الرئيسية || من نحن ||| اتصل بنا

 

*هيفاء زنكنة كاتبة وصحفية وناشطة عراقية تقيم في بريطانيا تكتب اسبوعيا في جريدة (القدس العربي(

 

 

مقالات سابقة

 

استيزار المرأة في العراق

وأفغانستان… هل هذا هو السؤال؟

هيفاء زنكنة

 

في الوقت الذي تتعالى فيه أصوات المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين، وأجهزة الإعلام الرسمية في الغرب، عموما، إستنكارا لعدم إستيزار المرأة الأفغانية في حكومة طالبان، التي تم تشكيلها مؤخرا، وعدم تخصيص نسبة تمثيل سياسي لها، في أي موقع آخر، تعيش المرأة العراقية المُغّيبة مثل نظيرتها الأفغانية، في ظل صمت مطبق من قبل ذات الجهات. وإذا كانت حركة طالبان معروفة، بموقفها من المرأة، وهناك خوف عام من عدم تغير موقفها، حاليا، على الرغم من تصريحاتها، فان محنة المرأة العراقية أكبر وأعمق من ذلك. فهي، تعيش، منذ إحتلال العراق، بقيادة أمريكا في عام 2003، تراجعا مستمرا في ذات الحقوق التي يُفترض من حركة طالبان تطبيقها بعد توليها الحكم. وهي حقوق لا خلاف إطلاقا حول وجوب أن تتمتع بها المرأة. فمن المُسّلمات أن حقوق المرأة هي حقوق الإنسان، وضمانها مسؤولية أخلاقية وقانونية، في عالم يُفترض فيه العمل على تطبيق حقوق الإنسان، في جميع البلدان، في أرجاء العالم، بلا تمييز.
إلا أن تجربة 18 عاما في العراق، تجعل من الصعب على أي متابع لوضع المرأة، ناهيك عن المرأة نفسها، ألا يقارن بين التصريحات والممارسات الفعلية على الأرض، فيما يخص مدى تطبيق حقوق الإنسان، خاصة المرأة. ومن الصعب ألا يخلُص المرء إلى الضرر الكبير الذي تسببه سياسة إزدواجية المعايير التي تمارسها أمريكا وبريطانيا، خاصة، تجاه قضية المرأة في البلدان المحتلة، وبعد أن بات مفهوم « حقوق الإنسان» مرتبطا بالغرب، واستغلال ما تتعرض له المرأة، كورقة لعب سياسي لفترة معينة، سرعان ما تنتهي حال إنتفاء الحاجة اليها، لتنتهي المرأة كخاسرة أولى، في كافة المجالات من التعليم والصحة إلى العمل وحرية الحركة إلى المساواة في التمثيل السياسي، بكافة المستويات، كما يبين حال المرأة العراقية بوضوح شديد. وإذا كانت خسارة العراقيين، نساء ورجالا، فادحة في سنوات الاحتلال، جراء التخريب المنهجي المتبدي بالطائفية والفساد والاعتقالات والقتل وانتشار الأرهاب بكافة أنواعه، فأن خسارة المرأة مضاعفة لأنها باتت المعيل الأول للعائلة، في بلد تحتد فيه المنافسة على العمل، حسب المحاصصة الطائفية والحزبية، مما أبعدها عن النضال العام.
ويقودنا الجدل الدائر حول عدم إستيزار نساء أفغانيات، إلى متابعة سيرورة إستيزار المرأة العراقية وتفكيك إدعاءات « تحرير» المرأة والوعود المبذولة لها بالأطنان عن المساواة، في ظل العملية السياسية التي أسسها الاحتلال، والتزمت بها الحكومات العراقية المتعاقبة. حيث تميزت الفترة التي تلت الغزو، مباشرة، بنشاط «نسوة استعماريات» اخترن أن يكن وجها للاحتلال بخطاب غالبا ما يستبدل أو يعارض القضايا الوطنية والاجتماعية والطبقية الأساسية، بقضايا التمايزات الأخرى مما أنتج نخبة تحترف العمل «النسوي» على حساب النشاطات النسائية والنضال الشعبي المتنامي عضويا من داخل المجتمع نفسه. وما يجعل وضع المرأة العراقية نموذجا لتفكيك إدعاءات تحسين مشاركتها السياسية مقابل حرمان الأفغانية أن العراق « شريك» لأمريكا حسب «اتفاقية الإطار الاستراتيجي لعلاقة الصداقة والتعاون بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية العراق».

هل استيزار المرأة، كما يُطرح عالميا ومحليا، أحيانا، هو الحل لوضع المرأة المتدهور، تعرضها للعنف، وحرمانها من حقوقها الأساسية في التعليم والصحة والعمل؟

وحسب بيان للادارة الأمريكية في نيسان/ أبريل من العام الحالي « جدّد الجانبان التأكيد على علاقتهما الثنائية الوطيدة، والتي تعود بالنفع على الشعبين الأمريكي والعراقي. في قضايا الأمن ومكافحة الإرهاب، والاقتصاد والطاقة والبيئة، والمسائل السياسية، والعلاقات الثقافية». مع ملاحظة تفادي ذكر حقوق الإنسان، خاصة المرأة التي أستخدمت قضيتها لتسويق الغزو، لتُركن جانبا ولم يعد وجودها في الحكومة ومراكز اتخاذ القرار السياسي، أمرا يستدعي الاهتمام.
بالنسبة الى عدد الوزيرات، ضمت الحكومة الانتقالية برئاسة إياد علاوي (2004 ـ 2005) ست وزيرات. لينخفض العدد تدريجيا، حتى اختفى تماما، في حكومة عادل عبد المهدي، في عام 2018. وكان عبد المهدي قد أُجبِر على الاستقالة تحت ضغوط المتظاهرين في إنتفاضة تشرين/ أكتوبر 2019 التي ساهمت فيها المرأة بقوة أعادت الأمل بإستعادة المرأة موقعها الطبيعي في النضال الشعبي العام. وكانت وزارة المرأة قد ألغيت في حكومة حيدر العبادي (2014 ـ 2018). أما الحكومة الحالية، برئاسة مصطفى الكاظمي، فتضم وزيرة واحدة من أصل 22 وزارة. وإذا اضفنا الى الإقصاء الوزاري، فرض رجال الدين السياسي تفسيراتهم الطائفية المتماشية لا مع التدين كمعتقد شخصي، بل مع سياسة الأحزاب المتبنية لهم، وغالبا ميليشياتها، على عضوات البرلمان والمرأة عموما، لوجدنا أنفسنا أمام تساؤلات لم تفقد أهميتها رغم قدمها.
هل استيزار المرأة، كما يُطرح عالميا ومحليا، أحيانا، هو الحل لوضع المرأة المتدهور، تعرضها للعنف، وحرمانها من حقوقها الأساسية في التعليم والصحة والعمل؟ كيف يمكن الفصل بين العنف الشخصي والعام حيث تختلط العائلة، والعشيرة، والتقاليد المجتمعية بعنف الدولة والميليشيات والمنظمات الإرهابية؟ كيف الفصل ما بين الخاص والعام ؟ وما هو الفرق بين الوزير والوزيرة اذا كانت العملة اليومية المتداولة، سياسيا ومجتمعيا، هي الفساد بأنواعه المتمثل بالاحزاب التي ينتمون اليها؟ وهل يكفي الحصول على المناصب وترداد الشعارات، بدون الأصغاء الى أصوات النساء على الارض، وعزل النضال النسوي عن الشعبي التحرري العام، لمسح الحيف الذي تتعرض له المرأة؟ ان متابعة نضال المرأة العراقية والفلسطينية وكل البلدان التي عاشت أو تعيش الاحتلال والهيمنة الامبريالية تبين ان تجربة المرأة في بيئتها، ونضالها العضوي المشترك مع الرجل لترسيخ حق المواطنة، قد يحمل الإجابة على عديد التساؤلات، كما تُذكرنا الأكاديمية الأيرانية إلهي روستامي بوفي في دراسة لها عن مقاومة النساء الأفغانيات ونضالهن في أفغانستان ومجتمع الشتات، قائلة : « مع استمرار العنف ضد النساء والتمييز الجنسي وعلاقات الجندر التقليدية، تبنت الدول العظمى والمؤسسات المالية والعسكرية لغة النسوية وخطابها. وقد أُعيد تعريف هذه المفاهيم لتعني ان الغرب، وبالاخص الولايات المتحدة، متحضر، بينما الثقافات الأخرى تقع على هامش البربرية. جرى التلاعب بهذه المسائل بنجاح منقطع النظير، لتبرير الحرب والسيطرة الامبريالية».

كاتبة من العراق

 

عشرون عاما من الإبداع

الفني في مناهضة الحرب

هيفاء زنكنة

 

بعيدا عن نيويورك وأفغانستان، عن سنوية الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، وما جره التفجير من مصائب على العالم، كان هناك، في لندن، حضور من نوع آخر. ليس إحتفالا بل تذكيرا بمناسبة، غير رسمية، تقف على الجانب الآخر من إعلان إدارة بوش « الحرب على الإرهاب» واحتلال أفغانستان والعراق. في قاعة، بشرق لندن، بدلا من أصوات القنابل والصواريخ ووقع أحذية القوات العسكرية وصراخ الضحايا، تعالت أصوات المحتجين ضد الحرب ممزوجة بالفن. بالألوان والموسيقى، والأفلام، والتصوير، والمطبوعات، واللوحات، واللافتات الخشبية واللافتات المنسوجة باليد. شعارات وملصقات فنية تمثل بشاعة الحروب التوسعية الإمبريالية، وأخرى يتحدى فيها الفنانون المشاركون الموقف السياسي الخارجي الذي قاد بريطانيا، على مدى عشرين عاما الأخيرة إلى حرب مستمرة، ويعطون صوتًا للحركة المناهضة للحرب، منسوجا بتحقيق العدالة، عبر موقف مبدئي واضح ضد الحرب والأحتلال في أفغانستان والعراق ونظام الفصل العنصري في فلسطين. كانت الحركة المسماة «أوقفوا الحرب» قد تأسست في عام 2001، إثر المظاهرات ضد غزو أفغانستان، ونجحت في تحشيد الملايين ضد الحرب على العراق عام 2003، ولاتزال مثابرة على تنظيم المظاهرات المطالبة بانهاء إحتلال فلسطين وسياسة الاستيطان الصهيونية، مساهمة بتشكيل الوعي السياسي لجيل كامل.
في تحشيدها ملايين المواطنين البريطانيين، ضد الحروب الخارجية، ألهمت حركة « أوقفوا الحرب» عددا كبيرا من الفنانين والمصممين وصانعي الأفلام والمصورين والموسيقيين الذين ساعدوا الحركة على إبراز رسالتها، لإنشاء سجل نابض بالحياة لأنشطتها وإنتاج مجموعة من الفنون المناهضة للحرب التي خاطبت الملايين. حيث وضع المساهمون، جميعا، بأعمالهم، حدا للتساؤل الذي لاتزال بعض الدوائر الثقافية تجتره وهو: هل بامكان الفن، بأنماطه، أن يؤدي دورا في التغيير المجتمعي والسياسي؟ وهل بإمكانه تقديم شيء، مهما كان، في فترات الصراع والحروب خاصة؟
إن سردية عشرين عاما من الإنتاج الفني في الحركة المناهضة للحرب، تقول نعم لدور الفن في الحث والمساهمة في سيرورة التغيير. إذ تنتفي المسافة بين العمل الفني والنشاط في الحياة العامة، وهو ما جعل الحركة المناهضة للحرب تنبض بالحياة وزّودها بالقدرة على التعبئة الجماهيرية غير المباشرة. فبالاضافة الى العمل السياسي التعبوي المباشر، هناك العديد من مستويات العمل التي يجب اتخاذها عند السعي من أجل التغيير، وأحدها هو التعبير الفني. وهو شكل من أشكال النشاط العام، له بحد ذاته القدرة على مواجهة الظلم، وتجاوزه من خلال تقديم وجهات نظر مغايرة للسائدة والمتحكمة بالمجتمع. وغالبًا ما تكمن قيمته في تزويد الناس بمنظور وطرق جديدة لتصور العالم. فالنشاط الفني أداة مهمة لتشكيل الوعي الاجتماعي، وممارسة ديناميكية تجمع بين القوة الإبداعية للفنون، للتحريك عاطفياً، مع التخطيط الاستراتيجي للنشاط الضروري لإحداث التغيير الاجتماعي. وهنا تكمن قوة الفنان الناشط في حركة تدعو وتعمل من أجل التغيير.

من المعروف أن حركات الاحتجاج والانتفاضات الشعبية تُلهم الفنانين والأدباء. وهذا ما رأيناه بوضوح في إنتفاضة تشرين 2019 في العراق

من هذا المنطلق، تمكن الفنانون الناشطون في الحركة المناهضة للحرب من إنتاج أعمال أصبحت جزءا من ذاكرة جيل بريطاني يرنو الى تحقيق العدالة وينأى بنفسه عن تاريخ بريطانيا الاستعماري. من بين الأعمال المعروضة لافتات مبقعة بالدم ولوحة للفنان بانكسي المعروف بلوحاته وجدارياته ضد النظام الصهيوني العنصري. في مجال الأفلام، وثق المخرج أمير أميراني بفيلم « نحن كثرة» واحدة من أكبر المظاهرات بتاريخ بريطانيا، حين خرجت الجماهير احتجاجا على وقوف حكومة رئيس الوزراء توني بلير الى جانب جورج بوش في شن الحرب العدوانية ضد العراق. وساهم الموسيقي والمفكر براين إينو بمقطوعة موسيقية لم تُقدم سابقا، وكان إينو واحدا من أوائل من كتبوا ونشطوا ضد الحرب متطرقا إلى مستويات مناهضة الحرب المتعددة ومنها الموسيقى كسلاح قوي له إستخداماته المتناقضة، كما حدث حين أُستخدم المحققون الأمريكيون أغاني البوب ​​للتعذيب في المعتقلات بالعراق. ولا يمكن نسيان فوتومونتاج كينارد فيلبس الذي أصبح رمزا للدور البريطاني في الحرب، المتمثل بتوني بلير المبتسم إبتسامة المنتصر، وهو يحمل هاتفه الذكي لالتقاط صورة ذاتية، فرحا بنفسه وما فعله، بينما يتصاعد خلفه دخان حقول النفط المحترقة، مغطيا الأفق كله.
ضم المعرض بطاقات لمصممة الأزياء العالمية فيفيان ويستوود ( عمرها 79 عاما) التي قامت، أخيرا، بتعليق نفسها داخل قفص طيور موضوع على إرتفاع عشرة أقدام في الهواء، أمام محكمة بوسط لندن، وهي ترتدي بدلة صفراء كاملة وقبعة بيسبول، صارخة بأعلى صوتها « أنا جوليان أسانج. أنا طير كناري. إنني نصف مسمومة من الفساد الحكومي وتلاعب الحكومات بالنظام القانوني، بينما لا يعرف سكان العالم البالغ عددهم 7 مليارات ما كان يحدث». بعملها الجريء صّورت ويستوود ما قام به أسانج في كشف حقيقة السياسة الأمريكية من خلال نشره وثائق « ويكيليكس» بأنه مثل طائر الكناري الكاشف عن السموم في المناجم.
ولم تقتصر نشاطات « أوقفوا الحرب» على تنظيم الندوات والمظاهرات والتوعية بأطماع الحرب الامبريالية المبنية على الاستغلال وتسويق السلاح، بل تعدتها إلى إصدار الكتب وإقامة الأمسيات الأدبية، لتجذب بذلك جمهورا من المهتمين بالادب والشعر. وكان من أهم إصداراتها التي ساهمتُ فيها، شخصيا، كتاب « حرب بلا نهاية» و« لامزيد من الموت».
من المعروف أن حركات الاحتجاج والانتفاضات الشعبية تُلهم الفنانين والأدباء. وهذا ما رأيناه بوضوح في إنتفاضة تشرين/ أكتوبر 2019 في العراق. حيث بلغ المُنتج الإبداعي، من جداريات ولوحات وموسيقى وأغان ومسرحيات وشعارات ورسوم كاريكاتير، خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا، ما يعادل المُنتج خلال عقد من الزمن. وهذا ما عاشته الحركة المناهضة للحرب، إذ أبدعت على مدى العشرين عاما الماضية، أعمالا، لم تنجح في إيقاف الحروب، إلا إنها نجحت في أن تكون العدسة التي يرى من خلالها الجيل الجديد من البريطانيين والعالم كيف تُشن الحروب، وممارسات الهيمنة الامبريالية، والعولمة الوحشية، وسياسة تفتيت الشعوب المبنية على العنصرية والنظرة الفوقية.

كاتبة من العراق

 

 

لنأمل ألا تقلد طالبان

سياسة أمريكا في العراق

هيفاء زنكنة

 

من الصعب، عند متابعة ما يجري في أفغانستان، ألا يستعيد المرء الأحداث التي عاشها العراق في الأسابيع والشهور الأولى التي تلت الغزو الأمريكي – البريطاني في عام 2003.
تحضر المقارنة، بقوة، عن الفترة الأولى فقط، وليس سنوات الاحتلال كلها، بين الممارسات الأمريكية بالعراق وتاريخ السياسة الأمريكية بالعالم، وممارسات طالبان، الآن، وسياستها الحكومية السابقة. فالعالم كله يرصد بدقة ما ستفعله طالبان. أما المقارنة ما بين انعكاسات الغزو والاحتلال الأجنبي على حياة الشعب العراقي خلال 18 عاما، وهي المتوفرة للعيان والموثقة محليا ودوليا ( بضمنها وثائق دول الاحتلال) وبين ما سيحل بالشعب الأفغاني في الشهور والسنوات المقبلة، جراء سياسة طالبان أو التدخلات الأجنبية أو إستحداث منظمات إرهابية وفق الحاجة أو كلها معا، فهي متروكة للمستقبل، وليد الماضي والحاضر معا.
« نحن لا نأخذ بكلامهم فقط، ولكن من خلال أفعالهم» هكذا لخص الرئيس الأمريكي جو بايدن، في 31 آب/ أغسطس، الموقف الأمريكي من نظام طالبان. وكان رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون قد علق على تصريحات طالبان بشأن العفو عن الموظفين وإعطاء المرأة الحق في العمل، في 18 آب/ أغسطس قائلا « إن بريطانيا ستحكم على نظام طالبان بناء على أفعاله وليس على أقواله». الأفعال، إذن، وفق التصريحات الامريكية – البريطانية، هي المحك في التعامل مع طالبان. ويفترض هنا، لكي تؤخذ القوى العالمية جديا من قبل الشعوب، ولئلا تفقد الشعوب إيمانها بمصداقية « القيم « التي يتم تسويقها من قبل هذه الدول، وإذا كانت تريد أن تؤكد على سمو مبدأ سيادة القانون الدولي، أن تطبق هي نفسها ذات السياسة التي تريد للآخرين إتباعها.. فهل تحترم أمريكا وبريطانيا معيار القيم هذا، فعليا، أم انها تتوج حضورها الاستعماري بتكرار الأقوال والمصطلحات عن القيم، العراق نموذجا؟
أطلقت أمريكا وبريطانيا على غزو العراق إسم «عملية الحرية من أجل العراق» تأكيدا لما أعلنه الرئيس الامريكي السابق جورج بوش في يناير/كانون الثاني 2003، أن أمريكا « لا تريد غزو العراق وإنما تحرير الشعب العراقي». فكيف حررت أمريكا الشعب العراقي؟ في 20 آذار/ مارس، تم رش بغداد بالصواريخ والقنابل في حملة «الصدمة والترويع» مما أدى الى تدمير البنية التحتية التي قدّر بول بريمر، رئيس الإدارة الأمريكية في العراق، أن البلاد في حاجة لمليارات الدولارات لإعادة بنائها. بهذه الطريقة حصدت الشركات الأمريكية عقود بناء ما هدمه القصف الأمريكي بأموال عراقية. لاحظوا أن طالبان لم تقصف أفغانستان. في 28 آب / أغسطس، قال ويسلي كلارك، قائد قوات الناتو، إن السياسة الأمريكية خلقت الفوضى في العراق، وإن المشكلة الرئيسية هي أن الولايات المتحدة تميل إلى محاربة الدول للقضاء على «الإرهابيين» بدلا من محاربة «الإرهابيين» أنفسهم.

