الرئيسية || من نحن ||| اتصل بنا
 

د. ضرغام الدباغ استاذ جامعي باحث وكاتب عراقي مقيم في المانيا مؤسس المركز العربي الألماني برلين

  ( من كتاب البلاد)

 

 مقالات سابقة

الواقعية  ...  سيدة المواقف

ضرغام الدباغ

مع أن أعتبار نحن في مرحلة هدر للوقت والجهد، وأن النظام الحالي العراقي ليس بنظام ويصعب إطلاق وصف محدد عليه، هذا ما يجمع عليه الأغلبية الساحقة من العراقيين، بما ذلك فئات واسعة من الجماعات الحاكمة.  ونسمع ونقرأ الكثير جداً من كافة الأطراف أقاويل شتى، والقاسم المشترك الأعظم بين المتحدثين والكتاب والمعلقين هو ضياع تلمس الوجهة Concepttion) ) أو البوصلة، وقد فات معظمهم حقيقة أن الموقف في العراق بل وفي عموم المنطقة، يمر بمرحلة كالمرجل في أقصى درجات احتمالة ... وأن الفدرالية والكونفيدرالية، والأقاليم، والتقسيم والتشظية والتمزق والتشرذم هي ليست ضرباً من ضروب التشاؤم، بل من الأمور المطروحة على بساط البحث والمداولات كأحتمالات ...! فيما  يتحدث الجميع عن الديمقراطية وكأنها خيار مطروح في متناول اليد بباب البيت ..! لا أحد يريد أن يقتنع أنك تودع الديمقراطية وتستقبل الطغيان والتفرد وصولاً للديكتاتورية بأشكالها الناعمة والدموية، مباشرة بعد عبورك للبسفور وتضع قدمك في القارة الآسيوية الخالدة ..!

منذ 64 عاما وأنا أشتغل وأقرأ وأعمل كسياسي وأدرس السياسة للطلاب، لم أشاهد ولم ألاحظ لليوم أحدا يسعى للديمقراطية، ولكن الناس يتراشقون بهذه الكلمة كنوع من المكائد والتعجيز في الناش، نسيم من الديمقراطية (أقصد بالديمقراطية دولة القانون المستقرة) عشناه في العراق في العهد الملكي، دفعت العائلة المالكة ثمنه من دماءهم وحياتهم، وسحلناهم وعلقناهم عراة في الشوارع، بلا تحقيق ولا محاكمة، هذا ونحن أكثر من يتشدق بالدين وبالحلال والحرام. وأراهن أن ثلاثة أرباع من يتحدثون بالديمقراطية لا يعلمون ما هي الديمقراطية، معظمهم يعتقد واهماً أنها تبادل سلمي للسلطة فحسب، طيب ألم يصل موسوليني في إيطاليا للسلطة بالانتخابات (في العشرينات)، وكذلك هتلر في ألمانيا(في الثلاثينات). ألم يصل شخص مثل ترامب للسلطة في أميركا بالانتخابات، وكاد أن ينالها مرة ثانية بالعنف (الديمقراطي)، لولا تدخل ديمقراطي من العسكر، وقبله أحمق سخيف شبه أمي يدعى جورج بوش الأبن، ألم يحكم بريطانيا العظمى (مهد الديمقراطية... ومهد الاستعمار ...!) شخص كذاب محتال أسمه بلير، يتضمحك بخفة ويعترف بقيامه بجريمة لا داع لها، أدخل البلاد باعترافه في حرب لا داع لها ..! وفي سلة الدول الرأسمالية (الديمقراطية)  1287 تجربة نووية وهي المتسببة بتلوث العالم وانهيار النظام المناخي.

الولايات المتحدة: أجرت 1032   تجربة بين عامي 1945 و 1992.

المملكة المتحدة : أجرت  45      تجربة بين عامي 1952 و 1991.

فرنسا            : أجرت  210    تجربة بين عامي 1960 و 1996.

وفي سجل احتقار الديمقراطية هناك  الكثير جداً من الأحداث، أحدثها هو التآمر ليل نهار على الرئيس التركي الفائز ديمقراطياً لأنه لا يوافق مصالحهم.

إذا وافقتموني على هذه النظرية (وقد تحدثت عن وقائع مادية)، ستصبح معها الضمة والشدة في الخطاب، وأبوك لم يسلم على أبي، وفلان كان يقود اللوري ودهس  في طريقة (س + ص) وسائر الطروحات الشخصية وشبه الشخصية من هذا القبيل، تصبح من نوافل الكلام وتوافه الأمور، وينبغي أن نضعها جانبا، رغم أن بعضها مؤلم، ولكننا حين نناقش قضية حياة أو موت إنسان على طاولة العمليات، والجميع يعلم أنه ليس بإنسان ... بل وطن .  تصبح قضية ثانوية.

الجميع يطرح الحل المثالي الأقصى، فيما يدور البحث الواقعي عن الممكن، وقبل أيام كان يحدثني صديق ويطرح الحلول الضخمة المثالية والحد الأقصى،  وهو لا يملك بجيبه أكثر من قلامة الأظافر ... فليتفضل مشكورا من لديه حل أفضل يوفر كامل القوة والسطوة والبأس .. حل مضمون وليس مغامرات سندباد .... نحن نتذابح بوحشية تحسدنا عليها حتى الضواري، العراق يمضي بسرعة إلى التدمير والتلاشي، ونجد من يعترض على مفردات تافهة لا معنى لها سوى البحث عن ذرائع ... لكي أقول لا فحسب... وهل يدرك من يقول لا ماذا يكمن خلف هذه العبارة ... هل لديه حلول ذهبية وماسية لمريض يلفظ أنفاسه ..! نحن بحاجة حتى لعربة طنبر يسحبها حصان، وهناك من يشترط " لا ..ما أريد .. إلا بسيارة إسعاف مرسيدس موديل 2021 " . هذه مهزلة مثيرة للسخرية، والمؤلم فيها أنها واقعية.

كنت أحادث صديق عاش كل حياته في ألمانيا  منذ أن كان عمره 10 سنوات، وله ميل للشيوعيين، عن دور غورباتشوف في تفكيك الاتحاد السوفيتي فاجئني بالقول " غير .. صدام حسين " ولما بهت وتصورت أني لم أسمع أو أنه يمزح، فقال " أي لو..ما صدام ما سقط الاتحاد السوفيتي ...... !".

نعم هناك استعمار وإمبريالية وصهيونية وقوى معادية لنا .. ولكني أعتقد أن جوهر المشكلة الأساسية كامنة فينا نحن ...! الواقع الموضوعي صعب، ولكن نحن لا نتعامل مع  الأحداث بمستوى الأحداث ... السلطة في بغداد تقبع في درجات منحطة للغاية، هم فعلاً حثالة المجتمع العراقي، طيب ولكن ماذا يمنع أن تتفاهم سائر قوى الشعب العراقي وفيها شخصيات سياسية وعلماء وسياسيين محترمين ... هذا سر من الأسرار ، هل هو بسبب ارتفاع منسوب ودرجة الأنا عند الفرد العراقي .. نعم، هل أن الثقة اهتزت بين الناس .. نعم وهذه أيضاً، هل بسبب تداخل واختلاط الرؤية، نعم ... ولكن السياسة هي فن الممكن، وليس فن الحديث وزخرف الكلام...! أنت تريد خارطة الوطن كله، وأمامك سلطة مدعومة من المحتلين غير قادرين السيطرة على محافظة واحدة ..! لا أدري ماذا نحتاج بعد لنكون واقعيين ..! وأعيد هنا مثل ألماني كنت قد أورته قبل فترة ..

 Ich habe viele Wünsche, aber leider nicht genug Geld .....! "  "

لدي أمنيات كثيرة ... لكن للأسف ليس الكثير من المال ".

كثيرون لديهم أفكار رائعة مخلصة، ولكن العبرة تكمن في التطبيق، فلنتحدث رجاء عما هو ممكن، فمن الأفضل أن أشتري دراجة بخارية، أو حتى هوائية بقدراتي، على امتطاء رولزرايز فخمة في الأحلام،  الحديث في الخيال العلمي سهل في التخيل،  وللفرجة الآنية فقط،  وفي بعض الأفلام يكتبون ملاحظة في بداية الفلم ونهايته، جملة موجهة للصبيان والفتيان،  " رجاء لا تقم بهذه الحركات فهي مميتة ".

بعد هذا البؤس الذي نعيشه نحن لا نستطيع التفاهم على حتى المسلمات ... وعلى أبسط الأمور، لأن كل واحد منا يعتقد أنه زعيم وقائد، وعبقري ومفكر وفيلسوف ومؤرخ لا يشق له غبار، أليس هذا ضرب من الجنون المطلق ..! هناك عناصر وعوامل عديدة يمكن البناء عليها ولكن هناك عجز غير مفهوم ... لنكن واقعيين فليصعد البناء لحد الشبابيك والباقي يصير خير ... أحسن من النوم في العراء .... نحن في العراء الآن ... لا توجد رواتب للشهر القادم، العراق مهدد بأنهيار كامل ....

حالتنا تشبه : قطعة الأرض موجودة، الطابوق والحديد والسمنت موجود، المهندس حاضر والعمال المهرة واقفين بالاصطفاف ... والمال موجود بوفرة ... ولما لا يصعد البناء ...؟

 

سؤال عويص .... لكن يستحق الإجابة وليس للترك ...!

 

 

 

فلم لابد من مشاهدته

ضرغام الدباغ

" تحت الرمال " هذا عنوان الفلم الألماني، وأنا أعتقد أنه في مصاف أعظم الأفلام في تاريخ السينما .. في هذا الفلم إعادة تثقيف لمن عبأوا رؤوسهم بالخرافات والحقد والكراهية ... هذا الفلم يعيد النقاء لمن غادرت أرواحهم النقاء الإنساني البشري، هذا الفلم يصحي من كان سادراً في غيه .. يستعذب الوحشية والجهل وتناول اللحم البشري ...  هذا الفلم هدية مني ... للمفكرين ... للمثقفين العراقيين والعرب ... فلتكن مهمتنا جميعاً التوجه لشبابنا وإنقاذهم من منحدر الوحشية والعنف والدموية ... ألا يكفي .. ألا يكفي .. لقد ولغنا بدماء بعضنا أكثر مما تفعل الذئاب المصابة بالسعار .. والحيوانات المتوحشة ... المنفلتة من شرع الله والقانون، وناموس الانسانية .. وفضائل البشرية ... كفى لا تقتلوا بعضكم بعضاً ... سجل أسمك في قائمة البشر ... ولا تكن مع الوحوش ...

الألمان النازيين في الحرب العالمية الثانية ارتكبوا الأهوال ... نعم هذا صحيح، فعلوا كل ما هو معيب ومخجل ... نعم لا جدال ولكن ليس كل الألمان كذلك ... بل أن الشعب الألماني قاوم النازية وقدم مئات ألوف التضحيات في الشجون والمعتقلات، الألمان شعب راقي أنتج للعالم كل ما هو جميل وممتع، كثير جدا من الأشياء البديعة (ومنها هذا الفلم) هو صناعة ألمانيا، الكثير جداً من أهم الأدوية المنقذة للحياة هي من أيدي ألمانية، وهذا الدواء الذي نكافح به كورونا ألماني، الألمان شعب عاطفي مظلوم سابقا ولاحقاً وحالياً ... سلبت منهم أراضي غالية، بما تعادل مساحة دول، نعم كانت الفاشية لطخة عار، جلب الخراب والدمار للبلاد، ولكن الشعب الألماني عرف كيف ينهض، وكيف يعيد بناء بلاده، وكيف يعود إلى ركب الإنسانية بل وأن يكون في الطليعة ...

اليوم يخاطب العقل الألماني الراقي، المثقف الفنان، يخاطب من يأخذ (س) بجريرة (ص) ويقول للجميع .. لا تحاسبوا أبرياء بما فعله المذنبون ... وهذا الفلم أني أجزم سيدفع بالكثيرين إلى مرتبة جديدة .. وأقول للجميع : رجاء ... رجاء .... تفاعلوا من الكلمة الطيبة .. تفاعلوا مع الصورة الجميلة ... انفعلوا مع الفن الراقي .. أنصت لضميرك .. وليس لنداء الثأر والوحشية ... كن مخلصاً لعمق ذاتك الإنسانية.

شاهدوا هذا الفلم بأنتباه .... وراقبوا حتى قسمات وجه الرجال والأطفال ..

الرجاء من الجميع مشاهدة هذا الفلم

سيزيدك شيئاً ... سوف لن تنساه مطلقاً طيلة حياتك

فلم سيجعلك تتأمل كثيراً

شاهده أرجوك قوى فيلم الألماني على مر التاريخ روعة The most powerful German film HD 2017

https://www.youtube.com/watch?v=u6qV3G7ChUw

 

ظواهر سياسية

 أولاً : التكتلات والانشقاقات

 في الحركات الثورية

ضرغام الدباغ

 

كنت قد كتبت في أوقات متفرقة، تقارير عن موضوعات سياسية اعتبرتها هامة، كما تضمنت جانباً من أعمالي المؤلفة نصوصاً، أو هوامشاً وملاحظات على أعمال قمت بترجمتها. ومن تلك أعمال تتناول ظواهر سياسية مهمة، وذات تأثير مباشر على وعي الجماهير، إلا أنها للأسف ما زالت تختلط بدرجة مؤثرة في خلق الوعي النهائي للجماهير، ومنها مثلاً عدم الاتفاق بصفة تامة حتى يومنا عن جوهر أحداث مصيرية مر بها وطننا العراقي أو أمتنا العربية، وما زال الطابع العاطفي لبعض تلك الأحداث يطغي على كتابات حتى السياسيين، والأحزاب السياسية، ومن تلك مثلاً عدم التشخيص الدقيق لحدث معين بوصفه ثورة أم انقلاب عسكري، وعدم التميز الدقيق بين معاهدة / أتفاق، وتحالف، وبين تحالف سري والمعني العلمي للمؤامرة، والفرق بين جيش وقوات مسلحة، ناهيك عن معرفة الفرق الجوهري بين دولة وحكومة. وما هي نظرية الحكم التي يقوم عليها أي نظام سياسي .

 

ولابد من التنويه، أن مثل هذه الظواهر تكون نادرة جداً في المجتمعات الأوربية، والأسباب كثيرة في مقدمتها، تقدم طبيعة العمل السياسي إلى مستويات راقية، والوعي العالي وانتشار المعرفة للجماهير التي يصعب غشها وخداعها، والمستوى المتقدم لأجهزة الثقافة والإعلام. وشبه انعدام للأمية والأمية السياسية، يقود إلى تحديد دقيق للمصطلحات السياسية وطريقة التعامل بها.

 

ونفتتح سلسلة هذه التقارير بموضوعة مهمة هي التكتلات والانشقاقات في الحركات الوطنية والثورية، وهي تمارس في الساحة السياسية والكثير منها يفشل ويتلاشى بعد عدة سنوات، ولكن دون أن يتساءل الوسط الثقافي / السياسي لماذا فشلت تلك الحركة الثورية التي كانت ترفع شعارات رائعة ..هللت لها الجماهير من فرط توقها للعمل الثوري الصادق وتوجه صادق نحو أهدافها. وضرورة أن تدرك القواعد وجماهير الحزب والجماهير الشعبية العوامل الحقيقية وراء التكتل (الفلاني) الذي يدور في حركة ما وإلى ما يهدف حقيقة.

 

من المتوقع جداً، أن تعمد الدوائر المعادية لبلادنا وأمتنا (وليس من الصعب معرفتها)، أن تتصدى للحزب أو للحركة (س) وتبذل جهداً كبيراً في التآمر والتكتل ومحاولات أنشقااق ....وقد تفشل محاولة، فيقوم بأخرى، ويزج بالاحتياطي الأخير ويضطر إلى كشف عناصر بذل جهداً في كسبها وغطى عليها لسنوات ....! والجهة المشغلة للتكتل لا ترعى ذمة ولا شرف للمشاركين في التكتل، المشغل هو ضابط مخابرات لا وجدان ولا ضمير لهل، فما يهما هو أهدافها ليس إلا.

 

من المؤكد أن الأسباب ذاتية وموضوعية.. نعم، ولكن أين يكمن الذاتي وأين يقع الموضوعي منها. وبتقديري أن هذه أسئلة مهمة جداً، وقد يتوقف على فهما الدقيق تقيمنا النهائي الصائب الموضوعي لتلك الظاهرة السياسية أو مرحلة برمتها. فمن حق الشعب العراقي أن يعرف بعد مرور قرن على الاستقلال معرفة دقائق وجوهر التحولات المفصلية في تاريخه المعاصر، وما حدث خلال هذا المسيرة. معظم التحولات كانت نتائج لانقلابات عسكرية وخلافات سياسية جوى التعامل معها خطأ، وكل هذه جرت وتجري لأننا نفتقر إلى نظام سياسي جامع مانع. مهم جداً أن نعرف الأحداث بدقة .. أنقلاب أم ثورة ؟ مهم جداً أن يتمكن أي مواطن أن يميز بين الدولة والحكومة،  وبين الجيش والقوات المسلحة، وبين الميليشيا والقوات النظامية.

 

ظاهرة التكتلات والانشقاقات في الحركات الثورية، هي ظاهرة ليست الجديدة تاريخياً، كما أنها لا تقتصر على حركة ثورية دون غيرها، في حين أن الحركات والأحزاب اليمينية لا تعرف مثل هذه الظاهرة (تقريباً)، وإن حدثت، فتكون ناعمة رخوة، والانشقاق ليس حاداً ولا حاسماً، ولا ينطوي على تباينات ملموسة بين الأطراف المتكتلة(التكتل والحركة الأم).

 

وفي تكتلات الحركات اليمينية، (كالاحزاب الاشتراكية الديمقراطية)، فأوج ما يبلغه التكتل، هو تشكل خط يميل لليسار، في المواقف السياسية، ولكنه لا يطرح خطاً متميز نظرياً، ومثل هذه التجارب جرت في الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في النمسا، وألمانيا، وفرنسا، وخاصة في أسبانيا.

 

الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية كانت في مطلع القرن العشرين، أي بعد الانشقاق عن الحركات الاشتراكية العمالية، كانت تميل لليسار منها لليمين، وتفتح مؤتمراتها بنشيد الأممية، وتضع صورة كارل ماركس في صدر قاعاتها ومؤتمراتها، ولكن الدول الرأسمالية تمكنت من تدجين هذه الحركات، وأصبحت جزءأ من النظام الرأسمالي وأندغمت في أجهزته السياسية والحكومية، فأصبح يصعب تميزها عن الأحزاب اليمنية إلا بتشديد الرؤية والتمتع بحس ومعرفة عميقة. وإلا مالفرق بين حزب العمال البريطاني و حزب المحافظين، أو بين الحزب الاشتراكي الفرنسي والحزب الديغولي ..!

 

المنطق العلمي يقودنا في التحليل، في البحث عن جوهر الأمور، وهنا لا نجد سبباً جوهرياً للتكتل والانشقاق إلا إذا كان هناك تناقضا جوهريا مهما، بحيث تصبح الأداة السياسية (الحزب) عديمة الفائدة، أو ينبغي إدخال تعديل حاسم على منهج الحزب وسياقات عمله. والانشقاق (الذي يسبقه تكتيكياً تكتل يستغرق العمل في معظمه وراء الكواليس، وأحياناً كواليس سميكة) والتناقض بتقديرنا هو ذا أتجاهين على الأرجح لا ثالث لهما :

 

خلاف نظري (آيديولوجي) عميق، بحيث يمس هوية الحزب النظرية بشكل جذري.

خلاف سياسي ذو طبيعة حاسمة، الخلاف بصدده ليس عابرا يمكن تجاوزه ضمن أطر العمل الحزبي التقليدي. ويشترط في كلتا الحالتين (1 +2) أن الخلاف في الحزب قد أتخذ أبعاده الأفقية والعمودية، بمعنى أنه شق يمتد من القيادات وحتى القواعد.

 

وهذان الصنفان من التكتلات والانشقاقات حدثا في تاريخ الحركات الوطنية والقومية والتقدمية في الوطن العربي، ولكن وبسبب مستوى الثقافة العامة الجماهيرية والحزبية، فإن الخلاف النظري والسياسي ليس بالضرورة أن يكون واضحاً وجلياً لا ألتباس فيه ولا أشتباه. فكثيراً ما ينطلي على الجماهير العامة، أو القواعد الحزبية المنظمة شعارات براقة مطلوبة من الجماهير العامة والحزبية، جرى تخريجها بصورة فنية يتفاوت إحكامها. فمثلاً تحت شعار وطني / قومي مقدس للجماهير، يطرح بطريقة قد لا تخلو من الذكاء، ولكن بالتأكيد مع الكثير من الخبث واللمسة الاستخبارية. فقد حدثت تكتلات حزبية أو أنشقاقات كان مسقط رأسها في محطات المخابرات المعادية ..! وتبدو بوضوح من خلال نشاط  التكتل وأساليب عمله بصمة العمل المخابراتي

 

ومن الاحتمالات التي يمكن أن تقع، قيام جهات أجنبية (قوى خارجية، أجهزة أستخبارية) بالتخطيط (بدقة متفاوتة) تنظيم تكتل على أن يفضي في تطور لاحق إلى انشقاق، والهدف بالطبع هو وحيد أن تدمير تلك الحركة أو الحزب الثوري، تدميراً شاملاً أو جزئياً بإضعافه لدرجة يفقد فيها طاقته الرئيسية.

 

وبالطبع فإن تلك الجهة الاستخبارية المعادية، فاتها أن تفقه (وتلك واحدة من أخطاءها) أن الحزب الثوري ليس عبارة عن تجمع أشخاص تصادفي في ظرف تاريخي عشوائي، بل أن الحزب الثوري هو استجابة تاريخية لضرورة وطنية أو قومية، وهذه الاستجابة لها هدفها المادي بوحدة الوطن، وتعبئة الجماهير لتحقيق أهداف الشعب التاريخية والتي تعد من ثوابته المادية الأكيدة، التي لا تراجع عنها، بإجماع الشعب، وقواه الطليعية. ولذلك فإن الحزب الثوري التاريخي لم يكن من فعل وإرادة أشخاص معدودين، بل هو فعل جماهيري تاريخي، لذلك ليس بمقدور أية قوة مادية أن تقضي عليه، ولكن من الممكن أن تخسره من أعضاء من القيادات والقواعد، وتراجع أداء الحزب بدرجة معينة، ولكن سرعان ما سيستعيد الحزب قوته أضعافاً مضاعفة. فالجماهير آنذاك تكون قد لمست لمس اليد أن تلك القوى الجبارة لم تستطع أن تقضي على الحزب، بل هي لم تستطع أن تطوي لافتاته بين الجماهير وإنها لم تستهدف الحزب الثوري إلا لأهميته التاريخية ودوره في تعزيز المكتسبات الوطنية.

 

وبالطبع يمكن للحزب الثوري أن يكتشف بسهولة تامة، أن التكتل أو محاولة الانشقاق مخططة بتوجيه مباشر من قوى أستخبارية نظامية، وضباط أمن محترفون، فالحزب الثوري يمتلك بالتأكيد عناصر خبيرة بمكافحة النشاط المعادي بل وربما يمتلك مؤسسات وأجهزة متخصصة بإدارة خبراء وطنيون قادرون على كشف الأنشطة المعادية بدرجة احتمال الخطأ تقرب من الصفر. والمشكلة هنا، يمكن أن تكشف العناصر الوطنية خطط المتكتلين، والخطأ في معالجة التكتل قد يكمن في أن قيادة الحزب تتردد في اتخاذ الموقف الصحيح لأي سبب من الأسباب.

 

ورغم ذلك، فمن المحتمل بنتيجة ظروف وعوامل داخلية أو خارجية، أن ينجح التكتل المعادي المرتبط بجهة أجنبية، ينجح في إحداث خروق قد تكون بسيطة في الهياكل القيادية، إلا أنها قد تتسع في الكوادر الوسطية، والخرق يكون أكبر في القواعد الدنيا من التنظيم الحزبي.، وقد يتراصف أنتهازياً كم من العناصر الحزبية التي تجد في التكتل أو المحاولة الانشقاقية فرصة لتسوية حسابات لا مبدأيه، فتتخذ موقفاً ينطوي على طابع من المساومة.

 

برغم اللمسة الاستخبارية الاحترافية للتكتل، إلا أن التكتل فاسد بطبيعته من أساسه، فطبيعة الأسماء المتورطة في التكتل، وتاريخها السياسي والنضالي، ودرجة احترامها من القواعد الحزبية. وأحياناً تلهم الخيانة وتدفع مرتكبيها إلى أخطاء فادحة، تنبأ بدرجة لا تقبل الالتباس بمرجعيتهم الخيانية. فتنتاب عناصر التكتل الأرتباك والعصبية فيسرعون في خطوات تستحق التأني، فيقعون في مزيد من الأخطاء التي ستعري خطهم الانتهازي المشبوه، وسيسقط التكتل والانشقاق على أيدي القواعد الحزبية وليس بفعل قرارات قيادية حصراً لتداعياته.

 

كل تكتل ليس له طابع أيدولوجي ... يشير إلى انتهازية .

كل تكتل ليس له ضرورة سياسية ... يشير إلى مشبوهية العمل.

في العمل الثوري ليس هناك أسماء مهمة، كل منحرف سيسقط خارج الخط الوطني.

 

المتكتلون والساعون للانشقاق يهدفون إلى إبعاد الحزب عن طريق النضال، وتقليص دوره. ولكن الحزب الثوري التاريخي يمتلك وسائل الديمومة والتواصل، لسبب جوهري، أنه يطرح حلولاً ثورية لأزمات سياسية واقتصادية مستعصية. وبصرف النظر عن ملاحظات إعلامية تمارس التضليل والتحريض، ووضع الأخطاء تحت عدسة مكبرة، إلا أن المنجزات التاريخية على الأرض لا يمكن تجاهلها في تاريخ النضال الوطني والقومي، في حين لا يقدم الآخرون سوى ترجمة لخطوات التراجع عن الخط الوطني، وعاجزون عن تقديم منجزات مهما كانت صغيرة، ستبقى المنجزات التاريخية مرتبطة في وعي الجماهير بحركة صعود كبيرة، قد تنطوي على بعض الأخطاء التفصيلية غير التاريخية.

 

المتكتلون والمنحرفون يعرفون أنفسهم ...  ويعرفون مصيرهم ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملحوظة : البحث نظري علمي صرف لا علاقة له بحدث معين

 

وداع أنجيلا ميركل

صورة للقيادة، صورة لوطن

د. ضرغام الدباغ

تابعت من على شاشة التلفاز، جلسة الحزب الديمقراطي المسيحي (CDU) (أواسط كانون الثاني / 2021) الجلسة الختامية لمؤتمر الحزب وفيه حضرت المستشارة ميركل للمرة الأخيرة كرئيسة الحزب، فالمؤتمر شهد توديع تاريخي مثير لهذه السيدة الرائعة ... من يشاهد هذا التوديع ستقتحم ذاكرته وثقافته السياسية مادة مبهرة ومؤثرة ...!

في المرات التي شاركت فيها بإدلاء صوتي في الانتخابات الألمانية، لم أدلي بصوتي ولا مرة للمستشارة ميركل أو لحزبها، ولكني اليوم، أدرك أن هذه السيدة تمثل قيماً ومعان كبيرة، ولو أتيح لي التصويت لها لفعلت ..! هكذا بلا محاولة إقناع من جهة أو شخص ... الأمور هي توضح نفسها بنفسها ...

وفي وداع رئيسة الحزب، مؤتمر الحزب المؤلف من مئات المندوبين، وكلهم شخصيات كبيرة سياسية وعلمية / أكاديمية يقفون جميعاً إجلالاً لمدة عشرة دقائق يصفقون لها .. بدون هتافات وزعيق، فقط البعض حمل ورقة كتب عليها بخط اليد " شكراً لك ميركل "، أي كلمة أخرى تقال ستكون بلا معنى، مهما كانت ستكون صغيرة ملونة مزركشة بألوان التزلف والتملق .. أو الهمهمة خوفا أو رعباً ... لم يكن هناك زعيق : ماكو زعيم إلا كريم، وبالروح بالدم، ولا حزبي العظيمي ..لا شيئ من هذا ... هذه السيدة حازت على احترام الناس أجمعين لمدة 18 سنة كرئيسة للحزب، و21 سنة كأمين عام، 16 عاماً مستشارة (رئيسة للوزراء) نحو عشرة سنوات وزيرة ..... لا يستطيع أحد أن يجد ثغرة في هذه الشخصية التاريخية لا في سلوكها السياسي، ولا الحكومي، ولا حتى الشخصي. ولم يهان مجرد إهانة ... شخص واحد من أجلها ... وآخرين يسحقون الملايين دون أن ترف لهم جفن ... ويلعب بمنخاره أمام العدسات ويقول " ما ننطيها ....

شخصياً كنت غاضباً  مرة أو مرتين خلال حكمها، ولكن درجة احترامها لم تتراجع أبداً قيد أنملة، هي تحكم بلداً بحجم ألمانيا وهي ليست هنا من أجل أن ترضيني أو ترضي شخصاً بعينه ...هي تنظر لكل خارطة ألمانيا ... ولا تنظر لمزاج شخص، وهذا ما يفوت الغاضبين ... وبهذه المناسبة أليس في شرعنا الإسلامي استبعاد الغضوب والفاجر من الحكم والإدارة ..؟

ميركل ....العالمة الحقيقية،  الدكتورة (في علم الفيزياء) أنجيلا ميركل، الأستاذة الجامعية  الوزيرة السياسية التي أختارها العبقري هيلموت كول لخلافته، واصلت السكن في شقة بسيطة بالقرب من الجامعة، يقف شرطي واحد على بعد 10 أمتار من مدخل بنايتها القديمة الطراز، هذه السيدة حكمت ألمانيا 16 عشر عاما كمستشارة (رئيسة وزراء)، 18 عاما كرئيس للحزب، 21 عاماً كأمين عام للحزب، ولم يقترب من هذا سوى المستشار الكبير أبو الوحدة الألمانية أوتو فون بسمارك،(1871 / 1890)، أما هتلر الذي بلغ منصب المستشارية بالانتخابات عام 1933، وواصل حكم ألمانيا كديكتاتور (لم يحكم ألمانيا كمستشار ولا كرئيس جمهورية، بل بلقب الزعيم) من (1933 / 1945). أما ميركل  التي ولدت عام 1954، وأصبحت للمرة الأولى كوزيرة لشؤون المرأة عام 1991 ، ثم وزيرة لشؤون البيئة، ثم كمستشارة منذ عام 2005. وستكمل ولايتها كمستشارة حتى الانتخابات هذا العام، ويرجح أن تتقاعد بعدها نهائياً، إلا أنها ستخلد بأنها فازت في الانتخابات لأربع مرات متتالية كمستشارة .

الشعب الألماني بأسره يتفق أن ميركل عبرت بهم مصاعب كثيرة، أهمها : الأزمة الاقتصادية التي عصفت بأقوى الاقتصاديات الأوربية (هولندة، فرنسا، النمسا، إيطاليا) ولعب الاقتصاد الألماني دور القاطرة التي تسحب قاطرة الاقتصاد الأوربي، واجتازت عقبات هزت الاتحاد الأوربي، وأزمات المصارف والإفلاسات، وأزمة الهجرة وجائحة كورونا ..  حقا إنها لسيدة ملهمة ... ! في أتعس الظروف كانت تطل على الألمان وقالت كلمتها المشهورة " سننجح " (Wie schaffen das)...! 

الرابط أدناه الجلسة التاريخية لمؤتمر الحزب (CDU) المؤتمرون يقفون بالمئات دون استثناء يقفون ويصفقون لها والدموع تسيل من عيون الكثيرين منهم ... يرفضون الجلوس حتى تطلب هي بنفسها وبرجاء .. " أشكركم ... لدينا الكثير مما يجب فعله ...! ".

هكذا تقتحم الشخصيات العظيمة التاريخ .....!

https://www.youtube.com/watch?v=F7emdD4f6mA

 

 

 

أزمة ثقافة أم محنة مثقفين

 

ضرغام الدباغ

 

 

هذا عنوان يصلح لأن تقام حوله ندوات نقاشية عريضة، يساهم فيها أخصائيون ومثقفون من حقول معرفية شتى، بهدف تحليل عناصر الأزمة التي ينبغي حقاً أن توصف بأنها أزمة. من أولى سماتها أنها متشعبة الأسباب منها ما هومن العناصر الكامنة ((invisible أو الظاهرة (Visible)، وفي تعدد العناصر الضاغطة (Preßfaktor)، الخارجية منها (External factor ) والداخلية منها  (Inerenn factor). والتخلف (backwardness ) المتعدد الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، والثقافية.

 

بتقديري أن هذه هي أهم عناصر الموضوعة (Theme)، التي تمثل المؤشرات الأساسية للبحث، ولا يمكن أن نضع الأزمة وأبعادها على كاهل المثقفين، كما لا يمكن تبرئة المثقفين من بعض أبعادها. وقد يضيف عليها زملاء باحثون جوانب أخرى من أجل أن يأخذ البحث أبعادة الحقيقية. فالأزمة هي نتاج تلاقح عناصر عديدة، نرجح أن يكون للتأثيرات الخارجية التي عانى منها العراق والأقطار العربية، منذ أن أنطفأ سراج النهوض والتواصل، وفقدت البلاد إرادتها السياسية، وأستمر هذا الانكفاء قرون طويلة، كان العراق وأقطار الأمة بصفة عامة بعيدة (جوهرياً) عن المسارات التي تضعها في فلك التطور، فتواصلت أسباب التخلف حتى القرن التاسع عشر.

 

وهذا المقال يأخذ على عاتقه استهلال لمهمة التشخيص (Diagnose)، على أن مجهوداً كبيراً كهذا، يستحق مساهمة واسعة النطاق، إذ يبدو لنا أن الموقف الحالي يحمل مؤشرات هامة كثيرة ربما تحمل في ثناياها علامات مفصلية، وأن بلادنا والأمة تعيش مرحلة في غاية الأهمية والخطورة معاً، لذا أدعو مفكري الأمة ومثقفيها كافة، إلى موقف يتجرد الكل عن هواه السياسي والعاطفي للتنقيب في فروع الأزمة، من أجل خلق تصورات علمية عن المسببات، وخلق صورة فيها قدر من التنبؤ العلمي (Prognose) وجهد فكري لإنضاج مبكر لما هو الآن في حالة جنينية. وبتقديرنا أن حوارات في جو من الموضوعية والعلمية كهذه ستساهم إلى حد بعيد في استشراف ما يدور في أذهان المفكرين والكتاب، ولكي نمنح المرحلة التاريخية استحقاقاتها.

 

ــ الأسباب الكامنة  (invisible): وهي العناصر المتمثلة بالموقع الجغرافي، وطبيعة الأرض والمناخ، وطبيعة المحاصيل الزراعية والمواد المستخدمة في البناء. ولكل من هذه العناصر تأثيراتها في التكون والتشكل السياسي والاقتصادي والاجتماعي لبلداننا العربية إن كانت في المشرق العربي أو في المغرب العربي. ومن البديهي القول أن البلدان الواقعة على البحر تتيح لها ظروفها الاتصال النشيط بمصادر أجنبية، وتكون التجارة النشاط الاقتصادي الرئيسي، والنشاط التجاري يدفع إلى التعارف ومعرفة الآفاق والمغامرة والمجازفة، وكل هذه توسع من المدارك والمعارف في معرفة الطريق واكتشاف آفاق المستقبل وتحديد علاماته.

 

ــ الأسباب الظاهرة (Visible): وهي العناصر المتمثلة  بالتطورات التاريخية لبلدان المنطقة وتفاعل تجاربها  بأطوارها السلبي والإيجابي، الأقطار العربية كلها خضعت تحت هيمنة قوى أجنبية، استعمارية، لذا تأخر عصر النهضة العربي، وحين بزغ فجره، (بتقديري 1850) كانت الولادة قيصرية، تمت في ظروف دموية، فهناك عناصر كثيرة تتخلل عصر النهوض، عناصر دافعة للأمام، ولكن هناك أخرى تسحبها إلى الخلف وتبطئ من حركتها. ولا مناص من ذكر حقيقة ساطعة ، أن الصراعات الدولية وضعت امتنا لأسباب عديدة في مهب تفاعلاتها

ــ العناصر الدافعة:  تتمثل بنهوض جيل جديد، أدرك أن تخلف الأمة، فيكفي أن يقرأ المتعلم العربي مقدمة أبن خلدون، وكتاب الأحكام السلطانية للماوردي، وكتب أبن أبي الربيع، وأبن الأزرق، وكتاب الخراج لأبي يوسف، ابن رشد، والطرطوشي، والفارابي، وأبو حامد الغزالي، ليعرف أن سبات الأمة كان (أو ربما ما يزال) بفعل عناصر خارجية مدمرة بالدرجة الأولى، وليس بسبب عجزها وضعف أبناءها.

ــ  المحيط الخارجي: لابد من الإقرار أن الأمة تأثرت بمحيطها الخارجي، وهذا لا ينقص من اصالتها، بل نجده من غير المنطقي أن يتأثر أي وسط بما يحيط به، وهذه عملية تدور منذ أقدم العصور وحتى الآن دون توقف بين المراكز الحضارية الكبرى في العالم، أن النهوض كان مرتبطاً بالتحرر، وخلق حركة تحرر تضيئ الأفاق.

 ــ العناصر الضاغطة الداخلية (Inerenn factor): وهي العناصر المتمثلة بالثقل الذي تتمتع به المؤسسة الدينية بصفة رئيسية، منذ العصور الوثنية، ثم الديانات السماوية التي انبثقت من قلب المنطقة وكذلك التراث العريق من التقاليد والعادات المتأصلة والمتجذرة ولها تأثيرها في تكبيل المساعي للتطلع وتجاوز عقبات الحاضر في رؤى مستقبلية للأنماط الإنتاجية والعلاقات الاجتماعية.

ــ العناصر الضاغطة الخارجية (External factor): وهي العناصر المتمثلة، بالقوى الأجنبية التي حاولت غزو المنطقة، ولكنها رحلت بعد أن خلفت أنماط من علاقات واتجاهات ثقافية، ولمحات من حضارتها،

ــ التخلف الاقتصادي / الاجتماعي / الثقافي (backwardness): وهي محصلة لكافة العناصر السلبية التي أثرت بصورة مباشرة وغير مباشرة في التشكل النهائي في بلدان المنطقة.

 

ولو وجهنا نظرة دقيقة فاحصة، لوجدنا أن الموقف الثقافي في جميع بلدان العالم يعاني من مشاكل، قد تتفاوت في حجمها وطبيعتها، ولكن المشاكل موجودة على أية حال. وهي نابعة من مصادر عديدة، منها أيضاً الذاتية والموضوعية، ولكن في جميع الأحوال هناك شكوى من الانتشار والتوسع وقد يكون لهذا التوسع المتزايد لعالم الانترنيت نتائجه السلبية أيضاً، فحقوق الملكية الفنية، تتعرض للضياع، وكذلك التزوير المتقن للأعمال الفنية والأدبية، وعناصر أخرى عديدة. ولكن لابد من القول أيضاً، أن الدوائر الثقافية والفنية تحاول جهدها تقليص الآثار السلبية، ولكن الأزمة ما تزال تطل برأسها.

 

وبتحليل عناصر الموقف في بلادنا والوطن العربي نجد أن العناصر تتداخل وتتلاحم بطريقة يصعب فصمها حقاً، ولكن لا شيئي يستعصي على التحليل العلمي والجرد لفقرات أية موضوعة. ولكن لابد من الإقرار بالتفاوت الذي يبدو أنه ليس سهل أو بسيط، بين البلاد العربية وغيرها، كأوربا وأميركا مثلاً. ولكن مع وجود عناصر متشابهة جوهرياً. فلا يعتقدن أحداً بأن حرية النشر مفتوحة على مصراعيها دون حسيب أو رقيب،  نعم قد لا يكون هناك القمع الجسدي الموجود في بلداننا،  ولكن هناك خطوطاً ملونة عندما يجتاز الكاتب الخطوط الأولى، ويصل الخط الأحمر، بعدها لن يكون بوسعه متابعة مغامرته وليس بالضرورة بأساليب قسرية، فقد يحرم من الكتابة في الصحف الممتازة، وعليه أن ينزوي في صحيفة بسيطة وبوضع مالي أبسط، بلا طموح ولا أمل بالتقدم، وهناك تفاصيل أخرى.

 

ولكن الأمر لن يبلغ إلى مستوى التصفية لجسدية بالقتل الصاخب أو برصاصات سلاح كاتم للصوت، وقبل فترة قصيرة اغتيل أديب عراقي (علاء مشذوب) لينظم في الواقع إلى قافلة شهداء الثقافة والعلم مؤلفة من المئات وتتسع القائمة حتى تكاد أن تبلغ الألف، وقمع الثقافة والعلم والمتعلمين قاد إلى نتائج كارثية في إنحدار مستوى التعليم بكافة مستوياته إلى درجة التلاشي (الشهادات العراقية غير معترف بها )، واختفاء الحياة الثقافية بكافة مظاهرها، وهنا تطغي العوامل وتتداخل فلا نكاد نتبين الذاتي من الموضوعي، والسبب الخارجي عن الداخلي.

 

 ويشير الرقم الكبير للاغتيالات (أكثر من  800 شخصية) وأعداد أكثر من العلماء والمثقفين والأدباء والكتاب ممن غادروا العراق  إلى المهاجر أولاً لعدم إمكانهم الكتابة في وطنهم، والثاني هو خشية أغتيالهم بدم بارد، ولم تكشف أبعاد حادثة أغتيال واحدة من هذه المئات، فالأمر إذن هو عام وبتوجيه من قوى كبيرة، لا يهمنا الآن أن نحقق بالتفصيل ولكننا نتوصل إلى حقيقة ثابتة واضحة للعيان : أن الثقافة والعلوم ممنوعة وحتى إشعار آخر. بأمر من ذات القوى التي مثل العراق تقدماً غير مقبول بالنسبة لها، وهو فحوى موضوع بحثنا هذا.

 

قرأنا من خلال متابعاتنا، أن هناك شخصيات متنفذة في الشأن العراقي من دول الاحتلال، تتذمر بأن ما حاجة بلد (صغير) كالعراق بهذا العدد من الجامعات، ولماذا تمثل العلوم الثقافة والأدب والفنون ثقلاً كبيراً سياسيا واجتماعياً وثقافياً ضخماً لا يمكن تجاهله في العراق، فتقدم الفنون التشكيلة مثلاً (الرسم والنحت) في العراق مثلت ظاهرة ملفتة للنظر، وهي أسباب لها جذرها التاريخي، فهو ليس سوى امتداد لما جبل عليه الناس وأبدعوا منذ فجر الخليقة بوصفه من رواد الحضارة الإنسانية،  قبل ألاف السنين، بأعمال فنية هي مثار الإعجاب في بوابة عشتار، والثور المجنح، وأبنية وعمائر مدهشة تعد من معجزات إنجاز البشر كالجنائن المعلقة والمدرسة المستنصرية وجامع الخلفاء، والقصر العباسي، وهنا رسم الواسطي قبل أكثر من 800 عام، رسوماً خالدة في قيمتها الفنية والتكنيكية، ومن نافلة الكلام القول أن انتشار التعليم والثقافة ومظاهرها وتعبيراتها، هي من العوامل الأساسية التي لها إشعاعها على سائر الفعاليات الاجتماعية الأخرى، بما في ذلك الاقتصاد والسياسة. فلا يمكن تصور مجتمعاً متطوراً، دون أن تكون الحياة الثقافية فيه مزدهرة، بل أن شتى الفعاليات الثقافية هي عنصر أساسي من عناصر شد المجتمع.

 

وتشير التجارب الواقعية، وتجارب الشعوب في النضال ضد الهيمنة الأجنبية من أجل السيادة والاستقلال ، وبموازاة ذلك نضال دائم في رفع المستوى الثقافي والعلمي، وقوى القمع الأجنبية منها والمحلية تدرك أن قمع الإنسان يبدأ بقمع فكره وقلمه، وحتى خياله الثري العابر للزمن لذلك تشير المعطيات أن الإنحدار يبدأ بإبادة المنجزات العلمية والثقافية. لذلك شاهدنا عبر التاريخ القديم والوسيط، بل وحتى شواهد في العصر الحديث، التدمير الممنهج للثقافة ومؤشرات الحضارة، واحتلال مخطط مدبر للمتاحف (متحف بغداد)، ونهب وتخريب للمكتبات العامة(المكتبة المركزية / بغداد)، وقصفها بالطائرات (جامعة الموصل)، وتدمير للآثار (بابل وأور)، وقتل الفنانين (قصف مسكن الرسامة ليلى العطار)، والكتاب وتشريد الفنانين، فهذه لم تكن أعمال عشوائية، بل هي فقرة أساسية في مشروع التدمير الشامل، وفاتحته، ومنسجمة مع الهدف العام المعلن بتصحير البلد، وهنا كان رواد الثقافة والعلم هدف هذا المخطط ومظهره الأساسي.

 

العلماء والمثقفون والفنانون هم ذاكرة البلد الحضارية، وواجهته الأمامية، ومصد للتيارات الغريبة، وهويته الوطنية والقومية، لذلك لم يكن غريباً أن تكون هذه الفئات هدفا لم يغب عن أسلحة الغزاة الأجانب،  وأجهزة الغزاة والاحتلال تتشابه في عقليتها الاعتدائية، ويكتب المؤرخ الأمريكي ولين شرير في  عمله الموسوعي الكبير " سقوط الرايخ الثالث " أن الإدارة النازية عندما فكرت بأقتحام الجزر البريطانية في الحرب العالمية الثانية، كانت مخططات دوائر الاستخبارات تعد قوائم منظمة لعلماء والمثقفين والفنانين في بريطانيا، والشخصيات الاجتماعية التي تعتبر نقاط استقطاب في البلاد

 

مساعي التوسع والهيمنة، هي مساعي مدانة إنسانياً وأخلاقياً، لذلك ليس بوسع جهة ما الإدعاء أنها تمارس خططاً دموية بدواعي الخير، أو التحضر، حتى لو قامت بذلك أمم تدعي الحضارة، الثقافة مستهدفة، والمثقفون معرضون للقمع اغتيالاً واعتقالاً، وقمعاً بشتى الأساليب. المثقف مطلوب منه أن يكون طليعياً ولا يخضع للأبتزاز، وأن يضحي قدر ما يستطيع ليستحق أن يكون نبراساً لشعبه. المثقف يواجه مخاطر جمة فهو كالجندي في مهمته بل وأكثر تضحية، فهو الساع لأقتحام الظلام وتمزيق ستائر سميكة من الجهل والتخلف والقوى الرجعية ويتربص به الأعداء في كل زاوية ومنعطف.

 

قلما يعرف الناس أن الشاعر والكاتب المسرحي الألماني المشهور، بيرتولد بريشت، كان كاتباً مرموقاً أيضاً، ولطالما كتب بحوثاً ومقالات لها قيمتها العلمية والفنية. بعض من هذه المقالات التي تلج في عالم الفن والسياسة، كتبها بريشت في فترات متقطعة، في ثلاثينات القرن المنصرم، ضمها في كتاب: حول الفن والسياسة (Über Kunst und Politik) والبحوث التي تضمنها هذا الكتاب شيقة ومهمة، أخترنا لقرائنا هذا البحث الهام وهو بعنوان (Fünf Schwierigkeiten beim Schreiben der Wahrheit)، خمسة صعوبات عند كتابة الحقيقة، وكنت قد قرأت هذا الكتاب خلال دراستي الجامعية العليا في ألمانيا، واقتبست منه مقاطع ضمنتها في دفاعي وسط دهشة الأساتذة. والذي أجد من الضروري أن يطلع كتابنا عليه.

 

وبريشت في هذه المقالة يمزج بين وظيفته ككاتب سياسي، وكمناضل، وهو ما وضعه في مهب العواصف القمعية، وهو يضع على كاهل الكتاب السياسيين والفنانين والأدباء الذين ينحازون لقضايا الوطن، مهمة مقدسة، لا ينبغي أن يتملص من هذه الفئة الطليعية من الشعب. فيقول له بصراحة تامة : قف مع شعبك وإلا فأنت مع الجلاد. كتب بريشت هذا البحث في الثلاثينات (1935)، أبان أشتداد النضال داخل ألمانيا ضد النازية، وعلى الأغلب لم يكن منتمياً لأي حزب سياسي من أحزاب المعارضة، وهذا يمنح موقفه الثوري مصداقية أكبر، تحدى بريشت نظاماً إمبريالياً (النظام النازي)، كان يعد بحملات دموية داخل ألمانيا، ويخطط لأكثر دموية في أوربا والعالم. دولة كانت تسعى للحرب بألآف الطائرات والدبابات، وبملايين الجند المدججين بالسلاح حتى الأسنان، نظام يريد فرض إرادته بقوة السلاح، كل هذه الضجة الكبرى، والضجيج، ولهيب يستعر، مقابل كل هذا .. رفع بريشت قلمه .... قلمه فحسب.

 

وبتقديري، أن  الطليعي لا يستطيع أن يتبرأ من ضميره، لا يستطيع أن يتنكر للأيدي التي رفعته، وعن مئات بل ألاف الرموز المادية والحسية، ويشبع حين يتغدى، ويتخم عندما يتعشى، ويتجشأ ويلف رأسه وينام ... هكذا غير مبال بالعمليات التي تدور من حواليه وصخبها يصم الآذان .. الفنان أو الأديب، والمثقف، هو إنسان طليعي وتقدمي بالضرورة، الطليعي هو منطقياً مع العملية الصاعدة، مع المسيرة المتقدمة إلى الأمام تشق عباب بحر الظلمات بقلمه بريشته بأزميله، هو مع المحرومين والمظلومين، وليس من المعقول أن يدافع عن القوى التي تهين بلاده وتحتلها، أو عمن بيد سوط، أو سلاح يهرق به دماء الآخرين ويبدد أحلامهم في الحياة .. لابد له أن يتضامن مع صيحات العذاب، لابد له أن ينفعل مع بكاء الأطفال .. لابد ... وإلا فهو فاقد لمشاعره، فهو ليس إذن بإنسان طليعي، بل هو ربما آداة بيد القوى الغاشمة المحتلة والمستعمرة أو الطغيانية.  

 

في حسابات من ينزوي وراء الجدران العالية، فإن عمل المثقف / الكاتب يعتبر جنونياً لا محالة، ولكننا اليوم وبحسابات بسيطة ودونما كثير ذكاء، نقر أن هذا العمل الإشعاعي في  قمة الذكاء، ليس لأنه ناصب العداء معسكرً فولاذياً تسيل الدماء من جوانبه، بل لأنه أختار الحق، والحق سينتصر وإن يتأخر مجيئه، فلكي تغرب مرحلة وتأتي مرحلة أخرى، هناك استحقاقات مادية يجب أن تكتمل حلقاتها ... وهناك ضحايا حتماً، وهناك أبرياء سيسحقون، وإلا كيف سنصدر إدانتنا جميعاً بصوت واحد وعال ... للمجرمين ..للقتلة ..إدانة جماعية وتاريخية، إلا إذا خضنا غمار المرحلة الرهيبة ودفعنا استحقاقاتها الباهضة.. لابد أن يحدث هذا التدمير لتنشأ وتتكون حركة مضادة .. كيف يمكن أن تمسح النازية بكل قوتها ما يكن هناك متملقون، قتلة، وضحايا، وعمود تراكم لابد أن يمتلئ حتى آخر قطرة منه، فيطلع الجديد النظيف، حتى يندحر الظلام إلى الأبد ..

 

الكاتب الطليعي يقرر أن ينحاز إلى المظلومين والمقهورين، وأن يكون واحداً منهم، ويتخذ موقفه هذا بقرار وجده بديهياً لأنه لم يصله دفعة واحدة، بل عبر تثقيف ذاتي طويل المدى، ولمسيرة طويلة المدى، ولكن لكي يكون رفضه وموقفه برمته ناجحا ومثمراً عليه أن ينظم رفضه، ويهندس انتفاضته الداخلية، لتنجح خارجياً، الكاتب الطليعي ينصح المثقفين ككاتب طليعي، أكتبوا اليوم، وأكتبوا غداً، وأكتبوا كل يوم، ولكي تكتبوا كل يوم فإنكم لن تستطيعوا أن تقولوا كل ما عندكم دفعة واحدة، وإن فعلت ذلك فماذا ستفعل في الأيام والمراحل المقبلة، ثم أنك ستثير انتباه من حولك، لذلك فإنك لن تستطيع أن تؤثر في مجاميع بشرية هائلة إلا عندما تعلم ماذا تكتب وكيف تكتب، ولمن تكتب ...

 

الكاتب الطليعي يرى صعوبات في الكتابة الموجهة ... بالطبع فالقوى المعادية لها آذان تسمع وعيون تلاحظ، والكتاب ... ينبغي أن ينتبهوا لمتاعب الكتابة، هي حرب ولابد أن تكون لك قواعدك .. لا تجازف ولا تغامر، ولكن واصل حمل المشعل دون هوادة ..

 

وأخيراً فالكتابة هي عمل نضالي وقد تنطوي على مخاطر .. عليك أن تتقبلها .. من أجل القيم، ومن أجل من تكتب لهم.... أمض في طريقك لا تخف، وتقبل ما ينجم عن ذلك ..وإن سقطت دون مبادئك وقناعاتك وما تؤمن .. فهي نعم النهاية، والشعب لن ينسى مشاعله وأشجاه الباسقة الباسلة. أما غير ذلك فستذروه الرياح أثراً بعد عين ...!

 

المثقف لشعبة كشجرة السنديان الصلبة التي لا تهزها الرياح، تشع بالأمان وبنور الإيمان والمعرفة ...

 

المركز العربي الألماني برلين

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

العالم ما بعد كورونا .....!

ضرغام الدباغ

قبل نحو عام من اليوم، وبنظرة متابعة للمواقف السياسية والاقتصادية والثقافية / الاجتماعية، فتحت ملفاً (Folder) في الكومبيوتر بمكتبي، تحت عنوان " عالم ما بعد كورونا " وبدأت بإيداع المعطيات والمعلومات والتقارير عن هذا الموضوع وتداعياته على كافة الأصعدة، وقد بلغت حتى اليوم 182 بحث وتقرير باللغات : العربية، والأكثر باللغة الألمانية، والقليل باللغة الانكليزية.

ورغم أن تقديراتي من البدء كانت تشير إلى أن معركة الكورونا (Covid 19)سوف تكون طويلة، ونتائجها ستكون عميقة الغور، إلا أن لابد من القول أن الأمر تجاوز التوقعات الأولية بكثير، حتى بدأت أسجل مشاهدات عيانية وأحداث تحدث معنا في الحياة العامة، رغم أننا نعيش في وسط متحضر، يستبعد حدوث انعطافات حادة. إلا الأحداث تترى بشكل تدفعك للتنبوء لتدرك معها طبيعة المرحلة المقبلة و ملامح العالم بعد كورونا.

وأولى تلك الظواهر المعتمدة منذ الآن، هي التعليم عن بعد باستخدام الدائرة الفيديوية الذي بدأ ينتشر ويفرض نفسه بطريقة نجد أن التراجع  عنه لم يعد ممكناً، واليوم يجتمع الطلبة والباحثون مع أساتذتهم باستخدام الهاتف المحمول الذكي (Smartphone)   بكل سهولة وعملية، وحتى يمكن إجراء امتحانات وجلسات دفاع عن رسائل ماجستير واطاريح دكتوراه، ومحاضرات. واليوم ينتشر أكثر فأكثر التسوق  (Online) والتسوق يبدأ من يشاء التسوق اليومي للمواد الغذائية إلى شراء الالكترونيات والأثاث، وما تشتريه يصلك إلى البيت. وقد يسرت البنوك استخدام البطاقات الدفع بكل سهولة.

هذا ناهيك عن الكتالوكات التي تصل إلى صندوق بريد بيتك، وهي تحمل لك ما موجود في البلد من تجارة وبيع ومودة، وكل ما يخطر على البال، والمحلات الكبيرة بكافة الاختصاصات (ملابس، أثاث، الكترونيات، مواد غذائية، صيدليات، مطاعم ... الخ) لها مواقع على الانترنيت تخبرك على مدار الساعة المعروض من منتجاتهم ومبيعاتهم. وهنا أشياء أخرى كثيرة لا تخطر على البال. وحتى المواد المستعملة أو الجديدة، وكل ذلك خلال لحظات وبسهولة تامة.

والنتائج ستكون اعتماد متزايد على التعامل عن بعد، وبذلك نلاحظ اليوم محلات ضخمة ثمل استثمارات عملاقة في عالم التسوق (Shopping) تعلن عن تصفيات وغلق الأبواب، كمركز التسوق العملاق ذو الفروع الكثيرة في برلين وعموم ألمانيا (Karstadt) فلا طاقة لهذه المحلات دفع نفقات تشغيل (رواتب للعاملين، تأمينات، إيجارات، مصروفات طاقة، تقادم البضاعة المخزنة لدرجة تقارب التلف) والكثير من المطاعم والمقاهي تغلق أبوابها، ولا أحد يدري متى ستعود الفعاليات الاجتماعية الثقافية إلى النشاط، مثل السينمات، المسارح، حفلات الموسيقى والغناء، السيرك. فهذه الآن ومن العام  المنصرم تعبر من الذكريات الجميلة. وفي مفردات هذه المواقف ستؤدي إلى تناقص عدد المواليد الجدد، وبالتالي اعداد السكان، وتقديرات القوى العاملة والإنتاج الصناعي خاصة. وهو ما بدأ المراكز الصناعية تشكو منه.

في ألمانيا تسجل أرقام مقلقة حقاً لجهة الإصابات، أو لحالات الوفيات، وهو ما يدفع الحكومة لاتخاذ قرارات صعبة لا تودها، ولكن الموقف الصعب يفرض إجراءاته. ولكن دائماً تجد هناك من يحاول التمرد على النظام، ومن تلك أيضاً انهيار التقاليد الاجتماعية، فحجم الإصابات بلغ (22,123)، أما حجم الوفيات اليومي (15/كانون2) المرتفع جداً (1511) يدفع بعض الناس حبا بالحياة إلى ممارسات مجنونة، من تلك مثلاً حفل جماهيري أقامه المثليون، للمرة الأولى نشاهد رجال ونساء مثليون عراة بشكل تام، وبعضهم مارس الأفعال الجنسية أمام عدسات المصورين ..! والشذوذ ينتشر بشكل ملفت للنظر، بما يشير أن الشذوذ سيصح أمر أكثر من طبيعي، في المستقبل القريب. وهو أمر سيكون له تداعياته الاقتصادية والثقافية وبدرجة ليست بسيطة.

جائحة كورونا عالمياً تؤشر إلى حرب عالمية من طراز غير معهود، فلماذا القصف وتهديم المدن، وتمحو آثار ثقافية مهمة، فايروس كورونا (Covid 19) يقوم بما يلزم وأكثر . والأرقام لغة صعبة تتجاوز التخفيف والمواساة، وتشير هذا اليوم (16/ كانون الثاني) في جميع أرجاء العالم إلى (94,132,992) حالة وفاة، وإلى حالة وفاة   (2,015,323 ).  وهي أرقام فاقت معدلات الخسائر والإصابات بالأرواح في الحرب العالمية الأولى. تتقدم الولايات المتحدة، والهند والبرازيل، وروسيا، والمملكة المتحدة الدول من حيث حجم الإصابات والوفيات.

كان البروفسور جون نيف (John Nef) عالم أمريكي مهم (أستاذ في جامعة هارفارد) قد ألف كتاباً في غاية الأهمية بعنوان " الحرب والتقدم البشري "(War and Human Progress) والكتاب يمثل مجهود علمي خارق قام المؤلف بإدخال تعديلات كثيرة عليه وأعتقد صدر بطبعاته اللاحقة في الخمسينات في جزئين، ترجمته وزارة الثقافة والإعلام العراقية إلى العربية في الثمانينات، والكاتب يثبت بدقة وعلمية، أن الحروب هي من كوارث البشرية، ولكن كل حرب تعقبها تقدم ومنجزات علمية. ولو لاحظنا اليوم بعين فاحصة كم هي المسافة بعيدة بين 1970 وعام 2020 ، وتبدو لنا وكأنها قرون، وليست مجرد نصف قرن، ومن هنا يحق لنا أن نتوقع أن العقود المقبلة وحتى عام 2050 ستكون حافلة بمنجزات علمية وثقافية، وستندحر بطريقة مهينة أفكار الخرافات والجهل، وإرادة القوة والتعسف ستكون محتقرة ومدانة، والبشرية سوف ترفض الأشكال البدائية.

 ولكن من جهة أخرى يدفع تفاقم الجائحة وضحاياها، آخرون إلى الشراسة والعدوانية، وهذا سبب غير مرئي، لتصاعد موجة اليمين المتطرف في أرجاء كثيرة من العالم (الولايات المتحدة، بريطانيا، هولندة، ألمانيا، فرنسا ..الخ) . وهذا التيار يحفز بالمقابل التوجهات الوطنية والقومية وتصاعد التعايش الاجتماعي ونبذ الصراعات. فاليمين المتطرف يروج لفكرة تخفيض سكان العالم إلى 2 مليار نسمة، وهناك جهات تروج لفكرة أن العقود المقبلة ستكون حافلة بالأمراض والأوبئة من شاكلة كورونا، وربما بما هو أشد.

الفضاء الخارجي سيزدحم بالأقمار والمركبات، ومشروعات تأهيل أجرام وكواكب، إذ لا ريب أن العالم سيزدحم بالسكان، فمن غير المعقول أن يتجاوز العشرة مليار نسمة، ونحن منذ الآن على أبواب هذا الرقم ..! وستكون هناك شحة في المياه، وبالمقابل سيتصاعد منسوب ومستوى سطح البحر، مما سيتسبب باختفاء أراض كثيرة من دول، بل ربما ستختفي بعض الدول، بسبب حرارة الأرض وانبعاث الغازات الدفيئة، وذوبان القطبين (الشمالي انتهى أمره) والقطب الجنوبي مهدد. ستختفي حيوانات كثيرة ربما القليل منها سيتكاثر بواسطة حدائق الحيوان.

ما أقصده ليس إثارة اليأس، بقدر ما أريد التنويه أن نحتكم العقل والعلم، نبعد المخرفين فهؤلاء لن يوصلونا إلى أبعد من مدى رؤيتهم القصير بالطبع ...!

 

القوي الاحمق، والضعيف الذكي

 

ضرغام الدباغ

 

كم قرأنا في القصص والأساطير والحكم، وكم شاهدنا في الأفلام، أن على القوي أن لا يغتر بقوته، فليس محتماً أن يفوز القوي في ختام الصراعات، بل من يخوض النزال بذكاء، ولا يلعب وزنه وضخامته في نتائج النزال النهائية إلا دورا يسيراً.

العبرة في الأمر، أن القوي يعلم انه وافر القدرات، وقد يبالغ في الاعتماد عليها، وربما هو محق بعض الشيئ، فالقوة وإدارك أبعادها أمر مهم في توازن القوى، ولكن تجاهل المعطيات الأخرى هو الخطأ الذي قد يكون مميتا. وتروي لنا القصص والأساطير الكثير منها .. ومنها: الأسد القوي الذي أحتاج لفأر أن ينقذه من الحبال التي تكبله، والسلحفاة البطيئة الذكية، وكيف انتصرت على الأرنب السريع ... وأخيرا وليس آخرا، قصص القط توم، والفأر جيري، وفي 161 نزال(هي عدد هذا المسلسل)، يفوز بها الفار جيري الصغير الأريب بذكاؤه .. ويخسر الهر توم القوي بحماقته .. ماذا تريد الأسطورة أن تنبؤنا ... وما هي العبرة ...؟

في الطبيعة كما في الاسطورة، الفأر حيوان صغير ضعيف جداً، بحيث ينفق بضربة أصبع لا غير، هو الفريسة المفضلة للصقور والبوم، وللثعابين، وعرضة للقتل على يد الإنسان حيث يوجد سواء في البيوت، أو في الحقول، وتتفنن الدول والمنظمات في مكافحته وتبذل جهوداً جبارة، ولكنه (الفأر ــ الجرذ) مع ذلك متواجد بقوة في المجتمعات على اختلافها، المتقدم منها والمتخلف ، ومن المدهش أن الفئران تعتبر حيوان التجارب الأفضل للمواد المختبرية والدوائية.

إذ كان من الصعوبة، أو المحال تقريباً، أن تقنع القوي، نسيان هذه الميزة المهمة (القوة) أو التنازل عنها،  ولكن لنتقدم بنصيحة : على القوي أن يتذكر أن استخدام القوة هو من أجل تحقيق نتائج عادلة فقط، وإلا فإن القوة ستصبح غاشمة، وبصفة أخرى همجية ووحشية، وتدخل في إطار عملية باطلة ابتداء من مبادئها، و انتهاء بنتائجها. والتعامل مع هذه الواقعة فهناك من الحيوانات المتوحشة في الغابات من تتصف بالقوة الفائقة، ولكن هذه القوة لا تمنع في ختام الأمر من اصطيادها لفراءها أو حتى على سبيل المتعة ..!

القوي في الحسابات السياسية، عليه أن يفكر ملياً، أن تحالف قوى أقل قوة منه، تخلق قوة يمكن أن تردعه، أو أن ترد كيده إلى نحره، فتبوء خطط بالفشل، وإذا فكر بعمق وأستمع لرأي العقلاء والحكماء لربما سيتمكن من رؤية عاقبة أعماله قبل الشروع بها.

حسناً .... القوة ضرورية، ولكن الأهم والأكثر ضرورة تكمن في حسن استخدامها، فعدالة الموقف تمنح قوة إضافية وهي الحاسمة في النزال واستخدام القوة. القوة تغري على التهور، والقوي يعتقد أن بوسعه اختصار مسافة ومساحة من التفكير وحشد الأصدقاء وإقناع الأعداء، وبذل جهد، والمحاورة والمناورة أو وربما حتى التنازل قليلاً لتجنب النزال المجهول النتائج .. فقد تزل قدم من يتصارع بسبب أرضية ساحة المنازلة .. أو بسبب موقف الجمهور من المتفرجين .. أو في تجهيز الغذاء والمؤن، أو بسبب وباء قد يلحق به. إذن ليبذل جهدا ووقتاً وليتجنب النزال رغم أنه الأقوى ...بالعضلات(البدنية منها أو السياسية والاقتصادية والعسكرية)، ولكنه إذا أستخدم عقله سيكون أقوى بكثير ....!

في السياسة أثبتت تجارب الحياة، أن استخدام القوة إن توصل إلى تحقيق انتصار، فغالبا ما يكون هذا الانتصار مؤقت، تعقبها خسارة بمعنى الاندحار، أما من يستخدم الحكمة والعقل، فإنه سيتوصل إلى نتائج مستقرة، ولو أن لا شيئ في الحياة عرضة للتغير دون توقف كالسياسة. ولكن الحكيم هو من يتوصل إلى فهم قوانين التطور التاريخي، ولا يقف بوجه التغيرات الحتمية، فيتلائم معها، بناء على فهم دقيق للمعطيات الجديدة وعلى سمت التحولات المقبلة.

القوة حق ... والحق قوة، وكقاعدة أكيدة أن تستخدم الحق وفق المعقول والمقبول، والفقه القانوني ينص : على لا إفراط ولا تعسف ولا مبالغة في استخدام الحق،  وعلم السياسة يقول أن لا يجوز أن تحقق مكاسب شرعية بأساليب غير شرعية، وتذهب الأخلاق على نحو مقارب " لا يمكن أن تحقق أهدافاً شريفة بوسائل غير شريفة ". وقواعد الشرع تنص " لا يمكن تحقيق منفعة شرعية بوسائل محرمة " العدوان فعل مدان أخلاقيا وقانونيا وسياسياً. وينص القانون الدولي، " لا يمكن الاعتراف بمكاسب تحقق بواسطة العدوان ".

