الفساد الهيكلي يدور الأمر حول حالات الفساد المؤسسة على أساس علاقات المدى البعيد وحالات تم التخطيط فيها لفعل الفساد على أساس العلاقات على المدى الطويل من الفاسدين قبل ارتكاب الجرم عمدا، فهناك الفعل المادي أو التحضير الذهني للعمل، الذي يستبعد العفوية مبدأ العمل. الطاقة الجنائية للمشتبه بهم هي في الفساد الهيكلي عادة ما يكون أعلى مما كانت عليه في قضايا الفساد الظرفية، والفساد الهيكلي يعني بذات الوقت، أنه قد أنتشر في العديد من قطاعات الدولة، ومن هنا فالفساد هو مسألة عامة يستدعي حلولاً عامة.

 

الفساد السياسي (police corruption): وهو التحدي الرئيسي، حيث تركز النخب الحاكمة السلطة في أيدي مجموعات صغيرة، (عائلية، عرقية، دينية) مما يؤثر سلباً على الفصل بين السلطات، ويمتد الأمر ليبلغ عمليات صنع القرار التي تؤثر على البلاد والشعب بأسره. وإذا أنتشر الفساد السياسي فسيعقبه فساد إلى سائر مفاصل الدولة حتماً، ولا يعني عدم وجود معطيات وأدلة في هذا الجزء أو ذاك سلامته من الفساد المستشري.

 

ولنبسط الأمر ليغدو مفهوماً أكثر، فقد يحدث أن تسول له نفسه، موظف ما في موقع تماس مع الأخذ والعطاء، أن يرتشي لأي سبب من الأسباب، وقد لا يقدم على هذه الفعلة مرة أخرى، أو يكررها بين الحين والآخر،  وهو ما يسمى (situativer Korruption)، أي فساد ظرفي، وهو أمر قد يحدث في أكثر بلدان العالم شفافية ورقياً، ففي العام المنصرم قبض على شرطي دانمركي بتهمة الارتشاء، وهي حادثة بسيطة ولكنها تسببت بهبوط الدانمرك بضعة درجات في سلم الدول الفاسدة. فيما نعني بالفساد الهيكلي أن يكون نظاماً معيناً فاسد برمته، أو بالجزء الأعظم منه، ويتخلل ذلك أتفاق على الفساد وسرقة المال العام واستغلال الوظيفة، وكمثال على نقول : أن هناك وظائف تباع في المزاد ومن يريد أن يتولاها عليه أن يدفع مبالغ طائلة وحسب واردات وظيفته، وفي هذه الحالة فإن من يتولى الوظيفة سيلتهم أكبر قد ممكن وبأسرع وقت ممكن تحسباً للظروف الطارئة، وبهذه الحالة فإن سلسلة المراجع كلها مشتركة في عملية التهام جماعي بالاتفاق علناً أو ضمناً، وقد أطلعت شخصياً على موقع نقطة حدودية هامة في بلد ما تباع لمن يدفع أكثر في شبه مزايدة سرية، وبمبلغ بملايين الدولارات، والعائد يتقاسمه وزير الداخلية ووكيل الوزارة والمدراء العامون، كل حسب أهميته، وضابط نقطة الحدود هذه، سيسترجع ما دفعه من مال بأتاوات يفرضها على القادمون والمسافرون، وهو في ذلك يدفع أيضاً للعاملين معه، فهذه من أصناف السرقات الهيكلية المنظمة إلى تشير إلى فساد شامل.

 

 أما الفساد الذي تئن منه البلدان النامية بصفة خاصة، هو فساد الدولة، وفساد الوضع الاجتماعي على الأغلب، لذلك نلاحظ أن الدول المتقدمة في نظامها السياسي نادراً ما تعاني من ظاهرة الفساد العام الذي ينخر هيكل الدولة بأسرها وهو ما يطلق عليه (strukturelle korruption) . وكمثال على نقول: أن هناك وظائف في البلدان النامية، تباع في المزاد ومن يريد أن يتولاها عليه أن يدفع مبالغ طائلة وحسب واردات وظيفته، وفي هذه الحالة فإن من يتولى الوظيفة سيلتهم أكبر قدر ممكن وبأسرع وقت ممكن تحسباً للظروف الطارئة، وبهذه الحالة فإن سلسلة المراجع كلها مشتركة في جريمة التهام جماعي بالاتفاق علناً أو ضمناً، وفي هذه الظروف العاقل تكفيه الإشارة.

 

ولدى مؤسسة الشفافية العالمية (للنزاهة ومكافحة الفساد الدولية (Transparency International) ومقرها في برلين عاصمة ألمانيا الاتحادية، معطياتها وبموجبها تؤشر درجة الفساد في شتى دول العالم، ويعتبر الخبراء أن الدرجات بعد الخمسين في أي دولة تقع في حقل الدول المنكوبة. وبهذه المناسبة فإن العراق يحتل ذيل القائمة التي تتألف من 180 دولة ( يحتل العراق المرتبة 178 ) ولا يترك وراءه سوى الصومال.

 

لذلك فإن استئصال الفساد، واجتثاث رموزه ومرتكبيه والضالعين به، يقع اليوم على رأس جدول أعمال الحركات السياسية الوطنية. ومن المهم أن تحديد الجماهير الفاسدين وانحدارهم السياسي، وتعقب جذور الفساد، وفي هذا السياق يعد من السذاجة اعتبار مرتش يرتكب هذه الجريمة لسد رمق عائلته، أين منه ذاك الذي يضيف ملياراً جديداً من الدولارات إلى ترسانته المالية في الخارج على شكل استثمارات أو أموال سائلة، ويحرس نفوذه السياسي ميليشيات مسلحة خارج إطار الدولة، بل وحمايات تأخذ رواتبها من الدولة نفسها ..!  أو مسؤول يعبر عن فساده بالاستيلاء على عقارات الدولة والشعب وقيمتها بالملايين، أو ذاك اللص الذي يستغل وظيفته فيجلس على تل من الأموال يتطلع إلى المحرومين بقلة غيرة وانعدام ضمير.

 

وللأسباب السياسية والاقتصادية فإن الفساد متفش في سبعين دولة وهو عائق مهدد للتنمية ولابتعاد والاستثمارات الأجنبية ومسبب أساسي للفقر ويحول دون تجازوه.  وتشير كافة مناهج التنمية في البلدان النامية (Economy of development) أن الفساد يمثل عائقاً حقيقياً أمام التنمية، ويؤدي إلى المزيد من التدهور في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وبحسب تأكيد رئيس منظمة الشفافية الدولية الذي يرى في شن الحرب على الفساد هي أنجع وسيلة لتحرير الإنسان من الفقر، وهناك مؤشرات ونسب ورُتب تصعد وأخرى تنزل من سنة إلى أخرى ومع وجود رغبة نبيلة في محاصرة الفساد ونشر ثقافة الشفافية، لكن هناك مَن يطرح دائما أسئلة عن موضوعية السلم التقييمي ذو العشر درجات وشفافية المعايير التي تعتمدها المنظمة في قياس الفساد وفي تعريفه وتصنيفه بين سياسي ومالي واقتصادي وأخلاقي وأي تلك العناصر أكثرها ضرراً.

 

من المؤكد أن الفساد ليس جزءا من ثقافة الدول النامية وخاصة الدول الإسلامية لان ثقافتها الدينية والتاريخية تحرم الفساد بكافة إشكاله وتحرم الرشوة سواء تتم داخل الدولة أو خارجها على العكس من ذلك نجد أن الدول الأوربية تعتبر الرشوة التي تدفع لمسؤولين خارج البلد بمثابة مصروفات وتقوم بخصمها  من الضرائب التي تدفعها الشركات والأفراد للحكومة وهو ما يعني أن الحكومات الأوربية تدعم الرشوة وتغذي الفساد في الدول النامية، ويعني ذلك أيضا أن الرشوة والفساد جزء من ثقافة وقوانين الدول المتقدمة وليس الدول النامية ، ولذلك قامت بعض الدول المتقدمة بتصحيح هذا الوضع عندما قامت دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بتوقيع اتفاقية تحرم تقديم الرشوة للمسؤولين في الدول النامية لإبرام الصفقات.  

 

هناك درجات في الفساد، فهناك فساد بدرجات واطئة يعتبر فساداً مسيطراً عليه، وللأسف فقط القليل من دول العالم هي في هذه المرحلة، والأكثرية تقع في قطاع الدول التي يبلغ الفساد فيها أقل من المرتبة الخامسة، وأكثر من ذلك يعد خارج السيطرة،  الفساد المسيطر عليه هو في دول ضمن ثلاث درجات وما أقل من ذلك. وهناك العديد من الأسباب لانتشار الفساد يأتي في مقدمتها غياب الشفافية فيما يتعلق بالأعمال العامة للدولة بالذات في الدول غير الديمقراطية، النظم الديمقراطية في الحقيقة توفر آلية لمنع الفساد وإذا حدث هذا الفساد توفر آليات متنوعة ومتعددة لمكافحته، الديمقراطية نفسها فيها درجة عالية جدا من تمكين البشر من الرقابة على كل ما يتعلق بالأعمال العامة أو المالية العامة للدولة، أيضا إذا منح الموظفين العموميين سلطات منح التراخيص بدون رقابة فعالة وبدون مراجعة لذمتهم المالية بشكل صارم في الحقيقة يبقى هذا يتيح لانتشار الفساد، أيضا إذا كانت الرواتب الخاصة بالعاملين في أجهزة الدولة في الكثير من بلدان العالم وبالذات في الدول النامية غير منطقية وغير معقولة هي دعوة للفساد لهؤلاء الموظفين الذين تجرى أمامهم وتحت أيديهم الكثير من الأموال والكثير من الأصول العامة وبالتالي هم في الحقيقة من أجل منح التراخيص يحصلون على رشاوى وإلا عطلوا الأعمال، أيضا كلما زادت الإجراءات البيروقراطية المُعًقَدة للأعمال هذا يشكل باب ملكي للفساد لأن كل الموظفين البيروقراطيين القادرين على تعطيل الأعمال أو إنشاء أعمال جديدة يمكنهم الحصول على رشاوى أو ميزات مالية مقابل اختصار الوقت وإصدار التراخيص أو تسهيل الإجراءات بصورة أو بأخرى وبالتالي هو النظام. عدم وجود جهاز مستقل غير تابع للسلطة التنفيذية. وإن كان تحقيق هذا الاستقلال عن السلطة التنفيذية محفوف بالشكوك، ليصبح حالة كحال القضاء المسيس، ولا تعود هناك ثقة بكل ما تقوم به السلطة التنفيذية. ولذلك يطالب الاتحاد الأوربي الحكومة العراقية أن الإصلاح ومكافحة الفساد يجب أن يبدأ من القضاء.

ويشير تقرير لمنظمة الشفافية الدولية إلى عدة تحديات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، انعكست بدورها على تراجع تصنيف دول المنطقة على مؤشر الفساد، وتتمثل هذه التحديات في الآتي:

1- القلاقل الأمنية: سهلت الأوضاع الأمنية غير المستقرة والعنف والصراعات المسلحة، من انتشار التدفقات غير المشروعة والممارسات الفاسدة. وقد استثمرت العديد من دول المنطقة سياسياً ومالياً في التعامل مع التهديدات الأمنية الوشيكة بدلاً من تسخير المزيد من الموارد لمحاربة الفساد بشكل فعَّال.

2- الفساد السياسي: يعد "الفساد السياسي" هو التحدي الرئيسي في المنطقة، حيث ركزت النخب الحاكمة السلطة في أيدي مجموعات صغيرة، مما أثر سلباً على الفصل بين السلطات، وامتد الأمر إلى عمليات صنع القرار التي تؤثر على ملايين المواطنين.

ويرى التقرير أن النخب السياسية في المنطقة قد أساءت استخدام السلطة، وحافظت على مصالحها الشخصية من خلال النفوذ وشبكات المحسوبية. وفي هذا الإطار يشدد التقرير على ضرورة أن يكون الفصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية أولوية قصوى بالنسبة لأولئك المنتخبين في السلطة، فضلاً عن أهمية استقلال القضاء بعيداً عن التدخل السياسي.

3- غياب القوانين الفعَّالة: أحرزت عدة دول بالمنطقة خطوات إيجابية نحو الإصلاح، كما تم إحراز بعض التقدم التشريعي في المنطقة من خلال التصديق أو الانضمام إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد. ومع ذلك فإن المنطقة تعاني من عدم وجود قوانين يُمكن أن يكون لها تأثير كبير على تحسين النزاهة والشفافية والمساءلة. ولذا طالب التقرير بتشريع الخطط والاستراتيجيات الوطنية لمكافحة الفساد، وتدشين لجان مكافحة الفساد التي يمكن أن تعمل كهيئات رقابية مستقلة.

4- غياب الرقابة: أحد المشاكل الرئيسية للأداء الضعيف لمعظم دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على مؤشر الفساد، هو عدم وجود القوانين المهمة التي تعطي الجمهور فرصة لمراقبة كيفية إنفاق أموالهم.

ويؤكد التقرير حاجة الناس إلى الثقة في مؤسساتهم، خاصةً في أوقات عدم الاستقرار، كما يجب أن تكون الحكومات على استعداد للعمل مع مواطنيها، ومع المجتمع المدني كشريك مهم في مكافحة الفساد.

ختاماً، يُوصي واضعو المؤشر الدول التي حلَّت في قاع المؤشر بأن تتبنى إجراءات جذرية لمكافحة الفساد من أجل تحقيق مصلحة شعوبها، كما يتعين على الدول التي في قمة المؤشر أن تعمل على ضمان عدم تصدير الممارسات الفاسدة إلى الدول ذات معدلات التنمية المتدنية، ومنع غسل الأموال ومنع الشركات السريّة التي تُستغل لإخفاء الفساد.

أما في العراق، فقد وفر الاحتلال البيئة الخصبة للفساد بأعلى درجاته، لم يبق الفساد الغير مسبوق بدرجته الغير طبيعية للمواطن أي شيئ. وعندما نقول أي شيئ، نقصد ما يحتاجه المواطن من أساسيات الحياة من سكن وملبس وطعام وعلاج، إضافة إلى الافتقار الشبه تام للخدمات الأساسية : أمن، كهرباء، ماء، مواصلات، تعليم، في بلد أصبح يفتقر إلى كل شيئ، وبالإضافة إلى القمع الذي يمارسه مليون ونصف جندي وشرطي، ومئات الألوف من الميليشيات التي تمارس الفساد والاستيلاء على أموال وممتلكات المواطنين والتصفيات الدموية، فإن العراق يتعرض للتصحر والإبادة والتقويض كدولة ونظام. وأمامنا مجموعة من الهوامش النصية والمعطيات اقتطفتها من المواقع العراقية وبعضها حكومي:

 

ــ مكونات الناتج القومي الإجمالي ومؤشراته ..

ــ  تحدث الدكتور أحمد الجلبي عن 44 مليار دولار أنفقت بين 2006 و2010 .

ــ توقف الدكتور أحمد الجلبي عن فتح ملفات  الفساد ومن ذلك الذي مفاده، أن رئيس الوزراء السابق المالكي أنفق 44 مليار دولار أميركي خارج الموازنة وبشكل غير قانوني خلال السنوات الأربعة الأولى من حكمه.

ــ مناقشات في البرلمان مؤخرا تفيد بأن المالكي أنفق خلال 2011 نحو 7 مليارات دولار أميركي لم تسجل في الموازنة، أي إنه أنفقها بشكل غير قانوني.

ــ صرح السيد حسين الياسري رئيس هيئة النزاهة في حلقة حوارية، فنفى علمه بمليارات أحمد الجلبي. كما نفى علمه بالخلاف الذي لم ينته بين باقر جبر صولاغ وزير المالية السابق والدكتور حسين الشهرستاني، حيث يقول الوزير صولاغ: إن المالكي أنفق 310 مليارات دولار في سنوات حكمه الأولى، بينما يصر الوزير الشهرستاني: على أن المالكي لم ينفق سوى 170 مليارا. لكن الياسري عاد وصرح بأن المالكي أنفق في دورته الأولى 17 مليار دولار (لا 44 كما يقول الجلبي) خارج الموازنة، واعترف بأن ساسة العراق يتأخرون في (أو يؤخرون) اعتماد نظام محاسبي حديث يكشف عبر شبكة حواسيب متطورة كيفية إنفاق كل فلس من الواردات والصادرات .

ــ  المصادر المتواضعة تقر أن السيد المالكي تصرف بمبالغ بمعدل 7 إلى 10 مليارات دولار في السنة ـ عندما تعلم أن ميزانية العراق لعام 2010 بلغت 72.4 مليار دولار، وهي تعادل ميزانية أربع دول مجتمعة هي سوريا: 16 مليار، والأردن: 7.6 مليار، ولبنان: 6.2 مليار، ومصر 36.5 مليار بدون العجز، مصر التي يبلغ عدد سكانها ما يقارب 80 مليون نسمة ...!!

ــ أكد وزير النفط عادل عبد المهدي، أن موازنات العراق منذ العام 2003 وحتى العام الحالي بلغت 850 مليار دولار، وفي حين بيّن أن هناك ثلاثة مستويات للفساد، رأى أن تلك الأموال كان ينبغي أن تولد تريليونات الدولارات من القيمة المضافة لو ضخت للأسواق ومواقع العمل والإنتاج بنحو سليم، لتسهم بإصلاح أي مجتمع مهما كان متخلفاً أو متأخراً. أو لو أن هذه المبالغ كانت قد أودعت في البنوك للاستثمار لبلغت فوائدها ربما ال 50 مليار دولار ..! وتلك مأساة أخرى .

ــ أوضح رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي أن مشروع مارشال لإعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، قد بلغ 15 مليار دولار للأعوام 1947-1951، وإذا كانت خطة مارشال (15) مليار دولار فقط، كانت كافية لانتشال أوربا الغربية وأوقفتها على قدميها بعد خراب شامل، (و15 مليار دولار مبلغ يعادل بالقيمة الحالية 148 مليار دولار)، أي تقريباً موازنة العراق، غير المقرة، لسنة واحدة فقط .... للعام 2014 فقط. وإذا علمنا أن مبلغ 148 مليار أعادت إعمار أوربا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، وفي العراق كان مردودها دون الصفر، فتأمل عمق الحفرة والمأزق ...!

ــ صرح السيد الياسري (20 / آب / 2015) أن أرقام ملفات الفساد في العراق مفزعة وكبيرة وبلغ عدد المتهمين المحالين إلى القضاء العراقي بتهم الفساد بلغ 2171 متهماً منهم 13 وزيراً ومن هم بدرجته و 80 من أصحاب الدرجات الخاصة و134 من المدراء العامين خلال الأشهر الماضية. وهذا غيض من فيض ..! فكيف حدث ويحدث متواصلاً هذا الفساد الكبير الغير مسبوق في التاريخ،  مليارات الدولارات تتطاير وكأنها دراهم في هذا البلد المنهك ...!

ــ الفساد ببساطة هو نقل ما هو ملكية عامة أو أصل عام إلى ملكية خاصة بدون وجه حق أو بشكل غير مشروع من خلال العبث في مالية الدولة في العلاقة بين الدولة ومؤسساتها ومنشئاتها والقطاع الخاص.

ــ الفساد ناجم عن خلل في النظم وقواعد الصرف والعمل والرقابة والتخطيط التي اعتادت عليها الدولة أو الاثنين معاً.

ــ الفساد هو حالة ناجمة عن إنعدام كلي ــ شبه كلي ــ جزئي للديمقراطية ولأبسط قواعد الإدارة والحكم.

ــ الفساد هو حالة ناجمة عن نظم ديكتاتورية لا تتيح أي جهة حكومية الاستفسار عن مصير الأموال.

ويشير تقرير للمنظمة الدولية لمكافحة الفساد أن هناك سبب وهناك تداخل بين عملية الفقر بين طبيعة عملية الإصلاح السياسي وعملية الاقتصاد السياسي باعتبار أن هناك شفافية مفترضة في المناقصات المفتوحة، والأنفاق الحكومي، وهناك شفافية في النظام الضريبي والاقتصادي برمته.

احتل العراق المرتبة 166 من بين 176 دولة في مؤشر الفساد لعام 2017 ووقع ضمن ال 12 دولة الأخيرة في القائمة التي تنتهي بالصومال، بينما احتفظت الإمارات بالمرتبة الأولى في العالم العربي بمؤشر مدركات الفساد للعام 2017 الصادر عن منظمة الشفافية العالمية، بينما جاءت في المرتبة الـ21 على مستوى العالم بين 180 دولة. وتقدمت الإمارات 3 مراتب مقارنة بالتقرير السابق، وسجلت 71 نقطة بارتفاع 5 نقاط عما سجلته في تقرير عام 2016، متفوقة على دول أوروبية مثل فرنسا وإسبانيا، ومتقدمة ثلاثة مراكز مقارنة بالتقرير السابق، الذي حلت فيه في المركز 24. في حين، احتلت قطر المرتبة الثانية عربيا والـ29 عالميا، حيث سجلت 63 نقطة، بينما، جاءت السعودية في المرتبة الثالثة عربيا والـ 57 عالميا، حيث حصدت 49 نقطة. وتقدم ترتيب المملكة في تقرير العام 2017 خمس مراتب، وكانت قد جاءت في المرتبة 62 في تقرير 2016. كما تقدمت المملكة مرتبة واحدة على صعيد الدول العربية مقارنة بالتقرير السابق.وجاءت نيوزيلندا في المركز الأول والدنمارك في المركز الثاني، بينما حلت فنلندا والنرويج وسويسرا مشاركة في المركز الثالث، وبالتالي أصبح ترتيب سنغافورة في المركز السادس مشاركة مع السويد، وجاءت كل من كندا ولوكسمبورغ في المركز الثامن.فيما، جاء في ذيل التقرير الصومال وجنوب السودان وسوريا وأفغانستان واليمن، في المراكز الخمسة الأخيرة، ما يعني أن هذه الدول تعد الأكثر فسادا في العالم.

ترى ما هي عناصر  النزاهة في النظام الوطني ...

 

هل هي الديمقراطية، أم هل هي الحرية في تبادل المعلومات في المجتمع؟ هل هناك تنافسية في الاقتصاد؟ ما مدى انتشار الديمقراطية في المجتمع؟ هل هناك تنافس يحميه القانون، وما هي أبعاد الحريات الديمقراطية، هل هناك قمع سياسي، وهل هناك تميز بين المواطنين على أسس عرقية أو دينية، أو سياسية / حزبية ؟ عزوف الدول عن الانضمام إلى الميثاق والعهد الدولي، لمكافحة الفساد وغسيل الأموال على الصعيد الدولي، في تنقلها بين المصارف، سيكون له أثره في مكافحة الفساد لا سيما عندما يكتسب صفة الإلزامية.

 

في مثل الوضع الذي يمر به العراق: البلاد تحت الاحتلال العلني الواضح، أو المستتر، الجهات الأجنبية لا يهمها أين تذهب أموال البلاد، بل هي تفضل أن تسرق على أن تنفق للصالح العام، وربما تشارك الفاسدين.

(الجدول : رواتب كبار المسؤولين العراقيين)

 

وفي رؤية بسيطة للإنفاق الحكومي الذي هو في واقع الحال إهدار وإتلاف للمال العام، فالأرقام الفلكية في الرواتب، والإنفاق على الشخصيات السياهوس الاستيلاءالنفوذ، يتردد اليوم أنباء عن هوس  الاستيلاء على عقارات الدولة، بل وحتى مصادرة أملاك المواطنين بغير وجه قانوني.(أنظر الجدول أعلاه)

 

ـــ الحمايات : وهي اختراع لنهب المال العام، كشف القاضي وائل عبد اللطيف أن كلفة حمايات الرؤساء الثلاثة تكلف 6 مليار دولار علما أن ميزانية سوريا 6 مليار دولار وهل يعقل أن تكون رواتبهم أضعاف رواتب رؤساء أمريكا وروسيا والصين وألمانيا وبريطانيا ؟ هذا عدا عن حمايات الوزراء والنواب.

 

ــ بلغت واردات العراق لما بعد الاحتلال :، 1000 مليار دولار دخلت العراق منها :

800 مليار دولار كواردات للنفط و200 مليار دولار كهبات خارجية، صرف منها 40 مليار دولار للكهرباء، كل هذا خلال 12 عام ، وحتى الآن فان البلاد تشكو من الانقطاع اليومي للكهرباء وبمعدل 15 ـ 20 ساعة، وتشكو من شحة المياه الصالحة للشرب، ومن انحطاط  غير مسبوق في حقول الخدمات العامة، ومن نسبة بطالة تجاوزت 30 % ، ناهيك عن تدهور كارثي في مجالات الصناعة والزراعة وكل مجالات الاستثمار المنتج، 148 مجموع مبالغ عقود التسليح والجيش لا يملك سلاحا، حتى أن الميليشيات الطائفية والاثنية تتفوق عليه بسلاحها، 25% من العراقيين تحت خط الفقر، 3 ملايين نازح ومهجر يعتاشون على مساعدات الإغاثة الأممية، وانفلات أمني شامل.

 

ــ تلكم هي بعض المؤشرات (والأرقام في تصاعد يومي وفصلي) التي تدل على انحطاط شامل وكامل في بلاد لا يوقف أهلها عن الثورة العارمة غير سياسة فرق تسد التي يتبعها أمراء السلطة الجديدة وغير سياسة التجهيل والترويض وابتزاز العواطف المذهبية والمناطقية والاثنية وغسل الأدمغة ...  جعل من الناس تكفر بعمامة الدجالين وملالي الدين وبكل الكلام المعسول لسادة الاحتلال الذين اعتبروا العراق كمغارة علي بابا، كنز لا يغرف منه إلا من يؤمن مثلهم بتشريح العراق وتقاسم أعضائه وبيعها لجني المزيد من النعم والأموال التي تهرب إلى خارج البلاد، هذا المشهد التراجيدي لشعب يتعرض لأبشع أنواع الابتزاز والتدجين والسطو والتغييب والمصادرة والتعذيب والتهشيم والتلويث والخداع، وليست هناك سوى قوى الحراك الشعبي الوحيدة القادرة على التغيير الجذري وعلى خلع قوى السلطة الباغية، وان اعتمدت أسلوب التدرج والاستدراج المرحلي، وهو ما يتطلب شروطا موضوعية وذاتية متطابقة لتحويل شحنة الإصلاح إلى تيار تحويل يكتسح هذه الكارثة التي تنذر بالمزيد ..!

 

يبدو مما تقدم (وهناك المزيد والكثير من التفاصيل) أن الأمر أكبر بكثير مما يتصور القارئ لما هو مألوف من التعريفات السياسية والاقتصادية الكلاسيكية للفساد. أن الوضع العراقي بحاجة إلى غرفة إنعاش، وغرفة الإنعاش هذه تعني قطع صلته لخارج الغرفة استبعاداً للفايروسات والجراثيم، وهذا يستدعي أولاً، استبعاد الأيادي والإرادة الأجنبية عن القرار السياسي، واستعادة البلاد لاستقلالها وسيادتها، ليكون بوسعها تأسيس أجهزة حكم وطنية مخلصة نزيهة من شخصيات عراقية معروفة بنزاهتها، وتوفير قاعدة عمل أساسها إلغاء كافة الألغام التي تفرق المواطنين، من قوانين طائفية وعرقية، وإقامة نظام حكم مدني، وبدء عملية الإقلاع بأعمار البلاد وهي لوحدها عملية شاقة تحتاج إلى زج كافة قدرات المواطنين العراقيين، عواطفهم وإراداتهم. فالنظام الحالي ليس أكثر من نظام يمثل المصالح الأجنبية، أسس نظام الأوليغارشيا (Oligarchy) يعتمد على النظام الغيبي، بدأ يتحول إلى نظام شاعت في اللصوصية حتى غدت قانوناً عرفياً سائداً وواقعياً، وإلا فأين تسمع مصطلحاًت جديدة في غير عهد الحكومة الدينية في عالم السرقة : جنود فضائيين ...!. وفي حزيران / 2021، أعلن عن وجود قنصليات وهمية(فضائية) فيها مئات الموظفين يتقاضون رواتب عالية وسيارات فاخرة، وكل هذا وهمي لا وجود له إلا على الورق.

 

أكد محافظ البنك المركزي العراقي السابق سنان الشبيبي أن رئيس وزراء السابق وزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي تسلم أموالا أكثر من كل حكام جمهورية العراق مجتمعين من الزعيم عبدالكريم قاسم إلى صدام حسين، وأهدرها .

وبسبب الفساد الإداري والمالي تتفاوت الأرقام والإحصاءات، ولكن بالرغم من ذلك فالمؤشرات كارثية بكل معنى الكلمة. منها:  1000 مليار دولار دخلت العراق منها 800 مليار دولار كواردات للنفط و200 مليار دولار كهبات خارجية، صرف منها 40 مليار دولار للكهرباء، كل هذا خلال 12 عام ، وحتى الآن فان البلاد تشكو من الانقطاع اليومي للكهرباء وبمعدل 15 ـ 20 ساعة، وتشكو من شحة المياه الصالحة للشرب، ومن انحطاط  قياسي لكل الخدمات العامة، ومن نسبة بطالة تجاوزت 30 % ، ناهيك عن تدهور كارثي في مجالات الصناعة والزراعة وكل مجالات الاستثمار المنتج، 148 مجموع مبالغ عقود التسليح والجيش لا يملك سلاحا، حتى أن الميليشيات الطائفية والاثنية تتفوق عليه بسلاحها، 25% من العراقيين تحت خط الفقر، 3 ملايين نازح ومهجر يعتاشون على مساعدات الإغاثة الأممية.