لم ينفذ الجرائم الوحشية المهينة، في العراق، أمريكيون مختلون عقليا أو مجرد « تفاحات فاسدة» كما تدعي الإدارة الامريكية، بل كانت من صلب السياسة الخارجية

في 9 نيسان/ أبريل ساد النهب والتخريب في بغداد وغيرها من المدن. تعرضت المتاحف وأهمها متحف بغداد الذي يضم كنوزا أثرية، من أولى الحضارات التي عرفها العالم، الى سرقة الآثار. بعد ثلاثة أيام بدأ تخريب المكتبات ومنها المكتبة الوطنية ومكتبة الأوقاف الاسلامية وحرق ما فيها من كتب قديمة نادرة ومخطوطات ثمينة من الحقبتين العثمانية والعباسية، في فعل لا يمكن وصفه إلا بأنه جريمة محو ثقافي متعمد. تم ذلك كله تحت أنظار القوات الامريكية التي لم تتدخل لحماية المتحف أو أي موقع آخر باستثناء وزارة النفط، خلافا لمسؤوليتها القانونية كقوة إحتلال. يومها، قال ريتشارد لانيير، مستشار بوش للشؤون الثقافية « إن الولايات المتحدة تعرف ثمن النفط ولكنها لا تعرف قيمة الآثار التاريخية». برر مسؤولون أمريكيون عدم التدخل بأنهم « فوجئوا» بمدى ما حصل من أعمال سلب ونهب. فهل أصبح أستخدام مفردة « المفاجأة» مبررا شرعيا للافلات من العقاب سواء في العراق أو أفغانستان؟ من يقرأ تصريحات وزير الخارجية دونالد رامسفيلد، سيجد أنه كان مدركا تمام الإدراك لما يجري وتبريره أن «هذه أشياء تحدث» و« أن الناس أحرار في ارتكاب الأخطاء وارتكاب الجرائم والقيام بأشياء سيئة.. وأن النهب ليس غريبا في البلدان التي تعاني من اضطرابات اجتماعية كبيرة». لاحظوا أن أيا من هذا لم يحدث في كابول الآن والتخريب الوحيد كان في المطار الذي يديره الأمريكيون. ولكن، هل يحق لطالبان اليوم إستخدام تبرير رامسفيلد ذاته اذا ما ساد النهب والتخريب بوجودهم؟ ماذا عن الدولة ومؤسساتها؟
في 16 مايو، صرح بول بريمر أن التحالف مصمم على محو مراكز القوى القديمة من الوجود. فقام بحل الجيش العراقي واصدار أكثر من 100 أمر وقرار تشريعي تفصيلي للتحكم بكل مجريات تسيير الحياة. كان من جرائها تفكيك الدولة وجعل نحو أربعمائة ألف شخص عاطلين عن العمل. ومن ثم تطبيق سياسة « إجتثاث البعث» التي شجعت على القتل خارج القانون، ومنح المخبر السري دورا كبيرا في الاتهامات الكيدية، بالاضافة الى حملة الاغتيالات التي طالت العلماء والأكاديميين والطيارين والفنانين. وكان لأمريكا، بمساعدة مترجمين عراقيين وعرب، الفضل الكبير في إبداع أساليب تعذيب في أبو غريب، أدت إلى مساواة المرأة بالرجل تعذيبا.
لم ينفذ الجرائم الوحشية المهينة، في العراق، أمريكيون مختلون عقليا أو مجرد « تفاحات فاسدة» كما تدعي الإدارة الامريكية، بل كانت من صلب السياسة الخارجية، حين صاغت إدارة بوش عمليات محاربة الإرهاب في العالم. ومعظمها يخرق قوانين الحرب والقانون الدولي لحقوق الإنسان، إذ تشمل تقنيات طالما تدينها أمريكا عندما تمارسها أطراف أخرى.
وفي الوقت الذي لا يمكن فيه الحكم مستقبلا على سياسة أية دولة أو حركة إلا من خلال قراءة الماضي، فلنأمل أن تتفادى حركة طالبان، بعد تحريرها أفغانستان من قوات الاحتلال، ما قامت به أمريكا في العراق، وأن تتعامل مع خروقات حقوق الإنسان كجرائم وليست «خيارات سياسية» أو عقابا جماعيا، تفاديا لدورات الانتقام.

كاتبة من العراق

 

 

قمة بغداد في بورصة

التخويف من الإرهاب

هيفاء زنكنة

احتلت بغداد، يوم 28 آب/ أغسطس، حيزا إعلاميا، يعيد إلى الذاكرة أيام المؤتمرات الكبيرة الحاضنة للدول العربية والأجنبية في حقبة ما قبل الاحتلال الأنجلو أمريكي عام 2003. ففي توقيت، تدّعي الحكومات الغربية، بأنه مفاجئ، فيما يخص استعادة حركة طالبان لأفغانستان والانسحاب المهين لقوات الاحتلال الأمريكي ـ البريطاني، انعقدت « قمة بغداد للتعاون والشراكة» بحضور تسع دول جوار وفرنسا بالإضافة إلى الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي ومنظمة التعاون الإسلامي.
ألقى ممثلو الحكومات من رؤساء ووزراء خارجية خطبا تكاد تكون في تشابهها، مثل وجبات مكدونالد. الوجبة نفسها بتعليب مختلف مع إضافة قطعة مخلل هنا أو شريحة طماطم هناك. حفلت الخطب المعنونة «دعم ومساندة العراق» بمفردات: الأمن والاستقرار والسلام، مواجهة الإرهاب والتطرف، إعادة البناء، بناء الجسور والحوار.
وكالعادة، كانت اجتماعات « الحوار» بين ممثلي الدول والمنظمات مغلقة، واقتصر البيان الختامي على العموميات، لتبقى الشعوب، كما هي، مجرد هامش، لا يستحق التضمين إلا في حالات ادعاء الحديث باسمها أو مخاطبتها باسلوب مبطن بالنظرة الفوقية واللوم على التقاعس، كما فعل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قائلا «أيها العراقيون أنتم أمة عريقة. ابنوا مستقبلكم ومستقبل أبنائكم».
وفي الوقت الذي تحدث فيه الخطباء عن « عدم التدخل في الشؤون الداخلية للعراق» كان التدخل في الشأن العراقي الداخلي هو سيد الموقف، على مستويين. الأول حول الانتخابات العامة المفترض إجراؤها بداية تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، وهو التاريخ ذاته الذي انبثقت فيه انتفاضة تشرين الأول/ أكتوبر 2019. وكان المستوى الثاني حول العلاقة بـ «محاربة الأرهاب».
بالنسبة إلى الانتخابات، كان لمصر والكويت وفرنسا الدور الأبرز في الدفع باجراء الانتخابات. ذكر الرئيس الفرنسي ماكرون أن بعثات من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ستراقب الانتخابات، متجاهلا حقيقة أن الانتخابات السابقة تمت بإشراف البعثات ذاتها، وكانت النتيجة كارثية. أما السيسي فقد أطلق موعظة «شاركوا في اختيار من يقودكم إلى الأمان» متغافلا عن مساره الفاشي في إرساء «الأمان» في مصر منذ أعوام، فضلا عن قيامه بدور الحارس، بالنيابة عن الكيان الصهيوني، على أهل غزة، في واحد من أكبر السجون في العالم. ولم يشر أحد المتحدثين إلى سبب مشاركة 18 في المئة، فقط، من العراقيين في الانتخابات السابقة، على الرغم من قرع كل طبول الديمقراطية، وكيف أجبر المتظاهرون رئيس الوزراء عادل عبد المهدي على الاستقالة، وكيف أغرق من حل محله، أي مصطفى الكاظمي، الشعب بفيضان من وعود بمعاقبة قتلة المتظاهرين.

تفكيك الانتخابات سيُظهرعقود نهب ومشاريع ووظائف وهمية وأموال رشاوى يتم غسلها في بنوك الغرب

وكانت الحصيلة المزيد من المختطفين والمعتقلين والتعذيب والقتلى. وإلقاء نظرة سريعة على تقارير مجلس حقوق الأنسان في الأمم المتحدة، ومفوضية حقوق الانسان في العراق، بالاضافة إلى منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ( في حال عدم ثقة ممثلي الدول بالتقارير المحلية) كانت ستبين لهم أن كراسيهم الفخمة، في قاعة الاجتماع، غارقة بدماء العراقيين، وأن خطاب الكاظمي وتصريحات وزير الخارجية يدلان بوضوح، كما شمس العراق، إلى ما ستتمخض عنه الانتخابات المقبلة: إعادة تدوير الوجوه نفسها، ربما بأقنعة مغايرة. لا لأن العراقيين لن يختاروا «الأمناء» كما نصحهم السيسي، بل لأن لغة الانتخابات الأولى والأخيرة هي الفساد. وألف باء لغة الفساد في العراق الغني هي مليارات الدولارات. وتفكيك الانتخابات سيُظهرعقود نهب ومشاريع ووظائف وهمية وأموال رشاوى باذخة يتم غسلها في بنوك الغرب. فالدول التي تُخّرب البلدان غير المطيعة صباحا، تتظاهر بمد يد الإحسان والمساعدة والبناء مساء.
بالنسبة إلى «مكافحة الأرهاب» وهو المشروع الذي صّنعته وسوّقته الولايات المتحدة، وتبناه الحكام العرب لكي لا يحيدوا عن الصراط الأمريكي، قدمه المشاركون في القمة بعنوان «دعم العراق في مواجهة الإرهاب» لتحقيق الأمن والاستقرار. هنا يتبدى التدخل في الشأن الداخلي بشكل أوضح. إذ تحدث كل مشارك باستفاضة عن الجهة التي يراها مصدرا للإرهاب، الذي يستهدف بلده هو، من داخل العراق، وحسب تعريفه هو للإرهاب. يرى الرئيس الفرنسي إنه الإرهاب العالمي، ويجب مساعدة العراق للتخلص منه. وصرح وزير الخارجية التركي «لا مكان للإرهاب في مستقبل العراق» والأرهاب بالنسبة إلى تركيا هو «أي وجود لحزب العمال الكردستاني على الأراضي العراقية» بينما يتعامى عن عسكرة القوات التركية على أراض عراقية. وكالصدى كرر وزير الخارجية الإيراني «أن العراق تضرر كثيرا بفعل الإرهاب» والإرهاب بالنسبة إلى إيران هو « لتدخلات الأجنبية» على رأسها أمريكا، وكأن تدخل إيران وميليشياتها شأن عراقي داخلي وطني بحت، مما يذكرنا بتصريح مماثل لوزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد في واحدة من خطبه، عقب غزو العراق، قائلا بأن مشكلة العراق هي التدخل الخارجي. وكأن قوات الاحتلال الأمريكية عراقية وطنية أبا عن جد. وترى السعودية أن محاربة الإرهاب تتم بالتعاون مع قوات التحالف برئاسة أمريكا.
إن متابعة الخطب والتصريحات والبيان الختامي للقمة، لا يضيف شيئا جديدا لما سمعناه في خطب وتصريحات سابقة، باستثناء كونها صادرة عن أشخاص موجودين في قاعة واحدة قاسمهم المشترك، المعلن، هو التخويف من « الإرهاب «. الإرهاب الذي يقدم كل واحد منهم تعريفه الخاص به، وعجنه بالخوف واحد من أكثر طرق سيطرة الأنظمة على عقول الشعوب نجاحا.
تم تصوير « قمة بغداد» بأنها ستمنح شعوب الدول المجتمعة الأمل بتحقيق الأمن والاستقرار. إلا أن ما لم يتم التطرق إليه إطلاقا سواء من قبل المجتمعين أو إعلاميا هو أن معظم شعوب هذه الدول، وليس العراق وحده، تعيش خارج قاعات الاجتماعات الباذخة واقعا يراوح ما بين المزري واللا إنساني، وأن وجود المضاربين، ممثلي شركات المتنافسة بشراسة، في مبنى البورصة لايعني اتفاقهم حول توحيد الأسعار في الأسواق لصالح المستهلكين.

كاتبة من العراق

 

 

إذا كانت أفعال طالبان هي المقياس …

ماذا عن أمريكا في العراق؟

هيفاء زنكنة

 

هل تفاجأت أمريكا، فعلا، بعودة طالبان السريعة الى أفغانستان؟ وهل الحقيقة لا تحمل اموراً مخفية بل كل ما في الأمر هو « أن هذا حدث أسرع بكثير من تقديراتنا»، كما ذكر الرئيس الأمريكي جو بايدن في خطابه، بعد أيام، من استعادة طالبان للعاصمة كابول في 15 آب / أغسطس؟ وهل « ما حدث» هو اندحار، استسلام ، انسحاب، تراجع ؟ أم هو مغادرة، أو عودة، أو إتفاق ؟
وما مدى صدق الطرفين المتفاوضين في تنفيذ الاتفاقية المبرمة، وانعكاساتها على الشعب الأفغاني، عموما، في الأيام والشهور المقبلة، بالمقارنة مع الوضع العراقي؟
إذا ما تابعنا مسار المفاوضات في الدوحة، بين الوفدين الأمريكي وطالبان، سنجد صعوبة في تصديق عنصر المفاجأة وما ترتب عليها من فوضى بخصوص ترحيل الأمريكيين والبريطانيين، انفسهم، وغيرهم من قوات الناتو والمتعاونين معهم، ثم انتقلت الى المتعاونين مع الاحتلال ثم عامة الناس، النساء خاصة، المذعورين من صيت طالبان وما قد يتعرضون له من انتقام. وأصبحت هذه الأخيرة الصورة الأبرز إعلاميا. وسبب صعوبة تصديق « المفاجأة» هو أولا الصورة الخارقة في الامكانيات والتنظيم التي ترسمها الولايات المتحدة الأمريكية عن نفسها وتوزعها على العالم إعلاميا . كما أن بحث عملية انسحاب القوات الأمريكية لم يكن وليد العامين الأخيرين، بل عشرة أعوام من المفاوضات المستمرة، على كل المستويات، وإن القرار الرسمي قد حمل توقيع الرئيس السابق دونالد ترامب الذي حدد موعد الانسحاب هذا العام، والرئيس الحالي جو بايدن الذي أقره بتعديلات بسيطة.
لقد بدأت مفاوضات الانسحاب نهاية عام 2013 ، بعد مرور عشر سنوات على الإحتلال الامريكي لأفغانستان، بعد أن أدركت أمريكا ، حسب روبرت غرينير « لم ننجز الكثير بعد مرور عشر سنوات… وكان تدخلنا في البداية رمزيا واعتمدنا على تنظيم « التحالف الشمالي» لمقاتلة طالبان. الا ان عنجهيتنا دفعتنا الى سياسة مختلفة عام 2005» . كان غرينير رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ( السي آي أي) في إسلام أباد، في أخطر مرحلة ، في أعقاب 11 سبتمبر 2001. كان مسؤولا عن تخطيط وإدارة عمليات سرية لدعم غزو أفغانستان. ثم مدير مهمة العراق في الوكالة ، لتنسيق العمليات السرية لدعم غزو العراق عام 2003. وترأس مدرسة «المزرعة» لإعداد الجواسيس التابعة للسي آي أي، وأخيرا مدير مركز مكافحة الإرهاب في أرجاء العالم.
تصادف اني حضرت أثناء وجودي في مؤتمر ثقافي عالمي عُقد في جزيرة غوا، بالهند في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، مقابلة مهمة جمعت غرينير بالملا عبد السلام ضعيف، أحد مؤسسي طالبان، وسفير طالبان في باكستان، الذي اعتقلته المخابرات الباكستانية بعد الغزو الأمريكي وباعته ( كما الكثيرين ممن اتهموا بالإرهاب) الى المخابرات الأمريكية مقابل خمسة آلاف دولار، فسُجن في معتقل غوانتانامو، مدة اربع سنوات ونصف. وكان الرئيس الأفغاني السابق حميد كرزاي قد أعلن عفوا عاما عن طالبان، كخطوة نحو استتباب الأمن، إلا أن الادارة الأمريكية جمّدت القرار بعد أسبوع لتجهض بذلك إمكانية المصالحة بين مختلف القوى الأفغانية.

 بحث عملية انسحاب القوات الأمريكية لم يكن وليد العامين الأخيرين، بل عشرة أعوام من المفاوضات المستمرة، على كل المستويات، وإن القرار الرسمي قد حمل توقيع الرئيس السابق دونالد ترامب الذي حدد موعد الانسحاب هذا العام

أدارت المقابلة شوما جاودري، رئيسة تحرير صحيفة « تهلكا» الاستقصائية الهندية، وأثارت مشاركة ملا عبد السلام ضجة لأنها المرة الاولى التي يٌسمح فيها لشخص مثله بزيارة الهند والحديث أمام جمهور واسع. تحدث غرينيرعن نية أمريكا سحب قواتها والتفاوض مع طالبان. واستفاض ملا عبد السلام بالحديث عن أهمية الاستقرار الأمني والسياسي في افغانستان وضرورة اللجوء الى التفاوض الدبلوماسي لتحقيق ذلك ، مركزا على فشل الديمقراطية التي تحاول أمريكا فرضها عسكريا والتي لم يُسمح بنموها عضويا من داخل المجتمع ، أي «ديمقراطية إسلامية». خلال المقابلة المتوفرة ألكترونيا، والتي عدت الى مشاهدتها مجددا، أجوبة على أسئلة تُطرح ، اليوم، وبعد مرور عشرة أعوام على اجرائها، ومطابقة بتفاصيلها مع التساؤلات الحالية عن تغير طالبان او قدرة طالبان على التغير، وبالتحديد السؤال الأكثر شيوعا عن الموقف من المرأة . أكد ملا سلام، المرة تلو المرة، أهمية تعليم المرأة لأنها نصف المجتمع وأدان ، بعد إلحاح من مديرة اللقاء، تفجير ومهاجمة المدارس. منبها الى وجود « جهات أخرى» تحاول تشويه صورة طالبان. أما عن مستقبل أفغانستان ، فتحدث عن الانسحاب الحتمي لقوات الاحتلال الامريكي مع التنبيه الى تعقيدات الوضع بسبب الموقع الجغرافي للبلد المحصور بين الصين وروسيا وإيران وباكستان من جهة، والتدخل الأمريكي الذي سيتخذ أشكالا أخرى كتأسيس المليشيات، كما في العراق.
والمفارقة أن نسمع، حاليا، وبعد الانسحاب العسكري المهين، اطلاق تصريحات رسمية على غرار « التزامنا تجاه أفغانستان دائم» ، لرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، بدون أن يبين كيف، ومتغافلا عن الجريمة الكبرى التي ارتكبتها بريطانيا وأمريكا، في شنها حربا عدوانية لا يزال العراق يعيش تفاصيلها الدامية. وتبلغ ازدواجية المعايير ذروتها حين تركز كافة أجهزة الإعلام الغربية ، تقريبا، وتجترها الصحافة العربية ومواقع الفيسبوك، أما تعمدا أو سذاجة، على تقديم صور كاريكاتيرية عن أشكال مقاتلي طالبان ومظهرهم الخارجي، واستخدام لغة مبتذلة تحقيرا لهم ، مما يُذكرنا باللغة التي استخدمتها قوات الغزو الامريكي للعراق لوصف العراقيين بـ»علي بابا « و»حاجي» و»رؤوس الخرقة» اشارة الى الغترة الشعبية العراقية، ليصبح من السهل تجريدهم من إنسانيتهم وبالتالي تعذيبهم وقتلهم. ولا يقتصر الحط من القيمة الانسانية عبر الانتقاص من الشكل، على الصحف الصفراء واجهزة الإعلام الرخيصة، بل سقطت البي بي سي عربي، أخيرا، في ذات الهوة، مستخدمة عنوانا بمثابة حكم مسبق وتصنيف جاهز، هو «لم يغيروا ملابسهم أو شعرهم أو لحاهم، فكيف يمكنهم تغيير أفكارهم؟».
أمام أعضاء البرلمان قال بوريس جونسون « سنحكم على نظام طالبان على أفعاله وليس أقواله ، وعلى سلوكه حيال الإرهاب والجريمة والمخدرات، وحقوق الفتيات في الحصول على التعليم»، أليس هذا هو المقياس الذي فشلت الحكومة البريطانية والإدارة الامريكية، في تحقيقه بالتحديد في عملية «تحريرالعراق »؟

