الرئيسية || من نحن ||| اتصل بنا
 

د. ضرغام الدباغ استاذ جامعي باحث وكاتب عراقي مقيم في المانيا مؤسس المركز العربي الألماني برلين

  ( من كتاب البلاد)

الأمم المتحدة

 

ضرغام الدباغ

 

للحق لا يمكن وصف تراجع أداء الأمم المتحدة بالجديد ، فقد تعاملت الولايات المتحدة بوصفها دولة المقر، دائماً على أن الأمم المتحدة والمنظمات الاقتصادية الدولية تعمل (غالباً) وفق مشيئتها، ولاسيما المنظمات الاقتصادية،(صندوق النقد الدولي " IMF  " والبنك الدولي للتنمية والاعمار ." IBRD ") وقد نشرنا قبل سنوات، أن الأمم المتحدة كانت تتلقى " التعليمات " من وزارة الخارجية الأمريكية حتى في أعز أيامها،  وليست هناك سوى مرات نادرة خرجت فيها الأمم المتحدة عن إرادة الولايات المتحدة، ولا سيما في تلك التي تختص بالقضية الفلسطيني،. وفي المقدمة القرار التاريخي الذي وصف الصهيونية بالعنصرية.

تشهد الأمم المتحدة في تاريخها على مستوى الأمناء العامون (9 أمناء) قدرتها في عملية اختيار الأمين العام، ثم بممارسة نفوذها خلال عمله، وفي قضية التمديد له ولاية جديدة (استخدمت الولايات المتحدة حق النقض الفيتو ضد إعادة انتخاب الدكتور بطرس غالي لولاية ثانية)، وهناك شكوك تحوم حول مصرع الأمين العام الثاني السويدي داغ همرشولد بحادث طائرة مدبر، لأن مصرعه (أيلول / 1961) كان ضرورة في مسار القضية الكونغولية.

وكان التعامل مع الأمم المتحدة يجري على أنها تقع تحت نفوذ الولايات المتحدة،  وحتى في مرحلة ذروة الحرب الباردة كانت الأمم المتحدة تعمل بتوجيه من وزارة الخارجية الأمريكية ونجد تلميحات وتصريحات، بهذا الصدد، ومنها موقف الأمم المتحدة أبان الأزمة الكوبية (تشرين الأول / 1962)، ورغم ذلك، لم تقدم الولايات المتحدة على منح تأشيرة الدخول (الفيزا) إذ كانت تلجأ إلى المماطلة والتسويف، ولكن دون الامتناع الصريح.

منذ عام 1989 وحتى نيسان / 2003 ناصبت الولايات المتحدة العراق حالة العداء،  وكانت منظمة الأمم المتحدة للأسف إحدى الأدوات السياسية الرئيسية التي استخدمتها الولايات المتحدة في العدوان على العراق، باستخدامها المنظمة كأداة لاستصدار القرارات المبنية على أدلة مزورة، أو بممارسة الضغط  السياسي والرشوة.

ومن المؤسف القول أن اختيار الأشخاص لمنصب الأمين العام كان أمرا يخضع للعوامل السياسية، وعلى الأرجح بالقدر الذي يتيح للولايات المتحدة ممارسة الضغط على الأمانة العامة، وبعض الأمناء العامون من أميركا اللاتينية وأفريقيا، كانوا عرضة للضغط السياسي والمالي، فلم يتمكنوا من أداء واجبهم بعيدا عن الضغط الأمريكي إلا نادرا. أما فرق التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل، فقد كانت عبارة عن فرق تجسس واضحة بصورة تامة، تابعة للولايات المتحدة، وفيما بعد، كشفت الأحداث اللاحقة أن هؤلاء لم يكونوا سوى عملاء لوكالة المخابرات الامريكية، سواء المواطنون الأمريكيون منهم، أم من حملة الجنسيات الأجنبية المختلفة، فقد عملوا وفق عقود مع أجهزة الاستخبارات الأمريكية.

أما خلال الأزمة الأوكرانية الحالية (شباط / 2022 فصاعداً) فقد تجلت الهيمنة الأمريكية على المنظمة بأوضح صورها، حين امتنعت عن منح وزير الخارجية الروسي التأشيرة اللازمة للهبوط في مطار نيويورك، من أجل حضور الجلسات العامة للجمعية العمومية للأمم المتحدة، كما بدا واصحاً أن الأمين العام نفسه ليس سوى ضحية للتهديد والأبتزاز، وليس بوسعه أتخاذ حتى القرارات البسيطة.

تطرح هذه المعطيات وغيرها، التي تعطل عمل المنظمة الدولية، وتخرجها من إطار العمل الجماعي، إلى الضرورة الحاسمة لاستبدال المقر العام للأمم المتحدة، إلى بلد يستطيع مواجهة الضغوط الأمريكية، كفقرة أولى في الملف الدولي الذي يحمل عنوان ... " الحاجة الماسة لإصلاح جذري لمنظمة الأمم المتحدة ".

 

هل يتجه العالم لتصفية آثار

 

ونتائج الحرب العالمية الثانية

 

ضرغام الدباغ

 

مثل التوسع هدف الحروب الاستعمارية في ظاهرها وجوهرها، التوسع والضم والإلحاق، ونهب ثروات البلدان المستعمرة، وفي حالات كثيرة كان سكان وشعوب البلدان التي تتعرض للغزو الاستعماري يستخدمون جنوداً بالسخرة ووقوداً لحروب وفتوحات استعمارية، وضحايا مجانية للحروب الاستعمارية.

وكما في معطيات الطبيعة، هناك ما يطلق عليه في علم الجيولوجيا، الهزات الارتدادية (Aftershock) فكثيرا ما تقود الحروب الاستعمارية إلى حروب أخرى، ذلك أن المنتصرون في الحرب غالباً ما لا يحكمون العقل بقطف ثمار انتصارهم، فيبالغون في الاستيلاء على ممتلكات المنهزم، من منقولات: ممتلكات مصانع، وأموال وذهب، يتحولون بعدها إلى تقاسم ما يمتلك من مصادر ثروات غير قابلة للنقل، أراض ومصادر ثروات طبيعية ومناطق استراتيجية، موانئ، منافذ بحرية، إطلالات استراتيجية ...الخ

وإذا كانت الثروات والغرامات قضية يمكن أن تتجاوزها الدول بمرور الزمن، ولكن المناطق المستولى عليها (عبر اتفاقيات الإذعان) ستمثل عقدة يصعب حلها في العلاقات بين الدول، ولا سيما بعد زوال الظروف السياسية التي أدت إلى الصراع المسلح، وقيام معطيات جديدة وآفاق جديدة تستلزم العمل والتعاون السياسي/ الاقتصادي، وبالتالي العمل كفريق حيال مهمات ومستحقات حديثة، ستحول تلك العقد دون المضي  في قدما في مجالات التعاون، وستمثل عائقاً، وقد تقود إلى بؤر خلاف تحتمل الالتهاب والتطور إلى أزمة، والأزمة قابلة للتصعيد إلى حالات ومواقف قد لا تنجح الدبلوماسية في نزع فتائلها.

في أروقة الأمم المتحدة (ولابد من قول أنها لم تنجح تماماً في حل المشكلات وبؤر التوتر)هناك دوائر مختصة بدراسة الملفات العالقة، والتي تمثل قنابل موقوتة قابلة للألتهاب والانفجار في أي وقت، ومن يقرأ هذه الملفات يلاحظ أولاً كثرة عددها، وثانيا أنها تعود للعصور الاستعمارية والحربين العالميتين الأولى والثانية، فالمستعمرون حين اضطروا إلى مغادرة البلاد، خلفوا ورائهم مشكلات تستعصي الحلول، فيندر وجود إقليم في أوربا وآسيا (شبه القارة الهندية) وأفريقيا وأمريكا اللاتينية(جزر المالوين / فوكلاند)، تخلو من هذه المشاكل. ورغم مرور عقود على بعض تلك المشاكل إلا أن الملفات الشائكة ما تزال على الطاولة يمكن طرحها في أي وقت، وتلقي بظلالها القاتمة على العلاقات بين الدول.

وكان الروس قد اضطروا في الحرب العالمية الأولى وبعد ثورة أكتوبر الاشتراكية الكبرى، إلى عقد معاهد صلح إذعان (معاهدة صلح بريست) مع ألمانيا، تنازلوا فيها عن أراضي واسعة ومدن، وثروات طبيعية، ولكنهم في سياق تطور الحرب العالمية الثانية، تمكنوا من استعادتها، وهناك مقاطعات أخرى تنازل عنها الروس طوعا، (فنلندة، بولونيا)، أو بسبب قيام الكيان السوفيتي التي استلزم بعض التعديلات الهامة، فتنازل الاتحاد السوفيتي (طوعاً) عن أقليم القرم (شبه جزيرة القرم) لصالح اوكرانيا وخلق كيان لم يكن موجوداً، وافق الروس على إنشاؤه (أوكرانيا). ولكنها اليوم بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، تطرح جمهورية روسيا الاتحادية في خضم توتر دولي، مسألة إعادة النظر في تلك التعديلات.

في أوربا مسألة أخرى تطرح نفسها بوصفها ملفا ساخناً، هي جزر بحر إيجة المتنازع عليها بين تركيا واليونان، فهذه أخذتها من تركيا (بعد الحرب العالمية الأولى)رغم أن معظمها لا يبتعد علن الساحل التركي سوى مئات الأمتار أحياناً، وهو ما يخالف القانون الدولي، ومنح بعضها الآخر لإيطاليا، وبعد الحرب العالمية الثانية اعتبرت إيطاليا من الدول المنهزمة، أخذت منها الجزر وسلمت لليونان، ولكن القرار الدولي نص أن تكون الجزر وكثير منها غير مأهولة، أن تكون غير مسلحة، ولكن اليونان أخذت تدريجيا مستفيدة من أجواء التوتر الدولي، تسلحها وتعتبرها من ضمن ملكيتها، وتضمها للمناطق الاقتصادية لها، بما قد تتوفر بها والمياه المحيطة بها من ثروات طبيعية، وهنا تتفاقم مشكلة من غير المستبعد أن تقود لنزاعات دولية.

وتعسف المنتصرون في ختام الحروب، قد يتجاوز في مداه ما هو محتمل ومقبول، لذلك يشتهر المثل " الحروب تلد حروب أخرى ". والمقصود بنتائجها وآثار ها الجائرة، وهذه تجلت بشكل متعسف في معادة فرساي بعد الحرب العالمية الأولى في أوربا والشرق الأوسط، ومن تلك إضعاف ألمانيا بدرجة متطرفة وسلبها أراض وطنية عريقة تاريخياً  مثل بروسيا الشرقية، فدولة بولونيا لم تكن موجودة قبل الحرب العالمية الأولى، ولكن بأراض اقتطعت من روسيا وألمانيا تأسست دولة بولونيا كما أن دولة جيكوسلوفاكيا لم تكن موجودة، وكذلك دولة المجر ويوغسلافيا.

وإذا كانت الحروب فرصة للتوسع، وتحقق الدول المنتصرة من خلالها إرادتها ليس في التوسع فحسب، بل وإضعاف الدول المنهزمة إلى أقصى درجة ممكنة بحيث لا تشكل خطرا في المستقبل القريب والبعيد. ولكن لا شيئ كالسياسة موضوعة قابلة للتغيير والتطور، فالضعيف لن يبقى ضعيفاً إلى الأبد، وكذلك الصغير، فهذه معطيات قابلة للتغيير، وتطرح نفسها كمستحقات بعد تغير ملموس على مسرح العلاقات الدولية.

والحقيقة أن كل من هذه الملفات تحتاج لبحوث معمقة ولكن ما نريد قوله، أن النظام العالمي بدأ يتفتت، والدول التي سلبت منها أراض بنتيجة الحروب العالمية(الأولى والثانية) تلمح اليوم مطالبة بتسويات جديدة، وأن المنتصرون تعسفوا كثيراُ وألحقوا أضرارا جسيمة آن اليوم وقت تصحيحها. فالأراضي الألمانية التي انتزعت من ألمانيا وضمت لبولونيا خاصة، اليوم تلمح الحكومة البولونية أن ألمانيا ترمقها بعين المطالب بعودتها للوطن الألماني.  وكذلك تركيا تطالب بجزرها في بحر إيجة القريبة من سواحلها، وهي مطالب تبدو عادلة وتستحق إعادة التسوية.

وكما في أوربا، فهناك ملفات وبؤر قابلة للأشتعال في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، من مخلفات الحربين العالميتين، والعهود الاستعمارية، تم تصفية بعضها، ولكن ما تزال أخرى مطروحة تنذر بهبوب العواصف .

هذه ملفات نعد قراءنا بأن نبحث كل منها على حدة. في اليوم من الملفات التي وضعت تحت المجهر ...!

 

 

الشهور القليلة المقبلة ستحدد

 مسارات السياسة الدولية

 

ضرغام الدباغ

 

نشر الصديق الصحفي البارز ليث الحمداني في جريدته الورقية " البلاد " التي يصدرها في كندا / اونتاريو، العدد 245 / آب / 2022 الصفحات 28 / 29. مقالا في غاية الأهمية، مترجماً عم المجلة الامريكية المشهورة "    Foreign Policy  " السياسة الخارجية ". للكاتب ميشائيل هيرش (Michael Hirsh)  والمقال بعنوان

 "We are now in a Global Cold War  "  وقدمها مترجمها للعربي بعنوان " العالم مقبل على حرب باردة جديدة، وهذه ملامحها " ووضع لها عنوانا فرعيا " ربما تكون الحرب الباردة قد أنتهت قبل ثلاثة عقود، ولكن هناك نوعا آخر مختلفا تماماً من الحرب الباردة يبدأ الآن ".

ورغم أن كاتب المقال، وهو متمرس في الكتابة والتحليل، إلا أنه لم يفلح في إقناع القارئ لماذا قررت الولايات المتحدة تصعيد التأزم وصولاً إلى الحرب الباردة / الساخنة في بدايتها (أوكرانيا)، ولم يتمكن من تقديم ذريعة واحدة سوى توجيه  مصطلح غير معروف في السياسة " نظام سلطوي " ولكن لم يقدم لنا ولو مفردات بسيطة ما هو النظام السلطوي ..؟ مع أننا نعلم أن كل نظام لدية سلطات، لا يوجد نظام بلا سلطة، وفي المقدمة الولايات المتحدة الأمريكية قبل غيرها، ولكن هذه لوحدها ليست مثلبة تستحق لا حروب باردة ولا حروب ساخنة  ..!

 ويضع الكاتب حدوداً لستار حديدي جديد من ماريوبول / البحر الاسود في أوكرانيا، وحتى تايبيه في تايوان  (فيه ثغرات واسعة)، لا يقوم على أساس عرقي ولا أيديولوجي، ولا ديني. ولكن القارئ اللبيب يقرأ بوضوح بين السطور، أن الولايات المتحدة لا تريد أن " تسمح " بقيام دولة كبيرة تنافسها، أو مجموعة دول وإن مثلت هذه الكتلة الأكثر سكانا ومساحة، وفي الحجم الاقتصادي، والولايات المتحدة والغرب عموماً (وإن بدرجات متفاوتة)، والكاتب لا يذكر " بالطبع " أسباب هستيريا الولايات المتحدة الحقيقية في تخبطها في منطقة المحيط الهادئ وحتى أوكرانيا.، فنراه يذك ذرائع شبه وهمية ويتبنى ما يطرحه المتحدث بأسم مجلس الأمن القومي الأمريكي جون كيربي :

 " أنه انعكاس لمخاوف جلفاءنا المماثلة بشأن الممارسات الاقتصادية السيئة، وأستخدام العمالة القسرية، وسرقة الملكية الفكرية والعدوانية ليس في المنطقة ولكن في أرجاء العالم ".

 وكل كلمة في هذه الجملة ليس لها مدلول محدد دقيق يستحق أن يكون أساساً لموقف دقيق. فماذا يعني مثلاً الممارسات الاقتصادية القسرية ...؟  فأنا متخصص بالعلاقات السياسية الدولية ولم أسمع أو أقرأ مصطلح الممارسات الاقتصادية القسرية، وهل مارس أحدا غير الولايات المتحدة وحلفاءها ممارسات اقتصادية سلبية ..؟ والعدوانية في جميع أرجاء العالم، فهل بالامكان ذكر مكان في أميركا اللاتينية وأفريقيا تدخلت فيها الصين أو روسيا بشكل عدواني ..؟

 

الصدام بين الاتحاد السوغيتي والغرب بقيادة الولايادة المتحدة، كان صراعا آيديولوجياً وبين الرأسمالية والاشتراكية، ولكن ما هو سبب الصراع بين الصين وروسيا والغرب ..؟

 وكاتب بمستوى هيرش، ومجلة بوزن فورن بوليسي، تنحدر لهذا المستوى الضعيف في تقديم (argumentation) علمي يقنع القراء، وليس طرح لا يرتفع عن مستوى نشرة إعلامية، من مستوى إعلام منحدر. ونشر مقالة كهذه وفي مطبوع عرف بالرصانة، لا يدل سوى على وضع محرج يجد الغرب والولايات المتحدة نفسها فيه بدرجة خاصة.

 الكاتب يعتبرها خطوة خطيرة جداً أن تعقد الصين اتفاقية مع دولة جزر سليمان، لرسو السفن وتقديم الخدمات لها، والولايات المتحدة تعتبر هذا توسعا خطيراً ولا تعتبر قواعدها الكثيرة في المنطقة أمراً مقلقا للأمن والسلم. رغم أنها شنت الحروب العديدة في منطقة المحيط الهادئ قديما وحدثاً " الفلبين، اليابان، كوريا، فيثنام، كمبوديا، لاؤوس ".

 في الولايات المتحدة يعتبرون تقدم أن الصين وروسيا الاقتصادي وفي ميدان التجارة العالمية تهديد وخطر داهم ...! والمقياس في تقييم أوضاع أي دولة هو قبولها بالهيمنة الأمريكية المطلقة، وهو ما لا تقبله حتى معظم الدول الأوربية نفسها، كفرنسا، وألمانيا ...

 حسناً أن يتيقن الكاتب هيرش وغيره، أنهم في الولايات المتحدة الأمريكية ارتكبوا جريمة العصر، بتدميرهم العراق بدون سبب، وكذلك ليبيا، وحتى أمعنوا بتدمير أفغانستان، وبعدها ليكتشفوا أن كل ما فعلوه كان خطأ فادحاً ... وماذا بعد ...؟

 ــ إذا كان طرفا دولياً ينتهج عقيدة مغايرة أو مخالفة للولايات المتحدة، يضع نفسه في موضع الخصوم.

ـــ إذا انتهجت دولة سبيلاً سياسيا / اقتصاديا/ اجتماعياً غير ما تفعله الولايات المتحدة، فأنت تضع نفسك في موضع الخصم.

ـــ إذا وجدت دولة مصلحة لها مع دولة لا ترضى عنها الولايات المتحدة، فقد وضعت نفسها في موضع المعاداة.

 والتقرير يشير بوضوح إلى أن احتمالات أن تتجه المساعي الصينية / الروسية إلى إنتاج نظام دولي جديد، هو أمر مرفوض تماماً من الولايات المتحدة، والنظام الدولي الذي لا تقبل بغيره نظاماً، هو ما يظمن أن يكون الدولار العملة الوحيدة للتبادل الدولي، وأن تقرر ما يصلح وما لا يصلح من قواعد للتجارة الدولية، وسقف القوة العسكرية، وبمعنى آخر الهيمنة المطلقة، ولا تقبل إلا بالقليل جداً من المشاركة حتى من طرف حلفاءها الغربيين.

 ويورد الكاتب هيرش مقولات مسؤولين أمريكيين، وكتاب،  ويكتب أحدهم (فيليب زيليكو) مسؤول في إدارة الرئيس السابق بوش الأبن حرفياً " إن الحاجة إلى نظام عالمي دولي جديد هو بكل وضوح هراء. وأن النظام الدولي القديم " بعد الحرب العالمية الثانية" ما يزال صالح للعمل رغم بعض الكوارث ، كوريا وفيثنام/ وكارثة غزو العراق 2003 ".

 ويضيف الكاتب، أن تاريخ الولايات المتحدة لم يشهد في مجال السياسة الخارجية كارثة أكبر من غزو العراق، وهي من بين "الذرائع التي اعتمتد عليهها بوش في حرب أوكرانيا وع أحداث ليبيا وسوريا والعراق وهذه جميعها تمت بدون معايير قانونية ".

 ويعترف ميشائيل هيرش، أن مهما أختلف الرؤساء الامريكان بين جمهوري وديمقراطي، فإن الأيادي الآثمة التي ارتكبت تلك الجرائم ما تزال طليقة، بل وتواصل الولايات المتحدة المضي في نفي الأساليب، المخالفة للمعايير القانونية والدولية والانسانية.

 مهما حاولت الولايات المتحدة، فإن النظام الدولي الذي تهيمن عليه وتضبط إيقاعه لم يعد تحت سيطرتها وهيمنتها، وتتزايد الرقعة الجغرافية التي تفلت من النظام الإمبريالي / العولمي وأعداد البشر على ظهر الكوكب خارج إشعاع سيطرتها، التي تتقلص باطراد متواصل، ولن تجدي كثير سياسة إشعال الحرائق، والشعارات الديماغوجية " حقوق الإنسان، الديمقراطية " ففي الواقع ليس هناك من يعادي هذه المثل الإنسانية أكثر من الولايات المتحدة نفسها، ومن المستبعد أن تنصت إلى صوت الحكمة  التي يطلقها فلاسفة ومصلحون، والازمة الأوكرانية ستكشف حقيقة، أن الشعوب التواقة للحرية والعدالة والتنمية بعيداً عن أيادي النهب والاستغلال ويتسع المعسكر المطالب بالتغير ... وليست هناك قوة بوسعها إيقاف عجلة التاريخ.

 

سيناريو الحقد الاسود

 ضرغام الدباغ

 

نزل الخميني (1/ شباط / 1979) في مطار طهران بطائرة فرنسية، وسرب طائرات أمريكية تقوم بحماية طائرته في الأجواء التركية والإيرانية، وفي جيبه برنامج يتضمن أمر واحد فقط : أحرق المنطقة ابتداء من العراق.

والمبالغة شأن فارسي تقليدي (شاهنشاه أريا مهر، الاميرة شمس الشموس، آية الله، حجة الإسلام والمسلمين)، لذلك كان الخميني قد تعهد لمن كان يقابله من رجال المخابرات الأمريكية " أسقطوا لي نظام الشاه والسافاك، ودعوا موضوع الشرق الأوسط بعهدتي، فسوف نشعل أوار حرائق لا تنطفئ .. وأحقاد دموية لا تجف. فقط أوصلوني لطهران " ..

ورغم أن الأمريكان لهم ولع بالاحصاء والرياضيات، إلا أنهم استمتعوا بهذا العرض السخي، المبهج لأقصى درجة، ولم يحقق الدور الذي تأسست بموجبه إسرائيل، والتي أوكل لها هذه المهمة بالتفاهم مع منظمة الصهيونية العالمية، لم يحقق النجاح المطلوب بصورة تامة، وفكر دهاقنة الولايات المتحدة، أن إيران يمكنها أن تلعب هذا الدور حين تلعب على الوتر الديني / الطائفي، فلربما أن يكون له صداه في بلدان شتى، وسنلعبها نحن على أساس نرفع لواء منح الأقليات حقوقها وديمقراطية وحقوق إنسان.. وهو ما سيقسم الوطن العربي .. وبهذا نضمن السيطرة والهيمنة ونضمن حقول نفط وغاز لا تنضب.

أعتقد الأمريكان أنهم وجدوا المعادلة السحرية، واكتشفوا حجر الفلاسفة، وحين بدأ الحلف الثلاثي بالعمل، وأقيمت غرفة العمليات .. وابتدأت الفعاليات .. أقام الأمريكيون العديد من عمليات التمويه (Camouflage) وكانت فاتحة تلك الخطط، جر العراق إلى حرب، ولكن العراق فاجأهم مفاجئة كبيرة، إذ لم يصمد فحسب، بل وأذاق الفرس السم الزعاف في حرب لن ينسون أهوالها.

الخميني، ترك وصية حاقدة، ووضع متابعة مشروعه التوسعي لصالح الغرب، واضعا نفسه في خدمة المصالح الإمبريالية، بهدف واحد وهو تدمير بلاد العرب والمسلمين، ولكنه فشل، ومات، وحقده يفور في قلبه. وهو حاقد على العراق، وقبله مات الشاه البهلوي، فأبوه لم يصمد أمام مناورات الحرب العالمية الثانية، وأبنه (محمد رضا) لم يصمد أمام متغيرات السياسة الدولية، وأسقط الامريكان نظامه وهم من أسس ملكه، وقدموا له الحماية، ولكنهم قذفوا به كجرذ ميت لا يجد مكانا يدفن فيه .. فلم يأويه سوى ملك عربي شريف كريم (السادات) آوى جثمانه ليدفن بجانب أبوه. أما ورثة الخميني لم يجدوا أفضل من متابعة مجون الحروب بحثا عن نصر تائه. ولن يجدوا حلفاء  أفضل (أميركا ، إسرائيل) يماثلونهم حقداً وبغضا بالعرب المسلمين، فأجتمع هذا الثلاثي الأسود، والسواد ليس سواد البشرة، بل هو سواد القلوب والمقاصد والأساليب ...! الفرس من خلفاء، يعتقدون أن الغرب قوي وسيمكنهم من تحقيق ما تصبو له أنفسهم المريضة، ولكن ها 44 عاما قد انصرمت، وحسابات الحقل لم تطابق حسابات البيدر.

وهكذا اجتمعت رغبة وإرادة أكثر ثلاث قوى كارهة للعرب وللمسلمين في العالم، وفي علم السياسة عندهم لا توجد أخلاق ومبادئ عند هذه الاقوام، فهذه مصطلحات عفى عليها الدهر، فكل شيئ مادي أو معنوي له سعر، يمكن التفاهم عليه. فعندما تلاحظ أنهم مختلفون، نعم هم مختلفون، وبأعتباره تحالف لا أخلاقي فكل طرف يريد الأكثر، ويتهاوشون، نعم لإنهم نهابون، ولكنهم علينا متفقون، وأياك .. ثم أياك أن تغشك الكلمات والوعود، وما عليك سوى بالوقائع المادية الملموسة، وسوى ذلك أبخرة وغازات .. أبتعد عنها .. أسمعها كدبلوماسي، ولكن إياك أن تصدق حرفا واحداً.

في جدول أعمال الثلاثي الأسود (الامريكي / الإسرائيلي / الإيراني) بند واحد، وهو " تدمير العراق " . قد يختلفون ويتكافشون، ولكنهم في قضية ذبح العراق لا يختلفون، قد يتهارشون، ويتهاوشون، ويتنابحون، ولكنهم في قضية تدمير العراق أحباب، وهذه قضية مألوفة بين الأمم التي تعتبر الاخلاق تقليعة قديمة، ولا حديث سوى عن المصالح.

والإسرائيليون عقدتهم قديمة، ولأسباب تتعلق إيمانهم بالخرافات، يعتقدون أن نهاية دولتهم تأتي من الشرق، ومن بلاد الرافدين. والفرس أنتهوا أكثر من مرة في العراق، وعلى أيدي العراقيين، وهم أجلاف وهمج ماتت مشاريعم قديما وحديثاً عندنا، لأنها مشاريع توسعية عدوانية نهابة، أما أميركا هذا الكيان الذي لا أب ولا أم له، فهم كيان عنصري، طائفي، فخططه تجمع بين المصلحة النهابة (طاقة واقتصاد ومصالح استراتيجية)، والحقارة في رغبتهم الخلاص من يهود العالم وجمعهم في مكان بعيد وأختاروا له فلسطين كمكب نفايات.

المخطط فشل في صفحته الدموية (حرب الثمان سنوات) وخرجت إيران تلعق دمائها، وقد أضافت لمحنها ومصائبها مصيبة جديدة، وخلال سنوات الحرب، كان الفرس يمنون حلفاءهم الأمريكان والإسرائيلين، بمعارك مليونية مقبلة، وساعدهم الأمريكان في معركة الفاو معتقدين أنه ستكون مسمارا في خاصرة العراق،  ولكنه صار مسماراً في نعشهم، وهنا فهم الأمريكيون قدرات حليفهم، وقالوا لهم بعد 8 سنوات (تحديداً بعد معركة الزبيدات) " كفى ... نحن سندير المعركة، سيسقط نظامكم إن واصلتم الحرب " .

وسكت الفرس وهم يبتلعون النار تحرق قلوبهم، كيف لا .. وقد أكلوا هزيمة تاريخية ستكتب في كتب تاريخ العالم، ولهذا لم يصدقوا أنفسهم من الفرحة حين كلفهم الأمريكان والصهاينة بمهمة ثانوية جداً، هو أن يحموا خطوطهم الخلفية وأن أن يعكروا مياه البحيرة بأن يستخدموا نفوذهم الديني وليصدر المرجع الأعلى فتوى بلزوم التعاون مع العدو ...! وفعلها ... ولكنه قبض نظير الخيانة 200 مليون دولار ..!

وأن تفرح بإنجاز غيرك .. عيب وعار.. ولكن هل سيفهمون العار في هذا اليوم ..! عيب أن تتمنفخ بقدرة غيرك، ودورك الحقيقي هو تنظيف مخلفات الحفلة ... لو كان لديهم ذرة من ناموس لخجلوا وأستحوا .. وتجنبوا ذكر وقائع البطولة والمجد ولأكتفوا بدورهم الذي قبلوه لأنفسهم وهو المسبات والشتائم وصب اللعنات .... ولكن ... إن شئنا أن ننظر إلى ما تحت جلودهم .. لوجدت أن دودة تهرش في جلودهم كرهاً لا ينتهي وحقداً لا يبرد، وغيرة وحسد من شعب الصحاري (هكذا يحاولون أن يبردوا قلوبهم)  ولكن شعب الصحاري غير عطشان، ولا جائع، ولا يرتدي أسمال الثياب، متعلم مثقف، مؤمن ... وهذا يزيد في نار الحقد اضطرماً وهياجاً ......

كيف يعالج الإنسان السوي الذكي مثل هذه الأوجاع الداخلية،  ببساطة شديدة نقول : " أنظر وأمتع نظرك بالأشياء الجميلة، في الطبيعة ومن صنع الإنسان لوحات وتماثيل وصور فوتوغرافية، وجمال الطبيعة، أسمع الشعر والأدب والموسيقى الرائعة، والعطور  التي ما تدخل خياشيمك تنقلك لدنيا وبساتين وحقول .. تذوق لذيذ الطعام .. ثم .. اقرأ .. اقرأ .. اقرأ ، إذ يقول الله سبحانه وتعالى في أول كلامه " اقرأ بأسم ربك .. قال ربك .. اقرأ ولم يقل ألطم  واشتم وألعن .. وإذا قرأت ستعرف أن هناك من الكتب  لو أنفقت كل حياتك تقرأ لما كفت سنوات عمرك وعمر جيرانك لتقرأها كلها .. كتب تاريخ، واقتصاد، وسياسة، وفلسفة، وعلوم صرفة، ومتاحف وأعمال ... يا إلهي .. أتترك كل هذا وتذهب للشتيمة واللعن والسب الذي لا يساوي فلساً واحدا، بدليل أنك تسب منذ مئات السنين ولا فائدة من سبابك، فلماذا لا تجرب أن تترك هذه السوالف التي لا تودي ولا تجيب ...! ولا تطيل شارباً كما يقول المثل العراقي .....!

الولايات المتحدة الامريكية  اليوم في أسوء وضع تمر به بتاريخها .. كل شيئ يتداعي ويوشك على الانهيار، الوضع الاقتصادي، الوضع السياسي الداخلي،  العلاقات مع أوربا (الاتحاد الاوربي) علاقات الناتو،  علاقاتها مع التجمعات والكتل ... تمضي من سيئ إلى أسوء وهي تحصد في الواقع ما زرعته من دسائس وتآمر وتدخلات ونهب علني. وهي الآن في وضع ستأمر فيه صنيعتها إيران بأختلاق مشاكل في الشرق الأوسط  ضد البلاد العربية والإسلامية، مستنفرة كل عملائها المحليين المكشوفين منهم والاحتياطيين، وهو دورها التقليدي والتاريخي ... ولكنها ستفشل هذه المرة أيضاً، والامريكان لا يذرفون دمعة مجاملة واحدة على وكلائهم وفق نظرية " الحمار يموت بأجرته " .

ولكن الفرس اليوم بوضع غير مريح، فهم يعانون من المشاكل الداخلية السياسية والاجتماعية، ومشاكلهم في البلدان التابعة لا تقل حرجاً .. ونرجح أنهم سوف لن يتدخلوا في المراحل الأولى من الصراع المرتقب، بل سيأمرون ذيولهم .. ثم ليروا ما ستسفر عنه الصدامات ...

كثيرا ما أقرر بيني وبين نفسي أن أركز اهتمامي بالشؤون الثقافية والفكرية وأن لا يكون لي تماس كثير بالشؤون السياسية التي تهب على منطقتنا العربية، بيد أن أني أشعر أن ألسنة لهيبها تلسعني وأنا في بيتي وسط برلين، ولأني للأسف صرت مقتنعاً، أن جبهة العدو (وهي واسعة وعريضة) قد استعدت بدرجة عالية،  وهيأت مسرح العمليات بذلت جهوداً كبيرة جداً، ونحن نعاني من ضعف في صفوفنا (والأسباب ذاتية وموضوعية)، وبعضنا أصبح عوناً للمعتدين، حتى أصل لقناعة تامة، أن أحد فقرات  الأتفاق السري بإنهاء النظام الدولي القديم تأسس بالاتفاق بين القوى الدولية على تصفية ما تطلق عليه الدوائر الغربية " عقد الشرق الأوسط " وأن مرحلة التفوق الأمريكي وضعت على رأس جدول أعمالها تصفية قضايا الشرق الأوسط وفي المقدمة القضية الفلسطينية كعنصر أساس ومحرك لسائر القضايا الأخرى.

 

وعلى أساس دراسة أوضاع المنطقة دراسة دقيقة، جرى تقسيم الأدوار، والأدوار الفعلية فيه كانت للولايات المتحدة، وإسرائيل، وأعطي دور من ينظف الميدان لإيران. ورغم أنه لا يتسم بالاحترام، ولكن الفرس أعتقدوا أنه سيعود لهم بالمكاسب على أية حال. والقدرات الفارسية مدروسة بعناية تامة، والغرب يتعامل مع العقل السياسي الفارسي منذ عهود عديدة ويعلمون بدقة مداخل ومخرجات السياسية الإيرانية، ومنذ نيف وأربعة عقود يتعاملون معها مباشرة في أحداث ساخنة وصاخبة ما تزال مفرداتها تدور حتى يومنا هذا.

 

لم يكن القانون الدولي يوماً محترماً يوم من الأيام، والغرب الاستعماري / الامبريالي / العولمي، ولا يتعامل بمقايس ومفاهيم الشرف والعدل، والاخلاق، والحلال والحرام، وهو اليوم أكثر توحشا من أي يوم مضى،  ودول عظمى كروسيا والصين بالكاد تحافظ على نفسها، والغرب يتحرش بها ويستفزها يومياً بصور وأساليب مختلفة، هم يمتلكون القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية فماذا يعطلهم عن استخدام هذه القوة العظمى ... لا شيئ، وهو يستخدمون مصطلحات وعبارات: حقوق الإنسان، الديمقراطية، السلم العالمي، المجتمع الدولي، القانون الدولي، بطريقة  مرنة مطاطة، لا تلائم إلا مقاساتهم.

 

في ظل النظام الدولي الأحادي القطبية، وفي ظل انهيار المعسكر الاشتراكي، وكتلة عدم الانحياز، والكتلة الأفريقية، وضعف كتلة المؤتمر الإسلامي، لم يعد هناك شيئ غير الناتو يصول ويجول وتصاعد نهج قمعي في السياسة الدولية والتهديد والاستخدام القوة. ونحن أمامهم أهدافا سهلة، وبعضنا ما يزال يفكر بعقلية الستينات والسبعينات في أفضل الأحوال .. والناتو بقيادة الولايات المتحدة باتت تتخذ من الذرائع أسبابا للتدخل هنا وهناك في جميع أرجاء العالم والنتائج تدمير مزيد من الدول والشعوب، وآخر ضحايا الناتو كانت أوكرانيا ...!

 

مقابل تراجعنا في الإداء، نواجه شراسة متنامية متصاعدة للقوى المعادية وما أكثرها، فالكل يجد خطورة داهمة في أمة عربية قوية ستمثل خطرا جسيماً يهدد مصالحها، الجميع يعتبر أن التطور الحضاري على أصعدته : الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي خطرا داهماً، ويتصرف الجميع بردود فعل متفاوتة في شكلها وطبيعتها، ولكنها تتفق في السلبية.

 

كتبت مرة في تعليق على مقالة كتبت بأسلوب شيق، فجاءت  توصيفا دقيقا للإجرام ومجزرة العراق (ستسجل في التاريخ هكذا.!) مؤامرة سرية يحرص المشاركون فيها عدم الاعتراف بتفاصيلها الحقيرة: وبمناسبة مرور 20 عاما تقريبا على بدء مجزرة العراق  :

 

" أن قوى الاحتلال الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية كانت تعمل بتنسيق وتفاهم تام، ولكن بكفاءة متفاوتة بالطبع، وبهمجية لكل منهم طابعه الخاص، لا شك أن الاميركان سفلة ولكن بأصول، والإسرائيليين سفلة وتعطش للانتقام، ولكنهم يدرسون جريمتهم بدقة، أما الفرس فهم سفلة من نوع نادر وحوش وحيوانات، حاقدة كالأفاعي والعقارب .. ".

 

كل هذا سياسات تعتمد على التآمر والحلول الغير التاريخية، أميركا تفعلها لأنها قوة غريبة عن المنطقة وكلما أقتتل طرفان فهي من سيجني الفائدة  وهي فائدة مؤقتة، بعد سيلوي عنقه ويمضي، وكذلك الصهاينة، ولكن من سيقع في شر أعماله هم الفرس ... فسيبقون بسواد الوجه أبد الدهر ... والعاقبة للمتقين ...

 

 

إعادة استكشاف

 

لديمقراطية الغرب ..؟

 

ضرغام الدباغ

 

 

هل الغرب الرأسمالي ديمقراطي حقاً ... ؟  ألم يحدث في التاريخ كثيراً وما يزال يحدث، أن يبالغ أحدهم  بالتهريج ليغطي على حقيقة صارخة كامنة فيه ...؟  أو يجيد التمثيل حتى تتحول لحرفة لديه ... في تهريج يختلط فيه بعض من الحقيقة بكثير جداً من إتقان دور : الدولة " كأداة للقهر الطبقي ".

 

هل الديمقراطية هي تبادل سلمي للسلطة أم هي قبل ذلك نظام اقتصادي، الطبقة المسيطرة تقول للمجتمع دعونا ننهب، وهذا بأسم الحرية والديمقراطية، وستصلكم حصصكم، ولا يحتج أحد منكم وإلا سيسجل ذلك على أنه إرهابي ؟

 

الأنظمة السياسية في أوربا (العالم الرأسمالي) انبثقت من رحم تطور الأنظمة السياسية الأوربية، مثلت التعايش بين : الكنيسة، الأمراء، الملوك، أمراء الاقطاع. حتى عصر النهضة الذي قد قاد في تطوراته اللاحقة، بحكم الاستكشافات الجغرافية، إلى عصر ازدهار التجارة عبر البحار (الميركانتيلية ـ Mercantilism)، ثم إلى الثورة الصناعية، وهنا بدأت سطوة  الكنيسة والكهنوت بالتلاشي والاضمحلال ولكن ليس بصفة حاسمة، بل في تراجع مكانتها التراتبي في التحالف الثلاثي الذي يقود الدولة والمجتمع والاقتصاد المؤسسة الدينية، الملوك والقياصرة، ونبلاء وأمراء الإقطاع، وسيتواصل التراجع دون توقف حتى الإنهاء الكامل لنفوذ القوى الأخرى.

 

وأمام غياب نصوص مسيحية مقدسة من الإنجيل أو أقوال للسيد المسيح عامة عن وجود حدود واضحة بين سلطة الله والدين التي تمثلها الكنيسة ورجال الدين، وسلطة البشر الدنيوية التي يمثلها الملك، وحيث لا ينبغي الجمع بين السلطتين، فتلكم كانت المشكلة التي تثار. فكل من السلطتين تطمحان للمزيد من الصلاحيات وقد أشير بالرموز إلى السلطتين بنظرية السيفين، غلاسنوس ) Glasnia ( سيف الكنيسة وسيف الدولة، ولكن التطور التاريخي كان يشير إلى تقدم سلطة الملوك وإلى تراجع سلطة الكنيسة، وعبثاً كانت تجري محاولات البابوات في استعادة هيمنتهم ونفوذهم الآخذ بالانحسارفقد اندثرت نهائياً فكرة السلطة الكلية للبابوات التي أطلق عليها أولترامونتيه (Ultramontis) (التأييد لسلطة البابا المطلقة) وكانت تسعى إلى إخضاع الكنائس الكاثوليكية حيثما كانت لسلطة البابا في روما، ودافعوا عن حقه في التدخل في الشؤون الدنيوية للدولة.

 

وكانت نظرية السيفين(غلاسنوس) تنطوي على غموض في توزيع السلطات والاختصاصات، وعلى عدم الاستقرار نتيجة للتنافس بين السلطتين على النفوذ والهيمنة. وكان هناك بالطبع من يروج لفكرة أن يجتمع السيفان في يد واحدة، الملك أو الكنيسة. ولكن من الواضح أن الحركة كانت تدور لصالح الملوك، لذلك كانت الكنيسة وفلاسفتها يرفضون فكرة اجتماع السيفين في يد واحدة، لأنها ستعني سلطة الملك المطلقة وتضاؤل دور الكنيسة قائلين: " من المستحيل على السيفين أن يجتمعا بيد واحدة، فما منحه الله ليس لأحد سواه أن يأخذه".

 

ولكن تطور الفكر الاقتصادي الليبرالي وصار الكتاب المقدس للأنظمة البورجوازية، وفي مقدمة هؤلاء المفكران الإنكليزيان، آدم سمث (1723 ــ 1790)  الذي وضع شفرة الأنظمة الديمقراطية بقاعدته الشهيرة " دعه يعمل دعه يمر " وهذه قاعدة اقتصادية لا علاقة لها بنظم تبادل السلطة. (سنة 1776) حين أصدر كتابه (بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم)، حيث ضمنه مبدأ أنصار "المذهب الحر/الطبيعي" الأساسي: دعه يعمل دعه يمر، الحرية التامة لاقتصاد السوق وابتعاد الدولة عن التدخل. والمفكر الآخر هو دافيد ريكاردو (1772ـ 1823).

 

إلا أن الأمر لم يبق كذلك بشكل خالص، فاندلعت الخلافات على كافة الصعد وفي المقدمة التنافس الاستعماري، ثم التنافس على الثروة والنفوذ، وتشكلت مراكز رأسمالية، والأمر في جوهره لم يعد في إطار التنافس الحر الخال من الأطماع.

 

تبلور الفكر الليبرالي

كانت أوربا متعبة من الحروب الدينية / الطائفية، والبورجوازية الصاعدة تعد المجتمعات بالكثير من المنجزات والتقدم، ولكن هذا الأمر كان يتطلب دولاً قوية واستبعادا للعناصر التي تمثل العوائق أمام التقدم، ولم تكن تلك العناصر سوى الكنيسة والإقطاع الذي كان بدوره يترنح تحت وطأة التحولات الجديدة، حيث هجر أعداد غفيرة من الفلاحين الريف متجهين صوب المدن للعمل في الورش والمانفكتورات (Manufactour) التي بدأت أعدادها تتزايد ويتحول البعض منها إلى معامل يدوية كبيرة يعمل فيها أعداد غفيرة من العمال، والذين سيصبحون في المراحل المقبلة الرقم الصعب في المعادلة الاجتماعية وشأناً سياسياً مهماً.

 

وكانت الليبرالية Liberation (قوة التحرر) الكلمة السحرية التي شاعـت في الأعـمال والفعاليات الاقتصادية والاجتماعية على حد السواء، حتى غدا مفهوماً عاماً. " فالليبرالية بهذا المعنى هي أن يمتلك الإنسان ذاته، وبنفس الوقت القواعد المتعلقة بازدهاره وهيمنة سلطته على العالم بإخضاع الطبيعة والسيطرة عليها ". وعبر آدم سمث (أحد أهم مفكري تلك المرحلة)، أن المصالح الخاصة للأفراد تتناسق فيما بينها، والمصلحة الشخصية هي المحرك لمسيرة الإنسان وبالتالي لمسيرة العالم، وإن كل إنسان طالما أنه لا يخرق قواعد العدالة، سوف يترك حراً بشكل مطلق في أتباعه لمصلحته الخاصة كما يروق له. وقد جسدت هذه النظرية قاعدة  " دعه يعمل دعه يمر".

 

هذا النظام الرأسمالي تأسس على بقايا عصور الملوك (تمكنت بعض الملكيات من مسايرة هيمنة البورجوازية الصناعية: بريطانيا (كندا، استراليا، نيوزيلندة)، هولندة، بلجيكا، الدنمرك، السويد، النرويج)، وبإزاحة شبه شاملة لسيطرة ونفوذ الكنيسة، ثم بتقليص كبير لأمراء الاقطاع، ومنهم من تحول إلى الصناعة، والمضاربات العقارية، ولكنهم فقدوا تدريجياً نفوذهم السياسي بالكامل.

 

انطلقت الليبرالية، كتيار، كمارد أفلت من قمقمه، فلم يحده إطار وصار التحرر شعاراً وحركة وسوف تلد الثورات والانتفاضات، والتحولات الخطيرة على كافة الأصعدة، بل سوف تتغلغل إلى الكنيسة ذاتها وستخلق فيها التيارات، فقد كانت الليبرالية تياراً ثقافياً، أندفع فيه بحماسة أدباء وفنانون في تمجيد الإنسان وقدراته والإبداع الفني، أكدت فيه، أنه لا يمكن للإنسان أن يعمل إذا كان مقيد اليدين، كما لا يمكنه أن يبدع وأن ينجز طالما كان مقيداً بقيود الفكر والإرادة والحركة.

 

وقد سعى الليبراليون إلى تحطيم فكرة الحق الإلهي للملوك، وسوف لن تقبل بسلطة مطلقة للملك، إلا أن تكون مقيدة بالدساتير، فهذه مسيرة قد انطلقت ولا سبيل لإيقافها، وليست المسألة سوي وقت فحسب. وستكون تلك من مهام المرحلة المقبلة، وكذلك تحرير الإنسان وإنهاء الهيمنة الدينية وتسلطها على الدولة والمجتمع والأفكار. كما كانت لهم أهدافهم السياسية التي تمثلت بالمساواة، حق الملكية الخاصة واحترامها، حرية الرأي والمعتقد والتفكير، حرية النشر، إبعاد الكنيسة عن التدخل بشؤون الدولة، احترام حقوق الإنسان، والإعلان بأن حقوق الإنسان والتحرر هي من الحقوق الطبيعية، طلب العلم والمعرفة، هي من حقوق المواطن الأساسية، حرية التجارة وعدم تدخل الدولة في الفعاليات الاقتصادية(وفي ذلك مذاهب اقتصادية شتى)، حرية الملاحة في البحار، المطالبة بنظام عالمي للقوانين وصولاً إلى القانون الدولي.(2)

 

في نهاية المطاف تبلور الموقف: النظام البورجوازي(الرأسمالي) لم يكن ليقبل وجود شركاء ولا حتى بنسب بسيطة، الكل أو لا شيئ، وعلى هذا الأساس لم تقبل بالنظم الأخرى، كالنظم الاشتراكية، حتى بعد بدأ النظام الاشتراكي (الأنظمة الشيوعية، قبلت بتعديلات على نظامها منها إلغائها شعار " ديكتاتورية البروليتاريا" ) ولكن الأنظمة الرأسمالية العالمية كان في غضون ذلك قد استكملت بناء نظام المتروبولات، المراكز والنظم المحيطة، بعد أن كانت قد استكملت بناء كياناتها السياسية بكافة تفاصيله ومفرداته، بما يهدف إلى شيئ رئيسي وسواه تفاصيل تحتمل المناقشة، هو أن يكون النظام رأسمالياً وفق قواعد وقوانين النظام الرأسمالي قولاً وفعلاً.

 

من ذلك مثلاً أنها لم تكن (الدول الرأسمالية القيادية) لتقبل اعتبار النظام الألماني (العهد النازي) رأسمالياً بصفة تامة (رغم أنه كان رأسماليا في لحمته وسداه)، وكذلك النظام الإيطالي الفاشستي (عهد موسوليني)، أما عندما أبدى هذا النظامان الرغبة والإرادة في التوسع و دخول ميدان القوى العظمى على أسس قومية، وتعديل خارطة توزيع القوى، قادت تحالفات سياسية لإنقاذ خارطة المصالح، فكانت بريطانيا وفرنسا ضامنتان لسيادة بولونيا، منعاً لتوسع ألماني في أوربا سيعدل ميزان القوى في أوربا وفي العالم، فأندلعت الحرب العالمية الثانية مع القوى الفاشية والنازية، رغم أن النظامان (النازي الألماني والفاشي الإيطالي) كانا رأسماليان تقود الاحتكارات الاقتصاد ..

 

كافة الحروب العالمية والإقليمية هي حروب توسع قامت بها الأنظمة البورجوازية، أو بدفع منها، أو كأثر من آثار سياستها الاستعمارية. الاشتراكية لا تلجأ للحروب لأنه يخالف طبيعتها، كما يخالف منهجها في البناء والاعمار. وحتى التدخل العسكري السوفيتي في أفغانستان كان بقوة محدودة ولدعم الحكومة الوطنية بوجه التدخلات التي قامت بها الدول الغربية بحجة دعم المسلمين، ولكن التاريخ أثبت زيف هذا الزعم، وها هي الولايات المتحدة وحليفاتها يسحقون أفغانستان بلا هوادة. 

 

النظام الرأسمالي بعد قرون كثيرة، أدرك أن الزمن والممارسة تكشفان عن ثغرات، ولذلك يصلح نفسه والثغرات التي تنشأ بمرور الوقت (ويفعل ذلك بصورة متواصلة)، حتى أصبح له نظام حديدي مدعم بقوة القانون. ونظام متقن البناء في الداخل، وفي الخارج السياسة المحيطية العالمية يمنحون بها الحق لأنفسهم بالتدخل في أرجاء العالم كافة وجعل ذلك كبديهية تحت شعار (المصالح).

 

من يعتقد أن الدول الغربية تسمح بالنشاط الفكري والحريات (الديمقراطية) بشكل مطلق فهو واهم، بل هناك نظام صارم جداً للأحتجاج، وسبله وأشكاله، وللتظاهر، وإصدار البيانات، وتوزيعها، وتأسيس الأحزاب والجمعيات، وكل هذه الأنشطة الاجتماعية وغيرها تدور وفق نظام دقيق، ويواجه من يخالفه بإجرات قانونية قاسية. هناك حرية واحدة مقدسة في الدول الرأسمالية، هي مطلقة وليست نسبية، وهي العمل الاقتصادي والربح بلا حدود، ولكن مع الخضوع لقواعد العمل : القوي مالياً بوسعه أن يأكل الأضعف مالياً في إطار منافسة يحرسها القانون، لذلك تفلس سنوياً ألاف الشركات وتستسلم لمن أكبر وأقوى منها.

 

في المجتمعات الرأسمالية يدور الأمر بأعلى درجات الدقة والانضباط، وكلها تقدمت الدولة الرأسمالية، كان نظامها السياسي يبدو " ديمقراطيا " أكثر  لأن أجهزة الدولة وهياكلها الآساسية، صممت بطريقة تخلو من الثغرات، وفي الواقع يبتعد عن الديمقراطية أكثر، والنظام السياسي فيها راسخ بقوة القانون والأنظمة التي لا تدع ثغرة مهما كانت بسيطة، ولها تجارب تاريخية في قمع أي حركة ديمقراطية شعبية، الدولة ومؤسساتها من أصغر دائرة إلى أكبر كيان هو لخدمة الرأسمال، الدولة ماكنة ممتازة، ذات قدرات هائلة، والفقرة المهمة الوحيدة، عهو أن يطول عمر النظام ويتسع داخليا، ويتمدد خارجياً، لا أحد يسحق الديمقراطية سوى الدول الرأسمالية، ولاأحد يمتهن الإنسان وحقوق إلى الدول الرأسمالية، وكلما كان النظام راقيا ومتقدماً، يتفنن بسحقه الديمقراطية وحقوق الإنسان.

 

البشرية سوف لن تعرف السعادة قبل أن نشهد نهاية نظم أحتكار الدولة الرأسمالية، ومن يريد أن يتأكد .. فليراجع تاريخ الحروب الاستعمارية وحروب التدخل والتوسع وحروب الوكالة، وأعداد الضحايا (بالملايين) على أيدي الدول الديمقراطية

 

ارقص على موسيقانا ... وإلا ....!

 

 

ضرغام الدباغ

 

لست ممن يرمون الناس جزافا بالكذب أو الغباء، رغم أن بشراً من هذه الأصناف تتواجد دائما وللأسف بوفرة، وتصادفني أحيانا حالات تستحق التفكير بعمق، ترى لماذا ترتكب هذه القوى الكبيرة أخطاء بسيطة جداً، يمكن بسهولة تلافيها، لماذا تعمد جهات كبيرة يفترض أنها تقود عمليات سياسية واقتصادية كبيرة، تلجأ للكذب، وأحيانا للكذب المكشوف، بما لا يليق بوزنها وقيمتها، في حين يمكن تجنب الكذب مهما كانت درجة الاضطرار إليه، فالكذب يفسد أي عملية مهما كانت جميلة وجذابة، ويحيلها إلى ركام أسود مقزز .

 

قرأت مرة (عام 1971) بحثا ممتازاً عن الاستراتيجية، صادر عن معهد دراسات وبحوث أمريكي، الجانب النظري فيه ممتاز، ولكن الجانب العملياتي، يحاول الباحث أن يبرر الأخطاء الاستراتيجية لمعارك وملفات خاضتها الولايات المتحدة، ثبت خطأها ودفعت ثمناً باهضاً لخسارتها (الملف الفيثنامي)، وبدراسة ملف النزاع الكوري (الذي أفضى إلى قيام كوريتين وما تزال بؤرة صراع ساخنة ). وكنت في تموز / 2011 قد كتبت دراسة ونشرتها، تنبأت فيها أن الصين ستصبح القوة الأولى لا محالة، وبدون استخدام الأسلحة النووية، ولا حتى التقليدية، التقدم أساسه اقتصادي / اجتماعي، وستنجح القيادة الصينية بتطبيقات خلاقة، أن تتجاوز نفسها، وتتمكن من نشر فلسفة سياسية / اجتماعية، لتتحول البلاد بأسرها إلى ماكنة للإنتاج، وتتصدر بيانات التقدم والتنمية والتقدم، والإنتاج العالمي والتجارة.

 

لم يكن اكتشافي عام 2011 هذه الحقيقة، معضلة علمية صعبة، بل كان الأمر باد للعيان بوضوح تام حين دراسة المعطيات الاقتصادية العلمية وبتحليل الواقع الموضوعي السياسي، وليس بموجب أحكام الهوى ... ستظهر هذه النتيجة شاخصة أمامنا بوضوح تام.

 

أرجح أن القيادات السياسية، والكيانات الأكاديمية في الغرب الرأسمالي وخاصة في الولايات المتحدة كانت تدرك هذه المعطيات حتى قبل هذا التاريخ ومنذ زمن بعيد. وهناك فلاسفة تنبأوا بهذا الحال مبكرا فكتبوا ونبهوا، ولكن اليوم ليس يوم فلاسفة وعقلاء، بل جنون المال والثروة وكل ما يستهوي السير وراء  حفنة من الأوليغارشيا..! فقد كتب الكثير من الفلاسفة والمفكرين عن انهيار الحضارة الغربية ونهايتها وأشهر تلك الأعمال ما كتبه العالم الألماني اوزفالد شبنغلر عام 1926 من أفكار في كتاب " تدهور الحضارة الغربية "، والكاتب الأمريكي باتريك بوكانن في مؤلفه الهام " موت الغرب / 2001 " غيرهما، بل أني أميل اليوم للاعتقاد أن أحداث الاتحاد السوفيتي كانت مدروسة بعناية فائقة، تحت شعار " أن نجري عملية كبيرة تحت السيطرة "، وخاب أمل الغرب بخلق حالة من الفوضى في خضم عملية التحول الكبيرة جداً، ويفلت زمام الأمور إلى ما تتمناه من تفتيت للأتحاد السوفيتي، وربما إذكاء صراعات لا نهاية لها، ولكن القيادة الروسية تمكنت بسرعة من تدارك الموقف واستعادت السيطرة على البلاد.

 

أرجح أن الغرب كان قد توصل مبكرا ً إلى ما نراه اليوم من أحداث ... ولكن لماذا لم تضع الخطط المناسبة لتلافي هذه النتيجة، أو تقليص آثارها، فما نشهده اليوم هو تراجع يومي على جميع الأصعدة، وأحياناً بتراجع غير منظم، لنقل أشبه بالهزيمة. ترى أليس هناك عقلاء وحكماء يتدبرون المواقف قبل أن تتأزم وتلعب على حافة الانهيار ..؟ أم أن الولايات المتحدة ذاتها تعاني من مشكلات وأزمات ظاهرة وخفية تجعل من الممكن بروز مثل هذه الظواهر الغير معهودة في الدول العظمى، ولكن الولايات المتحدة ذاتها تمر بمراحل من الضعف وسريان ظواهر التراجع العام في الأداء.

 

سياسة عداء الإسلام والعرب عداءأ مطلقا هو خطأ فضيع آخر، ويدل على قصر نظر. إذ دخلوا في تناقض جوهري يصعب التلائم معه، منه التزام الكيان الصهيوني التزاما مطلقا، هو خطأ فضيع تدفع ثمنه الولايات المتحدة الآن، والآتي أعظم،  واختراع كيان أسمه إيران (عام 1945) لم يكن موجود لا في التاريخ ولا في الجغرافيا، بمهمة واحدة .. أن يكون مع إسرائيل دركي الغرب في منطقة تعج بعناصر القوة والتطورات الواعدة الكبيرة ... كان بدوره خطأ عانت منه الآن وستعاني المزيد في المستقبل، أخطأت الولايات المتحدة في سياساتها في جنوب شرقي آسيا (في كوريا وفيثنام واليابان والصين وكمبوديا.. وغيرها)، ودقت أسفينا من العلاقات الدموية مع شعوب تلك المنطقة يجعلها مكروهة ومحتقرة من شعوبها قبل أنظمتها ..!

 

وما يقال عن آسيا يتكرر في أفريقيا وأمريكا اللاتينية بأساليب وصور مختلفة، وأكثر من ذلك، فحلفاءها في قلب معسكرها (أوربا) يترددون كثيرا في قبول الهيمنة التامة الأمريكية، مشكلات وسوء فهم وتفهم عميق، وأزمات توتر وسياسات تنذر بحروب طاحنة لا تبقي ولا تذر (حروب يوغسلافيا : الصرب، كوسوفو، البوسنة، أوكرانيا ) ...!

 

تركيا الحليف المخلص في الناتو، المشارك في كافة المعارك، والمسخر لأفضل قواه بخدمة استراتيجية الناتو، يكتشف أن الولايات المتحدة لا يهمها مطلقا هواجس الأمن التركي، دولة بحجم سكانها ومساحتها وقدراتها وحجم جيشها، لا تمتلك وسائط دفاع يعتمد عليها، فتتفضل عليها الولايات المتحدة وترسل بضعة بطاريات صواريخ باتريوت، وحين تريد ممارسة الضغط تسحبها بقرار انفرادي لتدع الأجواء التركية مفتوحة غير آمنة، وترفض أن تبيعها أسلحة دفاع جوي، وحين تشتري تركيا السلاح (SS400) من مصادر أخرى، تغضب وتشطب مشاركتها ببرنامج صناعة طائرة الشبح (F35) وترفض تسلميها حصتها من الانتاج، بل وترفض حتى إعادة المال المدفوع سلفاً ... فأي جور وطغيان هذا ...؟ وعليك أن تحتمله برحابة صدر ..!

 

الولايات المتحدة تزعم أنها حليفة للملكة العربية السعودية، وقد يصدق بعض الناس هذا الزعم، ولكن في الواقع لم تبق وسيلة لم تتبعها الولايات المتحدة في التآمر على السعودية، لإرهاقها وتهديد أمنها الاستراتيجي، وبعض تلك التدخلات علني لا يحتاج اكتشافها ذكاء .. حين تدع قوى أخرى تقاتل بالنيابة عنها. تقدم المساعدات العسكرية لمصر، ولكن هذه المساعدات تهف إلى : يمنع منعا باتاً أن تتعامل مع غيري، وإلا العقوبات جاهزة " والسياسة الامريكية تهدف إلى خلق مشكلات وأزمات لمصر أمنية وسياسية واقتصادية، وحتى أزمات عميقة جداً كالمشاركة بأزمة سد النهضة ..! المطلوب أن تبقى مصر ضعيفة، مفككة، تمتثل لتعليمات وأوامر الإدارات الامريكية ..!

 

" يمنع عليك أن تتقدم اقتصادياً بدرجة تخرجك عن الحاجة لنا ...! "

" ليبق تعاملك التجاري مع دول بعينها في حدود تافهة وإلا ...".

" قدراتك العسكرية يجب أن تكون بحدود معينة ...".

" هواجس الأمن القومي لبلادك نحن نقدرها وليس أنت ..".

" تدخل واسع النطاق لا حدود له في ميادين اقتصادية واجتماعية وثقافية  لا تخطر على البال ..".

" التعامل لا يجري بمبدأ المعاملة بالمثل ... وهناك خرق لا ينتهي لمبادئ السيادة الوطنية ".

 

الخلاصة ... ماذا تهدف أميركا بهذه السياسة الدولية الخرقاء ..؟

هل تتوقع أن تكسب أصدقاء ..؟ هل تتوقع أنها تكسب الحلفاء ..؟،  هل تتوقع أن يتعاطف معها جمهور عالمي واسع النطاق ...؟، هل تتوقع أن يحترم الناس المواقف الامريكية ..؟

 

كلا .. هذه إجابة شاملة وما تحصده الولايات المتحدة اليوم هو نتائج سياسة اعتمدت على القوة وممارساتها الغاشمة في شتى أرجاء العالم .. وتزعم فوق هذه أنها حامية للقانون الدولي، والديمقراطية وحقوق الإنسان ..!  ولا تريد أن تصدق أن هذا عصر مضى وقته ... وأن البشرية مقبلة على فجر بلا استعمار ولا إمبريالية ولا عولمة ولا فاشية ولا نازية .. فهذه منتجات رأسمالية مكانها هو براميل النفايات .. العالم ليس قرية يا سادة القصر الأبيض، ليقوده مختار أمريكي .. هذا كان حلم أنقضى سريعاً ....

 

 

أبن أبي الربيع

 

ضرغام الدباغ

 

في إطار تقديمنا لمفكرين وعلماء طرقوا الفكر السياسي الاسلامي مبكراً وأبدعوا، بل ومثل العديد منهم مصادراً للفكر السياسي العالمي الحديث

 

* ابن أبي الربيع :

 

هو شهاب الدين أحمد بن محمد بن أبي الربيع، وقد تناهى إلينا أسم هذا العالم ومؤلفه الوحيد المعروف(وربما له أعمال أخرى مفقودة) من خلال طبعة حجرية وجدت في القاهرة طبعت عام 1286 هج في 152 صفحة من القطع الكبير.

 

ولا تعوزنا المعلومات عن سيرة وحياة هذا العالم فحسب، بل وكذلك زمن تأليف مصنفه الشهير " سلوك المالك في تدبير الممالك " ونرجح أن لهذا العالم أعمالاً أخرى مفقودة، ويدل على ذلك عمق فكره الفلسفي السياسي وإطلاعه الدقيق على أعمال غيره من العلماء. فقد وجدنا أن تاريخ هذا المصنف كما ورد في صدر الطبعة الحجرية، يعود إلى عصر الخليفة العباسي الثامن (المعتصم) سنة 227 هج/ 842 م ، فيما يرجح مؤرخون آخرون، أنه يعود إلى عهد آخر الخلفاء العباسيين، الثامن والثلاثين، المستعصم المتوفى عام 656 هج/ 1258 م وبين التأريخين هناك 429 سنة، ومن الصعوبة القطع أي من الوقائع هي الأرجح، فقد أنقسم المؤرخون والمستشرقون على أنفسهم بصدد هذه المسألة.

 

وهذه الواقعة ليست الوحيدة في ثنايا الفكر السياسي العربي الإسلامي، فهناك قضايا مشابهة عديدة أبرزها: المصنف الموسوم " قانون السياسة ودستور الرياسة " حاول محققه وهو باحث نابه، التوصل بشتى الأساليب إلى معرفة هذا المصنف الهام، ولكن مساعيه لم تصادف النجاح، وهكذا صدر الكتاب يحمل عنوانه ولكن لمؤلف مجهول...! بيد أن زمن هذا المصنف واضح على نحو ما، (بين 759 هج/ 763هج)، فقد أهداه مؤلفه إلى السلطان شاه شجاع قائد الدولة المظفرية (وعاصمتها أربيل) التي حكمت بلاد فارس وكرمان وأذربيجان وأصفهان وتبريز من سنة 718 هج/ 795 هج، وهي سلالة عربية الأصل والانحدار التي سكنت خراسان مع بداية الفتح الإسلامي لها، وتعاقب على حكم الإمارة المظفرية، المنظوية تحت لواء الخلافة العباسية، سبعة سلاطين خلال 78 عاماً.(1)

 

والمصدر الوحيد  المتاح لنا من أعمال أبن أبي الربيع وهو مصنفه الشهير: سلوك المال في تدبير الممالك " ومحقق الكتاب وهو أستاذ فلسفة عراقي معروف (د. ناجي التكريتي) يرجح أن الكتاب مقدم إلى الخليفة العباسي الثامن والثلاثين،  المستعصم بالله الذي قتل على يد هولاكو عام 1258/ ونهاية الدولة العباسية، لسببين أثنين:

 

الأول: ينطوي الكتاب على نضج فكري / فلسفي سياسي عميق يستبعد أن يكون قد جاء بعد الكندي والفارابي.

الثاني : أن الاتجاهات السياسية في فكر أبن أبي الربيع، متأثرة بالفلسفة اليونانية التي جرى ترجمتها بشكل واسع النطاق في عهد الرشيد والمأمون، كما أن أسلوب كتابة أبن أبي الربيع متأثر بدرجة كبيرة (ويثبت د. ناجي التكريتي ذلك) بكتاب يحي بن عدي المتوفي سنة 365 هج/ 975 م وقد نقل عنه أبن أبي الربيع أسلوب الجداول والتشجير، كما أن مقاطع عديدة من الكتاب تكاد تكون متماثلة مع مؤلف بن عدي.(2)

 

ويضم الكتاب أفكار فلسفية / سياسية مهمة، يتفق فيها أبن أبي الربيع مع علماء عصره وغيرهم من العرب المسلمين أو من غير العرب، من أن الإنسان اجتماعي بطبعه، وأنه لا يكفي الواحد منهم بالأشياء كلها. ثم ينتهي إلى حقيقة مهمة في الفلسفة السياسية قائلاً" فقد تبين مما ذكرنا أن الناس مضطرون إلى تدبير وسياسة وأمر ونهي، وإن المتولين لذلك ينبغي أن يكونوا أفاضلهم " وهنا يستحق الإشارة إلى أمرين أثنين:

 

الأول: أن أبن أبي الربيع يعتبر العمل السياسي هو حتمية لالتقاء واجتماع البشر.