 

ومن أبرز المخلفات الكارثية للفساد العراقي هو تصاعد حجم المديونية العراقية

العراق يسدد ديونه عام 2053

على أن يدفع 8 مليارات دولار سنوياً كفائدة

دخل العراق ترليون دولار

خرج 50% منها بواسطة التحويلات الخارجية

هناك 24 ألف شركة في كردستان14 ألف منها تتهرب من الضرائب

ورغم أن هناك من يحتمل أن الأرقام غير دقيقة، بل ومتضاربة أحياناً، بسبب التكتم وعدم السماح بتسرب حقائق الوضع الاقتصادية الصادم، إلا أن جميع الخبراء والمتابعين يشخصون حالة التراجع، والسقوط في فخ المديونية القتل. حيث أكد الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي العراقي الدكتور عبد الرحمن نجم المشهداني تحذير نائب رئيس صندوق النقد الدولي للحكومة العراقية في "مؤتمر الكويت لإعادة إعمار العراق" من أن سياسة الاقتراض أصبحت خطرة على العراق وستبلغ الفوائد التي يجب على العراق أن يسددها سنة 2022 نحو (60%) من عائداته، أي انه سيكون عاجزا عن تسديد ديونه وعن تسديد الفوائد المترتبة عليها أيضا، العراق يسير نحو كارثة حقيقية لا توليها الحكومة أي انتباه.

وأكد المشهداني أن العراق خلال عامي 2014 و 2016 أهدر (202) مليار دولار، جاءت من (36) مليار دولار قروض أجنبية، و (23) مليار دولار انخفاض احتياطي البنك المركزي، و (33) مليار دولار ارتفاع الدين الداخلي، و (120) مليار دولار عوائد نفطية. وأضاف المشهداني، أن العراق يحتاج إلى (30) عاما لتسديد ديونه الداخلية والخارجية، وهو ما سيخضع مقدرات العراق النفطية لسنوات طويلة تحت رهن البنوك والدول الدائنة.

وقال عضو اللجنة المالية العراقية في البرلمان العراقي رحيم الدراجي، إنه منذ عام 2003 وإلى اليوم، ترتبت على العراق ديون كثيرة بسبب السياسات الخاطئة للحكومات المتتالية، وان الحكومات التي استلمت دفة الحكم ليس لديها حكمة بإدارة السياسة المالية والنقدية للبلد، وكانت الموازنات السابقة للعراق موازنات متضخمة، وتفتقر إلى التدبير، ولم تقم على أساس الدراسة والتخطيط ، إنما قامت على أساس ما يطلق عليه ملء الفراغات، أن الأجيال القادمة ستتحمل أعباء الديون الحالية .

 

وقالت عضو اللجنة الاقتصادية في البرلمان العراقي نوره البجاري، إن الديون التي أثقلت الاقتصاد العراقي أسبابها الفساد المستشري في البلاد، ودخول العراق الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي، فإن الدين العام العراقي بلغ 122.9 مليار دولار منها 73.7 مليار دولار دين خارجي و 49.2 مليار دولار دين داخلي. وتشير الإسقاطات Projections إلى أن الدين العام مرشح للارتفاع ليصل إلى 133.4 مليار دولار في نهاية عام 2022 منها 71.4 مليار دولار دين خارجي و 62 مليار دولار دين داخلي.

 

الدين الخارجي

يتألف الدين الخارجي البالغ 73 مليار دولار في نهاية عام 2017 من أربع شرائح رئيسية هي : 

41 مليار دولار ديون إلى مجموعة الدول غير الأعضاء في نادي باريس للدائنين وأغلبها ديون لدول مجلس التعاون الخليجي التي تراكمت قبل عام 2003 خلال الحرب العراقية الإيرانية. وهي ديون قائمة بيد أنها ديون مجمدة منذ عام 2003 دون أن تراكم أية فوائد ولا يطالب العراق ولا الدول الدائنة بتسديدها. وحسب صندوق النقد الدولي سيتم إعفاء 90% منها أسوة بديون نادي باريس.

6 مليار دولار من ديون نادي باريس التي تم إعادة جدولتها. وكانت هذه الديون تقدر ب40 مليار دولار عام 2003 قبل أن يتم إطفاء 90% من قيمتها وهي تحمل فائدة قدرها 3% تسدد خلال فترة زمنية قدرها 28 عاماً.

4.7 مليار دولار سندات اليورو.

الديون التي تحققت بعد عام 2014 والبالغة 22 مليار دولار وتشمل ديون صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والديون الثنائية.


الدين الداخلي المحلي :

يتكون الدين الداخلي البالغ 49.2 مليار دولار في نهاية عام 2017 بالدرجة الأساس من سندات الخزينة TB بحوزة كل من مصرف الرافدين ومصرف الرشيد والبنك التجاري العراقي والتي يتم إعادة خصمها لدى البنك المركزي العراقي. إلى ذلك قيام المسؤولين والأحزاب التابعة لها بالاستيلاء على مشاريع ضمن صفقات فساد.

ويبلغ المجموع التقريبي لهذه الفوائد والتسديدات على العراق نحو 12423.5 مليار دينار عراقي، أي ما يساوي حوالي 12770 مليار دولار أميركي.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصادر

د. ضرغام الدباغ

د. عادل عامر

شذى خليل

د. أكرم المشهداني

لهب عطا عبد الوهاب

المركز العربي الألماني

برلين

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

مدخل لدراسة

الأمن القطري /  القومي ..

 

مكوناته، اتجاهاته، تحدياته

 

ضرغام الدباغ

 

تثير موضوعات الأمن القومي اهتمامات الكثير من القراء، والمثقفين، وقد لاحظنا من خلال تجاربنا أن معظم المتداولين بهذا الشأن الهام، يخلطون بين المصطلحات التي هي أساساً مترجمة عن اللغات الأجنبية (الإنكليزية، والفرنسية والألمانية) وقد شاء المترجمون عنها، ترجمتها كما هي دون تعديل أو إيضاح ضروري، ثم أني اكتشفت مؤخراً من خلال ندوة تلفازية شاركت بها، ضرورة وضع تعريفات محددة، والتميز بين (الأمن القومي)، و (الأمن الوطني).

 

الأمن القومي:بالألمانية/National Sicherheit، وباللغة الإنكليزية/National Security وهذه الكلمة (National) تترجم (وطني) أو (قومي) اعتماداً على سياق الجملة والمقصود منها، وهكذا تستخدمها معظم الدول الأوربية وغيرها، بدون صعوبات، ولكن الصعوبة تبدأ عندما نستخدمها باللغة العربية.

 

ففي اللغة العربية تستخدم الكلمة على أساس أن الأمن القومي يعني تلقائياً " الأمن القومي العربي "، ويبدأ التضارب عندما نقصد " الأمن الوطني التونسي " على سبيل المثال، أو " الأمن الوطني السوداني "، واقتراحي هو أن نستخدم " الأمن القطري " عندما يتعلق الأمر بأمن تونس أو السودان، ونستخدم عبارة " الأمن القومي " عندما نبحث موضوعات الأمن العربي المشتركة، وهي مشتركة حقاً، بحكم قائمة طويلة من المشتركات المادية والمعنوية، وبحكم أنها تواجه (موضوعياً) ذات المشكلات والتحديات.

 

 

ــ الأمن  القومي (الوطني) :

هو محصلة لمجموع الفعاليات والمجهودات التي تقوم بها الدولة بقيادتها للمجتمع والتي تؤدي إلى حماية استقلالها القانوني والدستوري وسلامة مصالحها الوطنية العليا على المدى القريب والبعيد.

فالأمن القومي هو إذن في مقدمة ما تحرص الدول والقيادات السياسية المحافظة على أسسه وأركانه، وأن أي خلل يصيب أحدى مرتكزاته يهدد سائر أركانه بالخطر، بل وقد ينتشر الخطر ليشمل بالتهديد سائر أركان الدولة، وبالتالي تهديد المصالح الوطنية العليا، فالأمن القومي ليس بحد ذاته ليس هدفاً، ولكن لا بد منه لحماية المصالح الوطنية العليا للبلاد. ومن أهم عناصر الأمن القومي ومرتكزاته الأساسية:

 

الأمن الداخلي.

الاقتصاد الوطني.

القدرة العسكرية.

 

أولاً: الأمن الداخلي:

ويعني الأمن الداخلي بمعناه الشمولي، الأمن الاجتماعي الذي يعني استتباب الأمن وحسن تنفيذ القوانين وسيادة العدالة بما يكفل سير العمليات الاقتصادية والاجتماعية ضمن سياقات وخطط الدولة في التنمية بأصعدتها المختلفة.

 

ثانياً : الاقتصاد الوطني :

وهو بصورة عامة ما يقدمه الشعب من إنتاج صناعي وزراعي وخدمي، وفعاليات اقتصادية أخرى، بما في ذلك الترانزيت والتجارة الداخلية والخارجية..الخ من العناصر المكونة للدخل القومي والناتج القومي الإجمالي.

 

ثالثاً : القدرة العسكرية :

وتمثل القدرة العسكرية أحدى العناصر الهامة لضمان الأمن القومي، وإذا كانت السياسة الداخلية والخارجية تعني التفاوض، فالتفاوض والإقناع هو سبيلها الأول، أما القدرة العسكرية فهي تعني ردع العناصر الداخلية والخارجية من تهديد محتمل أو حاصل فعلاً للأمن القومي تحت توجيه وقيادة القيادة السياسية العليا للبلاد.

 

 

المخطط رقم (1) لاحظ حركة الأسهم من اليسار إلى اليمين

Description: xc

 

ــ المصالح الوطنية العليا:

الأمن القومي حالة تتحقق بفعل تضافر العوامل ومجموع فعاليات الدولة لتحقيق ثوابت أساسية في وجود البلاد ومقومات الدولة، والتي بدونها ستصاب بشلل خطير قد يؤدي إلى تفسخ كيانها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ونعني بها المصالح الوطنية العليا.

 

فالمصالح الوطنية العليا، هي الثوابت الأساسية والجوهرية لوجود الشعب وكيانه السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وهي الأكثر ثباتاً كغاية وأهداف، وصيانتها هي جوهر مهمة الأمن القومي وأهدافه.

 

وبهذا المعنى المصالح الوطنية العليا هي أهم مقومات وجود البلاد، ألا وهي الأرض وحاجات البشر من الخيرات المادية والأمن الضروري لحياة المواطنين وأعمالهم، ويمكن تصنيف المصالح الوطنية العليا بثلاثة عناصر أساسية:

الاستقلال السياسي.

الثروة القومية.

الأمن الاجتماعي.

 

أولاً: الاستقلال السياسي:

والمقصود في مجال بحثنا، هو حماية الأقاليم والحدود الدولية التي تنص عليها المعاهدات الدولية المقبولة والمعترف بها، ويرتبط مفهوم الاستقلال الوطني ارتباطا وثيقاً بالحكم الوطني للبلاد بكافة مظاهره الجوهرية منها والشكلية، الداخلية والخارجية، السياسية والقانونية.

 

وتشكل المعاهدات والتحالفات الغير متكافئة أو المفروضة أو تلك التي تفضي إلى تدخل مباشر أو غير مباشر بالشؤون الداخلية وفعاليات الدولة وعلاقاتها الخارجية أو تؤدي إلى الهيمنة على مصادر ثروات البلاد، تؤدي إلى خرق مفهوم الاستقلال الوطني، أو تلك المعاهدات التي تتيح لقوى أجنبية من اتخاذ أرض البلاد مقراً أو ممراً لقواتها المسلحة بصورة تعارض مصالح البلاد الأساسية، وما شابه ذلك من الفعاليات وأنماط العلاقات غير المتكافئة التي تتجاهل مشاعر أبناء البلاد ومعتقداتهم الوطنية والقومية، فهي تعد جميعها من العناصر التي تضر الاستقلال الوطني.

 

ثانياً: الثروة القومية:

وهي تلك المصادر الطبيعية والنشاطات الإنسانية ذات المغزى الاقتصادي، التي تدر بالفائدة لرخاء البشر والأموال الضرورية لعملية البناء الاقتصادي.

ومن الطبيعي أن تتبوأ الثروات الطبيعية الكامنة، والمستخرجة، التي تمثل لبلد ما، أحد المصادر الرئيسية لتجارته الخارجية، وبالتالي مورداً للعملات الصعبة، كالمعادن مثل النفط والفوسفات وغيرها، أو أن تكون منتجات زراعية مثل: القهوة والكاكاو، والشاي، وغيرها كمصادر رئيسية في تجارة بعض الدول، أو قد يمثل مناخ الدولة المعتدل وموقعها وآثارها مورداً للسياحة.

 

ثالثاً : الأمن الاجتماعي:

ويمثل الأمن الاجتماعي بمعناه الواسع، أحدى الفقرات الهامة في المصالح الوطنية التي يسعى مخططوا الأمن القومي إليها، ويندغم في إطار هذا المصطلح بصفة أساسية : حماية الفعاليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمواطنين والدولة بما يؤدي إلى ثقة المواطنين بأعمالهم ومستقبلهم والأجيال القادمة.

 

وإذ لا يمكن تصور مجتمعاً خلاقاً، إلا بتوفر أسس العدالة والمساواة بين المواطنين، فمن البديهيات المسلم بها، أن الصراعات الداخلية ودرجة حدتها بين مختلف القوى والفئات السياسية والاجتماعية، تخفت أو تتضاءل في ظل وضع اقتصادي وسياسي منتعش ومجتمع تسوده العدالة، وبإشراك أكبر عدد ممكن من المواطنين في العملية السياسية والاقتصادية، وفي ظل قوانين تهدف أساسا إلى تحقيق رفاه المواطنين وحماية حرياتهم الأساسية وكرامتهم وإشعارهم بالقيمة العالية لحقوق المواطنة والتمتع بها، وكذلك التقليل في الفوارق بين مختلف الفئات، فتلكم هي أسس ضرورية لمجتمع يتمتع بالصحة النفسية والاجتماعية والإنتاجية، تتضاءل فيه أسباب الجريمة على اختلاف أنواعها وحدة التطرف في المواقف السياسية للأحزاب والحركات، فشعور الإنسان بالأمن والعدالة والحرية يدفع به إلى التمسك بالنظام والقانون، لا إلى خرقه والتمرد عليه.

 

ــ  سبل تحقيق الأمن القومي

يتبنى مخططوا الأمن القومي أسلوبين أساسيين لتأمين المصالح الوطنية العليا:

 

الأول: الأساليب السياسية.

الثاني: الأساليب العسكرية.

 

أولاً : الأساليب السياسية:

ونقصد بالأساليب السياسية، مجموع الفعاليات والنشاطات الداخلية والخارجية التي تعتمد بالدرجة الأولى على التوصل إلى قناعات مشتركة من أجل الشروع بفعاليات مشتركة، وهو عمل يعتمد أساسا الحوار واستبعاد اللجوء إلى القوة، وفي مجال بحثنا، تمارس الدول هذه الفعاليات كإحدى سبل تأمين المصالح الوطنية العليا.

 

ثانيا : الأساليب العسكرية:

لا بد بادئ ذي بدء، من تأكيد حقيقة، أن الأساليب العسكرية والتي يشكل الحرب قمتها، إنما هي جزء من الأعمال السياسية التي تهدف في محصلتها النهائية إلى تأمين الأمن القومي والمصالح الوطنية العليا، والحرب كظاهرة ملازمة للتاريخ البشري، إنما هي وسيلة من وسائل السياسيين، وهي بهذا المعنى استمرار للسياسة، وللأمر تعقيداته في العصر الراهن، ولابد من الأخذ بنظر الاعتبار التحولات في موازين القوى.

 

 

الأمن القومي العربي

 

ــ مشكلات الأمن القومي العربي:

انصرف مفهوم الأمن القومي العربي إلى قدرة الدول العربية مجتمعة كليًّا أو جزئيًّا على الدفاع عن نفسها وحقوقها وصيانة استقلالها وسيادتها وسلامة أراضيها وتقوية ودعم هذه القدرات بتنمية الإمكانات العربية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية والتقنية استنادا للخصائص الجيوسياسية والسياسية والحضارية التي تتمتع بها أخذا بالاعتبار الاحتياجات الأمنية الوطنية لِكُلّ دولة والإمكانات المتاحة والمتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية التي تؤثر على الأمن القومي العربي الذي يعتبر الركن الأساسي في الأمن الإقليمي وفي استقرار المنطقة كما إن مفهوم الأمن القومي العربي يعتبر وسيلة للحفاظ على الانتماء القومي وتعزيز الهوية العربية ويمثل عنصرا أساسيا في الربط بين الدول العربية وصيانة مصالحها الوطنية والقومية وتحقيق نمائها.

 

وربما يغيب عن معرفة الكثير أن الجامعة العربية على الرغم من القصور في أداءها وكونها أقل من الطموح، إلا أنها رغم ذلك تمثل إطار عمل جيد، ومن أبرز تلك الروابط هي اتفاقية الدفاع العربي المشترك، والأتفاقيات الأمنية العديدة بين الأقطار العربية في مجال تبادل المجرمين، ومكافحة الجريمة وتجارة المخدرات، وهناك مئات الشركات والفعاليات الاقتصادية المشتركة، والأنشطة الاجتماعية والثقافية في عملية تسير ببطء ربما، ولكنها تحرز تقدماً على أية حال.

 

ــ  متطلبات الأمن القومي العربي

التي يجب أن تجد الأنظمة العربية لتحقيقها من خلال ضبط سياساتها الداخلية والخارجية وعلاقاتها الثنائية ومتعددة الأطراف وهي:

1. أن يكون متكاملًا وقائمًا على الوحدة والتعاون.

2. أن يكون واقعيًّا ومنطقيًّا وقابلًا للتطبيق.

3. أن يمتلك القدرة على الردع وبسط السيادة.

4. أن يمتلك الموارد والأدوات اللازمة لتحقيقه.

5. أن يحمل في داخله قيم الحضارة الإسلامية والإنسانية.

 

ــ  أهم المتطلبات اللازمة لصيغة نظرية الأمن القومي العربي وهي:

1. مدى توفر وامتلاك الإرادة السياسية.

2. تحديد ماهية المصالح القومية العربية.

3. لوقوف على طبيعة التهديدات الحقيقية التي تواجهها الدول العربية.

4. القرار فيما إذا كان هنالك عدو حقيقي وآخر وهمي ثالث محتمل.

5. صياغة التحالفات الممكنة التي تحقق الأمن القومي العربي.

6. تحديد المتطلبات ومقارنتها بما يمكن تطبيقه وتحقيقه.

7. وضع الخريطة الشاملة لنظرية الأمن القومي العربي.

 

ــ  التهديدات التي يواجهها الأمن القومي العربي

من خلال استقراء الواقع والحالة التي يعيشها الأمن القومي العربي في 2015 تتمثل أبرز التهديدات التي يواجهها فيما يلي: الإرهاب وأدواته ووسائله.

1. التهديدات النووية في دول الأقليم (الشرق الأوسط).

2. الاختراق الأجنبي،  الإيراني / الروسي، كما في العراق واليمن ولبنان وسوريا.

تداعيات الوجود الصهيوني.

3. الصراعات الداخلي بين مكونات بعض الدول العربية .

4. . الهجرة الداخلية والخارجية .

5. .الفتنة الطائفية في عدد من الدول العربية التي توجد بها إثنيات عرقية وطائفية.

6. البحث في المنازعات على  المياه .( حوض النيل ـ دجلة والفرات).

7. .الخلافات على الحدود بين الأقطار العربية كمدخل لصراعات محتملة.

 

ــ إشكاليات الأمن القومي العربي:

1. إشكالية النظام السياسي العربي..

2. التحديات الخارجية.

3. التحديات الداخلية.

4. الأمن القومي وأمن النظام.

 

ــ بنية الأمن القومي العربي

1. إعادة بناء الإنسان / المواطن.  

2. القضاء على الأمية الأولى والثانية / الجهل. 

3. إعادة نظر جوهرية في نظم التعليم.

4. تحقيق مستوى مقبول من توفير الحاجات الأساسية.

5. العمل على سد فجوة الأمن الغذائي .

6. تطوير تقنيات العمل والتعاون العربي.

7.  تحقيق الوحدة الوطنية لكل قطر عربي.

8. تحقيق تعاون أفضل في مجال التعليم العالي والبحوث.

 

الآليات والوسائل المقترحة:

لعل من أسهل الأمور صياغة الحلول النظرية كالتي صاغتها وخلصت إليها عشرات القمم والمؤتمرات العربية ولكنها ظلت حبيسة الأدراج في انتظار الإرادة السياسة التي تمتلك الرغبة والقدرة على تحقيقها ومن هذه الوسائل والحلول ما يلى:

 

ــ تفعيل دور مجلس الدفاع العربي المشترك وهو المجلس الذي تأسس، بموجب المادة (6) من اتفاقية الدفاع العربي المشترك لعام (1950).

ــ إعادة النظر في خريطة التحالفات الدولية والاقليمية  على ضوء المتغيرات.

احتواء الحواضن الشعبية للحيلولة دون بلوغ درجة الصراعات الداخلية حماية للنسيج والسلم الاجتماعي الداخلي في الدول العربية بدلا من سياسة الاقصاء والتهميش.

ــ الاستفادة من تقلبات التوازن الدولي وإيقاعه المتسارع في إفراز قوى دولية ذات نفوذ اقتصادي وسياسي واستغلال ذلك لخدمة المصلحة العربية والخيارات متوفرة، خاصة في دول جنوب شرق آسيا والصين.

ــ تفعيل دور الجامعة العربية وايجاد آليات لتطوير ميثاق الجامعة العربية ليتسنى لها القيام بأعمالها على المستوى الدولي والإقليمي لتصبح قادرة على اتخاذ القرارات وتنفيذها.

ــ العمل على صياغة برنامج سياسي / ثقافي / إعلامي، لمواجهة السياسية الغربية ووسائل إعلامها في محاولة تشويه الإسلام وربطه بالإرهاب.

ــ ضرورة إشاعة الديمقراطية والمشاركة السياسية في الأنظمة العربية وإعادة صياغة الخطاب السياسي، وضرورة التصويت على القرارات المصيرية تعتزم السلطات تنفيذها لكي يقول الشعب العربي رأيه فيها.

ــ أنتهاج وسائل إعلامية حديثة لتكون قادرة مواجهة الدعايات الغربية التي تستهدف الأمة العربية حضاريًا وثقافيًا وفكريًا وإعلاميًا ودينيًا.

 

ــ العوامل الايجابية والسلبية التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند صياغة خريطة شاملة لنظرية الأمن القومي العربي ومنها:

اتّساع رقعة الدول العربية وكثرتها (22) دولة.

دول الجوار الجغرافي وتعدد مصالحها وتقاطعها في بعض الأحيان.

مراعاة البعد الدولي والإقليمي الحاكم بالوجود الفعلي على الأرض العربية.

تفاوت الوضع السياسي الداخلي للدول العربية.

تفاوت الوضع الاقتصادي للدول العربية المعنية بنظرية الأمن القومي العربي.

اختلاف أنماط التحالفات البينية العربية ومدى تأثيرها سلبا أو إيجابا.

اختلاف أنماط التحالفات الإقليمية والدولية ومدى تعارض هذه التحالفات

أثر الاتفاقات المنفردة التي أبرمتها بعض الدول العربية،مثل اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل ومعاهدة السلام الأردنية – الإسرائيلية.

الاختراق العميق الذي تعرض له الأمن القومي العربي بفعل الاختراقات الصهيونية والأمريكية والإيرانية والروسية وأثره السلبي على صدقية الالتزام القومي العربي، وليس أدل على ذلك من الموقف العربي السلبي من الحصار (الصهيو- أمريكي) لشعبنا في غزة، والموقف السلبي من التدخل الروسي والايراني في سوريا.

مراعاة البعد الطائفي وامتداداته، والحواضن السنية والتيارات الحركية والسياسية وتأثيراتها على الأمن القومي العربي.

 

المركز العربي - الالماني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

السياسة ليست طلاسم

 

ضرغام الدباغ

 

قبيل أيام، وقبل انصرام العام الحزين 2021، كنت في جلسة ضمتني مع قيادات وطنية، وحديث السياسة دائما فاكهة المجالس، والحديث يدور عن احتمالات تطور الموقف السياسي في العراق وفي الساحات العربية والمجاورة ... وهناك المتفاءل كما هناك المتشاءم ... قلت للأخوة أن الأمور لا تحسب هكذا ... لا بالتشاؤم ولا بالتفاؤل، بل بالتحليل المادي الموضوعي، بدون توابل وفلافل ...

 الأمر هكذا: لنحدد الظواهر الحاسمة غير النسبية، ونعتبرها مؤشرات وعلامات، ثم لنربط بين هذه المؤشرات المضيئة، وعلى الأرجح ستتضح معالم الطريق ... وبالاستناد إلى قواعد العمل السياسي التي لا يتجاهلها محترفوا السياسة والدبلوماسية وصناع القرارات الاستراتيجية.

 

إذن ..... الحقائق المادية الثابتة ...

 

ليس كل رغبة للولايات المتحدة تنفذ حتماً.

ليس بالضرورة من تدعمه الولايات المتحدة ينتصر.

نعم بوسع الولايات المتحدة التدخل في أية بلد في العالم، ولكن ليس بوسعها حسم المعركة.

كافة المؤشرات تؤشر، أن الولايات المتحدة مقبلة ليس على معارك كبيرة (ليس بالضرورة أن تكون حربية) وعلى هزائم أكبر.

من الواضح الجلي أن العملية السياسية المتعثرة التي بدأت بعيد احتلال بغداد سارت سيرا متعثراً.. ثم أصبحت نقيصة ومثلبة لمن يشارك بها، ثم أصبحت كارثة، وأخيراً عاراً التصق إلى الأبد بمن شارك بها ومد يده في طبيخها الملوث. والأسباب واضحة ولكن دعنا نضرب عنها صفحاً الآن.

قد تقدم الولايات المتحدة على انسحابات مذلة لحفظ ماء الوجه، بما يشبه الانكسار الواضح.

قد تتخلى الولايات المتحدة تحت الضغط : السياسي / الاقتصادي / العسكري، عن بعض حلفاؤها.

ليست فقط التطورات الدولية التي تشير إلى بروز قوى عالمية جديدة: سياسية واقتصادية وعسكرية، بل وأن درجة تحكم الولايات المتحدة على حلفاء الأمس لم يعد بدرجة مقبولة لأميركا. بمعنى رغبة الحلفاء الانتقال من التبعية إلى الشراكة ..!

والولايات المتحدة بدورها تخاطب حلفاءها في مختلف الساحات : نحن قاتلنا معكم، ووضعناكم على قمة السلطة، وخسرنا سياسيا واقتصاديا وبشرياً، ولكنكم لم تثبتوا أهليتكم السياسية والعقلية (التخطيط) في إدارة أوضاعكم. ونحن مضطرون للنظر بواقعية أكثر لمصالحنا ....!

 ستركز الولايات المتحدة على المحيط الهادي (الباسفيكي) وأستراليا ونيوزيلندة واليابان كمخافر أمامية أمام البر الأمريكي.

 رصانة ومتانة الموقف الصيني على كافة الصعد، بلغ درجة النضج، واللاتراجع.

 الروس يتقنون اللعب وأصول التصرف في أوربا في الساحة الأوربية، ولهم فيها خبرة وباع طويل.

 

ماذا سيجري في العراق ...؟

 

الأمريكان وحلفاءهم هم القوة الأمضى في العراق، رغم فشل كافة مشاريعهم وخططهم فشلا ذريعاً، إلا أنهم يتسيدون الآن الساحة بسبب :

القوة السياسية للولايات المتحدة، والتفوق العسكري الساحق للتحالف الثلاثي (الولايات المتحدة إيران إسرائيل).

تشتت القوى الوطنية المعارضة للاحتلال، وافتقارها لقدرات الرؤية الاستراتيجية والأيديولوجية والسياسية. وثغرات أخرى مهمة.

سياسة الأرض المحروقة والاقتلاع والإبادة والتجريف بلا هوادة التي ارتكبتها قوى الاحتلال وفي المقدمة العدو الفارسي. ولكن هذه ستسجل وباستحقاق المساءلة التاريخية.

الولايات المتحدة حققت تقدماُ على حليفيها (إسرائيل بسبب ضعف معسكرها العراقي، وإيران التي يتعرض جذر موقفها السياسي والأيديولوجي والعسكري للضعف بسبب سوء التخطيط والعمل، وتناقضها الصارخ مع المحيط العربي / الإسلامي.

 

احتمالات الموقف في العراق ...!

 افتضاح الخطط الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية في العراق والمنطقة.

تراجع الوسط الشعبي  المساند للعملية السياسية، وبروز معارضة وطنية جديدة، ستقود الحراك النضالي / السياسي.

سيتأثر الموقف الإيراني بشدة بهزائم تلحق بها في ساحات في المنطقة.

بالتزامن أو كنتيجة لذلك، نظام الملالي الإيراني ومشروعه الفاشل سيندحر في إيران بسبب عجزه التام في صياغة نظرية حكم مقبولة.

سيتبلور الوعي الشعبي في العراق بدرجة ملموسة، وسوف تتوصل الجماهير الشعبية إلى إفراز قيادات وطنية جديدة، والأحزاب الوطنية التاريخية التي تعاني حالياً من مشكلات صعبة، سوف تتخلص (وإن متأخراً) من أزمتها السياسية والآيديولوجية والتنظيمية الخانقة.

 بعض هذه النتائج قد تحقق فعلاً، وتشخيصها بحاجة فقط لرؤية دقيقة بعقل سياسي واع، وملامح المرحلة المقبلة ستكون نتيجة للواقع المادي الموضوع.

 

لسياسة ليست طلاسم

 

ضرغام الدباغ

 

قبيل أيام، وقبل انصرام العام الحزين 2021، كنت في جلسة ضمتني مع قيادات وطنية، وحديث السياسة دائما فاكهة المجالس، والحديث يدور عن احتمالات تطور الموقف السياسي في العراق وفي الساحات العربية والمجاورة ... وهناك المتفاءل كما هناك المتشاءم ... قلت للأخوة أن الأمور لا تحسب هكذا ... لا بالتشاؤم ولا بالتفاؤل، بل بالتحليل المادي الموضوعي، بدون توابل وفلافل ...

 

الأمر هكذا: لنحدد الظواهر الحاسمة غير النسبية، ونعتبرها مؤشرات وعلامات، ثم لنربط بين هذه المؤشرات المضيئة، وعلى الأرجح ستتضح معالم الطريق ... وبالاستناد إلى قواعد العمل السياسي التي لا يتجاهلها محترفوا السياسة والدبلوماسية وصناع القرارات الاستراتيجية.

 

إذن ..... الحقائق المادية الثابتة ...

 

ليس كل رغبة للولايات المتحدة تنفذ حتماً.

ليس بالضرورة من تدعمه الولايات المتحدة ينتصر.