كاتبة من العراق

 

 

إذا كانت أمريكا لم تتغير…

هل تغيرت طالبان؟

هيفاء زنكنة

في ظل إرسال الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا قوات إلى كابول لترحيل موظفي الدولتين والمتعاونين معها بسرعة بعد دخول قوات طالبان العاصمة، وفي ظل استعادة العالم، صورة الهرب الأمريكي الكبير من فيتنام، نقضت إحدى المحاكم البريطانية حكما سابقا بوقف ترحيل مؤسس «ويكيليكس» جوليان أسانج، إلى الولايات المتحدة. قررت المحكمة منح الحكومة الأمريكية مجالا أكبر لاستئناف القرار الأول الذي كان يستند على تدهورالوضع النفسي الذي يعانيه أسانج وقد يدفعه إلى الانتحار، اذا ما تم ترحيله الى أمريكا، حيث سيواجه فيها 18 تهمة، عن نشر آلاف الوثائق السرية في عامي 2010 و2011، تصل عقوبتها إلى 175 سنة.
واذا كان الانشغال العالمي بالبحث عن أسباب التغيرات العسكرية المذهلة، أو ما بات يُعرف بالاندحار الأمريكي ـ البريطاني في أفغانستان، ومحاولة الإجابة في لحظات الهزيمة المريرة عن تساؤلات كان يجب طرحها، منذ عشرين عاما، حول طبيعة الغزو، فان التاريخ ينقلنا إلى ذات اللحظات، تقريبا، إلى فيتنام ولكن من خلال التطابق شبه الكلي مع حياة وجهود أشخاص، ساهموا في مساءلة ما هو وراء التصريحات الحكومية وكشف الحقيقة معرضين حياتهم للسجن في أمريكا.
قد لا يكون للصحافي جوليان أسانج دور مباشر في الهزيمة المدوية لأمريكا وبريطانيا في أفغانستان، وإلى حد أقل في فشلهما السياسي بالعراق، إلا أنه وآخرين ساعدوا في فضح المخفي والمزيف في غزوها وإحتلالها البلدين. حيث أسس أسانج مع عدد من الباحثين موقع ويكيليكس لتسريب المعلومات، من بينها نشر ما يقارب الاربعمائة ألف سجل عسكري سري، من بين سجلات جيش الاحتلال الأمريكي للعراق، بالاضافة الى نشر وثائق عسكرية أمريكية سرية عن احتلال العراق وأفغانستان، ولم يشمل ذلك هويات المخبرين الذين كانوا يساعدون وكالات الاستخبارات في أفغانستان والعراق وأماكن أخرى، وهو الإدعاء الذي تستخدمه الولايات المتحدة باعتباره فعلا يهدد حياتهم.
كل هذه الوثائق موجودة، الآن، في أرشيف الصحف العالمية مثل «الغارديان». ولعل ما رسخ في الأذهان وأثار ضجة أكثر من غيره، عن العراق، هو تسريب شريط فيديو التقطته مروحية أمريكية، في 2007، يُظهراستهداف طاقم المروحية لمدنيين عراقيين وقتلهم 11 شخصا من بينهم طفلان وموظفان في شبكة «رويترز» بحجة أنهم إرهابيون.

هل سنحتاج لفهم ما يجري فعلا والكشف عن الحقيقة أشخاصا مثل إلسبيرغ وأسانج لتسريب «أوراق طالبان» مثلا؟

من سبق أسانج و«ويكيليكس» أثناء الحرب الأمريكية ضد فيتنام، هو دانيال إلسبيرغ، المحلل الاستراتيجي المتخصص في الاستراتيجية النووية والقيادة والسيطرة على الأسلحة النووية، الذي ساهم عام 1967، بتكليف من وزير الدفاع روبرت ماكنمارا، في دراسة سرية، للغاية، لوثائق سرية حول تاريخ التدخل السياسي والعسكري للولايات المتحدة في فيتنام من عام 1945 إلى عام 1967. أصبحت هذه الوثائق تُعرف باسم «أوراق البنتاغون». كشفت أوراق البنتاغون أن أربع إدارات (برئاسة ترومان وأيزنهاور وكينيدي وجونسون) قد ضللت الجمهور فيما يتعلق بالحرب ضد فيتنام، وأنها كذبت بشكل منهجي لتضمن استمرارها عن طريق توسيع الحرب، بقصف كمبوديا ولاوس والتي لم يتم الإعلان عنها اعلاميا. وفي الوقت الذي أعلن فيه الرئيس جونسون أن الهدف من حرب فيتنام كان تأمين «فيتنام الجنوبية المستقلة وغير الشيوعية» ووضع حد «لحرب أهلية» إلا أن أوراق البنتاغون كشفت أن السبب الأساسي «ليس مساعدة صديق، ولكن احتواء الصين «. مما يدفع المرء الى مقارنة هذه الادعاءات بما أطلقته ادارة جورج بوش بصدد غزو افغانستان والعراق، وحقيقة الديمقراطية وحقوق الإنسان مقابل السيطرة على مصادر الطاقة وإنهاء الحظر الذي فرضته حكومة طالبان، عام 2000، على إنتاج الهيرويين، وأدى إلى إنخفاض ما يقرب من ثلاثة أرباع إمدادات العالم منه.
توصل إلسبيرغ، من خلال دراسة سجلات الحكومة، إلى أن حرب فيتنام لم تكن «حربًا أهلية» بل حرباً استعمارية. وإن «الحرب التي يتم فيها تجهيز أحد الأطراف بالكامل ودفع ثمنه من قبل قوة أجنبية ـ والتي فرضت طبيعة النظام المحلي لمصلحته ـ لم تكن حربًا أهلية… بل عدوانًا خارجيًا، عدوانا أمريكيا». مثل أسانج، قرر إلسبيرغ أن من حق الشعوب أن تطلع على حقيقة ما تقوم به الحكومات باسمها. فقام بتسريب نسخ من الأوراق الى صحيفة «نيويورك تايمز» فنشرت مقتطفات من مجموع الصفحات البالغ عددها 7000. وحين مُنعت الصحيفة من نشر المزيد، سرب إلسبيرج الوثائق إلى صحيفة «واشنطن بوست» ومن ثم إلى 17 صحيفة أخرى. ألقي القبض على إلسبيرغ وقُدم للمحاكمة في مايو 1973، إلا أن القاضي رفض إدانته بسبب السلوك الحكومي المنافي للقوانين وجمع الأدلة غير القانوني.
هل أدى الدور الذي لعبه إلسبيرغ في تسريب أوراق البنتاغون السرية الى الصحافة والرأي العام الى هزيمة أمريكا العسكرية المتمثلة بالهروب الكبير؟ كلا. إلا انه ومن خلال الكشف عن أكاذيب التصريحات الحكومية حول الوضع العسكري في فيتنام، بما في ذلك إختلاق عمليات لم تحدث أبدا، على غرار قصف زوارق البحرية الأمريكية في خليج تونكين، ساهم تسريبه الوثائق في تعميق فجوة المصداقية بين الحقيقة وما تقول الحكومة إنه حقيقي، في تحويل موقف الكثير من الأمريكيين من مؤيدين الى مناهضين للحرب.
واذا كانت تفاصيل الأحداث المتسارعة في افغانستان، اليوم، حبلى بهزيمة السياسة الأمريكية والبريطانية وقوات الناتو مجتمعة، وهي الأقوى عسكريا في العالم، فان ظروف ولادة الوضع الجديد المتمثل باستعادة طالبان الحكم، وتأثيرات ذلك على الدول المجاورة والعلاقة، كما كانت أيام فيتنام، مع الصين، محاطة بغموض ما اتفقت أو لم تتفق عليه الجهات المتفاوضة. واذا كانت أمريكا لم تتغير، هل تغيرت طالبان؟ كيف؟ وهل سنحتاج لفهم ما يجري فعلا والكشف عن الحقيقة أشخاصا مثل إلسبيرغ وأسانج لتسريب « أوراق طالبان» مثلا؟

كاتبة من العراق

 

 

هل هناك 11 ألف

محكوم بالاعدام في العراق؟

هيفاء زنكنة

 

«كان نفس الروتين، كل يوم يعلقونني ويضربونني. هناك أشياء فعلوها بي هناك أشعر بالخجل من التحدث عنها، ولكن هناك شيئا واحدا يمكنني أن أخبرك به هو أنهم جعلوني أجلس على قنينة زجاجية مرتين». هذا بعض ماجاء في المقابلة رقم 106. ويخبرنا المعتقل في المقابلة رقم 107 «لقد قيدوا يدي وراء ظهري وعلقوا الأصفاد بخطاف في سلسلة متدلية من السقف. لم يطرحوا على أية أسئلة، فقط استمروا بالصراخ لأعترف».
في غياهب المعتقلات العراقية، أجريت مقابلات مع 235 محتجزا، تم تضمينها في تقرير «حقوق الإنسان في تطبيق العدالة في العراق: الشروط القانونية والضمانات الإجرائية لمنع التعذيب والمعاملة السيئة» الذي أعدّته بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى العراق (يونامي) ومفوضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان، الصادر في 3 آب/ أغسطس. ويغطي التقرير من 1 تموز/يوليو 2019 إلى 30 نيسان/أبريل 2020.
«التعذيب حقيقة واقعية في جميع أنحاء العراق» أُسْتُهل التقرير بهذه الجملة الصارخة في إدانتها للممارسات اللاإنسانية في أماكن الاحتجاز التي لا تقتصر على وزارتي العدل والداخلية بل، أيضا، وزارة الدفاع، وجهاز مكافحة الارهاب، وقيادة عمليات بغداد، وجهاز الأمن الوطني، وجهاز المخابرات الوطني، وقوات الحشد الشعبي، بالاضافة الى أماكن اعتقال أخرى لم يعرف المحتجزون مكانها. ويحيط الغموض أعداد المحتجزين، فباستثناء وزارتي العدل التي افادت بوجود 39518 محتجزا عام 2020. من بينهم 2115 إمرأة و11 ألفا و595 مدانا محكوما عليهم بالإعدام، بضمنهم 25 امرأة، و24853 في منشآت تحت سلطة وزارة الداخلية، لم يتم التحقق من أعداد المحتجزين في المعتقلات الأخرى، مما يشير إلى أن الأعداد أكبر بكثير. كما لا تشمل الأرقام إقليم كردستان.
من بين أشكال التعذيب التي يذكرها التقرير: الضرب المبرح، والصعق بالصدمات الكهربائية، والتعليق من السقف، والتعرض للعنف الجنسي، لاسيما الصدمات الكهربائية على اعضائهم التناسلية وحشر العصي والقناني الزجاجية في فتحة الشرج. ولاحظت البعثة أن الكثير من الاشخاص الذين تمت مقابلتهم تحدثوا عن «أشياء فعلوها بي هناك أشعر بالخجل من التحدث عنها». ولم يُضمن التقرير اوضاع السجون كفقر الخدمات، والاكتظاظ. فقد تلقت البعثة معلومات عن وفاة 62 معتقلا في «سجن الحوت» بالناصرية، جنوب العراق، و355 حالة وفاة في مرافق تابعة لوزارة العدل. يؤكد التقرير قبول التعذيب وسوء المعاملة مقبولا رسميا كوسيلة لانتزاع «اعتراف». وهي سياسة منهجية تمارس على نطاق واسع حيث قدم أكثر من نصف المحتجزين الذين قابلتهم البعثة، روايات موثوقة وذات مصداقية عن تعرضهم للتعذيب.
وللمتظاهرين السلميين حصتهم في سوء المعاملة والتعذيب. حيث وثّق التقرير شهادات 38 معتقلا بعد اختطافهم. كان من بين ما تعرضوا له « الصدمات الكهربائية، الضرب الشديد، والتعليق من السقف، والتهديد بالقتل، والعنف الجنسي ضدهم وضد عوائلهم، والتبول عليهم وتصويرهم عراة». ويخلص التقرير الى» أن روايات الضحايا لا تترك مجالا للشك في أن التعذيب وسوء المعاملة متفشيان في جميع أنحاء البلاد على الرغم من أنّ الإطار القانوني العراقي يجرّم صراحةً التعذيب ويحدّد الضمانات الإجرائية لمنعه» في اشارة الى انضمام العراق الى اتفاقية مناهضة التعذيب عام 2011.

في غياهب المعتقلات العراقية، أجريت مقابلات مع 235 محتجزا، تم تضمينها في تقرير»حقوق الإنسان في تطبيق العدالة في العراق: الشروط القانونية والضمانات الإجرائية لمنع التعذيب والمعاملة السيئة»

ان الاعلان المباشر والصريح بأن التعذيب في العراق حقيقة لم يعد بالامكان السكوت عليها، أمر يُحسب لصالح التقرير. ولعلها من المرات النادرة التي لا يُغلف فيها موظفو الامم المتحدة، تقاريرهم بمفردات مبهمة تتحمل التأويل المتناقض، والشك في الحقيقة، لتفادي التعرض المباشر الى الحكومات القمعية. مفردات على غرار «مزاعم» و«ادعاءات» تقود، في نهاية التقرير، الى خلاصة تُعبر فيها اللجنة عن « القلق» و«الاستنكار». ولعل موظفي الأمم المتحدة تعبوا من القلق والاستنكار أمام الواقع المرير الذي يرونه.
صحيح أن التقرير لم يخلُ من الاشارة الى ان الحكومة أجرت بعض التغييرات القانونية ضد التعذيب الا أن المفوضة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت نبهت الى إن «السلطات في حاجة إلى التنفيذ الفعال للأحكام المكتوبة في القانون في كل مركز احتجاز. وإلا فإنها تظل حبرا على ورق».
وهذا هو أساس استمرار الممارسات الهمجية المرعبة في لا انسانيتها. ومن بينها وجود 11 ألفا و 585 مدانا محكوما بالإعدام، حسب كتاب صادر من وزارة العدل وموجه الى البعثة. وهو رقم هائل بكل المقاييس، دفعني الى قراءة التقرير عدة مرات وباللغتين العربية والانكليزية، لأتأكد من صحته، والعثور على إجابة منطقية لمرور التقرير، بشكل عابر، على هذا العدد الذي يجعل العراق مسلخا بشريا أو نسخة من المحرقة النازية، في ظل نظام «تنتهك فيه اغلب الشروط القانونية الاساسية والضمانات الاجرائية المنصوص عليها في الاطار القانوني العراقي والدولي بشكل منتظم» وحيث «لا يخشى الجناة حقاً عواقب قيامهم بالتعذيب لأنهم يعلمون أن النظام الرسمي لن يعاقبهم» برعاية قضاء مهمته شرعنة الأكاذيب الحكومية.
ما لم يتطرق اليه التقرير، على أهميته، هو حجم الضرر الجسدي والنفسي الذي سيرافق المحتجز المتعرض للتعذيب مدى الحياة أحيانا. فما يهدف اليه الجلاد هو ليس انتزاع الاعتراف بجريمة ما فحسب بل سلبه إنسانية الشخص وكرامته والسيطرة عليه بشكل يمتد الى الابتزاز الاجتماعي والسياسي. فصور المتظاهر السلمي المختطف عاريا، باسلوب مماثل لسياسة التعذيب الأمريكية في أبو غريب، أداة فاعلة للتخويف والتهديد ومنع المتظاهر، وآخرين، من المشاركة في اي نشاط كان مستقبلا. من هنا تنبع ضرورة فضح هذه الاساليب بكل الطرق الممكنة. فالتعذيب فعل اجرامي، والجلاد هو الذي يجب ان يشعر بالعار وليس الضحية. ومن يكشف عن تفاصيل ما يتعرض له «هناك» يستحق الاحترام والتقدير. لأنه يساهم بتوثيق جرائم، نأمل أن تؤدي، مستقبلا، الى محاسبة مرتكبيها ووضع حد لممارستها.

كاتبة من العراق

 

 

 

من الذي يحتضن

مليارات العراق المهربة؟

 

هيفاء زنكنة

 

حين سألت كارولاين لوكاس، النائبة البريطانية عن حزب الخضر، وزير الدولة للشؤون الخارجية والتنمية، عما إذا كانت الحكومة البريطانية تدعم، ماديا، مشاريع متعلقة بالطاقة الغازية في بلدان أخرى، أجابها الوزير أن الحكومة مستمرة في دعم مشروع شركة جنرال إلكتريك للطاقة في العراق. مما يتماشى مع سياسة بريطانيا في العراق. مع العلم أن شركة جنرال إلكتريك، أمريكية متعددة الجنسيات صُنفت كواحدة من 300 أكبر شركة في الولايات المتحدة من حيث إجمالي الإيرادات. تمكنت الشركة، بضغوط من الرئيس الامريكي السابق دونالد ترامب، عام 2017 من الفوز بعقد قيمته أكثر من 1.2 مليار دولار «لتنفيذ مشاريع قطاع الطاقة التي ستؤمن إمدادات طاقة موثوقة في جميع أنحاء البلاد». كما اتفقت الحكومة البريطانية على توفير ضمان للشركة مع أخرى بريطانية بقيمة 155 مليون دولار «لتعزيز قطاع الطاقة في العراق. كما يوفر إنشاء المشاريع أيضًا فرصًا ضخمة ـ ومثيرة للغاية ـ للمُصدرين في المملكة المتحدة» حسب وزير التجارة الدولية الذي تجاهل، وهو يعلن سروره بالاتفاقيات، أن يذكر نسبة الربح الذي ستحصل عليه بريطانيا مقابل توفير الضمان.
إعتبرت لوكاس جواب وزير الدولة وافيا. فالمهم، من وجهة نظر السياسي البريطاني، سواء كان يساريا أو محافظا، هو استمرار الإعلان أن الحكومة البريطانية تتعاون مع الحكومة العراقية في توفير الخدمات والاستقرار للشعب العراقي، أما الهيمنة الاقتصادية ومن خلالها السياسية، إثر الغزو والاحتلال، فأمر غالبا ما يتم تجنب الاشارة اليه علنيا. لذلك كان من الطبيعي ألا تطرح لوكاس، رغم كونها يسارية، سؤالا آخر عن مدى نجاح المشاريع المدعومة بتحسين وضع الشعب العراقي، فعلا، والذي تتحمل بريطانيا جزءا كبيرا من انهياره. فاذا كانت الحكومة تدعم مشاريع الطاقة منذ اسقاط نظام صدام عام 2003 وتوقيع العقود يتجدد مع زيارة كل وزير كهرباء عراقي إلى لندن، لماذا، إذن، يتظاهر العراقيون، خاصة في الصيف، وهم يحملون تابوتا يدعى الكهرباء؟ لماذا يُضحي المتظاهرون بحياتهم، ويسقط الآلاف منهم قتلى وجرحى، في كل المواسم؟ ما مدى استفادة بريطانيا من دعمها الشركات البريطانية والأمريكية وغيرها ومعظمها يحظى بعقود خيالية تحت شعار إصلاح وتجديد وزيادة القدرة على تزويد العراقيين بالكهرباء؟ وكيف بات ما يحصل عليه المواطن من الكهرباء، يوميا، لا يزيد على الخمس ساعات في بيئة، تصل فيها درجة الحرارة أكثر من 52؟ ولم، مع كل المشاريع المعلن عنها، لا يزال العراق المستورد الأول للكهرباء من إيران؟ لماذا لم يتم، حتى الآن، العمل على معالجة حوالي 16 مليار متر مكعب من الغاز المشتعل لاستخدامه في محطات الطاقة، مما يوفر 5.2 مليار دولار ويلغي الحاجة للاستيراد من إيران؟ أم أن ذلك هو بالضبط ما يجب أن يحدث؟
في سردية أسباب انقطاع الكهرباء، على الرغم من صرف ما يزيد على 50 مليار دولار منذ احتلال البلد، تبرر التصريحات الرسمية، العراقية والبريطانية والامريكية، فضلا عن التقارير ذات الاختصاص، الانقطاع بأنه ناتج عن أسباب تقنية عدة يعود بعضها الى تسعينيات القرن الماضي، ومن ثم التخريب الذي لحق البلاد جراء الغزو الأمريكي البريطاني أولا ثم تنظيم الدولة الاسلامية ثانيا. ومن بين الأسباب التي يُشار اليها، غالبا، هو زيادة عدد السكان، واستخدام المكيفات وزيادة الاستهلاك وعدم دفع قوائم الكهرباء والغاز. وهي أسباب، تشير الى واقع سياسي واقتصادي متدهور، بكل المستويات، يتطلب حلولا آنية سريعة واستراتيجية، لضمان المحافظة على حياة وكرامة المواطن وليس توجيه اللوم اليه. ولن يتحقق هذا ما لم تتوفر الإرادة السياسية المستقلة للحكومة، وتمتع البلد بالسيادة، وتنظيفه من فيروس الفساد.