الثاني : أن يتصدى لهذا العمل أفاضل الناس.(3)

 

ثم يتطرق أبن أبي الربيع إلى موضوعة لا تقل أهمية، إذ يقول : أن أركان الدولة هي أربعة، ويودعها المهام القضائية، والتنفيذية، والأجهزة التي تشكل كيان الدولة فيما يبقى الخليفة والشريعة مصدراً وحيداً للتشريع :(4)

 

1 . الملك (الرئيس).

2 . الرعية (الشعب).

3 . العدل (مبدأ العدل وأجهزة العدالة).

4 . التدبير (السلطات التنفيذية).

 

وفي إشارته : إن على الملك (الحاكم) أن يعمل على أشغال رعيته لكي لا يجدوا وقتاً للتفكير في مفسدة (5)، وتوجه فيها أبن أبي الربيع إلى مرتبة فلاسفة السياسة، لما بعد ميكافيلي، فهو يجعل السياسة أداة بيد الحاكم. ولا غرو، فمفكرنا يستشهد بالآيات القرآنية بأسلوبه الخاص، وآثار الفلاسفة الإغريق، أفلاطون وأرسطو تبدو واضحة وكذلك أعمال فلاسفة عرب ومسلمين، بالإضافة إلى الإبداع الذاتي في طرقهم الحثيث لأفاق الفلسفة السياسية. فنحن إذن أمام ثلاثة مصادر رئيسية لمفكر مثل أبن أبي الربيع وربما آخرون غيره من هذا المستوى أو ما يقاربه، وهي :

 

1/ الشريعة (الكتاب والسنة والاجتهاد). 2/ منجزات الفلسفة. 3/ الإبداع الذاتي.

 

ثم نقرأ لأبن أبي الربيع ملاحظة واضحة ومهمة تزيد من قيمة مصنفه على المستوى العلمي وبها يكتسب ثقة ومصداقية في إشارته الواضحة إلى اقتباسه من أعمال وكتب علماء آخرين، وتلك لا تنقص من أهمية كتابه، بل تزيد من درجة علميته ورصانته.(6)

 

ومثله مثل الفارابي تقريباً، يركز أبن أبي الربيع على ضرورة أن يكون الملك أو الرئيس حكيماً عالماً، ويضع ذلك في المرتبة الأولى من صفات الملك، إذ يقول:" أن يكون له قدرة على جودة التخيل " ولكنه من جهة أخرى يؤكد على قدسية مكانة الملك بقوله " إن الله هو ينصب الحكام " ثم يقول في مكان ثالث وبوضوح " أكبر " إن الله جل جلاله لما خص الملوك بكرامته ومكن لهم في بلاده ودخولهم عبادة أوجب على علمائهم تبجيلهم وتعظيمهم وتوقيرهم، كما أوجب عليهم طاعتهم " (7)

 

فهو إذن يقبل النظام الملكي الوراثي، إذ يشترط في الملك أن يكون من أهل البيت المالك، قريب النسب ممن ملك قبله، وحسب الاتفاق(ولي العهد) ولكن أبن أبي الربيع يبقى السؤال حائراً، ماذا وكيف مع الملك أو السلطان الجائر..؟وأقصى ما يقبله أبن أبي الربيع، هو أن يتجه العلماء إلى الملك بالنصح والإرشاد و " تزين العدل وتقبيح الجور واستهجانه" ولكن على الرعية الطاعة في جميع الأحوال.(8)

 

وفي إطار الفكر السياسي لأبن أبي الربيع، نجد أهمية كبرى لدور مؤسسات الدولة وتحديداً الوزارة، والمؤسسات التي تعتمد عليها الدولة، القضائية منها والتنفيذية، فهو يؤكد أن أهم المؤسسات والشخصيات في الدولة :

1 . وزير عالم : ويصفه بالشريك في الحكم ويعادل في عصرنا الراهن رئيس الوزراء.

2 . الكاتب : ويعادل في عصرنا الراهن الوزير أو المدير العام.

3 . الحاجب : ويعادل في عصرنا رئيس ديوان الرئاسة.

4 . قاض : ويمثل الجهاز القضائي.

5 . الجند : الجيش.

6 . قائد الشرطة : رمز السلطة التنفيذية.

7 . العامل : المحافظ. (9)

ويضع أبن أبي الربيع مهما التخطيط الاقتصادي وتقدير موارد الدولة(الدخل القومي) وتحديد مصادرها من مصدرين رئيسيين:

1 . الأموال الشرعية، وهي معروفة وثابتة.

2 . الأموال التي تفرضها الدولة لأحكام الضرورة والاجتهاد.

ثم أنه يتقدم باقتراح صائب، هو أن يتكافأ الأنفاق، أي أنه يسعى لأن لا تصاب ميزانية الدولة بالعجز.(10)

 

وإن شئنا بكلمة ختامية أن نقيم هذا المصنف الهام نقول: إن المشكلة الرئيسية فيه تكمن في عدم التثبت بصورة دقيقة وحاسمة من تاريخ تأليفه. فالباحثون الذين يرون أنه كتب في زمن الخليفة المعتصم لهم حججهم وأسانيدهم، ومن يرى أنه كتب في زمن الخليفة المستعصم (وذلك رأينا أيضاً) ولهم أسانيدهم كذلك، ومن الصعب القطع بصورة تامة بتاريخ تأليفه، ولكن من المؤكد أن للكتاب قيمة فلسفية وسياسية كبيرة وهو يبحث في السياسة والفلسفة والأخلاق والإدارة والشريعة، بل وحتى في تخطيط المدن، وذلك ما دعى بعض العلماء العرب المعاصرين بوصفه " أبن أبي الربيع، رائد الفكر السياسي الإسلامي الأول".(11)

 

وأي كانت أراء الباحثين، فإن هناك إجماعاً، بأن هذا النص هو من أفضل النصوص الفلسفية العربية الإسلامية وأن مؤلفه من خيرة العلماء الذين أشغلوا في الفلسفة السياسية.(12)   

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش

1. لمؤلف مجهول : قانون السياسة ودستور الرئاسة ، ص7

2. التكريتي، د. ناجي : الفلسفة السياسية عند أبن أبي الربيع ، ص 8

3. أبن أبي الربيع : سلوك المالك في تدبير الممالك ، ص175

4. أبن أبي الربيع : سلوك المالك ، ص176 / 192

5. أبن أبي الربيع : سلوك المالك ، ص187

6. أبن أبي الربيع : سلوك المالك ، ص86 / 88

7. أبن أبي الربيع : سلوك المالك ، ص93 / 175 / 174

8. أبن أبي الربيع : سلوك المالك ، 174 / 178

9. أبن أبي الربيع : سلوك المالك ، ص193

10. أبن أبي الربيع : سلوك المالك ، ص191

11. شرف، محمد جلال : الفكر السياسي الإسلامي

12. التكريتي، د. ناجي : الفلسفة السياسية ، ص80

 

المركز العربي – الالماني

حصيلة واستنتاجات

 

الموقف في أوكرانيا

 

ضرغام الدباغ

 

تثير الوقائع الحربية في معارك أوكرانيا انتباه القراء والمشاهدين بدرجة رئيسية ، وأنظمة الأسلحة، وحجم الدمار، وتساقط الضحايا ولا سيما في صفوف المدنيين ..وهذه مؤثرة بدون شك ولها أهميتها، ولكن مع تواصل العملية العسكرية في أوكرانيا نتوصل بدورنا إلى مجموعة معطيات / نتائج / حقائق سياسية مهمة، وبتقديري هي الأهم من أعداد الطائرات والدبابات التي تخوض المعارك الحربية ودمرت في هذا الجانب أو ذاك ... كما أن أعداد القتلى مؤسفة بطبيعة الحال، ولكن هذه طبيعة الحروب في كل زمان ومكان، فالحروب هي ممارسة سياسية ولكن بوسائل العنف، لتحقيق هدف عجز الدبلوماسيون من تحقيقه، وبعد أن ينجلي غبار ودخان المعارك، سيعود الدبلوماسيون ليبحثوا على طاولة المحادثات ما سينجم عنها وضع جديد على الأرض ومؤشرات سياسية  مهمة.

وبتقديري ما يستحق التأشير لحد الآن (أواسط آب / أوغست / 2022) هو :

لا يتمتع الجانب الأوكراني (بحسب معطيات وجداول توازن القوى) بالقوى والقدرات التي تؤهله خوض صدام سياسي / عسكري طويل المدى مع دولة عظمى كروسيا، وجيشها المؤهل لخوض حروب عالمية. ويدل تصميم القيادة الأوكرانية على مواصلة الحرب وعدم إبلاء الأهمية اللازمة للجهود الدبلوماسية، ويؤشر بوضوح تام، أن وراء القيادة الأوكرانية  قوى أكبر بكثير من امكاناتها، تدعمها، بقصد وبقدر ما يطيل الصدام السياسي / العسكري، وليس بقدر ما يحسم الصراع السياسي / العسكري، وتصميم وإصرار تلك القوى يشير إلى عمق رغبتها بتأجيج الصراع المسلح، دون أن بادرة أو مبادرة تجنح للدبلوماسية والسلم .

الدعم السياسي واضح جداً من خلال قيام الولايات المتحدة بحشد سياسي داعم يتألف من الاتحاد الأوربي ونفوذه أو مجموعة الدول السبع وحجم تأثيرها العالمي. ويهدف هذا الدعم الكبير: سياسياً إلى استخدام أوكرانيا (أرضا وشعبا وقدرات)، والهدف هو خلق معركة تسحب فيه روسيا لصدام عسكري، يستهدف في نهايته إضعاف روسيا بدرجة كبيرة، أو ربما تفتيتها، مخطط ينفذ وفق مراحل منذ إسقاط الحكومة الاوكرانية المعتدلة (2004)، على أيدي متطرفين وغلاة الأوكرانيين من النازيين الجدد. ولم يحبط هذا المخطط، إلا قراءة مبكرة دقيقة للقيادة الروسية لمآل تطور الموقف السياسي / العسكري، ولا سيما بعد التعثر المتعمد للاتفاقيات التي عقدت في مينسك (عاصمة بيلاروسيا) 2014 (روسيا وأوكرانيا والاتحاد الأوربي)، وإجهاض الأهداف البعيدة للمخطط، بل ربما أن روسيا تأخرت قليلاً إذ كانت تعول (بدرجة ما) على رغبة الأوربيين العميقة بالسلم في أوربا بتجنب الصراع المسلح، على أمل أن يتمكنوا من حمل الولايات المتحدة على الحلول السياسية / الدبلوماسية. لكن الولايات المتحدة نجحت باستخدام حجم نفوذها السياسي والاقتصادي في أوربا، بسحب الحلفاء الأوربيين (في الناتو والاتحاد الأوربي) إلى جانبها في موقفها حيال روسيا.

سايرت روسيا المساعي الدبلوماسية وشجعتها، على أمل تجنب الصدام العسكري، ونتائجه المكلفة سياسيا واقتصاديا وبشرياً، والروس خير من يعلم ويلات الحروب. ولكن معطيات كثيرة تجمعت أمام القيادة الروسية تشير في مجملها، أن لابد من التصدي لمخطط يهدف نقل زج عميق لروسيا أمام خيارات صعبة. وتواجد غربي بحجم كبير في أوكرانيا، لدرجة أصبح السكوت حيالها ينطوي على مجازفات يمكن تقدير أبعادها بالخطر المتفاقم المتصاعد..

دعم مالي / اقتصادي كبير وغير مسبوق، تمثل من خلال ضخ مئات المليارات من الدولارات، وأقل من هذا الحجم من الدعم المالي كان سينقل أوكرانيا لو قدم لها، إلى مستوى غير الذي كان عليه الاقتصاد الاوكراني الضعيف والمنهك. وهذا مؤشر واضح أن الولايات المتحدة والغرب عموماً لا يفكر بأوكرانيا وشعبها، بل بأهداف سياسية / استراتيجية توسعية. وضخ كميات هائلة من العتاد العسكري تفوق قدرات أوكرانيا على إيفاء أثمانها، والهدف هو واضح هو إغراق أوكرانيا بالديون،  وإدامة لساحة معركة تأمل الولايات المتحدة أن تفضي إلى نتائج سياسية مؤاتية لاستراتيجيتها. ورغم أن المعركة لم تنته بعد، إلا أن البنوك الأوربية والأمريكية حددت أهدافها بالاستيلاء على الشركات ومرافق الإنتاج الاوكرانية، مقابل الدعم المالي والعتاد الحربي.

أظهر مسار العمليات السياسية والحربية هشاشة العالم الغربي، والطابع الانتهازي للتحالفات بين أطرافه الكبيرة (خاصة) واتصالات تدور في الخفاء، لا تخلو من نوايا سرية غير معلنة بوضوح. وتكتلات (الولايات المتحدة، بريطانيا، كندا، استراليا) تنشأ في ظل التحالف الكبير، تشير أن الولايات المتحدة ليست واثقة بدرجة كافية من حلفاء أوربا، ولا سيما فرنسا وألمانيا. بل هناك تصريحات أوربية أن الولايات المتحدة تريد إضعاف القوة الأوربية الرئيسية (فرنسا، ألمانيا) وإظهار صورة موقف أن أوربا بدون الولايات المتحدة غير قادرة عن الدفاع عن نفسها، وعن الحضارة الغربية / المسيحية.

تسعى الولايات المتحدة إلى خلق معسكر موال لها في أوربا، قاعدته بريطانيا وبولونيا، وعدد من جمهوريات البلطيق، وبلدان شرق أوربا التي تعول على التعامل الاقتصادي مع الولايات المتحدة. كما أن بعض القيادات الأوربية غير مطمئنة للقوة الأوربية المتمثلة بفرنسا وألمانيا. فالولايات المتحدة تسعى عبر الأزمة الاوكرانية إلى استعادة مجدها القيادي في العالم الغربي وأوربا، نعم هي تريد حلفاء تحت قيادتها، ولكن ليس بمرتبة شركاء .

هذه المؤشرات ومفردات أخرى تصعد من حجم هواجس دول الاتحاد الأوربي ولا سيما بعد أن تهاوت اقتصادات دول عديدة منها بدرجة تقارب الإفلاس والانهيار (اليونان، أسبانيا، ايرلندا، إيطاليا وغيرها) وهو ما دفع بريطانيا (بتحريض من الولايات المتحدة) إلى مغادرة الاتحاد الأوربي، ودول أخرى توشك أن تفعل نفس الشيئ. 

يتواصل تبلور تحالف صيني / روسي يضم لحد الآن كوريا الشمالية، وبيلوروسيا، وهو معسكر يمكن أن يتوسع، وبتكاثف دعم دول عديدة في القارات: آسيا، أوربا، أميركا اللاتينية، يمكن أن يتطور إلى تحالف سياسي / اقتصادي / عسكري. فهناك العديد من الدول ترفض المشاركة في العقوبات على روسيا، مع مؤشرات مهمة في رفض الهيمنة الأمريكية.

ساهمت الحرب الاوكرانية بتسريع إنضاج وإبراز ملامح تقسيم عالم جديد. ومختصر الموقف هو: أن اقتصادات عملاقة تبرز في العالم (مجموعة العشرين: آسيا وتمثلها:  الصين، وإندونيسيا، واليابان، السعودية، كوريا الجنوبية، أفريقيا وتمثلها جنوب أفريقيا فقط وهو تمثيل متواضع،   ولكن هناك اقتصادات كبيرة واعدة (مصر والجزائر) وأميركا الجنوبية  فتمثلها  الأرجنتين  والبرازيل،  وأوروبا تمثلها أربع دول من الاتحاد الأوروبي  وهي: بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، إضافة إلى روسيا وتركيا وأمريكا الشمالية تمثلها الولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك، وقارة أستراليا تمثلها  أستراليا.) . (*)

رغم أن بدائل الطاقة الأحفورية (Fossile energie) من الطاقة المستديمة النظيفة غير الملوثة كالطاقة الشمسية والرياح، ومساقط المياه، هي قيد الاستخدام والبحوث في هذا المجال تحرز تقدماً، إلا أن الأزمة الاوكرانية أظهرت الأهمية الحاسمة لمنتجات الطاقة الاحفورية كالنفط والغاز، وهو ما عزز مكانة المملكة العربية السعودية كعنصر قيادي في الكارتل العالمي النفطي أوبك، ودورها الحاسم في سوق النفط العالمي وأسعاره وهو عنصر مؤثر جدا على الاقتصاد والأزمة الاوكرانية في مواجهة الحصار الاقتصادي الغربي على روسيا، وإمداد الصين بالطاقة في خضم أزمة تابوان.

أكدت ألازمة الاوكرانية أن (الطاقة الاحفورية) النفط والغاز سيبقيان لأمد غير محدد الشكل الأساسي للحصول على الطاقة الآمنة وبسعر مناسب. وأن استخدام المحطات النووية لإنتاج الطاقة ستكون مصدر خطر داهم ذو آثار بعيدة وعميقة، كما حدث من خلال القصف المتعمد ولعدة مرات المحطة الكهرونووية زابوروجيه الأوكرانية التي تدار من قبل روسيا، والتي قصفت بأوامر مباشرة من لندن وواشنطن.

تسبب الصراع في بدايته في إرباك في الاقتصاد الروسي، ولكن ذلك لم يستغرق وقتا طويلاً. إذ شهد الروبل الروسي تدهوراً، ولكن ما لبث إلى النقيض، إذ تصاعد سعر صرف الروبل مقابل الدولار بعد أن كان وقت التدهور قد بلغ 150 روبل مقابل الدولار.، ولكن بحلول أيار / مايو تصاعد الروبل ليبلغ 55 مقابل الدولار. بعد اتخاذ القيادة الروسية قرارات مهمة، بطلب الروبل مقابل أثمان الغاز المصدر، وربط الروبل بالذهب وتحديد سعره. كما لعب التحالف الصيني / الروسي ومجموعة " بريكس " عززت من موقف الاقتصاد الروسي وساهمت في تضاؤل وطأة العقوبات الاقتصادية االغربية على روسيا. (**)

ويمكن تفسير جزء من الانتعاش، من خلال الوضع المالي الأقوى الذي تجد روسيا نفسها فيه بفضل الارتفاع الحاد في الإيرادات من صادرات النفط والغاز والانخفاض الحاد في الواردات. وتتوقع "وكالة بلومبرغ المختصة بالشؤون الاقتصادية" أن تكسب روسيا ما يقرب من 321 مليار دولار (292 مليار يورو) من صادرات الطاقة في عام 2022، بزيادة أكثر من الثلث عن العام الماضي، إذا استمر عملاؤها الرئيسيين، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، في شراء النفط والغاز الروسي.

ستقود هذه المعطيات إلى تطورات سياسية / اجتماعية جديدة، والقوى الجديدة كانت إلى ما قبل أقل من قرن واحد عبارة عن مستعمرات، أو بلدان تحت النفوذ الاستعماري، وهذه التطورات تبدأ بتشكيل كتل اقتصادية (مجموعة شنغهاي) ثم بفكرة إيجاد عملات عالمية جديدة كالروبل الروسي واليوان الصيني. أو ربما عملة عالمية جديدة ...الولايات المتحدة استخدمت اعتماد الدولار بطريقة ألحقت الأضرار بنفسها وبالاقتصاد العالمي، والاقتصادات الناشئة سحبت من الاقتصادات المتقدمة كالولايات المتحدة وألمانيا واليابان، مكانتها المتفردة، ودخلت ميدان التجارة العالمية بقوة. الزيادات السكانية، وانتشار منتجات الثورة العلمية التكنيكية، خلقت ظروفا جديدة اقتصادية وسياسية، وانتشار التصنيع بشتى مراحله، بدأ يخلق عالما جديداً وتأثيرات جديدة. فالكيانات الصغيرة لم تعد صغيرة، والفقراء لم يبقوا فقراء (أو تقلص فقرهم) وها هم يطرقون ميدان العلاقات الدولية بقوة .(***)

سيكون لتفاعلات الحرب الاوكرانية السياسية والاقتصادية أبعاد كبيرة، وسيقود إلى المزيد من الضعف للأتحاد الأوربي، ومؤشرات ذلك قد ظهرت مبكراً بتراجع قيمة اليورو .. وهناك من يعتبره " انهياراً " إذ تراجع سعر اليورو إلى ما دون الدولار، للمرة الأولى منذ 20 عاما، في خطوة يراها مراقبون ستؤثر على المدخرين وستزيد من حدة أزمة تكلفة المعيشة في أوروبا. وقد تقود إلى مشكلات سياسية / اجتماعية.

مع تواصل العمليات العسكرية، من غير المستبعد أن يشهد العالم تصعيداً مدروساً، أو تلقائياً وبروز معطيات جديدة تطرح سقفا جديدا وأبعاد سياسية جديدة يرفع سقف التفاوض.

طالما الصراع العسكري يتواصل، فالاحتمالات مفتوحة على خيارات عديدة، وإن كان توازن القوى وفرص النجاح متاحة أمام روسيا أكثر مما هي مع أوكرانيا. والعالم يزخر بقوى جديدة، صاعدة تأخذ مكانها في العلاقات الدولية، وقد ولت عهود الهيمنة والاستفراد بقيادة العالم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) مركز ستاندرد تشارترد

توقعت المؤسسة المالية البريطانية " ستاندرد تشارترد " في أحدث نشرة لها صدرت يوم 9 / أيار / 2019، عن نمو اقتصاديات الدول العشرة الأولى في مقدمة الاقتصاد العالمي حتى عام 2030  وكما يلي:

 

الصين في المرتبة الأولى

الهند في المرتبة الثانية.

الولايات المتحدة الأمريكية في المرتبة الثالثة.

اندنوسيا في المرتبة الرابعة.

تركيا في المرتبة الخامسة.

البرازيل في المرتبة السادسة.

جمهورية مصر العربية في المرتبة السابعة.

روسيا الاتحادية في المرتبة الثامنة.

اليابان في المرتبة التاسعة.

 ألمانيا الاتحادية في المرتبة العاشرة. 

ويقول خبراء مؤسسة ستاندرد تشارترد أن التوقعات الاقتصادية على المدى البعيد تعتمد على مبدأ رئيسي، هو أن حصة الدول من النمو الاقتصادي العالمي ينبغي أن تكون متقاربة مع حصصها من سكان العالم.

 

(**)  مجموعة بريكس: البلدان الأسرع نموا في العالم : البرازيل، روسيا، الهند، الصين وجنوب أفريقيا ".

 

(***) منظمة شانغهاي للتعاون :هي منظمة دولية سياسية واقتصادية وأمنية أورواسيوية. تأسست في 15 يونيو 2001 في شانغهاي، على يد قادة ستة دول آسيوية، هي الصين، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وروسيا،  وطاجيكستان، وأوزبكستان

 

برلين : 18 / آب / 2022

 

 

زيارة بايدن الفاشلة

 

ضرغام الدباغ

 

 

أستبعد تماماً، أن تقوم الإدارة الأمريكية الحالية (لكن ربما في المستقبل) بتحليل زيارة الرئيس بايدن ونتائجها للمنطقة وإدارك العوامل الجوهرية ليس لفشل لزيارة الرئيس بايدن، بل لعموم الترجع الأمريكي وعلى العديد من الاصعدة.

 

ليس الوطن العربي فقط من يتململ، فقبلهم الحلفاء الأوربيين يبدون سرا وعلنا ضيقهم وتبرمهم من السطوة الأمريكية، رغم أنه يركبون قاربا واحداً، الضيق بلغ ذروته حين ينوه قادة أوربيون " وهم لا يفعلون ذلك عادة، فلديهم قابلية مدهشة على كتم الغيظ " معبرا عن إدراك الأوربيين أن أمريكا سوف لن تستطيع تدمير روسيا، بل هي تريد أن تدمير أوربا وإذلالها وإركاعها...!

 

إذا كان الأوربيون المساهمون في الجانب الاوربي للحضارة المسيحية، والمتشاركون مع الولايات المتحدة في السراء والضراء قد ضاقوا ذرعاً بالسطوة والهيمنة، فما يفعلون في أفريقيا الذين يتجهون صوب معسكر الصين / روسيا، وبلدان الشرق الأوسط الذي أتعبته الولايات المتحدة وأنهكته في نزاعات وصراعات وتوترات لا تخمد بلغت حد أستخدام القوة المسلحة، وحرب اوكرانيا هي الثانية في غضون عقدين، بعد الحرب اليوغسلافية. هذا غير الصراعات والحروب خارج القارة وزجهم في توترات وأشباه الحروب، وهو ما يهدد استقرار البلدان الأوربية، وتضيف لها هموما ومشكلات فوق ما تعانيه هي من متاعب. فسياسة الغرب (بقيادة الولايات المتحدة) أوصلت لأوربا ملايين المهاجرين من مناطق الصراعات والتوتر، من الفيثناميين، والأفغان، والإيرانيين، والعراقيين، والسوريين، وهو وضع ينذر بالعديد من المشاكل وعلى أصعدة عديدة.

 

يصعب على صناع القرار معرفة ما تريده الولايات المتحدة، وهي في النهاية تريد بسط الهيمنة التامة، وحكومات تدار بالهاتف، وبالبرقيات ...!  وحتى الأنظمة الحليفة لها لا تسلم من التآمر والدس والخبث وتشك بالجميع، فليس من حليف يضمن أن الولايات المتحدة لا تتجسس عليه، ولا تخلق بؤر للنفوذ داخل الدول الصديقة، وتشتري الشخصيات السياسية كجواسيس، ففي الوقت الذي تتظاهر فيه أنها حليفة للمملكة العربية السعودية، تغض الطرف ... لا بل تغمض عينيها عن أعمال تخريبية كثيرة مورست ضد المملكة، بل ومولت بعض عمليات التخريب في اليمن وتدفع للحوثيين الرواتب والمساعدات، وتسمح بإبقاء طرق امداهم بالسلاح مفتوحاً وتغمض عينيها عن عمليات تخريب بالصواريخ والدرونات .. وفي غير اليمن أيضاً، وهناك بعض التخريبات يستبعد أن تكون بلا تنسيق ..!

 

لماذا ... الإجابة بسيطة ولأمر لا علاقة له بالاخلاق ..

الولايات المتحدة لا تحب أن تتحالف مع أقوياء لأنها ستخشى على المركز القيادي ...

الولايات المتحدة لا تحب أن تتحالف من من يحافظ على كرامته ...!

الولايات المتحدة تحاول أن تتحالف مع أطراف وعندهم جرح مفتوح (أزمة) لكي تلعب دور المضمد ..!

الولايات المتحدة لا تفضل أن يكون حلفاؤها مرتاحين، لأن الراحة مجلبة للمشاكل برأيها ..!

مبدأ الربح والخسارة يسود علاقاتها السياسية، ولكن هناك مرجحات لكفة الميزان: الدين، العرق. المنظرون لفلسفة السياسة الخارجية الأمريكية : فوكوياما، وهينتغتن، عبارة عن شوفينيين عنصرين معادين للمبادئ الإنسانية.

لا تحتقر الولايات المتحدة شيئا بقدر احتقارها لحقوق الإنسان ...

 ولكي تخفي احتقارها الواضح، نصبت نفسها (بدون طلب من جهة) مدافعا عن حقوق الإنسان.

الولايات المتحدة تدعم لدرجة التدخل المسلح، الأنظمة الرجعية والثيوقراطية، والطغيانية، والدول المتوسعة بالسلاح، والعنصرية،  وتزعم أن هذه الدول ديمقراطية.

درجة رضوخ أي نظام حكم التعليمات والأوامر الامريكية هو من يحدد درجة " ديمقراطية / حقوق الإنسان ".

 

بعد كل هذه المقدمات السريعة، هل من المستغرب أن تفشل زيارة بايدن العربية، وهو القادم وفي جعبته إملاءات ... وكاد أن يطلب من القادة العرب أن يحاربوا في أوكرانيا ...! وتمويل الحملة ضد روسيا، لماذا ..؟ وبوقاحة لا حدود لها يعاتب على مقتل صحفي، قيل له نعم أنه قتل خطأ، وحوكم القتلة ونالوا جزاءهم، ولكن هذا لا يرضي بايد، فهو يريد أن يستخدم الملف كأداة ضغط سياسية، وعيل صبر مستمعيه، فقيل له لماذا لا يبدي حرصا مماثلا بقدر 1% على صحفية أمريكية الجنسية قتلت على أيدي الصهاينة ..؟

تعالوا نشكل حلف عسكري معاد لإيران بقيادة إسرائيل ...هل هناك وقاحة أكثر من هذا الطلب ..؟ وفي نفس الأسبوع الصهاينة يوسعون بناء المستوطنات ..!.

ضاعفوا ضخ النفط لإضعاف روسيا، ولتخفيض أسعار البنزين في الولايات المتحدة ...

 

عدا بلاهة بايدن، ومن يراه يترحم على طغاة الشرق الأوسط .... هل يقبل بايدن والولايات المتحدة الاستماع إلى هواجس الآخرين .. هل هم مستعدون لمراجعة سياساتهم الفاشلة في العالم كله وليس في الشرق الأوسط .... أين فعلتم طيب لتحصدوا الطيب ...؟ ألا يشاهدون ويلمسون أنهم محتقرون في العالم كله ..؟

الولايات المتحدة قوية ... نعم، وثرية ... نعم أيضاً، وقوة عظمى .. نعم للأسف، ولكن لا أحد يحترمكم ..لا تسأل عن الحب فالقضية ليست غراميات ... أنتم لم تحترموا مشاعر ومصالح كل شعوب العالم لذلك لن تجدوا من يقف بجانبكم حين تحين ساعة الهول ....

 

)

 

 مقالات سابقة

 

زيارة بايدن الفاشلة

 

ضرغام الدباغ

 

 

أستبعد تماماً، أن تقوم الإدارة الأمريكية الحالية (لكن ربما في المستقبل) بتحليل زيارة الرئيس بايدن ونتائجها للمنطقة وإدارك العوامل الجوهرية ليس لفشل لزيارة الرئيس بايدن، بل لعموم الترجع الأمريكي وعلى العديد من الاصعدة.

 

ليس الوطن العربي فقط من يتململ، فقبلهم الحلفاء الأوربيين يبدون سرا وعلنا ضيقهم وتبرمهم من السطوة الأمريكية، رغم أنه يركبون قاربا واحداً، الضيق بلغ ذروته حين ينوه قادة أوربيون " وهم لا يفعلون ذلك عادة، فلديهم قابلية مدهشة على كتم الغيظ " معبرا عن إدراك الأوربيين أن أمريكا سوف لن تستطيع تدمير روسيا، بل هي تريد أن تدمير أوربا وإذلالها وإركاعها...!

 

إذا كان الأوربيون المساهمون في الجانب الاوربي للحضارة المسيحية، والمتشاركون مع الولايات المتحدة في السراء والضراء قد ضاقوا ذرعاً بالسطوة والهيمنة، فما يفعلون في أفريقيا الذين يتجهون صوب معسكر الصين / روسيا، وبلدان الشرق الأوسط الذي أتعبته الولايات المتحدة وأنهكته في نزاعات وصراعات وتوترات لا تخمد بلغت حد أستخدام القوة المسلحة، وحرب اوكرانيا هي الثانية في غضون عقدين، بعد الحرب اليوغسلافية. هذا غير الصراعات والحروب خارج القارة وزجهم في توترات وأشباه الحروب، وهو ما يهدد استقرار البلدان الأوربية، وتضيف لها هموما ومشكلات فوق ما تعانيه هي من متاعب. فسياسة الغرب (بقيادة الولايات المتحدة) أوصلت لأوربا ملايين المهاجرين من مناطق الصراعات والتوتر، من الفيثناميين، والأفغان، والإيرانيين، والعراقيين، والسوريين، وهو وضع ينذر بالعديد من المشاكل وعلى أصعدة عديدة.

 

يصعب على صناع القرار معرفة ما تريده الولايات المتحدة، وهي في النهاية تريد بسط الهيمنة التامة، وحكومات تدار بالهاتف، وبالبرقيات ...!  وحتى الأنظمة الحليفة لها لا تسلم من التآمر والدس والخبث وتشك بالجميع، فليس من حليف يضمن أن الولايات المتحدة لا تتجسس عليه، ولا تخلق بؤر للنفوذ داخل الدول الصديقة، وتشتري الشخصيات السياسية كجواسيس، ففي الوقت الذي تتظاهر فيه أنها حليفة للمملكة العربية السعودية، تغض الطرف ... لا بل تغمض عينيها عن أعمال تخريبية كثيرة مورست ضد المملكة، بل ومولت بعض عمليات التخريب في اليمن وتدفع للحوثيين الرواتب والمساعدات، وتسمح بإبقاء طرق امداهم بالسلاح مفتوحاً وتغمض عينيها عن عمليات تخريب بالصواريخ والدرونات .. وفي غير اليمن أيضاً، وهناك بعض التخريبات يستبعد أن تكون بلا تنسيق ..!

 

لماذا ... الإجابة بسيطة ولأمر لا علاقة له بالاخلاق ..

الولايات المتحدة لا تحب أن تتحالف مع أقوياء لأنها ستخشى على المركز القيادي ...

الولايات المتحدة لا تحب أن تتحالف من من يحافظ على كرامته ...!

الولايات المتحدة تحاول أن تتحالف مع أطراف وعندهم جرح مفتوح (أزمة) لكي تلعب دور المضمد ..!

الولايات المتحدة لا تفضل أن يكون حلفاؤها مرتاحين، لأن الراحة مجلبة للمشاكل برأيها ..!

مبدأ الربح والخسارة يسود علاقاتها السياسية، ولكن هناك مرجحات لكفة الميزان: الدين، العرق. المنظرون لفلسفة السياسة الخارجية الأمريكية : فوكوياما، وهينتغتن، عبارة عن شوفينيين عنصرين معادين للمبادئ الإنسانية.

لا تحتقر الولايات المتحدة شيئا بقدر احتقارها لحقوق الإنسان ...

 ولكي تخفي احتقارها الواضح، نصبت نفسها (بدون طلب من جهة) مدافعا عن حقوق الإنسان.

الولايات المتحدة تدعم لدرجة التدخل المسلح، الأنظمة الرجعية والثيوقراطية، والطغيانية، والدول المتوسعة بالسلاح، والعنصرية،  وتزعم أن هذه الدول ديمقراطية.

درجة رضوخ أي نظام حكم التعليمات والأوامر الامريكية هو من يحدد درجة " ديمقراطية / حقوق الإنسان ".

 

بعد كل هذه المقدمات السريعة، هل من المستغرب أن تفشل زيارة بايدن العربية، وهو القادم وفي جعبته إملاءات ... وكاد أن يطلب من القادة العرب أن يحاربوا في أوكرانيا ...! وتمويل الحملة ضد روسيا، لماذا ..؟ وبوقاحة لا حدود لها يعاتب على مقتل صحفي، قيل له نعم أنه قتل خطأ، وحوكم القتلة ونالوا جزاءهم، ولكن هذا لا يرضي بايد، فهو يريد أن يستخدم الملف كأداة ضغط سياسية، وعيل صبر مستمعيه، فقيل له لماذا لا يبدي حرصا مماثلا بقدر 1% على صحفية أمريكية الجنسية قتلت على أيدي الصهاينة ..؟

تعالوا نشكل حلف عسكري معاد لإيران بقيادة إسرائيل ...هل هناك وقاحة أكثر من هذا الطلب ..؟ وفي نفس الأسبوع الصهاينة يوسعون بناء المستوطنات ..!.

ضاعفوا ضخ النفط لإضعاف روسيا، ولتخفيض أسعار البنزين في الولايات المتحدة ...

 

عدا بلاهة بايدن، ومن يراه يترحم على طغاة الشرق الأوسط .... هل يقبل بايدن والولايات المتحدة الاستماع إلى هواجس الآخرين .. هل هم مستعدون لمراجعة سياساتهم الفاشلة في العالم كله وليس في الشرق الأوسط .... أين فعلتم طيب لتحصدوا الطيب ...؟ ألا يشاهدون ويلمسون أنهم محتقرون في العالم كله ..؟

الولايات المتحدة قوية ... نعم، وثرية ... نعم أيضاً، وقوة عظمى .. نعم للأسف، ولكن لا أحد يحترمكم ..لا تسأل عن الحب فالقضية ليست غراميات ... أنتم لم تحترموا مشاعر ومصالح كل شعوب العالم لذلك لن تجدوا من يقف بجانبكم حين تحين ساعة الهول ....

 

تدهور حالة الديناصور

 

ضرغام الدباغ

 

هل يسقط ديناصور عملاق بسهام صيادين هواة .. كلا بالطبع، أم بأفخاخ لا تصلح إلا لصيد الأرانب وما شابه من المخلوقات الصغيرة الضعيفة ... لا بالطبع ... إذن كيف يصرع الديناصور ...؟

 

منذ القدم لا يتوقف هذا الصراع، الديناصور الشريف ليس انعكاس لضوء وظل قوة أجنبية، ولا صدى لصوت نشاز، ولهذا فقط طال عمره ومشروعه، ولكن الصيادون لا يكفون عن محاولاتهم، وأخيرا أهتدوا لفكرة نجاحها يتطلب الصبر، فأشتروا منه كمية كبيرة، وباشروا مهمتهم القذرة .. الديناصور الشريف يمكن أن يصرع، يقتل / تأتي نهايته وبأسباب وأساليب متعددة ... فإذا كان من المستبعد أن يقتل بسهم يطلق من قوس، فالديناصور ينتزعه من جلده بسهولة دون أن يخلف إلا جرحا طفيفاً، يعالجه الديناصور بيسر، وحتى بوسائل بدائية، وفي النهاية يخلف ندبة يستبعد أن تمثل إعاقة له، إلا إذا كان سهماً مسموماً أو إذا ما أحدث جرحا غائراً به شيئ من العمق، فآنذاك تكون الندبة ليست بسيطة .. وقد تمثل إعاقة بدرجة ما ... ما هي هذه الدرجة ..؟ هذا السؤال المهم ...!

 

الديناصور حين يكون فتي سريع الحركة، دقيق الملاحظة والانتباه، لا تصعب عليه القفزات إن أضطر لها، أو حتى للسباحة لمسافات متوسطة وطويلة، وهو في سنين شبابه لا يحتاج للكثير من المعارف، فشبابه وفتوته تعوضان سائر مستلزمات النضال والبقاء بطلاً في الميدان وقد يخترع خلالها الحلول للمعضلات حين تواجهه .. كما أنه لا يحتاج للتمارين الرياضية للإبقاء على قابلياته تلك .. وقد تكفيه المطالعة البسيطة يجتاز بها المصاعب. علاج الجروح تبدو بسيطة، فقوة بدنه والتغذية الممتازة تجعل من معالجة جراحه أمراً غير معقداً.

 

ولكن مع تقدم السن، وكثرة المعارك التي تلحق به جراحاً وبعضها غير بسيط، سيحتاج بالتأكيد لعناية طبية دقيقة، وإلى مساعدة أبناء القبيلة من الديناصورات الفتية، ولكن الديناصور إذا أهمل تربية ورعاية أبناؤه، فقد يفرون إلى الغابات ويعيشون مع البلابل بل وبعضهم يتعلم التغريد والشدو ... وما عادوا يتذكرون أسلوب معالجة الجروح .. أحد الديناصورات الخنفشارية (الله لا يعطيه العافية) نصح الديناصور الكبير  أن يبعد هؤلاء الديناصورات التي قد تثير المتاعب .. " لا نحتاجهم مولاي " مبسطاً الحياة في الأدغال المخيفة المحيطة بهم بأنها قضية سهلة ولا تحتاج إلا لمن يتقن طقطقة وفرقعة الأصابع، وإطلاق الصفير، وإبداء قدر من السفاهة وقلة الحياء، فهذه ضرورية في هذا العصر .. مولانا هذا زمن وحضارة الديسكو ..ورفع الساق اليسرى عاليا ما أستطاع ذلك خلال الدبكة الضرورية. وهز الخصر، وفعلاً أستبعد الموظفون الإداريون من يتسم بالقوة من الديناصورات، وبعضهم نعرض للإهانة علنا في ساحة البلدية .. وعدد منهم مات كمداً ..! وأستبقي كل من يحسن الدبك والهبك، وأكل النبك وفرقعة الأصابع .. والضرب على الدنبك ..! وهناك من آثر الصبر والصمت واحتمال كل شيئ من أجل الولاء القديم المتجذر للعشيرة .. ومنهم الفقير إلى الله كاتب هذه السطور ..!

 

الديناصور اهمل العلاج، وفي البداية لم يبدو ذلك أمرا خطيراً، ولكن بمرور الأيام تفاقم العجز، وهذه قاعدة عمل وحسابات الحياة، وعدا هذا يبدو الديناصور متعافيا، وقد انتفخت أوداجه، وصار له كرش صغيرون، يطلق عليه تحبباً " كرشون " وهو يعتقد جازماً أنها من علامات الصحة والعافية ... ولكنه لا يدرك أنه أصبح ثقيل الحركة، وفي البداية لم تمثل هذه مشكلة ، إذ يجلبون له ما يتنقل به من عربات فخمة ولكن فيما بعد أعتاد على لعبة قبيحة وهو أن يحمله ديناصور شاب قوي، بكل فخر واعتزاز فأصبحت ميزة الديناصور الممتاز أن يكون حمالاً، تؤهله للترفيع إلى الدرجات العليا .. ولم تعد المزايا الأخرى مهمة، فكثر عدد الحمالون ...!

 

أكتشف الديناصور أنه أخطأ حين عالج الجرح في قدمه، لأنه يركب العربات ويحمله الديناصورات الجدد، وبدلاً من أن يستخدم مضاد للألتهابات، وضع حفنة من رماد وصفها له دجال هائم في البراري يعالج  الجهلة والمفلسين .. وهكذا صار الديناصور يعرج قليلاً في مشيته .. ولكن تكائر الإصابات على مر السنين، مع توفر حيوانات سخيفة في الجوار، صحيح هي تافهة لا قيمة لها، ولكنها تصبح مؤذية إذا أتفقت مع ضباع المنطقة، وبحكم تعدد الإصابات تكثر الالتهابات ... ومن جهة أخرى يعتقد الديناصور الأعظم أنه عبقري في مهمة قيادة سفينة عملاقة .. وهو الذي لم يجرب قيادة حتى شختورة صغيرة .. 

 

لما بدأت أخطاء الديناصور تكثر، حدث أن نصحه صديق صدوق بأن ينتبه لحاله، وإلا الكارثة ستحدث، فلطمه عظيم الديناصورات على فمه ضربة أفقدته ثلاثة من أسنانه الأمامية .. بحيث صار يلفظ السين شين ... ولكن الديناصور الأكبر مع ذلك أستبقاه ليضحك عليه حين يأمره : قل سلام فيلفظها ذاك " شلام " فيضحك الديناصور حتى يستلقي على قفاه... الديناصور أعتبرها مسألة عادية لا أهمية لها .. ولكي يريح رأسه من ثرثرة من يغمزون من طرف قناته .. رفس جميع الديناصورات على مؤخراتهم، وشتمهم قائلاً " تعتبرون أنفسكم عباقرة .." انتظروا قسماً لأجعلكم تهترأون في بيوتكم ..".

 

قلنا بعض الديناصورات مات هماً، وأخرون لبسوا الدشاديش وراحوا يهتمون بالحديقة المنزلية، وأشتروا الأنابيب المطاطية وراحوا يسقون الحديقة فرحين مستبشرين بالسلامة أولاً وبالاكتشاف الفضيع ثانياً والحمد لله على هذا الحال وكل حال، وبالشكر تدوم النعم. وإذ اكتشفوا أن بدراهم بسيطة يستطيعون يوفرون شراء الطماطة والباذنجان، والخيار ... وتأسفوا لأن هذا العمر ضاع هدراً، وأنهم تعلموا زراعة الحديقة مؤخراً، وتبين لهم أن الديناصور الكبير عبقري فعلاً وقولاً، فهو بهذا يوفر مبالغ كبيرة للاقتصاد الوطني ...

 

ذات يوم أصيب الديناصور برجة في الدماغ، إذ ارتطدم رأسه بجذع شجرة قوية، أثر ضرطة قوية من ديناصور سخيف قليل تربية وتهذيب، معروف في المنطقة بقلة أدبه ... وأكتشف أنه لم يبق من يعالجه من الصدمة، فجميع الذين بقوا حمالين لا خبرة لهم بالعلم والفهم ....

 

تذكر الديناصور مسرحية كان قد شاهدها، أن مدينة فر سكانها للمهاجر من ظلم طاغية أذاقهم المر العلقم، وأودعوا مفاتيح بيوتهم لدى عجوز ائتمنوها عليها، وصار الملك الجبار يصرخ يريد الخدم والحشم والمرافقين والجمهور، فلا يسمع غير الصدى، وهتف بعلو صوته : أين الهتافة واللكامة والذي يطقون الأصبع ويدبكون، فقيل لهم لم يبقى منهم أحد ....سوى العجوز حافظة المفاتيح ..

 

 

مالعمل ...؟

 

سؤال فضيع .. مثير للمتاعب ...

 

الفكر القومي / الإسلامي ....

 

ضرغام الدباغ

 

 

هذه المنطقة، الوطن العربي الكبير، كبيرة وإن جن جنون المفترون، ومات بغيظهم الشعوبيون، نحن نكتب أشعارا رائعة قبل 1700 عاماً بمقايس اليوم ويوم كانت شعوب كثيرة ما تزال تلعب على الأشجار، نحن نعزف على القيثارة ونعلم الشعوب الموسيقى، ونرسم، ونؤسس حضارة لها أبعادها وشخصيتها. قبل عصر النهضة (الرينسانس) بأربمعمائة عام ....!  واليوم يواصل أدباؤنا وفنانونا وعلماؤنا السير إلى الأمام والتقدم والعمران الذي وضعنا نحن فلسفته على يد أبن خلدون .. أمه تنهض رغم الألغام والعراقيل والمعوقات .. الأزمة في جوهرها عندهم وليست عندنا وسيكون لنا مجلس وديوان في رحاب الحضارة والتاريخ ..وهذا يميتهم غيضاً ...! نتعرض بين حقبة وأخرى، لمحاولات، تبدو في وقتها ويومها ذات شأن، ولكنها تتلاشي وتضمحل ولا يبقى منها سوى الدهشة ..!.. في ساحة التاريخ الفسيحة سيزول من هو طارئ، ويبقى الأصيل ويزدهر ...

 

               *                *              *

صفة فريدة : الالتحام بين الفكر القومي العربي والإسلام

 

واستطراداَ في مناقشة فكرة الدولة القومية، نتيقن أنها ليست فكرة إقطاعية. ولو كان الأمر كذلك لكانت أوربا قد أدركته خلال عصور الهيمنة الإقطاعية الطويلة على المجتمعات الأوربية، كما أنها ليست بورجوازية، فلو كانت كذلك فكيف أنتبه لها أبن خلدون بهذه الدرجة من الوعي. أن فكرة الدولة القومية هي جزء من الوعي السياسي لأي شعب يحس ويشعر بكيانه ويدرك أبعاد وحدود بلاده ومصالحه الحيوية والاقتصادية في المقام الأول. كما يشعر بلغته وتميزها، وثقافته وتأريخه. فقد كانت حقيقة تاريخية قد ترسخت منذ العصور البابلية والآشورية، أن جبال الأناضول شمالاَ وجبال زاغروس شرقاَ مثلت الحدود الطبيعية لمنطقة كانت على الدوام مرتعاَ لشعب سام يتألف أساساَ في معظمه الغالب من أقوام هاجرت من شبه الجزيرة العربية ، منذ أن جفت شبه الجزيرة، واستوطنت أحواض الأنهر وذلك قبل لا يقل من 5 ألاف سنة قبل الميلاد، ومضت تواصل تثبيت ألوانها الثقافية، وتكتسب ملامح محددة بمرور الوقت، أنماط معيشة واقتصاد، ثقافة ولغة، عادات وتقاليد، شدتها مفردات الحياة وأحداث تاريخية إلى بعضها البعض. وقرأنا في الألواح البابلية لأول مرة كلمة عرب، عربو، أرابيا، بحدود ألف قبل الميلاد فصاعداَ.

 

ويكتب الفيلسوف الهنغاري المعاصر جورج لوكاس شيئاَ يقارب ما نذهب إليه : من أن لا قاعدة نهائية للمسالة القومية، فهذه تتشكل وتتكون وتنعقد شروطها وصفاتها بصورة قد تتفاوت من مكان لآخر ومن مرحلة لأخرى، فيقول : " وعلى نقيض الوضع في إنكلترا أو فرنسا حيث كان التوجه السياسي لأمة قد تحقق فعلاَ بشكل أساسي عندما طرح التصور الاقتصادي للرأسمالية، مسألة الثورة الديمقراطية البورجوازية (القومية) على جدول الأعمال. ولكن تطور ألمانيا قد انطوى على تناقض، وهو أن المجتمع البورجوازي الناشئ كان عليه أن يحقق الوحدة القومية أولاَ وأن تحقيق الوحدة القومية أصبحت المسألة المحورية من ثورتها الديمقراطية البورجوازية ".

وحول المسألة القومية أيضاَ، وانطلاقاَ من فكرة أننا لا يمكننا أن نحكم أو أن نقيم أحداث جرت قبل ألف وأربعمائة عام بمقاييس اليوم، إذ لا بد من الأخذ بالاعتبار، الظروف الموضوعية والذاتية لتلك الأزمنة، والأمر كذلك فعلاَ، فيقول الأستاذ البريطاني (اللبناني الأصل) البرت حوراني، إن فكرة القومية العربية الحالية اكتسبت قوة سياسية في القرن العشرين ولكن: " إذا ما توغلنا في الماضي نجد أن العرب كانوا دوماَ يحسون إحساساَ فريداَ خاصاَ بلغتهم، وأنه كان قبل الإسلام إحساس عرقي، أي نوع من الشعور بأن وراء منازعات القبائل والعائلات وحدة تضم جميع الناطقين بالضاد والمنحدرين من القبائل العربية.

 

 أين يتركز الهجوم المعادي على الأمة العربية ...؟

 

بعض الجهات المعادية (وهي جهات استعمارية عريقة) تمتلك خبرة طويلة في الأنشطة المعادية للأمة العربية، بحيث اكتشفوا نقاط القوة والضعف، وسياسة التصدي والإحباط للأمة مارسوها منذ القرن التاسع عشر، عبر بعثاتهم الاستكشافي / الاستخبارية، ثم عبر تغلغلهم السياسي، ثم احتلالهم، ثم في عهود الانتداب وبعدها، إلا عناصر القوة والضعف هذه عند الأمة غير ثابتة فقد تتعرض للتصاعد أو التنازل، كما يحدث أنهم يبالغون في تقديراتهم السلبية، أو يبخسون قدر بعض العناصر، كما أنهم وبوصفهم أجانب، لا يمكنهم مقياس قوة العناصر الروحية والمعنوية، والخصائص العميقة للفرد العربي، والدوائر الاستعمارية تميل إلى سماع وتصديق التقارير الاستخبارية حرفياً، فلا يمكنهم وضع تصور دقيق لنفسية الأفراد وانفعالاتهم، وحجم التأثير الديني لدى الناس. ومن خلال قراءة كثيفة لمصادر كثيرة ومن دول عديدة، قلما تجد من يتفهم أعماق الفرد العربي.

 وقد وجدت تلك الجهات ثلاثة نقاط قوة في هذا الجسم الممتد من المحيط الأطلسي وحتى الخليج العربي، ومن عدن وحتى سفوح الأناضول، ثلاث نقاط وهاجة، إن كان إطفاؤها مستحيل فلنضعفها على الأقل، وأرجح أن الإنكليز والفرنسيون يدركون ذلك، ولكن الأمريكان بأعتبارهم سخفاء (بسبب ثروتهم وقواهم العسكرية) يعتقدون هذا ممكن. النقاط الثلاثة هي :

1. اللغة العربية، والعروبة.

2. القرآن والإسلام.

3. التلاحم بين الإسلام والعروبة.

 

ولهذا تحديداً (النقطة الأولى، اللغة والعروبة) تتبذل جهات عديدة جهوداً لإضعاف اللغة العربية كمقدمة لإضعاف اللحمة القومية، بوسائل عديدة، ولكنها مكشوفة، وقد جربت في العقود الماضية ولم تفض لنتيجة تستحق الذكر ... كان التركيز القديم يعتمد استبدال الحروف العربية بأخرى لاتينية كخطوة أولى لفك شبكة الارتباطات. ولكن هذه الفكرة التي نجحت في تركيا ما بعد العثمانية ارتبطت بسلسلة تنازلات جوهرية عن الهوية التركية القومية والدينية، لذلك لم تلق نجاحاً كبيراً، بسبب أن من تصدى للفكرة كانوا مفضوحين في ارتباطاتهم وعداءهم للأمة والإسلام معاً، وفشلت الخطة لتناقضها الشديد.

 

الفكرة الأخرى وهي تطبق حالياً، استخدام تدريجي خافت بلا ضجة ولا صخب، في استخدام اللهجات المحلية، بل والمبالغة بها. وهي تطبق دون ضجيج بلا رد فعل ملموس من أجهزة الثقافة العربية. وهذه ستفشل ليس بسبب مقاومتنا لها، لا .... ولكن بسبب المناعة الذاتية في اللغة ومكونات الأمة ..  فهو مخالف للمنطق والتاريخ. ويذكر مؤلفوا كتاب موسوعة تاريخ العرب (7 أجزاء)، من جامعة لايبزغ بألمانيا ما نصه : " وإذ يمكننا الانطلاق من حقيقة: أن اللغة العربية واللهجات، إنما تعود في أصلها إلى عائلة اللغات السامية، ومنها لنثبت ونقرر: أن كافة المجاميع السكانية التي تتحدث اللغة السامية، إنما كانت قد نزحت عبر العصور من براري وواحات شبه الجزيرة العربية إلى مناطق المراعي على حافات الأراضي الصالحة للزراعة في شمال وشرق الصحراء العربية السورية. وهذا التجول والتحول من البداوة إلى التحضر والمدنية كانت، كما يشهد بذلك اهتمام الكتاب والمفكرين، عبارة عن حركة مستمرة لا تعرف التوقف ".

 

أما المحاولات لتحريف القرآن الكريم وإدخال نصوص مدسوسة، فهي محاولات لم تتوقف منذ فجر الاسلام، وجهات كثيرة حاولت التحريف، وفي المقدمة حاول اليهود تحريف القرآن، وهناك طبعات من القرآن محرفة، بعدها حاولت أطراف أخرى طباعة القرآن وإدخال تحريف، كان بعضها متقن الصنع، والبعض الآخر واضح جداً ومكشوف، والمحاولات لن تتوقف حتى يومنا هذا.

 

لم تتوقف المحاولات المتفاوتة في حجمها وقوتها، للنيل من اللحمة بين العروبة والإسلام. ورغم وجود أحاديث عديدة للرسول (ص) تؤكد على هذه اللحمة، إلا أن المحاولات تفعل كل شيئ، حتى الاستناد إلى توصيفات وتعبيرات دينية، منها نعلم أن فك عرى العروبة عن الإسلام، وبالعكس هو جهد قديم حديث، وإن يشتد في هذه المرحلة لإضعاف العروبة والإسلام كلاهما

 "  إن الله حين خلق الخلق بعث جبريل، فقسم الناس قسمين، فقسم العرب قسما، وقسم العجم قسما، وكانت خيرة الله في العرب، ثم قسم العرب قسمين، فقسم اليمن قسما، وقسم مضر قسما، وقسم قريشا قسما، وكانت خيرة الله في قريش، ثم أخرجني من خير ما أنا منهقال الهيتمي في مبلغ الأرب "

 "   يا سلمان؛ لا تبغضني فتفارق دينك. قلت: يا رسول الله كيف أبغضك وبك هدانا الله! قال: تبغض العرب فتبغضني  "

 "   حب قريش إيمان وبغضهم كفر، وحب العرب إيمان وبغضهم كفر، فمن أحب العرب فقد أحبني، ومن أبغض العرب فقد أبغضني   . "

 " العرب الذين دخلوا في الإسلام وحملوه إلى الناس وعلموه الناس وصاروا قدوة في الخير، كالصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم من العرب ومن حمل الإسلام معهم من العجم، فهؤلاء لهم فضل ولهم مزية من العرب والعجم. فـالصديق وعمر وعثمان وعلي وبقية العشرة وغيرهم من الأنصار والمهاجرين لهم فضل عظيم، وهكذا من تبعهم بإحسان في حمل العلم والجهاد في سبيل الله حتى نشروا دين الله وعلموه الناس، سواء كانوا عرباً أو عجماً، لهم حق عظيم على المسلمين المتأخرين في الدعاء لهم والترضي عنهم وشكرهم على ما فعلوا، وحبهم على ذلك"

    ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ يوسف : ٣

 فالعرب أو العربي سمي كذلك لوضوح لغته وسلاستها وأصلها واتساعها وشموليتها ولذلك يقال أعْرَبَ أي وضّحَ وبيّنَ، فهي لغة البيان والوضوح. لهذا أنزل الله تعالى كتابه الأكمل بهذا اللسان المبين وأعاد الأمر إلى الأصل الأول.

 هذه الأمة ولغتها ودينها خالد حتى يرث الله الأرض وما عليها، وسوى هذا عبث وحرث في الماء  طائل منه

 

الاستحقاق التاريخي

 

كيف ولماذا انتهى حزب الاستقلال ..

 

ضرغام الدباغ

 

 

 

هي تجربة تاريخية كبيرة، مثيرة للإعجاب وللدهشة معاً. ومدهش أكثر أن لا يتطرق لها أحد  لا من بعيد ولا من قريب. وسأسوق ملاحظة هي أن لا أحداً من كتاب التاريخ المحترفين (أساتذة وعلماء)، أو من هواة تسجيل التاريخ (chronologie). أن يبحث فيها المختصون والباحثون، وهي تجربة مثيرة تستحق البحث التفصيلي، ومن المؤكد أن في ثنايا الأحداث الكثير من القصص الصغيرة والروايات التي تستحق عناية المدونين.

 ما أريد بحثه اليوم، هو ظاهرة التلاشي التدريجي لحزب الاستقلال في العراق.  وهي قضية بتقديري مهمة للغاية، وتستحق الدراسة والتمعن، لا سيما في الظروف الحالية. وهو تساؤل كبير: كيف ولماذا أنتهى حزب الاستقلال ... وحزب الاستقلال كان حزبا سياسيا رئيسياً في العراق، قاد التيار القومي التحرري لسنوات طويلة (من الأربعينات وحتى الستينات)، وكان يضم النخب الممتازة من الشباب والرجال الناضجين، والعديد منهم كان يمتلك قدرات فكرية وسياسية مهمة. وتميز بخط وطني / قومي، معاد للأستعمار، وله أهداف اجتماعية كانت جذابة وجديرة بالأهتمام. وقادة الحزب من أمثال : محمد مهدي كبة، ومحمد صديق شنشل، وفائق السامرائي، وآخرون، كانوا يتمتعون بالاحترام التام في كافة الأوساط لمكانتهم، وثقافتهم، ووطنيتهم الخالصة، وبعدهم التام عن الطائفية المقيتة، وعن المناطقية والعشائرية، فكانوا يمثلون بحق خطاً وطنيا تحررياً لا تشوبه شائبة.

 وكمعظم الحركات التاريخية، لم يولد حزب الاستقلال بمرسوم حكومي، ولا برعاية أجنبية من دولة قريبة أو بعيدة، بل أنحدر من تجمع وطني معاد للاستعمار قومي الاتجاه، هو نادي المثنى الذي نشط بصفة خاصة في مطلع الأربعينات، دعماً للحراك الوطني العراقي عام 1940/ 1941، وتأسس حزب الاستقلال (كانون الأول / 1945) في ظروف عصيبة بعد فشل حركة مايس 1941 (واقعيا كان كتيار موجود في المجتمع العراقي)، أبان حملة الاعتقالات التي شنتها السلطات البريطانية. ومثل حزب الاستقلال  آنذاك التجمع الوطني القومي العراقي النظيف الذي يجمع العناصر الوطنية العراقية في عمل موحد ضد الاستعمار وقوى الانتداب البريطاني مؤكداً على الوحدة الوطنية العراقية ووحدت التوجه صوب الاستقلال، وصيانته والدفاع عنه. وكان نادي المثنى في الوقت نفسه يضم بين جناحيه في ذلك الوقت المبكر الشخصيات الوطنية / القومية الساعية للاستقلال كالسيد رشيد عالي الكيلاني، ومحمد يونس السبعاوي، ويحضى بتأييد الضباط الوطنيين وفي مقدمتهم ضباط المربع الذهبي العقداء الركن الأربعة (الشهداء فيما بعد) : صلاح الدين الصباغ، محمد فهمي سعيد، كامل شبيب، محمود سلمان.

 

كان حزب الاستقلال يفتقر إلى الوضوح النظري، ومتانة الجانب التنظيمي، ورؤيته السياسية لم تكن عميقة بحيث تقنع الجماهير، وتدفعها إلى تنظيم حديدي، وهو ما حال أن يكون حزب الجماهير الشعبية في الشارع الملتهب، ورغم وضوح خطه القومي، إلا أن الحزب أفتقر للجانب الآيدولوجي، وبدا هذا النقص في حينه مهماً، ولكن الحزب الذي كان يحترم قواعد العمل الديمقراطي، كان موقفه المعارض واضحاً كل الوضوح، بدرجة كان مشاركا بالأنشطة الوطنية، حتى توجها بالانظمام إلى جبهة الاتحاد الوطني، التي تأسست عام 1956 من : الحزب الشيوعي العراقي، حزب البعث العربي الاشتراكي، حزب الاستقلال، الحزب الوطني الديمقراطي، الحزب الديمقراطي الكردستاني  التي كانت بتقديري، هي أفضل حالة تحالفية متقدمة شهدها العراق في تاريخه.

 

ومن سوء الحظ، أن لا تتولى جبهة التحالف الوطني الحكم والسلطة الفعلية في العراق، لمدة انتقالية معينة (سنة أو سنتان) تمهيداً لنظام ديمقراطي انتخابي برلماني، في غضون ذلك الابتعاد عن كل فكرة متطرفة وعن الاتجاهات التوتالية، وترسيخ سيادة الدولة والقانون، والابتعاد عن صيغ العنف في العمل السياسي، وبتقديري أن حزبين كانا في وارد مثل هذه السياسات البناءة، هما : حزب الاستقلال، والحزب الوطني الديمقراطي.

 

ولكن الساحة في العراق وفي المنطقة كانت ملتهبة بشعارات ثورية، والتطرف كان يتسيد المواقف النظرية والسياسية، ويبدو لي أن حزب الاستقلال والحزب الوطني الديمقراطي كانا سابقان لعصرهما، ومتأثران بالحياة الحزبية في البلدان السابقة في التجربة.

 

حزب الاستقلال كان حزبا قوميا رائداً، ولكن الحزب لم يكن لينظر إلى عمق الواقع، وتنقصه الرؤية العريضة، في تشخيص الأوضاع والتطورات، وفي تحليلها، وأفتقر للمؤتمرات، تخلق التفاعل الضروري، فكان يبتعد عن المسرح السياسي العراقي...وبأسف أقول: كان الحزب بتضاؤل دوره وأهميته ... يتلاشي تدريجياً ويندثر.

 

وما أن أطلت أحداث شباط / 1963، ونهاية حكم الزعيم كانت ذلك يؤشر آخر تواجد لحزب الاستقلال الذي كان وجوده بعد 14/ تموز / 1958 شكلياً في الساحة السياسية العراقية وأصبح أثراً بعد عين بعد أن تواجد على الساحة نحو عقدين من الزمان (20 عاماً).

 

في هذه العجالة أريد التنويه : أن الأحزاب التي تعبر عن إرادة وتطلعات الجماهير، لا تسحق بالإرهاب، فقد يلحق بها الإرهاب بعض الخسائر، ولكن من جهة أخرى هناك مكاسب، إذ يتجذر الحزب بين الجماهير إذا كان ملبيا لطموحاتها، والطموحات هي الرؤية العصرية المتجددة لمشكلات اليوم، كيف نتصدى لمشكلات الوطن والأمة، ما هي جوهر المشكلات، وكيف نضع لها الحلول المناسبة، الحديث العام والعائم ... المشحون بعبارت ملتهبة لا تصيغ واجبات ومهمات وآليات العمل السياسي ... 

 

سيقول لي أحدهم ... أنك تلمح لشيئ ولا تصرح به ...!

 أقول: أنا لا ألمح، بل أصرح ..... أنظروا إلى الساحة وتجدون ما ألمح له حاضراً ماديا ملموساً ...!

 

 

 

الدخالة عند العرب

 قضايا اللجوء السياسي والإنساني

 

د. ضرغام الدباغ

 

حين قرأت عن الدخالة عند العرب، وهو ما تمارسه اليوم الدول تحت بند " اللجوء السياسي "  بند غالبا ما يكون موجود في دساتير الدول، وهو حق من حقوق الإنسان على المجتمع الدولي، ولكن الدول تطبقه بتفاوت شديد، وكثيرا ما تتجاهله، وقد حدث وأن سلمت دول أشخاصا مطلوبين بقضايا سياسية، أعدموا في دولهم،، أو عوقبوا بشدة، أو تعرضوا لاضطهاد سياسي.

 

في التعمق في التاريخ السياسي العربي، وجدنا أن موضوعة  اللجوء السياسي والإنساني، تصلح أن تكون مدخلاً لدراسات قانونية / سياسية، وإنسانية / اجتماعية عميقة في التاريخ السياسي العربي في شتى العصور، قديما وفي العصر الوسيط والحديث.

 

وبادئ ذي بدء، أول ما يسجل على هذه الممارسة السياسية (الدخالة / اللجوء) العربية أنها لم تكن نتيجة لتشريع قانوني، بل هي كانت عرفاً سياسياً / اجتماعياً والأكثر من هذا أنها كانت ملزمة بدرجة كبيرة، بحيث أن من يخالف قواعد قبول الدخالة ولا يحترمها، يلصق العار بأسمه حتى بعد مئات السنوات، بل وحتى على أسم عائلته إلى الأحفاد. وقد تكون أحياناً العقوبة الأخلاقية أقسى وأمضى من العقوبة الجزائية، كعقوبة مخالفة قواعد الدخالة (اللجوء).

 

في الأزمنة العربية القديمة (قبل الإسلام)، تواجدت مجتمعات لم تكن تعرف أنظمة الحكم المتطورة، وخاصة في منطقة وسط شبه الجزيرة العربية، أو بالاحرى كانت هناك أنظمة حكم بسيطة، تتمثل بمجلس القبيلة، ثم بمجلس أتحاد القبائل المتواجدة في منطقة يتوفر فيها الماء وامكانية الرعي، بقيادة القبيلة الأقوى، والأقوى كان يعني مباشرة بعدد الرجال القادرين على حمل السلاح، وبأعداد الأيل والمواشي، وتوفر أسباب العيش (ماء وكلأ) في المنطقة التي تهيمن عليها. واتحاد القبائل كان يعني بالدرجة الأولى بعدم السماح لأفراد أو كيانات أخرى بممارسة الرعي والسقي، وأيضا الدفاع عن المنطقة، ومعالجة المشكلات الكبيرة حيث يكون ذلك ضروريا ويحتاج لقرارات جماعية.

 

والدخالة كان بعبر عن نظام دقيق، من حيث قبول دخالة الأفراد، والمدة التي سيمكثها الدخيل (اللاجئ)، وشروط قبول الدخالة، وحقوق الدخيل. وربما فقرات أخرى يجري تحديها بدقة. والسبب هو أن بعض طالبي الدخالة ربما مطلوبين من قوى مهمة ذات سلطان وسطوة، قد يصعب على الجهة التي قبلت الدخالة تقديم الحماية لطالبها، ولكن في جميع الأحوال لا يعتبر الشأن المادي سبباً في رفض قبول الدخالة. وفي حالة رفض الدخالة، لا يبعد طالب الدخالة على الفور بل يمهل فترة معقولة، يهيأ فيه طالب الدخلة للسفر وطلب اللجوء من جهة أخرى،  وتسليم طالب الدخالة لا يجوز مطلقا بقوة القواعد الأخلاقية / الاجتماعية، ولا تجرؤ جهة على تسليم الدخيل ففي هذا عار كبير يلحق بتلك الجهة يلاحقها حتى بعد أجيال. أو بالعكس يمثل قبول الدخالة الصعبة، فخرا لصاحبها يحق له أن يفتخر بها جيلاً بعد جيل بالفخر والكرم والشجاعة.