نعم بوسع الولايات المتحدة التدخل في أية بلد في العالم، ولكن ليس بوسعها حسم المعركة.

كافة المؤشرات تؤشر، أن الولايات المتحدة مقبلة ليس على معارك كبيرة (ليس بالضرورة أن تكون حربية) وعلى هزائم أكبر.

من الواضح الجلي أن العملية السياسية المتعثرة التي بدأت بعيد احتلال بغداد سارت سيرا متعثراً.. ثم أصبحت نقيصة ومثلبة لمن يشارك بها، ثم أصبحت كارثة، وأخيراً عاراً التصق إلى الأبد بمن شارك بها ومد يده في طبيخها الملوث. والأسباب واضحة ولكن دعنا نضرب عنها صفحاً الآن.

قد تقدم الولايات المتحدة على انسحابات مذلة لحفظ ماء الوجه، بما يشبه الانكسار الواضح.

قد تتخلى الولايات المتحدة تحت الضغط : السياسي / الاقتصادي / العسكري، عن بعض حلفاؤها.

ليست فقط التطورات الدولية التي تشير إلى بروز قوى عالمية جديدة: سياسية واقتصادية وعسكرية، بل وأن درجة تحكم الولايات المتحدة على حلفاء الأمس لم يعد بدرجة مقبولة لأميركا. بمعنى رغبة الحلفاء الانتقال من التبعية إلى الشراكة ..!

والولايات المتحدة بدورها تخاطب حلفاءها في مختلف الساحات : نحن قاتلنا معكم، ووضعناكم على قمة السلطة، وخسرنا سياسيا واقتصاديا وبشرياً، ولكنكم لم تثبتوا أهليتكم السياسية والعقلية (التخطيط) في إدارة أوضاعكم. ونحن مضطرون للنظر بواقعية أكثر لمصالحنا ....!

 ستركز الولايات المتحدة على المحيط الهادي (الباسفيكي) وأستراليا ونيوزيلندة واليابان كمخافر أمامية أمام البر الأمريكي.

 رصانة ومتانة الموقف الصيني على كافة الصعد، بلغ درجة النضج، واللاتراجع.

 الروس يتقنون اللعب وأصول التصرف في أوربا في الساحة الأوربية، ولهم فيها خبرة وباع طويل.

 

ماذا سيجري في العراق ...؟

 

الأمريكان وحلفاءهم هم القوة الأمضى في العراق، رغم فشل كافة مشاريعهم وخططهم فشلا ذريعاً، إلا أنهم يتسيدون الآن الساحة بسبب :

القوة السياسية للولايات المتحدة، والتفوق العسكري الساحق للتحالف الثلاثي (الولايات المتحدة إيران إسرائيل).

تشتت القوى الوطنية المعارضة للاحتلال، وافتقارها لقدرات الرؤية الاستراتيجية والأيديولوجية والسياسية. وثغرات أخرى مهمة.

سياسة الأرض المحروقة والاقتلاع والإبادة والتجريف بلا هوادة التي ارتكبتها قوى الاحتلال وفي المقدمة العدو الفارسي. ولكن هذه ستسجل وباستحقاق المساءلة التاريخية.

الولايات المتحدة حققت تقدماُ على حليفيها (إسرائيل بسبب ضعف معسكرها العراقي، وإيران التي يتعرض جذر موقفها السياسي والأيديولوجي والعسكري للضعف بسبب سوء التخطيط والعمل، وتناقضها الصارخ مع المحيط العربي / الإسلامي.

 

احتمالات الموقف في العراق ...!

 

افتضاح الخطط الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية في العراق والمنطقة.

تراجع الوسط الشعبي  المساند للعملية السياسية، وبروز معارضة وطنية جديدة، ستقود الحراك النضالي / السياسي.

سيتأثر الموقف الإيراني بشدة بهزائم تلحق بها في ساحات في المنطقة.

بالتزامن أو كنتيجة لذلك، نظام الملالي الإيراني ومشروعه الفاشل سيندحر في إيران بسبب عجزه التام في صياغة نظرية حكم مقبولة.

سيتبلور الوعي الشعبي في العراق بدرجة ملموسة، وسوف تتوصل الجماهير الشعبية إلى إفراز قيادات وطنية جديدة، والأحزاب الوطنية التاريخية التي تعاني حالياً من مشكلات صعبة، سوف تتخلص (وإن متأخراً) من أزمتها السياسية والآيديولوجية والتنظيمية الخانقة.

 

بعض هذه النتائج قد تحقق فعلاً، وتشخيصها بحاجة فقط لرؤية دقيقة بعقل سياسي واع، وملامح المرحلة المقبلة ستكون نتيجة للواقع المادي الموضوع.

 

 

 

 

 

الحروب على أشكالها تقع

 

ضرغام الدباغ

 

الحرب عمل سياسي، بل هي مرحلة من مراحل تطور ملف سياسي معين، وتدور الحروب بين دولتين أو مجاميع من الدول، وتكرس السياسة / الدبلوماسية النتائج النهائية للصراع في الميدان العسكري. فالحرب هي مواصلة للسياسة بوسائل أخرى. وقد تفرض معطيات معينة أن تكتسب الحرب طابعاً خاصاً، فليست كل الحروب علنية، كما أنها لا تدور حتماً بين دولتين فقط، ولا تشترط المعاهدات التي تتوصل لها الدبلوماسية، أن تكون بين دولتين، ولا يشترط أن تكون كلها علنية، فقد تكون سرية بالكامل أو جزئياً. والقوى التي تدعي أنها مسالمة أو أنها تنبذ الدبلوماسية السرية، قد تلجأ إلى التحالفات السرية أو العلنية، وتعقد المعاهدات، أو تبقى طي الكتمان في الخزائن الحديدية، كمعاهدة كامبل ــ  لندن/ 1905 ، أو كمعاهدة سايكس بيكو / 1919. (1) (2).

 

وهناك من المؤرخين من يعتقد أن الحروب التي كانت تدور في العصور القديمة والوسيطة، دون أن يتبلور الشكل السياسي لها، حتى بدأ العالم يتعرف على أسلوب سياسة المؤتمرات الدولية، والمقررات والنتائج، وحقوق المنتصرين، أو المهزومين، وذلك عندما بدأت القوى الدولية تتعرف على نظم العلاقات، التي أخذت تبرز على مسرح العلاقات الدولية كقواعد عمل ومؤسسات دولية، وذلك  بعد مؤتمر أكس لاشابل 1818 (Congress of Aix-la-Chapelle). (3)

 

ولم يكن مؤتمر اكس لاشابل سرياً، ولكنه أسس ومهد لما سيطلق عليه من الآن فصاعداً بمصطلح القوى العظمى، التي أسست تفاهمات وباشرت بتقسيم العالم إلى مناطق نفوذ وهيمنة، واستيطان واستعمار، وهيمنة على البحار والمضائق، ولاحقا تقاسم الثروات الطبيعية.

 

كانت الحرب العالمية الأولى ذروة تلك المرحلة وانهيار أسس أكس دي لاشابل، إذ لم تعهد معطيات أكس لاشابل السابقة لعهد الاستعمار، تكفي للمرحلة الاستعمارية الجديدة، وبهذا المعنى، فقد كان التطور التكنيكي يمثل التحدي الأعظم الذي واجه الدول، والذي أدى إلى الاستعمار والتوسع، وأيضاً إلى ضعف إمبراطوريات ودول استعمارية عجزت عن مواكبة التطور الفعلي، أو عجزت عن كبح جماح قوى استعمارية أقوى منها، وهكذا انطفأ مجد أو تقلص حجم إمبراطوريات استعمارية مثل: الدولة العثمانية، أسبانيا، البرتغال، هولندا، ألمانيا.. إلخ . وكان الوجود الاستعماري يشمل 67% من مساحة اليابسة في الكرة الأرضية، ما لبث أن اتسع إلى 85% عام 1914.

 

وتشير الإحصائيات أيضاً، أن بضعة دول قد تحكمت بالعالم بفعل تطورها الاقتصادي (بفعل تطورها الصناعي) والسياسي، وفي مراجعة مصادر تلك المرحلة نستنتج أن مستقبل وأمن الشعوب والأمم المغلوبة لم يكن وارداً في حسابات الاستراتيجية الاستعمارية التي وجهت كافة مساعيها إلى التوسع والحصول على المزيد من المكاسب، في وقت غدا فيه التنافس لكسب الأراضي من مظاهر القوة ومن ضرورات المصالح الحيوية الاستراتيجية للدول الاستعمارية الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا، التي توسعت في القرة الأفريقية، وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى لم يكن في القارة الأفريقية أية دولة مستقلة.

 

وحتى نهاية القرن التاسع عشر، كانت المؤشرات السياسية تشير، أن الحملات الاستعمارية قد بلغت أوجها، كما كانت الدول الأوربية قد أنجزت تدعيم كياناتها السياسية (إقامة أنظمة دستورية) وقد أفرزت في غضون ذلك خارطة سياسية جديدة في أوربا بفعل الصراعات والحروب، كما ظهرت إلى الوجود دولتان صناعيتان جديدتان كقوى مهمة نتيجة لتضافر عوامل عديدة أبرزها الوحدة القومية وهما ألمانيا وإيطاليا، وراحت تطالب بأمتيازات الدول العظمى.

 

ولما لم يعد هناك ما يمكن التنافس والتزاحم عليه، إذ كان قد تم الاستيلاء على 85% من مساحة اليابسة في الكرة الأرضية، أخذت الدول الاستعمارية تخطط لسلب الامتيازات والممتلكات الاستعمارية بعضها البعض، وتفتش عن الذرائع حتى الواهية منها، وبذلك كان الموقف الدولي عشية الحرب العالمية الأولى قد غدا شديد التوتر.

 

وحتى نهاية القرن التاسع عشر، كانت المؤشرات السياسية تشير، أن الحملة الاستعمارية قد بلغت أوجها، كما كانت الدول الأوربية قد أنجزت تدعيم كياناتها السياسية وقد أفرزت في غضون ذلك خارطة سياسية جديدة في أوربا بفعل الصراعات والحروب، كما ظهرت إلى الوجود دولتان جديدتان كقوى مهمة نتيجة لتضافر عوامل عديدة أبرزها الوحدة القومية وهما ألمانيا وإيطاليا.

 

ولما لم يعد هناك ما يمكن التنافس والتزاحم عليه، إذ كان قد تم الاستيلاء على 85% من مساحة اليابسة في الكرة الأرضية، أخذت الدول الاستعمارية تخطط لسلب الامتيازات والممتلكات الاستعمارية لبعضها البعض، وتفتش عن الذرائع حتى الواهية منها، وبذلك كان الموقف الدولي عشية الحرب العالمية الأولى قد غدا شديد التوتر. إذا كانت القارة الآسيوية لا تضم سوى دولة مستقلة واحدة (اليابان)، والقارة الأفريقية على دولتان (مصر وساحل العاج).

 

وبعد الحرب العالمية الثانية نشأ موقف سياسي له طابعه الخاص في منطقة البلقان، وهي المنطقة التي تم من شرقي الدانوب وحتى نهاية القارة الأوربية من جهة تركيا وتشمل : رومانيا، بلغاريا، البانيا، بلاد الصرب، اليونان، مقدونيا، كرواتيا، البوسنة والهرسك، سلوفينيا، الجبل الأسود، كوسوفو.

 

 وبأعتبار أن هذه المنطقة متقاربة في الخصائص الاقتصادية تتميز بالضعف الاقتصادي (قياسا إلى أوربا الغربية)، والثقافية (ومعظمهم يتبعون الطائفة الأرثوذوكسية)، يشتد التنافس لقيادة المنطقة، والصرب هم القومية الأكبر، وكذلك العنصر اليوناني والمقدوني، والألباني، لذلك كان، وما يزال من السهولة التدخل في شؤون المنطقة، والتنافس قاد لحروب اشتركت فيها أطراف من غير المنطقة، كالروس (الأرثودوكس)، والنمساويين، والإيطاليين، والأتراك (دعما للكيانات المسلمة)،  وقوى بعيدة كبريطانيا وفرنسا وألمانيا. ما لبث التدخل الخارجي أن وجد ممثلين له من كيانات المنطقة، فتحولت إلى حروب أهلية ، وهكذا أطلق عليها " بلقنة الأزمة " أي أنها تحولت أي حرب بين عناصر المنطقة.

 

وقد تنجح الدول الكبرى في (لهشاشة الموقف الداخلي)، في تحويل الصراع الذي يدور لمصالحها، بين أطراف المنطقة أنفسهم، وقد مارست الولايات المتحدة هذه السياسة (البلقنة) في فيثنام حين حولت فيثنام إلى ساحة صراع دولية، ثم جعلت الفيثناميين أنفسهم وقوداً للحرب، (فثنمة الحرب) ومثل هذه السياسة مورست في لبنان، حين وجدت من الأطراف اللبنانية من يحارب خدمة لمصالحها (لبننة الصراع)  ومثل هذه التوجهات تدور حالياً أيضا في سوريا والعراق.(4)

 

بعد أقل من عقدين من الزمان، كانت المقدمات الموضوعية تتجمع وتتراكم، فكان لنهوض ألمانيا كدولة صناعية كبيرة، ومثلها إيطاليا، وتوافرت على قيادات طموحة تسعى لتقسيم جديد تنال فيه بتقديرها ما تستحقه كدول عظمى، وتزيل ألمانيا عن كاهلها العقوبات القاسية التي فرضتها معاهدة فرساي (1919)  لذلك كانت سحب ونذر الحرب العالمية الثانية تتراكم، وحالة السلام الهش في أوربا لم يكن سلماً بقدر ما كان فرضاً للهيمنة البريطانية. وبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، أسفرت عن نتائج وصورة لموقف وقوى سياسية وتوازن سياسي جديد في أوربا، وانقسمت القوى العظمى إلى معسكرين: الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة، والاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي.

 

وحين تمكن الاتحاد السوفيتي من كسر الاحتكار الأمريكي/الغربي لصناعة السلاح الذري وحيازته، (1949)، كان ذلك يمثل العامل الوحيد الذي أرغم الولايات المتحدة على وضع نهاية للحرب الكورية، ثم قادت النجاحات السوفيتية في مجال العلوم (الفضاء خاصة) إلى أن تدرك الولايات المتحدة والغرب أن الحرب لم تعد لعبتها المفضلة، فلجأت إلى ما أطلق عليه بالحرب الباردة (Cold War)، والتي تواصلت حتى لقاء القمة بين الرئيسان الأمريكي بوش والسوفيتي غورباتشوف، وبعدها تفكك الاتحاد السوفيت وقام بحل حلف وارسو، دون أن يقوم الأمريكان بالمثل بحل حلف الناتو، وهو ما يمثل مؤشراً هاماً في السجال الاستراتيجي بين القوى العظمى. (5)

 

خلال مرحلة الحرب الباردة كانت الحرب بين القوتين الأعظم خياراً مستبعداً، بسبب الخزين الهائل من أسلحة الدمار الشامل : الذرية والهيدروجينية والنيوترونية، وأيضاً تطور الوسائل الناقلة لها من الصواريخ من حيث المدى والدقة، لذلك كان الطرفان يعمدان إلى خلق، أو تشجيع ودعم بؤر التوتر، وهكذا نشب مصطلح الحروب بالوكالة (Proxy war)، وهذه دارت في شتى قارات العالم، وكانت خسائرها المادية (بالعتاد والمال) كما خسائرها بالأرواح لا تقل عن الحروب المفتوحة المباشرة (دون الخيار النووي). وهذه دارت في كوريا وفيثنام، ولاوؤس وكمبوديا، والشرق الأوسط وكوبا (بدرجة ما)، فهذه ساحات مثل الصراع فيها، صداماً غير مباشراً بين القوتين الأعظم. (6)

 

جرائم دولية خارج الحرب : وفي أواخر حقبة الحرب الباردة، حين كان التعايش السلمي وحل المشكلات يجري نقاشها خلال مؤتمرات قمة بين القطبيين الأعظم، وبعدها، مارست الولايات المتحدة، والغرب عموماً التدخل المسلح بوسائل مختلفة، سواء اتفقت مع القانون الدولة وشريعة الأمم المتحدة أم لم تتفق. فافتتحت الولايات المتحدة الأمريكية مرحلة العولمة (Globalisation) واحتكرت تفسير هذا المصطلح، أن قوة عظمى واحدة في العالم تفعل ما تشاء، خارجة عن القانون الدولي، والقوانين الجنائية، وطبقت تفسيرها بأعتداءات عسكرية واسعة في أفغانستان (2001)، ثم في العراق (2003)، واعتداءات محدودة في أرجاء مختلفة (تنفيذ أغتيالات، وقصف بالصواريخ البعيدة المدى)، دون أن تمتلك سلطة قضائية محلية أو دولية مقاضاتها عن مئات ألوف الجرائم التي ارتكبت في شتى أرجاء العالم. فالولايات المتحدة استبقت هذا بإعلانها الصريح أن الأمريكيين لا يخضعون للمساءلة القانونية لا في الدول ولا أمام المحاكم الدولية. ومن تلك مثلاً أنها قصفت ملجأ العامرية المخصص للمواطنين المدنيين(فبراير ــ شباط / 1991)، رغم أنه مؤشر في الخرائط الدولية، لقى فيه أكثر من 400 شخص مدني مصرعه. وقصفت معمل كيماويات (أدوية) في السودان، وليبيا. (7)

 

وللدول الاستعمارية سجل كبير في جرائم الحرب، ولكنها تضع نفسها فوق القانون، وتحاكم خصومها من السياسيين والقادة وتنزل بهم العقوبات، في حين يفلت من العدالة مجرمون، ارتكبوا جرائم الإبادة، وهم لا ينكرونها، ولكن هناك حماية سياسية تحول دون تقديمهم للعدالة.

 

الحرب عمل سياسي، بل مرحلة من مراحل تطور ملف سياسي معين، هذه تسمية التي بوسعي أن أقدم لها وأصفها وأثبت صدق وصحة أطروحتي، هي حروب تدور حين تهدف الدولة المحاربة إخفاء غاياتها الحقيقية، ربما لدناءتها، أو همجيتها، أو ربما لمقتضيات سياسية، وأهداف سرية، الإعلان عنها ينطوي على الضرر أكثر من الفائدة. وكنا قد تعرفنا على أصناف من المعاهدات والحروب.

 

الحروب السرية  (Secret Wars) : هناك الحروب السرية، وهي خطط تفصيلية تضعها دولة ما تستهدف كياناً سياسياً، لإلحاق الضرر أو التدمير الشامل، ولكن دون إعلان حرب. لأغراض تكتيكية، وتتولي الأجهزة الاستخبارية تنفيذ مهام الحرب السرية، وتتولى تلفيق وترتيب اتهامات بحق الدول والأفراد المسؤولين، التحقق منها سيتطلب وقتاً طويلاً، ترزح فيه الدول المستهدفة في حقل الاتهام، وضغط سياسي وإعلامي واقتصادي تتكبد فيه خسائر مادية ومعنوية.

 

والحروب السرية قد تبدأ بحرب إعلامية، بتجميع مبررات عدوان، ثم تشجيع جماعات وكتل انشقاقية ودعمها بالمال والسلاح والتدريب، وفرض أنظمة معاقبة اقتصادية والية من أجل الإضرار بالاقتصادات الوطنية، وقد تقوم مجاميع عمل سرية بالقيام بعمليات تخريب واغتيالات، وصولاً إلى إقامة مناطق خارج سيطرة الحكومات الوطنية، وفي قائمة الأعمال التي تؤدي هذا الغرض واسعة وكثيرة، وجميعها تعتبر من وجهة النظر القانونية الدولية تدخلاً فاضحاً في الشؤون الدولية، تحضره القوانين والأعراف الدولية.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش

 

1. مؤتمر كامبل بنرمان 1907 (Campbell-Bannerman Conference) هو مؤتمر أنعقد في لندن عام 1905 واستمرت جلساته حتى 1907، بدعوة سرية من حزب المحافظين البريطانيين بهدف إلى إيجاد آلية تحافظ على تفوق ومكاسب الدول الاستعمارية إلى أطول أمد ممكن. وقدم فكرة المشروع لحزب الأحرار البريطاني الحاكم في ذلك الوقت، وضم الدول الاستعمارية في ذاك الوقت وهي: بريطانيا ، فرنسا، هولندا، بلجيكا، إسبانيا، إيطاليا. وفي نهاية المؤتمر خرجوا بوثيقة سرية سموها "وثيقة كامبل" نسبة إلى رئيس الوزراء البريطاني آنذاك هنري كامبل بانرمان. وهو أخطر مؤتمر حصل لتدمير الأمة العربية خاصة (الإسلامية عامة) وكان هدفه إسقاط النهضة وعدم استقرار المنطقة.

 

2. اتفاقية سايكس بيكو في 1916(Sykes–Picot Agreement): هي معاهدة سرية  بين  فرنسا  والمملكة المتحدة بمصادقة من الإمبراطورية الروسية وإيطاليا على اقتسام منطقة الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا، ولتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا وتقسيم الدولة العثمانية التي كانت المسيطرة على تلك المنطقة في الحرب العالمية الأولى. اعتمدت الاتفاقية على فرضية أن الوفاق الثلاثي سينجح في هزيمة الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى ويشكل جزءًا من سلسلة من الاتفاقات السرية التي تأمل في تقسيمها. وقد جرت المفاوضات الأولية التي أدت إلى الاتفاق بين 23 نوفمبر 1915 و 3 يناير 1916، وهو التاريخ الذي وقع فيه الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو  والبريطاني مارك سايكس على وثائق مذكرات تفاهم بين وزارات خارجية  فرنسا وبريطانيا    وروسيا القيصرية آنذاك وصادقت حكومات تلك البلدان على الاتفاقية في 9 و 16 مايو / أيار 1916.

 

3. مؤتمر اكس لاشابيل 1818 (Congress of Aix-la-Chapelle) : وحضره رئيس الوزراء الفرنسي الدوق دي ريشيلو ممثل  لفرنسا  وتضمن سحب قوات الاحتلال من الأراضي الفرنسية فطلب رئيس وزراء فرنسا ضرورة سحب قوات الاحتلال قبل ال 5 سنوات، وذلك لكي لا يتضايق الفرنسيين وتستيقظ روح الثورة،  اضطر ولنجتن قائد قوات الاحتلال لإرسال محققين لدراسة حال الرأي العام الفرنسي وسرعان ما كان الصواب مع رئيس الوزراء الفرنسي وأعلن الحلفاء عن  استعدادهم لسحب هذه القوات بشرط: أن يدفع الفرنسيون غرامة الحرب التي حددتها  معاهدة الصلح ولكن رئيس وزراء فرنسا لم يكتف بذلك، فراح يطالب القوى الأربع الكبرى بأن يقبلوا فرنسا أن تنظم إليهم كعضو في زمرة القوى الكبرى، مؤكداً أن في ذلك: إرضاء العزة القومية للفرنسيين، ثم تدعيم النظام الملكي الفرنسي ووافقت الدول الكبرى على انضمام فرنسا لهم وصارت المحالفة الرباعية محالفة خماسية بعد انضمام فرنسا لعصبة الكبار تم تأسيس صرح التظافر الأوروبي ولكنه كان المسمار الأول في نعش ذلك التظافر فانخفضت درجة تحمسهم للتحالف الرباعي فحدث بعد ذلك ثورات عديدة في  إيطاليا  وأسبانيا  وغيرها ولم يجلس الخمسة الكبار مكتوفو الأيدي، إذ سرعان ما دعوا إلى عقد مؤتمر تروباو، بهدف مناقشة المستجدات المشار إليها على الساحة الأوروبية. حيث قررت الدول المشاركة في هذا المؤتمر بتوجيه ضربة عسكرية مشتركة ضد الجزائر لإجبارها على التخلي عن سيادتها البحرية.

 

4. البلقنة (Balkanization): البلقنة مصطلح ظهر في نهاية الحرب العالمية الأولى لوصف التجزء الإثني والسياسي لمنطقة البلقان نتيجة انحلال الدولة العثمانية  وقد أعيد استخدام المصطلح في الحديث على منطقة البلقان للمرة الثانية إبان الحروب اليوغسلافية في تسعينيات القرن 20 م، وهي التي اتسمت بعنف وصل إلى حد التطهير العرقي. يستخدم هذا المصطلح اليوم للتعبير عن انشطا دولة ما تحوي إثنيات مختلفة، وسقوطها في الحرب الأهلية والتطهير العرقي، بشكل يشابه ما حدث في منطقة البلقان.  

 

5. الحرب الباردة Cold War)) : هي فترة الحرب الباردة الممتدة من إعلان مبدأ ترومان في عام 1947 وحتى انتهاء الحرب الكورية في عام 1953. نشأت الحرب الباردة في أوروبا بعد سنوات قليلة من فوز التحالف الناجح بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والمملكة المتحدة بالحرب العالمية الثانية في أوروبا، وامتدت إلى 1989-1991. في عام 1947، صاغ برنارد باروخ، الممول المليونير والمستشار لعدة رؤساء من وودرو ويلسون إلى هاري ترومان، مصطلح "الحرب الباردة" لوصف العلاقات الباردة بشكل متزايد بين حليفي الحرب العالمية الثانيةالولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي

 

6. حرب بالوكالة (Proxy war) : هي حرب تنشأ عندما تستخدم القوى المتحاربة أطرافا أخرى للقتال بدلا عنها بشكل مباشر. رغم أن القوى استخدمت حكومات أخرى كوكلاء للحرب، إلا أن المرتزقة والأطراف العنيفة غير القانونية وأطراف أخرى يتم استخدامها بشكل أكثر، حيث تأمل القوى أن تتمكن هذه الأطراف من ضرب أطراف أخرى دون الانجرار إلى حرب شاملة.

حدثت بعض الحروب بالوكالة في نفس الوقت الذي حدثت فيه حروب شاملة. من شبه المستحيل أن تحدث حروب خالصة بالوكالة، حيث أن الأطراف الوكيلة قد يكون لها أهدافها الخاصة التي قد تنحرف عن مصالح الأطراف التي وظفتها. وعادة ما يكون استخدام حروب الوكالة أفضل استخدام خلال الحروب الباردة، حين تصبح ضرورة لإجراء نزاع عسكري مسلح بين طرفين متحاربين بينما تستمر الحرب الباردة.

 

7. جرائم دولية: جريمة ملجأ العامرية أو رقم خمسة وعشرين هو ملجأ يقع بحي العامرية  في  بغداد، العراق، قصف أثناء حرب الخليج الثانية. فقد أدت إحدى الغارات الأميرية يوم 13 فبراير، 1991 على بغداد بواسطة طائرتين من نوع أف-117 تحمل قنابل ذكية إلى تدمير الملجأ مما أدى إلى مقتل أكثر من 400 مدنيٍ عراقيٍ من نساء وأطفال.  وقد بررت قوات التحالف المهاجمة هذا القصف بانه كان يستهدف مراكز قيادية عراقية لكن أثبتت الأحداث أن تدمير الملجأ كان متعمدًا خاصة وأن الطائرات الأميركية ظلت تحوم فوقه لمدة يومين.  الملجأ أخذ اسمه من الحي الذي يقع فيه بين البيوت السكنية، بجوار مسجد ومدرسة ابتدائية، إنه ملجأ مجهز للتحصن ضد الضربات الكتلوية أي الضربات بالأسلحة غير التقليدية الكيماوية أو الجرثومية، محكم ضد الإشعاع الذري  والنووي والتلوث الجوي بهذه الإشعاعات، ولقد أعلن الأردن الحداد على الضحايا لمدة ثلاث أيام وطلب مع أسبانيا بتحقيق دولي بالجريمة. الملجأ يتسع لألف وخمسمائة شخص، يمكن أن يلجأوا داخله لأيام دون الحاجة إلى العالم الخارجي، فهو مجهز بالماء والغذاء والكهرباء والهواء النقي غير الملوث. البناية ثلاثة طوابق، مساحة الطابق 500 متر مربع، سمك جداره يزيد على متر ونصف المتر كذلك سقفه المسلح بعوارض حديدية سمكها أربعة سنتيمترات، تؤدي أبواب الطوارئ الخلفية إلى السرداب وتؤدي سلالمه الداخلية إلى الطابق الأرضي حيث كان يقيم الملتجؤون.

 

المركز العربي الألماني

برلين

 

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

حصاد عهد

 المستشارة أنغيلا ميركل

 

ضرغام الدباغ

 

يوم الثامن من كانون الأول ــ ديسمبر / 2021، كان اليوم الأخير في ولاية السيدة الدكتورة أنغيلا ميركل، أستاذة الفيزياء التي اقتحمت السياسة منذ أكثر من 30 عاماً،  واليوم سيحين لها أن تنسحب لترعى حياتها ... بعد 16 عاماً تولت فيها منصب المستشارية (رئيسة الوزراء)، وأدارت فيها دفة الحكم في بلد كبير، يتمتع بمكانة سياسية / اقتصادية / ثقافية كبيرة في أوربا والعالم، بمهارة ملحوظة.