تحويل أموال الفساد والتهريب من بلدان العالم المضطربة، الغنية منها والفقيرة، ينتهي في بورصات وبنوك وعقارات بلدان حروب التدخل والغزو

إذ يبقى السبب الرئيسي لعدم تنفيذ أي من المشاريع هو الفساد، كعملة صعبة، سارية المفعول، في حقل التزود بالكهرباء وعلى مستويين، بواسطة الاحتيال في العقود الحكومية مع جهات خارجية من جهة ومافيا المّولدات على المستوى المحلي من جهة أخرى.
محليا، تتحكم مافيا المّولدات، بكل ما له علاقة بالكهرباء من تكلفة وتوزيع، وللسياسيين والميليشيات حصص فيها. لذلك لايزال معدل تلبية حاجات الفرد من الكهرباء واحدا من أدنى المعدلات في الشرق الأوسط.
أما العقود الخارجية، فان في تقرير حديث لتشاتام هاوس، بعنوان «الفساد المقبول سياسياً وعوائق الإصلاح في العراق» أمثلة عن الاحتيال في العقود الحكومية عن طريق استخدام شركات صورية. أحدها «العقد الذي وقعته وزارة الكهرباء العراقية مع شركة «باور أنجنز» البريطانية، لبناء 29 محطة كهرباء، في مدينة الناصرية، جنوب العراق. وقد دفعت الحكومة مبلغ العقد وقدره 21 مليون دولار لتجد أن الشركة مزورة. ومع ذلك لم تقم الحكومة بفصل أو معاقبة المتورطين في صياغة العقد أو رفع دعوى قضائية. وكشفت وثيقة رسمية أخرى عن خسارة 8 ملايين دولار من المديرية العامة لإنتاج الطاقة الشمالية».
ومن يتابع مقابلات الساسة العراقيين التلفزيونية، سيجد أن اتهامات الفساد المتبادلة حول العقود الخارجية، مع عديد البلدان، تكاد تكون خيالية، ومع ذلك تمر بلا محاسبة.
ولايقتصر إفلات العراقيين الفاسدين من المحاسبة والعقاب على داخل العراق لوحده، بل يمتد إلى بريطانيا وأمريكا إذا كان المسؤول الفاسد من حملة جنسية أحد البلدين أو حاصلا على الاقامة الخاصة برجال الاعمال. وباستثناء نوفل حمادي السلطان، محافظ نينوى السابق، الذي فرضت عليه الحكومة البريطانية العقوبات، في الشهر الماضي، لأنه «حّول الأموال العامة المخصصة لجهود إعادة الإعمار، ومنح العقود وغيرها من ممتلكات الدولة، بشكل غير صحيح الى بريطانيا» فان «رجال الأعمال» العراقيين يجدون في بريطانيا وأمريكا ملاذا آمنا إلى حد كبير. ولم لا وقد تم تهريب 150 مليار دولار من أموال النفط العراقي في صفقات فاسدة منذ غزوه؟ وهل هناك من هو أكثر احتضانا لهذه الأموال من الغزاة؟ مما يعني أن تحويل أموال الفساد والتهريب من بلدان العالم المضطربة، الغنية منها والفقيرة، ينتهي في بورصات وبنوك وعقارات بلدان حروب التدخل والغزو، مؤشرا إلى أن العالم يعيش مرحلة جديدة من النهب الامبريالي، غير المباشر، بامتياز. حيث تتنصل هذه الدول من تكلفة الاحتلال أو ضرورات تأهيل أنظمة تابعة مستقرة، مستبدلة إياها باستمرار الفوضى والتمزق والنهب، من قبل أنظمة محلية فاسدة، ليست تحت مسؤليتها العسكرية المباشرة، مع ضمان انتهاء ما يُنهب إلى «الملاذ الاقتصادي الآمن».

كاتبة من العراق

 

انسحاب القوات الأمريكية

من العراق وتقطيع الأذن

هيفاء زنكنة

 

« نقول إن العراقيين يستحقون حياة أفضل، ولدينا خيرات نريد أن ينعم بها أبناء شعبنا، إلا أن الصراع السياسي يكبّل أي تقدم». لنفترض ان هذا التصريح قد تم تقديمه في برنامج حزورات، يتساءل فيه مقدم البرنامج: «من قال هذا ؟» وهل هو رئيس اتحاد طلبة أو رئيسة منظمة مجتمع مدني أو مديرة جمعية خيرية، ما الذي سيكون عليه الجواب؟
هل سيتبادر إلى أذهان المتسابقين وجمهور البرنامج أن قائل التصريح المتباكي الذي يلقي اللوم في بؤس حياة العراقيين على «الصراع السياسي» هو رئيس وزراء العراق الذي يُعدّ، وفق شروط وظيفته، وحسب الدستور، وبكل المعايير، المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للحكومة والقائد العام للقوات المسلحة العراقية ؟ مما يعني انه المسؤول الأول عن الوضع العام في البلد، بكافة مستوياته الاقتصادية والصحية والتعليمية ناهيك عن الامنية والعسكرية. وهل هناك حاجة الى تذكيره بأنه مسؤول عن تنظيم عمل الوزارات بما يتماشى والوضع العام من اجل وضع الحلول المناسبة وحل القضايا العالقة؟ وهل هناك ما هو أكثر الحاحا من القضايا ذات العلاقة باستمرار الحياة، بشكل طبيعي، ووضع حد لسقوط الضحايا المتزايد إغتيالا، كما مئات المتظاهرين والناشطين، وحرقا كما في مستشفيات المصابين بالكورونا، وتفجيرا كما في ضحايا مدينة الصدر، ببغداد، أخيرا؟ وكيف انتهى العراق برئيس وزراء إما لا يعرف معنى مسؤوليته الوظيفية، ويعتقد إنها تقتصر على زيارة أهالي الضحايا والتقاط الصور مع أطفالهم، أو يعرف تماما حجم المسؤولية إلا أنه يتجاهلها، لأنه عاجز عن القيام بها أو لأنه يستهين بالعراقيين ويجد انهم يستحقون الموت؟
واذا ما نظرنا الى صورة العراق الأكبر وعلاقته بقوات الاحتلال والعالم، المتشابكة والمتغلغلة بمآسي الحياة اليومية، كيف انتهى العراق برئيس وزراء، يتعامل مع الأحداث وكأنه رئيس منظمة غير حكومية، ومع ذلك سيفاوض باسم العراق حول واحدة من أهم الاتفاقيات، وهي الاتفاقية الاستراتيجية وانسحاب قوات الاحتلال الأمريكي، مما يستدعي المقارنة النوعية مع شخصيات الوفد الفيتنامي المفاوض للغزاة الأمريكان والجزائري المفاوض للمستعمر الفرنسي، في ظل الغموض المحيط بتفاصيل الأتفاقية ولا سياسة حكومة مصطفى الكاظمي.
أعلن الكاظمي أن مهمته هي مناقشة جدولة انسحاب القوات الأمريكية القتالية ( التعبير الرسمي لقوات الاحتلال) من العراق، إذ لايزال هناك 2500 جندي أمريكي في البلد. والتفاوض حول انسحاب أية قوات أحتلال هو موقف وطني لا خلاف عليه. باستثناء ان واقع الحال، مغاير تماما، كما تدل تصريحات الكاظمي ووزير خارجيته المتناقضة مع بيانات قادة الميليشيات والعشائر وتصريحات مسؤولي الادارة الأمريكية، مما يثير الشكوك والألتباس حول أبسط المفاهيم كالوطنية والاحتلال والمصالح المشتركة بالاضافة الى حقيقة ما يتم الاتفاق عليه.

تحت مسمى الشراكة «الناعم» سيبقى، اذن، الوضع كما هو تقريبا، إلى أجل غير مسمى، تحت الوصاية الأمريكية الإيرانية، مع تعديلات في نسب ومجالات المشاركة والصراع

فمن جهة أكد وزير الخارجية فؤاد حسين أن القوات الأمنيّة ما تزال في حاجة إلى البرامج التي تقدمها أمريكا في مجالات التدريب، والتسليح، والتجهيز، وتقديم المشورة في المجال الاستخباري، وبناء القدرات، وأهمية ديمومة الجهود الأمريكية العسكرية لمحاربة الأرهاب. وأن العراق يجدد تأكيده والتزامه بتعزيز شراكته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها شريكاً أساسياً في التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش. وشكر أمريكا لدعمها إجراءات مُراقبة الانتخابات المقبلة وضمان نزاهتها، موضحا بأنه، بالاضافة الى ذلك كله، قد تم إبرام العديد من مُذكرات التفاهم في قطاعات مُتعددة من بينها الاقتصادية والصحية ومجال الطاقة والاستثمار فضلا عن السياسة الأقليمية. كرر فؤاد حسين في تصريحاته ومقابلاته أن اتفاقية الإطار الاستراتيجي مبنية على « العمل المشترك» بين البلدين.
ولكن بدون ان يتطرق الى تفاصيل الفائدة التي سيجنيها « الشريك» الأمريكي. بل ترك التفاصيل مغيبة ساردا بتفصيل كبير ما سيجنيه العراق، مستبعدا واقع الهيمنة الكلية الممنوحة لأمريكا بكافة النواحي. مما يوحي وكأن ما يحصل عليه العراق هبة مجانية من قبل جمعية احسان تدعى الولايات المتحدة وليس، كما هو معروف تاريخيا، تعزيز لعنصرية المحتل وسيطرته وأخطرها رعاية التفرقة وتشجيع التمايز في المظلومية والظهور بمظهر حامي حقوق الانسان وبناء الديمقراطية.
اذا كان الكاظمي، يحاول استغلال مشاعر الميليشيات المدعومة إيرانيا، الأقوى من القوات الأمنية والجيش، والتي هددته احدى فصائلها بان «الوقت مناسب جدا لتقطيع أذنيه كما تقطع آذان الماعز» فان لمحاولته حدودا لا يستطيع تجاوزها. إذ ان الادارة الأمريكية لن تتخلى بسهولة عن بلد لديه ثاني أكبر احتياطي نفط في العالم، ويمكن الوصول إليه بسهولة، ويقع في المنطقة الرئيسية المنتجة للطاقة في العالم، وحلبة للمساومة مع إيران بصدد السلاح النووي. وكما نّوه وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، في مؤتمر صحافي، إن الشراكة مع العراق أكبر بكثير من الحرب ضد داعش.
تحت مسمى الشراكة «الناعم» سيبقى، اذن، الوضع كما هو تقريبا، إلى أجل غير مسمى، تحت الوصاية الأمريكية الإيرانية، مع تعديلات في نسب ومجالات المشاركة والصراع كما هو حاصل منذ احتلال العراق عام 2003. وسيواصل المسؤولون الأمريكيون والعراقيون اطلاق التصريحات عن تحول دور القوات الأمريكية من العسكري القتالي إلى الاستشاري، وهو عمليا ما تقوم به، حاليا، باستثناء القصف الجوي واستخدام الدرونز، الذي يدار كله من قواعد موجودة خارج العراق ولن يطرأ تغيير عليه وعلى دور قوات الناتو. وكل ما سيحدث هو التلاعب ببعض المفردات لأغراض اعلامية. بينما ستبقى الحقيقة مُغَيبة باتفاق الطرفين الأمريكي والحكومي العراقي على طمس مسؤولية أمريكا في غزو العراق الذي يشكل جريمة حرب، إذ لم يكن الغزو دفاعًا عن النفس ضد هجوم مسلح، ولم يقره مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي يجيز استخدام القوة من قبل الدول الأعضاء، وفقًا للجنة الحقوقيين الدولية في جنيف. مما يجعل توقيع أي مادة ضمن الاتفاقية الاستراتيجية شرعنة لجريمة الحرب وتمديدا لهيمنة المحتل والغاء لحق الشعب العراقي في اي تعويض قد يطالب به جراء الغزو والتخريب وخسارة الحياة الإنسانية. وكل هذا بموافقة حكومة تدّعي الوطنية.

كاتبة من العراق

 

 

تشييع الإمام التاسع

في بغداد في ظل كوفيد 19

هيفاء زنكنة *

 

مشهد آخر يضاف إلى غرائبية الوضع العام في العراق. يشي المشهد، بتفاصيله، بالأزمة العميقة ألتي يعيشها البلد على إختلاف المستويات الدينية والسياسية والاقتصادية، وما يتمخض عنها من تشكيل للوعي المجتمعي.
ضمن هذه التشكيلة المشهدية إحتشد آلاف الرجال، يوم السبت الماضي، العاشر من تموز/ يوليو، في بغداد. أجسادهم تكاد تلتصق لفرط الزحام والتدافع، وجوههم مبللة بالدموع، وهم يحملون تابوتا خشبيا ضخما مغطى براية خضراء، متجهين نحو صحن الكاظمية ( شمال بغداد) في تشييع رمزي للأمام محمد الجواد، التاسع من أئمة الشيعة الإثني عشرية، والحادي عشر من المعصومين الأربعة عشر، في ذكرى استشهاده. المعروف أن الإمام الجواد كان قد تولى الإمامة بعد أستشهاد أبيه علي الرضا وعمره إما سبعة أو ثمانية أعوام. وقد أدى صغر سنه إلى الاختلاف في مدى أحقيته بالإمامة حينذاك. استشهد الإمام الجواد ببغداد، وعمره 25 عاما، ودُفن في الكاظمية. وتشير الرواية الشيعية الى أن زوجته أم الفضل، ابنة الخليفة المأمون، دست له السم بتأثير من أخيها المعتصم، بعد توليه الخلافة أثناء الدولة العباسية.
تحفل أيام العراق، منذ احتلاله عام 2003، بعديد المناسبات الدينية، الحافلة بالطقوس الجماعية، بعد رفع الحظر عنها. لا شك في أن للطقوس، بأشكالها، من الدينية الى المناسباتية كالولادة والزواج والموت الى حضور مباراة لكرة القدم، ومعظمها تعود بداياته الى الطقوس الدينية، أهمية بالغة، في حياة الأفراد والشعوب. فمن خلالها يؤكد الفرد انتماءه الجماعي و«نقاء» أو مصداقية رحلته الحياتية حتى اللحظة، وإعادة التأكيد على أن المسار الذي يسلكه هو الطريق الصحيح، كما تربطه بالأجداد والتراث، وتمكنه من التواصل مع هويته وتقويتها.
من هذا المنطلق، يمكن إعتبار هذه المسيرة واحدة من الطقوس العادية ألتي يختار أبناء شعب ما ممارستها. إلا أن الواقع الحالي، الاستثنائي، في العراق، يضع هذه المسيرة خارج حدود «العادي المألوف «. لتثير عديد التساؤلات حول توقيتها، وكيفية الإعداد لها، بالإضافة إلى أهميتها والموقف الحكومي الرسمي منها.
من ناحية التوقيت تم تنظيم المسيرة الحاشدة والبلد يعيش كارثة إنتشار وباء الكوفيد، التي جعلته يحتل المكانة الاولى في قائمة الدول العربية، بأعداد المصابين والموتى. ومن أوليات الإجراءات التي يجب اتخاذها للوقاية من الوباء هو التلقيح والتباعد الاجتماعي وإعلان الحظر العام عند الضرورة. وهذا ما كان يجب إجراؤه للمحافظة على حياة الناس والتعافي من الوباء. الا أن ما حدث هو العكس تماما إذ تم تنظيم المسيرة ( وهي واحدة من عدة) في وقت لا يزال فيه التطعيم دون المستوى المطلوب بكثير. وإذا كان ما يميز الشعب هو قلة الوعي، وغسل الدماغ، كما يُشاع، فماهو الدور الحكومي والمراجع الدينية في هذه الحالة؟
بدلا من شن حملة توعية بمخاطر التجمعات، سبقت المسيرة حملة تحشيد منظمة لحث «الموالين» على المساهمة بل وإقناعهم بوجوب الحضور لتجديد « عهدهم للأمام «، لكي يضمن لهم الثواب و«الأجر». ساهم في الحملة سياسيون ورجال دين، ومراكز ومجمعات دينية، وأمناء مجالس العزاء. أُعدّوا خلالها «منهاجاً خاصاً وحافلاً بالنشاطات الدينية.

إن حماية حياة أبناء الشعب، من جميع المخاطر، مسؤولية الحكومة، بالدرجة الأولى، وعليها إيجاد أفضل الطرق وصيغ التعاون مع رجال الدين والمنظمات الدينية لمنع التجمعات الحاشدة

ويشمل إقامة مجالس العزاء الحسيني في رحاب الصحن الكاظمي الشريف على مدى خمسة أيام بالاضافة الى مشاركة الرواديد الحسينيين «. والرادود هو الحكواتي الشيعي، المتمرس في تقديم سردية البطولة والشهادة، بلغة يزداد سحرها بتوظيف المخيلة، لإعادة تمثيل رمزيتها، بأسلوب يستدر التعاطف والتماهي، إلى حد البكاء واللطم على الإمام الشهيد ومأساته. تُخرج هذه الطقوس المشارك فيها من واقعه اليومي، ليكون خارج عالم المكان والزمان العاديين. ويزداد إقترابا من الأئمة وما يحيطهم من قدسية، خاصة إذا كان واقعه بائسا (اقتصاديا ومجتمعيا) كحال الشريحة الأكبر من الهامشيين والمسحوقين في العراق، وهو بأمس الحاجة إلى الارتقاء بواقعه، كما الحالم بالفردوس.
لاضرر في ممارسة الطقوس، عموما، في الظروف العادية للبلد، بل ويتطلع الناس للمشاركة فيها، كما يحدث في أرجاء العالم، وتتحول بمرور الزمن إلى احتفالات رمزية تجمعهم، وهو ما وصل العراق اليه، في خمسينيات القرن الماضي، مع أيام عاشوراء. فاصبحت فضاء مشتركا للاحتفاء بالذاكرة الجماعية وإبداع المخيلة في أعمال تجمع بين المسرح والطقوس، ولا تٌستغل لأغراض سياسية واقتصادية وعنصرية.
ان التناول المتوازن للروايات التي تستند عليها الطقوس القديمة، في خلفية الاحتفالات، جزء من التطور الثقافي التدريجي للأمم. فلا بد من تمييز التاريخ عن الأسطورة والتزييف المتعمد، وخصوصا ما يمنع تشكل التكوين النفسي المشترك للشعب، وأخطرها تجريم حقب كاملة من تاريخه، كما يحدث مع الخلافة العباسية اليوم، مثلا، واسقاطها على الحاضر، بشعبوية سياسية، هدفها تأجيج العواطف.
لا يمكن، اذن، انكار أهمية الطقوس الدينية الشعبية حتى مع انتشار الوباء، ما لم يتم من خلالها إيهام المشاركين بأن زيارة المراقد الدينية والمساهمة في مسيرات طقوسية حاشدة، ستزودهم بالمناعة ضد الوباء فلا حاجة للتباعد الاجتماعي واللقاح.
إن حماية حياة أبناء الشعب، من جميع المخاطر، مسؤولية الحكومة، بالدرجة الأولى، وعليها إيجاد أفضل الطرق وصيغ التعاون مع رجال الدين والمنظمات الدينية لمنع التجمعات الحاشدة، مهما كانت قدسية المناسبة. وهذا ما فعلته الحكومات والمؤسسات الدينية، في جميع أرجاء العالم. فأغلقت أماكن العبادة وألغت الشعائر الدينية وحددت التجمعات العامة. وقدمت الكنائس المسيحية، والكُنُس اليهودية، والمساجد، والمعابد، الشعائر الدينية عبر البث المباشر أثناء الجائحة. كما ألغت المساجد صلاة الجمعة. وتم إلغاء احتفالات رأس السنة البوذية، التي غالبا ما تجمع الآلاف من الناس معا، ليمارسوا طقوسهم في جميع أنحاء جنوب آسيا. بل وأصدرت الحكومات قرارات تقضي بمنع تشييع الموتى واتمام الدفن بحضور شخصين فقط.
وإذا كان من المفترض أن تقوم الحكومة أما بمنع مسيرة التشييع أو تأجيلها، حماية للأرواح، وباعتبار إن الإمام الجواد قد استشهد قبل 1186 عاما، ولن يضر الانتظار عاما آخر، إلا أن أيا من ساسة الحكومة لم يتجرأ على إتخاذ قرار كهذا، ليس إيمانا بضرورة تشييع الإمام الجواد، ولكن خشية اتخاذ قرار قد يمس مصالحهم إذا ما تعرضوا، باي شكل من الاشكال، للمؤسسة الدينية وأتباعها، والبلد مقبل على الانتخابات، فالحصول على مقعد، في انتخابات أكتوبر المقبلة، بالنسبة إلى ساسة عراق اليوم، أعلى قيمة من حياة الإنسان.