وأخيراً .. القوة قد تفرض واقعاً ... ولكن كم سيطول الأمر الواقع هذا ... القوة تسكت الجمهور المتفرج، وبعض المشجعين، وربما بعض اللاعبين، وقد ترهب حكم المباراة ... فيحول النتيجة لصالح القوي، وهذه حدثت كثيراً، ولكن القوة لا تمنح شهادة حسن السلوك أو الأخلاق ... والقوة لا تمنحك من هو ليس لك (والاستيلاء هو أمر وقتي) الصكوك المزورة، أو المستحصلة تحت تهديد السلاح، أو التهديد، لا قوة قانونية لها  :" أنت استوليت على غرضي وأنا مقيد اليد مكمم الفم ".  فلا شرعية لكل ما أستوليت عليه ...!

نقرأ لنتعلم ونستفيد، ولتكون لدينا قدرة التحليل .... والتنبؤ .......!

 

الجيش العراقي :

 100 عام هوية وتاريخ

ضرغام الدباغ

اليوم تمر ذكرى مئة عام على تأسيس الجيش العراقي. المعطيات معروفة، والشخصيات التي كان لها شرف البدء والإقلاع محفوظة، ونريد الإشارة هنا بالتحديد ملامح الشخصية التي كرست هوية هذا الجيش بشكل خاص، وهو ما جعل منه بفضل قانون التجنيد الإلزامي، مدرسة وطنية، فشل كل من حاول العبث بأسس المدرسة ومقوماتها التي حددت   خلال قرن كامل شخصية الجندية العراقية.

التحق إلى الجيش منذ تأسيسه نحو 200 ضابط من رتبة العقيد وحتى الملازم ممن كانت لديهم خدمات ميدانية وخبرة قتالية في الحروب الثمانية، ولاحقا في الحرب العالمية الأولى، ومن بينهم من نال أوسمة وأنواط من دول أجنبية لأدوارهم الهامة في مجريات الحرب في مختلف الجبهات، الأوربية والقفقاس / القرم، وشمال أفريقيا، منهم : جعفر العسكري، ونوري السعيد، وياسين الهاشمي، وطه الهاشمي، وبكر صدقي، وإبراهيم الراوي،(ضباط قادة وأركان)، وضباط برتب صغيرة منهم : صلاح الدين الصباغ، كامل شبيب، محمود سلمان، فهمي سعيد، صالح صائب الجبوري وحسين مكي خماس

كان الرفض العراقي للوجود البريطاني في العراق قد عبر عن نفسه بأشكال مختلفة، كانت ثورة العشرين في مقدمتها، إضافة إلى  ضغط النفقات التي تنفقها بريطانيا على قواتها في العراق يقف في مقدمة الأسباب الداخلي والخارجية التي دعت بريطانيا، إلى تحوير سياستها حيال العراق، وإلى منح العراق استقلالاً شكلياً.(1)

وكانت من جملة الأسباب أيضاً التي دعتها إلى تأسيس تشكيلات عديدة من اجل ضبط النظام وفرض السيطرة التامة، كانت نفس الأسباب التي دعتها إلى تشكيل قوات عراقية (هكذا كانت الأفكار البريطانية)، لذلك فقد تضمنت أول حكومة عراقية (قبل الانتداب) وزارة دفاع.

ولكن الإنكليز واجهوا مشكلة نفقات تشكيل الجيش العراقي، وتوصل مجلس الوزراء العراقي المؤقت في جلسته بتاريخ26  / أيار/ 1921 قرار تأسيس الجيش العراقي وسن قانون التطوع للخدمة العسكرية وفي 22 / حزيران/ 1921، ألقى وزير الدفاع خطاباً إلى الشعب العراقي، وأفتتح التطوع في صفوف الجيش.( 2)

لذلك صادق مؤتمر القاهرة على قرار المندوب السامي البريطاني، السير برسي كوكس، تأسيس جيش عراقي مؤلف من 15,000 رجل، واستخدام 15% من الموارد العراقية في هذا المجال، ولكن هذه النسبة تصاعدت فيما بعد إلى 25% . ولكن بريطانيا وتحت ضغط الأنشطة العسكرية الضرورية والحاجة المتزايدة إلى المزيد من القوات اضطرت لتشكيل قوات عاملة تحت قيادتها مباشرة ولكن جنودها من أبناء البلاد أطلقت عليها قوات الليفي(Leives) كما قامت ببناء ستة قواعد جوية معززة بالقوات، وقد انتخبت مناطق استراتيجية لتمركز قواتها.(3)

وإذا كانت الدولة هي البناء الفوقي للمجتمع، وبهذا المعنى هي أيضاً هيمنة الطبقة المسيطرة، وأن طبيعة البناء الفوقي هو انعكاس للنضال الاقتصادي والاجتماعي وتكمن في قواعده. " أن تمركز سلطة الدولة مع المنظمات التي تقودها، على مبدأ تقسيم العمل، والجيش أحد أهم هذه المنظومات، بالإضافة إلى الشرطة والبيروقراطية، ورجال الدين وكذلك الجهاز القضائي".(4)

وتضع الدولة في الجيش والشرطة الأهمية الكبرى وهي تحاول لأن تحكم السيطرة على هذه الأجهزة بوصفها قوى مسلحة للدولة من اجل بسط سيطرة قوانينها، وأنظمتها في توزيع الإنتاج، وقمع قوى المعارضة والحركة الشعبية.

 

" إن تركيز قوى الدولة في المجتمع البورجوازي، (يتكون في مرحلة فقدان السيطرة المطلقة)، في مؤسستان تحظى باهتمام الدولة قبل أي شيء، ألا وهي مؤسسة القضاء والجيش."(5)

والعناصر الوطنية العراقية اعتبرت أن تأسيس الجيش هو إشارة مهمة من في سياق استكمال شروط تأسيس الدولة، وإن الظرف التاريخي والتطور الداخلي والخارجي الذي قاد إلى تأسيس الجيش العراقي، كان يتألف من عناصر وعوامل عديدة، بل أنه كان ينطوي على تناقضات كبيرة، ففي الوقت الذي أرادت منه سلطة الاحتلال أن يكون عوناً لها على السيطرة على البلاد، أرادت القوى الرجعية المحلية أن يكون القوة التي تحافظ على امتيازاتها، هكذا كانت الواجبات التي من المؤمل أن يتولى الجيش القيام بها، ولكن الجيش الذي كان معظم عناصره من الجنود والضباط الصغار من أوساط الشعب المتطلع إلى الاستقلال  والحرية، لذلك كانت الأفكار المهيمنة على قواعد الجيش هي أفكار وطنية وقومية معادية للاستعمار.

لماذا إذن وافق الإنكليز على تأسيس الجيش العراقي ؟ كان لبريطانيا في ذلك مصلحتان : ـ

الأولى: كان الإنكليز يأملون من خلال الجيش العراقي أن يساهم ذلك في تخفيض عدد القوات البريطانية العاملة في العراق، ومن ثم تخفيض النفقات المالية التي يكلفها هذا الوجود. والتي كانت قد بدأت تثير تذمر دافع الضريبة البريطاني. (6)

وكانت بريطانيا تأمل أيضاً أن يقوم الجيش العراقي المزود بالخبراء والمستشارين والمفتشين الإنكليز، وبقيادة عناصر صديقة لبريطانيا، أن تقوم بلعب الدور الذي تطلبه منها بريطانيا، ألا وهو حماية المصالح البريطانية، مع العلم أن بريطانيا لم تخلي الساحة العراقية من القوات العسكرية فقد احتفظت بقواعد جوية استراتيجية وعناصر عسكرية مختارة، قادرة على التدخل، وبمعاهدة أبرمتها مع السلطات العراقية تتيح لها إدخال قوات بريطانية على وجه السرعة من الهند أو من قبرص أو عدن إذا لزم الموقف.

الثانيةً : إن الدولة التي قامت على أساس من تحالف زعماء القبائل (وهم يمثلون في الغالب قوة سياسية) مع الإقطاع (الذين يمثلون القوة الاقتصادية الرئيسية)، ونيلها مباركة المؤسسات الدينية، كان لابد لها أن تؤسس لنفسها القوة التي تضمن الحفاظ على الدولة ومكتسبات هذه الفئات.

على أساس من حسابات الواقع الذي يشير إلى تفوق هذا التحالف(المحتل والعناصر المحلية) تم تأسيس الجيش العراقي، وتولى الإنكليز تسليحه بأسلحة تكفي لقمع الانتفاضات الشعبية، ولكن حتى لهذه الأسلحة البسيطة كان لابد من استيراد الأعتدة وقطع التبديل لها من بريطانيا ومن ثم كان هناك الدور الخطير الذي كان المستشارون والخبراء والمفتشون يمارسونه في واجب مزدوج، الأول يتمثل في السيطرة على توجهات الجيش وواجباته، والثاني، في مراقبة عناصره  الوطنية ومنع النشاط الوطني داخل صفوف الجيش، وكان هذا الدور هو لضباط استخبارات إنكليز ذو خبرة في هذا المجال.

وكانت العناصر الأولى التي أنظمت إلى الجيش، تتألف من الضباط السابقين في الجيش العثماني، وأبناء العشائر، وكبادرة تشجيع للانخراط في صفوف  للجيش الجديد، قام الملك فيصل بإدخال نجله الأمير غازي إلى الكلية العسكرية التي تأسست في بغداد.(7)

ولكن كل هذه الإجراءات لم تكن تطمئن الإنكليز، فسرعان ما تقدموا باتفاقيات عديدة لعقدها بين العراق وبريطانيا على مختلف الأصعدة، بصفة خاصة الأتفاقية العسكرية(الموقعة ببغداد بتاريخ 25 أذار 1924 ) وهذه الاتفاقية العسكرية تنطوي على ذات الهدف  للاتفاقية العسكرية بين العراق وبريطانيا الموقعة ببغداد أيضاً بتاريخ 10 تشرين الأول 1922 التي تتيح لبريطانيا التدخل في الشؤون الداخلية والسيطرة على العراق عندما يكون ذلك ضرورياً لقضايا الأمن.(8)

وكذلك اقتصرت الجهة الوحيدة لتدريب الضباط العراقيين على بريطانيا، وكذلك الأساليب والنظم العسكرية، وكذلك انتقلت التقاليد العسكرية البريطانية إلى الجيش العراقي. وبتاريخ 6 كانون الثاني 1921 ، افتتحت مقر ورئاسة أركان الجيش العراقي والدوائر الملحقة به، وبتاريخ 22 شباط 1921 عين أول رئيس أركان للجيش العراقي. والمجموعة الأولى من الضباط التي التحقت بالجيش، كانوا عراقيين وعرباً من الذين كانت لهم خدمة سابقة في الجيش العثماني.(9)

 ولكن من الجهة الأخرى كانت التناقضات تتطور لغير مصلحة الإنكليز وحلفائهم المحليين، فإن هذا التدخل الواسع في الشؤون العراقية وفي الجيش بصفة خاصة، كان التناقض بين المصالح الوطنية والقومية تدفع العناصر الوطنية في الجيش العراقي إلى بلورة وعيها ونضجها. وكانت التطورات العديدة على مختلف الأصعدة تساهم في خلق حالة من العداء بين الإنكليز وقوى الشعب، وكان هذا التناقض ينتقل إلى الجيش عبر الجنود والضباط القادمين من صفوف الشعب ويدفع باتجاه المزيد من التناقض واحتدام القضية الوطنية.

 وسوف تظهر لنا المراحل المقبلة، أن الجيش المؤلف من الجنود الذين ينتمون إلى أوساط الفلاحين والكادحين، ومن الضباط الوطنيين والقوميين، سواء ممن خدموا في الجيش العثماني وعملوا في النضال الوطني، تأثروا بمنجزات الثورة الكمالية، وبدأ هؤلاء الضباط بتكوين رأي عام داخل الجيش، يهدف إلى طرد النفوذ البريطاني من العراق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

 

1.كوتلوف: ثورة العشرين ، ص.112:" تصاعدت تكاليف الأنفاق على الجيش البريطاني في العراق إلى ما يناهز 35 مليون جنيه إسترليني.

2. الحسني، عبد الرزاق: تاريخ الوزارات العراقية، جزء1 ص.25،        بيروت/1974 

3. الحسني، عبد الرزاق: تاريخ العراق السياسي الحديث، جزء1            بيروت/ 1975

4. ماركس، كارل: الحرب الأهلية في فرنسا، المختارات جزء2 ص.186، موسكو/ 1960

5. لينين،ف.إ: الدولة والثورة، مختارات جزء2 ص.384                     موسكو/ 1960

6. الحسني، عبد الرزاق: تاريخ الثورة العراقية، جزء 1 ص.28             بيروت/ 1974

7. الأيوبي، علي جودت: خطاب يوم تأسيس الجيش،1956-1-6 ص.12    بغداد/ 1957

8. الراوي، حسن: المعاهدات والاتفاقيات، ص.80-71

9. الإدارة السياسية لوزارة الدفاع : خمسة وأربعون عاماً على تأسيس جيشنا الشجاع" ، ص. 32-30 بغداد 1966:" أول وزير دفاع للجيش العراقي كان الفريق جعفر العسكري، والفوج الأول (فوج موسى الكاظم) تأسس في تموز 1921 وكان آمر الفوج العقيد رمضان علي.

 

الساعة 0 /التاريخ : 1 / 1 / 2021

ضرغام الدباغ

وماذا بعد ... سوف تتساقط الأيام والرزنامات، والدفاتر اليومية .. كما يتساقط المطر .... وتثير ذكريات الماضي .. ووجوه كانت قريبة صارت اليوم لشتى الأسباب بعيدة، أصدقاء ورفاق وأحبة ... وحتى أنا لم أكن لأعتقد مطلقاً أن يمتد بي العمر حتى يوم 1 / 1 / 2021، فلا تكاد تمضي سنة دون أن أواجه فيها مشكلة كبيرة تتعلق بحياتي وسبل العيش حتى أني اعتدتها وألفتها ... ومن تلك أني لم أسكن في بيت أكثر من سنتين أو ثلاثة .... فأهج بحثاً عن مكان جديد مضطراً أخاك لا بطل ...

في حياتي منذ أن تستحق التسجيل بعد تخرجي من الثانوية صيف عام 1961، غادرني الأمان والاستقرار، فهذه ستون عاماً .... لقد أمضيت منها 18 عاماً في السجون ...وسنتين أو ثلاثة مختفياً هنا وهناك، 32 عاماً خارج العراق في المنفى أو هارباً بحجة الدراسة،  وما تبقى من السنوات وهي قليلة لا تصلح للبدء بمشروع ...

عشت في دول عديدة (4 دول)... في وطني المعشوق، وفي سورية ولبنان، وألمانيا، في سورية ولبنان اتخذتهما كوطن لي، وفكر البعث لعب في عقلي وأقنعني " بلاد العرب أوطاني من الشام لبغداد " فقد أحببت سوريا كحبي العراق، وناضلت فيها ودافعت عنها باليد والسلاح والقلم، وما زلت أحب سورية كما أحب سائر أقطارنا العربية، وأنا لا يعجبني كثيراً القول هذا مصري وذاك تونس أو أردني، بل هذا من بغداد وذاك من دمشق وذاك من القاهرة، وذاك من مدينة تونس،  وألمانيا التي لم أكن أعتقد للحظة واحدة أن أقيم فيها، وأعيش، هي دون ريب بلاد رائعة عظيمة لأهلها، ولكني عملت فيها، ودرست، وأحببت مرة فتاة ألمانية حباً ملك فؤادي وعقلي، ولكني خسرتها غصباً، كما خسرت الآلاف من كتبي واسطواناتي وأشيائي المحببة، وتعلمت لغتها فأحببتها (رغم صعوبة اللغة الألمانية) فكتبت بها، وترجمت منها للغتي الأم فأنا عربي عراقي حتى آخر ذرة من أعماقي.

ليلة رأس السنة الميلادية لم تكن حدثاً ذي بال ... ولكنها تتحول تدريجياً إلى مناسبة، نبدأ بها سنة جديدة، ومن هذه السنوات الستون، أمضيت 17 ليلة رأس سنة في السجون،  وليلة في عمان، وأخرى في بيروت، وليلتان في دمشق، وليلة في براغ / تشيكوسلوفاكيا، وليلة في أستامبول، و25 ليلة في ألمانيا، وما تبقى منها في بلادي ..

كثيرا ما كان طابع تلك الليالي نضالي، ولكن بعضها كان يعبر عن الأمل في حياة مستقرة، وبعضها كان مغعماً بالحب، وأخرى لا تغيب فيها وجوه الأصدقاء والرفاق الذين أستشهد منهم، أو من هو خلف القضبان، وأحينا نقرأ القصائد الجميلة، وأحياناً نستمع إلى الأغنيات والموسيقى ... وغالبا ما أعيش طقوسي الخاصة فلا يلهيني شيئ مما يحيط بي .... وطقوسي الخاصة لها فقراتها المميزة ... وجوه الرفاق ممن رحلوا عبر المسيرة ... وجوه الأحبة الذين كان فراقهم لمجرد ساعات أمر في غاية الصعوبة ...!  ومن أحبني كان عليه أن يدرك بعمق، أن حياتي ليست ملكاً شخصياً لي ... وقد نجوت مرات كثيرة جداً لدرجة الممل من الانتظار من الموت برصاص الاغتيال أو صريعاً في قتال، أو معلقا على مشنقة في احتفالية مع رفاقي ..! نتقدم للموت غير هيابين وفق قاعدة :

سأحمل روحي على كفي والقي بها في مهاوي الردى ... فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا

                          وأني لعمرك أرى مصرعي  .......  ولكني أحث إليه الخطى

كنت أنتظر تلك اللحظة وقد استعديت لها أتم الاستعداد منذ أول شبابي، وكنت دائما في المكان الذي يجب أن أكون فيه، وحيث يطلبني الواجب، ومراراً كنت أتطوع بنفسي وبإلحاح حين ألمح في عيون الرفاق إشفاقاً على من نفسي ....!

كانت ساعات ودقائق مواجهة الموت الأكيد تنقلب إلى ذكريات وأحاديث ضاحكة، وكنا نفرح إذ نجتاز المحنة ونحن ما زلنا على قيد الحياة، لكي نواصل المسيرة ... إلا مرة واحدة تمنيت فيها الموت، حين شاهدت جنود الاحتلال في العراق ... لن أزيد ......!

اليوم دخلنا عامي ال 77، ولا أعرف ما هي العبرة في بقائي حياً ... لذلك فأنا أعمل أكثر من 10 ساعات يومياً قراءة وكتابة وترجمة، وأحاول أن أكون مفيداً بأي درجة كانت ...فقد قرأت جملة للفيلسوف البريطاني كولن ولسن مرة : قيمة كل شخص هي درجة افتقاد الناس له حين رحيله ...!

اليوم أنا في شقتي الصغيرة ببرلين أستقبل صباحاً رماديا هو اليوم الأول من عام 2021 ، وهي من السنوات النادرة جداً أن نصبح والثلج الأبيض لا يغطي كل شيئ ... وكورونا اللعين منع الناس من الفرح كما ينبغي الليلة المنصرمة في استقبال السنة الجديدة ...  فلم يكن هناك سوى شبان عابثون أطلقوا الألعاب النارية الضوئية ... لدقائق فقط .. ثم عم السكون ................

بالنسبة لي قد أنجزت إعادة نشر مؤلفاتي وأعمالي المترجمة التي اشتغلت عليها منذ عام 1977، ووزعتها مجاناً، ولم يبقى سوى القليل جداً (ربما نحو عشرة كتب) وسوف أصدر بها نشرة لأزود من يطلبها، وكذلك بحوثي، وبعضها يستحق الاحتفاظ به، وكلها الكترونية سهلة الحفظ.

قلت ما عندي .... أتمنى للجميع سنة خالية من التعقيدات والمتاعب، أتمنى لوطني أن يتاح له أن يرتاح أخيراً لنشيد بلداً مثل الخلق والناس ......

اللهم لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ

 

 

 

 

 

حرب كورونا العالمية

ضرغام الدباغ

أني أفترض، وافتراضي قائم على أسس مادية سأوضحها، أن ما نشهده من مضاعفات وأحداث جائحة كورونا هي عبارة عن حرب عالمية ثالثة، وليس بالضرورة أن نشاهد الدبابات والطائرات والمدفعية على شاشات التلفاز، بل هذه حرب لها أسلحتها، وجنودها، وضحاياها، وخسائرها، وإعلامها المتفوق . كما يجدر التنويه، أن الحربين العالميتين تميزت كل منها بخصائص لم تكن في الأخرى، فالحرب العالمية تحددها بالدرجة الأولى الوسائل التي تستخدمها (السلاح والعتاد)، وفيما يلي المعطيات المادية :

ــ الحرب العالمية الأولى : تموز / 1914 انتهت تشرين الثاني / 1918

ــ شهدت آخر استخدام لسلاح الفرسان الذي كان سيد الصنوف.

ــ شهدت استخدام سلاح الغازات السامة.

ــ أول استخدام للسلاح الجوي، وكانت الطائرات بدائية الصنع والنتائج (من الخشب).

ــ مجموع الخسائر بين القوى المتحاربة  كما يلي :

القتلى : 8,538,315

الجرحى : 21,219,452.

أسرى ومفقودون : 7,750،919.

الإجمالي : 37.508,686

بواقع 2 مليون ونصف سنوياً قتيل بين العسكريين. والخسائر في صفوف المدنيين لم تكن عالية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــ الحرب العالمية الثانية :أيلول / 1939 . وانتهت أيلول / 1945

ــ نهاية سلاح الفرسان، الصنف الأهم في القوات المسلحة.

ــ نهاية استخدام الغازات السامة.

ــ بداية استخدام سلاح الصواريخ.

ــ بداية استخدام الأسلحة النووية.

ــ مجموع الخسائر بين القوى المتحاربة  كما يلي :

نحو 50 مليون نسمة بين مدنيين وعسكريين.بواقع 8 ملايين ونحو 333 ألف نسمة سنوياً، ويلاحظ تصاعد حجم الخسائر في صفوف المدنيين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــ كورونا ...... البداية كانون الثاني / 2020، لم تنتهي بعد .............!

ــ الافتراض : استخدام الأسلحة الجرثومية. (حدوث تراشق اتهامات بمستويات قيادة الدول الكبرى).

ــ الإصابات أكثر في الدول الصناعية.

ــ الأسلحة الحربية: البرية والجوية والبحرية، تقف بالإنذار .

ــ شمول كافة القارات.

ــ تقدم العلوم الطبية قلص من حجم الوفيات بدرجة مهمة.

ــ التقدم الاجتماعي / المدني / الحضري، قلص من حجم الانتشار.

ــ قلة الإصابات في البلدان الفقيرة.

ــ الانتشار الواسع جداً (Social Media) للسوشيل ميديا، لعب دوراً بارزاً في التعامل مع الأحداث.

ــ مجموع الخسائر المرصودة (وبتقديرنا هي أقل بكثير من الأرقام الواقعية). حتى يوم 25/ 12 / 2020

ــ عدد الإصابات في العالم بكوفيد 19 تجاوز 80 مليون إصابة.

ــ عدد الوفيات في العالم تجاوز 1,75 مليون وفاة. والخسائر تستهدف القوة البشرية ولا تميز بين المدنيين والعسكريين.

فمن ناحية حجم الإصابات، حجم الإصابات تجاوز حجم الحربين العالميتين، ولكن ارتفاع مستوى النظام الحضري / الثقافي، والخدمات الطبية قلص من حجم الوفيات، علماً بإن الاحصائيات الحالية لا تعني أنها إحصاءات نهائية.

 

 

 

مع تواصل الصراعات الثانوية ..

. فتش عن الاستعمار

ضرغام الدباغ

يمكننا القول بكل صراحة موجعة، أن معظم (ما لم نقل كل) الصراعات السياسية التي شهدها العراق لم تكن ضرورية مطلقاً، بل كانت خدمة للقوى الأجنبية الطامعة بالعراق، أو بدفع منها.

وهنا لا أريد أن أوزع التهم، ولكن لابد من القول أن تلك القوى الأجنبية عملت بحرفية  ومهنية عالية في العراق، فكسبت العديد من القوى إلى جانبها، أما بصفة وكلاء وأذناب، أو حلفاء، أو أصدقاء. القوى العراقية من يسارها إلى يمينها، خاضت الصراعات (وبعض تلك الصراعات كان داميا)، ولكن لم تكن في تلك الصراعات مصلحة وطنية عراقية، بل كانت نتائج المعارك والصراعات  تصب في طاحونة المصالح الأجنبية.

العراق كان وما يزال يمر بمرحلة التحرر الوطني، فالبلاد كانت لتوها قد نالت الاستقلال السياسي، المنقوص عام 1923، ثم الشبه الكامل عام 1932 (نهاية نظام الانتداب/ في العهد الملكي)، ثم بخطوات لاحقة : تصفية القواعد الأجنبية (الشعيبة والحبانية / في العهد الملكي)، بدايات خطط التصنيع (مجلس الإعمار / العهد الملكي) ثم الخروج من منطقة الاسترليني، وحلف بغداد،1959/1960 (عهد ثورة تموز) ثم قانون رقم 80 النفطي(في عهد الزعيم عبد الكريم قاسم)، ثم القانون الحاسم بتأميم النفط عام 1972 (الرئيس أحمد حسن البكر). كانت هذه خطوات في مراحل تم خلالها إحراز الاستقلال السياسي، وتقليص حجم التبعية للقوى الأجنبية بدرجة كبيرة جداً.

نلاحظ في هذه المسيرة، أن العراق الحديث مر بعهود عدة ومنجزاته الوطنية تحققت عبر انظمة عديدة، ولكن الصراعات الجانبية لم تكن لتتوقف، وهي صراعات الحقت بالعراق ضررا كبيراً أوصلته لما نحن فيه منذ الاحتلال 2003 وإلى حد الآن.

لا أريد أن أتجاهل الأهداف الاجتماعية، والوطنية القومية وأهميتها، ولكن لابد من التركيز على قضية جوهرية، هي أن العراق كان حديث الاستقلال، والتشكل الاجتماعي لم يكن تاماً، وبالتالي فإن الحياة الحزبية في غياب التبلورات الطبقية، هي في الواقع تشكيلات نخبوية. وإذا كان النشاط السياسي الحزبي مقبولاً ومطلوباً، إلا أن التناقض الحاد الذي كان يفضي إلى صراعات دموية لم يكن يتناسب مع الشروط التاريخية للمرحلة التي يمر بها العراق. وبالتالي كان التثقيف السياسي غير موفق في تشخيص الموقف الاجتماعي.، أو الموقف القومي العام المناهض للاستعمار والإمبريالية .فخاضت القوى الوطنية والقومية والتقدمية العراقية حربا لا هوادة فيها فيما بينها، صراعات كانت في بعض الأحيان دموية، لم يكن لها داع حقيقي.

واليوم إذا دققنا في جوهر المواقف السياسية التي قادت إلى الصراع الدموية، نجد أن الصراع قاد في نتائجه لمصلحة القوى المتربصة بالوطن، وخسر الجميع في نهاية المطاف، ومن شدة المأساة أننا نجد من لا يقبل هذا الطرح، رغم أن طمى الخطب قد علا حتى غاصت الركب ...!

والغريب أن بعض أطراف العمل الوطني، ارتضت أن تتفاهم وتتعانق وتتحالف مع المحتلين الأجانب من أفضلهم إلى أسوءهم، وقدم وما زال يقدم التنازلات العقائدية والسياسية، وبتهاون في مصلحة الوطن، ويتخذ مواقفاً أنعم من الحرير معهم، ولكنه في اللقاء الوطني يشترط وينفخ ويغضب ويتوعد ... ويتذرع بالحجج كي لا يتفق على ماذا .....؟ على تحرير الوطن ..! اليوم أمام كل عراقي أفراداً كانوا أم حركات سياسية، هدف واحد يعلو جداول الأعمال، وهو استعادة العراق لسيادته، ومن المؤسف القول أن من لا يرى ذلك، عليه مراجعة طبيب عيون لتصحيح نظره ونظارته ...!

 

التشيع الصفوي في مأزق

 

ضرغام الدباغ

 

التشيع الصفوي يمر في مأزق شديد الوطأة، وقد يكون حاسماً. فقد سالت الأصباغ على وجه الممثلين، بسبب سخونة المواقف في المنطقة، وبانت حقيقة مزاعمهم وإداعاءاتهم. فالتشيع الصفوي لم يكن منذ بدايته ليس سوى توجه انتهازي، أستغل شعارات دينية لأغراض سياسية بالمطلق، ولم يترك منبراً يمكن استغلاله لإثارة التمزق الطائفي، ودعوات الانعزال، والكراهية، إلا ومارسها بشكل مكثف، مستخدماً أساليب تنطوي على إثارة الذعر والخوف، حتى برز من بينهم  من هم أساتذة في فن الدجل والتضليل، واستخدموا الأساليب المسلحة،  لإعلاء صوتهم وكلمتهم ليس بقوة المنطق والحجة، بل بأعمال الإرهاب، وبرز من معسكرهم إرهابيون من الطراز الأول، من إنتاجهم، وآخرون قدموا الدعم والرعاية لهم.. ولكن للزمن فصوله و تقلباته تفضح كل من يحاول التستر بالأوهام ...

ففي البدء كان إثارة الذعر والاضطراب، والفوضى المطلقة، من مصلحة القوى المناوئة، لتوجهات التحرر الوطني، وسياسات النأي بالشرق الأوسط عن الصراعات الدولية، والسير بالتنمية إلى آفاق تنقل البلدان والمنطقة إلى مواقع جديدة في السياسة والاقتصاد العالمي، وهو ما ركزت عليه مؤتمرات القمم العربية في الثمانينات فصاعداً، وهو لا يتفق مع رغبات القوى التي تريد إبقاء الشرق الأوسط وأقطاره في فلكها. وهذه هي فحوى وهدف المؤامرات التي استهدفت المنطقة.

والتشيع الصفوي ليست صيحة جديدة، فهي تعود لعام 1501 وهي الوسيلة المبتدعة لتأسيس دولة (فارسية) حديثة يمكنها الصمود بوجه المتغيرات في آسيا الصغرى وأقطار الشرق الأوسط عموماً، الذي شهدت نهوض دولة إسلامية قوية (الخلافة العثمانية) ستعيد عصر الخلافة الإسلامية الني انتهت بسقوط بغداد (1258) بأيدي المغول، وكانت الدولة العثمانية تحكم بأسم الدين ودانت لها الأقطار الإسلامية في آسيا الصغرى، وهنا أرادت بلاد فارس، أن تخرج عن القبول بالقيادة التركية العثمانية، فكان أن هيمن على مقدرات الدولة المنقسمة والضعيفة القائد العسكري إسماعيل الصفوي الذي أراد أن يمنح الدولة الفارسية شخصيتها وفكرها الديني والسياسي لتكون نداً منافساً للدولة العثمانية، وشرع بترسيخ مبدأ التشيع بالقوة في البلاد (وهو السني المذهب)، وحيثما استطاعت قواته الوصول، لذلك كان عهده وعهد المرحلة الصفوية عبارة عن حروب وصراعات مسلحة، وتبعاً لذلك كانت مناطق السيطرة الهيمنة تتسع وتتضاءل بناء على تلك الحروب.. وهناك الكثير من الأنباء عن أصول الأسرة الصفوية والتداخل العرقي والديني. (آذري، وكردي، تركماني، جيورجي، ويوناني).

بدأ التاريخ الصفوي بتأسيس الطريقة الصفوية، على يد مؤسسها الذي سميت على اسمه صفي الدين الأردبيلي (القرن الثالث عشر وكان صفي الدين قد أسس المدرسة الزاهدية ــ  الصوفية في جيلان. وكان صفي الدين يمتاز بشخصية دينية قوية وكاريزما جذابة، فأُطلق على تعاليمه بعد ذلك اسم الطريقة الصفوية. وسرعان ما أصبح للطريقة الصفوية دورا كبيرا في مدينة أردبيل وأرجاءها، حيث كان أغلب الناس متأثرين بتلك المدرسة وتعاليمها. ويوجد حتى يومنا هذا شعر ديني كتبه صفي الدين باللغة الآذرية القديمة (وهي لغة إيرانية شمالية غربية صارت اليوم بائدة).

بعد وفاة صفي الدين، انتقلت قيادة الطريقة الصفوية إلى صدر الدين موسى (المتوفي عام(1392  كانت الطريقة في ذلك الحين قد تحول إلى حركة دينية وراحت تبث دعاياتها الدينية في جميع أنحاء إيران  وسوريا وآسيا الصغرى، والأرجح أنها كانت حتى ذلك الوقت ما زالت على أصولها السنية الشافعية. ثم انتقلت قيادة الطريقة / الحركة من صدر الدين موسى إلى ابنه خواجة علي (المتوفي عام 1429)، الذي انتقلت منه القيادة أيضا إلى ابنه إبراهيم (المتوفي عام 1447). عندما تولى الشيخ جنيد (ابن إبراهيم بن صدر الدين موسى) قيادة الطريقة الصفوية في عام 1447، تغير المسار التاريخي للحركة الصفوية تغيرا جذرياً، إذ: لم يكن الشيخ جنيد راضيًا عن السلطان الديني، ولذا سعى إلى تحقيق سلطان مادي دنيوي. في ذلك الوقت كانت أقوى أسرة في إيران هي أسرة قراقويونلو (وتعني: الخرفان السوداء)،  فلجأ الشيخ جنيد إلى الأسرة المنافسة لأسرة قراقويونلو التابعة لجهان شاه، أسرة آق قويونلو (الخرفان البيضاء التركمان) التابعة للخان أوزون حسن، وعزز علاقته بها وذلك من خلال زواجه بخديجة بيغوم أخت أوزون حسن. ولكن الشيخ  جنيد قتل أثناء عملية اقتحامه لأراضي شروانشاه، وخلفه في منصبه ابنه الشيخ حيدر الصفوي.

تزوج حيدر من مارثا العمشا بيغوم، أبنة أوزون حسن، التي ولدت إسماعيل الأول، مؤسس الأسرة الصفوية. كانت أم مارثا، ثيودورا التي تُعرف أكثر باسم دسبينا خاتون، أميرة يونانية بونتيكية، وكانت بنت الكومنينيون الأعظم يوحنا الرابع ملك طرابزون، وقد تزوجت بأوزون حسن في مقابل حماية الكومنينيون الأعظم من العثمانيين.

بعد أن مات أوزون حسن، شعر ابنه يعقوب بالتهديد، بسبب تعاظم النفوذ الديني الصفوي. تحالف يعقوب مع شروانشاه. ثم قتل حيدر في عام 1488. بحلول ذلك الوقت كان أغلب أتباع الطريقة الصفوية من الأوغوز الذين يتحدثون بالتركية، وقد كانوا قبائل من آسيا الصغرى وأذربيجان، وكانوا معروفين باسم قزلباش، وتعني ذوي الرؤوس الحمراء، لأنهم كانوا يلبسون عمائم حمراء مميزة. كان القزلباش محاربين، وموالين دينيًّا لحيدر، ومصدرًا لقوة الصفويين عسكريًّا وسياسيًّا.

وبعد وفاة حيدر، اتحد أتباع الطريقة الصفوية حول ابنه علي مرزا الصفوي، الذي طارده يعقوب أيضًا حتى نجح في قتله. وفقا للسجل الصفوي الرسمي، كان علي قبل رحيله قد عيّن أخاه الصغير إسماعيل قائدًا دينيًّا للطريقة الصفوية.

كانت إيران تدين بمذهب السنة ولم يكون فيها سوى أربع مدن شيعية هي: آوه، قاشان، سبزوان، قم. وعقب تتويج إسماعيل الصفوي ملكا على إيران أعلن المذهب الشيعي مذهبا رسميا للدولة بأستخدام مفرط للقوة، فيقول المؤرخ السني قطب الدين النهروالي عن إسماعيل الصفوي " قتل خلقاً كثيراً لا يحصون عن ألف ألف نفس" ويصف المؤرخ الشيعي محسن الأمين ذلك "بالكذب الصريح" بينما يقول عنه: و أجبر البقية على تغيير مذهبهم توجهت أنظار إسماعيل إلى منطقة جبل عامل في لبنان،  التي كانت آنذاك أحد معاقل الشيعة، وقراً لكثير من علمائهم.

وإذا كان إسماعيل شاه فد أسس التاريخ الرسمي للتشيع الفارسي، إلا أن المرحلة الصفوية انتهت بعد حروب طويلة وصراعات، حققت خلالها نجاحات محدودة، لكن دون أن تحقق مركزاً قياديا لإيران كما كان الهدف الحقيقي للسياسة الصفوية، ولكنها كرست تقليداً أن يكون المذهب الشيعي أساس للحكم في بلاد فارس وما جاورها، والتي تأسست دولة إيران لاحقاً (1923)، ولكن بعد أن أصبح التشيع هو العمود الفقري والعصبية لتجمع إيران في دولة أطلق عليها (إيران) لتضم شعوباً ليست فارسية، وليست على المذهب الشيعي، وسرعان ما دخلت ميدان ومسرح السياسة الدولية وكواليسها وتوازناتها، فأصبح وجود القوى العظمى في إيران يؤشر مصالح عديدة ومتناقضة أحياناً إلا أنها تشير في نهاية المطاف إلى مصالح الغرب في أهمية وجودها ككيان سياسي لتمثل جدار الصد من قوى وشعوب أواسط آسيا، وبين شعوب الشرق الأوسط العربية، وتزاد الأهمية بالنظر للمعطيات الجيوبولتيكية، والاقتصادية للمنطقة. ولكي يكون الكيان الإيراني العنصر المهدد والمثير للمتاعب في الكيانات الإسلامية.

 

وتحول التشيع ليصبح الآيديولوجية / الرابط لكيان الدولة حتى بعد العهد الصفوي، في العهد القاجاري، والبهلوي، ويتضمنها الدستور الإيراني صراحة بنص واضح،  والمدارس الدينية وطقوسها كانت المخدر الأساسي للشعوب الإيرانية كي لا تتجه صوب شعارات سياسية / اجتماعية، وكانت سرنجة (أبرة) المخدر بيد السفارات البريطانية والأمريكية، ومن يقرأ تاريخ فارس / إيران الوسيط والحديث يتوصل لحقيقة أن سفارات بريطانيا والولايات المتحدة كان المسير الحقيقي للسياسة الفارسية / الإيرانية. وأخيراً قررت هذه الدوائر التدخل واىستخدام المخدر حين بدا لها أن قوى سياسية / اجتماعية قد حطمت حاجز الخوف من نظام الشاه الرجعي وأجهزته القمعية، وقد أشعلت للمرة الأولى في تاريخ إيران نيران ثورة اجتماعية طابعها عمالي / تقدمي تساهم فيها الفئات الكادحة المسحوقة، والأحزاب الوطنية والتقدمية والدينية المتنورة (حزب تودة، نقابات العمال، مجاهدي خلق، حزب الجبهة الشعبية).

 

فقدرت المخابرات الأمريكية التي كانت (وما تزال) تدير الملف الإيراني (منذ نهاية الحرب العالمية الأولى)، أن نظام الشاه ساقط لا محالة، ولا يمكن إعادة تأهيله أو إنتاجه (reproduction) كما فعلت في أزمات داخلية سابقة، كما أن تحالف القوى الوطنية المعادي للشاه، يحمل في ثناياه احتمالا بأن يتطور الموقف السياسي في مستقبل ليس ببعيد ويفرز موقفا ومعطيات مقلقة. وبما أن التاريخ لن يعود للوراء (لعام 1954) لإنقاذه بعملية انقلاب (الجنرال زاهدي)  تسانده جموع غوغاء من المصارعين ومدلكين الحمامات الشعبية، إذن لا مندوحة من ترك المؤسسة الدينية من أن تطلق الغوغاء للشوارع وتقلب الطاولة على رأس الجميع، فهي أفضل الخيارات السيئة المطروحة، وسيبقى النظام غير بعيد عن تأثيرات الولايات المتحدة وحدود أفلاكها.

ولكن لا شيئ في الحياة عرضة للتغير قدر التحولات في السياسة، سواء في مآربها أو في وسائلها، ذلك أن التحولات الاقتصادية التي لا تعرف التوقف، سوف تفضي إلى مستويات جديدة، تستلزم فهم ومستحقات جديدة لها. ومثل هذه الإنتقالة في الموقف ابتدأت تفرز آثارها ونتائجها بعد مؤتمر مالطا  (3 و 4 / كانون الأول / 1989) إلى أفاق جديدة، خففت إلى حد بعيد من مخاطر نشوب حروب شاملة بين المعسكرين، وبالتالي تضاءلت قيمة المخافر الأمامية، ومواقع الرصد، أو النقاط الأمية، وبالتالي تضاءلت أهمية إيران في الاستراتيجية الأمريكية، فراحت (إيران / الملالي) تبتكر المواقف وتحاول تثبت أهميتها كلاعب مهم في الشرق الأوسط بوسعه أن يتواجد بقوة ويشعل معارك في ساحات مختلفة بما يخدم المصالح الغربية.

ولكن حتى تلك المحاولات في التدخل هنا وهناك لم تسفر عن نتائج ذات قيمة تستحق ما صرف عليها من تكاليف مادية وسياسية وبشرية، رغم أن الغرب وفر لها الغطاء السياسي الكافي للتدخل في جميع الساحات، أما في العراق فقد سلموها لهم تسليم اليد، ولكنهم لم يستطيعوا أن يستثمروا هذه التسهيلات والدعم، فأنغمست عناصرهم (الإيرانية والعراقية) في فساد ونهب قل نظيره في تاريخ العراق، إضافة إلى افتقار تام إلى القدرات السياسية في استيعاب الموقف السياسي والاجتماعي والثقافي، فطيلة عقدين من الزمن تقريباً، فشل مشروعهم السياسي فشلاً ذريعاً، إلى جانب سقوط إدارة الدولة، ولم يعد لديهم ما يواجهون به الشبيبة العراقية الساخطة سوى القمع الوحشي الذي أودى بحياة المئات من الشبان.

والوضع داخل إيران لم يكن بأفضل من التوجهات الخارجية الفاشلة، فالاقتصاد الذي يواصل هبوطه وانحطاطه بدرجات غير مسبوقة بسبب تخبط السياسة الداخلية والخارجية، ولم تكن النتيجة سوى تراجع  في مستوى حياة المواطنين، يعبرون عنه بأكثر من 14 أنتفاضة، وبألوف القتلى في المصادمات وأمام محاكم دينية رجعية لا علاقة لها بالقوانين والعدالة، ولم يجد الشبان أمامهم سوى الهروب إلى اللجوء في بلدان العالم وتسرب الكفاءات الإيرانية إلى الخارج.

 

وبهذا ألتحم الفشل الداخلي بالفشل الخارجي وأطاح بالجوهر الآيديولوجي للثورة الإسلامية   (مشروع تصدير الثورة) وأن نظرية الإمام الخميني بتحديث الفكر الصفوي من خلال محاولة بائسة في منح شرعية غيبية مزعومة في نظام الجمهورية الإسلامية وولاية الفقيه، وهي ليست سوى تشريع لديكتاتورية بائسة وبذلك سقطت نظرية ولاية الفقيه سقوطاً ذريعاً، والذي أسقطها هو ديماغوجيتها، والتوجه صوب أهداف مستحيلة، رغم أنها لم تواجه مقاومة حاسمة، لأن العالم العربي والإسلامي يواجه مؤامرة شرسة جداً من الغرب وإسرائيل،  ولكن هناك خلل كبير في نظرية ولاية الفقيه، بل وحتى القسم الأعظم من الشيعة لم يقتنعوا بها، إلا من وقعوا في براثن الاستخبارات الإيرانية، وخضعوا لعملية غسل دماغ محكمة. فالتحم الفشل الداخلي مع الفشل الخارجي، لينهار المشروع برمته، وبات لا يراهن سوى على القوة المسلحة وتجنيد المرتزقة.

 

هذا هو بتقديري السبب الرئيسي لسقوط التشيع الصفوي الجديد، الخلل في البرنامج السياسي، وفي الجانب الذاتي هناك مجموعة كبيرة من الاخطاء التكتيكية في الداخل جعلت من النظام دولة قائمة على القمع الدموي الواسع النطاق، أضعاف ما كان عليه نظام الشاه، وفي الخارج لم يحاول ... مجرد محاولة أن يدخل عقول وقلوب الناس بالحوار والإقناع وباتباع أساليب حضارية ومثقفة، بل جل ما فعلوه هو اعتماد الشتائم والسباب  والتفسيق، والتفنن بالاغتيالات، وبالمغالاة والتطرف التي أبعدتهم كثيرا حتى الكثير من جمهورهم ...! لم يفعلوا طيبا في سورية ولبنان واليمن .... لذلك ما جنوه هناك هو كراهية الجمهور، وعدا الهرولة في الشوارع شاهرين أسلحتهم يطلقون صرخات مسعورة، والميليشيات المسلحة والتي تسفك الدماء في ظل الأفتقار التام لأي منجز سياسي واقتصادي وثقافي، لا شيئ البتة ...! هذا هو حصاد 42 سنة من نظام ولاية الفقيه " التشيع الصفوي الجديد ".... !

أما ذروة السقوط الآيديولوجي / السياسي فقد تمثلت بكل جلاء بتطورات أحداث القضية الآذرية ....! وبتقديري فقد مثلت الضربة القاضية، وبددت يقايا أحلام من كان يعتقد خيراً في نظام ولاية الفقيه. وفي الحقيقة لم يكن الكثير من المراقبين والمتابعين يتوقعون أن تؤيد الجمهورية الشيعية الإيرانية، جمهورية أرمينيا الأرثودوكسية، وتؤيدهم في أستيلائهم على الأرض الآذرية (ناغورنو قرة باغ) وتخالف بذلك أبسط قواعد وبنود الدستور الإيراني. وهي خطيئة كبيرة وقع فيها الملالي، فقد كان بوسعهم الوقوف على الحياد على الأقل، والدعوة لوقف الحرب، والدعوة لحوار العقل والتعقل، ولكنهم وجدوا أن المصلحة تكمن في الوقوف مع ارمينيا ومساعدتها، بل والقتال إلى جانبها، وحتى بالوقوف إلى جانب غلاة الأرمن وتشجيع  المتمردين/ المتطرفين منهم بالسلاح، فأندفعوا دون تبصر وتأمل.

يستطيع كل خبير في الشؤون الإيرانية أن يتبين حجم وشدة الهواجس الإيرانية حيال القضايا الآذرية، (تمثل أذربيجان الجنوبية نسبة كبيرة من أرض وسكان إيران) فالأطراف الدولية التي تعول على القيمة الاستراتيجية لإيران، ستكتشف دون عناء، أن إيران فقدت حتى الآن الكثير منها، والتفاعلات المقبلة للقضية تنبأ بفقدان المزيد من المزايا، وانهيار متزايد لنظرية ولاية الفقيه البائسة، التي تفتقر للأسس العلمية والقانونية، فوزارة الخارجية الإيرانية تصرح علناً: حيث يوجد ضريح لأل البيت هي منطقة مصالح لنا، من المؤكد أن نظريات السياسة الخارجية لم تسمع بنظرية كهذه من قبل، والعالم يعلم أن آل البيت لم يكونوا من الفرس، ولم يعيشوا حتى في بلاد فارس، إلا ربما كزيارة، ولم يكونوا من الشيعة (هم لم يؤسسوا هذا المذهب) الذي بدوره يتألف من عدة مذاهب ..! وما العمل إذا كان أحد من آل البيت من الجيل الخامس أو السادس أو الأربعين قد سافر إلى استراليا وتوفي هناك ..؟ حسناً .. ملوك الأردن هم من آل البيت، وملوك المغرب كذلك، وآل البيت كانوا ملوكا في العراق وسورية واليمن وليبيا .. مالعمل هل نقلب التاريخ رأسا على عقب  ليتناسب مع مزاج مخرفين يريدون إنشاء امبراطورية فارسية على أشلاء الملايين ..!  

 

بعد أن ظهرت فساد هذه النظرية الرجعية، وأن الجماهير الإيرانية قبل غيرها سيتبين لها أنها في ظلال عظيم. وأن القناعة المطلقة بالغيب هو تسليم لمصائرهم بأيدي مخرفين يريدون تحقيق شعارات سياسية بوسائل منحطة. تأتي إيران لتقدم المال والسلاح والدعم لمتمردي قرةباغ الأرمن الأرثودوكس ضد السلطة الآذرية الشيعية .. هل نحتاج لعبقرية لندرك أن القصة دجل في دجل ...!

 

ولا تخفي تركيا السعي لمنظومة الجامعة للشعوب التركية، التي تمتد من بحار مرمرة وإيجة والمتوسط والأسود، وبحر قزوين وتصل حتى الصين، كيان سيكون عازل بين روسيا والشرق الأوسط ، الغرب لا يفضل رؤية كياناً قويا كهذا، ولكن إذا كان في الأمر ما يحبط خطط الصين أو روسيا ... فهنا يصبح الأمر يستحق النظر .. فهذه كيانات تتحد بناء على التماثل العرقي القومي (التركي)، والمعتقد الديني (الإسلامي)، فيما إيران تهيمن بالقوة والعنف على شعوب داخل الكيان (الإيراني) كالآذريين والتركمان  والكرد والعرب والبلوش. ولكن بين الدول الغربية من أقفل نظره وعقله ومداركه ضد العرب وضد المسلمين، مالعمل ... القضية كبيرة وتستحق موقفاً كبيراً .. وسوف تتغير استراتيجيات. وعلى الأرجح أن الولايات المتحدة تتفهم المتغيرات، واستراتيجيوها يفكرون بالمصالح فقط، وبمعطيات الواقع المادي الموضوعي، ويعملون بدون محرمات (Taboo)، فيما تتداخل في أفكار الأوربيين مفاهيم الديانة والطائفية (بروتستانت، أرثودوكس، كاثوليك) والأثنية ومستحقاتها..الخ ... وظلال التاريخ والذكريات.

وتشير أحدث المستجدات، أن هذا الكيان التركي قد اجتاز مرحلة التشاور وسيتخذ شكله النهائي قريبا، بصيغة : تحالف/ تجمع دول، منصة تعاون سيضم مبدئياً معظم دول المنطقة، وقد تدعى أرمينيا إليه، وهناك منظمات أرمنية متطرفة تحضى بدعم طهران، هي رافضة للحلول الواقعية وللسلام في المنطقة، ومن المؤكد أن أذربيجان الجنوبية سوف تتطلع (وهي تفعل ذلك منذ قرن) إلى الالتحام بنصفها الآخر، وهذا سوف يثير الهواجس الإيرانية، وقد شرعت فعلاً بردود الأفعال، وإطلاق تصريحات تنافي المنطق والعقل.

ذات يوم كنت أحادث صديق لي وهو من الشيوخ في حوزة النجف، سألته: لماذا فشل حكم الفاطميين في مصر بعد تعاطفت معهم في البداية  شعوب شمال أفريقيا في ليبيا ومصر ومدوا نفوذهم إلى الحجاز ولبنان وسورية(رغم كون سكان هذه الأقطار من السنة)، واستطال حكمهم 250 عاماً ثم أنطفأ دون أن يترك حتى بصيص ..؟ لماذا ... فذهل الرجل، وقال حقا أمر غريب لا يخطر على البال ..! فقلت له " فكر ....لأنهم اتفقوا مع الصليبيين ضد أبناء قومهم العرب المسلمين ..! رباط السالفة ...! ",

أبتسم الرجل وقال ... " نعم واضح .. فهمت .."

نعم ... سيفهمها الجميع ... إن عاجلاً أو آجلاً ...!

 

 

الرأسمالية في قمة تطورها

 

 ضرغام الدباغ

 

 

حين كتب كارل ماركس قبل أكثر من 100 عام، أن الدولة هي ديكتاتورية وسلطة الطبقة الحاكمة، وأن أدواتها هي البوليس والمحاكم لتحقيق سطوتها ونفوذها العالي الذي لا يقهر. اعتقدنا بنسبة ما، أن في الأمر مبالغة بنسبة ما ...

 

يكتب جان جاك روسو في مؤلفه الفذ " العقد الاجتماعي "، " أن الديمقراطية الحقيقية لم توجد أبداً ... وسوف لن توجد أبداً "، وأضيف كمتخصص في الفكر السياسي، أن الدولة تربط المواطن بسلسلة طولها (؟ متر) والأهداف الصعبة (التي يحافظ عليها النظام) تبعد عن مدى السلسلة بنصف متر، وهذا يعني أن المربوط بالسلسلة إلى عمود صلب (الدولة) سوف لن يبلغ الهدف مطلقا مهما صرخ واحتج وفعل ما يريد .... والعمود (الدولة) يقرر ماذا يضع في متناول المربوط بالسلسة (المواطن) إلا إذا قطع السلسلة ..! (الثورة) آنذاك يبلغ المواطن ما يشاء من أهداف وفي مقدمتها بالطبع رأس السلطة السياسية.

 

كنا نعتقد أن ماركس يبالغ شيئاً ما ... وأن الماركسيون يبالغون ..!

 

كتب الكاتب البريطاني جورج أرول عدة أعمال في معظمها يهاجم النظام التوتالي (المطلق) وهو بنفسه كان يساريا ولكنه أعتقد أن النظام الاشتراكي في مواجهته لخصومه يمارس السلطة بقسوة، وفي روايته الشهيرة " 1984 " ، تخيل أو الدولة الاشتراكية تستخدم البوليس بكثافة، ومجهزا بأشد وسائل القمع، وأن الدولة عبر أجهزتها تنصب الكاميرات في الساحات ومواقف القطارات والأماكن العامة لمراقبة الناس، ةفي روايته الأخرى  "حديقة الحيوانات " (Animal Farm) بالغ في وصف الدولة التوتالية معتبرا أن المحاكم والسلطة مسخرة كليا بأيدي الطبقة المتسلطة. والآن تنصب الأنظمة الرأسمالية الكاميرات في كل مكان وتقنع الناس أن هذه لخدمتهم ...!

 

شخصيا عشت في دولة اشتراكية، لمدة 8 سنوات، لم أجد أي من هذه الملامح التي تحدث عنها الكاتب أورول حين تنبأ مما سيحدث، ولم أصادف طيلة تلك السنوات حادثا يعبر عن العنف والقسوة من جانب البوليس ولا الناس، فالاشتراكية تخفف بدرجة كبيرة من الميل للعنف بوصفها مبدأ للسلم الاجتماعي والعالمي بل كان رجال البوليس يحملون جعب المسدسات فارغة من السلاح، محشوة بالقماش، بل على العكس كانوا بالغي التهذيب واللطف والأدب، ويبالغون في خدمة طالب الخدمة. في حين بالعكس هذه المظاهر نشاهدها بكثافة في الدول الرأسمالية وبكثافة ...!

 

وأجد من المناسب أن أسجل ما حدث مرة بعلمي، أن سيدة ألمانية (في زمن ألمانيا الاشتراكية) تعمل في وسط ثقافي معين ومشهورة بدرجة ما، دخلت محلاً لشراء الأحذية، ووسوس لها شيطانها أن تسرق زوجا من الأحذية تلبسه وتغادر المحل، وخيل لها أن ذلك سهل جداً وأن مظهرها وربما شكلها معروف للناس، سيساعدها بأن تخرج بأمان. ولكن ما أن كانت على وشك المغادرة، أن وجدت نفسها أمام إحدى بائعات المحل التي طلبت الشرطة. وعندما أخذها الشرطة إلى سيارتهم وتقول كدت أن أموت خجلاً وعارا.. رغم أن الشرطة أخرجوها باحترام (بدون تقييد اليدين)، ومضوا بها إلى قسم البوليس (يسمى هكذا في ألمانيا /  Polizeirevier)، وفي الختام، وبعد دراسة قضيتها، قرروا عليها حكماً، أن تملأ دفترا كاملاً بجملة " لقد أخطأت .. سامحوني "  وتملأ كل يوم عدد من الصفحات، في قسم البوليس حضوراً،  وتقول بعد عدة صفحات تعبت نفسياً، وقلت لهم  لقد أخطأت، ولكني لا أستطيع مواصلة كتابة الجملة. فأعفيت من العقوبة ومن تبعاتها. واليوم المواقف والسجون مليئة بصبية وشبان لأسباب بسيطة ... وتسجل في قيودهم وتشهر بوجوههم في كل مناسبة ...!

 

العقوبة ليست انتقام، والشرطة ليست عدو للناس،  الشرطة أداة شعبية لوقف الاعتداء على الناس، ولمنع الجريمة الجنائية والاقتصادية، أي منع الاعتداء على الناس وممتلكاتهم. ولكن أنظروا إلى مئات الأفلام في اليوتيب والأنترنيت عن مشاهد تستخدم فيها الشرطة الأمريكية والبريطانية وحتى السويدية أشد صنوف القسوة البالغة بحق متهمين لدرجة إطلاق النار من الأسلحة على متهمين أو مشبوهين والقتل بقضايا تافهة لا تستحق هذه الإجراءات العنيفة، كتجاوز إشارة مرور مثلاً. في الولايات المتحدة خاصة، فرجال البوليس عبارة عن وحوش آدمية .

 

كانت لدي إحصائية (فقدتها للأسف)  عن عدد القتلى من ضحايا البوليس الأمريكي السنوية بإطلاق النار بتهمة " نودي عليه بالوقف فلم يمتثل " وهي أعداد تصيب بالصدمة لمن يطالعها. حتى الشرطة البريطانية التي كانت توصف بالاتزان والحصافة والمهنية، ولا يحمل أفرادها الأسلحة، عدا العصي، يرتكب اليوم أفرادها جرائم واضحة خلال العمل، ولا يلاقون العقوبة الرادعة، بدليل تزايدها. أما في الولايات المتحدة الأمريكية فالأمر، قاد وسيقود إلى كوارث، والسؤال لماذا لا يتم السيطرة على هذه الخروق. ثم أن هناك أمرا آخر مقلق، هو تفشي اليمين المتطرف في المجتمعات، بدرجة بلغ مداه إلى أجهزة الشرطة والأمن والجيش (في قوات النخب خاصة).

 

الدولة ينبغي أن تكون بعيدة تماماً عن الانصياع للغضب أو الفرح وبالتالي لردود الفعل. عدوانية البوليس وشراسة الحكومة لا تبعث مؤشرات طيبة، الحكومة تطبق القانون بواسطة الشرطة، وكما هو الترهل والارتخاء والتلكؤ غير مقبول، كذلك الحماس ومزج الرأي الشخصي بالإجراءات مرفوض تماماً. وما نراه بشكل شبه يومي على شاشات التلفاز من شرطي يسحق عظام رقبة مواطن حتى الموت بدون سبب ودون أن يقاوم، وشرطي آخر يسحق فتاة شابة يوقعها أرضاً بنفس الأسلوب، وما هو سيئ جداً ومثير للإحباط، أن الشرطة الأوربية يقلدون زملاءهم الأمريكان في هذه التصرفات، والسويد المعروفة بأتزانها، تمارس الشرطة أعمالاً لا يمكن وصفها قانونية، وهذا يشير إلى قضية مؤسفة، أن الشرطة بوصفها جهاز مكلف بتطبيق القانون قد تسلل إليه اليمين وربما توصلت لمراتب قيادية فيه، والنزعات الاعتدائية، والتمتع بإظهار السطوة والقوة.

 

اليوم مسؤول كبير بدرجة رئيس جمهورية في دولة تعتبر نفسها عظمى (فرنسا) يقف وراء المايكرفون ويحرض علناً على الكراهية والحقد والانتقام، والعوازل ... ووزير داخليته يتدخل في طريقة عرض بيع اللحوم ..! أيحدث هذا في بلد التنوير ...؟ أم أنه يفعل ذلك لينال (بالأستجداء) أصوات اليمين المتطرف، هو فعلها على أية حال، وتحسب سلباً على النظام " الديمقراطي "  وأكد نظرية أن لا ينبغي أن يتولى المسؤولية الأولى شبان طائشون في مقتبل العمر. وفي تبادل ناري للحديث بين الرئيس ترامب ومنافسه بايدن في آخر مناظرة بينهما (22/ اكتوبر) حول التمييز العرقي، قال جو بايدن إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "يصب الوقود على كل حريق عنصري". وقال ترامب عندما سئل عن الاحتجاجات المتعلقة بالعدالة الجنائية في الولايات المتحد ة : " أنا أقل شخص عنصري في هذه الغرفة" (معنى ذلك الغرفة (البلد ــ الدولة) مليئة بالعنصريين ...! ياله من اعتراف مذهل ..!). ورد بايدن قائلاً إن ترامب من بين "أكثر الرؤساء عنصرية في التاريخ الحديث" (لاحظوا كم هو دارج وسلس الحديث عن العنصرية في بلد كأميركا يتألف من كل الأعراق والأديان، والكل غرباء ومن أصول ليست أمريكية، بلد يتزعم الديمقراطية " لفضاً " ...!) .

 

ولكن لنستعرض الأمر بشكل أعمق، هل هذه المظاهر صدفة .. أو عرضية ..؟ لا بالطبع فما يحدث هو تراكم لانحدار وانحطاط ثقافي عام، ولكن هناك من يمارسها بوحشية وهمجية، وهناك من يمارسها بصورة مخففة ..!  فهذا الشرطي، او الجندي الذي يرتكب جرائم حرب وحشية، ألم يدرس في مدرسة ابتدائية، وقبلها في روضة أطفال ..؟ ومدرسة متوسطة، ثم تأهيلاً متقدماً، وماذا تعلمه من قياداته ..؟ لذا تشيع بشكل متكاثف ظواهر وتربية الشراسة والقوة في المدارس ( (schulmobbing وقد تحولت إلى مشكلة حقيقية، وتدرس في مناهج التربية والتعليم في الولايات المتحدة خاصة، وفي العالم الرأسمالي عامة، وهي في نهاية المطاف حصيلة ضغوط اجتماعية واقتصادية وثقافية عديدة، وهذه هي بالضبط التي تقود إلى حوادث الإجرام المعروفة بالقتل الجماعي العشوائي (Running amok)، والتي تروع المجتمعات بين الحين والآخر، ولأن جذر التربية فاسد، وتتكرر في الولايات المتحدة وفي دول رأسمالية أخرى.

 

ولا تخلو ملاعب الرياضة أيضا من حوادث العنف، سواء بين المتفرجين، أو اللاعبين أنفسهم، وبعض تلك الشجارات دامية، ذلك لأن الرياضة ابتعدت كثيرا عن كونها نشاط إنساني نبيل، وأصبحت صناعة كاملة الأبعاد، تدر مئات المليارات، ويباع الرياضيون ويشترون كأي ماكنة وآلة إنتاج ..!  وهكذا يبدو أن هناك سلسلة حلقات من المعايشة والتربية والتعليم التواصل والتدريب، وصولاً إلى عالم التنافس الذي لا يرحم، والخطأ يكمن في أكثر من مرحلة، وتبدأ بتقديري منذ الطفولة وعند أولى خطوات التربية. وأن هناك خللاً مهماً في أساليب التربية سواء في البيت، أو في رياض الأطفال والمدارس. وأن ثقافة التحريض العنصري لا تلاقي مقاومة المقاومة، أو التثقيف المضاد ... بل تساهلا وتغافلا يبدو أحياناً أنه متعمد، فعندما تتطور هذه الممارسات من حوادث عابرة إلى ظاهرة ..لا شيئ يدور بالصدفة ..!  في ألمانيا يهتمون بشكل خاص بهذه الظواهر ويعملون بجد لأستصالها وخاصة من الدوائر الحساسة (الجيش والشرطة)، ولكني لا أعتقد أن ذلك يجري في بلدان أوربية أخرى.

 

إن ثقافة حقوق الإنسان هو شعار ولافتة سياسية، موجهة بوسائل الإعلام وغيرها، بالمزاج وبمعايير مزدوجة .. وقد غدا هذا أمرا مفهوماً بدرجة تامة. هل أصبح عدم تناول هذا الصنف من اللحوم مشكلة أو موضوعة تستحق مناقشات (بدرجة وزير) في حلقات عليا ... ؟ وهل أصبح ارتداء الحجاب مشكلة كبيرة تقود إلى الكثير من الاعتداءات في الشارع .. وهل تستحق هذه القضايا البسيطة، كل هذه القوانين والعناء  ؟ لقد جرى تسخير القوانين ومشرعوها قبلوا أن يصبحوا رماح بيد المتطرفين، فمحكمة تتخذ موقفا رسمياً من إنسان لأنه يقبل أو لا يقبل المصافحة ..! حين أجازوا رسمياً السخرية من (س) على أنها حرية رأي، ولكنهم  يعاقبون بأشد العقوبات  مجرد إن شككت ب (ص) مجرد تشكيك ..!

 

الفاشية والنازية كانت مراحل (في العشرينات والثلاثينات) مرت بها بلدان (إيطاليا / ألمانيا) تحولت إلى مرحلة الصناعة المتقدمة وكانت هناك احتكارات رأسمالية عملاقة، ومعطيات قادت أن تقوم فيها حركات سياسية عنصرية متطرفة، فازت بالانتخابات واستلمت الحكم وقادت إلى كوارث. وبعد أن حل الدمار الكبير في الحرب العالمية الثانية، قررت هذه الشعوب أن لا تدع الفرصة لأفكار مدمرة أن تستولي على عقول الناس وتقودهم إلى تدمير سيكون أشد وطأة من التدمير الأول.

 

ترى لماذا النظام الرأسمالي يصبح عنيفا في ذروة تطوره، فثراء البلدان الصناعية الرأسمالية بلغ حداً خيالياً، ولكنهم بالمقابل تقتر هذه الأنظمة على شعوبها، فهناك حقاً اشتداد للتمايز الطبقي وفقراء ينامون على الأرصفة، وناس يأكلون من القمامة، وبشر يموتون متجمدين على الأرصفة في الشتاء القارص .. ففي الولايات المتحدة حين أقر الرئيس اوباما التأمين الطبي، هاجت الفئات العليا وماجت، وسرعان ما ألغيت في عهد الرئيس ترامب. ويدهش المرء حين يجد مدن أمريكية كبيرة لا تتمتع بمواصلات عامة أو حتى بمستوى مقبول، وهذا غير مفهوم بالنسبة حتى لأوربي قادم من الدول التي فيها خدمات عامة ممتازة كألمانيا وبريطانيا، وهذا بسبب قدم فكرة الخدمات والضمان الاجتماعي فيها.

 

الدولة الرأسمالية في ذروة تقدمها، قليلة التسامح، التضامن والتكافل الاجتماعي مفقود في المجتمعات، الدولة تظهر وتجسد أكثر فأكثر أنها تميل وتمثل مصالح فئات دون فئات ..! (حين قال ماركس أن الدولة أداة القهر الطبقي أعتقنا أنها مبالغة ...!) وحين يمارس بعض من مجانين المجتمع الرهاب (الفوبيا / Phobia) يتفاعل معهم قادة سياسيون، ورجال قانون ومجتمع، ويصبح الأمر حقا بحاجة إلى تأمل عميق ..... وقريباً ستنتقل ممارسة الفوبيا على صعيد أوسع، فهناك دولاً لا تطيق أن تسمع مكتسبات تقدمها دولة لا تحبها ... أو لا تفضلها، وتضع حدود لتقدم كل دولة حسب العنصرية والطائفية .. أو تريد أن ترغم البشر على ثقافة وتقاليد وسياسات اجتماعية كما تراها .. وكما تعتقدها حتى يصل الأمر إلى درجة استخدام القوات المسلحة ...  ترى كم بقى من فكر وممارسة الديمقراطية لم يشبع ضرباً وإهانة ...!

 

النظام الوطني القومي ممنوع ونحاربه كما فعلنا مع عبد الناصر وصدام حسين، النظام الإسلامي (المزمع إقامته) ممنوع ونقاتله، النظم كنظم الخليج، محاربة ويضايقونها ليلا نهار ... نظام كالسودان لا يرضيهم، والآن الجزائر نصب عينيهم .. مالعمل ...!

 

التجسس على رؤوس الأشهاد

في مقال طويل، نشرته وكالة الأنباء الألمانية (DW)، وأشارت له قنوات تلفازية إلى أمر كانت الناس تتوقعه وتحزره ...

ــ تطبيق "مسلم برو".

ــ تطبيق "مسلم مينغل".