 

الدولة في ألمانيا، آلة متقنة الصنع محكمة متينة لذلك تؤدي دورها بكفاءة المكائن والصناعة الألمانية عموماً التي يشهد لها العالم بالنجاح والقوة والأداء المتقن.  ولهذا فإن نجاح المستشارة ميركل لا يعود لكفاءتها الشخصية فحسب، بل وأيضا لكفاءة أداء الدولة الألمانية التي تولت قيادتها. فهي استلمت الحكم من مستشار كفء وهو السيد غيرهارد شرويدر، الذي حقق منجزات تشريعات ومنجزات مهمة، الذي بدوره أستلم دفة البلاد من أحد مستشاري ألمانيا التأريخيين (هيلموت كول) الذي في عهده (1990) تم إحراز الحلم الألماني العظيم المتمثل بالوحدة الألمانية وتولت عام 1001 لأول مرة منصب الوزارة، وفي   22 نوفمبر/تشرين الثاني 2005 فازت في الانتخابات بفارق بسيط ضد المستشار شرويدر وتولت منصب المستشارية. كأول إمراة في تاريخ ألمانيا تتولى هذا المنصب. هل نجحت ميركل في فترة حكمها ..؟

بتقديرنا أن الأمور لا تقاس بهذه البساطة. فهي استلمت الحكم بفارق بسيط عن مستشار كان ناجحاً في إدارته للحكم ومهد للكثير من الخطوات المهمة سياسياً وأقتصادياً،  ومؤشرات النجاح المحلية تتمثل بإيجاد الحلول للمشكلات المشخصة كمعضلات في الواقع الألماني، ففي عهدها حقق الاقتصاد الألماني تقدماً في حين تراجعت الاقتصادات الأوربية بفضل سياسة مالية صارمة، وصمد الاقتصاد الألماني في هزة الديون التي أندلعت في معظم الدول الأوربية، وهذه سمة للاقتصاد الألماني بصفة عامة، في أن يمثل قاطرة الاقتصاد الأوربي. ثم واجهت مشكلات الهجرة وهذه ما تزال مطروحة بسخونة اليوم، وأيضا صعود الشعبويون(اليمن الألماني المتطرف) الذي يبدو أن لا مستقبل له، فألمانيا في العقد الثالث من الألفية الثالثة ليست ألمانيا الثلاثينات، ولا يمكن مواجهة المشكلات الألمانية الداخلية بشعارات التطرف والتحريض، فهذه سوف لن تورث سوى تعميق المشكلات، فضلاً عن أن اليمين الألماني فشل في توجيه خطاب جذاب للجمهور، وتسعير العداء تجاه الأجانب لا يصلح أن يكون مقدمة لخطاب سياسي / اقتصادي / ثقافي .

 

بعد 16 عاماً على رأس البلاد، يجد المسيحيون الديموقراطيون كحزب أنفسهم  في موقع المعارضة. وإن كانت ممارسة الحكم قد ساهمت في تراجع موقعهم كما يحصل عادة، فإن ذلك نتج أيضاً من عجز ميركل عن التمهيد لخلافتها. فبعدما استبعدت بشكل منهجي القادة المحافظين الذين يمكن أن يشكلوا منافسة لها، مثل الليبرالي فريدريش ميرتس أو نوربرت روتغن، الوزير الوحيد الذي أقالته منذ 2005، راهنت المستشارة لفترة على أورسولا فون دير لاين، قبل أن تسلط الضوء على أنيغريت كرامب- كارنباور التي عدلت عن الترشح، مفسحة لأرمين لاشيت الذي ارتكب أخطاء وهفوات.

 

وكانت المستشارة ميركل قد لخصت شعارها في 22 تموز/يوليو بالقول "الحياة بدون أزمات أسهل، لكن حين تحلّ الأزمات، يجب مواجهتها". وعددت المستشارة عندها خمس أزمات كبرى واجهتها، منها :

الأزمة المالية عام 2008 إلى

 تفشي وباء كوفيد-19 (كوورونا)، مروراً

إنقاذ اليورو ثم أزمة

ملف اللاجئين، وخصوصا السوريين عام 2015

والاحترار المناخي.

غير أن فتح أبواب بلادها أمام اللاجئين يبقى أبرز قرار في عهد ميركل، يثني عليه مؤيدوها باعتباره قراراً شجاعاً. كما أن ميركل حصدت الإشادات لتعاطيها مع الأزمة الصحية وجائحة كورونا.

 

في مجال السياسة الداخلية

تميزت انتخابات 2017 التي كرست ميركل مستشارة لرابع ولاية على التوالي، بدخول حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني الشعبوي لأول مرة إلى البرلمان  كما أن تبايناً كبيراً لا يزال يسجل بين الغرب والشرق، إذ تبقى مناطق في ألمانيا الشرقية سابقاً بمنأى عن المعجزة الاقتصادية الألمانية. كما تبقى نسبة الوظائف الصغرى المتدنية الدخل مرتفعة.

 

واغتنم هذا الحزب المعادي للإسلام الذي انبثق جناحه الأكثر راديكالية من حزب النازيين الجدد، المخاوف الناجمة عن فتح أبواب ألمانيا أمام المهاجرين عام 2015 لينمو وخصوصاً في مناطق ألمانيا الشرقية سابقا حيث يلعب دوراً سياسياً مهماً. وبات الخطر الإرهابي الناجم عن اليمين المتطرف مصدر الخوف الأول، ومتقدماً على الخطر الجهادي، بعد وقوع عدة هجمات دامية. كما تسجل زيادة في الهجمات ضد اليهود.

 

كما أن المستشارة الأولى في المانيا الفدرالية لم تنجح في ترسيخ موقع المرأة في السياسة، وتبقى نسبة النساء المنتخبات في مجلس النواب حالياً بمستوى 34%، وهي نسبة بالكاد أعلى مما كانت عند وصول ميركل إلى السلطة عام 2005 (32,5%).

 

وداخليا أيضاً، يؤخذ على المستشارة أنغيلا ميركل أنها أنهت 4 ولايات من الحكم ( 16 عاما) وانسحبت من الساحة السياسية وسط شعبية كبيرة. بيد أنها انتقدت لافتقادها "للرؤية". كما تعرضت لانتقادات "لفشلها" في ترسيخ موقع المرأة السياسي ومن غير أن تكون مهّدت لخلافتها، تاركة إرثاً متبايناً.

 

الملفات الأوربية اليوم تعد ملفات بالغة الحيوية والحساسية، كما لم يكن عليه الحال في الثلاثينات، فالتنافس بين الأقطاب الاستعمارية (مستعمرين قدامى: بريطانيا وفرنسا، ومستعمرين جدد : ألمانيا وإيطاليا) كانت رائجة في الثلاثينات،  بين قوى قديمة وقوى صاعدة، والاتحاد السوفيتي الذي كان يسعى لأن تكون له مكانته وتأثيراته في السياسة الدولية، واليوم تبدو صورة الموقف مختلفة بدرجة كبيرة.

 

وعهد المستشارة ميركل واجه محاولات الهيمنة الأوربية، وإذا كانت ازمة العلاقات الأمريكية / الأوربية في حقبة أوباما الديمقراطي، تدور بهدوء وتحت السيطرة، فإنها بدت مختلفة في عهد ترامب الجمهوري، وبلغ الخلاف لدرجة التوتر، ولم تخفف المواجهة الصينية ـ الروسية / الأمريكية من حدة التباين إلا قليلاً، وتؤشر معطيات عديدة إلى أن الأوربيين ماضون بأتجاه الاعتماد على الذات دفاعياً، وإدارة العلاقات ضمن العالم الغربي ستكون واحدة من المهام الصعبة حتى للإدارة الألمانية الجديدة.

 

المستشار الجديد السيد أولاف شولتس شغل منصب وزير المالي في حكومة ميركل، وكان قد خلف في هذا المنصب المهم (الذي يلي في الأهمية منصب المستشار) خلفا للسيد شويبلة، وهو سياسي مخضرم كفوء ومحنك، عرف عنه الصرامة الشديدة والدقة، فسار السيد شولتس في وزارة المالية على سياسة سلفه.

 

على صعيد السياسة الدولية

شهد الدور الذي لعبته ألمانيا على الساحة الدولية تطوراً على مدى 16 عاماً. ففي ظل صعود النزعات الشعبوية، وصفت صحيفة نيويورك تايمز ميركل بأنها "زعيمة العالم الحر" الجديدة. وتنامى النفوذ الألماني في آسيا كما في أفريقيا، القارة التي زارتها المستشارة أكثر بكثير من أسلافها. غير أن حصيلة سياستها الخارجية تبقى موضع جدل إذ يبقى وزن ألمانيا الجيوسياسي أدنى بكثير من نفوذها الاقتصادي.ا كما واجهت نتقادات لتقاربها مع روسيا والصين

 

وعلى صعيد آخر، فإن استراتيجية التقارب والتعاون التي انتهجتها أنغيلا ميركل رغم الظروف تجاه روسيا برئاسة فلاديمير بوتين، وأبرز تجلياتها مشروع خط أنابيب الغاز "نورد ستريم 2" المشترك، لم تقنع الكرملين بالتخلي عن سياسته المتصلبة، ولم تساعد في تسوية النزاع بين موسكو وكييف.

 

كما واجهت ميركل انتقادات متزايدة لإعطائها الأولوية للتبادل التجاري مع الصين، ثاني سوق للصادرات الألمانية، رغم الاتهامات الموجهة إلى بكين على صعيد حقوق الإنسان.

 

أما بالنسبة للعلاقات عبر الأطلسي، فلم يعد بإمكان ألمانيا الاعتماد كما من قبل على المظلة الأميركية، من غير أن تضع في هذه الأثناء إستراتيجية جديدة على صعيد السياسة الأمنية، رغم مشاركتها بشكل متزايد في مهمات عسكرية في الخارج.

 

وذكر تقرير لمؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي أن "انخراط ألمانيا" على الساحة الدولية "يبقى في غالب الأحيان دون تطلعات شركائها الرئيسيين والمطالب التي تطرحها البيئة" العالمية.

 

قاطرة الاتحاد الأوروبي

بيد أن أزمات أخرى عرّضتها لانتقادات، وخصوصاً أزمة ديون اليونان عام 2011، حين أبدت الحكومة الألمانية موقفاً متصلباً دفع أثينا إلى شفير الإفلاس وأثار مشاعر عداء شديد للمستشارة في أوروبا. وكانت المستشارة ميركل قد اعتنقت نظرية تشارك الديون في الاتحاد الأوروبي، فهي لم توافق قبل ثلاث سنوات على اقتراحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الإصلاحية، في موقف واجه انتقادات حتى داخل ألمانيا.بعدما كانت ألمانيا "الرجل المريض" في الاتحاد الأوروبي مطلع الألفية، استعادت موقعها كأكبر قوة اقتصادية في القارة، مستندة إلى فائض هائل في الميزان التجاري وإدارة مالية صارمة. وتراجعت نسبة البطالة خلال 16 عاماً من 11,2% إلى 5,7% في تموز/يوليو، في سوق لا تزال هشة على وقع تفشي الوباء.

 

كتبت أسبوعية "دير شبيغل" الواسعة الانتشار أن "الاتحاد الأوروبي في وضع لم يعد بالجودة التي كان عليها عند وصول ميركل إلى السلطة عام 2005"، مشيرة إلى عدم امتلاك المستشارة "رؤية" وإلى "الهوة بين الشمال والجنوب حول المسائل المالية" وبريكست وصعود الديموقراطيات غير الليبرالية.

 

المستشارة ميركل أقرت بنفسها في 22 تموز/يوليو بأنه منذ 2005 "لم تحصل أمور كافية" لمكافحة الاحتباس الحراري، ولو أنها على اقتناع بأنها "كرست الكثير من الطاقة" لهذه المسألة. وأثارت ميركل مفاجأة عام 2011 حين أعلنت عزمها على إخراج بلادها من الطاقة النووية بعد كارثة فوكوشيما في اليابان. واضطرت ميركل التي لقبت في فترة "مستشارة البيئة" وكانت وزيرة للبيئة في عهد المستشار هلموت كول، إلى تعزيز أهداف ألمانيا تحت ضغط المحكمة الدستورية التي اعتبرت أنها تفتقر إلى الطموح.

 

 

على من تقرأ

 مزاميرك يا داود ؟

ضرغام الدباغ

 

هذا المثل العميق يقال لمن ينصح أناسا وهم لا يعيرونه اهتمامهم ولا يفهمونما يقول من معاني الحكم والنصائح المقدمة لهم، ولا يستفيدون من الكلام والنصح الموجه لهم، وربنا يسخرون منه. ومن الأمثال القريبة أيضاً : " أنت تنفخ في قربة مخرومة ". وكذلك قولة الشاعر الكبير المتنبي المشهورة : " لقد أسمعت لو ناديت حيّا .... ولكن لا حياة لمن تنادي" .

في أوائل الستينات في مطلع شباب، نصحني قريب لي أن أقرأ كتاب الفيلسوف الفرنسي البير كامو " الإنسان المتمرد " ولا أنكر أن الكتاب كان عميقا جداً، ولكني بذلت جهدي أن لأقرأه بدقة وأن أستوعبه (قدر الإمكان)، وما زلت أذكر مقوله هامة لكامو " هناك محاكمات تجري بدافع الهوى، وأخرى استناداً لمعطيات عقلية ". وقد أثرت هذه المقولة، ولكنها لم تقنعني بما يكفي لأن أكف عن أحكام الهوى، إلا في بداية السبعينات، ولكن في عام 1973 انتهى عهدي مع أحكام الهوى نهائياً لأني اكتشفت بشكل قاطع، أن بداية خسارة المباراة هي حين تستند لأحكام الهوى والعاطفة. وتبين لي بكل وضوح أن الموقف السليم هو الخالي من الأحكام العاطفية، بما في ذلك في حياتك الشخصية، أما في الحياة السياسية فالاستناد إلى العاطفة ستقود إلى كارثة لا محالة ... نعم بهذه الدرجة من الحسم ...!

ثم أني في دراساتي اللاحقة قرأت مقولة هي موجودة في لغات وثقافات عديدة، أن أحكام الهوى كارثة، ومن تلك " إذا أشتبه عليك أمران، فأنظر إلى أقربهما إلى هواك فأجتنبه " . وفي السياسة لا تفكر برأس ساخن، لا تصدر قرارا في حالة الغضب. ومنذ زمن بعيد جداً وأنا لا أحب ولا أكره جهة أو فردا في السياسة، فالحب والكراهية هي البوابة الواسعة للقرارات الخاطئة.

هل يمكن أن يدب خلاف بين أطراف متحالفة ...؟

نعم وهذه ممكنة حتى في أشد التحالفات متانة، وأقوى تحالف سياسي كما أصنفه، هو التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وبريطانيا، ورغم ذلك، لم يقوض النفوذ البريطاني في العالم سوى الولايات المتحدة، الخلاف يمكن أن يقع في :

· ملفات أمور ليست لها الأولوية.

· الخلاف ينحصر في ذلك الملف المختلف عليه، فيما يتواصل التنسيق في الملفات المتفق عليها.

عام 1988 شاهدت بعيني وسمعت بأذني، ما يكفي لأن أعلم، أن إيران ستفعل كل شيئ (أكرر كل شيئ) للتخلص من ثقل الهزيمة في الحرب مع العراق، هزيمة هي سعت بنفسها لها، حين رفضت وساطات مشرفة كثيرة، كان يمكن أن تخرج منها مرفوعة الجبين، ولكنها رسمت لوحة هزيمة لا ينساها التاريخ حتى بعد ألاف السنين. والتحالف مع الولايات المتحدة وإسرائيل لم يكن شيئاً نادراً، فهم سهلوا للملالي الوصول للسلطة عام 1979، وزودهم بالأسلحة سراً وعلناً، وإسرائيل كانت تمون إيران بالأسلحة، فأين الغريب العجيب ..؟ أنا أجزم أن هناك غرفة عمليات مشتركة بين أميركا وإيران وإسرائيل في العراق ربما أن المتحالفين يختلفون في هذه الفقرة أو تلك، ولكنه خلاف كعاصفة في فنجان لا يفسد في الغرام قضية .... وليسامح الله من لا يقبل أن يصدق هذه الحقيقة الصارخة ...!

عام 2003 وبعدها كتبت مراراً وتكراراً أن هناك تحالف مكتوب وممهور بين الولايات المتحدة وأميركا وإسرائيل، هاتفني بعض أصدقائي ورفاق، وبعضهم قال لي : لا يا دكتور ..إسرائيل وإيران معاً ..لا ..هذه مبالغة "، وبعضهم قال لي " دعنا لا نبالغ ..! " وآخرون كتبوا لي بهذا المعنى، ولم يوافقني على ما كتبت من رأي سوى القليل من القراء. ولكن بمرور السنوات، بدأ الدور التحالفي الوثيق جداً يتضح حتى

لضعاف البصر، والبصيرة، فالأمر لم يعد بحاجة لذكاء ودهاء، واليوم أصبح هذا الأمر جلياً علنياً... حتى لمن له عين واحدة، أو لمن مصاب بالحول ..

أدناه مقابلة للرئيس بوش الصغير مع صحيفة أمريكية ... لمن بقيت غشاوة في العين ..!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في حديث مع جورج بوش لصحيفة الواشنطن بوست في 14 / 8 /2016:

س. لما سلمتم العراق لإيران الفارسية بعد احتلاله مع أنه عربي مما ادى الى هذه الفوضى والمآسي التي لن تنتهي إلا مع خروج إيران منه ومن سوريا ؟

بوش: إيران قبلت التعاون مع أمريكا وإسرائيل في شأن العراق بينما العرب رفضوا ذلك.

س. ولكن إيران على خلاف مع إسرائيل ؟

بوش :لا..ليست على خلاف إلا بشأن المفاعلات النووية لصناعة القنبلة الذرية كما أننا كأمريكيين على خلاف معها ايضاً في هذا الشأن رغم تعاونها معنا في كل الأمور إذ أن الإتفاق المسبق معها كان بحضور إسرائيل قبل احتلال العراق لم يكن يتضمن صناعة القنبلة

س. ولكن وفق التصاريح الإيرانية هناك خلاف بين طهران وتل أبيب ؟

بوش : ربما خلاف على طريقة العمل، أو ربما للإستهلاك الداخلي لكل منهما . إذ أن العلاقة بين وإسرائيل وإيران امتن من أن يتصورها أحد .. بل ربما أمتن من العلاقة بين أمريكا وإسرائيل التي تعترض علينا في امور كثيرة...

س. وما هي هذه العلاقة ؟

بوش : كثيرة ولكن سأعدد أهمها وهو التعاون بين الموساد وإيران على خلق مناخ ملائم للإرهاب في المنطقة... ومن ثم وهو الأهم حماية حدود إسرائيل ومستعمراتها من هجمات المقاومة الفلسطينية كما حماية الجولان المحتل من هجمات الجيش الحر وحماية الجولان هي التي سمحت لإيران، بعد الاستئذان، من إدخال قواتها ومليشياتها في لبنان و سوريا ولولا المليشيات الإيرانية في جنوب لبنان لكان وضع الأمن في شمال إسرائيل في فوضى ثم أن العلاقة الأهم بينهما هو أنها تلبي مصالح إسرائيل في عرقلة قيام دولة فلسطينية إلا وفق النظرة الإسرائيلية وليس وفق مطامح السلطة الفلسطينية...

س. ولكن ما حاجة إيران لهذه العلاقة مع إسرائيل ؟

بوش : إنها علاقة قديمة من خلال وسطاء إيرانيين مع إسرائيل ولولا هذه العلاقة لا أعتقد أن النظام الإيراني في هذا الجو العدائي الذي يثيره في محيطه كان قادراً على الإستمرار لولا الدعم الإسرائيلي له في الدوائر الغربية ...

س. سؤال أخير : لما أدخلتم إيران إلى سوريا رغم سلبيات ذلك في العراق ؟

بوش : لسنا الذين أدخلناها بل إسرائيل فعلت ذلك بتفاهم مع الروس لتدمير قدرات الجيش السوري وتفتيته ولنزع السلاح الكيماوي الذي كان يقلق إسرائيل إذ ان الجيش السوري عربي النزعة لا يؤمن له ولولا إيران لما استطاعت إسرائيل نزع السلاح الكيماوي الأخطر في المنطقة على سلامة إسرائيل فيما لو أطيح بالنظام الحالي

انهي واقول لكِ إن وجود النظام الإيراني ساعد كثيراً لحفظ أمن إسرائيل بضرب الإرهاب الفلسطيني والعربي المحيط بها ولربما كان وجودها في خطر ايضاً لولا إيران

 

 

إيران تستشعر

الخطر وتخطئ برد الفعل

 

ضرغام الدباغ

 

يحكى أن تاجرا موسراً رأي في منامه، أن ملك الموت قادم ليقبض روحه، ففر من بغداد قاصداً سامراء يوم كانت هي عاصمة الخلافة. والسير إليها يستغرق عدة أيام، وفي الطريق كانت هناك خانات لأستراحة المسافرين والقوافل. وفي منتصف الرحلة، وبينما كان التاجر يستريح من وعثاء السفر، أتى بقربه شيخ مهيب ليجالسه، فرحب به التاجر، فسأله الشيخ إلى أين أنت ذاهب ..؟ فأجابه التاجر، " أنا قاصد سامراء لأهرب من ملك الموت الذي يبحث عني " ... فأبتسم الشيخ، وقال له " أنا ملك الموت ذاهب لبغداد لأقبضك، وها أجدك أنت من يبحث عني". 

مشروع الثورة الإسلامية الصفوية يهرب من حقيقة بارزة أمامه المتمثلة بفشل ذريع لحق به فلم يعد ينفعه لا طبيب نطاسي ولا علاج فنطازي. ربما ما زال ... (نقول ربما)... بعض من وقت لانسحاب منظم، هو أفضل من انسحاب أقرب للهزيمة المبعثرة ..! . فبعد انطلاقة بدت مبهرة، أبهرت العرب والمسلمين، فيها الكثير من العداء اللفظي للإمبريالية وإسرائيل، وكلام معسول جميل عن تحولات اجتماعية مهمة مرتقبة، ولكن هذه الآمال العريضة بدأت تتلاشى والاحتمالات تتبدد مبكراً في الواقع، ولم نشهد أي تحولات داخلية، بعد أن صدعوا رؤوسنا ببحار الاقتصاد الإسلامي وأزهار ورياحين الديمقراطية الشوروية في حين كانت الترجمة الواقعية لهذه الأحلام القمع هي بلا هوادة وإعدام وإبادة كل صوت معارض بما في ذلك تلك القوى المهمة الفاعلة في محاربة النظام الشاهنشاهي. فكانت افتتاحية إرهاب الجمهورية الإسلامية أن بطشوا بشيوعيو حزب تودة، المناضلين الأصلب لعهود الرجعية الملكية، ثم اردفوهم بمجاهدي خلق المناضلين المضحين في عهد الشاه، والمناضلين في إسقاط نظام الشاه وإقامة الجمهورية الإسلامية،  وأخيرا وليس آخراُ أنقضوا على الحركة الوطنية الديمقراطية الإيرانية (البزركان وصحبه) التي شاركتهم الحكم في أعقاب سقوط نظام الشاه، أما الحركات القومية غير الفارسية (من الأكراد والعرب والآذريين والبلوش والتركمان) فليس لها غير الموت الزؤام، فأمعنوا فيهم قتلاً وتصفيات.

النظام الإسلامي الإيراني يتربع على قمة الأنظمة التي تقتل، تغتال، تعدم لأسباب سياسية،  وتتفوق على غيرها من دول الطغيان والاستبداد في تربعها على مركز الصدارة بين الأنظمة التي تقمع شعوبها، فالقدر الأكبر من حالات تنفيذ عقوبة الإعدام شهدتها إيران (2020) بواقع 507 حالة. وقد نفذت إيران في العقود الأربعة الأخيرة مئات أحكام الإعدام بتهم منها زعزعة الأمن وتهديد استقرار الدولة، ولا تزال طهران مستمرة في تنفيذ أحكام الإعدام بكثرة رغم الإدانات الدولية وشيوع الفقر، وهجرة العقول والأيدي العاملة (يتصدر الإيرانيون قوائم اللجوء السياسي)، وإفلاس الدولة. ونهاية هذه الثورة اللفظية تساقطت الستر عنها وبعد 43 عاماً ثبت لنا في الواقع المادي، أن هذه الثورة لم تحارب إلا العرب والمسلمين وفشلت في أن تكون عنصر إيجابي في المنطقة، بل واصلت دورها البارز كمخلب قط للعالم الغربي في توازنات المنطقة. (1)

السقوط الأعظم بتقديري هو أنها سقطت (كنظام "ولاية الفقيه" ديني ثيوقراطي) لدى الشيعة أنفسهم، سقطت في أذربيجان والعراق وسورية، وقبلهم في إيران نفسها، فلم تعد المرجعيات تقنعهم، وسياسة التخلي عن المصالح الوطنية لمصلحة السيادة الفارسية، والتخلي عن الرباط القومي، لصالح الدولة الإيرانية المتعددة الأعراق والقوميات .. والتخلي عن الأهداف الاجتماعية / الطبقية، لصالح خرافات لا أساس مادي لها، فهذه فرضيات لم تعد مقبولة. وهكذا نسف الواقع الموضوعي أصباغ وبهرجة الشعارات وطوباويتها، والآن غدت القوة المسلحة، بل وبأشكالها المفرطة، والأجهزة الأمنية والأدوات القمعية هي الأداة الوحيدة المعبرة عن الدولة، وخط الدفاع الرئيسي عن نظام الملالي الآيل للسقوط. وكشف عن الهوية الأساسية لهذه الدولة القمعية، واللبوس الديني لا يمحو صفتها الفاشية، قمع في الداخل وتوسع في الخارج، هذا هو جوهر الدولة الفاشية، هي دولة لا تأخذ بنظام التطور اللارأسمالي، دولة قمعية أسوء بأضعاف مضاعفة عن نظام الشاه. ما تغير هو أن الحكام أستبدلوا البدلة الحديثة بالعباءة الدينية ..... فقط ..!

القيادة الإيرانية تدرك أن أوراقها احترقت، والسقوط سيكون له تبعات ولواحق ….. فمالعمل .....؟ مرة كتبت أن فلسفة الفارسي أن بوسعه أن يؤذ ... لذلك يفتخرون اليوم أنهم قادرون على غلق باب المندب ومضيق هرمز وهذه تستطيع دولة من الدرجة العاشرة فعلها بإغراق سفينة في الممر الملاحي الضيق، وخاصة في مضيق هرمز، ووضع ناقلة نفط مهترئة بباب المندب يهدد بتلويث البيئة البحرية،  ويمكن إصلاح الموقف بساعات. يفتخرون أن لدينا هنا وهناك مليشيات تعبث تقتل وتفجر وتخرب، هذه يعتبرها المسئولون الإيرانيون منجز كبير...  ولا يتصور درجة احتقار الناس لهم وكراهيتهم.

وعقل الملالي  بحكم تركيبته وتكوينه، لا يتجه للمشكلة مباشرة وأن يبحث عن حلول واقعية لها ... ففي أواخر شهر آذار / مارس، عقدت إيران اتفاقية مع الصين عرف من موادها المنشورة، تسليمها مطارات وموانئ البلد للصين، أما البنود السرية، فهي تدخل في حقل " ما خفي كان أعظم ". والناس في إيران أدركوا ما وراء الأكمة، فخرجوا ساخطين منددين، والسلطات الإيرانية لا تجد (كما هي دوما كذلك)، سوى إطلاق القوى الأمنية لإخماد سخط الجماهير، وفعلاً تمكنوا من إخمادها، التي سوف لن تكون الأخيرة، ولكنهم سوف لن يتمكنوا من وقف العملية التاريخية المتمثلة بتراكم الثورات والانتفاضات، وهذه ستبلغ ذات يوم حداً سوف لن يكون بمقدور قوى أمنية التعامل معها.

ونظام الملالي لم يقدم على هذه الاتفاقية تفهماً منه للنضال ضد الإمبريالية بالطبع، فهذا النظام، وقبله النظام البهلوي (1925 ــ 1979)، والقاجاريون (1779ــ 1925) من قبلهم، كانوا قد وجدوا في الارتباط بالغرب ضمانة لبقاء لدوام سلطانهم، في خضم الدوامات السياسية في الشرق الأوسط وأواسط آسيا، ولكن نظامهم كان أعجز من أن يواجه الحقب الاستعمارية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية، فأستبدل بنظام رضا بهلوي، الذي كان قد التحم كنظام وكأهداف سياسية بصفة كلية مع الإنكليز ومخططاتهم. فالأرتباط بالغرب هو شيفرة الأنظمة الإيرانية منذ أكثر من 250 عاماً، تواصل في زمن الشاه، وبعد أن عمد الأمريكان بقلة ذكاء على إزاحة النظام الملكي الشاهنشاهي، تحت قناعة أن النظام الشاهنشاهي أخذ يتطلع للتوسع إقليميا، ونظام تحت هيمنة الملالي وبالشعارات الدينية الطائفية قادر على تمزيق كيانات الشرق الأوسط وبث عناصر الفرقة بينها، مما يمهد للكيان الصهيوني فرص البقاء والتجذر في المنطقة، ونجح هذا المخطط ولكن جزئياً، بسبب محدودية قدرات نظام الملالي عجزه عن إيصال الخطط إلى نهاياتها المطلوبة، إضافة أن النظام غطس في مشاكل داخلية : اقتصادية / اجتماعية /  ثقافية عميقة هو أعجز من أن يجد لها الحلول الناجحة المقبولة.

إذن فالفشل الشامل كامل الأبعاد :

فشل داخلي في تقديم نمط حياة أفضل لعموم الشعب الإيراني.

الفشل في المحيط العربي والإسلامي.

الفشل في إقناع أبناء الطائفة الشيعية، بأنهم النظام المرتجي.

الفشل في إقناع الحلفاء التاريخيين (الغرب الرأسمالي) أنهم حليف موثوق ولهم وزن في الشرق الأوسط.

صحيح أن عالم العلاقات الدولية المعاصر مليء بالفخاخ والتآمر، وتسعى الدول إلى تعزيز كياناتها  بطرق شتى ...! وهناك قاعدة أكيدة، أن التحالف بين طرف قوي وطرف آخر أقل قوة / ضعيف، فسيكون مآل التحالف لصالح القوي، لأن الوسط القوي قادر أن يؤثر على الوسط الضعيف، فالطرف القوي سيوظف قدرات الأضعف لصالحه، وهنا بيت القصيد، فعلى الدول أن تكون حذرة في الحفاظ على كياناتها، داخليا بإجراءات عديدة، وكذلك خارجياً. والنظام الإيراني يعاني من مشكلة خطيرة، أنه ككيان سياسي قائم على تعدد أعراق، وثقافات، واقتصاد منهك. وأنه في التحالف يبحث عن قوى يتراصف خلفها لحماية كيانه.

 وبتقديري أن النهج السياسة الأصح يتمثل :

ــ أولاً عدم اللجوء إلى أطراف خارجية لحل مشكلات داخلية، فهذه خطيئة كبيرة ترتكبها أي دولة في حل لمشكلاتها. فالحليف / الصديق الخارجي سوف لن يفعل ذلك كهبة مجانية، بل مقابل مكتسبات يحققها على أصعدة مختلفة.

ــ  يتعين على الدولة الإيرانية خلق أجواء لا تضطر إي من الشعوب المنضوية في إطار الدولة إلى البحث عن هويتها الوطنية والقومية خارج إطار الدولة، والدولة الإيرانية ترتكب الكثير جداً مما ترغم تلك الكيانات بالبحث عن نفسها خارج إطار الدولة.