 

 كاتبة وصحفية وناشطة عراقية تقيم في بريطانيا

 تكتب اسبوعيا في جريدة (القدس العربي)

 

العراق يضحك… القيظ من

ورائكم والكورونا من أمامكم

هيفاء زنكنة

أيام العراق حافلة بانجازات بلا حدود. آخرها فوزه بالمركز الأول، عربيا، بانتشار فيروس كورونا. فبينما أظهر إحصاء لوكالة «رويترز» أن أكثر من 183 مليون نسمة أصيبوا بفيروس كورونا المستجد على مستوى العالم، وأن عدد الوفيات تجاوز الأربعة ملايين، سجل العراق رقمه القياسي بين الدول العربية: 17256 وفاة وأكثر من مليون وربع المليون إصابة. وتشير الزيادة في عدد الإصابات، بين فئة الشباب، وارتفاع عدد الراقدين بردهات العناية المركزة في المستشفيات، إلى وصول متحورة «دلتا» إلى البلاد.
وإذا كانت حالات الإصابة والوفيات هي التي تحتل الصدارة، بلغة الاحصائيات المجردة، للدلالة على وضع آني فإن إنعكاسات الجائحة، الآنية منها وبعيدة المدى، وامتدادها بشكل سريع، يضيف إلى الوضع العام الكارثي، «بيئة مثالية» لتفشي أمراض من نوع آخر. أمراض بالإمكان معالجتها لو توفرت الإرادة السياسية الوطنية وتم تعقيم البلد من ميكروبات الفساد. فالعراق بلد يتمتع بثروة لا تتوفر للدول العربية الأخرى التي تليه في قائمة الإصابة بالفيروس مثل الأردن ولبنان والمغرب. شبح الفقر بعيد إذن والتحجج بقلة الموارد المادية أكذوبة مفضوحة. خاصة وإن تعافي أسعار النفط، عالميا، عزز الإيرادات من مبيعات النفط في شهر حزيران/ يونيو لتتجاوز ستة مليارات دولار للشهر.
إلا أن هذه الثروة سرعان ما تُصبح سرابا، عند الحديث عن مقايضتها بتوفيرالخدمات للمواطنين. وهنا تأتي انعكاسات إنتشار الكورونا المضاعفة، الممتدة أبعد من الحاضر، حين تتزاوج مع التدهور الكلي إلى الحضيض، منذ غزو البلد عام 2003، وتسليم السلطة إلى عراقيين يحكمون بالنيابة.
من ناحية توفير اللقاح وتوزيعه، يأتي العراق في مستوى متدن للغاية. إذ لم يتلق اللقاح بجرعتيه، حتى الآن، غير أربعة بالمئة من المواطنين (مقارنة بدول تقترب من 70 بالمئة من البالغين كتشيلي). مما يعني، إذا ما استمر الوضع على هذا الحال، ستصل نسبة 70 بالمئة من مجموع أربعين مليون من السكان عام 2075.
ويعيش المهجرون والنازحون قسريا (من العراقيين والسوريين ومن بلدان أخرى) البالغ عددهم ستة ملايين ونصف، حسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في شهر حزيران، مأساة مضاعفة. إذ يعانون من عدم القدرة على العمل وكسب العيش بسبب القيود المفروضة على الحركة. مما يعرضهم لقبول أي عمل كان مهما كانت نتائجه، ومعاناة الأكثرية من الصدمات النفسية، والتوتر والقلق، ووقف الأنشطة التعليمية، وتصاعد العنف المنزلي، والاستغلال الجنسي. وقد دفع الاستغلال الجنسي المفوضية إلى إضافة تحذير، بالخط العريض، عند التسجيل للحصول على اللقاح، يبين إنه في حال طلب أي موظف يتبع لجهات فاعلة في العمل الإنساني الاغاثي أو التنموي ـ بما في ذلك وكالات وبعثات الأمم المتحدة أو المنظمات غير الحكومية الوطنية أو الدولية بأي خدمة أو نشاط جنسي مقابل الوعد بتوفير لقاح جائحة كوفيد 19، فإن ذلك يعد ارتكابا لجريمتي الاستغلال والانتهاك الجنسيين.

حققت الحكومات العراقية المتعاقبة نجاحا مذهلا في تلاشي الثقة، حتى بين مؤيديها، جراء إطلاق الوعود الكاذبة، والقرارات التخديرية، وسياسة التزييف المنهجية

من الجانب الحكومي، تُلقي معظم التصريحات مسؤولية انتشار الوباء على قلة وعي المواطنين، وخوفهم من اللقاح وتجاهلهم الإجراءات الحكومية. إلا أنها قلما تتطرق إلى الأسباب الحقيقية وأهمها انعدام الثقة، عموما، بالإجراءات الحكومية، أيا كانت. فمن المعروف إن التحدي الذي تواجهه الحكومات ( حتى الديمقراطية فعلا) لا يقتصر فقط على معرفة السياسات التي يختارونها، ولكن أيضًا في كيفية تنفيذ السياسات، وتعتمد القدرة على التنفيذ بشكل رئيسي على الثقة. بدونها لا أمل في تطبيق أي اجراء حكومي ولو كان لصالح الناس أنفسهم. وقد حققت الحكومات العراقية المتعاقبة نجاحا مذهلا في تلاشي الثقة، حتى بين مؤيديها، جراء إطلاق الوعود الكاذبة، والقرارات التخديرية، وسياسة التزييف المنهجية المبنية على الاستهانة بعقول الناس، فضلا عن اللجوء الى العنف بأشكاله.
وإذا كان التعامل مع الوباء مشكلة عالمية، فإن انقطاع التيار الكهربائي يشكل نموذجا متميزا يُحسب للحكومة العراقية دون غيرها. تجثم المشكلة، القابلة للحل، بثقلها على صدور الناس فتمنعهم من التنفس، وأحيانا الموت من شدة الحرارة، بعد مرور 18 عاما على إطلاق الوعود بالأطنان عن تحسين الوضع. وهناك من الدلائل العلمية ما يؤكد إن عدم توفير الكهرباء وتعريض حياة المواطن للخطر القاتل هو جريمة بحد ذاتها، في بلد ترتفع فيه درجة الحرارة، على مدى ثلاثة شهور كل عام، إلى ما يزيد على الخمسين درجة مئوية. حيث يؤكد العلماء أن درجة حرارة الجسم التي من المفترض ثباتها، ترتفع إذا كانت درجة الحرارة الخارجية مرتفعة للغاية. فيصاب المرء أولاً بالإرهاق الحراري، الذي يتسم بالصداع والغثيان أو الدوار إلى أن يصل نقطة تحول تختلف باختلاف الاشخاص، لكنها تدور حول 42 درجة مئوية إذ يتوقف جدوى التعرق ويمكن أن ترتفع درجة حرارة الجسم، لتصل أحيانا فوق 44 درجة مئوية. مما يسبب الوفاة. ويتضاعف الخطر في محافظة البصرة وحواليها باضافة درجة الرطوبة العالية التي توقف التعرق في منطقة الخليج العربي.
تتجاهل الحكومة هذه الحقائق الواضحة، بدون أن تتخذ أي إجراء فعال، لانقاذ حياة الناس، بل تكتفي باطلاق التصريحات وبعض الإجراءات الترقيعية. ولعل أكثرها إهانة للمواطنين هو الإعلان المبتذل عن تشكيل لجان التحقيق. على هذا المنوال شكل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي لجنة «لفتح تحقيق في حالات التقصير والإهمال في بعض مفاصل وزارة الكهرباء». ونشر تغريدة عن «التحقيق لمعرفة اسباب الانقطاع بالمنظومة الكهربائية للوصول إلى اجابات عن حقيقة ما حصل. هل سببه خلل فني أم عمل إرهابي أم سياسي». وكأن المشكلة طارئة والصيف يحل بالعراق للمرة الأولى، مما يستدعي تشكيل لجنة حكومية للتحقيق في الاسباب، وكأن انتفاضة تشرين / أكتوبر 2019، التي راح ضحيتها مئات المحتجين وجرح مئات الآلاف، حدثت في بلد آخر غير العراق. ولأن كثرة الهم والأسى تدفع الناس إلى السخرية وتبادل النكات دفعا للجنون، كثرت النكات حول الكورونا وانقطاع الكهرباء إلا أن مواقع التواصل الاجتماعي شهدت في الايام الأخيرة إضافة نوعية، برزت مع لجوء الكاظمي الى اطلاق التغريدات تشبها بالرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. الاضافة الجديدة هي الاكتفاء بتوزيع التغريدات الغرائبية بلا تعليق. فهل تحتاج تغريدة مثل «العراق مستعد لتعزيز التعاون مع إيطاليا، في مجال التدريب وتطوير العمل في مكافحة الفساد وغسيل الأموال والجريمة المنظمة والمافيات» لأي تعليق لاثارة الضحك؟

كاتبة من العراق

 

 

مبادرة جمعيات

أمهات الضحايا في العراق

هيفاء زنكنة

 

داخل خيمة صغيرة، في مدينة توسم بالقدسية، اعتصمت أمرأة نحيفة، منهكة الملامح، مجللة بالسواد، تتجمع دموعها في قلبها غضبا ينذر بالانفجار. انفجار أم عراقية ثكلى بابنها.
اسم المرأة المعتصمة هو سميرة. ينادونها أم ايهاب، تكريما للآصرة الأبدية بين الأم والابن/ البنت، في عراق يحترم الأم ويكاد يقدسها. أزالت القوات الأمنية الخيمة، عدة مرات، لأنها باتت مزارا للمطالبين بمعرفة قتل المتظاهرين. صارت أم ايهاب وخيمتها، تجسيدا حيا لشعار «من قتلني» الذي يستمر المحتجون، في عدة مدن، برفعه بصوت واحد لستمائة قتيل، تخضبت أيدي مسؤولي الحكومة بدمائهم، منذ انطلاق انتفاضة تشرين / اكتوبر 2019.
ولايزال المحتجون يتساقطون بينما يتمتع القتلة بالحماية والتكريم. حيث بات كتم الأصوات، اغتيالا، نسغا يمد الميليشيات وأحزابها بمواصلة البقاء والهيمنة. وهذا هو أحد أسباب أغتيال ايهاب الوزني، رئيس تنسيقية الاحتجاجات في كربلاء، جنوب بغداد، من الأصوات المناهضة للفساد وسوء الإدارة، المطالب بوطن يُحترم فيه المواطن ولا يهان، بوطن لا تتنعم فيه فئة لصوص ومجرمين على حساب أبناء الشعب، والحد من نفوذ الميليشيات. صورت كاميرات مراقبة قريبة من منزله لحظة اغتياله، في 9 مايو، كما وثقت أشرطة فيديو عمليات اغتيال ناشطين غيره من قبله. ووعدت القوات الأمنية بمحاسبة القتلة، كما وعدت سابقا، وكما وعد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي شخصيا، لتبقى الجريمة بلا محاسبة، مسجلة ضد مسلحين مجهولين. وإذا كان رئيس الوزراء قد نجح سابقا في طمر الجرائم تحت غطاء وعوده وزيارته لذوي الضحايا، واحتضانه أطفال الضحايا أمام عدسات الكاميرات، واستنكار الجرائم خطابيا، كأنه مسؤول منظمة غير حكومية، وكأن القتلة نزلوا من المريخ، فان مثابرة أم ايهاب على المطالبة بمحاسبة قتلة ابنها، وفق القانون، وعدم رضوخها للضغوط والتهديدات، والقبول بالوعود المعسولة، وزيارة ممثلة الأمم المتحدة جينين هينيس بلاسخارت، يوم الخميس الماضي، يشير الى أن جسد الامبراطور، وليست ملابسه الوهمية فقط، قد تهرأ.
إن موقف أم ايهاب على المستوى العام هو استمرار للحركة الاحتجاجية ومشاركة النساء منذ احتلال العراق عام 2003. نساء العراق اللواتي يقفن أمام المعتقلات والدوائر الأمنية بحثا عن أحبائهن المختفين قسرا والمفقودين، مطالبات بحقوقهن كأمهات وزوجات، منذ عقود. يقفن أيام البرد والحر القائظ انتظارا. فقد يعطف عليهن شرطي أو رجل أمن « شريف» فيهمس لهن بخبر ما يمنحهن الأمل بوجود أحبتهن في أحد المعتقلات أو حتى امكانية العثور على جثة في ثلاجة إحدى المستشفيات. لتبدأ رحلة من نوع آخر. رحلة تقتضي، إذا كان الشخص حيا، ارضاء المرتشين والمبتزين وتحمل إهانات وتهديدات الشرطة وقوات الأمن. وبيع ما يملكن (الجسد أحيانا) لإشباع جشع المجرمين من دعاة حماية الأمن.

استنادا الى تجارب مماثلة في المغرب والجزائر وكولومبيا والمكسيك وتشيلي، من المفيد لأية مبادرة على غرار جمعيات العوائل التعاون مع المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لتحقيق رؤية أوضح واكتساب مصداقية أكبر

أما على المستوى الشخصي، فان موقف أم ايهاب انعكاس لموقف ابنها الذي أقسم حين قيل له إن أعداد المتظاهرين بدأت بالتناقص مع ازدياد حملة الاغتيالات، بأنه سيواصل التظاهر وحده، في بلد الحكومة فيه ظل شاحب لميليشيات تستعرض أسلحتها وقوتها حيثما وأينما شاءت في قلب البلد في العاصمة. وكأنه رسم بذلك مسار حياة أمه بعد اغتياله، أن تعيش حياته. لتعكس بذلك الصورة المتعارف عليها: أن يحمل الأبناء عبء مواصلة طريق الآباء ونقل الإرث من جيل إلى جيل.
وكما اجتمع عدد من الأمهات في ساحة مايو، أمام قصر الرئاسة في وسط بوينس آيرس، عاصمة الأرجنتين، للمطالبة بمعلومات عن مكان وجود أبنائهن المختفين، في ظل النظام القمعي وما سمي «الحرب القذرة» عام 1977، وازاء ازدياد الضغوط الأمنية ومنعها من مواصلة الاعتصام أمام مقر القضاء في مدينتها، دعت أم إيهاب عوائل ضحايا الاحتجاج، خاصة النساء، من أمهات وشقيقات وزوجات، الى مشاركتها الاعتصام. ولبى الدعوة عدد من النساء في محافظات ذي قار وبابل وبغداد. مما يشكل نقطة تحول نوعية أبعد من المطالبة الفردية. فهل بتنا نشهد بذرة إنشاء جمعية أو جمعيات عائلات الضحايا، كما في عديد البلدان المحتلة أو الخاضعة لنظام قمعي، أو تعيش مرحلة العدالة الانتقالية ما بعد انتهاء النزاع او الحرب؟ جمعيات، غالباً، ما يتم تأسيسها من قبل أقارب اشخاص أغتيلوا أو اختفوا خلال بحثهم عن أحبائهم. فبسبب تجاهل المطالب الفردية للعائلات من قبل السلطات، يتكاتف الأهالي معاً للبحث عن أحبائهم وللتحرك من أجل قضيتهم أو محاسبة الجناة.
بالإضافة الى العمل على تشكيل شبكة وطنية للتوعية بخصوص حقوق الضحايا على الصعيدين الوطني والدولي والدفاع عن حقوق عائلات الضحايا في الحقيقة والعدالة. هل من الممكن تأسيس جمعيات كهذه في ظل حكومة تديرها، عمليا، ميليشيات مسلحة مسؤولة عن جرائم قتل وتهديد واختطاف موثقة محليا ودوليا؟ كيف يضمن أفراد الجمعيات سلامتهم وقد عاشوا أنفسهم مأساة اغتيال احبائهم، ومسؤولي الحكومة الذين يفترض اللجوء اليهم لتحقيق العدالة هم أما طرف فعلي في الجرائم أو متفرجون صامتون؟
كيف يمكن لمجموعة نساء التغلب على مشاعر الخوف وهو من أكثر المشاعر تجذرا في الطبيعة الإنسانية وهن يدركن أنه تحذير من خطر حقيقي يهدد حياتهن؟ قد يكون تواجد الأمهات معًا، ووجود محتجين آخرين، مصدر قوة لمواجهة العنف والقمع. عن الخوف تقول إحدى « أمهات ساحة مايو: «في كل مرة وأنا في طريقي إلى الساحة كنت أشعر بالخوف مما قد يحدث، كنت أسمع صوت قلبي وهو يخفق بشدة حتى يكاد أن ينخلع من مكانه، لكن ما أن أصل إلى الساحة وأنضم للأخريات حتى يزول خوفي بل أزداد قوة وإصرارًا على مواصلة النضال».
استنادا الى تجارب مماثلة في المغرب والجزائر وكولومبيا والمكسيك وتشيلي، ومع مراعاة خصوصية وخطورة الوضع في العراق، من المفيد لأية مبادرة على غرار جمعيات العوائل التعاون مع المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لتحقيق رؤية أوضح واكتساب مصداقية أكبر، بالاضافة الى التنسيق حول توثيق الجرائم والعمل على أعداد قاعدة بيانات، توضع على شبكة الإنترنت، من قبل ناشطين مقيمين في الخارج وذلك لأنهم لا يتعرضون للمخاطر الأمنية التي يتعرض لها الناشطون داخل البلد، آخذين بنظر الاعتبار تجنب مطب انتقائية الضحايا والشهداء الذي يعمل وفقه النظام الحالي، بل متابعة قضايا جميع أنواع الضحايا، مهما كانت خلفيتهم القومية أو الدينية، سواء كانوا ضحايا الدولة أو الجماعات الإرهابية أو الميليشيات بأنواعها. وأن يكون الهدف الأساسي هو تحقيق العدالة للجميع والعمل على عدم تكرار الجرائم مستقبلا.