ــ شركة "بابل ستريت" التي طوّرت أداة أمنية اسمها "لوكايت إكس".

ــ شركة "إكس-مود" الوسيطة باعت المعلومات لشركات عسكرية مرتبطة بالجيش الامريكي.

ــ  تطبيق شركة "بيتس ميديا".

ــ التطبيق على منصتي "غوغل أب ستور" و" آبل ستور".

بل هناك من يقول إن غوغل يعرف عنك أكثر من نفسك، وتقول سارة جيونغ من نيويورك تايمز في مقال لها، إنه حالما يتم جمع البيانات الخاصة، يصير بإمكان أيّ كان شراؤها أو بيعها، ولا توجد منافذ قانونية لطلب تعويض من هذا البيع. لكن هناك شركات تحاول خلق نظام جديد من "سمسرة البيانات" يعوّض النظام الحالي.

 وتنقل الكاتبة عن رئيس شركة أحد التطبيقات الصحية كيف يتم جمع البيانات من شركات تتوفر على السجلات الصحية للمرضى، ويتم بيعها إلى باحثين وإلى شركات التسويق، لكن بهدف أن يستفيد المرضى من نسبة معينة من عمليات البيع.

 

 وهكذا تسمح السلطات لنفسها، أو شركات حكومية تعمل تحت غطاء، التجسس على ملايين المواطنيين الأمريكيين (25 ــ 28 مليون مسلم)، بالإضافة إلى نحو 50 ــ 60 مليون مسلم خارج الولايات المتحدة، التجسس وسرقة بيانات ومعلومات شخصية بصفة غير مسوغة وغير قانونية. وبذلك تؤكد أن الدولة هي المخترق الأول للقوانيين. والمنتهك الرئيسي لحقوق الإنسان التي يتشدق بها الغرب.

 

خلاصة القول :

ــ أدعك تتحدث بالقدر الذي لا يزعجني ..... وأن لا تخالف رأي في القضايا الأساسية ..!

ــ ممنوع أن تصبح قومياً، وممنوع أن تصبح اشتراكياً، وممنوع أن تصبح متديناً ...!

ــ أمنحك حق أن تختار، ولكن بين أثنين أو ثلاثة هم من نسخة واحدة والاختلاف بلون السترة، وفوق هذا  أنا أختارهم لك ...!

ــ أسمح لك أن تصرخ بالقدر الذي لا يقلق منامي الهادئ ولا يزعجني حين أتناول طعامي، أو أقرأ كتاب أو حين اتفرج على التلفاز ..أو حين أحل الكلمات المتقاطعة ....!..

ــ أعطيك الحق أن تأكل وتشرب، بالقدر الذي لا تموت فيه من الجوع لأني بحاجة لك أن تعمل لي، وتغسل سيارتي، وترتدي الثياب العسكرية وتحمل البندقية لكي تدافع عن مصالحي ..! ..

 

هذا عصر يبدو أمامه عصر الاستعمار القديم ... رحمة ومرحمة ...!

 

 

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

عملية في طهران

ضرغام الدباغ

المعطيات الأولى للعملية التي تمت في طهران يوم 27 / تشرين الثاني، والتي اغتيل فيها الشخصية العلمية الإيرانية محسن زادة، تؤشر ابتداء،  أن الموقف السياسي / الاجتماعي في إيران سهل الاختراق، بدرجة تنفيذ عمليات ضد شخصيات مهمة، ويفلت منها الجناة. ومن المؤكد أن السلطات سوف تجري تحقيقات، وأرجح أنها سوف لن تتوصل لشيئ، لأسباب كثيرة ليس من بينها قلة إمكانات الأجهزة الأمنية وضعف التحقيق. وعلى الأرجح ستقوم السلطات بأعتقال الكثيرين، وإخضاعهم لتعذيب، وسيعترف العديد منهم أنهم الفاعلون، للتخلص من التعذيب، ويعدمون كالعادة على الملأ بواسطة الرافعات، الحكومة تقنع نفسها أنها لا تخلو من حزم، والشعب يعلم أن هؤلاء أبرياء في مسلسل رعب يتواصل منذ 41 عاماً بدون انقطاع.

ولا نريد أن نتطرق إلى العملية التي تشير المعلومات الأولية أنها عملية كبيرة، من حيث عدد الأشخاص المساهمين بها(62 شخص)، أو المنفذين الرئيسيين  لها (12 شخص)، بالإضافة ل( 50 شخصا) قدموا الدعم اللوجستي للعملية.والخدمات الأستخبارية المتوفرة، دقة المراقبة والمعلومات، وهذه المعلومات تؤشر حجم العملية ودقة التخطيط، والأهم القاعدة الممتازة التي وفرت قدرات هذا العمل داخل إيران. و الاستنتاج الأرجح الذي توصلت له فور سماعي الحادث (قبل سماعي لردود الأفعال الدولية)، هو أن المخابرات الأجنبية تلعب بسهولة في إيران، ليس بسبب هذا الحادث فقط، بل لتكرار الحوادث، وامتلاك القوى الأجنبية (الولايات المتحدة / إسرائيل) المعلومات التفصيلية عن مفردات الموقف في إيران وقدرتهم على الحركة، وشن الهجمات بالطائرات، وبالتخريب، بل وأحيانا لا تعلم السلطات إن كان ذلك نتيجة قصف جوي، أو عملية تخريبية ...! وتطال هذه العمليات مواقع حساسة جداً.

بوسعي أن أتصور أسباب هذه الاختراقات الأمنية / السياسية الخطيرة ، وبالطبع لست في موضع تقديم النصيحة أو المشورة، ولكن الدولة الإيرانية من رأسها حتى أساسها منشغلة ومنهمكة بقصص وحكايات، لا طائل منها، فالبلد منذ 41 عاماً، يشتغل مع لبنان والعراق والبحرين واليمن والعراق، وأفغانستان، وأذربيجان، والباكستان، والله أعلم مع جهات ودول ومجتمعات أخرى، الدولة والمخابرات تبذل جهداً خطيراً لكسب جزائري واحد للمذهب، وهذا المحظوظ يطلع في النهاية عنصر مخابرات ...!

الدولة منهمكة لقمة رأسها بالتوسع ... حسناً التوسع سوف لن يفيدكم شيئاً، بل سيتسبب بالهزائم والتراجع في أداء الدولة، وهو سبب تذمر الناس، وتكرر الانتفاضات الشعبية العارمة ..! والتراجع في الاقتصاد، وفي العلاقات الاجتماعية، وانهيارات مقبلة منها عزوف الشباب عن الزواج، والميل الشديد للهجرة، والشباب الإيراني في الخارج، لا علاقة له بالدين، فقد تحول الدين إلى حزب سياسي للسلطة، (فلان يحكم بالصيغة الفلانية ... وهذه سياسة وليس دين ..!) التوسع بماذا وكيف ...؟ هل تملك إيران من وسائل التوسع غير إقامة حفلات البكاء واللطم والندب ..؟ أي ثقافة، أي اقتصاد، كان عندهم مغنية حسناء، (كوكوش/ وهي آذرية) هي اليوم في المهجر أي علوم ...لا شيئ من كل هذا، بل شبان مهوسون يربطون رؤوسهم بخرق خضراء أو سوداء .. يهرولون في الشوارع، يدعون للانتقام والثأر والقتل ونبش القبور وكيل اللعنات والشتائم ... أهذا الذي ينتظره الناس من التوسع ...!

لهذا كله، فالنظام الإيراني، ومثله ظلاله الباهتة من الأذناب، اليوم هي تعتاش من النهب والسرقة والتهريب، الشعوب الإيرانية تجد في الإجابة على تطلعاتها بالقمع من الحرس الثوري والبسيج وأصناف من القوى القمعية، حتى يمكن القول تماماً أن هذا النظام لن يبات ليلة واحدة لولا القمع ... بل والافراط في القمع، لهذا تتظاهر الناس، وتنتفض، وتثور، وتقيم الدولة حفلات الإعدام في الشوارع والساحات بوسائل وحشية (بواسطة الرافعات)، بهد كسر عيون الناس ... ولكن هذا النظام الذي أنهى نظام الشاه لم يستفد من تجربة نظام الشاه حين أعتمد على القوى الأمنية، وعلى زعران وسرسرية الزورخات والمدلكين والمصارعين، كذلك يعتمد اليوم نظام الملالي على سقاطة الناس من السذج والعاطلين عن العمل الذي يعتاشون من رواتب هي في القواقع رشوة وثمن استزلام لا أكثر. وكأن هذه قد أصبحت من تقاليد السياسة الإيرانية، وانتقلت إلى أذنابهم في البلدان المحيطة، لا يستطيعون الاعتماد على مثقفين والكوادر وأخيار المجتمع.

 

 الشعب يدرك تمام الإدراك أن هذا النظام لم يحقق شيئاً بعد 41 سنة عجاف، وإذا كان ثمة شيئ يلوح في الأفق، فهو مزيد من القمع، ومزيد من الإرهاب، ومزيد من المغامرات، لهذا فهناك فراق بين الشعب والنظام، ولهذا يطوف النظام فوق بحيرة من الاختراقات، التي تقرر متى وأين وكيف توجه الضربات للنظام، لأن النظام يبحث عن مستقبله في بيروت ودمشق وبغداد واليمن ...ولكن حصاد هذه السياسة هي المزيد من الجثث والنكسات، والنظام لا يريد أن يقتنع أنهم مرفوضون، ولعبة المصالح الدولية باتت معروفة حتى التفاصيل  ..!

تكتب صحيفة وول ستريت جورنال (The Wall Street Journal ) وهي صحيفة واسعة الانتشار (تبيع نحو 3 مليين نسخة يوميا) تصدر في نيويورك. الصحيفة قالت إن : اغتيال فخري زاده يعكس تغلغل الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية داخل إيران على الرغم من هوس نظام طهران باتهام المدنيين الأجانب بالتجسس. وتعكس ضعف القبضة الأمنية داخل إيران وسهولة تجنيد الجواسيس لصالح أجهزة المخابرات الأجنبية، والعمليات الاستخباراتية المتزايدة في إيران تدل على سهولة تجنيد الجواسيس لصالح أجهزة المخابرات الأجنبية، وهو ما سهله الاحتقان الداخلي المتزايد خاصة بعد قمع احتجاجات العام الماضي. ومؤشر على ضعف الأمن الداخلي وخطر حدوث اضطرابات داخلية بسبب معاناة الشعب اقتصادياً واجتماعياً وهذه كلها عوامل تزيد من صعوبة استمرار نظام طهران في دعم أذرعه العسكرية في المنطقة، وتكشف أن الهيكل العملياتي الإسرائيلي في إيران متطور للغاية، ويعتمد على معلومات دقيقة.

الأبعاد السياسية، بالإضافة للقدرات تمثل الدروس المستفادة. ولكني أستبعد أن يستفيد النظام الإيراني من جوهر الحدث وأبعاده لأن الطريق الذي يمضي فيه بعيد عن أحتمال التراجع ...!

 

 

هل نحن أقل

وعيا من الآذريين ...؟

 

ضرغام الدباغ

لم يجد الآذريون في معركتهم المصيرية على الأرض والوجود ... إلى جانبهم جارهم المسلم (إيران) الذي ينتمي لنفس طائفتهم والذي يرفع شعارات شيعية صرفة (وإن كانت مشحونة بغايات وأهداف سياسية) ويدعي الغيرة على الشيعة في كل مكان، إيران التي من صلب أهدافها تلك التي تلزم المسلم الشيعي أن يقف وراء إيران وسياستها وأهدافها وإن كانت غير أهدافهم، بل لم تلتزم إيران حتى الحياد (كأضعف الإيمان) بل عبرت إيران وجسدت موقفها الديني / السياسي بالوقوف إلى جانب العدو .. بالمال والسلاح ..! ولم يجد الآذريون إلا في الأتراك البعيدين الحليف المخلص الذي قاتل إلى جانبهم بالمال والسلاح..!  أما الدولة الإسلامية الشيعية فوجدت مصالحها مع الدولة الأرمنية الاثودوكسية ...!

بعض الناس اأستغربوا الموقف، ولكن للمراقب والمحلل المادي الموضوعي ، الأمر بديهي ..فأساس وجذر المواقف الإيرانية لا علاقة لها بالدين إلا بالقدر الذي يخدع البسطاء من الناس ويدفعهم لتفليق الألغام ...!

كيف نفسر هذا الموقف ..؟

الثورات هي عملية تاريخية، وقضية وعي بالدرجة الأولى تمارسه الجماهير الشعبية، ولا أقصد هنا النخب المثقفة وهي عملية تستلزم وقتاً وجهداً ومستحقات اجتماعية / اقتصادية، لكي تكتشف الملايين أين تكمن مصلحتها ..؟ وفي العراق تطلب ذلك نحو 18 عاماً ...! وأظن أن الرأي العام في العراق بات مستوعبا لهذه الحقيقة، وأن الأمر برمته هو " دعني أحتل لك وطنك " بزعم مشكوك به أن الحسين بن علي (رض) قد تزوج سبية فارسية من سبايا الحروب ...!

ومن سوء الحظ أن يجد بعضنا أن هذا سبب كاف ليسمح بإيران تحلم وتمارس أحلامها برؤوسنا وعلى حسابنا ... ولكن الآن دخلنا مرحلة جديدة من مواجهة الذات وهي مرحلة حاسمة ... أدرك العراقيون تفاصيل المشروع وأدواته ...

 

 

 

الأحداث تحرق أوراق إيران

ضرغام الدباغ

 

ستُبْدي لكَ الأيامُ ما كنتَ جاهلاً    *   ويأتيكَ بالأخبارِ من لم تزوِّدِ

 

أعتقد أن هذه الأبيات للشاعر طرفة بن العبد، (وهو عصر الجاهلية أحد شعراء المعلقات السبعة نحو 500 ميلادية) وفيها مغزى كبير وعمق رؤية وصبر العالم على من لا يعلم... فالأحداث المقبلة ستعلمه، البعض يكتشف الأمور بالفكر واستخدام الفلسفة، وآخرون من تجارب غيرهم، ولكن هناك من لا يصدق إلا الحدث الذي يقع أمام ناظريه ويلمسه بيده.

ربما أعتقد بعض الناس، أني أبالغ (كعادة شرقية أصيلة) في زعمي أن إيران منضوية  في إطار تحالف دولي، أستغرق التخطيط له وقتا طويلاً، وأتخذ تنفيذه صفحات متعددة، ساهمت فيه أطراف عديدة، على طريقة المشاريع الكبرى، مقاولون مباشرون كبار رئيسيون، ومقاولون ثانويون، وآخرون يحاطون علماً، لكي لا تتصادم الخطط أثناء التنفيذ. وفي القضية العراقية المقاولون الرئيسيون هم دائما (وفق هذا الترتيب): الولايات المتحدة، إيران، إسرائيل. كما اختلفت درجة المكاشفة بنوايا خطط التحالف الجوهرية، ولكني أعتقد لدرجة تقارب اليقين، أن الخطط المعدة حيال الشرق الأوسط (الأقطار العربية بدرجة خاصة)، كانت مطروحة وإن بشكل مبتسر على طاولة مفاوضات مؤتمر مالطا ـ 1991 (بوش / غورباتشوف)، وهي من أولى ثمار إنهاء الحرب الباردة وافتتاح المرحلة الجديدة في العلاقات الدولية. وقد أحيط الاتحاد السوفيتي (لاحقاً روسيا الاتحادية) أحيط علماً بأن الشرق الأوسط سيتعرض لتغير واسع النطاق، ولم يكن لا في قدرة السوفيت / الروس ولا بين رغباتهم، الوقوف ضد هذا المشروع، فهم كانوا يتطلعون بتفاؤل (مبالغ به)  إلى مرحلة تحالف جديدة مع الولايات المتحدة، يجري  فيها تقسم نفوذ ومصالح،  تنال فيه روسيا شيئا يكفي أن يشكل قاعدة نفوذ روسية جديدة للمرحلة المقبلة.

ولكن الأمريكان أعلنوا النصر في الحرب الباردة، وإن ليس بالضربة القاضية، ولكن بقبول السوفيت بفوز الإرادة الأمريكية وتفكيك منظومة هائلة تتألف من :

أولاً : البلدان الاشتراكية المنضوية في إطار حلف وارسو: الاتحاد السوفيتي، ألمانيا الديمقراطية، بولونيا، تشيكوسلوفاكيا، هنغاريا، بلغاريا، رومانيا، وبلدان التعاضد الاقتصادي ويسميها الغرب (الكوميكون) : الاتحاد السوفيتي، ألمانيا الديمقراطية، بولونيا، تشيكوسلوفاكيا، هنغاريا، بلغاريا، رومانيا وكوبا وفيثنام، ثم مالبث أن تفكك الاتحاد السوفيتي ذاته، وعمد الغرب إلى تفكيك يوغسلافيا، ثم إنهاء الحكم الاشتراكي في ألبانيا، وتفكيك تشيكوسلوفاكيا ....

ثانياً، إنهاء كل خبر عن الاشتراكية وما ينضوي تحتها من مفاهيم وسياسات وطنية، حتى غدا الحفاظ على القطاع العام مجازفة في البلدان النامية السائرة في طريق التطور اللارأسمالي، وهي بلدان ذات نهج وطني، عزمت الولايات المتحدة على إحداث تصفيات كبيرة بها، في النظام السياسي، وآفاقه الاجتماعية / الاقتصادية.

ثالثاً: تفكيك شبكة واسعة من المنظمات والتشكيلات السياسية / الاجتماعية المناهضة للرأسمالية في البلدان الرأسمالية نفسها. وفي العالم كمنظمات: السلم العالمي، الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي، اتحاد الطلاب العالمي. ... وغيرها ..... فالولايات المتحدة لم تكن لترضى بأقل من النصر الكامل.

وفي مطلع الثمانينات، في  ذلك الوقت المبكر، بعد سنتين لا أكثر من استيلاء الملالي على الحكم في إيران، كتب أحد أبرز المنظرين السوفيت البارزين أوليانوفسكي( Ulianowski) مقالة مهمة في مجلة السياسة الخارجية الألمانية (1981) ذكر فيها أن نظام الملالي لا يتجه إلى إحداث تحولات اجتماعية وليست هناك آفاق تدل على عزمهم إجراء تحولات (على الصعيد الاقتصادي / الاجتماعي (وهو جوهر أي نظام سياسي) بعد الثورة الإسلامية.

سرعان ما تبخرت آمال الذين اعتقدوا أن إيران ستصبح من قلاع الثورة العالمية ضد الإمبريالية .. والحق يقال أن من أعتقد ذلك كان وقع في شرك المبالغة والأوهام (Illusion)، من فرط التفاؤل والشعارات السطحية، فلماذا يقدم نظام ديني ثيوقراطي أكرليكي على تحويلات اجتماعية جوهرية ..؟ ، فأعتقاد كهذا يخالف المنطق، وفي الواقع تحول نظام الملالي إلى دور الحادلة التي تمهد للعمل والخطط الأمريكية. 

لقد أعتاد العرب على التعايش مع الوجود الفارسي / الإيراني، ولم يحدث قط في التاريخ القديم أو الوسيط أو الحديث، أن وقف الفرس إلى جانب العرب والإسلام، فالعقل السياسي الفارسي المسكون بالهواجس والمخاوف وإنتاج المشاكل (Troubelmaker) الميال للمناكفة وإيجاد نقاط التناقض بدل التعاون والعمل السلمي. والفرس وضعوا أنفسهم في خدمة الاستراتيجيات الغربية في تخادم يتواصل منذ العهد القاجاري، والصفوي والشاهنشاهي وصولاً إلى عهد الملالي، دون توقف، إذ وجد الغرب في إيران كابحاً يستخدم ضد الدولة العثمانية، وضد العرب المسلمين، وقاعدة للتحرك في كيانات أواسط آسيا، فمن جهة تمثل جدار الصد ضد التوغل السوفيتي، ومن جهة أخرى تخدم سياسات واستراتيجيات الغرب في الشرق الأوسط. وبالمقابل ضمن الغرب النظام الإيراني (وحدة البلاد والنظام). والأنظمة الإيرانية على اختلافها أدركت أهمية مكانتها للغرب، وهم يصيغون سياستهم الخارجية والداخلية انطلاقا من هذه الحقيقة.

فأقليم بلوجستان إذا تحرر فسيلتحق بباكستان وهذا ما لا ترغب به القوى الغربية، وأذربيجان إذا تحررت فسوف تنظم لدولة أذربيجان وتصبح كياناً مهماً وهذا حدث سيكون له تداعياته السياسية. والأحواز العربي ضم إلى إيران لكي لا يكون الخليج العربي بحيرة عربية، وتنظم إلى الأسرة العربية المنتجة للنفط. فالغرب حريص على إيران بقدر حرص الفرس على هذه الدولة المعبرة عن طموحات فارسية في إقامة كيان (لملوم) يخدم مصالحها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية عامة.

والغرب قدم لإيران عبر هذه العلاقة الملتوية ذات الخفايا الكثيرة، خدمات كبيرة. فحافظ على النظام الشاهنشاهي في أزمات كثيرة، كما أحبط مرات عديدة انفصال أقاليم أسست كيانات سياسية خاصة بها (جمهورية إيران الاشتراكية، جمهورية مهاباد، جمهورية أذربيجان الشعبية) كما ألحق الغرب دولة الأحواز العربية بالكيان الإيراني ليوفر له موارد اقتصادية. ولكن بالمقابل قدمت إيران خدمات كثيرة للغرب العلنية منها والسرية ، خدمات علنية في الكونغو، وعمان، وفي العراق وسورية ولبنان، هذا عدا الخدمات السرية الكثيرة، ولا يزال الكثير منها طي الكتمان، أو غير معلن رسمياً.

وفي صفقة التخادم الإيراني / الأمريكي ــ الإسرائيلي هذه، الملاحظة الأولى هي أن التحالف بين القوى المشاركة غير متكافئ، لذلك فالطرف الأقوى في التحالف (أقوى سياسيا واقتصاديا وعسكرياً) هو من يقود التحالف وبالطبع لمصلحته. والمهم بالنسبة للولايات المتحدة في قضايا الشرق الأوسط، هو الحفاظ على جوهر الاتفاقات، وفي حال الخروج عن نص وروح الاتفاق (وهذا وارد غالباً حتى بين أكثر الحلفاء حميمية) إذ يدور خلاف سري وعلني يمكن يتم تسوية الخلاف بطريقة لا تنطوي على خشونة ولا كسر عظم، وبما يبقي التحالف قائماً. ولكن الولايات المتحدة تحملت الكثير من إيران الكثير من الفظاظة والوقاحة (مع العلم أن الحملات الإعلامية وسيل الشتائم والسباب، بين الأطراف المتحالفة لا تمثل موقفا رسمياً، فالدول تتعامل فقط عبر القنوات الرسمية عبر المذكرات الرسمية) والغرب عموماً لا تزعجه هذه التهجمات .. لأنها لا تعبر عن شيئ مهم...!

 

ولكن ماذا فعلت إيران لتنال هذه المكافئات ..؟

وهذا تساؤل جوهري ومهم. فالولايات المتحدة قاتلت بضراوة وخسرت الكثير من الأفراد والعتاد، عدا سمعتها ومكانتها، ولكنها سلمت فوزها ونتائجه على طبق من ذهب لإيران .... لماذا ...؟ الولايات المتحدة لا تقدم حتى المواقف السياسية مجانا ناهيك عن الخدمات، فكل شيئ له ثمن، وهي تفعل كل شيئ بثمن حتى مع أقرب المقربين من الحلفاء من الأوربيين. إذن لا شيئ مجاني .. وحتى لإسرائيل التي تتكفل الولايات المتحدة رسمياً حماية أمنها ووجودها، وتتلقى ما تسمى " بالمساعدات " وهي ليست مجانية خالصة، بل هي مقابل أن تلعب دورها كقاعدة أمريكية (كحاملة طائرات كبيرة) تؤدي أغراضا سياسية وعسكرية استراتيجية. ولكن الأمر يختلف نوعا ما في التحالف مع إيران، فوجود الدولة " الإيرانية " ضروري ومهم للولايات المتحدة على أصعدة كثيرة، مهم لمواجهة مساعي التوسع السوفيتي (الروسي اليوم)، وحيال تركيا ومساعي الوحدة التركية (رابطة الدول والشعوب التركية)، ومهم لتلعب دور اللغم في العالم الإسلامي، ومهم لمنطقة الخليج، ومهم حيال المساعي العربية في الشرق الأوسط.

أمريكا لم تقاتل قط من أجل إسرائيل، ولكنها قاتلت من أجل إيران، وضمان مكاسب لا تستحقها... مالسر في هذه العلاقة الغريبة ...؟

رغم تلك الخلافات التي يمكن أن تنشب بين أكثر الحلفاء حميمية (كالولايات المتحدة وبريطانيا مثلاً) والإيرانيون (الفرس) ليسوا ممن  يتصفون بالمهارة والحذاقة، فهم يرزحون تحت ضغوط داخلية وخارجية عديدة، وميلهم لإبداء الغطرسة، وهوسهم لأن يكونوا قوة إقليمية، هم لا يمتلكون مقوماتها السياسية والاقتصادية والثقافية، وبذلك يظهرون كحليف غير مأمون (موثوق) الجانب، ميال للعب خارج الخطة (النص).

وفي رؤية تحليلية وتنبؤية (Prediction) للمستقبل، لا نرجح أن إيران ككيان سياسي جامع لعدة اثنيات، وديانات وطوائف، سيتواصل لعقود طويلة قادمة،  وإيران كيان سياسي حديث (1923) قد واجه الكثير من العواصف خلال القرن الذي يوشك أن يمضي على تأسيسها. نعم لعب النظام الإيراني حتى الآن دور الإطار الذي يتولى جمع هذه الكيانات تلبية لضرورات استراتيجية / سياسية، ولكن قيمة إيران الاستراتيجية هذه سوف تتضاءل، أو تهبط بدرجة لا تعود عنصراً أساسياً في السياسات الغربية، بفعل عوامل داخلية في مقدمتها فشل السياسة الإيرانية أن تكون الدولة الإيرانية كياناً سياسياً لكافة المواطنين الإيرانيين بدرجة واحدة، وانهيار السياسة الخارجية بسبب افتقارها الشديد إلى معطيات ومستلزمات العمل الخارجي السياسي والاقتصادي والثقافي كعوامل خارجية، وتناقضات كثيرة لدرجة الاصطدام مع قوى كثيرة في المنطقة، وسوف تتأثر بنتائج وأبعاد وتطورات الصراع الآذري / الأرميني ونتائجه، تطورات النزاع العربي / الإسرائيلي، ومسارات جديدة للقضية الفلسطينية، والتطور المهم في مكانة تركيا السياسية والاقتصادية والاستراتيجية.  التطورات السياسية المقبلة في لبنان وسورية والعراق لا تمنح إيران مكانة مهمة، لذلك سيزداد عبأها على صانعي السياسة الغربية في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية.

بتقديرنا هناك مرحلة مهمة في العلاقات الدولية تظهر ملامحها وهي غير تلك التي كانت سائدة على مسرح العلاقات الدولية في القرن العشرين، فهناك قوى جديدة تبرز، وأخرى يتضاءل دورها، ويتراجع تأثيرها، وأن القوى الجديدة سيكون لها وزنها ولمواقفها قيمة سياسية والشرق الأوسط مقبل على تغيرات كبيرة ستقلص من دور إيران كمحرك أو كمؤثر في الأحداث.

 

 

ما جرى للعراق في

 مسرحية من فصل واحد

 

ضرغام الدباغ

ألم تقرأ أبدا مسرحية من فصل واحد ...

كتب لكم حسين الطائي …..  وليد الهندي مشكورين هذه المسرحية ذات الفصل الواحد (في ذكرى رحيل الدكتور أحمد الچلبي) هذه مسرحية رائعة من فصل واحد، يختلط فيها الكوميدي بالتراجيدي ... ووضعت الكل في صيغة سوريالية .... بدون مبالغة أنها من أجمل النصوص التي قرأت بما حل بالوطن العزيز على أيدي أنصاف متعلمين، خونة يعلمون ماذا يفعلون، .. شذاذ آفاق ... .. إمعات ... وسرسرية صايعين في البارات والجايخانات ....وجهلة لا يعلمون ما يفعلون ... مأساة ملهاة ... تحالف بين هتلية هذا الزمان ... عاشت أيد الكاتب فقد تمكن بجهد قليل، ولكن بعمق كبير أن يعرض على مسرح الفيسبوك ... ما حدث ... وهول ما حدث ... حين وجد أعداء العراق بضعة معتوهين .. ومعقدين .. ومعوقين .. وحرامية ... وسلموهم مفتاح القاصة ...... على حسب المثل البغدادي .... أودع البزون شحمة ....! هذه المسخرة تستحق أن نجتهد بتصويرها شعرياً وفنياً ومسرحياً ......أسمح لي أخي الكريم أن أستخدم هذا النص ودائما مع الإشارة إلى الذكاء الفني لحضرتكم ... مع خالص تقديري.

 

ضرغام الدباغ

النص ....

"" وقف احمد الچلبي على منصة ساحة احتفال محافظة ذي قار بعد سقوط نظام (صدام) مخاطبا الجموع الجماهيرية :

 

" اليوم انتهى عصر الظلم والظلام اليوم انتهى صدام وحكم البعثية، فهلموا لبناء عراق مدني متحضر بلا خوف ولا عسكرة ولا حروب واحذروا أن يخدعونكم بأسم الدين فهناك من سيقول لكم دوله إسلامية وسيخدعونكم مثل هدام " .

وكانت ابنته بجنبه تنظر إلى الجموع الغفيرة المتهرئة الملابس، والوجوه الشاحبة التي لاح عليها التعب والمرض .. مرتدية بنطال وقميص وشعرها الطويل يتدلى على كتفيها ...

 

فانبرى له احد الحضور يرتدي (دشداشه وصخه وغتره مزرفه) قائلا :

وهاي بنتك شنو لابسه ؟

 

فهتف الجميع لا شرقية  ولا غربية نريد دوله أسلاميه

فامر الچلبي ابنته بالرجوع إلى المبنى ..

وتكلم الجلبي بصوت عال قائلا :

 

الا تريدون الحياة والتغيير والرخاء والمدنية الم تتعبوا من الحروب فصاح احدهم :

وين ثار الصدر وينه ؟ ضيّعوا دمه علينه ...

ولطم الجميع بحرارة .

وصاح آخر :

نعم نعم للحكيم فهتف الجميع : وينه الحاربك وينه .... صدام النذل وينه ؟ ..

وصرخ احدهم تاج تاج على الراس ... سيد علي السيستاني ..

الجلبي ابتسم هادئا ودخل الى المبنى ..

 

وخرج معمما اشقر هو السيد (علي العلاق) فهتف الجميع :

 

واحسيناه.. واحسيناه ..

 

وتجمعوا حول العلاق كأنه (نبي)

وتكلم بزهو عن حب الحسين .. وذكر شهداء من المراجع والناس تلطم طبعا ... وهتف ابو دشداشه المزرفه :

 

ماكو ولي الا علي ونريد حاكم جعفري .. ويالثارات الحسين

 

والكل يهتف مرددا ما قال ...

 

وخرج احمد الجلبي مبتسما قائلا :

اذهبوا لدياركم امنين لا بعث بعد اليوم ولا توغلوا بالدماء والثارات وانتظروا تاسيس الدولة وعودة الدوائر الخدمية ونظفوا شوارعكم واهتموا بمدينتكم وانتظروا الخير بعون الله ......

فهتف ابو دشداشه المزرفه : دوله دولة اسلامية .. دولة دولة إسلامية ..

 

فهز الجلبي يديه وانسحب وانسحبت الجموع ...

 

يا ترى اين هذا الرجل ابو دشداشة مزرفه الان، هل شبع من الدولة الاسلامية، هل حقق شعار: هيهات منا الذله!!

ام بقي متمسكا بالذله ؟

سلاباتك ياوطن ....  ""

أنتهى النص .....  وا أسفاه عليك يا عراق ....!

 

 

الانتخابات الأميركية

وتداعياتها في أوربا

ضرغام الدباغ

تهتم ألمانيا وعموم أوربا، بل والعالم بأسره بالانتخابات الأمريكية ونتائجها، رغم أن النتائج سوف لن تكون حاسمة بتقديري، ودليلي على ذلك، أن لا شيئ جوهري يتغير في السياسة الأمريكية الداخلية منها والخارجية كنتيجة مباشرة للانتخابات، وإذا كان ثمة تغير سيحدث، فذلك ليس بسبب تغير الأسم (أسم الرئيس)، ولا سياسة الحزب الحاكم (الجمهوري أو الديمقراطي)، والتاريخ الأمريكي يؤكد ما نذهب إليه في هذا التقييم.

وإذا كان ثمة تغير سيحدث، فذلك سيكون نتيجة مباشرة وغير مباشرة، لمجمل التطورات السياسية الداخلية والخارجية على الصعيد الاقتصادي بالدرجة الأولى، وحسابات المعطيات الهامة على مسرح السياسة الدولية.

يتبادل الجمهوريون والديمقراطيون الحكم بشكل متوال منذ عام 1853 (16 عاماً7 عام)، ولم يشذ عن القاعدة منذ انتخاب الرئيس الأول، سوى عشرة رؤساء (الرئيس الأول جورج واشنطن:  1789 /  1797).  يمثلون :

رئيس مستقل (الرئيس الأول).

     1. رئيس من الحزب الفيدرالي.

     4. رئيس من الحزب اليميني.

     4. رئيس من الحزب الجمهوري الديمقراطي

     16. رئيس من الحزب الديمقراطي.

     19. رئيس من الحزب الجمهوري.

 

وغالباً يعاد انتخاب الرئيس لولاية ثانية إلا ما ندر (بسبب الوفاة أو الاغتيال، أو الاستقالة).

وقانون انتخاب الرئيس الأمريكي معقد بدرجة قد لا يفهمه المواطن الأمريكي العادي، وأما الترشيح لمنصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية فمعقد غاية التعقيد، يمر بمراحل عديدة أبتداء من طرح أسمه كمحتمل للترشيح من قبل دوائر سياسية / أمنية ذات قيمة اعتبارية عالية، ومراقبة ردود الأفعال على طرح أسمه، ويتم تداول الأسماء المقترحة سراً، ثم تبرز للعلن، وتجري مراقبة دقيقة لردود الأفعال وأصداء الترشيح، وتجمع المعلومات التفصيلية عنه وعن انحداره العرقي والديني والعائلي الشخصي.

وهناك عرف (قاعدة متعارف عليها) أن لا يصل إلى منصب الرئيس إلا من فئة واسب (WASP) وهي اختصار لكلمات : أبيض، أنكلو سكسون، بروتستنانت. وقد نفذ هذا العرف في تاريخ الولايات المتحدة الانتخابي طيلة 167 عاماً، وقد خرقت هذه القاعدة مرتين: الأولى في ولاية الرئيس الأمريكي الرابع والأربعون الكاثوليكي جون كندي الذي اغتيل في 22 / تشرين الثاني / نوفمبر / 1963. وفي ولاية الرئيس السادس والخمسون بارك أوباما، الذي ينحدر من أب أفريقي (كينيا) وأم أمريكية بيضاء.

وبتقديري (وقد تخصصت بدراسة الولايات المتحدة واستراتيجياتها) أن السياسة الأمريكية تنبع من المصالح الأمريكية، والرئيس الأمريكي مطبق لها ومنفذها، ولكن ليس هو من يضع حدودها القصوى والدنيا، فهذه ترسم بدقة تامة من قبل جهات متعددة، ويعهد بتنفيذها إلى جهات متعددة على رأسها الرئيس الذي يمثل المصالح الأمريكية، وكل هذه يحددها الدستور والتقاليد التي ترسخت عبر ممارسات 167 عاماً، لذلك لست ممن يميلون لإلقاء تبعة هذا الفعل وتلك السياسة على ولاية رئيس بعينه. ومن ذلك السياسة الأمريكية حيال أوربا التي يتبرم منها الأوربيون، بتقديري هي ليست من ابتكار الرئيس ترامب، فجذور الأزمة بين ضفتي الأطلسي (الولايات المتحدة / أوربا) موجودة وقديمة، وسياسة القيادة من الخلف (Drive behind)، كانت قد أقرت منذ عهد أوباما، الحفاظ على نقاط أرتكاز، ولكن " لندع الأوربيين يقومون بواجبهم في الحفاظ على أوربا  والشرق الأوسط كخاصرة الأتحاد الأوربي " .

وقد احتدمت واشتدت العلاقات والنقاشات منذ عهد الرئيس أوباما، وأصبحت تمثل أزمة ناضجة للانفجار (وقد كتبنا في المركز العربي الألماني عدة تقارير بهذا الصدد)، ومن المحتمل كان اختيار دونالد ترامب كشخصية تصادمية، مناسبة لحل الأزمات المتراكمة للولايات المتحدة، فمثل ترامب البلدوزر المطلوب، وبتقديري أن هذه السياسة الأمريكية سوف تتواصل، سواء على يد ترامب أو على يد بايدن، بنعومة أو خشونة وبهذا المستوى أو ذاك فذلك ما  تقرره دوائر الأمن القومي والمخابرات الأمريكية (CIA) والبنتاغون والخارجية.

اليوم والولايات المتحدة مقبلة على الانتخابات الرئاسية، ما هي مستحقات العلاقات الأمريكية ــ الأوربية .. لقد تصاعدت قائمة المطالب الأوربية حيال ما تظهره الولايات المتحدة للسياسات الأوربية، ولكن أبرز نقاط الخلاف (وهي غير بسيطة) :

ــ الخلاف حول التخصيصات العسكرية في إطار تحالف الناتو.

ــ الخلاف حول الاتفاق النووي مع إيران.

ــ البيئة.

ــ المهاجرون واللاجئون.

ــ مشروع خط أنابيب "نوردستريم "

ــ قلق أوروبا على حرية التجارة.

ــ قلق صناع السيارات الأوربية والتحذير من حرب تجارية مع واشنطن.

ــ فشل قمة مجموعة السبع، فشل الحلول التوافقية.

 

 

ولا تخفي أوربا رغبتها العارمة من انتصار المرشح جو بايدن على ترامب، على أنل أن يكون هناك تخفيفاً وتنفيسا للاحتقان الخفي في العلاقات. وقد عبرت أمنيات الأوربيين بموقفهم من المناظرتان بين المرشحان وكما يلي :

في افتتاح المناظرة التي أقيمت قبل 12 يوماً على الانتخابات، هاجم بايدن الرئيس الأمريكي بشأن إدارته للأزمة الناجمة عن وباء كوفيد-19 قائلاً إن: "شخصاً مسؤولاً عن هذا العدد الكبير من الوفيات يجب ألا يكون قادراً على البقاء رئيساً للولايات المتحدة". وتوقّع بايدن أن تواجه البلاد "شتاء قاتماً" بسبب الجائحة التي حصدت لغاية اليوم حياة أكثر من 222 ألف شخص في الولايات المتّحدة.

 

العنصرية: وفي تبادل ناري للحديث حول التمييز العرقي، قال جو بايدن إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "يصب الوقود على كل حريق عنصري"وقال ترامب عندما سئل عن الاحتجاجات المتعلقة بالعدالة الجنائية في الولايات المتحدة: "أنا أقل شخص عنصري في هذه الغرفة". ورد بايدن قائلاً إن ترامب من بين "أكثر الرؤساء عنصرية في التاريخ الحديث".

 

الهجرة ...هاجم المرشح الديموقراطي خصمه بشأن الهجرة، متهماً إياه بانتهاج سياسة "إجرامية" حيال المهاجرين من الأطفال. وكانت منظمة حقوقية ووثائق قضائية كشفت أنّ السلطات الأمريكية فشلت في تحديد أماكن ذوي 545 طفلاً مهاجراً فصلوا عن عائلاتهم عند الحدود الأميركية بموجب سياسات الهجرة المتشدّدة التي بدأت إدارة ترامب بتطبيقها في أيار/مايو 2018. وقال بايدن: "هؤلاء الأطفال لوحدهم، ليس لديهم أي مكان يذهبون إليه (...) هذا سلوك إجرامي".

 

جائحة كورونا... ألمح الرئيس ترامب إلى أن الولايات المتحدة تجاوزت المحنة الأكبر في وباء كورونا، وهذا غير صحيح. فالأرقام الرسمية تبين للمرة الثالثة تزايدا كبيرا في عدد الإصابات الجديدة: فيوم الخميس (22 تشرين الأول/ أكتوبر 2020) أي في يوم المناظرة سجلت مؤسسة الصحة الأمريكية عن أكثر من 65 ألف إصابة بعدوى فيروس كورونا.

 

التأمين الصحي ... جو بايدن لا يخطط لإلغاء التأمين الخاص. فمخطط بايدن للتأمين الصحي من شأنه إيجاد إمكانية لألئك الذين يريدون الحصول على التأمين العام. ومن يرغب في الحفاظ على تأمينه الخاص، يمكنه فعل ذلكوفي عام 2018 كان نحو 218 مليون شخص في الولايات المتحدة الأمريكية لديهم تأمين صحي خاص، فيما كان 111 مليون شخص لديهم تأمين عام.

ثم يخشى الأوربيون أن تتواصل سياسة اليمين في الولايات المتحدة، وانتقال العدوى الموجودة أصلا في بيئة غير خامدة في أوربا، فتنال جرعة منعشة منشطة. ولسان حال الإدارة الأمريكية يقول للأوربيين، ها أنتم لا تعرفون تصريف أزماتكم بدون الرعاية الأوربية، ولا شك أن محاول أوربا أن تلعب دوراً كبيرا في الأزمات الأوربية وفي حوضها، سيكلف الكثير جدا من الجهد والنفقات، وربما الصراعات العسكرية التي إذا ما اندلعت فسيحرق لهيبها امكانات وقدرات وأوربا ليست في وضع اقتصادي مريح للقيام بمناورات مكلفة ... فمشكلة الديون الأوربية لم تتعافى منها دول الاتحاد الأوربي، كما أن وضع كورونا أضاف للمشكلة مفردات أخرى ... ناهيك عن ملامح أزمة اقتصادية عالمية، ستكون أجواء التوتر تصعيداً

وبرأي الأوربيين أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد  ألحق الكثير من الضرر بالعلاقات مع حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية. وبقاؤه أربع سنوات إضافية سيكون بمثابة كابوس بالنسبة إلى الكثيرين من الساسة في الاتحاد الأوروبي.

أما في حال فرض جو بايدن نفسه في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، فستكون هناك آمال بالنسبة للعلاقات بين ضفتي الأطلسي. ولكن ليس هناك أحد بهذه السذاجة ليعتقد أنه ستحصل عودة إلى وقت ما قبل ترامب. لكن الأمل يسود في أن الأمور قد تتحسن، كما يقول مدير مركز الدراسات الأوروبية في بروكسل.

وإذا لم ينجح مرشح الديمقراطيين في الحل محل الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض، فإن الخبراء الأوربيون يخشون أن تسوء العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي أكثر. "ربما سيعمل في فترة حكم ثانية على ممارسة مزيد من الضغط على أوروبا أكثر من الفترة الأولى. لقد وصف أوروبا كشر أكبر من فاعلين آخرين في العالم. وهذا ما قاله علنا علما بأنه قال الكثير في السنوات الأربع الأخيرة ".

وستكون العلاقات موضع شد وجذب، فكلا الطرفان : الولايات المتحدة وأوربا، يحتاج كل منهما الآخر، فالولايات المتحدة تحتاج أوربا في مواجهاتها مع الصين وروسيا.

رئيس مثل جو بايدن لن يفعل كل شيء بطريقة مختلفة، كما يعتقد الخبراء الأوربيون، لكن يمكن الانطلاق من أنه سيعتمد على الحلفاء التقليديين وسيستمع إليهم ويبحث عن جوانب مشتركة، "سيان من يفوز في نوفمبر/ تشرين الثاني، وجب علينا الاستثمار في التعاون. لدينا مجال تحرك في بعض الموضوعات مثل إصلاح منظمة التجارة العالمية. هنا يمكن لنا عزف نفس النغمة".

في دراسة أجراها في الصيف "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية" في بروكسل، قيل إن الأوروبيين فقدوا الثقة في الحليف الوثيق سابقا الولايات المتحدة الأمريكية. ولاسيما "التدبير الفوضوي لوباء كورونا من طرف الرئيس ترامب ساهم في أجواء قاتمة".

وينطلق الباحثون في المجلس الأوروبي من أن الفائز الانتخابي جو بايدن سيبحث عن التقارب مع الأوروبيين. وهم يتوقعون أن تنضم الولايات المتحدة  مجددا لاتفاقية باريس لحماية المناخ ومنظمة الصحة العالمية. وحكومة تحت بايدن ستعمل على تقوية الناتو كحلف حتى ولو أن الديمقراطيين مثل الجمهوريين يضغطون لرفع ميزانيات الدفاع الأوروبية. وسبق للرئيس باراك أوباما والكثير من أسلافه أن طالبوا بنفقات عسكرية أكبر. وفي حال انتخاب ترامب لفترة حكم ثانية، يتنبأ مستشاره الأمني السابق جون بولتون بأنه يجب على الناتو أن يتهيأ لما هو أسوء. فحسب بولتون هدد ترامب حتى بانسحاب من الناتو، ما سيعني نهاية الحلف.

وعلى إثر ذلك أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن الناتو يعاني من "موت دماغي" وعبر عن طلبات للحصول على "سيادة أوروبية" أكبر. وحتى زعماء حكومات آخرين في الاتحاد الأوروبي يرون دورا جيوستراتيجيا أكبر للاتحاد الأوروبي في علاقته مع الولايات المتحدة الأمريكية، على خلاف دونالد ترامب. فرئيسة المفوضية الأوروبية، أورزولا فون دير لاين تتمنى خصوصا عودة إلى نظام مبني على قواعد. "الحقيقة هي أن إصلاح النظام المتعدد الأطراف بات ملحا أكثر من ذي قبل، فنظامنا العالمي يعاني من شلل متسلل". وتفيد فون دير لاين أن قوى كبيرة تنسحب من مؤسسات دولية أو "تأخذها رهينة لمصالحها الذاتية".

والأمل السائد في بروكسل هو أن تتحقق هذه الأشياء مع رئيس مثل جو بايدن. لكن يحذر الخبراء الأوربيون من أوهام. فالموقف الناعم الذي عاملت به أوروبا إلى حد ما الصين حتى الآن لن يروق لرئيس ديمقراطي. "قد يتمثل أحد التحديات في أن تتعاون حكومة بايدن الجديدة في موضوعات دولية في حماية المناخ وفي منظمة التجارة العالمية، لكنها ستطلب في المقابل من أوروبا أن يكون لها ظهور أقوى تجاه الصين". وحتى مع بايدن في سدة السلطة قد تطالب الولايات المتحدة بتحمل فرض عقوبات، مثلا على شركة هواوي للتكنولوجيا دون نقاش والقيام برد على استفزازات عسكرية في بحر الصين الجنوبي.

وبعد الانتخابات يعتزم الأوروبيون، كيفما كان الرئيس الأمريكي، التحدث عن العلاقات التجارية. ومازال يسود تهديد ترامب الرامي إلى فرض رسوم جمركية عالية على السيارات وبضائع أخرى عبر الأطلسي. ولقد اتفق في يوليو/ تموز 2018 مع الرئيس السابق للمفوضية الأوروبية جان كلود يونكر على نوع من وقف إطلاق النار، لكن النزاع يبقى بدون حل. وحينها أشاد دونالد ترامب بشكل مفاجئ بالاتحاد الأوروبي كأكبر شريك تجاري للولايات المتحدة. وفي الحملة الانتخابية لم يلعب الموضوع أي دور لدى ترامب ولا بايدن.

وتأمل غالبية رؤساء حكومات ودول الاتحاد الأوروبي في فوز جو بايدن كرجل ليبرالي ليس له شحناء في خطابه. فالعلاقة بين المستشارة أنغيلا ميركل والرئيس دونالد ترامب لم تكن ودية. وبولندا ودول أوروبية شرقية أخرى لها حكومات شعبوية كانت لها علاقة أفضل مع ترامب.

وفي النهاية سيقف الاتحاد الأوروبي في صف واحد لتمثيل مصالحه تجاه الولايات المتحدة بصرف النظر عمن من الرجلين سيجلس في المكتب البيضاوي، كما يعتبر أحد الخبراء.

 

 

التطرف

 

ضرغام الدباغ

 

يلحظ كل ذي بصر وبصيرة، كما نسمع تذمراً وشكاوى، عن أفعالا تنم عن التطرف والغلو. وهذه أفعال هي في الكثير منها مؤشر إلى بلوغ الحلم حده، والصبر منتهاه، ولكن في أغلبها هي فكر أنغلق على مرتكزاته الخاصة به، وأدار ظهره لحقائق كثيرة، فأبتعد عن الطريق العام، ودخل في متاهات الطرق الفرعية، ودهاليزها، وراح الغلو يستدعي غلواً أبعد وأعمق، والتطرف يتبعه تطرف مقابل في عملية تشبه سباق التسلح، ويثير ردود أفعال، أمر لا نهاية سلمية له على الأرجح، فالتطرف (Extremism) هو نتاج فكر أنغلق، وعين باتت لا ترى إلا مقترباتها القريبة منها جداً، وفي الحالاات القصوى لا يرى إلا ما تحت قدميه ..! ولا يعود يتقبل حتى المقربين له في الأمس القريب. ويستثير التطرف عاصفة الغلو من حوله ، وفي ذروته، يصبح خطراً يهدد الآخرين ليس في أمور معيشتهم وأفكارهم، بل وفي وجودهم أيضاً.

وهنا تظهر أمامنا مجموعة من القواعد الفقهية : القانونية والسياسية والاجتماعية لا جدال في علميتها.

ــ الزيادة كالنقصان : قاعدة فقهية قانونية. فالإفاضة في الأمر والمبالغة فيه يقود إلى خلل يخرجه عن طوره ويخلق إشكالات يصعب علاجها. فحبة من علاج قد تكون منقذة، ولكن حبة ونصف قد تكون مميتة ... !

ــ لكل فعل رد فعل يعادله في القوة ويعاكسه في الاتجاه : قاعدة علمية دقيقة، فمن يريد أمراً معيناً يراه مشروعاً، ولكنه لا يستطيع أن يمنع ردود الفعل المعاكسة.

ــ كل زيادة في الكمية تؤدي إلى تغير في النوعية : قاعدة علمية تشير إلى أن في كل تطرف، خروج يبدو مستحب لفاعليه، ولكنه يغير من طبع الأشياء ويمنحها أبعاد جديدة.

ــ المبالغة في الأدب السياسي صفة يذهب إليها بعض الناس لغرض تثبيت مؤكد لأمر يريده، ولكنه بقصد مباشر أو غير مباشر يضيف مزايا هو يراها طبيعية، ولكنها موضوعياً تغير من صفة الأشياء وطبيعتها، فيسيئ إلى الفكرة وإلى الهدف الذي يريد تحقيقه.

وقد شهدت الحياة السياسية العربية الإسلامية على مر عصورها، التطرف وعانت منها، وقادت إلى مشاحنات ابتعدت كثيراً عن نقطة الخلاف الأولى، حتى اتخذت لنفسها مسميات ونواميس وأساليب عمل، فأضحت بذلك مشكلة جديدة تضاف فوق تراكم المشكلة الأصلية.

وقد لاحظنا عبر دراستنا للتاريخ السياسي العربي / الإسلامي، أن التطرف والغلو، كان السبب الأول والرئيسي في نهاية حركات سياسية كان دورها مهماً وكان مقدراً لها أن تكون أكثر أهمية لو أنها ابتعدت عن التطرف والغلو. سأقتصر في مقالتي بذكر ثلاثة منها فقط هي أشهر تلك الحركات السياسية، المعتزلة والخوارج، والقرامطة. فهذه حركات لاقت رواجاً كبيراً بين الناس، ذلك أن أفكارها كانت تهدف إلى إقامة العدل الاجتماعي، وهي شعارات لبشائر تهفو قلوب الناس إليها ويتلهفون لها.

والحركات الثلاث بلغت شأواً كبيراً في فضاءات السياسة العربية / الإسلامية، والمعتزلة في مقدمتها كتيار جذب المثقفين (بمقاييس تلك الأزمنة) من أدباء وشعراء وحتى رجال دين، إلا أنها تهاوت عندما باشرت العمل السياسي في زمن الخليفة العباسي المأمون، ثم عندما تحملت إساءات وأخطاء الدولة، قمعت معارضيها، وكانت فاتحة الانحدار، في تراجع لا يتوقف حتى انتهت أثراً بعد عين.

والخوارج كانوا أتقياء السياسة، وهم على نزاهتهم ونقاءهم استحقوا احترام حتى من خرجوا عليه، الخليفة الراشدي الرابع علي بن أبي طالب (رض) وكان يصلى على قتلاهم، ومنع الحديث عنهم بالسوء، ولكن منهج العدل والحق ما لبث أن وقع صريع آفة التطرف والغلو والتكفير بداع وبدون داع، ليقتلوا بفتاويهم حتى الأطفال الرضع من خصومهم. وما لبث أن وضع الأزارقة وهي الفرقة الأكثر تطرفاً الخاتمة لهذه الحركة بما ذهبوا إليه من مبالغة في الغلو والقسوة والدموية.

والقرامطة، الذين مثلوا أولى حركات المحرومين والفقراء في السياسة العربية / الإسلامية، ولكنهم ربطوا مصيرهم بفرقة دينية (الإسماعيلية)، وعلى أهمية المحتوى الديني للخطاب السياسي في ذلك الوقت، إلا أن ربط حركة القرامطة بفرقة الإسماعيلية بدا حتى في مقاييس ذلك الوقت تطرفاً وغلواً، ثم أن الصراعات السياسية على الأرض والنفوذ والكسب المالي أوقعهم في تناقضات وصراعات قادتهم إلى التطرف، ومن ذلك سلبهم للحجر الأسود من الكعبة، وممارستهم الابتزاز المالي والسياسي، ثم تنافسهم مع الفاطميين في مصر (مع أن كلاهما شيعة ومن الإسماعيلية) الذي تطور إلى تنافس انتهازي الطابع والمآل، ثم إلى صراع، ثم لحروب دموية، أخرجت الحركة من طبيعتها الاجتماعية، وأدخلتها صراعات حملت نهايتها لهذه الحركة.

وربما قائل يقول، إن العقل الشرقي مجبول بالعاطفة الجياشة، والمبالغة والتطرف. يحب ويتعاطف بشدة، ويكره ويخاصم بشدة، نعم هذا صحيح إلى حد بعيد، والحق يقال أن التطرف هو داء أصيبت به الكثير من الحركات في أصقاع العالم كله. والتطرف ليس حكراً على الشرق، بل هو مآل لا نستبعد منه مصير حركات سياسية ودينية عديدة في أوربا، ومن تلك التدهور والاضمحلال الذي أصاب حركة اللاسلطوية الذين عرفوا بأسم الفوضويين (Anarchist)، وهي تسمية لحقت بهم نتيجة لرفضهم أي سلطة ونظام،  والبيوريتانيون (Puritan)  لتعصبهم واتجاهات دينية أخرى.

اليوم يكتسح المنطقة العربية لهيب التطرف، بحيث تجيز أي جهة لنفسها أن تشكل بسهولة كياناً سياسياً تطلق عليه صفة (الجهادية) في تطرف يبدو كسباق محموم أشبه بسباق التسلح، والمبالغة في القسوة لأثبات القوة والسيطرة، وإثارة الرعب وإرغام الآخرين على قبول الأمر الواقع، وابتداع أساليب ومناهج ومقولات تجيز اضطهاد الغير، بتأويل خارج ما ينص عليه الكتاب (القرآن) والسنة. والتطرف يدفع لتطرف مماثل وفق القواعد العلمية للفعل ورد الفعل (مطلع المقال)، بل ربما يعتبره البعض دفاعاً عن الذات والوجود بأسلحة مماثلة.

وما دخول حركات سياسية إسلامية على خط النضال الوطني التحرري بأساليب غريبة باتت معروفة للجماهير الشعبية وبأهداف مشبوهة تتبع مسالك اعتدائية على حياة المواطنين، فتربك خطط الثورة وتحاول حرف مساراتها من ثورة وطنية / ديمقراطية الفحوى والمحتوى، إلى غرض بائس يتمثل بجر الجماهير الثائرة لأن تتناسى قضية الوطن المحتل المستباحة كرامته الوطنية وثرواته ومقدراته ومنجزاته، لأن تتناحر فيما بينها على أسس طائفية، بل ومارسوا القتل والتصفيات بطريقة عشوائية هي أقرب إلى جرائم الإبادة الجماعية.  بأساليب قتل متقدمة يرجح أن تكون جهات خارجية لهم فيها عوناً ومرشداً. ومن حيث المقاصد والأهداف النهائية لا نجد تبايناً جوهرياً بين الحركات الطائفية أي كان لونها، وإن اختلفت التكتيكات إلا أنها متحدة في الاستراتيجية، ومنبع هذه الحركات هي من خارج الوطن، وصياغتها في أدراج أجهزة الاستخبارات الأجنبية.

الطائفية وهي صنو التطرف بل منتج عنه، مرض وبيل يفتك بأعتى الدول والشعوب. ولا يتصدى لها إلا من يثبت ذلك قولاً وفعلاً. وبأسرع من المتوقع انكشفت أبعاد اللعبة سواء في العراق أو حيثما مدت خراطيمها النتنة، ونعترف أن ما رصد لإنجاحه كان كبيراً سواء لجهة التخطيط، أو رصد الامكانات، وتوزيع الأدوار، ولكن الخلل كان في التمثيل والإخراج، لذلك جاء الفشل مدوياً. وسيان من هي الجهة التي نصحت وخططت ونفذت، فالعملية كبيرة ومتعددة الأطراف، وهي حتماً على قدر كبير من الدراية بأوضاع المنطقة، ورغم أن الفكرة وضيعة، إلا أنها محكمة، ولكن من يتحدث عن الأخلاق هذا اليوم ...؟

الطائفي مريض نفسياً، ممتلئ بالأوهام والخرافات، والقوة هي لعبته المفضلة، يعوزه المنطق والحجة التاريخية فيسعى لتصحيح المعادلة بالقتل وإشاعة الإرهاب، والدم يطلب الدم، الفعل يقود إلى رد فعل، تهديد الوجود يؤدي إلى دفاع مقابل عن الوجود، المطاردة تستدعي ردود أفعال، ومن يتطرف سيجد سياسيون ووطنيون يترفعون عن الطائفية، ولكنه سيقابل أيضاً من هم غير ذلك، أناس يريدون الدفاع عن وجودهم، يرفضون أن يكونوا هوامش في أوطانهم، يدافعون عن استقلال بلادهم، ويرفضون الاحتلال تحت أي مسمى كان ...! ونتساءل أليس من الغريب أن يكون أكثر من يلجأ إلى القتل والتصفيات الدموية والمجازر هم من يتخذون الدين غطاء لتلك الجرائم، مع أن كافة الأديان والدين الإسلامي خاصة ينهى بصفة حازمة عن قتل البشر، ومن يعارض بالرأي والمذهب ...؟

ــ المتطرف في فعله المبالغ يريد أن يلفت الأبصار إليه، ولكنه سوف لن يخاطب العقول مطلقاً.
ــ المتطرف يبالغ في الانتقام والثأر، وفي ردة الفعل بما يخرج فعله عن الخطاب السياسي الرزين.

ــ المتطرف يصاب بقصر النظر فلا يرى سوى مصالحه، ويبالغ في منحها الشرعية، ولا شرعية لسواها.

ــ المتطرف مصاب بعمى الألوان، فتختلط عليه الرؤية بما لا يصح شرعاً وقانوناً وتقاليد وطنية.
ــ التطرف بأختصار آفة تلحق الضرر المميت بصاحبها أولاً، وسهم أفلت من يد مطلقه، فرد كان أو دولة، أو جهاز أستخباري ...!  كمشعل حريقاً ليس بوسعه إطفاؤه ..!

ــ ثبت اليوم بالأدلة المادية والعقلية، أن الأجهزة الاستخبارية لها اليد الطولى بتشكيل حركات متطرفة، مستفيدة من تطور العلم الاستخباري والالكتروني، تعمد إلى تشكيل منظمات لها ظاهر يختلف عن الجوهر، بهدف التشويش ووضع خطة سياسية / ثقافية بهدف إحداث تأثير سلبي يلحق الضرر على مسار أحداث مطلوب حرفها عن طبيعتها. فليس من المستبعد أن تجد في كل حركة متطرفة بصمات أجهزة أجنبية ..!

ــ في معرفة هذه الحقائق، تتضح أبعاد المؤامرة الخبيثة التي لجأت إلى حرف الوعي الشعبي وأشكاله الثقافية والاجتماعية إلى صراعات طائفية، تقذف الجماهير الشعبية في أتونها لتتخلى عن أهدافها الوطنية والقومية والاجتماعية، فتحدث شرخاً في ولاء الجماهير الوطني، وأهدافها.

ــ وهكذا تلتقي، بل تتلاحم أهداف الطائفي والمتطرف، مع أهداف ومساعي الجهات الأجنبية المعادية للوحدة الوطنية والنهضة الاجتماعية وتحقيق أهداف

التطرف ... الخطوة الأولى للنهاية

قراءة التاريخ هي حتماً ليست لإزجاء الوقت، وكتابة التأريخ هي أيضاً غير التسجيل الكرونولوجي (Chronology) للأحداث بتسلسلها، دراسة التاريخ فلسفة التاريخ تعني في المقام الأول علم التطور المادي للتاريخ، دراسة الأسس التي يقوم عليها التطور، ودراسة عميقة لجوهر الأساسيات في الحياة.

 

السياسة هي

مجموع الفعاليات (Total actvities) والنشاطات الداخلية والخارجية التي تعتمد بالدرجة الأولى على التوصل إلى قناعات مشتركة من أجل الشروع بفعاليات مشتركة، وهو عمل يعتمد أساسا الحوار واستبعاد اللجوء إلى القوة، وفي مجال بحثنا، تمارس الدول هذه الفعاليات كإحدى سبل تأمين المصالح الوطنية العليا.

 

والسياسة (تعني بصفة أساسية) التعامل مع الحقائق والعناصر التي تلعب دوراً في إطار الوضع السياسي والاقتصادي العام في مرحلة تاريخية معينة من أجل الوصول إلى هدف تسعى إليه فئة أو فئات اجتماعية وأدواتها التي تفرزها وتمثله: الأحزاب والحركات السياسية، أو بين تحالف يضم عدداً منها. وتمارس السياسة بصورة اشمل وأعمق وأكثر فاعلية إذا جرت ممارستها من مواقع السلطة وفي قيادة الدولة، ومن البديهي أن تشمل دائرة فعالياتها، العلاقات الدولية والأحداث الدائرة على مسرح السياسة الدولية.

 

والسياسة بهذا المعنى ضرورة، بل حتمية التعامل مع قوى وحركات وأفراد وفئات وكتل اجتماعية وكيانات، وهذه العناوين تختلف في الموقع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وبالتالي فإن لكل منها وجهة نظرها،  ومصالحها، ومن المؤكد مواقفها. ولا يمكن لواحد من القوى أن يلغي الآخر، بل من الأنجح أن تتقارب هذه العناوين لدرجة إمكان صياغة برامج مشتركة، وحتى إذا كانت هذه الفرصة بعيدة المنال، فعلى الأقل تجنب التصادم الذي سيكون مؤذياً لكل من الطرفين، أو لمجموعة الأطراف.

 

ومن هنا فإن دراسة التاريخ بعمق، وبالذات تاريخ الحركات والاحزاب الاجتماعية والسياسية، والتيارات الفكرية، التي تظهر مسار هذه الحركات التي تبدأ بطرح فكر جديد، يتجاوز ما قبله، فيجد سبيله للنجاح، ولكن هذا النجاح سيكون وقتياً ما لم تنجح تلك الحركة بأستيعاب ظروف ومعطيات التطور، وأن تسايرها، وأن تخضع نفسها للتطور، وأن تتجنب الجمود العقائدي (Dogmatism) الذي يعني فيما يعنيه العجز عن الأيفاء بمستحقات المرحلة، وعدم قبول الفكرة البديهية العلمية بحتمية التطور، وبالتالي سيعجز عن فهم سائر الظواهر ومتطلباتها.

 

التطرف بأختصار هو مسار حتمي للحركة / الحركات التي تعجز أو تفقد القدرة على التواصل القائم على القناعات والحوار ضمن محيطها الذي تعيش فيه، وتفتقد تدريجياً الصفة التي أحرزتها في بداية نهوضها وأصطفافها الطليعي، ويواجه عناصرها هذا الخلل تدريجياً حتى يصبح ظاهرة، فتتحول الحركة إلى معسكر، بمواجهة الناس.

 

في هذه المرحلة وضعت الحركة جداراً شاهقاً بينها وبين الآخرين، وقد يصل الأمر في سياق تناقض مطرد إلى اشتباكات نظرية، مفتوحة على أحتمالات أوسع ، وغالباً ما يجري  تصعيد (Eskalation)،  وربما أحياناً يكون غير مقصود، بدافع الحماس أو التدافع والتنافس، ومن دون السيطرة على هذا التصعيد الذي ينفتح على احتمالات، ربما لم تكن في ذهن قيادة الحركة، فإن الموقف برمته يكون قابلاً للأنفجار.

 

في معسكر الحركة، سيتراصف الدوغماتي (الجامد / المتعصب) إلى جانب الأقل ثقافة ووعياً، وإلى جانبهم ستقف مجموعة ممن يمتهنون العلاقات العامة (هو تعبير معاصر مهذب للأنتهازية "Opportunismus")، والمنتفعين أقتصادياً، وستحشى الحركة على صفوفها من التبعثر والأندثار الفكري والتنظيمي، فستسعى الحركة إلى إطلاق موجات متعاقبة من التعصب والتطرف (Fanaticism) لشد صفوفها وطرح تصور لا يبتعد عن الإطار القديم، بل يغطس في غياهب المبالغة ومنح القناعات السياسية (الثقافية) طابعاً تسلطياً فوقياً، لا يجوز التطرق له، أو الشك بشرعيته (Legitimation) والتقرب منه والشك بسلطانه.

 

والأفراد في هذه الحالة يتحركون سياسياً كأدوات، فهم لا يمتلكون قناعات عميقة، لذلك تسهل عمليات أختراقهم، ويكون مجمل الوضع قابل للتصدع في حالة الأهتزازات، أو الخلخلة في الموقف العام ولاسيما في حال زوال أو ضعف قوة التحريم . ومن هنا نشاهد الشبان الذين كانوا أكثر أندفاعاً، عندما يعيشون في أجواء الحرية يتحولون إلى بدائل واحتمالات كانت بعيدة جداً .

 

التطرف هو الخطوة الأولى للنهاية، وهذا العنوان لا يهدف إلى أن تتراجع الحركات المتطرفة للعدول عن تطرفها، فالمتطرف قد وضع حركته ونفسه في عملية تاريخية (Historical Prozess)  لا يستطيع التراجع عنها، أو لنقل أن التراجع عسير. ولنا من الأمثلة الكثير جداً في التاريخ القديم والحديث. وبوسع القارئ أن يطلع على تاريخ الحركات السياسية والفكرية منذ مطلع تاريخ الفكر السياسي القديم، والوسيط والحديث. وكذلك في أعمال كثيرة تفصل تاريخ الحركات السياسية التي بدأت قوية، وتصاعدت قوتها كثيراً، ولكنها انحدرت بسبب تطرفها، وأبرز تلك الحركات في العصور العربية الوسيطة : الخوارج، المعتزلة، القرامطة، وبدرجة ما حركة الزنج.