ــ  ومن ذلك أن إيران (دولة الملالي) لا تنفك منذ أن تأسست عام 1979 عن تهييج المسائل العرقية والثقافية / الدينية (على ضعفها وبطلان صلاحيتها) في البلدان المجاورة دون أن تفكر أنها بذلك تشعل نيران سياسة سيمتد لهيبها إلى إيران نفسها..! ففي هذه الحالة هي كمن يقرب النار من بيته ..!

ــ تلعب الدولة الإيرانية بالعامل النووي وتناور وتداور وتقطع الحوار ثم تعود للحوار.. مع أن العنصر النووي لن يطور أوضاعها نحو الأفضل، والدليل متوفر أمامها يشير بوضوح إلى أن النووي لن يلغي مشكلات قائمة أو هي تحت الرماد، وإيران تعلم أن هناك من الدول من عمد بنفسه إلى تفكيك قدراته النووية. الأسلحة لا تجلب الأمن والسلام، وحيازة أسلحة دمار شامل، تعني احتمال دمار شامل يصيب من يمتلك هذه الأسلحة.  أم هي (إيران) تريد كسب الوقت والتأثير في ملفات أخرى ...! هذا الأمر يراوح في مكانة منذ عقود دون نتيجة ..!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هامش

الحق أن أحد مفكري الحزب الشيوعي السوفيتي (أوليانوفسكي) كشف في مقال مهم له، في مجلة السياسة الخارجية الألمانية كشف  بوقت مبكر في أول  أعوام الثمانينات  (1980 /1981)، عن كشف مبكر للهوية الرجعية للثورة الإسلامية، وأن لا يوجد سبب واحد يضعها خارج معسكر الإمبريالية العالمية، وإن كانت هناك خلافات فهي سطحية وغير جوهرية، وأثبت ذلك بشكل دامغ.

القرار رقم ١١٨ اج صادر من الكونغرس ومجلس النواب الأمريكي يدعم تطلعات الشعب الإيراني بإقامة جمهورية إيرانية ديمقراطية علمانية غير نووية...إنهاء إرهاب النظام الإيراني..تم إحالة القرار إلى لجنة الشؤون الخارجية للتنفيذ.

 

 

 

 

 

رجم ثريا

 

ضرغام الدباغ

 

فريدون صاحب جم ... صحفي وروائي وكاتب سيناريو (Freidune Sahebjam)  إيراني / فرنسي يعيش في المنفى (فرنسا)  وهو معارض لنظام الملالي، وقد نشر أعمال عديدة عن مآسي حقبة الملالي، ومن تلك رواية نشرها بعنوان " لم تبق لدي دموع " وهي عن مأساة صبي إيراني سيق إلى جبهات القتال في الحرب العراقية / الإيرانية، ليعمل كفالقة ألغام بشرية وشاهد المئات من الأطفال الإيرانيين يلقون حتوفهم أمامه، وكان حظه جميلاً حين وقع في أسر القوات العراقية، التي ما لبثت أن أطلقت سراحه وغيره من الأطفال بدون مقابل. وصحيفة ألمانية (Die Zeit) كتبت موجزاً لهذه الرواية (Ich habe keine Tränen mehr) قمت بترجمتها إلى العربية.

 

 

(غلاف رواية لم تبق لدي دموع)

 

فريدون صاحب جم (ولد عام 1933 في إيران، وتوفي عام  2008 في فرنسا)، صحفي فرنسي من أصل إيراني، عمل مراسلا حربيا وروائيا، وعاش في "نويي سور سين" في فرنسا. حظي بتقدير عالمي عن روايته رجم ثريا: وهي قصة حقيقية لإحداث جرت واقعياً.  وصاحب جم يعتبر أول صحفي يتناول جرائم إيران ضد المجتمع البهائي في إيران، والاستغلال السافر للأطفال في الجيش الإيراني خلال الحرب التي استمرت ثمانية أعوام بين إيران والعراق. تناولت آخر مقالاته الحرب على العراق ونُشرت في الصحيفة الفرنسية اليومية "لو تيليجراف"

  أكن أعلم أن للكاتب فريدون صاحب جم أعمالاً أخرى، ومنها تلك الرواية  " The Stoning of Soraya / رجم ثريا" ثم دهشت حين علمت أن الرواية قد أنتجت كفلم سينمائي أعتقد في كندا (تورنتو)، والفلم وإن لم يصب نجاحا كبيراً، إلا أن المهتمين بالشؤون السياسية اعتبروه عملاً جيداً جداً، وقد سعيت للحصول على نسخة من الفلم وشاهدته بتأمل. والكاتب، ومن ثم أعتقد أن المخرج والممثلون وكاتب السيناريو، نجحوا في تقديم المادة للناس. وهي محزنة تبعث على الأسى. جانبا مهماً من اضطهاد دولة ملالي إيران للناس لأسباب مختلفة، منها الرؤية الدينية / السياسية للعلاقات الشخصية، واحتكارهم لحرية الفكر وأنماط الحياة وأساليب العيش، وهو طغيان ومن أسوء أصناف الديكتاتوريات .

 

 

(الصورة: الكاتب فريدون صاحب جم)

  

ولا أريد أن أتحدث عن الفلم كثيراً وأصادر متعتكم واكتشافكم للزاويا ولأعماق العقدة الدرامية / المؤسفة، ولكني أجزم أن المشاهد ستكون له فرصة موضوعية لإدانة كل حكم همجي متخلف، وأن رجل الدين في جريمة رجم ثريا أمتطى الدين من أجل شهواته الحيوانية، ولم تكن عدالة السماء في ذهنه ولو لثانية واحدة. أن القرار بالإدانة الآن يتجاوز المجرم الذي أصدر قرار الإعدام رجماً بالحجارة، إلى إدانة نظام بأسره الذي يمثل هؤلاء المتخلفون سلسلة متماسكة متلاحمة يتسلون على الشعب الإيراني بمكوناته، وأطيافه وحركاته السياسية، ويعرضونهم إلى قمع فاشي دموي منذ استيلائهم المشبوه على السلطة عام 1979.

 اليوم ثريا لقيت مصرعها ظلماً وعدواناً بأيدي جلادين يدعون التدين كذباً وزوراً، والكاتب توفي وبلاده ترزح تحت ظلم الملالي المتخلفين، ولكن الجريمة ما تزال ماثلة، والمجرمون مطلقي السراح، والنظام الدموي ما يزال يعبث بمقدرات إيران والبلدان المجاورة.

 

مشاهدتكم للفلم، سيساعد في إصدار قرار الإدانة، كما يكتب منتجوا الفلم.

 أنتج الفلم في الولايات المتحدة.

المنتج شتيفان ماريناكوي.

ظهر الفلم عام 2008.

المخرج سايروس نوراستي

القصة من رواية رجم ثريا لفريدون صاحب جم

تصوير جول رانزوم

تقطيع ديفيد هاندمان

الموسيقى جون ديبني

طول الفلم 116 دقيقة

  رباط مشاهدة الفلم على اليوتيب

  https://www.youtube.com/watch?v=BwN8zP3BENU

  المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

اتفاقية استامبول ...

الأبعاد الحقيقية

ضرغام الدباغ

عقدت في مدينة استامبول التركية في 11 مايو/ أيار 2011، ، مؤتمرا تم التوقيع في ختامه على  اتفاقية، سميت " اتفاقية المجلس الأوروبي لمنع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف الأسري". وتتضمن الاتفاقية:

التزامات قانونية، تشمل الاستثمار في التعليم.

وجمع البيانات حول الجرائم المتعلقة بالنوع أو الجنس.

وتقديم خدمات الدعم للضحايا.

وتم التوقيع على الاتفاقية من قبل 45 دولة أوروبية، فضلا عن توقيع الاتحاد الأوروبي أيضا كمنظمة.

وقد ورد في البيان أن المادة 80 من الاتفاقية تسمح لأي من الأطراف الانسحاب من خلال إبلاغ المجلس الأوروبي.

والاتفاقية لا تشير في مظاهرها العامة سوى إلى "حماية المرأة من العنف الأسري" ولكن شخصيات وهيئات وحكومات أوربية، وجدت أن مواد وفقرات الاتفاقية ومضامينها يمكن أن تفسر وأن توحي إلى أبعاد أخرى غير الأهداف الواضحة، كأن تكون مدخلاً يفضي إلى شرعنة دولية للجنسية المثلية واعترافاً بالأسرة القائمة على العلاقات الشاذة، وبالتالي اعترافا رسميا بوجود أجناس أخرى عدا " الذكر والأنثى "، وقبولاً متزايدً بعمليات التحول من جنس لآخر، وظهور أجناس أقرب للذكورة، وأجناس أقرب للأنوثة، وأصناف أخرى متوافرة اليوم في المجتمعات المنفتحة بلا حدود، حتى بدأت تعاني من ظهور مشكلات اجتماعية غير مألوفة من قبل (في تحديد الجنس)، معقدة في التعامل معها، وأن الانفتاح بلا حدود بدأ يظهر سلبياته ويتسبب في مشكلات عميقة، تفوق حدود مبدأ الحرية الشخصية بتصرف الإنسان بجسده، إلى منح سمات وأبعاد غير معروفة، ومنها ما يلحق الضرر بأعضاء في الهيئة الاجتماعية.

 

لماذا تثير الاتفاقية الجدل الآن؟

يرى المعترضون من المحافظين أن الاتفاقية تروج لحقوق وتعاليم المثلية الجنسية بما يتناقض مع ما يسمى بقيم الأسرة التقليدية، إلى جانب إشارة البعض لكيفية تعريف الاتفاق لمفهوم النوع باعتباره فئة موجهة اجتماعية إلا أن تلك المسميات المذكورة في الاتفاقية يتم استخدامها بهدف الإشارة للتأثير غير المتكافئ الذي يخلفه العنف على المرأة، فضلا عن عدم المساواة المتوارثة بين الرجل والمرأة. ولكن من وجهة نظر بعض المتشددين تتجاوز تلك المسميات الغرض منها، بالرغم من محاولات مجلس أوروبا المتكررة لتفنيد تلك الإدعاءات. ويقول الخبراء إن الاعتراض على الاتفاقية يعود لتصاعد المشاعر المضادة للغرب والمضادة للمثليين في البلدان التي تحكمها حكومات ذات توجه يميني.

وقد أثار الانسحاب التركي من الاتفاقية، الحديث عنها. ففي بولونيا،  شجع المسؤولين بالحكومة المحافظة في بولندا العام الماضي على الانسحاب من اتفاقية إسطنبول، والذي صدقت بولندا عليه في وقت سابق عام 2015. ووفقا لوثيقة رسمية مسربة ظهرت بتقرير صحفي منشور حديثا لشبكة البلقان للتحقيق الاستقصائي BIRN، تسعى الحكومة البولندية لاستبدال الاتفاقية بأخرى يمكن أن تمنع زواج المثليين والإجهاض.

 

كما تعمل كل من بلغاريا والمجر أيضا على البقاء بعيدا عن اتفاقية إسطنبول. فبالرغم من توقيعهما عليها، اتخذت الدولتان تدابير توحي بتخطيطهما لعدم التصديق على الاتفاقية. حيث وافق البرلمان المجري العام الماضي على إعلان برفض التصديق على اتفاقية إسطنبول، بينما أصدرت المحكمة الدستورية في بلغاريا في عام 2018 حكما بعدم دستورية الاتفاقية. وجدير بالذكر، تبقي سلوفاكيا كذلك الاتفاقية مجمدة.

ما مدى نجاح الاتفاقية؟

وترى باحثة بمنظمة أمنستي الدولية(Amnesty international)، أن من "الصعب للغاية" قياس الصلة المباشرة بين اتفاقية إسطنبول والتدابير التي يتم العمل بها على أرض الواقع لمواجهة العنف ضد المرأة. ولكنها أشارت للدنمرك كنموذج حديث، حيث مررت في شهر ديسمبر الماضي إصلاحات تعتبر ممارسة الجنس بدون رضا أي من الطرفين بمثابة اغتصاب، ما يعد تمسكا باتفاقية إسطنبول كواحدة من أسس تغيير التشريعات القانونية. ولكن الانتباه إلى أن "كيفية التطبيق عمليا هي مسألة أخرى" حيث أن القوانين تحتاج لتطبيقها على أرض الواقع. كما أطلقت فرنسا سياسة "الدبلوماسية النسوية" للدفع نحو تحقيق المساواة، مع اتخاذ اتفاقية إسطنبول كواحدة من ركائز السياسة الجديدة.

بدوره أكد وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، أن غياب الاتفاقيات الدولية لا يقلل من مسؤوليات الحكومة في حماية مواطنيها ضد كافة أشكال الجرائم. وأن "وجود أو عدم وجود اتفاقيات دولية لا يقلل أو يزيد من مسؤولياتنا لمنع أي شكل من أشكال الجريمة (المحتملة) التي سيتعرض لها مواطنونا". وأوضح وزير الداخلية التركي في بيان أن قوات الأمن تستمد صلاحيتها من الدستور والقوانين في ضمان السلام والنظام والأمن ومكافحة الإرهاب والسرقة والجريمة المنظمة والجرائم الإلكترونية والمخدرات والعنف وجميع أنواع الجرائم. ولفت إلى أن قرار تركيا انسحاب من الاتفاقية يستند إلى هذا السبب، وهي ليست الدولة الوحيدة التي لديها هواجس كبيرة بشأن الاتفاقية، فهناك 6 دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، وهي بلغاريا والمجر والتشيك ولاتفيا وليتوانيا وسلوفاكيا، لم تصدق على هذه الاتفاقية.وأكّد أن بولندا أيضًا اتخذت خطوات للانسحاب من الاتفاقية مستشهدة بمحاولة مجموعات المثليين فرض أفكارهم حول الجنوسة (النوع) الاجتماعية على المجتمع ككل.

وما يضعف الحملة الإعلامية ضد تركيا، أن انسحاب 6 دول (بلغاريا والمجر والتشيك ولاتفيا وليتوانيا وسلوفاكيا) لم يثر أي إشارة في الإعلام والاحتجاج الذي أثير بوجه تركيا، كما يستحق التساؤل هل تنهي الاتفاقيات العنف بصفة عامة، والقوانين لا تمنع الجرائم بل تعالجها وتعاقب القائمين بها، فالجرائم في العالم في تزايد رغم وجود القوانين، كما أن القوانين الجنائية تمنع الاعتداء على الرجال والنساء معاً وحتى الأطفال، والحيوان، فلماذا قانون خاص بالنساء ...؟

وعندما تبدي 7 حكومات أوربية قلقها من أبعاد أخرى في الاتفاقية فلماذا لا يحترم هذا القلق ...؟

والمدهش في الأمر أن المحتجين يعتبرون ان الحكومات التي وافقت على الاتفاقية يسارية، والرافضة لها يمينية ...! مع أن الأنظمة في الاتحاد الأوربية كلها ذات توجه اجتماعي متشابه وهي كلها أنظمة رأسمالية وغريب أن تعتبر المثلية الجنسية وتعدد الأجناس قضية يسارية ...! ففرنسا مثلاً لها قوات مسلحة نظامية تقاتل في عدة دول في العالم ... وتشن حملات عرقية ودينية ولكن بقبولها زواج المثليين تصبح يسارية ..! هل أصبح اليسار معني بالعري والتعري والانحرافات الجنسية وليس بالصراع الاجتماعية / الطبقية ...! هذا ما يسمى بالرقص على الكلمات والمصطلحات.

وهذه ملاحظات تنبئك أن هناك أمراً أكثر من الدفاع عن النساء إلى فرض واقع اجتماعي / ثقافي جديد تجعله أمراً مألوفاً ... والأيام ستنبئنا ما هو ..!

(كتب هذا المقال قبل أن تنفجر أزمة السفراء العشرة ...!)

 

أفغانستان ...  العدوان والخسران

 ضرغام الدباغ

 

 ربما هذه هي المقالة العاشرة التي أكتبها عن أفغانستان، بعد التحرير التام من العدوان الأمريكي / الأطلسي عليها، الذي استطال ليبلغ عقدين كاملين من زمن التاريخ الأسود. والموضوع يستحق دون ريب أن يكتب عنه بهذا القدر وأكثر، لأنني أعتقد أن انتصار طالبان هو مفصل تاريخي، ستتبعه هزات ارتدادية عديدة في المنطقة وأرجاءها.

 

في غضون هذه الفترة القصيرة جداً منذ التحرير وحتى يومنا هذا، (أكثر من شهر ونصف) قرأنا الكثير جداً من الآراء والتحليلات، وما أكثر القنوات التلفازية المستعدة لالتهام كل خبر وتعليق، الغث منه والسمين، فالإعلام اليوم كالفرن الذي يتقبل أي مادة تدخل فيه. ولم تكن في العديد منها تخلو من الخيال وأخرى كالسم يداف في عسل الكلام، وأخرى يفوح الحقد واللؤم منها، وقراء ينفعلون مع الأخبار، المفبركة، كأنهم يودون سماع كل ما هو سيئ، يطالبون قيادة طالبان وبإلحاح، خلال أيام من استلامها مقاليد كابول، ما عجزت عنه حكومات طيلة 20 عاماً تملك المال والسلاح، والعلم والكادر المتخصص...!

 

ابتداء يحلو للبعض ممن لا يود سماع أخبار انتصار طالبان، أن يرمي عليها  تخمينات ..تقديرات .. تحليلات، وصولاً إلى معلومات يزعم أنه سمعها، أو أطلع عليها من دوائر لها قدرة خارقة بالعلم والفهم أن الأمر لا يعدو كونه عملية مسرحية تسليم وتسلم مفاتيح ...! هكذا بكل بساطة يريد تجاهل نضال شعب لعشرين عاماً دموية ..في حملة كانت فيها خسائر أمريكا وحلفاءها أكثر من أن تعد وتحصى، وآخرين يتقولون بما لا يفقهون ويشطحون في خيالهم، أن وظيفة طالبان / أفغانستان هي التصدي للصين، وآخر يزعم أنها ستكون حلقة في مؤامرات أميركا ...مزاعم ولكن لا أحد يمتلك دليلاً مادياً، ولا حتى مؤشراً عقليا نصف مقنع ...!

 

أفغانستان تعرضت لعدوان ولاحتلال ظالم، وتعرضت طوال عشرين عاما للسحق والتدمير وتصادر إرادة الشعب، وتحرف عمليات النمو الاقتصادي، وبالنسبة لأميركا أن تسير فتاة بالشورت نصف عارية هو التقدم والحضارة، ويطالبون أفغانستان بعد أسبوع من التحرير بما لم يفعلوه خلال عشرين عام ... نريد ونريد، ونطالب، حسناً طالما أنتم بهذه الدرجة من الانفتاح والشمولية .. لماذا لم تحترموا إرادة الناس وما يريدون ..؟  أم أن الانفتاح والشمولية بالنسبة لكم هي أن تسير بضعة فتيات في الشارع بملابس خفيفة .. ماذا يمثل ذلك ..؟ إنه يمثل أن مجتمعكم يتحلل وتصبحون مثالاً في الانحلال لا في العلم والاقتصاد .. بهدف تدمير مرتكزات المجتمع .. وإفقاده هويته وتحويله لمجتمع هو أقل من تابع صغير، ولابد  أن تعلموا أن من المستحيل تحويل قندهار إلى شيكاغو .. لسبب بسيط، أن استكهولم / السويد لا يمكن أن تصبح شيكاغو ..

 

التفاوض، إعادة الانتشار، الانسحاب، مصطلحات يراد منها تجنب أو تخفيف وطأة كلمة الهزيمة. أخيراً وحين حانت ساعة تحديد المسؤولية، وأمام الكونغرس الأمريكي، وتحت طائلة المسؤولية، وفي جلسة استماع مطولة أمام مجلس النواب الأمريكي، قال رئيس الأركان الأمريكي الجنرال مارك ميلي:  إنّ بلاده خاضت "حرباً خاسرة" في أفغانستان وأن هذا "الفشل الاستراتيجي" كان "نتيجة لسلسلة قرارات استراتيجية تعود إلى زمن بعيد". وأقرّ رئيس الأركان الأمريكي الجنرال مارك ميلي الأربعاء (29 سبتمبر/ايلول 2021) أمام لجنة برلمانية بأن الولايات المتحدة "خسرت" الحرب  التي استمرّت 20 عاماً في أفغانستان وذلك بعد شهر على انتهاء الانسحاب الأمريكي من هذا البلد وما رافقه من تخبّط وفوضى. (*)

وقال الجنرال ميلي خلال جلسة استماع في مجلس النواب: "من الواضح والظاهر لنا جميعاً أنّ الحرب في أفغانستان لم تنته بالشروط التي أردناها، مع وجود طالبان في السلطة في كابول". وقال إنّ بلاده خاضت "حرباً خاسرة"، مضيفاً : "لقد كانت كذلك، بمعنى أنّنا أنجزنا مهمتنا الاستراتيجية لحماية أمريكا من تنظيم القاعدة، ولكن من المؤكد أن الوضع النهائي يختلف تماماً عمّا أردناه وأقر رئيس الأركان الأمريكي الجنرال مارك ميلي الأربعاء (29 سبتمبر/ايلول 2021) أمام لجنة برلمانية بأنّ الولايات المتحدة "خسرت" الحرب، التي استمرّت 20 عاماً في أفغانستان، وذلك بعد شهر على انتهاء الانسحاب الأمريكي من هذا البلد وما رافقه من تخبّط وفوضى. وقال إنّ بلاده خاضت "حرباً خاسرة"، مضيفاً : "لقد كانت كذلك، بمعنى أنّنا أنجزنا مهمتنا الاستراتيجية لحماية أمريكا من تنظيم القاعدة، ولكن من المؤكّد أنّ الوضع النهائي يختلف تماماً عمّا أردناه ورأى الجنرال مارك ميلي أنّ ما حصل شكل "فشلاً استراتيجياً. فالعدو في الحكم في كابول. ولا مجال لوصف الوضع بطريقة أخرى". (*)

 

فيثنام لم تتخلى عن الشيوعية والاشتراكية بعد التحرير، والأفغان سوف لن يتخلوا عن نهجهم بعد 20 سنة قتال ودمار ..عن جوهر نضالهم. نعم ...واضح جداً، الهدف هو أن لا تكون هناك دولة إسلامية، هذا هو الخطر، والهزيمة هنا في جوهرها تعني: شعب قاتل بوسائل بدائية عدوا أطلسياً يمتلك قوى جبارة سياسية واقتصادية وعسكرية، وأنتصر كيف ...؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه المواطنون الأوربيون،  على حكوماتهم وعلى أنفسهم، فالهزيمة هنا هي للمبادئ، كل هذه التجمع الهائل لم يقنع الشعب الافغاني، بالتراجع، بل تمكنت خلال ساعات .. ساعات فقط، أن يتبخر كل ما وضعوه ووظفوه، وخونة اشتروهم وعملاء باعوا أنفسهم، وأخيرا تركوهم يتساقطون كالذباب من الطائرات ... في لقطة تاريخية كبيرة بحجم  الأنتصار الكبير ..  لعمري أن لفي هذا المشهد عبرة لمن يعتبر ...

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) فقرات منقولة من نشرة وكالة الأنباء الألمانية (DW)

 

 

عالم الظل

 كتاب : باتريك باب  و  روبرت هاركافي

 (Patrik Baab, Robert Harkavy)

 ضرغام الدباغ

 

هذا الكتاب مهم جداً، صدر بطبعات عديدة، والغريب أنه يختفي من المكتبات بعد وقت قصير جداً من عرضه، وشخصيا حصلت عليه من مكتبة أنا من زبائنها، وفكرت بترجمة الكتاب، ولكني فكرت بحقوق المؤلفين والناشرين، ولابد أنها ثقيلة. لك هذا المقطع هو تعريف بالكتاب وما يريده المؤلفان ..

مع تقديري

 

ضرغام الدباغ

 

 

 

قوة الظل

كارل يورغن مولر  (Karl Jürgen Müller)

 

لقد أغرقت القوى الخفية العديمة الضمير أوربا في الحرب العالم العالمية الأولى، وهم يحاولون أن يعيدوا ذلك اليوم ... وينبغي على أوربا أن المزيد من النضج في جمال السياسة الخارجية، وأن تهتم بمسائل الدفاع في المستقبل اعتماداً على نفسها. إن تهديدات أعضاء حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بأن بلادهم ستنسحب عسكرياً من أوربا مستقبلاً بسبب جحود حلفاءها المزمن، إضافة إلى أن بعض المسؤولين الأوربيين يتجهون بذات المنحى. (1)

ومن المؤكد أن ما سينجم عن ذلك أيضاً  هو " تحمل المزيد من المسؤولية في العالم " و " الوقوف على أقدامكم " والأمر لا يعني بحال من الأحوال ب "القوة الحمايوية "، لمكانة ألمانيا في الرؤية الاستراتيجية الشاملة ضد المنافس اللدود " روسيا "، والنص التالي يتناول كيف يمكن تصنيف المؤشرات الحديثة " في سياق هذه الأفكار "، عن الاستعدادات الحربية الانكلو سكسونية، وكيف يحاولون  إيهام (تضليل) الناس عن خططهم الحقيقية.

في عام 1914، أي بعد 100 عام من بداية الحرب العالمية الأولى، قام كاتبان اسكتلنديان: جيري دوشيرتي، وجيم ماكغلريغور بنشر كتاب عن أسباب اندلاع الحرب العالمية الأولى نشر بعد أشهر قليلة باللغة الألمانية أيضاً، " التاريخ الخفي "كيف سقطت نخبة سرية من الناس في الحرب العالمية الأولى "  والكتاب ب 400 صفحة مثير للاهتمام لمن يريد أن يعرف مرحلة ما قبل الحرب .

 

بأي حيل علينا أن نتعامل ؟

من وجهة نظر يومنا هذا، فإن الأوصاف كما وصفها الكاتبان بأنها " نخبة سرية " في تلك الأوقات،  بدقة بالغة هم مجموعة من الشخصيات يعملون من أجل تحقيق أهدافهم.

 

السؤال هو إن كنا نتعامل مع آليات مماثلة اليوم . وهي أن المواطنين وفيهم اليوم من لديهم مناصب مسؤولية  في السياسة والمجتمع، يجري خداعهم يتركون دون في عدم وضوح في الرؤية، وهذا في الواقع مخطط له، وأي دور في ذلك لقوى معدومة الضمير بوجهات نظرها ومصالحها، تلعبها في خلفية القرارات.

 

ولكن هذا الأمر هو في جوهرة، مرة أخرى، هو التخطيط  والإعداد لحرب كبيرة، وينبغي إسكات الأصوات المعارضة وذلك بإفسادها، أو بإجراء مناورات هامشية (للتمويه على الغرض الأساسي / المترجم) وأنه ينبغي جر ألمانيا إلى هذه الحرب خطوة فخطوة.

 

هل ينبغي أن تخرج الولايات المتحدة من أوربا ...؟

 

" يجب على الولايات المتحدة الخروج من أوربا " كان هذا عنواناً لمقابلة صحفية نشرتها صحيفة سويسرية  (Basler Zeitung)   "صحيفة بازل" نشرت بتاريخ 20/ تموز ــ يولية / 2019، مع ستيفن والت (Stephen Walt)   أستاذ العلاقات الدولية في كلية هارفارد كيندي، في جامعة هارفارد، وانتقد في هذه المقابلة السياسة الأمريكية على مدى السنوات الثلاثين الماضية، بما في ذلك سياسة الرئيس الحالي دونالد ترامب، وطالب بانسحاب القوات الأمريكية من أوربا، وفي الوقت نفسه بضرورة تواصل العلاقات السياسية والدبلوماسية من أجل إقامة علاقات وثيقة معها (مع أوربا).

 

واستطرد البروفسور والت قائلاً " أن أوربا اليوم مستقرة ومزدهرة سياسياً، ودول ثرية، ويمكنها أن تهتم بشؤون الدفاع عن أنفسها، وهذا مال تفعله الدول الأوربية منذ مدة طويلة جداً ". وأخيراً " بالموارد التي ستوفرها الولايات المتحدة، من نفقاتها في أوربا، فإنها (الولايات المتحدة)، يمكنها التركيز بدرجة أكبر على مصالحها في أسيا، وهي عملية بدأت في عهد الرئيس أوباما " هل هذه رسالة سلام حقيقية ...؟

 

ما هي جدية " التهديد " المعتقد ..؟

وبعد أيام قليلة، في 15 / آب ــ أغسطس /ذكرت الصحيفة نفسها، أن السفير الأمريكي في برلين / ألمانيا، ريتشارد غرينل (Rischard Grenell)، بسحب القوات الأمريكية من ألمانيا بقوله : " إنه لمن المهين حقاً، أن ننتظر من دافعي الضرائب الأمريكيين من أجل تغطية نفقات ال 50.000 ألف أمريكي في ألمانيا. فيما يستخدم الألمان فائضهم التجاري في أغراض داخلية ".

السفير الأمريكي في وارسو / بولونيا،  قال " أن بولونيا تفي بالتزاماتها لحلف الناتو بنسبة 2% من دخلها، وألمانيا لا تفعل ذلك ". إننا سنحييها لو أن القوات الأمريكية " هل ستفرح ألمانيا بذلك ...؟

 

ألمانيا دولة لا يستغنى عنها في حروب الولايات المتحدة.

ما أورده نفس  المقال استطراداً مثير للاهتمام حقاً وجاء في التقرير :" ومع ذلك من المرجح أن وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون (Pentagon) قد توصلت في تحليلاتها، أن الانسحاب الكبير من ألمانيا، سيكون باهضاً ومكلفا لبلد واحد وهو الولايات المتحدة الأمريكية.

 

والأسباب :" هي نوع المنشئات الباهظة التكاليف التي أقامتها الولايات المتحدة في الأراضي الألمانية، للقوات المتمركزة هناك. وهذه  المنشئات هي مجموعة المقرات القيادية، والقواعد اللوجستية المهمة، التي تتجاوز أهميتها ألمانيا، سواء في العمليات أو للخطط الدفاعية الأمريكية.