كاتبة من العراق

 

 

كيف أصبح العراق

جزءا من طريق البلقان؟

هيفاء زنكنة

بشكل شبه يومي تعلن الجهات الأمنية بالعراق عن القاء القبض على مهربي ومتعاطي المخدرات، خاصة، في بغداد والبصرة جنوبا وديالى على الحدود العراقية الايرانية. ففي يوم 20 حزيران/ يونيو ألقت قيادة عمليات بغداد القبض على ستة متهمين بتعاطي المواد المخدرة وضبطت بحوزتهم مادة الكرستال. وهو الاسم الشائع للميثامفيتامين، المنشط القوي والمسبب للإدمان بسرعة. وفي يوم 19 حزيران تمكنت مفارز وكالة الاستخبارات والتحقيقات الاتحادية في وزارة الداخلية من إلقاء القبض على مهربين للمخدرات بحوزتهما 10 كيلوغرامات من مادة الحشيشة في البصرة. كما أعلنت وكالة الاستخبارات التابعة لوزارة الداخلية، القبض على تاجر وناقل للمواد المخدرة من إحدى دول الجوار في البصرة. نستخلص من إعلانات القوات الأمنية أن هناك مشكلة متفاقمة يقومون برصدها ومحاولة القضاء عليها، وأن المهربين والمتعاطين تتم معاملتهم بشكل متساو وأن لدول الجوار دورا في انتشار هذه الآفة التي يتم التعامل معها كمشكلة « أمنية».
تثير كيفية التعامل العديد من التساؤلات التي لم يتم الالتفات اليها على الرغم من كثرة التقارير والتغطية الصحافية المحلية والدولية، تساؤلات عن الجهات المستفيدة من زرع وانتشار هذه الآفة بالاضافة الى أسباب سرعة انتشارها في بلد كان نظيفا تماما حتى غزوه عام 2003. وإذا كان العراق معبرا لتمرير المخدرات، في السنوات الأولى من الاحتلال، جراء غياب القانون وتفكيك الدولة، فكيف تطور ليصبح، بالاضافة الى ذلك، الى مستهلك ومصّنع للمخدرات الكيمياوية؟
تشير البيانات في التقرير العلمي « تعاطي المخدرات والكحول في العراق: نتائج مجموعة العمل لدراسة المجتمع العراقي» الصادر 2014، إلى أن المواد الأكثر استخدامًا هي الكحول والحشيش والعقاقير الموصوفة. وتشمل المخدرات الجديدة من نوع الأمفيتامين «كبتاغون» والكريستال ميثامفيتامين، ومسكن الآلام ترامادول مع زيادة استخدام الأفيون الأفغاني والترياك (شكل خام من الأفيون) والهيروين. مما يدل على زيادة حجم الكارثة بمرور الوقت على الرغم من اعلانات القوات ألامنية عن عملياتها الناجحة. فأين مكمن الخلل اذن؟
هناك أسباب عديدة لانتشار استهلاك وتجارة المخدرات من بينها أن مناطق النزاع والحروب مفتوحة أكثر من غيرها لتجارة توازي في مردودها الاقتصادي صناعة السلاح. واستشراء الفساد بين المسؤولين هو عمودها الفقري. الملاحظ اهمال هذا الجانب عند التطرق الى الفساد المنهجي المؤسساتي بالعراق، حيث يتم التركيز على الفساد الاقتصادي الشاسع في مجال النفط، واذا ما أشير الى المخدرات فمن باب كونها مشكلة « مستوردة» بدون ذكر المسؤولين عن استيرادها وكيفية محافظتهم على ديمومتها كأداة للسيطرة على الشعب والتحكم بمستقبل البلد. وقلما ينظر اليها من زاوية دور الاقتصاد غير المشروع في تأجيج الصراعات الطائفية والقومية وتعزيزها، داخل البلد، كما يُهمل النظر الى تجارب شعوب أخرى أثبتت الاقتصادات غير المشروعة فيها والجماعات التي تمكّنها أنها متماسكة للغاية، وقادرة على التكيف، وعرضة لتوسيع نشاطاتها.

استمرار الصراع بين الأحزاب المتنازعة على السلطة وسياسة قمع الأصوات المعارضة، كما نرى في العراق، يعني استمرار الربح من المخدرات وتوفير الحجج لعسكرة قوات الشرطة المحلية

صحيح أن ارتفاع معدلات البطالة وحالة اليأس وانخفاض الفرص، والنزوح وعدم الاستقرار، وما عاشه البلد من حروب واحتلال واستمرار النزاع المسلح والارهاب، يجعل السكان، الشباب والفئات المهمشة خاصة، أكثر تقبلا لتعاطي المخدرات وكذلك لتهريبها والاتجار بها وتصنيعها من أجل كسب المال، إلا أن الترويج الحقيقي وتجذير المشكلة، غالبا ما يتم إما بمساهمة المسؤولين الحكوميين الفعلية أو التغاضي عنها لأسباب يرون فيها تقوية لنفوذهم.
في دراسته المعنونة «في صنع الحرب: مناطق الصراع وانعكاساتها على سياسة المخدرات،» يتناول الباحث تيوزداي ريتانو ما يسميه « نموذج الحكم العنيف» خلال فترة النزاع والصراع المسلح « اذ يتم تحقيق النفوذ السياسي من خلال الوصول إلى الموارد ذات القيمة أو يمكن تحقيق الدخل منها؛ حيث تشتري الموارد دعم المجتمعات المحلية من خلال توفير سبل العيش والوصول إلى النفوذ السياسي الحالي (من خلال الفساد) ؛ وحيث تشتري الموارد أيضا امكانية الحصول على الأسلحة والجنود المشاة (الميليشيات أو الجيوش أو الأمن المدفوع أو «الجيوش»)، والتي يمكن استخدامها بدورها للضغط على المعارضة أو مهاجمتها، وتقويض احتكار العنف، وتأمين السيطرة على الأراضي والأصول، أو ابتزاز الدعم من السكان المحليين».
ولا تقتصر الاستفادة من تجارة المخدرات على الجهات الحكومية بل تتعداها الى الميليشيات بأنواعها المتكاثرة والمنظمات الإرهابية، ويُقدر المركز النرويجي للتحليل العالمي أن عائدات الاتجار بالمخدرات تمثل 28 في المائة من دخلها في مناطق الصراع. معظم هذه الإيرادات لا تأتي من إنتاج أو توزيع المخدرات، أو من وسائل مباشرة أخرى للمشاركة في تجارة المخدرات، ولكن من فرض الضرائب على المخدرات التي تمر عبر الأراضي التي تسيطر عليها الجماعات. هنا تبرز أهمية العراق كمعبر أضيف الى ما يسمى بطريق البلقان المشهورمع وجود حدود طويلة ومفتوحة مع إيران بالاضافة الى تركيا وسوريا من جهة ودول الخليج من جهة ثانية. وحسب مكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة يتم تهريب الهيروين ومصدره أفغانستان الى إيران إما مباشرة أو عبر باكستان ومن ثم الى العراق، عبر البصرة وأربيل، ومنه الى تركيا والأردن.
يساعد انضمام العراق الى طريق البلقان إيران، بشكل خاص، لكسر طوق الحصار الاقتصادي المفروض عليها أمريكيا، كما يوفر مردودا ماليا كبيرا للميليشيات والقوات الأمنية التي تدير المعابر الحدودية، آخذين بنظر الاعتبار ان مردود تجارة المخدرات تزيد على المليار دولار سنويا، وان أفراد الميليشيات، أنفسهم، وخمسين بالمائة من القوات الأمنية ( صحيفة نيويورك تايمز – 25 أكتوبر 2010) يدمنون شرب الكحول والمخدرات كالترياك والكريستال وحبوب الكبتاغون، لأنها تمنحهم الشجاعة والاندفاع وتجاوز الكوابح الأخلاقية. ولعل هذا يفسر نوعية الجرائم الوحشية المرتكبة بلا مبرر احيانا. وكانت الحكومة النازية قد وفرت لجنودها حبوبا تماثل الكريستال، وفقًا لنورمان أوهلر، مؤلف « المخدرات في المانيا النازية» التي ساعدت « الجندي أن يصبح روبوتًا مقاتلًا «. ومعروف ان استخدام المخدرات منتشر بين القوات الأمريكية في كل حروبها، خصوصا منذ حرب الفيتنام، كما يستخدمها المرتزقة او المتعاقدون الأمنيون كما حدث في العراق وأفغانستان.
إن الصراع الممول من المخدرات ليس جديدا فالمخدرات سلع ذات قيمة عالية ومربحة للغاية وقابلة للنقل بطرق سهلة نسبيا في بلد حدوده مفتوحة أو مدارة من قبل جهات مستفيدة من التجارة. واستمرار الصراع بين الأحزاب المتنازعة على السلطة وسياسة قمع الأصوات المعارضة، كما نرى في العراق، يعني استمرار الربح من المخدرات وتوفير الحجج لعسكرة قوات الشرطة المحلية. ولن تتمكن الحكومة الحالية، مهما نشرت من بيانات حول إلقاء القبض على المدمنين والتجار، من وضع حد للمشكلة لأنها سبب المشكلة.

كاتبة من العراق

 

 

يوم صارت أصوات

الضحايا العراقيين حجارة

هيفاء زنكنة

 

خلال أسبوع واحد، أصدرت أربع منظمات دولية تقارير وبيانات عن استمرار النظام العراقي بقمع واستهداف المتظاهرين. واجه النظام التقارير الموثقة بطريقتين، الأولى هي الصمت والتجاهل والثانية اطلاق رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي وعودا جديدة الى أن زار مدينة الناصرية، جنوب العراق، يوم السبت الماضي.
لابد أن الكاظمي توقع أن يستقبل بالهوسات الشعبية، وربما اطلاق النار في الهواء، ترحيبا بزيارته الناصرية، جنوب العراق، خاصة وأن غرض الزيارة هو تدشين جسر. وهو حدث نادر، إذا ما تحقق فعلا، في زمن المشاريع «الفضائية» أي الافتراضية، والفساد المستدام. الا أن المحتجين من سكان المنطقة الذين عانوا الأمرين من عدم الاستماع لمطالبهم فيما يخص الخدمات الأساسية، والارهاب الحكومي المتمثل بالتهديد والاختطاف والقتل، حاصروا الكاظمي مطالبين بالكشف عن قتلة النشطاء السياسيين والمحتجين في الحراك الشعبي الموحد، الذي تجدد يوم 25 أيار/ مايو، تضامنا مع بغداد وبقية المدن، تحت شعار « من قتلني؟». هاتفين بأصوات 565 متظاهر قتل منذ انطلاق انتفاضة تشرين/ أكتوبر 2019، بالاضافة الى عشرات النشطاء الذين أغتيلوا « على يد مجهولين».
هرب الكاظمي، محاطا بحراسه الأمنيين، بعد أن بدأ عدد من المحتجين رشق موكبه بالحجارة وليس الرصاص الحي الذي تستخدمه «القوات الامنية» ضد المحتجين، بأمرة القائد العام للقوات المسلحة، أي الكاظمي، الذي كان على رأس قائمة وعوده، عند تسلمه السلطة، تشكيل لجنة للتحقيق بمحاكمة المتورطين في قتل المتظاهرين والناشطين. كالمعتاد، دُفنت اللجنة تحت ركام المآسي اليومية التي يعيشها المواطن. ولم يتم تقديم أي متهم للقضاء حتى الآن. واضيف قتل المتظاهرين الى سلسلة الجرائم والانتهاكات التي تعاود المنظمات الحقوقية العراقية والدولية التذكير بتاريخ حدوثها والمطالبة بمعرفة نتائج التحقيق فيها.
فمنذ أيام أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرا بمناسبة مرور خمس سنوات على ما حدث في الصقلاوية. استهلت المنظمة التقرير بصورة لصبي، في وثيقة نجد فيها المعلومات التالية « محل وتاريخ ولادة حامل الشهادة : الصقلاوية ـ الفلوجة. الدين : مسلم «. وعند مواصلة القراءة سنجد ان هذا الصبي هو واحد من 1300 رجل وصبي، اقتادتهم ميليشيا» الحشد الشعبي» المسلحة، وهي جزء من القوات المسلحة العراقية، تعمل بأمرة الكاظمي، قانونيا، صباح الثالث من يونيو/حزيران 2016 بعيدا عن عوائلهم في منطقة الصقلاوية في محافظة الأنبار. وعند غروب الشمس، صعد ما لا يقل عن 643 رجلاً وصبياً إلى حافلات وشاحنة كبيرة.
أثار الاختطاف ضجة كبيرة أجبرت رئيس الوزراء آنذاك، حيدر العبادي، على تشكيل لجنة للتحقيق في حالات الاختفاء والانتهاكات المرتكبة في سياق العمليات العسكرية لاستعادة السيطرة على الفلوجة. كان ذلك في 5 يونيو/حزيران 2016، ولم يتم الإعلان عن النتائج التي توصلت إليها اللجنة. ولم ترد السلطات العراقية على طلب منظمة العفو الدولية للحصول على معلومات في ذاك الوقت. ولم يسمع ذوو الـ 643 رجلا وصبيا أي خبر عنهم على الرغم من مرور خمس سنوات على اختطافهم وتشكيل اللجنة التحقيقية بأمر رئيس الوزراء.

إذا كان عام 2020 قد تميز بقتل واختطاف المتظاهرين، فان بقية الانتهاكات الصارخة لم تنته بل تجذرت أعمق فأعمق في ممارسات النظام، ومن بينها تفشي استخدام التعذيب

وتلاقي منظمة « هيومن رايتس ووتش» الدولية، التي توثق حالات الاختفاء القسري في جميع أنحاء العراق منذ عقود، جدار الصمت ذاته الذي تصطدم به منظمة العفو الدولية عند تعاطيها مع النظام فيما يخص حقوق الإنسان. ففي عام 2018، اصدرت تقريرا موثقاعن 78 رجلا وصبيا تم إخفاؤهم قسرا بين أبريل/نيسان 2014 وأكتوبر/تشرين الأول 2017. وفي يونيو/حزيران 2018، أرسلت المنظمة استفسارا يتضمن قائمة بأسماء عشرات الأشخاص المخفيين، بالإضافة إلى التواريخ والمواقع التقريبية التي شوهدوا فيها آخر مرة، إلى حيدر العكيلي، مستشار حقوق الإنسان في المجلس الاستشاري لرئيس الوزراء، لكنها لم تتلق قط أي رد رسمي.
وفي تقريرها الأخير المعنون « العراق احداث 2020» أشارت المنظمة الى ظاهرة اطلاق الوعود الصوتية من قبل مسؤولي النظام خاصة رئيس الوزراء، مستهلة التقرير بالقول «رغم تكرار الوعود بمعالجة بعض التحديات الحقوقية في العراق، لم تتمكن حكومة مصطفى الكاظمي، التي استلمت الحكم في مايو/أيار 2020، من إنهاء الانتهاكات بحق المتظاهرين، حيث تستمر الجماعات المسلحة بالإفلات من العقاب لممارسة الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون بحق منظمي المظاهرات ومنتقدي النخبة السياسية في العلن». وإذا كان عام 2020 قد تميز بقتل واختطاف المتظاهرين، فان بقية الانتهاكات الصارخة لم تنته بل تجذرت أعمق فأعمق في ممارسات النظام، ومن بينها تفشي استخدام التعذيب والاعترافات القسرية في نظام العدالة الجنائية. ويواصل النظام تنفيذ الإعدامات القضائية رغم الانتهاكات الجسيمة للإجراءات القانونية الواجبة. اذ ينفذ العراق أحد أعلى معدلات الإعدام في العالم، إلى جانب الصين وإيران والسعودية. في أغسطس/آب 2019 أصدرت وزارة العدل بيانات أظهرت أن 8.022 محتجزا ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام.
وغالبا ما لايعرف أهل المعتقلين الجهات المسؤولة عن الاعتقال التعسفي على الرغم من مطالبة المنظمات المحلية والدولية بالكشف عن الهياكل الأمنية والعسكرية التي لديها تفويض قانوني لاحتجاز الأشخاص، وفي أي منشآت.
وبينما طالبت بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) الحكومة بتقديم معلومات عن التحقيق والملاحقة القضائية في الجرائم المرتكبة ضد المتظاهرين والمنسوبة، غالبا، الى «مجهولين» أصدر مركز جنيف الدولي للعدالة تقريرا حول تلقيه فيديوهات توثق إنتهاكاتٍ بشعة لفصائل الحشد الشعبي، وتحديداً منها ميليشيا عصائب أهل الحقّ، يقوم أفرادها بعملياتٍ قتلٍ جماعية لعددٍ من المدنيين. ويؤكدّ المركز إنّ الإنتهاكات المصوّرة ترقى إلى جرائم ضدّ الإنسانيّة، مما يتوجب على مجلس حقوق الانسان، بالامم المتحدة، إرسال بعثة تحقيق دوليّة للتحقيق في هذه الجرائم والضغط على السلطات لحلّ الميليشيات وتقديم قادتها الى القضاء الجنائي الدولي. بالاضافة الى تعيين مقرّر خاص لحالة حقوق الإنسان في العراق، يكلّف بالكشف عن كل الانتهاكات المُرتكبة منذ الغزو الأمريكي عام 2003 ولحد الآن.
هل ستغير هذه التقارير المعززة باسماء الضحايا وفيديوهات القتل البشع للمدنيين، من الوضع اللاإنساني الذي يغلفه النظام العراقي بالصمت؟ لهذه التقارير أهمية بالغة من ناحيتين. الاولى توثيقية ستساعد على تحقيق العدالة للضحايا وذويهم مستقبلا. والثانية توعوية لأيصال الصورة الى شعوب العالم، خاصة شعوب الدول التي نفذت غزو واحتلال البلد، ومهدت الارضية لنمو الفساد والارهاب، لحثها على التضامن مع الشعب الذي تم غزوه باسمها. أما التغيير، فان منبعه سيبقى هو الشعب العراقي نفسه بوحدته وايمانه بالعدالة والاستقلال والعيش الكريم للجميع.

كاتبة من العراق

 

 

إزار أم محمد ومعنى

تمكين المرأة العراقية

هيفاء زنكنة

 

اذا كان المفترض من انتشار وباء فيروس كورونا هو اقامة الجدران الكونكريتية حول الأفراد والمجتمعات، بين الدول، في أرجاء العالم، بذريعة «التباعد الاجتماعي» فان الإنسان الذي طالما عُّرِف بأنه حيوان اجتماعي، نجح بحفر ثقوب في الجدران، ليتواصل مع أبناء جنسه، تأكيدا لهويته الاجتماعية. فصار بامكانه، وهو جالس في بيته، زيارة أبعد الأماكن في أقصى الكرة الأرضية ويلتقي بأشخاص ما كان يحلم بلقائهم، سابقا، جراء البعد الجغرافي أو التكلفة المادية أو الحظر السياسي. صار الـ«زوم» وآليات التواصل الاجتماعي الإلكترونية الاخرى نافذة مفتوحة للجميع، يطلون منها على عوالم، كانت في غرف مغلقة تسمى الدول، لا تُفتح ابوابها الا للنخبة ممن يتحكمون بنقاط التفتيش والحدود والرقابة.
عبر الزوم، كثرت اللقاءات والاجتماعات، بأنواعها. من الفردية الى العامة. فاتسع الفضاء العام، إيجابيا، للناشطين لتبادل الآراء وتشجيع المبادرات. لم يعد اطلاق كتاب من تأليف أسيرة فلسطينية محررة مقتصرا على دار النشر في مدينتها المحاصرة من قبل الصهيوني الاستيطاني، أو متابعة مبادرة إنسانية أو فنية محصورا في بقعة جغرافية لا يسمع بها أحد.
هذه الإمكانية الهائلة بالانفتاح وعبور حدود البلدان، وتجاوز قيود السفر ومخاوف نقل العدوى، نقلت مجموعة من المهتمين بالفنون اليدوية التقليدية، المنتمين الى بلدان مختلفة، الى مدينة البصرة، جنوب العراق. حيث أقامت كلية الفنون الجميلة، بجامعة البصرة أمسية للتعريف بـ (إزار أم محمد) أدارها الاستاذ ياسين يامي. والإزار أو «الشف» هو نوع من السجاد المنسوج، يدويا، ليستخدم اما للفرش على الارض أو الأسرة أو الارائك. وأم محمد (التفات خريجان) هي مديرة مشغل لإنتاج السجاد والبسط والأُزر في مدينة السماوة، جنوب العراق. تحدث في الامسية الفنان رشاد سليم وهو من اوائل مشجعي المشغل ومنتجاته.
يمثل المنتج الرائع للمشغل، بألوانه الزاهية المميزة للمنطقة، إحياء لموروث حرفي أصيل برسوم عفوية تماثل رسوم الاطفال وتصنيع يدوي بالغ الدقة. لا تتدخل فيه الآلة اطلاقا من لحظة تجميع صوف الغنم وغزله، الى تلوينه ونسجه.