 

هذه الحركات بدأت حركات كان ينتظر منها أن تفعل الكثير ولا سيما الخوارج كحركة سياسية مسلحة، الذين كانوا مثار الإعجاب بنزاهتهم وشجاعتهم، إلا أنهم بالغوا، وتطرفوا، وبلغ الأمر بفرقة من أكبر فرقهم (الأزارقة) أن مالوا لتكفير حتى الأطفال، وبالغوا في استخدام العنف. والمعتزلة الميالون إلى الفلسفة والمناظرات الكلامية، كان لهم مفكريهم العباقرة، وبتقديري هم والخوارج أيضاً، من أوائل الحركات الديمقراطية في الإسلام (بعد الخلافة الراشدية)، ولكنهم تدخلوا في الحكم، وكثرت أخطاؤهم، ثم صاروا يقمعون بشدة من يعارضهم، وانتهى الأمر بتشتت وتلاشي مذهل لهذه الحركات الضخمة فكراً، وانتشاراً في المجتمعات العربية والإسلامية.

 

أما حركات الزنج والقرامطة، فنهايتهما كانت أسوء بكثير من الخوارج والمعتزلة، فالزنج الذين ثاروا من أجل تحرير أنفسهم واستطراداً مجتمعهم من العبودية، وبعد أن حققوا بعض المكاسب وصار لهم شبه كيان، سرعان ما مال قادتهم ورؤسائهم لامتلاك العبيد، والإقطاعات. والقرامطة الصف الأول من قادتهم تميزوا بالإخلاص والنزاهة، ولكت القيادات التالية ارتكبت القيادات القرمطية الكثير جداً من الأخطاء الفادحة، من الفساد الإداري والمالي، إلى امتلاك القصور، والتطرف الذي صاروا بالنتيجة لا يستطيعون التفاهم لا مع دول ولا حركات عاصرتهم، بل واختلفوا حتى مع الفاطميين وحاصروا عاصمتهم، وكادوا أن يدمروها.

 

التطرف سيجد طرق الحوار أمامه مغلقة، لأنها قد تعني التراجع مما أعتاد عليه وأتقنه، ويجده سهلاً في التطبيق، وما دامت لديه القدرة على ممارستها، وحمل البعض على مسايرتها، والمتطرف يستصغر شأن الآخرين، ويضع الأكثرية الصامتة (وهي الغالبة في معظم المجتمعات) يضعها في حسابه، وسينتهي الأمر به أن تعتبر هذه الحركة نفسها ملهمة، وتحتكر الحق والصواب، ولا تقبل من الجهات الأخرى إلا أن تردد ما يطرح من سياسات ومفردات.

 

ويقود التطرف في تفاعلاته إلى اضمحلال وتلاشي الإدارة الجماعية سياسياً، مقابل صعود أفراد، لأن سباق التطرف سيفرز قادة يفرضون أنفسهم أمناء على "الخط" طغيانيين على الأرجح، طالما أن المحيط السياسي عاجز عن التصدي لمثل هذه الظواهر، وبروز ظواهر ملهمة، والقائد الملهم هو جزء من ديكور التطرف ومستلزماته ولواحقه. وقد يكون بعض القادة الطغاة في التاريخ هم حقاً على درجة كبيرة من قوة الشخصية والقدرات القيادية، وقد لا يخلو الأمر من منجزات على أصعدة مختلفة، ولكن النظام السياسي في أي دولة ناجحة، هو متعدد الصفحات، والنظام الديكتاتوري لن يكون بوسعه أن يقدم النظام ويطوره، فهذه تخالف مسارات النظام الديكتاتوري.

 

الديكتاتورية ( Dictation / وهو مصطلح غربي يقابل الطغيان في الثقافة العربية) وتعني: سلطات غير محدودة، وانتهاج سياسة الإملاء، أو فرض الإرادة، أو التصور المسبق، وأوامر خارجة عن المداولة. ويمكن أن يمارس الطغيان من قبل شخص، أو حزب، أو طغمة وهو مصطلح سياسي بالدرجة الأولى، وهو يعني التفرد بالحكم، بأستخدام القوة، وتجاهل أراء الإطارات الدستورية والسياسية في أي بلد، وقمع المعارضين، وتجاهل إرادة الشعب في التغير، من أجل تداول سلمي للسلطة وتقديم الأفضل، والهيمنة على الرأي العام بوسائل عديدة. وعلى هذا النحو، فهم هذا المصطلح في الشرق والغرب على حد السواء ومورس بأساليب وأشكال مختلفة، إلا أنها كانت متشابهة في جوهرها.

 

وكما للديمقراطية مؤسستها، كذلك للطغيان له مؤسساته، وإذا كانت مؤسسات الديمقراطية العامة المفتوحة للشعب كالبرلمان الفعال، والصحافة الحرة، والتعددية الحزبية، والقوانين التي تحترم حقوق الإنسان، ودستور يصون الحريات الديمقراطية ويكفلها، الديمقراطية تسعى إلى زج أكبر قد من الناس في الحياة السياسية والاجتماعية، وبالمقابل الطغيان له مؤسساته (وإن كانت تفتقر إلى شرعية النظام الديمقراطي الدستوري) التي تتمثل بأجهزة عديدة للمخابرات والأمن، وهي مؤسسات نظمها القانون، ولكنها تتوجه إلى معادة الشعب في النظم الديكتاتورية، مهمتها مراقبة أصغر التحركات حتى التافهة منها بين صفوف الشعب واتجاهات الرأي العام، وتتغلغل في أفكار وتصورات الشعب، وتصادر كل شيئ معنوي. وتفعل ذلك بحرفية عالية جداً، وقد تعمل الأجهزة غالباً من وراء الستار، ولكنها تمد أذرعها في كافة مفاصل الدولة والمجتمع. وأجهزة الأمن هي محصورة للنخبة وأبنائهم، وحاشية السلطة ومن العناصر المضمون ولائها الشخصي.

 

الطغيان والأنظمة الديكتاتورية استفادت من التجارب في بلدان عديدة، ومن اللافت أن الطغاة يعتقدون أن العلة تكمن في خطأ تكتيكي أرتكبه أحد رجال النظام، ويتجنب الاعتراف بأن الخطأ هو في جوهر النظام الطغياني الديكتاتوري، كما يأبى الاعتراف أن الأنظمة الطغيانية آلت إلى الزوال ولقى الطغاة مصائرهم على أيدي المضطهدين والمسحوقين، وغالباً بصورة بشعة هي أقل بكثير من بشاعة النظام الطغياني الذي مارسوه.

 

والطاغية (Dictator)، وهو يمثل ابتداء ميل جارف للتسلط، وهذا الميل قد يكون قد رافق الطاغية منذ طفولته، فعاش الهاجس في تكوينه النفسي وأثر على كل تصرفاته اللاحقة، فإبداء اللين والموالاة والطاعة، ربما كانت السبيل لما يمور في دواخله، ولكنه لم يبرز لدية إلا في لحظة تاريخية مواتية. وأبرز دليل على ذلك هو الديكتاتور الباكستاني الجنرال ضياء الحق(1924 ــ 1988)، الذي كان موالياً لرئيس الوزراء ذوالفقار بوتو، بل وظن أنه من بطانته، حتى سلمه قيادة الجيش، فقام بأنقلابه العسكري وزج ببوتو في السجن وأعدمه لاحقاً بعد محاكمة مشكوك في نزاهتها. ومثله أيضاً الديكتاتور الجنرال أوغستو بينوشيت(1915 ــ2006) (تشيلي) الذي هو نسخة مطابقة للجنرال الباكستاني لضياء الحق، الذي سار في تأييد الرئيس سلفادور اليندي، ثم قاد أنقلاباً عليه، وقصف مقره مما أدى إلى مصرعه. ومثلهم فعل الجنرال الاندنوسي سوهارتو(1921 ــ 2008)، الذي أستغل ظروف أمنية معينة، فأستلم مقدرات البلاد من الرئيس أحمد سوكارنو، وما لبت أن أنقلب عليه وعزله وأحتجزه حتى وفاته.

 

ويجزم الكاتب الكولمبي غارسيا ماركيز، أنه تتبع الأصول العائلية لطغاة أميركا اللاتينية فوجد أن جلهم يعاني من طفولة شقية، ومن اضطهاد أسري أو بيئي، رافقت مراحل مهمة من حياتهم، فالطغيان هو نزعة عصابية غير طبيعية، تمثل تنفيساً لعقد وكوامن نفسية، ظاهرة أو خفية، وتعويض لما تمثله هذه العقد من حفرة عميقة في النفس، هي من بين العوامل الرئيسية التي تمثل المحرك الخفي للسلوك الطغياني اللاحق.

 

ومن أجل تكريس زعامة شاملة، لا يتواني الطغاة عبر التاريخ من وضع أسمائهم بصفة هالة من التقدير والتقديس(موسوليني ـ دوتشي"القائد" هتلر ـ فوهرر " الزعيم "، عبد الكريم قاسم " الزعيم الأوحد ")، وتساهم أجهزة الدولة الرسمية بهذا الجهد، فتمنح الطاغية ألقاباً وأسماء، ناهيك عن الرتب العسكرية والأوسمة لمزيد من الهيبة، ويضعون صورهم الشخصية على العملات الورقية والمعدنية، وربما صياغة قصصاً وأساطير. ففي التاريخ الشرقي القديم (في بلاد الرافدين، ومصر القديمة، وحتى في الحضارات الأخرى كالأزتيك والمايا والأولميك في أميركا اللاتينية)، كان الملوك يشبهون أنفسهم بالملائكة، فقد أدخل الملوك بناتهم وزوجاتهم في خدمة المعابد وأصبحن كاهنات، بل وأن ابنة الملك الأكدي الكبير سرجون، كانت كبيرة كاهنات(نانا)، وكان يحظر على الكاهنات إقامة الاتصالات الجنسية مع الرجال في الظروف الاعتيادية، وذلك هو السبب في أسطورة ولادة الملك سرجون إذ وضعته أمه الكاهنة في سلة من والقصب في تيار النهر (كما حدث للنبي موسى) وأنقذه بستاني. وهناك ما يشير إلى الافتراض الواضح أن الملوك كانوا يمارسون الاتصال الجنسي الطقوسي مع الكاهنات، حيث تقوم الكاهنة بدور الآلهة أينانا ويمثل الملك دور الإله دوموزي(تموز) وفي الأساطير كان هذا الإله في الأصل بشراً، لذلك فقد كان الاعتقاد سارياً وسائداً بأن الحكام(ملوك وأمراء) إنما يحكمون بتفويض من الآلهة (Divine Right) أو أن الآلهة قد حلت فيهم (Incarnation) بصورة من الصور، والحكام هم أصلاً كانوا ممثلين اكبر القبائل والأعراق عدداً وقوة (من حيث المحاربين) وهم بالتالي أكثرها ثراء، ولذلك يحوزون على القوى المادية التي تترجم سلطانهم إلى هيمنة على الفعاليات التي تدور في المجتمع. ولم يتوانى بعض مروجي نظام الزعيم عبد الكريم قاسم أن يهولوا بأن صورة الزعيم موجودة في القمر ..!

والطغاة (الديكتاتوريين) في العصور الراهنة، يمارسون هذه بوسائل أخرى ولكن بذات النتائج، وأن تقلصت بدرجة كبيرة جداً إمكانية تأسيس أنظمة طغيانية، بسبب وعي الشعوب، وتطور العلاقات الدولية التي بات من المستهجن قبول أنظمة ديكتاتورية والتعامل معها على قدم المساواة كالأنظمة الديمقراطية، برغم أن المصالح الانتهازية للدول تتغاضى أحياناً عن أنظمة كهذه، إلا أن هذه الأنظمة فقدت احترام شعوبها والمجتمع الدولي على حد السواء، بسبب التطور الكبير في الفقه القانوني والدستوري، وتطور نظم الدول إلى مستوى رفيع بات معه تنظر وتتعامل مع النظم الديكتاتورية كنظم متخلفة، وشعوبها تستحق العطف.

 

والطغيان هو نتاج ومزيج (Product & Combination) لعناصر اجتماعية / اقتصادية / سياسية، فالديكتاتورية الفاشية في إيطاليا (أكتوبر 1922/ ابريل 1945) والنازية في ألمانيا (يناير 1933 / أيار 1945) فشهدت إيطاليا وألمانيا في أعقاب تطور صناعي تطورات نقلها إلى مصاف الدول الصناعية، وباتت الدولتان تطالبان بمزايا الدول العظمى، وتشير التجربة التاريخية إلى أن قادة كهتلر وموسوليني نجحا بإثارة المشاعر العدائية لشعوبهم إلى الحد الأقصى، مستخدمين ببراعة  الموقف السياسي والاقتصادي والاجتماعي التي تمر بها بلدانهم(فساد السياسيين التقليديين، كساد وتضخم اقتصادي، مرحلة تمفصل طبقي/ أجتماعي)، ونجحوا بتأسيس أنظمة طغيانية يحكم في ظاهرها الحزب، ولكن في واقع الأمر كان (الدوتشي/ القائد) موسوليني و(الزعيم /الفوهرر) هتلر هما من يقودان البلاد بديكتاتورية، مع تجاهل المؤسسات الحكومية الشرعية .

 

والدراسة والتعليم تمثل بصفة عامة جانباً غير مشرق في حياة الطغاة، فغالباً ما يكون شخصاً قد نال حظاً قليلاً من التعليم، ليس بسبب قلة قدراته، بل إما بسبب التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لبيئته الاجتماعية المتواضعة، أو لانغماسه الكثيف في العمل السياسي، واستهلكت المناورات، والأنشطة السرية، والتخطيط للتفرد من قواه، فلذلك فإن الديكتاتور (على الأغلب) شخص لم ينل فرصة كبيرة من التعلم، ويميل الديكتاتور والطاغية إلى احتقار أراء الخبراء والعلماء، لأنهم يناقضون آراؤه السطحية، ويحاول إضفاء مظاهر العلم مزيفة (كعقدة نفسية) على شخصه، فيحاول طرح نفسه كمفكر، أو كعبقري في الرؤية المؤسسة على ألمعية لا يتواني بعضهم أن ينسبها إلى قوى غيبية أو خفيه، تبلغ عند بعضهم أن يقرنها بعلامات إلهية، ومن المدهش أن تمارس هذه الأفكار الغيبية حتى عصرنا الحالي بصور متفاوتة، ولكن بمؤدى واحد، وهو ترسيخ الطغيان.

 

وعندما ما يدرك الطاغية صعوبة تقارب الاستحالة ممارسة الحكم بعلاقاتها المتشعبة، دون الاستعانة بالأجهزة، وتتسلل لإلى مخيلته نظرية أن الحكم في واقع الأمر لا يستمد قوته من المجتمع / الناس، بل بما تؤمنه له الأجهزة. ويستسلم لهذه النظرية طائعاً مختاراً أو تسليماً بالأمر الواقع، لمؤسسة صار لها جذورها وفروعها، وأعداد كبيرة أرتبطت مصيرياً بهذه الأجهزة، ومنهم من تورط بعمليات لا توصف بالنظافة، من اغتيال وقتل، وتهريب وغسيل أموال، وصارت هناك ثروات سوداء مودعة في بنوك سرية، وأنشطة اقتصادية الكثير منها يدخل في إطار الممنوعات، وهكذا فالطغيان يفرز الفساد أيضاً كمحصلة ضرورية، وكثرة أعداد من يرتبط بهذا الفساد، حتى أصبح النظام الديكتاتوري والفساد وضروب القمع قطعة واحدة متلاحمة يصعب فصمها.

 

إن التطور التاريخي لا يطرح نفسه بشكل انقلابات وهبات، بل بحتميات تاريخية، وتقود الواحدة منها للأخرى، وبتسلسل لا تتحكم فيه شعارات التطرف أو الطاغية الذي يقود التطرف، ولكت المراحل تحل بأستحقاقاتها، كنتائج تاريخية لا مناص منها. الطرف يقود إلى الفردية والطغيان، وهذا يقود إلى تراجع نظام الدولة وتصاعد دور الفرد، وهذا سيؤدي للفساد، وهذا يقود للقمع، والقمع يؤدي للثورة ... هذا تطور ديالكتيكي حتمي، لا محيد عنه، وبدون فهمه بشكل عميق سيستعصي فهم سائر الفقرات...

 التطرف مهلك ...  والسائر فيه كالذي يخطو نحو النهاية

 الطغيان مآله الهزيمة المؤكدة

 مرحلة التحرر الوطني، ومنها استبعاد قوى الاحتلال والهيمنة، وتحقيق الوحدة الوطنية.

 المركز العربي الألماني

برلين

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

لماذا تقاتل إيران مع أرمينيا

 

ضرغام الدباغ

 

نلاحظ في إعلام اليوم دهشة لدى بعض القراء .. وربما خيبة أمل لدى بعض آخر ..أن تقف إيران التي تعلن في دستورها أن الدين والمذهب من أسس الدولة.. تقف دون مواربة ولا تردد ولا حياء ضد أذربيجان المسلمة والشيعية، مع أرمينيا المسيحية الأرثوذوكسية، ولا تكتفي بالتأييد المعنوي السياسي، بل تقاتل إلى جانبها بالقوات المسلحة، وهذه لمن فاتته الحقائق، هي المرة الثانية التي ترسل إيران قواتها المسلحة لدعم أرمينيا، فما هو الخطب الجلل الذي يحمل إيران على هذا الموقف المتناقض بدرجة صارخة مع التعصب الديني والمذهبي ..؟

 

يعتقد البعض أو يروج (وهم غالبا من مؤيدي ولاية الفقيه) أن جذر الموقف سياسي ويتعلق بتعاون أذربيجان مع إسرائيل ... أو الولايات المتحدة . وبصرف النظر عن درجة صدقية هذه الأنباء، وأهميتها بالنسبة لإيران المتعاونة بنفسها مع إسرائيل والولايات المتحدة، فلماذا تحرم هو حلال لها. من المؤكد أن هذا ليس بالسبب الحقيقي الدافع لهذا الموقف الذي سيعمق التناقض الإيراني / الآذري، ولكن على الأرجح أن إيران لم تتخذ هذا الموقف الحاد (التأييد والدعم لدرجة إرسال القوات المسلحة) لو لم يكن الأمر قد بلغ هذه الدرجة من التدهور في العلاقات.، ولنذهب إلى المديات الأعمق ...!

 

أذربيجان (سكانها نحو 8 مليون نسمة) ويمثل الشيعة فيها نسبة 50%  من السكان (وفق معطيات الموسوعة الدولية) و45% من السنة، و5% مختلط من الطوائف المسيحية، وأقلية من اليهود والبهائيون. إلا أن الثقافة العلمانية هي السائدة في المجتمع، وهو السبب الجوهري في استقرار أذربيجان، لولا الإشكالية المتمثلة بالتداخل الأرميني .

 

أذربيجان الشرقية (وسكانها نحو 4 مليون نسمة) تقع تحت الاحتلال الإيراني ، وقد فعل الإيرانيون كل شيئ ليبعثروا هذا الشعب، من تهجير داخلي وخارجي، إلا أن القضية الآذرية موضوعة ساخنة تطرح نفسها كل بضعة سنوات، وهناك منظمة مركزية تسعى بالانفصال عن إيران والالتحاق بالوطن الأم، وهذا بالضبط ما يشكل القلق الدائمي (إلى جانب حركات أخرى) فالانفصال المحتمل لأذربيجان الشرقية ستكون له تداعياته العديدة في مقدمتها وأولا، سقوط نظرية المذهب القائد المهمة جداً لإيران الدولة، باعتباره رباط يجمع بين الفرس (العنصر القائد للدولة) وأقليات متناثرة بالكاد تمنح الدولة الصفة الدينية وهذا ما كان في الاعتبار لدى كافة قيادات إيران منذ عصر الملكيات وحتى عصر الملالي.

 

والأمر الثاني، فإن الانفصال المحتمل لأذربيجان يؤدي إلى هزة في الموزائيك الإيراني، يتسرب منها التخلخل إلى مناطق أخرى الرفض الشعبي العام فيها تام النضوج كحركة شعب الأحواز، والبلوش، والأكراد. ومن هنا فإن القيادات الإيرانية (على تنوعها) تتعامل مع القضية الآذرية كقنبلة موقوتة، وبهذا القدر من الخطورة بحيث يدفعها لإرسال قوات مسلحة تقاتل مسلمون شيعة .....!!!!

 

إيران هو مصطلح فني، لم يكن موجود عبر التاريخ ولم يتأسس إلا عام 1923، وتسميتها التاريخية بلاد فارس. وأهمية وجود "الكيان الإيراني" له تداعياته في المنطقة والإقليم، عدا التداعيات الدولية، وهو سبب ألتحاق إيران (في كافة عصور الدولة الإيرانية) في الاستراتيجيات الغربية. والأمر له علاقة وثيقة بثلاثة أمور في غاية الأهمية:

 

1. أحتمالات التوسع الروسي.

2. الحيلولة دون تكامل الوجود التركي في حلقة الدول التركية ( منظمة الدول التركية : أوزبكستان، كازاخستان، تركمانستان، أذربيجان، طاجكستان، قرغيستان وصولاً إلى أفغانستان).

3. موضوعات الطاقة، وتوزيعها الجغرافي، والخطط التكاملية لشعوب المنطقة.

 

هذه بأختصار شديد بعض أهم أبعاد القضية، وهناك أصعدة أخرى، وهذه الأسباب والمعطيات تحمل القيادة الإيرانية على إرسال قوات مسلحة إلى أرمينا للقتال ضد الآذريين، وهو أمر سوف يسجل بحروف بارزة ومؤثرة في تاريخ العرقات الآذرية الفارسية.

 

نكتفي بهذه المعطيات، وفي التأمل بتفاصيلها، يمكن فهم القلق، بل الهلع الإيراني، من تطورات قادمة، تحمل في طياتها مواقف وأوضاعا سياسية جديدة.

 

 

طغيان الدولة

مقدمة لإرهاب الدولة

ضرغام الدباغ

تصدير الثورة

لو سلمنا جدلاً بشرعية فكرة تصدير الثورة (وهي نظرية غير علمية)، فلابد له على الأقل من توفير أسس ومرتكزات سليمة لهذه الثورة، رغم أن فكرة تصدير الثورة هي أساساً فكرة رجعية مهما كان الشعار الذي يعلوها، فالثورات لا تُصدّر وليس هناك إمكانية نظرية أو عملية تجيز وتشرعن فكرة أن يُحرّر أي شعب، شعباً آخر. وإن ادّعى ذلك تقدميون من أصحاب الفكر والمنهج السياسي والاجتماعي، ففي هذه الحالة ليسوا سوى ثوريون رومانسيون حالمون، إذ أن الثورة قائمة أساساً على قوانين ومعادلات ليست بسيطة، إن فكرة تصدير الثورة اعتماداً على البندقية لوحدها عملاً مستحيلاً، فهناك العمل السياسي النضالي، وهناك الحتميات التاريخية وقوانين الثورة بصرف النظر عن هوية رافع هذه البندقية وحامل اللواء.

عبر التاريخ لاقت فكرة تصدير الثورة نتائج كارثية حيثما فكر وأقدم من قام بها. فإذا أوغلنا في ملفات التاريخ، نجد أن الثورة الفرنسية عندما استتب لها الأمر استقرت، أبدت استعدادها لتحرير أوربا من ملوكها المتعسفين. وكانت هذه الفكرة  تبدو شاعرية في البدء وفي غاية النزاهة، لكن سرعان ما تحولت إلى استعمار عندما تحقق لفرنسا السيطرة على أوربا وتحول الفرنسيون إلى غزاة على الرغم من جمال وجاذبية شعارات:  حرية مساواة وإخاء. إلا أن الاحتلال الأجنبي في النهاية هو احتلال، وهو إهانة لشرف أي بلاد مع أن الفرنسيين هم من أرومة مشتركة مع الإيطاليون والألمان والنمساويون وغيرهم من الشعوب الأوربية، وينتمون إلى الديانة المسيحية المشتركة، بل إلى كنيسة واحدة في أغلب الأحيان.

وكان الجنرال نابليون قد ادعى أن جيش الثورة الفرنسية مستعد لأن يحرر أوربا على أن تدفع تلك الشعوب نفقات التحرير، ولكن ما لبث أن تحول هذا الشعار الخيالي إلى حملات وفتوحات، سعياً وراء التوسع السياسي الاقتصادي والعسكري، باسم الثورة، وحتى الشعوب الرازحة تحت الظلم والطغيان قاومته لأنها ترفض السيادة الأجنبية.

تصدير الثورة إذن خرافة، وفكرة بائسة عندما تستخدم كشعار سياسي، إذ بالإمكان تبين القهر بين أنيابه، في إرغام شعب آخر على اتباع منهج يماثل منهجه. ثم أن الأمر لا يعدو في النهاية عن خلق وسط سياسي / اقتصادي / استراتيجي، مرتبط وتابع. والعملية برمتها لعب على الألفاظ والكلمات، فمن ذا الذي يحق له إصدار مراسيم احتلال..؟ أيّاً كان شعار هذا التوسع فهو استعمار أيّاً كان لونه.

وبالإمكان أيضاً مراجعة مصير أيديولوجية تصدير الثورة لتروتسكي في الاتحاد السوفيتي، إذ لم تلاقي هذه الفكرة القبول من الغالبية الساحقة للأحزاب العمالية، ولم تعد في النهاية سوى تجمعات هزيلة هنا وهناك، لم تنجح في تقديم الدليل على صواب فكرة الثورة الدائمة. وحتى تلك الأفكار والفعاليات الأكثر تقدماً التي قام بها ثوريون محترفون في بناء الخلايا الثورية في مجتمعات لا تتوفر فيها شروط ومقدمات الثورة، لاقت هي الأخرى فشلاً مؤسفاً في بعض الأحيان، والدليل على ذلك فشل تجربة بناء البؤر الثورية في أميركا اللاتينية، رغم أن الفكرة تبدو للوهلة الأولى جذابة وبراقة، وأضفت عليها شخصية الثائر الكوبي / الأرجنتيني، أرنستو غيفارا الرائعة الكثير في مغزى التضحية والشجاعة الثورية، لكن تجربة بوليفيا كانت بائسة ومؤسفة، وكانت جهات كثيرة  وفق رؤية علمية للأمر قد قدّرت مخلصة الفشل المسبق لهذه التجربة.

حركة التاريخ محكومة بقواعد علمية لا تتغير تقريباً، وهناك قواعد للتطور والنمو، وقوانين اجتماع، وهي التي تحكم التطورات بطابعها بما يظهرها وكأنها تكاد أن تكون متشابهة لدرجة التماثل.

هناك دائماً غزاة ومحتلون، يطلقون على أنفسهم المحررين، أو مندوبي الحضارة والمدنية، أو رسل الديمقراطية، والسلام، والإنسانية ... الخ .. ما في موسوعة القواميس السياسية من مصطلحات وتعبيرات .. ولكن كل هذه المصطلحات تعبر في نهاية المطاف عن رغبة وإرادة في التوسع، ومهما اختلفت الحقب فالمسميات واحدة، والنتائج متشابهة.

بالنسبة لدولة مثل إيران مثل مشروع تصدير الثورة فقرة رئيسية في مخططات الدولة الإيرانية، وبرنامجا حكومياً علنياً لتصدير الإرهاب تحت عناوين وأساليب شتى، يقع التدخل العسكري المباشر في مقدمتها، إلى جانب فقرات أخرى في سياسة التدخل في الشؤون الداخلية، مما يخلق منها جاراً يتسبب بخروق للأمن القومي ويهدد البلاد، ويشيع الأعمال الإرهابية.

بتقديري أن فكرة تصدير الثورة هي جذر الإرهاب بصرف النظر عن الشعارات التي تطرحها، وهوية القائمين عليها. وتصدير الثورة يتم بوسائل ووتائر مختلفة. وفكرة تصدير الثورة مؤسسة  (Fundament) قوامها : " أن الجهات التي يستهدفها مصدروا الثورة يفترضون أن تلك الجهات قاصرة على "الثورة"، ونحن نقوم بمساعدتها ".

وتتخذ الجهات المصدرة للثورة من الشعارات "الثورية" ستاراً للأهدافها الحقيقية المتمثلة بالتوسع وإحراز النفوذ السياسي والاقتصادي وسائر المكاسب الأخرى، إن القانون العلمي للثورة لا يحتمل التعميم، بل أن أي من المجتمعات تعيش بنفسها احتدام التناقضات السياسية والاقتصادية والاجتماعية حتى تتجاوز مرحلة التناقض الثانوي، إلى مرحلة التناقض الرئيسي وصولاً إلى درجته التناحرية، حين يعجز نظام العلاقات عن جمع المتناقضات وتعايشها، وحين يبلغ عمود التراكم حده الأقصى، تنفجر الثورات. وأي حديث خارج هذه القوانين هو خارج العلم وقوانين التطور التاريخية.

أستخدم نابليون مصطلح تصدير الثورة صراحة، ولكنه كان يخفي برنامجاً توسعياً، وهو ما وحد الأوربيين ضده، ثم حاول تروتسكي تصدير أفكار الثورة الروسية، فكانت تلك محاولة فاشلة أيضاً، وفي القرن العشرين أيضاً حاول الثائر الارجنتيني / الكوبي أرنستو غيفارا ذو الوجه الملائكي تصدير الثورة بكثير من النزاهة والأخلاق، وبمحتوى آيديولوجي نبيل، وبوسائل العنف الثوري، لكن قضية تصدير الثورة تحمل في أساسها أسباب فشلها لأنها تتجاهل الظروف الذاتية والموضوعية لذاك البلد، وبالفعل كانت نتائج جميع محاولات تصدير الثورة فاشلة في نهاية المطاف سواء الثورة الفرنسية، أو التروتسكية، أو ثورة غيفارا.

أما فحوى التوسع الإيراني فهو ليس سوى طموحات قومية فارسية لا علاقة لها بالدين، ولكنها تستغل الدين كغطاء للتضليل والتمويه، ويفتقر المشروع الإيراني لأي محتوى وجوهر فكري أو فلسفي، والشعارات الإيرانية بائسة، تفتقر بصورة تامة للمشروعية أولاً، ثم إلى محتوى اقتصادي وأجتماعي،  وبذلك ليس مستغرباً التدمير الشامل للبلدان التي وصلها التأثيرات الإيرانية. ونلاحظ :

رافق "الثورة" الإيرانية إرهاب لم تشهد له إيران في تاريخها مثيلاً.

ربط حتمي بين الانتماء المذهبي والولاء التام المطلق لإيران وسوق تأويلات باطلة لتبرير هذا الشرط ليصبح جزءاً من العقيدة ... في مؤداها النهائي تكريس لولاية الفقيه قائم على عبودية فكرية وإلغاء تام لشخصية الفرد في إطاعة عمياء للمرجع.

إلغاء تام لفكرة الدولة الوطنية والقومية، وهذا الإلغاء ينفي أي احتمال لتطور النظام السياسي، تطور تحكمه الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، محلياً ودولياً.

غوص متزايد في عالم الغيبيات، في عصر تتوالى فيه الحقائق المادية العلمية ومنجزاتها الباهرة، وبلوغ التراكم المعرفي والثقافي درجة كبيرة.

أن الحجم الكبير للجهد الإيراني في اختراق مجتمعات إسلامية، سينجح نجاحاً محدوداً في اجتذاب عناصر محدودة، مشخصة هي على هامش المجتمع أو في قاعه، وهي لا تساوي الجهد الذي في معظمه استخباري / مالي قائم على الكسب بتقديم إغراءات (بعثات، علاجية، إغراءات مالية زواج مؤقت، منح لدراسة العقيدة).

 

إن الثقافة هي أفضل وسيلة التنوير، ومنها نصل إلى بناء شخصية متينة للأفراد، لا تعبث بها الخرافات والأحلام، والتعصب وثقافة الكسب بالقوة والثأر والأنتقام ... فهذه كلها لن تبلغ بأي مجتمع، (بما في ذلك مجتمع البلد مصدر الثورة)، إلى إلى مرحلة يمكن وصفها بالتقدم، فتتحول إلى سلطة غاشمة تفرض الأمر الواقع بقوة السلاح وعنف الدولة الذي يصبح طغياناً واضحاً مهما تغلف بشعارات براقة شعبوية.

ليس سوى تقديم المكاسب المادية للمجتمع، ليس سوى زج كافة القوى البشرية، ليس سوى برنامجاً سياسياً / اجتماعيا يتجاوز التعصب والتشدد وطرح الفكرة الواحدة، ليس سوى نظام سياسي / اجتماعي يتجاوز الطائفية والعنصرية، ويطرح ديمقراطية شعبية تنهض بالبلاد لا تعيده إلى الخلف ..

 السمات المميزة للفكر العربي

 

د. ضرغام الدباغ

 

تطرح المقارنة بين الفكر السياسي العربي ـ الإسلامي، والفكر السياسي المسيحي، (بوصفه فكراً واسعاً)الفرصة أمام الباحثين، طرق مباحث لم تكن قد وردت في خلد الباحث عند الشروع بالبحث، بل تطرح أمكانية القيام بدراسات ذات توجه اختصاصي، عميقة الأهداف، والنتائج أيضاَ. وبلا شك لا يمكننا دراسة أي من التجربتين على أسس وقيم موحدة بسبب التباين في ظروف نشأة هاتين الحضارتين وما سبقتهما، وأبان احتدام الظروف الموضوعية والذاتية والتناقضات، والتفاوت في معطيات اقتصادية واجتماعية كثيرة، تجعل إخضاع التجربتين لمقاييس واحدة و ضرباً من ضروب العبث والتلاعب بالألفاظ ومغامرة فكرية ليس إلا.

 

ولكن مع ذلك، هناك سمات وملامح متشابهة، والسبب هو أن الصلات بين الحضارتين كانت مستمرة متواصلة من جهة، ولأن مسعى الإنسان في التقدم والكمال، وفي تحسين ظروفه هو مسعى عام ودائمي، يمضي صوبه الإنسان حيثما كان وحيثما تأسست حضارات من جهة أخرى. ورغم أننا خلال مباحث الفصول الأربعة التي تضمنها الجزء الثاني، حيث عرضنا الأفكار واتجاهات تطور الفكر السياسي بأسلوب يسهل على القارئ ملاحظة الفروق الأساسية بين الفكر العربي الإسلامي، وبين الفكر السياسي المسيحي الليبرالي في محاور ستة هي من حيث: ـ

1 ـ ظروف النشأة .

2 ـ العوامل الاقتصادية والاجتماعية المؤثرة على تطور الفكر السياسي .

3 ـ تأثير الدين على الفكر السياسي.

4 ـ تطور فكرة الدول.

 5ـ المؤثرات الثقافية بصورة عامه.

6 ـ المؤثرات الخارجية.

 

إلا أننا سنقدم باختصار، ما طرحناه من أراء وأفكار واستخلاص العناوين الجوهرية والأساسية، ولا بد من ذكر حقيقة، هي أننا لم نجد دراسات في الفكر السياسي المقارن باستثناء مقالة من صفحات قليلة للدكتور فاضل عبد الواحد علي (وكان ذلك بعد الفراغ من إنجاز عملنا تقريباً) في أوجه المقارنة بين حضارتي وادي الرافدين ووادي النيل. فمن المؤسف أن لا تكون هناك دراسات كثيرة في هذا الاتجاه (باللغة العربية على الأقل)، إذ بوسع الباحثين التوصل حقاً إلى حقائق كثيرة وأستخلاصات جديدة وإماطة اللثام عن تساؤلات كثيرة وأسئلة حائرة، ربما يبدو بعضها كالألغاز.

 

1 / ظروف النشأة : ـ

 

كانت المسيحية قد انتقلت إلى أوروبا من الشرق بواسطة الدعاة الأوائل في ظروف صعبة، فالاضطهاد الديني كان يمارس بشدة وقسوة ضد المسيحيين صادراً عن اتجاهين أثنين: الأول من اليهود الذين كانوا يخشون انتشار الدين الجديد، فقاموا بتسليم السيد المسيح إلى الرومان الذين قاموا بإعدامه. والاتجاه الثاني، كان من السلطات الوثنية الرومانية.

 

وقد فر أول الدعاة إلى شبه جزيرة أبنينو (إيطاليا)، فظهرت المسيحية أولا في أواسط القرن الميلادي الأول في الولايات الشرقية للإمبراطورية الرومانية، وما لبثت أن وصلت إلى اليونان في بداية القرن الثاني، ومضت تكسب عواطف الفقراء والفلاحين والفئات المحرومة لسببين: ـ

 

الأول / أن وضع هذه الفئات المتردي دفعها إلى قبول المبادئ المسيحية التي كانت تتحدث عن الإخاء والمساواة في الحياة الأخرى. 

الثاني / أن العبادات الوثنية في أوربا كانت تتطلب القرابين التي كانت مرهقة مادياَ ومعنوياَ، كما كان نظام طقوس العبادة الوثنية معقداَ، فيما بدت التعاليم المسيحية عبر الدعــاة الأوائل بسيطة في تقاليدها وطقوسها.

 

ولكن ما أن أنظم إلى المسيحية بعض وجهاء المجتمع بسبب سخطهم على السلطات لأسباب تنافسية أو شخصية، أو لعداوتهم مع السلطات لأي سبب من الأسباب، حتى أخذ تيار المسيحية بالأتساع ليشمل الفئات الميسورة أو الغنية، وقد تصادف ذلك مع مظاهر شيخوخة نظام الدولة الرومانية بسبب عجزها عن حل تناقضات كثيرة أو انحطاطها وكذلك حدوث انشقاقات عديدة في الحركة الفلسفية الرواقية، أدركت السلطات أن اعتناق المسيحية سيمنح الدولة رباطاَ جديداَ وسيكون من مصلحة الدولة حتماَ، والفئات المتسيدة فيه، ومن ثم استيعاب التعاطف الشعبي مع المسيحية، الذي أنطلق وأصبح في القرن الرابع تياراَ شعبياَ قوياَ.

 

كان إعلان المسيحية كديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع 325 م. فاكتسبت المسيحية بذلك قوة مهمة إلى جانبها (قوة الدولة) ولكنها من جانب آخر بانحيازها إلى الدولة والملك، كفت عن كونها أيديولوجية الفقراء والكادحين والمضطهدين، بل أصبحت جزأ من الدولة، وأصبح الدعاة المناضلون، رجال كهنوت ما لبثوا أن اتخذوا لأنفسهم هيئة مراتبية (درجات في السلك الكهنوتي)، وتربع قادة الكنيسة على قمته ومارسوا النفوذ والهيمنة، متحالفين مع الملك وأمراء الإقطاع.

 

وهكذا كانت نشأة المسيحية والدولة المسيحية في أوربا، والأمر يختلف عنه في الإسلام، مع أن كلتا الدعوتان لاقتا الاضطهاد، وكان افتتاح ذلك نضال صعب خاضه الرسول محمد (ص)

ضد أبناء قبيلته وجلدته قريش ( 612 م. ـ الإجهار بالدعوة ). وقد مر نضال الحركة الإسلامية بثلاث مراحل :

 

 آ  ـ   مرحلة دفاع استمرت من 612 م. وهو عام الهجرة حتى  622م..

ب ـ   مرحلة تعادل ابتدأت منذ الانتصار في معركة بدر 62 م، وتخللتها الكثير من المعارك والوقائع والأحداث السياسية الهامة، وانتهت هذه المرحلة سنة 630 م. وذلك بدخول الرسول(ص) مكة منتصراً على الأرستقراطية القبلية وابتدأت مرحلة التفوق.

 

كانت هذه مراحل نضال دامية تمكن الإسلام فيها من إقامة دولته الأولى 622 م. إثر الهجرة من مكة إلى المدينة التي أصبحت بؤرة الثورة وعاصمة الدولة. وكانت منطقة وسط شبه الجزيرة العربية (مثلث: مكة، يثرب "المدينة"، الطائف) ترزح تحت تخلف اجتماعي، واقتصادي، وثقافي، أكثر من أي الأمصار العربية الأخرى، لأسباب عديدة في مقدمتها العناصر الموضوعية التي تتمثل في الطبيعة الصحراوية القاسية، وندرة وسائل العيش التي لم تكن تتيح إلا قدراَ بسيطاَ من حياة وعلاقات متخلفة، بدوية متنقلة ( جنتيلية ) تهيمن فيها أرستقراطية قبلية على نظام إدارة بسيط، ولم تكن منطقة وسط شبه الجزيرة قد عهدت قيام دول ومؤسسات، إلا تلك القبلية منها وقوانين عرفية. فيما كان نظام العبادة الوثني الغيبي يقسم ولاء الناس، والمظاهر الثقافية كانت ضعيفة، والأنشطة الاقتصادية كانت تقتصر على التجارة تهيمن الأرستقراطية على مفاصلها الرئيسية، مع زراعة رقع صغيرة.

 

وانتشار الإسلام في شبه الجزيرة العربية لم يتم عبر تحالفات مع السلطات، وكانت الأرستقراطية التي تهيمن على إدارة المدن الرئيسية الثلاث في وسط شبه الجزيرة قد عرضت على الرسول محمد (ص) التعاون معهم وإشراكه في السلطة وفي سائر الامتيازات الأخرى، مقابل التخلي عن الدعوة للدين ومنهج التغير الذي كان يهدد مصالحهم الاقتصادية والسياسية والثقافية، ولكن الرسول(ص) رفض ذلك، فقد كان يريد السلطة بأكملها ووضع العقيدة ( المنهاج )

 

موضع التطبيق،  ولا بد أن التناقض كان جذرياَ فقد كان هناك عبيد من بين القيادات والزعامات الإسلامية التي لم تكن تقيم وزناَ لمكانة الفرد القبلية وانحداره الطبقي.

 

وإذ تطلعت القيادة الإسلامية ( الدولة الإسلامية ) إلى خارج منطقة البؤرة الثورية (شبه الجزيرة العربية) فأنها فعلت ذلك لسببين رئيسيين: ـ

 

الأول ـ كانت القوى التي تهيمن على هذه المراكز( العراق ـ الشام ـ مصر)، تمثل قوى أجنبية، فارسية، رومية، أرادت أن توجه ضربة إجهاضية استباقية لبؤرة الثورة التي نجحت خلال فترة وجيزة من إقامة الدولة، ثم بسطت هيمنتها على مثلث شبه الجزيرة، وما لبثت أن بسطت سيطرتها على كامل شبه الجزيرة، فقررت توجيه ضربة إلى هذه الدولة الفتية، التي رأت فيها تهديداَ لمصالحها التوسعية.

 

الثاني ـ كانت هذه القوى تمثل قوى عظمى في عصرها، وقد استولت بالقوة المسلحة على هذه الأمصار العربية ومنعتها من أن تشكل أنظمتها السياسية التي تختارها، وبدلاَ منم ذلك أقامت كيانات تابعة هي عبارة عن فقرات في نهجها التوسعي. فقد أقامت الإمبراطورية الفارسية مثل هذه الكيانات في العراق، وأقام الروم البيزنطيون كيانات مماثلة في بلاد الشام ومصر. وقد قمعت القوى العظمى هذه كافة المحاولات للتحرر من قبضتهما، وحاولت تمزيق الصلات والعلاقات الاقتصادية والثقافية بدرجة أساسية، كما كانت تعرقل الفعاليات التجارية و كانت سبباَ في التخلف الاقتصادي.

 

وعلى هذا الأساس فأن انتشار الإسلام إلى خارج شبه الجزيرة العربية كان يمثل إشعاعا تحررياً استقبلته شعوب تلك الأمصار العربية، وأبدت المساندة التأييد، فقد كان ينطوي في ثناياه وإن لم يكن ذلك قد تبلور بصورة واضحة، على أيقاظ للوعي القومي. فقد قاتل مسيحيون عرب إلى جانب الجيش العربي الإسلامي في سوريا ومصر ضد الرومان والبيزنطيون المسيحيين، كما قاتل وثنيون عرب في العراق مع الجيش العربي الإسلامي ضد الفرس الوثنيين، فالأمر إذن كان ينطوي بهذا القدر أو ذاك على بواكير الوعي القومي، والشعور بالرابطة القومية.

 

وبالفعل، فأن العامل القومي (أطلق عليه علماء السياسة العرب مصطلح العصبية) لم يبرز في أوربا المسيحية إلا بعد حركة الإصلاح الديني، اللوثرية في القرن السادس عشر أو السابع عشر، أي بعد ظهور الإسلام بعشرة قرون، ولم يحدث ذلك إلا على أيدي البورجوازية التي رأت فيه (العامل القومي) رباطاَ يحل بدلاَ من الو لاءات الطائفية التي قادت في أوروبا إلى حروب دموية، ويساعد على بلورة مقدمات لدولة حديثة على الأساس القومي كشرط ضروري، كي تواصل البورجوازية برنامجها السياسي والاقتصادي والثقافي.

 

فالإسلام أنتشر تحت شعارات التحرر الوطني والقومي في الأمصار العربية، بل وغير العربية، مثل الفرس اللذين انظموا بسرعة إلى الإسلام تخلصاَ من جور وظلم حكامهم وتناقضات متفجرة عميقة بين قياداتهم ولسماحة التشريعات الإسلامية. وكذلك فأن العرب لم ينزلوا الأندلس (أسبانيا) إلا بناء على رغبة فئات كثيرة منها: تخلصاً من صراعات داخلية بين الأمراء الأسبان والصراعات بين الكنيسة والأمراء واضطهاد الأقليات لا سيما اليهود منهم

 

2 ـ دور العوامل الاقتصادية والاجتماعية في التأثير على تطور الفكر السياسي:

 

من المؤكد أن الموقف الاقتصادي / الاجتماعي هو من العناصر البالغة الأهمية في التأثير على مسيرة تطور الفكر السياسي بصفة خاصة. وقد يختلف المفكرون في أولوية العامل الاقتصادي و الاجتماعي، ولكننا نعتقد ولأسباب بديهية سوف نستعرضها، أن لا مناص من الإقرار بتأثيره الكبير على تطور الفكر السياسي.

 

ويقول الأستاذ الفرنسي المعاصر بيير بورجلان Pierre Burgelin  في تقديمه لمؤلف جان جاك روسو الشهير " في العقد الاجتماعي  : " السياسة بالنسبة لنا هي فن إدارة المجتمع والمحافظة على السلم الاجتماعي فيه، وتحويل التشريع لمطابقته مع التغيرات التي يجلبها التاريخ ومراقبة مختلف فعاليات الناس بحيث تكون المؤسسات عادلة وفاعلة وضبط العلاقات بين الدولة والدول الأخرى "(1)

 

ودون ريب فأن ما يقصده الأستاذ بورجلان، في تعريفه للسياسة هو من ضمن المفاهيم السياسية للرأسمالية المعاصرة، ويقصد بالسلم الاجتماعي، هو الحفاظ على مستوى الموقف الحالي الذي تهيمن فيه الطبقة السائدة على النظام، وإبقاء التسلسل الاجتماعي وهذا الهدف، وهو تعريف صحيح تماماَ بالنسبة للفكر البورجوازي.

 

أذن والأمر كذلك، فلا بد أن الموقف الاجتماعي كان على الدوام مؤثراَ بدرجة كبيرة عند نشأة الفكر الإسلامي أو المسيحي الليبرالي، وفي التطورات اللاحقة وهذه حقيقة لا غبار عليها وهو مؤثر في كافة مراحل التطور السياسي في كلتا التجربتين.

 

ففي ظروف النشأة، وهي ظروف مهمة في تأريخ الفكر السياسي العربي الإسلامي، كان مجتمع البؤرة الثورية والذي هبت منه رياح التحول، مجتمع منطقة وسط شبه الجزيرة العربية مثل العقدة الأكثر تخلفاَ على كافة الأصعدة وخصوصاً مكة التي كانت تخلو من أي نشاط اقتصادي سوى التجارة. فقد كانت تقع على طريق مرور القوافل القادمة من اليمن والمتجهة صوب غزة على ساحل البحر المتوسط. وكان تقديم الخدمات على أصنافها العديدة إلى القوافل تمثل النشاط الرئيسي لها، ولكن ما لبثت أن تحولت الأرستقراطية القبلية إلى ممارسة التجارة وانتزاع ذلك الدور من أيدي تجار اليمن بسبب الأحداث السياسية التي سادت اليمن من تدخل وهيمنة القوى الأجنبية (حبشية وفارسية)وإطلاقهم لعواصف الإصطراع الديني والطائفي بين مسيحيين ويهود ووثنيين، الأمر الذي أحال مكة إلى مركز تجاري مهم.

 

كان الربا( الفائدة على رأس المال )الظاهرة الاقتصادية الثانية، فقد نشأت اشتدت بسبب الظاهرة الأولى(التجارة)، إذ كان كل فرد يطمح بتطوير وضعه الاقتصادي ومداخيله وتحسين مستوى معيشته، يجد في التجارة والنشاط التجاري ميداناً للمغامرة. والنشاط التجاري كان يتلخص باستلام السلع والبضائع الواردة إليهم من الهند وأفريقيا (عبر موانئ اليمن) وتسويقها إلى العراق والشام ومصر(ومن هناك ربما إلى اتجاهات أخرى) وشراء سلع من تلك الأمصار والاتجار بها في شبه الجزيرة العربية بما في ذلك اليمن، ومواصلة تصديرها إلى أفريقيا والهند. وبناء على ذلك فقد مثل الربا الظاهرة الأكثر بروزاَ في التسلط الطبقي، وهو قائم على أساس اقتراض مبالغ من المال من المرابين (العاملين بالربا) لقاء فوائد عالية تتراوح بين    40 - 100 %، تمثل فرصة الفرد في المساهمة في النشاط التجاري. لذلك كان محتماَ على الإسلام كثورة أن يتصدى لهذه الظاهرة التي كانت تلحق أوخم العواقب بالفئات الفقيرة، إذ يضطر الفرد عند عجزه تسديد القرض والفائدة إلى بيع أحد أفراد أسرته أو نفسه كعبد أو حمل امرأته أو أبنته على ممارسة البغاء، ولهذا السبب فقد أدان الإسلام الربا والمتعاملين به بشدة أكثر من عشرة مرات في القرآن.

 

وعندما تصدت أرستقراطية مكة المتمثلة بقريش للدعوة الإسلامية، اكتسبت الحركة الدينية طابعاَ ثورياَ بتصديها للفساد الاقتصادي والاجتماعي، الربا والعبودية، بمساواتها بين العبيد والأحرار. ومنع استلاب الإنسان للإنسان واضطهاده طبقياَ واجتماعيا، فقد لاقت الحركة شعبية واسعة بين الفقراء وأفراد البدو والمضطهدين ورسخت بذلك نهجها الثوري، بل أن مؤرخاَ أوروبياَ يقرر: أن جوهر الإسلام كان سياسياَ واقتصاديا أكثر مما هو دينياَ، ومستشرقاَ هولندياَ يرى أن الداعي لظهور الحركة الإسلامية كانت تتيح حياة متساوية للبشر، ولكن تطبيق مثل هذه المبادئ في تلك العصور يعد شيئاَ كبيراَ وفريداَ، فقد كانت حياة الفقراء والصعاليك في عرضة دائمة للإخطار والعذاب، فلا قانون يحميهم ولا شريعة تنقذهم من هاوية الموت الاجتماعي والرق الأبدي، وكانوا يعيشون في وديان وشعاب البلدة وأطرافها البعيدة في بيوت حقيرة وحياة ضنك وجوع مستمرة.(2)

 

وعلى هذا الأساس، مثل الفكر السياسي الإسلامي والدولة لاحقاَ، إنقاذا لهؤلاء البشر الذين جاء عنهم في القرآن (فقال الملئ الذين كفروا من قومه، ما نراك إلا بشراَ مثلنا، وما نراك أتبعك إلا الذين هم أراذلنا " 27 هود ) وقد أستمر هذا الطابع هو الغالب على الحركة ولكن المتغيرات اللاحقة عندما أصبحت الدولة إمبراطورية عالمية عملاقة وأصبحت الفئات الأرستقراطية، طبقة إقطاعية تمتلك الأراضي والمزارع وقطعان الماشية. وتضاعفت مكانة وقوة ونشاط الرأسمال التجاري، وتغيرت موازين القوى الاجتماعية ومالت لصالح الفئات الثرية، وشابت الدولة الراشدية الدسائس وتخللتها الفتن وتحولت من جمهورية إلى ما يشبه النظام الملكي. ودارت عمليات التحول من نظم الأرستقراطية إلى الإقطاع والتجارة الدولية. وتحركت تناقضات سادت أرجاء الإمبراطورية، أصابت نظام الدولة بالشلل والعجز عن مواجهة المشاكل المتفاقمة، ولما سقطت الدولة العربية الإسلامية على أيدي القبائل الهمجية البربرية، كانت أولى أجنة الورش اليدوية والحرف تنهض في المدن، وكانت ستتحول إلى أجنة البورجوازية، لو قيض لها الاستمرار والتطور والنمو. ولكن تلك المنجزات التي تحققت أو تلك التي كانت على وشك التحقق، أجهضت وتوقفت عملية التطور المنشود في حدوده الدنيا.

 

كانت مسيرة التطور في أوروبا تختلف، فأن حياة البداوة لم تستمر طويلاَ بين القبائل، إذ استقرت قبائل آوروآسيوية وأخرى جاءت من شرق أوروبا استقرت حيث تتوفر المياه الوفيرة والمراعي، وأقامت دول المدن في اليونان قبل الميلاد وفي شبه جزيرة أبنينو (إيطاليا) مستفيدة ومتفاعلة مع التجارب الشرقية التي سبقتها في مسيرة الحضارة، ولم تتعرض إلا بدرجة محدودة لغزوات خارجية (الفرس والقرطاجيون)، وفي القرون الميلادية الأولى، كانت أنماط العبودية تتجه إلى التلاشي بعد أن أصبحت عائقاَ أمام تقدم وتطور علاقات إقطاعية أكثر تقدماَ، الأمر الذي حسم أيضاَ مصير دولة روما العبودية.

 

وقد شهدت القارة الأوربية في تلك القرون، أغارات من قبائل جرمانية بصفة خاصة وسلافية وغوطية وفايكنك وهون وغيرهم، وبنتائج تلك الإغارات وصراعات قبلية داخلية، سقطت الإمبراطورية الرومانية سنة 476 م وكان ذلك إيذانا بنهاية العلاقات العبودية وبدء العلاقات الإقطاعية، فيما لم تبدأ العلاقات الإقطاعية في البلاد العربية الإسلامية قيل القرن السابع أو الثامن الميلادي لا سيما في الأمصار المتخلفة ذات الطبيعة الصحراوية ولأنماط العلاقات البدوية، وبذلك فقد قطعت التطورات الاقتصادية في أوروبا أشواطاَ أسرع من تلك التي جرت في أماكن أخرى، ولكن حلول الإسلام وانتشاره السريع بصفة استثنائية (لم تستغرق الفترة بين تأسيس دولة المدينة وهيمنة العرب المسلمين على أجزاء واسعة من قارتي آسيا وأفريقيا و جزء من أوروبا سوى 13-15 سنة) قطع فيها الفكر العربي الإسلامي أشواطاَ سريعة وأكتسب نضجاَ أكثر بكثير مما توصل إليه الفكر السياسي المسيحي حتى حلول القرن السادس عشر، حيث تزامن عصر النهضة مع حركة الإصلاح الديني، الأمر الذي أعطى دفقه حيوية مهمة للفكر السياسي الأوربي الذي كان يتعثر بين المنجزات الفلسفية الإغريقية /الرومانية وبين اللاهوت المسيحي، حتى حل عصر الليبرالية، ومن ثم عصر التنوير الذي وضع هذه المنجزات في إطار فلسفي / سياسي / قانوني متماسك. ووضع أوروبا، الأقطار المتطورة منها بصفة خاصة، على طريق التحولات العميقة وفي المقدمة منها الاقتصادية / والصناعية / السياسية و الدستورية .

 

  3ـ  تأثير الدين في الفكر السياسي : ـ

 

أدركنا في كافة مراحل تطور الفكر السياسي، أن الدين مثل على الدوام عنصراً مهماَ في الحياة السياسية للمجتمعات منذ أن عرف الإنسان الاجتماع، فقد لعب دور الملاذ الروحي للإنسان لا سيما حيال القضايا التي تمثل لديه المجهول: الموت، القدر، الظواهر الخارقة، الكون، البعث.الخ ناهيك عن تفاصيل ومفردات كثيرة، كان عقل الإنسان يقف أمامها عاجزاً. ولكن هذا الجدار الحاجز كان يقل ارتفاعاَ ويقصر مدىَ كلما تقدم الإنسان في معارفه وكلما تقدمت المجتمعات وصار الإنسان سنداَ للإنسان، وتمكن من السيطرة على القوى الطبيعية وأدرك أسرارها.

 

وقد مرت المجتمعات الإنسانية في مرحلة كان المعبد فيها هو مقر الحكم، والكاهن الأعظم هو الملك بنفس الوقت، ونظريات حكم تزعم الحلول الإلهي، أي أن جزاْ من الآلهة قد حلت في الملك نتيجة اتصال بين الآلهة ووالدة الملك، التي كانت على الأرجح من العاملات في المعبد أو وفق نظرية التفويض الإلهي، أن الملك يحكم باسم الآلهة وتفويض منها.

 

وفي تاريخ العرب قبل الإسلام، لعبت الآلهة (وكان نظام العبادة عند العرب يعتمد نظام العبادة المتعدد القوى الغيبية Polodomnisim ) دور الوسيط بينهم وبين الخالق. وكانت الإلهي كثيرة العدد والوظائف، وربما كان لكل قبيلة آلهتها الخاصة بها. وكان في ذلك تشتيت للقبائل. وكانت القيادة الأرستقراطية تتخذ من الكعبة رمزاَ دينياَ ووسيلة للسيطرة السياسية، إذ كانت مستقراَ لعدد من الآلهة المهمة. وتمارس أيضاَ من خلالها نفوذاَ اقتصاديا خلال مواسم الزيارة والحج بتقديم القرابين والهدايا للأصنام والأوثان وإقامة الأسواق التجارية المهمة في المناسبات الدينية والتي قد تستغرق عدة أشهر سنوياَ ومناسبة للقاء التجار والمرابين وعقد الصفقات. فقد مثل الدين بالنسبة للأرستقراطية القبلية وسيلة للهيمنة السياسية والنفوذ الاقتصادي والسيطرة على القبائل من جهة، كما مثل من جهة أخرى غطاء للمصالح الاقتصادية والتجارية، الأمر الذي كان يضمن الزعامة والسيادة للتحالف القبلي الأرستقراطي بقيادة قريش.

 

وفور تشكيل الدولة الإسلامية مثلت الشريعة (القرآن ـ السنة = أحاديث أفعال الرسول (ص)) القانون الأساسي (الدستور)، والدليل النظري والسياسي للاجتهاد، وكان الرسول محمد (ص) حتى قبل وفاته يوصي ممثليه من ولاة المناطق بالعمل وفق نصوص الشريعة والاجتهاد والقياس عند عدم توفر النص وبالاجتهاد عند عدم وجوده.(3)

 

ولابد من الإقرار، أن الإسلام قد جاء بالكثير، وأثرى الفكر السياسي العربي بما مثل تقدماَ كبيراَ. فقد ذكرنا في مباحث الفصل الأول من الجزء الثاني الأفكار الرئيسية التي جاء بها الإسلام (ضمن الشريعة) أبرزها:

ـ الأمارة ومن مبادئها:  أداء الأمانة (سياسياَ) ـ الشورى ـ القيادة الجماعية ـ العدل  

                                        

ـ الدعوة إلى العمران ومن مبادئها:  العلم ـ المساواة ـ العمل ـ الحريات الجمعية.

ـ الأمر بالمعروف ومن مبادئه:  الصدق ـ التعاون ـ التضامن ـ الجهاد.

ـالنهي عن المنكر ومن مبادئه    :  الانتهازية ـ الفتنة ـ الخيانة ـ الرشوة ـ الربا .

ـ الاجتهاد والقياس               :  المبادئ المشتقة عنهما .

ـ مبادئ سياسية عامة            :  لا ضرر ولا ضرار ـ المحذورات تبيح المحظورات

                                       سد الذرائع ـ رفع الحرج ـ البراءة الأصلية ـ مبادئ

                                       الاقتصاد بالقوة ـ الابتعاد عن حكم الهوى. أحكام التعامل 

                                       مع العدو .

 

الإسلام لم يؤسس دولة ثيوقراطية، ولم تكن هناك مراتبية في المهام الدينية وليس هناك كهنوتية أو سلك رهبنة ولا أكريلس (قضاء ديني)، نعم، كان هناك التحام بين المهام الدينية والدنيوية(تركز ذلك في مرحلة الدولة الراشدية)، ولكن كان هناك اجتهاد وهناك تشريع جديد يساير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بصفة خاصة. والاجتهاد هو أحد الفصول الرئيسية التي جاء بها الفكر السياسي الإسلامي، مكنت الدولة العربية مواصلة العمل السياسي واتخاذ المواقف والقرارات السياسية، وبعض تلك المواقف، لم تكن تطابق أحكام الشريعة، فهناك مرونة بدرجة مقبولة، في حدود معلومة، لا تلغي شخصية السياسي المسلم المميزة ولا تجعل منه منافقاَ انتهازيا، أو متحجراَ في إطار معين لا مخرج منه. وقد تطور الاجتهاد إلى علم واسع يختص باتخاذ القرارات على كافة الأصعدة وفي مقدمتها السياسة.

 

ومن أهم المميزات السياسية التي جاء بها الإسلام، وكان ذلك أمراَ مهماَ في تلك القرون المبكرة، هو في صراعه مع قوى رجعية أرستقراطية قبلية كان نظامها السياسي يعتمد على الولاء للقبيلة والأسرة، والنظام كان عبارة عن سيادة تحالف قبائل وأسر وقوانين عرفية قبلية غير مكتوبة، فيما ركز الإسلام بصفة قاطعة على الولاء للدولة والعقيدة والدستور(الشريعة) وليس لقبيلة أو أسرة. وقد أضحت هذه المبادئ المنهل الرئيس الذي يستقي منه السياسي العربي المسلم قراراته وبذلك أثبت الفكر الإسلامي مرونته في تعامله مع الوقائع والأحداث ومع المستقبل.

 

الفكر الإسلامي لم يكن نرجسياَ، بل تعامل وتفاعل وتأثر وأثر بحضارات ومنجزات شعوب أخرى، ولم يكن فوضوياَ ولو كان كذلك لسقط في فخ التطرف. فقد آلت إلى الفشل والإخفاق والتلاشي تيارات سياسية إسلامية وغير إسلامية لمجرد أنها جنحت نحو التطرف. ولعل أبرز السمات الإيجابية، هي أن الشريعة الإسلامية لا تنطوي على نصوص تفصيلية، فعلى سبيل المثال، تنص الشريعة على وجوب اتخاذ الأمارة (وجود الدولة والحكم)، لكن دون الدخول في تفاصيل، ولو فعل ذلك لاستحال تنفيذها في كل مكان وزمان وكذلك حول مسألة الشورى، وهي فقرة مهمة في الفكر السياسي الإسلامي ولكن ليس هناك نصوص محددة حول أقامتها.ولكن مع أشارات كافية لضرورة قيامها .

 

وفرق مهم آخر، كبير ومهم بين المسيحية والإسلام. فالإسلام مثل للعرب الخروج من نفق مظلم، من الجهل إلى المعرفة، من التخلف إلى آفاق واسعة للتحضر والتطور ومن التبعية للقوى الكبرى، ليصبحوا هم بأنفسهم القوة الأعظم في العالم، ومن التجزئة إلى الوحدة وهو الشرط الأساسي والضروري لمواصلة بناء الحضارة العربية وتطور الفكر السياسي العربي بصفة خاصة.

 

وبالمقابل، فان المسيحية واجهت بناء فلسفياَ، فكرياَ وثقافياَ شامخاً في أوروبا. فالمنجزات كانت كبيرة حقاَ، تمثلت بأعمال الفلاسفة الإغريق والرومان على الأصعدة، السياسية والقانونية، ناهيك عن اتجاهات فلسفية عميقة. أما بصدد الدولة، فقد كان لتزاوج الفكر السياسي الإغريقي مع الفلسفة القانونية الرومانية ثماره ليس فقط على صعيد الفكر، بل على صعيد إقامة دول وإمبراطوريات عظمى، فقد كان هناك تجربة لإسكندر المقدوني التي امتدت من أوروبا حتى أواسط آسيا وشمال أفريقيا، وكذلك تجربة الإمبراطورية الرومانية. ومن البديهي أن فكرة الدولة كانت متطورة فيما لم تتقدم المسيحية بأي مشروع فلسفي أو فكري حول الدولة، أو حول قضايا سياسية وقانونية أخرى.

 

وليس هناك وضوح أكثر من إقرار الأستاذ الأمريكي، في مؤلفه (تطور الفكر السياسي) قوله: " بالنسبة للأفكار السياسية، فأن أفكار أباء الكنيسة كانت أغلبها هي أفكار شيشرون وسنيكا. ولتحقيق هذه الدقة في التاريخ، فأنه لا يوجد سبب لاعتبار عصر المسيحية بداية لمرحلة جديدة في الفكر السياسي، والمسيحية ذاتها وإقرارها كدين رسمي للإمبراطورية كان نتيجة للتغير الاجتماعي الفكري، الذي تفاعل لمدة طويلة، والذي أثر بدرجة تقرب من التساوي في مفكرين لم يعتنقوا الدين الجديد ".(4)

 

ثم يقول الأستاذ سباين في مكان آخر من مؤلفه الهام: " ويجدر بنا أن لا ننسى، أن هذه الإصلاحات في القانون الروماني لم تكن من نتاج المسيحية (النهوض بمستوى القانون العام إلى مستوى إنساني في احترام الفرد) بالرغم من أنها استكملت كيانها بعد العصر المسيحي، وليس هناك دلائل تبين وجود أثر للجماعات المسيحية من فقهاء التشريع في القرنين الثاني والثالث، ربما فيما بعد، في مراحل متأخرة حيث كان الهدف وضع قانون للكنيسة ورجالها وحماية مصالحها ".(5)

 

إذن فالمسيحية لم تضف شيئاَ جديداَ على الفكر والفلسفة في أوربا، لذلك نشأت مدارس تحاول أن تلائم بين الفلسفة التي كانت تمثل تياراَ قوياَ بتسيد ساحة الفكر والثقافة، مدارس مثل السكولاستية وغيرها، فيما كان الإسلام بالنسبة للبلاد العربية (موضع بحثنا)، فاتحة عهد للثقافة، وتطور الفكر السياسي بصفة خاصة.

 

قلنا أن المسيحية في باكر عهدها وجدت أمامها فلسفة إغريقية / رومانية ناضجة، ولم يكن بوسعها تجاهلها، بل هي أكثر نضجاَ بكثير من اللاهوت المسيحي الذي لم يكن ينطوي على اتجاهات فكرية وسياسية، لذلك فقد استوعبت الأفلاطونية في نظامها اللاهوتي على يد فلاسفة مثل: جيستان وتيوفيل ولوغستيان، ولكن سرعان ما نشب الصراع بين الفكر الفلسفي البحت والفكر الديني المدعم بالفلسفة المحورة (المعدلة)، وبدأت الكنيسة تتسلح بها، معدلة ومعدة لنقد ودحض اتجاهات الفلسفة المختلفة لاسيما تلك التي تقلل من أهمية الكنيسة واللاهوت. بيد إننا نجد أن هذا الصراع سيأخذ أشكالاَ هامة ومتطوراَ في المناخ الثقافي الإسلامي، وان الدين الإسلامي لم يظهر كاستمرار لفلسفة ما، فقد كان هناك انقطاعا طويلاً بسبب الهيمنة الأجنبية بين آخر كيان شرقي / عربي في المنطقة (سواء في اليمن ـ العراق ـ الشام ـ مصر) من تطور الفكر السياسي والفلسفي بصفة عامة، ثم كانت الصلات خفيفة أو نادرة بين الفلسفة العربية والهندية أو الإغريقية، بل أن الفكر الإسلامي جاء متناقضاَ بصورة تامة مع الفكر السائد في شبه الجزيرة العربية (نظم العبادة الوثنية المتعددة).