 

ومن تلك على سبيل المثال، قبول الملك عبد العزيز بن سعود ملك المملكة العربية السعودية لدخالة الزعيم العراقي رشيد عالي الكيلاني المطلوب من الحكومة البريطانية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، ورفض بشدة طلبات تسليمه، وقاوم الضغوط السياسية والتهديدات من الحكومتين البريطانية والعراقية.

 

ومن فقه الدخالة نتوصل إلى القواعد التي تحكم ممارسة هذا التقليد الاجتماعي المهم :

 

وتصنف الدخالة من حيث

التقاليد وأشكال التعبير الشفهي بما في ذلك اللغة، صيغة طلب الدخالةن، وصيغة قبولها.

التقاليد وأحكام القضاء العشائري

 

الدخالة :

 

 

الدخالة أو الدخل:

الدخالة أو الدخل أو الدخلة: هي اللجوء والاستجارة والدخيل هو المستجير وكانت العرب تفتخر بحماية المستجير ويعتبرون ذلك من القيم والمكارم بل أن عدم الوفاء بذلك من الخزي والعار حتى أنهم إذا غدر رجل بجاره أو من لجأ إليه أوقدوا النار في أيام الحج على أحد الأخشبين ثم صاحوا هذه غدرة فلان ليحذره الناس.. ولقد جاء عند ابن هشام في السيرة أن الرسول استجار بالمطعم بن عدي فأجاره وحماه. أعلن النبي صلى الله عليه وسلم عند فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة قواعد محددة للاستجارة والحماية حيث وضح أن من دخل بيت أبى سفيان فهو آمن ومن دخل داره فهو آمن ومن دخل تحت لواء ابن رويحة فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن هذه القواعد نجد عمل بادية الجزيرة العربية في هذا الشأن في العصور المتأخرة فمن يدخل بيت الشيخ فهو آمن ومن استجار بأي بيت فهو آمن أيضاً:

فمعنى الدخيل في اللغة من دخل في قوم وانتسب إليهم وليس منهم ولكنه عند البادية بمعنى المستجير أو طالب الحماية بأي طريقة أو زمان أو مكان أو صيغة ومهما كانت الدوافع والأسباب.

 

وهي قيام شخص او جماعة بطلب الحماية من شخص معروف (شيخ، وجه، أمير) أو أي شخص قادر على الحماية حتى لو كانت امرأة، نتيجة لمشكلة حصلت وفعلها هؤلاء الأشخاص أو شخص فاعل المشكلة مثلا قاتل تعرض للضرب لأحد الأشخاص أو أكل حقا أو خطف فتاه ودخل بها عند احد هؤلاء القادرين على الحماية وأحيانا يدخل احدهم لطلب حق أو دين من شخص منقو أو مماطل فيدخل لتحصيل حقه أو دينه .

 

ويتعهد قابل الدخالة بحماية دخيله والدافاع عنه بكافة قدراته المادية والمعنوية، وبعكسه سيتعرض لكسة في موقفه الاجتماعي، بما يقارب العار يلحق به وبأسرته وقبيلته. والدخالة هي دخالة على البيت، (الاسرة، العشيرة) وتجوز الدخالة حتى لو كان رأس البيت غائباً، ويتعهد قابل الدخالة بأخذ  حق الدخيل وحمايته حتى قضاء الغرض  (القضوة) والاعتراف بالذنب أو تحصيل الحقوق واعطاء كل ذي حق حقه .

 

وهذه المعطيات قد تتسبب بمتاعب ومشاكل لقابل الدخالة، ومن ذلك توفي الحماية الشخصية له وملازمة مقر السكن خوفا على الدخيل من التهديدات بسبب ما قام به الدخيل، وقد يكون مطلوبا بقتل، وقابل الدخالة يتحمل حمايته ومعه أسرته، ويتعهد بدعمه في تفاعلات قضيته، ذلك أن أصحاب الحق لا يتخلون عن حقوقهم وسيبقون يسعون في أثر الدخيل منتهزين فرصة لاسترداد حقهم.

 

أما قابل الدخالة فيعلم أن قبوله الدخالة تعني الدفاع عمن التجأ إليه، مهما كلفه ذلك من تضحيات. وتكون صيغة تقديم طلب الدخالة بقول الداخل " أنا داخل على الله وعليك" ويضع عقاله في رقبة من قبل الدخالة (راعي الوجه) أو بعقد طرف شماغه والدخيل، ويبقى الدخيل عند المدخول به " راعي الوجه " إلى أن تحل المشكلة . لحل المشكلة .

 

والدخيل نوعان :

1. دخيل ساعة وقوع حادث يستدعي الدخالة  :

وهو الدخيل التي تكون جنايته وليدة الصدفة. حيث يلوذ الذي فعل الجناية خلف احد الشيوخ أو الرجال المعروفين ويقول أنا دخيل الله ثم دخيلتك فيدخل عند الشيخ مدة بسيطة وهنا يكون الدخيل في مأمن فلا يتعدى عليه ولا يهان ما دام داخل عند احد الشيوخ .

 

2. دخيل بناء على تسلسل حادثة تلزم الدخالة :

هو الشخص الجالي المطلوب منه الدم فيدخل هذا الشخص هو واهله عند الشيخ حتى تنتهي قضيته ويحكم بها أو تنتهي بالصلح ويكون الشخص وأهله في مأمن من الثأر لأنه في وجه احد الشيوخ .

 

الدخيل عند حدوث مشكله كقضية قتل،  أو العرض يقوم شخص بالذهاب إلى شيخ القبيلة أو رجل معروف ويقوم بالدجالة عنده لحمايته حتى يتم الصلح وله حقوق وواجبات ويقوم الرجل بإخبار عشيرته لحماية دخيلهم حتى يتم طلبه من احد قضاة العشائر لمحاكمته علنا .

وكان الدخيل أحيانا يأتي مسرعا فيمسك بطرف شماغ الرجل الداخل عليه ويعقده ويقول له " داخل على  الله وعليك تلبي طلبي " فيقول له الرجل " وصلت وابشر باللي اقدر عليه " وبذلك يكون قد أعطاه عهد الأمان حتى لو كان قاتل اقرب الناس عليه .

 

وتهدف الدخالة إلى إزالة حدة التوتر بين سكان البادية وإلى إعادة سيطرة قواعد الحياة البدوية وتطبيقها لحل الخلافات والمنازعات الفردية والجماعية كما أنها تهدف إلى إعادة توازن المجتمع عن طريق إرغام الخصم القوي على إتباع الأعراف والتقاليد كما يفعل الخصم الضعيف سواء بسواء أي أنها ترمي إلى إحقاق العدالة بين أفراد البادية وعشائرها بغض النظر عن مدى قوة كل طرف.

 

وقد يكون الدخل أو الدخالة قولاً أو فعلا كأن يقول " أنا دخيلك أو داخل على الله ثم عليك " بل أنه قد يدخل مستجيراً على محل النساء والأطفال إذا كانت القضية خطيرة مما يثير النخوة والحمية لمساعدته وهناك من يأخذ عقال من يختاره مجيراً له من فوق رأسه ويضعه في رقبته ويقول " نحن دخلائك من كذا " أو " نحن في وجهك "،  وفي العادة يرد الشخص المقصود بعبارات تبشره بقبول الدخالة وبالحماية وطيب الإقامة .

 

والدخالة تعتبر طلباً ضرورياً للحماية فعندما يرتكب البدوي فعلاً ما ويخشى من اعتداء عشيرة المعتدى عليه فانه يدخل بوجه "دخالة " شيخ أو عشيرة معروفة من أجل الحيلولة دون الاعتداء عليه أو على أقاربه وممتلكاتهم حتى يتمكن الجميع من التعاون في إنهاء القضية وكذلك يلجأ البدوي للدخالة عندما يتهم بارتكاب جريمة ما وينكر ارتكابها فإنه يخشى الاعتداء عليه وعلى أقاربه وأموالهم ولذلك يلجأ إلى طلب الحماية بأن يدخل بوجه (دخالة / حماية ) أحد الشيوخ إلى أن يبت بأمر الاتهام سواء كانت النتيجة البراءة أم الإدانة، وقد تكون الدخالة ليس لهدف طلب الحماية وإنما لهدف طلب الحق سواء كانت القضية حقوقية أو جزائية أو غير ذلك ويلجأ إلى استعمال هذه الدخالة غالباً من يكون مركزه ضعيفاً تجاه الطرف الآخر وفي القضايا المالية قد تكون الدخالة مدفوعة القيمة كما تدل عليه الوثائق.

 

والغريب أن الدخالة قد تجري دون حاجة إلى موافقة المدخول عليه فلا يستطيع رد الدخالة سواء كان حاضراً أم غائباً لأن الدخالة كما يقول البدو (بلوى) أي أنها مصيبة لابد من قبولها ولذلك يدعون الله أن يعين المقصود على بلواه وذلك تطبيقاً للقاعدة (الدخل إلزام) بل أن البدوي يمكن له أن يدخل على أي طفل أو امرأة من عائلة الرجل الذي يريد أن (يدخل بوجهه) فيعتبر دخيلاً على ذلك الرجل.

 

وهناك من يدخل على الأموات فقد يلجأ بعض البدو إلى قبور بعض الشيوخ أو الفرسان فيمنعون أنفسهم من اعتداء الآخرين حيث إن البدو يقدرون الأموات كما يقدرونهم أحياء فكأن من لجأ إلى قبره ميتاً قد دخل عليه وهو حي ولأهل صاحب القبر المطالبة بحقوق الدخيل على ميتهم وهذا وإن كان نادراً إلا أنه سبق حدوثه

 

بل وحدث إن من العرب من أجار الحيوان أو الطير حين يلجأ إلى بيته فيمنع الآخرين من الاعتداء عليه ويعمل على حمايته على طريقة (دخل الدخيل وسلم) كما حدث للشاعر محمد العوني وهو في الكويت سنة 1317ه عندما دخل بيته أحد الخرفان هارباً من الجزار الذي أراد ذبحه فسلم لصاحبه قيمته وتركه عنده لأنه اعتبره دخيلاً عليه مستجيرا به تجب حمايته حتى وإن كان حيواناً بل أنه أودعه عند أحد البدو واخذ عليه عهدا بأن لا يمسه بسوء حتى توافيه منيته.. كما أن ابن عريعر منع الاستيلاء على بيض طيور الحبارى بمعنى أنه أجارها في أراضيه ومنع الاعتداء عليها وصيدها. وكان كليب وائل يجير الطير .

 

ويستدل من هذه المعطيات أن نظام الدخالة العرفي (الغير مكتوب)كان يوفر للدخيل الأمن والكرامة، ولكنه بنفس الوقت يسعى لحل الإشكاليات بطريقة الحوار والتراضي، هو نظام توارثته الاجيال، ويطبقونه بغير إرغام أو لجوء للقوة والعنف. والتحكيم في قضايا الدخالة كان يمر عبر قنوات الحوار والتفاهم، وتجنب الردود والاحكام العنيفة. ولكن لابد من الاقرار أن نظام الدخالة أصبح يعتريه الضعف مع اتساع نفوذ الدولة وسلطانها وبسط سيطرتها على كامل أرجاء البلاد.

 

دخالة الزعيم العراقي رشيد عالي الكيلاني على الملك عبد العزيز السعود.

من أهم حوادث الدخالة في تاريخ العرب : يعتز المرء بالحديث عن خصال ومواقف الملك عبدالعزيز " رحمه الله ". وقد أفاض الشعراء في مدحه والكتاب في ذكر أفضاله ومآثره والمؤرخون في تسجيل مواقفه على أنصع صفحات التاريخ، ولكن حادثة قبوله دخالة الزعيم العراقي رشيد عالي الكيلاني تمثل دون ريب واحدة من أنصع الصفحات في إجارة المطارد، وحمايته.

 

كان رشيد علي الكيلاني قد تمكن بعد فشل ثورته على البريطانيين في العراق تمكن من الوصول إلى ألمانيا، وحل ضيفا عليها، ولكن بعد أن انتهت الحرب العالمية الثانية بهزيمة ألمانيا ومصرع هتلر،  تمكن الزعيم العراقي من مغادرة ألمانيا إلى فرنسا، بمساعدة مواطنون عرب سوريون، وغادرها بحرا بأوراق سفر مزورة إلى لبنان، ثم إلى سورية، ومنها إلى المملكة العربية السعودية عن طريق (قريات الملح) وكان أميرها عبدالعزيز السديري.

 

كان مع الكيلاني رجلان سوريان هما جميل الجابي وشخص آخر وكان الكيلاني متنكرا ويتحدث بلهجة تقارب لهجة أهالي دير الزور موطن رفيقيه الآخرين وكان الجميع ينتحلون شخصية تجار قادمين إلى المملكة وأبرق السديري إلى الملك عبد العزيز مستأذنا في السماح لهم بدخولهم كتجار فأذن لهم ودخلوا البلاد وكان وصولهم إلى الرياض في يوم كان فيه عبد العزيز على وشك السفر إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج واستقبلهم الملك في مجلسه وبعد أن سلموا عليه وتناولوا القهوة دار حديث حول التجارة ثم استأذن الجابي من الملك قائلاً: الآن انتهت مهمتنا وبقي الأمر بينك وبين هذا الرجل وانصرف هو ورفيقه السوري تاركين عبد العزيز والكيلاني وحدهما قال الكيلاني: هل عرفتني يا عبدالعزيز؟ أنا رشيد عالي الكيلاني ورقبتي دخيلة رقبتك.


وأجابه عبدالعزيز بكلمته المعروفة (حسبي الله وحسبك يارشيد) ثم أضاف: إذا تكون التاجر السوري ولا تفلت كلمة واحدة منك خلاف ذلك. واستدعى الملك ابنه الأمير سعود وأوصاه أن ينزلهم في قصر الرياض ثم أن يقوم بتعريف تجار الرياض عليهم كتجار سوريين وحذره من أن يتسرب الخبر بأي شكل من الأشكال.

 

وأبرق الملك إلى ابنه الأمير فيصل (نائبه في مكة المكرمة آنذاك) بأن يحضر وبصحبته السفير البريطاني للقائه في (عفيف) وهي محطة في منتصف الطريق بين مكة المكرمة والرياض. وعندما اجتمعوا في (عفيف) قال الملك عبد العزيز للسفير البريطاني: (بصفتك ممثل الحكومة البريطانية عندنا وقد رضينا بك أن تكون وسيط خير في شوؤنكم أقول لك الآن إن رشيد عالي الكيلاني في الرياض في ضيافتي وحماي وعليك أن تتصل بحكومتك باللاسلكي وتطلب منها ألا تسلك مسلكا لا يجب سلوكه وفيك البركة.

 

وقام السفير بالاتصال بحكومته لإبلاغها النبأ وبعد فترة وجيزة عاد بالجواب إن الحكومة البريطانية تحذر من التدخل في أمر الكيلاني وأنها تطلب تسليمه في الحال كمجرم حرب وبدون قيد أو شرط ولا تقبل بغير ذلك. وانتفض الملك غضبا وتملّكَتْهُ ثورة جارفة لهذا الموقف من البريطانيين وتناول سيفه في جواره وصاح وهو يلوح به أمام السفير الكيلاني في بيتي وبين أسرتي وكل من يطلب الكيلاني كمن يطلب برأسي وأنا دون رأسي ورأس الكيلاني هذا السيف ارجع من حيث أتيت وانهارت أعصاب السفير البريطاني أمام هذا الموقف البالغ الصلابة.

 

فأخذه الأمير فيصل إلى صيوانه الخاص ملاطفا ومهدئا ومبسطا له الأمر وواعدا بحل المشكلة بنفسه ثم طلب الفيصل من السفير أن يخابر حكومته وأن يقول لها (إن الكيلاني شخص واحد بمفرده لا حول له ولا قوة ولا أنصار ولا مال ولا رجال وأن المملكة مستعدة لأن تسلم الحكومة العراقية خمسة أشخاص ذوي مال ورجال و مراكز مرموقة كبديل عن الكيلاني بل وإن المملكة مستعدة لقبول كل ما تحكم به الحكومة العراقية بل وإن لكم الخيار التام في كل ما تتصرفون به حيال هؤلاء الخمسة. وتساءل السفير من هم هؤلاء الرجال وأجابه الفيصل اختاروا أربعة من إخواني وأنا الخامس.


وبينما السفير في ذهول لموقف الفيصل بعد موقف عبدالعزيز أضاف فيصل: أما غير ذلك فوالله لن يسلم الكيلاني وفي الأسرة السعودية امرأة واحدة بقيت على قيد الحياة.


وأسرع السفير يتصل بحكومته مبلغا لهم هذا الموقف المذهل ورأيه في الموقف وبعد ساعات كانت إذاعة لندن تذيع على الملأ أن رشيد الكيلاني لا تعتبره الحكومة البريطانية مجرم حرب وأن الأمر يتعلق بالحكومة العراقية التي حكمت إحدى محاكمها عليه وأن بريطانيا لا دخل لها بالأمر، وانتهى الأمر وعاش الكيلاني معززا مكرما بين الأسر السعودية كواحد منها

 

بعد لجوء رشيد عالي الكيلاني إلى الملك عبدالعزيز عام 1945، أصر الإنجليز على تسليمه إليهم بدون شرط فأجابهم: " والله، ثم والله، ثم والله، إن رشيد عالي سيظل عندي آمنا مطمئنا ما بقيت وما بقي أحد من آل سعود، والله لو جاء الإنجليز بأساطيلهم وصفوا بوارجهم من لندن إلى جدة، فلن يأخذوه ما دمت حيا".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش

                            

  عدة مواقع في الانترنيت منها :

 

1. عهد صليبي،  الدخيل.. ما له وما عليه4 / أبريل /  2020 .

 

2. متعب بن صالح الفرزان:  من شواهد التميز لدى الملك عبد العزيز.

 

 

المعهد الألماني العربي  للدراسات السياسية /  الدبلوماسية و قضايا التنمية

 

Deutsch-Arabisches Institut für Politische/Diplomatische Studien und Entwicklungsfragen

German-Arab Institute for Political/Diplomatic Studies and Development Issues  

 

ضربتان قاسيتان

 

ضرغام الدباغ

 

تلقى التحالف الغربي العريض (أوربا ــ الولايات المتحدة) في غضون يومين أثنين، ضربتان قااسيتان، وما هي سوى افتتاحية وتنبأ بأكثر من ذلك ربما في القريب العاجل.

الولايات المتحدة قائد المعسكر المالي / السياسي / العسكري، حامل لواء الديمقراطية كذباً وزورا وبهتاناً، ولكن الكذب المدعوم بقوة عسكرية خارقة، وبتفوق مالي، وسياسي، يجعل الأكاذيب حقائق والأباطيل واقعا موضوعياً، ولكن قواعد الحياة تغير قواعد اللعب، فالصغير لن يبقى صغيراً، والضعيف لن يبقى للأبد ضعيفا ، وهكذا تطرح التعاملات مستوى جديداً من العلاقات ... وبناء على ذلك يتعين من كان يعربد على عرش العالم أن يكف عن عربدته، وأن يتقبل التحولات التاريخية ...وربما أن يدفع ثمن طغيانه ..

 الحدثان هما .. تدهور الموقف السياسي في فرنسا (9/ حزيران) يضع كافة الاحتمالات ممكنة، حيت تتصاعد مكانة قوى يمينية ويسارية، بدرجة ستفقد القوى التقليدية (تحالف قوى المال والدولة) مما ينضج إمكانية حدوث تحولات حاسمة على الصعيد الداخلي والخارجي، وحين نقول الخارجي، نقصد أن هناك شكلان أو كيانان مهمان للعمل الخارجي هما : الاتحاد الأوربي، وتحالف الناتو .

 وعنونت صحيفة "لوفيغارو" افتتاحيّتها "قفزة نحو المجهول". أما مجلة "دير شبيغل" الألمانية فعنونت "فرنسا صوّتت وعاقبت ماكرون". حلّ تحالف الرئيس الفرنسي في الصدارة لكن بدون أغلبية مطلقة وهُزم عدد من وزراء حكومة إليزابيت بورن كانوا مرشحين للانتخابات.

 لم تمنح هذه الانتخابات الأغلبية لأي حزب، وقد اتّسمت بتحقيق اليمين المتطرّف تقدما كبيرًا وبتأكيد انقسام المشهد السياسي إلى ثلاث كتل: الوسط بقيادة إيمانويل ماكرون (245 نائبًا، تحالف معًا ..! )، واليمين المتطرف بقيادة مارين لوبن (89 نائبًا، حزب التجمّع الوطني) وتحالف اليسار بدءًا باليسار الراديكالي وصولًا إلى الاشتراكيين (135 نائبًا) بقيادة جان لوك ميلانشون (الاتحاد الشعبي البيئي والاجتماعي الجديد).

ورأت صحيفة "لوفيغارو" أن فرنسا "تقوم بقفزة نحو المجهول السياسي. زلزال في الجمعية: فرق متناحرة تثير ضجيجًا ستستقر في المجلس وتحوله إلى قدر يغلي... إن نقاشنا الديموقراطي برمّته (...) سيتأثر بشكل عميق"..

 

في الولايات المتحدة،  صرحت سيدني باول : (*)

صرحت بما يلي :

من مصلحة الرئيس بايدن أن يعترف بالخسارة وينسحب (يستقيل) بدلاً من أن يسجن مدى الحياة.

لدينا دليل قاطع على سرقة 7 ملايين صوت من الرئيس دونالد ترامب.

و10 ملايين صوت غير قانوني لبايدن.

وعدة ملايين صوت أدلى بها الموتى لصالح بايدن.

وسنقوم بتقديم جميع الأدلة.

 

هذا التصريح ليس من سياسي يجازف من أجل الصعود، بل الدعي العام الفيدرالي السابق، وأبرز محامية في الولايات المتحدة، ويستحيل أن تلفق أي من هذه الاتهامات.

 

ما معنى وقوة هذه الضربة، وهناك سابقة في تاريخ الولايات المتحدة هي فضيحة وترغيت، حين تلاعب ريتشارد نيكسون بنتائج الانتخابات، وأضطر للاستقالة، يوم كانت الولايات المتحدة تهتم بشيئ أسمه " حفظ ماء الوجه ".، ومن المستبعد أن تحافظ إدارة بايدن المتهالكة صحيا وماديا بإجراء يحفظ ماء الوجه .. بل يرجح أنهم سيعمدون للكذب، والاحتيال والتدليس، ليقلبوا النتائج .. هذا ممكن، ولكن ما هو ليس بالامكان، هو مسح عار التزوير والخيانة من وجه النظام المهترئ، النظام لم يعد باقيا على سدة الحكم إلا بالكذب والتزوير والاحتيال ... وليس نادراً باللجوء إلى تصفيات بأشكال مختلفة، فم يشتط به الخيال ليصنع فلم كرامبو وسسوبر مان لا يصعب عليه أن يحتال ... مجرد حيلة ...!

 

الوهم الكبير الذي صنعته الصحافة المأجورة، وهوليود، وحفلات الأباطيل يتهاوى ... والكذب لم يكن ينطلي على الجميع، فالكل يعلم أن النظام الديمقراطي / رأسمالية الدولة الاحتكارية، أنتجت الفاشية في إيطاليا، والنازية في ألمانيا، وفرانكو في أسبانيا، وحكم الجنرالات في اليونان، ونظام سالازار في البرتغال، وأنظمة طغيانية في أميركا اللاتينية، وأنظمة كثيرة في آسيا وأفريقيا،  النظام ( الديمقراطي ) يستطيع بدقة وحرفية عالية أن يحيك أكاذيبه وتحايله كما يصنع الأفلام الخرافية، والألعاب السحرية. الآن كل هذا يهتز بشدة وآيل للسقوط،

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(*) سيدني باول ” المدعي العام الفيدرالي السابق.

مارست سيدني باول المحاماة في الدائرة الفيدرالية الخامسة منذ عقود؛ وكانت محامية رئيسية في أكثر من 500 من قضايا الاستئناف. وحاليا فإنها تتولى دعاوى الاستئناف الفيدرالية ذات الصبغة التجارية المعقدة إذ يلجأ إليها الأفراد والشركات وحتى الحكومات في هذا النوع من القضايا.

سيدني باول” رئيسة سابقة للأكاديمية الأمريكية لمحامي الاستئناف ورابطة المحامين بالدائرة الفيدرالية الخامسة، وهي عضو في معهد القانون الأمريكي، حديثا ألفت كتاب  Licensed to Lie” “/ مرخص له بالكذب” والذي أثار ضجة كبرى بفضحه الفساد في وزارة العدل الأمريكية

 

 

حرب مع السمندر

 

ضرغام الدباغ

 

حرب مع السمندر هو عنوان لرواية عميقة جداً، كتبها الكاتب التشيكي كارل تشابك  التي صدرت عام 1938. وبتقديري هذه الرواية هي من بين أفضل الروايات في تاريخ الأدب.

ولد كارل تشابك (Karel Capek) في شهر كانون الثاني / يناير عام 1890، في مدينة سفاتونوفيكس التشيكية، وتخرج من جامعة تشارلز في براغ، وتوفي في شهر كانون الأول / ديسمبر من عام 1938 في العاصمة براغ بعمر 48 عاماً ...!

ويعد تشابك من رواد الأدب التشيكي الحديث، وأعماله تتوزع بين الأدب الواقعي والنقد الاجتماعي والخيال العلمي، وهو أول من أستخدم كلمة " الروبوت " (الإنسان الآلي). وهو شقيق الكاتب والرسام جوزف تشابك، وقد تعاونا معاً في بعض المؤلفات. وتصف الموسوعة الألمانية كارل تشابك بأنه : روائي، مخرج، مصور، وكاتب مسرحي، وكاتب خيال علمي، وكاتب للأطفال، وكاتب وفيلسوف.

لا أضع شخصيا هذا العمل في حقل روايات الخيال العلمي قدر إجادة الكاتب الكبير تشابك على توظيف تصور أستخدم فيه حيوان السمندر للتطورات الاقتصادية / الاجتماعية / الديمغرافية التي حدثت لاحقاً، وهو يضع أسماء ومسميات، ويترك للقارئ الفطن وضعها في مكانها الصحيح، إذن فالكاتب يطالب القراء بالتفاعل في وضع مرتسمات المستقبل بطريقة فنية رائعة.

لا أنكر أني تأثرت كثيرا بقراءة هذه الرواية عام 1966، وقرأت وصفاً لكاتب يصف تحليلاً لهذه الرواية الكبيرة، يسرني أن أنقله حرفياً للقراء وللأسف وجدته في موقع لم أجد فيه أسم الكاتب.

 

حرب السمندرات

يكتشف قبطان السفينة "كاندون بادونغ" فانتا ، التي تعمل في صيد اللؤلؤ على ساحل سومطرة، بشكل غير متوقع خليج ديفل الرائع في جزيرة تاناماس. وفقا للسكان المحليين، تم العثور على الشياطين هناك. ومع ذلك ، يجد القبطان مخلوقات ذكية هناك - هؤلاء هم السمندر. هم أسود، متر ونصف في الارتفاع ويبدو أنهم يشبهون الأختام. يقوم القبطان بترويضهم من خلال المساعدة في فتح الأصداف برائتهم المفضلة - المحار، ويقبضون عليه جبال من اللؤلؤ. ثم يأخذ Vantach إجازة في شركة الشحن الخاصة به ويسافر إلى وطنه، حيث يلتقي مع مواطنه، رجل الأعمال الناجح G. X. Bondi. تمكن الكابتن فانتاهو من إقناع الرجل الغني بالشروع في المغامرة الخطرة التي يقدمها، وسرعان ما يبدأ سعر اللؤلؤ في الانخفاض بسبب زيادة الإنتاج بشكل حاد.

في هذه الأثناء، بدأت مشكلة السمندر تثير اهتمام الرأي العام العالمي. في البداية كانت هناك شائعات بأن فانتا ينقل الشياطين في جميع أنحاء العالم، ثم تظهر المنشورات العلمية والعلمية الزائفة. خلص العلماء إلى أن السمندر الذي اكتشفه الكابتن فانتا هو نوع منقرض من Andrias Scheuchzeri.

يدخل أحد السمندر حديقة حيوان لندن. بمجرد أن تتحدث إلى الحارس، وتقدم نفسها باسم أندرو شيخستر، ثم يبدأ الجميع في فهم أن السمندر مخلوقات ذكية يمكنها التحدث، وفي لغات مختلفة، القراءة وحتى العقل. ومع ذلك، فإن حياة السمندر، التي أصبحت إحساسًا بحديقة الحيوان، تنتهي بشكل مأساوي: يفرط الزوار في تناولها بالحلويات والشوكولاتة، ويصبح مريضًا بنزلات المعدة.

قريبا، اجتماع للمساهمين في شركة تصدير المحيط الهادئ تشارك في استغلال السمندر. يكرم الاجتماع ذكرى الكابتن فانتاخ، الذي توفي بسكتة دماغية ويتخذ عددًا من القرارات المهمة، على وجه الخصوص، بشأن وقف إنتاج اللؤلؤ والتخلي عن احتكار السمندرات، والتي تتكاثر بسرعة بحيث يستحيل إطعامها. يقترح مجلس إدارة الشركة إنشاء نقابة سمندر عملاقة لاستغلال السمندر على نطاق واسع، والتي تخطط لاستخدامها في أعمال البناء المختلفة في المياه. يتم نقل السمندر في جميع أنحاء العالم، واستقرارهم في الهند والصين وأفريقيا وأمريكا. صحيح أن هناك إضرابات في بعض الأماكن احتجاجًا على طرد القوى العاملة البشرية، لكن الاحتكارات تستفيد من وجود السمندر، لأن هذا يسمح بتوسيع إنتاج الأدوات اللازمة للسمندر والمنتجات الزراعية. كما يتم الإعراب عن مخاوف من أن السمندر سيهدد الصيد ويقوض شواطئ القارات والجزر بجحورها تحت الماء.

وفي الوقت نفسه، فإن استغلال السمندر على قدم وساق. حتى التخرج من السلمندر تم تطويره: قيادة، أو مشرفين، أغلى الأفراد ؛ ثقيل، مصمم لأصعب عمل بدني؛ تيم - "الشغل" العادي وهلم جرا. يعتمد السعر أيضًا على الانتماء إلى مجموعة أو أخرى. كما تزدهر التجارة غير المشروعة في السمندل. يخترع الجنس البشري المزيد والمزيد من المشاريع الجديدة التي يمكن استخدام هذه الحيوانات في تنفيذها.

بالتوازي، تعقد مؤتمرات علمية لتبادل المعلومات في مجال علم وظائف الأعضاء وعلم النفس من السمندر. تتكشف حركة التعليم المدرسي المنهجي عن السمندر المربى، وتنشأ نقاشات حول التعليم الذي يجب تقديمه إلى السمندر، واللغة التي يجب أن يتحدثوا بها، وما إلى ذلك. . يتم اعتماد التشريعات المتعلقة بالسمندر: نظرًا لأنهم يفكرون في المخلوقات، يجب أن يكونوا هم أنفسهم مسؤولين عن أفعالهم. بعد نشر القوانين الأولى بشأن السمندر، يبدو أن الناس يطالبون بالاعتراف بحقوق معينة للسمندر. ومع ذلك ، لا يخطر ببال أحد أن "مسألة السمندر" يمكن أن تكون ذات أهمية دولية كبيرة وأنه سيتعين على السمندر التعامل ليس فقط مع المخلوقات الفكرية ، ولكن أيضًا مع جماعة سمندل واحدة أو حتى أمة.

وسرعان ما يصل عدد السمندرات إلى سبعة مليارات، ويقطنون أكثر من ستين بالمائة من جميع سواحل العالم. ينمو مستواهم الثقافي: يتم نشر الصحف تحت الماء، وتظهر المعاهد العلمية حيث يعمل السمندر، ويتم بناء المدن تحت الماء وتحت الأرض. صحيح أن السلمندر أنفسهم لا ينتجون أي شيء، لكن الناس يبيعونهم كل شيء حتى المتفجرات لأعمال البناء تحت الماء والأسلحة لمحاربة أسماك القرش.

سرعان ما يدرك السمندر مصالحهم الخاصة ويبدأ في صد الأشخاص الذين يتطفلون على مجال مصالحهم. واحدة من الأولى هي صراع بين السمندر والفلاحين الذين تناولوا الطعام حول الحدائق، الذين لا يشعرون بالرضا عن كل من السمندر والسياسات الحكومية. يبدأ الفلاحون في إطلاق النار على نهب السمندر، الذي يخرجون إليه من البحر ويحاولون الانتقام. بالكاد تمكنت العديد من شركات المشاة من إيقافهم ، انتقامًا من تفجير الطراد الفرنسي Jules Flambo. بعد مرور بعض الوقت، تعرضت سفينة البخار البلجيكية Udenburg ، التي كانت في القناة الإنجليزية ، للهجوم من قبل السمندر - اتضح أن السمندر الإنجليزي والفرنسي لم يتشاركا شيئًا فيما بينهما.

على خلفية انقسام البشرية، يتحد السمندر ويبدأ في التقدم بمطالب بالتنازل عن مساحة المعيشة لهم. كدليل على القوة، أقاموا زلزالًا في لويزيانا. يطالب السمندر الأعلى بإخلاء الناس من سواحل البحر التي أشار إليها ويدعو الإنسانية ، جنبا إلى جنب مع السمند، لتدمير عالم الناس. يمتلك السمندر حقًا قوة كبيرة على الناس: يمكنهم حظر أي ميناء، أي طريق بحري وبالتالي تجويع الناس. لذلك، يعلنون حصارًا كاملاً للجزر البريطانية، وتضطر بريطانيا إلى إعلان الحرب على السمندر كرد فعل. ومع ذلك ، فإن قتال السمندر أكثر نجاحًا - حيث بدأوا للتو في إغراق الجزر البريطانية.

ثم يتم عقد مؤتمر تسوية عالمي في فادوز ، ويعرض المحامون الذين يمثلون السمندر تلبية جميع شروطهم، واعدًا بأن "فيضان القارات سيتم بشكل تدريجي وبطريقة لا تؤدي إلى إثارة الذعر والكوارث غير الضرورية". في غضون ذلك، تجري الفيضانات على قدم وساق.

وفي الجمهورية التشيكية تعيش وتعيش عموم Pondondra ، البواب في منزل G.X. Bondi ، الذي لم يتمكن في وقت من الأوقات من ترك الكابتن فانتاخ على أعتابه وبالتالي منع وقوع كارثة عالمية. يشعر أنه هو المسؤول عن ما حدث، وهو يرضيه فقط لأن جمهورية التشيك تقع بعيدة عن البحر. وفجأة رأى رأس السمندر في نهر فلتافا ...

في الفصل الأخير، يتحدث المؤلف إلى نفسه ، محاولاً التوصل إلى طريقة ما على الأقل لإنقاذ البشرية، ويقرر أن السمندر "الغربي" سيخوض حربًا على "الشرقية" ، ونتيجة لذلك سيتم إبادةهم بالكامل. وستبدأ البشرية في تذكر هذا الكابوس كفيضان آخر.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هامش

السلمندر حيوان من فئة العضايات .... (من أصناف السحالي) ربما تتواجد بأحجام وأشكل مختلفة إلا أنها متقاربة في الشبه وهناك أنواع ضخمة منها في الجزر الاندنوسية شرسة ومفترسة للحيوانات الأخرى،.

 

وكلمة السمندر كتبت بالعربية بطرق عديدة، فقد كتبها البعض " السلمندر " وكتبها " السمندل " وبكتبها البعض " السمندر " كما آثرنا نحن كتابتها وفقا لترجمة الكتاب إلى اللغة العربية . وكانت قد صدرت للمرة الأولى من دار نشر حكومية في براغ / تشيكوسلوفاكيا، وهي غير متواجدة حاليا في الأسواق، هناك إعلان عنها لبيعها بواسطة الانترنيت.

 

والسمندر هنا في رواية كارل تشابك (كتبها في الثلاثينات) ترمز إلى مرحلة تنبأ الكاتب أن الرأسمالية الاحتكارية ستبلغها في أ‘لى مراحل تطورها، التي ستكون البداية لأنحدارها وتدهورها في عموم سياق تدهور الحضارة الغربية التي تلوح مؤشراتها بكل وضوح.

 

ترجم الكتاب  للغة الألمانية،  أعتقد لمرات عديدة إذ يمكنك إيجاده في المكتبات بسهولة نسبياُ وهناك حيوان السحلية ويطلق عليه بالألمانية (Salamander )  ولكن في الترجمة الألمانية ارتأى المترجم أن يستخدم كلمة (Molchen)  البريص، أو السحلية، ولكن هناك كلمة أخرى بذات المعنى وهي السلمندر. وعامة يكون شكل السلمندر هكذا يمكن بألوان وأحجام مختلفة

 

المركز العربي الألماني

برلين

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

حرب مع السمندر

 

ضرغام الدباغ

 

حرب مع السمندر هو عنوان لرواية عميقة جداً، كتبها الكاتب التشيكي كارل تشابك  التي صدرت عام 1938. وبتقديري هذه الرواية هي من بين أفضل الروايات في تاريخ الأدب.

ولد كارل تشابك (Karel Capek) في شهر كانون الثاني / يناير عام 1890، في مدينة سفاتونوفيكس التشيكية، وتخرج من جامعة تشارلز في براغ، وتوفي في شهر كانون الأول / ديسمبر من عام 1938 في العاصمة براغ بعمر 48 عاماً ...!

ويعد تشابك من رواد الأدب التشيكي الحديث، وأعماله تتوزع بين الأدب الواقعي والنقد الاجتماعي والخيال العلمي، وهو أول من أستخدم كلمة " الروبوت " (الإنسان الآلي). وهو شقيق الكاتب والرسام جوزف تشابك، وقد تعاونا معاً في بعض المؤلفات. وتصف الموسوعة الألمانية كارل تشابك بأنه : روائي، مخرج، مصور، وكاتب مسرحي، وكاتب خيال علمي، وكاتب للأطفال، وكاتب وفيلسوف.

لا أضع شخصيا هذا العمل في حقل روايات الخيال العلمي قدر إجادة الكاتب الكبير تشابك على توظيف تصور أستخدم فيه حيوان السمندر للتطورات الاقتصادية / الاجتماعية / الديمغرافية التي حدثت لاحقاً، وهو يضع أسماء ومسميات، ويترك للقارئ الفطن وضعها في مكانها الصحيح، إذن فالكاتب يطالب القراء بالتفاعل في وضع مرتسمات المستقبل بطريقة فنية رائعة.

لا أنكر أني تأثرت كثيرا بقراءة هذه الرواية عام 1966، وقرأت وصفاً لكاتب يصف تحليلاً لهذه الرواية الكبيرة، يسرني أن أنقله حرفياً للقراء وللأسف وجدته في موقع لم أجد فيه أسم الكاتب.

 

حرب السمندرات

يكتشف قبطان السفينة "كاندون بادونغ" فانتا ، التي تعمل في صيد اللؤلؤ على ساحل سومطرة، بشكل غير متوقع خليج ديفل الرائع في جزيرة تاناماس. وفقا للسكان المحليين، تم العثور على الشياطين هناك. ومع ذلك ، يجد القبطان مخلوقات ذكية هناك - هؤلاء هم السمندر. هم أسود، متر ونصف في الارتفاع ويبدو أنهم يشبهون الأختام. يقوم القبطان بترويضهم من خلال المساعدة في فتح الأصداف برائتهم المفضلة - المحار، ويقبضون عليه جبال من اللؤلؤ. ثم يأخذ Vantach إجازة في شركة الشحن الخاصة به ويسافر إلى وطنه، حيث يلتقي مع مواطنه، رجل الأعمال الناجح G. X. Bondi. تمكن الكابتن فانتاهو من إقناع الرجل الغني بالشروع في المغامرة الخطرة التي يقدمها، وسرعان ما يبدأ سعر اللؤلؤ في الانخفاض بسبب زيادة الإنتاج بشكل حاد.

في هذه الأثناء، بدأت مشكلة السمندر تثير اهتمام الرأي العام العالمي. في البداية كانت هناك شائعات بأن فانتا ينقل الشياطين في جميع أنحاء العالم، ثم تظهر المنشورات العلمية والعلمية الزائفة. خلص العلماء إلى أن السمندر الذي اكتشفه الكابتن فانتا هو نوع منقرض من Andrias Scheuchzeri.

يدخل أحد السمندر حديقة حيوان لندن. بمجرد أن تتحدث إلى الحارس، وتقدم نفسها باسم أندرو شيخستر، ثم يبدأ الجميع في فهم أن السمندر مخلوقات ذكية يمكنها التحدث، وفي لغات مختلفة، القراءة وحتى العقل. ومع ذلك، فإن حياة السمندر، التي أصبحت إحساسًا بحديقة الحيوان، تنتهي بشكل مأساوي: يفرط الزوار في تناولها بالحلويات والشوكولاتة، ويصبح مريضًا بنزلات المعدة.

قريبا، اجتماع للمساهمين في شركة تصدير المحيط الهادئ تشارك في استغلال السمندر. يكرم الاجتماع ذكرى الكابتن فانتاخ، الذي توفي بسكتة دماغية ويتخذ عددًا من القرارات المهمة، على وجه الخصوص، بشأن وقف إنتاج اللؤلؤ والتخلي عن احتكار السمندرات، والتي تتكاثر بسرعة بحيث يستحيل إطعامها. يقترح مجلس إدارة الشركة إنشاء نقابة سمندر عملاقة لاستغلال السمندر على نطاق واسع، والتي تخطط لاستخدامها في أعمال البناء المختلفة في المياه. يتم نقل السمندر في جميع أنحاء العالم، واستقرارهم في الهند والصين وأفريقيا وأمريكا. صحيح أن هناك إضرابات في بعض الأماكن احتجاجًا على طرد القوى العاملة البشرية، لكن الاحتكارات تستفيد من وجود السمندر، لأن هذا يسمح بتوسيع إنتاج الأدوات اللازمة للسمندر والمنتجات الزراعية. كما يتم الإعراب عن مخاوف من أن السمندر سيهدد الصيد ويقوض شواطئ القارات والجزر بجحورها تحت الماء.

وفي الوقت نفسه، فإن استغلال السمندر على قدم وساق. حتى التخرج من السلمندر تم تطويره: قيادة، أو مشرفين، أغلى الأفراد ؛ ثقيل، مصمم لأصعب عمل بدني؛ تيم - "الشغل" العادي وهلم جرا. يعتمد السعر أيضًا على الانتماء إلى مجموعة أو أخرى. كما تزدهر التجارة غير المشروعة في السمندل. يخترع الجنس البشري المزيد والمزيد من المشاريع الجديدة التي يمكن استخدام هذه الحيوانات في تنفيذها.

بالتوازي، تعقد مؤتمرات علمية لتبادل المعلومات في مجال علم وظائف الأعضاء وعلم النفس من السمندر. تتكشف حركة التعليم المدرسي المنهجي عن السمندر المربى، وتنشأ نقاشات حول التعليم الذي يجب تقديمه إلى السمندر، واللغة التي يجب أن يتحدثوا بها، وما إلى ذلك. . يتم اعتماد التشريعات المتعلقة بالسمندر: نظرًا لأنهم يفكرون في المخلوقات، يجب أن يكونوا هم أنفسهم مسؤولين عن أفعالهم. بعد نشر القوانين الأولى بشأن السمندر، يبدو أن الناس يطالبون بالاعتراف بحقوق معينة للسمندر. ومع ذلك ، لا يخطر ببال أحد أن "مسألة السمندر" يمكن أن تكون ذات أهمية دولية كبيرة وأنه سيتعين على السمندر التعامل ليس فقط مع المخلوقات الفكرية ، ولكن أيضًا مع جماعة سمندل واحدة أو حتى أمة.

وسرعان ما يصل عدد السمندرات إلى سبعة مليارات، ويقطنون أكثر من ستين بالمائة من جميع سواحل العالم. ينمو مستواهم الثقافي: يتم نشر الصحف تحت الماء، وتظهر المعاهد العلمية حيث يعمل السمندر، ويتم بناء المدن تحت الماء وتحت الأرض. صحيح أن السلمندر أنفسهم لا ينتجون أي شيء، لكن الناس يبيعونهم كل شيء حتى المتفجرات لأعمال البناء تحت الماء والأسلحة لمحاربة أسماك القرش.

سرعان ما يدرك السمندر مصالحهم الخاصة ويبدأ في صد الأشخاص الذين يتطفلون على مجال مصالحهم. واحدة من الأولى هي صراع بين السمندر والفلاحين الذين تناولوا الطعام حول الحدائق، الذين لا يشعرون بالرضا عن كل من السمندر والسياسات الحكومية. يبدأ الفلاحون في إطلاق النار على نهب السمندر، الذي يخرجون إليه من البحر ويحاولون الانتقام. بالكاد تمكنت العديد من شركات المشاة من إيقافهم ، انتقامًا من تفجير الطراد الفرنسي Jules Flambo. بعد مرور بعض الوقت، تعرضت سفينة البخار البلجيكية Udenburg ، التي كانت في القناة الإنجليزية ، للهجوم من قبل السمندر - اتضح أن السمندر الإنجليزي والفرنسي لم يتشاركا شيئًا فيما بينهما.

على خلفية انقسام البشرية، يتحد السمندر ويبدأ في التقدم بمطالب بالتنازل عن مساحة المعيشة لهم. كدليل على القوة، أقاموا زلزالًا في لويزيانا. يطالب السمندر الأعلى بإخلاء الناس من سواحل البحر التي أشار إليها ويدعو الإنسانية ، جنبا إلى جنب مع السمند، لتدمير عالم الناس. يمتلك السمندر حقًا قوة كبيرة على الناس: يمكنهم حظر أي ميناء، أي طريق بحري وبالتالي تجويع الناس. لذلك، يعلنون حصارًا كاملاً للجزر البريطانية، وتضطر بريطانيا إلى إعلان الحرب على السمندر كرد فعل. ومع ذلك ، فإن قتال السمندر أكثر نجاحًا - حيث بدأوا للتو في إغراق الجزر البريطانية.

ثم يتم عقد مؤتمر تسوية عالمي في فادوز ، ويعرض المحامون الذين يمثلون السمندر تلبية جميع شروطهم، واعدًا بأن "فيضان القارات سيتم بشكل تدريجي وبطريقة لا تؤدي إلى إثارة الذعر والكوارث غير الضرورية". في غضون ذلك، تجري الفيضانات على قدم وساق.

وفي الجمهورية التشيكية تعيش وتعيش عموم Pondondra ، البواب في منزل G.X. Bondi ، الذي لم يتمكن في وقت من الأوقات من ترك الكابتن فانتاخ على أعتابه وبالتالي منع وقوع كارثة عالمية. يشعر أنه هو المسؤول عن ما حدث، وهو يرضيه فقط لأن جمهورية التشيك تقع بعيدة عن البحر. وفجأة رأى رأس السمندر في نهر فلتافا ...

في الفصل الأخير، يتحدث المؤلف إلى نفسه ، محاولاً التوصل إلى طريقة ما على الأقل لإنقاذ البشرية، ويقرر أن السمندر "الغربي" سيخوض حربًا على "الشرقية" ، ونتيجة لذلك سيتم إبادةهم بالكامل. وستبدأ البشرية في تذكر هذا الكابوس كفيضان آخر.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هامش

السلمندر حيوان من فئة العضايات .... (من أصناف السحالي) ربما تتواجد بأحجام وأشكل مختلفة إلا أنها متقاربة في الشبه وهناك أنواع ضخمة منها في الجزر الاندنوسية شرسة ومفترسة للحيوانات الأخرى،.

 

وكلمة السمندر كتبت بالعربية بطرق عديدة، فقد كتبها البعض " السلمندر " وكتبها " السمندل " وبكتبها البعض " السمندر " كما آثرنا نحن كتابتها وفقا لترجمة الكتاب إلى اللغة العربية . وكانت قد صدرت للمرة الأولى من دار نشر حكومية في براغ / تشيكوسلوفاكيا، وهي غير متواجدة حاليا في الأسواق، هناك إعلان عنها لبيعها بواسطة الانترنيت.

 

والسمندر هنا في رواية كارل تشابك (كتبها في الثلاثينات) ترمز إلى مرحلة تنبأ الكاتب أن الرأسمالية الاحتكارية ستبلغها في أ‘لى مراحل تطورها، التي ستكون البداية لأنحدارها وتدهورها في عموم سياق تدهور الحضارة الغربية التي تلوح مؤشراتها بكل وضوح.

 

ترجم الكتاب  للغة الألمانية،  أعتقد لمرات عديدة إذ يمكنك إيجاده في المكتبات بسهولة نسبياُ وهناك حيوان السحلية ويطلق عليه بالألمانية (Salamander )  ولكن في الترجمة الألمانية ارتأى المترجم أن يستخدم كلمة (Molchen)  البريص، أو السحلية، ولكن هناك كلمة أخرى بذات المعنى وهي السلمندر. وعامة يكون شكل السلمندر هكذا يمكن بألوان وأحجام مختلفة

 

المركز العربي الألماني

برلين

 

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

غير صالح للحكم

 

ضرغام الدباغ

 

الكلمة الأولى باللغة الألمانية (Regierungsunfähigkeit)، غير صالح للحكم، والثانية باللغة الإنكليزية، (incompetent governmen) وفي اللغتين تعطي ذات المعنى الحرفي والسياسي، وفي اللغة العربية أفضل ترجمة كما أعتقد هي " غير صالح للحكم " أو " فاقد أهلية الحكم " .

وحين تطرح هذه الجملة القصيرة الصغيرة، بحق حكومة ما، أو شخصية سياسية سيادية (رئيس دولة، رئيس حكومة، وربما رئيس مجلس النواب)، فأنها تعني الكثير جداً، وربما من بين ما تعنيه، نهاية عهد الشخصية المعنية بالمرتبة السيادية، أو نهاية الحكومة رغم سريان مدة صلاحيتها .

والجهة التي تطلق هذا الوصف على الشخصية أو الجهة المقصودة، عليها أن تتيقن بدقة أبعاد هذا الوصف، وأن تمتلك من الأدلة والبراهين لتقدمها بهذا الطلب ..

 

ضرغام الدباغ

 

 

غير صالح للحكم

 

ترجمة : ضرغام الدباغ

 

تعريف هذا المصطلح، وهو في الأدب السياسي لا يعتبر توصيفا أدبياً معنوياً، بل هو توصيف مادي لشخص، (أو حكومة عاجزة)  عن القيام بمهام المنصب، بسبب عجز مؤقت أو دائمي، لأسباب ذاتية (بسبب أوضاعه الصحية أو عوامل أخرى تحول دون ممارسته لمهامه)، أو لأسباب موضوعية بسبب وضعه القانوني، (أو وقوعه تحت ظروف قاهرة تمنعه عن أداء مهامه / المترجم). ويستفاد من مؤشرات تاريخية، أن هذا المصطلح يقود غالبا إلى تغير في السلطة.

وفي رؤية متواصلة، فإن وصم الحكم أو شخصية مسؤولة بعدم الأهلية للحكم، غالبا له علاقة بأداء الحكومات. أو الأحزاب. والأسباب في هذه الحالة تكون قوية، وغالبا مما له علاقة بأصول عمل المؤسسة.حيث يجري البحث في الأسباب الموجبة (لوصم شخص أو جهة بعدم الأهلية والكفاية) وإيجاد سبب توجيه الوصف. وهنا أيضا احتمال  بالادعاء على حكومة بعدم الكفاية والأهلية،  مبعثه الصراعات السياسية ونتيجة له، ليخدم كهدف ضمن الصراع السياسي ليقود في النهاية إلى التبديل في السلطة.

  تاريخياً  كانت الأسباب الموجبة لاستخدام هذا المصطلح، بحق الأفراد نتيجة لوضع إعاقة جسدية أو عقلية، والعقلية كالإصابة بالاكتئاب،  أو مرض عقلي، أو وضع صحي معيق لأداء المسؤول، كالإصابة بالسكتة الدماغية (وهي ما تقود غالبا إلى شلل تام أو جزئي معيق للحركة / المترجم) أو الإصابة بفقدان البصر (العمى). ومع في العصور الوسطى كان يصار اللجوء إلى إحداث إعاقة متعمدة بالشخصية السياسية المنافسة، من أجل إبعاده عن مسرح التنافس، كسمل العيون (فقأ العين لتعطيل النظر) أو لإرغامة بصورة ما على الابتعاد عن التنافس.

وإحدى المشكلات الشائعة في تحديد العجز، أو عدم القدرة والأهلية على الحكم في الأنظمة الملكية، هي تحديد الجهة التي لها الحق في تحديد عدم القدرة أو الأهلية بالحكم.وهذه المسألة المهمة التي لم تتم الإجابة عليها بطريقة صحيحة وقانونية إلا بعد ظهور الأنظمة البرلمانية، إذ تثار هذه القضية بمجرد اكتشاف حقيقة أن الشخص المعني(الملك) غير صالح للحكم. واستبداله، أو تعيين وصاية على العرش، إذا كان المرشح تحت السن القانونية / الدستورية.. وهناك أسباب أخرى أو بسبب غياب الملك لفترة طويلة (غالبا بسبب الحرب)، وهذه لا تعني أنه غير أهل للحكم.

وبمعنى أوسع، يقال عن مؤسسة معينة " غير مؤهلة للحكم " إذا أظهرت تلك المؤسسة (بلاط، رئاسة دولة، حكومة، قيادة حزب ..الخ )، إذا بلغت من العجز عدم الاقتدار للتوصل إلى قرارات، أو تنفيذ مقررات، أو بسبب عدم قدرتها الحصول على الأغلبية البرلمانية، وأيضا بسبب خلافات حادة (وربما انشقاقية / المترجم) داخل المؤسسة، ولا صيما في قرارات يكون الإجماع فيها شرطاً لاتخاذ القرار. ومثل هذا الوضع يقود للتغير عبر تغير الإطارات (القيادات).

ومن الحالات الخاصة للعجز عن الحكم، هو عدم قدرة حكومة البلاد على ممارسة الحكم في حالة حدوث هجوم مسلح،  ولهذا الغرض في ألمانيا مثلاً هناك مادة في دستور البلاد : المادة رقم  a) 115 ( الفقرة (4) التي تنص في حالة ظروف طارئة، تسمح بصورة تلقائية بالانتقال لحالة الدفاع.

 

شخصيات غير صالحة للحكم.

ـــ تعرض ملك القوط الغربيين وامبا (Wamba/ 672 ــ 680) لتسميم، ثم أصيب بمرض مميت، ووفقا لتقاليد ذلك العصر، ونتيجة لذلك أصبح غير أهل للحكم، فأنسحب من الحياة العامة ليعتكف في دير، حيث مكث لمدة سنتين، توفي بعدها. 

ـــ من أجل تجنب التقاسم التقليدي للسلطة عند الفرانكيين، قام الملك تشارلز الأصلع  بتسمية ولديه: الأصغر كارلمان، والآخر لوتار كرجال دين. ولكن فيما بعد ثبت أن هذا الإجراء لم يكن ضرورياً، ولم يعيش من أولاده السبعة سوى لودفيغ وهو أكبرهم سناً  .

 

ـــ سمل العين (الحاق الاذى بالعين وإفقاده البصر).

ــ أصيب ملك إيطاليا برنارد بالعمى في عام 818 بعد ثورته ضد عمه الإمبراطور لودفيغ الورع، وبالتالي مما أفقده قدرته على الحكم. مات الملك بيرنارد بعد يومين من إصابته بالعمى.

ــ تم القبض على الدوق هوغو فون الألزاس في عام 885 ، وأُصيب بالعمى ثم نُقل إلى قصر Prüm Abbey كإقامة إجبارية، باعتباره غير قادر على الحكم.

ــ الإمبراطور لودفيغ الثالث بافاريا / ألمانيا : تعرض للسمل وإفقاد البصر، من قبل خصمه بيرينغار من فريولي في 905 وفقد نتيجة لذلك  اللقب الإمبراطوري ؛ ولكنه مع ذلك، احتفظ بمملكته الموروثة في منطقة بورغوندي السفلى.

 

بعد السكتة الدماغية (السكتة الداغية إن لم تقتل صاحبها تصيبه بالشلل)

ــ أصيب الملك لويس السابع ملك فرنسا بجلطة دماغية عام 1179 نجم عنها أصابته بالشلل في جانب واحد. بعد أسابيع قليلة توج ابنه فيليب ملكًا. توفي لودفيغ السابع بعد عام تقريبًا.

ــ عانى دوق بافاريا فيلهلم الأول من سكتة دماغية عام 1357 ، ثم اعتُبر مريضًا عقليًا وغير قادر على الحكم وسُجن حتى وفاته عام 1389.

ــ أصيب دوق بوغيسلاف الرابع عشر من بوميرانيا (أمارة بشمال شرق بولونيا والمانيا) بجلطة دماغية عام 1633. نظرًا لأنه لم يكن لديه ورثة ، فقد وضع دستور عام 1634 ، والذي حاول من خلاله تأمين حكومة بوميرانيا أثناء مرضه وبعد وفاته. توفي عام 1637، وتم تقسيم بوميرانيا بعد ذلك بين السويد وبراندنبورغ ، خلافًا لنوايا الدوق.

ــ عانى الملك فريدريش فيلهلم الرابع ملك بروسيا (1840-1858) من عدة سكتات دماغية عام 1857 ثم سلم الحكم لأخيه فيلهلم عام 1858. يشار إلى هذا التغيير في العلم على أنه نهاية عصر رد الفعل وبداية العصر الجديد.

بسبب أمراض أخرى

ــ  الملك جورج الثالث. من بريطانيا العظمى (1760-1820) لم يكن قادرًا على الحكم من عام 1811 بسبب مرض خطير (ربما البورفيريا)، يشار إلى السنوات حتى وفاته في التاريخ البريطاني (والأسلوب) باسم ريجنسي.

 

بسبب المرض العقلي

ــ  الملك شارل السادس / فرنسا. (1380-1422) كان يعاني من نوبات جنون أحيانًا،  منذ عام 1392، عانى من متاعب عصبية بسبب المؤامرات المحكمة التي نشأت نتيجة لمرض تشارلز بلغت ذروتها في الحرب الأهلية في أرماجناك وبورغينيون (1410-1419)

ــ الملك هنري السادس/ إنجلترا (1471) لم يكن قادرًا على الحكم اعتبارًا من مارس 1454 بسبب مرض عقلي، وتم خلعه عام 1461 ، لكنه أعيد ملكا في 1470-1471 وقتل أخيرًا في برج لندن. بعد فترة وجيزة من مرض هنري، اندلعت حروب الورود ، وشلت إنجلترا لمدة ثلاثين عامًا.

ــ الدوق الأكبر لودفيغ الثاني ملك بادن/ ألمانيا (1852-1856) أعتبر مريضًا عقليًا وترك الحكومة لأخيه فريدريش، الذي خلفه في عام 1856. توفي لودفيج بعد ذلك بعامين.

ــ الملك أوتو ملك بافاريا (1886-1916) أعتبر غير قادر على الحكم بسبب مرض عقلي، كان تحت وصاية الأمير ريجنت لويتبولد (1886-1912) ولودفيغ (1912-1913)، الذي أُعلن في النهاية ملكًا لبافاريا دون الإطاحة بأوتو.

 

بسبب الاكتئاب

ــ الدوق ألبريشت فريدريش / بروسيا : أصيب بأزمة كآبة بعد فترة وجيزة من توليه السلطة عام 1571، الأمر الذي أجبر سيده، الملك البولندي ستيفان باتوري، على تزويده بشخصية إدارية لإدارة أعماله عام 1577، والذي حل محل ألبريشت فريدريش بعد عام. توفي ألبريشت فريدريش نتيجة اضطرابات عقلية عام 1618. سقطت دوقية بروسيا في يد أمراء براندنبورغ، التي مثلت جزءاً من مملكة بروسيا .

ــ مع الملك تشارلز التاسع / فرنسا (1560-1574) ، الذي كان تحت تأثير والدته كاترينا دي ميديشي طوال حياته، أدت أحداث يوم القديس بارثولوميو 1572، الذي أمر به هو نفسه، إلى صدمة أدت إلى حالة الاكتئاب. توفي عن عمر يناهز 23 عامًا بسبب فقدان الوعي (دوران)، قبل أن يؤدي ذلك عجزه الفعلي عن الحكم.

 

لأسباب سياسية (على الأرجح)

ــ الملكة جوان ملكة قشتالة : (1504-1506)، والمعروفة باسم جوان المجنونة،  اعتبرت غير مؤهلة للحكم كما قيل بسبب مرضها العقلي، لذلك تمكن والدها، الملك فرديناند ملك أراغون (1479-1516) من تولي زمام الحكم. الوصاية على كل أسبانيا، ومع ذلك ، يمكن الافتراض أن جوانا لم تكن مجنونة بأي حال من الأحوال ، ولكنها حُرمت من السلطة من قبل والدها ولاحقًا من قبل ابنها تشارلز الخامس - وقد سجنت جوان في دير سانتا كلارا في قلعة تورديسيلاس، حيث توفيت بعد 48 عامًا تقريبًا.

ــ السلطان العثماني مراد الخامس (ولد21 / أيلول 1840، وتوفي 29 / آب 1904)  هو خليفة المسلمين الخامس بعد المائة، وسلطان العثمانيين الثالث والثلاثين والخامس والعشرين من آل عثمان الذين جمعوا بين الخلافة والسلطنة (30بويع عفي أيار/ 1876 وخلع بعد ثلاثة أشهر في  31 /آب / 1876). وخلفه أخوه السلطان عبد الحميد الثاني، ومكث في السلطة ثلاثة أشهر فقط بعد أن طرأ اختلال في قواه العقلية، وبويع أخوه الأصغر عبد الحميد الثاني بالخلافة، ونقل مراد الخامس إلى قصر جراغان حيث تابع حياته فيها كسلطان سابق حتى وفاته عام 1904

ــ تم إعلان ملك بافاريا لودفيغ الثاني، أعتبر، "مختل عقليًا" و "غير قابل للشفاء" في عام 1886 بتحريض من الحكومة دون تحقيق ، بناءً على إفادات الشهود. بعد أربعة أيام مات في بحيرة شتارنبرغ.

ــ تنازل ملك بلجيكا بودوان عن العرش عام 1990 على أساس "عدم الكفاءة" ليوم واحد من أجل أن يسمح للبرلمان بسن قانون الإجهاض كان يعرض تشريعه، وبعد يوم واحد ، أعاد البرلمان بودوين ملكًا.

 

المركز العربي الألماني - برلين

 

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

الحكمة في

 

اتخاذ القرار الصحيح ...!

 

ضرغام الدباغ

 

ما هو الموقف الصحيح ...وكيف نتوصل إليه ...؟

هل هو الموقف الذي يلبي مصالحك بصورة تامة ....؟

أم هو القبول بالأمر الواقع مهما كانت نتائجه..

أم أن السياسي المحنك قادر على صياغة الموقف الأفضل الملائم لمصلحته.

 

تحقيق المصالح الوطنية البعيدة المدى / الشاملة، أو الأهداف التكتيكية، هو هدف العمل السياسي وأداته المختصة المحترفة هي الدبلوماسية. ولكن ينبغي فحص كل حالة بدقة تامة وتفصيلية بواسطة موظفون سياسيون مختصون وبالاعتماد على مصادر دقيقة. وتبلغ الدقة درجة رفيعة حين يتمكن السياسيون، والموظفون الأكفاء قياسها باستخدام الرياضيات العالية، ووسائل أخرى منها طريقة تبادل الأدوار، للتوصل إلى أدق نتيجة ممكنة، وعلى ضوء نتائج الفحص والجرد والتدقيق الذي يشترط أن يكون على درجة عالية جداً من النزاهة، والابتعاد عن الانفعال وأحكام الهوى، تصاغ قرارات تضمن (بدرجة كبيرة) نجاح المسعى السياسي. أو باستخدام المؤثرات. وفي حالات كثيرة تحول ظروف موضوعية وذاتية دون الحصول على كامل الأهداف، والأقل من النجاح التام هو أيضا نجاح، وإبقاء الطريق سالكاً للمساعي السياسية، هو أفضل من قطع الجسور وأقفال أفق العمل.

 

القبول بالأمر الواقع ونتائجه، هي الفقرة الأخيرة في قائمة الممكن، وهنا يقدم  السياسي / الدبلوماسي البارع أفضل ما يمكن من المساعي السياسية بأستخدام أساليب عمل مدروسة، حيال العجز التام في تحقيق موقف لصالحه، مستخدما ثقافته وتجربته وحكمته، في تقليص حجم الخسارة، بالقدر الممكن، ومحاولة تليين مواقف الطرف/ الأطراف المقابلة، وإعادة صياغة الموقف، والنتائج، بصبر وتوءدة، ولا تبخس قيمة أي جهد يمكن أن تصحح وتعدل النتائج النهائية مهما كانت بسيطة، فهذه الدرجة البسيطة ستشكل ربما القاعدة التي ترتكز عليها فعاليات ومجهودك اللاحق في تصليح الموقف.

 

نسعى ..البشر والحكومات لتحقيق الأفضل ..والأفضل هو كامل برنامجك ومخطط وما تريد، ولكننا وخاصة في عالم اليوم، يصعب الحديث عن مصالح لا تصطدم أو تحتك، أو تمس مصالح الآخرين، أفرادا كانوا أو حكومات، وحتى حين تسكن في شقة بمفردك،  سيسألونك أت كنت تحتفظ بكلب أو حيوان في الشقة، فذلك قد يزعج بعض الجيران بدرجة ما، وسوف لن يسمح لك بأن ترفع صوت التلفاز أو الراديو بعد الساعة العشرة مساء، وتصرف الأولاد يجب أن يضبط بدقة، والبعض يستاء أن حضرت وجبة لها رائحة الطبخ نفاذة ...الخ إذن الحديث عن تحقيق برنامجك ومصالحك قضية لا تخلو من صعوبات، وعليك ان تخطط لتنفيذ مشاريعك بصبر، ولا بأس على مراحل لكي لا تبدو طموحا جموحا حيال الآخرين فيخشونك ويخشون مخططاتك  ..!

 

المهم هو أن تحقق درجة من النجاح وتحقيق تقدم بأي نسبة من برنامجك، هو أمر جيد ..

مثال مهم : حسب الظروف السياسية والعسكرية المعروفة إلى أدت إلى نتائج سلبية، تمكن العدو من احتلال كامل شبه جزيرة سيناء البالغ مساحتها (60088 كم مربع)، بأستثناء جزء من محافظة بورسعيد الواقع على الجانب الشرقي لقناة السويس (بورفؤاد)، وتحديدأ منطقة صغيرة لا تتجاوز بضعة كيلومترات (رأس العش)، تمركز فيها فصيل من القوات الخاصة / الصاعقة (30 جندي)، وحين أراد العدو إتمام سيطرته على سيناء (1 / تموز / 1967) صمد فصيل الصاعقة وقاوم إرادة العدو ومنعه من تحقيق هدفه وتواصلت القوات المسلحة المصرية في المنطقة، وهذه المنطقة أصبحت رأس جسر لعمليات تحرير سيناء في حرب اكتوبر / 1973.