 

ففي منطقة شتوتغارت (مدينة مهمة تقع جنوب غرب ألمانيا)، التي مهمة سواء في قيادة القوات المسلحة الألمانية الموجودة في ألمانيا، أو لقيادة قوات مشاة البحرية الأمريكية في أوربا عامة، وفي أفريقيا. وتمثل قاعدة رامشتاين (Ramstein) هي ليست واحدة من أكبر المكاتب خارج الولايات المتحدة وكمقر لقيادة القوات الجوية الأمريكية في أوربا فحسب، بل هي أيضاً مركز الإمداد الرئيسي للعمليات في الشرق الأوسط وأفغانستان وأفريقيا. وهي كذلك قاعدة مهمة في السيطرة على عمليات rwt الطائرات بدون طيار (Drohn) . وتستطرد الصحيفة، أن على الأراضي الألمانية توجد أكبر مستودعات للذخيرة الجيش الأمريكي خارج الولايات المتحدة. وغير ذلك من المعطيات ومن تلك نقرأ:

 

" وتخطط الولايات المتحدة استثمار مبلغ 2 مليار دولار حتى حلول عام 2013 في قواعد راينلاند فلاتس. (Rheinland - Pflaz) كما أعيد بناء وتحديث قاعدتي رامشتاين (Ramstein) ولاند شتول (Landstuhl) بمليارات الدولارات، وفي المدى القصير والمتوسط المنظور لا يمكن التخلي عنهما، وكذلك الأمر مع قاعدة (.....)  كما تتضمن خطط وزارة الدفاع الأمريكية / البنتاغون  أيضا على " بحلول شهر سبتمبر ـ أيلول / 2020 أن يكون هناك 1500 جندي أمريكي يرابط بشكل دائمي في ألمانيا ".

 

ونجد في نهاية المقال، " كل هذا، هكذا يفترض السفير غرينيل أنه سيكون مألوفاً، مشيراً إلى آليات وسائل الإعلام وردود أفعال السياسة وفن الاستفزاز " هل تستطيع ألمانيا حقاً، أن تتراجع بهدوء ..؟

 

وكان كارل هاينز كامب، رئيس الأكاديمية الألمانية لسياسات الأمن في برلين، قد وضع نفسه في مقال نشر في " صحيفة زيورخ الجديدة " بعددها الصادر يوم 13 / آب ــ أوغست / 2019  إلى جانب السياسة الأمريكية  بقوله " إلى جانب الولايات المتحدة، تمثل ألمانيا القوة الاقتصادية الثانية في بلدان الناتو، ومع ذلك لا تريد الإيفاء بالتزامات التحالف. وأن تمنح 2% فقط من الناتج الإجمالي لأغراض الدفاع. ودائماً يجدون الأعذار والمبررات، وهو ما يضع مصداقية حلف الناتو على المحك (موضع شبهة) ".

 

هل أعلنت أورسولا فون دير لاين الحرب على روسيا ؟

وزيرة دفاع الألمانية السابقة فون دير لاين تبدي إعجابها بكلمات أغنية كلماتها معادية لروسيا، ويبحث الكاتب هل هناك روح معادية لروسيا في ألمانيا وأوربا ..؟

 

العالم الغربي ما يزال تراوده أفكار النصر النهائي، وحروب لا تنتهي من أجل فرض هيمنة الأنكلوسكسون، من خلال حروب الناتو التي لا تنتهي، والمتعارضة مع القانون الدولي. ويدور همسا أو علانية : الدول التي كانت في فلك الاتحاد السوفيتي يجب أن لا تلعب أي دور أي دور في السياسة الدولية إلا إذا كانت تدور في فلك المصالح الأمريكية ..!

 

لمن تتبع ألمانيا ..؟

 

رفضت ألمانيا وفرنسا وبريطانيا مقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعادة روسيا إلى محيط الدول الصناعية السبع (G8). والمستشارة الألمانية أنغلا ميركل صرحت عشية لقاءها مع رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسن: أن روسيا قد أخرجت لأسباب وظروف معينة،  وهذه الأسباب لا تزال موجودة. وقبل أيام من انعقاد قمة مجموعة الدول السبع (G7)  في باريس / فرنسا،  تحدث الرئيس الفرنسي أيضاً ضد استئناف عضوية روسيا ضمن المجموعة بقوله :" أ‘تقد أن عودة روسيا دون شروط، ستكون علامة ضعف لدول المجموعة السبعة، وسيكون خطأ استراتيجيا ". وعبر رئيس الوزراء البريطاني بمثل هذا الموقف أيضاً. أما الرئيس الأمريكي ترامب فقد أوصى بأن تعود مجموعة الدول السبع (G7) إلى صيغة الدول الثمانية (G8) وكانت موضوعات المناقشة تتناول روسيا في معظمها. وأتهم الرئيس ترامب سلفه الرئيس بارك أوباما، بأنه كان يدفع بإخراج روسيا من دائرة ومحيط مجموعة الثمانية.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

هوامش

1. تجاهل الكاتب مسألة هي في مقدمة الأسباب لتراجع دور الولايات المتحدة في أوربا، وهو التقلص المتزايد في ميزانية الدفاع لدول الناتو ولا سيما ألمانيا وفرنسا، وهي قضية خلافية منذ زمن طويل، من ولاية أوباما وربما قبلها.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

المركز العربي الألماني

برلين

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

  أفغانستان ... راحت

 السكرة جاءت الفكرة ...!

 

ضرغام الدباغ

 

تمضي الأيام مسرعة كمرور السحاب، بعد كانت الأيام العشرة الأخيرة ثقيلة صورها موجعة، أخبارها مفجعة، كالأبرة الزيتية. الحلفاء الغربيين بين مصدقين ومكذبين، بين الواقعية والطموح الخيالي الذي يرفض الواقع. كنا قد كتبنا في مقال سابق قبل أيام، أن المستشار الألماني الحكيم هيلموت شمت، كان قد تنبأ بهذه النتيجة وقالها صراحة في ندوة تلفازية (فبراير/203) أن الحملة الأفغانية سوف لن تؤدي لنتيجة، والأمريكان قد يستطيعون الذهاب لأي بلد في العالم، بقصفون ويدمرون ولكن ليس بوسعهم تحقيق النصر. فالنصر كلمة كبيرة والفرنسيين أدركوا هذه النتيجة وسحبوا قواتهم قبل سنوات، ولا أدري على ماذا يلطم ماكرون.؟

الأفغان الحفاة العراة، هزموا التحالف الغربي، وقبلهم هزموا بريطانيا يوم كانت عظمى، وهزموا الاتحاد السوفيتي  يوم كان يحكم نصف العالم..! الأوربيين فهموا القصة على السريع، ولكنهم لم يستوعبوا العبرة، فرنسا هزمت شر هزيمة أكثر من مرة وفي أكثر من مكان، ولم ترتدع، الإنكليز على درجة أعلى من الحصافة والتعقل، فقلصوا بيدهم أمبراطوريتهم التي لا تغيب عنها الشمس بعد أن خسروا درة التاج البريطاني (الهند)، ثم خسروا شرقي السويس حرباً، ثم خسروا الخليج العربي بعد خسارة السويس، وأخيراً خسروا ميناء عدن. ولكن بعض الأوربيين يرون هزيمة أفغانستان بالعدسة المكبرة ..وأن هذه الهزيمة المرة ما هي إلا مقدمة لضعف داخلي، وخسائر أخرى مقبلة ..ولكن المستعمرين لن يصبحون مهذبين مطلقاً ..!

وأخيرا ظهرت تشكيلة حكومية أفغانية .. تشكيلة تخلو من عناصر عميلة للغرب، حكومة لا يرغب الغرب بها، بل هو يريدها أن تكون حكومة قرقوزات لا لون ولا طعم ولا رائحة، لا تنفع ولا تضر، بل يريدونا من لأنها توفر الأسس المادية لحروب أهلية طاحنة، ولتبق هذه البلاد أسيرة التخلف . الغرب لا يريد الراحة لأحد، لكي يوفر الفرصة للتدخل دائماً، ويجعل الآخرون يحتاجونه سياسيا واقتصادياً.

 

هل استفاد الغرب من تجربته في أفغانستان ..؟

رغم أن منصات عديدة، سياسية واقتصادية وصحافية في بلدان الغرب الرئيسية (بعضها مهمة) تحدثت بهذه القوة أو تلك، أن على الغرب أن يستفيد من تجربته في أفغانستان، التجربة القاسية الباهظة التكاليف في الأموال والأرواح، فهل استفاد الغرب شيئا من محنة أفغانستان ... لا أعتقد. بل يغطسون في الغباء أكثر وأكثر ..حين يعتبرون أن إشاعة الشذوذ الجنسي، وزواج المثليين، وأن تتعرى المرأة هذه هي الحضارة والديمقراطية.. يجب أن تفكر جميع الدول مثلنا، ليس فقط في السياسة، بل في كل شيئ  ..وليس من المهم أن تفوز حكومة معينة بالانتخابا لتكون ديمقراطية، الديمقراطية هي حين نحن نرضى عنها وتنفذ ما نقوله لها.. ويجب أن تصبح قندهار سان فرانسيسكو ..وإلا سنقصفكم بالطائرات والصواريخ ..أي تخلف وغباء هذا ..كابل لا يمكنها أن تصبح الدوحة، والدوحة لن تصبح بغداد، وبغداد ليست القاهرة والقاهرة ليست بيروت ..وهذه ليست أستانبول وهلم جرا .. وإذا كانت كوبنهاغن مثلاً، تختلف بشكل كبير جداً عن شيكاغو، فكيف تريد من كابل أن تنقلب إلى واشنطن بلمسة زر ... وكأن الموضوع في هاتف خلوي (موبيل) ...؟

طالبان لا تعين إمرأة في حكومتها ..ما هذه الكارثة، حسناً ربما أكثر من نصف حكومات العالم لا توجد بها نساء، مالعمل، هل ستشنون عليها الحروب ..عينوا فلان واحذفوا فلان ..هل الموضوع يخص دولاَ أم  إدارة بلديات أم ماذا ..؟ ويحدثونك عن الأستقرار في بلد دمروه طوال 20 عاماً.

ولكن لا، فالقيادات الغربية ليست غبية لهذه الدرجة، لكن التصدي للإسلام وحركات التحرر العربية والعالمية فقرة أساسية عندها هو جوهر أهدافها، بهدف إبقاء هذه الكتلة البشرية والاقتصادية الضخمة جداً تحت السيطرة، موارداً وسكاناً، أو إيقاف نموها وتطورها.. فهم يلاحظون قوة التأثير في مجتمعاتهم، وبلداننا تحت القصف والتآمر والتدمير، فما بالك لو تركونا وشأننا ..وما رأيك أن قلت لك أحد كبار قادتهم قال هذه الكلمات بالحرف الواحد وبصراحة .. ولكن نضال الشعب علمهم.

هم عاتبون على الأمريكان على سرعة انسحابهم، والمفاجأة في إخلاءهم أفغانستان، ولكن الأمريكان لا يهتمون كثيراً بزقزقة الأوربيين، وبوسعهم القول للفرنسيين، لماذا هربتم من الجزائر .. لماذا سرعة ولماذا مفاجأة، الولايات المتحدة تجري مفاوضات منذ شهور طويلة مع طالبان، والمفاوضات لم تكن سرية ..! ففي خطاب بايدن أواخر آب / 2021 قال :

أفغانستان صارت أزمة مفتوحة لا نهاية لها  فنحن :

ــ ننفق 300 مليون دولار يومياً خلال 20 عام .

ــ الحملة كلفتنا 2400 قتيل.

ــ 20 ألف معوق .

ــ 18 جندي ينتحر يومياً .

ــ أفغانستان مقبرة اميراطوريات.

 

ومن يرغب بمواصلة الحرب من منتقدينا (يقصد الأوربيين والفرنسيين خاصة)...فليتفضل ويذهب ويحارب، فرنسا أرادت أن تركب رأسها، وذهبت لوادي بانشير وأرسلت مدير مخابراتها ليفي برنار لبضعة أيام بعدها فرت لا تلوي على شيئ..

يقولون أن الشعب الفلاني يكرهنا، يكره الغرب ..والسؤال هو : وهل هناك من يحبكم ..؟ حتى من حلفاءكم .. سوى أوغاد اخترتموهم من بين الشعوب ليكونوا عملاء مأجورين خانوا شعوبهم لقاء المال .. وها هم الآن الجيل الثاني من أولاد وأحفاد الخونة الفيثناميين يعيشون في نيويورك كأمريكان بعد أن قطعتم جذورهم بأوطانهم ..ومثلهم روس ومثلهم عناصر شاذة استبدلت أوطانها بالغرب، ولكن أولادهم وأحفادهم سيصبحون جنود في جيش استعماري ويقضون ربما في بلاد بعيدة ..يطوفون على وجه المياه الآسنة ..كقناني بلاستك فارغة ومهملات ..!

يتعاملون مع الأمر كأنه كارثة، ويبدون حرصهم على هذا وذاك، وكأنهم لم يكونوا محتلين مستعمرين معتدين متسلطين لمدة عشرون عاماً، هم يأتون بعملائهم ككم يحملون جنسياتهم، ويولونهم إدارة البلاد ليساعدوهم في قمعها ونهبها، ثم يطلبون منك بعد نضال دام أستغرق 20 عاماً أن تضع بيدك هؤلاء العملاء في الحكم .. فهل هناك صفاقة أشد من هذه ..؟

 

هل استفاد الغرب من محنته في افغانستان ...؟

كلا والف كلا .. ليس لأنهم أغبياء، وليس لأنهم يعتمدون على الكومبيوتر الآلي في قراراتهم، وليس لأنهم معدوموا الضمير .. ولكنهم فوق كل هذا وذاك كله، فهم نظام أعتاد على سحق الناس، فكيف تريد من ذئب أن يتحول إلى نباتي بمجرد النصيحة ..؟ لا سوف لن يتعلمون لا من عشرة .. ولا عشرين .. ولا حتى مائة وعشرون تجربة ..! وحتى يتحول الذئب إلى نباتب يجب لأن تخلع أنيابه، وتقلم مخالبه، ويقتنع أن لا يحق له يسلب حياة الناس ليعيش مترفاً ...!

الغرب يحرك أذنابه.. نسوة يتظاهرن يحملن لافتات مكتوب عليها " حرية " ويتفرج عليهم رجال الأمن من طالبان بصبر يحسدون عليه، عن أية حرية تتحدثن .. الجماعة في الحكم منذ 6 أيام فقط، وأنتن رضختن للأحتلال عشرون عاماً دون أن تتفوهوا بكلمة حرية لأن فيها غوانتنامو ..! أو لأنكم تخادنتم مع المحتلين ياللعار ...! في الحالتين عار على الاحتلال وفلسفته في الحكم، وعار على من يكون ذنبا للأحتلال، والعار للمرأة مضاعف ..!

في البدء كانوا يتشددون في وصف الهزيمة بالانسحاب، ثم إعادة انتشار، ثم  أصبحت فضيحة وعار ..ثم أصبحت هزيمة نكراء ..كان بعض المثقفين الهولنديين قد كتبوا قبل سنوات " لا نفهم ما هي مشكلتنا في جبال هندوكوش .. وقندهار "

اليوم يتداعون ليشكلوا قوة ردع قالوا أن قوامها 20 ألف جندي، ثم قالوا 50 ألفاً، وآخرين يصعدون بالرقم إلى ما هو أكبر من ذلك ... قال المفوض الأعلى للسياسة الخارجية والأمن بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل " إن دول الاتحاد وعددها 27 دولة يجب أن يكون لديها "قوة تدخل أولية" قوامها خمسة آلاف جندي. ونريد أن نكون قادرين على التدخل السريع " . ولكن هناك من سخر وقال " ما عليكم .. هذا كلام لن يرى النور، وإذا رأى النور لن يرى التنفيذ.

 

والله ما همني زيد، ولكن من

 خانني من أهلي لصالح زيد

 

ضرغام الدباغ

 

منذ أن أستعاد أهل كابل مدينتهم (15 / أب ـ أوغست / 2021)، وأسقطوا نظام الاحتلال الاستعماري وأذنابهم من المحتلين العملاء، وبعض وكلاء الأذناب، وبعض الناس  يتوهمون وآخرون يوهمون أنفسهم، وينظرون إلى إطار الصورة، وآخرون ينظرون إلى خارج الصورة، وبعضهم إلى طريقة عرض الصورة ... قد يفعل ذلك بعضهم لجهله بأصول التصوير ... وأشهد أن التصوير فن صعب جداً، حتى أني أعتبره بصعوبة الرياضيات ..لأن من الصعوبة التي تقارب المستحيل أن تلتقط صورتان متماثلتان 100% (درست التصوير لمدة عام) ، ولكن لا يهتم الكثيرون بعناصر الصورة الأصلية ...!

 قد يبلغ السخف بدرجة مذهلة بأشخاص كالأمين العام للأمم المتحدة، وحتى بعض كبار المسؤولين في البلدان الغربية التي شاركت في العدوان على شعب أفغانستان، أن يصبوا جل اهتمامهم بل حزنهم لدرجة التباكي على توافه الأمور ..كاحتمال فرض الحجاب على البنات، وكبت حرية النساء، ولم يتفوهوا بكلمة واحدة عن اضطهاد شعب لمدة عشرين عاماً أسوء أنواع الاضطهاد باحتلاله من قبل عشرات الدول، ويعتبرون عملاءهم وأذنابهم أطرافا سياسية ينبغي الجلوس معها وإشراكها بالحكم وهم المتعاونون للأمس القريب مع المحتل المعتدي ..

 عضهم يتمنى لو أستطاع أن يحرم الشعب الأفغاني انتصاره المجيد(ولكن هيهات)، والأفغان انتصروا من قبل على الإنكليز والسوفيت أيضاً، فيتقول أن العملية تسليم وتسلم، لماذا هل لأن الأمريكان توسلوا طالبان أن يسمحوا لهم بالانسحاب (عشرات الألوف من الجند، مئات الألوف من قطع الأسلحة، ودمروا ألاف القطع وأحرقوا تجهيزات)، كما فعل الفرنسيون حين فاوضوا رسل الثورة الجزائرية في جنيف قبل انسحابهم من الجزائر، وكما فعل الأمريكان حين فاوضوا الفيثكونغ الفيثناميين في باريس. الهارب هو من يبادر للمفاوضة وليس من يقاتل وظهره لشعبه.

ألم نقاوم عشرين عاماً أميركا ومعها دول عظمى(فرنسا وبريطانيا) ودول نصف عظمى غيرها  ألم نستعيد البلاد خلال أيام قليلة (7 أيام) دون مساعدة ؟

ألم نفعل ذلك بقواتنا المجاهدة ؟

ألم نهزم 300,000 جندي حكومي  بما يمتلكون من عدة وسلاح ( 4 ألاف مدرعة وطائرات)

ألم نبسط سيطرتنا على بلاد مترامية خلال أيام وهو ما عجزت عنه قوى تدعي أنها عظمى ؟

 هذه هي عناصر الصورة الأصلية وسواها رتوش لا أهمية لها، في الاحتلال ومكافحته والنضال ضده لا يوجد تقدمي ورجعي .. الاحتلال عمل رجعي، ومقاومته عمل تقدمي،  هذه لا تحتمل التفلسف .. وليس تقدميا من يرقص الروك أند رول مع غاصب محتل، ضد مجاهد متدين. 

 الغزو الأمريكي كان خطأ فادحاً، ليمتلك أحد قادة المعسكر الغربي الجرأة لأن يقول ذلك ..  ملفقوا الأخبار والوقائع آن لهم أن يعترفوا  أن زعماء الغرب انساقوا وراء تهديد رئيس أحمق غبي من أسوء رؤساء أميركا في تاريخها (جورج بوش) المشهور والغير مسبوق في تاريخ العلاقات الدولية " من ليس معنا فهو ضدنا " منطق الزعران والشقاوات .. هذا سقط اليوم بدماء وتضحيات الشعب الأفغاني، والغرب خسر خسائر فادحة ألاف القتلى وترليونات من الأموال .. ثمناً لحماقة ..!

 فبراير / شباط عام 2003 سمعت وشاهدت محاضرة  للمستشار الألماني  الأسبق الحكيم هيلموت شمت قال فيها نصاً " نعم الولايات المتحدة تمتلك من القوى (السياسية والاقتصادية والعسكرية) على قصف أي نقطة في العالم، والإنزال في أي بلد وربما احتلاله .. ولكن ماذا بعد ؟ لن تستطيع إنهاء الحرب بالنصر ..

كسب معركة لا تعني الانتصار .. الانتصار معنى كبير جداً لا يتم بأعمال وأساليب خسيسة.

 لا نقبل أن تكون دولة إسلامية في أفغانستان .. ومن أنت لتمنع ذلك .. وهل تتدخل في كل مكان في العالم حين لا يروق لك ذلك ..؟ بأي حق تطالب أفغانستان أن تسن قوانين تشبه قوانين بلادكم .. أفغانستان ليست نيوجيرسي .. ولكل مجتمع خصائصه الاجتماعية والثقافية بناء على معطيات كثيرة .. لماذا لا يطالبون الهند بإبطال أرتداء الساري للنساء بالشورتات (السراويل القصيرة).. مثلاً ...؟

 هناك من يحزن على منظر المتعلقين بالطائرة الأمريكية وهي تهم بالاقلاع، ويتساقط منها 3 أنفار .. وهناك من الغربيين من أعتبرها عار على الغرب وهناك من قال كارثة ..!

 أما هذا الشعب الذي سحقه مجنون أحمق لمدة 20 عاماً، ووافق عليه لمدة 8 سنوات أستاذ جامعي رصين (أوباما) وأرعن آخر (ترامب) فهذا غير مهم .. المهم هذا الذي أشتغل مخبراً وجاسوساً على شعبه لدى المحتلين، معتقداً أن التاريخ يوماً واحداً، اليوم يريد الوصول إلى لوس أنجلوس ليمارس السفاهة هناك بقوة القانون ..! متعلقا بطائرة المحتلين .. ولكن الأمريكان رفسوه (قتل 3 أفغان برصاص الأمريكان) قائلين له، أنت لم تشتغلك مجاناً ... بعبارة أخرى الحمار يموت بكروته ..!

 والله العلي العظيم ما همني زيد بقدر فلس واحد .. (وقد أقسمت)، ولكن ما همني بل وزادني هماً من خان من أهلنا وأصطف مع زيد .. تنكر للأمة والوطن والدين .. لماذا ..؟

 أما للمبهورين بالغرب أقول مخلصا .. استفيقوا ..إنه أفول ..انتبهوا ..كونوا مع شعوبكم، كونوا مع وطنكم .. كونوا مع تاريخكم، كونوا مع أنفسكم .. تنجون من عذاب ضميركم قبل شيئ آخر ..

             

 

احتضار الديمقراطيات الغربية

ضرغام الدباغ

 

لم تكن العنصرية الجديدة التي بشر بها الباحثان الأمريكيان: صاموئيل هينتغتن (Samuel  Huntington) وفرنسيس فوكوياما، (Francis Fukuyama) سوى المسمار الحاسم في نعش الديمقراطيات الغربية، مع أنها ليست جديدة كل الجدة على الاطروحات السياسية الرأسمالية. وكلا الباحثان عاشا وترعرعا (بصرف النظر عن اصولهما العرقية) وتعلما في المعاهد والجامعات الرأسمالية، وعايشا حقب الحرب الباردة بكل تفاصيلها، ثم أنهما عملا في المؤسسات العلمية المولجة بتقديم صياغات نظرية للقيادات السياسية الرئيسية (وزارة الخارجية ــ البنتاغون (وزارة الدفاع) والمخابرات الأمريكية  CIA ...الخ)، وبالتالي فإنهما ينتميان إلى أشد الدوائر رجعية واعتدائية في متروبول الرأسمالية العالمية ومؤسساتها السياسية، والتي تنظر (تؤدلج) للمناهج العدوانية. ويحاولان منح الفاشية الجديدة مسحة وأساساً (Foundation) لنظرية ذات قيمة علمية، ففشلا في ذلك فشلاً ذريعاً.

لابد من الإشارة إلى المرحلة التاريخية لطرح محاولة التنظير هذه. فقد بزغ نجم هذان الباحثان في ظروف تاريخية هي غير تلك الظروف التي برز فيها فلاسفة أمريكيون نظروا للبراغماتية (Pragmatism) ممن سبقوهم من فلاسفة من العصر الوسيط والحديث،  لذلك ليس من المدهش مطلقاً أن يبزغ نجم هذان الباحثان مباشرة بعد انقضاء الحرب الباردة، وانهمكا كثيرا في تقديم مسوغات وفحوى آيديولوجي لإبقاء تماسك وتلاحم المعسكر الرأسمالي العالمي، حتى بعد تفكك المعسكر الاشتراكي، وحلف وارسو، وانظمام روسيا الاتحادية والصين إلى نظريات السوق والتجارة الحرة، وهو ما أسقط الباعث الاقتصادي أو أضعفه بدرجة كبيرة، كمبرر نظري للتكتل وبهدف إضفاء التوتر في السياسة الدولية.

وقد شهد العلم السياسي الاستعماري في مختلف العصور تعديلات، ولكنها تكن بتعديلات جوهرية على أية حال  بل هو ضرب من أحداث ملائمة (Adaptation) ومسايرة للعصر ومتطلباته، تمثلت بالفلسفة البراغماتية (Pragmatism)، وهي فلسفة تستند أساساً إلى قواعد رجعية إنتهازية واعتداءيه، تعتبر أن النتائج العملية تبرر أساليب الوصول إليها، على هذا النحو فأن بريطانيا الاستعمارية أقامت أمجادها وثرواتها اعتمادا على الاعتداء على شعوب أخرى، بل هي استخدمت أبناء المستعمرات في الحروب الاستعمارية ضمن سياسات الضم والإلحاق، واستنكرت وقاومت وقمعت أي عملية تحرر ومقاومة أبدتها الشعوب المستعمرة، وعلى بحر من الدماء والآلام والتضحيات التي قدمتها شعبنا شعوب كثيرة في العالم. أو لم تكن %84، من مساحة اليابسة في العالم حتى مطلع القرن العشرين تدار استعماريا.

في أمريكا (الولايات المتحدة) بالذات وجدت المناخ المناسب (وتلك ليست مصادفة...!) لتطوير الأفكار البراغماتية، حيث دارت على الأراضي الأمريكية وعلى مدى سنوات طويلة صراعات سياسية / عسكرية  استعمارية، بريطانية / فرنسية / أسبانية، ثم لظروف وأسباب لا مجال لها هنا، تأسس مجتمع رأسمالي حديث (دون مقدمات تاريخية سابقة) يمتلك قدرات الانطلاق، كان (James William) وليم جيمس (1842 ــ 1910) أحد أبرز مفكري هذه المدرسة التي أطلق عليها البرغماتية، أي المذهب العملي. وقد وجدت هذه الأفكار إيضاحا لها عند الفيلسوف الأمريكي تشارلس ساند بيرس(Charles Sanders Peirce) (1839 / 1914) الذي أعتبر العمل مبداً مطلقاً بإعلان هذه القاعدة (أن تصورنا لأي موضوع هو تصورنا لما قد ينتج عن هذا الموضوع من آثار عملية لا أكثر) . (1)

 

 مضى علماء آخرون في منح هذا المذهب الانتهازي، الاعتدائي القائم على مبادئ القوة والغلبة في منحه أبعاد فلسفية عميقة باستعارات من فلسفات أوربية مثل جورياروس الأمريكي (1855 - 1916)، والأهم كان الأمريكي جون ديوي ((1859 - 1952. وتصف الموسوعة الألمانية (Duden) مذهب البراغماتية باختصار (أن حقيقة كل الأفكار والنظريات تقيم بدرجة نجاحها) فهي أذن عملية تجميل وعصرنة  (Modernisation) للميكافيلية، على أن روحها الانتهازية مازالت تبدو واضحة ودقيقة، ولكن هذه النظرية (وهناك من ينتقدها في العالم الغربي الرأسمالي) كانت العماد النظري / الفلسفي للسياسات التي أتبعتها الدول الرأسمالية الاستعمارية التي أباحت لنفسها فعل كل شيء مقابل الحصول على أهدافها الاستعمارية التوسعية، والأخلاق مسألة نسبية تماماً ولا أهمية واقعية لها. لا تنطوي على أي قدر من الاحترام لمصالح الآخرين، بل مصالحها .. ومصالحها فقط ....! فنظام عصبة الأمم الذي وضعته الدول الاستعمارية المنتصرة في حرب استعمارية، في إطار اقتسام جديد للعالم، أباحت لنفسها فيه صراحة تسلطها (حق الشعوب المتقدمة من الآخذ بيد الشعوب المتخلفة.الخ) من خلال نظام الأنتداب (Mandatssystem) والتخلف هنا لم يكن يعني سوى هزيمتها (الدول الصغيرة والمتخلفة ) في الحروب الاستعمارية مقابل الدول الصناعية، وهذا الحق المزعوم أخذ استلابا وليس اتفاقاً أو بالاستشارة.

وبالطبع فأن الدول الاستعمارية مارست كل ما في وسعها في إطار السيطرة والهيمنة على مجتمعاتها، وعلى قارات العالم، وارتكبت آلاف المجازر وحملات الإبادة في العالم، وهناك مئات من الكتب والمصادر تحدثنا عن مئات ألوف من الهنود ماتوا وهم يحفرون أنفاق المترو في لندن، وملايين من العبيد الأفارقة ماتوا تحت سياط المستوطنين وهم يستصلحون أراضي الغرب الأمريكي، وكذلك الإبادة الشبه تامة للهنود الحمر في أمريكا، وقاتل عرب وسنغاليون وأفارقه آخرون في جيوش فرنسا الاستعمارية، وهنود وباكستانيون ( ضمن الجيوش الهندية) ونيوزيلنديون وأستراليون وكنديون وأقوام أخرى كثيرة ضمن الجيوش البريطانية، هذا عدا عن الاعتداءات التي شنتها دول استعمارية على شعوب آمنة فقتلت مئات الألوف بل الملايين من تلك الشعوب، وهذا ما فعلته بريطانيا وفرنسا وأسبانيا وإيطاليا وهولندا والولايات المتحدة واليابان، وسائر المتربولات الرأسمالية.