 

كان الفكر الإسلامي في موقفه من التاريخ وقضاياه المهمة استكمالياَ Melioriste أي أن العالم الراهن هو خير عالم مع إمكان صيرورته خيراَ مما هو بفضل ما يبذله الإنسان من جهود. (6)وهذا بحد ذاته هو موقف تقدمي (بالنسبة لما قبله)، لذلك جاء الفكر الإسلامي متناقضاَ مع الفكر الذي كان سائداَ في شبه الجزيرة العربية ( نظم العبادة الوثنية المتعددة) ومع معظم التقاليد الاجتماعية. فالإسلام ألغى معظمها، وأبقى على بعض التقاليد العربية. وكان ذلك مهماَ لأجل أن يدرك الفرد العربي خاصة والمسلم عامة، أن الدين يحترم كيانات المجتمعات ووجودها في احترام بعض التقاليد الاجتماعية. ولما كان لابد للمسلمين من فهم تعاليم دينهم الدينية والدنيوية والغوص في معانيه والعمل حسب قوانينه، فقد تكون فكر فقهي مستقل عن التأثيرات الفلسفية وغيرها، كما تكون فكر تاريخي عربي بحت لم يتأثر إلا قليلاَ بعوامل خارجية عن المناخ الثقافي العربي، وما لبث أن أتسع الفكر العربي ليأخذ في عصور ازدهاره (القرن الثامن الميلادي فصاعداَ)، أبعاداَ جديدة راقية في الفكر السياسي والاقتصادي.(7)

 

وإذا كان أول كتاب يضم بعض من مبادئ الفكر السياسي قد ظهر في أوروبا على يد جون سالسبري كان في عام 1159 م. وكان العرب المسلمون قد أنجزوا حتى ذلك الوقت المئات من الأعمال السياسية والاقتصادية، بعضها يمثل إنجازا كبيراَ في دنيا الفكر مثل: كتاب الخراج للقاضي أبو يوسف الذي ظهر في أواسط القرن الثامن الميلادي وكتب الماوردي، منها عمله الهام (الأحكام السلطانية)، القرن العاشر الميلادي، على أن الفكر الفكر السياسي الأوربي لم ينتج كتاباَ يستحق أن يعتبر سياسياً إلا على يد ميكافيلي في القرن السادس عشر وقوبل بالإدانة والمنع من قبل الكنيسة. ولم نجد مؤلفاَ يستحق الاهتمام فعلاَ، إلا مؤلف مونتسيكيو(روح القوانين 1734 )، ولم نشاهد بعده كتباَ سياسية مهمة، إلا في أواسط المرحلة الليبرالية، وحتى عصر التنوير، القرن الثامن عشر فما فوق، كتابات تفوق كتابات علماء السياسة العرب المسلمين التي كانت قد صدرت حتى ذلك الوقت، على أن هناك أعمالاَ رائعة حقاَ في الأدب والسياسة والتاريخ مثل: الخراج لأبي يوسف، الأحكام السلطانية للماوردي، المقدمة لأبن خلدون، أراء في المدينة الفاضلة للفارابي، سلوك المالك في تدبير الممالك لأبن أبي الربيع، السياسة الشرعية لأبن تيميه، بدائع السلك في طبائع الملك لأبن الأزرق، وغيرهم كثير.

 

ثم أن هناك ملاحظة أخرى تستحق التمعن فعلاَ: أن اليهودية قد حلت أولاَ في المشرق العربي، ولكن ألا يستحق التساؤل لماذا لم تتمكن أن تكون تياراَ نافذاَ، نعم كان هناك بعض التجمعات وأماكن العبادة قامت بأدوار ثقافية معينه، ولكن إشعاعها الفكري كان ضعيفاَ وظل محدوداَ في أضيق الدوائر، في كافة المجتمعات العربية، المتقدمة منها (الشام والعراق) أو المتخلفة منها (وسط شبه الجزيرة العربية) ولعل أبرز الأسباب في ذلك، أن اليهودية لجأت إلى تمزيق ولاءات الناس وإقامة كيانات وطقوس غريبة، وكان الأحبار يستعلون على بسطاء الناس ويمارسون التفوق عليهم، بفعل عقدة اضطهاد لم يتمكنوا التخلص منها حتى اليوم، كما أنهم تعاملوا في الوسط السياسي بانتهازية، وتعاونهم مع قوى أجنبية مثل: الفرس والأحباش في اليمن ودخلوا ميدان السياسة ليس كطرف وطني مدافعين عن المصالح الوطنية. وكان الرومان المسيحيون، ليظهرون الاحترام للمشاعر الدينية للمسيحيين العرب في العراق والشام ومصر، لذلك فقد قاتل مسيحيون عرب إلى جانب الجيوش العربية الإسلامية في كل مكان بشكل ظاهر وجماعي.

 

ولكن الدين والشريعة والعناوين المتفرعة عنها، لم تفقد أهميتها في الفكر السياسي العربي الإسلامي، بل مثلت المحور الذي دارت حوله الأفكار والاتجاهات اليسارية واليمينية على حد السواء، فكل الأطراف اعتمدت بسبب المرونة الفائقة في تأويل أهدافها، بناء على مفردات الشريعة، حتى تلك الحركات والانتفاضات التي كانت في جوهرها وأهدافها سياسية، إلا أنها ارتدت طابعاَ دينياَ بهذا القدر أو ذاك من التزمت أو المرونة من أجل كسب الجماهير وتعبئتها فحركات مثل الخوارج والمعتزلة وحتى المرجئة هي حركات يسارية، وانتفاضات وثورات مثل: الزنج والقرامطة، كانت اجتماعية الأهداف، إلا أنها اعتمدت تفاسير وتآويل من الشريعة وبسبب أن الدين كان يمثل قوة معنوية وسياسية هائلة يصعب تجاوزها، لا سيما عند السواد الأعظم، وقد أدى تفاعل هذه الأهداف بحيوية ونشاط إلى نضوج الفكر السياسي وكانت كل جهة تحاول أن تضعه في موقع يتلاءم مع الدين، أو أن لا يقف منه موقف العداء ولا نطلق على مثل هذه الاتجاهات سكولاستية، لأن السكولاستية كانت تحاول أن تلائم المسيحية مع الفلسفة الإغريقية / الرومانية، ليس مع أحداث العصر والتعامل مع أزماته.

 

أما في المسيحية، فقد كان الأمر يدور بطريقة متشابه ومختلفة، متشابهة بحكم أهمية الدين و الكنيسة في الحياة السياسية والاجتماعية، ومختلفة في التفاصيل والمفردات، فاللاهوت المسيحي ينص على أن الكنيسة تختص بالشؤون الدينية، والملوك والقياصرة بالشؤون الدنيوية، ولكن وضع الحدود بين السلطتين كان أمراَ عسيراَ حقا، والسلطة السياسية الحاكمة كانت تمثل الملك كسلطة دنيوية تمتلك قوة التنفيذ مدعومة بنظرية الحق الإلهي، والكنيسة كسلطة روحية تبارك وتمنح الشرعية، وأمراء الإقطاع والنبلاء بوصفهم سادة المجتمع والمهيمنين على الفعاليات الاقتصادية. وقد استمرت هذه المعادلة قائمة حتى عصر النهضة الذي كانت حركة الإصلاح الديني اللوثرية/الكالفينية من أبرز أسبابه وملامحهَ.

 

ولكن قبل ذلك لابد من أيضاَ من التشخيص بدقة، أن دور الكنيسة وهيمنتها الفكرية أولاَ، ومن ثم السياسية، كانت قد بدأت بالانحسار التدريجي منذ القرن الحادي عشر، بسبب نشاط الفلاسفة والمفكرين الأوربيين الذين كانت الأفلاطونية الأرسطوطاليسية ما تزال مؤثرة وقوية وقد ضاعف في تأثيرها، الأعمال الفلسفية العربية، لاسيما أعمال أبن رشد، الأمر الذي أضطر الكنيسة لمسايرة هذا الموقف المضطرب، بقيام رجال الدين من الاكليرس، بتطويع وتحوير الفلسفة الإغريقية /الرومانية/الرشدية العربية، بما لا يخرج عن اللاهوت. وأبرز من قام بهذه المهمة هو رجل الدين توما الاكويني122ـ1274، ولكن مهمة الاكوينيين الذين أطلق عليهم التيار السكولاستي Scholastism، (المدرسية) أخفقت أمام جسامة التطورات الفكرية والعلمية والأدبية والفنية التي سادت القرن الخامس عشر والسادس عشر، حتى كانت الحركة اللوثرية تعبيراَ دقيقاَ عن رضوخ الكنيسة لمتطلبات العصر وقبل كل شيء، للتحولات الاجتماعية والفكرية والثقافية، فقد كانت حركة الإصلاح الديني بمثابة إعلان لإطلاق التيار الديني الليبرالي التحرري.

 

والحركة الفكرية والفلسفية والفنية، بالإضافة إلى حركة الاكتشافات العلمية والجغرافية والاختراعات، أدت إلى تدوير حركة اجتماعية واسعة النطاق في المجتمع كما أدت إلى بلورة مواقف اجتماعية / طبقية جديدة، وبروز فعاليات اقتصادية / تجارية (مانفكتورات)، أدت بدورها إلى تراجع لدور الكنيسة في الحياة السياسية، ثم أعقبه مباشرة بروز دور البورجوازية التجارية / الصناعية، الأمر الذي قاد إلى تراجع دور الإقطاع، ليطرأ تحول مهم في الائتلاف القيادي ليصبح متمثلاَ بالملك والبورجوازية. وإذا كان قد بقي ثمة دور للكنيسة والقطاع، فليس أكثر من هامش بسيط، سوف يتلاشى ابتداء من عصر التنوير الذي كانت الثورة البورجوازية أبرز ظواهره بالإضافة إلى الثورة الصناعية.

 

وبالمقابل، فأن السلطات الدينية استمرت حليفاَ للسلطة الدنيوية، وبناء على ذلك، فأن الفكر السياسي كان لا يخرج عن إطار الدين وحتى العلماء المتنورين الذين كانوا يرفضون دور الكنيسة السياسي، كانوا لا يجهرون بالإلحاد أو أبعاد الكنيسة نهائياَ عن الحياة الاجتماعية، ولم يحدث ذلك إلا في المراحل أكثر نضجاَ وثورية من الثورة البورجوازية الفرنسية، أما تلك المحاولات التي ابتدأت في القرن الحادي عشر فصاعداَ، والتي أطلق عليها السكولاستية، فقد توارت نهائياَ، وبدا عسيراَ عليها الإجابة على تساؤلات القرن الثامن عشر، على ضوء الاختراعات والاكتشافات الجديدة.

 

وكان الفكر السياسي العربي الإسلامي قد خطا بدوره خطوات مهمة، باتجاه قبول تصاعد دور الدولة والمؤسسات التنفيذية والقضائية وتقليص هيمنة الخلافة، وقبول فكرة انفصال تام أو جزئي بين السلطتين الدينية والدنيوية، حدث ذلك عندما برزت قوى اجتماعية / إقطاعية وسياسية تمثل مراكز قوى تكونت في أرجاء الإمبراطورية العباسية، فنشأت مراكز خلافة في الأندلس وفي مصر الفاطمية، والإمام الزيدي في اليمن والإمام الخارجي في عمان والإمارة الحمدانية في الموصل وحلب، وعدد كبير من الكيانات هي في الواقع عبارة عن مركز نفوذ تمثل نفوذ قبيلة أو تحالف قبلي، كانت تدير نفسها بما يشبه الاستقلال، بالإضافة إلى الخليفة الشرعي في بغداد وقد أضحت مؤسسة الخلافة شكلية ليس إلا.

 

في مقر الخلافة، وعاصمتها بغداد، هيمنت قوى عسكرية / سياسية فظهر منصب أمير الأمراء أولاَ، ثم السلطان وكان يلي الخليفة في بروتوكول الدولة ويسبق منصب رئيس الوزراء وفي الواقع لم يعد للخليفة سوى الواجبات الدينية، فنرى أن المفكرين والفلاسفة العرب المسلمين تعاملوا مع هذه الظاهرة ووضعوا لها الإطارات القانونية. فقد كتب في هذه الموضوعات المهمة مفكرون مثل الماوردي وأبن تيميه، فتحدثوا عن وزارة تفويض ووزارة تنفيذ، وعن منصب السلطان وأمير الأمراء، ولا يهمنا هنا كثيراً معرفة بأي وجه كان المفكرون مضطرون لقبول هذه الظاهرة أو تلك، بقدر اهتمامنا أن الفكر السياسي العربي / الإسلامي تعامل مع الواقع الموضوعي بمرونة وتطور بما يلائم حاجات السياسة واحتمالاتها، وإن لم يتوصل إلى إقرار لآليات انتقال السلطة، ولكن للآسف أصيب الفكر العربي الإسلامي بانتكاسة خطيرة إذ أطفأت تلك الشعلة الوهاجة بسقوط الدولة العباسية وعموم المشرق بيد قوى همجية في وقت كان الفكر والعلم يخطو خطواته الحاسمة المهمة، ولربما كان فيها المفكر العربي، مع تسارع تنامي أجنة الأنشطة البورجوازية في القرن الثالث عشر الميلادي. ولعل توقف حركة الفكر في ظل الاحتلال الأجنبي يشير بجلاء إلى حقيقة أخيرة تستحق أن نشير إليها، هي أن الفكر لا ينمو ولا يترعرع إلا في ظل الحرية، وليس الحرية الشخصية، بل حرية الأوطان.

 

4 ـ تطور فكرة الدولة : ـ

 

خضعت تطور فكرة الدولة في كلتا التجربتين، الشرقية / الإغريقية والإسلامية / المسيحية لعناصر متشابه إلى حد كبير والتفاوت حاصل في المفردات بحكم تفاوت الظروف الذاتية والموضوعية وظروف الزمان والمكان ولكن جوهر الأمر متشابه كما هو الحال في البواعث المتشابهة.

 

فكما أن تطور الإنسان حتمت عليه الاجتماع، فأن الاجتماع أفضى بدوره إلى مجموعة من النتائج منها، أول تقسيم للعمل، ثم ضرورة الحكومة والدولة التي تقود الفعاليات وتسيطر على الأنشطة الدائرة. فمجالس إدارة القبائل كانت الأنماط الأولى للإدارة حيث كان يشترط جملة من الصفات القيادية منها: سعة التجربة وعادات العمل والمهارة في الصيد والبسالة الحربية والحكمة، ولم تكن السلطة وراثية، كما لم يكن الزعيم يتميز بشيء عن سائر أفراد القبيلة أو التحالف القبلي.

 

ولكن مع ظهور الأديان 50- 40 ألف سنة قبل الميلاد، والتي عبرت عن ضرورتها للإنسان، تبرر عجزه عن فهم الظواهر والأسرار الطبيعية، بالإضافة إلى إيمان الإنسان بالسحر والخوارق، طرأ جديد على نمط تفكير الإنسان وسلوكه، وأصبح الدين الذي كان فد غدت له مؤسساته (معابد رئيسية وفرعيه ـ كهنة ـ حاشية ـ وخدم المعبد ـ أراضي وإقطاعات ـ وكلاء للكهنة بين الناس ـ تقاليد ـ طقوس ـ تقاليد..الخ)، وأصبح عنصراَ مهماَ في حياة الناس، وقد وجدت هذه الأهمية تجسيدها في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية.

 

وفي مرحلة لاحقة للأديان، عندما توصلت البشرية إلى مرحلة علاقات الإنتاج العبودية وهي مرحلة أكثر تقدماَ من النظام المشاعي البدائي فقد أفضى نمو الإنتاج الزراعي واشتداد عملية تقسيم العمل في الزراعة إلى تفاقم الحاجة إلى العبيد، وبالتالي لم يكن بوسع مالكي العبيد، إخضاع العبيد والمشاعيين البسطاء إلا بوجود جهاز يمثل القوة وجهاز للعنف والقسر، وقد تكون هذا الجهاز تدريجياَ بشكل دولة وكان شن الحروب من أجل المزيد من العبيد والاستيلاء على الأراضي والثروات، بالإضافة إلى مهامها الداخلية من أبرز واجبات الدولة.(8)

 

وإذا كان الحاكم (الملك) قد مثل القائد للتحالف القبلي الأقوى فان المعبد والكهنة مثلوا القوة الروحية التي كانت السلطة بحاجة لها من أجل إسباغ شرعية السلطة وإجراءاتها، لذلك فأن المعبد كان يدير الفعاليات الحكومية. ولكن ما لبث أن أنفصل القصر عن المعبد كدلالة على اتساع عمل الدولة ومهامها. بيد أن التحالف أستمر وثيقاَ بين القصر والمعبد وليس نادراَ ما كان الملك بنفسه هو الكاهن الأعظم من أجل الحصول على مزيد من السلطة والشرعية معاّ لمنصبه. فالحاجة هي إذن متبادلة بين القصر الذي هو بحاجة إلى نظرية أخلاقية إضافة إلى القوة. والمعبد يكتسب نفوذ وقوة الدولة في إرهاب الرعية وفي ضمان الامتيازات الاقتصادية حيث امتازت المؤسسة الدينية بوصفها المالك الأعظم للأراضي أو أفضلها خصوبة وريعاَ (العوائد ).

 

أردنا بهذه المقدمة الوجيزة، استعراض التأثيرات والمنفعة المتبادلة بين الدولة والمعبد، ومن خلال هذا التحالف الوثيق، نشأت نظرية الحلول الإلهي، أي حلول جزء من الآلهة في الملك، ومن ثم تطورت بنتيجة وعي الناس إلى نظرية ما زالت قائمة حتى اليوم في بعض الدول، وهي نظرية الحق أو التفويض الإلهي، أي أن الحاكم مخول باسم الآلهة أو الله. وقد أطلق على الملوك أحياناَ: ظل الله في الأرض. 

 

وبعد نهاية الدولة المستقلة في الشرق، نهاية الدولة البابلية الثانية والآشورية ( حوالي 500 ق.م )توقف تطور نظريات الدولة والحكم بسبب هيمنة الإرادة الأجنبية على البلاد العربية (المشرق العربي بصفة خاصة) وما شهدته المنطقة من أنظمة سياسية كانت عبارة عن دول صغيرة (نسبياَ) وفي معظم الأحوال، مثلت إرادة القوى tالعظمى في تلك الأزمنة (الفرس ـ دول الديادوشين Diadochen: بطليموس في مصر وسلوقس في المشرق. ـ الرومان ) فأقامت أنماطاَ من الأنظمة: دول تحت الحماية Protektora، أو دولاَ تابعة Vasall state، أو دولاَ حاجز (وساده) Buffer state، فيما بينها لتكون أدوات في سياستها ولبسط الهيمنة والنفوذ، في توظيف قوى محلية لخدمة مصالحها وسياستها. وفي هذا الإطار مثلت دول تدمر ـ البتراء ـ الحضر ـ دولة الغساسنة ـ دولة المناذرة، وغيرها من الإمارات الصغيرة وقد مثلت نقاط عزل أو توازن بين القوى العظمى التي كانت تقف بقوة ضد طموحات قادة هذه الدول في التحرر والتوحد وممارسة تطور الدولة والفكر، كنظرية وممارسة، كما حدث مع دولة تدمر وملكها أذينة وزوجته الملكة زنوبيا من بعده.

 

بيد أن الإسلام أتاح هذه الفرصة للتطور النظري والعملي. فإلى جانب كونه دعوة دينية، كانت تنطوي على معاني سياسية واجتماعية، تحرر اجتماعي من الداخل وتحرر من القوى الأجنبية من الخارج. أما على صعيد الدولة، فأن فاتحة عمل الدولة الإسلامية كان صياغة دستور، سمي بميثاق المدينة(الصحيفة)، وكان دستوراً وضعياَ ينص على حقوق وواجبات الدولة والتزاماتها وكذلك حقوق البشر كأفراد مجاميع (قبائل) أو كطوائف دينية، وقد ضمن حرية التفكير الاعتقاد والعمل. وكان ذلك فور تأسيس الدولة في الطائف (المدينة) وكان ذلك في: 20 أيلول 622 م .

 

ولكن تلك المرحلة انقضت بعد أحد عشر عاماَ بوفاة الرسول(ص) الذي كان فيها القائد الديني والدنيوي، وكان على الدولة والحركة الإسلامية أن تختار من يخلفه، فاختارت القيادات والزعامات الإسلامية نظام انتخاب خليفة تتم مبايعته، فالبيعة هي قانوناَ تكريس أو تأكيد اختيار أو ترشيح أو تزكية. ولكن هذا المبدأ لم يكن محدد بدقة بسبب خلو الشريعة من مبادئ انتقال السلطة، فقد أختار الخليفة الأول (أبو بكر الصديق) قبل وفاته من يحل في موقعه بعد وفلته، ولكن البيعة كانت ضرورية في كافة الأحوال، وأختار الخليفة الثاني أسلوباَ جديداَ إذ عهد إلى ستة رجال ينتخبون أحدهم في نظام يضمن سلامة انتقال السلطة بأقل قدر من أسباب الخلاف والشقاق، ولكن مع ضرورة البيعة، فالترشيح هو ترشيح الحركة الإسلامية، والبيعة هي قبول تزكية الترشيح من قبل ممثلي الشعب.

 

والدولة الراشدية التي استمرت ثلاثون عاماَ تقريباَ، انتهت باغتيال الخليفة الرابع عام 6 61 م وكانت الدولة الراشدية قد أدت مهمتها التاريخية، ولكن التطورات الاقتصادية / الاجتماعية بالدرجة الأولى فرضت من خلال تبلورات جديدة، على هذه الأصعدة، لم تكن موجودة من قبل في عاصمة الخلافة، وفي الأمصار، علاقات جديدة قادت إلى تناقضات وصراعات لم تستطع دولة الخلافة من حلها واستيعابها في نظام علاقات يضع آليات مبتكرة لحل الأزمات والتيارات السياسية التي نهضت في أواخر العهد الراشدي، كانت تشد صوب ثلاث اتجاهات:

 

الأول ـ اتجاه الدولة: ويمثله الخليفة الراشدي الرابع (علي بن أبي طالب)، وهو اتجاه لا يخرج عن إطار الدولة وتوجهاتها الداخلية والخارجية.

الثاني ـ المعارضة المكية: وهي معارضة تمثلت باثنين من أصل ثلاثة من جماعة  

الشورى(بما في ذلك الخليفة نفسه)وهو اتجاه يهدف إلى أحياء التقاليد الأرستقراطية.

الثالث ـ المعارضة الشامية/ المصرية وقد تمثلت بحاكم الشام معاوية بن أبي سفيان وحاكم مصر عمرو بن العاص وهو اتجاه ديني/دنيوي يمثل التبلورات     الاجتماعية/ الطبقية الجديدة المتمثلة ببروز الإقطاع.

 

وبعد صراعات وحروب وفتن ودسائس، تغلب اتجاه المعارضة الشامية، وهو توجه يهدف إلى إعطاء الدولة أبعاداً جديدة بناء على التطورات الاجتماعية والسياسية، وبنتيجتها تأسست الدولة الأموية والتي أحتفظ الحاكم فيها بلقب خليفة، إلا أن ذاك كان شكلياَ وكذلك كانت البيعة، وأصبح الحكم أقرب فيه للنظام الملكي منه إلى النظام الشوروي الراشدي الذي كان أقرب إلى النظام الجمهوري وفق المفاهيم المعاصرة)، والحكومة فيه مركزية، تدير الولايات إدارة مباشرة من العاصمة.

 

ويمكننا القول، أن ظروف تطور فكرة الدولة كانت مترافقة بمؤشرات ثلاثة: ـ

 

آ ـ التوسع في الأرض لاسيما في أواسط آسيا، بعد أن وجدت الدولة هناك مجتمعات ذات هياكل سياسية واجتماعية هشة شبه بدوية ضمن موزائيك من الأعراق والطوائف وبتفوق عربي إسلامي واندفاعا من تلك شعوب تلك المناطق لتقبل الدين الجديد على أمل أن يحررهم من قيود العلاقات شبه العبودية.

ب ـ كانت عمليات التبلور الاجتماعي الطبقي، تدور ببطيء نسبياَ بسبب أتساع مسلحة الدولة وتدخل عناصر عديدة إلى صورة الموقف، أبرزها موقف الموالي (وهم المسلمون غير العرب) وكان التطور الفكري/الثقافي، لاسيما على الصعيد الفكر السياسي وتطور الدولة يدور تحت شروط معقدة، فالدولة كانت تواجه مشكلات سياسية واجتماعية واقتصادية تستدعي أيحاد حلول لها، فمن جهة تمثلت التحديات الخارجية بأعداء الدولة التقليديين، الإمبراطورية البيزنطية، وكان لابد من فعل الكثير لكي تكتسب الدولة ومؤسساتها صفة الاستقرار. وقد جرى تثبيت الدواوين (الوزارات) وكذلك إصدار عملة عربية وتعريب العمل في الدواوين، وسن قوانين وأنظمة لا سيما على صعيد الضرائب وغيرها.

 

وبهذا المعنى، فالتجربة العربية الإسلامية كانت تخوض على صعيد الدولة فكراَ ومؤسسات معركتها معتمدة على تجربتها الذاتية، وكان عليها أن تقدم الحلول الناجعة لمشكلات لا قبل لها بها، ولا بد أن تكون هذه الحلول غير بعيدة عن الشريعة وأحكامها، وهكذا نشأت الحاجة إلى تطور فكر الشريعة.

 

كانت التجارب والفكر الروماني والبيزنطي والفارسي، تمثل المصادر الرئيسية المتاحة بالإضافة إلى ما هو متراكم في الفكر والتراث العربي والتجارب الذاتية، وهي أيضاَ مصادر ثرية. ولكن لم يكن بوسع الدولة العربية الاقتباس عشوائياَ، فتلك التجارب لم تكن ناجحة في مطلق الأحوال، بدليل أنها أخفقت في إدارة الأمصار العربية، وعملية الاختيار والاقتباس من تلك التجارب لم تكن أمراَ بسيطاَ، ولكن الأساس الجوهري كان: أن الدولة كانت تختط أسلوب وفكر دولة يتلاءم مع الشريعة أولاَ، ثم مع ذهنيتهم ومزاجهم وتقاليدهم.

 

فيما كانت مهمة اللاهوت المسيحي أسهل بكثير، حيث لم يكن ينطوي على أفكار سياسية ولا مبادئ حكم، وكانت قضية الدولة متطورة فكراَ وممارسة، وكانت فكرة الدولة قد جرت مناقشتها بتردد لدى أفلاطون ولكن بعمق أكبر عند أرسطو، وقد انحاز لفكرة الدولة الدستورية وتلك خطوة متقدمة، والدولة عند أرسطو قانونية دستورية والحاكم مقيد بالقانون وإن كان حكيماَ فيلسوفاَ.

 

ولكن الأنظمة الأوربية، حتى ما بعد اتخاذها المسيحية ديانة رسمية، لم تكن لتعتمد دوماً على أفكار الفلاسفة. فالكثير منها ظلت أفكار مثالية، ولكن المدارس الفلسفية الأخرى كالرواقية مثلاَ، لعبت دوراَ مهماَ وكذلك رجال سياسة وقانون، أدواراَ مهمة في تطوير فكرة الدولة. وعندما حلت المسيحية في أوربا منذ القرن الرابع انتشرت وأصبح للكنيسة كيان مستقل عام 756 م (الفاتيكان) ابتدأت تمارس نفوذاَ في الحكم، إذ كانت المسيحية قد أحرزت مكانة شعبية،  وسلطة الدولة كانت بحاجة لها. وإن فكرة الحق والتفويض الإلهي هي قديمة منذ العصور الوثنية، فالسلطة دوماَ بحاجة إلى قوة روحية، والسيطرة على الجماهير تستدعي قوة، عدا حراب السلطة.

 

ويقول أيتان دي لابواسي في القرن السادس عشر " كيف يمكن لهذا الجمع من الناس والمدن والأوطان أن تتحمل كل شيء من طاغية لا حول له إلا ما يقدمه الناس إليه، فليس له أي سلطة حتى يلحق الضرر بهم، إلا إذا أراد الناس لأن يتحملوا ذلك منه، أو أن يسيئ إليهم إلا إذا حبذوا ذلك منه ولم يعارضوه. أنه فعلاَ لشيء مدهش أن نرى ملايين من الناس مكبلين خاضعين مطأطئين الرأس لعبودية محزنة، لا لأنهم قد أجبروا على ذلك، بل لأنهم كانوا مفتونين بأسم واحد أحد " .(9)

 

ومنذ القرن الحادي عشر ابتدأت مكانة الكنيسة بالانحسار، أولاَ بسبب فشل وعقم محاولاتها بالتلاؤم مع الفلسفة، وبالذات في القرن الحادي عشر ابتدأت الأفكار السولاستية في البروز، وهي محاول تجميل فلسفية للاهوت المسيحي. ورغم أن هذه المحاولات لاقت في البدء بعض التقدم على يد مؤسسيها الأوائل ثم أكثر من ذلك في عهد رجل الدين /الفيلسوف توما الأكويني،إلا أنها لم تصادف النجاح التام بسبب التطور السريع للأفكار الفلسفية، ولم يكن بوسع اللاهوت اللحاق بها. ومن جهة أخرى، كان التقدم على جبهة العلوم والثقافة والفنون عاملاَ حاسماَ آخر ساهم في إفلاس السكولاستية نهائياَ على أعتاب القرن الخامس عشر، فيما أوغلت الكنيسة الكاثوليكية في رجعيتها الدينية (قضية صكوك الغفران ـ عصمة البابا) واجتماعيا وسياسياَ بتحالفها الوثيق مع الرجعية الإقطاعية والقياصرة والطغاة. تلك كانت تناقضات لم تعد سكولاستية جديدة قادرة على حل إشكالياتها، فجاءت حركة الإصلاح الديني اللوثرية بأفكارها المثيرة، تلبية لضرورات اجتماعية / اقتصادية بالدرجة الأولى. فقد انطوت أفكار لوثر على ليبرالية واضحة، وجدت فيها البورجوازية ضالتها.

 

ثم أن التبلورات الجديدة قادت إلى موقف تحالف قيادي جديد في الدولة والمجتمع، فالمشروع البورجوازي للدولة وتصورها كان يتسم، بل يعتمد على الاستقرار ومتانة الموقف الداخلي لذلك كان الاعتماد على أجهزة الجيش والشرطة والقضاء كبيراَ لتحقيق ذلك الاستقرار. والتحالف الاجتماعي الجديد ضعف فيه نفوذ الإقطاع إلى أقصى حد، فيما تقدمت البورجوازية التي كان نفوذها قد بدأ يتسلل إلى كافة مرافق الحياة الاجتماعية والاقتصادية، والثقافية و الفنية وكان لابد من تجسيد هذا النفوذ عبر وجود قوى في الدولة، بل أن وجود الدولة وفق المشروع البورجوازي ستصبح تدريجياَ أداة بيد البورجوازية ليس إلا. وبهذا سوف يتحقق القانون: أن الدولة هي عبارة عن أداة الطبقة المسيطرة وأنها تستخدم قدرات الدولة لتحقيق هيمنتها، وقد كان الأمر كذلك يوم كانت الأرستقراطية القبلية بالتحالف مع المعبد (الكنيسة) ومع الملوك، يمثلون قمة الهرم القيادي، وفيما بعد أزاح الإقطاع الأرستقراطية القبلية، وأخذ النبلاء وأمراء الإقطاع مكانهم، وها هي البورجوازية قد حلت كقوة اقتصادية واجتماعية كبرى في المجتمع، فلا بد أن تأخذ موقعها، وقد ساعد على تحقيق هذا الهدف، أن البورجوازية (بسبب كونها أكثر رقيا وتحضراَ) وخلافاَ للأرستقراطية والإقطاع، كان لها مفكريها وفنانيها، شعراء وأدباء، نحاتين ورسامين وفلاسفة وموسيقيين، أبدعوا وتمكنوا من المساهمة في إتمام سيطرتهم وهيمنتهم.

 

أذن كانت فكرة الدولة عبر مراحل التاريخ تتطور أساساَ بناء على أمر جوهري وهو: التحولات والتطورات في الموقف الاقتصادي /الاجتماعي بالإضافة إلى عوامل أخرى هي في الحقيقة ناتج جانبي لهذه العملية، التي على هدى تسارعها وشدة وضوح التبلور الطبقي، كان الموقف السياسي على تلك الدرجة من الوضوح، فانتقلت فكرة الدولة من دولة المعبد إلى الملكية المطلقة، الملكية المتحالفة مع المعبد والأرستقراطية، إلى تحالف الدولة مع المعبد والإقطاع. وها هو الموقف التحالفي الجديد: الدولة (الملك) متحالفاَ مع البورجوازية. 

 

أما في العالم العربي فقد توقفت هذه العملية التاريخية ذات المحتوى السياسي /الاقتصادي / الاجتماعي / الفلسفي، بسبب وقوع الأقطار العربية تحت الهيمنة الأجنبية، وتحالف الإقطاع وفئات طفيلية مع السلطات الأجنبي المحتلة. ولم تصدر أي محاولات فكرية، فلسفية جديدة إلا مع بدايات عصر النهضة العربية، وفجر استقلال البلاد العربية فبرزت أفكار جديدة تبحث في العلاقة بين الدولة والدين وتطور فكرة الدولة. ومن أبرز علماء تلك المرحلة: جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، رشيد رضا، عبد الرحمن الكواكبي، علي عبد الرازق، وآخرون.

 

استمرت البورجوازية في أوروبا تحقق المزيد من المكاسب وتحقيق طفرة مهمة بتلاحم البورجوازية التجارية مع البورجوازية الصناعية الوليدة التي تمكنت من تطوير(المانفكتورات) الورش اليدوية إلى صناعات يدوية، وبذلك خطت الدولة إلى فكرة الدولة الدستورية الملكية، و الأنظمة الجمهورية.

 

 5ـ المؤثرات الثقافية : ـ

 

ساهمت المؤثرات الثقافية بكل فروعها الفلسفية ـ العلمية ـ الآداب ـ الفنون، على مسيرة تطور الفكر السياسي في كلتا التجربتين. ولكن بدرجات متفاوتة بطبيعة الحال. فالثقافة عامل مهم في رفع مستوى الوعي الإنساني، ولتفهم الظروف المحيطة به ولطبيعة الأنظمة والعلاقات.

 

 ويهتم البحث بالإجابة على التساؤل التالي:- هل تأثرت التجربتان بمؤثرات ثقافية على تطور الفكر السياسي ؟ وبأي مقدار ؟ وهل هناك اختلاف بين التجربتين ؟ .

 

ولابد لنا بادئ ذي بدئ أن نقول، أن الفلسفة في كلتا التجربتين تختلفان وتتناقضان مع الدين في مسألتين هامتين: ـ

 

الأولى: أن الفلسفة تدعي أن لا شيء خلق من لا شيء. والدين يؤكد (الإسلام والمسيحية) أن الله خلق الكون من لا شيء.

الثانية: أن الفلسفة تقول أن ليس هناك شيء مطلق خارج المناقشة والبحث، والدين يؤكد أن الخالق هو خارج المناقشة.

 

ولكن هذه الملاحظات عوملت بمرونة وبشدة في أحيان أخرى.

 

والفرق يكمن في: أن اللاهوت المسيحي وجد بناءَ فلسفياَ سامقاَ لا يمكن تجاهله، فقررت المؤسسة المسيحية التعامل معه. وأنظم الفلاسفة الأوربيون، ومنهم وثنيون، إلى الديانة الجديدة وهكذا أصبح للكنيسة فلاسفتها الذين حاولوا تضيق الفجوة بين الفلسفة الأفلاطونية الأرسطوطاليسية، وسائر المنجزات الفكرية والفلسفية الإغريقية والرومانية، فنجحوا في ذلك حيناَ، وفشلوا حيناَ، وليس نادراَ ما أتهم فلاسفة أوربيون بالهرطقة والإلحاد أو نشر أفكار وثنية وكان التصدي لهم يجري بأعنف الأساليب، ولكن بصفة عامة لم يعلن اللاهوت أو الكنيسة موقفاَ معادياَ رسمياَ من الفلسفة، بل أبدى، وإن ظاهرياَ، التقبل له والتعامل معه ولكن بحذر شديد.

 

في الإسلام، كان الأمر مختلفاَ بعض الشيء. فالشريعة الإسلامية لم تجد أمامها فلسفة عربية أو حتى فارسية أو هندية، ومنجزات الفلسفة الإغريقية لم تترجم إلى العربية وتطرح بين أيدي المفكرين والفلاسفة العرب إلا بعد مرور ما لا يقل عن 200-150 من الهجرة أي من العصر العباسي الوسيط فصاعداَ، ولكن قبل ذلك، ولا بد من تأكيد ذلك، واجه المفكرون العرب المسلمون، أنشطة وفعاليات ثقافية كانت تقوم بها الكنائس والأديرة المنتشرة بحدود معينة في العراق وسورية ومصر. وكان بعض الرهبان ورجال الدين المسيحيين يخوضون المناقشات مع المسلمين للدفاع عن معتقداتهم، وأن أصول علم الفقه الذي نما ونشط بعد الإسلام، وبعد انتشاره في الأمصار العربية وغير العربية. ويقول الأستاذ مصطفى عبد الرازق: " أن أصول الفقه موضوع حقيقي للفلسفة، وأن العرب كغيرهم كونوا مناهجهم وآرائهم الفلسفية قبل اتصالهم بالفلسفة اليونانية. فالإسلام عندما توسع في البلدان المجاورة، وجد كنيسة منظمة تدافع عن المسيحية بمناهج منطقية مدروسة ومحللة بواسطة الديالكتيك اليوناني، وكذلك أديان وثقافات. فكان على رجال الإسلام في معاركهم الأيديولوجية أن يدحضوا الخطاب بالخطاب، وأن يستعملوا الديالكتيك والحوار وأن يدافعوا عن العقيدة الإسلامية وأن يبحثوا في مشاكل فلسفية كالعدل والحرية والكون وقد تجلى ذلك في فكر المعتزلة.(10) ولكن ذلك لم يحدث كما قلنا قبل عام 800-750 م فما فوق.

 

وفي الواقع، أن الفلاسفة العرب المسلمين تعاملوا مع الفلسفة بمواقف متفاوتة. فمثلاَ أن الفارابي لم يكن يخفي إعجابه بالفلسفة الإغريقية، ولكن دون أن يخرجه هذا عن إطار الشريعة، ولكن الغزالي تعامل مع الفلسفة بتحفظ ولم ينكر أهميتها ودراستها والتعامل معها بقوله: "أعلم أن العقل (الفلسفة) لا يهتدي إلا بالشرع، والشرع لم يتبين إلا بالعقل. فالعقل كالأساس والشرع كالبناء، ولن يغني أساس ما لم يكن بناء ولن يثبت بناء ما لم يكن له أساس. والعقل كالبصر والشرع كالشعاع، ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من الخارج ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر. قال الله تعالى: " قد جاءكم من الله نور وكتاب بين يهدي به الله من أتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور " 16-15 /المائدة فالشرع عقل من الخارج والعقل شرع من الداخل وهما متعاضدان بل متحدان "" (11).

 

ويضيف الغزالي بقوله: "فالشرع هو نظام الاعتقادات الصحيحة والأفعال المستقيمة الدالة على مصالح الدنيا والآخرة ومن عدل عنه فقد ظل سواء السبيل و إلى العقل والشرع قال الله تعالى " ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاَ " 85-84 /المائدة.(12)

 

فالفلاسفة المسلمون لا يعلنون موقفاَ معادياَ من الفلسفة، حتى أن فيلسوفا مثل الغزالي الذي له ردود قاسية على الفارابي وأبن رشد ويتهمهم بالدهرية، والدهرية موقف يشابه موقف السكولاستية، أي محاولة أيجاد سبل ملائمة الفلسفة والدين.

 

ومن المفارقات الغريبة، أن نجد نصاَ من النصوص المسيحية في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر، إذ يحاول القديس توماس بكلمات متشابهة إلى حد مدهش ما ذهب إليه الغزالي إذ يحاول أن يثبت صحة اعتقاد العقل و الإيمان (الدين والفلسفة) يقوله: " أن اللاهوت مكمل للنظام الذي يكون العلم والعقل بدائه، ولا يقضي على اتصاله مطلقاَ، والإيمان متمم للعقل وهما معاَ مصدرا العلم و المعرفة، ولا يمكن أن يصطدما أو يعملا باتجاهين متضادين "".(13)

 

اللاهوت المسيحي وجد صعوبة في التنصل من منجزات الإغريق والرومان قبل حلول المسيحية ففي التعرض الصريح لها إلغاء لتراث مهم من حضارة الشعوب الأوربي، على عكس الشريعة الإسلامية التي كانت تتحرك بحرية نسبية، فالحركات والأحزاب السياسية العربية الإسلامية، كانت في تكونها ومواقفها من الدولة الأموية ثم العباسية، تشهد حركة فكرية نشيطة، وكانت هناك مواجهات أيديولوجية عنيفة، تستخدم الفلسفة لتبحث في أصول السلطة السياسية وقوامها الدين وفهم الدين بما لا يتعارض مع المآرب السياسية. فقد أكدنا مراراَ أن الشريعة والشعارات الدينية كانت البوابة التي عبرت من خلالها الشعارات السياسية، واستخدمتها الأطراف كافة، اليسار واليمين على حد السواء.

 

فالمسلمون تعاملوا مع الفلسفة ولكن بحذر، حذر الوقوع في شرك الأسئلة. فالفلسفة جذابة في قوة منطقها، والثقة التي تطرح نفسها فيه، والفارابي (950-870)، على سبيل المثال الذي لقب ( المعلم الثاني وكان أرسطو قد لقب بالمعلم الأول )، أخذ من غيره ولكنه وضع فلسفة في الإطار الذي يتلاءم وظروف البيئة التي عاش فيها. فقد أخذ عن أرسطو وأفلاطون، ولكنه فعل ذلك بصيغة إسلامية واضحة، وكان الفارابي يهدف إلى التأكيد، أن المعتقدات الإسلامية لا تتناقض مع الفلسفة والفلسفة الإسلامية خاصة.

 

ويلاحظ هنا كم تتشابه هذه المساعي مع السكولاستيين، ولكن مع فارق مهم، أن السكولاستية تيار قام بمباركة الكنيسة أنها أدركت أنها عاجزة عن مواجهة الفلسفة، لأنها لا تمتلك شيئاَ تواجهه به. والسكولاستيون كانوا في الغالب رجال دين، فيما وصفت مثل هذه التيارات عند المسلمين بالدهرية وهي صفة سلبية عند المسلمين، وكان من يتهم بالدهرية يسعى جاهداَ نفي هذه الصفة عن نفسه وفكره. وفلاسفة مسلمون مثل الغزالي لا يهاجمون الفلسفة علناَ..! ، وقد نفى الدهرية عن نفسه فلاسفة كالفارابي أو محدثون مثل الأفغاني ( 1897-1839 )، الذي كان ينفي الدهرية عن نفسه، فيما كان يسعى إلى ترويج أفكار تحاول أن توفق بين الدين وعقلنه الحياة ولكن بحذر وتردد.(14)    

                                 

ونزعة التوفيق وهي نزعة عرف عنها ليس الفارابي فقط، بل وعدد كبير من الفلاسفة والمفكرين العرب، فقد بدا من العسير حقاَ تجاوز أو تجاهل ما جاء به الإسلام من نهضة علمية وفكرية، فالإسلام لم يكن قط معادياَ للعلم والتقدم، ولكنه حذر من الدخول في ممرات ودروب تفضي إلى السؤال الأكبر: ماذا بعد الموت..؟ من خلق الكون ؟ ومحاولة فلاسفة عرب ومسلمون التعامل مع معطيات الحضارة الغربية كانت فاشلة لأنها و كما يقول الأستاذ التريكي (الفلسفة الشريدة)، وبها يصف تجربة الأفغاني ومحمد عبده بالذات " توفيقية وتلفيقية، لأنها لم تستطع أن تتفاعل تفاعلا مجدياَ مع الحضارة الغربية لإنتاج البديل الثقافي الخلاق " ويرى الأستاذ التريكي أن الابتكار الفلسفي في الإسلام يكمن في علم الكلام الذي أنتج مذاهب كبرى في تفسير الكون واكتشاف القوانين الوجودية وتوصلهم إلى فهم الوجود للحركة والعلة، ولا بد أن نشير إلى الإبداع في الفلسفة العربية ليظهر بكل جلاء في الخطاب الخارجي للفلسفة، ذلك الخطاب الذي أرتبط بميادين أخرى، لهذا نراه في الفقه والكلام وفي الرياضيات وفي العلوم الأخرى، وفي الجماليات وفي الفلسفة الاجتماعية السياسية وما جاء به الطبري والبيروني وأبو حيان التوحيدي وأبن مسكويه وابن خلدون وغيرهم.(15)

 

وبالمقابل، فقد أحدثت الفلسفة تيارات، وربما أعاصير في المسيحية وإن اختلفت شكلها ومضمونها عن تلك التي حدثت في الإسلام، ولكن بجوهر واحد. قلنا أن اللاهوت المسيحي منذ البداية قبل بالفلسفة لعجزه عن مقاومتها، وقام بمجهودات رسمية على يد قساوسة لتجسير الهوة بين الفلسفة الغريقة / الرومانية وبين اللاهوت. ولكن ذلك لم يكن يعني نهاية الصراع . نعم، كان ينظر إلى الفلسفة باحترام، ولكن بعضهم نظر إليه بوصفه من أتباع الشيطان. وجوهر الصراع والخلاف هو واحد في التجربتين، فعدا البحث في الإلهيات والذات الإلهية، كان الصراع في أوروبا المسيحية يتمحور حول مسألة السلطة وحدود السلطتين الزمنية (الدولة) والروحية (الكنيسة).

 

حقاَ كانت هناك هوة، والهوة كانت هاوية عميقة، أوضحه البابا انوسنت الرابع Annozenz المتوفى1276 )، إذ قرر أن من حق البابا التدخل في السلطة وحتى خلع الملك المستهتر، وأن البابا هو خليفة المسيح بقوله " أن السيد المسيح نفسه جعل بطرس وخلفاء بطرس خلفاء له حينما أعطاهم مفاتيح ملكوت السماوات وقال لهم " أطعموا أغنامي "(16). وهكذا فأن البابا منح نفسه سلطة تسبغ عليه مركزاَ قيادياَ وتعطيه سلطة مراقبة ومراجعة فعاليات الدول والحكومات المسيحية والإشراف عليها. ثم جاءت نظرية سانت أوغستين لتدعم هذه النظرية التي أصرت على التمسك بأن النظام المسيحي يحتم أن تكون الدولة مسيحية. ويقول أيجيديوس كولونا " أن السلطة الروحية التي يتولاها البابا هي سلطة فريدة تعلو على ما عداها وللسلطة الروحية الحق في أن تقيم السلطة الزمنية وتشرف عليها ".(17)

 

والصراع بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية أسفر عن نشوء نظرية السيفان، جلاسنوس Gelasian، كما أن الصراعات داخل الكنيسة المسيحية أنتجت تيارات ومذاهب لم تتمثل بالانشقاق الرئيسي بين الكنيسة الشرقية والغربية، أو الكاثوليك والأرثودوكس فحسب، بل وأنتج حركات الإصلاح الديني، أشتهر منها اللوثرية ـ كالفن، وكوسوي، وتلاشت حركات أخرى في مهدها بفضل القمع البابوي وبمساندة السلطات، وتحولت أخرى إلى مذاهب دينية /سياسية /فلسفية لاهوتية، مثل اليعاقبة والجزوبت والدومنيكان والفرنسيسكان وغيرهم. كانت انعكاساَ للقضايا التي أثارتها الفلسفة بين القرن الحادي عشر والقرن الثامن عشر، حيث هبت الثورة البورجوازية الفرنسية التي أعلنت رسمياَ تصفية أملاك الكنيسة الدنيوية وحسمت المعركة لصالح الفلسفة بصورة تامة أو شبه تامة، فيما بقيت هذه المسألة في البلاد العربية والإسلامية (الفكر السياسي والدولة) مسألة مثيرة للنقاش والجدال بهذه الدرجة أو تلك من السخونة.

 

وإذا كنا قد ركزنا على الفلسفة بهذا القدر من الأهمية، فذلك أن دورها كان كبيراَ حقا في تطور الصياغات الثقافية، وأثرت ليس على تطور الفكر السياسي فحسب، بل وحتى على نشوء مدارس ومذاهب داخل الأديان نفسها، كما أنها أثرت بصورة مباشرة على نضج ووعي الناس والاتجاهات الاقتصادية والعلمية والفنية والأدبية.

 

وعندما نقرر أن الإسلام مثل ثورة على كافة الأصعدة، فنحن لا نمنحه قيمة اعتباطية. فالحياة الثقافية العربية شهدت قفزة كبيرة إلى الأمام، وابتداء ذلك باللغة نفسها التي هي عماد الثقافة على اختلاف فروعها. فمن الثابت أن اللغة العربية كانت على لهجات متقاربة ومتباعدة عن بعضها ألفاظا وكتابة. ونزول القرآن في نهاية القرن السابع الميلادي، حيث لم تكن اللغات الأوربية قد تبلورت بعد، بل وستمضي قرون كثيرة، حتى تتبلور اللغات الأوربية بشكلها الحالي الذي نعرفه اليوم، فيما مثل نزول القرآن بلغته الحالية (لهجة قريش) جعلها اللهجة السائدة وإلى اللغة العربية الرسمية، لغة سياسة وإدارة وأدب، بالطبع مع اعتبار أن لهجة قريش لم تكن بعيدة عن اللهجات العربية، بل لأنها كانت أساساَ وسطاَ بين تلك اللهجات.(18)

 

وإذا كان الحياة الجديدة نهضة اجتماعية / اقتصادية في مختلف الأمصار العربية، نهضة نوهنا عنها قي مباحث الكتاب، كان من شأنها الارتقاء بمستوى الحياة مما يؤدي تلقائياَ إلى خلق موضوعات ثقافية جديدة أنطلق صوبها الأدب والثقافة العربية. وإذا كان الشعر هو الميدان الرئيسي في الأدب العربي، وكذلك أدب الحكايات والأساطير وسير الأبطال والحروب، إلا أن الثقافة العربية شهدت بصفة خاصة تطوراَ مهماَ في ميادين جديدة مثل أصناف الملابس والأطعمة وعمارة الأبنية، حيث اختلطت الأذواق والأمزجة العربية والشرقية والإسلامية، بأنماط رومانية وفارسية وهندية، وإن لم تكن هذه جديدة تماماَ فقد كان العرب قد تعرفوا عليها في مراكزهم المتقدمة، العراق والشام ومصر إلا أن التجربة الجديدة كان لها مداها الواسع ونتاجها الثري، فقد تعامل الفكر العربي والثقافة العربية من موقع القوة وبفعل الاتصال الوثيق والمصالح اليومية على كافة الأصعدة.

 

فقد كان على سبيل المثال، التوجه لبناء المساجد وبروز أنماط جديدة من العمارة العربية، وإذا كان الإسلام قد تعامل مع الرسم بحساسية، إلا أن ذلك أستعيض عنه بفن الزخرفة والموزائيك والفسيفساء، وتجلى خاصة في فن الخط العربي وأنواعه، وقد جاء ذلك واضحاَ بصفة خاصة في المسجد الأموي في دمشق وجامع قبة الصخرة في القدس والجامعة المستنصرية ببغداد وقصور الأندلس وجوامع القاهرة والقيروان.

 

والقرآن بحد ذاته، قاد بحك لغته العالية أولاَ، والموضوعات التي تناولها: المعاملات مثلاَ، إلى ازدهار الفقه القانوني وتقدم علوم النحو والصرف وقصص الأنبياء الواردة فيه، إلى بروز نمط جديد في كتابة التاريخ. فظهرت أعمال ذات مستوى راق، مثل كتاب الطبري والمسعودى وأبن كثير في التاريخ، ثم موسوعات في اللغة مثل أعمال: أبن منظور والفراهيدي وغيرها، وهي أعمال لم ينجز لها نظير في أوروبا إلا بعد ستة قرون تقريباَ. وكل ذلك يشير في النهاية إلى رقي في الحياة السياسية والاجتماعية، ولولا ذلك الرقي لما استطاع الإنسان أن يقدم هذه المنجزات، وهي بديهية فالمكبل لا يستطيع العمل والإنتاج ولا يزدهر فكره. ويقول د. طه حسين " الأدب فن راق، إذا ارتقت السياسة أزدهر، وهو منحط جدب إذا انحطت الحياة السياسية وعقمت ".(19)

 

وفي أوروبا كان الأمر يدور على نحو آخر، فالمسيحية عندما حلت في أوروبا، وجدت ليس ذلك البناْء الفلسفي الشامخ، بل وفنوناَ مزدهرة كالمسح والعمارة بحكم توفر الرخام ذو الألوان الرائعة في اليونان وإيطاليا توفر التراب، وبواسطة الرخام أنجز بناء معابد وأبنية رائعة، وكان الإغريق قد تلقوا أثناء امتزاج الحضارتين الهيلينية والشرقية بفرعيها، الرافديني والمصري فقرات عديدة منها على سبيل المثال: الأعمدة والتيجان التي تعلوها، فهي موجودة في الشرق قبل بناء المعابد اليونانية. والموسيقى والرياضة.

 

ولكن أوروبا كانت على الرغم من ذلك تفتقر إلى مسألة رئيسية بتقديرنا، وهو الشعور بالانتماء إلى أمه، ولم تكن هناك حدود في أوربا التي كانت عبارة عن قبائل البعض منها تحوم ظلال من الشك حول جذورها. كما كانت أوربا تفتقر إلى اللغة القومية. وبإقرار أوثق المصادر الأوربية، فأن أهم أفضال حركة الإصلاح الديني اللوثرية، هي عندما أقدم مارتن لوثر ( وربما كان ذلك كان عملاَ جريئاَ ) على ترجمة الإنجيل من اللاتينية إلى الألمانية، وأصبح مرجعاَ مهماَ وبلغة ألمانية موحدة ذات نظام وقواعد واحدة، ولكن ذلك لم يتم قبل القرن السادس عشر، ولعل في ذلك السبب في أن فكرة القومية تأخرت في أوروبا حتى ذلك الوقت. فألمانيا وفرنسا كانتا موحدتين حتى عام 1100 م. وكذلك إيطاليا مع ألمانيا. وكان ذلك مترافقاَ مع عناصر وعوامل أخرى مهمة، على رأسها التبلور الاجتماعي / الطبقي الذي أبرز البورجوازية الصناعية. وهذه جميعها من آثار ونتائج ثلاث تيارات رئيسية في أوروبا:

 

أولاَ ـ حركة الإصلاح الديني الذي أبعد نفوذ الكنيسة وحرر العقل.

ثانياَ ـ حركة النهضة التي أطلقت إبداع الإنسان الفكري والعلمي والفني.

ثالثاَ ـ الثورة البورجوازية الفرنسية التي حررت يد الإنسان وأطلقت قواه للعمل بلا حدود.

 

وعلى درجة تطور هذه القوى الفكرية والثقافية، وتنامي المسألة القومية، كان مؤشر الازدهار السياسي والاقتصادي يتصاعد، فقد كانت بريطانيا أولاَ (في القرن السابع عشر ) ثم فرنسا (في القرن الثامن عشر، سباقتان إلى الثورة القومية، لذلك كانت درجة تقدم بريطانيا، والفكر الاقتصادي بدرجة خاصة والفلسفة عامة، هو ما أهلها لافتتاح عصر النهضة الصناعية أولاَ، وبعدها فرنسا، وكان لتأخر هذه الثورة القومية في ألمانيا وإيطاليا (تأخرت وحدتهما القومية) السبب في تأخرهما دخول حلبة الدول الصناعية، المتطورة في بنائها السياسي والدستوري.(20)

 

 وعلى صعيد الفلسفة التي كان لها دورها الأساس في إنهاء احتكار الكنيسة وفي تصديها للمحاولات العبثية لتجميل اللاهوت التي كانت تهدف إلى تبرير وجود وهيمنة الأنظمة الإقطاعية المطلقة والمفاهيم الإقطاعية والدينية، وتلك كانت مهمة مفكري عصر التنوير، وإبراز لأهمية فكرة الوحدة والدولة القومية.

 

وفي الفكر العربي الإسلامي، كان مفهوم الأمة من المفاهيم التي طرحها الإسلام في القرآن والحديث، وهنا في هذا النص " وجعلناكم شعوباَ وقبائل لتعارفوا " 48 هود ) فهذا القرار للاختلاف بين مجتمع وآخر على مستوى التكوين الديني والاجتماعي والذهني والمزاجي ومكونات اللغة والثقافة، وفي أكثر من آية يشير القرآن إلى إمكانية تعايش المسلمين مع غيرهم من الديانات الأخرى وقد مارسوا ذلك فعلياَ. وكذلك ذهب مفكروا الإسلام مثل: الجاحظ الذي يرى في رؤية مبكرة أن، الثقافة واللغة والأخلاق المشتركة والبيئة الجغرافية هي التي تعطي الأمة صفة الوجود. وكذلك ذهب المؤرخ المسعودي الذي يشير إلى الموقف الحضاري المشترك، ووحدة الثقافة واللغة والقيم المشتركة.(21)

 

وكان المفكر والفيلسوف أبن خلدون قد تحدث عن العصبية بتفصيل وإسهاب كافيين، على أنها الفكرة الجامعة لشعب أو أمة، وأن السلطة السياسية تشتد وتقوى عندما يجمع شعبها رباط وعصبة قوية. ورغم لأنه لا يذهب إلى درجة كافية من الوضوح ليتحدث عن الدولة القومية بمفهومها القانوني الدستوري الحديث، ولكننا نرى أن إشاراته هي رؤية سياسية / فكرية مبكرة وذات مغزى مهم.

 

واستطراداَ في مناقشة فكرة الدولة القومية، نتيقن أنها ليست فكرة إقطاعية. ولو كان الأمر كذلك لكانت أوربا قد أدركته خلال عصور الهيمنة الإقطاعية الطويلة على المجتمعات الأوربية، كما أنها ليست بورجوازية، فلو كانت كذلك فكيف أنتبه لها أبن خلدون بهذه الدرجة من الوعي. أن فكرة الدولة القومية هي جزء من الوعي السياسي لأي شعب يحس ويشعر بكيانه ويدرك أبعاد وحدود بلاده ومصالحه الحيوية والاقتصادية في المقام الأول. كما يشعر بلغته وتميزها، وثقافته وتأريخه. فقد كانت حقيقة تاريخية قد ترسخت منذ العصور البابلية والآشورية، أن جبال الأناضول شمالاَ وجبال زاغروس شرقاَ مثلت الحدود الطبيعية لمنطقة كانت على الدوام مرتعاَ لشعب سام يتألف أساساَ في معظمه الغالب من أقوام هاجرت من شبه الجزيرة العربية واستوطنت أحواض الأنهر، ومضت تواصل تثبيت ألوانها الثقافية، وتكتسب ملامح محددة بمرور الوقت، أنماط معيشة واقتصاد، ثقافة ولغة، عادات وتقاليد، شدتها مفردات الحياة وأحداث تاريخية إلى بعضها البعض. وقرأنا في الألواح البابلية لأول مرة كلمة عرب، عربو، أرابيا، بحدود ألف قبل الميلاد فصاعداَ.

 

ويكتب الفيلسوف الهنغاري المعاصر جورج لوكاس شيئاَ يقارب ما نذهب إليه: من أن لا قاعدة نهائية للمسالة القومية، فهذه تتشكل وتتكون وتنعقد شروطها وصفاتها بصورة قد تتفاوت من مكان لآخر ومن مرحلة لأخرى، فيقول: " وعلى نقيض الوضع في إنكلترا أو فرنسا حيث كان التوجه السياسي لأمة قد تحقق فعلاَ بشكل أساسي عندما طرح التصور الاقتصادي للرأسمالية، مسألة الثورة الديمقراطية البورجوازية (القومية) على جدول الأعمال. ولكن تطور ألمانيا قد انطوى على تناقض، وهو أن المجتمع البورجوازي الناشئ كان عليه أن يحقق الوحدة القومية أولاَ وأن تحقيق الوحدة القومية أصبحت المسألة المحورية من ثورتها الديمقراطية البورجوازية ". (22)

 

وحول المسألة القومية أيضاَ، وانطلاقاَ من فكرة أننا لا يمكننا أن نحكم أو أن نقيم أحداث جرت قبل ألف وأربعمائة عام بمقاييس اليوم، إذ لا بد من الأخذ بالاعتبار، الظروف الموضوعية والذاتية لتلك الأزمنة، والأمر كذلك فعلاَ، فيقول الأستاذ البريطاني (اللبناني الأصل) البرت حوراني، إن فكرة القومية العربية الحالية اكتسبت قوة سياسية في القرن العشرين ولكن: " إذا ما توغلنا في الماضي نجد أن العرب كانوا دوماَ يحسون إحساساَ فريداَ خاصاَ بلغتهم، وأنه كان لعم قبل الإسلام إحساس عرقي، أي نوع من الشعور بأن وراء منازعات القبائل والعائلات وحدة تضم جميع الناطقين بالضاد والمنحدرين من القبائل العربية.

فمن المؤكد أن التجارب متفاوتة في مفرداتها.(23)

 

نعم، ساهمت أعمال كتاب وفلاسفة وعلماء وشعراء وفنانون وأدباء في خلق شخصية الأمم ومنحت أعمالهم تلك المرحل نكهتها وطابعها، وهناك شعوب مدينة لقصائد وأعمال فنية وأعمال عمرانية، سواء كانت مساجد أو كنائس أو قصور، أغاني، أعمال فنية وموسيقية خالدة وأناشيد، أصبحت رمزاَ لتلك الأمم وأدت دورها الكبير، مثل المسجد الأقصى والكعبة، المدرسة المستنصرية، أسد بابل، الأهرام، المعلقات، ألف ليلة وليلة، أنشودة الله أكبر، معبد الأكروبوليس في اليونان، أسطورة الماراثون، ملعب الكوليزة في روما، أعمال الواسطي، دافنشي، أنشودة المارسيليز الخ، أسماء وشواهد كثيرة، هي حصيلة الإنسان في مسيرة الحضارة، بتراكمها أخرجت العالم من ظلام العصور الحجرية إلى القرن الواحد والعشرين و الألفية الثالثة.

 

 6ـ المؤثرات الخارجية: ـ  

 

لا يمكننا تصور قيام وترعرع حضارة لشعب أو أمة دون أن تكون قد اتصلت بمنجزات شعوب أخرى، واقتبست منها، ولا شك أن عزلة شعب من الشعوب هو أحد أسباب لانحطاط درجة أو مستوى تقدمه، فمن الثابت علمياَ أن أحد أسباب تطور البشرية هو قابلية الإنسان على التعلم. التعلم ممن..؟ ، التعلم أولاّ من تجاربه الذاتية، ولكن أيضاَ من تجارب الآخرين وهي تعبر عن ذكاء الإنسان. ولعل انزواء بعض الحضارات وابتعادها عن الاحتكاك والتماس مع الآخرين هو السبب في بقائها حضارات أو تجارب منغلقة، لم تفضي إلى نتائج كبيرة، أي لم تؤدي بها لأن تكون حضارات عالمية المستوى.

 

فعلى سبيل المثال: هناك 2800 لغة في العالم، ولكن كثير من اللغات لم يسمع بها أحد، ناهيك عن تأثيرها، وكثير من اللغات لم تعد موجودة، وأكثر منها من اللهجات. وكثير من اللغات في العالم هي للحديث وليست للقراءة والكتابة. واللغة هي وسيلة رئيسية لانتقال وتعميم الثقافة. فاللغة العربية اكتسبت هيئتها هذه منذ نزول القرى، حوالي 610 م. وهناك حوالي 550 كلمة عربية في اللغة الألمانية و1000   كلمة في معجم أكسفورد للغة الإنكليزية و 3000 في اللغة الأسبانية. وتستخدم اللغة العربية حروفاَ خاصة بها وكذلك الأرقام وأسماء الأشهر وأيام الأسبوع، وكل هذا قبل نزول القرآن فيما لم تبرز اللغات الأوربية الرئيسية إلا بعد 1500 ميلادية. والثقافة الأوربية كانت تستخدم اللغة اللاتينية التي اندثرت اليوم تقريباَ إلا عند الاختصاصين.

 

ومع أن العرب لم يمارسوا ضغوطاَ سياسية أو فكرية من أجل تشجيع انتشار لغتهم (وحتى عصرنا الحالي)، بل كانوا يترجمون من اللغات الأخرى بلا عقد أو حساسيات، ويشجعون الحركة الفلسفية والفكرية. ولكن الحركة العامة نحو العربية كانت متصاعدة رغم كل شيء، وقد ساهم في الثقافة العربية الكثير من العلماء المسيحيين العرب، وأن تلاشي أو ضعف اللغات الأخرى (في الشرق بصفة خاصة) مثل السريانية الآرامية والقبطية والبهلوية (الفارسية القديمة)، لم يكن اعتباطا، وليس بسبب الإسلام وانتشاره في الأقطار العربية المجاورة، بل بسبب قوة هذه اللغة وثرائها وملاءمتها للمنطق والمزاج، بالإضافة إلى الاستخدام اليومي، والعلوم على حد السواء.(24)

 

وإذا كان عمل الموسوعات والمعاجم والقواميس أحد دلائل تقدم ثقافة أي شعب أو أمة، فأن العرب كانوا سباقين في وضع المعاجم العديدة وأشهرها: (كتاب العين) لخليل بن أحمد الفراهيدي 786 م، وقد وضع بعد ذلك معاجم أشهرها معجم الأصمعي المتوفى عام 828 م وكتاب التهذيب وضعه أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري المتوفى عام 980 م. والصحاح ووضعه أبو نصر إسماعيل الجوهري المتوفى عام 1005 م، ومن مشاهير المعاجم أيضاَ لسان العرب لأبن منظور المتوفى عام 1311 م وغيرهم.(25)

 

أردنا بذلك القول، أن الثقافة العربية قبل الإسلام وبعد الإسلام تفاعلت وتعاملت مع ثقافات أخرى، ربما بعضها كان أقل إشراقا من الثقافة العربية، ولكن في تفاعل الأمم لا ينبغي التركيز على هذه المسألة، بل المهم هو أن تحتفظ الثقافة أو تلك الحضارة بسماتها وعلاماتها المميزة وإلا فأنها تندثر وتتلاشى بمرور الوقت إذا تعاملت بانبهار وباستسلام. والثقافة العربية تعرضت إلى مثل هذه التجربة أكثر من مرة، في ظروف وأحداث كانت فيها إرادة الأمة السياسية مفككة وضعيفة في ردود أفعالها مستلبة الإرادة لقوى أجنبية جاءت لتفرض بكل شراسة إلى جانب هيمنتها الاقتصادية والسياسية، ثقافتها ولغتها، وقد حاول ذلك في تلك العصور كل من: الفرس والرومان والبيزنطيون والإغريق والأحباش وبعضهم فعل ذلك يطرق منظمة ومدروسة مثل: الإسرائيليات التي حاولت التسلل إلى مصادر الثقافة العربية، وأمعن في التزوير والتخريب، والهيلينية التي حاولت أن تطغي بأنماط الثقافة والتفكير، ثم المدرسة الشعوبية التي حاولت أن تطغي بأنماط الثقافة والتفكير، ثم حاولت مسخ هوية كل ما هو أصيل في الثقافة العربية.

 

 وفي العصور الحديثة، حاولت قوى استعمارية أن تفرض مثل هذه السمات على الثقافة العربية فتجعلها تابعاً ثقافياَ، فحاول ذلك الفرنسيون والإنكليز والإيطاليون والأسبان والأتراك، وخيل لبعضهم أنه قد نجح في مسعاه أو كاد. ولكن نظرة بسيطة إلى الخارطة السياسية والثقافية تنبأ بوضوح الفشل الذريع لتلك المساعي.

 

وفي مجهود علمي لاستقصاء أثر الثقافات والحضارات الأجنبية على الثقافة العربية، نجد أن هناك مصادر عديدة مثلت دور الروافد التي تصب في النهر الكبير. فلاشك أن الديانات السابقة للإسلام، اليهودية والمسيحية على ضعف نفوذها الروحي إلا أنها مثلت أحد الروافد،  فقد كان هناك عدد من المسيحيين في شبه الجزيرة، القليل منهم في مثلث وسط شبه الجزيرة وأكثر من ذلك في اليمن (نجران) ونفوذ أوسع في العراق والشام ومصر على التوالي، والوجود اليهودي كان أفل من ذلك، والتأثير الذي مارسته الديانات الأخرى هي في اتجاهين رئيسيين، بصرف النظر عن حجم هذا التأثير: ـ   

    

آ   ـ قصص الأنبياء والرسل والرجال الصالحين المصلحين ولأخبار الأمم والشعوب.