 

والسياسي الحكيم هو الذي يمكنه التوصل إلى قرارات صحيحة، أو خالية من الأخطاء أو قليلة الثغرات، ويستعين السياسي بخبراء ومساعدين ومستشارين اخصائيين، وصناعة القرار ليست عملية عشوائية، بل هي أشبة بورشة تمر بمراحل ودوائر عديدة وقد تستغرق وقتاً طويلاً، وبمرور الزمن، ومع ارتقاء الاقتصاد إلى مستويات عالية  من الأهمية في العلاقات الدولية، توجب على القادة السياسيون متخذو القرار السياسي، الاعتماد بدرجات أكبر على العلماء والخبراء، وإعطاء فسحة أكبر للمداولات، وتغيرات في المادة موضوعة التداول، فإن طرأ تحسن بدرجة معينة، تعدل الخطط المقابلة، وإن ازداد سوءاً فسينعكس على أوساط متخذي القرار وسيبرر أتخاذ قرارات صلبة.     

 

التفكير في البدائل 

بتقديري أن للسياسي أن يلجأ للمناورة وأن يجيد هذا الفن ... بل من الضرورة أن يضع السياسي في حساباته مواقف بديلة، أن أصطدم قراره أو مشروعه بموانع صلبة، فمن أجل تجنب الفشل وتراجع العزم والاندفاع، فهو يمكن له أن :

يعيد صياغة مشروعه ليبدو أقل أستفزازاً للآخرين، وأكثر مقبولاً.

أن يقبل بتجزئة برنامجه إلى مراحل.

أن يطمئن الجهات (وهناك طرائق عديدة) التي تعتقد أن في برنامجه هواجساً لها.

أن يشرك آخرين في برامجه ويشعرهم أن من مصلحتهم دعم مشروعه.

أن يتقبل بواقعية أن مشروعه لا يلقى القبول اللازم، أو نه سيصادف عراقيل جمة، أو خسائر أكثر من الفوائد، لذلك عليه أن يحدث التغير المناسب في جدول أعماله وخططه لكي يكون مقبولاً.

أن يتقبل أخيرا إذا لاحظ أن أمام المشروع موانع جمة، عليه أن يجد البديل، وقد يكون البديل لا يصيب الهدف، ولكنه سيقذفك بالقرب منه، أو يبقيك لاعباً في الميدان.

 

ــ ليست هناك نظرية سياسية تقام على أساس " أنا والآخرين في الطوفان " مصالحي أنا ومصالح الآخرين في الجحيم "، هذه طروحات لا علاقة لها بالسياسة.

ــ حتى إذا كنت قوياً بدرجة خارقة وقادراً بقواك الذاتية المادية والمعنوية، على فرض إرادتك، عليك أن تحسب ردود الفعل في الملعب وعلى أطرافه القريبة ولكن البعيدة أيضاً.

ــ من الضروري أن يكون كل موقف يقام على أساس مراعاة القانون وقواعد التعامل، وحتى الجوانب الأخلاقية رغم ضعفها في عالم اليوم ...!

 

الدبابة الحديثة تزن 50ــ 60 طناً من الفولاذ، طائفتها مكونة من 4 جنود مدربين تدريبا ممتازاً، سعرها بين 4 ــ 5 مليون دولار، تحمل 50 ــ 60 قنبلة متنوعة : خارق للدروع، مهداد ضد المباني والموانع، منثار ضد الأفراد، وربما أنواع حديثة، مزودة بمقدرة مدى، وجهاز للرؤية الليلية، ولكن بوسع سلاح خفيف يديره جندي واحد لا يستغرق تدريبه أكثر من يوم واحد، بقاذف لا يتجاوز سعره 100 ــ 300 دولار أن يدمر هذه الدبابة بصاروخ لا يتجاوز سعره 80 دولار. وعلى قائد الدبابة أن يحسب في عمله أن يطلق النار وينتقل فورا بلا تأخير إلى موقع بديل يختاره سلفا، وإلا فسيتلقى مقذوفاً يدمره بعد ثوان.

المقاتل يفعل ذلك بحسه القتالي العالي، وربما بتجاربه، ولكن السياسيون لا يرون ذلك عيانياً، لأن ذلك هو في فلسفة العمل السياسي لا يشاهد بالعين المجردة، ولا يدرك إلا بأستخدام العقل ..

 

لاحظوا (والأمثلة على الممارسات السياسية كثيرة)  درس ألقاه الرسول محمد (ص)، متنبئاً بحدوث فتن سياسية : " ستكون فتنة، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي ". و " سيروا على سير أهونكم ..!".

ثم لاحظوا الذكاء الفطري عند أعرابي نطقها بصراحة البدوي الذكي، حين سأل مع من هو في النزاع  بين علي بن أبي طالب ومعاوية: فقال "  اللقمة مع معاوية أدسم ، والصلاة وراء علي أتم، والجلوس على التل أسلم ".

 

ولاحظوا عمق الفكرة في قول معاوية " لا أستخدم سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أستخدم سوطي حيث يكفيني صوتي ".

 

ولاحظوا أخيراً الحنكة في موقف فرقة المرجئة من الخلاف بين علي أبن أبي طالب ومعاوية :

 

نرجئ الأمـور إذا كانـت مشـبهة               ونصدق القول فيمن جار أو عندا

وما قضى الله من أمر فليس له مرد           وما يقضي من شيء يكـن رشدا

أمـا عـلي وعثـمان فإنـهما                      عبدان لم يشركا بالله منذ عبدا

يجزي علي وعثـمان بسعيهما                  ولست أدري بحق أية وردا

الله أعلـم ماذا يحضـران به                     وكل عبد سيلقى الله منفرداً

 

ويقول عمرو بن العاص أن " الحكمة والذكاء ليس في معرفة الخير من الشر، فهذه قد يتعرف عليها حتى المبتدأ، ولكن الذكاء في أختيار أهون الشرين ".

 

ثم لنلاحظ كيف تعامل أثنان من الرؤساء الأمريكان حيال قضية الحرب في فيثنام :

عرض المستشارون في القصر الأبيض على الرئيس ليندون جونسون 1964، بعد أن تفاقم الوضع في فيثنام وغطست الولايات المتحدة في مستنقعات فيثنام، خياراتهم المقترحة وكان على الطاولة خياران: الأول إما قصف فيثنام الشمالية (هانوي) بالسلاح النووي ولهذا تداعياته السياسية والعسكرية، أو تطبيق خطة تدمير شامل بالأسلحة التقليدية، وغير التقليدية الخفيفة (غازات، رش الكيمياوي على الغابات وإبادتها، قنابل عنقودية، ونابالم) وسميت الخطة " النيران المتدحرجة " (Rolling Thunder). فأعتقد الرئيس جونسون أن الخيار النووي الأول ستكون له تداعياته الخطيرة جداً غير مرغوبة، فلجأ للخيار الثاني وجرى تنفيذه.

حين تسلم الرئيس ريتشارد نيكسون (1969) كانت الحرب في فيثنام في أسوء مراحلها، تأكد الرئيس بفطنته (وهو من أكفأ وأثقف الرؤساء الأمريكان) أن لا حل عسكري لهذه الحرب، وأن تكاليفها باهضة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، فأيقن أن الأمر بحاجة لاتخاذ قرار كبير، وصعب، وتسليم بالحقائق، وهو ما عبر عنه بالتفاوض في باريس مع الثوار الفيثناميين (1973)، والانسحاب من هذا البلد.وهذا الخيار على صعوبته، إلا أنه كان الممكن الوحيد، وتم الوصول إليه بطريقة سياسية / قانونية. واتخاذ الموقف الصحيح العب، هو موقف كفوء وذكي، ويدل على حكمة وبعد نظر، خير من المضي في طرق المهالك.

 

هل تعين الأجهزة الالكترونية القائد السياسي اليوم ...؟

نعم بالتأكيد، فأجهزة الحاسوب / الكومبيوتر (PC) المعبئة بطريقة ممتازة بشى المعطيات الممتازة، ستكون مصدرا هاما لرفد القادة السياسيين في منح قراراتهم أبعاداً جديدة ومزيد من الإنضاج. بل يحملنا هذا على الجزم، أن فريقا مدربا وكفوءا بإدارة قديرة هي اليوم من أشد الضرورات.

 

ختاماُ، نقول للسياسيين، عليك أن تعلم أنك لست وحيداً في هذا العالم، وما يفيدك قد يلحق الضرر بالآخرين، وأي تدخل بسيط (حتى ارتفاع درجة الحرارة درجتين فقط) قد تتدخل في مسار جهدك وخطط قد تغير النتائج. متخذي القرارات ينبغي أن يكونوا على إلمام كامل وشامل في شتى الاتجاهات المؤثرة على قراراتهم، لكي يأتي قرارهم أقرب للصواب

 

لوبي السلاح في

 

 الولايات الأمريكية المتحدة

 

ترجمة : ضرغام الدباغ

 

كثير من الناس يهون جمع السلاح وعرضه ... والأمريكيون لا يكتفون بذلك، بل ولدى الغالبية من الأمريكيين مشجب سلاح صغير في البيت، وغالبا ليس للاحتفاظ كهواية، بل واستخدامه، وهذا ما يفسر حجم الجرائم العائل في الولايات المتحدة. ويجمع الخبراء أن السبب الرئيسي هو سهولة حصول المواطن الأمريكي على السلاح، الخفيف وحتى المتوسط منه (رشاشات حربية متوسطة)، بسهولة بالغة وكأنك تشتري الخبز ..! ولكن  ربما حتى الثقيلة.

 

وحين نلاحظ ظاهرة خطيرة تلحق الضرر الفادح بالمجتمع الأمريكي ولكن مع ذلك تجارة السلاح تزدهر ويباع علانية فالظاهرة لها أبعاد مختلفة، ويقف وراءها رجال متنفذون وقوى كبيرة، سياسية ومالية، واجتماعية بحيث تستطيع الصمود أمام حملات تهدف إلى تقليص تجارة السلاح ولو جزئياً، بل وأبعد من ذلك فصناعة وتجارة السلاح لها لوبي قوي في الكونغرس الأمريكي، وجمعيات أشهرها : " الاتحاد القومي الأمريكي للأسلحة "  (National Rifle Association of America). وهدفها الصريح المعلن هو " حماية حقوق حمل السلاح في الولايات المتحدة، وقد تأسست هذه الجمعية عام 1871 ويقع مقر الجمعية في واشنطن. وتتعرض الجمعية بين حين وآخر إلى محاولات لحلها، ولكنها بفعل القوة الخفية والعلنية التي تقف خلفها، تحبط هذه النوايا، فالجمعية قوية بقوة القوى المالية التي تمارسها. وهذا المقال يقع ضمن تلك المحاولات الفاشلة لتحجيم تجارة السلاح. إذ تريد ولاية نيويورك (الأكثر تضررا من تجارة الأسلحة) أن تحل جمعية المدافعين عن تجارة السلاح،والمدعي العام للولاية يتهم قوى الفساد في اللوبيات وهو ما يزعج الرئيس ترامب.

 

 

مأزق لوبي السلاح في أميركا

 

تقرير كتبه : فراوكة شتيفانيس/ نيويورك

في صحيفة فرانكفورتر الغماينة (Frankforter Algemeir)

التاريخ : 7 / آب ــ أوغست / 2020

ترجمة : ضرغام الدباغ

 

 

كان أمرا مروعا ما حدث في ولاية نيويورك، حين وجه الرئيس دونالد ترامب توبيخاً للمدعي العام للولاية  الذي كان لتوه قد رفع دعوى ضد منظمة (NRA) (National Rifle Association of America).

منظمة البندقية الوطنية الأمريكية. وكان هناك تعهد بأن تتولى المنظمة (وهي يمينية الاتجاهات)، بأن تكون جزء من حملة المرشحة ليتيتيا جيمس (Letitia James) والتي ربحت الانتخابات قبل عام. وتواصل السيدة جيمس أسلوبها الهجومي الذ كان سلفيها (أيريك شنايدرمان / باربرا اندروود) ينتهجانه. وفي عام 2019 نجحت بالفعل بحل مؤسسة عائلة ترامب بدعاوي الفساد. وقد كلفت المرافعات الرئيس مليوني دولار، لذلك كان رد فعل ترمب ضعيفا في أحداث شركة (NRA).

 

ولكن المرشحة جيمس النيويركية كانت واثقة بأن ما بين يديها يكفي ضد لوبي جمعية السلاح، من عمليات الارتشاء والاحتيال مما تكفي لحل المنظمة لعدة سنوات. فهناك الادعاء على قادة منظمة (NRA) وخاصة المدير التنفيذي الفيدرالي واين لابير الذين قاموا بسحب أموال التبرعات والإيرادات الأخرى لاستخداماتهم الشخصية.، ونتيجة لذلك خسرت المنظمة على مدى سنوات ثلاث، 64 مليون دولار، كما يعتقد أن لا بيير نفسه وقع عقداً مع (NRA) يضمن العقد له دفع 17 مليون دولار إذا غادر العمل. كما أستلم مكتب المدعي العام في واشنطن العاصمة  دعوى تخص بتحويل أموال من رصيد المنظمة. كما قامت المنظمة بتأسيس لوبي (تجمع يرعى المصالح) ضد قوانين الأسلحة الفيدرالية الصارمة.

 

كان رئيس المنظمة لا بيير قد حول المنظمة وموارده إلى مكاسب شخصية له. فحول لحسابه مئات الألوف من الدولارات من أجل السفر وشراء الهدايا والطائرات الخاصة. وبوسع ولاية نيويورك أن تسجل وتفتح دعوى ضد جماعات اللوبي، لأن المنظمة المؤسسة قبل 148 عاماً كمنظمة غير ربحية. ووصفت رئيسة رابطة اللوبي كارولين ميدوز الدعوى القضائية بأنها مناورة سياسية لا أساس لها، ورفعت بالمقابل الدعوى ضد ولاية نيويورك.

 

تخضع الاجراءات ضد منظمة (NRA) وفق القانون المدني، ولكن المدعي العام لم يستبعد أن تتحول إلى إجراءات جنائية، ويمكن أن يستمر النزاع لسنوات ملحقا المزيد من الأضرار السياسية لمجموعة الضغط (اللوبي). فقد تبرعت قوى الضغط بمبلغ 54 مليون دولار لحملة ترامب الانتخابية وللمرشحين الجمهوريين الآخرين، ولكنها الآن تعاني من صراعات داخلية ومن سوء الإدارة.

 

وكانت جيمس تحقق قبل 16 شهراً في موارد المنظمة، إذ أرسل مكتب المدعي العام إلى أنصار المنظمة (من مؤيدي حرية السلاح)، مذكرات استدعاء تنفيذية. وكان أوليفر نورث (الضالع في قضية إيران كونترا / المترجم)، من الذين تم استدعائهم للتحقيق معه بشأن الإطاحة بالسكرتير الفيدرالي لا بيير الذي دفع ثمن صراعه  على السلطة بخسارة منصبه. و السيد نورث يعتبر من بين الشخصيات اليمينية البارزة في الولايات المتحدة، والذي أشتغل مستشاراً عسكرياً لمجلس الأمن القومي في عهد الرئيس رونالد ريغان، وكان شخصية رئيسية في قضية إيران كونترا في منتصف الثمانينات

 

ففي ذلك الوقت جرى فيه نقل عائدات مبيعات الأسلحة الأمريكية لإيران، وقدمت لمقاتلي الكونترا الذين يقاتلون النظام الساندينستي في نيكاراغوا. ولم يكن بوسع لا بيير الرئيس السابق للمنظمة (NRA) وسائر الشخصيات القيادية في المنظمة  الذين ادينوا فعل شيئ وتركوا ليسقطوا. ولم يكن واضحاً تماماً ما إذا كان المال قد تحويله من أجل حملات سياسية ولأغراض الإثراء الشخصي كما يتكهن بعض المراقبين. وبسبب ذلك أيضاً فقد تم التشدد في قواعد جمع التبرعات الحزبية في السنوات اللاحقة. (*)

 

ولاية نيويورك لديها أسبابا وجيهة لمحاربة لوبي السلاح.  ففي الولاية قوانين سارية ضد السلاح أكثر صرامة من سائر الولايات الأخرى. مع أن قانون ولاية نيويورك لا يزال يسمح بنص صريح : " أن " ميلشيا مسلحة تسليحاً جيداً " هي الأساس الفعال للمجتمع، وأن حق المواطن في حمل السلاح هو من الحقوق الأساسية للمواطنة ولا يجوز إلغاء هذا الحق ".

 

ومن أجل الحصول على السلاح يحتاج المرء إلى رخصة بشراء وبحمل السلاح، وفي ولاية نيويورك يحظر بيع الأسلحة الهجومية (assault weapons)، والتي تشمل معظم البنادق نصف الآلية، ولكن مع ذلك يمكن للمجرمين والراغبين بالأسلحة الهجومية الحصول عليها من الولايات الأخرى، وتشير الكثير من الجرائم أن السلاح ما يزال منتشراً في المدينة.

 

تقدم الرئيس ترامب الذي كان لحد الآن قد أوقف محاولات أصلاح بعيدة المدى لقانون الأسلحة بمقترح بسيط لحل الأزمة بين المنظمة (NRA) وولاية نيويورك " أعتقد أن الحل يكمن في نقل المنظمة إلى ولاية تكساس حيث بوسعهم أن يعيشوا حياة جيدة وجميلة للغاية ". وقال ترامب للصحفيين معززا رأيه " كنت أقول لهم منذ وقت طويل أن عليهم الانتقال إلى تكساس حيث القوانين المحلية أكثر ملائمة. أما حاكم ولاية أركنساس آسا هاتشينسون فقد عبر بقوله " إذا كانت ولاية نيويورك لا تحتمل منظمة (NRA)، فعلى المنظمة التحرك جنوباً  حيث تجد المزيد من الاحترام، وسيجدون الاحترام التام في اركنساس  ". ولكن رجال القانون يؤكدون أن المنظمة لا يمكنها أن تجري مثل هذا الانتقال طالما أن هناك دعوى قضائية مفتوحة ضدها  في نيويورك .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

هوامش

(*) هذه أشارة يفهم منها بوضوح أن قضية إيران غيت لم تكن فضيحة سياسية فحسب، بل وقضية فساد تطال كبار الموظفين في الإدارة الأمريكية.

 

المركز العربي الألماني برلين

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

المركز الألماني العربي

 

DETSCH ARABISCHES ZENTRUM

 

د. ضرغام الدباغ

 

 

بتاريخ 17 / 10 / 2006 ، توجهت برفقة صديق إلى مكتب تسجيل الشركات والجمعيات في حي نوي كولن ببرلين، وقدمت طلباً بأسمي لتأسيس كيان بأسم : (Deutsch Arabisches Zentrum) المركز الألماني العربي بتخصص : دراسات، معلومات، نشر. وخرجت من المبنى بعد 14 دقيقة وبيدي سد تسجيل المركز.

وكانت باكورة عمل المركز، إصدار نشرة أسبوعية باللغتين الألمانية والعربية عن أهم الأحداث السياسية والاقتصادية والثقافية التي حدثت في ألمانيا خلال أسبوع، وقمنا بتجميع نحو 450 عنوان ألماني، ومثلهم باللغة العربية، أي بين 900 / 950 باللغتين، نقوم بأرسال النشرة الألكترونية لهذه العناوين السياسية الصحفية، الثقافية، الاكاديمية، بواسطة الأنترنيت. وبأعتراف جهات كثيرة أن النشرة كانت عملاً ممتازا لجهة الاخراج الفني والمحتوى العلمي / الاعلامي لهذه النشرة. ولم يكن يساعدني في هذا العمل الكبير والشاق سوى فتاة ألمانية ذكية تحسن الانكليزية والفرنسية إضافة للألمانية بالطبع.

 

ولكن للأسف لم نجد التشجيع الذي كنا نأمله، والسبب الرئيسي هو أن الفضاء الالكتروني يعج وبكثافة بالنشرات التي تصدرها مؤسسات صحفية عملاقة وبقدرات مالية هائلة، وصحفية / فنية خارقة، وليس من مجال لجهة ناشئة وبأمكانات هي في الواقع لا شيئ سوى الحماس والإرادة على تقديم شيئ. ولكننا اضطررنا للتوقف، وتعديل خطة العمل، وانصرفت الفتاة الألمانية إلى عملها، وقررت مواصلة العمل وتوزيع النشرة مجاناً خدمة للثقافة العربية، إضافة أن وجدت في العمل متعة النشر والإنتاج الثقافي، وعدد من الأصدقاء صاروا متابعين للنشرة، وهكذا قررنا أن نواصل إصدار نشرة شهرية " إجمالي الأحداث السياسية والاقتصادية والثقافية في ألمانيا خلال شهر ....". وقد تواصل صدور هذه النشرة وتوزيعها مجاناً منذ عام 2005 ولحد الأن (16 عاما متواصلة).

 

ثم أني أضفت إلى النشرة شهرية، بحوث عن الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية في ألمانيا وأوربا، والقضايا حول التاريخ العربي / الإسلامي، والعلاقات العربية الألمانية، وقضايا تحدث في أوربا أجدها مهمة، أو ترجمة بحوث أعتقد أنها ضرورية لأطلاع المثقف العربي. وتصدر هذه البحوث والدراسات  بمعدل مرة أو مرتين شهرياً دون تحديد موعد محدد، وقد صدر البحث رقم 1 وكان حول التجديد في الثقافة الأوربية،  العدد رقم 300 صدر يوم 22 / 4 / 2022، أي ان البحوث تصدر منذ 16 عاماً أيضاً، والبحث رقم 300، هو بعنوان " ملفات عراقية أمام العدالة الدولية "

 

وفي أواسط عام 2021 أضفت لفعاليات المركز، إصدار كتب الكترونية، بسبب الصعوبات في النشر المطبوع ورقيا، وتوزيعه. وقررت أن أبدأ بنشر الكتب التي قمت بتأليفها ونشرها منذ عام 1984، في بغداد وبيروت ودبي، وعمان، ولندن، وكندا، فقررت إعادة نشرها وتوزيعها مجاناً، وكذلك الكتب التي قمت بترجمتها عن الألمانية، ليبلغ مجموع ما نشرت من كتب صادرة عن المركز الألماني العربي نحو 63 كتاباً مؤلفا ومترجماً وزعتها على مئات العناوين البريدية، نحو 1200 عنوان، والعديد من هذه العناوين تقوم بإعادة  بتوزيعها، لذلك يصعب معرفة العدد الذين وصلتهم هذه الكتب مجاناً في الوطن العربي، وفي أرجاء العالم، فأنا أستلم رسائل كثيرة جداً من كافة أقطار العالم .. وحسبي أن أقوم بخدمة الثقافة العربية، مجاناً ودون مكاسب شخصية. ولكني أتلقى الشكر والامتنان من شبان من اليمن، وموريتانيا والجزائر والمغرب ... وطلاب دراسات عليا من مختلف الأقطار العربية ...  وهذا ما يشعرني بالرضا ..!

 ولعل من المفارقة القول، أني أدير هذا المركز من غرفتي ببيتي في برلين، ولدي طاولة كتابة واسعة، وكافة مستلزمات العمل الالكتروني، كومبيوتر عملاق ذا استطاعة عالية جداً، وبكفاءة غير عادية، وجهاز تصوير، وطابعة ليزرية، وأجهزة حفظ ذات قدرات كبيرة (1000 غيغابايت)، واشتراك قوي بالانترنيت (سرعة عالية) بأجرة معقولة.

 وبمرور الوقت تعلمت وتطورت آليات إنشاء النشرة، بحيث لا تستغرق مني إلا وقتا قصيرا جداً، كما أني اعتدت الترجمة من الألمانية إلى العربية بسهولة، ولكن مع تقدم العمر وتراجع الصحة وقوة النظر، صرت أعاني من التعب بسرعة، ومن بطء وصعوبة في الترجمة،  ولكني قررت أن لا أتوقف ابداً .. وأن أواصل العمل حتى آخر دقيقة من عمري. لن يصيبني تعب في خدمة الأمة، فقد أوقفت حياتي من أجلها .. لذلك سيواصل المركز الألماني / العربي الإرسال ....

 منذ سنوات طويلة تراودني فكرة إنشاء معهد دبلوماسي، وبحوث سياسية وتنموية، وهي مجازفة محسوبة، لأنه سيكون المعهد العربي الوحيد خارج سلطة الأنظمة العربية. ومعهد سيعلم الشباب العربي الدبلوماسية وتهيئة كوادر سياسية وفنية وإدارية للدولة. وقد توفقت في طرح الفكرة على علماء عراقيين معروفين بكفائتهم ومكانتهم العلمية، وممن كانت لهم خدمة دبلوماسية مرموقة في وزارة الخارجية العراقية.  فوجدت الجميع متحمسين مثلي على التعليم المهني البحت بعيداً عن التوجهات السياسية / الحزبية،  والهدف الوحيد هو نشر الثقافة السياسية / الدبلوماسية بوسائل علمية، استناداً لأرقى المناهج التعليمية في العالم.

 المركز الألماني العربي الذي يعمل بدون ضجة، وبدون دعم من قوى عربية أو أجنبية وهذا محط فخري واعتزازي، وأود التنويه أنني لم ألقى الدعم لا المادي كما نوهت ولا حتى المعنوي، بل حاول أحدهم الالتفاف على هذا العمل وإنهاؤه .. أو تسخيفه (تلاعب ضروري للغة ..!) ولكني كنت فاطن للمحاولة ففشلت في مهدها ....!

 

16 عشر عاماً .....

192 نشرة شهرية...

304 بحث ودراسة ...

65 كتاب صدر عن المركز ....

 

شكراً ....!

 

شكراً لمن تابعنا ... شكراً لمن تعاطف معنا ...  وسوف نواصل العمل بلا هوادة .....!

 

 

أوربا بعد أوكرانيا

 

ضرغام الدباغ

 

في السؤال : هل خلقت الأزمة الأوكرانية معطيات جديدة في أنماط التفكير والسلوك في أوربا .. ستكون الإجابة : نعم بالتأكيد، وفي السؤال هل مثلت الأزمة الأوكراني قنبلة انفجرت فوق طاولة أوربا الفسيفسائية، وبعثرتها، بدرجة يصعب لم شعثها كما كانت أول مرة .. الإجابة نعم بالتأكيد ..!

 

بداية لا توجد أوربا موحدة وفق المفهوم الرياضي /السياسي للكلمة. لأنه لا توجد أمة أوربية أصلاً، سواء كأعراق أو ككينات سياسية وثقافية، فهناك من الدول لم تنظم بعد إلى الاتحاد الأوربي، وهناك دول ضمن الاتحاد ولكنها بنظرية "إكمال العدد". وبالإمكان شكليا وبروتكولياً ضبط الإيقاع، وكذلك دبلوماسيا إلى حد ما، نعم هناك هموم مشتركة، وهناك أمكانية لقيام أو تطوير المصالح المشتركة، وتطوير ما هو قائم، ولكن في الواقع العملي هناك تفاوت بديهي في  المصالح، وهناك من لا يود أن يجد اتحادا أوربيا متيناً قوياً، وهناك مجموعة من الأفكار والآراء والمواقف وليتبلور في النهاية قائد اقتصادي (ألمانيا)، وقائد سياسي (فرنسا) وعلى أساس هذا التفاهم الألماني / الفرنسي القوي اقتصاديا بوجود القاطرة الألمانية، والقوي سياسيا بوجود فرنسا الدولة العظمى، يقاوم  الاتحاد الأوربي عوامل ضعفه واحتمالات انهياره.

 

بريطانيا غادرت الاتحاد الأوربي، بعد أن مثلت الدور الموالي لأميركا، ولا يزال هنا في الاتحاد الأوربي " متعاونون " يعكسون المصالح الأمريكية في الاتحاد الأوربي، والسؤال الأكبر والأخطر، هو لماذا لا تريد الولايات المتحدة للاتحاد الأوربي أن ينهض ككيان له وزنه السياسي / الاقتصادي في الحياة السياسية الدولية. لأن يكون لهذا الكيان رؤيته للعلاقات الدولية الحالية والمستقبلية، وهي رؤية تخلف كثيراً أو قليلاً من الرؤى الأمريكية للالتزامات السياسية والعسكرية والاقتصادية لما يسمى بالعالم الغربي بقيادة الولايات المتحدة، وتخشى الولايات المتحدة أن يكون للرؤية الأوربية تأثيرات تتعارض مع رؤيتها للعلاقات مع الصين وروسيا، فالولايات المتحدة تحبذ أن تتواصل أجواء التوتر وسباق التسلح، والمناورات على حافات الأزمات الملتهبة .. والإبقاء على المواجهة مع هذا المعسكر الافتراضي (الصيني ــ الروسي)  وهذا ما سيتيح لها مواصلة قيادة العالم الغربي وفرض إيقاع المواجهة على شتى الأصعدة وهو سيضمن لها بالتالي دور المايسترو لقيادة التحالف الغربي.

 

وبالطبع يدرك الأوربيون تماماً، أن مرامي الولايات المتحدة  ليست إنقاذ أوكرانيا، فالاتحاد السوفيتي هو من جعل من أوكرانيا دولة لأول مرة في تاريخها، ومنحها أراض شاسعة من الأراضي الوطنية الروسية، وبعد انفراط عقد الاتحاد السوفيتي منحها حق الاستقلال، كل هذا وأوكرانيا لم تكن تخشى على أمنها، حتى وضعتها أميركا بتخطيط وتصميم في هذا المأزق لأن تكون ساحة مواجهة مع روسيا، على أمل أن:

تستنزف سمعة روسيا، وتحاصرها سياسياً وتشهر بوجهها العقوبات.

 تثير مخاوف دول صغيرة. وتحثها على الالتحاق بالناتو لتضع نفسها تحت قيادتها فعلياً.

إرهاق روسيا دولة وجيشاً واقتصاداً في معركة طويلة ساحتها الرئيسية أوكرانيا، مع احتمال أن تتسع المعركة وهو أمر مرغوب به أميركيا وتتمناه  .

أن تدعو بلدان أوربا الغربية لمزيد من الإنفاق على التسلح، وبالفعل دفعت الدول الرئيسية كفرنسا وألمانيا مئات المليارات للتسلح، والتسلح إنفاق لا طائل منه. وبالفعل نشبت الأزمات الاقتصادية وارتفاع الأسعار في بلدان كانت مرفهة كألمانيا مثلاً.

 

ولكن أوربا، مع تصميمها بالطبع على رفض أي توسع روسي غرباً، فمع توغلها شرق أوربا سيجعل من روسيا شريكا أوربيا بحجم عدد السكان والموارد والقوة العسكرية، يؤهلها للعب دور القائد، وبتحالفه مع الصين تتضاعف قدراته ... ولكل قدرة استحقاقها في الميدان ... وهنا تبدأ الحاسبات بالعمل ...!

الأوربيون أذكياء، وخبراء بالسياسة على مسرح العلاقات الدولية وما خلف الكواليس، وها هم يناورون بذكاء، ويمارسون لعبة توزيع الأدوار بطريقة لماحة ذكية، فهذه الدولة ترفض العقوبات على روسيا، وأخرى تعتذر لحاجتها الماسة لتوريدات الطاقة (غاز ونفط)، وأخرى توع أن الرأس العام المحلي ضاغط على الحكومة، وآخر يعتذر بسبب مشكلات اقتصادية لا قبل له بها .... وكلام كثير جداً ..! ودول وافقت على الدفع بالروبل ...!

 

لا شك أن الأوربيون في مأزق، وأميركا تلعب دور البلطجي، وقد ضاقوا ذرعاً بأميركا وبدورها القيادي الاستعلائي، ولكن بالمقابل فإن الخطر القادم من الشرق مثير للقلق أيضاً ..المرحلة المقبلة سترجح إحدى الكفتين، والأوربيين يتركون المسالك مفتوحة لكل الاحتمالات ... بالطبع لا يرغبون بتحدي علني لأميركا ولكنهم سوف لن يدعوها تسوقهم كالخراف لحروب وتجعل أوربا ساحة مواجهة مع روسيا. الناس هنا (في أوربا) يريدون السلام، والجيل الذي عاش الحرب العالمية الثانية ما يزالون يذكرون أهوالها. والسياسيين يعتقدون أنه يمكن التوصل لحلول سلمية، والدبلوماسية بوسعها أن تجد الحلول لكل معضلة، والحرب ليست من بين الحلول، ففي ظل الأسلحة الحديثة ، الحروب الشاملة انتحار، والانتصار وهم ..!

 

من أجل هذه المعطيات وأخرى ربما كامنة، هناك سياسة أوربية جديدة ..وتبلور لشخصية أوربية بمستحقات مرحلة ما بعد كورونا ... وأوكرانيا ...!

 

مؤشرات ومعطيات

 لحقائق الموقف

 

ضرغام الدباغ

 

حدثني صديق، عمل في الستينات وزيراً في أكثر من حكومة عراقية واحدة، أنه ذهب للولايات المتحدة للدراسة بعد حل الوزارة التي كان عضواً فيها، ولإجادته الإنكليزية بشكل تام، كان قد أقام علاقة صداقة شخصية / عائلية مع السفير الأمريكي ببغداد وزوجته. وحين وصل واشنطن للدراسة، التقى صديقه القديم الذي كان قد حل في إحدى الدوائر المهمة القريبة من مراكز القرار، وأسر صديقنا العراقي بين الجد والمزاح،  بما يلي: لدي صناع القرار الأمريكي 3 هموم لا حل لها (حتى ذلك الوقت أواسط السينات) :

 

أن يجدوا صديقا عربيا لا يريد تصفية إسرائيل.

أن تصنع أميركا سيارة تضاهي الفولكس فاغن.

كل ما يرسلون مبشرين لأفريقيا، يتزايد عدد المسلمين في القارة السمراء.

 

في أواخر الثمانينات صرح المرحوم الملك حسين بن طلال بعد عودته من زيارة للولايات المتحدة، أنه لا يستطيع أن يفهم لماذا لا تريد الولايات المتحدة أن تتفهم المصالح العربية.

عام 2004، صرح الملك الأردني  عبد الله بن الحسين، أن هناك هلالاً شيعياً سيظهر في الشرق الأوسط وسيعمل على تغير حقائق سياسية وجغرافية.

عام 2005 التقيت في برلين بصديق قريب من مواقع القرار في إحدى الدول العربية، فجاءه نداء هاتفي، وكان من وزير خارجية بلاده، وانتحى عني ليتحادث معه، وبعد أن أنهى المكالمة، وعاد ليجلس رأيته متغير الوجه مرتبكاً، فتمتم بأسى " الأمريكان أعطوا العراق للشيعة ". ولم يكن بوسعه أن يتحدث بأكثر من ذلك، كما لم يكن الظرف مناسباً أن أسأله المزيد.

كولن باول لم يكن دبلوماسياً، بل هو ضابط محترف (عمل كرئيس لأركان الجيش)، أدلى بتصريح لا يدل على احتراف دبلوماسي بقوله "  أن المؤسسة الدينية ستحكم العراق " وهذا قبل نهاية ولاية السيد أياد علاوي للحكومة العراقية.

صرح السيد أياد علاوي لمقربين منه، أنه أخبر السفير الأمريكي بسرور، أن قائمته العلمانية تصدرت نتائج الانتخابات، وفوجئ عندما أجابه السفير الأمريكي بجفاء.. " ومن قال لك أننا نريد علمانيين في الحكم ..؟ ".

بتاريخ 25 / 10 / 2016، نشر موقع أورينت نت،  " كشف بروفيسور إسرائيلي خفايا المخطط القذر الذي تنفذه الولايات المتحدة الأمريكية وشريكتها روسيا وبالتعاون والتنسيق مع إيران في كلاً من سوريا والعراق، عبر تطبيق مشرع طائفي ممنهج يهدف إلى "اقتلاع السُنة" من المنطقة، وتوطين المكون الشيعي، وذلك في غفلة وتخاذل وعجز من العالم الإسلامي والعربي ".

علمت من صحفي عربي مطلع، أن الولايات المتحدة الأمريكية وبهدف تحويل منطقة الشرق الأوسط الملتهبة دون توقف، إلى منطقة آمنة وضمن مناطق نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري، من خللا خطة طويلة الأمد، بتحويل العرب السنة إلى أقلية تحت القمع والسيطرة، بتقديم الدول العربية : العراق، سوريا، لبنان، واليمن، للهيمنة الإيرانية، ولما كانت هذه أشبه بعملية جراحية معقدة للتاريخ والجغرافية، عليه ستغض الولايات المتحدة والغرب النظر عن الأساليب اللاإنسانية وجرائم الحرب من خلال إطلاق يد إيران وأذنابها، وبعض الفصائل الكردية، ولكل من هب ودب ليأكل مجاناً من المائدة السياسية والاقتصادية والديمغرافية. 

تم إنقاذ البحرين فقط من هذه القائمة، بناء على إصرار سعودي رضخت له الولايات المتحدة. والمدهش حتى إيران لم تعد تتكلم بحرف واحد عن إيران .. والأمر إشارة من المايسترو ... الشيطان الأكبر ...!

اعتراف امريكي بدعم الحوثي ففي أحدث وأخطر تصريح أمريكي اعترفت أمريكا رسميا بدعم الحوثيين في اليمن حيث صرح جنرال أمريكي رفيع المستوى لمجلة "فورين بوليسي" الأمريكية أن أمريكا تدعم الحوثيين في اليمن لمحاربة الإرهاب الإسلامي وأن أمريكا هي من سلمت اليمن للحوثيين وهي من تدخلت لإنقاذهم وحالت دون سقوطهم بوضع الخطوط الحمراء حول صنعاء والحديدة وصعدة ومنعت الجيش اليمني من التقدم وفتحت ميناء الحديدة لدعم الحوثيين بمختلف أنواع الإسلحة بما فيها الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وفي المقابل ساهمت في إفشال عمل الحكومة الشرعية وتفكيك الجيش اليمني ومنع تزويده بالأسلحة الثقيلة المتطورة !!! وحول شعار الحوثيين "الموت لأمريكا الموت لإسرائيل" قال الجنرال الأمريكي أن هذا مجرد شعار لا حقيقة في أرض الواقع ونحن نتواصل مع الحوثيين عبر القنوات الخلفية وهم شركاء وحلفاء لنا في محاربة الإرهاب الإسلامي وأشار الجنرال الأمريكي إلى وجود اتفاقية مع الحوثيين ، حيث نص أول بند من الاتفاقية، على تمكين الحوثي من اليمن مقابل قيامهم بضرب الإسلاميين في جزيرة العرب، كما نص البند الثاني على أن يقوم الطيران الأمريكي بدون طيار «الدرونز» بإسناد جوي لدعم الحوثيين، أما البند الثالث فينص على أن تلتزم الولايات المتحدة الأمريكية بدفع تكاليف الحرب ودفع رواتب المقاتلين الحوثيين ورعاية أسر القتلى الحوثيين وعلاج جرحاهم ، وذكر أن الحوثيين اشترطوا على أمريكا سرية هذا الاتفاق !!!

 

هذه أعلاه هي المعطيات الستة بشكل تجريدي، دون إضافات أو تعديلات. وإليك التحليل لها:

 

الملك الأردني هو الوحيد من صرح علناً عن هواجسه، وأغلب الظن أن العديد من الملوك والرؤساء العرب أحيطوا علما بالمشروع الأمريكي بعد احتلال العراق، ولكني أرجح أن روسيا تعلم بالخطة تفصيلاً وبوقت مبكر وكذلك بعض الزعماء الأوربيين.

الدول العربية التي أحيطت علماً، بعد الاحتلال هي من الدول المقربة للسياسة الأمريكية، ولكن طلب منها عدم إبداء الممانعة، أو تشجيع القوى العراقية المقاومة للمشروع، ونفذت هذه الدول كل ما طلب منها، وإن بغير حماس.

سربت جهات معينة بالمخطط إلى القيادة السورية، التي لم تجد أن بوسعها مقاومة المشروع أو عرقلته، ولكنها احتاطت بالاسراع بمغادرة المعسكر العربي، والالتحاق بإيران التي أوكل إليها تنفيذ الفصول الرئيسية (الأكثر قذارة) من المشروع بعد احتلال العراق.

الولايات المتحدة، وبتأييد متحمس أو متردد من بعض الأوربيين، ولكن بحماس من الإسرائيليين،  على تطبيق المخطط، والمشروع على الورق ينص بتحويل العرب السنة إلى أقلية، أو قوة تحت القمع الدموي بحسب ظروف كل بلد، فظروف العراق هي غير ظروف سوريا، وغير ظروف لبنان. كما أن سعار القتل عند الإيرانيين المبالغ به، ربما اعتبرته أميركا أكثر من المطلوب، ولكنها جوهريا لم تكن تمانع الهدف النهائي للتغيير. والمخاوف الأمريكية والإسرائيلية من أن ابتلاع دول لصالح إيران سيحولها بالإضافة للقدرات النووية، سيحولها إلى لاعب مهم في الشرق الأوسط، وقد تحاول الخروج عن نص الاتفاقات أو تحاول تحويرها، وهم (أطراف التحالف) سيحاولون إعادة (وليس أكثر) إيران إلى رشدها بالعقوبات والتهديد، فهدف المخطط هو إزالة خطر محتمل، وليس خلق قوى جديدة، تنظم للتحالفات الدولية التي في أفق الرؤية الاستراتيجية الأمريكية.

الولايات المتحدة تريد ذلك لأسباب مختلفة. هناك توجه يميني حاد في بعض الدوائر الأمريكية، وهناك قوى خفية (اليمين المتطرف) المعادي للإسلام والسود، والأجانب وترى فيهم الخطر المقبل على أميركا عبر عنها الكتاب: صمؤيل هينتغتون، وفرانسيس فوكوياما، وآخرون. وأميركا هي قاعدة للعمل الكنسي للبيوريتان (Puritanismus) وهم فئة بروتستانتية متطرفة.  ينتمي لها الرئيس بوش وديك شيني ورامسفيلد. وإضافة لذلك، الغرب كله يريد أن يتخلص من اليهود، بدليل ما يزالون حتى اليوم يضطهدونهم في أوربا، لذلك أتخذوا من فلسطين مكب نفايات ... وتخلصوا منهم، ثم مآرب أخرى صغيرة، وهي اتخاذهم من إسرائيل قاعدة عمل ونشاط آمن في منطقة تعج بالأعداء.

كل هذه المعطيات هي سياسية، والسياسة تعني السعي لتحقيق المصالح، وبالتالي فإن الأمور عرضة للتغير بتغير المصالح. هذه قاعدة سياسية عامة، وعلى القارئ / الباحث وضعها نصب عينيه لدى حل الإشكالات السياسية.

أتخذ صناع القرار قرارهم بالاعتماد على قواهم وتفوقهم السياسي والاقتصادي والعسكري، وبأستفرادهم لوحدهم بقيادة العالم، بأستخدام مفرط للقوة المسلحة، وهذه جميعها ليست قدرات نهائية، وهذه المعطيات خاضعة للتغيير ولا سيما السياسية.

الدول الأوربية الرئيسية (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) ليست بدرجة واحدة من التأييد للخطة الأمريكية ولكنها ليست في موقف معارضته.

بتقديرنا : أن الولايات المتحدة سوف تتدخل فعلياً في حالة واحدة " إذا  داهم خطر حقيقي النظام الإيراني " ونقصد بالخطر هو عندما تتغير تركيبة النظام وليس هوية الحاكمين. فالوضع الإيراني بشكله الحالي ضرورة سياسية / استراتيجية أمريكية سواء بنظام الشاه أو الملالي، أو أي جهة أخرى لا تغير من خريطة إيران وطبيعة نظام الحكم وفق التوليفة الحالية. (الفرس / الشيعة يحكمون إيران). وبغير هذا النظام فستكون هناك قوى كبيرة وستنشأ خارطة ليست وفق المصالح الامريكية، على الأقل من الآن وحتى أمد قصير .. ربما قصير جداً .!. وسوف تتعامل معها الولايات المتحدة واقعياً، أما البشر ومصائرهم فهذا آخر ما تفكر به الولايات المتحدة .. حتى لبضع ثوان ...

الأمريكيون قبل عقدين وأكثر، لم يكونوا ليعتقدوا أنهم سيفقدون القدرة على السيطرة على الشرق الأوسط، وحين بدأت ملامح المقبل تلوح لهم، اعتقدوا أن مراكزهم الرئيسية في الشرق الأوسط : إسرائيل ــ إيران تكون. الضامن القوي للمصالح الغربية.

 

ولكن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن، ومبكراً، وإدارة جوقة موسيقية ضخمة تنطوي دائماً أن يكون أحد العازفين أقل مقدرة من زملاؤه، فالمعطيات في العالم وفي الشرق الأوسط بدأت تمنح مؤشرات جديدة للمخططين الأمريكيين ومن تلك :

ـــ السجال الاستراتيجي الحاد مع التحالف الصيني / الروسي وتراجع مستوى الأداء الأمريكي، والهيمنة الأمريكية.

ـــ خروج تركيا من دائرة القوى المضمونة.

ـــ لم تنجح إيران في أن تكون قوة سياسية واقتصادية وعسكرية مؤثرة، وواصلت أسلوبها (الإرهاب والتخريب) وأعتمادها المفرط على سياسة صانع المشاكل  (Troublemaker).

ـــ لم تنجح الولايات المتحدة في تكتيل مجموعة دول حليفة في الشرق الأوسط بسبب إصرارها على جمع المتناقضات، وفشلت عسكرياً في أفغانستان، وفشلت بسبب تراجع قوتها الاقتصادية، ووجود حالة عداء للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا.

ـــ فشل إسرائيل في أن تكون قوة قادرة على بسط السيطرة، بسبب تنامي القوى المحلية (مصر/ السعودية / فلسطين). برغم الحشد الهائل الغير مسبوق تاريخياً، فشل الجهد الأمريكي وحلفاءه، بسبب لا تريد الولايات المتحدة الاعتراف به. لأن الحليف الأول (إسرائيل) قوة توسع فاشلة فشل سياسيا وعسكرياً في تحقيق مشروعه، لأنها كوكتيل دولة غريبة / شرقية، ولا تمتلك قدرات التوسع، وفشل الحليف الثاني الرئيسي (إيران)  لم تنجح في مشروعها الغيبي الغبي في التوسع وأفتقارها التام للقدرات السياسية والاقتصادية والثقافية.

ربما أدركت الولايات المتحدة، أو أنها في سبيلها للإدراك أن:

 

" حسابات الحقل لا تنطبق على حسابات البيدر "

 

 

   

أسود الرافدين

 

ضرغام الدباغ

 

  

استناداً إلى الكثير جداً من المصادر الدقيقة، أن الأسد كان موجودا في العراق حتى بعد 1920، وقد قرأت في مصادري عن تاريخ العراق القريب، أن الجنود الإنكليز قد شاهدوا الأسد خلال حملة احتلالهم للعراق، وبالتحديد بالقرب من مدينة الناصرية،  ويروي سكان منطقة الفرات الأوسط والجنوب، قصصاً وحكايات عن الأسد، ويطلق عليه تسمية " أبو خميس " وبنقل عنه أنه الأسد يحترم المرأة ولا يهاجمها. ويحكى أن الأسد شاهد إمرأة تسبح في نهر الفرات فأحترم عريها وغض بصره وأنصرف.

 والأسد في عالم الحيوان يعتبر ملك الغابة " ملك الحيوانات "، وهذا متعارف علية في الأدب العالمي وفي شتى المجتمعات. ومن المؤكد أن هذا لا يحدث دون أسباباً منطقية، متفق عليها. فالأسد في عالم الحيوان له شخصية مهابة بسبب قوته العضلية وليس بسبب شراسته. والأسد يعيش في مجاميع أسرية، ومن المعروف عن الأسد أنه لا يخرج لصيد حيوانات ضعيفة وسهلة، بل يدع الإناث تقوم بهذا العمل، ولكنه ينهض لقتال الحيوانات الشرسة الصعبة، كالجاموس والنمر. والأسد يأكل طعامه من الغنيمة ولا يشاركه أحد، وبعد الفراغ من طعامه ينسحب لتأتي الإناث والأشبال .والأسد لا يصطاد إلا حين يكون جائعاً ... ولا يأكل من الجيف. وهو ليس بقاتل أو مغتصب، إذن للأسد أخلاق الفرسان.

     قرأت مرة  أن البشر لهم طباع الحيوانات التي تعيش في جوارهم أو مألوفة في مجتمعاتهم. والبشر أذكى من الحيوانات قطعاً، لذلك يربى الكلاب لمزاياها في الشجاعة والوفاء، والبشر يحذرون من العقارب ويطلقون عليها بالخبث، فيما البشر يعلمون أن الأفعى لا تتحرش بالبشر إلا إذا لقت منها الأذى ,,.!

 إذا كانت أخلاق الحيوانات تشابه مع أخلاقَ الإنسان، مشابهةً وثيقة في بعض الأحيان مع اختلاف قابلياتهما العقلية كثيرًا، فالإنسان، وإن كان يختلف عن الحيوانات اختلافًا عظيمًا في ميدان العقل،  يَقْرُب منها في ميدان العاطفة والحياة.

 يشاهد المتتبع ويقرأ الكثير في مصادر تاريخ العراق، أو تلك الأخبار التي ترد في مذكرات الشخصيات العراقية والأجنبية، وحتى في صور وتماثيل وجداريات في المتاحف الوطنية أو الأجنبية، ما يفيد أن الأسود كانت منتشرة بصورة كثيفة في العراق من شماله حتى جنوبه. فلدينا تماثيل كثيرة وجداريات تدل على وجود الأسود في شمال العراق في مناطق عاصمة الآشوريين، وكذلك في مناطق وسط العراق والجنوب حتى الناصرية وربما البصرة، في حين لم نسمع بوجود الأسود في مناطق أخرى من الشرق الأوسط.

 في عام 1957، كان والدي يشغل منصب مدير شرطة لواء الموصل، وقد صادف أصدقاء للوالد نمراً مرقطاً بالغاً كبير الحجم في الجبال القريبة من منطقة قضاء عقرة. وقام الوالد بتكليف بعض المختصين بتحنيطه وتعبئته بالتبن وربما أقمشة، وأتقنوا صنعه، ثم جيء بنمر آخر صغير الحجم، ولكن لم يحسنوا تحنيطه كالأول فتلف خلال بضعة سنين . ثم أن ضابطاً صديقا لي أخبرني أنه شاهد بنفسه نمراً مرقطاً خلال عمله في منطقة دربندخان / محافظة السليمانية في أعوام السبعينات.

 الأمر يكتسب بعض الغرابة حين نلاحظ أن الأسود لم تكن معروفة في البلاد العربية، شبه الجزيرة، وسورية الكبرى، وحتى تركبا. النمور بأنواعها من القط الوحشي إلى الفهد، إلى النمر المرقط كانت متوفرة حتى في شبه الجزيرة العربية وجبال عمان، والعراق وإيران وربما تركيا.

 وعدا اللوحات الكثيرة، والجداريات، فهناك الأخبار الموثوقة والمصورة المعاصرة. شاهدت مرة لوحة لأحد ولاة بغداد يصطاد أسداً في ضواحي مدينة بغداد وكانت عاصمة ولاية العراق.

 فقد قرأت في مذكرات الضابط والشخصية السياسية العراقية، اللواء الركن إبراهيم الراوي،  أنه كان مرة في سفرة من بغداد لأسطنبول حيث الكلية العسكرية التي التحق إليها والمسير بقوافل من بغداد إلى الفلوجة بمحاذاة نهر الفرات عبر سورية إلى تركيا، يقول خرجنا من بغداد صباحاً وقبيل الظهر وصلنا إلى منطقة عكركوف، ويبدو أنها كانت تبعد عن بغداد التي كانت تنتهي في ضاحيتها علاوي الحلة ... يقول في عكركوف توقفت القافلة وسمعنا  صياحاً وهرجا ومرجاً، ونظرنا فإذا بأسدين من الذكور على درجة كبيرة من ضخامة الجثة  يتقاتلان بشراسة .. وتوقفت القافلة وأستعد حراسها ورجالها للموقف، إلا أن القتال بين الأسدين انتهى وواصلت القافلة سيرها إلى سوريا ثم إلى اسطنبول.

 

 

 

بواية عشتار الأصلية في متحف بيرغامون ببرلين / ألمانيا)

 ويستمتع زوار متحف برلين بمشاهد النسخة الأصلية لبوابة عشتار الشارع (شارع الموكب) الذي تنتشر على جانبية جداريات الأسود، في متحف بيرغامون (Pergamon) وإلى جانب المنظر المهيب للشارع الموكب والإنجازية الرائعة للجداريات، يتساءل زوار المتحف، كيف حافظت هذه اللوحات على ألوانها وأصباغها بعد ألاف السنين ... (5 ـ 6 ألاف سنة). وفي هذه عبقرية أخرى للفنان العراقي.

   

(الصورة: أحد الولاة العثمانيين يصطاد اسداً بالقرب من بغداد)

  

ثمة تمثال مبهر لملك آشوري يربي شبلاً، والتمثال يتصدر مدخل جامعة أمريكيو وأعتقد أنها جامعة شيكاغو ... والتمثال رائع ويزخر بالمعاني وما ترمز إليه. والملك الآشوري يمسك بيده اليسرى الأسد، وبيده اليمنى بالكتاب .. وهو دليل نحن نمتلك القوة، ولكن مع الحكمة ...! فيا لها من عبرة بليغة.

  

   

الصورة: مدخل جامعة أمريكية: ملك أشوري بيده شبل أسد

 

   

وثمة جدارية أخرى موجودة في متحف لندن، ذات قيمة فنية عالية، تمثل ملكا آشوريا يصطاد الأسد باستخدام السهام، ولاحظ العربة القتالية ودواليبها.

 نصل إلى العبرة من هذا العرض، هو أن الأسد لعب دورا في حياة العراقيين، فهم كانوا يصطادونه، ويتشبهون بقوته العضلية، ويتغلبون عليه، وهذا كان مبعث فخرهم

 يحكى أن الخليفة العباسي المعتصم (ولد سنة 179 هجري وتوفي بمدينة سامراء في 18 من ربيع الأول سنة 227 هجرية.4  من فبراير سنة 842 ميلادي)  وهو أبن الخليفة الرشيد، تولى الخلافة بعد أخوه المأمون، كان شجاعاً قوياً يربي في بستان بيته الأسود، وذات يوم افلت أسد من قفصه، وهاجم الخليفة، فكان له حارس شجاع، وجه ضربة هائلة لرأس الأسد جعلته يخر على الأرض مغشيا عليه .. فما كان من الخليفة إلا وأن قرب هذا الضابط الشجاع.

  

 

   

(الصورة: ملك آشوري يصطاد الأسود، جارية في متحف لندن)

 

المركز العربي الألماني

برلين

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

ضرغام الدباغ

التجديد .... احذروا الألغام ..!

 

ضرغام الدباغ

 

هناك أنواع عديدة من الألغام تستخدم ضد أهداف مختلفة وفي ظروف وأغراض مختلفة، فهناك الألغام ضد الأفراد، والألغام ذد الآليات، والألغام المضادة للدروع بأنواعها وأحجامها المختلفة، وهناك لغم له أسم طريف " مصائد المغفلين " وهذه يطيب لي أن أستخدمها في السياسة بناء على وظيفتها وليست تسميتها فحسب.

 

مصائد المغفلين هي عبارة عن ألغام صغيرة، وقد تكون صغيرة جداً، ولكنها شديدة الفاعلية. تزرع هذه الألغام " مصائد المغفلين " في أماكن لا تخطر على البال، يتعثر بها قليلوا الحذر كأن توضع في ظرف رسالة لا تثير الشبهات ....! فتقل من يحاول فتح الرسالة، أو تبتر أصابعه على الأقل جزاء عدم حذره...! أو خلف لوحة زيتية رائعة يتغافل من يريد أن يستولي عليها وينتزعها من مكانها على الجار فتنفجر وتودي بحياته. فالمغفلين يقتلون أو تبتر أجزاء مهمة منهم فيصبحون مقعدين يلازمون بيوتهم يتفرجون على التلفاز وعلى المسلسلات الدرامية وما أكثرها ...!

 

خلص ... انتهيت من التلميح ولننتقل للتصريح ..! ليست هناك عبارة، امتهنت، وأهينت حاول مستخدموها أن يغلفوها بما لا تحتمل كمصطلح أو عبارة " التجديد " فيضعون عليها كميات كبيرة من أصباغ وألوان التجميل لتبدو على ما غير عليه في الواقع ترويجاً لسلعة خربانة، تعبانة ... أو حتى مشبوهة .. وأحيانا لكي تنسجم مع منطوق المصطلح " تجديد " للسلعة التعبانة المنتهية الصلاحية (expired) وتكثر الاصباغ طرديا مع وعي الجمهور المتلقي، فيتقلب الأمر إلى مهزلة حقيقية. والمهزلة الأكبر حين يتولى الأمر " التصبيغ والتجميل .... التجديد " أناس لا قبل لهم ولا قدرة، فيصبح حالهم ككلمات الأغنية " لا تلعب بالنار تحرق اصابيعك " .

 

وإذا أسأنا الظن والعياذ بالله ولسنا ممن يسيئون الظنون بسرعة، نقول أن المجددين غير مؤهلين لهذا الدور، فهم كمبتدأ في الرقص، ويتنطح لرقص الفالس ... والجمهور المشاهد الأذكياء يكتشف بسرعة أنهم هواة في الرقص .. وفي حالتنا هواة في الرقص على الكلمات فيأتي التلفيق بدائيا ساذجاً وتلاعب وتحايل (Minipulation) بالكلمات، وقصة التجديد هذه مفضوحة المرامي والأهداف، فكل من يريد أن يدس لنا لغماً يهتف بلوعة " التجديد ... التجديد .." لماذا ... لأن التجديد ينطوي على أن يحاول أن يغير ما عجزت أسلحته فعله .. لهؤلاء نقول كلمة واحدة : " قولوا لنا إن كنتم تقدرون .. تجديد ماذا ..؟ " فهم إما لا يعلمون ماذا يقولون وهو الأرجح، ولكنها كلمة / لغم / قنبلة دخان لإعماء الأبصار نجزم أنهم لا يعلمون ماذا يعني التجديد، أو لا يجرأون على قوله، فمخرج الحفلة  أغبى منهم، ولم يخبرهم بتفاصيل الدور .. وهم مروجون لسلعة فاسدة، ضحى بهم المخرج  بسهولة ...

 

أسفا ً ... على المروجين ... وأسفي على من أبتلع الطعم

هكذا تحدث شولتس

 

ضرغام الدباغ

 

قرأت خطابا للمستشار الألماني أولاف شولتس، أقل ما يقال فيه، أنه خطاب لقائد يشعر بالمسؤولية في كل نصف حرف يتلفظه ..!.. ألمانيا في قلب الأزمة، وفي عين التيارات المختلفة، بين متطرف مع، ومتطرف ضد، وعلى القائد المحنك أن لا يكون مع ولا يكون ضد، هو عليه أن يصيخ السمع جيداً .. ينصت لدقات قلب شعبه، لا يكون شعبويا يبحث عن التصفيق، ولا من يقول له    والله إنك لشجاع، هو لا يريد أن يضع ألمانيا في موضع الخطر، فليكن صدره واسعاً يحتمل الدق والرفس ... أفعلوا ما تشاؤون، قولوا ما تريدون ، لن أعرض ألماني للخطر، لن أضحي بحياة مواطن واحد، لن أهدر مالا جمعه مواطنون بلادي بعرقهم .. بدمهم ودمائهم ودموعهم ... المكانة الاقتصادية التي عليها ألمانيا نتيجة جهد غير أعتيادي، يسهرون الليالي ويكدون في النهارات المثلجة، لكي يزدهر هذا البلد، ويأتي شخص يبحث عن أفاقا وردية كالاحلام ...

 الأحلام لست مهنتي، أنا أشاهد بدقة الأهوال مقبلة، الأفق يصطبغ بالدماء، وشباب بعمر الزهور يقتلون شر قتلة ... يجب أن أتأكد أن كل ألماني حين يضحي بيورو واحد، أنه يضعه في المكان المناسب، البشر ليسوا مشاريع قتل .. ومت يزج بلاده في المخاطر عليه أن يبحث عن المخارج.

 

للأسف الحياة وهذا العصر حاد بحقائقه الجارحة، حين يطلب مني أن أقذف ببلادي في أتون النار، يجب أن أفكر ملياً، أنا أقسمت بالاخلاص والولاء وخدمة الوطن وليس التبرع به ... والمواطنون ينتظرون مني أن أقودهم في حلكة الظلمة إلى حيث الأمان، وليس في مجاهل المجازفات ...

 

هذه مقتطفات من حديث المستشار الألماني أولاف شولتس ...

 

ــ في ذكرى انتهاء الحرب العالمية الثانية  "نحن لا ننفّذ كل يُطلب منا"، مضيفا "لأني أقسمت عندما توليت المنصب على عدم إلحاق الضرر بالشعب الألماني".

 

ــ برلين التي تنتقد نهجها السلطات الأوكرانية، تتعرض كذلك لانتقادات على خلفية رفضها فرض حظر على الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه. وتبرر برلين موقفها بأن حظرا من هذا النوع من شأنه أن يؤدي إلى عواقب وخيمة على اقتصاد البلاد.

 

ــ "خرجنا بدرس محوري من التاريخ الكارثي لبلادنا في الفترة بين 1933 و1945، وهو لا لتكرار الحرب أبدا لا لتكرار الإبادة الجماعية أبدا لا لتكرار الحكم المتسلط أبدا".

 

سيادة المستشار الألماني أولاف شولتس ............. تحية أجلال وتقدير لكم، شعبكم يحترمكم ..

 

 

ملفات عراقية

 

مفتوحة أمام العدالة الدولية

 

د. ضرغام الدباغ

 

بوصفي مؤرخاً مجازاً، أؤكد أن لا قضية / ملف عومل بغير عدالة وبجور منقطع النظير كالملفات التابعة المتفرعة من الملف العراقي الذي جرى التعامل  فيه منذ 1990 وحتى قبل أشهر (فبراير / 2022) أي نحو 32 عاماً.

 

وقد سبق لي وان وضعت كتاباً نشر  بعنوان " معاهدات جائرة " شرحنا فيه تأريخ أشهر 12 معاهدة ظالمة، لم تكن العدالة نبراس من عمل فيها وساهم وأقرها، بل كان التنكيل هو هدف مشرعوا وواضعوا المعاهدات بصرف النظر عن العناوين التي تمترسوا وراءها، والديباجات البراقة التي تصدرت المعاهدات، ولكنها في واقع الحال كانت تنكيلاً بالغ الأذى، وانتقاما سياسيا مثل موقفا ر يتسم بالنزاهة، ما كان يجب أن تنزلق إلية القوى التي ساهمت بهذه المعاهدات وفي مقدمتها وضع أسم وشعار المنظمة الدولية زورا وبهتاناً وأففتئاثاً على العدل والقانون والحقيقة.

 

وما أكدناه في مؤلفنا لم يكن يهدف بالدرجة الأولى تحليل المعاهدات  الأكثر جورا في التاريخ، بقدر ما نهدف إلى تأكيد جوهر المعاهدات وما سئول إليه في مجرى التاريخ. والمعاهدات الأكثر جورا بتقديرنا هي :

 

معاهدة فرساي.

صلح بريست.

معاهدة سيفر (1920)

معاهدة لوزان. (1923)

 اتفاقية سايكس بيكو.

 الانتداب البريطاني على العراق 1921.

معاهدة بوتسدام 1945.

 المعاهدات الجائرة بحق الصين

معاهدة كامب ديفيد.

10. أتفاق أوسلو.

11. تقرير دويلفر حول الأسلحة العراقية.

12     . الانتداب الأمريكي على العراق.

 

فالملاحظ أن معظم هذه المعاهدات كانت سبباً مباشراً لصراعات وحروب لاحقة، كمعاهدة فرساي التي وضعت خاتمة جائرة للحرب العالمية الثانية، وكانت السبب المباشر للحرب العالمية الثانية. وصلح بريست ألإرغامي، حين أرغم الاتحاد السوفيتي عن التنازل عن مقاطعات كبيرة ظلما، كانت سببا في المطالبة السوفيتية بإعادة الحق لنصابه. واتفاقية سيفر (10 / آب / 1920)، الظالمة بحق الأتراك التي قادت لحرب التحرير وبتصحيح الموقف في معاهدة لوزان (تموز / 1923)، والتي تضمنت الكثير من الفقرات الظالمة بحق تركيا، والتي هي اليوم مثار صراع سياسي يمكن أن يتطور لصراع عسكري، لتضمنه فقرات مخالفة للقانون الدولي في تحديد المياه الإقليمية. وهذه وضعت لأهداف سياسية لا علاقة لها بالحق والقانون والعدالة.

 

وبدن الخوض في تفاصيل  كثيرة، فالمعاهدات الأخرى كانت تمثل إرادة المنتصرين السياسية وليس الاستناد للحق والمنطق وقوة التاريخ والجغرافيا، ولهذا جاءت جميع المعاهدات والاتفاقيات تمثل الرغبة بالتنكيل والمبالغ به بحق خصوم سياسيين . وخدمة أهداف واستراتيجيات لدول عظمى بعيدة عن المنطقة، ولكنها " تحاول " أن تضمن سيطرتها ومصالحها على التطورات السياسية والاقتصادية لأطول حقبة ممكنة. 

 

واليوم أضيف لتلك الملفات إحدى الملفات العراقية التي بولغ من خلالها الانتقام من العراق ومحاولة إيذاؤه قدر الإمكان وباقصى ما يمكن حتى بأستخدام الغش والتدليس المفضوحين، والتي يمكن مقاضاتها أمام أسوء المحاكم .. ولكن هذا يصعب تحقيقه اليوم، لأن القوى القابضة على العدالة هي من تهين العدالة وتجعله سخرية للزمان، ولكن هذا لا يمكن أن يطول ويتواصل للأبد ... فليس من الضروري أن يبقى القوي قويا غلى الأبد، وأن أن يبقى الضعيف ضعيفا للأبد، والشعوب ستذهب منها سكرة الغضب والرغبة بالانتقام، وستحل محلها التفكير والتأمل في مآل الأحداث والبقاء في قفص الاتهام ودائر العار عذاب ما بعده عذاب يطال الأفراد والجماعات والمجتمعات.

 

ملف التعويضات الذي حدد تاريخ (22/ شباط / 2022) لإنهاء العمل فيه، هو أحد الملفات البالغة الظلم والجور التي فرضت على العراق تعسفاً وإرغاماً، وهو فرع من فروع الملفات العراقية الكثيرة (منها أعمال المفتشين/ الجواسيس) الذين عملوا تحت علم المنظمة الدولية (الأمم المتحدة) للأسف عاثوا فساداً وتخريبا وتدميرا في العراق بأساليب يرفضها أكثر اللصوص أنحطاطاً،  منها مثلاً تدمير أثاث وسيارات لا علاقة لها بأسلحة الدمار الشامل، ولكن هؤلاء المفتشون / الجواسيس اشتغلوا وفق نظرية فليخسر العراق ولو 100 دور إضافية، بهذه الدرجة من الحقد والحقارة كانوا يمثلون العدالة المنتهكة على ايديهم.

 

وبطيه تقرير موجز سريع عن أعمال التعويضات، أدعو المنظمات وجمعيات حقوق الإنسان والدوائر القضائية الاحتفاظ بها، فسيأتي يوم لا محال تثار فيه هذه الخروق للإنسانية والقانون والعدل.

 

هذه اللجنة المسماة لجنة التعويضات كانت تتلاعب بأموال العراق.... حددت 22 02 2022 موعداً لحل لجنة تعويضات العراق للكويت استمر عمل اللجنة 30 سنة. ثلاثة عقود من النهب المتواصل دون هوادة.

في عام 2001، قام صحافي نزيه  ألان غريش Alain Gresh فرنسي (من أصل يهودي مصري)، مدير تحرير صحيفة "لوموند ديبلوماتيك" الرصينة بتحقيق معمق عن تلك اللجنة، نشره في الصحيفة على صفحتين كاملتين. أبرزَ التحقيق نذالة اللجنة وتحيزها وتعمدها هدر أموال الشعب العراقي. جاء فيه:

أعضاء اللجنة كافة من 5 بلدان ناطقة بالإنكليزية: أغلبهم أميركان ومعهم إنكليز، أستراليون، نيوزلنديون وكنديون. عضوية اللجنة ممنوعة على الآخرين.