 وإذا كانت التطورات على مسرح السياسة الدولية قد أرغمت الأساليب الاستعمارية على التراجع شكلاً، إلا أن جوهرها ما زال عدوانياً نهابا ويفتقر إلى الأخلاق والشرعية القانونية، ولنا في ذلك أمثلة كثيرة لا حصر لها، ففي كل بقعة من الكرة الأرضية هناك شواهد شاخصة تطل على الإنسانية وهي تحمل آثار جروح أو نزف مستمر بسبب الأنشطة الاستعمارية : سياسياً واقتصاديا وعسكرياً وثقافياً، في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، وفي استخدام مفرط للقوة المسلحة في العلاقات الدولية، وفيما يتعرض له العراق وفلسطين وليبيا والصومال وأفغانستان)تحررت 15/ أب / 2021 على أيدي شعبها)، ابرز شواهد وأدلة في العصر الحديث على ذلك، وما هذه العولمة Globalisation، إلا استعمار وإمبريالية الألفية الثالثة ونسخة حديثه عنها لنهب وجلد شعوب العالم.

بيد أن العولمة وهذه هي التسمية الثانية لها، إذ قوبلت التسمية (النظام الدول الجديد) الجديدة برفض عالمي واسع النطاق (New world system)، فقد بدت توسعية وعدوانية واضحة، أبدلت بمصطلح العولمة (Globalisation)، التي وضعت أهداف التوسع خلف كلمات براقة توحي بالأمل، ولكن ما تسرب من أقاويل أفصحت عن النوايا ... فالعولمة هي بأختصار، أن تعتبر الرأسمالية العالمية وتفرعاتها وأدواتها، أن العالم بأسره عبارة قرية كبيرة بقيادة العمدة الأكبر متربول الرأسمالية الاحتكارية الولايات المتحدة الأمريكية. وهناك تفاهمات سرية بين أقطاب المتربول على تقاسم المغانم على الصعيد العالمي. وقد تدور بينها صراعات دموية من أجل هذه المغانم.

وإذا كانت الشعارات الآيديولوجية قد اضمحلت وتلاشت (تقريبا) ولم تعد تدور بين رأسمالية واشتراكية، فقد كان فر تواصل بل واشتداد حلف الناتو والسعي المحموم لتوسيعه في بلدان شرقي أوربا، ولم يعد هناك مغزى آخر سوى التوسع المالي وكسب النفوذ. وجاءت اطروحات هنتغتن وفوكوياما فقط من أجل إيجاد ذرائع لمواصلة التوتر والعداء، وشد أواصر التحالف الغربي (الرأسمالي / المسيحي) والإبقاء على قوته ونفوذه السياسي / الاقتصادي / العسكري في العالم. وسيتخذ هذا التحالف ذرائع غير مبررة لإبقائه متفوقا سياسيا واقتصادي وعسكرياً، و في مواقع الهجوم والسيادة.

وكانت الولايات المتحدة وحليفاتها، يتمترسون وراء شعارات خلابة :

اقتصاد السوق الحر.

اتفاقية التجارة العالمية.

الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وحين أتبعت البلدان الاشتراكية (روسيا والصين) نظام اقتصاد السوق الحر وأحرز نظامها الجديد (المطّْعّم)، تذرعت الولايات المتحدة بأتفاقيات التجارة الحرة، وحين أنظمت لها البلدان الاشتراكية، ضاقت الولايات المتحدة بالتجارة الحرة ذرعاً، وراحت تتمسك بحقوق الإنسان، وحقوق الإنسان غير مخترقة في مكان في العالم كما هي في الولايات المتحدة والبلدان الرأسمالية، على أساس اللون والدين والمذهب، وليست هناك بلدان في العالم يتعرض فيها المواطنون إلى التميز كما في البلدان الرأسمالية ..! وللمسخرة والفكاهة، تعتبر الولايات المتحدة إسرائيل البلد الديمقراطي الوحيد في الشرق الأوسط وتحترم حقوق الإنسان. وهي تعلم علم اليقين أن إسرائيل دولة عنصرية بقرار دولي، وأن هناك 156 قانون عنصري يشمل من التملك حتى الزواج والتعليم والعمل ... وهذه العنصرية العلنية يعدها الغرب ديمقراطية.

 تتميز المرحلة الحالية، الألفية الثالثة بتراجع لمكانة الرأسمالية العالمية ومراكزها الكبيرة، والمحيطية، مقابل تقدم الاقتصاديات الناشئة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وبتراجع مكانتها الاقتصادية، تتكون مشكلات جنينية في البلدان الرأسمالية تقود تفاعلاتها إلى أزمات لم تكن معروفة، أو أنها لم تكن تمثل ظواهر مؤثرة.

فعلى سبيل المثال الظواهر العنصرية / العرقية معروفة في المجتمعات الرأسمالية الكبيرة (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا)  الفاشية في إيطاليا 1850، النازية في ألمانيا، 1919، الكلوكس كلان في الولايات المتحدة الامريكية 1866، القمصان السود بريطانيا 1930، واليمين الفرنسي الذي تمتد جذوره عميقا في فرنسا المعاصرة.

الجديد في الظواهر على الساحة، هو التطرف الديني الطائفي، ورغم أن التطرف ضد اليهود قديم في أوربا : روسيا القيصرية، فرنسا، ألمانيا، أسبانيا، والآن أضيف الإسلام بسبب الانتشار الإنساني في العالم، فالرأسمالية تزعم أن العالم صار وحدة اقتصادية ثقافية، ولكن ذا محض بروبوغاندا إعلامية، فالغرب لا يحتمل أن لا تأكل إلا مثل طعامه، ويريدك أن تكون الأزياء كما يرتأي .. وتفاصيل أخرى تدخل في صلب حرية الإنسان وخياراته الثقافية والاجتماعية.

وبدون أي مسوغ عقلاني / فلسفي هانتغتن وفوكوياما يقرران، أن صراع الغرب في الحقبة المقبلة ستكون مع الإسلام والكونفوشيوسية ..ولكنهما لا يشيران إلى الجذر الاقتصادي، وهو (Motivation)  (الباعث الحقيقي)، ودائماً جوهر الأنظمة الرأسمالية، وأساس للموجة الجديدة للإمبريالية المسماة العولمة (Globalisation)، وهكذا تفعل الإمبريالية في إيجاد تغطية وذرائع كعنوان لحملاتها التوسعية ترفعها كلافتات، بيد أنها أخفقت في شعاراتها العنصرية والدينية.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش

 

1.  ترجمت كلمة البراغماتية (Pragmatism) إلى اللغة العربية بالتفسير الحرفي والمعنى للكلمة (الذرائعية) أن تتخذ ذرائع لتبرير تصرف معين. ونجدها ترجمة موفقة.

 

بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندة وأسبانيا والبرتغال كانوا يفعلونها بأسم المدنية ..! وبعد الحرب العالمية الأولى، وفي عصبة الأمم قالو حرفياً "" حق الأمم المتقدمة، الأخذ بيد الأمم المتخلف ...! ""، ستالين كان يفعلها بأسم الأممية الدولية والاشتراكية، وروسيا اليوم هي خلطة لا تعرفها روسيا من قبل ... روسيا إمبريالية .... اليوم يفعلها العالم الحر المتحضر بدعوى قتال منظمات هو أسسها، تلك المنظمات تقتل ألف، العولمة تقتل 100 ألف ..! بعض السذج من العرب وغيرهم، يشدهم حنين مرضي (Nostagia)  ويرون إرهاب روسيا بعين حولاء ... موسكو عاصمة كادحين العالم ...ولكن واقع الأمر وطعمه مر ...بل شديد المرارة .. الروس هم نفس الروس، يفعلون كل شيئ بدم بارد، مع فارق أنهم يقتلون عشوائياً ويتشابهون في ذلك مع الأمريكان، ربما الأمريكان يفعلونها بدقة وأناقة أكثر، والروس بهمجية أكثر، ولكن النتيجة هي ذات الخلطة، أسمنت وحجارة مطحونة ومعجونة باللحم والدم، وأطفال يتراكضون هنا وهناك، وأشلاء أطفال ونساء وشيوخ، فالشباب يعرفون كيف يحمون أنفسهم.

 

المركز العربي الألماني

برلين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

ماذا تريد

ميركا من أفغانستان

 

ضرغام الدباغ

 

 

" لا أرحمك ولا أدع غيري يرحمك، ولا أريد رحمة الله تنزل عليك ...".

 

هجمات أيلول (2001) رغم كل ما يحوم حولها .. عملية ردت عليها الولايات المتحدة وجيشت الجيوش وقامت بأحتلال أفغانستان، وكانت هناك خيارات عديدة غير الاحتلال، إلا أنها استسهلت استخدام القوة وخيل لها أنه قرار سهل يعبر عن القوة، بل وسحبت معها حلفاء الناتو وغير الناتو لحملة غير مجدية،  فأستخدام القوة لا يدل عن حكمة .. بل ربما العكس ..!

 

وهناك من العقلاء الأوربيين أدرك منذ البدء أنها مسألة غير مجدية .. ولكن كيف للولايات المتحدة الدولة القوية والعظمى فوق العادة تتراجع عن قرار خطأ، وهكذا واصلت الحملة في عهد عدة إدارات فيهم الأحمق وغير المتعلم، وفيهم الذكي المتعلم، وفيهم أستاذ الجامعة القانوني .. سواء بسواء مع علمهم الأكيد بإخفاقها وفشل مراميها ..

 

وأبرز دليل على معرفة الإدارة الامريكية بمآل حملتها ومصير أذنابها، هو أن الإدارة الأمريكية فاوضت طالبان تحت شعار " دعونا ننسحب " ولكم البلاد، وهم (سياسيا وعسكريا واقتصاديا) ليسوا في وارد فرض شروط، وهو يعلمون تمام العلم واليقين، أن مصير حكومة الأذناب والعملاء سوف لن يطول أكثر من بضعة شهور .. هكذا تحديدا تحدثوا عن " 6 شهور ". هي مدة سحب ما يمكن سحبه من معدات وأسلحة، وتدمير بعضها الآخر لأنهم يعلمون أنها ستقع بيد الأفغانيين، وحرق الأوراق والوثائق، وتسفير بعض الأذناب، إذ من غير المعقول أن يغادروا حفاة بدون أحذيتهم ..!

 

ولكن ستة شهور طويلة، وعملية التطهير بدأت مبكرة .. أنتهت أسرع مما كان يتصور لها .. بعض الدول الغربية غاضبة، بعضها زعلانة، لا أحد يفهم لماذا ..؟ أليس من من المنطقي كنس البلاد من بعض العملاء والأذناب ومن القمامة وعلب البيرة والكولا وبقايا المأكولات وغسل وتطهير الأماكن التي جاس فيها المحتلون وعبثوا ..؟

 

من المضحك .. بل هي فكاهة مميتة .. أنهم يخشون على البنات الأفغانيات من الحجاب .. وكأن هذه هي المشكلة الوحيدة في العالم ..؟ البنت الافغانية محجبة أم سافرة .. البلد الذي أحتل 20 عاماً وقتل ودمر وسحق لكي تمشي البنت في الشارع سافرة ..؟ أليس هذا دليلاً إضافيا على زيف الثقافة والحضارة .. من يحاول إشعال نيران جديدة سيفشل، وسوف ترتد عليه نيرانه فتحرقه ...

 

اليوم هناك من يخش أن يمتد الحريق .. ويحذرون ويعبرون عن قلقهم ... كلهم من عاقلهم لأحمقهم .. من أكبرهم لأحقرهم ... بالله عليكم أيها الناس هل رأيتم أغبى من هؤلاء وأسخف منهم .. منذ 43 سنة يعملون كمشعلي حرائق .. كمروجين لفتن طائفية حقيرة، انغمسوا في قاذورات الخيانة والعمالة لفوق آذانهم .. الآن يقلقون .. يخشون على أفغانستان من التطرف ..  أسمع السخافة .. من غيركم يا حقراء أشعل الفتن الطائفية في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين وحيثما امتدت أياديكم القذرة ..

 

أفغانستان في مرحلتها الأولى لم تعتد على أحد بل هي تعرضت ظلما لعدوان وأحتلال .. بلا فلسفة طويلة عريضة ومحاولات تنظير بائسة .. الأمريكان وحلفاءهم أحتلوا البلاد 20 عاماً وجربوا كافة أنواع السلاح، وأرتكبوا كل الجرائم التي يعاقب عليها حتى قوانين قطاع الطرق والسرسرية .. ولكنهم فشلوا أن يكسروا شوكة هذا الشعب .. نعم فشلوا بقضهم وقضيضهم .. بعباقرتهم وأغبياءهم .. وفشلوا ليس اليوم .. بل منذ بداية العدوان، نعم تستطيع أن تقتل وتبيد، وتشتري الخونة والعملاء، ولكنك لن تستطيع كسر إرادتي ..

ــ قبل سنوات كثيرة (عام 2003، وقد ترجمت ذلك ونشرته) قال الحكيم هيلموت شميت .. أمريكا تستطيع أن تهاجم أي بلد، وقد تستطيع احتلاله، ولكنها لن تنتصر ..! الأنتصار كلمة لها معنى آخر ..!

ــ الفيلسوف الأسباني ميغيل أونامونو كتب في الثلاثينات (ترجمنا ذلك في كتاب الحرب الأهلية الاسبانية)، قال المجانين والحمقى والمجرمين والقتلة قد يكسبون، ولكنهم لن ينتصروا ...

ــ وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزارايس قالت لإبراهيم الأشيقر : " أنتم تعلمون لولا حمايتنا لكم تعلقون على أعمدة الكهرباء ".

 

كتب الفلسفة والتاريخ والسير فيها كل حكم وعبر الحياة .. ولكن الناس لا يقرأون، وإذا قروا لا يفقهون ...! لو تقرأون وتفهمون لكنت قد شاهدتم ما يحدث كمشاهدة لفلم معاد. أقسم بالله العلي العظيم ما يحدث اليوم في افغانستان أتوقعه حرفيا كما يحدث في الواقع ..لأني موقن بصفة تامة على الهزيمة المؤكدة لأميركا وعملائها وحثالاتها .. هل يمكن لحثالات أن تنتصر على التاريخ ..؟

 

أنظر ماذا كتبت (حرفيا بدون تعديل) قبل شهر ويومان من الآن :

 

" الآن رحل المحتل ... ومن كان يعتقد أن الاحتلال سرمدي تبين أنه جاهل، ومن كان يعتقد أن الشعب يبدل قياداته الوطنية (أي كان صنفها) بحكومة المكدونل والهامبرغر تبين أنه غشيم ...ومن أعتقد أن القتل والتدمير والسجن والاغتيال مفيد، تبين أنه غبي لا يفهم التاريخ .. ثم أن الاحتلال أخذ معه أفضل كلابه من المتعاونين (من غير المعقول أن يأخذهم كلهم)، وترك الباقين لتذروهم الرياح، تحت شعار "هم قبضوا أتعابهم، والحمار يموت بكروته "، ماذا سيفعل بقية المتعاونين ماذا سيفعلون ..

النظام العملاء الذي أقامه الأمريكان لا يريد أن يصدق أن الحلم انتهى، وهيا انقلعوا إلى الأماكن التي جئتم منها، سائر الناس : البعض منهم سيأتي راكعاً خاضعاً باكياً طالبا السماح والعفو ...وأرجح أن طالبان اليوم، هي غير طالبان قبل 20 عام خلت. التجربة الكبيرة لها دروسها، هناك من لعب دور الخادم والمتملق، والأجير هذا قضيته سهلة ...وهناك من الخونة من تبلغ درجة الصفاقة والوقاحة به درجة عالية، فيريد أن يحجز تذكرة ليشارك في حفل الانتصار ...هذا أيضا قضيته سهلة، وهناك من الخونة من تلطخت أيديهم بدماء الشعب مقابل حفنة دولارات وهذه مسألة فيها نظر، ولكن هناك من الخونة والمتعاونين من يريد أن يتطاول فيناكف الثورة الظافرة المظفرة المنتصرة ولا تعرف ما يريد بالضبط ... سوى إثارة المتاعب وهؤلاء سينالون من يكفي أن يلزموا جحورهم ...

قوى اقليمية هالها أن تكون أفغانستان حرة، فهم يفضلون التعامل مع القوي الذي لا يحترمهم، بدل قوة إقليمية واعدة، ستحاول أن تضع لها موضع قدم، وأن يكون لها في العرس قرص ... هذه ستفشل وتنكفئ خاسئة خاسرة. الروس سينظرون بعين من يترقب الأهوال ... ويترددون بين لعبة الحوار والسياسة، وأستعرض العضلات، مع أنه جرب لغة فرض القوة، والنتائج كانت مأساوية.

سيفوز من أدرك قواعد حركة التاريخ بالعلم والثقافة، أم بالسليقة ... وبالحكم والثقافة الشعبية (جولة الباطل ساعة وجولة الحق إلى قيام الساعة) ولم ترهبه قعقعة السلاح ... وسيساهمون في خلق أفاق جديدة لأفغانستان ولعموم المنطقة، وأرجح أن نهاية الاحتلال الأمريكي لأفغانستان سيكون فاتحة لمرحلة جديدة لأفغانستان وللمنطقة، هذه الخطوة الأولى فحسب .....!" .

 

أريد أن أقول لجميع العراقيين : سجلوا مأثرة عظيمة، تحالفوا وأتحدوا من الآن لليوم المقبل، لا تلجأوا للثأر والانتقام، هذا لا يليق بحضارتك العظيمة، ولا بدينكم الحنيف، أكبروا على الجرح النازف الدامي .. كونوا أكبر منه .. إنه ليس بجرح، بل هو خدش سوف ننساه بمرور الأيام.

 

ما ينبغي أن نؤكد عليه، هو أن نشيد وطنا حديديا لا تهزه الرياح ..أيها العراقيون ..الوحدة ..الوحدة .. الوحدة

 

 

العراق في انتقال ......!

ضرغام الدباغ

 

خلال 20 عاماً عجاف، لنتحدث بلغة الأرقام والتجريد فقط لكي لا يتقول علينا أحدهم ويرمينا بما ليس فينا ..!... هذه درزن صغير من الحقائق التي بوسع أي ضعيف بصر أن يراها ..! وهزيل البصيرة أن يفهمها ... والله من وراء القصد ...!

س 1.  هل هناك جيوش دول أجنبية في العراق أم لا ....؟

س 2 . هل يبسط العراق سيطرته على كافة أراضيه ..؟

س3 .  هل هناك شبكات تجسس وجواسيس لدول أجنبية ...؟

س4 . هل تنتشر العاهات الاجتماعية بكثرة في العراق : المخدرات، الدعارة ..!

س5 . هل الوضع الصحي في العراق في تقدم أم في تأخر ...؟

س6 . هل الوضع السكني للمواطنين ميسور أم صعب ...؟

س7 . هل الاقتصاد الوطني في العراق يتقدم أم يتراجع ...!

س8 . هل الوضع التعليمي في العراق يتقدم أم يتراجع ...؟

س9 . هل نسبة الفقر عالية في العراق ...؟

س10 . هل الأمن والأمان متوفران في العراق ...؟

س11. هل العراق كدولة محترمة عالمياً ...؟

وفي الختام السؤال 12 وهو سؤال الأسئلة والخاتمة المسك والنتيجة :

س 12 ـــ هل العراق دولة مستقلة ....؟

 

ما هي مؤشرات الدولة الفاشلة والدول الجيدة ..؟

الإجابة على كل هذه الأسئلة هين .... بوسع أي طفل أن يجيب عليها .. بما يؤكد أننا في جب عميق حفر بعناية لنا، هدف هذه الكتابة أن نتمعن الحال، وأن نفكر كيف نستطيع الإفلات الآن حتى القتلة خاسرون ... خسروا براءتهم ونقاءهم، وصاروا مجرمين، ولكن علينا أن نفهم القصة، ثم نتحد بيد واحدة زيل الركام ونشيد العراق.

 

 

القرارات السياسية في الولايات المتحدة

حسابات خاطئة، ونتائج كارثية

د. ضرغام الدباغ

 

يسود الاعتقاد في بلداننا، أن القرار السياسي الأمريكي عملية دقيقة معقدة. فالمعلوم أن هناك حلقات وقنوات ودوائر عديدة (بالطبع متفاوتة في الأهمية) معنية بهذا الأمر، تدقق وتناقش، وتفحص، من أجل أن تصدر القرارات صائبة خالية من أدنى خطأ. كما يساهم في العملية، إنضاج القرار بصيغه الابتدائية والمتقدمة، (حين يدور الأمر عن خيارات متعددة، بدرجات تصعيد مختلفة)، علماء وفلاسفة واستراتيجيون، وقادة عسكريون أذكياء مجربون محنكون وخبراء أمن، دورهم هو العمل على إنضاج الخيارات، وحساب ردود الأفعال : من يحتمل أن يكون معنا، أو ضدنا، أو يقف على الحياد لحين، أو غير مكترث، أو عديم القدرة على إبداء رد فعل يستحق الاعتبار.

وبالطبع أن هذه التقديرات لا تخلو من المبالغة، وبعض من ذلك بسبب أن العقل الشرقي ميال تلقائيا للمبالغة، من جهة، ومن جهة أخرى، فإن معلوماتنا وإدراكاتنا عن الولايات المتحدة تحملنا على الاعتقاد أن قدراتها هائلة وغير نهائية. والأمريكان أنفسهم بأعتبارهم المالكون لهذه القدرات الكبيرة بالطبع لابد أن يكون هناك شيئاً من الغرور والعجرفة في اتخاذهم لقراراتهم، وربما هناك من القادة السياسيون والعسكريون (من بلداننا وبلداناً أخرى) من يعتقد أن قناعات وقرارات القيادة الأمريكية، هي إرادات سامية وقرارات يجب أن تنفذ وتسود. ودون ريب أن قدرات الولايات المتحدة هي كبيرة، وبالفعل تشارك قنوات وجهات عديدة في إنضاج وصياغة القرارات السياسية، ولكن إذا فكرنا بشكل براغماتي، وتقييم دقة وصواب عمل هذه القنوات من خلال النتائج النهائية، (والأميركان لا يقربون السياسية بالنظريات والآيديولوجيات العقائدية) فإننا سنلاحظ أن أعمالها حافلة بالأخطاء، فطالما سمعنا من مسؤولين أمريكان إدانتهم لقرارات كبرى سبق وأن اتخذتها قيادات سابقة، وتعثر سبيل تحقيقها، بل آلت إلى فشل ذريع، وأحياناً يصح وصفها بالهزيمة. فهل أخطأت كل هذه القنوات والفلاسفة والشخصيات والقادة، والمؤسسات الأستخبارية والعلمية ...؟

 

(الصورة: غلاف مجلة التايم، وهي تمثل قيمة سياسية / إعلامية مهمة،

 ثم لاحظ الصورة في المقدمة مكبرة صوت وله دلالة مهمة جداً، هاتف ملقى على الأرض،

 أكداس ملفات غير منجزة وخراب كامل وإحباط، وكلمة (اليوم الأول) هي جملة تستخدم للإشارة اليوم الأول بعد الكارثة)

 

وأعترف أن شيئ من هذه القناعات كانت عندي أيضا، ولكنها ابتدأت تتضاءل تدريجياً، أو بعبارة أدق وأكثر وضوحاً بدأت تفقد ذلك الوهج وتلك المصداقية (credibility). ترى ما السبب في ذلك، هل هو بسبب قناعتي أن الولايات المتحدة هى العدو الأول للعراق والأمة العربية، أقول ... كلا، فأنا منذ أن امتهنت السياسة صرت لا أحب أحد ولا أكره أحد. وامتهان السياسة، وسوف أوضحها (منعاً للالتباس) هي عندي ابتدأت منذ أن صرت موظفا دبلوماسياً، أتقاضى راتباً على عملي السياسي، وتعزز ذلك بعد أن درست السياسة كعلم على أيدي علماء جهابذة، وتعلمنا أن نتعامل مع القضايا السياسية كحالات (Cases) ولا علاقة للأمر بالمزاج والمعنويات، بل أن أي قضية سيصيبها عطب شديد إذا مرت عليها نسائم المزاج والعواطف.

ولكن هل بوسع السياسيين أن يتخلوا عن المزاج وأحكام الهوى ....؟

يفترض نعم ... وبالمقدار الذي تتسلل في العواطف في السياسة سيلحق العطب أو الوهن بالموضوع / القضية. ولكن هذا لا يعني أن السياسي يعمل بدون قلب ...! بالتأكيد أنه يحب بلده، ومخلص لها، ولقضاياها، وعليه أن يعمل، ويعمل كثيرا جداً لكي يخدمها أفضل خدمة. ولكن بالوسائل المفيدة. وبأساليب علمية ناضجة، ليضمن لها النجاح.  ومنذ السبعينات (1973 فصاعداً) صار نصيب حكم الهوى يتضاءل في أحكامي وتصوراتي السياسية. وكنت منذ بداية عملي في السياسة كحزبي، أعلم تماماً أن المرء يتعلم عن سبيلين أثنين :

العلم.

التجربة.

إذا كان العلم موجود في الكتب التعليمية، وفي الجامعات، فالتجربة تستمد مصادرها، من تجاربك الشخصية، وتجارب غيرك، وتجارب الغير تشاهدها أمامك، أو تسمعها، أو تقرأها في كتب ومصادر التاريخ الرصينة. وهكذا ابتدأت تتراكم في الفكر التجارب والدراسة والقراءة الكثيفة، وهي المسؤولة عن مزيد من الرؤية العميقة فكريا وعملياً. من التجارب تعلمت مبكراً الكثير. ومن الكتب المهمة التي تلقي الأضواء الكشافة على السياسة الأمريكية :

ــ كتاب: (نغودين خاكفين: عجز التقنية الأمريكية في فيثنام، بيروت 1968) قرأت بدقة  كيف تجرد الأرقام قشور وتهريج البربوغاندا. في هذا الكتاب، تحليل مادي علمي كيف أن صمود الشعوب، يوقع التقدم التكنولوجي بالعجز، وأن تعميق النضال وتوسيعه يشتت قوى العدو ويضعفها. وبهذا المعنى، قال القائد غيفارا " لابد من فيثنام ثانية وثالثة لإيقاع الهزيمة بالإمبريالية ".

 

في وقت لاحق، وحين تعمقت دراستي السياسية، قرأت كتبا كثيرة مهمة ومن تلك:

ــ نشوء الولايات المتحدة. وهذا كتاب ينبغي أن يقرأ بعمق ليطلع الدارس على الأصول التاريخية لنشأة الولايات المتحدة ودور القوى المختلفة في هذه العملية.(باللغة الألمانية / مترجم).

ــ مذكرات الجنرال الأمريكي روبرت هويزر" أياديكم ملطخة بالدماء " عن دور الولايات المتحدة في الثورة الإيرانية عام 1979.(باللغة الألمانية/ مترجم).

ــ مؤتمر بوتسدام / 1945، وفي هذا المؤتمر يلاحظ الكثير من المساعي الأمريكية واستخفافها وغدرها حتى بحلفاءها المقربين. (باللغة الألمانية/ مترجم).

ــ الإمبراطورية الأمريكية، كلود جوليان،(رئيس تحرير صحيفة الموند الباريسية)، وفيها حقائق مذهلة عن القرارات الأمريكية السياسية والاقتصادية.

ــ استراتيجية للغد، هانسون بالدوين (باحث أمريكي)، وهذا كتاب يوضح أصول القرار السياسي الأمريكي في حقبة الحرب الباردة.

ــ محاضرة للمستشار الألماني الأسبق هيلموت شمت، التي تنبأ فيها بضعف متواصل للولايات المتحدة وعجزها عن كسب معاركها. (باللغة الألمانية / مترجم).

ــ عقد من القرارات، وليم كوانت.

ــ الاشتراكية والبلدان المتحررة، (Uljanowiski, A.: Der Sozialismus und die befreiten Länder, Berlin 1973)

ــ بريماكوف، يفغيني: تشريح نزاع الشرق ا(وسط، دمشق 1979

وأعمال أخرى كثيرة أكثر من أن تحصى، وفي اتجاهات متعددة، أوصلتني لقناعة أن ليس من الضروري أن يتمتع القادة السياسيون والعسكريون الأمريكان بالنزاهة التامة كما نتصور. ولا بالعبقرية التي نعتقدها، وإلا بماذا نفسر الحجم الكبير جداً من الفشل والاخفاقات وتراجع مكانة الولايات المتحدة السياسي والأخلاقي قبل الاقتصادي، رغم الاستخدام الكثيف جدا للقوة المسلحة المتفوقة، وللقوة المالية. وقد قرأت تقارير عديدة ومن مصادر ممتازة، تشير بدقة إلى تورط قادة سياسيون بقضايا فساد مالي، وضباط من القوات المسلحة الأمريكية، بتهريب المخدرات (أفغانستان) وتورط آخرين بغسيل الأموال، وتهريب الذهب والأحجار الكريمة، وفي العراق كانت البيوت التي تتعرض للتفتيش (لأي سبب) وتتعرض لسرقة الأموال النقدية، الدولار والعملات الصعبة، والذهب، والتحف. وقد تعرضت دوائر عراقية كثيرة لسرقة الآثار الخيالية السعر، وقضايا تحف من القصور الرئاسية، وآثار وأعمال فنية (لوحات ومنحوتات). وكنت خلال دراستي وإقامتي في ألمانيا قد أطلعت على معلومات ومعطيات مؤكدة، أن الجنود الأمريكان (بشكل خاص من قوات الاحتلال)، سرقوا ونهبوا الكثير جداً من التحف ألالمانية التي كانت حتى الاحتلال من البلدان الراقية والثرية في العالم. عدا الموجودات من العملات الصعبة في البنوك .

أما عن تورط العسكريين في جرائم حرب وإبادة، والاغتصاب، فهذه أكثر من أن تعد وتحصى، في ألمانيا وفي كوريا، وفيثنام والعراق وأفغانستان لا حصر لجرائم الاعتداء والاغتصاب والقتل والتعذيب حتى الموت، وحتى إقامة مجازر بإشرافهم المباشر، أو بتوجيه أذنابهم من العملاء المحليين. وفضائح السجون السرية، وانتهاكات غوانتنامو.