ب ـ رؤية فلسفية وسياسية / اجتماعية.                            

 

والرافد الآخر، كان تأثير الأمم الأجنبية التي حلت في البلاد العربية كقوى استعمارية مهيمنة، وهي وإن رحلت، إلا أنها خلفت بعض التأثير مهما كان بسيطاَ. منها التأثيرات الفارسية والرومانية، وقد أتخذ هذا التأثير أبعاده في الأدب أو في طرز العمارة، أو ربما في الأزياء والأطعمة.

 

ولكن لا بد من التأكيد: أن هذه التأثيرات اكتسبت نكهة عربية، فالدروس الثقافية المقتبسة من اليهودية والمسيحية، ارتدت مسوحاَ عربية إسلامية فيما يتعلق بالنظرة إلى الكون والخالق، كما كانت لها نظرتها الخاصة حتى إلى سيرة الأنبياء والرسل. فالتوحيد وعدم الاقتراب من صيغ الشرك، والابتعاد عن التعظيم وتمجيد الأفراد كانت صفة مؤكدة في الثقافة العربية الإسلامية، ودرج استخدامها في الدين والسياسة لأسباب وضعية لها علاقة بالأهداف والمساعي السياسية وليس الروحية والثقافية. فالإسلام أبعد ما يكون عن تقديس الفرد. والرسول محمد (ص) وخلفاءه الراشدين، كانوا يرفضون وبحزم مثل هذه السياسة أو التقاليد والمظاهر. أما الإطلاع على منجزات الحضارة الإغريقية، فلم يحدث بحلول العصر العباسي الوسيط (عصر هارون الرشيد والأمين والمأمون فصاعداَ) حيث صار الإطلاع على منجزات الفلسفة اليونانية يسيراَ وإذا كان قد حصل تماس أو إطلاع، فذلك قد تم في حدود ضيقة وعلى مستوى النخبة، ولم يصبح هذا التماس متواصلاَ واسعاَ إلا بعد عام 800 فصاعدا.

 

فالفكر العربي، ثم الفكر العربي الإسلامي، كان يمضي قدماَ يتصل ويقتبس ويستفيد ولكن دون أن يسمح بتشوه سماته ومميزاته، وهكذا تكون الفكر العربي الإسلامي وهو " صورة ناجمة عن تفاعل جزئياته المكونة لشخصيته عبر الزمن الطويل، وتمثل هذه الجوانب الاقتصادية والدينية والأدبية والاجتماعية والسياسية "، وهذه بلا شك صورة تكونت عبر مراحل عديدة ما تزال خاضعة للتطور.(26)

 

وهكذا تمكنت الثقافة العربية أن تؤدي مهمتها الحضارية التاريخية، أن تلتقي وأن تشع بدورها وفي كل ذلك لم تحاول أن تفرض شخصيتها على أمة من الأمم، ولكن مع الحفاظ على شخصيتها، وأبرز دليل فيما نذهب إليه: هو ما نحن فيه، في معرض الفكر السياسي والتأثيرات المتبادلة. فقد قرأ العرب المسلمون أفلاطون وأرسطو، بل واستوعبوه بأفضل مما يستوعبه الأوروبيون أنفسهم وهذا ثابت عبر شروح أبن رشد لفكر أرسطو، فهناك جامعة فلسفية نشأت في إيطاليا (في مدينة بادوفا) وهي المدرسة الرشدية التي كانت عنصراَ هاماَ قاد إلى عصر النهضة.

 

ويكتب الأستاذ الأمريكي جورج سباين: "أن ادعاء البابوية في الهيمنة على الحكام الزمنيين ادعاء أشاع المشاكل والفرقة في أوروبا وفي إيطاليا بوجه خاص، وقد أثرت كتابات أبن رشد في مفكري القرون الوسطى ومنهم مارسيليو (عن الدولة والنظام والقانون) وأهم كتابات ابن رشد هو استنادها المطلق إلى العقل ".(27)

 

 وغالباَ ما يصف علماء السياسة الأوروبيون الفكر العربي الإسلامي، والسياسة تحديداَ، بأنه يدخل ضمن بحوث علم الأخلاق. حيث يبدو من العسير جداَ الإقرار بأن العرب هم واضعوا علم السياسة. والحق فأن علماء السياسة العرب لم يكتبوا في علم الأخلاق (وهناك مؤلفات خاصة بهذا العلم)، ولكنهم لم يفصلوا الأخلاق عن السياسة، ومثل هذا الرأي كتب عنه مونتسيكيو الذي يصفه الكثير من المؤرخين بأنه مؤسس علم السياسة الأوربي الحديث وليس ميكافيلي. ومونتسيكيو لا تفوح من كتاباته روائح وثنية رغم كونه معاد للكنيسة، وهو يمزج بين المفاهيم الأخلاقية والسياسية بقوله : " أن حب الديموقراطية هو أيضاَ حب العفة " .(28)

 

كان علم السياسة العربي الإسلامي قد توصل عبر عناوين كثيرة إلى اعتبار واحترام السياسي، لضرورات الواقع الموضوعي، والتعامل معها وحسابات القدرات الذاتية واتخاذ القرارات السياسية على هذا الأساس. ومن تلك المبادئ: لا ضرر ولا ضرار، سد ذرائع الفساد، رفع الحرج، الضرورات تبيح المحذورات، البراءة الأصلية. ولكن مبادئ السياسة العربية تأبى تحقيق الخير بوسائل الشر أو تحقيق الفضيلة باستخدام الرذيلة، ففي ذلك تناقض خطير   يقوض العملية السياسية.

 

ومثل هذه الفكرة، تحقيق الخير بوسائل الشر، ذهب أليها أحد شهراء السياسة الأوربية المعاصرة، ونستون تشرشل، في صدر مذكراته، عندما أعاب على ألمانيا الهتلرية تحقيق أهدافها بواسطة العدوان والعنف المسلح، في حين أن: " السياسة بنظر الفكر والحضارة العربية الإسلامية لا يمكن أن تعيش وتحيا إلا بحفاظها على مستوى خلقي معين، ومتى خرجت السياسة في سلوكها عن خطها الخلقي ليصبح كل شيء جائزاَ، أصبحت السياسة فاشلة ومصيرها النهائي هو الهلاك. والقيم العربية الإسلامية التي تسير وفقها سياستها، ترى أن السياسة تقوم للإصلاح والاستصلاح، وأن وجهة سيرها الصحيحة هي أن تسير في خط مستقيم ".(29)

 

ويذهب أستاذان عربيان أخرى إلى: " أن المفكرين العرب المسلمين ينظرون إلى السياسة باعتبارها من النشاطات الإرادية والسلوكية وهي تنبثق عن الاختيار المحكوم بمعرفة الخير والشر والحق والباطل والفضيلة والرؤية. وقد ذهب أبن رشد إلى أن علم السياسة يشبه علم الطب ".(30)

 

وفي الفكر الغربي، فأن مونتسيكيو الذي يعتبره بعض العلماء، مؤسس علم السياسة الحديث، يؤمن بالعفة والفضيلة في الفكر السياسي، بيد أن ميكافيلي أطلق نزعة فكرية، إن على السياسي أن يحقق أهدافه بصرف النظر عن أساليب الخسة والنذالة والخيانة، وقد تطورت هذه الأفكار إلى مدرسة فلسفية هي البراغماتية Pragmatis، القائمة على أساس أن نجاح كل سياسة هي في النتائج التي حققها بصرف النظر عن الأساليب، أو بالأحرى أن جودة الأسلوب هو في النتيجة الحاصلة. ولكن البراغماتية ليست بالضرورة قانوناَ للسياسة لا يصلح غيره، فالميكافيلية والبراغماتية قادتا إلى الاستعمار وإلى الحروب التوسعية وإلى سلب ونهب ثروات الشعوب، وهي سياسة مدانة في الكثير من المحافل الدولية ومنها الأمم المتحدة، التي أصدرت قرارات كثيرة في إدانة الاستعمار والتميز العنصري الذي هو ناتج مباشر للاستعمار وإدانة لأساليب التوسع القائم على القوة.

 

والمفكرون الأوربيون يعترفون، وإن لا يقولون ذلك بصوت عال، بل همساَ و يدسون اعترافاتهم بين السطور والهوامش، أن الحضارة المسيحية الأوربية تعلمت الكثير من الشرق والعرب المسلمين، عبر نقاط وعمليات تماس كثيرة. عبر الأندلس وصقلية وبلاد الشام ومصر والحروب الصليبية بصفة خاصة، وحيثما أمكن لهم ذلك. فيقول الكاتب الفرنسي أمين معلوف (عربي مسيحي من أصل لبناني): " أن الانطباع الذي أحدثه مجيء الصليبين إلى البلاد العربية كان مزيجاَ بين الخشية والاحتقار، فقد كانت الأمة العربية متفوقة جداَ بحضارتها، وإن كانت قد فقدت روحها القتالية " .

 

 وإن كان العرب قد تمكنوا فيما بعد من طرد الصليبيين الذين جاءت جيوشهم الجرارة من كل البلاد الأوربية، وملوكهم على رأس تلك الجيوش. وفي مقطع آخر يقول الكاتب المعلوف: "وفي عهد المستظهر بالله، حيث دارت أولى معارك الحروب الصليبية، كانت عاصمة الدولة بغداد تضم ألف طبيب مجاز ومستشفى كبير ومجاني، ومصلحة بريد منتظمة وعدد من المصارف لبعضها فروع في الصين، وشبكة مياه ممتازة وأخرى متصلة بمنتفعات المنازل لتصريف مياه الخدمة، ومصنع للورق. ولسوف يتعلم الغربيون الذين لم يكونوا(حتى ذلك الوقت)يستعملون غير الرق للكتابة قبل دخولهم بلاد الشام، ولسوف يتعلمون صناعة الورق من تبن القمح " .

 

والمعلوف يؤرخ أيضاَ بأسف قائلاَ: " وفي يوم الاثنين 11 ذي الحجة 502، المصادف يوم 12 تموز1105، وبعد ألف يوم من المقاومة ضربت طرابلس الشهيرة بالمصوغات والكتب والقضاة والمثقفين على يد محاربي الغرب، ونهب مئة ألف مجلد كانت في دار العلم ثم أحرقت لكي تمحى الكتب (الملحدة) من الوجود ". (31)

 

ولم يكن تأثير الأندلس وصقلية بسيطاَ، فخارطة الإدريسي، وهي على الأرجح أول خارطة للعالم، نقلت عن طريق صقلية، وكان لملوك النورمانديين والإفرنج مستشارين وخبراء عرب وجنود كانوا حرسه الخاص لإخلاصهم وشجاعتهم وقد تعلم أحد القياصرة الألمان اللغة العربية، لا بد لحاجته الماسة إليها. ثم ألا يعمل اليوم الآلاف من العلماء العرب في أعلى المؤسسات العلمية الغربية، الطبية والتكنولوجية بما في ذلك وكالة الفضاء ناسا، ووكالة الطاقة الذرية الدولية، ليؤكد ذلك حقيقة واحدة: ـ أن البحار والمحيطات لها سواحل، ولكن الحضارات لا ساحل لها، فهي تنتشر وتتصل ببعضها ولو على متن مركب شراعي من القش كما برهن على ذلك العالم النرويجي ثور هيردال في رحلاته البحرية من العراق ومصر بين القارات .

 

ولأوغاريت (رأس الشمرة)، مدينة اللاذقية اليوم، الفضل في تعليم الإغريق الأبجدية كما كان للحضارة العربية الفضل في نقل كم لا يحصى من المنجزات، ولكن بالمقابل، تلقت الحضارة العربية قديماَ وحديثاَ من أمم كثيرة. وإذا كانت البلاد العربية قد تعرضت في ظرف تاريخي حرج إلى هجمة بربرية همجية (1252 م.)، ولم تجري فيها العمليات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي دارت بحكم الحتمية التاريخية في أوروبا، والتي أدت في النهاية إلى فض الاشتباك بين السلطة الدينية والدنيوية، ثم إلى عصر النهضة بكل ما تضمنته وما قاد إليه : ـ حركة الإصلاح الديني التي وضعت الدين في الكنيسة وليس في طريق تطور المجتمع والهيمنة والتسلط واحتكار الفكر والرأي وما قادت إليه كنتيجة حتمية : عصر التنوير، الذي وضع الإنسان أمام مصيره، كالذي يضع الحصان أمام العربة، ولا يعوزه سوى الانطلاق. وهذا ما قاد إلى نتيجة حتمية أخرى: الثورات البورجوازية، وأهمها الثورة الفرنسية.

 

والبورجوازية في استخدامها الثوري لهذه الكلمة في تلك الأزمنة (المواطن)، أن المواطن مساو للمواطن في الحقوق والواجبات أي كان لونه وعرقه ودينه وولائه وطبقته، وهذا ما لم تستطع أن تقدمه الأديان للإنسان، بل قدمه الفكر والثورة، والنظام والقانون. وكان لا بد أن يؤدي ذلك إلى نتيجة أكثر أهمية: الثورة الصناعية كنتيجة حتمية لإطلاق سراح الفكر ليبدع واليد لتعمل.

 

في هذه العمليات التاريخية التي دارت، كان الفضل فيها للإنسان الذي أمتاز بالشجاعة والأقدام   فقد أعدم حرقاَ الكثير من العلماء والمفكرين وأستشهد الكثير من العلماء أثناء قيامهم بتجاربهم التي بدت في وقتها مستحيلة، ومغامرين أثناء محاولاتهم لاكتشاف وإجلاء الغموض عن ظواهر جغرافية وطبيعية، وحدثت ثورات وانتفاضات، ومؤامرات وفتن ودسائس، وكما أنجزت روائع، فقد حدثت فضائع أيضاَ وجرت حروب طاحنة دامية. وبينما كان ذلك كله يحدث في أوروبا، كانت البلاد العربية تحت إرادة القوى الأجنبية والعناصر الرجعية المتحالفة معها في خدر عميق.

 

وحتى القرن الثامن عشر لم تكن هوة التخلف جسيمة جداَ بين أوروبا والبلاد العربية والشرق عموماَ، ولكن الثورة الصناعية التي كما بينا كانت نتيجة حتميات تاريخية، وليس بمشاريع وخطط. فقد سمح برلمان إنكلترا للمرة الأولى تصدير الآلات عام 1824، وحتى ذلك الوقت لم تكن السكك الحديدية معروفة. ففي 1825 أفتتح أول خط للسكك الحديدية، وفقط في عام 1830 أفتتح خط حديدي مباشر بين مانشستر وليفربول، لاحظ أن مانشستر هي منطقة صناعية وليفربول ميناء تصدير، فالأمر لا يتعلق بالفخامة أو الأبهة.

 

وحتى أواسط القرن التاسع عشر، كانت هناك قوى أوربية مهمة تحتل مواقع عظمى ليس على صعيد القارة فحسب، بل على صعيد العالم وكانت بريطانيا سابقة لغيرها من القوى الأوربية ثم تبعتها دول أخرى، ولكن كان على العالم أن يتحمل نتائج قوة الدول الاستعمارية، حروب ضم وإلحاق وهيمنة، وحتى مطلع القرن العشرين كان 82 % من مساحة اليابسة في العالم تدار استعمارياَ وما زال حتى اليوم، يمارس الأقوياء لعبة القوة، وغالباَ تمارس اللعبة بقواعد لا علاقة لها بالقانون والعدل.

 

وإن شئنا العبرة من هذه التجربة، فالمؤكد أن التقدم لا يكمن في استيراد أجهزة ومعدات، بل في تحرير فمر الإنسان ليفكر ويديه ليعمل، وليس في كثرة الأبهة والسيارات، وإن ليس هناك وطناً حراً بلا مواطنين أحرار.

 

 

هوامش البحث

 

1. بورجلان، بيير: مقدمة لكتاب العقد الاجتماعي (جان جاك روسو)، ص 14

2. جوزي، بندلي: من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام، ص18/39

3. الغزالي، أبو حامد: المنقذ من الضلال، ص25

4. سباين، جورج: تطور الفكر السياسي، ج1 ن ص286

5. سباين، جورج: نفس المصدر، ص250

6. أليان، ج/ويد جيري: المذاهب الكبرى في التاريخ، ص133

7. التريكي، فتحي: الفلسفة الشريدة، 18

8. مجموعة مؤلفين: عرض اقتصادي تاريخي، ج1، ص65/70

9. التريكي، فتحي: الفلسفة الشريدة، ص39

10. التريكي، فتحي: نفس المصدر، ص41

11. الغزالي، أبو حامد محمد: معارج القدس في مدارج معرفة النفس، ص63

12. الغزالي، أبو حامد محمد: نفس المصدر، ص65

13. سباين، جورج: تطور الفكر السياسي، ج2، ص351

14. حوراني، البرت: الفكر العربي في عصر النهضة، ص145/ 148

15. التريكي، فتحي: الفلسفة الشريدة، ص11/30

16. سباين، جورج: تطور الفكر السياسي، ج2، ص381/383

17. حسين، طه: من الأدب الجاهلي، ص38

18. حسين، طه: في الأدب الجاهلي، ص38

19. لوكاش، جورج: غوته وعصره، ص7

20. ياسين، د. نجمان: دراسة في المفهوم والتكوين، مقال /آفاق عربية

21. لوكاش، جورج: غوته وعصره، ص93

22. حوراني، البرت: الفكر العربي في عصر النهضة، ص311

23. مصطفى، شاكر: التاريخ العربي والمؤرخون، ج2، ص416/411

24. معلوف، لويس: المنجد، طبعة 13، ص1094

25. محمد، د. فاضل زكي: الفكر السياسي العربي الإسلامي، ص17

26. سباين، جورج: نفس المصدر، ص406

27. كرم، يوسف: نفس المصدر، ص190

28. محمد، د. فاضل زكي: نفس المصدر، ص12

29. الطعان، د. عبد الرضا:/ الأسود، د. صادق: مدخل إلى علم الفلسفة، ص183

30. معلوف، أمين: الحروب الصليبية، ص64/81/12

31. مجموعة مؤلفين: عرض اقتصادي تاريخي، ج2، ص57

 

المركز العربي الألماني

برلين

 

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

 

 مقاتل الفرس في العراق

د. ضرغام الدباغ

 

 

(خارطة موزائيك القوميات والأعراق في إيران)

يستغرب القارئ والضارب في كتب ومصادر التاريخ، القديم والحديث، أن يجد عقدة متأصلة لدى حكام بلاد فارس، أو دولة إيران الحديثة (ملكية على أنواع السلالات الحكمة، أو تحت حكم الملالي)، تتحكم على عقلية القيادات الحاكمة أو صناع القرار فيها، عقدة سياسية / اقتصادية / ثقافية، تتمثل بالتوجه غرباً. وقد وجدت هذه القيادات والزعامات، في هذا الشعار لافتة جيوبولتيكية ستمثل جوهر السياسة الإيرانية، على مر العصور تخفت أحياناً وتخبو لكن دون أن تزول، ثم تتصاعد حيناً على نحو شرس، تتخذ طابعاً اعتدائياً، ينطوي في جوهره على التوسع غرباً .. العراق كخطوة أولى لهذا التوسع ..... لماذا ..؟ وهذه موضوعة مهمة كتبنا عنها كثيراً، ولنأت الآن على العقدة ..

الفرس اليوم لم يحتلوا العراق، بل هم تواطؤا، تعاهدوا، تعاقدوا، تقاولوا ... هذه المصطلحات ممكنة، عقدوها مع الأمريكان والإسرائيليين، وإذا يتطلب الأمر حتى مع شياطين الأرض ليصلوا أرض العراق،  في تعاقد وتعاهد سنطلع على أسراره يوماً، أن يستلموا العراق مقابل (؟)، ولا ندري ما هو الثمن، فالأمريكان خسروا كثيراً جداً : في الأرواح (قتلى وجرحى)، والمعدات، والأموال، والأمريكان لا يفعلون ذلك مجاناً، إلا مقابل مكاسب ووعود. وهل أوفوا الفرس بوعودهم، فالمعروف عنهم أنهم ينكلون بعهودهم، وبرأيهم لماذا يوفون العهود مع حرامية مثلهم، هي صفقة بين لصوص وسراق، لا مكان للشرف بين الضباع والثعالب وبنات آوى، وبرأي الشخصي ليس في هذا ما يغيض ..

ولكن ما يغيظ هو أن الفرس يحلو لهم أن ينسبوا لأنفسهم البطولة، والذكاء، والدهاء، لمجرد أنهم كسبوا مباراة يلعبها الزعران في الأزقة، ووضعوا أيديهم وأرجلهم في حوض قذر لا يشرف .. فأستلموا العراق بقضه وقضيضه، من شماله إلى جنوبه، وراحوا يملأون الدنيا طنيناً وأزيزاً، وكان الأجدر بهم أن يخجلوا، فالفارس يخجل من فروسية غيره .. فما بالك أن ينسبها لنفسه .. البعض يعتبر أن ذلك في عرف وقواعد الفروسية عار، وفي قواعد مسابقات الفروسية، من يسقط من على ظهر الجواد، يصبح خارج المسابقات، ولكن بالله عليك من يسأل عن الشرف في هذا اليوم الأسود، وقد اختلط الحابل بالنابل، وحتى بالكورونا ...وتبدو في مطالبة الفرس بأن يكونوا كرماء في العراق وأن لا يتصرفون كاللصوص والحرامية،  فهذه أشبه بالنكتة،  كأن تقسم العاهرة بشرفها، وهكذا أساءوا لنفسهم ولمن تعامل معهم.

الفرس يدركون كما يعلم العالم بأسره، أن هناك حرباً سرية / علنية ضد العرب والمسلمون. ولهذا أجيز لهم أن يلعبوا وفق أتفاق يبدو أنه تفصيلي ودقيق (الأمريكان والاسرائيليون لا يقبلون إلا بأتفاقيات تفصيلية دقيقة)، أن يلعبوا في المنطقة،  وبالفعل ساعدوهم في العراق وسوريا ولبنان، واليمن، ولكننا لا نعلم مواد وفقرات هذا الاتفاق وأبعاده، لذلك يعمل الفرس المستحيل لكي يتغير وجه العراق وشكله وداخله ودواخله، ليقنعوا أنفسهم بأن الحلم بات حقيقة، ولينتقموا من كل كوابيسهم، وإحباطاتهم، ومن تمثيلهم الفاشل لدور قاطع الطريق البطل، الذكي، الشجاع الذي ينال ما يريد بقوة سيفه، الذي أنتجه الحدادين في بلادهم، فإذا بسيفهم يكسر، وافتضح ذكاءهم على أنه غباء مطلق وضياع للوقت والجهد ... ومزيد من الخسائر .. ونواح وأنين ..! وإضافة سبب جديد للحزن المستديم.

قرأت بدقة تامة تاريخ الفرس والمنطقة التي يقطنونها بشكل تفصيلي، والشعوب الذين يحيطون بهم ومن الشمال والشرق شعوب تركية (ترك، آذريون، تركمان، أوزبيك، كازاك)، والأرمن، وفي الجنوب: البلوش، والبشتون، (العناصر المكونة للشعب الأفغاني). والعلاقات بين الفرس (المكون القيادي في إيران) وشعوب هذه المنطقة والتي لم تكن يوماً على ما يرام، ولم تشهد سلماً دائماً وتعاوناً في هذه المنطقة التي هي أحوج ما تكون للسلم والأمن والتعاون.

 

--

 

وفي البحث عن تاريخ إيران، نجد أن أسم (إيران) هو حديث (منذ عام 1935)، لما كان يطلق عليه أسم بلاد فارس، وإيران أسم فني يعني الآريون ولكن ليس جميع شعوب إيران آرية، ولا توجد منطقة جغرافية محددة أسمها إيران، والفرس ليسوا أكثرية مطلقة، وهناك ثقافات عريقة لشعوب أخرى في المنطقة التي يطلق عليها إيران. مع العلم أن الفرس يزعمون أن كل هذه الشعوب هي فارسية : العيلامية، الساسانية، البارثية، ولا يعرف ما إذا كانت لها لغاتها الخاصة أم لا ..

وبلاد فارس، خاضت منذ القدم، حروب وصراعات (أسبابها كثيرة) وبلغ بهم الطموح إلى دخول آسيا الوسطى، والاحتكاك بحضارة الاغريق التي كانت تتأسس على أرض اليونان، شبه الجزيرة الهيلينية وجزر بحر إيجة والمتوسط، ولكن هذه المغامرة انتهت بسلسلة من الخسائر، ردت إلى أراضيهم، ولكن الأغريق لم يكتفوا بصدهم، والأنتصار عليهم في آسيا الصغرى (تركيا) بل ولاحقوهم، حتى انتصروا عليهم في معركة ساحة على أرض العراق (في سهل أربيل)، في معركة كبيرة فاصلة أطلق عليها معركة (غوغميلا ــ  Gaugamela ) ثم لاحقوهم إلى أرض فارس ويددوا هناك فلولهم وكذلك دولتهم، وأقاموا دولة هيلينية في بلاد فارس، وبعد وفاة الاسكندر المقدوني، تأسست الدولة السلوقية  خلال قرنين (الثالث والثاني ق.م). ثم كانت هناك دولتان فارسيتان : البارثيين، والساسانيين، حتى الفتح الإسلامي 651 . فخاضوا معاركهم مع المسلمين، وفي العصور اللاحقة كانت صراعاتهم تتركز مع العرب قبل وبعد الإسلام، ثم مع الأتراك العثمانيين، (وغيرهم) فدارت رحى معارك كثيرة.

 

 

 

وهذا البحث نركز على تلك الحروب التي دارت على أرض العراق، مع العرب المسلمين، ومع العثمانيين، والعراقيين، وهي حروب كثيرة، إلى عدد لا يحصى من الصراعات والاشتباكات مما تطلق عليها معاهد السلم والأمن " أشباه الحروب " (war-like condition) وقد نلاحظ أن لحروب الفرس في العراق لها طابع لها صفة الهزيمة الساحقة، بدرجة يتقرر على أثرها غالباً مصير الدولة الفارسية.

 

من المؤكد أن للفرس أسبابهم العميقة في أن يكون العراق خاصة (وغير العراق عامة) هدفاً لأطماعهم، والأطماع هي ليست كما يعتقد في التحليل السطحي، هو إقامة دولة كبيرة، نعم هذا كان الهدف منذ أقدم العصور وقبل أن يكون هناك سنة وشيعة وعرب وإيرانيون (قلنا أن كلمة إيران لم تكن موجودة)، التوسع شرقاً (بالتحديد) هو مبدأ تقوم عليه دولة الفرس في الوصول إلى الأنهار والمضائق والبحر المتوسط، فإيران (الفرس) يجدون أنفسهم بين فكي كماشة  .. ويشاء قدر الفرس أن يكونوا جغرافياً، بين أمتين قويتين، لها تاريخ وتراث وثقافة : العرب والترك ... والفرس يجدون في أنفسهم مستحقات أمة عظمى، وأن تكون هذه الأمة هدفها التوسع .. درءأ لمخاطر التمزق الداخلي تجمع الشعوب الغير قائم على مبدأ، أو معطى تاريخي (جغرافي، قومي، ديني).. وهذا مدخل لدراسة كبيرة، ويركز بحثنا هذا على حروب الفرس في العراق.

 

والعقل السياسي الفارسي محكوم بالتطلع والاستيلاء على الغير وهذا الأمر أبعد من العداء الفارسي / العربي، وأبعد من الإسلام وانتشاره في خلف زاغروس، وملالي أيران اليوم يضعون نوايا العدوان والتوسع بظهر الدين، أو الانتقام من الفتح الإسلامي، ولكن قراءة بسيطة وسطحية للتاريخ تظهر زيف هذا الزعم، الفرس يفعلون هذا لدواع وأسباب الأمن القومي (لا نناقش صحتها أو خطأها) لا للدين ولا للثأر من العرب، فهذه كلها مزاعم تدحضها وقائع التاريخ المادية.فلنأت إذن على المعارك الحديثة ، منذ العصر الإسلامي فصاعداً.

 

يمكن تسجيل معركة ذي قار وهناك تفاوت في سنة حدوثها ولكن من المرجح أنها حدثت في بداية البعثة النبوية 600 ميلادية، لأسباب سياسية هي أن العرب في وادي الرافدين بدؤا يتطلعون إلى دور أخوانهم في نجد والحجاز، وإلى الدعوة، والأنباء الأولى لإقامة الدولة الإسلامية، وكما طرح انتصار العرب في ذي قار هدف فتح العراق في مقدمة أهداف الدولة الإسلامية، لذلك، فإن أنتصر العرب في ذي قار تحدث عنه الرسول الكريم بقول " هذا يوم أنتصف فيه العرب من العجم وبي نصروا " .

 

الأجواء السياسية للمعركة :

كان العرب في العراق وسورية متفرقين مشتتين، بين قوتين الدولة العظمى الرومية، والفرس، وكان الغساسنة في بلاد الشام، والمناذرة في بلاد الرافدين، كل طرف منهم يحاول الحصول على مكاسب على حساب الطرف الآخر، استناداً واعتماداً على القوى التي يحتمون بها، وكانت القوى الدولية بدورها يسرها هذا التمزق لتستفيد من عرب العراق ككيان وسادة ناقص السيادة بينها وبين الروم، فيما يستغل الروم الغساسنة كدولة وسادة بينها وبين الفرس بلاد الرافدين، وهكذا كانت تدور صراعات لا يستفيد منها العرب، بل كانت تدور لصالح القوى المحتلة.

 

والفرس من أجل أن بستحكموا بالموقف في بلاد الرافدين، أتبعوا " سياسة فرق تسد " فأخذوا يقربون قبائل عربية ويغدقون عليها، ويعرضون مذهبهم " المزدكية "، وتمكنوا بأتباع سياسة الترهيب والترغيب من كسب بعض الموالين لهم من القبائل  العربية (وهي سياسة تتميز بالكسب السريع المؤقت، ثم فقدان المكاسب بسرعة مماثلة). ولكن قادة القبائل ضاقوا ذرعاً بالغطرسة وبإجراءات الإدارة الفارسية التي كانت تنهب البلاد وتظلم السكان، وأبتدأ مسلسل المناكفات، وحاول الفرس ارغام العرب أنهم تحت السطوة والسيطرة، وهذا كان يقابل بالإذعان حيناً والرفض السلبي أحياناً، وتراكم السخط يوصل للثورة ... وبصرف النظر عن الأسباب والتفاصيل، فإن لحظة الصدام المسلح وهي مرحلة تتجاوز السخط، والرفض، وعدم التعاون، قد حلت وفي المعركة تمكنت القبائل العربية بقيادة المثنى بن الحارثة الشيباني، من كسر شوكة الفرس، الذين وإن لم يغادروا العراق نهائياً، إلا أن نفوذهم تقلص بدرجة كبيرة، بنتيجة معركة ذي قار، ومؤشراً على ابتداء مرحلة النهوض المعادي للفرس بتقدم الدعوة الإسلامية وهيمنتها على شبه الجزيرة العربية.

 

إذا كانت المعارك الحربية تقاس وتحسب بنتائجها السياسية، فمعركة ذي قار بهذا المعنى كانت تنطوي على أهمية بالغة ونتائج ذات أبعاد قريبة وبعيدة. فعلى صعيد النتائج القريبة، كانت بداية نهاية الوجود الفارسي في العراق ، وهو وجود يفتقر إلى أسس وجذور هو ما يجعل وجوده يتسم بالقلق والاضطراب  وصعوبة استيلاءهم على العقل والوجدان العربي حتى في مراحل قبل الإسلام، وصعوبة تجاوزهم لعقبتين رئيسيتين :

عشق العرب للغتهم ومنها يتفرع ولعهم في فنون اللغة : الشعر، النثر، الجناس، الطباق، وفن الكلام، والرواية، ونقل الأخبار. وساهمت اللغة في تعميق  الوحدة الاجتماعية والسياسية، وقادت إلى أن تصبح اللغة العربية مؤسسة من مؤسسات الوجود العربي المميز.

أعتزاز العربي التقليدي بأنتماؤه القبلي (العشائري) وقد تكرست عبر العصور لتصبح جزء من المنظومة الدفاعية الذاتية بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، منظومة تمثلت بممارسات وتقاليد وقيم التي تمارس في مضيف القبيلة، وهي أداة لاستحصال موحد الأراء حول الموضوعات المطروحة، ولهذه جانبها الإيجابي المتمثل كجدار مصد لمحاولات التسللل إلى المجتمعات العربية. ورغم أن ثقافة العشائر لا تعتبر انغلاقاً، بل هي منفتحة على وافدين كثر إلي البلاد العربية.

 

وهذه جميعها قبل أن بزوغ فجر الإسلام الذي عزز الهوية السياسية والثقافية، وأوجد نظرية سياسية متقدمة وهي الولاء للدولة الإسلامية، وهذه ستكون في المراحل اللاحقة (بعد فتح مكة وتوحيد شبه الجزيرة العربية) العنصر الأهم في أساس بناء الدولة العربية الإسلامية، لتتكامل المنظومة في جانبها الثقافي / الاجتماعي / الإيماني ــ الاعتقادي. وهي عناصر ستبلور خصائص البلاد العربية : الزراعة ( وادي الرافدين ــ النيل)، والتجارة والترانزيت، استخراج اللؤلؤ في الخليج. وهي سمات منحت المجتمع العربي ملامحه وخصائصه الدقيقة المتميزة. جعلت من الصعوبة على قوة أجنبية أن تفرض هيمنتها الثقافية أولاً، بما في ذلك ثقافات الدول الاستعمارية الكبرى.

 

لهذه الأسباب لم يتمكن الفرس مطلقاً من تأسيس تواجد مقبول من أهل البلاد، وعرب العراق وإن كانوا على غير دين الإسلام، إلا أنهم لم يتقبلوا الديانة المزدكية، كما لم تنتشر الزرادشتية، ولم تصبح مذهبا نافذا برغم سياسة الترهيب والترغيب التي مارسها الفرس. ولما بلغ التناقض أشده، انفجرت على شكل انتفاضات مسلحة كانت معركة ذي قار إحدى ذراها، وسوف تتواصل بعد الفتح الإسلامي بمعارك عديدة تنهي بتحرير العراق على يد القبائل العربية العراقية المتلاحمة مع الجيش الإسلامي القادم من شبه الجزيرة العربية.

 

ــ ذات السلاسل : 12 هـ / 637 م

جيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد / الفرس بقيادة هرمز الذي قتل في المعركة.

 

ــ المذال : 12 هـ / 637

جيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد / خسر الفرس 30 ألف قتيل في المعركة.

 

ــ الولجة : 12 هـ / 637 م

جيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد / الفرس بقيادة  الأندزغر (مات عطشاً).

 

ــ اليس : 12 هـ / 637 م

جيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد / الفرس بقيادة بهمن جاذويه ، خسروا 70 ألف قتيل.

 

ــ القادسية : 15 هـ / 636

جيش المسلمين بقيادة سعد بن أبي وقاص / الفرس بقيادة رستم (قتل في المعركة). كانت معركة حاسمة أدت نهاية النفوذ الساساني في العراق.

 

ــ بهشير : 14 هـ / 639 م

جيش المسلمين بقيادة سعد بن أبي وقاص، وبأمرته القائد زهرة بن حوبة.

 

 

ــ المدائن : 16 هـ / 637 م (على نهر دجلة)

جيش المسلمين بقيادة سعد بن أبي وقاص، جيش الفرس يقيادة شهبان وهثان.

 

ــ نهاوند (فتح الفتوح) : 21هـ / 642 م

جيش المسلمين بقيادة النعمان بن مقرن (أستشهد خلال المعركة) / جيش الفرس بقيادة الفيروزان (قتل). وبانتصار المسلمين، انتهى حكم الدولة الساسانية في إيران، بعد أن دام حكمها 416 عاما.

 

والفرس لم يدخلوا بغداد وهذه ملاحظة تستحق الانتباه ...! إلا كحاشية للمغول في 1258م، وكمتواطئين، بمساعدة الوزير العلقمي الذي كان يراسل المغول الذين كانوا على الوثنية، ليدخلهم إلى دار الخلافة، والمغول لم يحترموا فعلته هذه، فصرفوه بقليل من الاحترام بعد أن أرضوه بدراهم معدودة. ولكنه عاش بقية عمره منبوذاً. وهذه عبرة تستحق التأمل.

 

والعراق بسبب مزاياه السياسية والاقتصادية والثقافية، أصبح بعد 1258 ملعباً لإرادات قوى أجنبية وساحة منازلات بينها. فالشعوب التركية تمكنت من تطوير أداتها السياسية من قبائل تركية، نجحت بتأسيس كيانات سياسية كالسلاجقة، إلى دولة مركزية بقيادة آل عثمان، الذين تمكنوا بالدهاء والحنكة السياسية، واستخدام ناجح للقوة العسكرية، وتأسيس سلطنة كمواصلة للخلافة الإسلامية بعد سقوط الدولة والخلافة العباسية.

 

تأسست الدولة الفارسية الحديثة عام 1501 على يد الصفويين المنحدرين من أرومات مختلفة : آذرية / تركية، وكردية وتركمانية، وأختلطوا بالشركس والجورجيين، واليونانيين. وحين أزاحوا السلالة التيمورية بسهولة نسبياً، لضعف ملوكهم، ولكثرة الانشقاقات بينهم. وكان الأتراك العثمانيون في اقصى درجات قوتهم،  يتقدمون غرباً  في اوربا ويكسبون مواقع جديدة. والبلاد التي كانت تحت سيطرة الفرس  كانت ترقب الانظمام  إلى دولة الخلافة، فأدرك الصفويون الطموحين  ضرورة توحيد البلاد تحت عصبية  تتمكن من الوقوف بوجه العثمانيين، ولكي لا يدينوا بالولاء للخلافة الإسلامية، فأعتبروا أن المذهب الشيعي هو القائد للدولة، وأخذوا يفرضون التشيع بالقوة والإرهاب، على مواطنيهم، ومواطني الدول التي يدخلونها،  لذلك باشروا بحملات تطهير طائفية وعرقية، وفعلوا كل ما  يقضي على  احتمال أن تكون بلاد فارس جزءاً من الامبراطورية الإسلامية.

 

وكان الاتراك العثمانيون يرون في أوربا ساحتهم الرئيسية وميداناً لتوسعن السياسي والديني، ولم تكن البلاد العربية والإسلامية في حساباتهم التكتيكية والاستراتيجية، إلا أن الفرس أعتبروا أن خصوم العثمانيون حلفاء لهم، وهكذا مثلوا الاحتياطي الجاهز في خطط الأوربيين وحتى روسيا القيصيرية، لذلك ابتدأت المناكفات، تتحول إلى صراعات مسلحة، فتحول العراق خاصة إلى ساحة صراع مسلح، لذلك دار العديد من المعارك العسكرية الصغيرة والكبيرة، كانت الغلبة فيها للعثمانيين على الأرجح،  إلا أن الإجمالي العام للمعارك كان أن أخرج العثمانيون إيران من العراق..

 

عام 1535، بلغ مسامع السلطان سليمان القانوني ما يفعله الفرس في العراق، فقرر على التدخل وإخراج الفرس من العراق، فدخل الجيش العثماني العراق من جهات تبريز، ودخل بغداد بدون مقاومة، ومن ثم أحتلوا الموصل ثم سائر المدن العراقية، ، وزالت دولة الصفويين في العراق بعد أن هيمنوا عليه تقريباً لمدة 25 سنة.

 

ودارت بين الأتراك العثمانيون والفرس معارك صغيرة وكبيرة، وفي إجمالها انتهت سيطرة أو نفوذ الفرس على العراق، حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. وطالما كان العراق تحت النفوذ البريطاني، تجنبت (إيران) أي محاولة لتعكير الأمن والسلم، ولكن ما أن فقدت بريطانيا نفوذها السياسي على العراق مع ثورة 14 / تموز / 1058، ابتدأت إيران دون توقف بإثارة المشاكل من كل نوع وصنف، وهذه ملاحظة تستحق الأنتباه والتسجيل ....!

 

يسجل بعض مسجلي التاريخ الكرونولوجي، أن الصراع العثماني الفارسي هي حرب واحدة بأسم:  الحرب الفارسية العثمانية (1623 ــ 1639)، وهي صراع حاولت فارس أن تهيمن على العراق، ولكن ما كان يحول دون سيطرتها التامة، أنه كانت غير مقبولة من الشعب العراق، لأسباب عديدة، في مقدمتها الأساليب الفارسية الهمجية الوحشية، وفي إرغام الناس على اتباع التشيع، ولولا أن العثمانيون كانوا يعتبرون أوربا هي ساحتهم الأساسية، لكانوا احتلوا بلاد فارس بأكملها.

 

وفي البداية كانت مطامع الفرس في أرمينيا، والتنافس الفارسي / العثماني ابتدأ منذ عام 1514 بصورة اشتباكات متواصلة في القوقاز، وتقع جبال القوقاز السفلية في منطقة الشرق الأوسط الكبير. حيث تعتبر هذه المناطق الحد الفاصل بين أوروبا وآسيا.

 

ويعد القوقاز من أكثر المناطق تنوعاً ،م الذي يضم أمم وقوميات صغيرة ومن الناحيتين اللغوية والثقافية على وجه الأرض. يتألف القوقاز من القوميات : الجورجية والأرمن والأبخاز، وأوسيتيا. أما القوقاز الروسي فيتألف من كراسنودار كراي، ستافروبول كراي، أديغيا، قراتشاي، تشيركيسيا، قيردينو، الشيشان، إنغوشيا، أوسيتيا انغوشيا، أوسيتيا الشمالية، وداغستان.

وتتنافس روسيا مع الفرس والعثمانيين الأتراك في الهيمنة على المنطقة منذ ذلك الحين وإلى الآن، والأتراك العثمانيين كانت القومية التركو مغول (Turco mongol) والديانة الإسلامية، عاملاً يشد الشعوب التركية منذ ذلك الوقت وحتى العصر الحالي  (رابطة الشعوب التركية): تركيا، أذربيجان، أوزبكستان، تركمانستان، كازاخستان قيرغيرستان، قبرص.

 كما تمكنت روسيا منذ العهود القيصرية من فرض وجودها السياسي والثقافي (اللغوي والديني المسيحي) على بعض مناطق القوقاز، ولاحقا في عهد الاتحاد السوفيتي أضافت عاملاً إلى عناصر السيطرة على المنطقة بفعل هيمنتها السياسية (النظام الاشتراكي). فيما لم تنجح إيران في مد إشعاع سياسي أو ثقافي أو ديني في المنطقة، لذلك كان سبيلها لفرض وجودها هو إثارة الصراعات المسلحة، وإقامة التحالفات مع جهات من خارج المنطقة.

كانت معركة جالديران 1514 في أقضى شرق الأناضول، قد وضعت نهاية للمعارك الفارسية / العثمانية في هذه الأرجاء، ولكن المعارم نشبت من جديد  عام 1578، وأنتهت بتوقيع معاهدة اسطنبول عام 1590 لتكرس الانتصار العثماني وأحتل العثمانيون جورجيا ويرفان، وحتى العاصمة الصفوية السابقة تبريز. ولكن الفرس ما زالوا يضعون أنظارهم على العراق، وقام العثمانيون بأحتلال بغداد عام 1534، وتكرست أنتصاراتهم بمعاهدة أماسيا عام 1555.

ولكن الفرس لا يحافظون على اتفاقاتهم وتعاهدهم حين يجدون من العثمانيين تهاوناً، أو انشغالاً في مواقع أخرى، أو وجود تمرد وأرتباك ضمن الدولة، ولهذا قام الشاه الصفوي عباس بأحتلال بغداد عام 1624 بعد أن تذبذبت العلاقة بين الحاكم العثماني لبغداد مع العاصمة أستانة، وأقام فيها المجازر لسكان المدينة عازماً على إحداث تغيرات ديموغرافية (لاحظ تشابه الأساليب).

لكن العثمانيون لم يكونوا ليسمحوا للفرس انتهاز الفرص، فتواصل القتال، والمعارك كانت تنتهي على الأرجح لصالح العثمانيين، حتى عقدت اتفاقية قصر شيرين ، المبرمة في 17 مايو ــ أيار / 1639، والتي قضت بالتسوية النهائية للحدود العثمانية الفارسية، إلا أن الحدود التي قضت بها المعاهدة لا تزال حتى يومنا هذا تشكل الحدود الغربية لإيران مع العراق وتركيا . وفي العراق أستقر الموقف على ذلك حتى دخول الإنكليز في الحرب العالمية الأولى.

وقد أستغلت إيران بأختلاف حكامها وأنظمتها، التوسع، والسيطرة على شيعة العراق والعرب بصفة عامة، وحين حاولت إيران مد نفوذها الديني نجحت جزئياً حين تمكنت من الهيمنة على قيادة المذهب الأثني عشر (المرجعيات)، وجعلته المذهب الأكثر رواجاً (بوسائل سياسية)، مقابل المذهب الشيعي الاسماعيلي، والمذهب الشيعي الزيدي، بيد أن هذه المحاولات لم تنجح كلياً، إذ أصطدمت أيضاً بالقضية القومية، ففشل فشلت كبيرا في أذربيجان الشيعية / التركية، ولم يحقق النجاح التام في البلاد العربية، أما وبعد تجربة العراق وسورية ولبنان فهذه السياسة في طريقها إلى الفشل التام.

 

المركز العربي الألماني

برلين

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

امبراطورية كارل الكبير

 

ترجمة : ضرغام الدباغ

 

كانت الدول الألمانية التي تأسست في غضون العملية التاريخية " تنقل الشعوب " على ضفاف البحر المتوسط، سرعان ما تساقطت،  مقابل أن الفرانكيين الذين كانوا قد استوطنوا في غرب أوربا، نجحوا بتأسيس امبراطورية قوية، ثم انتموا للديانة المسيحية، ودافعوا عن أوربا ضد الجيوش العربية، التي زحفت إلى أوربا عبر جبال البيرنيه في مطلع القرن الثامن، بعد أن احتلوا أسبانيا.

 

وكان كارل قد نجح في تجميع جميع الأصول الجرمانية في دولة واحدة والتي تشكل اليوم : فرنسا، ألمانيا، ونصف إيطاليا، وأصبح فرنسا القوة العالمية العظمى الثالثة بعد أمبراطورية خليفة بغداد، والامبراطورية البيزنطية.

 

" كان كارل رجل دولة، وطويل القامة، ماهر في الصيد والسباحة، وظل حتى أواخر عمره بصحة جيدة. وكانت طبيعة حياته بسيطة، معتدلاً في طعامه وشاربه، وكان يرتدي اعتيادياً رداء مما تخيطه نساء بيته، معطف صوفي بألوان،تقيه في الصيف من الأمطار، وفي الشتاء رداء من الفرو. وكان الملك يرفض الثياب الأجنبية حتى وإن كانت جميلة جداً. وكان فقط يظهر بمظهر عظيم وفخم في أيام الأعياد والمناسبات.، فكان يضع التاج الذهبي المرصع بالأحجار الكريمة الثمينة على رأسه.

وأصعب المعارك كانت تلك التي خاضها كارل ضد السكسونيين،، والسكسونيين كانوا ما يزالون وثنيين ويغيرون دائماً على المناطق الحدودية للفرانكيين. وفي عام 772 بدأ كارل بالاستيلاء على بلاد السكسون، ولكنه لم يحقق الانتصار النهائي إلا بعد 33 عاماً بهزيمته للملك السكسوني فيدوكيند وأخذه أسيراً. وفي غضون ذلك كان عليه أيضاً القتال ضد البافاريين والانغوباردن، الذين لم يكونوا ليستسلموا له.

 

ولكن كارل نجح في النهاية بتأسيس امبراطورية تمتد من المحيط الأطلسي حتى البحر المتوسط، ومن إيبرو حتى الألب، وفي أيام عيد الميلاد عام 800 توجه البابا في روما بنفسه تاج الملوكية.

 

وبعد وفاة كارل، تقاسم أولاده الامبراطورية، وهكذا أنفصلت ألمانيا عن فرنسا .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

المركز العربي الألماني

 

برلين

 

المصدر :

Dr. Fritz Steppat, Dr. Helmut Klopffer:  Deutsch für Araber, 1958 Kairo

 

كرونا تجربة

 للحرب البايولوجية

ضرغام الدباغ

 

يتابع الناس في قارات العالم المعركة مع لفيروس اللعين كوفيد 19  المسبب لكورونا، منذ سبعة شهور، وفد حصد الوباء رسمياً نحو850,000 ألف ضحية، وأكثر من 25 إصابة (إحصائية 30 / آب /  2020 والأرقام في تصاعد مقلق، وشخصياً أرجح أن الأعداد أكثر)، وكبد دول العالم ترليونات لا حصر لها من الدولارات أو اليورو، ومع أن الأنباء تشجع على توصل الهيئات العلمية لأختراع عقار مضاد، إلا أني أعتقد أن شهورا طويلة ستمر حتى يصبح العقار بمتناول الجميع بيسر لا سيما في البلدان النامية.

وسمعنا أيضاً وقرأنا سيناريوهات كثيرة، (البعض منها من مواقع سياسية رفيعة) أن الفايروس منتج في مختبرات دولة عظمى تتبادل التهديدات فيما بينها، وتضع صورة لكيفية إنتاجه، وكيفية إرساله ليتغلغل في المجتمعات، ووضعوا لكل مفردة صغيرة تفسيراتها .. حتى تحتار من تصدق ...

ولكن ... دعونا نصدق الافتراضات أن الفايروس كوفيد 19 هو منتج، وبالتالي فهو (أحد) الأسلحة البايولوجية، (قلنا أحد) ... ودفعت القوة العظمى (س) على القوة (ج) أو بالعكس فليس هذا ما يهمنا اللحظة، بل ما يهمني تأكيده الآن هو :

أن الطرف الذي بادر باستخدام كوفيد 19 كسلاح بايولوجي، لم يستطع أن ينج بنفسه من الآثار الفظيعة ، سواء نتيجة هجمات مضادة، أو لسهولة تفشي الفيروس.

أن النتائج المدمرة للسلاح البايولوجي الذي (أستخدم) لأول مرة، لا يقل في حجم أضراره عن السلاح النووي.

أن السلاح البايولوجي كوفيد 19 لا يهدم المدن، ولكن الإعمار (إعادة ما تخرب) لم يعد في عالم اليوم مشكلة (في ظل التطور الهندسي الكبير، والاستخدام المكثف في تكنولوجيا البناء والتشييد)، فهناك دولة كانت تحسب بين البلدان النامية شيدت مستشفيات عملاقة (بحجم مدن صغيرة) خلال أيام أو أسابيع.

الدول العظمى نفسها غير قادرة على استئصال الوباء بسهولة رغم التقدم العلمي الكبير، ربما أكثر ما يمكن أن تفعله، هو إبطاء سرعة سريان الفيروس.

أثبتت تجربة كورونا، افتقار دول عظمى (رأسمالية خاصة) أن قاعدتها الطبية رخوة جداً، وغير مؤهلة بتاتاً على خوض حروب بايولوجية (مثل أميركا وبريطانيا وإيطاليا وفرنسا).

الأسلحة البايولوجية / الجرثومية، سهلة الإنتاج، ولا تحتاج لصواريخ بالستية لتحملها، ولا لقاذفات قنابل عملاقة حكر على الدول العظمى، بل يمكن نشرها بوسائل بسيطة وبدائية ويصعب كشفها. وهي ليست باهضة الثمن، وهي كالأسلحة الكيمياوية تعتبر أسلحة الفقراء.

إذا تأملنا هذه المعطيات، وافترضنا أن الاتهامات المتبادلة لها نصيب من الصحة، فإن هذه التجربة ينبغي أن تدفع القوى العظمى، إلى إعادة حساباتها كلياً، أي حرب شاملة لا يستبعد استخدام السلاح البايولوجي فيها، بل هي المرجحة، لأنها سلاح نظيف لا يخرب ولا يدمر ولا يسبب الحرائق المرعبة، يلتهم المجتمعات بصمت كقاتل مهذب، يغتال بسلاح كاتم صوت. ولا تستطيع أن يدول أن تجعل نفسها بمنأى عن آثاره المهلكة.

وإذا واصلنا الافتراض، أن السلاح البايولوجي يمكن أن ينتشر بسرعة (أكبر من سرعة انتشار السلاح النووي اليوم نحو 10 دول في العالم)، فإن مسألة الحفاظ على السلم العالمي ستكون مسألة تفوق أهمية امتلاك الدبابات والطائرات والصواريخ وأحجام جيوش جرارة.

سيصبح واضحاً وجلياً ضرورة قيام منظمة أمم متحدة جديدة ومنظمات دولية (بكافة تخصصاتها) جديدة تعمل بموجب مبادئ جديدة، من أهمها لا يستطيع أحد أن يتحكم بأحد، إلغاء مبدأ استخدام القوة، والإنهاء التام للأسلحة النووية. ومن أولى مبادئها الجديدة إلغاء فكرة دول متقدمة عظمى وأخرى صغرى.

إن العالم يضيق بسرعة بحجم سكانه، وأن هناك مخاطر مستترة لا تقل خطورة عن كوفيد 19، تتمثل بالتلوث البيئي ونتائجه المهلكة، ومنها اختفاء دول ومدن وعواصم كبيرة. والتصاعد في درجات حرارة الكوكب الأرضي، وامتلاء الفضاء الخارجي بالأقمار والكواكب الصناعية والمركبات والنفايات، وجميعها تنطوي على أخطار جسيمة لشعوب الأرض.

 لابد بأهمية حاسمة أن يكون من واجبات الاجتماع الدولي الجديد اعتبار الأمن القومي لكافة الأمم بمستوى واحد من الأهمية، والمناقشات في متفرعات هذا العنوان يكون من خلال احترام خصائص كل أمة، وحاجاتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

بأختصار شديد، هذه أبرز فقرات ورقة أعمال أي مؤتمر يهدف لمناقشة جدية لوضع حد للمخاوف الجدية على مستقبل الجنس البشري.

 

 

 

التدمير المزدوج

ضرغام الدباغ

 

هناك نظرية تقول أنك إذا سعيت لتدمير خصمك، فأنت تدمر في نفس الوقت جزء من ذاتك ....!

لنقرب المسألة أكثر إلى الأذهان ...

تتقدم أنت ومعك كل قواك التدميرية، تنطلق مصمماً على سحق الخصم وتدميره، والتسارع في تقدمك يعززه انتصارات صغيرة وكبيرة هنا وهناك، تتعب خصمك، ولكنك لا تكتفي، والغل يأكل قلبك، وهذه ليست سياسة، ولا علاقة لها بالخطط التكتيكية والاستراتيجية، هذا حقد أسود تراكم على قلبك وفكرك، ثم تسرب إلى عينيك فمنعك من الرؤية والتفكير، فمضى قطارك يدوي ويزمجر وأنت تحاول سحق خصمك حتى العظام، ولا تبالي بأي نتيجة أخرى .. ولكن ماذا حدث  ...

لكل علاج أضرار جانبية (Said Effect)، وتقريب لما يجري علم الصحة على علم السياسة نقول : لكل عملية سياسية / اقتصادية / عسكرية كبيرة (نتائج ثانوية) تظهر هذه النتائج على خصمك وعليك أنت أيضاً وعلى الواقع الموضوعي.

مثلاً حين حاصر الغرب الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي، ساهم هذا في رفع قدرات (السوفيت) لأنهم أضطروا لصنع كل شيئ بأنفسهم، ونفس المثال بطريقة أخرى، حين كرس الغرب (وخاصة الولايات المتحدة) كل شيئ للصدام، والصدام كان يدور يومياً على أصعدة عديدة ...

حسناً أدرك الاتحاد السوفيتي أبعاد ونتائج لعبة سباق التسلح، فإنها سوف تفضي إلى :

حرب نووية لا تبقي ولا تذر ليس فقط للمشاركين فيها، بل حتى للمتفرجين ...!

إفقار شديد للموارد، وتحويل التراكم في الاقتصاد الوطني بنسبته الأعلى للتسلح، والنتيجة شلل شبه تلم للتنمية.

محو منجزات كبيرة شيدها الملايين من المواطنين السوفيت في ظروف تكاد تكون مستحيلة.

والغرب كان يسعى لهذه الأهداف بوضوح تام مستخدماً أدوات :

استخدام الفضاء الخارجي في الصراعات.

تطوير متواصل لقدرات التدمير الشامل: النووية، والهيدروجينية، والنيوترونية، والبايولوجية / الكيمياوية.

شن الصراعات المسلحة غير المباشرة،  في مواقع ثانوية، فيما يطلق عليها الحروب بالوكالة.

إحداث انفجارات وإن كانت غير مهلكة ولكنها مضعفة، في تخوم المعسكر الاشتراكي، وفي بعض أجزاءه الرخوة.

والقيادة السوفيتية أدركت مبكراً واستشرفت مآل هذا الصراع الذي يطحن الخصم ولكن يطحن مواردك أيضاً ...! قد يبقيك على قيد الحياة، ولكن يبقيك ضعيفاً..! لهذا آثرت القيادة السوفيتية بعد دراسة الموقف بتفاصيله، وقررت اتخاذ قرارات كبيرة، وصعبة، ولكنها كانت الممكن الأفضل .. التي ينجيك من عملية طحن العظام الغبية التي تسعى إليها وتمارسها الولايات المتحدة، وقامت بتفكيك الأمبراطورية السوفيتية بنفسها (تفكيك تحت السيطرة) لا ينطوي على انهيارات، نعم بخسائر مؤلمة، ولكن لا انهيارات، ولبضعة سنوات عانت روسيا من (الأضرار الجانبية) لتفكيك الاتحاد السوفيتي، سياسيا واقتصادياً وأمنياً، ولكنها (روسيا) الكبيرة دائماً في التاريخ والجغرافيا، تمالكت نفسها، بعد بضعة سنين وعادت تفرض نفسها طرفاً قويا في ميدان العلاقات الدولية، بنظام سياسي واقتصادي متين يتجاوز مكامن الضعف في النظام القديم. يتصاعد دوره إلى مستويات واعدة.

ولكن ماذا حدث في الجانب الآخر ...؟

الولايات المتحدة أرادت استثمار انفرادها في ميدان السياسة الدولية عبر: النظام الدولي الجديد، العولمة، وحين وجدت من يعارض هذا النظام عادت لشن الحروب والصراعات المسلحة وأشباهها في أرجاء مختلفة في العالم : أفغانستان، العراق، كوريا الشمالية، أجزاء توتر في أفريقيا ..وأميركا اللاتينية ..الخ.

هذا الموقف كان يستدعي أن تضخ الإدارة الأمريكية المزيد من القدرات لتتمكن من القيام بدورها القيادي / الغاشم، ولكن قطارها كان متعباً بفعل السباق والصدام مع الاشتراكية، وبعد أقل من عقد خارت قواها .. وهي على وشك أن تنبطح، والنتيجة أن بدل المركز / القطب الواحد الذي سعت إليه السياسة الأمريكية وحاولت تكريسه، حولت أسم النظام الدولي الجديد، إلى العولمة،  فبرزت أقطاب جديدة (روسيا، الصين،) وأخرى واعدة في الطريق (البرازيل، الهند، تركيا) وغيرها ..!

صحيح أن قطارك سحق قطار الخصم، أو حمله على الانسحاب، ولكن قطارك نفسه لحقه تدمير شديد، أشد تدميرا من قطار خصم الذي قبل بخسارة جزئية على الخسارة التامة المحدقة بك ... الروس أدركوا نتيجة المباراة في مرحلة مبكرة (نسبياً)، وهم شعب قديم له قادة محنكون، ليسوا كالامريكان الذي لا يعرف أحسن بطل فيهم أسم جده الثالث أو الرابع .. كل مزاياهم أنهم أقوياء ولديهم أموال .. والقوة والمال تغري أشد الناس حكمة إلى قرارات خاطئة ..

بالامس (18/ تموز) قرأت عنواناً (مانشيت) لوكالة أنباء غربية كبيرة " لقد أخطأنا في سوريا "، والسؤال هو : وأين لم تخطأؤا  ...؟ في العراق وأفغانستان، في ليبيا ...؟ أنتم تخطئون في كل مكان، ولكن بفضل  " ديمقراطيتكم المحكمة " تحول دون ظهورها على السطح، وإذا تطلب الأمر لديكم صواريخ كروز وأسلحة محرمة على غيركم لحل المشكلات ..

في فصول كثيرة من التاريخ القديم والوسيط والحديث، أن آفة الدول هي التوسع ..التوسع يعني بالطبع الكثير من تحقيق المصالح، ولا تتوقف الشهية للتوسع وتواصل القضم والهضم .. ولكن في نهاية المطاف أحد أسباب هلاك الدول يكمن في التوسع، ولطالما قرأنا في كتب التاريخ هذه الجملة " ولكن سعة الإمبراطورية قاد سعة في المشكلات وإلى العجز في مواجهة مشكلاتها ".

يقول غورباتشوف في كتابه البيروسترويكا، أن نظرية المنظر الألماني كلاوس فيتز أن " الحرب هي مواصلة للسياسة بوسائل أخرى " نظرية فات أوانها، ولم تعد صالحة ليومنا هذا.لأن الحرب إذا وصلت حافتها النووية، لا يعود فيها منتصر وخاسر، بل الطرفان سيكونان خاسران، السوفيت انسحبوا بسلام وهذا صح، وبأمان، وهذا صح أيضاَ، وحافظوا على أنفسهم ودولتهم، وهذا عين الصواب، وانكفؤا لبضعة سنوات، ثم استعادوا توازنهم بعد الهزة، تراجعوا عن الدور القيادي العالمي ومستحقاته الباهظة، فيما رفع الغرب (الولايات المتحدة وحلفاءها) من وتيرة العنف والتدخل المسلح في أرجاء عديدة من العالم، ورفعوا شعارا عدوانيا شرسا " من ليس معنا فهو ضدنا ".

اليوم تعاني الولايات المتحدة من مظاهر التعب في أكثر من مجال،  هي ليست ضعيفةـ ولكنها تعاني من مشكلات جمة، وفي مقدمتها عدم قدرتها التفاهم مع الآخرين بما فيهم الحلفاء، والسبب أنها نريد من الجميع الانصياع لأوامرها وتوجيهاتها، وهي في هذا لا ترى إلا مصالحها، أما مصالح الآخرين  فهو أمر مؤجل بأستمرار، وهكذا تضخمت قائمة وجدول أعمال الخلافات الأمريكية مع أصدقاءها ومع الأطراف الأخرى في الساحة العالمية في آن واحد .

الولايات المتحدة تدرك أن مواصلة الخط السابق هو غير ممكن، ولكن التراجع عن متر في ساحات المواجهة، يعني تقدم قوى (غير حليفة) وخسارة تدريجية في خطوطها الدفاعية .. وهي وحلفاءها ليسوا متفقين على نهجها في معظم  الخطوط العامة وفي التفاصيل .. هذا هو بأختصار المأزق الناجم أصلاً عن سياسة مواجهة وتوتير المواقف وتصعيدها وهي سياسة انتهجتها الولايات المتحدة منذ 1949 وحتى الآن دون توقف. تلجأ الولايات المتحدة إلى تصعيد في الموقف في أوربا من أجل رص صفوف حلفاءها خلفها، ومواصلة الدور القيادي بتكاليفه ومزاياه .. كما تفعل في أرجاء أخرى، حين تدفع إلى تدهور الوضع، لكي تواصل بيع الأسلحة، وتبقي الجميع تحت مظلة حمايتها . فهي سياسة باتت معروفة رغم أن الولايات المتحدة حاولت تغليفها بشتى اللافتات والشعارات.

بالطبع يمكن صياغة ملامح استراتيجية موحدة في المنطقة (العالم العربي / الشرق الأوسط) ولكن ذلك من المهام الصعبة بسبب طغيان النظر إلى المصالح الخاصة بكل دولة، والميل إلى اللعب الفردي، والميل المفرط للزعامة واستعراض المهارات ومحاولة جني مكاسب، مع الإدارك أن هذه المكاسب عرضة للفقدان لأنها بلا أسس ولا ركائز لذلك فهي عرضة للفقدان.

بسبب هشاشة الوضع الداخلي  في البلدان المستهدفة، بمفرداته يسهل التدخل من قبل القوى الأجنبية، بل وتصبح ميادين هذه البلدان ساحة تنافس وصراع قد يكون في إحدى مراحله صراعاً مسلحاً، وتتحول قدرات ومزايا البلدان إلى ساحة قتال تدمر القليل من تلك القدرات، وتلحق بها جروحاً ليس من السهل تجاوزها. ثم في نهاية المطاف، تصبح فقرة في مفاوضات يجري التلاعب في مصائر البلدان وشعوبها .

الولايات المتحدة الأمريكية هجمت على الشرق الأوسط بكامل قواها العسكرية والسياسية، ورمت بنفسها في أتون شبكة التناقضات المعقدة، ومثلها مثل الطبيب الجراح الفاشل، الذي يجري عملية فتح لشخص على طاولة العمليات، ويمسك بيد كتاب " كيف تجري عملية ناجحة " بمعلومات وحسابات دفترية واستناداً لتقارير فاسدة من خونة، ومصالح أعضاء مجلس الأمن القومي النفطية خاضوا مغامرة منذ 18 عشر سنة وما زالوا يتخبطون وقد خسروا الخيط والعصفور .. دمرونا صحيح ...  ولكن هم أيضاً تدمروا ...! وهذا هو التدمير المزدوج ..!

 

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

6 أسئلة   و 6  أجوبة..

.حول الوضع العراقي ....!

 

د. ضرغام الدباغ

 

مساء يوم 21 / آب / 2020، قامت القناة الآرامية ومرها مشيغان / الولايات المتحدة، بإجراء ندوة شارك فيها عدد الشخصيات السياسية العراقية وهم كل من : السيد حسن الموسوي، د. ضرغام الدباغ، الاستاذ عوني القلمجي، العميد ياسين الملا ربين، والمهندس ياسين الكليدار،  وأدار الندوة الدكتور باسم كوريال، وأستمرت تبث على الهواء مباشرة لمدة ساعتان وخمسة عشر دقيقة، بواسطة الدائرة التلفزيونية بين مشيغان/ الولايات المتحدة، وأمستردام/ هولندة، وكوبنهاغن / الدانمرك، برلين / المانيا، وأستامبول / تركيا. وتمت الندوة بكل سهولة ويسر ودون أي مشكلة تقنية.

وتقدم الدكتور كوريال بالأسئلة لكل مشارك، وبالنسبة لي، كانت الأسئلة والإجابات عليها كما يلي تقريباً:

س 1.  ما هو تصوركم لموقف موحد أو شبه موحد للمعارضة العراقية ...؟

أعتقد أن المعارضة اليوم وبعد مرور سنوات طويلة أقرب إلى التوحيد في موقفها تأسيساً على حقيقية موضوعية مؤكدة، هي أن العملية السياسية قد ثبت فشلها التام في العراق، وفشلها هو بسبب خطأ في  منطلقاتها التي تأسست عليها التي لا تنطوي بتقديري على فرص للنجاح. وخير  دليل على ذلك ما نشهده من الأوضاع المزرية والانحطاط العام الذي يعيشه العراق على كافة الأصعدة. بالإضافة إلى تدمير شبه شامل لنظام الدولة، وسيطرة نوع من الفساد الهيكلي (structural corruption) في المجتمع والدولة يحبط كل فرصة إصلاح ما لم تكن جذرية وشاملة. أعتقد أن قوى المعارضة وجماهير الانتفاضة السلمية المنتشرة في ساحات المدن، تعبر عن وجهة نظر العراقيين في التطلع إلى دولة تستعيد الاستقلال الوطني، خارج نفوذ وهيمنة إيران، بحكومة مركزية ديمقراطية محترمة، وبعناصر كفوءة، قادرة على إدارة البلاد. وهذا ما يشكل القاسم المشترك الأعظم لقوى المعارضة العراقية.