مصاريف اللجنة في حد ذاتها 500 مليون دولار سنوياً، تستقطع من بترول العراق. أعضاؤها يلهون ويمرحون ويستأجرون "شاليهات" في سويسرا للتزلج على الثلج على حساب الشعب العراقي (مقر اللجنة في جنيف). هذا فضلاً عن رواتبهم الباهظة. وعملهم أشبه بإجازة 5 نجوم مجانية.

السفير الكويتي ومساعدوه دائمو الحضور في مقر اللجنة، يطلعون على الملفات أولاً بأول ويمررون شكاوى بالواسطة، ويعترضون في حال عدم رضاهم عن ملف ما، فتستجيب اللجنة لمطالبهم.

في المقابل، غير مسموح بتاتاً للجانب العراقي الاطلاع على الملفات. يحيلون التقرير السنوي إليه قبل 3 أيام من المصادقة، وهو يضم آلاف الصفحات بالإنكليزي، بحيث يستحيل تحليلها في 72 ساعة. وحتى عند تقديم أي اعتراض أو طلب تصحيح، يجرى رفضهما تلقائياً.

اللجنة تغدق العطاء لأي طلب تعويض كويتي أو لشركة أجنبية عملت في الكويت.

المثال الأكثر "سوريالية": صاحب بقالة كويتي طلب 600 ألف دولار تعويضاً لهبوط مبيعاته خلال 6 أشهر من الاحتلال. فتمّ تعويضه.

الأنكى: قدم الطلب مرتين، مرة باسمه ومرة باسم ابنه. فتم تعويضه مجدداً. أي ما مجموعه مليون و200 ألف دولار! أي صاحب بقالة يربح 200 ألف دولار بالشهر؟

مثال آخر: شركة تنقيب أميركية متواضعة جداً طلبت 24 مليون تعويضاً عن تأخر عملها 6 أشهر. تمت الموافقة على 22 مليوناً. أكد ألان غريش، بعد التحقق، أن ذلك المبلغ يعادل ما لا يقل عن 4 سنوات عمل شاق للشركة في الظروف الاعتيادية.

 

إنها ورقة يانصيب رابحة للكثيرين... عدا عن العراقيين. واستمرت تدر الأرباح طوال 30 عاماً. ولكن لكل نهب نهاية ... ولكل مصيبة خاتمة ... وعبر الحياة تقول لا يهنأ أمرء  بما نال حراماً

 

 

 

 

المركز العربي الألماني برلين

 

المراسلات :

 

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

ملفات عراقية

 

مفتوحة أمام العدالة الدولية

 

د. ضرغام الدباغ

 

بوصفي مؤرخاً مجازاً، أؤكد أن لا قضية / ملف عومل بغير عدالة وبجور منقطع النظير كالملفات التابعة المتفرعة من الملف العراقي الذي جرى التعامل  فيه منذ 1990 وحتى قبل أشهر (فبراير / 2022) أي نحو 32 عاماً.

 

وقد سبق لي وان وضعت كتاباً نشر  بعنوان " معاهدات جائرة " شرحنا فيه تأريخ أشهر 12 معاهدة ظالمة، لم تكن العدالة نبراس من عمل فيها وساهم وأقرها، بل كان التنكيل هو هدف مشرعوا وواضعوا المعاهدات بصرف النظر عن العناوين التي تمترسوا وراءها، والديباجات البراقة التي تصدرت المعاهدات، ولكنها في واقع الحال كانت تنكيلاً بالغ الأذى، وانتقاما سياسيا مثل موقفا ر يتسم بالنزاهة، ما كان يجب أن تنزلق إلية القوى التي ساهمت بهذه المعاهدات وفي مقدمتها وضع أسم وشعار المنظمة الدولية زورا وبهتاناً وأففتئاثاً على العدل والقانون والحقيقة.

 

وما أكدناه في مؤلفنا لم يكن يهدف بالدرجة الأولى تحليل المعاهدات  الأكثر جورا في التاريخ، بقدر ما نهدف إلى تأكيد جوهر المعاهدات وما سئول إليه في مجرى التاريخ. والمعاهدات الأكثر جورا بتقديرنا هي :

 

معاهدة فرساي.

صلح بريست.

معاهدة سيفر (1920)

معاهدة لوزان. (1923)

 اتفاقية سايكس بيكو.

 الانتداب البريطاني على العراق 1921.

معاهدة بوتسدام 1945.

 المعاهدات الجائرة بحق الصين

معاهدة كامب ديفيد.

10. أتفاق أوسلو.

11. تقرير دويلفر حول الأسلحة العراقية.

12     . الانتداب الأمريكي على العراق.

 

فالملاحظ أن معظم هذه المعاهدات كانت سبباً مباشراً لصراعات وحروب لاحقة، كمعاهدة فرساي التي وضعت خاتمة جائرة للحرب العالمية الثانية، وكانت السبب المباشر للحرب العالمية الثانية. وصلح بريست ألإرغامي، حين أرغم الاتحاد السوفيتي عن التنازل عن مقاطعات كبيرة ظلما، كانت سببا في المطالبة السوفيتية بإعادة الحق لنصابه. واتفاقية سيفر (10 / آب / 1920)، الظالمة بحق الأتراك التي قادت لحرب التحرير وبتصحيح الموقف في معاهدة لوزان (تموز / 1923)، والتي تضمنت الكثير من الفقرات الظالمة بحق تركيا، والتي هي اليوم مثار صراع سياسي يمكن أن يتطور لصراع عسكري، لتضمنه فقرات مخالفة للقانون الدولي في تحديد المياه الإقليمية. وهذه وضعت لأهداف سياسية لا علاقة لها بالحق والقانون والعدالة.

 

وبدن الخوض في تفاصيل  كثيرة، فالمعاهدات الأخرى كانت تمثل إرادة المنتصرين السياسية وليس الاستناد للحق والمنطق وقوة التاريخ والجغرافيا، ولهذا جاءت جميع المعاهدات والاتفاقيات تمثل الرغبة بالتنكيل والمبالغ به بحق خصوم سياسيين . وخدمة أهداف واستراتيجيات لدول عظمى بعيدة عن المنطقة، ولكنها " تحاول " أن تضمن سيطرتها ومصالحها على التطورات السياسية والاقتصادية لأطول حقبة ممكنة. 

 

واليوم أضيف لتلك الملفات إحدى الملفات العراقية التي بولغ من خلالها الانتقام من العراق ومحاولة إيذاؤه قدر الإمكان وباقصى ما يمكن حتى بأستخدام الغش والتدليس المفضوحين، والتي يمكن مقاضاتها أمام أسوء المحاكم .. ولكن هذا يصعب تحقيقه اليوم، لأن القوى القابضة على العدالة هي من تهين العدالة وتجعله سخرية للزمان، ولكن هذا لا يمكن أن يطول ويتواصل للأبد ... فليس من الضروري أن يبقى القوي قويا غلى الأبد، وأن أن يبقى الضعيف ضعيفا للأبد، والشعوب ستذهب منها سكرة الغضب والرغبة بالانتقام، وستحل محلها التفكير والتأمل في مآل الأحداث والبقاء في قفص الاتهام ودائر العار عذاب ما بعده عذاب يطال الأفراد والجماعات والمجتمعات.

 

ملف التعويضات الذي حدد تاريخ (22/ شباط / 2022) لإنهاء العمل فيه، هو أحد الملفات البالغة الظلم والجور التي فرضت على العراق تعسفاً وإرغاماً، وهو فرع من فروع الملفات العراقية الكثيرة (منها أعمال المفتشين/ الجواسيس) الذين عملوا تحت علم المنظمة الدولية (الأمم المتحدة) للأسف عاثوا فساداً وتخريبا وتدميرا في العراق بأساليب يرفضها أكثر اللصوص أنحطاطاً،  منها مثلاً تدمير أثاث وسيارات لا علاقة لها بأسلحة الدمار الشامل، ولكن هؤلاء المفتشون / الجواسيس اشتغلوا وفق نظرية فليخسر العراق ولو 100 دور إضافية، بهذه الدرجة من الحقد والحقارة كانوا يمثلون العدالة المنتهكة على ايديهم.

 

وبطيه تقرير موجز سريع عن أعمال التعويضات، أدعو المنظمات وجمعيات حقوق الإنسان والدوائر القضائية الاحتفاظ بها، فسيأتي يوم لا محال تثار فيه هذه الخروق للإنسانية والقانون والعدل.

 

هذه اللجنة المسماة لجنة التعويضات كانت تتلاعب بأموال العراق.... حددت 22 02 2022 موعداً لحل لجنة تعويضات العراق للكويت استمر عمل اللجنة 30 سنة. ثلاثة عقود من النهب المتواصل دون هوادة.

في عام 2001، قام صحافي نزيه  ألان غريش Alain Gresh فرنسي (من أصل يهودي مصري)، مدير تحرير صحيفة "لوموند ديبلوماتيك" الرصينة بتحقيق معمق عن تلك اللجنة، نشره في الصحيفة على صفحتين كاملتين. أبرزَ التحقيق نذالة اللجنة وتحيزها وتعمدها هدر أموال الشعب العراقي. جاء فيه:

أعضاء اللجنة كافة من 5 بلدان ناطقة بالإنكليزية: أغلبهم أميركان ومعهم إنكليز، أستراليون، نيوزلنديون وكنديون. عضوية اللجنة ممنوعة على الآخرين.

مصاريف اللجنة في حد ذاتها 500 مليون دولار سنوياً، تستقطع من بترول العراق. أعضاؤها يلهون ويمرحون ويستأجرون "شاليهات" في سويسرا للتزلج على الثلج على حساب الشعب العراقي (مقر اللجنة في جنيف). هذا فضلاً عن رواتبهم الباهظة. وعملهم أشبه بإجازة 5 نجوم مجانية.

السفير الكويتي ومساعدوه دائمو الحضور في مقر اللجنة، يطلعون على الملفات أولاً بأول ويمررون شكاوى بالواسطة، ويعترضون في حال عدم رضاهم عن ملف ما، فتستجيب اللجنة لمطالبهم.

في المقابل، غير مسموح بتاتاً للجانب العراقي الاطلاع على الملفات. يحيلون التقرير السنوي إليه قبل 3 أيام من المصادقة، وهو يضم آلاف الصفحات بالإنكليزي، بحيث يستحيل تحليلها في 72 ساعة. وحتى عند تقديم أي اعتراض أو طلب تصحيح، يجرى رفضهما تلقائياً.

اللجنة تغدق العطاء لأي طلب تعويض كويتي أو لشركة أجنبية عملت في الكويت.

المثال الأكثر "سوريالية": صاحب بقالة كويتي طلب 600 ألف دولار تعويضاً لهبوط مبيعاته خلال 6 أشهر من الاحتلال. فتمّ تعويضه.

الأنكى: قدم الطلب مرتين، مرة باسمه ومرة باسم ابنه. فتم تعويضه مجدداً. أي ما مجموعه مليون و200 ألف دولار! أي صاحب بقالة يربح 200 ألف دولار بالشهر؟

مثال آخر: شركة تنقيب أميركية متواضعة جداً طلبت 24 مليون تعويضاً عن تأخر عملها 6 أشهر. تمت الموافقة على 22 مليوناً. أكد ألان غريش، بعد التحقق، أن ذلك المبلغ يعادل ما لا يقل عن 4 سنوات عمل شاق للشركة في الظروف الاعتيادية.

 

إنها ورقة يانصيب رابحة للكثيرين... عدا عن العراقيين. واستمرت تدر الأرباح طوال 30 عاماً. ولكن لكل نهب نهاية ... ولكل مصيبة خاتمة ... وعبر الحياة تقول لا يهنأ أمرء  بما نال حراماً

 

 

 

 

المركز العربي الألماني برلين

 

المراسلات :

 

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

الحرب السرية

  

د. ضرغام الدباغ

 

الحروب السرية

1

ضرغام الدباغ

 

الحرب عمل سياسي، بل مرحلة من مراحل تطور ملف سياسي معين، وهذه التسمية (الحروب السرية) التي بوسعي أن أقدم لها وأصفها وأثبت صدق وصحة أطروحتي، هي حروب تدور حين تهدف الدولة المحاربة إخفاء غاياتها الحقيقية، ربما لدناءتها، أو همجيتها، أو ربما لمقتضيات سياسية، وأهداف سرية، الإعلان عنها ينطوي على الضرر أكثر من الفائدة. وكنا قد تعرفنا على أصناف من الحروب، والقوى التي تدعي أنها مسالمة إنما تقيم التحالفات السرية والعلنية، وتعقد المعاهدات، وتبقى طي الكتمان في الخزائن الحديدية، كمعاهدة كامبل ــ  لندن/ 1905 ، أو معاهدة سايكس بيكو / 1919.

 

الحروب السرية  (Secret Wars) : هناك الحروب السرية، وهي خطط تفصيلية تضعها دولة ما تستهدف كياناً سياسياً، لإلحاق الضرر أو التدمير الشامل، ولكن دون إعلان حرب. لأغراض تكتيكية، وتتولي الأجهزة الاستخبارية تنفيذ مهام الحرب السرية، وتتولى تلفيق وترتيب اتهامات بحق الدول والأفراد المسؤولين، التحقق منها سيتطلب وقتاً طويلاً، ترزح فيه الدول المستهدفة في حقل الاتهام، وضغط سياسي وإعلامي واقتصادي تتكبد فيه خسائر مادية ومعنوية.

 

والحروب السرية قد تبدأ بحرب إعلامية، بتجميع مبررات عدوان، وشيطنة الطرف الفلاني، ثم تشجيع جماعات وكتل انشقاقية ودعمها بالمال والسلاح والتدريب، وفرض أنظمة معاقبة اقتصادية وآلية من أجل الإضرار بالاقتصادات الوطنية، وقد تقوم مجاميع عمل سرية بالقيام بعمليات تخريب واغتيالات، وصولاً إلى إقامة مناطق خارج سيطرة الحكومات الوطنية، وفي قائمة الأعمال التي تؤدي هذا الغرض واسعة وكثيرة، وجميعها تعتبر من وجهة النظر القانونية الدولية تدخلاً فاضحاً في الشؤون الدولية، تحضره القوانين والأعراف الدولية.

 

وللجهات المخططة عناصر خلقتها الأجهزة الأستخبارية، سيعتبر بعض ممن يقرأ هذه المقالة، أننا نعتمد على مصطلحات عفا عليها الزمن ... ولكننا سوف لن نترك هؤلاء دون أن ننزع عنهم أخر ورقة تين تستر عورتهم، سنثبت لهم بدقة متناهية، كيف أنهم مقاتلون في الطابور الخامس للثالوث الغير مقدس (أميركا إيران، إسرائيل)، لا داع بعد اليوم للمجاملات السخيفة، وليحدد كل موقعه، مقاتلاً كان، أو سياسياً، أو كاتباً، أو فناناً، هناك حلف، ولهذا الحلف أهدافه، ولكل حلف عناصره، يتشابهون ويختلفون، لا يهم، فلون البشرة لا يغير من جوهر الأمر شيئاً، والثالوث القديم الجديد : الإمبريالية الأمريكية، والصهيونية، الصفوية الفارسية.

 

ربما يستاء، أحد مثقفي الأمة المزورين، إن ساوينا نحن بين أمريكا وإيران الصفوية ؟ لماذا ؟

 

فليتكرم وليقل لنا (س)  لماذا إيران ليست أسوء من أمريكا ؟ ألم تعمل إيران وتساعد على أحتلال أفغانستان .. ؟ ألم ترسل إيران بقواتها لتقاتل المسلمين في الشيشان .. ؟ ألم تقف بالمال والسلاح مع أرمينيا ضد أذربيجان ..؟ ألم تعمل وما زالت تعمل إيران بقواتها المسلحة ومخابراتها وميليشياتها وعملائها في العراق؟ ألم يشاهد بعينه أمريكا تتفاوض مع إيران على أقتسام العراق ..؟ ألا يشاهدون المذابح اليومية للعراقيين والفلسطينيين في العراق ..؟ هل يستطيع المطايا الثقافية للحلف الثلاثي(واشنطن ـ تل أبيب ـ طهران) أن يقولوا لنا ما لفرق في النتيجة النهائية بينهم ..؟ هل يستطيع جوقة الشتامين أن يجدوا الفرق بينهم وبين سلفان شالوم وهنتغتن وفوكوياما وبين ألمع اسم بينهم ؟

 

النتيجة واحدة: شتم العرب والمسلمين، كيفما كان وبأي شكل كان، وتحت أي مسمى كان لا يهم .. المهم النتيجة، صيحة الموضة اليوم هي شتيمة العرب، في كوبنهاجن وطهران وتل أبيب وواشنطن، وحيث يعلو الديك على قمة المزابل .. المهم علو ... ويعتقد أنه يغيظ العرب والمسلمين .. إنكار ثقافتتهم، إنكار دورهم في الحضارة العالمية، مع أن العرب أول من كتب الحرف وأخترع الرقم الذي يستخدمونه...!

 

شتم العرب ... ثقافتهم، حضارتهم، دينهم، لغتهم ... المهم شتمهم ... قضية بكسب بها بعض المأجورون، وينالون مكافئات، وفرصاً للعمل ..وللأسف هناك من يعتقد أنه لا مجال ليشتهر إلا إذا شتم وأسرف في الشتائم، ولكن ولا حرف عن الذي يرقص على الأنغام الفارسية، ويلعب أدوراً صغيرة على المسرح الفارسي،  أليس هذا أمراً عجباً ..؟ ألا تدركون الآن كيف هي ملامح الشعوبية الجديدة، إحدى جبهات الحرب السرية على الإسلام ...؟ الحرب المتعددة الجبهات والأصعدة والوسائل ...!

 

بالطبع، ولو أحصينا الخسائر العراقية، والسورية واللبنانية واليمنية والليبية، والفلسطينية، والمصرية، والجزائرية والمغربية، الخسائر بالأفراد/ العسكريين، والأفراد المدنيين، وبالأسلحة والمعدات، وبالأموال المنقولة وغير المنقولة، لتبين لك أنها تقارب الخسائر في حرب عالمية. نعم هي حرب واضحة، وأحياناً تفلت منهم عبارات تؤكد هذه الحقيقة المخفية ..!

 

هذه المنطقة، وطننا العربي الكبير، كبير وإن جن جنون الحاقدون، ويموت بغيظهم الشعوبيون، ورغم الجهد الخطير المسعور الذي تبذله جبهة عريضة من الدول، إلا أن البلاد العربية تحرز تقدماً تحت القصف، نعم لقد كبدونا خسائر فادحة، وسنخسر المزيد منها قبل أن نلحق الهزيمة التامة بهم. كيف ستأتي الهزيمة ...؟ الهزيمة ستأتي حين سيبذلون أقصى قواهم، وكل قنابلهم، وكل أكاذيبهم، وكل عملاءهم، والاحتياطي المخفي لحد الآن (هم يزجونه في الحرب الآن).

 

ما نعيشه الآن محنة من المحن الكثيرة في تاريخ الأمة، ولكنها ستتلاشي وتضمحل ولا يبقى منها سوى الدهشة ..!... في ساحة التاريخ الفسيحة سيزول من هو طارئ، ويبقى الأصيل يزدهر ... ويمضي للمزابل من يستحق أن يمضي إليها من الممثلين المهرجين وخدم المعتدين .

 

 

 

 

أدلتي على الحرب السرية

2

ضرغام الدباغ

 

تكرر في الأيام الأخيرة سواء في المقال اليومي، أو في البحوث الصادرة عن المركز العربي الألماني. جملة " الحرب السرية على العرب والإسلام ". ولعل القراء يتساءلون إن كان ذلك نتيجة معلومات، ـو استنتاج عقلي، أو فيما إذا كانت لي مصادر على الرأي تؤيد ما أذهب إليه.

وفي الواقع مثل هذا الاستنتاج لم أتوصل إليه عشوائياً أو من خلال الاستماع إلى صوت الضمير، رغم أن أثق بضميري وأتجاهات الميل .. ولكنني كسياسي، لابد من وجود معطيات مادية قوية لتكون دليلي في أتخاذ القرار.

يعرف عن الغرب عامة، حرصهم ودقة تصريحاتهم وألفاظهم، ولكن ليس هناك معصوم، صحيح أن الأمر يدور في المواقع العليا، ولكن لا أحد يضمن عدم التسرب. ولكن الحديث عن سبب هذا العداء والكره للبلاد العربية والإسلامية أمر تكتنفه الألغاز والأسرار. وإذا كان الغرب: الولايات المتحدة وبريطانيا، وبدرجة أقل متفاوتة بقية الدول الغربية، كانت ترى في النظام الملكي العراق عام 1956 خطراً ينبغي الأنتباه له، ويترددون في بيع عدد 6 طائرات نفاثة للعراق الذي كان عضوا في حلف بغداد تحت إدارتهم وحماية لمصالحهم، فما بالك في مراحل قطعت الدول العربية أشواطاً في التقدم، ترى كيف يفكرون اليوم ..؟

 

إشارة الفريق الكسندر ليبيد

مبدئياً، الاتحاد السوفيتي، كان صديقا تقليديا للعرب، وإذا كان هناك سوء تفاهم، فهذه مسألة في العلاقات بين الدول يتحملها الطرفان. ولكن نحن نعلم أن رياح التغير، بل قل عواصف وأعاصير التغير ضربت الاتحاد السوفيتي نفسه، فكان أن أتخذ قرار (وبالطبع هناك تفاصيل كثيرة لسنا بصددها الآن) بحل الاتحاد السوفيتي نفسه، وهو حلم خصوم الاتحاد السوفيتي، ولست متأكداً أن كانت المفاوضات السياسية بين الاتحاد السوفيتي كقائد للمعسكر الاشتراكي، والولايات المتحدة كقائد للمعسكر الرأسمالي، كانت تنطوي على تفصيلات قادت لأتخاذ هذا القرار الكبير، ومقابل ماذا ؟ وقد علمنا مؤخراً أن المفوض السوفيتي (ميخائيل غورباتشوف) قبل بوعود غير مكتوبة ومبهمة بعدم توسيع حدود الناتو، ولكن الغرب لم يكتفي بضم البلدان الاشتراكية، بل وحاول دخول القفقاس (جورجيا)، وله تغلغل في أرمينيا، والضربة الكبرى في محاولاته المحمومة لضم أوكرانيا، وانكرت الولايات المتحدة تعهدها الشفوي الغامض. هذه مقدمة ضرورية لما للبيان اللاحق .

 

الجنرال (الفريق) ألكسندر ليبيد، هو أحد أشهر القادة العسكريين الشبان، شغل منصب نائب قائد قوات المظليين ثم سكرتير مجلس الأمن الروسي وكان مرشحا للرئاسة منافسا ليلتسين ولزعيم الحزب الشيوعي زيوغانوف وحصل على 15% من الاصوات عام 1996 وتحالف مع يلتسين في جولة الانتخابات الثانية لمنع زيوغانوف من الفوز وهذا ما حصل بالفعل فعينه يلتسين سكرتيرا لمجلس الأمن وبههذه المناورات السياسية الغير متقنة، فقد تدريجيا شعبيته كعسكري صارم ونزيه، يطلق الشعارات المدوية ضد الفساد، والمافيات. وبعد فترة شهور أقاله يلتسين (من المرجح لعدم توافقه مع الخط السياسي) ليصبح محافظا لمقاطعة كراسنودار وهناك سقطت المروحية التي كان يقلها. وأعتبر الحادث قضاء وقدر، وسط شكوك لدى الروس، وعدم تصديق المبرر.

 

 ما يهمني هنا، أني قرأت تصريحاً للجنرال ليبيد أستطيع أن أورده بالنص (تقريباً)، إذ صرح ليبيد محتجاً ومستاءاً من السياسة الروسية التي تسمح للغرب بتدمير روسيا وأصدقاءها، والسماح (أو بالاتفاق) على دخول منطقة الشرق الأوسط وشبهها كدخول مجنون إلى قاعة مليئة بالأشياء القابلة للكسر وتحطيمها.

 

في ذلك الوقت المبكر، ساورتني الشكوك، أن غورباتشوف الذي باع أقرب المقربين للاتحاد السوفيتي (إريش هونيكر/ سكرتير الحزب الاشتراكي الألماني الموحد)، ورفض استقبال قادة الدول الاشتراكية وتركهم للقتل (شاوشيسكو) أو للمحاكمات كالرئيس هونيكر والرئيس جيفكوف، ورفض قبله لجوء العديد من المناضلين، ألن يبيع العراق ...؟ بالطبع باع العراق وربما مجاناً .. فقد كان وزير خارجية الاتحاد السوفيتي شيفردنازة متحاملاً أكثر من الأمريكيين على العراق لأنه كان يطمع برئاسة جورجيا، ولكنه طرد منها شر طردة بمكائد غربية، فذهب تملقه أدراج الرياح .

 

مرجحاً ولست متأكداً ما إذا كانت مفاوضات مالطا (3 ـ ـ4 / ديسمبر / 1989)  بين الرئيس السوفيتي غورباتشوف والرئيس الامريكي بوش، قد تضمنت تفاهماً صريحاً بقيام الولايات المتحدة بإعادة رسم خرائط المنطقة دون تدخل روسي.

 

خطاب توني بلير في مجلس العموم

إذا قرأ سياسي محترف خطاب توني بلير، أو شاهده تلفازياً، وبقليل من القدرة على قراءة الوجوه، ندرك أن بلير كان يصطاد الأكاذيب من بحيرة سموم قاتلة . وتوني بلير أعتمد على نظرية ملفقة قانونيا وسياسيا بشكل ذريع، بإطلاقه مصطلح هلامي غير محدد (يحتمل الإضافة والتحميل والتأوبل) خطير، لدرجة أنه يبرر لأي دولة إعلان الحرب، هو" الإسلام السياسي تهديد أمني من الدرجة الأولى "..

 

ورغم أن هيئة الأمم المتحدة وهيئاتها القانونية لم تتوصل إلى تعريف مانع جامع لكلمة الإرهاب أصلاً، فأختراع مصطلح وإدراجه في بيان لحكومة لها خبرة وباع في السياسة الدولية والحروب، ينطوي على خطأ قانوني جسيم، تستحق حكومة المملكة المتحدة أن تحاسب عليه. إذ يمكن بالمقابل القول "الإرهاب المسيحي: أو اليهودي، أو البوذي، أو الهندوسي ..الخ ..

 

وتوني بلير هذا الذي أشتكى منه النواب البريطانيون وكذلك عامة الشعب، بأنه ذنب للسياسة الأمريكية، (ذنب بوش) زعم أمام مجلس العموم/ مستخدماً حزمة أكاذيب يرفضها العقل، زعم أمام البرلمان أن لدية أدلة مادية ثابتة على أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل وهذه تمثل خطورة على الأمن القومي البريطاني.

 

هذه المعطيات، تمنح مؤشراً أن هناك قرارا قد أتخذ في جهة ما، ولكن الغرب أختلف في تقدير حجم الخطر وطريقة التصرف حياله، والأسباب كان دون ريب، في إطار الحرب على العرب والإسلام لقطع الطريق لأي محاولة تقدم، والإفلات من الهيمنة. وبتقديرهم أن هذه ستود إلى بروز قوة عالمية عربي / إسلامية، ستكون قوة عظمى(بحجم سكاني وإنتاج اقتصادي) تفرض إرادتها في السياسة الدولية.

 

تصريحات الرئيس بارك أوباما

الرئيس أوبا خلال جولاته في الترويج لحملته الانتخابية، عقد لقاءات عديدة، منها مع الجماهير مباشر. وأذكر وأنا أتابع إحدى لقاءاته هذه أن قال بالحرف الواحد "أتعهد بمواصلة الضغط على العرب والإسلام"

هو لم يقل أتعهد بتصعيدها، ولكنه قال سأواصلها، فهو سيستلم الحكم من بوش الأبن، ولم يكن معقولاً أن يزايد على رئيس غزا بلدين(أفغانستان والعراق) ولكنه عهد حكمه شهد واقعياً أسوء الأحداث، وعرف عنه تصريحاته المعادية للعرب والمسلمين بشدة.

 

" لسنا في حرب مع العرب والإسلام "  هذه جملة أطلقها أكثر رئيس أمريكي بتاريخ الولايات المتحدة كرها بالعرب والمسلمين، وهناك بيت شعر للمتنبي يقول " يكاد المريب يقول خذوني " ولأن أوباما هذا من أب مسلم، فهو يبالغ في إظهار انتماؤه إلى كل شيئ عدا الإسلام، وصولاً لارتداء الطاقية اليهودية. وأبدل أسمه الإسلامي "مبارك" إلى بارك .. نعم هكذا يفعلون ..!

 

باراك أوباما، كان يريد أن يفتتح مرحلة جديدة في الحرب على الإسلام، فقرر أن يلقي خطاباً ساذجا قي هدفه .. إذ لا يريد أن يواجه المسلمين كتلة واحدة، فقرر أن يزور عاصمة إسلامية مهمة، فكروا باندونيسيا، ولكنه تراجع لأن والدته تزوجت بعد والده اندونيسيا مسلماً، وله أخ غير شقيق فيها، فألغيت الفكرة، وتقرر الذهاب إلى أنقرة أو اسطنبول، ولكنهم فكروا أن هذا قد يمنح انطباعاً أن تركيا موقع زعامة إسلامي، فقرروا أن يكون الخطاب في جامعة القاهرة. وبعد أن ألقى الخطاب، شنت الجيوش والطائرات المسيرة الأمريكية هجمات قتل عشوائي، فأرتكبوا جرائم إبادة فضيعة في العراق وأفغانستان. . فالخطاب كان يعني حرفيا " سنشن حربا بلا هوادة على العرب والمسلمين .. وسننظر في أمر العرب الذي يشهرون تحالفهم معنا ..!

إذن هناك حرب على المسلمين ونحن من يقرر نعفي من ونشمل بالقتل من ..!

 

تصريح روسي

حين اشتداد الأزمة الاوكرانية مطلع عام 2022، تراجعت العلاقات الروسية مع بلدان الغرب، أعضاء حلف الناتو. واللافت أن درجة تراجع العلاقات لم تكن بمستوى واحد، فالولايات المتحدة تمثل الطرف الأبعد في رفع درجات التوتر تليها بريطانيا، وألمانيا في الطرف الآخر،  وتليها  فرنسا، اللذان يحاولان إيجاد سبل هادئة لحل التناقضات، وعدم دفع الأمور تتجه للتصعيد، وفي هذا المجال سمعت رأياً أظن كان روسياً أو من الأطراف الداعية للتهدئة، فهناك فكرة في الغرب : دعنا لا ندفع روسيا للمزيد من الألتحام مع الصين ! وهنا تحديداً طرح رأي "ولا ننسي أن روسيا تحارب الإسلام مثلنا في سوريا وأفريقيا .!".

 

عزيزي القارئ ...

لا تعتقد أن الغرب مثقف ومتحضر ويترفع عن الدخول في مستنقعات الحروب الدينية، بل عليك أن تعلم أن الطوائف المسيحية، البروتستانت خاصة ومنهم فئة البيوريتان. (Puritans) الأطهار أو الأنقياء، هم أكثرهم تعصباً، وهؤلاء لهم اليد الطولى في السياسة الأمريكية، ولا يتورعون عن إشهار عدائهم للأرثودوكس، ومن غير المستبعد، أن تجدهم على هذه الدرجة أو تلك من العداء من الكاثووليكية.

 

قد تعتقد للحظة واحدة أننا نبالغ، وأننا معادون للغرب، وأننا نتوهم الكراهية ,,, حسناً فلنتفق على أمر بسيط جداً ولا يحتمل الخطأ ... وهو ... : أنظر .. أقرأ  ... فكر ... أين يقتل العرب والمسلمون وعلى يد أي قوى ...فهؤلاء هم أعداءك

 

ستجد أنهم يقتلون على يد الأمريكان، وإسرائيل وإيران ..... وفي الكثير من الإٌيضاح استهانة بذكاء الناس

 

 

المركز العربي الألماني

برلين

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

  فرانشيسكو لارغو كاباليرو

 

القائد الاشتراكي الاسباني الكبير

 فرانشيسكو لارغو كاباليرو

 

ضرغام الدباغ

 

 

فرانشيسكو لارغو كالباليرو ( Francisco Largo Caballero) القائد التاريخي للعمال الأسبان،  الزعيم التاريخي لحزب العمال الاشتراكي الأسباني، ورئيس الاتحاد العام للعمال الأسبان، وزير العمل خلال عهد الجمهورية الأسبانية (1931 ــ 1933)، ثم رئيس وزراء أسبانيا (1936 ــ 1937) خلال الحرب الأهلية الأسبانية ولد عام 1869، توفي في المهجر / فرنسا عام 1946.

 نشأ في أسرة عمالية كادحة، وأمتهن العمل بالجس (من أعمال البناء) حتى أنه شارك بتأسيس نقابة العمال في مجال الجبس، وفي العشرينات من عمره أصبح نقابيا قيادياً، وابتدأ بالسن المبكرة اهتمامه بالشأن العام، حيث أنظم عام 1993 إلى الحزب الاشتراكي العمالي (PSOE) ع وفي غضون سنوات ستة فقط، وصل عام 1899 إلى مرتبة عضو في اللجنة الوطنية للحزب، ثم فاز في الانتخابات البلدية لمدريد عام 1905، بلغ سنه ال 35 عاماً فتفرغ للعمل النقابي والسياسي، وفي عام 1907 أنتخب كأمين الحزب الاشتراكي العمالي فرع مدريد. وفي عام 1908 أنتخب نائبا لرئيس أتحاد نقابات العمال العام، ولكنه دخل السجن لمدة 6 سنوات، بتهمة التهيج الجماهيري والعثور على ملصقات ثورية بداره.

 

 

 

(الصورة لارغو دي كاباليرو في شبابه)

 

وأبتدأ نجم كاباليرو السياسي بالسطوع، في العمل السياسي مساهماً نشيطاً وشجاعاً في الاحداث السياسية من تظاهرات وإضرابات، وأنتفاضات،وفي عام 1918 أصبح الأمين العام لأتحاد نقابات أسبانيا. وفي نفس العام اصبح عضوا في اللجنة القيادية لحزب العمال الاشتراكي. ودافع لارجو كابييرو عن تكتيك التدخل في كل من المؤسسات وفي التجمعات وفي مقالات الصحف، أي الضغط والمشاركة في جميع مؤسسات الدولة التي لها علاقة بـ "المسألة الاجتماعية" بحيث تمت الموافقة على القوانين الاجتماعية التي تحسنت ظروف العمل والمعيشة للطبقات العاملة - وتم الالتزام بها فيما بعد، دون التخلي عن هدفه النهائي " الاشتراكية "، مما يعني التحول الكامل للمجتمع. عندئذٍ شكلت تلك المبادئ التي حددت أساسًا لما أُطلق عليها في حقبة الجمهورية الاسبانية الثانية،  " الكابالارية"، والتي عرفها بعض المؤرخين بأنها إصلاحية ثورية.

 وبنتيجة العمل الثوري الدؤوب، خلال عامين تضاعف عدد المنتسبين أتحاد نقابات العمال من حوالي 100,000 في 1918 إلى 200,000 في سنة 1920، وهو الرقم الذي استمر إلى نهاية العقد. ولأنه الأمين العام لـلأتحادT فقد كانت مهمة كابييرو الرئيسية هي الحصول على عمل موحد مع القوى الثورية لتكون خطوة سابقة " لدمج الطبقة العاملة بأكملها في منظمة وطنية واحدة "، وهو الاقتراح الذي تمت الموافقة عليه في المؤتمر العمالي العام الثالث عشر 1918. وكان هذا في خضم حالة من الصراع الاجتماعي الشديد كما كانت السنوات التي تلت نهاية  الحرب العالمية الأولى، في مدريد حيث برز الاتحاد العام وفي كاتالونيا والأندلس، خلال ما سمى بالبلشفية الثلاثية. مع ذلك لم تنجح تلك المبادرة بسبب الاختلاف في الأيديولوجية (الفوضوية "اللا سياسية" مقابل "التدخل الاشتراكي") والاستراتيجية. بالإضافة إلى ظهور هجمات الجماعات المسلحة في كاتالونيا التي رفضها الاشتراكيون، والذي أدى إلى انفصال منظمتي العمال، على الرغم من أنه تم توقيع اتفاق بين النقابتين في 3 سبتمبر 1920، "للتعامل مع الإجراءات الرجعية والقمعية التي تقوم بها العناصر السياسية وأرباب العمل في إسبانيا"، لكن هذا استمر ثلاثة أشهر فقط بسبب رفض نقابات العمال دعم 50 % من البطالة في الإنتاج في جميع أنحاء إسبانيا استجابة للسياسة القمعية للحكومة وخاصة سياسة الجنرال مارتينيز أنيدو في برشلونة الذي عين حاكمًا مدنيًا لتلك المقاطعة في نوفمبر، فقام باضطهاد الفوضوية النقابية التي جلبت مرحلة جديدة النزاع المسلح في كتالونيا.

 والقضية الأساسية الأخرى التي اشغلت لارجو كاباليرو هي الانقسام الداخلي للاشتراكية الأسبانية بسبب النقاشات حول الاندماج في الأممية الثالثة التي أنشأها بلاشفة لينين في موسكو بعد انتصارهم في ثورة أكتوبر 1917. لقد كان لارجو كاباليرو أحد الزعماء الاشتراكيين الذين عارضوا بشدة دمج الحزب الاشتراكي العمالي، وأتحاد نقابات العمال في الشيوعية الدولية، انتهى الأمر بمغادرة الفصيل الثالث حزب الاشتراكي العمالي لتأسيس الحزب الشيوعي العمالي الأسباني  في نيسان 1921.

 طويلة هي تفصيلات نضال الاشتراكيين الأسبان المنقسم إلى حركات رئيسية، وكان القائد كاباليرو يعمل بهمة ونشاط لتوحيد قوى الاشتراكية الاسبانية في حرمة واحدة.:

الاتحاد العام لنقابات العمال الأسبان.

الحزب الشيوعي الاسباني.

الحزب الاشتراكي العمالي.

الأنارشيست (الفوضويين).

 اندلعت ثورة اليسار الشاملة بعد دخول ثلاثة وزراء من حزب سيدا CEDA اليميني في حكومة أليخاندرو ليروكس في أكتوبر 1934، التي تضامن معهم الاتحاد الوطني للعمل (CNT) فقط في ثورة أستورياس حيث قاد التمرد عمال المناجم الاشتراكيين والفوضويين والشيوعيين. كان لدى عمال المناجم أسلحة وديناميت وكانت الثورة جيدة التنظيم. أعلنت الجمهورية الاشتراكية في عدة مواقع، وتعرضت مواقع الحرس المدني والكنائس والمباني البلدية وغيرها للهجوم. وخلال ثلاثة أيام أضحت كامل منطقة أستورياس تقريبًا بيد عمال المناجم، بما في ذلك مصانع الأسلحة في تروبيا ولا فيجا. وفي غضون عشرة أيام شكل حوالي 30,000 عامل جيش أستوريان الأحمر. كانت هناك أعمال نهب وعنف لا تعزى إلى التنظيم الثوري. لكن القمع كان قويا جدا بحيث وجد الثوار مقاومة من الحكومة اعتبرت أن الثورة هي حرب أهلية على كل الحكم، ولا يزالون غير مدركين أن عمال المناجم بدأوا بالتفكير باحتمال القيام بمسيرة من ميريس  إلى مدريد.

 بعد قمع تلك الثورة اعتقل كابييرو باعتباره قائد لها في 14 أكتوبر. ثم رفعت عنه  الحصانة لغرض محاكمته،  وفي 10 نوفمبر اتهمته المحكمة العسكرية بارتكاب جريمة تزعم تمرد. فقدم الدفاع عنه في فبراير 1935 استئنافاً للمحاكمة في المحكمة العليا وليس أمام محكمة عسكرية بالنظر إلى وضعه كنائب ووزير سابق. تم الرفض من حيث المبدأ الاستئناف حتى إجراء محاكمة شفوية في نوفمبر 1935، فبقي كابييرو في سجن مدريد النموذجي مع زملائه الآخرين من القيادات الثورية، بحيث انعقدت اجتماعات المديرين التنفيذيين لكلا المنظمتين هناك. ونال تصريح بالخروج لمدة عشرين يومًا في أكتوبر 1935 بسبب مرض زوجته الخطير، حيث ماتت في 11 أكتوبر في مصحة تبادل العمال الاشتراكيين الذي أنشأه لارجو كاباليرو نفسه. وقد حضر الجنازة العديد من السياسيين. وما لبث أن تمت تبرئته تحت الضغط الشعبي وأطلق سراحه.

 بعد انهيار حكومة غيرال في 4 سبتمبر 1936، وفي خضم الحرب الأهلية تم تعيين كابييرو رئيسًا للحكومة، وهو أول شخص من حزب عمالي تولى هذا المنصب في إسبانيا. وتولى كذلك وزارة الحرب، حيث أعاد بناء الدولة جزئيًا من خلال دمج الميليشيات العمالية الاشتراكية والشيوعية والفوضوية في الألوية المختلطة. حاول لارغو كاباليرو القضاء على التطوع العشوائي وسلطة الميليشيات عند توليه قيادة الحكومة وإلحاقهم ليكونوا جهازا في إدارته، بدعم من الاتحاد السوفيتي والحزب الشيوعي الستاليني. وبصرف النظر عن مجرى الأحداث، فقد كان همه الأكبر هو الحفاظ على الانضباط في الجيش المنظم حديثًا وابقاء سلطة الحكومة المركزية داخل المنطقة الجمهورية بأي ثمن، معتبرًا أنه بدون القوات النظامية ومدربة جيدا سيكون من المستحيل على الجمهورية هزيمة المتمردين.

 وحين آذنت شمس الجمهورية بالأفول، لم يكن يعد ممكناً البقاء على الأرض الأسبانية، فقطعان الفاشست المتوحشة تجوب البلاد في كل مكان،  والتي أنجزت هيمنتها على البلاد بدعم من القوى الفاشية العالمية (إيطاليا وألمانيا)، ولم يفعل الاشتراكيون بقيادة بلوم الذين كانوا يحكمون فرنسا شيئاً سوى الدعم اللفظي، في حين لم يقف مع الجمهورية داعماً بالقوة غير الاتحاد السوفيتي، الذي واجه صعوبات لوجستية بدعم الجمهورية، ووقفت البلدان الغربية الرأسمالية موقف الداعم الخفي للفاشست الأسبان (الفلانغ) ولفظت الجمهورية آخر أنفاسها في أواسط 1939، بعدها ليقوم الفاشست بتصفية كل من له علاقة بالجمهورية وبقواها اليسارية الثورية وخاصة : الحزب الشيوعي، الحزب الاشتراكي، اللاسلطويون / الأنارشيست (الفوضويون). فشهدت أسبانيا حركة نزوح واسعة إلى فرنسا بصفة خاصة، وكان كاباليرو من آخر النازحين.

 وبعد محاولات عديدة فاشلة للخروج من فرنسا الآيلة للسقوط بيد ألمانيا الهتلرية، إذ كانت الحرب العالمية قد نشبت، وبين أحتجاز وإقامة إجبارية من قبل سلطات فيشي(المتعاونة مع النازي)  التي رضخت أخيرا وسلمت القائد كاباليرو وكان يبلغ من العمر 72 عاماً، للجستابو النازي  في شباط / 1943، قاوم بجسده الواهن الاعتقال والترحيل هاتفاً " أقتلوني  ... أقتلوني " وأجري معه التحقيق في ليون من قبل كبير المحققين الألمان، ثم نقل إلى باريس، وبعدها في تموز / 1943 نقل إلى برلين، ووصل إلى معتقل النازية الشهير سكسنهاوزن في 31 / تموز / 1943 القريب من برلين في مقاطعة أورانينبورغ، بعد أنتهاء الجستابو (البوليس السري الهتلري) من التحقيق معه .

 وبالنظر لتقدم سنه  وتعدد أمراضه، كانت معظم إقامته في مستشفى السجن، وهذا ما أبقاه على قد الحياة حتى نهاية الحرب، وتحرير السجن من قبل الجيش السوفيت والقوى المتحالفة معه (الجيش البولوني الأحمر)،  وناقش الحلفاء معه أمكانية تعاونه مع نظام فرانكو، إلا أنه رفض وفضل العودة إلى باريس، حيث أقام عند أحد اصدقاءه القدامى.

 شارك في باريس في النقاشات التي كانت تجري بكثافة حول مستقبل أسبانيا،  إلا أن وطأة المرض اشتدت عليه، حتى توفي بعد جولات علاج ورقود في المستشفيات حتى توفي هذا القائد الاشتراكي التقدمي الكبير بتاريخ 23 / آذار

 وري جثمانه التراب في 27 / آذار  وسط حضور كبير للجنازة (تجاوز ال 20000 شخص)، وعدد لا يحصى من ممثلي النقابات السياسية والعمالية مع العربات والأعلام واللافتات، كانت تلك الجنازة أكبر من جنازة لأي قائد إسباني في المنفى.... حضر الجنازة القادة الاشتراكيون الإسبان القدماء ومعهم قادة الاشتراكية وممثل عن حكومة فرنسا، والعديد من السياسيين الأسبان المنفيين، وحضور الحكومة جمهورية المنفى برئاسة خوسيه غيرال. وكذلك حضر كلا من ميغيل مورا ودولوريس إيباروري وخوان نيغرين (من القيادات الشيوعية والاشتراكية) ودفنت جثته بمقبرة بير لاشيز في باريس، عند سفح الجدار الفيدرالي المخصص لشهداء كومونة باريس (وهذا تكريم كبير) ثم  نُقلت رفاته إلى مدريد سنة 1978 مع نهاية حكم فرانكو، حيث تم الاحتفال بدفنه بحضور حوالي 500,000 شخص دعوتهم المنظمات الاشتراكية (.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 إشارات وإيضاحات معلومة

1. قُبض على لارجو كاباليرو بمنزله في الساعة الثانية صباحًا، وأُرغم على مغادرة الفراش حيث كانت حرارته حوالي أربعين درجة بسبب إصابته بمرض التيفوس، ونقل إلى السجن. وكان كناليخاس يندد في البرلمان -وفقًا للحكومة- بوجود مؤامرة بدعم خارجي مقرها في بلباو»(Aróstegui - صفحة 89)

 

2. واقعيا تولى كابييرو منصب رئيس الاتحاد منذ سنة 1916 بعدما عانى إغليسياس من مشاكل صحية خطيرة. وترأس معظم دورات اللجنة الوطنية منذ ذلك العام»(Aróstegui - صفحة 122).

 

3. حضر لارجو كاباليرو الاجتماع التحضيري الذي عقد في برن في فبراير 1919 (حيث اتفق مع جوليان بستيرو الذي كان ذاهبا إلى العاصمة السويسرية لإعادة إعمار الأممية الثانية) وحضر مؤتمر أمستردام هذه المرة برفقة بستيرو لإعلان ولادة الاتحاد الاشتراكي الدولي الجديد في يوليو 1919»(Aróstegui - صفحة 168).

 4. من الواضح أن كاباليرو ادرك أهمية المشاركة النشطة في مهام المنظمات الدولية الرئيسية المكرسة لقضايا قانون العمل باعتبارها امتدادًا طبيعيًا للخط الإصلاحي للنقابة في إسبانيا. احتل التصديق على الاتفاقات من هذا النوع مكانًا مهمًا في عهده كوزير للعمل»(Aróstegui - صفحة 168)

 5. La Vanguardia, 26 de noviembre de 1935, p. 28La Vanguardia, 28 de noviembre de 1935, p. 25 y La Vanguardia, 1 de diciembre de 1935, p. 26

 6.  كان خروج لارجو كاباليرو من أسبانيا موضوع حملة واسعة من الصحافة الشيوعية ومن حزبه بالذات الذي أصدر مكتبه السياسي في 2 فبراير -قبل أربعة أيام فقط من خروج رئيس الجمهورية والحكومة أيضًا-قرارًا ذكر فيه:«يدين المكتب السياسي للطبقة العاملة والشعب الأسباني الفرار المخزي للسيد لارجو كاباليرو من أرض الوطن، الذي يحيط به مجموعة صغيرة من أعداء وحدة الشعب الإسباني [و] من تنظيماتهم، لقد فعل الكثير وتمكن بيده من تخريب عمل الحكومة وكسر وحدة شعبنا ومقاومته التي توجها الآن منهزما ومعه عمله الإجرامي»(Aróstegui - صفحة 671).

 7. من الأهمية التي عزاها نظام فيشي منذ اللحظة الأولى إلى تفاهم جيد مع أسبانيا فرانكو هو وضع شخصيات الجمهورية الأسبانية اللاجئة في فرنسا ذات أنشطة سياسية في سجن أو حبس في أماكن حراسة. ناهيك عن التعامل الإجرامي للمحتل النازي [في جزء فرنسا الذي كان تحت سيطرتهم المباشرة]. وبالتالي فإن وجود لاجئ بأهمية الرئيس السابق لحكومة الجمهورية الأسبانية والقائد الرمز للاشتراكية الأسبانية في إقليم فيشي لن يغفل عنه في أي وقت.»(Aróstegui - صفحة 691).

 8. تعرض في سجن ليموج "لمعاملة قبيحة" شملت العري والبرد والجوع وهو في سن السابعة والسبعين وحالته الصحية محفوفة بالمخاطر، واستمر على ذلك مدة واحد وثلاثين يومًا"، وهي ظروف غير ملائمة لعمره المتقدم الحالة الصحية والتمثيل السياسي والاجتماعي ".»(Aróstegui - صفحة 700).

 9. في كتاب "رسائل إلى صديق (مذكراتي)"، الذي نشر بعد مرور ست سنوات على وفاته، كرس كابييرو فصلًا طويلًا بعنوان "جحيم معسكرات الاعتقال الألمانية". "قصص الرعب لا تذكر شيئًا جديدًا بالنسبة إلى ما كان معروفًا عن معسكرات الاعتقال النازي، ولكن هناك مقاطع ذات أهمية بسبب التاريخ المبكر لكتابتها. يتحدث كابييرو بصراحة عن القتل بإطلاق النار أو الشنق أو الاستحمام بالغازات السامة وأفران المحرقة.»(Aróstegui - صفحة 714).

  المركز العربي الألماني برلين

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

هل ستنتج الأزمة الاوكرانية

 

نظاما عالميا جديداً

 

ضرغام الدباغ

 

 

ابتداء نتفق مع علماء العلوم السياسية والمحللين والباحثين أن أزمة أوكرانيا سوف لن تمر بدون نتائج كبيرة،  إن مباشرة أو غير مباشرة .. وهذه النتائج ستضاف إلى التراكم الذي يتواصل منذ 1990، أي منذ نهاية الحرب الباردة التي أفرزت النظام الدولي الجديد والذي أطلق عليه العولمة (Globalisation). الأزمة الاوكرانية ستصيب النظام العولمي إصابات بالغة، ولكن ليس الأزمة الأوكرانية هي الوحيدة التي أنهكت الديناصور الإمبريالي.

 

الحرب العالمية الأولى أنتجت نظام عصبة الأمم الذي شرعن الاستعمار صراحة وعلنية، وراحت الدول الاستعمارية القديمة والجديدة (ألمانيا وايطاليا والنمسا) تحاول مزاحمة الدول الاستعمارية القديمة (بريطانيا وفرنسا)، وفي تفاعلاتها اللاحقة، قادت إلى الحرب العالمية الثانية، التي أنتجت معسكرين : اشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي، والرأسمالي بقيادة متروبول الرأسمالية الاحتكارية الولايات المتحدة الأمريكية. وسرعان ما تهاوى التحالف الدولي الذي هزم دول المحور " ألمانيا، أليابان، إيطاليا "، وبدأت الحرب الباردة بين معسكرين عملاقين.

 

الحرب الباردة انتهت، بتراجع الاتحاد السوفيتي الذي قرر حينها بعد قراءة دقيقة وجرد مادي للموقف السياسي والاقتصادي والعسكري، عدم مواجهة الولايات المتحدة وحليفاتها (الناتو)، وما ينتج عن الحروب من اقتسام نفوذ سياسي واقتصادي وحصد لمكاسب الفوز، جرى على نحو هادئ، ذلك أن القيادة السوفيتية قررت إنهاء الحرب سلميا وعلى طاولة مفاوضات بين الرئيس بوش الأب والسوفيتي غورباتشوف، مفاوضات مالطا (3 ـ 4  / ديسمبر / 1989)، ومن المرجح وجود ملاحق سرية في التفاوض السوفيتي / الأمريكي، ويفترض أن الاتحاد السوفيتي أقر بتسليم بعض مناطق نفوذه التقليدية للأمريكان، ومنها وفي مقدمتها الشرق الأوسط، وهو ما يفسر الهجمة الشرسة العدوانية الأمريكية على دول الشرق الأوسط.

 

بيد أن حسابات الحقل لا تنطبق غالبا على حسابات البيدر، فالغول الأمريكي الذي اعمته نشوة الانتصار، وأعتقد أن الدنيا بأسرها دانت له، وفي هذه اللحظة بالذات ابتدأ انحدار النظام الإمبريالي / العولمي، فشعور بالأستيلاء التام ومصادرة حقوق ومصالح الغير، سيؤدي إلى موقف جديد، أعداء وحلفاء، و سيقود بالضرورة إلى أن يعيد المهزوم حساباته جذرياً، وحتى الحلفاء أن يتوجسوا خيفة من تزايد طلبات المنتصر، وتجاهل لمصالحهم .. لذلك لا يمكن اعتبار سقوط أوكرانيا لوحدها سببا في سقوط النظام الدولي وبروز نظام دولي جديد فالأحداث التي جرت بعد عام 1990 وتراكمها هي حالتي قادت إلى موقف دفعت النظام العولمي إلى خنادق الدفاع  .. في تدشين لعملية سقوط بطيئة  النظام العولمي. فالنظام العولمي سوف لن يسقط بمعركة عسكرية نووية، ولا يسقط اقتصاديا بسهولة، فهو ما يزال له انياب ترليونية وصناعات فائقة الجودة ومتقدمة على أعتاب الثورة التكنولوجية الرابعة والخامسة.

 

ثمة ظاهرة مهمة جداً في العلاقات الدولية، وتتمثل في بروز التحالف الصيني ــ الروسي، تحالفا متيناً واعداً ينبأ بقيام قوة تتمتع بقوة سياسية واقتصادية وعسكرية لا يمكن تجاهلها، قوة سترغم النظام العولمي الأحادي القطب على إعادة حساباته، وأن مؤشرات التوازن الدولي (بكافة مقاييسه) لا تشير إلى تفوق النظام العولمي، وهذه الحقيقة الموجعة سترغم قائدة النظام العولمي على إعادة تقيمه الشامل للموقف، ومن ذلك قيام تحالف أوكس (AUKUS) الذي تشكل الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا عموده الفقري، والذي وضع نصب عينيه السيطرة على حوض الاطلسي والباسفيكي والهندي كهدف أولي .. حتماً وضعوا خطوط دفاعهم حيال العدو الافتراضي (الصين وروسيا) الذي تتطور قواه باستمرار.

 

الرئيس صدام حسين لم يكن قد تلقى علومه في جامعات راقية. ولم يكن قد درس الاستراتيجية، لكن مثله مثل ستالين والجنرال جياب هزم دولتين عظميين (فرنسا والولايات المتحدة) بدون أن يدخل كلية عسكرية ولا كلية أركان، والقادة العظام الذين لم تسنح لهم ظروفه ليتعلموا في مدارس راقية، ولو فعلوا ذلك لكانوا من المتفوقين والعباقرة في ميدان العلم.

 

وهناك نظرية معروفة تقريبا على نطاق واسع، وقال بها افلاطون، " أن العلماء والفلاسفة لا يصلحون أن يكونوا رؤساء دول ". لأن الرؤساء لا يتعاملون بالسياسة وفق معطيات علمية، بل يعملون في السياسة ونصب عينيهم تحقيق مصالح الدولة وقد ينطوي عملهم أحياناً على خطوات وأعمال يعتبرها العلماء من قبيل المغامرات، والمجازفات .

 

سمعت يوماً وشاهدت بعيني الرئيس صدام يتحدث أمام التلفاز وجمع من المراقبين، بما معناه :  أن الولايات المتحدة ارتكبت خطأ مميتاً وهاجمت العراق، فسيكون هذا العدوان هو بداية نهاية الإمبراطورية الأمريكية وسوف تظل تتدحرج إلى أن تصل القاع. وأني أعتقد أن الرئيس صدام كان سيعجز (لو سئل) عن تقديم الحجة العلمية / الفلسفية على مقولته الخطيرة، التي أطلقها على الأرجح في تنبؤ مدهش، ورؤية عبقرية للتطور وحتمياته التاريخية.  إذن كيف تنبأ الرئيس صدام بهذه النهاية الفضيعة للولايات المتحدة، وما نشهده الآن هو المقدمات الحتمية لمسار تاريخي.

 

النظام الرأسمالي " رأسمالية الدولة الاحتكارية "، تمترست وراء شعارات "الديمقراطية"، " حقوق الإنسان "، " حقوق المرأة" ، و" حقوق المثليين " ، وفي الواقع الموضوعي تمارس الولايات المتحدة ما يخالف معظم هذه الشعارات. فمن أبسط الملاحظات التي يكتشفها أي إنسان دون أن يحتاج لثقافة عميقة، أننا لم نشهد تغيراً النظام الرأسمالي حتى بعد حروب عالمية (الأولى والثانية)، أو ما يقرب منها(كوريا، فيثنام، أفغانستان، العراق)، حروب كارثية زجت بلدانها فيها، تسببت في خسائر بشرية ومادية يصعب حصرها. ورتبت أوضاعها الداخلية بحيث يستحيل أن يحدث تغير جوهري في السلطة. والنظام الرأسمالي العولمي أرتكب خطيئة كبيرة وجرائم خطيرة ضد الإنسانية في العراق وأفغانستان، والجرائم التي أرتكبها الكيان الصهيوني محسوبة على النظام العولمي الداعم المادي والمعنوي للنظام العنصري.

 

النظام الرأسمالي لا يستطيع الاستمرار إلا على وقع هدير المدافع، والتوسع ضرورة واختلاق الأزمات والتصعيد لدرجة الصراعات المسلحة مهنة دوائر الحرب، ليجري تنفيس احتقان الموقف وإيجاد أسواق، حيوية للنظام الرأسمالي هي وفق قاعدة " من لا يكبر ... يصغر " 

 

 

فن الذرائع

في إشعال الحرائق

 

ضرغام الدباغ

 

الولايات المتحدة تلعب دور مشعلة الحرائق ... انتهى العالم من الفاشية والنازية والعسكرتاريا اليابانية في تموز / 1945، ولكن الولايات المتحدة لم تكتفي من ملايين الضحايا المدنيين والعسكريين ممن ذاقوا ويلات الحرب العالمية الثانية ...(نحو 50 مليون ضحية) فبدأت الولايات المتحدة مباشرة بالابتزاز النووي، ولكن بعد أن كسر الاتحاد السوفيت ألاحتكار النووي، اخترعت الولايات المتحدة  مبدأ " الحروب بالوكالة ". ثم اخترعت مبدأ آخر، " العصا والجزرة "، ثم مبدأ اللعب على حافة الهاوية "، وقامت بربط العالم بشبكة معقدة من الأحلاف العسكرية (ناتو، سنتو، سياتو) التي تحمل صراحة شعارات التوسع، رافضة مبدأ التعايش السلمي، إلي يتقبل تعايش أنظمة مختلفة سياسياً في إطار من التعاون الإنساني، وشرعت تمارس سياسات العقوبات، والحصار، والحملات السريعة والتهديد والابتزاز.

 

وحين قبل الاتحاد السوفيتي خيار السلام على هذه السياسات، وأقدم على حل اتحاد الجمهوريات السوفياتية وحلف وارسو، ولكن الولايات المتحدة واصلت تعزيز حلف الناتو، وإظهار نواياها التوسعية، رغم أن روسيا والصين تحولتا للنظام الرأسمالي، ترى ما هو سبب مواصلة أجواء التوتر الدولي ...؟ لماذا تظهر الولايات المتحدة حالة العداء الشديد مع الصين وروسيا لدرجة اللعب على تخوم الحرب الباردة واحتمالات تحولها لحروب ساخنة ..! ترى هل هناك سبب جوهري كبير وحاسم لهذه الدرجة ..؟ هل هو تقاسم نفوذ سياسي واقتصادي جديد ...أم تحقيقاً لنبوءة فوكوياما وهنتغتن في رؤيته لصراع حتمي عرقي/ عقائدي مع الصين والكونفوشيوسية .. وهل تستحق هذه الذرائع حرباً عالمية جديدة وملايين من الضحايا الأبرياء ..؟

 

الولايات المتحدة والغرب عموماً يتذرعون بشعارات من قبيل " حقوق الإنسان " والديمقراطية " وحقوق الأقليات والمجاميع العرقية والدينية"، وتوفير الحياة الكريمة للمرأة وأخيراً الحرية التامة لمثليي الجنس ..! ..وبكل بساطة شديدة هذه نكات سياسية مضحكة جداً ولكنها شديدة المرارة، وتسيل منها الدماء .... وأي تمساح مفترس في نهر الكونغو ومستنقعات الأمازون  له الحق في الحديث عن حقوق الإنسان أكثر من الولايات المتحدة .. إذ توجد إحصائية فلكية عن عدد ضحاياها في جميع قارات وبحار العالم، بل هم لوثوا حتى المياه والسماء وأضروا البيئة، وانتهاك البشرية عندهم مشرع بالقوانين وأكثر من 25% من شعبهم (من السود) يتعرضون للتميز العنصري بوسائل شتى، ويندر أن يمر عام ما لم تقم انتفاضات للسود تقمع بالقوة المسلحة، ولا يوجد مجتمع يمتهن كرامة المرأة بقدر مجتمعاتهم، فالمرأة لها وظيفة أساسية هو التعري بسبب وبدون سبب إثارة الرغبة والشهوة، ومهنة الدعارة لها فروع وشركات وعصابات ووظائف فرعية يعتاش منها الملايين ...وحتى البنات حين يمارسن المسابقات الرياضية في الملاعب يدخلن الملاعب شبه عاريات ... وكأن السباق يدور في التعري لأكبر جزء من أجسادهن .

 

ـ حقوق المرآة: شاركن النسوة في البلاد العربية في الوزارات قبل الولايات المتحدة وقبل الكثير من الدول الأوربية، ففي 1958 كانت في العراق وزيرة، وكذلك في مصر، وسوريا ولبنان والأردن، والكويت، ودولة الأمارات العربية، والمغرب، وموريتانيا، والجزائر وتونس، وفي البرلمانات، وهناك كادر علمي كبير من النسوة في الجامعات، وفي كافة أوجه الحياة الفنية والسياسية والاجتماعية، بما في ذلك نسوة تعاطين الأعمال في التجارة والصناعة، وفي البلاد الإسلامية الأخرى تقلدن حتى منصب رئيس الوزراء كما في أندونوسيا وباكستان وبنغلادش. ربما هناك بعض من الاختراق لحقوق المرآة، ولكن مثل هذه الحوادث تحدث في مجتمعات كافة الدول حتى في بلدان الغرب كأمريكا وكندا وفرنسا وبريطانيا، وهذه الأرقام بعض من ذلك تتحدث عن نفسها.

ــ  في الولايات المتحدة الأمريكية هناك 79% من الرجال يضربون النساء، وهناك 17%   من النساء يدخلن غرف الإسعاف نتيجة لذلك الضرب. ونشرت مجلة التايم الأمريكية أن حوالي 4 آلاف زوجة من حوالي ستة ملايين زوجة تنتهي حياتها نتيجة لهذا الضرب. وأشار مكتب التحقيقات الفدرالية إلى أن 40% من حوادث القتل ضد السيدات يرتكبها الأزواج، وفي إحدى الدراسات في إحدى المستشفيات الكبرى الأمريكية جاء أن 25%من محاولات الانتحار التي تقدم عليها الزوجات يسبقها ماض حافل بضرب أزواجهن. أي أن ذلك الضرب عامل هام من عوامل الأقدام على التخلص من الحياة. وتبعا لتقرير الوكالة الأمريكية المركزية للفحص والتحقيق  F.P.T   فأن هناك زوجه يضربها زوجها كل 18 ثانيه. ومحاولات الانتحار التي تقدم عليها الزوجات يسبقها ماض حافل بضرب أزواجهن.

ــ  وفي فرنسا: نقلت صحيفة (فرانس سوار) في تحقيق لها حول الموضوع أن 92.7 % من عمليات الضرب بين الأزواج في المدن، و 60% من استغاثات الليل من نساء يسيء أزواجهن معاملتهن. ويقول الكاتب الفرنسي الكسندر دوما: إنهن كرقائق اللحم كلما ضربتهن كلما أصبحن أكثر طراوة، ومع ذلك لم يحل أحد الكاتب دوما لمحكمة الجنايات الدولية.

ــ وفي بريطانيا: ظهر أن 10% من المشاركات في أحد الاستفتاءات يضربهن أزواجهن، و 70% منهن يشعرن بالمهانة في حياتهن الزوجية، وفي تقرير بريطاني ذكر أن 77% من الحالات يضرب الزوج زوجته دون أن يكون هناك مبرر لهذا الضرب.

ــ  وفي كندا: مائة وخمسون ألف رجل يضربون نساءهم، ونشرت مجلة (التايم) الأمريكية أن حوالي ( 4000 ) زوجة من حوالي ستة ملايين زوجة تنتهي حياتها نتيجة لهذا الضرب.

 

ـــ  حق تقرير المصير

لمن يمكنه فتح الكومبيوتر، فليكتب على الغوغل (أنتشار الجيش الأمريكي)، أو (أنتشار الجيش الفرنسي)، ومنها سيعلم كم يحترم الغرب الحريات الديمقراطية وتقرير المصير، ويكتشف أن هذه المصطلحات تستخدم فقط لأغراض سياسية، أو ليحاول من يبحث عن الحقائق، أن الحروب الأمريكية في القارات، وسيشاهد بنفسه، أنه قليل هي تلك البلدان التي لم تنال الموت من الجيش الأمريكي.

 

ــ الحريات الديمقراطية /

هل هناك تميز عرقي في الغرب والولايات الامريكية خاصة ................. نعم وبشدة.

هل هناك تميز على أساس الدين في الغرب والولايات المتحدة خاصة ....... نعم وبشدة.

هل هناك تميز على أساس الطائفية المسيحية ................................نعم وهذه تشد في المرحلة الراهنة.

 

ـــ حقوق الإنسان ..

.مصطلح من كلمتين فقط، تستخدمه الولايات المتحدة خاصة والغرب عموماً، حين يضعون دولة ما أو حتى  شعبا ما تحت المطرقة، وينهالون عليه بحسب درجة سخطهم أو رضاهم عن ذلك الشخص أو الحكومة. وقد يتهم شعباً بأكمله أنه لا يحترم حقوق الإنسان.  جوهر حقوق الإنسان عندهم  هي أن يرقص زعيم أي دولة وحكومة على موسيقاهم السياسية، وإذا فعل ذلك فهو عظيم ...!

بالأمس كتبت، أن الغرب حين يتخبط بين الإنكار الساذج، والكذب، والتغافل، وتزوير الحقائق، ورفضه رؤية الحقائق رغم كونها ساطعة، ويعاند كي لا يضطر مرغماُ للقبول بالحقيقة، فهذه بداية التخبط والانحدار في إعلام كان أحترافياً، وسياسيون كانوا رغم وساختهم، إلا أنهم يضيفون على أنفسهم هالة من الاحترام، فالفرق بين ونستون تشرشل وتوني بلير ليس كبيراً، والمسافة ليست بعيدة جوهرياً، ولكن بلير يكذب علناً كالذباب، ويصعر خده، ويكذب أمام مجلس العموم بقلة حياء لا يفعلها أسقط الساقطون، راح زمن يرؤساء الدول وزعماء كشارل ديغول، وجاء زمن يتمرقص فيه ولد ويعرب عن سخطه لأن عن فئة واسعة فقط لأنهم لا يأكلون لحم الخنزير ..! ويصدر أوامره،  إما أن تمارسون دينكم كما أمركم أو أغلق مساجدكم ... ولا يقول له أحد أنك ضد حقوق الإنسان ..يحق لي أن أقلل الأدب أو أفرش مظلة القانون حماية لمن يقلل الأدب، ويحق لي أن أتجاسر وأشتم وأسخر، وأنت لا يحق لك إلا القبول، وهذه من جملة مبادئ حقوق الإنسان..!