أما على الصعيد السياسي، فلا تتورع القيادات الأمريكية من استغلال الأمم المتحدة ومجلس الأمن استغلالاً بشعاً، فأساليب الضغط على الدول الأعضاء كثيرة ومتنوعة، تبدأ من الضغط، إلى التلويح والتهديد، إلى عرض مزايا (قروض)، وصولاً إلى تقديم الرشاوي، وهناك شبكة لها امتدادات خيالية، وأبعاد مذهلة.  فعلى سبيل المثال كشفت الأحداث صدفة، أو من خلال صحفيون يتميزون بالجرأة، أن عصابة الأربعة " الرئيس بوش، ورامسفيلد، وديك شيني، وكونداليزا رايز" هم في الواقع من كبار المتنفذين في الشركات والبنوك العملاقة، واحتكارات صناعة الأسلحة. وقد شاهدت لقطات تلفازية، الشعب يهينهم ويحتقرهم، ولكن هذه قليلة الأهمية في العالم الرأسمالي، فالاعتبارات المعنوية والكرامة لا قيمة كبيرة لها، فالمهم هو حجم الرصيد في البنوك، والأسهم والمداخيل.

القادة الأمريكيون، يحكمون دولة عظمى، تمتلك قدرات هائلة، ومع ذلك فقادتهم ورؤساءهم لا يتورعون عن الإتيان بأعمال مخجلة، حتى يصاب المرء بالذهول، كيف بلغت هذه الطحالب إلى قمة الهرم، ولا يتورعون عن إطلاق الشتائم البذيئة، وبعضهم هزيل المستوى الثقافي بدرجة مخجلة. وإذا كان هذا مقبول تقريباً في أي مكان، وإذا كان النظام الأمريكي دقيق للغاية ونصدق ذلك، إذن كيف يتكرر هذا الأمر، بلوغ قادة للصف الأول على هذه الدرجة من الضعف. وكيف تتواصل الهزائم الأمريكية والنكسات والأخطاء الفادحة (وفق تقديراتهم). وكيف تقبل المؤسسات البريطانية وهي دولة قديمة ورزينة، أن يكذب رئيس وزرائها بطريقة غير لائقة أبداً على الحكومة والبرلمان والشعب علنا ..؟ وبعضنا يعتقد أنهم دول عظمى مهمة ...! يمتلكون أسلحة فتاكة نعم، ولكنهم عظمى ومهمة ... للأسف لا ...!

الولايات المتحدة لم تحقق النجاح التام في كوريا، رغم أنها كانت تحتكر السلاح الذري، ووجود عسكري وسياسي طاغ في شرق آسيا، وجلبت معها جيوش الناتو، ثم أرغمت على هزيمة مرة في فيثنام، وكابرت لمدة 20 عاماً في أفغانستان هذا البلد الفقير الذي لم يساعده أحد، شعب باسل قاوم الأمريكان وحلفاءهم بقدراته الذاتية المتواضعة، وبلحم صدورهم عشرون عاماً. وفي حملة حمقاء في العراق تتراجع وتتخبط في تصريحات قادتها " أننا أخطأنا... فننسحب بتعقل كما تورطنا بحماقة ". ولكن المعطيات تشير إلى أنهم فعلوا كل شيئ بتخطيط دقيق، ولكنه تخطيط عدواني وبقيادات فاسدة، فلسفة رجعية معادية لحركة التاريخ، تعاملت في الشأن العراقي كصفقة، وفي حرب لم يكن لها داع، خربوا بها بلداً كاد أن يغادر قطاع البلدان النامية، وأعادوه كما خططوا للعصور ما قبل الحجرية. ولكن المطامع في التهام الشرق الأوسط بقضه وقضيضه. والهدف النهائي هو وضع العالم بأسره تحت هيمنتهم وخدمة اطماعهم التي لا سقف لها، فهي كالوحش الذي يجوع أكثر كلما ألتهم أكثر.

أميركا بلد عملاق ذو اقتصاديات جبارة، ولكنه اقتصاد فاسد، هناك ثراء فاحش جداً، وفقر مدقع جداً والمشردين في الشوارع، مجتمع يفتقر تماماً إلى روح التضامن بين أفراده (solidarity) وهذا البلد الثري ليس فيه التأمين الطبي، والمواصلات العامة في أوطأ درجاتها، اعتادوا على النهب وأدمنوه، وسوف لن يتمكنوا من العيش من دونه، خططهم قائمة على معطيات خاطئة، لذا يصطدمون حتى مع أقرب حلفاءهم وأصدقاءهم، فهم مكروهين في كافة أرجاء العالم.

هناك دائماً خطأ ما في مكان ما يبحثون عنه بعد حلول الكوارث ... ولا يجدوه لماذا ...؟  لأن الخطأ يكمن في الجوهر، ولا أحد يقوى على ذكر الحقيقة الكبرى ...  فعلوا المستحيل لكي يضعوا أقدامهم في أفريقيا، ولكن الأفريقيين لا يودون حتى رؤيتهم، فالسياسة الأمريكية هي خلطة / تركيبة (Combination) من الأحلاف، والتعامل الاقتصادي غير المتكافئ، والاستهانة والاستصغار، والتدخل في الشؤون الداخلية، وإذا احتاجت اللوحة إلى اللون الديني لتكتمل ألوانها، فيستعينون بالمؤسسة الدينية المسيحية والإسلامية واليهودية، لا يهم، فالمهم والأهم أن تخدم الغرض السياسي، ولا يساعدون في حل أبسط مشكلة في البلاد التي يتدخلون بها، بل يزيدون الصراعات الداخلية تأججاً، ويبحثون عن ثغرات الضعف ليعمقوها .... لذلك سوف لن يأسف أحد على أفول شمس الإمبريالية الأميركية.

في السياسة لا يوجد شيئ نهائي ....هذه سنة الحياة في السياسة، لأنها تعتمد على أسس قابلة للتغير. والولايات المتحدة ستفقد قلاعها إن عاجلاً أو آجلاً، (وأرجح عاجلاً) ستتساقط في كوريا الجنوبية، وفي إيران بفعل التناقضات الداخلية والخارجية، وإسرائيل بوصفها الكيان الخطأ في المكان الخطأ، هذه الأطراف الثلاثة مرغمة ومحكومة بالتحالف مع الولايات المتحدة، فهي أساس وجودها.

 

المركز العربي الألماني

برلين

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

أفغانستان ..... إذا حلت

المقادير بطلت التدابير

ضرغام الدباغ

هذه هي مقالتي الثانية بعد هزيمة الأمريكان في أفغانستان، وهي هزيمة متوقعة. ليس لأن حركة طالبان عظيمة لدرجة أنها استطاعت أن تهزم قوة عظمى كالولايات المتحدة في ذروة صعودها ومعها حليفاتها، في مرحلة القطبية الاحادية والعولمة. ولا تخلو حركة طالبان من مكامن قوة طبيعية مكنتها من إحراز هذا الانتصار التاريخي، فالأمريكان استخدموا قنابل تذيب الجبال، وأنفقوا أموالاً يشترون بها الأنس والجن، ولكن أيضاً وهذا مهم، أن الإمبريالية العالمية بلغت درجة الاهتراء القصوى داخليا بتناقضاتها العميقة، وخارجياً خسرت مكانة التفوق الاقتصادي لصالح مراكز أخرى.

حضرت مرة مؤتمرا دوليا في كلية الحقوق ــ جامعة روما / إيطاليا، والموضوعة الأساسية فيه حق الشعوب في المقاومة، والشعب العراقي كمثال. ولكن المؤتمر تطرق إلى حالات عديدة، منها مقاومة الشعب الأفغاني للاحتلال الأمريكي/الغربي وموضوعات طابعها قانوني/ فلسفي، ومن تلك، تأكيد أن لا يوجد احتلال شريف مهما كانت الذرائع، والقوة الشعبية الأخلاقية (بالدرجة الأولى) بوسعها أن تتصدى لآله الحرب المتقدمة وتهزمها، لأنها تتمتع بالقوة المادية التاريخية. أحد المتداخلين، قلل من قيمة المقاومة الأفغانية لأن الطابع الديني هو الغالب، هذه قوة روحية يتمتع بها الشعب، يوحد بها صفوفه، وينتصر على من يحاول احتلاله .. فقاطعه أحد الشيوخ من أساتذة القانون من الإيطاليين، وهو شيوعي مخضرم، ونهر المتكلم بشدة، وقال هل يعني أن هناك قوة تسمح لبلد أن يعتدي على بلد آخر ويصادر استقلاله، إن مقاومة الاحتلال أي احتلال هي قضية مشروعة وبأي وسيلة متاحة.

إذن فالاحتلال ومآله يقع في مدى التحولات المادية التاريخية، وفي الأفق المنظو وليس البعيدر، والامر ليس بقضية نظرية خيالية. ومن البديهي أن سيناريو انتصار حركة مقاومة شعبية على تحالف قوى عالمي كالولايات المتحدة وحلفاءها، سوف لن يتوج بسقوط العاصمة واشنطن، أو بروكسل (مقر الناتو)، بل النصر يتحقق بعجز القوى الاستعمارية / الإمبريالية من تحقيق ما تريد، وما تريده هو القضاء على جذوة الحرية لدى الشعب وإلحاقه في مخططاتها. وقد تحطمت أكف المتدخلين وتكنولوجيتهم الحربية المتقدمة، من القرع على البوابات الخشبية/الفولاذية لكابل وقندهار وقندوز، وبادروا بهذه اللغة أو تلك بالطلب : رجاء أسمحوا لنا بجمع حوائجنا والفرار ..!  ضاعت مئات المليارات وضحاياهم في الهواء ...وهذا برهان آخر وعبرة أن مصير أي احتلال هو الزوال، وأعوان الاحتلال وأذنابه هو التبخر في الهواء الطلق .....! 

الآن رحل المحتل ... ومن كان يعتقد أن الاحتلال سرمدي تبين أنه جاهل، ومن كان يعتقد أن الشعب يبدل قياداته الوطنية (أي كان صنفها) بحكومة المكدونل والهامبرغر تبين أنه غشيم ...ومن أعتقد أن القتل والتدمير والسجن والاغتيال مفيد، تبين أنه غبي لا يفهم التاريخ .. ثم أن الاحتلال أخذ معه أفضل كلابه من المتعاونين (من غير المعقول أن يأخذهم كلهم)، وترك الباقين لتذروهم الرياح، تحت شعار "هم قبضوا أتعابهم،  والحمار يموت بكروته "، ماذا سيفعل بقية المتعاونين ماذا سيفعلون ..

النظام العملاء الذي أقامه الأمريكان لا يريد أن يصدق أن الحلم انتهى، وهيا انقلعوا إلى الأماكن التي جئتم منها، سائر الناس : البعض منهم سيأتي راكعاً خاضعاً باكياً طالبا السماح والعفو ...وأرجح أن طالبان اليوم، هي غير طالبان قبل 20 عام خلت. التجربة الكبيرة لها دروسها، هناك من لعب دور الخادم والمتملق، والأجير هذا قضيته سهلة ...وهناك من الخونة من تبلغ درجة الصفاقة والوقاحة به درجة عالية، فيريد أن يحجز تذكرة ليشارك في حفل الانتصار ...هذا أيضا قضيته سهلة، وهناك من الخونة من تلطخت أيديهم بدماء الشعب مقابل حفنة دولارات وهذه مسألة فيها نظر، ولكن هناك من الخونة والمتعاونين من يريد أن يتطاول فيناكف الثورة الظافرة المظفرة المنتصرة ولا تعرف ما يريد بالضبط ... سوى إثارة المتاعب وهؤلاء سينالون من يكفي أن يلزموا جحورهم ...

قوى اقليمية هالها أن تكون أفغانستان حرة، فهم يفضلون التعامل مع القوي الذي لا يحترمهم، بدل قوة إقليمية واعدة، ستحاول أن تضع لها موضع قدم، وأن يكون لها في العرس قرص ... هذه ستفشل وتنكفئ خاسئة خاسرة. الروس سينظرون بعين من يترقب الأهوال ... ويترددون بين لعبة الحوار والسياسة، وأستعرض العضلات، مع أنه جرب لغة فرض القوة، والنتائج كانت مأساوية.

سيفوز من أدرك قواعد حركة التاريخ بالعلم والثقافة، أم بالسليقة ... وبالحكم والثقافة الشعبية (جولة الباطل ساعة وجولة الحق إلى قيام الساعة)  ولم ترهبه قعقعة السلاح ... وسيساهمون في خلق أفاق جديدة لأفغانستان ولعموم المنطقة، وأرجح أن نهاية الاحتلال الأمريكي لأفغانستان سيكون فاتحة لمرحلة جديدة لأفغانستان وللمنطقة، هذه الخطوة الأولى فحسب .....!

 

ـــ خسائر الأمريكان في أفغانستان :

من القتلى / خلال المعارك : 1897 قتيل.

قتلى حوادث : 415 قتيل.

من الجرحى والمعوقين :أكثر من 20,660 جريح ومعاق.

مجموع القتلى 2312 قتيل

حرب استنزاف طيلة 21 عاماً، خسروا خلالها ما بين 800 مليار و3 تريليونات دولار، بحسب مصادر مختلفة، ليقرروا أخيراً الانسحاب منها دون أن يتمكنوا من القضاء على عدوهم الصغير (حركة طالبان).

دمروا أشياء مثل السيارات المدرعة وأكثر من 15000 قطعة أخرى من المعدات التي اعتُبِرَت ملكية زائدة.

تقرير لمجلة Militarytimes الأمريكية بعنوان "الحرب الأفغانية كلفت أكثر من تريلوني دولار أمريكي و240 ألف قتيل"، فصل تلك الفاتورة اعتماداً على تقرير أمريكي رسمي صادر عن وزارتي الدفاع (البنتاغون) والخارجية.

التقرير تكلفة إرسال القوات الأمريكية إلى أفغانستان منذ عام 2001 وحتى نهاية 2020 وأعداد تلك القوات، إضافة إلى الأموال التي أنفقها البنتاغون والخارجية لإدارة الصراع وعلاج ومساعدة العسكريين الأمريكيين الذين أصيبوا هناك، ويخلص التقرير الصادر الجمعة 16 أبريل/نيسان الجاري إلى أن الفاتورة المالية تتخطى حاجز 2 تريليون دولار أمريكي.

وعن تفاصيل الأموال وجد تقرير تكاليف الحرب أن البنتاغون ضخ 933 مليار دولار من خلال صندوق التمويل الطارئ للعمليات العسكرية عبر البحار، بينما باقي المبلغ الضخم جاء في صورة 443 مليار دولار من ميزانية البنتاغون السنوية وزياداتها المخصصة لدعم الحرب في أفغانستان منها 296 مليار دولار لرعاية قدامى المحاربين، إضافة إلى 59 مليار دولار من صندوق التمويل الطارئ الخاص بوزارة الخارجية و530 مليار دولار لتغطية فوائد وأقساط القروض التي حصلت عليها الوزارتان لتغطية نفقات الحرب على مدى 20 عاماً.

ورصد تقرير آخر لهيئة الإذاعة البريطانية BBC تفاصيل أخرى لتلك الفاتورة تمثلت في أنه بحلول عام 2018 بلغ الإنفاق السنوي على القوات الأمريكية في أفغانستان نحو 45 مليار دولار، بحسب ما قاله مسؤول كبير في البنتاغون للكونغرس الأمريكي في ذلك العام، ووفقاً لوزارة الدفاع الأمريكية بلغ إجمالي الإنفاق العسكري في أفغانستان (من أكتوبر/تشرين الأول من عام 2001 وحتى سبتمبر/أيلول من عام 2019) 778 مليار دولار.

ورصد تقرير آخر لهيئة الإذاعة البريطانية BBC تفاصيل أخرى لتلك الفاتورة تمثلت في أنه بحلول عام 2018 بلغ الإنفاق السنوي على القوات الأمريكية في أفغانستان نحو 45 مليار دولار، بحسب ما قاله مسؤول كبير في البنتاغون للكونغرس الأمريكي في ذلك العام، ووفقاً لوزارة الدفاع الأمريكية بلغ إجمالي الإنفاق العسكري في أفغانستان (من أكتوبر/تشرين الأول من عام 2001 وحتى سبتمبر/أيلول من عام 2019) 778 مليار دولار.

 

 

الإعلام البائس

ضرغام الدباغ

من يتمكن من مشاهدة وقراءة الإعلام الأوربي، وخاصة الإعلام المتقدم (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، وأسكندنافيا)، وافترض أن وسائط البث والتقاط القنوات الكثيرة بواسطة الصحن تتيح ذلك اليوم بوفرة، فاليوم أجهزة صغيرة الحجم تلتقط ألاف من القنوات بلا صحن (دش)، ويقرأ الصحف بتفحص، يتعلم شيئاً مهماً : كيف تتشكل قناعات الناس ..؟ كيف يؤثر الإعلام على الرأي العام ...؟

الفرد الأوربي حتى الشبان اليافعين منهم، أو الأولاد والصبيان، يتمتعون بشخصية قوية، بقناعات راسخة، لا تتعرض للاهتزاز بسهولة، من خلال تغذية العقول بمواد صيغت بدقة، في المدرسة أولاً، ثم في الثقافة العامة، والإعلام، ثم حتى في البيت الذي لا يلعب إلا دوراً هامشياً، بعقلانية ومنطق محكم، فلا يستطيع مخرف أن يلعب بعقولهم، والإعلام قوي ولابد أن يكون قوياً لكي يتمكن من التأثير على متلقين أذكياء، معظم الجمهور ذكي، والثقافة متجذرة، يتقن أكثر من لغة،  لذلك تعتبر وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية بالغة التأثير على السواد الأعظم من المتلقين.

فالإعلام لكي يخلق جمهوراً متلقياً راقياً، لابد أن يتمتع بدرجة صدقية عالية، وبمستوى عال من الحيادية تقنع المتلقي أن الإعلام لا يحقن فكره بمواد مسمومة مصبوغة بالأوان خادعة، إعلام يريد أن يكسب المتلقي لجانبه، لا أن يغشه اليوم لتنكشف الخدعة غداً، وحينها يفقد المتلقي الثقة بأجهزة الإعلام، وهكذا نجد مجتمعات فيها ورق مطبوع يسمى صحافة، فيها الكثير من الضجيج والصياح والصراخ ويسمى هذا بالراديو، وبث تلفازي لا يستحق مجرد إلقاء نظرة عليه، مقدمين برامج هم أشبه بالمصارعين رياضة الزومو (أحد اللاعبين يقذف خصمه خارج الحلبة). وأحياناً يجاري الضيوف مقدمي البرنامج وينغمسون في حفلة التهريج، والمحصلة لا يمكن المتلقي أن يحصل منها على ثقافة نظيفة، بل دعاية رخيصة بطريقة التهريج.

أنا لا أشاهد التلفاز إلا قليلاً جداً، أجازف أحياناً وأتفرج على القنوات العربية (عبر الانترنيت)، القليل، القليل جداً منها يستحق المشاهدة، لدرجة تصاب باليأس، فخبر واحد تذيعه ثلاث قنوات كل بطريقتها، يستحيل معها أن تعرف الحقيقة كما حدثت، إلا إذا عملت بطريقة أستقرائية تجمع وتطرح وتقاطع، وتستنتج وتكتشف ربما الحقيقة. أما المقابلات ففي معظمها يريد فيها مدير الحوار أن يرغم الضيف ما ينبغي أن يقوله، ثم يريد أن يصبح هو نجم الحلقة، في زمن الظهور على الشاشة، يحاصر ضيفه من هنا، ويدفعه هناك، ويسحبه ثم يضغط عليه ... ما هذا ... حرب شعبية إعلامية .. مقدم البرنامج لا يدع ضيفه يقول رأيه ... بل يريد منه رأياً يتفق مع هواه .. أو مع هوى أصحاب القناة، وأحياناً يعتقد بعض مقدمي البرامج البدائيين أن من الشطارة الإعلامية الضغط على الضيف واستفزازه وإغضابه ليقول ما لا يريد قوله بقصد الإثارة، وتقديم فضائح وإثارات (من أي نوع) للمتلقين، وربما غاية مقدم البرامج هو التسلية وليس تقديم مادة إعلامية / ثقافية.

روي لي صديق إعلامي عمل عشرة سنوات في ال (BBC) التي تعتبر مدرسة إعلامية، والعامل فيها كالذي يتخرج من جامعة عريقة، قال لي، أن مدراء الاقسام يجتمعون بالعاملين يومياً و ويتبادلون وجهات النظر، وهناك قاعدة شهيرة في صياغة الخبر بحيث لا يدعك تعرف (لشدة الحيادية) من صياغة الخبر هوية الاذاعة..! حيادية إلى أقصى درجة، وشحنة عالية جداً من المصداقية والنزاهة. ولكن هل أن المحطات الشهيرة كا (BBC) لا تمارس الغش والكذب نهائياً ..؟

طبعاً هناك توجيه، وهناك لمسة مهنية راقية لا تبدو للمستمع أو المشاهد أو القارئ، بطريقة أنيقة جداً، تحترم ذكاء المتلقي، وتتقبل رفضه، وتواصل محاورته، ونادراً ما يلجأون إلى أكاذيب مبتذلة، ورجل الإعلام متعلم للمهنة وممارسها لفترة طويلة جداً ليصيح شيئاً مذكوراً، ومن بين مئات العاملين يبرز عدد قليل جداً هؤلاء استفادوا من تجاربهم، وتعلموا كثيراً، فصياغة الجملة الإعلامية فن، وكذلك صياغة الخبر الصحفي، وإذا كان مطلوب من الصحفي أو الإعلامي، أن يوجه ويثقف بأتجاه معين، فإنه يفعل ذلك بصبر وذكاء حاد، يحاول بعض كافة جوانب الأمر، ولكنه يركز على الجانب الذي ينبغي عليه الدفع بأتجاهه. لذلك فالإعلام في الدول المتقدمة ذكي، إن مارس الخداع، فيمارسه لطريقة فنية لا يعثر عليها المتلقي إلا الأذكياء المثقفون. فإذا كان الإعلامي مبتذلاً، فمادته ستكون كذلك أيضاً، ولك أن تتخيل نوع وطبيعة الجمهور الذي يتلقى إعلاماً مبتذلاً ... ولن تؤدي هذه العملية إلى ثقافة.....!

نعم هناك عمل دعائي وسياسة اعلامية في أوربا، وأحياناً غسل دماغ المتلقي، ولكن ذلك يجري بطريقة فنية دقيقة، وعلى مستوى عال من الحرفية. معظم مقدمي البرامج العربية، وتركيزاً العراقية بائسون حقاً، يريد أن "يسيطر" على الضيف، يريد أن " يستولي على الشاشة بفضاضة، وإن سمح للضيف بالحديث فيتدخل بصوته كل نصف دقيقة بصوت مجموج  " أهة " كأنه يريد القول " أنا ما زلت هنا ". والمخاشنة بلا داعي، حتى تصل درجة استخدام الفاظ سوقية.

لا أدري أن كان إعلاميونا قد درسوا الإعلام، ولكنهم في جميع الاحوال يخضعون لسياسة صاحب المحطة، فلقاء الراتب الذي يتقاضاه، عليه أن يثبت كل دقيقة أن الأرض مسطحة، ولمن يشعر بالغبن، فإن المتلقي/ المشاهد / القارئ في بلادنا مظلوم، مظلوم جداً، لذلك يلجأ نكاية بقنواتنا الجادة إلى الإعجاب بأغاني هابطة وسخيفة، ورقص مبتذل، والمحصلة النهائية هي، أن من يحترم نفسه لا يشاهد هذه القنوات .. ولكن هناك على أية حال من يتابعها، ولذلك تجد الكثير... الكثير ممن يتحرك وينزل للشارع بإشارة وبغمزة عين .

 وبكلمة واحدة، هذه القنوات (معظمها) لا تساهم في تثقيف المتلقي، ولا إثراء معلوماته .. وهي تدمر الأعصاب ...الله يعين الناس سوء الطقس (الحر) وجور الانظمة، وميليشيات ...قبضايات ...زعران ... شبيحة ...عصابات النظام أو زعماء الطوائف الوالغين بدماء الناس ... هذه جميعها تنتج سمفونية مرعبة من أبشع ما يكون ... وظيفتها الوحيدة هي اضطهاد الناس وتدمير أعصابهم بلا رحمة ..!

 

لماذا خسرت أميركا والغرب

 المعركة في أفغانستان ...؟

 

ضرغام الدباغ

 

بين يدي بحث أقوم بترجمته عن الألمانية، وهو بعنوان " لماذا خسرت ألمانيا الحرب الصاعقة في الاتحاد السوفيتي " (في الحرب العالمية الثانية). وبالطبع التساؤل والبحث لا يدور عن جزئيات الموضوع في بل في مرتكزاته الأساسية، فالخطأ والنتائج الكارثية الكبيرة، غالباً ليس بسبب غلطة أرتكبها جنرال، ولا بطولة قام بها جنرال من الطرف الآخر، بل المشكلة تكمن في جذور الأمر وفي مبادئه واستراتيجيته.

وبهذا المنهج سنقوم ببحث النتيجة المريعة التي بلغتها الولايات المتحدة والتي بها سحبت معها التحالف الغربي بأسره إلى المأزق الذي لا مفر من نتائجه الكارثية، فلنقل بدون تزويق ولا تلوين للكلمات: الهزيمة مرة ساحقة، هزيمة سيكون لها تداعياتها الواسعة النطاق.

التساؤل يبدأ هل كان من الضروري أن تذهب الولايات المتحدة إلى أفغانستان ..؟ هل كان الذهاب للمغامرة الافغانية نتيجة غضب ..؟ أو دفاعاً عن هيبة الولايات المتحدة، أم كان قراراً ينسجم مع السياسة الأمريكية الشاملة، ومثلها كان أرتكب خطأ فيثنام وكمبوديا، ولاوس، وقبلها كوريا، التي ما تزال تمثل جرحاً نازفا للولايات المتحدة، مكلفة سياسياً واقتصاديا وعسكرياً. فالأمر في أفغانستان إذن لم تكن نزوة غضب ..!

الولايات المتحدة عاقبت الشعب الأفغاني بأسره، والاحتلال هو عدوان وإهانة، سوف تلاقي حتماً من يقاومها، والمقاومة وفق القوانين الدولية والوضعية، هو عمل مشروع، والولايات المتحدة اعتمدت فيه كلياً على عنصر واحد فقط: القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة، واستخدامها لمجلس الأمن وفق مشيئتها ...ولا شيئ أكثر من ذلك البتة.

وبناء على هذا الخطأ الجسيم، توالت أخطاء جسيمة أخرى، وانحدرت في لجة من القرارات الخاطئة. والأوربيون أذكياء، أصحاب خبرة طويلة في الحروب الاستعمارية والتوسعية وحروب التدخل، لذا تبينت أطراف أوربية عديدة الخطأ مبكراً وشخصته وتنبأت بهذه النهاية التعيسة، منها فرنسا، وألمانيا الاتحادية، وعبرت عن تشخيصها للخطأ بوسائل ناعمة. نقول ناعمة، لأن الولايات المتحدة تعتبر نفسها ذات دالة كبيرة على أوربا، بسبب دورها المهم الحاسم في الحربين العالميتين (الثانية خاصة) ومن ثم لعبت دور الحارس الأكيد والدرع الحصين لأوربا من اكتساح الاتحاد السوفيتي وأوربا الشرق لأوربا الغربية. بوصفها العمود الفقري لتحالف الناتو (التحالف بين ضفتي الأطلسي). وكان رفض الذهاب لأفغانستان سيعد نسفا أكيداً لحلف الناتو، وللعلاقات الأمريكية الأوربية. وهذه معركة لم تكن القيادات الأوربية فتح أبوابها مع الولايات المتحدة.

فرنسا ديغول، عبرت بوضوح تام أنها ضد حروب من هذا النوع، ورفض شيراك الحرب على العراق بوضوح تام، ولكنها سايرت الولايات المتحدة في الشأن الأفغاني، وبالطبع دفعت ثمن هذه المسايرة، ومثلها سائر الحلفاء الغربيين. وألمانيا بقيادة غيرهارد شرويدر رفضت الحرب على العراق بوصفها عدوانا واضحاً مخالفا بصراحة للقانون الدولي، ومن يشارك فيها يرحل على ملاكات خرق القانون ونتائجه.

وكنت قد أطلعت عام 2005 على محاضرة ألقاها المستشار الألماني الأسبق هيلموت شمت (27 / فبراير / 2005)، وهو من عباقرة من قادوا ألمانيا في كافة العهود، تحدث فيها هذا الاستراتيجي متشائماً عن مستقبل الغرب، وشخص مبكراً أن هناك قوى سياسية واقتصادية (اقتصادية خاصة)، وعسكرية وسكانية جديدة في العالم ونحن نشهد تغيرات، قد تكون في العقود المقبلة حاسمة، وعبر عن عدم رضاه عن الحلول والأساليب، ومن تلك قوله نقطة جوهرية " أن الولايات المتحدة، ما زالت تمتلك القوة للتدخل في أي بقعة في العالم، ولكنها غير قادرة على حسم الصراعات لصالحها ". وتصلح هذه الجملة لتكون مدخلا لدراسات وبحوث وتأملات في السياسة الدولية وفي ميزان القوى العالمي. وبتقديري أن المستشار الألماني المفكر، توصل بسرعة إلى رؤية العجز وإلى التخبط في زج القوى الحربية في مشكلات يمكن أن يجد العقل البشري حلولاً لها بعيداً عن القتل والتدمير، وأن الولايات المتحدة تمتلك (أو هكذا يفترض) أنها تمتلك القوى الفكرية للتوصل إلى حلول، القنابل والصواريخ ليس من بين وسائلها المعبرة. بمعنى أن بوسعها إشعال الحرائق، ولكن ليس إخمادها  ....!

مشكلة القيادات الغربية، أنهم يتعاملون مع قضايا الشعوب الأخرى، وكأنها معطيات رقمية، يضعوها في ذاكرة الحاسوب، وهذه المعطيات لا تنظر إلى جوانب المنظر وتفاصيله الإنسانية، وبالتالي يتبين خطأ جنرال من لوس أنجلس، يتحدث عن الوضع الاجتماعي في قندهار، وبالتالي وفق المعطيات والحسابات الدفترية، فبرأيه أنه أكثر رقيا من مجتمع قندهار، وقد يكون الأمر مختلفا كلياً. ووفق تسجيلات أمريكية وغربية كثيرة (لدي مل