س 2. ما هو تصوركم لسقف المواقف العراقية ؟

سقف المواقف للقوى العراقية هو استعادة الاستقلال الوطني، نظام مدني وغير طائفي، وحكومة ديمقراطية، رفع التهميش والاستبعاد، والاجتثاث والتخلي عن ثقافة الثأر والانتقام، وأن يكون القانون غير مسيس هو المرجع الوحيد للأحكام. حكومة قادرة على توفير الأمن والأمان، وإعادة الثقة للمواطنين، وتوفير المستلزمات الأبتدائية لوطن يمكن العيش فيه. وهذه أهداف بسيطة جداً، ولكن ليس بوسع إلا نظام وطني ديمقراطي تحقيقه، وليس أنظمة ، بوبيت (Puppet) (كراكوزية).

س 3. كيف تضعون أولويات مهام حكومة عراقية مقبلة.

أعتقد أن أي من أطراف المعارضة لا تطرح استلام الحكم بنفسها، القوى الرئيسية الثلاث المتمثلة بحزب البعث العربي الاشتراكي والمجلس الوطني، وشباب الثورة في الساحات،  لسبب واضح أن المرحلة ستكون أصعب من يتحمل وزرها طرف سياسي واحد، لذا يستحسن أن تكون الحكومة المقبلة من عناصر عراقية وطنية كفوءة، تكنوقراط، قادرة مهمتها أولاً: إيقاف التدهور أولاً، واستعادة للخدمات الأساسية التي تراجعت في العراق لدرجة الصفر تقريباً، ومن ثم التصدي لحل المشكلات حسب الأهمية والأولوليات وهي مهام عسيرة. لمدة معلومة لنفترض سنتان، ووضع الأسس القانونية السليمة لحياة سياسية ديمقراطية. والتصدي للمشكلات الآنية: الوضع الاقتصادي المنهار، الأوضاع الأمنية، النظام الصحي والسكني والتعليمي وهذه كلها بحاجة إلى جهود وتوظيفات كبيرة. ولا نعتقد أن جهة سياسية معينة قادرة  لمفردها على تحمل مسؤولية البداية.

س 4. على ماذا تعول المعارضة  وما هو أساليبها السياسية ؟

المعارضة المعروفة، حتى بتعبيراتها الشعبية في الساحات، لا تعول إلا على العمل السياسي، وبتقديري أن فشل العملية السياسية الذريع، يمثل المدخل الضروري للتغيير، فالأوضاع على جميع الأصعدة اليوم أسوء مما كانت عليه قبل عشرين عاماً أو حتى أربعين عاماً، والفشل التام للعملية السياسية هو من وضع المسمار الأول والحاسم في نعش الموقف السياسي، وفشل النظام بسبب ضعفه وهزالة تكوينه في التعامل مع المشكلات الذاتية والموضوعية، ويتجسد فشله وتعبيراته في الرفض الشعبي والحركة الشعبية واسعة النطاق تشمل العراق بأسره تنشد التغيير. والسلطة لا تمتلك سوى قوى الميليشيات والقوى القمعية  كاعتماد الأول والأخير. هناك نحو 800 من الشهداء والجرحى في انتفاضة الشعب السلمية الباسلة، والسخط الشعبي الواسع يشير بوضوح، أن كافة الانتخابات التي أجري في العراق كانت مزورة، وأن الموقف السياسي كان يتم بتوافق القوى الخارجية.

س 5. ما هو تصوركم للدور العراقي في المنطقة.

الحكومة الأولى يجب أن تسعى بتقديري إلى (Zero Problem) صفر مشاكل، سياسياً مع جميع الأطراف، وهذا بديهي لتوفير القدرة للإعمار، والسعي عبر الوسائل الدبلوماسية والمفاوضات لحل المتعلقات. ونعتقد أن لدول الجوار مصلحة في ازدهار واستقرار العراق بدليل منذ 2003 لا العراق مستقر ولا دول المنطقة كافة، تمعنوا بالخارطة رجاء، العراق هو ميزان الشرق الأوسط.

س 6. كيف تضعون العراق في ترتيبات الشرق الأوسط.

العراق وحتى أمد بعيد عليه أن يهتم بشؤونه الداخلية ونزع الأشواك وإزالة العقبات والموانع وهي مهمة ليست بسيطة وسوف تستغرق بتقديري سنوات طويلة. الظروف السياسية في العالم والمنطقة متجهة للتطور والتغير، سياسيا واقتصادياً وثقافيا، فيفترض في أي قيادة أن تكون قادرة على فهم واستيعاب المعطيات الجديدة.

 

(الصورة : ملصق أعلاني عن البرنامج في إحدى شوارع مشيغان)

 

 

زمن الانحطاط

ضرغام الدباغ

 

حديث :" يأتي على الناس يوماً، يكون القابض فيه على إيمانه، كالقابض على جمرة من النار ".

مالذي يجعل إنساناً كان وطنياً، بل من القادة، أن يتراجع لتحت الصفر، بل يصبح مرجاً للأفكار الاحتلال ..؟ مالذي يدفع شخصا مثقفاً ينحط لدرجة أن يصبح طائفياً يتحدث بلغة تفوح منها العفونة، هل هو الخوف، .. أم هو المال اللعين، أن ضرورات الحياة التي تجعل من الموقف الشريف في حفلة الأوغاد قضية صعبة .. أم هو الإرهاب الذي يصيب جارك فترتعد فرائصك ..؟

شخصياً أفهم أن ليس كل الناس مستعدين لتكاليف موقف البطولة والشرف .. كنا أيام النضال السري نميز بين من لا يستطيع طويلاً تحمل التعذيب، فيقدم شيئاً ما لينجو من التعذيب، وهذه مفهومة ومقبولة بدرجة معينة. وبين من ينهار فيقدم كل ما عنده، بل ويزيدها من عنده ليحضى بصحن شوربة، والأسوء والأسود، كان حين يتحول البعض إلى وكلاء ويتطوع للبحث عن المناضلين ..!

حين ألقي القبض على الرفيق محسن العساف (أبو باسم)، كان يوماً أسوداً، وقال لي الرفيق أحمد العزاوي " محسن يتحول في التحقيق إلى صخرة لا يستخرجون منه قطرة ". الرفيق عبد الودود عبد الجبار كان يدق على صدره ويقول " هذه قاصة  (خزنة حديدية)"، وفعلا أستشهد ودود تحت التعذيب ولم يتفوه بكلمة واحدة. الرفيق إسماعيل ميكانيك، أعتقل وهو مصاب برصاصة في ساقه، وتعرض لتعذيب لا تصمد أمامه إلا الجبال، وصمد وكان بطلاً لا ينساه المناضلون.

قرأت مذكرات ديغول الأولى (عن الحرب)، وفيها استعراض عما قام به في حياته العسكرية كضابط، حتى تحرير فرنسا من الاحتلال النازي في الحرب العالمية الثانية، وفيها الكثير مما يقال، ولكن لنرجأ ذلك الآن، وكنت (في عصور الكتاب المطبوع) أوشر وأحياناً أعقب على ما يرد في الصفحات، وحين أعود بعد سنوات طويلة إلى ما كتبت تعليقا أو تعقيباً، أستغرب كلياً ...!

المهم في كتاب ديغول هذا سطر واحد جوهري ومهم لفت أنتباهي وهو قوله " ولم أكن أعلم أن الاحتلال يخلق أنحطاطاً في الأخلاق ".

ماذا كان يقصد ديغول بهذه الكلمات الجوهرية العميقة ..؟ الاحتلال قوة غاشمة لا تتعامل بالقيم الاخلاقية، الاحتلال إهانة للأنسان، أن تشاهد وطنك الحبيب محتلاً، فيخلق الموقف مناضلاً بطلاً يتحدى نفسه والاحتلال، أو هناك من يتذرع بالأمثال والحكم السخيفة، ويقبع في داره ينشد السلامة، وغالبا لا يحصل عليه، وهناك من يدفعه جبنه الشديد لمزيد من الأنحطاط (والجبن كالبخل حالة انحطاط)، أو طمعاً بمال أو منصب، أو عقد داخلية دفينة، تدفعه للتعاون مع المحتل وهو سيجد أو سيخترع أسباباً وذرائع ليبرر لأنحطاطه، والمشكلة الرئيسية هو يعلم في قرارة نفسه  أنه أحترق ..  وشخصياً أعتبره من ضحايا الاحتلال ونتائجه القذرة ... كبناية فخمة رائعة تنهار أمام عينك، ولكن البناية يمكن إعادتها، ولكن المتعاون مع العدو المحتل يطلق عليه (الخيانة العظمى) اوهو موقف والعياذ بالله لا يتصلح ولا يتعمر ...!

ــ شخص مثقف عمل سنوات طويلة وبدرجة قيادية في إحدى الحركات القومية التقدمية، وهو في أواخر عمره (الاعمار بيد الله) يروج ويسوق للمحتلين علناً جهاراً نهاراً ..لماذا ..؟

ــ شخصية قيادة معروفة، كان قائداً محترماً، وله مواقف صلبة، لكنه الآن يسوف علناً لمواقف المحتلين، لماذا .. لا أعتقد أنه يفعلها للحاجة المادية، ولا الخوف .. سؤال لا إجابة عليه.

ــ كادر قيادي في حزب قومي تقدمي كان يتقدم الصفوف، والهاتفين، والزاعقين، ومن أصحاب الأقلام النشيطة ..! بالطبع استفاد حتى شبع، وشرب مكاسب حتى ارتوى، والآن يروج بذات العنفوان لقوى الاحتلال .. صديق قال عنه، هذا غريب، أما أنا فقد كنت أتوقع سقوطه ذات يوم .. ولكن ليس في بئر الخيانة العظمى الدامس الظلام .

لا نعتب على شخص ضيق الأفق، هزيل الثقافة، تختلط الرؤى في عينيه فيضيع سواء السبيل فينزلق هذه الزلقة المميتة. او التافهين ممن يبحثون على دور، فيقبل أن يرتفع ولو فوق تنكة زبالة .. ولا أستبعد وجود من يقف هذا الموقف المشين أنتقاماً من (س) أو من حالة معينة، فيقبل أن يلوث نفسه بعار لا يمحى.

 

ــ العراق وسورية ولبنان دول محتلة، وحكوماتها "حكومات دمى " (Marionette Goverment) لا تملك من أمرها شيئاً، وغير هذا تلاعب على الألفاظ، وتبرير للأنزلاق.

 

أخطر كتاب لكاتب

 

أمريكي: كتاب (موت الغرب)

 

د. ضرغام الدباغ


The Death of the West

المؤلف الأمريكي  التقدمي باتريك جيه بوكانن (Patrick J Buchanan)

سياسي ومفكر أمريكي معروف عمل في منصب مستشار لثلاثة رؤساء أمريكيين، وهو كاتب لعمود صحافي دائم في عدد من الصحف الأمريكية ومؤسس لثلاثة من أشهر برامج التلفزيون في أكبر قناتين أمريكيتين ( إن. بي. سي) و (سي. إن. إن) ألف العديد من الكتب منها : 

ـ  يوم الحساب 
-
حالة طارئة 
-
عندما يصير الصواب خطيئة
-
الخيانة العظمى 

والكتابان المشهوران جدا  اللذان كانا من أكثر الكتب مبيعاً في الولايات المتّحدة :

 ــ  محق منذ البداية 
ــ  جمهورية لا إمبراطورية 

والكتاب الذي نحن بصدده (موت الغرب) كتاب مهم وعلى جميع النخب المسلمة في العالم الاطلاع عليه وقراءته، وهو يبشر بموت وانتهاء الغرب، والمؤلف في هذا الكتاب ينبه إلى أن الموت الذي يلوح في أفق الغرب هو في الواقع موتان :

ــ   موت أخلاقي بسبب السقوط الأخلاقي الذي ألغى كل القيم التربوية والأسرية والأخلاقية التقليدية.

ــ وموت ديموغرافي وبيولجي (النقص السكاني بالموت الطبيعي)

ويظهر بوضوح في العائلة وفي السجلات الحكومية التي تشير إلى اضمحلال القوى البشرية في الغرب وإصابة ما تبقى منها بشيخوخة لا شفاء منها إلا باستقدام المزيد من المهاجرين الشبان أو بالقيام بثورة حضارية مضادة تعيد القيم الدينية والأخلاقية إلى مكانتها التي كانت من قبل .

ويقول إن الموت المقبل مريع ومخيف !!  لأنه وباء ومرض من صنع أيدينا ومن صناعة أفكارنا ..وليس بسبب خارجي مما يجعل هذا الموت أسوأ بكثير من الوباء الأسود الذي قتل ثلث سكان أوروبا في القرن الرابع عشر .. فالوباء الجديد لا يقتل إلا الشباب مما يحول الغرب عموما وأوروبا بشكل خاص إلى (قارة للعجائز) !!

القصة ليست مجرد تخمينات أو توقعات أو احتمالات إنما هي حقيقة واقعة،  تصدمك لشدة وضوحها ... خاصة عندما تبدأ الأرقام بالحديث !!

فوفقا للإحصاءات الحديثة :  هبط (معدل الخصوبة) عند المرأة الأوروبية إلى (1 طفل) لكل إمراة علما أن الحاجة تدعو إلى معدل (2 طفل) كحد ادني لتعويض وفيات السكان الموجودين الآن دون الحديث عن زيادة عددهم .. 

وإذا بقيت معدلات الخصوبة الحالية على ما هو عليه فإن سكان أوروبا البالغ عددهم 728 مليون نسمة بحسب إحصاء عام 2000م سيتقلصون إلى 207 ملايين في نهاية هذا القرن إلى اقل من الثلث  وفي المقابل ففي الوقت الذي تموت فيه أوروبا لنقص المواليد يشهد العالم الثالث الهند والصين ودول أمريكا اللاتينية (وخاصة المسلمين) انفجارا سكانيا لم يسبق له مثيل بمعدل 80 مليونا كل عام ومع حلول عام 2050م سيبلغ مجمل نموهم السكاني 4 مليارات إضافية (4 مليارات إضافية من البشر) وهكذا يصبح كابوس الغرب حقيقة وتصبح أوروبا بكل بساطة ملكا لهوﻻء بعد وقت ليس بالبعيد !

ويقول المؤلف : 

(إن الأرقام تصبح مخيفة أكثر عند تناولها لتشخيص مرض النقص السكاني على مستوى الدول والأمم بعد 50 عاما من الآن )

ففي ألمانيا سيهبط التعداد السكاني من 82 مليونا إلى 59 مليون نسمة (وسيشكل عدد المسنين ممن تجاوزوا الـ65 عاما أكثر من ثلث السكان أما إيطاليا فستشهد تقلص عدد سكانها البالغ 57 مليونا إلى 41 مليونا (وستصبح نسبة المسنين 40 % من التعداد العام للسكان) وفي إسبانيا ستكون نسبة الهبوط 25 %

وستشهد روسيا تناقص قواها البشرية من 147 مليونا إلى 114 مليون نسمة ولا تتخلف اليابان كثيرا في اللحاق بمسيرة الموت السكاني فقد هبط معدل المواليد في اليابان إلى النصف مقارنة بعام 1950 وينتظر اليابانيون تناقص أعدادهم من 127 مليون نسمة إلى 104 ملايين عام 2050م ..

أرقام مخيفة !!  لكن السؤال المحير !!

لماذا توقفت أمم أوروبا وشعوبها عن إنجاب الأطفال وبدأت تتقبل فكرة اختفائها عن هذه الأرض بمثل هذه اللامبالاة

يقول المؤلف:

إن الجواب يكمن في النتائج المميتة لهذه الثقافة الجديدة في الغرب والموت الأخلاقي الذي جرته هذه الثقافة على الغربيين هو الذي صنع موتهم البيولوجي.  فانهيار(القيمة) الأساسية الأولى في المجتمع (وهي الأسرة) وانحسار الأعراف الأخلاقية الدينية التي كانت فيما مضى تشكل سدا في وجه (منع الحمل والإجهاض والعلاقات الجنسية خارج إطار المؤسسة الزوجية إضافة إلى تبرير لا بل تشجيع العلاقات الشاذة المنحرفة بين أبناء الجنس الواحد كل هذا دمر بشكل تدريجي الخلية المركزية للمجتمع وأساس استمراره (ألا وهي الأسرة).  وتبدو لغة الأرقام هنا أكثر هولا. فقد ارتفع الرقم السنوي لعمليات الإجهاض في الولايات المتحدة من ستة آلاف حالة سنويا عام 1966 إلى 600 ألف عام 1976 بعد أن سمح بالإجهاض واعتبرت عملية قتل الأجنة حقا للمرأة يحميه الدستور وبعد عشر سنوات وصل الرقم إلى (مليون ونصف حالة إجهاض) في العام الواحد.  أما نسبة الأطفال غير الشرعيين فهي تبلغ اليوم 25 % من العدد الإجمالي للأطفال الأمريكيين ويعيش ثلث أطفال أمريكا في منازل دون أحد الأبوين (إما بدون الأب وهو الغالب وأما بدون إلام).

ومؤشر آخر خطير ! فقد بلغ عدد حالات الانتحار بين المراهقين الأمريكيين ثلاثة أضعاف ما كانت عليه عام 1960 

أما عدد مدمني المخدرات (المدمنين وليس المتعاطين) بلغ أكثر من ستة ملايين شخص في الولايات المتحدة وحدها...!

وقد تناقص كثيرا أعداد الشبان والشابات الراغبين في الزواج . طبعا في مجتمع يسمح (بالحرية الجنسية الكاملة) ويتيح المساكنة بين الرجل والمرأة دون أي رابط شرعي أو قانوني في بيت واحد، وخوف الرجل من قانون الأحوال الشخصية الظالم تأخذ الزوجة نصف ثروته في حالة الطلاق واضطرار المرأة للقبول بالمساكنة بدون زواج بسبب حاجتها إلى رجل يقف معها ويحميها ناهيك عن الحاجة البيولوجية.  أما قضية الشذوذ الجنسي وقانون الزواج بين أبناء (الجنس الواحد) فحدث ولا حرج فقد بلغت حدا لم يكن ممكنا مجرد تخيله في السابق !   وكانت هيلاري كلنتون المتعجرفة أول سيدة أولى في البيت الأبيض تسير في تظاهرة لـ (مثليين) لإبداء تعاطفها مع قضيتهم ومطالبهم المشروعة..!

وأخيرا يخلص المؤلف للقول إن هذه هي إحصاءات مجتمع منحط وحضارة تحتضر وتموت !  وأن بلدا مثل هذا لا يمكن أن يكون حرا فلا وجود للحرية دون فضيلة ولا وجود للفضيلة بغياب الإيمان .

 أيها الراقدون تحت أطنان من الأوهام من جميع الأصناف

 لا يوجد قوي للأبد

ولا يوجد ضعيف أبدي

 أنهضوا مسلحين بالوعي والعلم وبالإرادة الفولاذية

 

المركز العربي الألماني

برلين

 

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

إنقاذ إيران

من ملالي إيران

 

ضرغام الدباغ

 

هل هذا العنوان واقعي أم به شيئ من الاستخدام الأدبي للمبالغة السياسية ..؟

سأضرب مثلاً أقرب فيه ما أريد قوله. ألمانيا خرجت من الحرب العالمية الأولى بعقوبات وتعويضات فادحة، واقتطاع أراض، وغدت معاهدة فرساي عنواناً للظلم الكبير الذي لحق بالشعب الألماني، بحيث صارت شعارات التخلص من تبعات مؤتمر فرساي، تقود من يطلقها إلى الحكم، وأوصلت هتلر فلعلاً عبر صناديق الانتخابات إلى الحكم، وهتلر تمكن بسياسة الضغط والابتزاز والتلويح بمخاطر انتزاع الكثير جداً من المكاسب، (أستعاد منطقة الروهر، الوحدة مع النمسا، استعادة السوديت من جيكوسلوفاكيا) ولكن التوسع لا يعرف الحدود، ولكنه حين أراد التهام بولونيا (خلافاً للاتفاقات)، أعطى البرهان الصادق أنه أطماعه لا تعرف الحدود، وانتهى إلى تدمير بلاده وخسارة كل شيئ.

الكيان الصهيوني إسرائيل محبوب الغرب ومدللهم، يؤثروه ويغدقون عليه بأفضل ما لديهم من سلاح ومعدات وعلوم وتقنيات، عدا الأموال بلا حساب، ويقفون خلفهم بالحق والباطل، إلا أنهم لم يستوعبوا معنى أن تقضم إسرائيل الضفة الغربية، فإسرائيل التي لم تتمكن رغم كل ما فعلته ورغم الدعم، لم تتمكن من حيازة شرعيتها، والسلام يبدو بعيداً، بل وأزداد بعداً بعد أن عبرت عن أطماع جديدة للتوسع، إن ما تحتاجه إسرائيل ليست بضعة كيلومترات جديدة، بل سلاما ليعيش فيه شعب عاش مشتتاً، وهذا يبعدها عن السلام، لذلك رفع قادة أوربيون في اجتماع علتي شعار : " أنقذوا إسرائيل من إسرائيل ".

الثورة الإيراني مضى عليها 41 عاماً والحصاد لحد الآن مآسي داخل إيران نفسها، انتفاضات وثورات واحتجاجات وتظاهرات، انتفاضات للشعوب المقهورة العرب، والكرد، والآذريون، والبلوش، والتركمان ...هذا عدا نضال الحركات الوطنية والديمقراطية الفارسية. الإيرانيون غير مرحب بهم أينما حلوا، ليس لديهم خطاب سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، وحتى خطاب ديني مقنع، ويحل بدل الإقناع سلاح الإرهاب والقتل والتجريف.

الشيعة هم أقلية صغيرة جداً في اليمن ولبنان، وسورية وأفغانستان، وفي كل مكان حتى في إيران ليسوا أغلبية كبيرة، عدا في جمهورية أذربيجان الشمالية، ورطوا الشيعة الأفغان في مواقف سيئة في أفغانستان، وأحرجوا موقفهم .. الآن ينقلونهم إلى سورية، تصور طائر من جبال هندكوش يعيش في بلاد الشام، أي خيال مخرف هذا فاصطدموا بالسكان هناك وسينزحون مستقبلاً الله أعلم إلى أين .. وجلبوهم إلى النجف وكربلاء، ولكن استقرارهم هناك مشروع خيالي .. إيران تريد إشراك كل شيعة العالم بمشاكلها ... والحصاد باهظ التكاليف.

هناك أتفاق أمريكي ــ إسرائيلي بتفاهم ملعون : ماسوني صهيوني وغيرها من الجمعيات السوداء، أتفاق على قتل أكثر ما يمكن من العرب والمسلمين، وأوكلوا هذه المهمة القذرة للفرس مقابل صمت مطبق عن حقوق الإنسان وجرائم الحرب ... ومساندة إيران في مواجهة مشكلاتها ..

41 عاماً متواصلة من حصاد للخيبات والمشاكل مع الجيران، ومع المحيط والمنطقة .. لماذا لا تعرفون أن تتفاهموا .. لماذا يكرهكم كل الجيران، وحتى الأوربيون والغرب، مع أنهم يقدرون لكم خدماتكم بقتل العرب والمسلمين، ولكنهم يعلمون أنكم حليف مشاغب وينتابه الخرف كثيراً ... وحتى وكالة أنباء أوربية كبيرة نشرت تحقيقاً مطولاً عن احتفال ديني بعنوان " الجهل المقدس ".

ولكن اليوم بلغ مستوى التراكم في العجز عن تقديم صورة محترمة لدوله محترمة تستطيع التخلي عن الإرهاب وتصديره، وتوزيع التخريب والقتل والاغتيالات حيثما أمكن لها ذلك، في نشاط لم يسبق أن مارسته دولة في الماضي، بحيث أصبح اليوم بقاء هذه الدولة عنصراً مهدداً للسلام والأمن والعيش الآمن. وهذه الحقيقة يتحدثون بها سراً وعلناً في أوربا. الأمر صار مفضوحاً أكثر مما يمكن احتماله.
الغرب يعلمون الفائدة والخدمة التي يقدمها النظام الإيراني للغرب، والأمر لا يتعلق بنظام الملالي فقط، بل بسلسلة الأنظمة والأسر المالكة التي حكمت إيران منذ العهد الصفوي وحتى الآن، فهي الأداة التي يستخدمها الغرب للتدخل وإثارة المشاكل ليتسنى لها مد أذرعها الاستخبارية والاقتصادية والعسكرية في المنطقة. لذلك لن يتخلى الغرب عن هذه الأداة المثالية، ولكن حانت الضرورة التاريخية استبداله بنظام يكون أكثر مقبولاً وأوفر احتراماً.

هناك من أقنع إيران أنها يمكن أن تلعب دوراً قيادياً في الشرق الأوسط، وفي الواقع إقناع إيران لتلك الجهات ليست معضلة لأن التوسع هو مبدأ راسخ في التوجه الإيراني ، ففيه تصدير لأزمتها وهي تعاني من أزمة هوية، ولكن الجهات تلك أقنعوها أن تكون فاتيكان الشيعة في المنطقة كمرحلة أولى، ولتدور صراعات لا تنتهي (بدلاً من التنمية) .

وفوق هذا، إيران لا تمتلك شيئاً من وسائل الانتشار والتوسع، وهذه علة قديمة تصاحب الطموح الفارسي عبر التاريخ، فالفرس لا يمتلكون شيئاً لتقديمه للشعوب الأخرى ... لا شيئ البتة ..! فلا اقتصادهم قادر أن يكون اقتصاد محيطي، فليست هناك صناعات ولا حتى منتجات زراعية، ولا ثقافة محترمة، ولا تقاليد سياسية واجتماعية ... لا شيئ من كل هذا .. فالتوسع قائم بقوة السلاح والقتل اليومي بدون أفق .. والدليل الساطع أن حصاد 41 عاماً من سياسة تصدير الثورة لم ينجم عنها سوى التخريب وشبان مهوسيين يربطون رؤوسهم بخرق سوداء يقفزون في الشوارع بأيدهم السلاح .. حسناً وماذا بعد .. !
نعم هذا التخريب مطلوب من الغرب، بل هو هدف اللعبة، ولكن التخريب بلغ مداه الأقصى، وبعد قتل الملايين، وتهجير عشرات الملايين، والآن وبعد ومرور 41 على المجزرة الفارسية ..إلى متى ..؟ لنفترض أنهم سيحولون هذه الأرجاء كلها إلى فارسية وهو حلم خرافي... ولكن لنقبل بهذه الفرضية ..حسناً، إيران نفسها تمور وتفور بانتفاضات وثورات وتعد بالكثير في بطن التاريخ المقبل ..هناك من يفكر من العقلاء حتى بين السفلة والمجانين لديهم ما تبقى من العقل ليتسائلوا ... وماذا بعد ؟

الحل هو الإتيان بحكومة (إيرانية) قادرة على العيش والتعايش ...أن تكون مقبولة داخلياً، وأن تمارس دورها المطلوب والمقبول في المنطقة، ولكن بتكاليف أقل ... كان الشاه يمارس هذه الدور لهم بأناقة (نسبياً) يتدخل هنا وهناك، في الخليج والعراق، بل وحتى في أفريقيا.. ولكنه حين بالغ في تقدير نفسه وأراد أن يتحارش بالدول العظمى، قالوا له .. كفى .. ودبروا له الثورة الإسلامية ليموت كأبيه في الخارج مريضاً مهموماً.

هناك مؤشرات عديدة تدل أن الدور هذا بلغ غايته في عهد الملالي .. ولكن هناك من يريدها سكرة حتى الثمالة ..

 

 

ويحدثونك عن الإرهاب

 د. ضرغام الدباغ

 

 

يوم أحتلنا الإنكليز في الحرب العالمية الأولى، لم يكن هناك داعش ولا إرهاب، ولا قاعدة ولا ماعدة ولا من يحزنون ... كان هناك بلد وشعب ومستعمرون طامعون، يجدون في نسمة هواء مبرراً للتدخل، وإذا لم يجدوه فيشرعون قانوناً يجيز الاستيلاء على ما يريدون بالقوة المسلحة، كما فعلت عصبة الأمم حيث أقرت ما نصه " حق الأمم المتمدنة بالأخذ بيد الأمم المتخلفة  إلى ..."  وبهذا منحوا أنفسهم الحق ... ومن لا يعجبه الأمر فليفعل ما يشاء، وماذا فعل العراقيون والسوريون ... قاموا بثورات مجيدة أقنعت الاستعمار بالرحيل.... أن هذه البلدان لا تحتل هكذا .. فليبحثوا عن طرق أخرى ...! وبحثوا سنين طويلة وتعبوا، ولكنهم في النهاية وجدوا المفتاح ..!

 

اليوم لا ننكر أن الأنواء شديدة والعواصف والرعود قاسية، ومعسكرنا اليوم لا يشبه تلك الأيام، قبل سنة ونصف لم يكن هناك داعش، وقبل 2003 لم تكن هناك قاعدة في العراق ولم يكن هناك إرهاب بأعتراف الجميع، ومع ذلك تم غزو العراق وتدميره، وما نراه اليوم من مسلسلات إنما هي نتائج ليس إلا لذلك التدخل المخالف للقانون الدولي والذي أدى إلى ما نشهده من مشكلات.

 

قلنا ونكرر، أن الشعب العراقي بأسره بعيد عن ثقافة داعش، وهذه الوحشنة التي نشاهدها، إنما هي رد على وحشنة أقوى منها، الشعب العراقي برئ من كل هذه الثقافة الوحشية الهمجية، ولكن هل هناك من يدعو إلى ثقافة راقية اليوم ...؟ فهذا يسمونه وطني وقومي وتقدمي ويسخرون من هذه العبارات ... ولكن الشعب يعرف من شيد العراق ومن بناه ومن جعله رغم وجود الأخطاء في كافة المراحل، منذ العهد الملكي وحتى الاحتلال الأمريكي، تقدم العراق خلال عقود معدودة حوالي 80 عاماً من لا شيئ، إلى دولة متقدمة تستحق أن تغادر حقل البلدان النامية، والآن في غضون أثنا عشر عاماً عدنا إلى الوراء ودمر كل شيئ وحلت في البلاد أورام ودرنات، وعوالق ...  إزالتها تستحق جهداً وطنياً جباراً.

 

داعش وغير داعش، لاحظوا أعزائي داعش تظهر عندما تشعر إيران ... إيرن تحديداً أنها في ضيق، وداعش أساساً اخترعت لهذه الغاية، " أن هناك خطراً جسيماً مقبل، فدعونا نحرق البيت بمن عليه ". في هذا الجانب، وفي الجانب الآخر أورام مشابهة، دواعش بمسميات أخرى، من أصحاب النظريات التدميرية، كل هؤلاء سيولون الأدبار عندما تقضي على السوق الطائفية البغيضة، ولكن ما دام هناك من ينفخ في الكير ويروج طائفيات ويقيم دساتير طائفية ويشكل 40 مبليشيا، فلماذا لا يفعل غيرهم مثلهم ..!  كل هؤلاء من دواعش وغيرها من عصائب وما شابه ذلك، سيختفون في حالة واحدة فقط، وهي عندما يدركون أن البلاد أصبحت في قبضة نظيفة، وأنتزعت من أيديهم كل مبررات تجميع الناس وتجييشها ودفعها لتقاتل بعضها ... كيف نجعلهم يقاتلون بعضهم ..؟ حسناً نذع بين أيديهم ثروات وندعم يتقاتلون عليها كالذباب على طبق من الدبس .... المطلوب إذن  ينبغي إزالة هذه العوالق والطفيليات وإبعادها عن ميدان العمل السياسي نهائياً، والمباشرة في إقامة نظام وطني ديمقراطي، آنذاك نكون وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح، وطالما هناك مخرفون في جهة، ستخلق جبهة مقابلة من أمثالهم المخرفين في المقابل، وها نحن نشهد المنازلات الهمجية.

 

الشعب العراق أدرك هذه الحقائق المرة متأخراً أو مبكراً ... المهم  الشعب الآن في الساحة، وهو يعبر عما يريد بنفسه، وقد أحتاط مسبقاً لمحاولات الاحباط والتسويف والمماطلة، والعمل بالقطارة ... هذه أشياء صارت معروفة، ومن يشاهد صور عن المظاهرات والأنتفاضات في مدن العراق ويسمع الشعارات المدروسة والعفوية يدرك أن الشعب قد أمسك بقدره ومصيره ويعض عليه بالنواجذ، ألم ترى كيف قذفوا بمحافظ في كونتينر للنفايات ..؟ ألم تسمع شعارات (ــ)لا أريد أن أكررها هنا .. نفذ صبر الناس  ... اليوم قرأت أن هناك في مطار بغداد 72 طائرة صغيرة خاصة اعتقد اكثر من أي مطار في ألمانيا وبريطانيا وفرنسا .. الفساد ... ولا أقصد الفساد المالي فقط .. الفساد برمته بلغ حداً لابد من الانفجار وها نحن نشاهده بأجلى مشاهده وصوره.

 

يقوم طيران ولا يعرف أصله وفصله في أجواء العراق المستباحة، التي يطير فيها من هب ودب، حتى غربان المزابل، تضرب .. تقصف .. تقتل ... دون أن تسأل، ودون أن يكلف أحد خاطره ليعلن، طالما نحن ودماؤنا مستباحة، قصف الطيران المجهول وبقسوة متميزة جامعة الموصل (19 / آذار / 2016)... وكأن جامعة الموصل تضم معسكراً للمدرعات أو فيها مفاعلات نووية، أو مطارات استراتيجية، فقتلت أكثر من 90 شخصاَ وجرحت أكثر من 155،(من الطلبة والاساتذة) وخربت وهدمت بوابة الجامعة التاريخية، وتناثرت الأشلاء، ولا نعتقد أن داعشياً واحد قد قتل في هذه الموقعة الحربية.

 

 وضعت مدن الأنبار تحت الحصار والقصف بذرائع وحجج مختلفة، كل هذا والحكومة تعد بالإصلاح .... كل هذا وهناك من يزعم أنه يمثل حكومة لكل العراق ...  لا أحد يسأل ولا أحد يحاسب .. ولا أحد يفكر بالغد ...!

 

يقوم إرهابيون بتوجيه ضربات بالصواريخ (أصبحت الصواريخ لعبة) لا معنى لها إلى مطار مطار بغداد، إلى المنطقة الخضراء، تقتل وتجرح، وهنا أيضاً لم يكلف أحد نفسه ويسأل من الفاعل، أو بالأحرى من هم وراء الفاعلين.

 

الفاعل عصابي / إرهابي وليس من العسير اليوم في أجواء الشرق الأوسط، تجنيد العشرات والمئات، في غسيل أدمغة واستغلال حالة الشعور بالمهانة، والملاحقة، والإبادة، وهنا أيضاً لا يتساءل أحد لماذا هذا الشعور ... وكيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه. لماذا يسهل تجنيد أنتحاريون ...لماذا لا يتساءل فرد أو جهة، لماذا يشعر هؤلاء الناس أن الحياة لا تساوي شروى نقير ... وفي مثل هذه التراجيديا .. لابد أن يغضب أحد الناجين من المجزرة، ثم يكون هناك من يتعاطف معه، وقوى مخابراتية تبلور هذا الغضب لمصلحتها، وتنسج من كل هذه المفارقات عباءة تضعها على شماعة، وهل هناك أفضل من شماعة العرب والمسلمين .....؟ هي شماعة جاهزة في كل آن وأوان ... والذرائع جاهزة ومغلفة بالسلوفان....!

 

ترى من له المصلحة في توظيفات كهذه ...؟. هناك قاعدة شهيرة يعرفها كل محقق إن كان في الغرب أو في الشرق ..... عندما تحدث جريمة، أسأل من المستفيد ..؟

 

علم التحقيق الجنائي / السياسي متطور جداً في الغرب، ولا يصعب عليهم التحقيق ... فالمحققين أكتشفوا أن الفرعون توت عنخ آمون مات (1335 ق.م) أغتيالاً، وبواسطة كومبيوترات متطورة اكتشفوا (عام 2005) أن التهابات نتيجة ضربة أدت لوفاته، والعالم لا يريد أن يعرف من خلق داعش ...! وعاجز عن حل ألغاز بسيطة .... لماذا ... وكيف ... ومتى ...؟.

لماذا لا يسأل أحد لماذا كل هذا التردد في قتال داعش، ولكنهم جميعاً يقتلون الناس بجدية أكبر، لماذا تباد ديالى والأنبار ويقتل الناس مجاناً في الطرقات ولا يسأل أحد عن حقوق الإنسان ..؟.

لماذا لا يلاحق المحققون مسؤول سوري حكومي / أسدي، مالذي كان يعنيه بإرسال أنتحاريين إلى أوربا وأمريكا (9 / 10 / 2011 )... بل وهدد على الملأ أمام عدسات التلفاز أن هؤلاء قد وصلوا بالفعل ...!.

لماذا لا يسأل أحد مالمقصود بأن النصر ضد داعش سيستغرق عشرات السنين ..؟.

لماذا لا يحقق أحد مع وزير العدل العراقي الذي صرح أمام التلفاز، أن عملية تهريب قادة داعش كانت بأوامر حكومية ....

لماذا لا يجري تحقيق (تحقيق وليس مزاح وهذار) كيف سلمت الموصل وثلاث فرق من الجيش النظامي  جيش كامل بكل صنوفه البرية والجوية  عدا قوات الشرطة و الأمن ... ؟

لماذا لا نسأل من هم بمنجى عن الإرهاب ...؟ ولكن هذه أسئلة متعبة للدماغ ... والأسهل لتعلق على الشماعة المشهورة ذاتها ...

من يدفع الأحداث صوب مسار  اللا حل ...

 

حسناً لنسأل من هو المتضرر الأول .... إنهم العرب والمسلمون ...! إذا كان الفاعلين عرب ومسلمون، والضحايا عرب ومسلمون .... فنحن حيال حزورة ما لها حل ... المنشار يأكل منا بالطالع والنازل ....

 

إذا كانت داعش مركباً كيمياوياً، صنع في مختبر مخابرات إحدى الدول،  فلماذا لا يفشي أحد الأطراف الضالعة في الألعاب الأولمبية الإرهابية سر هذا المركب الكيمياوي  ...؟

 

بتقديري لو جمعنا هذه المعطيات والأسئلة ووضعناها في سلة فسوف لن تنمو زهور ورياحين .... بل إرهاب ... وإرهاب أسود لعين ... إرهاب يحصد هنا، ويحصد هناك .... هناك مخرج شيطاني لهذه الحفلات الدموية ... هناك خروج أرعن عن النص هنا وهناك، ولكن مخرج المسرحية قابع خلف الستارة يبتسم، عملية البحث عنه  ليست صعبة ... بل سهلة للغاية ... إن توفرت النية ...!

 

إنهم يعرفون الحقيقة ... كلهم يعرفونها ... ولكن الحقيقة التي يراد طمسها ...!

 

في أول دخول داعش للموصل أجرت معي التلفزيون الجزائري مقابلة (18 / أيلول / 2014) طرحت علي المذيعة سؤالاً، هذا نصه ونص الإجابة عليه دون تحريف أو تعديل:

 

السؤال :ــ ما رأيكم بأنشطة داعش.؟

 

الجواب : ــ وحول موقفنا من أنشطة داعش، فقد توصلنا وفق أدلة مادية وعقلية، أن داعش هو عبارة عن منتوج لأجهزة المخابرات السورية والإيرانية، للإساءة للثورات الشعبية وللإسلام، ودلينا المادي في ذلك أن داعش أنقذت نظام بشار الذي كان يحتضر، وكذلك أنقذت نظام بغداد بعد كان مصيره محسوماً. وربما أضافت عليها أجهزة الولايات المتحدة بعضاً من لمساتها الفنية، أو أنها استفادت منها لفترة من الوقت، إلا أن وبعد تفاقم أمرها، وانتشار شعاع ضررها على أكثر من ساحة، صار الإعلان عن قرار التصدي لها، والأنباء حول ذلك متواترة، بين عدم اشتراك قوات برية، إلى اقتصارها على الهجمات الجوية، إلى إعلان أمد طويل للعمليات العسكرية، كل ذلك يضيف غموضاً غير مفهوم عن طبيعة العمليات وهدفها النهائي. نحن في المجلس السياسي نراقب بدقة هذه الأفكار والتحركات، وموقفنا منها هو المزيد من التمسك بأهداف المجلس، ألا وهي تحرير العراق، وإسقاط النظم الطائفية، وأستعادة العراق لأستقلاله وسيادته، وتخليصه من النفوذ والهيمنة الأجنبية، والسعي لنظام ديمقراطي تعددي والبدء بعملية تنمية وإعمار شاملة.

 

ولو يتسنى لي اليوم الإجابة على نفس السؤال، لربما أضفت كلمة أو جملة قصيرة، ولكي أحتفظ بجوهر الجواب ولبه.

 

كلما يصيب العطب ماكنة الاحتلال، يخترعون مبرراً (وغالبا أختراع غبي ومكشوف) لمدارة الفشل بالقوة والقتل .. وماذا تتوقع أن يكون لديهم غير الهمجية والقتل ..؟  هل يعقل أن يفكرون ويعيدون النظر في أساليبهم ..؟ بمناسبة اطلالة داعش الجديدة  وموجات الأغتيالات  لقد فضحتم وبان صدئكم ... فاكشفوا عن قناعكم أنتم لا تغشون أحدا

 

 

 

سويسرا وإيطاليا تتنازعان

 حول مناطق حدودية جبلية

  ترجمة : ضرغام الدباغ

 

أدى تراجع وانحسار نهر جليدي جنوب منطقة تسرمات (Zermat) إلى دفع الحدود بين سويسرا وإيطاليا  بضعة أمتار، وليقع بذلك ملجأ حدودي إيطالي بنحو ثلثيه داخل الأراضي السويسرية .. وفي هذا للإيطاليين رأي آخر ..!

 

بمكن للمرء أن يظن، أن الحدود بين الدول غير قابلة للدفع والنقل. ولكن في واقع الحال أنها عرضة للتغير. ويخضع نحو ثلثي الحدود السويسرية البالغ طولها، 1935 كلم، للظروف الطبيعية وتغيراتها، كالأنهار والتي يمكن أن تتخذ لها مجار جديدة بحسب الشروط المناخية.

 

وكقاعدة، تهتم بهذه التغيرات السلطات المختصة فقط، " الدائرة الاتحادية لطبوغرافية البلاد " وهي المسؤولية عن متابعة أحوال والموقف في الحدود السويسرية، ولكن بعد التحولات في مناطق الحدود مع إيطاليا، اندلع النزاع مع إيطاليا. وعلى ما أوردته صحيفة وول ستريت جورنال، " عندما تندلع مشاكل الحدود مع إيطاليا على جبال الألب، ربما ستغادر المعكرونة قائمة وجبات الطعام في سويسرا ".

 

فشل عملية تبدل أراض

رأس صخري (قمة / ذروة) هو نقطة انطلاق الصراع يطلق عليه تيستا غريغا (Testa Grigia)  يقع في سلسلة جبال فالييه / الألب في قلب منطقة زيرمات / بريويل  ــ سيرفينيا  متراً فوق مستوى سطح البحر، وهناك ملجأ، ومطعم وأماكن للنوم، وقد تم بناءها عام 1984، كانت بأكملها ضمن الأراضي الإيطالية، ولكنها اليوم لم تعد كذلك.

 

والسبب في ذلك هو النهر الجليدي الذي يقع هناك، والخط الذي تشكل بسبب تدفق المياه إلى كل الجنبين الإيطالي والسويسري، شكلت مؤشرا للحدود بين البلدين منذ القرن التاسع عشر، ومع ارتفاع درجات الحرارة في الأرض وهو ما أدى إلى ذوبان الجليد، تراجع بضعة أمتار وإلى تغير في حدود البلاد.

عندما صورت المنطقة قبل عشر سنوات بواسطة التصوير (Fotogrammetrie) (وهي آلة تصوير تلتقط الصورة وفق الأبعاد) ، أدركوا أن شيئاً ما يدور ليس على ما يرام في منطقة تيستا غرينيا، وشعر بذلك موظفوا دائرة مراقبة الحدود السويسريون.

 

وبناء على ذلك قامت لجنة الحدود السويسرية / الإيطالية، وبعد أن أجرت قياساتها، وجدت أن ثلثي الملجأ والمنشات قد أصبحت ضمن الأراضي السويسرية، لذلك قرر الجانب السويسري القيام بعملية تبادل بالأراضي. فالأراضي السويسري التي تم الحصول عليها بسبب التغيرات المناخية الطبيعية، ينبغي أن تترك للإيطاليين، وتعدل الحدود بموجبها، ولكن بالمقابل ينبغي أن تحصل سويسرا على قطعة أرض مساحتها 650 متر مربع  من الإيطاليين في منطقة بعيدة عن الملجأ، ويقول الجانب السويسري أن هذا إجراء شائع في قضايا الحدود. والإجراء يبقي المنشأت تحت سلطة الإيطاليين.

 

الصفقة كانت جيدة ، ولكن حين حل وقت التوقيع عليها قبل سنتين،  أنسحب الإيطاليون فجأة، ووفقا للمصادر السويسرية، فإن اللجنة الإيطالية لقضايا الحدود غير رأيها واتجاهاتها قبل التوقيع على الاتفاق بوقت قصير. والرئيس الجديد للجنة الإيطالية أختلف مع الإجراء التي أتفق عليه، وحجته في ذلك، أن المنطقة والمنشآت هي إيطالية ويقر الجانب السويسري بها، فلماذا ينبغي على إيطاليا أن تتنازل عن 650 متر مربع ..؟

 

وبالمقابل  يشير السويسريون إلى أتفاق كان قد تم التوصل إليه مع الإيطاليين وإبرامه،  عام 2009، فيما يطلق عليه " تبادل مذكرات "، وفيه نص يشير " عندما تتزامن الحدود مع خط القمم مع نهر جليدي، فإنه يجري التكيف مع المتغيرات الطبيعية، وهذا يعني، أن النهر إذا عاد إلى حالة الانجماد، فالخط يتغير أيضاً، وإذا ذاب الجليد بصفة نهائية، ويتداخل مع مجمعات مياه، أو مع خط القمم من سطح الصخور التي تظهر وتبرز.

 

إنها ليست المرة الأولى

 

حدث مماثل وقع في الفترة الماضية (2003)، ولم يكن بعيد في منطقة فورغ زاتل (Furggsattel) وهي كذلك منطقة حدود بين إيطاليا وسويسرا، وهناك تجمعات للمياه، وهنا أقامت شركة المقصورة النقالة بواسطة الحبال الفولاذية (تلفريك) لغرض السياحة ورياضة التزحلق على الجليد ..وكانت محطته على الأراضي الإيطالية، ولكن مع مرور الوقت وذوبان الثلوج أصبحت ضمن الأراضي السويسرية، بحيث أن الشركة التي أقامت المصعد، لم تعد تدفع الضرائب للبلدية الإيطالية. وتلك لم يهتم بها أحد كثيراً.

 

لكن النزاع على منطقة تيستا غريغا، أثار عند السويسريين رغبة الحصول على أراض، ولكن الإيطاليين بدورهم يقظين بحيث كتب صحفي " لن ندع إيطاليا تنزلق بأكملها للسويسريين ".

 

ومن أجل حل الإشكالية تقرر أن تعقد اللجان المشتركة بين البلدين اجتماعاتها مرة أخرى في أيار / مايو 2020 وسنرى ما سيسفر عنها.

 

تحرير : مارك  تسولينغر (Marc Zollinger)

نشر في : صحيفة سويسرا الجديدة (Neue Züricher Zeitung)

روما  : 13. 04. 2020

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المركز العربي الألماني

برلين

المراسلات :

 

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

الكورونا ... سياسياً

ضرغام الدباغ

 

من المؤكد أن أوربا لم تعش منذ زمن بعيد وضعاً كهذا الذي نعيشه اليوم في ظل جائحة وباء كورونا ، وفيروسه القاتل (كوفيد 1)، منذ عصور الطاعون والسل، الأوبئة، وهي بالنسبة للأوربيين عصور أصبحت غابرة، تحكى كالاساطير، أو في أقرب التشبيهات، كظروف الحرب العالمية الثانية، حين كانت القنابل تتساقط كالمطر، فتبيد مدناً كاملة، وتحدث مجازر جماعية، ومن تلك الهجمات الجوية، كانت مئات من القنابل لا تنفجر(لأسباب مختلفة) وبالتالي كان يتعين على رجال الدفاع المدني التفتيش عنها وإبطال مفعولها وإبعادها عن السكان المدنيين، وهذه الحالات كانت كثيرة جداً، بحيث أن السلطات الألمانية ما تزال تبحث عنها ليومنا هذا حتى بعد مرور 75 عاماً على نهاية الحرب، فما زالت توقع الخسائر أحياناَ والبحث جار عنها(كتبنا قبل سنوات بحثاً مفصلاً عنها).

إذن الأوربيون لا يريدون العودة إلى عهود السيطرة والتفتيش والتدقيق ..ومنع التجول ..الخ، وسياسياً  شهدت ألمانيا وأوربا بتقديري، تراجعاً لليمين المتطرف، والسبب في ذلك هو شعور الناس أنهم جميعاً مستهدفون من عدو أسمه (كوفيد19) فينهض تضامن إنساني يتجاوز المشاعر العنصرية (بالطبع ليس لدى الجميع)، ولكن مؤشرات الرأي العام والاستبيانات تشير عامة إلى تراجع ذروة شعبية أحزاب اليمين. ومن مظاهر الحرب على كورونا، أن كورونا أطلقت فضائح في أوربا وأمريكا ....

ــ فرنسا تسرق 130 ألف كمامة كانت متوجهة إلى بريطانيا
ــ إيطاليا تستولي على باخرة محملة بمعقمات طبية كانت متوجهة إلى تونس .
ــ التشيك تستولي على شحنة أدوية صينية موجهة لإيطاليا .
ــ ألمانيا تستولي شحنة كمامات وهبتها الصين لإيطاليا وشحنة أخرى كانت متجهة الي النمسا .

ــ 6 مليون قناع طبي موجهة لألمانيا تختفي بأحد المطارات بكينيا .
ــ معارك بين الأستراليين على مناديل الحمامات داخل المتاجر
ــ معارك بين الأمريكان على مناديل الحمامات وتخزين للأسلحة
ــ معارك بين الأوروبيين على الطعام والشراب والمخدرات
ــ الحصول على سرير داخل مستشفى أصبح بالواسطة وبالرشوة
ــ ابن يرفض زيارة أبيه في المستشفى بعدما أراد الأب رؤيته قبل موته ، رفض أن يودع والده خوفا من العدوى !

ــ تركيا تمتلك جسماً طبياً يبلغ ضعف الجسم الأوربي مجتمعاً...!

ــ دول أوربية مهمة تعاني عجزاً فاضحاً بالمستشفيات والأجهزة الطبية...

 

من بين دروس الكورونا

أن الناس لم يعد يهمهم خطر الموت.. وهذا غريب، فالناس لا لم تعد تخاف لسببين: الأول أنهم  يواجهون الموت يومياً، مثل بلداننا بلا حسد، الثاني أن الناس في أوربا يعيشون درجة من الرفاهية والتحرر يستحيل قبولهم العودة إلى عصر منع التجول، وإيقافهم في الشوارع وس جيم من البوليس أو رجال كونترول الصحة ..!

ميل الناس إلى عادة تركوها في أوربا، فأصبحت تختص بالشرق فقط، وهو تخزين المواد الغذائية والضرورات من الحاجات.

البلدان الرأسمالية في أوربا كشفت عن مستوى منخفض جداً من القدرة على مواجهة الكوارث. الصين تمكنت من بناء مستشفيات عملاقة خلال أيام، وكذلك تركيا، وهو ما يفسر شبه انهيار الخدمات الطبية في إيطاليا وبريطانيا وفرنسا واسبانيا.

حين قدم بلد مثل كوبا مساعدات طبية مهمة إلى إيطاليا التي يحكمها حزب يمني، المساعدة لم تكن للحزب اليميني، بل للشعب الإيطالي الذي له إسهاماته الرائعة في الحضارة العالمية، الشعب الإيطالي قدر المساعدة غاية التقدير وكان لها أثرها العميق في مشاعر الناس.

أثبت الوباء أن أي حرب بايولوجية ستكون كوارثها فوق قدرات تحمل أي بلد في العالم، وتجربة كورونا كشفت أن الصرح الحضاري العالمي سيصاب بانهيار كبير إذا ما فكرت أي قوة في العالم استخدام أسلحة الدمار الشامل، وأن مشكلات الكوكب الأرضي لا تحلها سوى تكثيف العمل الدولي وعلاقات اقتصادية/ سياسية عادلة لحل مشكلات الانفجار السكاني، وأن أفكار التحريض على الصراع وإزاحة الآخر هي أفكار جنونية وستقضي على البشرية بكل تأكيد إذا ما فسح لها المجال للتحقيق.

هناك فكرة عامة، حتى لدى أكثر المراقبين حيادية، أن الوباء وانتشاره يثير قلقاً، وأن هناك فقرة مجهولة، تتردد القوى العالمية الإفصاح عنها، هناك تبادل اتهامات خفية وعلنية.

هناك كلام كثير عن كورونا، وأخبار تمتنع حكومات الدول عن الحديث بها، لأنها ستمس الأمن القومي لدول عظمى. ومن بيم من تحدث بهذا الاتجاه هو وزير الصحة الفرنسي.

يتردد بقوة، أن العلاج الفعال من وباء كورونا قد تم التوصل له، كما توصل العلماء إلى صنع المصل المضاد.  ولكن الشركات المصنعة للدواء ، بريطانية وألمانية، وفرنسية، وربما أمريكية، تتفاوض بشأن التفاهم على حجم إنتاجه وسعره، وقطاعات تسويقه، والأولويات في التوزيع وحقوق الإنتاج .... وهذا ليس بمستبعد، لأن القضية ستدور في النهاية على مليارات.

في الوقت الذي تسعى قوى اليمين في العالم إلى التصعيد، والتوتير في العلاقات الدولية، أثبتت تجربة جانحة كورونا، أن ما تحتاجه البشرية حقاً وفعلاً هو المزيد من التهاون بين شتى أنظمة العالم.

 الكورونا أخيراً، هو صفحة من صفحات الكوكب الأرضي الذي بات مزدحماً بسكانه، وسيقود إلى ضيق المكان، وشحة في الموارد، ونقص في الأخلاق (هي أساساً شبه مفقودة ..!) ..

على الشعوب التقيد بالحذر، والحرص على موجودها، وتوفير مستلزمات يوم الضيق، والتفكير على نحو استراتيجي في بحث مفردات الأمن القومي.

 

السياسة الأمريكية

 بين شخص الرئيس والنظام

 

ضرغام الدباغ

 

شاهدنا وسمعنا وقرأنا، والعالم بأسره، بدهشة، واستغراب، حتى لمن يعتبر نفسه مراقباً ومتتبعاً ومختصاً في الشؤون الأمريكية تصريحات جون بولتون ومقابلاته مع الصحفيين، وتعقيبات المختصين، وضجة غير مسبوقة في(Social media) وسائط الإعلام عن كتاب وضعه بولتون، وسينشر بعد أيام في الولايات المتحدة، وردود الأفعال،

وخلاصة تصريحات ومقابلات السيد بولتون، وأراؤه التي ضمنها في كتاب مثير للجدل حتى قبل صدوره، " في الغرفة حيث حدث " (The room where it Happened) ، وهو كتاب بلا شك مثير جداً، سنرتقب صدوره بالعربية، لأن ترجمته قد تكون مكلفة مالياً، وليس في طاقة فرد أو دار نشر صغيرة.

من خلال ما تيسر لنا من معطيات، توصلنا إلى تحليلها، وإفادة القراء بما يفيد في فهم وإدراك أبعاد المرحلة التي تعيشها الولايات المتحدة الأمريكية، وهي بتقديرنا مرحلة مفصلية، ربما تنطوي على متغيرات هامة ستنعكس في شتى أشكال الحياة السياسية والاجتماعية الداخلية، وفي السياسة الخارجية.

 

إنها ليست المرة الأولى التي يعمد إليها موظف سابق مرموق المكانة، إلى تدوين مذكراته عن المرحلة " السابقة "، ومعنى السابقة هنا على الأرجح، هي حلول رئيس جديد وإدارة جديدة، ولحزب جديد(جمهوري أو ديمقراطي)، ولم يحدث أن موظف عمد إلى كشف (فضح) ما كان يدور خلف جدران الغرف السرية، وتفاصيل عن ثغرات في إدارة الرئيس، أو شخصيته. وإن حدث شيئ من هذا القبيل، فليس قبل انقضاء ولاية الرئيس وبدء مرحلة جديدة.

لا يمكن اعتبار السيد بولتون يعمل لصالح جهة أجنبية، فالرجل خلفه تاريخ وسيرة لا تشوبها شائبة. ولد عام 1948، في عائلة متوسطة الحال(والده إطفائي) ووالدته ربة بيت، وعاش في أحياء عمالية، دخل جامعة مرموقة (جامعة يال)، وأكمل بكالوريوس قانون، ثم الدكتوراه متفوقاً بدرجة أمتياز،(وقدراته وتفوقه مكنته من الدراسة في جامعة ممتازة)، ثم أدى خدمته العسكرية في الحرس الوطني وساهم في الحرب الفيتنامية، رغم انه كتب في مذكراته لاحقاً انه لم يكن يشتهي الموت في بلاد آسيوية بعيدة. ومن عام 1983 وحتى عام 1985 عمل في مكتب محاماة بواشنطن، لعدة فترات. وللفترة من (1981 ــ 1983) عمل بولتون في مكتب مهم " الوكالة الأمريكية للتعاون والتطور الدولي  " ثم في وزارة العدل، (1985 ــ 1989) وبدأ يتكون كشخصية مهمة في صفوف الحزب الجمهوري، وقبل ولاية الرئيس بوش، كان قد تكرس اعتباره من المحافظين الجدد (Newconservatv)، وبين 1997، و2000 عمل بولتون في الأمم المتحدة بمعية الأمين العام الغاني كوفي عنان كمبعوث في قضية الصحراء الغربية. وفي 2001 عمل بولتون في قضايا السيطرة على التسلح، والأمن الدولي. وعمل في الملفات الكورية الشمالية. وفي 7 / مارس / 2005 أقترحه جورج بوش كسفير للولايات المتحدة في الأمم المتحدة. ولكن شخصية بولتون قوية ومثيرة للجدل، إذ عرف بصلابته. وهذا أمر لم يكن يخلو من المشاكل. لذل جاء تعينه كسفير في الأمم المتحدة بقرار مباشر من الرئيس بوش الأبن، وهو ما يسمح به الدستور ولكن لفترة محددة. وفي الانتخابات التي فاز بها الجمهوريين كان أسم بولتون يتردد بوصفه من وجوه اليمين المحافظ ويرشح لمنصب وزير الخارجية. وللفترة من 2013 وحتى 2018 ترأس بولتون معهد جيتستون (Gatestone Institute) المناهض للإسلام، ولكن المعهد زجه انتقادات له لقيامه بنشر معلومات غير صحيحة. وفي 22 / مارس ــ آذار / 2018، أعلن الرئيس ترامب أن بولتون سينضم لإدارته كمستشار للأمن القومي. خلفاً لماكماستر، وكان هذا يعني أن ترامب في طريقه لاتخاذ مواقف متشددة إلى جانب الإسرائيليين، وضد الكوريين الشماليين وعن تورط الروس في التدخل في الانتخابات الأمريكية.

هذه السيرة الشخصية لبولتون، لا تضعه في دائرة الشكوك حين ينتقد الرئيس ترامب. فهو الشخصية المتشددة في أوساط القرار السياسي سواء في مراحل صياغته، أو في مراحل اتخاذه. وإن كان هو لا يحبذ أن يعتبر صقراً من صقور اليمين المحافظ (المتطرف). فيما وصفت صحيفة زيورخ الجديدة (السويسرية) بولتون " بالقومي الصلب " وهو ينفع لمسايرة سياسة ترامب ...!

بولتون لا يذيع سراً مجهولاً بوصفه الرئيس الأمريكي بالغبي والساذج، فالرئيس الأمريكي ترامب لا يعلم أن بريطانيا دولة نووية، بل ويسأل رئيسة وزراء بريطانيا " هل عندكم قنبلة نووية ؟ ". أو يسأل مستشاره، " هل فنلندة مقاطعة روسية ..؟" .

الحقيقة أن أكثر من رئيس أمريكي هو على هذه الدرجة من السذاجة، كالرئيس ريغان، الذي كان يغلف جهله بالمزاح وإطلاق النكات، والرئيس بوش الابن كان غبياً لدرجة أنه لا يعرف منظمة أسمها " أوبك "، ولا يعرف أسماء دول مهمة، بل أنه لا يحسن اللغة الإنكليزية، ويتحدث الأسبانية أفضل منها، لأنه كان يعاشر الشبان اللاتينيون في الأحياء المنحطة.

الولايات المتحدة لا تعرف إلا عدداً قليلاً جداً من الرؤساء المتعلمين أو من ذوي الخبرة في العمل السياسي كالرئيس نيكسون أو بوش الأب، ولكن سواهم كانوا بسطاء، ولا سيما ريغان، وبوش الأبن، وترامب.

ليس عفويا أن تنتج هوليود (مدينة السينما) أفلاما عديدة عن خلع الرؤساء، أو تورطهم بعلاقات فاحشة، فالأمر يدور لترسيخ حقيقة ، هي في الواقع معروفة للسياسيين والمتتبعين، ولكنها قد تبدو بعيدة عن تصور عامة الناس، الرئيس الأمريكي، هو المعبر والممثل التنفيذي لمجموعة سلطات ودوائر أمريكية علنية وخفية، وعملية اتخاذ القرار في الولايات المتحدة عملية معقدة جداً، وأعقد منها قانون الانتخابات، وطريقة انتخاب الرئيس الأمريكي.

والسؤال يطرح نفسه، لماذا ينتخب الناخب الأمريكي رئيساً لا يمتلك قدرات عقلية وثقافية تؤهله لهذا المنصب الخطير ..؟. وتتحدث دراسات في الرأي العام، أن الناخب الأمريكي يهتم بدرجة أساسية بالضرائب والموقف المالي، وهذه خاضعة لتقارير يعدها خبراء ماليون محنكون، يدخلون الناخب في متاهات الأرقام والنظريات. والمرشح للرئاسة نفسه محاط بخبراء ومستشارين يعدون له خطاباته وتصريحاته.

تطرح هذه المعطيات تساؤلاً دقيقاً : من يحكم الولايات المتحدة حقيقة ... ؟ وهل يمكن أن يتعرض هذا الكيان العملاق لهزة تقسمه داخلية، معززة بموقف دولي جديد يتمثل بقيام قوى عظمى تملك قوى اقتصادية تقسم الولايات المتحدة إلى عدة دول ..؟ هل يمكن أن تتطور قوى سياسية / اقتصادية خلال قرن، وتقوم خارطة سياسية جديدة بناء على تقاسم نفوذ جديد ..؟

مسألة انهيار النظام في الدول الرأسمالية (أميركا تحديداً) كتب عنها الكثير، وهناك عشرات(ما لم نقل المئات) من الأعمال العلمية لمفكرين وأساتذة أمريكيين، وأوربيين عن موت النظام الغربي، وهو قائم بقوة الاستمرار، وقوة الدولة والقانون، والأجهزة. وانهياره ليس أمرا مستحيلاً.

يلمح جون بولتون لهذه الاحتمالات، وأن الضغوط الخارجية، وسوء تعامل الولايات المتحدة مع الملفات (رغم أنه يساهم بها منذ نحو عقدين) ولكن أيضا يشير الموقف الداخلي إلى نقاط ذروة، لا يمكن اختصارها بالتميز العنصري والعرقي ضد الأصول الأفريقية (18 ــ 20%) من الشعب الأمريكي، وإذا أضفنا التميز الذي يحصل ضد الآسيويين : الصينيين واليابانيين، ثم الهنود، واللاتينيون، والمسلمون، فالحصيلة ستكون استحالة التعايش في مجتمع منقسم طبقياً / اجتماعياً، وعرقياً ودينياً، في نظام بدأ يفقد خصائصه الديمقراطية بسبب طغيان اليمين المتطرف / العنصري، وطغيان أفكار أشبة بالنازية، وهذا ما يدركه مفكرون وعلماء اجتماع أمريكيون ويحذرون منه منذ سنوات طويلة.

يتحدث بولتون أن الرئيس ترامب قد فرط بالتباحث عن موضوعات داخلية مع رؤساء أجانب كالصين، مقابل تأييده في الانتخابات المقبلة، وإطلاق الأستيرادات الصينية من المنتجات الزراعية من شأنه أن يحسن حظوظ ترامب في الانتخابات، وأنه أيد الصين في قمعها غير المبرر للمسلمين الأيغور في الصين، أو في معاناة شعب التيبت.

بولتون يؤكد أن الهاجس الأعظم للرئيس ترامب هي الانتخابات المقبلة، وفي رأيه أنها تفوق عنده مصالح الولايات المتحدة. وترامب تاجر يتعامل بالصفقات، ويتحدث بلغة السوق، ومن يستمع له يعتقد أنه أمام مدير مبيعات شركة.

ديري وبعد معايشتي الدقيقة للأحداث في الغرب، أن يقوم موظف رفيع المستوى (بكشف) ما يعتبره (أسراًراً) هي عملية تسويق للكتاب أكثر مما هي أسرار فعلاً. فمثلاً استخدام الرؤساء لألفاظ نابية ليست غريبة، وميلهم لضمان ولاية ثانية عمل قام به كافة الرؤساء الأمريكان دون استثناء. والكشف عن الفضائح الجنسية بتقديري لا أهمية لها، هي مثيرة بأعين الناس العاديين  في ميلهم لمعرفة الفضائح لا أكثر، عدا حالة الرئيس كلينتون، فتلك استثنائية.

موقف الولايات المتحدة من قضايا الشرق الأوسط معروف حتى تفاصيله الدقيقة، ولكن الأنظمة العربية وتركيا، كل لها طريقتها الخاصة بالتصرف حيال هذه النقطة، ولكن الجميع يعلم أنهم مستهدفون وأن هناك برنامجاً عدائياً تفصيلياً موجه للعرب والمسلمين، ومعظمهم يعتقد أن لا مصلحة بالصدام، أو تعميق العداء. وأن المستقبل كفيل بحل هذه الأزمة من خلال التحولات المهمة على مسرح السياسة الدولية.

ولكن في الولايات المتحدة لا يحصل شيئ بالصدفة، ولا سيما إذا كان الشيئ كبيراً كأختيار رئيس جمهورية الولايات المتحدة.وترشح أي شخص لهذا الموقع يمر بعدة فحوصات، والرئيس ترامب بصفة خاصة معروف جيداً، لذلك وجوده ليس مصادفة، بل يمكن القول، أنه يحمل خواص رجل المرحلة.

 الكشف عن بساطة الرؤساء الأمريكان معروف، وتحديداً الرئيس ترامب, فقد تصادف قبل أكثر من عام، أن نشرت في وسائل الإعلام نص رسالة كان قد أرسلها الرئيس ترامب إلى موظفة في الإدارة، ردت عليه بأن يهتم بتعليم نفسه اللغة الإنكليزية، فرسالته ملئية بالأخطاء، وهذه الثغرة ليست في شخص الرئيس، بل وأيضاً في جهازه الإداري الذي سمح بهذا الكم الكبير جداً من الأخطاء في صفحة واحدة (الرسالة طياً).

هل ستضيف بولتون شيئاً على المشهد الأمريكي ..؟ الأمريكيين لا يهتمون كثيراً بأقوال الحكماء، فمن الممكن أن يؤثر في الرأي العام مواد أكثر بساطة قادر المواطن العاني على استيعابها وهضمها. ولكن مع ذلك فالكتاب سيعزز فكرة أن الحاكمين هم حفنة يوجهون السياسة لمصالحهم، ويتعزز رأي ضرورة وجود آليات تحمي القرارمفردات المشهدأثير الأشخاص، الرئيس أم من هم في بطانته.