مبادرات الأفراد في المؤسسات الحكومية، ومبادرات أصحاب الأعمال او العقارات، كما مبادرات الجامعات والمدارس، قد تكون أفضل ما يستطيعه البلد في ظروف خراب الدولة وسياسييها

ويستغرق العمل في السجادة الواحدة أكثر من ثلاثة أو أربعة أشهر. يعاني المشغل، على الرغم من حرارة الاعجاب بالتجربة والمنتوج، عدة مشاكل. أهمها قلة الرعاية والاهتمام، وضعف التسويق وتراكم الانتاج. مما يؤثر بشكل سلبي على حياة النسّاجات ومستوى العيش الكريم، اذ ان أغلبهن من الأرامل والمطلقات والمعوزات اللواتي يعتمدن، بشكل أساسي، على ما يدره عملهن، الذي لا يختلف اثنان في قيمته الجمالية والتراثية وصعوبة انجازه. فاذا كان المنتج، بهذه الأهمية، كما تحدث عنه منظمو الأمسية والمشاركون فيها باعجاب وحماس، فلم لا يتم تبني المشروع حكوميا، وتوفير الدعم له من ناحيتي الترويج والتسويق؟ خاصة وأنه مشغل تديره وتعمل فيه مجموعة من النساء، كما تتلقى فيه نساء أخريات التدريب العملي، لما قد يكون سلسلة من ورشات تدريب وتوفير فرص العمل للنساء في مدن أخرى؟ وهي نقطة مهمة جدا. اذ أن معدل البطالة مرتفع في العراق، ومازال معدل المشاركة في قوة العمل متدنيا، لاسيما بين النساء والشباب. فحسب تقرير للبنك الدولي لا يشارك في قوة العمل سوى 15 بالمئة، فقط، من النساء، في سن العمل. وهذه النسبة أقل من النسبة المتدنية، بالفعل، على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا البالغة 22 بالمئة. وبالنسبة للشباب في الشريحة العمرية 15 – 29 سنة، نجد أن 72 بالمئة من النساء و18 بالمئة من الرجال إما خارج المدرسة أو لا يعملون. ويلخص البنك الدولي وضع المواطن المعيشي في البلد بأنه «تراجع التنمية البشرية ومؤشرات الخدمات العامة، ومعايير الرعاية الصحية، ومتوسط العمر، وجهود محو الأمية، وزيادة مؤشرات الفقر».
ولأن للمرأة النصيب الأكبر في التدهور التعليمي والصحي العام ووقوعها في براثن الفقر المدقع، وحاجتها الماسة الى العمل، أيا كان، في العراق اليوم، قد يتبادر الى الأذهان أن الجهات الرسمية والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني الممولة دوليا، ستسارع الى تبني ودعم اي فرصة توفر للنساء التدريب والعمل، خاصة وأنها تصرف مبالغ خيالية على ادارة لقاءات وندوات في فنادق فخمة لمناقشة «تمكين المرأة».
ويكاد لا يخلو أي تقرير عن المرأة في الريف، التي تشكل حوالي ثلث نساء العراق، عن التوصية «بدعم المرأة الريفية من خلال منح القروض الصغيرة وتسويق الانتاج ودعم المنتجات الريفية والاعمال اليدوية». فما هو معنى «تمكين المرأة» إن لم يبدأ في مكان تجد فيه المرأة عملا تحقق فيه ذاتها، وتعبر فيه عن مشاعرها؟ هل هناك ما هو أكثر تمكينا للمرأة من عمل يهبها الافتخار بجمالية المنجز بالاضافة الى تحسين وضعها المادي؟ أليس من المفترض، في هذه الحالة، أن تحظى ورشة « إزار أم محمد « المعنية بتدريب نساء ريفيات على انجاز منتج فني تراثي، يدرأ الفقر، بالاضافة الى تعليمهن القراءة والكتابة، ويجدن فيه متنفسا للقاء والتواصل والتطور، بأولوية الدعم والتشجيع، وأن تكون الورشة نموذجا عمليا، نابعا من صميم المجتمع، يحتذى به في أرجاء البلد؟ أم ان هذا هو، بالضبط، ما لا يراد تحقيقه؟
أثناء أمسية الزوم تبرع علي الكناني، رئيس كلية الفنون الجميلة بالبصرة، بتوفير مكان لعرض منتجات الورشة في مجمع تجاري وتكريم أم محمد في الجامعة. وهي مبادرة مشجعة ستمد فنانات الورشة بالدعم المعنوي. وتبقى مشكلة الترويج والتسويق ازاء انتشار السجاد المستورد الأرخص سعرا لأنه مصنوع آليا. معالجة هذه المشكلة تحتاج حملة وطنية لدعم المنتوج الوطني وقبل ذلك رعايته وتدريب الجيل الجديد حرصا على استمراريته والتأكد من نوعيته. والى أن يتم ذلك، بامكان المسؤولين الافراد في الجهات الحكومية بما لديهم من مجال للقرار، في عديد الدوائر المحلية وفروع الوزارات والمديريات، اتخاذ خطوات بسيطة لن تكلفهم الكثير لكنها ستساهم بانقاذ ورشة الإزار واستمراريتها. تتلخص هذه الخطوة بشراء منتجات الورشة التي لا تضاهى بجمالها ودقة نسجها، وعفوية رسومها، وتوزيعها كهدايا لضيوف المؤتمرات الأجانب ( وما أكثر المؤتمرات الخاصة بالمرأة) بالاضافة الى توفير فرص عرضها في الاماكن السياحية والمطارات، او في تأثيث غرف ضيافتها كما نرى في بلدان المغرب العربي.
والموضوع الأوسع هنا أن مبادرات الأفراد في المؤسسات الحكومية، ومبادرات اصحاب الأعمال او العقارات، كما مبادرات الجامعات والمدارس، قد تكون أفضل ما يستطيعه البلد في ظروف خراب الدولة وسياسييها. فطاقات العراق في جميع ابنائه وبناته. وقد تكون المبادرات المحلية في كل مجال، من الاقتصاد الى الثقافة والخدمات، إذا انتشرت، من أهم مسارات تعافينا.

كاتبة من العراق

 

 

أي عراق يريده المتظاهرون؟

 

هيفاء زنكنة

 

في ظل جريمة الاحتلال الصهيوني الاستيطاني ضد الشعب الفلسطيني، يواصل عدد من الأنظمة العربية، من بينها سوريا والعراق، ارتكاب الجرائم ضد شعوبها بشكل مستديم، لكنه أقل ضجيجا، وأكثر استفادة من ورشات تغليف الممارسات الإجرامية بالديمقراطية. وبينما تنشغل الشعوب العربية بالنزول الى الشوارع تضامنا مع الشعب الفلسطيني، والهتاف بصوت عال أن حكومات التطبيع مع الكيان الصهيوني لا تمثلها، تلتقط الأنظمة القمعية كل من ترى فيه نبلا إنسانيا لتغتاله. ولعل واحدة من أقسى الصور الدالة على لا إنسانية نظام ما، هي تلك التي صاحبت آخر المظاهرات والاحتجاجات العراقية، يوم 25 مايو، ومطلبها الرئيسي هو الكشف عن قتلة المتظاهرين. يومها رفع المتظاهرون السلميون صورة متظاهر شاب يحمل صورة متظاهر قُتل في تظاهرة سابقة. يومها، قُتل ثلاثة متظاهرين وجرح المئات، حين أطلقت القوات الحكومية الرصاص على المتظاهرين العُزل، لتضاف الى قائمة الضحايا أسماء جديدة، في بلد بات فيه القتل سلاحا حكوميا – ميليشياويا مشروعا.
في العراق، بوجود النظام الحالي، لم يعد لهوة الحضيض الأخلاقي والإنساني قاع. حيث تتفكك أكذوبة الديمقراطية وانتخاباتها، يوميا، مع تزايد ضحايا المظاهرات والاعتصامات في أرجاء البلد، ومع استشراء الفساد المُهدد لبنية المجتمع وسيولة الولاء. وصل الانحدار حدا تلاشت فيه « العصمة» الانتقائية التي يقدمها ساسة النظام لمتظاهري هذه المدينة لأنها «مقدسة» أو شرعنة للقتل في تلك المدينة لأنها «إرهابية». إذ نجح النظام الفاسد في تحقيق المساواة للمواطنين، جميعا، بلا استثناء، في حق السقوط ضحية للاغتيال. ليس هناك ما يحمي المتظاهر المطالب بالكشف عن قتلة المتظاهرين في بلد بلا حكومة وبلا قانون. واستديوهات أجهزة الإعلام مفتوحة على سعتها لاستقبال ساسة يعرف الكل مدى انخراطهم بالفساد وجرائم الاغتيال، ان لم يكن بشكل مباشر فصمتا وتسترا. والمفارقة التي يدفع ضحايا الاحتجاجات ثمنها، غاليا، أن ينجو القتلة بجرائمهم، أمام الملأ، لأنهم يتمتعون بحماية أقوى بكثيرممن يقدمون أنفسهم كرؤساء للحكومة وحماة للقانون.
كما حدث في اليوم التالي لمظاهرات 25 مايو الحالي، حين أصدر رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي أمرا بالقاء القبض على المدعو قاسم مصلح، بتهمة اغتيال الناشط إيهاب الوزني، رئيس تنسيقية الحراك الشعبي، قرب منزله في محافظة كربلاء جنوبي العراق. كان القتيل معروفا بموقفه من الميليشيات المدعومة إيرانيا. أعتقل قاسم مصلح، القيادي في ميليشيا الحشد الشعبي، وهو قائد سابق للواء «علي الأكبر» التابع لحشد العتبات الذي تديره المرجعية الشيعية مباشرة، بعد أن أقامت عائلة الوزني، الدعوى ضده ويبدو أن القتيل كان قد أودع لدى عائلته قائمة بأسماء الأشخاص الذين هددوه سابقاً. تأكيدا للأمر، أصدر الكاظمي بيانا جاء فيه أن إلقاء القبض تم بأمر القائد العام للقوات المسلحة مذكرة قبض قضائية وفق المادة 4 إرهاب وبناء على شكاوى بحقه. إلا أن بقاء المتهم رهن التحقيق لم يدم غير ساعات إذ « قامت سلطات عراقية بإطلاق سراحه» ونقله سالما آمنا الى منزل رئيس هيئة الحشد الشعبي. مما أوضح من هو مالك السلطة الحقيقية في البلد.

الهوية الوطنية وتآخي قوميات وأديان العراق وعمق ثقافته وتاريخه، أقوى من أن تمحى. إنه جيل إستعادة العيش سوية، كمواطنين متساوين، بغض النظر عن الجنس والعرق والدين

هذه «السلطات العراقية» عاملت المطالبين بمساءلة قتلة المتظاهرين بطريقة مختلفة تماما. حيث لم تتوان عن إطلاق الرصاص الحي عليهم، والاعتداء عليهم، وترى انتهاكاتها ضرورية في سيرورة بدأت منذ انتفاضة تشرين / اكتوبر 2019 وحتى اليوم، ليزداد عدد الضحايا، بشكل طردي، مع تهرؤ قناع الاصلاحات الموعودة، ومع استبدال وجه رئيس وزراء بآخر، في حكومات احتلال متعاقبة موسومة بأنها» منتخبة». وكان أحد اعضاء المفوضية العليا لحقوق الإنسان قد تحدث عن وجود 89 محاولة اغتيال لنشطاء وإعلاميين بالإضافة الى التهديدات. ويأتي توقيت ارتكاب هذه الجرائم مع تكسر الاسطوانة المشروخة عن «محاربة الإرهاب» و «خطر داعش» و«القاعدة» و«أزلام النظام السابق». لتحل محلها، بشكل تدريجي، بين عامة الناس، توصيفات « الفساد» و«الطائفية» و« الميليشيات» و«العمليات الخاصة» و« الفصائل الولائية».
ليس هذا ما يريده المواطنون. لم يكن مطلبهم، لا في الماضي ولا الحاضر، تبديل الإرهاب بإرهاب آخر أو المسميات والتصنيفات بأخرى. ما يريده المواطن هو أساسيات بناء الحياة الكريمة من صحة وتعليم، وحقوق توفر له ولأبنائه مستقبلا آمنا في ظل قوانين تطبق على الجميع بلا استثناء. فكيف يحقق ذلك وهو يكاد يختنق في وضع تتحكم به عصابات تتنازع فيما بينها على المكاسب وتتوحد في احتقارها واستهانتها للشعب. هناك مشاريع وبرامج ومبادرات تحت شعارات مشجعة يتم تقديمها، بين الحين والآخر، من مجموعات وحركات ومنظمات، كحل للوضع الكارثي في البلد. هناك قوائم من احزاب جديدة أو قديمة بمسميات جديدة. المظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات مستمرة في ساحات المدن المختلفة. يحاول كل منها طرح مشروعه ومطالبه وفق منظوره. في ذات الوقت الذي لم يبرز فيه مشروع وطني موحد يهدف الى تحرير أرض الوطن من الاحتلال، بأنواعه، والكفاح ضد أشكال الاستغلال وسلبه كرامته وحقه في الحرية. علينا أن نواجه حقيقة أن عملية استبدال رؤساء الوزراء كما في استبدال عادل عبد المهدي برئيس المخابرات الكاظمي لم يكن نصرا للمعتصمين، بل مناورة حلول نجح ساسة النظام في تمريرها لتمديد حياة النظام.
هذا لا يعني أن انتفاضة تشرين لم تحقق شيئا. فقائمة انجازاتها الإيجابية طويلة ولعل أهمها أنها منحتنا لمحة ( بالمعنى التاريخي للمحة) لما يجب أن يكون عليه العراق، بجيل جديد طليعته شباب مثقف يُدرك خطورة الطائفيين، يسعى لأن يرى العراق متشافيا متعافيا من الفساد والولاءات الخارجية وسياسات التجهيل، وبقية الأمراض التي زرعها المحتل في تربة أجهدتها سنوات الاستبداد والحصار. جيل ينهض لأنه يحمل روح نضال التحرير من الاستعمار وقادر، في الوقت نفسه، على غربلة خطايا وأخطاء الفترة اللاحقة. ليثبت أن الهوية الوطنية وتآخي قوميات وأديان العراق وعمق ثقافته وتاريخه، أقوى من أن تمحى حتى لو تعاون المحتل والمستبد المحلي سوية. إنه جيل إستعادة العيش سوية، كمواطنين متساوين، بغض النظر عن الجنس والعرق والدين.

كاتبة من العراق

 

 

استحضار الوضع العراقي

حين نقرأ النصر الفلسطيني

هيفاء زنكنة

 

لقد حققت فلسطين القلب والروح، خلال 11 يوما، انجازا هائلا، كلل مواصلة النضال، بتكلفة نعرف جيدا أنها باهظة.
أراد العدو، خلالها، أن تكون حياة الأطفال والكبار حجرا يُثقل الاحساس بالكرامة والحرية، فيجّر الشعب الذي قارع الاحتلال والظلم والاستهانة على مدى 73 عاما، الى قاع الاحباط واليأس والاستسلام، ففشل. استخدم العدو، بالإضافة إلى القوة العسكرية، كل آليات الخداع والتزييف. من تصنيف الفلسطيني إرهابيا الى اختزال الاحتلال وارهابه الى « نزاع» بين إسرائيل الأوروبية الديمقراطية وحماس الإرهابية، الى التذكير المستمر بمعاداة السامية ومظلومية المحرقة. وكأن الفلسطيني هو الذي قاد الأوروبي اليهودي الى المحرقة، وليس الاوروبي النازي، فتوّجب لتحقيق العدالة، وفق منظور الكيان الصهيوني، تجميع الحطب لحرق الفلسطيني.
أثبتت مجزرة 11 يوما الأخيرة هشاشة هذه المحاججة، وليس محوها تماما. فهي معين ضروري لاستمرارية الوجود الصهيوني. دٌفن بعضها تحت ركام المباني التي هدمها القصف المنهجي ومعه ملامح الهالة الإعلامية التي نسجها الصهاينة عن «حق الدفاع عن النفس» وانتقائية حق الحياة لكيان بُني على أغتصاب أرض وتهجير شعب وسياسة الإبادة. أوقفت ايام القتل الوحشي الكيان الصهيوني عاريا أمام العالم : قوة استعمارية عنصرية، بدعم من امبريالية تتغذى على الاستغلال والحكام المستبدين.
إزاء ذلك العري، تعالت الأصوات المطالبة بالعدالة. بمختلف الأساليب والإمكانيات. من النزول الى الشارع الى الهاشتاغ وكل مواقع التواصل الاجتماعي. من الكتابة واجراء المقابلات والندوات مع المحاصرين في غزة وشيخ جراح عبر الزوم الى الغناء وأناشيد الاطفال الى الابتسامة والضحكة بوجه من يريد قتل الابتسامة والضحكة. لم تعد المقاومة المسلحة ومن جهة واحدة هي السلاح الوحيد. اتفق الجميع في فلسطين اولا وفي أرجاء العالم ثانيا، على دفع الخلافات جانبا، وأن يعيدوا لجوهر النضال ألقه: لكي تصبح فلسطين حرة، كما تهتف الأصوات وتُرفع الشعارات، فلسطين بحاجة الى كل مستويات المقاومة.
لقد حققت فلسطين القلب والروح انجازا هائلا تبدى بخروج مئات الآلاف من الناشطين والمؤيدين، من جميع أرجاء العالم الى الشوارع تضامنا مع الحق الفلسطيني بالتحرير. جمعهم تكبير «فلسطين حرة». من البلاد العربية الى اوروبا وأمريكا اللاتينية الى أمريكا. مع كل صوت وكل فعل تضامني مع نضال الشعب داخل فلسطين، يترهل خطاب «معاداة السامية» و«الإسلاموفوبيا» الذي يصب العرب والمسلمين عموماً في قالب الإرهاب والهمجية. وتتعرى السردية الصهيونية. هذا ما عشناه، في الاسبوعين الأخيرين، فكيف البناء على هذه الأرضية الخصبة من التضامن مع الصامدين؟ كيف نسقي النبتة لتنمو وتتبرعم وتزدهر ؟ كيف نجنبها الجفاف؟
يأتي التساؤل مشوبا بالمخاوف والحرص على ما أُنجز واستعادة تفاصيل، تحمل بعض الشبه من الماضي القريب. تفاصيل ايام الاحتجاجات المليونية المناهضة لغزو العراق، والتضامن العالمي المذهل الذي سبق الاحتلال في آذار/ مارس 2003.