 

وزير الدفاع الحالي لويد أوستن أعلن قائلاً أن الحروب التقليدية استنزفت أميركا وقد ولى عهدها بعد أن أفقدت الولايات المتحدة آلاف البشر ومليارات الدولارات. منذ إعلان استقلالها في الرابع من شهر يوليو/تموز 1776، خاضت الولايات المتحدة الأميركية العديد من الحروب في مختلف دول العالم. هذه الحروب أفقدت الولايات المتحدة آلاف البشر ومليارات الدولارات، فكان من الطبيعي أن يعلن وزير الدفاع الحالي لويد أوستن أن "الحروب التقليدية استنزفت أميركا وقد ولى عهدها".

ـــ يرسلون جيوشهم ليقتل الناس في دول أخرى .... في نحو عشر دول يقصف ويقتل ويغتصب... وأنت الإرهابي ولسنا نحن ... بل إذا قاومتني أنت إرهابي .. هم أبطال تاريخ العالم الأسود في القتل والنهب والاغتصاب، ومع ذلك يتهمون غيرهم.  (على مدار تأريخها منذ استقلالها عن بريطانيا (246 عاما) غاب تورط الجيش الأميركي في مغامرات عسكرية بالخارج 17 عاما فقط).

ـــ لدولةٍ كأميركا  تبلغ نسبة نفقاتها العسكرية 45% من الإنفاق العسكري العالمي ولديها 725 قاعدة عسكرية في الخارج، ويتحكّم صانعوا الأسلحة فيها بالدولة العميقة ويحددون السياسة الخارجية المسؤولة عن 20 مليون قتيل منذ سنة 1945. في هذا الصدد يقول مارتن لوثر كينغ : "إن حرب فييتنام هي أحد أعراض المرض الذي يضرب الذهنية الأميركية التي تقوم على دعائم ثلاث هي العنصرية والمادية والعسكرة."

ـــ وإذا أضفنا إلى ذلك أن العجز التجاري مع أوروبا والمكسيك وكندا وروسيا قد تفاقم أيضاً، يمكننا قياس الصعوبات التي تضرب القوة العظمى المتداعية. لكن ذلك ليس كل شيء. إذ أنه بالإضافة إلى العجز التجاري، فقد تعمّق العجز في الميزانية الاتحادية (779 مليار دولار مقابل 666 مليار سنة 2017). لقد ارتفعت النفقات العسكرية بشكلٍ مذهل. حيث أن ميزانية وزارة الدفاع لسنة 2019 هي الأعلى في تاريخ الولايات المتحدة وقد وصلت إلى 686 مليار دولار. بينما أنفقت الصين في السنة ذاتها 175 مليار، رغم أن عدد سكانها يبلغ أربعة أضعاف الولايات المتحدة. وليس من المفاجئ أن تضرب الديون الاتحادية رقماً قياسياً بلغ 22175 مليار دولار. أما الديون الخاصة بالشركات والأفراد فهي تصيب المرء بالدوار إذ بلغت 73000 مليار دولار.

ـــ لا مشكلة لي شخصيا مع الهولوكوست، فهي فضيعة بأحداثها، وأكثر فضاعة بنتائجها، ولكن لاحظ أنهم يعوضون اليهود من مال غيرهم، ثم يحكمون بالسجن 8 سنوات لمن  ينكرها ويذكر خلاف ذلك ... هذه حرية الرأي عندهم ..!

ـــ يشتمون رموزا دينية ويعتدون عليها بالكلمة والرسم والفعل، ويعتدون عليك بأسم حرية الرأي ..!

ـــ العالم بأسره يعبر عن اشمئزازه عن معتقل غوانتنامو ... ولكنهم لا يعتبرونه خرق لحقوق الإنسان.

ـــ أقاموا سجوناً سرية في أوربا (افتضح أمرها)، ولكن من غير المسموح الكتابة عنها ...

ــ ولماذا نذهب بعيداُ .. فالعراقيون والعرب يعرفون تفاصيل يندى لها حتى من كان جبينه من الخشب ...  من أحداث جرت في سجن أبو غريب على أيدي الأمريكان، شكليا قدمت الفاعلة الرئيسية للمحاكم وأدينت شكلياً، إلا أنها نال عفواً وتولت مناصباً أعلى ...

ـــ بموجب معطيات نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" (كانون الثاني / 2022) خلال خمس سنوات، شن الجيش الأمريكي أكثر من خمسين ألف غارة جوية في أفغانستان وسوريا والعراق. وقد اعترف بقتل 1417 مدنياً خطأ في غارات جوية في سوريا والعراق منذ 2014. والعدد الرسمي للقتلى في أفغانستان 188 مدنياً سقطوا منذ 2018. " وتفيد وثائق وزارة الدفاع الأمريكية أن 4 % فقط من الأخطاء في تحديد العدو أدت إلى سقوط مدنيين. لكن التحقيق الميداني الذي أجرته الصحيفة يدل على أن نسبة هذه الحوادث تبلغ 17 % وسقط خلالها ثلث القتلى والجرحى المدنيين.

ــ الشرطة الأمريكية أسوء شرطة في العالم من حيث أطلاق النار الحي بدون إنذار على أي مواطن لا يمتثل لأمر الوقوف. أفاد تقرير لصحيفة الواشنطن بوست أن عناصر الشرطة الأمريكية قتلت 86 شخصا على الأقل، وأن هذه الحوادث وقعت في عامي 2015 و2016.

ــ يندر أن يمر يوم في الغرب، أن يقتل فيه شخص مسلم، أو ملون، أو من عناصر الأقليات، وتهاجم دور عبادة ومراكز ثقافية، وهناك سجل مذهل يوثق جرائم العنف والقتل، ولكن هذا ليس بإرهاب ... تهمة الإرهاب توجه فقط  للمسلم، أما الآخرون ... فهم مختلون عقلياً، أو يعانون من أزمة نفسية أو صدمة عائلية ... يستحقون العناية الصحية والاجتماعية وليس المحاسبة ...!

 

 

أفكار ميكافيلية في الإمارة

 

ضرغام الدباغ

 

يتحدث ميكافيلي هنا عن إيطاليا المجزأة، وكان كثير الاهتمام بوحدة إيطاليا، ومن يحب بلاده يحبها موحدة عزيزة، ويقدم الولاء لها على أي اعتبار آخر، فهو يريد القول أن الأمير عليه أن يتصرف بطريقة تكون مقبولة من شعب الإمارة التي صار الاستيلاء عليها.

 

" الممتلكات التي اكتسبت بهذه الطريقة (أي بالضم) إما أنها قد ألفت حكم أمير آخر فيما سبق أو كانت ولايات حرة يلحقها الأمير بممتلكاته.. إما بقوة أسلحته هو أو بقوة أسلحة غيره أو يسقطها في يده حسن الطالع أو قدرة خاصة ".(13)

وتصريف هذه المقولة تصلح في حال إعادة الاتحاد لقطرين، كالوحدة الفيثنامية، أو الوحدة اليمنية، أو مشاريع الاتحاد والوحدة عليها أن تراعي هذا الجانب.

ولكن إن شئنا أن نبحث المقولة في العلاقات الدولية غير حالات الوحدة والاتحاد، فنذكر أن فكرة الضم والإلحاق هي فكرة استعمارية تكاد تختفي بصيغها التي عرفت بها منذ الثورة الصناعية والفتوحات الاستعمارية وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن القوى الكبرى ما تزال تمارس ذات السياسة ولكن بصيغ حديثة، فحشد كبير من الدول النامية هي دول شكلية فحسب، لها مقعد في الأمم المتحدة ولها علمها ونشيدها الوطني وإذاعة رسمية، لكن الدول الكبرى تتدخل حتى في صغائر الأمور تبعاً لمصالحها السياسي والاقتصادية والاستراتيجية، وفي سائر شؤونها حيثما عن لها ذلك. فالتبعية الاقتصادية ما توال في أقسى أشكالها، وهو ما أفضى إلى تبعية سياسية، والأنكى من كل ذلك، أن القوى العظمى تحاول اليوم (وهي تصادف النجاح والمقاومة)، فرض أنماط من الثقافات وصيغ الحياة والدخل في دقائق الحياة اليومية ومفرداتها، بل هي سمة العصر وأحدى ملامحه الرئيسية.

وقد تخفي الدول العظمى أساليب تدخلها وراء عدة أقنعة: كالديون وال(المساعدات) وبرامج التنمية، وما إلى ذلك من العلاقات المشروطة على الأرجح، والتي تمثل المدخل للتدخل في الشؤون الداخلية، انتهاء بفرض المعاهدات غير المتكافئة التي تلب حاجات الدولة العظمى، ونادراً ما تهتم بهموم وهواجس الدولة الصغيرة، الطالبة للمساعدة.

ــ عن الملكيات المتوارثة يكتب " إن الصعوبة في المحافظة علي الدول الوراثية التي الفت حكم أسرة حاكمة أقل بكثير منها من حكم الملكيات الجديدة لأنه يكفي ألا نتجاوز أوضاع السلف وان نتهيأ للطوارئ المقبلة "

ومن النادر في الأنظمة المتوارثة، أن يستمر نظام الحكم على ذات السمت الذي كانت عليه، بسبب اختلاف القدرة الزعامية لوارثي الزعامة، من جهة وتغير الظروف والمعطيات السياسية والاقتصادية من جهة أخرى، ناهيك عن أن الوارث لا يجد ذات البواعث التي كانت لمن سبقه.

ونجد أن أفكار أبن خلدون في هذا المجال أكثر علمية ونضجاً، فميكافيلي يرى هنا ولكن دون أن يتوصل لذلك كما فعل أبن خلدون، أن الدول تتعرض للشيخوخة، بسبب فقدان العصبية التي دعت لنهوضها، وهو في ذلك ينتقد الأنظمة الملكية، ومن هنا وصفت أفكار ميكافيلي بأنها جمهورية مبكرة.

ويحاول مفكرون رجعيين أمثال: صامؤيل هنتغتن، وفرانسيس فوكوياما، أن يخلقوا عناصر شد جديدة بإشاعة مشاعر التخوف من هذه الجهة أو تلك، والهدف الرئيسي هو الإبقاء على حالة الشد العصبي، والالتفاف، عن طريق اختراع مخاطر موهومة.

وكان وزير الخارجية الأمريكي الكسندر هيغ، قد صرح أن لا بد من إيجاد المبررات لحلف الناتو، وابتكار جبهات ومواجهات. وأحدث تلك الأساليب، هو مشروع الدرع الصاروخي التي تحاول الولايات المتحدة تأسيسه في أوربا، هي تدعي أنه لحماية شرق أوربا من مخاطر وهمية(الصواريخ الإيراني) وعلى الرغم من أن هذا المبرر هزلي، ولا يصدقه أحد، إلا أن إجراءات تتخذ وتداعيات تحدث، وهناك ملامح أزمة تلوح في الأفق، الغاية منها إبقاء الأوربيين تحت شعور أنهم تحت حماية الولايات المتحدة القوية والضامنة للسلم والأمن على حافتي الأطلسي.

ـ كتب مكيافيلي " ولكن حين نستولي علي ممتلكات في منطقة تختلف معنا في اللغة والقوانين والعادات فإن الصعوبات التي لابد من التغلب عليها عظيمة ".

هذا خطاب يصلح لدعاة الإمبريالية والعولمة اليوم، وما لم يقله ميكافيلي لأنها لاحقة لعصره، أن الاستعمار هو مشروع اقتصادي / سياسي، والإمبريالية نموذج أعلى للاستعمار القديم (Colonialism)، أما العولمة فهي أعلى أشكال الإمبريالية، وهي مشروع اقتصادي / سياسي / ثقافي، أكثر تكاملاً من أي مشروع استعماري سابق، لأن التوسع الثقافي وسبله قد بلغت شأواً كبيراً، في ثورة شاملة رفيعة المستوى في جميع وسائل النقل والمواصلات (Communication System) من أبرز ملامحها: استخدام الأقمار الصناعية، وانتشار الحاسوب(الكومبيوتر) والهواتف النقالة، وآلات التصوير الديجتال وغيرها، وسهولة الانتقال بالطائرات، وهي أدوات تستخدمها دوائر العولمة في نشر ثقافة موحدة، عابرة للقارات والأمم، يملي فيها الأقوى إرادته ومعتقداته الثقافية، كما هي وسيلة لشعوب العالم الثالث في تحسين أدائها الثقافي، واستخدام هذه المعطيات لمصلحتها.

ــ " أن من لم تؤخذ أرضه منه لإقامة مستعمرة عليها سيحتفظ بالولاء له أي للأمير والخوف من أن تؤخذ منه أرضه مثلهم ".

ويكاد مكيافيلي يشير إلي أسلوب الدعاية بالترهيب، ولو عاصر ميكافيلي عالمنا اليوم، لأشار إلى أشهر واقعة تهديد وترهيب وابتزاز في التاريخ الحديث والقديم والحديث، ولأدرك أن تهديد القوي المتغطرس ليس على الدوام تأتي بثمارها، ونعني بها الجلسة التي هدد فيها وزير الخارجية الأمريكي بيكر وزير الخارجية العراقي طارق عزيز، بقوله سنعيد بلدكم إلى القرون الحجرية ما لم تقبلوا إنذارنا (Ultimatum). وقد رفض الوزير العراقي الإنذار، إذ لم يكن أكثر من استسلام كامل.

بوسع الدول العظمى اليوم بما تملكه من قوة هائلة، نقل جيوش جرارة خلال ساعات إلى أي بقعة في الكرة الأرضية وزجها في معارك قد تحرز النصر في صفحاتها الأولى، بيد أن هذه القوى سوف لن تكسب النتائج سياسياً، أو لنقل، أنها لن تستطيع التحكم في المسارات اللاحقة سياسياً بالدرجة الأولى، ولكن عسكرياً أيضاً، وسف تحتاج هذه الدولة العظمى، إلى مساعدة وجهود سياسية / عسكرية / أخلاقية لدول أخرى في معركتها.

ـ ويقول مكيافيللي " إن إهانتنا لإنسان لابد أن تكون إهانة تعنينا عن أن نخشي انتقامه "

ويريد ميكافيلي هنا القول أنك عندما تلحق الإهانة كضرر معنوي، أو إلحاق الضرر بطرف ما، عليك أن تتوقع ردود فعله إن عاجلاً أو آجلاً، وربما بطريقة تختلف عن تلك التي أقدمت عليها.

وفي السياسة المعاصرة، ورغم ضعف العوامل الأخلاقية، إلا أن هزيمة الولايات المتحدة في فيثنام خلقت عقدة نفسية لدى صناع القرار السياسي في هذه الدولة العظمى ما تزال تعاني منها، وقد أضافت العمليات الحربية في العراق الدائرة منذ سبعة سنوات المزيد من العقد السياسية، بعد الخسائر الكبيرة في الأفراد والمعدات التي منيت بها القوات المسلحة الأمريكية بخاصة.

ـ (من كان سببًا في قوة غيره هلك )..

 كتب نيقولا مكيافيلي تحت عنوان (لماذا لم تثر مملكة داريوس علي خلفاء الاسكندر عقب وفاته). يقول:  " الممالك التي عرفها التاريخ قد حكمت بطريقتين.. إما حكمها أمير وأتباعه يساعدونه في حكم المملكة كوزراء بفضله وإجازة منه.. أو حكمها أمير ونبلاء يتبوءون مراكزهم بدون مساعدة من الأمير.. ولكن لقدمهم.. ولمثل هؤلاء النبلاء ولايات ومواطنون لهم خاصة يعترفون بهم سادة عليهم بطبيعة الحال.. وللأمير في تلك الولايات التي يحكمها أمير وأتباعه سلطان أكبر من سلطان الأمير الثاني.. لأنه لا يوجد فوقه سواه ".

وفي السياسة المعاصرة نفهم ذلك أن القوى العظمى تدير أزمات، أو ملفات معينة، أو ربما مناطق كاملة بواسطة وكلاء تعمل على إمدادهم بمصادر القوة، أو تسمح لهم أن يكونوا مراكز قوى ليخدموا سياستها في نهاية المطاف، ولكن الولايات المتحدة كقوة عظمى تستخدم هذا المبدأ، تحرص أن تخلق قوى لتكون في مصلحتها وتحت قيادتها، وليس خلق قوة من أجل المطالبة بشراكة. وهناك فرق قانوني / سياسي كبير بين مصطلحي: تحت إشراف أو تحت كنف (Supervision) ومصطلح شراكة (Partner).

ـ يطرح مكيافيلي ثلاثة أساليب لإخضاع المستعمرات الجديدة التي لا نتفق معها في لغة أو جنس.. وهي التخريب، نقل السلطة إليها، تتويج حكومة عملية. وتمارس القوى العظمى هذه السياسة منذ عصر الاستعمار، وبكثافة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وشيوع أساليب الاستعمار الجديد. وتنصيب حكومات عميلة خيار محبب للمستعمرين القدامى والجدد، وكذلك في عصر العولمة.

وتنصيب حكومات متعاونين من أبناء البلاد وسيلة التجأ إليها كل المحتلون عبر العصور في محاول لإيجاد عناصر / شريحة تقبل بوجود المحتلين مقابل الحصول على مغانم فردية / فئوية لا ترتقي إلى مصلحة الوطن، وسرعان ما سيلحق التناقض التحالف الهش بين المتعاونين والمحتلين، المتعاونين على تعدد أطرافهم، والمحتلين على صعيد تقبل مسرح العلاقات الدولية لعملية نهب معاصرة تجري تحت أنظار العالم.

ــ (في الإمارة الجديدة التي استولي عليها بقوات غيرنا وخطه) يقول مكيافيلي: " إن أولئك الذين يرقون من أفراد عاديين ليصبحوا أمراء لمجرد الحظ، لا يعانون عناء كبيرًا في الصعود.. لكنهم يقاسون كثيرا في توطيد ولايتهم.. هم لا يقابلون في الطريق إلي الإمارة أية عقبات لأنهم يطيرون فوقها) ويضيف (وهؤلاء يعتمدون اعتمادا مطلقاً علي حظ أولئك الذين يرفعونهم وإرادتهم الخيرة) ويعلل (وهم غير قادرين علي المحافظة علي أنفسهم لأنهم لا يملكون قوات صديقة وموالية لهم ".

والترجمة العصرية لهذه الأفكار هي أن وضع أشخاص في موضع المسؤولية دون تدريب وتأهيل لمهماتهم، قد يتعود بالنتائج الوبيلة على البلاد والحكم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن القوى الكبرى المخلصة لاستراتيجيتها وليس لاعتبارات أخلاقية، تتعامل بواقعية: أنت لم تعمل لنا مجاناً، والآن قد حان وقت غيرك. والواقع والأحداث تشير أن الولايات المتحدة وبريطانيا قد استغنتا مرات عديدة عن كثيرين ممن تعاملوا معهم، لأن الحاجة استدعت التعامل مع وجوه جديدة. 

ــ يعتبر ميكافيلي أن " الدول التي ترمي شباكها وقواعدها سريعاً لجميع الأشياء الأخرى ذات البدايات والنمو السريع لا تستطيع أن تتجذر بعمق. هي تتشعب في أماكن رحبة حتى أن أول عاصفة تهب تدمرها ".

والغرب الاستعماري لم يستفيد من هذه المقولة الميكافيلية، لجهة كسب تعاطف الشعوب، بل كان جل سعيها، نهب أقصى قدر من القدرات الاقتصادية، وفي هذا السبيل فإن العناصر المحلية التي تعاونت مع الغاز المحتل، اتهموا من شعوبهم بالخيانة العظمى، ولم يعد مهماً في هذه الحالة البرنامج الذي يتقدمون به للشعب.

أما القصص التي يسردها مكيافيلي أن أميراً لكي يستجلب محبة الناس ولي عليهم قائدا فظا ولما جأروا من بطشه قاوم بالقبض عليه وقسمه بالسيف نصفين وعلقه في الميدان. فهذه تدخل في نطاق الحيل والأحابيل السياسية التي يتبعها المحتلون أو حتى الحكام المحليين، لإظهار مزايا السطوة والمبادئ الضائعة التي يريد المحتل أن يشرعها. كما يروي ميكافيلي الكثير من الأحداث التي تشير أن الأمراء كانوا يحيكون الدسائس والمؤامرات من أجل الاحتفاظ بالسلطة أو توسيع النفوذ، ويذكر أحداثاً كثيرة أم المؤسسة الدينية (الكنيسة ـ البابا) غالباً ما كانت تشارك في المؤامرات، لقاء صفقات ومكاسب.

ــ ويطرح مكيافيلي عدة نقاط يطلب مراعاتها من الأمير(النظام) الذي يصل للحكم بالحظ أو بأسلحة غيره:

1. تأمين نفسه ضد الأعداء.

المقولة كمبدأ عام صائبة، ولكن أن لميكافيلي أن يعيش عصرنا هذا ويشاهد أعلى أشكال البراغماتية (Pragmatsim) تطبق في عالم السياسة، بل وحتى العقائديين الدوغماتيون (Dogmatism) صاروا برغماتيين يسلكون أكثر الوسائل انفضاحاً من أجل مصالح لا تداني المصداقية (Credibility) العقائدية ولو حتى بالقليل. عالم اليوم يقبل ويدعو لإقامة التحالفات، والائتلافات بهدف حلحلة الموقف ودفع العملية السياسية. 

2. استعمال القوة أو الخديعة.

يؤمن ميكافيلي باستخدام القوة عند الحاجة لها، وحينما يمتلكها دون هوادة ولا شفقة، وعندما يتفوق طرف ما فعليه أن يستخدم معطيات التفوق بلا تراجع أو تردد لدرجة سحق الخصم بحيث قطع أمكانية أن يعود ذو حجم مؤثر. أما مبدأ الإيهام(Camouflage)، والاستتار خلف أي ستارة تؤمن تأجيل المواجهة الحاسمة، أو دفعها إلى الوراء سعياً وراء أهداف سياسية قد تكون مؤثرة بمجموعها. ميكافيلي يعتقد أن واجب السياسي أن يحافظ على الدولة ومصالحها فحسب.

3. أن يكون محبوبا ومهيبا للشعب.

ميكافيلي لا يقبل بالطغاة، وقوله هذا وإن كان الحاكم أو النظام يتسم بالقوة، ولا أمل يلوح لخصومه وأعدائه، إلا أن عليه أن يجعل وجوده مقبولاً، بل وخياراً محبباً. ولكن أي نوع من المحبة، إنها المحبة الممزوجة بالاحترام والتقدير، وهو ما يسعى الحاكم أو النظام أن يشيعه بين صفوف الشعب لا أن يفرضه قسراً.

4. التخلص من كل مكامن الخطر.

الحاكم إن تمتع ببصر وبصيرة ثاقبة، وبقدرة ضرورية للتنبؤ، عليه أن يدرك بعمق أي المخاطر ينطوي عليها إقدامه على هذه الفعلة أو تلك. وأن يتنبأ أي المخاطر هي أمامه وبأية درجة. والتخلص من الخطر في عرف ميكافيلي فهو قد يعني ربما التآمر، أو أتباع ما من شأنه تلبية الغرض، ولكن في علم السياسة المعاصر، فإن النظام / الحكومة ينبغي لها أن تنصت لرأي الخبراء، والخبراء هم علماء السياسة والقانون الذين ينيرون طريق الإجراءات بالأفكار السديدة، واستجلاء لعواقب القرارات ونتائجها المحتملة.

5 ـ يقوم بتجديد كل ما هو قديم.

هذه مقولة رائعة، وثورية حقاً، ربما قالها ميكافيلي دون معرفة وافية للديالكتيك(Dialectic)، ربما كان قد أطلع على مقولات هيروقليطس، بيد أن الديالكتيك لم ينضج إلا على يد هيغل وماركس وهما لاحقان لمرحلة ميكافيلي بعدة قرون. التجديد ببساطة يعني استمرار الحياة، بل قل قابلية استمرارها، وأنها السبيل الوحيد لفهم التطور وحركة التاريخ، من يتخلف عن فهمها، يصبح للأسف كالشجرة اليابسة لا أمل بالثمار منها، وستكون عائقاً أمام من يريد مواصلة المسيرة.

6 ـ يجمع بين القسوة والشفقة.

القسوة دليل الحزم، وإشارة للقاصي والداني أن من يخطأ يعرض نفسه للمساءلة، وستكون قاسية إن كان الخطأ جسيم، ولكن عليه أيضاً أظهار العطف حين توفر ظروفه، ففيه يؤكد الحاكم (النظام) أن المواطن هو أبن الدولة، وفسحة العطف موجودة، إن توفرت ظروفها، ومنها تنزع الدولة (الحاكم) صفة السطوة والطغيان.

7 ـ نبيل الخصال.

هذه قالها كل علماء العلوم السياسية، فمن يتصدى لقيادة الناس، لن يكون مقنعاً ما لم يتمتع بخصال متميزة. وبعض من هذه الخصال هي مكتسبة، والأخرى هي لصيقة به كأن يكون كريم المحتد.

وقد يختلف علماء السياسة حول من هو النبيل أو كريم المحتد ..؟

في عصر ميكافيلي، لا بد أنه لا يمكن له أن يتصور أميراً دون أن يكون سليل عائلة إقطاعية، واسعة الثراء كبيرة العدد، تمتلك الأراضي الشاسعة، وهي صفات تؤهل العائلة على إقامة تحالف عائلات مع عائلات أخرى، وتتمكن بذلك أن تشكل القوة السياسية والاقتصادية والسياسية الأكبر. أما في عصرنا الحالي، فالقائد السياسي ينبغي له أن يمتلك كاريزما قيادية، وليس سوى ثقافة ممتازة تجعله محدثاً يستحق الانصات له، وتجربة مهمة في العمل السياسي، وله إطلالة طيبة على الجمهور.

فما لذي يجعل الفرنسيين ينتخبون رئيساَ مثل ساركوزي، وهو المهاجر أبن المهاجر، تمتد جذوره لديانة غير المسيحية، سوى كفاءته في وزارة الداخلية التي أقنعت حزبه أولاً ومن ثم الجمهور أن بوسعه قيادة البلاد.

8 ـ رحب التفكير.

هي نصيحة طيبة من ميكافيلي في ذلك العصر الذي كانت الدولة تفتقر فيه للمؤسسات الدستورية القوية، وبالتالي كان الشعب يرجو، وليس أكثر من الرجاء أن يتسع صدر الأمير لرأي غيره.

في عالم السياسة المعاصرة، فإن حرية التفكير والاستماع خاصة لرأي المعارض هو من بديهيات الأمور، ولكن أي حاكم وأي حكومة وأية معارضة، فذلك هو الشأن الجوهري في الواقع.

فالحاكم كسلطة تنفيذية، ومجلس النواب كسلطة تشريعية إنما سلطات تعمل بنصوص القانون، وهي مقيدة بشكل حازم بالدستور، وهناك محكمة دستورية تنظر في كل حالة يشتبه بأنها خالفت الدستور أو روح الدستور ..!

9 ـ يبقي علي علاقة بين الملوك والأمراء تفرحهم إذا نفعوه ويخافونه إذا أضروه.

ـ ثم يقرر مكيافيلي بأن: المنفعة الحديثة لا يمكن أن تمحو أثر الإساءة القديمة من نفوس العظماء. ولعلنا في هذا الباب قصدنا الإطالة لمأثورات مكيافيللي نظراً لما تراءي لنا من أهمية تلك الملحوظات في عصرنا الحالي.. وما يمكن أن نلاحظه يوميا في حياتنا علي أي مستوي من مستويات السلطة.

في السياسة المعاصرة نعلم أن الدول كالأشخاص. فمنها ما هو محترم الجانب، لأن الدولة وبصرف النظر عن حجمها(للحجم والسكان دور لا ريب في ذلك)، إلا أن الدول تستطيع أن تثبت للدول الجارة محلياً وقارياً، أنها ذات منفعة، وأنها تتحرك في أي اتجاه يكون مفيد للعلاقات الثنائية والدولية.

10ـ ويؤكد أن الشدة الصالحة (لو أمكن استبدال الشر خيرا) لا يجب أن تستعمل سوي مرة واحدة لتأمين مصير الأمير.. كما لا يجب استخدام الشدة في تلك الحالات التي سوف تتلاشي مع الزمن تلقائيا.

لعل ميكافيلي يريد أن ينصح أن لا يسرف الأمير(الحاكم / الدولة) في استخدام القوة، وإظهار الجبروت. وفي ذلك يلعب الاقتصاد في القوة دوراً في تقرير أين ينبغي أظهار القوة والتشدد، وأين تكون إبداء المرونة واجبة. والإسراف في القوة قد يؤدي أن يكون ذاك الطرف مرهوب الجانب، بيد أن القوى المناوئة له سوف تتحالف ضده متى ما بدا أنه خطر محدق على الجميع.

11 ـ ويشير إلي: أن الفاتح الذي يستولي علي ولاية جديدة عليه أن يهيئ الأمر لكي يقترف ضروب قسوته مرة واحدة حتى لا يضطر إلي أن يمارسها كل يوم ويعلل ذلك بأنه (سيضطر دائما أن يقف والخنجر في يده ولا يستطيع أن يركن إلي رعاياه بتاتا لأنهم لا يستطيعون أن يطمئنوا إليه بسبب أذاه الذي يتجدد لأن الإساءة يجب أن تكون جميعها دفعة واحدة حتى أنه كلما قل حدوثها قل ضررها).

في السياسة المعاصرة لا توجد ولايات تفتح بالمعنى القديم،  بيد الأمريكان على سبيل المثال كغزاة في القرون المعاصرة، لا ينفكون عن استخدام القوة المفرطة ولسنين طويلة، بل هم يتبعون حزمة أساليب عديدة في آن واحد، وكلها تنطوي على الشدة أكثر مما تعتمد على الحوار السياسي مع خصومهم، وهذه دلالة أن الدولة العظمى التي تتمتع بقدرات اقتصادية وسياسية كبيرة، لكنها تعتمد على القوة بالدرجة الأولى، رغم أن دراسات استراتيجية أمريكية تنصح بعدم وضع القوة المسلحة في المقام الأول، بل السياسة المدعومة بالمال، ويستشهد استراتيجي أمريكي معاصر بالقول: أن المال لم يخلق من أجل قيماً أفلاطونية ..! (14)

12 ـ في الإمارات المدنية تحت هذا العنوان كتب: (وبلوغ هذه الولاية لا يتوقف بتاتاً علي الجدارة أو الحظ ولكنه يعتمد بالأحري علي المكر يعينه الحظ لأن الأمير يبلغها برغبة الشعب أو بإرادة الطبقة الأرستقراطية)

يريد ميكافيلي بالصياغات السياسية المعاصرة، والمكر عنده العمل السياسي / الدبلوماسي الذكي،  يريد القول: أن ترسيخ السلطة لا يعتمد فقط على المعطيات القانونية، التي يفترض أن الكفاءة والجدارة عمادها، بل أن على الحكومة اللجوء إلى أساليب أخرى، هو يطلق عليها المكر، بيد أنها الذكاء والحصافة التي تتمتع بها الحكومة، والحاكم، من خلال سياسة داخلية وخارجية منسجمة، وبجهاز إعلامي متطور يفسر عمل الحكومة بطريقة ذكية للشعب.

13 ـ وإذا كان نيقولا مكيافيلى ينصح الأمير العاقل بأن (يبحث عن وسائل يكون رعاياه بها في حاجة إلى حكومته دائما وفى كل ظرف ممكن وحينئذ سكونون أوفياء له على الدوام).

الحكومة ينبغي لها على الدوام أن تكون حججها وأسانيدها في العمل الشرعي، وأن تكون حائزة على ثقة المواطنيين، وليس فقط قلوبهم واحترامهم، المهم هنا الولاء للدولة قبل الولاء للحكومة القائمة هذه أو تلك.

14 ـ كيف يجب قياس قوة كافة الإمارات ؟ تحت هذا العنوان كتب مكيافيلى (أعتبر الذين في حاجة إلى غيرهم دائما هم أولئك الذين لا يقدرون أن ينزلوا أعدائهم في الميدان ولكنهم يضطرون إلى الانسحاب داخل مدنهم ويدافعون ) و ( ليس ثمة قول سوى أن تستنهض هذا الأمير لتحصن مدينته تحصينا منيعا ويهاجم بإحجام شديد وذلك لأن الناس يعافون دائما المشروعات التي تنبئهم بمصاعبها ولا يمكن أبدا أن تبدو مهاجمة أمير له مدينة منيعة ولا يناوئه شعبه أمرا هيناً )

في السياسة المعاصرة ليست هناك قلاع وحصون، إنما هناك فهم عميق ودقيق لقضايا الأمن القومي، ولتلك معطياتها وركائزها على الصعيد الداخلي والخارجي. فعلى الصعيد الداخلي يعد الأمن الغذائي والاقتصادي عامة، والوحدة الشعبية، والسلم الاجتماعي من أهم مرتكزاتها، فيما على الصعيد الخارجي، علاقات الدولة الخارجية، محلياً وقارياً ، والدور الذي تلعبه في الحياة الدولية سياسياً واقتصادياً، وثقافياً.

خاتمة

برأينا :

* المفكر أبن عصره.

* المفكر يستخدم مفردات من القاموس السياسي لعصره.

* لا يمكن مقارنة أعمال أي مفكر إلا بمن سبقوه من المفكرين أو المعاصرين له.

* ينبغي أن يتذكر من يتصدى للتقييم أو النقد، الظروف التاريخية لذلك العصر.

* لا يجوز اقتباس مقطع صغير من أعمال المفكرين، فقد يختفي المعنى في النص بأكمله.

 

هذه بتقديرنا عناصر مهمة، ينبغي للكاتب، الناقد أن يتذكرها عند تصديه لمهمات تحليل أو تقييم عمل أحد المفكرين. وقد تعرض ميكافيلي لحملة تشويه واسعة، بل ووضعت كلمات لم يقلها في فمه، من تلك مثلاً مقولة انتشرت كالنار في الهشيم، لم يقلها ميكافيلي مطلقاً، وقد أطلعت على عمل لباحثة ألمانية مختصة بأعمال ميكافيلي، تذكر أن هذه المقولة موضوعة، ربما هي استنتاج توصل إليه أحدهم لأفكار ميكافيلي، إلا أنه لا يوجد نص في أعماله، والمقولة هي: الغاية تبرر الواسطة.

من له مصلحة في تدمير سمعة ميكافيلي العلمية والشخصية ..؟

الكنيسة كانت قد ناصبته وناصبها العداء، هذه حقيقة مؤكدة.

الكنيسة رمت ميكافيلي بأنه من أشياع الوثنية. المؤسسة الدينة اعتادت أن ترمي من يعاديها أو يسعى لإبعادها عن أنشطة السياسة والحكم بالزندقة، بالهرطقة، بالفسق، بالكفر ..الخ .

ولكن ميكافيلي كان متديناً، بمعنى أن كان مؤمناً وموحداً، ولكن الكنيسة تريد الاستسلام الكامل الشامل وليس أقل من ذلك، وهو ما لم يكن ميكافيلي ليقبله، لأن الزمن كان قد تجاوز مثل هذه الفكرة، بل وميكافيلي وآخرون غيره كانوا قد توصلوا إلى حقيقة أن الكنيسة عائق أمام التقدم، عائق ضد الوحدة الإيطالية، الكنيسة كان لها المصلحة أن تبقى إيطاليا مقسمة إلى دويلات، على أن تتحد، لأن في التجزئة ضمان لتفوقها على السلطة الزمنية(الدولة)، وأن الوحدة ستقود إلى قوة الدولة والحكومة والقوانين الوضعية وهو سيعرض نفوذها للتقلص التدريجي وربما لاختفاء.

هل تقبل المؤسسة الدينية أن تحصر عملها بين جدران الكنيسة ..؟

هل الأمر يتعلق بإطاعة أوامر إلهية بالقيادة والحكم ..؟

في غالب الأحيان لم يكن تلك الفقرة الوحيدة في رسالة الكنيسة (Argumentation)، الكنيسة كانت ثرية، بل المالك الأعظم للأراضي ووسائل الثروة. وقد تمتع رجال المؤسسة الدينية دائماَ بالوجاهة الاجتماعية إضافة إلى المقدرة الاقتصادية.

لذلك فإن المؤسسة الدينية لا تحبذ أن تكون الدولة قوية. لأن قوة الدولة يعني الدستور، ويعني بالتالي سائر القوانين الوضعية، الذي تضمن الفعاليات الاجتماعية، القانون ينبغي له أن يلبي حاجات الأنشطة الاجتماعية، والأنشطة الاجتماعية تتضمن فعاليات لا ترضى عنها الكنيسة أو تقف منها موقفاً سلبياً.

 

الحياة تطرح منطقاً، يؤدي لاشتداد نفوذ الدولة بالنظر للتطورات الاجتماعية والاقتصادية التي دارت في نهاية القرن الخامس عشر يصفه جورج سباين بأن كان لها عواقب اجتماعية وسياسية بعيدة الغور، وكلها تؤدي إلى تقوية نفوذ السلطة الزمنية (الملوك والأمراء) قادت في نهاية المطاف إلى نهاية النفوذ القانوني للكنيسة. (15)

كانت الكنيسة قد أفلست إفلاسا تاماً، لم تنقذها الحركات الإصلاحية (اللوثرية)، ولا محاولات التوفيق بينها وبين الفلسفة (السكولاستية) التي يمتد جذور نفوذها إلى 300 عام قبل الميلاد، إي قبل حلول المسيحية وانتشارها في أوربا بما لا يقل عن 700 عام.

كانت رياح التغيير قد هبت لا محالة، الاكتشافات الفكية كانت أكثر من أن يطمسها حرق العلماء، أو إعدامهم، الفنون اجتذبت عقول الناس وأفئدتهم معاً، الشعراء والفنانون عامة قد أقنعوا الناس، أن الحياة جميلة، ويمكن أن تصبح أكثر جمالاً. التغيرات كانت تدب فوجدت هذه آثارها في فكر مفكر ألمعي مثل ميكافيلي، الذي أستشف بوضوح لم يجاريه أحد، أن المستقبل هو الدولة، وبالدولة فقط يمكن إحراز مكتسبات تعزز من كيان الشعب، تجمع إرادة الناس، ولا تفرق بينهم، لذلك لا بد من إنهاء دور الكنيسة، مقابل تقوية سلطة الدولة متمثلة بالملوك والأمراء، ومن خلال منح الفرص للعمل السياسي. (16)

ـ وكان عداء ميكافيلي للكنيسة ناجم عن اعتقاده أن لا تقدم مع هيمنة الكنيسة الثقافية / الاجتماعية، كتب يسخر من الكنيسة بقوله: " نحن الإيطاليين مدينون لكنيسة روما (الفاتيكان) ولقساوستها بأننا أصبحنا (بفضل فسادها وتخلفها) غير متدينين واشرارأً، ولكنا ندين لها بدين أكبر وسوف يكون سبب خرابنا، ألا وهو أن الكنيسة أبقت ولا تزال تبقي على انقسام بلدنا، ومن المؤكد أنه لا يمكن لبلد أن يصبح أبداً موحداً وسعيداً إلا إذا أطاع تماماً حكومة واحدة، سواء كانت ملكية أم جمهورية ". (17)

ـ ويصف سباين أعمال ميكافيلي بقوله: إن كتاباته وأعماله في الدبلوماسية، مزاياها ونقائصها المميزة لها، فيها أذكى بصر بنقاط الضعف والقوة في موقف سياسي، ألأوضح وأرزن حكم على موارد خصم ومزاجه، وأكثر تقدير موضوعي للقيود التي تحد من سياسة ما، واسلم إدراك في التنبؤ بمنطق الأحداث ونتيجة المجرى الذي يسير فيه بالفعل، وهي صفات جعلت منه محبباً لدى الدبلوماسيين من عصره وإلى الآن.(18)

ــ أمتلك ميكافيلي بصيرة ثاقبة، وإخلاصا لا حدود له للعلم، ولمستقبل بلاده، فعمل بكل قواه على إعلاء شأنها، وفي ذلك ناهض القوى الكبرى في مجتمعه: الكنيسة والأمراء الفاسدين(الميديتشيين الذين عادوا للسلطة بحراب المحتلين الأسبان) وبإخلاصه بدت مواقفه وأفكاره غريبة مشايعي الكنيسة، والمتملقين للأمراء بدفع من مصالحهم الشخصية. وأفكاره المتحررة بدت جريئة في " مجتمع كانت بقايا الفكر الإقطاعي، ولا سيما فرديته ونفاقه، تطغي علي عقول الجانب الأكبر من أصحاب الكلمة والفكر فيه. فقد كان ضعاف النفوس من أقرانه يحسدونه ويحاولون النيل منه عن طريق خلق المشاكل له وإشاعة الرذائل عنه والطعن في إخلاصه، فلم يجد من الأصدقاء المخلصين، لا سيما بعد نفيه، سوي الذين كانوا علي مستوي تفكيره أو من كانوا في أخلاقهم ارفع من أن يسمحوا لأنفسهم بالتحلل والانحطاط، ويأتي علي رأسهم المؤرخ المعروف كويجارديني والدبلوماسي الفلورنسي فرانسيسكو فيتوري. وبحق قال عنه أحد المؤرخين: كان وحيدا لكنه كان ارفع من الآخرين. (19)

ـ وميكافيلي شأنه شأن معظم عباقرة التاريخ، يموتون منفيين جياع، يدفنهم الغرباء. ولكن التاريخ يحترمهم، ولئن قاسى ميكافيلي في عصره، فذلك لأنه كان سابق بفكره، وقد شاء له طالعه أن لا يستطيع الحديث عن توافه الأمور التي تسعد وتبهج بعض الحكام، عن فن صناعة الحرير، ولا عن فن نسج الصوف ولا عن الربح أو الخسارة، فقد كان لا يجيد الحديث إلا عن أمر واحد بل عن موضوع واحد هو قضايا الدولة.

لذلك بتقديرنا:

الدولة:

هي الخلاصة الحقيقية وزبدة أفكار ميكافيلي هي، الدولة، والدولة فقط، ومن أجل أن تكون كلمة الدولة هي العليا، ناصبته الكنيسة (المنافس التقليدي للدولة) العداء، فشهرت به واستخدمت كافة وسائل الإسقاط بحقه شخصياً ولم تنج حتى عائلته من التشهير.

وقد توصل ميكافيلي لقناعاته تلك عبر قراءات لأفكار فقهية / قانونية (شيشرون ـ سينكا ـ سولون)، كذلك من خلال التجربة التي عايشها شخصياً وكان وفياً لها ودونها في أعماله: الكنيسة خطر على الوحدة الوطنية، لا تقدم مع هيمنة الكنيسة، فالدولة بنظر ميكافيلي كيان يمكن السيطرة عليه عبر القوانين، ويمكن توجيه اللوم لها واتهامها بالتقصير ومحاسبتها، ولكن من الذي يجرأ على اتهام الكنيسة والمؤسسة الدينية ..؟

حتى القس مارتن لوثر الذي قاد انتفاضة ضد الانصياع الأعمى، وضد صكوك الغفران، وضد معصومية البابا، وقف إلى جانب الأمراء في قمعهم لثورة فلاحية، وانتهى الأمر به ليكون مسالماً للقياصرة والملوك، ليقول مقولته الشهيرة: لا يجوز لمسيحي أن يثور ضد القيصر.

ومن أجل إعلاء شأن وكلمة الدولة، قبل ميكافيلي أن يخوض المعارك دون هوادة، وكان قبلها قد قبل أن يفعل السياسي كل شيئ من أجل الحفاظ على أهم مكتسب يمتلكه أي مجتمع:

 

الدولة ـ النظام ـ القانون

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

 

 13. سيد أمين: أمريكا الميكافيلية / دراسة تطبيقية(المقولات مقتبسة من المقال)

14. بالدوين، هانسون: استراتيجية للغد، ص295

15. سباين، جورج: نفس المصدر، ج3، ص467

16. سباين، جورج: نفس المصدر، ج3، ص471

17. سباين، جورج: نفس المصدر، ج3، ص473

18. مظهر، د. كمال: ميكافيلي والميكافيلية، كراس

19. مظهر، د. كمال: نفس المصدر

 

درس أوكرانيا البليغ

 

ضرغام الدباغ

 

 

 أين الحكمة في هذه :

أن تذهب إلى الدب الجريح الجائع، فتستفزه وتهينه، وتشعره بالخطر، وتستحثه أن يهاجمك، وحين لا يجد الدب أمامه حين يبلغ الهياج أشده، إلا أن يهجم ويجرح، ويثأر لنفسه ولكرامته، فتقم أنت ويتعالى منك الصراخ، وتطلب النجدة من ضبع ....؟ قل لي أين الحكمة في هذه ..؟

أنا لا أقبل بالضرب والجرح والزثير والخوار، ولكن بنفس الوقت تجاهل التهديد بدرجاته القصوى سذاجة .. وإذا كانت روسيا التي تمتلك 6500 رأس نووي وعدد لا يحصى من الصواريخ البالستية العابرة للقارات، ذات الدقة البالغة في إصابة الأهداف، دولة كهذه لا تشعر بالأمان، ألا نتفهم (لا أبرر) قلقها ..؟

لماذا رفض طلبها حين أرادت الانظمام للناتو فرفض طلبها في عهد الرئيس كلنتون، وفي لقاء قمة مالطا (1989) نهاية الحرب الباردة، كانت قد قبلت بحل منظومة الدول الاشتراكية وحلف وارسو، ولم تشترط بالمقابل حل حلف الناتو، بل طلبت عدم اقتراب الناتو من حدود دولة روسيا، فوافقوا شفهياً، وفاتهم أن يطلبوا ذلك تحريرياً (وتلك غلطة)، وإن كانت أميركا لا عهود لها لا شفهية ولا مكتوبة. فأقترب الناتو من روسيا حتى بلغوا تخومها ... لماذا ...؟

 

 

 

 

(لاحظ الجدول)

 

ـــ يقول الجنرال الباكستاني وهو يتجرع خيبة علاقاته مع أميركا: " المتعامل مع أميركا كبائع الفحم، عليه أن يتقبل أن يغمره السخام الأسود "

ـــ ويقول الرئيس المصري السابق. " من يتغطى بأميركا عريان ...! "، لاحظ عمق الألم في التجربة ..!

 

أميركا أرادت من أوكرانيا المليئة بالمتناقضات والمتعارضات أن تجعل منها بؤرة مشاكل، تتعب روسيا من خلالها، وأن تجعل منها مقراً وممراً لألعابها .. وأن تضع فيها قواعدها الخطرة، وأن تصبح من خلالها على مرمى حجر من موسكو، وأجزم أنها كانت تعلم أن موسكو سوف لن تقبل بهذا التطور الذي يحمل المخاطر الجمة (على أصعدة عديدة) على الأمن القومي الروسي .. والقبول بهذا الخطر سيجعل من الخطوة المقبلة حرباً نووية شاملة لا تبقي ولا تذر ..! احتمالاً معقولاً، فلماذا يتعين على روسيا قبول هذا الخطر الساحق الماحق ....؟

 

الأمريكان كانوا واثقين أن الروس سوف لن يقبلوا أن يصبحوا على مرمى الحجر ..وأنهم سوف يردون، ولكن كيف سيردون ..؟ وعلى طبيعة الرد سيتكشف مدى قوة الموقف الروسي، وقدراتهم العسكرية، ويأملون بمقاومة اوكرانية (ولكن ..لا تنتظروا مساعدتنا المباشرة)، تلحق أكبر قدر من الخسائر المادية (عتاد وأرواح) وسياسية بشد موقف بلدان الناتو الأوربية، وتكريس زعامة أميركا المهزوزة بشدة، بعبارة أخرى ..جعلوا من أوكرانيا فأر تجارب ..وساحة اختبارات وميدان رمي ..وسيدفع طراطير الأوكرانيون ولمن يعشق الروك أندرول وبنطلونات الجنس والاباحية منهم سيدفعون ثمناً باهضاً ..! في محاولاتهم البائسة تقليد الأمريكيين.

مالذي سينجم عن الحرب ...

ـــ ستمثل مفارقة تاريخية، ومفصلاً مهماً وافتتاحية عصر انهيار لنظام العولمة، وربما ملحقات أخرى.

ــ أن المارد الأمريكي قد تحجم (رغم كون يمتلك أضخم ميزانية دفاع في العالم)، وعليه أن يعود لقمقمه ..وأن الصفحات المقبلة تشير أنه سيخسر ساحة شرقي آسيا، والهيمنة المطلقة على حوض المحيط الباسفيكي.

ــ روسيا موجودة في أوربا كياناً وقوة سياسية واقتصادية وعسكرية. لابد من حساب حسابها بدقة.

ـــ مستقبل التفاعلات السياسية والاقتصادية في القارة لا تنبأ بخير عميم ..بعد أن اهترأت مصطلحات : حقوق الإنسان، والديمقراطية، والأقليات، فهذه مصطلحات تستخدم في بورصة السياسة الأمريكية / الغربية، كما يجري الأمر في سوق الأوراق المالية (البورصة).

ــ هذه التداعيات وغيرها ستنهي الأحادية القطبية، إلى نظام تعدد الأقطاب.

ــ  وهذه المعطيات ستقود إلى تقاسم جديد للعالم.

 

 

 

 

المخطط أعلاه يشير إلى الفارق الكبير جداً بين ميزانية الحرب الامريكية والروسية، نحو 12 ضعفاً،  وأربعة أضعاف الميزانية الصينية ...... وهذا يؤكد مكانة القوة بين الخيارات الامريكية ...

 

1. ميزانية الدفاع الامريكية : 731,8 مليار دولار

 

2. الصين : 261,1 مليار دولار

3. الهند : 71.1 مليار دولار

4. روسيا : 65,1  مليار دولار

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

أقل الدول

1. تركيا : 20,4 مليار دولار.

2. هولندة : 12.1 مليار دولار.

3. إيران : 12,6 مليار دولار .

4. إسرائيل : 20,4

5. بولونيا : 11,9  مليار دولار

 

27 / شباط / 2022

العالم يتغير ...

ماذا نحن فاعلون ...!

 

ضرغام الدباغ

 

 

كنت أواخر عام 1986، قد شرعت بكتابة مقال، بموضوع ماذا نفعل ..  ويوم القي القبض علي بتاريخ 5 / كانون الثاني / 1987 في مدينة السليمانية لم يكن المقال قد أكتمل بعد، بل كنت قد أنجزت صفحتان أو ثلاثة بحجم (A4)،  وجرى التحقيق معي، وأصر المحقق أني أقصد العراق ونظامه السياسي، ولم ينفع دفاعي أن المقال (الغير كامل) لم يكن يحتوي  على أي أسم، سواء شخص، أو دولة، ولا حتى أي أسم علم، ولكن المحقق لم يقتنع، فأحالني (مع مواد أخرى) وحكم علي بموجب قانون المطبوعات بالسجن لمدة 8 سنوات، أدغمت مع الحكم الصادر علي بالإعدام.

اليوم وبعد 35 سنة، أعيد كتابة المقال بعنوان آخر، ولكن بمحتوى آخر، هو أني أريد أن أطلق التحذير، أن عقبات وعراقيل كبيرة أمامنا، فليحذر ربابنة السفينة ... أن الواقع الموضوعي صعب، بل هو صعب للغاية، ولا يحق لنا أن نقرع الربابنة كثراً، بل أن نرشدهم وندعمهم، ونشد من أزرهم.  والموضوع الذي سأكتبه يستحق هذا العنوان  ...المهم ان هذا النداء يحذر المشاركين .. انتبهوا قبل فوات الوقت والفرصة ..... انتبهوا رجاء ......!

 

التنبؤ بمآل تطور الأحداث السياسية هو من أهم مهام علماء السياسة، ومحترفو العمل السياسي من رجال الدولة ومن الدبلوماسيين ومن صلب مهامهم الرئيسية، يتقدمون بآرائهم للقيادات السياسية، لذلك يشترط من أجل التوصل لمستوى رفيع في قراءة الأحداث ونتائجها، الاطلاع الكثيف على الأخبار ومتابعتها على مدار الساعة، وهناك قدر مهم من المعلومات الدقيقة والتحليلات، لا ينشر في الصحافة أو في الإعلام، بالعكس، فألاخبار في وسائل الإعلام كثير ما تكون مصاغة ومنتجة في مختبرات يراد منها تضليل الرأي العام، أو حرف انتباههم إلى غير ما تدور في الساحة الرئيسية من أحداث، ولم تكتب على أيدي خبراء ومختصون. وحتى ميدان البحث صار يحفل بمن يتعامل مع الأمور على نحو تجاري.

 

يعتمد الدبلوماسيون بدرجة كبيرة على المعلومات والتقارير الاستخبارية، وبعض المعاهد المحترفة للدراسات والبحوث، وهذه عددها ليس كبير، في حين يلاحظ للأسف كثرة أعداد مراكز الدراسات والبحوث تلك التي تعمل كما أسلفنا لأغراض تجارية، وبحسب اطلاعنا على الكثير منها، لاحظنا أن معلوماتها وتحليلها لا يتعدى مستوى الصحافة الورقية المطبوعة، أو الالكترونية، أو الأخبار السياسية التحريضية التي تفتقر للمصداقية، فقراءة مثل هذه التقارير قد تضر أكثر مما تفيد، لأنها تكون أراء سطحية تقود إلى تعامل هش مع الأحداث وتكوين أراء لا ترتقي إلى درجة تعامل يأمل منها التوصل لقرارات ناضجة بمستوى الأزمات.

 

" تقاسم جديد للعالم " نظرية معروفة في السياسة الدولية، وهي عملية تجري بأشكل عديدة، أكثرها وضوحاً، أن يجلس الرابحون والخاسرون على طاولة واحدة، (أو يستبعد ؤالخاسرون) ويبدأ القضم والالتهام، يرغم فيها الخاسر على التوقيع على التنازل عن  أراض كانت تحت إدارته خسرها حرباً، أو مناطق ما زالت تحت هيمنته، فيسلمها طائعاً مختاراً في المفاوضات، كما حدث ذلك في مؤتمر فرساي / باريس (حزيران 1919)، بعيد الحرب العالمية الأولى.  وفي مؤتمرات الحلفاء (يالطا وبوتسدام / 1945) في أعقاب الحرب العالمية الثانية. أما نتائج الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي الاشتراكي،  فدارت في لقاء على ظهر بارجة روسية راسية في مياه جزيرة مالطا بين الرئيس الأمريكي بوش(كانون الأول / 1989)، والرئيس السوفيتي غورباتشوف، ولم يعلن ما دار بدقة ولا النتائج الكاملة(صدر بيان صحفي غير تفصيلي). ولكن مؤشرات الاتفاق ظهرت على أرض الواقع، بتفكيك لحلف وارسو، والمعسكر الاشتراكي، بل وحتى الاتحاد السوفيتي. ونتائج أخرى نشاهد تطبيقاتها تباعاً في أرجاء شتى وبأشكال متفاوتة.

 

ولا غراوة أن تدور الأحداث بسرعة شديدة (فنحن في عصر الصواريخ الأسرع من الصوت)، وهي الآن على وشك أن تفرز واقعاً دولياً جديداً (بدأت مفرزاته الابتدائية تظهر على أرض الواقع) بناء على تعاظم مكانة الصين السياسية والاقتصادية والعسكرية، كقطب دولي، ويتمثل هذا الواقع الجديد بتشكيل معسكرات جديدة تتقاسم النفوذ في العالم، وسيبدو من الصعب بمكان، أن تتمكن دولة ما، بما في ذلك الدول الكبرى (ذات المساحات الكبيرة وأعداد السكان المرتفعة والاقتصادات الضخمة) من النجاة من تأثيرات وتداعيات التقسيم الدولي الجديد، والأمريكان (الديمقراطيون منهم) يصرحون اليوم بالضبط كما صرح بوش الابن الجمهوري من قبله " من ليس معنا فهو ضدنا ". فحجم القوى الاقتصادية هائل بدرجة لا تتيح مجالاً للقوى الصغيرة إلا أن تلعب دور التوابع، أما حجم القوى الاقتصادية فمخيف ومرعب، ستقود إلى درجة تمركز عالية. ولا أمل مطلقاً لدول وكيانات صغيرة، وإذا كان أقتصاد عملاق كالاقتصاد الأمريكي يرى ضرورة حاسمة بالالتحام باقتصادات حليفة، فكيف ستجد الاقتصادات الأصغر طريقها بدون التشارك أو التعاون الوثيق مع مجموعات اقتصادية...؟

 

العالم سوف لم يعود إلى لقطة الموقف ما قبل أزمة أوكرانيا ... إذن نحن سنشهد تقسيم جديد وشيك بين القوى الصاعدة، والقوى النازلة أو تلك التي على وشك النزول. أو تقليص لمكانة دول عظمى، أو لمناطق نفوذها، أو هيمنتها، بمعنى نظام يشبه أنظمة الانتداب في عشرينات القرن الماضي، نظام ربما سيكون أنيقا في مظهره، ولكنه قاسيا في جوهره. ولكن على أية أسس أو حقائق سينهض هذا النظام ..؟

 

أولاً :

تراجع مكانة الولايات المتحدة حقيقة : يمثل تراجع مكانة الولايات المتحدة حقيقة لا جدال فيها، والتراجع يعني أن هناك ضعفاً بقدر معين أصاب الولايات المتحدة، ويتفاقم هذا الضعف بصورة متواصلة،. والتراجع العام هو يسبب  عوامل عديدة منها: الاشتباك الواسع النطاق على الصعيد العالمي للولايات المتحدة مع حكومات ودول وقضايا، قادتها لحروب تدخل (Intervention wars) وصراعات سياسية، حملتها على تخصيص ميزانيات خيالية للقوات المسلحة استنزفت اقتصادها، وتسببت بديون هائلة تعجز الولايات المتحدة من معالجة أوضاعها المتراجعة. هذا بالإضافة إلى شدة تمركز رأس المال الأمريكي، واشتداد ظواهر الفقر وانعكاسها في مشكلات اجتماعية، بالإضافة إلى تصاعد النزعة العنصرية وبروز قوى يمنية فاشية. وأسباب موضوعية خارجية تمثلت ببروز مراكز صناعية وقوى كبيرة تتمتع بثقل بشري ومساحة واسعة، تمتلك مؤهلات الدول العظمى، أضعفت من المكانة العظمى والتفرد بتقرير الشؤون العالمية. 

 

ثانياً :

تعاظم مكانة أقطاب عالمية : ويقابل التراجع الأمريكي نمو وتعاظم في القدرات الاقتصادية والعسكرية لأطراف أخرى (الصين / روسيا). أتبعت من أسلوب العمل الرأسمالي في تكوين ثروات وطنية  بغض النظر (تقريباً) عن التوجه الاجتماعي. وقد قررت الدول الاشتراكية منافسة الدول الرأسمالية وسد الفجوة بينها وبين العالم الرأسمالي، وأتباع أساليب جديدة في تشجيع الاستثمارات الأجنبية. فنمت قدراتها وأصبح تمثل قدرات عملاقة غزت بقدراتها واستثماراتها الولايات المتحدة نفسها في عقر دارها، كما كونت لها محيطاً اقتصاديا في شرقي آسيا من دول حليفة كفيثنام وكوريا، ولها امتدادات أخرى في الدول مجاورة، وشكلت منظمة شنغهاي للتعاون. ونفوذها في شرقي آسيا لم يعد موضع تساؤل، بل هي موجودة بقوة في أفريقيا، وأوربا والأمريكيتين. قوة اقتصادية في المقام الأول تعزز مكانتها السياسية . وأضافت أمتلاكها للتكنولوجيا العسكرية وقدرات حربية كبيرة، متانة إلى موقفها الذي بدأ يتسم بالندية، أحال تربع الولايات المتحدة على قمة النظام الدولي الذي يتسم بالقطبية الواحدة إلى وهم  من الأوهام، والعالم يواجه اليوم وضع الملامح للنظام الدولي الجديد,

 

ثالثاً :

وهن في أداء بلدان أوربا الغربية والناتو : فبالرغم ما تبذل من جهود، إلا أن تفككا واضحا يسود المعسكر الغربي، لذلك هناك نزعة أوربية قوية للحفاظ على سيادة أوربا وابتعادها عن قداحات الصراعات المسلحة وأجواء التوتر. بيد أن هذه المسألة ليست بسيطة، ذلك أن الأوربيين متفرقين كتلاً ومجاميع تعوزهم الثقة والأهداف المشتركة. فهناك دولاً تعمل في الإطار الأمريكي (بريطانيا، النرويج، بولونيا، ليتوانيا، لاتفيا)، ودولاً حيادية (سويسرا، السويد، فنلندة)  وأخرى تحاول أن لا تزج بنفسها بعمق في الصراعات، والاتحاد الأوربي يمثل جوهرياً إرادة ألمانية / فرنسية في الأساس، ودرجة تمحور الدول حول هذا الإطار هو متفاوت. والتحالف بين ضفتي الأطلسي باتت الشكوك تحوم حوله، بدأت الولايات المتحدة ترميم خطوطها الدفاعية، فأنشأت تحالف أوكوس (Aukus) يضم : الولايات المتحدة / بريطانيا / استراليا.  فبريطانيا التي غادرت الاتحاد الأوربي وعززت تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة بتقوية قدراتها البحرية، سيوكل  لها دور سياسي / عسكري بحماية وضبط الأمن بالمشاركة مع الولايات المتحدة في منطقة ساحة عمليات حوض الأطلسي،. كما ستتولى أستراليا التي بدورها عززت قدراتها البحرية بصفقة أسلحة بحرية كبيرة مع الولايات المتحدة السيطرة على حوض الباسفيكي. وأستراليا هي جوهرة البحر الباسفيكي وقاعدة الرئيسية. أما الجزر الصغيرة التي لعبد دورا استراتيجيا في الحرب العالمية الثانية (غوام، الفلبين) فقد تراجعت أهميتها الاستراتيجية بفعل تقدم هائل في تكنولوجيا الأسلحة بأستخدام الطاقة النووية في حاملات الطائرات والغواصات..

 

رابعاً :

معسكر القوى الحليفة للصين وروسيا : مع أن التحالف الصيني / الروسي يزداد رسوخاً على شتى الأصعدة، إلا أن ما زال من المبكر الحديث عن تأسيس معسكر أو تحالف بين الدول التي تربطها بروسيا والصين بروابط وثيقة، " كوريا الديمقراطية، وفيثنام، وكوبا، وربما فنزويلا ". وتسعى الصين وروسيا جاهدة لتعزيز موقفا في مناطقها (شمال وجنوب شرق  آسيا) وتكوين جبهة من القوى الحليفة ربما من بين خططها استعادة جزيرة تايوان، والسيطرة على بحر الصين الجنوبي، وامتداد نفوذها إلى تايلند والفلبين وكمبوديا ولاوس، كمرحلة أولى.

ومن المحتمل أن تنسيقاً استراتيجياً بدرجة عالية يجري بين الصين وروسيا، تتولى فيه روسيا إدارة الشؤون الأوربية، وفيما تتولك الصين الشؤون الآسيوية واستراليا. معتمدين على النفس البعيد والمطاولة، وعدم استعجال النتائج، والتركيز على التقدم الاقتصادي / التكنيكي، وأتباع أساليب براغماتية في العمل، واستبعاد التوجه الآيديولوجي في التعامل مع الدول، واستبعاد تام للدوغماتية، التي كان لها تأثيرها في الحقبة السوفيتية والصين الماوية.

 

خامساً :

تراجع في مكانة الدول الاستعمارية القديمة : في خضم هذا السجال الاستراتيجي الكبير، هناك تراجع مهم لمكانة القوى الاستعمارية القديمة (بريطانيا ــ فرنسا)، وسوف تتحول لقوى تابعة، بريطانيا حسمت أمرها ووضعت نفسها تحت سيطرة القصر الأبيض، وستخوض معها المغامرات والمجازفات. أما فرنسا فأول الغيث قطر، ها هي تنسحب بخفي حنين من مالي ...والبقية ستأتي ...وإذا تمكنت فرنسا مع ألمانيا وإيطاليا وأسبانيا وبعض الدول الأوربية حماية أوربا ( بالكاد ....! ) فسيكون هذا واجبها في المرحلة المقبلة، الأنظمة الأوربية التي فشلت في مواجهة تحديات العصر، سيكون هناك نمط جديد تتشكل ملامحه في العقود المقبلة .. نعم أوربا حققت تقدماً صناعياً ولكن على حساب تهرأ مجتمعاتها .. وحقوق الإنسان ما هي إلا فرية كبيرة تستخدم ضد أنظمة أخرى. والديمقراطية جرى بمرور الوقت تشذيبها ووضعها في إطار محدد، يضمن تفوقا طبقيا، معيناً، ويضمن سلامة النظام الرأسمالي، وتمكنت عبر مسيرتها الطويلة لمدة تتجاوز القرنين، من استنباط وسائل وأشكال عززت فيها أنظمتها ومنحتها طابع الاستقرار. ومنحت لنفسها حق تصدير أنظمتها بالقوة لدرجة التدخل المسلح. 

 

سادساً :

احتمال صعود معسكر عربي / إسلامي : ليست هناك قوة مرشحة للتصاعد سوى معسكر الدول العربية / الإسلامية. ويتألف من بلدان يفوق عددها الخمسين، وسكانها المليارين نسمة، العرب منهم نحو 500 مليون نسمة، يمثلون ثقلاً سكانيا كبيراً، بالإضافة إلى الثقل الاقتصادي والمنطقة الاستراتيجية الحساسة، الزاخرة بالمعادن والثروات الطبيعية والمواد الخام.

بيد من المعلوم أن هناك ضغطاً شديداً يحول دون قيام تفاهمات تفضي لهذا الهدف للحيلولة من بروز معسكر له خصائصه السياسية والثقافية والاجتماعية له طابع التمدد والانتشار السريع.  لكن الأمة تضم بين ملايينها حكماء وعباقرة، يستطيعون أن يرسموا لها الطريق بين الألغام ... ويحولوا دون تدخل القوى الأجنبية الفض في شؤونها الداخلية، ودون إرادتها في التقدم.  إن اتخاذ الطريق الصعب الشاق، قد يكون هو طريق الخلاص. ومن ذلك مثلاً لا بأس من قيام كتلتين إسلاميتين واحدة بزعامة تركيا، والأخرى محور مصر والسعودية، بشرط أن يسود التفاهم والتنسيق بين الكتلتين.

الصمود بوجه التغيرات العالمية مهمة صعبة للغاية، فليس بمقدور دولاً صغيرة أن تواجه تيارات مسرح السياسة الدولية بتحدياتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، فلا بد من تجمعات قوية تمثل كتل سكانية كبيرة، وقدرات اقتصادية عملاقة وقدرات عسكرية، أو أن تتحول لتوابع. والتوابع لا صوت لهم، ولا قرار سيادي حاسم.

 

التحديات جسيمة، والمرحلة المقبلة صعبة، بل صعبة للغاية، وإذا كانت دولة عظمى عملاقة مثل روسيا تمتلك أكثر من 1200 رأس نووي، تحافظ بالكاد على أمنها القومي، وتسعى جاهدة للتحالف مع دولاً أخرى، أفلا يدعو هذا القيادات العربية والإسلامية للتفكير وإعادة حساباتها ..!

 

والمقال ماثل للطبع والنشر، تتفاقم الأزمة الاوكرانية. العالم لن يعود إلى مال قبل اندلاع الأزمة ...! والمستجدات تنبئنا بها ... هي الآن تسير على الأرض .. فقط دقق البصر والبصيرة .....!