 

بتقديري، أن التأثيرات العالمية المتمثلة ببروز قوى عالمية، وتراجع المكانة الاقتصادية الأمريكية من خلال بروز مراكز اقتصادية جديدة في العالم في مقدمتها الصين، ويقابلها المزيد من التمزق في النسيج الاجتماعي الأمريكي (والغربي عامة) ستكون عوامل مؤثرة. وأن هذه العمليات ستدور خلال العقود المقبلة ونتائجها لا يمكن توقعها بين سنة وأخرى، ولكن القارئ والناظر لصورة وطبيعة مفردات  المشهد السياسي عام 1945، سيلاحظ الفرق الكبير جداً في الخطوط التفصيلية وحتى الرئيسية.

 

في ثلاثينات القرن المنصرم، كتب العالم الألماني أزوالد شبنغلر (Oswal Spengler) أسماه  " تدهور الحضارة الغربية " ، تنبأ فيه بسقوط الحضارة الغريية بعد أن لم يعد بإمكانها أن تكون حلم البشرية، وأبتداعه الاستعمار والإمبريالية والنازية، وأن النظام الديمقراطي هو نظام مزعوم وما هو إلا لصالح الأوليغاشيا الصناعية تتحكم بكافة مفاصل البلاد وتحتكره

 

(الصورة: رسالة كان الرئيس ترامب قد أرسلها لسيدة أمريكية فأعادتها له تظهر أخطاؤه الكثيرة باللغة الإنكليزية ....! )

 

 

الرجل الذي عرف كل شيئ

                                                     

هذا عنوان لمقال طويل نسبياً نشر في إحدى الصحف المهمة في ألمانيا (الزمن / Die Zeit )،  والعنوان نفسه كعنوان فلم سينمائي أمريكي قديم ربما في أوائل الخمسينات مثله جيمس كاجني، والأمريكيون لهم طريقتهم في التعبير، وفي العناوين المرحة.

مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وقف إلى جانب الرئيس حين حاولوا عزله، ولكنه بعد عزله الرئيس، كتب بولتون هذا الكتاب وأستلم حقوق نشره (2 مليون دولار)، وهو ليس بالمبلغ الكبير في هذه الظروف، ولكن صناعة الكتاب قد تراجعت، وأنتشر الكتاب الالكتروني، وبالفعل قبل أن يصدر الكتاب (سيصدر يوم 30 / حزيران / 2020) انتشرت النسخ الالكترونية المجانية، حتى وصلتنا الكتب في ألمانيا (وردتني نسختان الكترونيتان).

 

المقال من تحرير : جوانا روث (Johanna Roth).

ترجمة بتصرف : ضرغام الدباغ

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من نقاط المقال المهة :

ــ أن الرئيس ترامب طلب من الرئيس الصيني زيادة الاستراد الصيني من فول الصويا، والقمح الأمريكي، وهو سيمنح ترامب شعبية متزايدة تساعده على الفوز في الانتخابات المقبلة.

ــ تدخل ترامب لدى الصين لفتح تحقيق مع أبن جو بايدن المرشح الديمقراطي(في حادثة شخصية في الصين)، ويصف بولتون ترمب بالافتقار إلى القدرة الفكرية والمعرفة على حكم البلاد، وإدارة سياسة خارجية معقولة. فقد سأل ترامب مرة مستشاره ما إذا كانت فنلندة تابعة لروسيا ..؟

ــ الولايات المتحدة بأنسحابها من منظمة الصحة الدولية فسحت المجال لتوسع صيني، وكان ترامب قد شجع الرئيس الصيني على وضع المسلمين الصينيين في معسكرات اعتقال، ثم عاد ووقع مرسوماً بفرض عقوبات على الصين لنفس السبب ..!

ــ  بولتون لم يشارك في أستجواب الرئيس ترامي وعزله، ولكن الرئيس كافأه بالعزل، لذلك يريد الانتقام. رغم وجود الكثير من الأسباب لعزله، وقال " عرقلة سير العدالة هي طريقة حياة ترامب ".

ــ  ينظر البعض في دهاليز السياسة الأمريكية أن بولتون الذي عمل لعقود مع الجمهوريين، ومع ترامب، يريد الآن أن ينسحب من كل مسؤولياته، وتصحيح دوره.

ــ إن تعطش ترامب للسلطة والقيام بكل ما في وسعه لإعادة انتخابه  ليس أمراً جديداً، ومن غير المرجح القيام بمحاولة أخرى لعزله قبل نوفمبر / تشرين الثاني. وماذا سيغير الكتاب ..؟ لا شيئ.

ــ ــ بغض النظر عن الكتاب وتأثيراته، فإن  فشل ترامب في الانتخابات أمر وارد، ولربما يعزز الكتاب وأخبار تفاهمه الشخصي مع الصين قناعات الرافضين للتجديد.. ويؤكد بولتون أن إعادة انتخاب الرئيس  لأربع سنوات أخرى سيكون فقط لمصلحة الرئيس الشخصية.

 

المركز العربي الألماني

برلين

 

 

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

ماذا تبقى من ديمقراطية

 الولايات المتحدة الأمريكية

 

ضرغام الدباغ

 

دون ريب أن الولايات المتحدة الأمريكية قد دخلت في عهد الرئيس ترامب مرحلة جديدة، لا يمكن وصفها مطلقاً بمرحلة صعود، بل هي وفق مؤشرا عديدة، في هبوط، وتراجع. والحق أن هذا التراجع لم يبدأ في عهد ترامب، فعملية التراجع تدور منذ ولاية الرئيس أوباما وربما حتى قبله، إلا أن الرئيس أوباما وهو المتعلم الأكاديمي تمكن ببراعة من ضبط التوازن لكي لا يبدو  التراجع ظاهراً شاخصاً، ومتسارعاً، ولست ممن يضعون على كاهل الرئيس أسباب النكوص والتراجع، فالإدارة الأمريكية لها طبيعة عملها لصرف النظر عن أسم الرئيس، وانحداره السياسي (تقريباً) الفرقة الموسيقية (عناصر وقنوات الإدارة الأمريكية تعزف) و الرئيس يلعب دور قائد الفرقة (conductor)، وربما تلعب قدراته العقلية وثقافته دوراً في القرارات، وفي خياراته، إلا أن دور الرئيس بموجب القانون، والتقاليد السياسية ليس الحاسم في القرارات المصيرية الكبرى.

 

لماذا تتراجع أميركا ...؟

الولايات المتحدة دولة عظمى بلا شك، ولمن يعرف أميركا جيداً، وسبق له زيارتها، يعلم أنها دولة عظيمة بكل معنى الكلمة، اقتصاد عملاق (أفضل أقتصاد في العالم)، مستوى تعليمي راق جداً (أفضل 10 جامعات في العالم، 8 منها أمريكية)، أقوى جيش في العالم (الوحيد القادر على التدخل في أي بقعة في العالم خلال ساعات)، ثم أنها أقوى كيان سياسي دولي تسيطر على الأمم المتحدة والمنظمات الدولية كافة. فلماذا إذن تتراجع ..؟

 

لا شك أن نتيجة كبيرة كهذه لها محصلة أسباب وعوامل، منها الموضوعية (الخارجية)، ومنها الذاتية (الداخلية) وأن عملية تفاعل ليست قصيرة الأمد قد أستغرقتها حتى بلغت هذه النتيجة الكبيرة. وليس هذا فحسب، بل أن الولايات المتحدة بلد يضم عدداً هائلاً من العلماء، وشخصياً قرأت منذ عقود كثيرة (منذ مطلع الثمانينات) أعمالاً وتقارير علمية لأساتذة وعلماء ومعاهد، تنبهه الحكومة الأمريكية من مخاطر الكارثة المقبلة، ومن ذلك مثلاً تقرير يحمل عنوانا مخيفا " أمة في خطر (A nation in danger)، وأخرى غيرها، تنذر وتحذر من مخاطر الانهيار الأمريكي، والانهيار بالطبع له شكله الاقتصادي والاجتماعي الفلسفي قبل كل شيئ .. أن تنهار المرتكزات (fundament)التي تمثل قوام وجود الولايات المتحدة ككيان.

 

الولايات المتحدة هي عبارة عن تجمع شعوب، التجأوا إلى هذه المساحة مع القانعة التامة أنهم ليسوا أصحاب هذه الأرض .... حسناً، جاء الجميع إلى هنا لاجئين من ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية، ومن تميز طائفي وعرقي، ليؤسسوا كياناً يقدس حرية الفرد، وإنتماؤه العرقي والديني والسياسي، في توليفة يطلق عليها (الديمقراطية الغربية)، في جوانب منها تبدو غير مقنعة، ولكنها من جانب آخر تفتح الأبواب والشبابيك مفتوحة على مصراعيها للنجاح لكل من يريد أن يثبت كفاءته، وهكذا نشأ مجتمع الولايات المتحدة الذي ضم من كل شعوب الأرض، بما قيهم الرئيس ترامب نفسه، الذي جاءت أسرته مهاجرة من ألمانيا إلى كندا ثم الولايات المتحدة وامتهنت المهن الوضيعة جداً، ولكنها نجحت أخيراً، في تحيق نجاح اقتصادي، أهلها لنجاح سياسي، وترامب نفسه نتيجة كفاح شخصي، صنع من نفسه ملياديراً من العدم قبل أن يكون رئيساً ، ولكنه اليوم يريد أن يقلص من مساحة تلك الحريات.

 

قرأت مرة في بداية عصر تفكك الاتحاد السوفيتي (وليس انهيار) مثلا يشبه الموقف قطاران ثقيلان يسيران بسرعة هائلة، واصطدما ببعض وجهاً لوجه، القطار الأمريكي قوي تحمل الصدمة، أما القطار السوفيتي فلحقت به خسائر، آثر بعدها الانكفاء بهذا القدر وتصليح ما تسببه الاصطدام. ولكن القطار الأمريكي بدوره لم يخرج سليما متعافيا من الاصطدام، ولكنه مضى يكابر ويحاول أن يلعب دور السوبر باور رغم جراحه، يتدخل هنا، ويغزو هناك، ويلعب ألعاباً مكلفة،  فكانت النتيجة أنه :

التراجع الاقتصادي : أثقل الاقتصاد الأمريكي بالديون والعجز، وتراجع في البنى الارتكازية (Infrastucture)، وتراجع في مستوى التعليم، وهوة في التمايز الطبقي، واحتداد الشعور بالحرمان السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وحين حاول الرئيس أوباما أن يصدر قانون التأمين الطبي (مشابه للتأمين الطبي الأوربي)، جرى التفاف على المشروع وأفرغ من فحواه، فزاد من احتدم الموقف الاجتماعي / الطبقي. إذ جرى في عهد دونالد ترامب إلغاء لقانون الرعاية، وهو قانون كان يوّفر الرعاية الصحية بأسعار معقولة على الطريقة الأوروبية، بل أعلن بداية 2020 أنه سيخفض ميزانيات برامج الرفاه الاجتماعي كبرنامج "ميديكير" الموجه لكبار السن، إن فاز في ولاية جديدة، لأجل خفض عجز الميزانية الفيدرالية، ، اقترح ترامب تقليصًا بحجم 1.6 تريليون دولار على الرعاية الاجتماعية مستقبلا، بينها 451 مليار على "ميديكير".. وأن الكثيرون من الأمريكيين أنهم قد بدأوا بالتخلي عن العلاج الضروري بسبب ارتفاع التكاليف.

الفقر والصحة : وبالمقارنة مع كل دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2017، حلّت الولايات المتحدة في آخر القائمة كثاني دولة تملك معدلات فقر مرتفعة (الأخيرة إسرائيل)، بنسبة 17.8 % من مجموع السكان، أي أنها أسوأ من دول تتلقى مساعدات أمريكية كالمكسيك وتشيلي، وتشير إحصائيات "ستاتيكا" التي تشير إلى وجود 38 مليونا في أمريكا تحت خط الفقر، والفئات من الأصول الأفريقية هي في الغالب تقع في حالة الفقر. وجاءت كورونا لترفع من معاناة الأمريكيين السود، إذ أدى هذا الوباء إلى وفيات أكثر في صفوفهم،  والمثال من ولاية  إيلينوي التي لا يمثل فيها السود سوى 14بالمائة لكنهم يمثلون 42 بالمائة من الوفيات. وتتحدث عدة تقارير عن أن الأحياء الفقيرة حيث يقيم الأمريكيون من أصل أفريقي تملك مستشفيات أقل جودة ولديها عدد أقل من الأطباء. ولا تحصص من الناتج المحلي إلا القليل للغاية (ولا يكفي) لبرامج الرعاية الاجتماعية ومساعدة الفئات الهشة. وعدم وجود تأمين طبي عام في الولايات المتحدة الأمريكية. لذلك فالتأمين الطبي يقتصر على أصحاب الدخول العالية والأثرياء يمكن أن يمتلك تأمينا صحيا. وطبقا لدراسة صادرة في 2018 لم يكن لدى 11.5 % من الأمريكيين السود يملكون تأمينا صحيا، وتصل هذه النسبة بين الأمريكيين البيض إلى  7.5 % فقط. أضف إلى ذلك أن نظام الصحة الأمريكي هو الأعلى كلفة في العالم.

تنامي نزعات اليمين : بسبب تنامي النزعات اليمينية المتطرفة، تتكاثف العنصرية وتتسلل إلى أجهزة الدولة ولأجهزة الشرطة تحديداً. وبحسب تقارير منظمة مراقبة الشرطة الأمريكية فى واشنطن تشير إلى أن المنظمة تستقبل في اليوم من 8 إلى 10 حالات تعذيب من الشرطة الأمريكية تجاه مواطنين سود سواء كانوا مجرمين أو مشتبه بهم. وكذلك تفيد هذه التقارير بوجود تمييز عنصرى داخل السجون الأمريكية، حيث يصل عدد المسجونين بسبب العرق إلى أكثر من 60% من إجمالي المسجونين داخل الولايات المتحدة، كما أن هناك من يقبع داخل السجون دون تهم أو محاكمة مسبقة.

العنف المفرط الذي تمارسه أجهزة الشرطة الأمريكية، وتطلق الشرطة الأمريكية النار فوراً بقصد القتل، عند أول عدم استجابة بالوقوف والتفتيش المؤلم والمهين، وتشير الإحصاءات الحكومية أن الشرطة الأمريكية قتلت عام 2017 1147 أمريكياُ، نسبة كبيرة منهم من السود، وتعتبر الشطة الأمريكية أن المخالف للمرة الثانية يستحق السجن بين 5 إلى 10 سنوات حتى لو كانت مخالفته تافهة، وهذه موجهة أساساً للسود، وللمواطنين من أصول لاتينية أو آسيوية.

ثغرات في نظام العدالة : وهذا يستتبع الإقرار بوجود خلل وثغرات في نظام العدالة الأمريكي، ما يخصّ السجون، إذ يصل عدد السجناء في البلاد إلى حوالي 2.3 مليون حسب أرقام 2020، فيما تشير إحصائية من عام 2017 أن نسبة التعبئة في السجون بلغت 99.8 %. وسبق للمرشحة الرئاسية هيلاري كلينتون أن صرّحت عام 2015 أنه بينما يعيش أقل من 5 % من سكان العالم في الولايات المتحدة، تملك البلاد تقريبا ربع سجناء العالم (احتسبت الواشنطن بوست النسبة وهي 22 %. و يشير تقرير الجريدة ذاتها أن ارتفاع أرقام السجناء لا يعود لارتفاع الجريمة، بل لتغيير القوانين والسياسات الخاصة بالجريمة. وهو ما يؤكده يشير إلى أن 74 % من المحكومين بالسجن النافذ كل عام لم تتم إدانتهم بعد. بعضهم يستطيع الخروج بكفالة، والبعض الآخر لا يملك المال لدفعها ما يجعله يبقى وراء القضبان. ومن المفارقات الأمريكية أن 13 ولاية لم تحدد السن الأدنى لمحاكمة  القُصر، ما أدى إلى محاكمة أطفال بعمر 8 سنوات في عدة ولايات.

معالجة الخلل : يرى بعض الباحثين أن إخفاق الحكومات الأمريكية المتعاقبة  في معالجة الاختلالات الاجتماعية يعود إلى طريقة تشكيل الدولة التي ركزت على تقليل التدخل المركزي في المجال الاجتماعي. ويعود كذلك إلى طبيعة البلاد المكونة من 50 ولاية، إذ إن "كل ولاية تعمل كأنها جمهورية قائمة بذاتها، ما يجعل الحالة الاقتصادية والاجتماعية والقانونية تختلف من ولاية لأخرى، لكن المسؤولية الفيدرالية مهمة في تقديم الدعم المالي للولايات الفقيرة، وفي وضع تشريعات مركزية لا يمكن للولايات تجاوزها، وهو ما يعتريه الكثير من التقصير".. في السنوات العشر الأخيرة كان متوسط الدخل للأمريكيين السود في الولايات المتحدة الأمريكية أقل بنسبة 20 إلى 25 % من متوسط دخل مواطنيهم البيض. وفقط القليل من السود من عائلات فقيرة ينجحون في الخروج من هذا الوضع. فالأمريكيون السود ذوو الآباء الذين يحتلون الخمس الأخير في سلم الرواتب يرتقون وظيفيا إلى مراتب الدخل الأعلى فقط بنسبة 50 % مقارنة مع الأطفال البيض كما كشفت عن ذلك دراسة لمؤسسة بروكينز.

إنعدام المساواة : تجذر وتعمق عدم المساواة واشتداد الفجوة الاجتماعية، تبلغ لدرجة أن قاض أمريكي يصرح " أن يكون المرء أسوداً ليس سبباً لقتله ". ومن أشكال التميز أن المواطن الأسود لا ينال الوظائف الجيدة حتى لو كان يمتلك تأهيلاً مماثلاً للأبيض. ومنذ صدور قانون الحقوق المدنية عام 1064، أصبح الأمريكيون من وجهة نظر القانون متساوون في الحقوق، ولكن الأمر هذا محض نظري، وما تزال الغالبية من السكان البيض تتمتع (كمتوسط) برفاهية  وتكوين أعلى ورعاية صحية أفضل. وتتداخل العناصر ببعضها، فهناك ارتباط بين مقر السكن والصحة والتعليم، إذ يعيش السود في الغالب في أحياء بها نسبة تلوث مرتفعة للهواء، وليس بمقدورهم شراء غذاء صحي، فهم يأكلون في الغالب الوجبات الجاهزة المجمدة. وهذا سبب رئيسي في إصابتهم في الغالب بأمراض مزمنة. والأمريكيون السود يعانون بنسبة مضاعفة مقارنة مع البيض من مرض السكري. والوضع الصحي السيء في المتوسط ينعكس في فرص حياة أقل. وهذا ما يتضح من حقيقة أن الأمريكيين السود يموتون بنسب أكبر نتيجة وباء كوفيد 19 بسبب الرعاية الصحية السيئة في أحيائهم.

عنصرية بنيوية : تشير مجموع المعطيات والمؤشرات، إلى عنصرية بنيوية لها تقليد طويل في الولايات المتحدة الأمريكية. فعندما اعتمدت الحكومة في 1935 التأمين الاجتماعي، استثنت عمال الزراعة والخدم في البيوت والعمال اليوميين، وهي مجموعات مهنية بدخل متدني تكون فيها النسبة الكبرى للأمريكيين السود، أو للاتينيين والآسيويين. وكمثال على ذلك في سياسة مكافحة المخدرات: " حيث ارتكاب جنحة تعاطي المخدرات من قبل السود تلقى عقوبة أشد من تناول المخدرات الاصطناعية التي تُستهلك بالمقام الأول في مناطق البيض". وهذا سبب تعرض السود لدخول السجن بمعدل ثلاثة أمثال مقارنة مع البيض ما يؤثر على فرص التعليم والتطور المهني.  لذلك فإن أسباب التمرد والثورة هي كامنة ومتواصلة، سيستمرون الأمريكيون السود، وربما ستلتحق بهم أقليات عرقية أخرى، في عدم المشاركة في الرفاهية الأمريكية وبمستوى معيشي أقل من البيض، وقلما ستكون لهم إمكانيات الترقي وسيكونون مجبرين على إرسال أطفالهم إلى مدارس سيئة، ونادرا ما يتوفرون على تأمين صحي، وسيكون لهم متوسط عمر أقل وسيزج بهم بسهولة وبسرعة ولفترات أطوال في السجون ـ فقط لأنهم ليسوا بيض. وليس هو الحال، كما كتب أحد المعلقين بأن السود يحتجون بالعشرات في المدن الأمريكية، لأن لهم الشعور بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. بل هم كذلك.

بسبب الوضع الاقتصادي المتراجع، تقلصت " المساعدات الأمريكية " وكانت الولايات المتحدة تستخدمها كسلاح سياسي / اقتصادي.

اهتزاز الزعامة الأمريكية للعالم "الحر" الرأسمالي، وتراجع إداءها لأسباب اقتصادية، وتورطات سياسية في أماكن شتى في العالم، وبالتالي تراخي التحالف بين "ضفتي الأطلسي" وهي القاعدة السياسية المؤسسة لحلف شمال الأطلسي "الناتو". فقبل نحو 15 عاماً، وقف وزير الخارجية الألمانية في البرلمان مطالباً بعض النواب تخفيف لهجتهم المعادية للولايات المتحدة، قائلاً " يجب أن لا نسمح لأنفسنا أن تسري بيننا موجة عداء للأمريكان ". تقدم وكالة الأنباء الألمانية تصريحات وزير الخارجية " وزير الخارجية الألمانية يشجب تهديد ترامب باستخدام القوة ".

 

وأدناه نص مقتطع من وكالة الأنباء الألمانية (DW) حول الأحداث الأمريكية:

" بإمكان الرؤساء الأمريكيين إعطاء الأوامر إلى أكبر جيش في العالم، لكن لا حول ولا قوة لهم أمام العنصرية اليومية تجاه مواطنيهم. وبالطبع وجب عليهم نبد الظلم وإبداء التفهم لضحايا عبث الشرطة ـ وحدها فقط من أجل عدم شحن الغضب والمشاعر. والرئيس ترامب يفشل ، كما هو متوقع حتى هنا بشكل فظيع. فالرئيس ليس أمام أعينه إلا إعادة انتخابه، ويعتقد أنه بإمكانه بواسطة الكلمات الحماسية تحقيق نقاط لدى الناخبين البيض. وسيكون من السيئ بما فيه الكفاية للولايات المتحدة الأمريكية إذا نجحت حساباته.

 

وحالة جورج فلويد للأسف ليست حالة استثنائية. يوجد آلاف الحوادث المشابهة. والأحكام المسبقة تجاه السود لا توجد فقط في صفوف رجال الشرطة والمدعين أو القضاة، بل أيضا عند المعلمين وأرباب العمل. إنها العنصرية اليومية التي تُوجه ضدها الاحتجاجات. وبما أنها موجودة في الحياة اليومية، فإنه من الصعب محاربتها. ومنذ سنوات يطالب حقوقيون بتكوين أفضل لرجال الشرطة الأمريكيين. ومنذ عقود يطالبون بمراقبة مستقلة لعمل الشرطة والمدعين وفرض قوانين صارمة لحيازة السلاح. ولم يحصل إلا القليل إلى حد الآن. "

 

 

 الاضطرابات في الولايات المتحدة الأمريكية تنال حيزا في تعليقات صحيفة "غازيتا فيبورتشا" البولندية اليسارية الليبرالية:

"أمريكا تحترق. والحكام يضربون الاحتجاجات بقساوة أكبر. ويبحثون عن متهمين. والرئيس دونالد ترامب الذي يجب عليه في مثل هذه الأوقات حث السكان على الهدوء والوحدة يلقي باللوم على من يصفهم باليساريين الراديكاليين في ممارسة العنف في الشوارع. ورسميون في ميناسوتا يشيرون في المقابل إلى فوضويين وعنصريين بيض ومتطرفين غير معروفين... وفي هذا الغضب المتأجج تتضافر سنوات من الإذلال الذي يعاني منه الأمريكيون من أصل أفريقي في الولايات المتحدة الأمريكية. وإذا أرادت أمريكا تفادي هذا النوع من المشاهد في المستقبل، فعليها أن تتغير. يجب عليها أن تعاقب الساديين داخل الشرطة ومكافحة العنصرية وتبدأ في إلغاء التناقضات الاقتصادية".

 

وبشأن الاضطرابات في الولايات المتحدة الأمريكية كتبت صحيفة "فولكسكرانت" الهولندية تقول:

"بنزعاته الغاضبة المستمرة تجاه خصومه السياسيين وإهاناته وهجماته ضد الصحافة أوجد دونالد ترامب أجواء مسمومة يعيش فيها الأمريكيون باستمرار في حالة حرب. وبذلك لم يعد المعارضون السياسيون الآن بشرا لا نتقاسم معهم نفس الأفكار، بل خونة وأعداء. ولذلك تصعب عليه الآن  استخدام كلمات المصالحة الضرورية حاليا. الانقسام والكراهية هي الوقود الذي يقود به ترامب حملته من أجل إعادة انتخابه. والمزيج بين وباء كورونا وانهيار الاقتصاد والاضطرابات السياسية لا يبدو بالضرورة طالع موات لترامب".

 

إجمالي وأستنتاجات :

والسؤال الأعظم هنا، هل حقاً لم تتمكن الولايات المتحدة الزاخرة بالخبرات السياسية والإدارية والعلمية التي تمتلكها من عدم إيجاد حل لفيروس العنصرية، بل هو يتفاقم تحت القيادات اليمينية الأمريكية ولا سيما في أوساط الحزب الجمهوري منذ عهد  الرئيس بوش الأب، وأبنه والرئيس ترامب. فيما تثار نزعة فيها عودة للبيوريتانية (Puritans)، وحديث عن منظمات سرية، تحكم من وراء الستار، ويطلق الرئيس ترامب بين الحين والآخر نداءات يمكن اعتبارها عنصرية، بمحتوى سياسي / اجتماعي كتلك التي تطلقها أحزاب وحركات اليمين الأوربي في: ألمانيا، هولندة، فرنسا، النمسا، وفي مسار تطور محتمل كهذا، ربما ستبلغ درجة معاداة الأجانب، والديانات الأخرى، كما هو الحال عند أحزاب اليمين الأوربي، واليوم يشارك الكثير من البيض تظاهرات الاحتجاج، لدواع وأسباب إنسانية وثقافية، واجتماعية،  آنذاك سينقسم المجتمع الأمريكي طولاً وعرضاً وهذا هو ما حمل وكالة الأنباء الألمانية من وضع عنوان لإحدى نشراتها الإخبارية من " الاحتجاجات " " الثورة "، " تمرد " وكان عنوان نشراتها " العنصرية والانقسام والحملة الانتخابية.. "أمريكا تتفكك ؟ ". ليس من المحتمل أن تسقط التظاهرات النظام الأمريكي المؤسس قانونياً على القوة البوليسية، بحيث يقتل الشرطي المواطنين دوم مساءلة، ولكن بالمقابل ستنتهي أمريكا كقوة أخلاقية  كما أعتبرها العالم ذات يوم وتتحول إلى نظام يحكم بالقوة الغاشمة مثله مثل بلدان العالم الثالث (مع الفرق الشكلي لا الجوهري).

 

الرئيس ترامب أطلق (16 / حزيران ــ يونية / 2020) تصريحاً يهدد فيه أي فريق رياضي بكرة القدم الأمريكية أو أي رياض آخر، يتخذ وضع البروك رمزاً للاحتجاج، سوف يحرم من مزاولة الرياضة، ويخسر الفريق المباراة، والغريب أن الولايات المتحدة، على الصعيد الرسمي ووكالاتها، والأفق الإعلامي العالمي العريض، تعتبر نفسها حامي حقوق الإنسان، وإذا كان هذا هو حال الإنسان في داخل أميركا، وفي خارج أميركا يندر أن تجد شعباً لا تحمل جلودهم آثار القنابل والتعذيب الأمريكي،  وهنا يحق لنا حقاً أن نطلق اليوم التساؤل : " ماذا تبقى من ديمقراطية الولايات المتحدة  ....؟ ".

 

المركز العربي الألماني

برلين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

صفات ومزايا

 الدبلوماسي المعاصر

 

ضرغام الدباغ

  

يعتقد بعض الناس أن الدبلوماسي شخص لابد أن يكون أنيق الملبس، لبق الكلام، متحذلق، يتمتع بأمتيازات فريدة لا يستحق معظمها، ويستطرد البعض أن هذه المزايا ليست ضرورية لعمله، فيما يعتقد آخرون أن الدبلوماسيون يتمتعون بأعلى مرتب بين العاطلين عن العمل، وآخرين يتصورون أن الدبلوماسي جاسوس يحمل حقيبة سوداء ويسافر بكثرة بين العواصم...الخ

 ودون ريب فإن هذه التصورات عارية عن الصحة، وبعضها ساذج. فواقع الأمر هو على العكس من ذلك. وبادئ ذي بدء فإن مهنة الدبلوماسية من المهن النادرة التي لا يتعلمها المرء على مقاعد الدراسة فقط،  مع أهمية وضرورة التحصيل العلمي الأكاديمي، وإنما يحتاج الدبلوماسي أيضاً إلى فترة مران وخبرة غير قصيرة إن أراد أن يكون دبلوماسياً ممتازاً ومهيئاً للاضطلاع بمهماته لا سيما في المراتب المتقدمة من المهنة.

 ولا بد من القول بادئ ذي بدء، أن حيزاً من الموهبة والألمعية الفطرية بتقديرنا ضرورية جداً للدبلوماسي المحترف، وتلك صفات لا تخلق بالدراسة والتدريب، فهناك دائماً رجال مهيئون لوظائف ومهن لا يصلحون لغيرها، ولا يصلح سواهم لها. والموهبة والألمعية الفطرية ضروريتان للدبلوماسي إلى جانب الصفات الأخرى.

 ولكن دراسة التاريخ لا سيما الجوانب السياسية منه، والإلمام بالقوانين وبصفة خاصة ما يتصل منها بالسياسة والاقتصاد الدولي شروط هامة ينبغي للدبلوماسي أن يتمتع بها. أي أن ما يتعلمه الدبلوماسي على مقاعد الدراسة لا تكفي المجالات الرحبة للمهنة، كما أن الثقافة الواسعة ضرورية اشد الضرورة، بل هي في مقدمة الشروط. فمعرفة الاتجاهات الأساسية في الأدب واشعر والمسرح والفن الحديث والكلاسيكي والموسيقى تدخل في نطاق الضرورات. فليس بإمكان الدبلوماسي أن يعقد صداقات مع زملائه من دبلوماسي البعثات الأخرى، وتلك صداقات تعد معيناً أساسيا في نشاطه ضمن الوسط الدبلوماسي. فالدبلوماسيين في حياتهم بشراً لهم أذواقهم وحساسياتهم، وسعة إطلاع وثقافة الدبلوماسي في هذه المجالات بالإضافة إلى رزانته وحصافته وبعد نظره وروحه الخفيفة وشفافيته تجعله نجماً في المجتمع الدبلوماسي وعضواً لا غنى عنه في الحياة الخاصة للدبلوماسيين، واقصد بالحياة الخاصة اللقاءات الخاصة خارج إطار العمل، وإن كانت مساحة الحياة الخاصة للدبلوماسي ضيقة جداً حتى خارج إطار المهنة والتزاماتها وأصولها.

 وإذ نشدد على مسألة كفاءة الموظف الدبلوماسي، لا نقصد من ذلك تعقيد المهمة أمام الدبلوماسيين، بل أن المهام الدبلوماسية لدقتها المتناهية، قد توقع دبلوماسياً لا يقصد الإساءة إلى بلده في المواقف الحرجة. ولسنا بصدد تعداد تلك الحوادث التي نجم عنها أضرار فادحة، أو قادت إلى قرارات خاطئة بسبب قلة كفاءة الدبلوماسي أو استخفافه بالوقت، وقد حدث مرة إهمال خطير أودى إلى فقدان الحقيبة الدبلوماسية لأحدى الدول، ومرة أخرى تصرف يدل على الخفة لموظف تسبب بإتلاف الشيفرة سهواً، وحامل حقيبة أستغرق في النوم أثر ليلة صاخبة فاته على أثرها موعد إقلاع طائرته وهو في بلد أجنبي.

 

 فمثل هذه الممارسات لا يمكن اعتبارها سهو، أو خطأ عابر، ينبغي التأكد بدقة من عدم حدوثها مطلقاً، وينبغي تدريب الكادر الدبلوماسي من الدبلوماسيين والإداريين الأصاغر على عمل خال من الأخطاء، وحدوث مثلها تعد من الأخطاء الجسيمة.

 

ولعل أهم ما يمكن ذكره في هذا المجال، هو ما حدث في فجر اليوم السابع من كانون الأول/ ديسمبر/1941 داخل السفارة اليابانية في واشنطن، إذ تسبب خطأ غير مقصود(بسبب اختلاف التوقيت) في تسلم رسالة بالشيفرة من طوكيو تطلب من السفير التوجه لمقابلة وزير الخارجية الأمريكية وإبلاغه بالإنذار النهائي ليكون مدخلاً لإعلان الحرب بين البلدين، ثم تصادف أن الموظف في السفارة لا يجيد الضرب على الآلة الكاتبة، فتأخر السفير في تسليم الرسالة 55 دقيقة، لا تقدر بثمن، وكانت أسراب الطيران الياباني في تلك الدقائق الخمس والخمسين قد هاجمت فعلاً القواعد الجوية والبحرية الأمريكية في بيرل هاربر.

 

وقد تعقد لقاءات خارج العمل بين دبلوماسيين من بلدان شتى، يدور فيها الحديث لساعات عن الاتجاهات الحديثة في المسرح، أو تحليل لمعرض رسم، أو موضوعة تاريخية/ فلسفية، وتخيل عزيزي القارئ متعة المجالسة مع شاعر تشيلي المشهور بابلو نيرودا الذي كان سفيراً لامعاً لبلاده في باريس، أو مع الشاعر العربي عمر أبو ريشة سفير سورية في الهند، وأدباء وكتاب ومثقفين. ودبلوماسي يحمل مثل هذه الصفات يمكن القول أنه قد خطا خطوته الأولى في نجاحه السياسي وخدمة بلاده، وبالعكس فإن دبلوماسياً يعتقد أن بيكاسو كان مؤرخاً سويدياً شهيراً، وأن بابلو نيرودا، هو رسام إيطالي معروف، أو أن بتهوفن كان قائداً عسكرياً بريطانياً، وأبن خلدون هو من اشهر الرسامين، يمكننا تصور مدى صعوبة استجابة زملائه من الوسط الدبلوماسي الاستماع إلى آرائه السياسية التي قد تضم بعضاً من هذه السذاجة.

 

والدبلوماسيين في حياتهم الخاصة، وأجد من الضروري التنويه هنا، أن ليس للدبلوماسي حياة خاصة بالمعنى المألوف لغير الدبلوماسيين، فالحياة الخارجية للدبلوماسي محكومة بتقاليدها وأصولها، فالدعوات والحفلات هي عمل خارج مكان العمل، إذ يحضر الدبلوماسي حفلة ما بواجب، لكن دون جدول أعمال، قد يفاتح زميلاً دبلوماسياً له بأمر ما، ولكن الحفلة بحد ذاتها، هي مناسبة للالتقاء دون جدول أعمال رسمي، لا يتحدثون في السياسة فقط، بل في موضوعات عامة، ثقافية وفكرية. والقضايا ذات الاهتمام العام، وهنا تلعب ثقافة الدبلوماسي دوراً هاماً كموظف سياسي وكإنسان اجتماعي راق وبالتالي كزميل محاور، وصادفت خلال عملي سفيراً كوبياً كان عازفاً رائعاً للغيتار، يتسابق الدبلوماسيون على صحبته، ودبلوماسياً عراقياً كان يعزف على الجلو والكونتر باص، يعزف أرقى السيمفونيات وموسيقى السولو، كان نجم الحفلات الدبلوماسية ومحط إعجابها.

 

وكثيرون من الناس وللأسف بعض الدبلوماسيين يعتقدون خطأ، أن الأناقة في الملبس هي مسألة في غاية الضرورة. حسناً ولكن دون مبالغة، وحقيقة الأمر أن الدبلوماسي هو ممثل سياسي وليس ممثلاً سينمائياً. والبساطة في الملبس(مع مراعاة الأصول الرسمية) تدل على ثقة الشخص بنفسه وبعمق ذاته.

 

كما يعتقد بعض الدبلوماسيين أن دعوة عشاء فاخرة لا بد أن تكون بالدرجة الأولى سخية وباهظة التكاليف، تدل على البذخ والعظمة. وفي الواقع أن هذه الفكرة خاطئة تماماً، ولا تدل إلا على أبسط المعاني. ومن الأنسب للدبلوماسي أن يكون محدثاً لبقاً في موضوعات الثقافة العامة(إلى جانب الاتجاهات الرئيسية لعمله بالطبع)، على أن يعرض خمسة أصناف من الطعام، ومن الأفضل أن تكون مائدة الطعام أنيقة تنم عن ذوق وتحضرَ على أن تكون وفيرة ودسامة الطعام. فوفرة الطعام لا تدل على شيء، فالإسراف هي خصلة غير محمودة في كثير من المجتمعات المتحضرة.

 

ويقول الدبلوماسي الأمريكي شارل ثاير بهذا الصدد، أنه في الوقت الذي كنا نخاطب فيه بطون المدعوين بدعوات فخمة، كان الدبلوماسيون الفرنسيون بذكائهم وثقافتهم الواسعة يخاطبون عقولهم ويكسبون احترام المدعوين أكثر من القائمين بالدعوة.(1)

 

ونلاحظ اليوم أيضاً، أن دبلوماسيي البلدان النامية هم أكثر الدبلوماسيين أناقة في الملبس، ويمتطون السيارات الأكثر فخامة، بينما يكتفي زملائهم من دبلوماسيو البلدان الصناعية المتقدمة بملابس عادية وبسيارات أقل فخامة، مع أن رواتبهم أعلى بكثير من رواتب دبلوماسيو البلدان النامية.

 

وبرأي فإن من الأفضل مئة مرة أن يهتم الدبلوماسي بمعرفة الاتجاهات المعاصرة للمسرح العالمي والفن والأدب، على أن يهتم فوق العادة بملبسه، كما عندي أن دبلوماسياً يقيم لعدة سنوات في عاصمة لا يعرف عدد مسارحها ومتاحفها هو موظف دبلوماسي فاشل، ذلك أن الاهتمامات العامة هي واحدة لا تتجزأ، وليست خاطئة الأمثال التي تقول: " قل لي كم مسرح في هذا البلد، سأقول لك من أنت، أو قل لي ماذا تقرأ أقول لك من أنت ".

 

والدبلوماسي ذكي، سريع البديهية، يحسن اختيار ألفاضه وكلماته، لكن دون تكلف، كما عليه أن يكون في غاية الحذر من أطلاق التصريحات أو التلميحات حتى في حياته الخاصة (إلا إذا كان ذلك التصريح والتلميح مقصوداً)، وليس للدبلوماسي سوى مساحة ضيقة جداً من أفكاره السياسية الشخصية. فقد تكون للدبلوماسي آراء شخصية حول أحداث سياسية معينة، قد تختلف جزئياً أو كلياً مع موقف بلاده الرسمي، إلا أنه هنا معني بالدرجة الأولى بموقف بلاده الرسمي وليس بموقفه أو رأيه الشخصي، والمواقف الرسمية ليست معدة لإطلاق التصريحات بدون مناسبة ومبرر هنا وهناك، وحيث لا فائدة ترجى من ذلك. وليس أكثر من الدبلوماسي من هو مدعو إلى التقليل من الأحاديث في غير أوانها ومكانها، بل أن الكثير من الأزمات الدولية نجمت أو بدأت من تصريح لا طائل له، صيغ بعبارات غير واضحة وأسيء فهمها.

 

في العمل الدبلوماسي لا بد من حذف بعض المصطلحات: لم أكن أتصور، نسيت،  قيل، فهذه جميعها وغيرها تدل على عدم التأكد واليقين، وهو ما لا يمكن احتماله في بعض المواقف، وحينئذ لا بد أن يكون الدبلوماسي متأكداً مما يقول، وكلمة تقريباً يجب أن تعني 16 أو 17 وليس الفرق بالأضعاف ..! وقد قيل أن الكثير من الكوارث بدأت بقول أحدهم : أفترض ..!

 

وتحتم على الدبلوماسي مهنته، أن لا يكون سريع الانفعال والغضب. فالإنسان يفعل عادة أو يطلق من العبارات ما يفعله عادة في حالة الهدوء والاتزان، وبذلك فقد يكشف موقفه التفاوضي من مسألة معينة، أو يكشف سقف موقف كان من الأجدر الاحتفاظ به لنفسه، ولكنه بغضبه أتاح للطرف المقابل أن يحقق تقدماً دون مقابل، إذ لا يمكن كسب أي موقف تأسيساً على حالة الغضب والانفعال، وردود الأفعال السريعة وتذكر الحكمة السياسية وأتخذها قاعدة: لا تقم بالخطوة الأولى من حالة الغضب. وينطبق ذات الحال على تناول المشروبات الكحولية، فهو منظر يدعو للرثاء رؤية الدبلوماسي الرزين مخموراً ثملاً، قد أفلت لسانه وتثاقلت قدماه، في منظر يدعو للعطف والشفقة أكثر مما يدعو للاحترام والتقدير.

 

وليس للدبلوماسي أن ييأس من تحقيق النجاح، أو تقدم حاسم بصدد قضية يتباحث من أجلها. فالصبر وطول الأناة صفة هامة في مباحثات الدبلوماسي، وعليه أن يدرك أن الأشخاص الذين يتباحث معهم هم دبلوماسيين مدربين، أو رجال دولة ليس من السهولة انتزاع المكتسبات منهم دون مجهود كبير. لذلك فإن بعض المؤرخين والعلماء يعرفون الدبلوماسية بأنه " فن المفاوضة"، وبهذا المعنى فإن الدبلوماسي يضع بعض الوسائل والحجج لاستخدامها في التوصل إلى هدفه النهائي، والذي قد لا يكون من الضرورة طرحه دفعة واحدة.

 

وتتغير تفاصيل الموقف ومفرداته بعد كل جلسة مفاوضات، أو في خلال الجلسة الواحدة، وعلى الدبلوماسي في هذه الحالة أن يكون صافي الذهن خال من التوترات والتشنجات، وبعيداً عن التعرض لانتكاسات نفسية إذا قوبل بموقف حازم من الطرف المقابل، بل متابعة عرض موقفه بوضوح أكبر ويزيد في إيضاحه، ويستنبط معطيات جديدة تفرزها المحادثات.

 

وبطبيعة الحال فإن كامل شخصية الدبلوماسي بما لها من سحر وجاذبية ومتانة البناء الخلقي تشع من كلماته ونبرات صوته، ويلعب استيعابه السريع لمغزى الحوارات وأبعادها دوراً حاسماً في المفاوضات.

ولا ينهي الدبلوماسي في حالة الفشل محادثاته بقطع الطريق على احتمالات عودة المحادثات، بل يترك دوماً مجالاً وفرصاً لظروف داخلية أو خارجية على مادة المفاوضات قد تؤثر بهذا القدر أو ذاك، فتعدل من الموقف التفاوضي بما يتيح مجالاً للعودة إلى طاولة المفاوضات مرة أخرى.

 

وأجد من المناسب أن أنقل هنا مقطعاً من مذكرات الجنرال ديغول يصف فيها مفاوضاته مع وزير الدبلوماسية السوفيتية خلال الحرب العالمية الثانية، مولوتوف، ففيها خير وصف للدبلوماسي الممتاز، ومن منطلق حيادي : " وقد وجدت في المسيو مولوتوف في تلك المقابلة وفي كل مقابلة بعدها، الرجل الذي يصلح بدنياً وعقلياً، بل وفي كل شيء تمام الصلاح للمنصب الذي أوكل إليه. وراح في لهجة تحمل طابع الجد كل الجد، وتخلو من الإيماءات والإشارات، وبكياسة مدروسة، وإن تميزت بشيء من الجمود. وفي نظرة عميقة، عمق النفس التي تنطلق منها، يؤكد لي أنه يود أن يتحدث بصراحة، وأن يستمع إلى كل ما أقوله، ولم يسمح بأن يفوته شيء، حتى ولو أراد تلقائياً أن يفوته، ولم يكن بوسع شيء أن يحركه أو أن يحمله على الضحك أو الهياج. ويحس المرء وهو يتحدث إليه أنه واسع الإطلاع على جميع الحقائق المتعلقة بأي قضية تثار، وأنه يسجل في قرارة نفسه وبمنتهى الدقة الخالية من كل خطأ، العناصر الجديدة التي تضيفها المناقشات إلى الحقائق التي تلك التي يعرفها، وأن يصوغ الموقف الذي يود وقوفه بمنتهى الدقة وأنه لا يود الخروج عما سبق أن أعد أو تقرر في مكان آخر ". (2)

 

وجدير بالملاحظة، مع تقديرنا أن مفاوضاً وسياسياً ورجل دولة مثل الرئيس ديغول، المعروف بكونه مفاوضاً صعب المراس، ومن العسير حمله على التراجع، ملاحظة إعجابه الشديد بكفاءة الدبلوماسي الممتاز، وفي ذلك دليل على أن سحر شخصية الدبلوماسي تلعب دورها المؤثر حتى في المفاوضات الحاسمة.

 

وللدبلوماسي أن يكون مرحاً، وفي أن يعبر عن مرحه، فذلك يعبر بشكل من الأشكال عن رضاه بسير العمل أو العلاقات. فالدبلوماسي لن يحقق وجوداً ممتعاً إذا كان معبساً، لكن مرحه ينبغي أن لا يعني الاستخفاف في مناسبات تستدعي أبداء الاهتمام الجدي، أو أن يؤدي مرحه أو بالعكس غطرسته واستعلائه، إيذاء مشاعر الآخرين، فعلى الدبلوماسي أن يدرك أن مرحه أو رزانته وجديته لها معناها السياسي، لا سيما في ساعات العمل واللقاءات الرسمية.

 وتتطلب بعض المواقف درجات عالية من الاهتمام والجدية، بل وشجاعة فائقة من الدبلوماسي في استخدامه لصلاحياته الممنوحة له من قبل حكومة بلاده، ولكن عليه أن يدرك أبعاد مسؤولياته بدقة، وهو إنما يفعل ذلك لمصلحة شعبه ووطنه، وأن يضع ذلك نصب عينيه دونما لحظة واحدة من الإغفال، وقد يكلف أحياناً بمهمات خطيرة تضعه في موقف صعب ومحرج أمام دبلوماسية الدولة المضيفة، وقد يتضمن هذا الإحراج ردود فعل قاسية، وفي مثل هذه الحالات، يتحول الدبلوماسي إلى شخصية معنوية بالكامل، وليس له موقف شخصي أو أخلاقيات أو كرامة شخصية، فقد يطلب إلى دبلوماسي أن يشجب وبعبارات قوية موقف الدولة المضيفة من قضية معينة، أو يرفض إجراءاً معيناً، وصولاً إلى تقديم إنذار أو تهديد بقطع العلاقات أو تعليقها، وهذه مهمات محرجة لا تنطوي على مشاعر الود والصداقة التي يحرص الدبلوماسيون (وهو أمر وتقليدي وشائع) على تعميقها بين بلاده والدولة المضيفة، بيد الإخلاص والأمانة في أداء الواجب يستدعي أن ينفذ الدبلوماسي هذه المهمة وتعليمات حكومته بحذافيرها وبطاعة الجندي في القوات المسلحة.

 وقد يكون ليس من الخطأ الاعتبار، أن الدبلوماسي هو في واقع الأمر جندي، ولكنه يرتدي الملابس المدنية، ويمارس تكتيكات تعلمها وتدرب عليها، تفضي في نهاية الأمر إلى أن يكسب لمصلحة بلاده، وهي الأهم والأسمى.  ومن أهم ما ينبغي على الدبلوماسي الابتعاد عنه، هو أبداء الحماس أو العاطفة أو بالعكس، الكراهية الشديدة، فتلك هي أحكام هوى لا تضم إلا جزءاً ضئيلاً من الأحكام والقرارات المبنية على حسابات عقلية ومنطقية دقيقة.

 وعلى الدبلوماسي مصارحة بلاده بالحقائق دون تشويه أو تزويق، فأحكام الهوى آفة خطيرة تصيب كثير من الدبلوماسيين فيضمن تقاريره وآرائه ما يعتقد أنه يسعد المركز وصناع القرار في قيادة بلاده السياسية، وفي واقع الحال فإنه يزودها بمعطيات خاطئة أو مبالغ بها غير دقيقة، ستؤدي لاحقاً إلى قرارات خاطئة، أو ضعيفة، وبالتالي فإنه يساهم في خلق أزمة قد يغدو من الصعب حتى لذلك الدبلوماسي تصليحها، وهناك حكمة قديمة في العمل السياسي: إذا أشتبه عليك أمران، فأنظر أقريهما إلى هواك فأجتنبه.

 وأخيراً، فإننا إذ عرضنا أن على الدبلوماسي أن يكون لطيفاً ودوداً، غاية في التهذيب، فإن المزايا والصفات إنما هي لمصلحة العمل. ويراعي الدبلوماسي أيضاً في اختيار مسكنه وأثاثه، الانطباعات المحتملة التي سيكونها زملاؤه الدبلوماسيون، ترى هل يجعل نمط تأثيث المكتب والسكن وفق الأنماط الثقافية لبلاده ومجتمعه، أم وفق أحدث الطرز في ثقافة الأثاث، وبكلمة أخرى فإن مساحة الحياة الشخصية البحتة للدبلوماسي ضيقة، بل وضيقة جداً في بعض البلدان بحكم الظروف الاجتماعية السائدة التي تجعل من لقاءات واجتماعات الدبلوماسيين أمراً يومياً أو شبه يومي.

 ولا يفوتنا أن نذكر شيئاً عن زوجة الدبلوماسي فلها دوراً غير بسيط في إطار علاقات الدبلوماسي الاجتماعية، فلدماثة خلقها وحسن تصرفها ولطفها واللغات التي تحسنها وثقافتها العامة وحسن تصرفها ما يزيد من فرص نجاح الدبلوماسي من خلال توسيع دائرة علاقاته وكسب الأصدقاء. أو بالعكس فإن أخطاء بسيطة وتافهة غير مقصودة قد تسبب كارثة على مستقبل الدبلوماسي. فقد علمت مرة أن زوجة دبلوماسي من الدرجات الصغرى كان معتمداً في أحدى البلدان غير الصديقة لبلده، اعتقدت أنه ليس من المسيء بيع القناني الفارغة لمشتري قناني متجول، فقامت بذلك، وتصادف وجود صحفي ومصور التقطا صوراً لزوجة الدبلوماسي وهي تبيع القناني الفارغة، ونشرت الصور في الصحف مع تعليقات سخيفة غير مستحبة، نقل على أثرها الدبلوماسي إلى بلده.

 

هوامش

 

 

 (1) ثاير، شارل      : الدبلوماسي، ص279، بيروت 1960

(2) ديغول، شارل   : مذكرات الجنرال شارل ديغول عن الحرب العالمية الثانية، ص315ـ316، بيروت 1964

 

المراسلات :

 

المركز العربي الألماني

برلين

 

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

أنا أؤذي ...

 أنا إذن موجود

 

ضرغام الدباغ

 

منذ أن قال العالم الدانمركي الكبير سورين كيركغارد قولته المشهورة " أنا أفكر فإذن أنا موجود " ومن هذه المقولة، أنطلق مفكروا الوجودية في أفكارهم ومباحثهم، وهي فلسفة إنسانية تحترم الإنسان وفكره إلى أقصى حد، شريطة أن لا تنطوي تلك الأفكار على اتجاهات اعتدائية.

إذن لأن يكون كل فكر أو مذهب دينياً كان أم سياسياً أو إنسانياً ولكي يوصف بالرقي، ينبغي أن لا يكون عدوانياً، ففي الإسلام نصوص في غاية احترام الإنسان وخياراته، وتحريم للاعتداء على البشر، حيث ورد في الآية القرآنية " من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً " 32 سورة المائدة )، ويحرض على التعاون (التحالف والائتلاف بلغة القاموس السياسي المعاصر) بقوله تعالى " وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " المائدة ــ 2)، وقوله تعالى " وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون" المائدة 62).

ويستهل الأئمة والدعاة، الصلاة والموعظة بقولها " الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين " .

في الاشتراكية كفكر سياسي إنساني، تؤكد مصادر التاريخ، أن الاشتراكية لم تعتد على جهة أو دولة أو أمة، فالاشتراكية مذهب وفكر إنساني لا يعيش إلا في وسط سلمي، ولا تزدهر إلى بالتعايش حتى مع الخصوم لتظهر محاسنها ومنجزاتها، فالاشتراكية كانت هدفاً للعدوان الخارجي منذ تأسيسها (1917)، وكان السبب الرئيسي في نهاية النظام الاشتراكي هو سباق التسلح المجنون الذي سارت فيها الولايات المتحدة الأمريكية والعالم الغربي، وليس فشل الاشتراكية كما يزعم خصومها، وبلغت في عهد الرئيس ريغان مبلغاً عالياً (حرب النجوم)، حتى أصبحت الحرب النووية خياراً مطروحاً، فتراجعت الاشتراكية وفضلت أن تحل نفسها على خوض حرب نووية ضروس لا تبقي ولا تذر، وأن تترك الاحتكام للتاريخ. وأظن أن التاريخ أصدر حكمه

وكذلك الوجودية، فهي مذهب إنساني تعتمد أولاً فكرة احترام الإنسان وفكره وحريته، أما الاعتداء وفرض الرأي فهذه مخالفة ومعارضة لطبيعة الإنسان الذي لا يستطيع أن يعمل ويداه مقيدتان، ولا يستطيع التفكير وفكر قسري مسلط عليه. " كيف أستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراًرا " ....قالها الخليفة الراشدي الثاني، وأكملها جان جاك روسو " يولد الإنسان حراً ولكنه مقيد بالأغلال من كل مكان ".

الإمبريالية شيئ حقير، وهي تعني أنها تسلب من الفقير آخر رغيف خبز عنده، ولكنها مع ذلك تغني لحقوق الإنسان، والديمقراطية، وليس على وجه المعمورة بلد يخلو من جراح وأمراض خلقوها وتسبوا فيها. إنها نكتة سخيفة أن تزعم رعايتها لحقوق الإنسان والديمقراطية، وليس هناك من يتفنن بإبادة البشر كالإمبريالية. هات لي بلدا لم تكويه الإمبريالية بنارها ..؟

إيران تفعل العكس، ولا تبالي حتى بالتغطية ... ورغم أنها ترفع لافتات الخرافة والجهل، لكن لكل خرافة نهاية وها هو الجمهور قد مل التمثيل الردئ، والمسرح المهترئ واشمئزاز الجمهور، وسخط الحضور، والإساءة للإسلام، وتغليف الطمع والشراهة، بمسوح الدين .. فأنتبه المسروق وقبض على السارق متلبساً، والفلم الهندي في نهايته .. والعوض الله بالخسائر ..

ــ إيران، تزعم أنها دولة إسلامية، وهذه بدأت تتكشف، أن أي بقعة في العالم بوسعها إدعاء الإسلام عدا إيران ..! بل بالعكس، لا أحد يسعى إلى تدمير الإسلام بقدر إيران، بدليل أن كل من يعادي الإسلام يجد في إيران الحليف الأول لها .. والعنصر الأساس في كل عمل إقليمي أو دولي يستهدف الإسلام ...لا نبالغ .. بل إيران تبالغ في العداء والكراهية (وهي السلعة الأفضل لديهم) وإليك الدليل :

ــ إيران أدخلت وساعدت ودعمت الوجود الأجنبي في أفغانستان.

ــ إيران هي من ساعدت ودعمت وذبحت الشعب العراقي.

ــ إيران، هي من ذهبت إلى سوريا لتدعم نظام ساقط، وتساهم بقتل الشعب السوري.

ــ إيران هي من صنعت حسن نصرالله ليدمر لبنان الجميل ..

ــ إيران هي من سحرت الحوثي بالمال والجاه والسلاح، ليدمر اليمن.

في داخل المعادلات الإيرانية أزمة خطيرة لو التهبت لا تبقي في إيران حجراً فوق حجر، لأن هذا البلد مركب تركيباً يخالف المنطق والمصالح السياسية والاقتصادية والثقافية، والغرب يدرك هذا تمام الإدراك، وكذلك الشرق، أن إيران بلد مركب من قطع غير متجانسة، إذا رفعت قطعة منه فسينهار ما هو مشيد بسرعة، وتصبح هذه المنطقة الشاسعة نهب لشتى المصالح الدولية، من المؤكد أن النفوذ الروسي سيكون الأقوى، لأنه الأقدر على فهم مفردات العقل الشرقي، ولهذا يحرص الغرب على بقاء إيران قوة تثير المشاكل تحت السيطرة، فإن شاء الغرب التدخل في أفغانستان، أو الخليج، أو العراق، أو في حوض قزوينـ أو أذربيجان، أو مع تركيا، فإيران جاهزة للعب هذا الدول القذر ... فهي موجودة للعلب هذا الدور، وبنظرة من استراتيجي مبتدأ إلى الخارطة في المنطقة سيشاهد أن الفرس (وهم أمة صغيرة قياسا) أمة محشورة بين أمتين لها عمق تاريخي وسياسي واقتصادي وثقافي بين العرب والترك ..تحرص القوى العالمية أن لا تتحد الأمة التركية فذلك يعني كيان يمتد من داخل الصين وحتى البحر المتوسط، وأمة عربية تمتد من الخليج العربي وحتى المحيط الأطلسي، نظرة سريعة إلى الخارطة تنبئك بهذه الحقيقة ... وإذا أضفت لهذه الحقيقة أن هاتان الأمتان مسلمتان .. ستصبح الاحتمالات مرعبة ....

هذا هو كعب أخيل الإيراني (نقطة مقتل إيران) وهي تريد لعب دور هي غير قادرة عليه، إلا بالتخادن والتخادم مع القوى العظمى، وهي تتفعل ذلك، ولكن ربما أن هذا قد لا ينفع للنهاية، ففي لحظة واحدة، تختل نقطة التوازن وينهار كل شيئ. .... لذلك دور الولد الأزعر هو دور مرسوم بعناية، ويلعبه الفرس من زمن الصفويين والقاجاريين والبهلويين، وأنتهاء بالملالي الذين تثقل العمامة والقفطان والعباءة حركة رقصة الباليه .. فيبدو كل شيئ بائساً بل وينذر بشر مستطير ...

صديق وأخ كان يدرس الهندسة البحرية في ألمانيا حكى لي أنه يمكن أن تنكسر باخرة وزنها مئات الألوف الأطنان من الحديد في لحظة واحدة إلى نصفين كما تكسر خيارة بيدك ... ويحدث هذا في لحظة واحدة، عندما تختل نقطة التوازن في الباخرة حين تبحر في ظروف العواصف والأنواء البحرية .. ولا ينقذ السفينة سوى ملاح مهندس له خبرة ... وليس من يجهل قواعد الملاحة .. ويريد أن يرقص البالية .. وهو غير مجهز لهذه اللعبة ... ولا يعرف من أصولها غير جملة واحدة .... أنا أوذي ... إذن أنا موجود ...!

والعاقبة للمتقين ......................!

 

 

 

 

ثورة أكتوبر

شقيقة ثورة العشرين

ضرغام الدباغ

دون ريب وباستحقاق عال .. أخذت ثورة أكتوبر مكانتها كثورة عظمى، هي دون شك توازي في أهميتها التاريخية ثورة العشرين الخالدة،  وهي كالثورات العظمى في التاريخ تندلع دون تخطيطات معقدة، كالثورة الفرنسية الذي أشعلت أوارها كلمة للملكة ماري أنطوانيت، ولا ينتقص من شأن الثورة افتقارها للحزب الثوري الذي يقودها، فهذا الحدث لا أنجم حين أتنبأ وأقول .. أنه قادم ... قادم .. مكونات وتشكيلات موجودة، ستعلن عن نفسها في الوقت المناسب ...!

ـــ الثورة تمضي بسلاسة، واستطاعت أن تستوعب حتى موسم حصاد كورنا الرهيب، ثورة أكتوبر، وما تزال تتواصل وسوف تتواصل حتى تبلغ هدفها النهائي، ونستطيع القول بلا مبالغات، أنها وصلت هدفها، وما تبقى هو إصدار مراسيم استحقاقات احتفالية النصر ... كيف توصلنا لهذا التحليل ولا مكان فيه للعواطف والحماس والرغبة الشخصية ...!

ـــ الثورة تمكنت من تشخيص دقيق لجوهر الموقف العراقي، وطرحته كمادة أساسية للثقافة الشعبية العراقية الثورية، بلغة متميزة : الثورة شخصت ولخصت الوضع وإشكالاته الخارجي الموضوعي بالاحتلال الأجنبي وكل ما يسحبه هذا من لواحق وملاحق جانبية. ولخصت الوضع وإشكالاته الذاتية الداخلية بالدائرة السوداء المسماة " المنطقة الخضراء " بكل ما ينطوي عليه وما يعنيه من معاني ومغازي من :

مفردات الفساد السياسي (جوهرها ارتهان للأجنبي، محاصصة طائفية، غياب كلي للتنمية، واشتداد وتائر القمع المناطقي والطائفي) .

مفردات الفساد الإداري (تفريط بمصالح البلاد، شخصيات تخلو من الاقتدار، بيع المناصب العليا، دمج على كافة الأصعدة، انهيار شامل للبنى التحتية والارتكازية)

مفردات الفساد المالي ( نهب صريح لموارد البلاد، وتهريب الأموال العامة للخارج، تحقق الفساد الهيكلي بأبشع صوره (strukturell korrupten)

مفردات الفساد الاجتماعي (نشوء فئات طفيلية (Parasitie)، انهيار أخلاقي بشيوع المخدرات،  وانهيار أسري، بانتشار تقاليد غير عراقية وغير عربية أو إسلامية، واضمحلال الخدمات الاجتماعية الأساسية (الطب، السكن، التعليم).

ـــ الثورة شخصت هذه التي يكفي لواحدة منها أن تقوض بلداً، وتبيد منجزات، وتوفر الظروف بأشكالها لشرذمة الوطن، ولولا أن العراق ككيان سياسي وثقافي واجتماعي واقتصادي، راسخ كرسوخ الجبال الراسيات، في عمق أعماق التاريخ منذ عصور ما قبل التاريخ، وما شهده العراق لو يجري على أي بلد في العالم لتشظى إلى عشرات القطع ..... ولكنه العراق ... وما أدراك مالعراق  ...!

ــالثورة هي تتويج لثورات العراق، ومحصلة تاريخية للمسار الوطني.

ـــ الثورة استطاعت أن تمثل العراق كله ليس بالأسماء، بل أنها وهو الأهم .. جمعت آمال الشعب العراقي بكلمة واحدة " نريد العراق " هذه كلمة السر التي وحدت الشعب العراقي كله .

ــ الثورة اقتلعت أسوء حكومة عرفها العراق في تاريخه القديم والحديث.

ــ الثورة ألغت رهانات القوى الخارجية على خيول مستهلكة ساقطة.

يبقى شيئ هو الأهم ما طرحته الثورة : أنها خطت الأحمر ... سقفاً، أقل منه يوقع في الشرك الوطني، أقل منه يحرق الأسماء، لا توجد عجول مقدسة، ولا أسماء ذهبية، الثورة خطت ذلك، ومن لا يبلغ ما كتبته الثورة فهو من القوم الخاسرين ....!

 

 

هل تصبح

كورونا تيتانيك القرن

 

ضرغام الدباغ

 

أساء البشر للطبيعة،  أساؤوا لها كثيراً منذ العصر الصناعي وحتى اليوم .... وهذه هي اليوم نتائج أعمالهم، وربما أن القادم سيكون أشد هولاً ...! والمسألة لا تتوقف عند فيروس كوفيد 19، بل أن الوباء كشف عيوب النظام الرأسمالي، فدول ثرية كإيطاليا وفرنسا وبريطانيا، والولايات المتحدة، لا تمتلك البنية الصحية التحتية الكافية لمواجهة مواقف كهذه، المرضى ينامون في الشوارع، وفي المدارس. وهذه عناوين رئيسية للأزمة

ــ عالم ألماني يخشى أن تكون هناك موجة ثانية وثالثة من كورونا..

ــ عالم آخر، يخشى أن فيروس كوفيد 19 فيروس متحول الصفات، بمعنى أن هناك جيل ثاني وربما ثالث.

ــ عودة الفيروس بقوة بعد الفتح الجزئي للحركة العامة.

ــ  ما هي أخبار موجات الدبابير القاتلة التي تهاجم البشر وتصيبهم بالهلع، وهي اليوم في الصين والهند وإيران.

ــ التعرض للإشعاعات والتجارب البايولوجية قد تؤدي لإنتاج  مخلوقات جديدة أو فايروسات مجهولة ..

ــ يتردد كثيراً، أن هناك ما ينبأ بوجود حلقة مفقودة لا تود السلطات إخبار الرأي العام ..ماهي تلك الحلقة ؟

ــ مؤشرات كثيرة تثير هواجس مشروعة .............!

البشر صار يعادي البشر لأتفه الأسباب، يقاتله ويسحقه، ويسلب منه الرغيف الأخير، ويرفع شعارات غير حقيقية، وجميعها في نهايتها تعني: " دعني أهيمن عليك وأستولي على مقدراتك .. وإلا فأنت ...! ".  تحت هذه الشعارات تدور رحى صراعات تارة بشعارات حقوق الإنسان وتارة بأسم الديمقراطية، وتارة بشعارات دينية، وتارة طائفية ولكنها في نهاية المطاف، كلها شعارات توسعية وتهدف إلى بسط السيطرة والهيمنة .... في السابق كانوا يتفننون في إخراج وسيناريو الكذبة، ولكنهم اليوم صاروا لا يبالون ..!

في كتاب ألفه الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون (وهو من أكفأ الرؤساء الأمريكان)  والكتاب أسمه " So verlieren wir den Frieden  " (هكذا فقدنا السلام) صدر في كانون الثاني / 1980 في ألولايات المتحدة وألمانيا في وقت واحد. والمهم في الكتاب أن نيكسون يعرض ببساطة أن الحرب العالمية الثالثة هي مستعرة ومنذ عقود ..! ويستعرض نيكسون حجم الإنتاج الحربي بعد الحرب العالمية الثانية من الطائرات، والدبابات والمدفعية، والسفن الحربية والغواصات، ومحاولة استخدام الفضاء الخارجي لشن الحروب،  والقنابل الذرية وأسلحة أخرى للدمار الشامل، وكم مرة استخدمت هذه الاسلحة علانية أو بصورة مستترة، كم من الحروب التي اندلعت، أو ما يشبه الحروب (نزاعات مسلحة)، وكم هي أعداد البشرية التي قتلت حول العالم، والتي تشوهت، أو أصيبت بإعاقة دائمية .. ويستعرض أرقاماً مهولة مرعبة، والكتاب للأسف الشديد ليس بحوزتي، (إذ فقدته كما فقدت مكتبتي ومراجعي الثقافية)، نصل إلى نتيجة .. حقا ً أن الحرب العالمية الثالثة قد اندلعت .. أو بالأحرى أن الحرب الكورية (1950 ــ 1953) شهدت هدنة شكلية، ولكن الحرب تواصلت في أرجاء كثيرة في العالم  بما يسمى " حروب بالوكالة ". (Proxy War) وتدور هذه الحروب تحت شتى الشعارات، والنتيجة دائماً : قتلى، ودمار، وتلوث للبيئة، وتقلص أفق الحياة  الطبيعية .

 

وقمنا بعملية جرد معقدة نوعاً ما ومتعبة للتوصل إلى حقيقة كبيرة، هو أن البشرية لم تكف عن القتال والحرب، ومعظم الحروب دارت بدفع من الولايات المتحدة أو بسببها، وحيث لم تحارب بنفسها وبقواتها المسلحة، كانت تثير الحروب بواسطة وكلائها، وجردنا كان بهدف التقصي عن جوهر نظرية الرئيس نيكسون، فوجدنا أرقاما تنبأ عن صحة النظرية، وحيث لا يمكننا تقديم احصاءات كاملة سنكتفي بعرض عينات منها لفهم المقصود:

أنتجت الولايات المتحدة

ــ طائرة أف 86 سابر (F86 Saebr)