 

22 / 02 / 2022

 

الأزمة الأوكرانية :

 الموقف على وجوهه

(4)

 

ضرغام الدباغ

 

لا نحتاج إلى عقل كبير لندرك، أن الولايات المتحدة لا تشتري أوكرانيا ورئيسها وشعبها بسنت واحد  (الدولار الواحد يساوي 100 سنت)، وأعتقد جازماً أن الأوربيون خير من يعرف ذلك ويفهمه، والروس كذلك، إذن هي كلعبة شطرنج تدور بين لاعبين مهرة، يحاول كل منهم أن يزج خصمه في زاوية ستمثل نقطة ضعف كبيرة تأكل من قدراته، وتعمق من أزماته. كيف ...وما هي قواعد اللعبة ..؟ القاعدة الأساسية هي أن لا تترك جزء من معطياتك مكشوفة صالحة للطعن بالشرعية، عرضة لتوجيه الأتهام  ..

 

سنشرح ونضع مؤشرات لتصور ابعاد الموضوع .....

 

 

1-      1- الأمريكان، قدموا إشارات عديدة للروس أننا سوف لن نتحرك عسكرياً، بل سنسخط ..!  إن هاجمتم أوكرانيا، وسيكون لنا رد فعلما ..ويفضل الأمريكان أن يكون الهجوم الروسي كبيراً، لتكون ورطة الروس بقدرها أو أكبر.

2-      2- لذلك يرسل الأمريكان، ودفعت حلفاءها أن يفعلوا مثلها بأن يرسلوا، أسلحة لتقوية الدفاع الأوكرانية بوجه الجيش الروسي وإعاقة تقدمه، وإلحاق أكبر قد ممكن من الخسائر، وجعل أوكرانيا مستنقع تغرق فيه القوات السوفيتية،  وتكبيد الروس أكب قدر من الخسائر السياسية والاقتصادية والبشرية، وإظهارهم بمظهر المتوحشين الهمج.

3-      3- إذا ما احتلت روسيا أوكرانيا، فستظهر روسيا بمظهر المعتدية، وقرارات إدانة دولية سوف لن تكون مهمة بوجود الفيتو الروسي والصيني، ولكن ستشغل أميركا ماكنها السياسية والإعلامية العملاقة لإدانة روسيا إنسانيا وأخلاقياً وتستثمر حجم الخسائر البشرية في الدعاية.

4-      4- الروس يدركون بدقة تامة الخطط الأمريكية وتفاصيل الوقف وحواشيه ..!، لذلك سيعملون على الحفاظ في موقف الدفاع عن مصالحهم المشروعة (الأمن للجميع لكم ولنا ..) الحفاظ على المصالح مع أقصى قدر من ضبط النفس.

5-      5- الأوربيون بدورهم يعرفون هذا السيناريو جيداً، وكل همهم الحالي، أن لا تسوقوهم الظروف والأحداث والتصعيد المحتمل (وإن كان ضعيفا) لمواجهة عسكرية مع الروس، لذلك مبادراتهم تفتقد إلى القدرة على التسويق، وغير مقبول ولا يقبضها الروس ولا الأميركان.

6-      6- الأمريكان يعتقدون أن الروس إذا اجتاحوا أوكرانيا فهذا ممتاز، وسيمثل مستقنع يصعب الخروج منه بسلام، وإذا تراجعوا عن موقفهم  وهذا ممتاز أيضاً إذ سيمثل للعالم انصياعاً للضغوط الأمريكية، خياران مهينان كلاهما جميل ومرحب به من الأمريكان، ومكسب لها في السجال الاستراتيجي. المصالح الأوكرانية آخر فقرة في سلسلة الأهمية.

7-      7- الروس بدورهم لا يعوزهم الدهاء، فهم يدركون بالضبط قدراتهم وقدرات خصمهم، وسيحفرون في أعماق فكرهم السياسي بحثاً عن مسرب سيحير خصومهم، يربحون من خلاله، ويخسر المعسكر الأمريكي ماء وجهه، دون أن يستطيع فعل عمل حاسم.

8-      8- الشعب الأوكراني، بنسبة غير بسيطة معبأ خلف الدعاية الأمريكية، ولكنهم سيلاحظون أن طموحهم بلأنظمام للناتو هو نقطة القتل لهم، وستتحول بلادهم إلى ساحة صراعات سياسية وعسكرية لأمد غير معروف، والأزمات الاقتصادية التي يمر بها الشعب الأوكراني لم يفكر بها الأمريكان والغرب، فجل اهتمامهم يتركز على إحراج الروس وحصارهم وهم من سيدفع هذا الثمن الباهض جداً مقابل لا شيئ .

9-      9- بالطبع الروس  لديهم خبرة في مواجهة الخبائث الأمريكية منذ ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى/ 1917، وكقوة عالمية عاصروا كافة المناورات السياسية كمشاركين أو كمراقبين، لذلك سوف لن يطول الأمر حتى يتفتق العقل الروسي عن خطة، ستقلب الطاولة على الأمريكان.

الاحتمالات الواردة هي :

          آ . تطوير شكل وجوهر الكيانين الروسيين في الأقاليم الروسية ضمن أوكرانيا .

   ب. تحويل مسار الصراع، بين روس أوكرانيين، وأوكرانيين النظام.

   ج. إحداث اضطرابات داخلية في أوكرانيا تعيق الحياة السياسية للنظام الموالي لأمريكا.

10. بتقديري أن الوضع السياسي والعلاقات الدولية ستتأثر بدرجة كبيرة في أعقاب هذه المواجهة،   وأن الولايات المتحدة سوف لن تخرج أقوى مما كانت عليه قبل أزمة أوكرانيا، وهذه لن توقف تدهور أوضاعها الداخلية والخارجية.

11. العالم يريد السلام، والتعايش السلمي، والحروب صارت مكلفة لضحاياها وحتى لمن يشعلها، والمكاسب منها مزعومة ... ثمة مجازفة في طريقة إدارة الولايات المتحدة للأزمة أوكرانيا، فالعالم يرفض سياسة الولايات المتحدة ونبذ سياسة المناورات على حافة الهاوية ...

 

ختاماً، أوكرانيا بيئة صالحة لبذر بذور التوتر، وخلق نافذة تهب منها ما يوجع رأس الروس الذين يدركون بالطبع ما تريده أمريكا ولهم خططهم المضادة، الأمريكان لا يربحون معاركهم على المدى الطويل ..

 

 

أوكرانيا ... الأبعاد

 الحقيقية والقنابل الدخانية

 

ضرغام الدباغ

 

تشهد القضية الأوكرانية، جعل منها الغرب قضية بل ربما بؤرة توتر جديدة تضاف لبؤر التوتر ...!  من أجل أن يشعلوا ناراً يضعوا من خلالها موضع قدم لهم ويتدخلون ليحرقوا البلاد، ثم يتدخلون بعدها يعرضون خطط ومشاريع .. ويفرضون أنفسهم لإصلاحها، ليضعوا في النهاية ذلك البلد تحت هيمنتهم .. هذا هو السيناريو الأمريكي الأجمل التي تحبذه أميركا ومعها زبانيتها .. من الأوربيين وغيرهم (كندا واستراليا) وهم للأمانة ليسوا بدرجة واحدة من الحماسة، بل بدرجات متفاوتة للعب دوراً على هذه المسرحية.

  ومن أجل فهم دقيق للمسألة الأوكرانية، نذكر ببعض المعطيات المادية المجردة :

 ـــ لم يعرف للأوكرانيين تاريخ لكيان سياسي  لدولة مستقلة، وإن شئنا أن نبدأ منذ القرن التاسع، يبدأ تاريخ أوكرانيا الحديث مع السلاف الشرقيين  ومنذ القرن التاسع، أصبحت أوكرانيا مركز القرون الوسطي للسلاف الشرقيين. امتلكت هذه الدولة، المعروفة (بأسم روس كييف)، القوة والأرض، لكنها تفككت في القرن الثاني عشر بعد حرب الشمال العظمى،  حيث تقسمت بين عدد من القوى الإقليمية، ومنذ القرن التاسع عشر فصاعداً، خضع الجزء الأكبر من أوكرانيا للإمبراطورية الروسية،  وجزء آخر مما تبقى كان تحت سيطرة الإمبراطورية النمساوية الهنغارية.

 ـــ وبعد فترة من الفوضى والحروب المتواصلة ومحاولات عدة للاستقلال (1917-1921) بعد الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية الروسية، برزت أوكرانيا في 30 كانون الأول 1922 بقيادة الحزب الشيوعي الاوكراني كأحد الكيانات المؤسسة للاتحاد السوفيتي. وكان عدد مهم من قادة الاتحاد السوفيتي ينحدرون من أصول وكرانية، بعدا تم توسيع جمهورية أوكرانيا السوفيتية الاشتراكية غرباً، وبعد الحرب العالمية الثانية، وجنوباً في عام 1954 ضمت شبه جزيرة القرم  الروسية إلى أراضي جمهورية وكرانية الاشتراكية السوفيتية، في عام 1945، أصبحت جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفيتية من الأعضاء المشاركين في تأسيس ، بدعم من الاتحاد السوفيتي القوة العظمى، والمساهم الأساسي حين تأسست الأمم المتحدة.

ـــ لعبت قوى كثيرة على وتر أوكرانيا، منها ألمانيا النازية الهتلرية، حين استغلوا جنرالاً سوفيتياً (أوكرانيا)  أسر في الحرب، وجمعوا له قوات من المنشقين ليقودهم ضد الاتحاد السوفيتي في محاول فاشلة لزعزعة الموقف السوفيتي.

ـــ منحت روسيا مساحات كبيرة من أراضيها الوطنية لجمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفيتية، منها أقليم القرم وربما أراض أخرى.

ـــ يتألف سكان أوكرانيا (42 مليون نسمة) من مجاميع عرقية متعددة، منهم الروس، والبيلوروسيين، ورومانيين،، يمثلون نحو 22,5% من مجموع السكان. 

ـــ في المفاوضات إلي قادت لتفكك الاتحاد السوفيتي، (مالطا ــ 3 ــ 4 / ديسمبر / 1989) وعدت الولايات المتحدة (شفوياً) أن لا تعمل على التوسع إلى البلدان التي كانت من جمهوريات الاتحاد السوفيتي، ولا تعمل على دخولها لحلف الناتو. ولكن الولايات المتحدة، لا تؤكد هذا الأمر.

ـــ  ينتمي الأوكرانيون من العرق السلافي، وتاريخهم وثقافتهم متداخلة بدرجة وثيقة مع الشعب الروسي، والشعبان يتبعان الكنيسة الارثودوكسية،

ـــ اللغة الأوكرانية، هي لغة من فرع اللغات السلافية الشرقية   وهي اللغة الرسمية في أوكرانيا . وتكتب هذه اللغة بالأبجدية الاوكرانية، وهي أبجدية مشتقة من الأبجدية السيريلية.  ويبلغ عدد متحدثي اللغة الأوكرانية يبلغ زهاء 51 مليون شخص تقريباً، يقطن 90% منهم في أوكرانيا، و و10% الآخرون في الشتات الأوكراني، الذي ينتشر على طول عدّة بلدان في كافة أنحاء العالم مثل الأرجنتين وبيلوروسيا، البرازيل، كندا، لاتفيا، بولندا، رومانيا، روسيا، والولايات المتحدة.

ــ يقدر عدد المسلمين في اوكرانيا بمليوني شخص، يضافون إلى الخارطة الثقافية في أوكرانيا.

ـــ استعادت موسكو الأراضي الروسية التي منحت لأوكرانيا بعد قيام الاتحاد السوفيتي،(مناطق القرم) وهي أرضي حساسة مطلة على البحر الأسود. وأجرت فيها استفتاء وتصويت طالب فيها السكان الالتحاق بروسيا.

ـــ  هناك أقاليم يمثل فيها الروس الغالبية العظمى، وهي أقاليم مهمة شرقي البلد وملاصقة للأراضي الروسية، تطالب موسكو لهم بوضع خاص. (أنظر الخريطة شرقي الخط البرتقالي، أراض ذات أغلبية روسية).

ـــ لا تقبل روسيا بانظمام أوكرانيا أو بلدان أخرى ملاصقة لحدودها إلى حلف الناتو.نظر الخريطة(

 

 

 

 

 

 

ماذا تريد الولايات المتحدة

سئل مرة صحفي من مجلة فوكوس (Focus) الألمانية وزير خارجية الولايات المتحدة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وحل حلف وارسو، الكسندر هيغ،(وهو جنرال تولى وزارة الخارجية ولم يكن ناجحاً في مهامه)، سئل عن سبب بقاء حلف الناتو بعد حل الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو. وباعتبار أن الوزير هو عسكري في الأساس، لذلك كانت إجابته تخلو من الكياسة، فقال بما معناه، أن الحلف هو أداة للهيمنة الأمريكية، وأن الولايات المتحدة ترى أهمية وجوده كأداة للتدخل.

 

إذن هذا هو جوهر الأمر وبسببه يحرق أعضاء الناتو سنويا مئات المليارات من الدولارات، بالطبع هناك أسباب ولكنها ليست للنشر والإعلان ..! ولكن لندع الأسباب الهامشية والثانوية، والتي بعضها لا يكاد يصدق، ولكن في الإجمال هي تهدف إلى مواصلة وضع الحلفاء الأوربيين تحت الهيمنة، ومواصلة إشهار العداء لروسيا، مع أن هذا غير مفهوم وشعار غير مرحب به وغير مفهوم في أوربا، وينطوي على عودة غير مستحبة لعصر التكتلات، ودور التيار الديني ليس مستبعداً في خضم التناقضات الحقيقية والمصطنعة، ولكننا نعتقد أن المسألة برمتها، ترمي لهيمنة الولايات المتحدة في العالم، والخندق الأقرب لها، هو أوربا الغربية ... وما يجاورها، وهناك دائماً أسباب ويمكن اختلاق أخرى، ومن جملة الأسباب،

احتمال تحالف روسيا مع الصين.

هيمنة روسية على أوربا من خلال إمدادات الطاقة.

التصدي لخطط روسيا التمدد خارج إطارها السياسي والجغرافي.

عدم السماح بالنمو الاقتصادي الروسي ليصبح اقتصاداً عالمياً.

 

في تحليل هذه المعطيات، هناك تياران، أو احتمالان، الأول محاولة احتضان روسيا وإعطاء جرعة دفء للعلاقات، كيلا يمنح لروسيا المبررات بالارتماء في تحالف مع الصين.

 

تخشى الولايات المتحدة خشية عميقة أن تهيمن روسيا على أوربا الغربية، لأن الأوربيون دفعوا غاليا ثمن الحروب الساخنة والباردة معظم القرن التاسع عشر والعشرين، والأرض الأوربية ما تزال مليئة بقنابل الحرب العالمية الثانية، وملايين الأسر تمزقت، شر ممزق وتبعثرت في أصقاع العالم، وما تزال تعاني من الفجوات في التراكيب السكانية، وأجواء التوتر في العلاقات تلحق بها أضرار على المدى القريب والبعيد. وبأستثناء بريطانيا التي علاقتها وتحالفها الاستراتيجي ليس موضع نقاش، وبدرجة ما بولونيا، ودولاً أخرى متفاوتة في التحامها بالسياسة الأمريكية.

 

هذه المعطيات وغيرها تشير إلى رغبة أوربا عن الصراعات الحادة أو المسلحة، فالولايات المتحدة لم تسقط عليها حتى رصاصة طيلة الحروب الماضية، ولكن أوربا ما زالت تعاني لليوم من آثارها، والروس بدورهم لن يكونوا من الساعين للحروب أو محبذين لها، ولكنهم يدركون أن وصول الأمريكان تحت مظلة الناتو إلى أوكرانيا يجعل موسكو أمام أسلحتهم التقليدية ... وهذا ما يسمح لهم بابتزاز له طابع القوة والواقعية.

 

بإلقاء نظرة على الشكل البياني، تلاحظ الموقف السكاني في ألمانيا يشير نحو ربع السكان  24,93 مليون هم خارج سن العمل، و 15,3 مليون هم تحت سن العمل، أي 39,96 مليون من السكان هم خارج سن العمل، وهذا يمثل نصف الشعب الألماني البالغ 82 مليون نسمة.

 

إذا كانت هذه المؤشرات(وهي ابتدائية) هو حال واحدة من أقوى البلدان الأوربية(ألمانيا)، فكيف الحال في سائر بلدان أوربا الغربية التي تعاني من مشاكل عديدة اقتصادية واجتماعية وكادت أن تواجه الإفلاس  أعوام 2017 / 2018، (اليونان، أيرلندة، أسبانيا، إيطاليا... الخ) لن تكون أجواء التوتر إلا سبباً في مضاعفة متاعبها لا تقليصها. وفوق هذا أن واشنطن ولندن مقتنعتان أن روسيا سوف لن تشن حرباً، بل ستخطف منها حلفاءها .

 

بالطبع الولايات المتحدة لا تفعل كل ذلك من أجل قيم نبيلة ومن أجل الشعب الأوكراني محض ..! بالطبع لديها مصالحها وأهدافها، وهذه الحرب لو اندلعت، فسيدفع تكاليفها الشعبان الأوكراني والروسي أولاً، الولايات المتحدة ستلعب على الأرجح دون الممون بالسلاح، وربما بالمال، والإسناد السياسي، وسوف تتجنب المواجهة المباشرة مع الروس، ومصلحتها تكمن، في توتير الأجواء في أوربا، فتشد من العلاقات المرتخية، وتكلف الروس خسائر، وستعرض روسيا لعقوبات اقتصادية، قد تصيب بعض الشلل في أفرع الصناعات ومرافق الإنتاج الروسية، وتعرض نفسها للأوربيين، " أنا من يحميكم من الخطر الروسي " والأوربيون بما فيهم الأوكرانيين، يعلمون أن الخطر ليس جاداً ولا وشيكاً بهذه الدرجة، بل أن الأوكرانيين يدركون تمام الإدراك أن من يريد إشعال نار صراعات مسلحة إنما يفعل ذلك لتحقيق مصالح سياسي واقتصادية. وأن بلادهم (أوكرانيا) ستتحول إلى ساحة صراع بين روسيا والولايات المتحدة والسائرين في فلكها. وأن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أكد أن روسيا لا تهدد باجتياح أوكرانيا.

الولايات المتحدة تطرح شعارات سياسية (حقوق الإنسان، الديمقراطية) من أجل مواقف سياسية، فهي ترفض على سبيل المثال رغبة الأقلية الأوكرانية في نيل حقوق، وحتى تدفع الحكومة الأوكرانية بعد الحوار مع الأقلية الروسية في مقاطعاتهم، كما رفضت قرار الأقلية الأبخازية في جورجيا، وأوستينيا الجنوبية في القرم.

 

الولايات المتحدة تعتبر مناورات الجيش الروسي داخل أراضيهم تهديداً للأمن والسلام، ولكنها لا تعتبر تحركاتها من الولايات المتحدة حتى بولونيا والنرويج والبحر الأسود تهديداً، وتشيع الولايات المتحدة أن روسيا ستجتاح أوكرنيا لتبرر تحركاتها، والحكومة الأوكرانية نفت رسمياً الأنباء التي تتحدث عن هجوم متوقع عليها. في حين رفض وزير خارجية بريطانيا أن بلاده ترفض فكرة تقييد أو التعهد بعدم توسيع حلف الناتو إلى ما وراء خط الأودر والنايسة (الحدود بين ألمانيا وبولونيا). وحتى الأوربيون بدؤا يعبرون عن انزعاجهم من الطلبات الأمريكية الكثيرة، والتورط في إشهار العداء لروسيا والقيام بفعاليات خطيرة (كعبور الأسلحة والقوات عبر مطاراتهم وأراضيهم وأجوائهم). في حين رفضت ألمانيا عبور طائرة تحمل شخصيات عبر أجواءها إلى أوكرانيا، نأيا بنفسها عن صراع محتمل.بل أكد السيد شولتس مستشار ألمانيا في أعقاب محادثاته مع أمين عام حلف الناتو، أن ألمانيا سوف لن تزود أوكرانيا بالأسلحة. وهو موقف يعبر عن خصوصية واضحة حيال الأزمة. وبوضوح أكبر عبر عن ذلك اللقاء بين المستشار الألماني شولس، والرئيس الفرنسي مكرون في برلين (25 / كانون الثاني / 2022) أنهما سيواصلان مساعيهما من أجل التوصل لحلول دبلوماسية.

 والأوربيون يدركون أن مصالحهم في أوربا، والمخاطر المحدقة بهم هي من التخوم القريبة، وروسيا ليست من ضمنها، )على الأقل في المرحلة الحالية ولأمد غير منظور، لذلك ليس من الحكمة أن  نعمق الحلاف رما البسيط، إلى حالة العداء والصراع المسلح من أجل مخاطر وهمية. وإذا كانت الصين هو المتسيد المقبل للساحة الدولية، فمن المصلحة الاصطفاف مع روسيا القريبة هنا في القارة خير من عبور الأطلسي. الأمريكيون أدركوا بعمق أن الأوربيين لا يمكن الاعتماد عليهم في أزمة متصاعدة، فالألمان وربما مثلهم الفرنسيون، وربما أوربيون آخرون، موقفه يشير إلى " لسنا مع التوتر والتصعيد والصراعات المسلحة، ويرسلون بذلك إشارة واضحة لروسيا، نحن لسنا مع تصعيد أمريكا وبريطانيا، ولكننا لا نقبل بأعمال توسع وضم وإلحاق ...! ".

 والولايات المتحدة لم تكن هذه الصورة بعيدة عن أذهانها، لذلك قامت بتمتين علاقاتها مع أستراليا في ساحة النزاع المقبل مع بريطانيا التي شرعت مؤخراً بتطوير سلاحها البحري ليكون بدرجة عالمية متقدمة لتلعب دوراً سياديا في المحيط الأطلسي. وهي (الولايات المتحدة) تدفع باتجاه موقف تضع فيه روسيا في زاوية محرجة، غير قادرة على تحقيق مصالحها، ولكن سياسة الولايات المتحدة تفتقر للمصداقية، وحلف الناتو يفتقر إلى الوحدة بين أعضاءه.

فالموقف الروسي يعتمد على مواصلة السيطرة على الأقاليم التي يقطنها أغلبية روسية (إقليم الدونباس)، وستواصل لعب دورها المؤثر داخل أوكرانيا.والشعب الأوكراني يدرك أن لا مصلحة له بمناكفة روسيا الجار التاريخي والتقليدي للاوكرانيا.

 

 

الفساد كمعرقل رئيسي

للتنمية وبوابة الخراب

 

د. ضرغام الدباغ

يشخص الفساد (corruption) اليوم في العديد من البلدان النامية على أنه الآفة الداخلية الأولى، إلى جانب العوامل والظروف الخارجية الموضوعية الأخرى. ودون ريب أن حالات الفساد بدرجتها الكبرى، هي حالات فساد هيكلية (strukturelle Corruption) ناجمة عن محصلة عوامل (سياسية بالدرجة الأولى) أفضت إلى هذه النتيجة التي يبدو أنها مستعصية الحل بالوسائل التقليدية، ذلك لأنها عشعشت واستوطنت وصار لها جذور، ثم امتدت عمودياً وأفقياً، وتكونت فئات وشرائح تعد في لغة الاقتصاد طفيلية (Parasitie) لأنها تعتاش من خيرات المجتمع، لذلك يعتبر علماء الاقتصاد الفساد من معوقات التنمية، بل تعتبر اليوم في مقدمة تلك المعوقات.

 

ويتصاعد هذا الاعتبار منذ عام 1990 منذ اشتداد الدولنة (صيرورته دولياً) في الاقتصاد، كما يعتبر صندوق النقد الدولي (IMF) الفساد بوصفه عقبة رئيسية للتنمية، في حين انه حتى لما قبل العام 1990 لم يكن التقييم بهذه الدرجة من الخطورة، وذلك لتصاعد دور الاقتصاد الدولي في الحياة الاقتصادية في العالم. ولعبت المنظمة( (IMF أيضاً دوراً أساسياً في تقديم ميثاق الأمم المتحدة ضد الفساد، وتحولت إلى شأن دولي مهم، ولذلك فهي تستدعي من كافة الدول حلولاً جذرية : سياسية واقتصادية وثقافية. وهو أمر نرجح يكون خارج قدرة بعض الأنظمة التي هي نفسها بالذات وليدة تلك العناصر السلبية التي بلغت في تدهورها درجة كارثية، أفضت بالتالي كنتيجة حتمية هذا الوضع.

 

 لذلك فالدول التي تتربع في هذه المكانة هي نفسها منذ سنوات طويلة دون تغيير كبير (تقريباً) : الصومال، العراق، بورما، هايتي، أفغانستان، السودان، غينيا، تشاد، كمبوديا، زيمبابوي، وتقسم منظمة الشفافية العالمية (Transparency International) دول العالم في ستة فئات (category) من الدول، عشرة دول تقع في الفئة الخضراء، وعشرة مثلها في الفئة أخضر فاتح(فستقي)، وعشرين دولة بلون أزرق في حالة ليست ممتازة، وبعدها تأتي فئة تقع في اللون الأصفر، وهي فئة لا تزال مقبولة، وبعدها فئة اللون البني(وهي خمسة وأربعون دولة) وهي دول يعد الفساد فيها كارثة أمن قومي، وفي أسفل هذه القائمة العراق، ولا يترك وراءه سوى الصومال ....!. ويحق للمراقب والباحث أن يستنتج استنتاجات سياسية عديدة في تحليل معطيات هذا الدول.

 

إن خطورة ما يطرحه الفساد من مشاكل ومخاطر على استقرار المجتمعات وأمنها والذي يقوض مؤسسات الديمقراطية وقيمها والقيم الأخلاقية والعدالة، ويعرض التنمية المستدامة وسيادة القانون للخطر وما يترتب على ذلك من الفساد المالي والإداري، ومن آثار اقتصادية وسياسية واجتماعية تؤثر بشكل سلبي على المجتمع، وآثار مدمرة تطال كل مقومات الحياة في الدولة، فتضيع الأموال والثروات والوقت والطاقات وتعرقل سير الأداء الحكومي وانجاز الوظائف والخدمات، وتقود إلى تخريب وإفساد ليس على المستوى الاقتصادي والمالي فحسب، بل في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية، ناهيك عن التدهور الخطير في مؤسسات ودوائر الخدمات العامة المتصلة بحياة المواطنين. لتصل النتائج إلى أن الفساد معرقل أساسي للتنمية.

 

الفساد بحسب تعريف منظمة الشفافية العالمية (Transparency International) تشكل الأنشطة غير المشروعة التي يتم التستر عليها عن قصد ولا يتم الكشف عنها إلا من خلال الفضائح والتحقيقات أو الملاحقات القضائية. أما إذا شئنا التوغل في معنى الكلمة لغوياً، ففساد الشيئ يعني أن العطب قد نال منه، أو اللهو واللعب أو اخذ المال ظلماً أو إلحاق الضرر، أو الجدب، وكلها معان وصفات سلبية إذا لحقت بفرد أو جماعة. والفاسد في مجال بحثنا هو معتد على حقوق الملايين، بينما النشال واللص العادي قد اعتدى على جزء بسيط جداً من ممتلكات شخص واحد، فالمعتدي على المال العام بهذا المعنى الإنساني والقانوني مجرم خطر يتجاوز في حدود فعله جرائم الجنح إلى الجنايات، لذلك هناك من الدول تحكم على جرائم المال العام بالإعدام، فجريمة القتل الخطأ تعتبر جنحاً(كالدهس المفض إلى الموت) وقد لا يحكم على مرتكبها أكثر من خمسة سنوات، بينما يعتبر الفساد جريمة من الدرجة الأولى ضد المجموع.

 

ويعد الفساد المالي والإداري المعرقل الرئيسي لخطط وبرامج التنمية إذ تتحول معظم الأموال المخصصة لتلك البرامج لمصلحة أشخاص معينين من خلال استغلال مراكزهم أو الصلاحيات المخولة لهم. وبذلك تتعرقل عملية التنمية ويتفشى التخلف والفساد وينعكس بدوره على مجالات الحياة كافة وفي ذلك خسارة كبيرة للمال والجهد والوقت وضياع فرص التقدم والنمو والازدهار.  

 

أن ظاهرة الفساد المالي والإداري ظاهرة عالمية شديدة الانتشار ذات جذور عميقة تأخذ أبعاداً واسعة تتداخل فيها عوامل مختلفة يصعب التمييز بينها، وتختلف درجة شموليتها من مجتمع إلى آخر، كما أن  الآثار المدمرة والنتائج السلبية لتفشي هذه الظاهرة المقيتة تطال كل مقومات الحياة لعموم أبناء الشعب، فتهدر الأموال والثروات والوقت والطاقات وتعرقل أداء المسؤوليات وإنجاز الوظائف والخدمات، وبالتالي تشكل منظومة تخريب وإفساد تسبب مزيداً من التأخير في عملية البناء والتقدم ليس على المستوى الإداري والمالي فقط، بل في الحقل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي،  أي فيما يتعلق بالتنمية الشاملة، ناهيك عن مؤسسات ودوائر الخدمات العامة ذات العلاقة المباشرة واليومية مع حياة الناس، مما يحتم ضرورة إنشاء نظام رقابي فعّال مستقل مهمته الإشراف ومتابعة الممارسات التي تتم من قبل الوزراء والموظفين العاملين في كل وزارة ومؤسسة. يُعتبر الفساد مكلفا. فهو يعمل على إعاقة النمو الاقتصادي، حيث في البلد الفاسد أو الصناعة الفاسدة " يختفي الحافز لدى الشركات لتحسين نوعية السلعة، وستتوقف مكاسب الإنتاجية والابتكار اللذان يأتيان من شركات جديدة ". بكلمة أخرى، الفساد يُضعف تنافسية الاقتصاد ويكبح الاستثمار ويحول دون خلق الوظائف.

 

في احدي الدراسات وُجد أن المستوى المنخفض من العائد الضريبي في العالم العربي هو جزئيا يعود إلى الفساد. هذا الأمر خصيصا مثير للقلق في ضوء عدم مقدرة الدول العربية النفطية الاعتماد على الموارد النفطية، وحيث الاحتياطات تنضب بسرعة وعوائدها بدأت تتناقص بشكل كبير في السنوات القليلة الماضية. أو أن تذبذب أسعار المواد الخام ومنها النفط الخام والغاز المسال، يضع الخطط الحكومية في مأزق، بسبب تضارب الأسعار والواردات الحكومية. 

 

وفي الاقتصاد والسياسة وفي القانون، فالأمر ينطوي أيضا على إشارة تعني أن عطباً شديداً (Defect) قد لحق بعملية سياسية أو اقتصادية أو كلاهما معاً وهو الأرجح، وأن الفساد يتحول إلى قضية سياسية / اقتصادية عامة، تخرج عن إطارها كحادث فردي تعالج قضية فرد ما موقعياً بشكل إداري. وقد يكتسب الفساد العام على الفور صفة جنائية، فمعظم القوانين الجزائية في أغلب دول العالم تعالج قضايا الفساد في حدوده الدنيا، كحادثة ارتشاء موظف، ويفهم تحت عبارة تختص بمثل هذه الحالات (situativer corruption) أي حالة بنت ظرفها الآني. أو وليدة ظرفها، وهي قد تنجم عن تصرف عفوي، بمعنى أنه حدث كرد فعل مباشر في موقع عمومي رسمي ولم يتضمن الحال تخطيطاً أو تحضيرات مسبقة.

 

أما في حالات الفساد الكبيرة التي يطلق عليها في الاقتصاد (strukturelle corruption) أي الفساد الهيكلي، ففي الفساد الهيكلي يدور الأمر حول حالات الفساد المؤسسة على أساس علاقات المدى البعيد وحالات تم التخطيط فيها لفعل الفساد على أساس العلاقات على المدى الطويل من الفاسدين قبل ارتكاب الجرم عمدا، فهناك الفعل المادي أو التحضير الذهني للعمل، الذي يستبعد العفوية مبدأ العمل. الطاقة الجنائية للمشتبه بهم هي في الفساد الهيكلي عادة ما يكون أعلى مما كانت عليه في قضايا الفساد الظرفية، والفساد الهيكلي يعني بذات الوقت، أنه قد أنتشر في العديد من قطاعات الدولة، ومن هنا فالفساد هو مسألة عامة يستدعي حلولاً عامة.

 

الفساد السياسي (police corruption): وهو التحدي الرئيسي، حيث تركز النخب الحاكمة السلطة في أيدي مجموعات صغيرة، (عائلية، عرقية، دينية) مما يؤثر سلباً على الفصل بين السلطات، ويمتد الأمر ليبلغ عمليات صنع القرار التي تؤثر على البلاد والشعب بأسره. وإذا أنتشر الفساد السياسي فسيعقبه فساد إلى سائر مفاصل الدولة حتماً، ولا يعني عدم وجود معطيات وأدلة في هذا الجزء أو ذاك سلامته من الفساد المستشري.

 

ولنبسط الأمر ليغدو مفهوماً أكثر، فقد يحدث أن تسول له نفسه، موظف ما في موقع تماس مع الأخذ والعطاء، أن يرتشي لأي سبب من الأسباب، وقد لا يقدم على هذه الفعلة مرة أخرى، أو يكررها بين الحين والآخر،  وهو ما يسمى (situativer Korruption)، أي فساد ظرفي، وهو أمر قد يحدث في أكثر بلدان العالم شفافية ورقياً، ففي العام المنصرم قبض على شرطي دانمركي بتهمة الارتشاء، وهي حادثة بسيطة ولكنها تسببت بهبوط الدانمرك بضعة درجات في سلم الدول الفاسدة. فيما نعني بالفساد الهيكلي أن يكون نظاماً معيناً فاسد برمته، أو بالجزء الأعظم منه، ويتخلل ذلك أتفاق على الفساد وسرقة المال العام واستغلال الوظيفة، وكمثال على نقول : أن هناك وظائف تباع في المزاد ومن يريد أن يتولاها عليه أن يدفع مبالغ طائلة وحسب واردات وظيفته، وفي هذه الحالة فإن من يتولى الوظيفة سيلتهم أكبر قد ممكن وبأسرع وقت ممكن تحسباً للظروف الطارئة، وبهذه الحالة فإن سلسلة المراجع كلها مشتركة في عملية التهام جماعي بالاتفاق علناً أو ضمناً، وقد أطلعت شخصياً على موقع نقطة حدودية هامة في بلد ما تباع لمن يدفع أكثر في شبه مزايدة سرية، وبمبلغ بملايين الدولارات، والعائد يتقاسمه وزير الداخلية ووكيل الوزارة والمدراء العامون، كل حسب أهميته، وضابط نقطة الحدود هذه، سيسترجع ما دفعه من مال بأتاوات يفرضها على القادمون والمسافرون، وهو في ذلك يدفع أيضاً للعاملين معه، فهذه من أصناف السرقات الهيكلية المنظمة إلى تشير إلى فساد شامل.

 

 أما الفساد الذي تئن منه البلدان النامية بصفة خاصة، هو فساد الدولة، وفساد الوضع الاجتماعي على الأغلب، لذلك نلاحظ أن الدول المتقدمة في نظامها السياسي نادراً ما تعاني من ظاهرة الفساد العام الذي ينخر هيكل الدولة بأسرها وهو ما يطلق عليه (strukturelle korruption) . وكمثال على نقول: أن هناك وظائف في البلدان النامية، تباع في المزاد ومن يريد أن يتولاها عليه أن يدفع مبالغ طائلة وحسب واردات وظيفته، وفي هذه الحالة فإن من يتولى الوظيفة سيلتهم أكبر قدر ممكن وبأسرع وقت ممكن تحسباً للظروف الطارئة، وبهذه الحالة فإن سلسلة المراجع كلها مشتركة في جريمة التهام جماعي بالاتفاق علناً أو ضمناً، وفي هذه الظروف العاقل تكفيه الإشارة.

 

ولدى مؤسسة الشفافية العالمية (للنزاهة ومكافحة الفساد الدولية (Transparency International) ومقرها في برلين عاصمة ألمانيا الاتحادية، معطياتها وبموجبها تؤشر درجة الفساد في شتى دول العالم، ويعتبر الخبراء أن الدرجات بعد الخمسين في أي دولة تقع في حقل الدول المنكوبة. وبهذه المناسبة فإن العراق يحتل ذيل القائمة التي تتألف من 180 دولة ( يحتل العراق المرتبة 178 ) ولا يترك وراءه سوى الصومال.

 

لذلك فإن استئصال الفساد، واجتثاث رموزه ومرتكبيه والضالعين به، يقع اليوم على رأس جدول أعمال الحركات السياسية الوطنية. ومن المهم أن تحديد الجماهير الفاسدين وانحدارهم السياسي، وتعقب جذور الفساد، وفي هذا السياق يعد من السذاجة اعتبار مرتش يرتكب هذه الجريمة لسد رمق عائلته، أين منه ذاك الذي يضيف ملياراً جديداً من الدولارات إلى ترسانته المالية في الخارج على شكل استثمارات أو أموال سائلة، ويحرس نفوذه السياسي ميليشيات مسلحة خارج إطار الدولة، بل وحمايات تأخذ رواتبها من الدولة نفسها ..!  أو مسؤول يعبر عن فساده بالاستيلاء على عقارات الدولة والشعب وقيمتها بالملايين، أو ذاك اللص الذي يستغل وظيفته فيجلس على تل من الأموال يتطلع إلى المحرومين بقلة غيرة وانعدام ضمير.

 

وللأسباب السياسية والاقتصادية فإن الفساد متفش في سبعين دولة وهو عائق مهدد للتنمية ولابتعاد والاستثمارات الأجنبية ومسبب أساسي للفقر ويحول دون تجازوه.  وتشير كافة مناهج التنمية في البلدان النامية (Economy of development) أن الفساد يمثل عائقاً حقيقياً أمام التنمية، ويؤدي إلى المزيد من التدهور في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وبحسب تأكيد رئيس منظمة الشفافية الدولية الذي يرى في شن الحرب على الفساد هي أنجع وسيلة لتحرير الإنسان من الفقر، وهناك مؤشرات ونسب ورُتب تصعد وأخرى تنزل من سنة إلى أخرى ومع وجود رغبة نبيلة في محاصرة الفساد ونشر ثقافة الشفافية، لكن هناك مَن يطرح دائما أسئلة عن موضوعية السلم التقييمي ذو العشر درجات وشفافية المعايير التي تعتمدها المنظمة في قياس الفساد وفي تعريفه وتصنيفه بين سياسي ومالي واقتصادي وأخلاقي وأي تلك العناصر أكثرها ضرراً.

 

من المؤكد أن الفساد ليس جزءا من ثقافة الدول النامية وخاصة الدول الإسلامية لان ثقافتها الدينية والتاريخية تحرم الفساد بكافة إشكاله وتحرم الرشوة سواء تتم داخل الدولة أو خارجها على العكس من ذلك نجد أن الدول الأوربية تعتبر الرشوة التي تدفع لمسؤولين خارج البلد بمثابة مصروفات وتقوم بخصمها  من الضرائب التي تدفعها الشركات والأفراد للحكومة وهو ما يعني أن الحكومات الأوربية تدعم الرشوة وتغذي الفساد في الدول النامية، ويعني ذلك أيضا أن الرشوة والفساد جزء من ثقافة وقوانين الدول المتقدمة وليس الدول النامية ، ولذلك قامت بعض الدول المتقدمة بتصحيح هذا الوضع عندما قامت دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بتوقيع اتفاقية تحرم تقديم الرشوة للمسؤولين في الدول النامية لإبرام الصفقات.  

 

هناك درجات في الفساد، فهناك فساد بدرجات واطئة يعتبر فساداً مسيطراً عليه، وللأسف فقط القليل من دول العالم هي في هذه المرحلة، والأكثرية تقع في قطاع الدول التي يبلغ الفساد فيها أقل من المرتبة الخامسة، وأكثر من ذلك يعد خارج السيطرة،  الفساد المسيطر عليه هو في دول ضمن ثلاث درجات وما أقل من ذلك. وهناك العديد من الأسباب لانتشار الفساد يأتي في مقدمتها غياب الشفافية فيما يتعلق بالأعمال العامة للدولة بالذات في الدول غير الديمقراطية، النظم الديمقراطية في الحقيقة توفر آلية لمنع الفساد وإذا حدث هذا الفساد توفر آليات متنوعة ومتعددة لمكافحته، الديمقراطية نفسها فيها درجة عالية جدا من تمكين البشر من الرقابة على كل ما يتعلق بالأعمال العامة أو المالية العامة للدولة، أيضا إذا منح الموظفين العموميين سلطات منح التراخيص بدون رقابة فعالة وبدون مراجعة لذمتهم المالية بشكل صارم في الحقيقة يبقى هذا يتيح لانتشار الفساد، أيضا إذا كانت الرواتب الخاصة بالعاملين في أجهزة الدولة في الكثير من بلدان العالم وبالذات في الدول النامية غير منطقية وغير معقولة هي دعوة للفساد لهؤلاء الموظفين الذين تجرى أمامهم وتحت أيديهم الكثير من الأموال والكثير من الأصول العامة وبالتالي هم في الحقيقة من أجل منح التراخيص يحصلون على رشاوى وإلا عطلوا الأعمال، أيضا كلما زادت الإجراءات البيروقراطية المُعًقَدة للأعمال هذا يشكل باب ملكي للفساد لأن كل الموظفين البيروقراطيين القادرين على تعطيل الأعمال أو إنشاء أعمال جديدة يمكنهم الحصول على رشاوى أو ميزات مالية مقابل اختصار الوقت وإصدار التراخيص أو تسهيل الإجراءات بصورة أو بأخرى وبالتالي هو النظام. عدم وجود جهاز مستقل غير تابع للسلطة التنفيذية. وإن كان تحقيق هذا الاستقلال عن السلطة التنفيذية محفوف بالشكوك، ليصبح حالة كحال القضاء المسيس، ولا تعود هناك ثقة بكل ما تقوم به السلطة التنفيذية. ولذلك يطالب الاتحاد الأوربي الحكومة العراقية أن الإصلاح ومكافحة الفساد يجب أن يبدأ من القضاء.

ويشير تقرير لمنظمة الشفافية الدولية إلى عدة تحديات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، انعكست بدورها على تراجع تصنيف دول المنطقة على مؤشر الفساد، وتتمثل هذه التحديات في الآتي:

1- القلاقل الأمنية: سهلت الأوضاع الأمنية غير المستقرة والعنف والصراعات المسلحة، من انتشار التدفقات غير المشروعة والممارسات الفاسدة. وقد استثمرت العديد من دول المنطقة سياسياً ومالياً في التعامل مع التهديدات الأمنية الوشيكة بدلاً من تسخير المزيد من الموارد لمحاربة الفساد بشكل فعَّال.

2- الفساد السياسي: يعد "الفساد السياسي" هو التحدي الرئيسي في المنطقة، حيث ركزت النخب الحاكمة السلطة في أيدي مجموعات صغيرة، مما أثر سلباً على الفصل بين السلطات، وامتد الأمر إلى عمليات صنع القرار التي تؤثر على ملايين المواطنين.

ويرى التقرير أن النخب السياسية في المنطقة قد أساءت استخدام السلطة، وحافظت على مصالحها الشخصية من خلال النفوذ وشبكات المحسوبية. وفي هذا الإطار يشدد التقرير على ضرورة أن يكون الفصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية أولوية قصوى بالنسبة لأولئك المنتخبين في السلطة، فضلاً عن أهمية استقلال القضاء بعيداً عن التدخل السياسي.

3- غياب القوانين الفعَّالة: أحرزت عدة دول بالمنطقة خطوات إيجابية نحو الإصلاح، كما تم إحراز بعض التقدم التشريعي في المنطقة من خلال التصديق أو الانضمام إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد. ومع ذلك فإن المنطقة تعاني من عدم وجود قوانين يُمكن أن يكون لها تأثير كبير على تحسين النزاهة والشفافية والمساءلة. ولذا طالب التقرير بتشريع الخطط والاستراتيجيات الوطنية لمكافحة الفساد، وتدشين لجان مكافحة الفساد التي يمكن أن تعمل كهيئات رقابية مستقلة.

4- غياب الرقابة: أحد المشاكل الرئيسية للأداء الضعيف لمعظم دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على مؤشر الفساد، هو عدم وجود القوانين المهمة التي تعطي الجمهور فرصة لمراقبة كيفية إنفاق أموالهم.

ويؤكد التقرير حاجة الناس إلى الثقة في مؤسساتهم، خاصةً في أوقات عدم الاستقرار، كما يجب أن تكون الحكومات على استعداد للعمل مع مواطنيها، ومع المجتمع المدني كشريك مهم في مكافحة الفساد.

ختاماً، يُوصي واضعو المؤشر الدول التي حلَّت في قاع المؤشر بأن تتبنى إجراءات جذرية لمكافحة الفساد من أجل تحقيق مصلحة شعوبها، كما يتعين على الدول التي في قمة المؤشر أن تعمل على ضمان عدم تصدير الممارسات الفاسدة إلى الدول ذات معدلات التنمية المتدنية، ومنع غسل الأموال ومنع الشركات السريّة التي تُستغل لإخفاء الفساد.

أما في العراق، فقد وفر الاحتلال البيئة الخصبة للفساد بأعلى درجاته، لم يبق الفساد الغير مسبوق بدرجته الغير طبيعية للمواطن أي شيئ. وعندما نقول أي شيئ، نقصد ما يحتاجه المواطن من أساسيات الحياة من سكن وملبس وطعام وعلاج، إضافة إلى الافتقار الشبه تام للخدمات الأساسية : أمن، كهرباء، ماء، مواصلات، تعليم، في بلد أصبح يفتقر إلى كل شيئ، وبالإضافة إلى القمع الذي يمارسه مليون ونصف جندي وشرطي، ومئات الألوف من الميليشيات التي تمارس الفساد والاستيلاء على أموال وممتلكات المواطنين والتصفيات الدموية، فإن العراق يتعرض للتصحر والإبادة والتقويض كدولة ونظام. وأمامنا مجموعة من الهوامش النصية والمعطيات اقتطفتها من المواقع العراقية وبعضها حكومي:

 

ــ مكونات الناتج القومي الإجمالي ومؤشراته ..

ــ  تحدث الدكتور أحمد الجلبي عن 44 مليار دولار أنفقت بين 2006 و2010 .

ــ توقف الدكتور أحمد الجلبي عن فتح ملفات  الفساد ومن ذلك الذي مفاده، أن رئيس الوزراء السابق المالكي أنفق 44 مليار دولار أميركي خارج الموازنة وبشكل غير قانوني خلال السنوات الأربعة الأولى من حكمه.

ــ مناقشات في البرلمان مؤخرا تفيد بأن المالكي أنفق خلال 2011 نحو 7 مليارات دولار أميركي لم تسجل في الموازنة، أي إنه أنفقها بشكل غير قانوني.

ــ صرح السيد حسين الياسري رئيس هيئة النزاهة في حلقة حوارية، فنفى علمه بمليارات أحمد الجلبي. كما نفى علمه بالخلاف الذي لم ينته بين باقر جبر صولاغ وزير المالية السابق والدكتور حسين الشهرستاني، حيث يقول الوزير صولاغ: إن المالكي أنفق 310 مليارات دولار في سنوات حكمه الأولى، بينما يصر الوزير الشهرستاني: على أن المالكي لم ينفق سوى 170 مليارا. لكن الياسري عاد وصرح بأن المالكي أنفق في دورته الأولى 17 مليار دولار (لا 44 كما يقول الجلبي) خارج الموازنة، واعترف بأن ساسة العراق يتأخرون في (أو يؤخرون) اعتماد نظام محاسبي حديث يكشف عبر شبكة حواسيب متطورة كيفية إنفاق كل فلس من الواردات والصادرات .

ــ  المصادر المتواضعة تقر أن السيد المالكي تصرف بمبالغ بمعدل 7 إلى 10 مليارات دولار في السنة ـ عندما تعلم أن ميزانية العراق لعام 2010 بلغت 72.4 مليار دولار، وهي تعادل ميزانية أربع دول مجتمعة هي سوريا: 16 مليار، والأردن: 7.6 مليار، ولبنان: 6.2 مليار، ومصر 36.5 مليار بدون العجز، مصر التي يبلغ عدد سكانها ما يقارب 80 مليون نسمة ...!!

ــ أكد وزير النفط عادل عبد المهدي، أن موازنات العراق منذ العام 2003 وحتى العام الحالي بلغت 850 مليار دولار، وفي حين بيّن أن هناك ثلاثة مستويات للفساد، رأى أن تلك الأموال كان ينبغي أن تولد تريليونات الدولارات من القيمة المضافة لو ضخت للأسواق ومواقع العمل والإنتاج بنحو سليم، لتسهم بإصلاح أي مجتمع مهما كان متخلفاً أو متأخراً. أو لو أن هذه المبالغ كانت قد أودعت في البنوك للاستثمار لبلغت فوائدها ربما ال 50 مليار دولار ..! وتلك مأساة أخرى .

ــ أوضح رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي أن مشروع مارشال لإعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، قد بلغ 15 مليار دولار للأعوام 1947-1951، وإذا كانت خطة مارشال (15) مليار دولار فقط، كانت كافية لانتشال أوربا الغربية وأوقفتها على قدميها بعد خراب شامل، (و15 مليار دولار مبلغ يعادل بالقيمة الحالية 148 مليار دولار)، أي تقريباً موازنة العراق، غير المقرة، لسنة واحدة فقط .... للعام 2014 فقط. وإذا علمنا أن مبلغ 148 مليار أعادت إعمار أوربا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، وفي العراق كان مردودها دون الصفر، فتأمل عمق الحفرة والمأزق ...!

ــ صرح السيد الياسري (20 / آب / 2015) أن أرقام ملفات الفساد في العراق مفزعة وكبيرة وبلغ عدد المتهمين المحالين إلى القضاء العراقي بتهم الفساد بلغ 2171 متهماً منهم 13 وزيراً ومن هم بدرجته و 80 من أصحاب الدرجات الخاصة و134 من المدراء العامين خلال الأشهر الماضية. وهذا غيض من فيض ..! فكيف حدث ويحدث متواصلاً هذا الفساد الكبير الغير مسبوق في التاريخ،  مليارات الدولارات تتطاير وكأنها دراهم في هذا البلد المنهك ...!

ــ الفساد ببساطة هو نقل ما هو ملكية عامة أو أصل عام إلى ملكية خاصة بدون وجه حق أو بشكل غير مشروع من خلال العبث في مالية الدولة في العلاقة بين الدولة ومؤسساتها ومنشئاتها والقطاع الخاص.

ــ الفساد ناجم عن خلل في النظم وقواعد الصرف والعمل والرقابة والتخطيط التي اعتادت عليها الدولة أو الاثنين معاً.

ــ الفساد هو حالة ناجمة عن إنعدام كلي ــ شبه كلي ــ جزئي للديمقراطية ولأبسط قواعد الإدارة والحكم.

ــ الفساد هو حالة ناجمة عن نظم ديكتاتورية لا تتيح أي جهة حكومية الاستفسار عن مصير الأموال.

ويشير تقرير للمنظمة الدولية لمكافحة الفساد أن هناك سبب وهناك تداخل بين عملية الفقر بين طبيعة عملية الإصلاح السياسي وعملية الاقتصاد السياسي باعتبار أن هناك شفافية مفترضة في المناقصات المفتوحة، والأنفاق الحكومي، وهناك شفافية في النظام الضريبي والاقتصادي برمته.

احتل العراق المرتبة 166 من بين 176 دولة في مؤشر الفساد لعام 2017 ووقع ضمن ال 12 دولة الأخيرة في القائمة التي تنتهي بالصومال، بينما احتفظت الإمارات بالمرتبة الأولى في العالم العربي بمؤشر مدركات الفساد للعام 2017 الصادر عن منظمة الشفافية العالمية، بينما جاءت في المرتبة الـ21 على مستوى العالم بين 180 دولة. وتقدمت الإمارات 3 مراتب مقارنة بالتقرير السابق، وسجلت 71 نقطة بارتفاع 5 نقاط عما سجلته في تقرير عام 2016، متفوقة على دول أوروبية مثل فرنسا وإسبانيا، ومتقدمة ثلاثة مراكز مقارنة بالتقرير السابق، الذي حلت فيه في المركز 24. في حين، احتلت قطر المرتبة الثانية عربيا والـ29 عالميا، حيث سجلت 63 نقطة، بينما، جاءت السعودية في المرتبة الثالثة عربيا والـ 57 عالميا، حيث حصدت 49 نقطة. وتقدم ترتيب المملكة في تقرير العام 2017 خمس مراتب، وكانت قد جاءت في المرتبة 62 في تقرير 2016. كما تقدمت المملكة مرتبة واحدة على صعيد الدول العربية مقارنة بالتقرير السابق.وجاءت نيوزيلندا في المركز الأول والدنمارك في المركز الثاني، بينما حلت فنلندا والنرويج وسويسرا مشاركة في المركز الثالث، وبالتالي أصبح ترتيب سنغافورة في المركز السادس مشاركة مع السويد، وجاءت كل من كندا ولوكسمبورغ في المركز الثامن.فيما، جاء في ذيل التقرير الصومال وجنوب السودان وسوريا وأفغانستان واليمن، في المراكز الخمسة الأخيرة، ما يعني أن هذه الدول تعد الأكثر فسادا في العالم.

ترى ما هي عناصر  النزاهة في النظام الوطني ...

 

هل هي الديمقراطية، أم هل هي الحرية في تبادل المعلومات في المجتمع؟ هل هناك تنافسية في الاقتصاد؟ ما مدى انتشار الديمقراطية في المجتمع؟ هل هناك تنافس يحميه القانون، وما هي أبعاد الحريات الديمقراطية، هل هناك قمع سياسي، وهل هناك تميز بين المواطنين على أسس عرقية أو دينية، أو سياسية / حزبية ؟ عزوف الدول عن الانضمام إلى الميثاق والعهد الدولي، لمكافحة الفساد وغسيل الأموال على الصعيد الدولي، في تنقلها بين المصارف، سيكون له أثره في مكافحة الفساد لا سيما عندما يكتسب صفة الإلزامية.

 

في مثل الوضع الذي يمر به العراق: البلاد تحت الاحتلال العلني الواضح، أو المستتر، الجهات الأجنبية لا يهمها أين تذهب أموال البلاد، بل هي تفضل أن تسرق على أن تنفق للصالح العام، وربما تشارك الفاسدين.

(الجدول : رواتب كبار المسؤولين العراقيين)

 

وفي رؤية بسيطة للإنفاق الحكومي الذي هو في واقع الحال إهدار وإتلاف للمال العام، فالأرقام الفلكية في الرواتب، والإنفاق على الشخصيات السياهوس الاستيلاءالنفوذ، يتردد اليوم أنباء عن هوس  الاستيلاء على عقارات الدولة، بل وحتى مصادرة أملاك المواطنين بغير وجه قانوني.(أنظر الجدول أعلاه)

 

ـــ الحمايات : وهي اختراع لنهب المال العام، كشف القاضي وائل عبد اللطيف أن كلفة حمايات الرؤساء الثلاثة تكلف 6 مليار دولار علما أن ميزانية سوريا 6 مليار دولار وهل يعقل أن تكون رواتبهم أضعاف رواتب رؤساء أمريكا وروسيا والصين وألمانيا وبريطانيا ؟ هذا عدا عن حمايات الوزراء والنواب.

 

ــ بلغت واردات العراق لما بعد الاحتلال :، 1000 مليار دولار دخلت العراق منها :

800 مليار دولار كواردات للنفط و200 مليار دولار كهبات خارجية، صرف منها 40 مليار دولار للكهرباء، كل هذا خلال 12 عام ، وحتى الآن فان البلاد تشكو من الانقطاع اليومي للكهرباء وبمعدل 15 ـ 20 ساعة، وتشكو من شحة المياه الصالحة للشرب، ومن انحطاط  غير مسبوق في حقول الخدمات العامة، ومن نسبة بطالة تجاوزت 30 % ، ناهيك عن تدهور كارثي في مجالات الصناعة والزراعة وكل مجالات الاستثمار المنتج، 148 مجموع مبالغ عقود التسليح والجيش لا يملك سلاحا، حتى أن الميليشيات الطائفية والاثنية تتفوق عليه بسلاحها، 25% من العراقيين تحت خط الفقر، 3 ملايين نازح ومهجر يعتاشون على مساعدات الإغاثة الأممية، وانفلات أمني شامل.

 

ــ تلكم هي بعض المؤشرات (والأرقام في تصاعد يومي وفصلي) التي تدل على انحطاط شامل وكامل في بلاد لا يوقف أهلها عن الثورة العارمة غير سياسة فرق تسد التي يتبعها أمراء السلطة الجديدة وغير سياسة التجهيل والترويض وابتزاز العواطف المذهبية والمناطقية والاثنية وغسل الأدمغة ...  جعل من الناس تكفر بعمامة الدجالين وملالي الدين وبكل الكلام المعسول لسادة الاحتلال الذين اعتبروا العراق كمغارة علي بابا، كنز لا يغرف منه إلا من يؤمن مثلهم بتشريح العراق وتقاسم أعضائه وبيعها لجني المزيد من النعم والأموال التي تهرب إلى خارج البلاد، هذا المشهد التراجيدي لشعب يتعرض لأبشع أنواع الابتزاز والتدجين والسطو والتغييب والمصادرة والتعذيب والتهشيم والتلويث والخداع، وليست هناك سوى قوى الحراك الشعبي الوحيدة القادرة على التغيير الجذري وعلى خلع قوى السلطة الباغية، وان اعتمدت أسلوب التدرج والاستدراج المرحلي، وهو ما يتطلب شروطا موضوعية وذاتية متطابقة لتحويل شحنة الإصلاح إلى تيار تحويل يكتسح هذه الكارثة التي تنذر بالمزيد ..!

 

يبدو مما تقدم (وهناك المزيد والكثير من التفاصيل) أن الأمر أكبر بكثير مما يتصور القارئ لما هو مألوف من التعريفات السياسية والاقتصادية الكلاسيكية للفساد. أن الوضع العراقي بحاجة إلى غرفة إنعاش، وغرفة الإنعاش هذه تعني قطع صلته لخارج الغرفة استبعاداً للفايروسات والجراثيم، وهذا يستدعي أولاً، استبعاد الأيادي والإرادة الأجنبية عن القرار السياسي، واستعادة البلاد لاستقلالها وسيادتها، ليكون بوسعها تأسيس أجهزة حكم وطنية مخلصة نزيهة من شخصيات عراقية معروفة بنزاهتها، وتوفير قاعدة عمل أساسها إلغاء كافة الألغام التي تفرق المواطنين، من قوانين طائفية وعرقية، وإقامة نظام حكم مدني، وبدء عملية الإقلاع بأعمار البلاد وهي لوحدها عملية شاقة تحتاج إلى زج كافة قدرات المواطنين العراقيين، عواطفهم وإراداتهم. فالنظام الحالي ليس أكثر من نظام يمثل المصالح الأجنبية، أسس نظام الأوليغارشيا (Oligarchy) يعتمد على النظام الغيبي، بدأ يتحول إلى نظام شاعت في اللصوصية حتى غدت قانوناً عرفياً سائداً وواقعياً، وإلا فأين تسمع مصطلحاًت جديدة في غير عهد الحكومة الدينية في عالم السرقة : جنود فضائيين ...!. وفي حزيران / 2021، أعلن عن وجود قنصليات وهمية(فضائية) فيها مئات الموظفين يتقاضون رواتب عالية وسيارات فاخرة، وكل هذا وهمي لا وجود له إلا على الورق.

 

أكد محافظ البنك المركزي العراقي السابق سنان الشبيبي أن رئيس وزراء السابق وزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي تسلم أموالا أكثر من كل حكام جمهورية العراق مجتمعين من الزعيم عبدالكريم قاسم إلى صدام حسين، وأهدرها .

وبسبب الفساد الإداري والمالي تتفاوت الأرقام والإحصاءات، ولكن بالرغم من ذلك فالمؤشرات كارثية بكل معنى الكلمة. منها:  1000 مليار دولار دخلت العراق منها 800 مليار دولار كواردات للنفط و200 مليار دولار كهبات خارجية، صرف منها 40 مليار دولار للكهرباء، كل هذا خلال 12 عام ، وحتى الآن فان البلاد تشكو من الانقطاع اليومي للكهرباء وبمعدل 15 ـ 20 ساعة، وتشكو من شحة المياه الصالحة للشرب، ومن انحطاط  قياسي لكل الخدمات العامة، ومن نسبة بطالة تجاوزت 30 % ، ناهيك عن تدهور كارثي في مجالات الصناعة والزراعة وكل مجالات الاستثمار المنتج، 148 مجموع مبالغ عقود التسليح والجيش لا يملك سلاحا، حتى أن الميليشيات الطائفية والاثنية تتفوق عليه بسلاحها، 25% من العراقيين تحت خط الفقر، 3 ملايين نازح ومهجر يعتاشون على مساعدات الإغاثة الأممية.

 

ومن أبرز المخلفات الكارثية للفساد العراقي هو تصاعد حجم المديونية العراقية

العراق يسدد ديونه عام 2053

على أن يدفع 8 مليارات دولار سنوياً كفائدة

دخل العراق ترليون دولار

خرج 50% منها بواسطة التحويلات الخارجية

هناك 24 ألف شركة في كردستان14 ألف منها تتهرب من الضرائب

ورغم أن هناك من يحتمل أن الأرقام غير دقيقة، بل ومتضاربة أحياناً، بسبب التكتم وعدم السماح بتسرب حقائق الوضع الاقتصادية الصادم، إلا أن جميع الخبراء والمتابعين يشخصون حالة التراجع، والسقوط في فخ المديونية القتل. حيث أكد الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي العراقي الدكتور عبد الرحمن نجم المشهداني تحذير نائب رئيس صندوق النقد الدولي للحكومة العراقية في "مؤتمر الكويت لإعادة إعمار العراق" من أن سياسة الاقتراض أصبحت خطرة على العراق وستبلغ الفوائد التي يجب على العراق أن يسددها سنة 2022 نحو (60%) من عائداته، أي انه سيكون عاجزا عن تسديد ديونه وعن تسديد الفوائد المترتبة عليها أيضا، العراق يسير نحو كارثة حقيقية لا توليها الحكومة أي انتباه.

وأكد المشهداني أن العراق خلال عامي 2014 و 2016 أهدر (202) مليار دولار، جاءت من (36) مليار دولار قروض أجنبية، و (23) مليار دولار انخفاض احتياطي البنك المركزي، و (33) مليار دولار ارتفاع الدين الداخلي، و (120) مليار دولار عوائد نفطية. وأضاف المشهداني، أن العراق يحتاج إلى (30) عاما لتسديد ديونه الداخلية والخارجية، وهو ما سيخضع مقدرات العراق النفطية لسنوات طويلة تحت رهن البنوك والدول الدائنة.

وقال عضو اللجنة المالية العراقية في البرلمان العراقي رحيم الدراجي، إنه منذ عام 2003 وإلى اليوم، ترتبت على العراق ديون كثيرة بسبب السياسات الخاطئة للحكومات المتتالية، وان الحكومات التي استلمت دفة الحكم ليس لديها حكمة بإدارة السياسة المالية والنقدية للبلد، وكانت الموازنات السابقة للعراق موازنات متضخمة، وتفتقر إلى التدبير، ولم تقم على أساس الدراسة والتخطيط ، إنما قامت على أساس ما يطلق عليه ملء الفراغات، أن الأجيال القادمة ستتحمل أعباء الديون الحالية .

 

وقالت عضو اللجنة الاقتصادية في البرلمان العراقي نوره البجاري، إن الديون التي أثقلت الاقتصاد العراقي أسبابها الفساد المستشري في البلاد، ودخول العراق الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي، فإن الدين العام العراقي بلغ 122.9 مليار دولار منها 73.7 مليار دولار دين خارجي و 49.2 مليار دولار دين داخلي. وتشير الإسقاطات Projections إلى أن الدين العام مرشح للارتفاع ليصل إلى 133.4 مليار دولار في نهاية عام 2022 منها 71.4 مليار دولار دين خارجي و 62 مليار دولار دين داخلي.

 

الدين الخارجي

يتألف الدين الخارجي البالغ 73 مليار دولار في نهاية عام 2017 من أربع شرائح رئيسية هي : 

41 مليار دولار ديون إلى مجموعة الدول غير الأعضاء في نادي باريس للدائنين وأغلبها ديون لدول مجلس التعاون الخليجي التي تراكمت قبل عام 2003 خلال الحرب العراقية الإيرانية. وهي ديون قائمة بيد أنها ديون مجمدة منذ عام 2003 دون أن تراكم أية فوائد ولا يطالب العراق ولا الدول الدائنة بتسديدها. وحسب صندوق النقد الدولي سيتم إعفاء 90% منها أسوة بديون نادي باريس.

6 مليار دولار من ديون نادي باريس التي تم إعادة جدولتها. وكانت هذه الديون تقدر ب40 مليار دولار عام 2003 قبل أن يتم إطفاء 90% من قيمتها وهي تحمل فائدة قدرها 3% تسدد خلال فترة زمنية قدرها 28 عاماً.

4.7 مليار دولار سندات اليورو.

الديون التي تحققت بعد عام 2014 والبالغة 22 مليار دولار وتشمل ديون صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والديون الثنائية.


الدين الداخلي المحلي :

يتكون الدين الداخلي البالغ 49.2 مليار دولار في نهاية عام 2017 بالدرجة الأساس من سندات الخزينة TB بحوزة كل من مصرف الرافدين ومصرف الرشيد والبنك التجاري العراقي والتي يتم إعادة خصمها لدى البنك المركزي العراقي. إلى ذلك قيام المسؤولين والأحزاب التابعة لها بالاستيلاء على مشاريع ضمن صفقات فساد.

ويبلغ المجموع التقريبي لهذه الفوائد والتسديدات على العراق نحو 12423.5 مليار دينار عراقي، أي ما يساوي حوالي 12770 مليار دولار أميركي.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصادر

د. ضرغام الدباغ

د. عادل عامر

شذى خليل

د. أكرم المشهداني

لهب عطا عبد الوهاب

المركز العربي الألماني

برلين

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

مدخل لدراسة

الأمن القطري /  القومي ..

 

مكوناته، اتجاهاته، تحدياته

 

ضرغام الدباغ

 

تثير موضوعات الأمن القومي اهتمامات الكثير من القراء، والمثقفين، وقد لاحظنا من خلال تجاربنا أن معظم المتداولين بهذا الشأن الهام، يخلطون بين المصطلحات التي هي أساساً مترجمة عن اللغات الأجنبية (الإنكليزية، والفرنسية والألمانية) وقد شاء المترجمون عنها، ترجمتها كما هي دون تعديل أو إيضاح ضروري، ثم أني اكتشفت مؤخراً من خلال ندوة تلفازية شاركت بها، ضرورة وضع تعريفات محددة، والتميز بين (الأمن القومي)، و (الأمن الوطني).

 

الأمن القومي:بالألمانية/National Sicherheit، وباللغة الإنكليزية/National Security وهذه الكلمة (National) تترجم (وطني) أو (قومي) اعتماداً على سياق الجملة والمقصود منها، وهكذا تستخدمها معظم الدول الأوربية وغيرها، بدون صعوبات، ولكن الصعوبة تبدأ عندما نستخدمها باللغة العربية.

 

ففي اللغة العربية تستخدم الكلمة على أساس أن الأمن القومي يعني تلقائياً " الأمن القومي العربي "، ويبدأ التضارب عندما نقصد " الأمن الوطني التونسي " على سبيل المثال، أو " الأمن الوطني السوداني "، واقتراحي هو أن نستخدم " الأمن القطري " عندما يتعلق الأمر بأمن تونس أو السودان، ونستخدم عبارة " الأمن القومي " عندما نبحث موضوعات الأمن العربي المشتركة، وهي مشتركة حقاً، بحكم قائمة طويلة من المشتركات المادية والمعنوية، وبحكم أنها تواجه (موضوعياً) ذات المشكلات والتحديات.

 

 

ــ الأمن  القومي (الوطني) :

هو محصلة لمجموع الفعاليات والمجهودات التي تقوم بها الدولة بقيادتها للمجتمع والتي تؤدي إلى حماية استقلالها القانوني والدستوري وسلامة مصالحها الوطنية العليا على المدى القريب والبعيد.

فالأمن القومي هو إذن في مقدمة ما تحرص الدول والقيادات السياسية المحافظة على أسسه وأركانه، وأن أي خلل يصيب أحدى مرتكزاته يهدد سائر أركانه بالخطر، بل وقد ينتشر الخطر ليشمل بالتهديد سائر أركان الدولة، وبالتالي تهديد المصالح الوطنية العليا، فالأمن القومي ليس بحد ذاته ليس هدفاً، ولكن لا بد منه لحماية المصالح الوطنية العليا للبلاد. ومن أهم عناصر الأمن القومي ومرتكزاته الأساسية:

 

الأمن الداخلي.

الاقتصاد الوطني.

القدرة العسكرية.

 

أولاً: الأمن الداخلي:

ويعني الأمن الداخلي بمعناه الشمولي، الأمن الاجتماعي الذي يعني استتباب الأمن وحسن تنفيذ القوانين وسيادة العدالة بما يكفل سير العمليات الاقتصادية والاجتماعية ضمن سياقات وخطط الدولة في التنمية بأصعدتها المختلفة.

 

ثانياً : الاقتصاد الوطني :

وهو بصورة عامة ما يقدمه الشعب من إنتاج صناعي وزراعي وخدمي، وفعاليات اقتصادية أخرى، بما في ذلك الترانزيت والتجارة الداخلية والخارجية..الخ من العناصر المكونة للدخل القومي والناتج القومي الإجمالي.

 

ثالثاً : القدرة العسكرية :

وتمثل القدرة العسكرية أحدى العناصر الهامة لضمان الأمن القومي، وإذا كانت السياسة الداخلية والخارجية تعني التفاوض، فالتفاوض والإقناع هو سبيلها الأول، أما القدرة العسكرية فهي تعني ردع العناصر الداخلية والخارجية من تهديد محتمل أو حاصل فعلاً للأمن القومي تحت توجيه وقيادة القيادة السياسية العليا للبلاد.

 

 

المخطط رقم (1) لاحظ حركة الأسهم من اليسار إلى اليمين

Description: xc

 

ــ المصالح الوطنية العليا:

الأمن القومي حالة تتحقق بفعل تضافر العوامل ومجموع فعاليات الدولة لتحقيق ثوابت أساسية في وجود البلاد ومقومات الدولة، والتي بدونها ستصاب بشلل خطير قد يؤدي إلى تفسخ كيانها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ونعني بها المصالح الوطنية العليا.

 

فالمصالح الوطنية العليا، هي الثوابت الأساسية والجوهرية لوجود الشعب وكيانه السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وهي الأكثر ثباتاً كغاية وأهداف، وصيانتها هي جوهر مهمة الأمن القومي وأهدافه.

 

وبهذا المعنى المصالح الوطنية العليا هي أهم مقومات وجود البلاد، ألا وهي الأرض وحاجات البشر من الخيرات المادية والأمن الضروري لحياة المواطنين وأعمالهم، ويمكن تصنيف المصالح الوطنية العليا بثلاثة عناصر أساسية:

الاستقلال السياسي.

الثروة القومية.

الأمن الاجتماعي.

 

أولاً: الاستقلال السياسي:

والمقصود في مجال بحثنا، هو حماية الأقاليم والحدود الدولية التي تنص عليها المعاهدات الدولية المقبولة والمعترف بها، ويرتبط مفهوم الاستقلال الوطني ارتباطا وثيقاً بالحكم الوطني للبلاد بكافة مظاهره الجوهرية منها والشكلية، الداخلية والخارجية، السياسية والقانونية.

 

وتشكل المعاهدات والتحالفات الغير متكافئة أو المفروضة أو تلك التي تفضي إلى تدخل مباشر أو غير مباشر بالشؤون الداخلية وفعاليات الدولة وعلاقاتها الخارجية أو تؤدي إلى الهيمنة على مصادر ثروات البلاد، تؤدي إلى خرق مفهوم الاستقلال الوطني، أو تلك المعاهدات التي تتيح لقوى أجنبية من اتخاذ أرض البلاد مقراً أو ممراً لقواتها المسلحة بصورة تعارض مصالح البلاد الأساسية، وما شابه ذلك من الفعاليات وأنماط العلاقات غير المتكافئة التي تتجاهل مشاعر أبناء البلاد ومعتقداتهم الوطنية والقومية، فهي تعد جميعها من العناصر التي تضر الاستقلال الوطني.

 

ثانياً: الثروة القومية:

وهي تلك المصادر الطبيعية والنشاطات الإنسانية ذات المغزى الاقتصادي، التي تدر بالفائدة لرخاء البشر والأموال الضرورية لعملية البناء الاقتصادي.

ومن الطبيعي أن تتبوأ الثروات الطبيعية الكامنة، والمستخرجة، التي تمثل لبلد ما، أحد المصادر الرئيسية لتجارته الخارجية، وبالتالي مورداً للعملات الصعبة، كالمعادن مثل النفط والفوسفات وغيرها، أو أن تكون منتجات زراعية مثل: القهوة والكاكاو، والشاي، وغيرها كمصادر رئيسية في تجارة بعض الدول، أو قد يمثل مناخ الدولة المعتدل وموقعها وآثارها مورداً للسياحة.

 

ثالثاً : الأمن الاجتماعي:

ويمثل الأمن الاجتماعي بمعناه الواسع، أحدى الفقرات الهامة في المصالح الوطنية التي يسعى مخططوا الأمن القومي إليها، ويندغم في إطار هذا المصطلح بصفة أساسية : حماية الفعاليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمواطنين والدولة بما يؤدي إلى ثقة المواطنين بأعمالهم ومستقبلهم والأجيال القادمة.

 

وإذ لا يمكن تصور مجتمعاً خلاقاً، إلا بتوفر أسس العدالة والمساواة بين المواطنين، فمن البديهيات المسلم بها، أن الصراعات الداخلية ودرجة حدتها بين مختلف القوى والفئات السياسية والاجتماعية، تخفت أو تتضاءل في ظل وضع اقتصادي وسياسي منتعش ومجتمع تسوده العدالة، وبإشراك أكبر عدد ممكن من المواطنين في العملية السياسية والاقتصادية، وفي ظل قوانين تهدف أساسا إلى تحقيق رفاه المواطنين وحماية حرياتهم الأساسية وكرامتهم وإشعارهم بالقيمة العالية لحقوق المواطنة والتمتع بها، وكذلك التقليل في الفوارق بين مختلف الفئات، فتلكم هي أسس ضرورية لمجتمع يتمتع بالصحة النفسية والاجتماعية والإنتاجية، تتضاءل فيه أسباب الجريمة على اختلاف أنواعها وحدة التطرف في المواقف السياسية للأحزاب والحركات، فشعور الإنسان بالأمن والعدالة والحرية يدفع به إلى التمسك بالنظام والقانون، لا إلى خرقه والتمرد عليه.

 

ــ  سبل تحقيق الأمن القومي

يتبنى مخططوا الأمن القومي أسلوبين أساسيين لتأمين المصالح الوطنية العليا:

 

الأول: الأساليب السياسية.

الثاني: الأساليب العسكرية.

 

أولاً : الأساليب السياسية:

ونقصد بالأساليب السياسية، مجموع الفعاليات والنشاطات الداخلية والخارجية التي تعتمد بالدرجة الأولى على التوصل إلى قناعات مشتركة من أجل الشروع بفعاليات مشتركة، وهو عمل يعتمد أساسا الحوار واستبعاد اللجوء إلى القوة، وفي مجال بحثنا، تمارس الدول هذه الفعاليات كإحدى سبل تأمين المصالح الوطنية العليا.

 

ثانيا : الأساليب العسكرية:

لا بد بادئ ذي بدء، من تأكيد حقيقة، أن الأساليب العسكرية والتي يشكل الحرب قمتها، إنما هي جزء من الأعمال السياسية التي تهدف في محصلتها النهائية إلى تأمين الأمن القومي والمصالح الوطنية العليا، والحرب كظاهرة ملازمة للتاريخ البشري، إنما هي وسيلة من وسائل السياسيين، وهي بهذا المعنى استمرار للسياسة، وللأمر تعقيداته في العصر الراهن، ولابد من الأخذ بنظر الاعتبار التحولات في موازين القوى.

 

 

الأمن القومي العربي

 

ــ مشكلات الأمن القومي العربي:

انصرف مفهوم الأمن القومي العربي إلى قدرة الدول العربية مجتمعة كليًّا أو جزئيًّا على الدفاع عن نفسها وحقوقها وصيانة استقلالها وسيادتها وسلامة أراضيها وتقوية ودعم هذه القدرات بتنمية الإمكانات العربية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية والتقنية استنادا للخصائص الجيوسياسية والسياسية والحضارية التي تتمتع بها أخذا بالاعتبار الاحتياجات الأمنية الوطنية لِكُلّ دولة والإمكانات المتاحة والمتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية التي تؤثر على الأمن القومي العربي الذي يعتبر الركن الأساسي في الأمن الإقليمي وفي استقرار المنطقة كما إن مفهوم الأمن القومي العربي يعتبر وسيلة للحفاظ على الانتماء القومي وتعزيز الهوية العربية ويمثل عنصرا أساسيا في الربط بين الدول العربية وصيانة مصالحها الوطنية والقومية وتحقيق نمائها.

 

وربما يغيب عن معرفة الكثير أن الجامعة العربية على الرغم من القصور في أداءها وكونها أقل من الطموح، إلا أنها رغم ذلك تمثل إطار عمل جيد، ومن أبرز تلك الروابط هي اتفاقية الدفاع العربي المشترك، والأتفاقيات الأمنية العديدة بين الأقطار العربية في مجال تبادل المجرمين، ومكافحة الجريمة وتجارة المخدرات، وهناك مئات الشركات والفعاليات الاقتصادية المشتركة، والأنشطة الاجتماعية والثقافية في عملية تسير ببطء ربما، ولكنها تحرز تقدماً على أية حال.

 

ــ  متطلبات الأمن القومي العربي

التي يجب أن تجد الأنظمة العربية لتحقيقها من خلال ضبط سياساتها الداخلية والخارجية وعلاقاتها الثنائية ومتعددة الأطراف وهي:

1. أن يكون متكاملًا وقائمًا على الوحدة والتعاون.

2. أن يكون واقعيًّا ومنطقيًّا وقابلًا للتطبيق.

3. أن يمتلك القدرة على الردع وبسط السيادة.

4. أن يمتلك الموارد والأدوات اللازمة لتحقيقه.

5. أن يحمل في داخله قيم الحضارة الإسلامية والإنسانية.

 

ــ  أهم المتطلبات اللازمة لصيغة نظرية الأمن القومي العربي وهي:

1. مدى توفر وامتلاك الإرادة السياسية.

2. تحديد ماهية المصالح القومية العربية.

3. لوقوف على طبيعة التهديدات الحقيقية التي تواجهها الدول العربية.

4. القرار فيما إذا كان هنالك عدو حقيقي وآخر وهمي ثالث محتمل.

5. صياغة التحالفات الممكنة التي تحقق الأمن القومي العربي.

6. تحديد المتطلبات ومقارنتها بما يمكن تطبيقه وتحقيقه.

7. وضع الخريطة الشاملة لنظرية الأمن القومي العربي.

 

ــ  التهديدات التي يواجهها الأمن القومي العربي

من خلال استقراء الواقع والحالة التي يعيشها الأمن القومي العربي في 2015 تتمثل أبرز التهديدات التي يواجهها فيما يلي: الإرهاب وأدواته ووسائله.

1. التهديدات النووية في دول الأقليم (الشرق الأوسط).

2. الاختراق الأجنبي،  الإيراني / الروسي، كما في العراق واليمن ولبنان وسوريا.

تداعيات الوجود الصهيوني.

3. الصراعات الداخلي بين مكونات بعض الدول العربية .

4. . الهجرة الداخلية والخارجية .

5. .الفتنة الطائفية في عدد من الدول العربية التي توجد بها إثنيات عرقية وطائفية.

6. البحث في المنازعات على  المياه .( حوض النيل ـ دجلة والفرات).

7. .الخلافات على الحدود بين الأقطار العربية كمدخل لصراعات محتملة.

 

ــ إشكاليات الأمن القومي العربي:

1. إشكالية النظام السياسي العربي..

2. التحديات الخارجية.

3. التحديات الداخلية.

4. الأمن القومي وأمن النظام.

 

ــ بنية الأمن القومي العربي

1. إعادة بناء الإنسان / المواطن.  

2. القضاء على الأمية الأولى والثانية / الجهل. 

3. إعادة نظر جوهرية في نظم التعليم.

4. تحقيق مستوى مقبول من توفير الحاجات الأساسية.

5. العمل على سد فجوة الأمن الغذائي .

6. تطوير تقنيات العمل والتعاون العربي.

7.  تحقيق الوحدة الوطنية لكل قطر عربي.

8. تحقيق تعاون أفضل في مجال التعليم العالي والبحوث.

 

الآليات والوسائل المقترحة:

لعل من أسهل الأمور صياغة الحلول النظرية كالتي صاغتها وخلصت إليها عشرات القمم والمؤتمرات العربية ولكنها ظلت حبيسة الأدراج في انتظار الإرادة السياسة التي تمتلك الرغبة والقدرة على تحقيقها ومن هذه الوسائل والحلول ما يلى:

 

ــ تفعيل دور مجلس الدفاع العربي المشترك وهو المجلس الذي تأسس، بموجب المادة (6) من اتفاقية الدفاع العربي المشترك لعام (1950).

ــ إعادة النظر في خريطة التحالفات الدولية والاقليمية  على ضوء المتغيرات.

احتواء الحواضن الشعبية للحيلولة دون بلوغ درجة الصراعات الداخلية حماية للنسيج والسلم الاجتماعي الداخلي في الدول العربية بدلا من سياسة الاقصاء والتهميش.

ــ الاستفادة من تقلبات التوازن الدولي وإيقاعه المتسارع في إفراز قوى دولية ذات نفوذ اقتصادي وسياسي واستغلال ذلك لخدمة المصلحة العربية والخيارات متوفرة، خاصة في دول جنوب شرق آسيا والصين.

ــ تفعيل دور الجامعة العربية وايجاد آليات لتطوير ميثاق الجامعة العربية ليتسنى لها القيام بأعمالها على المستوى الدولي والإقليمي لتصبح قادرة على اتخاذ القرارات وتنفيذها.

ــ العمل على صياغة برنامج سياسي / ثقافي / إعلامي، لمواجهة السياسية الغربية ووسائل إعلامها في محاولة تشويه الإسلام وربطه بالإرهاب.

ــ ضرورة إشاعة الديمقراطية والمشاركة السياسية في الأنظمة العربية وإعادة صياغة الخطاب السياسي، وضرورة التصويت على القرارات المصيرية تعتزم السلطات تنفيذها لكي يقول الشعب العربي رأيه فيها.

ــ أنتهاج وسائل إعلامية حديثة لتكون قادرة مواجهة الدعايات الغربية التي تستهدف الأمة العربية حضاريًا وثقافيًا وفكريًا وإعلاميًا ودينيًا.

 

ــ العوامل الايجابية والسلبية التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند صياغة خريطة شاملة لنظرية الأمن القومي العربي ومنها:

اتّساع رقعة الدول العربية وكثرتها (22) دولة.

دول الجوار الجغرافي وتعدد مصالحها وتقاطعها في بعض الأحيان.

مراعاة البعد الدولي والإقليمي الحاكم بالوجود الفعلي على الأرض العربية.

تفاوت الوضع السياسي الداخلي للدول العربية.

تفاوت الوضع الاقتصادي للدول العربية المعنية بنظرية الأمن القومي العربي.

اختلاف أنماط التحالفات البينية العربية ومدى تأثيرها سلبا أو إيجابا.

اختلاف أنماط التحالفات الإقليمية والدولية ومدى تعارض هذه التحالفات

أثر الاتفاقات المنفردة التي أبرمتها بعض الدول العربية،مثل اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل ومعاهدة السلام الأردنية – الإسرائيلية.

الاختراق العميق الذي تعرض له الأمن القومي العربي بفعل الاختراقات الصهيونية والأمريكية والإيرانية والروسية وأثره السلبي على صدقية الالتزام القومي العربي، وليس أدل على ذلك من الموقف العربي السلبي من الحصار (الصهيو- أمريكي) لشعبنا في غزة، والموقف السلبي من التدخل الروسي والايراني في سوريا.

مراعاة البعد الطائفي وامتداداته، والحواضن السنية والتيارات الحركية والسياسية وتأثيراتها على الأمن القومي العربي.

 

المركز العربي - الالماني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

السياسة ليست طلاسم

 

ضرغام الدباغ

 

قبيل أيام، وقبل انصرام العام الحزين 2021، كنت في جلسة ضمتني مع قيادات وطنية، وحديث السياسة دائما فاكهة المجالس، والحديث يدور عن احتمالات تطور الموقف السياسي في العراق وفي الساحات العربية والمجاورة ... وهناك المتفاءل كما هناك المتشاءم ... قلت للأخوة أن الأمور لا تحسب هكذا ... لا بالتشاؤم ولا بالتفاؤل، بل بالتحليل المادي الموضوعي، بدون توابل وفلافل ...

 الأمر هكذا: لنحدد الظواهر الحاسمة غير النسبية، ونعتبرها مؤشرات وعلامات، ثم لنربط بين هذه المؤشرات المضيئة، وعلى الأرجح ستتضح معالم الطريق ... وبالاستناد إلى قواعد العمل السياسي التي لا يتجاهلها محترفوا السياسة والدبلوماسية وصناع القرارات الاستراتيجية.

 

إذن ..... الحقائق المادية الثابتة ...

 

ليس كل رغبة للولايات المتحدة تنفذ حتماً.

ليس بالضرورة من تدعمه الولايات المتحدة ينتصر.

نعم بوسع الولايات المتحدة التدخل في أية بلد في العالم، ولكن ليس بوسعها حسم المعركة.

كافة المؤشرات تؤشر، أن الولايات المتحدة مقبلة ليس على معارك كبيرة (ليس بالضرورة أن تكون حربية) وعلى هزائم أكبر.

من الواضح الجلي أن العملية السياسية المتعثرة التي بدأت بعيد احتلال بغداد سارت سيرا متعثراً.. ثم أصبحت نقيصة ومثلبة لمن يشارك بها، ثم أصبحت كارثة، وأخيراً عاراً التصق إلى الأبد بمن شارك بها ومد يده في طبيخها الملوث. والأسباب واضحة ولكن دعنا نضرب عنها صفحاً الآن.

قد تقدم الولايات المتحدة على انسحابات مذلة لحفظ ماء الوجه، بما يشبه الانكسار الواضح.

قد تتخلى الولايات المتحدة تحت الضغط : السياسي / الاقتصادي / العسكري، عن بعض حلفاؤها.

ليست فقط التطورات الدولية التي تشير إلى بروز قوى عالمية جديدة: سياسية واقتصادية وعسكرية، بل وأن درجة تحكم الولايات المتحدة على حلفاء الأمس لم يعد بدرجة مقبولة لأميركا. بمعنى رغبة الحلفاء الانتقال من التبعية إلى الشراكة ..!

والولايات المتحدة بدورها تخاطب حلفاءها في مختلف الساحات : نحن قاتلنا معكم، ووضعناكم على قمة السلطة، وخسرنا سياسيا واقتصاديا وبشرياً، ولكنكم لم تثبتوا أهليتكم السياسية والعقلية (التخطيط) في إدارة أوضاعكم. ونحن مضطرون للنظر بواقعية أكثر لمصالحنا ....!

 ستركز الولايات المتحدة على المحيط الهادي (الباسفيكي) وأستراليا ونيوزيلندة واليابان كمخافر أمامية أمام البر الأمريكي.

 رصانة ومتانة الموقف الصيني على كافة الصعد، بلغ درجة النضج، واللاتراجع.

 الروس يتقنون اللعب وأصول التصرف في أوربا في الساحة الأوربية، ولهم فيها خبرة وباع طويل.

 

ماذا سيجري في العراق ...؟

 

الأمريكان وحلفاءهم هم القوة الأمضى في العراق، رغم فشل كافة مشاريعهم وخططهم فشلا ذريعاً، إلا أنهم يتسيدون الآن الساحة بسبب :

القوة السياسية للولايات المتحدة، والتفوق العسكري الساحق للتحالف الثلاثي (الولايات المتحدة إيران إسرائيل).

تشتت القوى الوطنية المعارضة للاحتلال، وافتقارها لقدرات الرؤية الاستراتيجية والأيديولوجية والسياسية. وثغرات أخرى مهمة.

سياسة الأرض المحروقة والاقتلاع والإبادة والتجريف بلا هوادة التي ارتكبتها قوى الاحتلال وفي المقدمة العدو الفارسي. ولكن هذه ستسجل وباستحقاق المساءلة التاريخية.

الولايات المتحدة حققت تقدماُ على حليفيها (إسرائيل بسبب ضعف معسكرها العراقي، وإيران التي يتعرض جذر موقفها السياسي والأيديولوجي والعسكري للضعف بسبب سوء التخطيط والعمل، وتناقضها الصارخ مع المحيط العربي / الإسلامي.

 

احتمالات الموقف في العراق ...!

 افتضاح الخطط الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية في العراق والمنطقة.

تراجع الوسط الشعبي  المساند للعملية السياسية، وبروز معارضة وطنية جديدة، ستقود الحراك النضالي / السياسي.

سيتأثر الموقف الإيراني بشدة بهزائم تلحق بها في ساحات في المنطقة.

بالتزامن أو كنتيجة لذلك، نظام الملالي الإيراني ومشروعه الفاشل سيندحر في إيران بسبب عجزه التام في صياغة نظرية حكم مقبولة.

سيتبلور الوعي الشعبي في العراق بدرجة ملموسة، وسوف تتوصل الجماهير الشعبية إلى إفراز قيادات وطنية جديدة، والأحزاب الوطنية التاريخية التي تعاني حالياً من مشكلات صعبة، سوف تتخلص (وإن متأخراً) من أزمتها السياسية والآيديولوجية والتنظيمية الخانقة.

 بعض هذه النتائج قد تحقق فعلاً، وتشخيصها بحاجة فقط لرؤية دقيقة بعقل سياسي واع، وملامح المرحلة المقبلة ستكون نتيجة للواقع المادي الموضوع.

 

لسياسة ليست طلاسم

 

ضرغام الدباغ

 

قبيل أيام، وقبل انصرام العام الحزين 2021، كنت في جلسة ضمتني مع قيادات وطنية، وحديث السياسة دائما فاكهة المجالس، والحديث يدور عن احتمالات تطور الموقف السياسي في العراق وفي الساحات العربية والمجاورة ... وهناك المتفاءل كما هناك المتشاءم ... قلت للأخوة أن الأمور لا تحسب هكذا ... لا بالتشاؤم ولا بالتفاؤل، بل بالتحليل المادي الموضوعي، بدون توابل وفلافل ...

 

الأمر هكذا: لنحدد الظواهر الحاسمة غير النسبية، ونعتبرها مؤشرات وعلامات، ثم لنربط بين هذه المؤشرات المضيئة، وعلى الأرجح ستتضح معالم الطريق ... وبالاستناد إلى قواعد العمل السياسي التي لا يتجاهلها محترفوا السياسة والدبلوماسية وصناع القرارات الاستراتيجية.

 

إذن ..... الحقائق المادية الثابتة ...

 

ليس كل رغبة للولايات المتحدة تنفذ حتماً.

ليس بالضرورة من تدعمه الولايات المتحدة ينتصر.

نعم بوسع الولايات المتحدة التدخل في أية بلد في العالم، ولكن ليس بوسعها حسم المعركة.

كافة المؤشرات تؤشر، أن الولايات المتحدة مقبلة ليس على معارك كبيرة (ليس بالضرورة أن تكون حربية) وعلى هزائم أكبر.

من الواضح الجلي أن العملية السياسية المتعثرة التي بدأت بعيد احتلال بغداد سارت سيرا متعثراً.. ثم أصبحت نقيصة ومثلبة لمن يشارك بها، ثم أصبحت كارثة، وأخيراً عاراً التصق إلى الأبد بمن شارك بها ومد يده في طبيخها الملوث. والأسباب واضحة ولكن دعنا نضرب عنها صفحاً الآن.

قد تقدم الولايات المتحدة على انسحابات مذلة لحفظ ماء الوجه، بما يشبه الانكسار الواضح.

قد تتخلى الولايات المتحدة تحت الضغط : السياسي / الاقتصادي / العسكري، عن بعض حلفاؤها.

ليست فقط التطورات الدولية التي تشير إلى بروز قوى عالمية جديدة: سياسية واقتصادية وعسكرية، بل وأن درجة تحكم الولايات المتحدة على حلفاء الأمس لم يعد بدرجة مقبولة لأميركا. بمعنى رغبة الحلفاء الانتقال من التبعية إلى الشراكة ..!

والولايات المتحدة بدورها تخاطب حلفاءها في مختلف الساحات : نحن قاتلنا معكم، ووضعناكم على قمة السلطة، وخسرنا سياسيا واقتصاديا وبشرياً، ولكنكم لم تثبتوا أهليتكم السياسية والعقلية (التخطيط) في إدارة أوضاعكم. ونحن مضطرون للنظر بواقعية أكثر لمصالحنا ....!

 ستركز الولايات المتحدة على المحيط الهادي (الباسفيكي) وأستراليا ونيوزيلندة واليابان كمخافر أمامية أمام البر الأمريكي.

 رصانة ومتانة الموقف الصيني على كافة الصعد، بلغ درجة النضج، واللاتراجع.

 الروس يتقنون اللعب وأصول التصرف في أوربا في الساحة الأوربية، ولهم فيها خبرة وباع طويل.

 

ماذا سيجري في العراق ...؟

 

الأمريكان وحلفاءهم هم القوة الأمضى في العراق، رغم فشل كافة مشاريعهم وخططهم فشلا ذريعاً، إلا أنهم يتسيدون الآن الساحة بسبب :

القوة السياسية للولايات المتحدة، والتفوق العسكري الساحق للتحالف الثلاثي (الولايات المتحدة إيران إسرائيل).

تشتت القوى الوطنية المعارضة للاحتلال، وافتقارها لقدرات الرؤية الاستراتيجية والأيديولوجية والسياسية. وثغرات أخرى مهمة.

سياسة الأرض المحروقة والاقتلاع والإبادة والتجريف بلا هوادة التي ارتكبتها قوى الاحتلال وفي المقدمة العدو الفارسي. ولكن هذه ستسجل وباستحقاق المساءلة التاريخية.

الولايات المتحدة حققت تقدماُ على حليفيها (إسرائيل بسبب ضعف معسكرها العراقي، وإيران التي يتعرض جذر موقفها السياسي والأيديولوجي والعسكري للضعف بسبب سوء التخطيط والعمل، وتناقضها الصارخ مع المحيط العربي / الإسلامي.

 

احتمالات الموقف في العراق ...!

 

افتضاح الخطط الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية في العراق والمنطقة.

تراجع الوسط الشعبي  المساند للعملية السياسية، وبروز معارضة وطنية جديدة، ستقود الحراك النضالي / السياسي.

سيتأثر الموقف الإيراني بشدة بهزائم تلحق بها في ساحات في المنطقة.

بالتزامن أو كنتيجة لذلك، نظام الملالي الإيراني ومشروعه الفاشل سيندحر في إيران بسبب عجزه التام في صياغة نظرية حكم مقبولة.

سيتبلور الوعي الشعبي في العراق بدرجة ملموسة، وسوف تتوصل الجماهير الشعبية إلى إفراز قيادات وطنية جديدة، والأحزاب الوطنية التاريخية التي تعاني حالياً من مشكلات صعبة، سوف تتخلص (وإن متأخراً) من أزمتها السياسية والآيديولوجية والتنظيمية الخانقة.

 

بعض هذه النتائج قد تحقق فعلاً، وتشخيصها بحاجة فقط لرؤية دقيقة بعقل سياسي واع، وملامح المرحلة المقبلة ستكون نتيجة للواقع المادي الموضوع.

 

 

 

 

 

الحروب على أشكالها تقع

 

ضرغام الدباغ

 

الحرب عمل سياسي، بل هي مرحلة من مراحل تطور ملف سياسي معين، وتدور الحروب بين دولتين أو مجاميع من الدول، وتكرس السياسة / الدبلوماسية النتائج النهائية للصراع في الميدان العسكري. فالحرب هي مواصلة للسياسة بوسائل أخرى. وقد تفرض معطيات معينة أن تكتسب الحرب طابعاً خاصاً، فليست كل الحروب علنية، كما أنها لا تدور حتماً بين دولتين فقط، ولا تشترط المعاهدات التي تتوصل لها الدبلوماسية، أن تكون بين دولتين، ولا يشترط أن تكون كلها علنية، فقد تكون سرية بالكامل أو جزئياً. والقوى التي تدعي أنها مسالمة أو أنها تنبذ الدبلوماسية السرية، قد تلجأ إلى التحالفات السرية أو العلنية، وتعقد المعاهدات، أو تبقى طي الكتمان في الخزائن الحديدية، كمعاهدة كامبل ــ  لندن/ 1905 ، أو كمعاهدة سايكس بيكو / 1919. (1) (2).

 

وهناك من المؤرخين من يعتقد أن الحروب التي كانت تدور في العصور القديمة والوسيطة، دون أن يتبلور الشكل السياسي لها، حتى بدأ العالم يتعرف على أسلوب سياسة المؤتمرات الدولية، والمقررات والنتائج، وحقوق المنتصرين، أو المهزومين، وذلك عندما بدأت القوى الدولية تتعرف على نظم العلاقات، التي أخذت تبرز على مسرح العلاقات الدولية كقواعد عمل ومؤسسات دولية، وذلك  بعد مؤتمر أكس لاشابل 1818 (Congress of Aix-la-Chapelle). (3)

 

ولم يكن مؤتمر اكس لاشابل سرياً، ولكنه أسس ومهد لما سيطلق عليه من الآن فصاعداً بمصطلح القوى العظمى، التي أسست تفاهمات وباشرت بتقسيم العالم إلى مناطق نفوذ وهيمنة، واستيطان واستعمار، وهيمنة على البحار والمضائق، ولاحقا تقاسم الثروات الطبيعية.

 

كانت الحرب العالمية الأولى ذروة تلك المرحلة وانهيار أسس أكس دي لاشابل، إذ لم تعهد معطيات أكس لاشابل السابقة لعهد الاستعمار، تكفي للمرحلة الاستعمارية الجديدة، وبهذا المعنى، فقد كان التطور التكنيكي يمثل التحدي الأعظم الذي واجه الدول، والذي أدى إلى الاستعمار والتوسع، وأيضاً إلى ضعف إمبراطوريات ودول استعمارية عجزت عن مواكبة التطور الفعلي، أو عجزت عن كبح جماح قوى استعمارية أقوى منها، وهكذا انطفأ مجد أو تقلص حجم إمبراطوريات استعمارية مثل: الدولة العثمانية، أسبانيا، البرتغال، هولندا، ألمانيا.. إلخ . وكان الوجود الاستعماري يشمل 67% من مساحة اليابسة في الكرة الأرضية، ما لبث أن اتسع إلى 85% عام 1914.

 

وتشير الإحصائيات أيضاً، أن بضعة دول قد تحكمت بالعالم بفعل تطورها الاقتصادي (بفعل تطورها الصناعي) والسياسي، وفي مراجعة مصادر تلك المرحلة نستنتج أن مستقبل وأمن الشعوب والأمم المغلوبة لم يكن وارداً في حسابات الاستراتيجية الاستعمارية التي وجهت كافة مساعيها إلى التوسع والحصول على المزيد من المكاسب، في وقت غدا فيه التنافس لكسب الأراضي من مظاهر القوة ومن ضرورات المصالح الحيوية الاستراتيجية للدول الاستعمارية الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا، التي توسعت في القرة الأفريقية، وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى لم يكن في القارة الأفريقية أية دولة مستقلة.

 

وحتى نهاية القرن التاسع عشر، كانت المؤشرات السياسية تشير، أن الحملات الاستعمارية قد بلغت أوجها، كما كانت الدول الأوربية قد أنجزت تدعيم كياناتها السياسية (إقامة أنظمة دستورية) وقد أفرزت في غضون ذلك خارطة سياسية جديدة في أوربا بفعل الصراعات والحروب، كما ظهرت إلى الوجود دولتان صناعيتان جديدتان كقوى مهمة نتيجة لتضافر عوامل عديدة أبرزها الوحدة القومية وهما ألمانيا وإيطاليا، وراحت تطالب بأمتيازات الدول العظمى.

 

ولما لم يعد هناك ما يمكن التنافس والتزاحم عليه، إذ كان قد تم الاستيلاء على 85% من مساحة اليابسة في الكرة الأرضية، أخذت الدول الاستعمارية تخطط لسلب الامتيازات والممتلكات الاستعمارية بعضها البعض، وتفتش عن الذرائع حتى الواهية منها، وبذلك كان الموقف الدولي عشية الحرب العالمية الأولى قد غدا شديد التوتر.

 

وحتى نهاية القرن التاسع عشر، كانت المؤشرات السياسية تشير، أن الحملة الاستعمارية قد بلغت أوجها، كما كانت الدول الأوربية قد أنجزت تدعيم كياناتها السياسية وقد أفرزت في غضون ذلك خارطة سياسية جديدة في أوربا بفعل الصراعات والحروب، كما ظهرت إلى الوجود دولتان جديدتان كقوى مهمة نتيجة لتضافر عوامل عديدة أبرزها الوحدة القومية وهما ألمانيا وإيطاليا.

 

ولما لم يعد هناك ما يمكن التنافس والتزاحم عليه، إذ كان قد تم الاستيلاء على 85% من مساحة اليابسة في الكرة الأرضية، أخذت الدول الاستعمارية تخطط لسلب الامتيازات والممتلكات الاستعمارية لبعضها البعض، وتفتش عن الذرائع حتى الواهية منها، وبذلك كان الموقف الدولي عشية الحرب العالمية الأولى قد غدا شديد التوتر. إذا كانت القارة الآسيوية لا تضم سوى دولة مستقلة واحدة (اليابان)، والقارة الأفريقية على دولتان (مصر وساحل العاج).

 

وبعد الحرب العالمية الثانية نشأ موقف سياسي له طابعه الخاص في منطقة البلقان، وهي المنطقة التي تم من شرقي الدانوب وحتى نهاية القارة الأوربية من جهة تركيا وتشمل : رومانيا، بلغاريا، البانيا، بلاد الصرب، اليونان، مقدونيا، كرواتيا، البوسنة والهرسك، سلوفينيا، الجبل الأسود، كوسوفو.

 

 وبأعتبار أن هذه المنطقة متقاربة في الخصائص الاقتصادية تتميز بالضعف الاقتصادي (قياسا إلى أوربا الغربية)، والثقافية (ومعظمهم يتبعون الطائفة الأرثوذوكسية)، يشتد التنافس لقيادة المنطقة، والصرب هم القومية الأكبر، وكذلك العنصر اليوناني والمقدوني، والألباني، لذلك كان، وما يزال من السهولة التدخل في شؤون المنطقة، والتنافس قاد لحروب اشتركت فيها أطراف من غير المنطقة، كالروس (الأرثودوكس)، والنمساويين، والإيطاليين، والأتراك (دعما للكيانات المسلمة)،  وقوى بعيدة كبريطانيا وفرنسا وألمانيا. ما لبث التدخل الخارجي أن وجد ممثلين له من كيانات المنطقة، فتحولت إلى حروب أهلية ، وهكذا أطلق عليها " بلقنة الأزمة " أي أنها تحولت أي حرب بين عناصر المنطقة.

 

وقد تنجح الدول الكبرى في (لهشاشة الموقف الداخلي)، في تحويل الصراع الذي يدور لمصالحها، بين أطراف المنطقة أنفسهم، وقد مارست الولايات المتحدة هذه السياسة (البلقنة) في فيثنام حين حولت فيثنام إلى ساحة صراع دولية، ثم جعلت الفيثناميين أنفسهم وقوداً للحرب، (فثنمة الحرب) ومثل هذه السياسة مورست في لبنان، حين وجدت من الأطراف اللبنانية من يحارب خدمة لمصالحها (لبننة الصراع)  ومثل هذه التوجهات تدور حالياً أيضا في سوريا والعراق.(4)

 

بعد أقل من عقدين من الزمان، كانت المقدمات الموضوعية تتجمع وتتراكم، فكان لنهوض ألمانيا كدولة صناعية كبيرة، ومثلها إيطاليا، وتوافرت على قيادات طموحة تسعى لتقسيم جديد تنال فيه بتقديرها ما تستحقه كدول عظمى، وتزيل ألمانيا عن كاهلها العقوبات القاسية التي فرضتها معاهدة فرساي (1919)  لذلك كانت سحب ونذر الحرب العالمية الثانية تتراكم، وحالة السلام الهش في أوربا لم يكن سلماً بقدر ما كان فرضاً للهيمنة البريطانية. وبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، أسفرت عن نتائج وصورة لموقف وقوى سياسية وتوازن سياسي جديد في أوربا، وانقسمت القوى العظمى إلى معسكرين: الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة، والاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي.

 

وحين تمكن الاتحاد السوفيتي من كسر الاحتكار الأمريكي/الغربي لصناعة السلاح الذري وحيازته، (1949)، كان ذلك يمثل العامل الوحيد الذي أرغم الولايات المتحدة على وضع نهاية للحرب الكورية، ثم قادت النجاحات السوفيتية في مجال العلوم (الفضاء خاصة) إلى أن تدرك الولايات المتحدة والغرب أن الحرب لم تعد لعبتها المفضلة، فلجأت إلى ما أطلق عليه بالحرب الباردة (Cold War)، والتي تواصلت حتى لقاء القمة بين الرئيسان الأمريكي بوش والسوفيتي غورباتشوف، وبعدها تفكك الاتحاد السوفيت وقام بحل حلف وارسو، دون أن يقوم الأمريكان بالمثل بحل حلف الناتو، وهو ما يمثل مؤشراً هاماً في السجال الاستراتيجي بين القوى العظمى. (5)

 

خلال مرحلة الحرب الباردة كانت الحرب بين القوتين الأعظم خياراً مستبعداً، بسبب الخزين الهائل من أسلحة الدمار الشامل : الذرية والهيدروجينية والنيوترونية، وأيضاً تطور الوسائل الناقلة لها من الصواريخ من حيث المدى والدقة، لذلك كان الطرفان يعمدان إلى خلق، أو تشجيع ودعم بؤر التوتر، وهكذا نشب مصطلح الحروب بالوكالة (Proxy war)، وهذه دارت في شتى قارات العالم، وكانت خسائرها المادية (بالعتاد والمال) كما خسائرها بالأرواح لا تقل عن الحروب المفتوحة المباشرة (دون الخيار النووي). وهذه دارت في كوريا وفيثنام، ولاوؤس وكمبوديا، والشرق الأوسط وكوبا (بدرجة ما)، فهذه ساحات مثل الصراع فيها، صداماً غير مباشراً بين القوتين الأعظم. (6)

 

جرائم دولية خارج الحرب : وفي أواخر حقبة الحرب الباردة، حين كان التعايش السلمي وحل المشكلات يجري نقاشها خلال مؤتمرات قمة بين القطبيين الأعظم، وبعدها، مارست الولايات المتحدة، والغرب عموماً التدخل المسلح بوسائل مختلفة، سواء اتفقت مع القانون الدولة وشريعة الأمم المتحدة أم لم تتفق. فافتتحت الولايات المتحدة الأمريكية مرحلة العولمة (Globalisation) واحتكرت تفسير هذا المصطلح، أن قوة عظمى واحدة في العالم تفعل ما تشاء، خارجة عن القانون الدولي، والقوانين الجنائية، وطبقت تفسيرها بأعتداءات عسكرية واسعة في أفغانستان (2001)، ثم في العراق (2003)، واعتداءات محدودة في أرجاء مختلفة (تنفيذ أغتيالات، وقصف بالصواريخ البعيدة المدى)، دون أن تمتلك سلطة قضائية محلية أو دولية مقاضاتها عن مئات ألوف الجرائم التي ارتكبت في شتى أرجاء العالم. فالولايات المتحدة استبقت هذا بإعلانها الصريح أن الأمريكيين لا يخضعون للمساءلة القانونية لا في الدول ولا أمام المحاكم الدولية. ومن تلك مثلاً أنها قصفت ملجأ العامرية المخصص للمواطنين المدنيين(فبراير ــ شباط / 1991)، رغم أنه مؤشر في الخرائط الدولية، لقى فيه أكثر من 400 شخص مدني مصرعه. وقصفت معمل كيماويات (أدوية) في السودان، وليبيا. (7)

 

وللدول الاستعمارية سجل كبير في جرائم الحرب، ولكنها تضع نفسها فوق القانون، وتحاكم خصومها من السياسيين والقادة وتنزل بهم العقوبات، في حين يفلت من العدالة مجرمون، ارتكبوا جرائم الإبادة، وهم لا ينكرونها، ولكن هناك حماية سياسية تحول دون تقديمهم للعدالة.

 

الحرب عمل سياسي، بل مرحلة من مراحل تطور ملف سياسي معين، هذه تسمية التي بوسعي أن أقدم لها وأصفها وأثبت صدق وصحة أطروحتي، هي حروب تدور حين تهدف الدولة المحاربة إخفاء غاياتها الحقيقية، ربما لدناءتها، أو همجيتها، أو ربما لمقتضيات سياسية، وأهداف سرية، الإعلان عنها ينطوي على الضرر أكثر من الفائدة. وكنا قد تعرفنا على أصناف من المعاهدات والحروب.

 

الحروب السرية  (Secret Wars) : هناك الحروب السرية، وهي خطط تفصيلية تضعها دولة ما تستهدف كياناً سياسياً، لإلحاق الضرر أو التدمير الشامل، ولكن دون إعلان حرب. لأغراض تكتيكية، وتتولي الأجهزة الاستخبارية تنفيذ مهام الحرب السرية، وتتولى تلفيق وترتيب اتهامات بحق الدول والأفراد المسؤولين، التحقق منها سيتطلب وقتاً طويلاً، ترزح فيه الدول المستهدفة في حقل الاتهام، وضغط سياسي وإعلامي واقتصادي تتكبد فيه خسائر مادية ومعنوية.

 

والحروب السرية قد تبدأ بحرب إعلامية، بتجميع مبررات عدوان، ثم تشجيع جماعات وكتل انشقاقية ودعمها بالمال والسلاح والتدريب، وفرض أنظمة معاقبة اقتصادية والية من أجل الإضرار بالاقتصادات الوطنية، وقد تقوم مجاميع عمل سرية بالقيام بعمليات تخريب واغتيالات، وصولاً إلى إقامة مناطق خارج سيطرة الحكومات الوطنية، وفي قائمة الأعمال التي تؤدي هذا الغرض واسعة وكثيرة، وجميعها تعتبر من وجهة النظر القانونية الدولية تدخلاً فاضحاً في الشؤون الدولية، تحضره القوانين والأعراف الدولية.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش

 

1. مؤتمر كامبل بنرمان 1907 (Campbell-Bannerman Conference) هو مؤتمر أنعقد في لندن عام 1905 واستمرت جلساته حتى 1907، بدعوة سرية من حزب المحافظين البريطانيين بهدف إلى إيجاد آلية تحافظ على تفوق ومكاسب الدول الاستعمارية إلى أطول أمد ممكن. وقدم فكرة المشروع لحزب الأحرار البريطاني الحاكم في ذلك الوقت، وضم الدول الاستعمارية في ذاك الوقت وهي: بريطانيا ، فرنسا، هولندا، بلجيكا، إسبانيا، إيطاليا. وفي نهاية المؤتمر خرجوا بوثيقة سرية سموها "وثيقة كامبل" نسبة إلى رئيس الوزراء البريطاني آنذاك هنري كامبل بانرمان. وهو أخطر مؤتمر حصل لتدمير الأمة العربية خاصة (الإسلامية عامة) وكان هدفه إسقاط النهضة وعدم استقرار المنطقة.

 

2. اتفاقية سايكس بيكو في 1916(Sykes–Picot Agreement): هي معاهدة سرية  بين  فرنسا  والمملكة المتحدة بمصادقة من الإمبراطورية الروسية وإيطاليا على اقتسام منطقة الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا، ولتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا وتقسيم الدولة العثمانية التي كانت المسيطرة على تلك المنطقة في الحرب العالمية الأولى. اعتمدت الاتفاقية على فرضية أن الوفاق الثلاثي سينجح في هزيمة الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى ويشكل جزءًا من سلسلة من الاتفاقات السرية التي تأمل في تقسيمها. وقد جرت المفاوضات الأولية التي أدت إلى الاتفاق بين 23 نوفمبر 1915 و 3 يناير 1916، وهو التاريخ الذي وقع فيه الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو  والبريطاني مارك سايكس على وثائق مذكرات تفاهم بين وزارات خارجية  فرنسا وبريطانيا    وروسيا القيصرية آنذاك وصادقت حكومات تلك البلدان على الاتفاقية في 9 و 16 مايو / أيار 1916.

 

3. مؤتمر اكس لاشابيل 1818 (Congress of Aix-la-Chapelle) : وحضره رئيس الوزراء الفرنسي الدوق دي ريشيلو ممثل  لفرنسا  وتضمن سحب قوات الاحتلال من الأراضي الفرنسية فطلب رئيس وزراء فرنسا ضرورة سحب قوات الاحتلال قبل ال 5 سنوات، وذلك لكي لا يتضايق الفرنسيين وتستيقظ روح الثورة،  اضطر ولنجتن قائد قوات الاحتلال لإرسال محققين لدراسة حال الرأي العام الفرنسي وسرعان ما كان الصواب مع رئيس الوزراء الفرنسي وأعلن الحلفاء عن  استعدادهم لسحب هذه القوات بشرط: أن يدفع الفرنسيون غرامة الحرب التي حددتها  معاهدة الصلح ولكن رئيس وزراء فرنسا لم يكتف بذلك، فراح يطالب القوى الأربع الكبرى بأن يقبلوا فرنسا أن تنظم إليهم كعضو في زمرة القوى الكبرى، مؤكداً أن في ذلك: إرضاء العزة القومية للفرنسيين، ثم تدعيم النظام الملكي الفرنسي ووافقت الدول الكبرى على انضمام فرنسا لهم وصارت المحالفة الرباعية محالفة خماسية بعد انضمام فرنسا لعصبة الكبار تم تأسيس صرح التظافر الأوروبي ولكنه كان المسمار الأول في نعش ذلك التظافر فانخفضت درجة تحمسهم للتحالف الرباعي فحدث بعد ذلك ثورات عديدة في  إيطاليا  وأسبانيا  وغيرها ولم يجلس الخمسة الكبار مكتوفو الأيدي، إذ سرعان ما دعوا إلى عقد مؤتمر تروباو، بهدف مناقشة المستجدات المشار إليها على الساحة الأوروبية. حيث قررت الدول المشاركة في هذا المؤتمر بتوجيه ضربة عسكرية مشتركة ضد الجزائر لإجبارها على التخلي عن سيادتها البحرية.

 

4. البلقنة (Balkanization): البلقنة مصطلح ظهر في نهاية الحرب العالمية الأولى لوصف التجزء الإثني والسياسي لمنطقة البلقان نتيجة انحلال الدولة العثمانية  وقد أعيد استخدام المصطلح في الحديث على منطقة البلقان للمرة الثانية إبان الحروب اليوغسلافية في تسعينيات القرن 20 م، وهي التي اتسمت بعنف وصل إلى حد التطهير العرقي. يستخدم هذا المصطلح اليوم للتعبير عن انشطا دولة ما تحوي إثنيات مختلفة، وسقوطها في الحرب الأهلية والتطهير العرقي، بشكل يشابه ما حدث في منطقة البلقان.  

 

5. الحرب الباردة Cold War)) : هي فترة الحرب الباردة الممتدة من إعلان مبدأ ترومان في عام 1947 وحتى انتهاء الحرب الكورية في عام 1953. نشأت الحرب الباردة في أوروبا بعد سنوات قليلة من فوز التحالف الناجح بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والمملكة المتحدة بالحرب العالمية الثانية في أوروبا، وامتدت إلى 1989-1991. في عام 1947، صاغ برنارد باروخ، الممول المليونير والمستشار لعدة رؤساء من وودرو ويلسون إلى هاري ترومان، مصطلح "الحرب الباردة" لوصف العلاقات الباردة بشكل متزايد بين حليفي الحرب العالمية الثانيةالولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي

 

6. حرب بالوكالة (Proxy war) : هي حرب تنشأ عندما تستخدم القوى المتحاربة أطرافا أخرى للقتال بدلا عنها بشكل مباشر. رغم أن القوى استخدمت حكومات أخرى كوكلاء للحرب، إلا أن المرتزقة والأطراف العنيفة غير القانونية وأطراف أخرى يتم استخدامها بشكل أكثر، حيث تأمل القوى أن تتمكن هذه الأطراف من ضرب أطراف أخرى دون الانجرار إلى حرب شاملة.

حدثت بعض الحروب بالوكالة في نفس الوقت الذي حدثت فيه حروب شاملة. من شبه المستحيل أن تحدث حروب خالصة بالوكالة، حيث أن الأطراف الوكيلة قد يكون لها أهدافها الخاصة التي قد تنحرف عن مصالح الأطراف التي وظفتها. وعادة ما يكون استخدام حروب الوكالة أفضل استخدام خلال الحروب الباردة، حين تصبح ضرورة لإجراء نزاع عسكري مسلح بين طرفين متحاربين بينما تستمر الحرب الباردة.

 

7. جرائم دولية: جريمة ملجأ العامرية أو رقم خمسة وعشرين هو ملجأ يقع بحي العامرية  في  بغداد، العراق، قصف أثناء حرب الخليج الثانية. فقد أدت إحدى الغارات الأميرية يوم 13 فبراير، 1991 على بغداد بواسطة طائرتين من نوع أف-117 تحمل قنابل ذكية إلى تدمير الملجأ مما أدى إلى مقتل أكثر من 400 مدنيٍ عراقيٍ من نساء وأطفال.  وقد بررت قوات التحالف المهاجمة هذا القصف بانه كان يستهدف مراكز قيادية عراقية لكن أثبتت الأحداث أن تدمير الملجأ كان متعمدًا خاصة وأن الطائرات الأميركية ظلت تحوم فوقه لمدة يومين.  الملجأ أخذ اسمه من الحي الذي يقع فيه بين البيوت السكنية، بجوار مسجد ومدرسة ابتدائية، إنه ملجأ مجهز للتحصن ضد الضربات الكتلوية أي الضربات بالأسلحة غير التقليدية الكيماوية أو الجرثومية، محكم ضد الإشعاع الذري  والنووي والتلوث الجوي بهذه الإشعاعات، ولقد أعلن الأردن الحداد على الضحايا لمدة ثلاث أيام وطلب مع أسبانيا بتحقيق دولي بالجريمة. الملجأ يتسع لألف وخمسمائة شخص، يمكن أن يلجأوا داخله لأيام دون الحاجة إلى العالم الخارجي، فهو مجهز بالماء والغذاء والكهرباء والهواء النقي غير الملوث. البناية ثلاثة طوابق، مساحة الطابق 500 متر مربع، سمك جداره يزيد على متر ونصف المتر كذلك سقفه المسلح بعوارض حديدية سمكها أربعة سنتيمترات، تؤدي أبواب الطوارئ الخلفية إلى السرداب وتؤدي سلالمه الداخلية إلى الطابق الأرضي حيث كان يقيم الملتجؤون.

 

المركز العربي الألماني

برلين

 

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

حصاد عهد

 المستشارة أنغيلا ميركل

 

ضرغام الدباغ

 

يوم الثامن من كانون الأول ــ ديسمبر / 2021، كان اليوم الأخير في ولاية السيدة الدكتورة أنغيلا ميركل، أستاذة الفيزياء التي اقتحمت السياسة منذ أكثر من 30 عاماً،  واليوم سيحين لها أن تنسحب لترعى حياتها ... بعد 16 عاماً تولت فيها منصب المستشارية (رئيسة الوزراء)، وأدارت فيها دفة الحكم في بلد كبير، يتمتع بمكانة سياسية / اقتصادية / ثقافية كبيرة في أوربا والعالم، بمهارة ملحوظة.

 

الدولة في ألمانيا، آلة متقنة الصنع محكمة متينة لذلك تؤدي دورها بكفاءة المكائن والصناعة الألمانية عموماً التي يشهد لها العالم بالنجاح والقوة والأداء المتقن.  ولهذا فإن نجاح المستشارة ميركل لا يعود لكفاءتها الشخصية فحسب، بل وأيضا لكفاءة أداء الدولة الألمانية التي تولت قيادتها. فهي استلمت الحكم من مستشار كفء وهو السيد غيرهارد شرويدر، الذي حقق منجزات تشريعات ومنجزات مهمة، الذي بدوره أستلم دفة البلاد من أحد مستشاري ألمانيا التأريخيين (هيلموت كول) الذي في عهده (1990) تم إحراز الحلم الألماني العظيم المتمثل بالوحدة الألمانية وتولت عام 1001 لأول مرة منصب الوزارة، وفي   22 نوفمبر/تشرين الثاني 2005 فازت في الانتخابات بفارق بسيط ضد المستشار شرويدر وتولت منصب المستشارية. كأول إمراة في تاريخ ألمانيا تتولى هذا المنصب. هل نجحت ميركل في فترة حكمها ..؟

بتقديرنا أن الأمور لا تقاس بهذه البساطة. فهي استلمت الحكم بفارق بسيط عن مستشار كان ناجحاً في إدارته للحكم ومهد للكثير من الخطوات المهمة سياسياً وأقتصادياً،  ومؤشرات النجاح المحلية تتمثل بإيجاد الحلول للمشكلات المشخصة كمعضلات في الواقع الألماني، ففي عهدها حقق الاقتصاد الألماني تقدماً في حين تراجعت الاقتصادات الأوربية بفضل سياسة مالية صارمة، وصمد الاقتصاد الألماني في هزة الديون التي أندلعت في معظم الدول الأوربية، وهذه سمة للاقتصاد الألماني بصفة عامة، في أن يمثل قاطرة الاقتصاد الأوربي. ثم واجهت مشكلات الهجرة وهذه ما تزال مطروحة بسخونة اليوم، وأيضا صعود الشعبويون(اليمن الألماني المتطرف) الذي يبدو أن لا مستقبل له، فألمانيا في العقد الثالث من الألفية الثالثة ليست ألمانيا الثلاثينات، ولا يمكن مواجهة المشكلات الألمانية الداخلية بشعارات التطرف والتحريض، فهذه سوف لن تورث سوى تعميق المشكلات، فضلاً عن أن اليمين الألماني فشل في توجيه خطاب جذاب للجمهور، وتسعير العداء تجاه الأجانب لا يصلح أن يكون مقدمة لخطاب سياسي / اقتصادي / ثقافي .

 

بعد 16 عاماً على رأس البلاد، يجد المسيحيون الديموقراطيون كحزب أنفسهم  في موقع المعارضة. وإن كانت ممارسة الحكم قد ساهمت في تراجع موقعهم كما يحصل عادة، فإن ذلك نتج أيضاً من عجز ميركل عن التمهيد لخلافتها. فبعدما استبعدت بشكل منهجي القادة المحافظين الذين يمكن أن يشكلوا منافسة لها، مثل الليبرالي فريدريش ميرتس أو نوربرت روتغن، الوزير الوحيد الذي أقالته منذ 2005، راهنت المستشارة لفترة على أورسولا فون دير لاين، قبل أن تسلط الضوء على أنيغريت كرامب- كارنباور التي عدلت عن الترشح، مفسحة لأرمين لاشيت الذي ارتكب أخطاء وهفوات.

 

وكانت المستشارة ميركل قد لخصت شعارها في 22 تموز/يوليو بالقول "الحياة بدون أزمات أسهل، لكن حين تحلّ الأزمات، يجب مواجهتها". وعددت المستشارة عندها خمس أزمات كبرى واجهتها، منها :

الأزمة المالية عام 2008 إلى

 تفشي وباء كوفيد-19 (كوورونا)، مروراً

إنقاذ اليورو ثم أزمة

ملف اللاجئين، وخصوصا السوريين عام 2015

والاحترار المناخي.

غير أن فتح أبواب بلادها أمام اللاجئين يبقى أبرز قرار في عهد ميركل، يثني عليه مؤيدوها باعتباره قراراً شجاعاً. كما أن ميركل حصدت الإشادات لتعاطيها مع الأزمة الصحية وجائحة كورونا.

 

في مجال السياسة الداخلية

تميزت انتخابات 2017 التي كرست ميركل مستشارة لرابع ولاية على التوالي، بدخول حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني الشعبوي لأول مرة إلى البرلمان  كما أن تبايناً كبيراً لا يزال يسجل بين الغرب والشرق، إذ تبقى مناطق في ألمانيا الشرقية سابقاً بمنأى عن المعجزة الاقتصادية الألمانية. كما تبقى نسبة الوظائف الصغرى المتدنية الدخل مرتفعة.

 

واغتنم هذا الحزب المعادي للإسلام الذي انبثق جناحه الأكثر راديكالية من حزب النازيين الجدد، المخاوف الناجمة عن فتح أبواب ألمانيا أمام المهاجرين عام 2015 لينمو وخصوصاً في مناطق ألمانيا الشرقية سابقا حيث يلعب دوراً سياسياً مهماً. وبات الخطر الإرهابي الناجم عن اليمين المتطرف مصدر الخوف الأول، ومتقدماً على الخطر الجهادي، بعد وقوع عدة هجمات دامية. كما تسجل زيادة في الهجمات ضد اليهود.

 

كما أن المستشارة الأولى في المانيا الفدرالية لم تنجح في ترسيخ موقع المرأة في السياسة، وتبقى نسبة النساء المنتخبات في مجلس النواب حالياً بمستوى 34%، وهي نسبة بالكاد أعلى مما كانت عند وصول ميركل إلى السلطة عام 2005 (32,5%).

 

وداخليا أيضاً، يؤخذ على المستشارة أنغيلا ميركل أنها أنهت 4 ولايات من الحكم ( 16 عاما) وانسحبت من الساحة السياسية وسط شعبية كبيرة. بيد أنها انتقدت لافتقادها "للرؤية". كما تعرضت لانتقادات "لفشلها" في ترسيخ موقع المرأة السياسي ومن غير أن تكون مهّدت لخلافتها، تاركة إرثاً متبايناً.

 

الملفات الأوربية اليوم تعد ملفات بالغة الحيوية والحساسية، كما لم يكن عليه الحال في الثلاثينات، فالتنافس بين الأقطاب الاستعمارية (مستعمرين قدامى: بريطانيا وفرنسا، ومستعمرين جدد : ألمانيا وإيطاليا) كانت رائجة في الثلاثينات،  بين قوى قديمة وقوى صاعدة، والاتحاد السوفيتي الذي كان يسعى لأن تكون له مكانته وتأثيراته في السياسة الدولية، واليوم تبدو صورة الموقف مختلفة بدرجة كبيرة.

 

وعهد المستشارة ميركل واجه محاولات الهيمنة الأوربية، وإذا كانت ازمة العلاقات الأمريكية / الأوربية في حقبة أوباما الديمقراطي، تدور بهدوء وتحت السيطرة، فإنها بدت مختلفة في عهد ترامب الجمهوري، وبلغ الخلاف لدرجة التوتر، ولم تخفف المواجهة الصينية ـ الروسية / الأمريكية من حدة التباين إلا قليلاً، وتؤشر معطيات عديدة إلى أن الأوربيين ماضون بأتجاه الاعتماد على الذات دفاعياً، وإدارة العلاقات ضمن العالم الغربي ستكون واحدة من المهام الصعبة حتى للإدارة الألمانية الجديدة.

 

المستشار الجديد السيد أولاف شولتس شغل منصب وزير المالي في حكومة ميركل، وكان قد خلف في هذا المنصب المهم (الذي يلي في الأهمية منصب المستشار) خلفا للسيد شويبلة، وهو سياسي مخضرم كفوء ومحنك، عرف عنه الصرامة الشديدة والدقة، فسار السيد شولتس في وزارة المالية على سياسة سلفه.

 

على صعيد السياسة الدولية

شهد الدور الذي لعبته ألمانيا على الساحة الدولية تطوراً على مدى 16 عاماً. ففي ظل صعود النزعات الشعبوية، وصفت صحيفة نيويورك تايمز ميركل بأنها "زعيمة العالم الحر" الجديدة. وتنامى النفوذ الألماني في آسيا كما في أفريقيا، القارة التي زارتها المستشارة أكثر بكثير من أسلافها. غير أن حصيلة سياستها الخارجية تبقى موضع جدل إذ يبقى وزن ألمانيا الجيوسياسي أدنى بكثير من نفوذها الاقتصادي.ا كما واجهت نتقادات لتقاربها مع روسيا والصين

 

وعلى صعيد آخر، فإن استراتيجية التقارب والتعاون التي انتهجتها أنغيلا ميركل رغم الظروف تجاه روسيا برئاسة فلاديمير بوتين، وأبرز تجلياتها مشروع خط أنابيب الغاز "نورد ستريم 2" المشترك، لم تقنع الكرملين بالتخلي عن سياسته المتصلبة، ولم تساعد في تسوية النزاع بين موسكو وكييف.

 

كما واجهت ميركل انتقادات متزايدة لإعطائها الأولوية للتبادل التجاري مع الصين، ثاني سوق للصادرات الألمانية، رغم الاتهامات الموجهة إلى بكين على صعيد حقوق الإنسان.

 

أما بالنسبة للعلاقات عبر الأطلسي، فلم يعد بإمكان ألمانيا الاعتماد كما من قبل على المظلة الأميركية، من غير أن تضع في هذه الأثناء إستراتيجية جديدة على صعيد السياسة الأمنية، رغم مشاركتها بشكل متزايد في مهمات عسكرية في الخارج.

 

وذكر تقرير لمؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي أن "انخراط ألمانيا" على الساحة الدولية "يبقى في غالب الأحيان دون تطلعات شركائها الرئيسيين والمطالب التي تطرحها البيئة" العالمية.

 

قاطرة الاتحاد الأوروبي

بيد أن أزمات أخرى عرّضتها لانتقادات، وخصوصاً أزمة ديون اليونان عام 2011، حين أبدت الحكومة الألمانية موقفاً متصلباً دفع أثينا إلى شفير الإفلاس وأثار مشاعر عداء شديد للمستشارة في أوروبا. وكانت المستشارة ميركل قد اعتنقت نظرية تشارك الديون في الاتحاد الأوروبي، فهي لم توافق قبل ثلاث سنوات على اقتراحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الإصلاحية، في موقف واجه انتقادات حتى داخل ألمانيا.بعدما كانت ألمانيا "الرجل المريض" في الاتحاد الأوروبي مطلع الألفية، استعادت موقعها كأكبر قوة اقتصادية في القارة، مستندة إلى فائض هائل في الميزان التجاري وإدارة مالية صارمة. وتراجعت نسبة البطالة خلال 16 عاماً من 11,2% إلى 5,7% في تموز/يوليو، في سوق لا تزال هشة على وقع تفشي الوباء.

 

كتبت أسبوعية "دير شبيغل" الواسعة الانتشار أن "الاتحاد الأوروبي في وضع لم يعد بالجودة التي كان عليها عند وصول ميركل إلى السلطة عام 2005"، مشيرة إلى عدم امتلاك المستشارة "رؤية" وإلى "الهوة بين الشمال والجنوب حول المسائل المالية" وبريكست وصعود الديموقراطيات غير الليبرالية.

 

المستشارة ميركل أقرت بنفسها في 22 تموز/يوليو بأنه منذ 2005 "لم تحصل أمور كافية" لمكافحة الاحتباس الحراري، ولو أنها على اقتناع بأنها "كرست الكثير من الطاقة" لهذه المسألة. وأثارت ميركل مفاجأة عام 2011 حين أعلنت عزمها على إخراج بلادها من الطاقة النووية بعد كارثة فوكوشيما في اليابان. واضطرت ميركل التي لقبت في فترة "مستشارة البيئة" وكانت وزيرة للبيئة في عهد المستشار هلموت كول، إلى تعزيز أهداف ألمانيا تحت ضغط المحكمة الدستورية التي اعتبرت أنها تفتقر إلى الطموح.

 

 

على من تقرأ

 مزاميرك يا داود ؟

ضرغام الدباغ

 

هذا المثل العميق يقال لمن ينصح أناسا وهم لا يعيرونه اهتمامهم ولا يفهمونما يقول من معاني الحكم والنصائح المقدمة لهم، ولا يستفيدون من الكلام والنصح الموجه لهم، وربنا يسخرون منه. ومن الأمثال القريبة أيضاً : " أنت تنفخ في قربة مخرومة ". وكذلك قولة الشاعر الكبير المتنبي المشهورة : " لقد أسمعت لو ناديت حيّا .... ولكن لا حياة لمن تنادي" .

في أوائل الستينات في مطلع شباب، نصحني قريب لي أن أقرأ كتاب الفيلسوف الفرنسي البير كامو " الإنسان المتمرد " ولا أنكر أن الكتاب كان عميقا جداً، ولكني بذلت جهدي أن لأقرأه بدقة وأن أستوعبه (قدر الإمكان)، وما زلت أذكر مقوله هامة لكامو " هناك محاكمات تجري بدافع الهوى، وأخرى استناداً لمعطيات عقلية ". وقد أثرت هذه المقولة، ولكنها لم تقنعني بما يكفي لأن أكف عن أحكام الهوى، إلا في بداية السبعينات، ولكن في عام 1973 انتهى عهدي مع أحكام الهوى نهائياً لأني اكتشفت بشكل قاطع، أن بداية خسارة المباراة هي حين تستند لأحكام الهوى والعاطفة. وتبين لي بكل وضوح أن الموقف السليم هو الخالي من الأحكام العاطفية، بما في ذلك في حياتك الشخصية، أما في الحياة السياسية فالاستناد إلى العاطفة ستقود إلى كارثة لا محالة ... نعم بهذه الدرجة من الحسم ...!

ثم أني في دراساتي اللاحقة قرأت مقولة هي موجودة في لغات وثقافات عديدة، أن أحكام الهوى كارثة، ومن تلك " إذا أشتبه عليك أمران، فأنظر إلى أقربهما إلى هواك فأجتنبه " . وفي السياسة لا تفكر برأس ساخن، لا تصدر قرارا في حالة الغضب. ومنذ زمن بعيد جداً وأنا لا أحب ولا أكره جهة أو فردا في السياسة، فالحب والكراهية هي البوابة الواسعة للقرارات الخاطئة.

هل يمكن أن يدب خلاف بين أطراف متحالفة ...؟

نعم وهذه ممكنة حتى في أشد التحالفات متانة، وأقوى تحالف سياسي كما أصنفه، هو التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وبريطانيا، ورغم ذلك، لم يقوض النفوذ البريطاني في العالم سوى الولايات المتحدة، الخلاف يمكن أن يقع في :

· ملفات أمور ليست لها الأولوية.

· الخلاف ينحصر في ذلك الملف المختلف عليه، فيما يتواصل التنسيق في الملفات المتفق عليها.

عام 1988 شاهدت بعيني وسمعت بأذني، ما يكفي لأن أعلم، أن إيران ستفعل كل شيئ (أكرر كل شيئ) للتخلص من ثقل الهزيمة في الحرب مع العراق، هزيمة هي سعت بنفسها لها