مع كل صوت وكل فعل تضامني مع نضال الشعب داخل فلسطين، يترهل خطاب «معاداة السامية» و«الإسلاموفوبيا» الذي يصب العرب والمسلمين عموماً في قالب الإرهاب والهمجية، وتتعرى السردية الصهيونية

أيامها، خرج الى الشوارع 35 مليون مواطن عربي وعالمي احتجاجا وغضبا ضد مخطط الإدارة الأمريكية لغزو العراق وتضامنا مع الشعب العراقي. احتل المتظاهرون الشوارع بعدة مدن عربية من بينها ليبيا ومصر ولبنان والأردن وسوريا وتونس والمغرب. ووقعت اشتباكات بين المتظاهرين و«قوات مكافحة الشغب» في القاهرة والأردن. هدفت المظاهرات الى محاصرة السفارتين الأمريكية والبريطانية، وقام المتظاهرون بحرق العلم الأمريكي. كما طالبوا، في عدد من الدول، من بينها مصر، بطرد سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل. ووحدت ادانة «الصمت العربي» المحتجين، باستثناء مدن الدول الخليجية التي خلت من المتظاهرين. عالميا، احتشد في شوارع أثينا أكثر من مئتي ألف متظاهر، كان من بينهم ( كما في مظاهرات التضامن مع فلسطين) عدد كبير من الطلاب وصفوا الرئيس الأمريكي جورج بوش «بالقاتل» ( كما يتم وصف نتنياهو حاليا). في اليوم نفسه كانت هناك مظاهرات في باكستان، ومدن أستراليا، وإندونيسيا وأنقرة، وموسكو وباريس وعديد المدن الألمانية. وتظاهر آلاف الطلاب الذين أضربوا عن الدراسة في الدنمارك وسويسرا وإسبانيا ونيويورك، وأعلنت النقابات العمالية الاضراب في إيطاليا. وتم تشديد إجراءات الأمن المفروضة على السفارات والقنصليات الأمريكية حول العالم ( كما سفارات الكيان الصهيوني المخندقة حاليا).
استمدت الحركة التضامنية العربية ـ العالمية قوتها من المقاومة العراقية، المعادل الموضوعي للاحتلال. كانت التكلفة، كما في فلسطين، باهظة الثمن. واتهمت المقاومة، كما في فلسطين، بالإرهاب. وتسلل الى النسغ الوطني داء التمزيق الاستعماري الجديد: الطائفي – العرقي المعجون بالفساد والعملاء المحليين.
وعلى الرغم من نجاح المقاومة في وقف توسع المد الامبريالي الى دول أخرى وحققت ما تنبأ به النائب البريطاني جورج غالاوي، أثناء المظاهرات، قائلا: «إذا بعث بوش نصف مليون جندي إلى العراق، جميعهم من الأمريكيين، لا يسانده غير رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، فسينتهي به الأمر في الجحيم وسيعود الكثير من الأمريكيين إلى بلادهم في حقائب بلاستيكية» الا أن المقاومة لم تنتصر. وكانت نقطة الضعف الكبرى هي عدم توصل فصائل المقاومة الى اتفاق للعمل سوية من أجل التحرر الوطني. استغل العدو نقطة الضعف هذه، مع تنصيب ودعم حكومات تدين بولائها له. فأدى غياب الاتفاق الوطني، وتوسع حلقة المستفيدين من النظام الطائفي الفاسد، الى تفريخ احتلالين بدلا من احتلال واحد. وتحولت أرض العراق الى ساحة لاستعراض القوة والتفاوض بينهما، بينما يلوك ساسة النظام علكة « الديمقراطية» في البرلمان، وأجهزة الإعلام، ومؤتمرات الدول المانحة، وبرامج الإعمار، وورشات اعداد القياديين، والدفاع عن حقوق الإنسان، ومحاربة الارهاب. دفع العراقيون ثمن هذه التوليفة السامة ما يزيد على المليون مواطن خلال 18 عاما، ولم تُسدد فاتورة الحساب بعد، اعتقالا وتعذيبا واختطافا وقتلا، غالبا، ما يتم تصويره ونشره ترويعا لكل من يحاول رفع كمامة الاختناق عن فمه.
إن استحضار الوضع العراقي بنقاط قوته وضعفه، بمقاومته وعملائه، بما أحاطه من تزييف وأكاذيب لتبرير غزوه واحتلاله، واستقطابه حملات التضامن الشعبي العربي والعالمي، لا يعني بالضرورة تطابقه مع الوضع الفلسطيني، إلا أن هناك بعض الملامح العامة التي قد يكون من المفيد القاء نظرة عليها، اذا ما أردنا ديمومة الانجاز الفلسطيني حتى النصر وتحويل ايماننا بالعدالة والحرية الى واقع بلا احتلال.

كاتبة من العراق

 

 

النكبة هي ألا نقاوم

هيفاء زنكنة *

 

خرج يوم الأحد، يوم النكبة، 15 أيار/ مايو، مئات الآلاف من المتظاهرين، الى الشوارع، في جميع أنحاء العالم، من كل القارات، مطالبين بتحرير فلسطين من احتلال الكيان العنصري، وانهاء قصف غزة، وانقاذ «شيخ جراح» من المستوطنين الصهاينة. حمل المتظاهرون، وأغلبهم من الشباب، شعارات كتبوها ورسموها بلغات بسعة العالم، وبالألوان التي تُخيف المحتل. الأحمر والأسود والأخضر والأبيض. رمز الوجود الفلسطيني بألوانها التي يخشاها المحتل بأسلحته وتقنيته العسكرية المتقدمة.
لماذا يخشى المحتل الألوان؟ في رواية «الدرس الألماني» لزيغفريد لينز، يسأل الشرطي النازي صديقه عن سبب تلقيه أمرا بالقاء القبض عليه، وهو مجرد رسام تجريدي، فيجيبه الرسام «إنه اللون. الألوان لديها دائما ما تقوله. حتى أنها، في بعض الأحيان، تصدر تصريحات محددة. من يدري ما الذي يقود اليه اللون؟». وفي سيرتها الروائية «حجر الفسيفساء» تخبرنا الأسيرة المحررة مي الغصين كيف أنها صنعت مسبحة من نوى الزيتون، هدية لأمها. لوّنتها بستة ألوان إلا أن مدير السجن الصهيوني لم ير غير ما يرعبه، صادرها قائلا « أحمر أسود أخضر أبيض ممنوع. ممنوع يعني ممنوع». السجان الصهيوني ـ المحتل ـ لص مذعور غير قادر على رؤية كل ما يحيط به.
تبدت في حضور المتظاهرين وشعاراتهم، وحدة المقاومة الفلسطينية. الأرض واحدة والشعب واحد. من القدس وغزة الى الضفة الى اللد. الفلسطينيون، أصحاب الأرض، باقون والمحتل طارئ. هذا ما تعلمته كل الشعوب، وليس العربية فقط، من نضال الشعوب المُستَعمَرَة مثالها حرب التحرير الجزائرية. درس تاريخي لا ينسى مهما حاول حكام الخنوع والاستبداد تسويق خدعة «السلام».
تحررت الجزائر بعد 140 عاما من الاستيطان العنصري الفرنسي. وكلما بدا للعالم أن المعركة على وشك الفشل، نهض الشعب بعزيمة متجددة. كما يحدث اليوم في فلسطين المحتلة. حيث حاول المحتل، منذ تأسيس كيانه الاستيطاني، عام 1948، تدريجيا، تهجير السكان، وتوسيع مستوطناته، وتقسيم أهل البلد ديموغرافيا، وبذر تفتيت الهوية ورعاية الفساد، واطلاق تسميات تجزيئية، وحصار غزة. لم تبق وسيلة همجية على وجه الأرض لم يستعملها لبتر غزة عن الجسد الفلسطيني، فجاءت ساعات الأيام الاخيرة شاهدة على فشله. على الرغم من جراحه، تماهى ابن الوطن مع ذاته. لا يعود فيه ذلك الـ «هنا وهناك» الذي مّيز ايام الاشتباكات مع العدو عبر الأسلاك الشائكة، كما يذكرنا الأكاديمي حيدرعيد من غزة. « في كل مرة كنت اذهب للمشاركة في مسيرة العودة الكبرى بالقرب من السلك الشائك الذي يفصل قطاع غزة المحاصر عن باقي فلسطين المحتلة، كان ظلي يتركني ويذهب الى الطرف الآخر من السلك، و يعود لي صامتا حزينا بعد اسبوع وكأنه ظل رجل اخر، الى أن ذهب ولم يعد! منذ تلك اللحظه وأنا أعيش بلا ظل! انا هنا وهو هناك». هذه الايام استرد المناضل ظله ليمتد واقفا على تراب الوطن كله.

أهمية دور الجيل الجديد من اللاجئين والمهاجرين من الدول العربية الذين يتقنون مختلف اللغات مما يشكل قوة في مجالات النّشر وصناعة المحتوى عالميا

«حالة الانبعاث التي تسري في روح الفلسطينيين على مساحة كل فلسطين بفضل المقاومة» التي يصفها الأسير المحرر عصمت منصور، امتدت كذلك الى كل البلاد العربية وارجاء العالم. في العراق المعجون بفلسطين، تستعيد الصحافية نرمين المفتي لحظة من الذاكرة الجمعية ملخصة معنى ممارسة الابادة المنهجية ضد المدنيين «سياسة الابادة نفسها، أكيد تتذكرون اولبرايت في 1995 حين سألها مقدم برنامج 60 دقيقة «هل تعتقدين أن موت نصف مليون طفل عراقي نتيجة العقوبات الاقتصادية هو ثمن يستحق أن يدفع؟» وأجابت اولبرايت «لقد كان خيارا صعبا امامنا، لكننا نعتقد أن الثمن يستحق أن يدفع». اليوم، لا يذكر المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي قتل مدنيين، معظمهم من الاطفال والنساء، بل يقول انهم قضوا على 85 عنصرا من حماس والجهاد الإسلامي.
انعدام الوازع الإنساني والأخلاقي، هو ما يجمع الغزاة والمستعمرين، وما يزيد على ذلك عند المحتل الصهيوني هو مهارته في التباكي حول مظلوميته التاريخية واضطهاده. وهذا ما شهدناه، يوم السبت الماضي، حين حوصرت سفارته، بلندن، بعشرات الآلاف من المتظاهرين ضد القصف الوحشي لغزة، فلجأت السفارة الى مشجبها التقليدي وتباكيها عن معاداة السامية واتهام المتظاهرين بالدفاع عن «تنظيم ارهابي» يطلق الصواريخ!
بالمقابل، لم يكف الفلسطينيون يوما عن البحث، حتى وهم يتعرضون للاعتقال والتعذيب واغتصاب الارض والقصف والقتل، عن سبل جديدة ومتنوعة للمقاومة السلمية. حملة المقاطعة الدولية (البي دي أس) واحدة منها. وها هو علي مواسي، رئيس تحرير فُسْحَة ـ ثقافيّة فلسطينيّة، يثمن تفوق الفلسطينيّين ومناصريهم في مخاطبة الرأي العامّ العالميّ وتوجيهه. «ليس بسبب الإعلام الرسميّ، وإنّما صبايانا وشبابنا الرائعين في وسائل التواصل الاجتماعيّ: تويتر، إنستغرام، سناب تشات، تيك توك، فيسبوك، وغيرها». مؤكدا على أهمية دور الجيل الجديد من اللاجئين والمهاجرين من الدول العربية الذين يتقنون مختلف اللغات مما يشكل قوة في مجالات النّشر وصناعة المحتوى عالميا. مشيرا الى أن « أكثر من باحث ومحلّل إسرائيليّ تحدّث عن تعثّر مشروع «الهسباراه» عن إخفاقه، رغم صرف مئات ملايين الدولارات عليه». ويهدف مشروع «الهسباراه» الى الترويج لاعتبار إسرائيل دولة مسالمة، محبة للسلام، وتساهم بالخير العام حول العالم، حتى تتمكن من التصدي، وإخفاء الأخبار الواردة من فلسطين حول الانتهاكات ضد الإنسانية التي تنفذها سلطات الاحتلال.
إن ما يدفعه الفلسطينيون ثمنا للحرية لايقدر بثمن. إنهم يدفعونها بالحياة الإنسانية وهذا ما لايفهمه الكيان العنصري المؤسس على الإبادة. واذا كان منبع انبعاثة المقاومة سيبقى فلسطينيا أولا وهو الأهم، فان تضامن الشعوب، في جميع انحاء العالم، ضروري، وبمختلف الأساليب التي يجب أن تضم، بالاضافة الى المظاهرات والاعتصامات، تفعيل وتقوية حملات الضغط ( اللوبي) على الحكومات الغربية والإدارة الأمريكية، خاصة، لوقف تغذية الكيان العنصري بالمال والسلاح والتكنولوجيا العسكرية.
ماذا عن الأنظمة العربية التي يرتكز معظمها على الاستبداد المحلي واستجداء الحماية الخارجية ضد شعوبها؟ في رسالته المفتوحة الى «الزعماء العرب الحلوين الحبابين العاقلين الخوافين المساكين» يعيد الكاتب العراقي علي السوداني طرح الحل الذي طالما اقترحته الشعوب العربية، ولاتزال، وهو أضعف الايمان، قائلا: «قاطعوا إسرائيل اللقيطة اقتصادياً على الأقل، وسترون كيف ستنمو الكدمات على جسد هذه الدويلة المفبركة. افعلوها وستجدون شعبكم هو حاميكم من الفك الأمريكي المفترس».

·         كاتبة من العراق

 

 

صمت إدارة بايدن حول العراق

هيفاء زنكنة

 

أعلن الجيش العراقي أن «طائرة مسيرة مفخخة» سقطت السبت الماضي على قاعدة « عين الأسد» الجوية، في محافظة الأنبار، غرب العراق. يوجد في القاعدة، حالياً، نحو ألفي جندي أمريكي إلى جانب قوات من الدول المشاركة في « التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية». تسبب الهجوم «بأضرار في مستودع» حسب تصريح التحالف الدولي. وهو الهجوم الثاني على القاعدة، هذا الشهر. سبقه هجوم على قواعد تستخدمها القوات في مطار بغداد ومطار أربيل بالإضافة الى هجمات أخرى في الشهور الماضية. كل هذا يحدث تحت انظار الإدارة الأمريكية برئاسة جو بايدن وهو يحتفل بمرور 100 يوم على تسلمه الرئاسة من دونالد ترامب الذي أمر بتقليص عدد القوات في العراق. وكان ترامب قد زار قاعدة «عين الاسد» مع زوجته، في 26 ديسمبر/ كانون الأول 2018، بدون إعلام الحكومة العراقية، دعما للجنود «المتمركزين في قاعدة الأسد الذين لعبوا دورا حيويا في هزيمة تنظيم داعش عسكريا في العراق وسوريا».
الآن، بعد مرور اربع سنوات على اعلان هزيمة داعش، ما سبب بقاء القوات في العراق، خاصة، بعد اعلان بايدن سحب القوات من على الارض في افغانستان؟ ومن وراء عمليات الهجوم المتناوبة على القواعد والمتميزة بأنها لا تسبب ضررا لأي من القوات؟ وما هو موقف الحكومة العراقية والمنظور الشعبي لهذه العمليات؟
في مقابلة بثتها إذاعة بي بي سي 4، في 6 مايو الحالي، قدم أنطوني بلينكن، وزير الخارجية الأمريكي الجديد، صورة تفصيلية عن السياسة الخارجية الأمريكية برئاسة بايدن. تحدث بالتفصيل عن العلاقة مع روسيا من عدة جوانب بضمنها معاملة المعارض أليكسي نافالني، منتقلا الى العلاقة مع الصين، وصفقة تجارية محتملة مع المملكة المتحدة، وضرورة المحافظة على السلام وتوفير الرفاه الاقتصادي في أيرلندا الشمالية. تطرق الى الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية من أفغانستان، مع بقاء أمريكا باشكال أخرى. وأسهب بتوضيح الموقف من إيران والعودة إلى المباحثات، حول اتفاقية الاسلحة النووية عبر وسطاء في فيينا، وأمله في ان تصغي إيران للمقترح الأمريكي.
ما يسترعي الانتباه في هذه المقابلة التفصيلية، هو عدم تطرقه، بأي شكل كان، للوضع في العراق. غياب العراق بشكل كلي، عن الأجندة السياسية المعلنة، صارخ حتى عند تناول الاوضاع ذات العلاقة الوثيقة به وبأمريكا وإيران وحتى افغانستان. فهل السبب هو الرغبة الأمريكية بحسم ملف الخلاف مع إيران، لأنه الأهم بالنسبة اليها، واعتبار العراق ورقة مقايضة، ذات صلاحية غير محدودة، من اجل التوصل الى اتفاق يوفر لها ولحلفائها، كالسعودية وإسرائيل، السلام؟ أو لعل اهمال ذكر العراق نابع من الرغبة بنسيان « خطأ» لا تريد الارادة الجديدة التذكير به، باعتباره من الماضي، والماضي بالنسبة الى أمريكا، زمن غير موجود، تجنبا للمساءلة وما يصاحبها من التزامات قانونية وانسانية؟

يبقى الحل الوحيد للتخلص من وجود النيوكولونيالية الأمريكية والنفوذ الميليشياوي الإيراني هو في اتخاذ موقف مقاوم واضح من كلا الاحتلالين، وعدم تحويل العراق الى ساحة تصفية حسابات

هذه السيناريوهات واقعية الى حد كبير، لأنها توفر للادارة غطاء زمنيا الى حين الاتفاق مع إيران ذات العلاقات والمصالح المتشعبة مع عديد الدول من بينها الصين. لذلك من الطبيعي الابقاء على الوضع الحالي بالعراق، بحكومته الفاشلة أو اللا حكومة، بأحزابها منقسمة الولاء، وبالعنف المستدام فيه. ولا ضرر من التغاضي عن اسقاط بضعة صواريخ وتفجير طائرة مسيرة على القواعد الأمريكية مادامت، مثل العاب الكمبيوتر، لا تؤدي الى خسارة بشرية. وما دام ذلك سيبقي العراق متهالكا، ضعيفا، منقسما على نفسه، منخورا بالفساد والقمع، عاجزا عن مواجهة النزاع الأمريكي – الإيراني على ارضه، واستخدامه ساحة مفتوحة لتصفية الحساب من خلال المليشيات والقوات الخاصة والمرتزقة وما يسمى « العمليات القذرة».
لذلك، ستبقى قوات الاحتلال الأمريكي بالعراق المُغيّب في خطاب السياسة الخارجية لأن بايدن لا يريد أن يبدو وكأنه يواصل سياسة ترامب بالعراق. وتُركت مهمة تأكيد بقاء القوات لمتحدثي وزارة الدفاع لأنهم الاقل ظهورا ونجومية اعلاميا من سياسيي وزارة الخارجية. ففي تقرير نُشر في أبريل / نيسان قال الجنرال في مشاة البحرية فرانك ماكنزي لمجلة « مليتيري تايمز» ان الولايات المتحدة اختارت ابقاء قواتها بالعراق، خلافا لافغانستان «مع شركائنا في الناتو لإنهاء معركة داعش». مما يمكن ترجمته على ارض الواقع بتبرير البقاء بلا أمد محدد، في العراق، فمهمة استعادة الأراضي من داعش انتهت منذ سنوات، حسب التصريحات الرسمية الأمريكية والعراقية معا، وامكانية بروز تنظيم إرهابي آخر، يهدد أمن أمريكا، وان كان محتملا سواء في العراق أو اي بلد آخر في العالم، الا ان هذا لا يسوغ احتلال كل البلدان التي تظهر فيها تنظيمات إرهابية، هذا اذا تركنا جانبا تعريف « الإرهاب» المبرر للاحتلال.
بالمقابل، يبين الوضع العراقي الداخلي، أنه ليس هناك موقف شعبي وطني عام وموحد يرفض بقاء قوات الاحتلال الأمريكية أو الميليشيات الإيرانية. الانقسام واضح. وهو انقسام أسس له المحتل منذ 18 عاما وعززته الاحزاب المستفيدة ليتحول تدريجيا الى موقف دفاعي عن النفس ضد « الآخر». حيث صار مقياس تحديد الموقف الوطني هو إما الانتماء الديني – الطائفي أوالقومي أو عضوية الاحزاب الطائفية / القومية أو عضوية الميليشيات. وهي مواقف هشة وسائلة تسللت الى المجتمع الواحد لتقسمه مع مرور الوقت. كما نمت، في ظل التمزق السياسي والفساد الإداري والمالي، طبقة من المستفيدين الذين يرون في عملهم كسماسرة لأي احتلال كان، فرصة للثراء والنفوذ. وغالبا ما تتداخل الانتماءات أو الهويات، حديثة الصنع، حتى يصعب التمييز بين حامليها المستشرسين بتقديمها كقيمة متجذرة في عمق تاريخ المجتمع العراقي.
ويبقى الحل الوحيد للتخلص من وجود النيوكولونيالية الأمريكية والنفوذ الميليشياوي الإيراني هو في اتخاذ موقف مقاوم واضح من كلا الاحتلالين، وعدم تحويل العراق الى ساحة تصفية حسابات، والحفاظ بكل السبل على الهوية الوطنية لعراق مستقل موحد والتي تتعرض للتكميم والاعتقال والقتل، كما لاحظنا في مراحل مختلفة من مقاومة الاحتلال، منذ 2003، وكما يدفع ثمنها غاليا الجيل الجديد من ابناء انتفاضة تشرين/ اكتوبر 2019.

كاتبة من العراق

 

من العراق إلى الهند…

الفساد القاتل واحد!

هيفاء زنكنة

 

قد لايكون وضع العراق الصحي والبيئي، خاصة، مع تفشي فايروس كوفيد 19، بذات الصورة الكارثية التي نراها، يوميا، في الهند أو بيرو والبرازيل، إلا أن الوضع سيئ جدا بالمقارنة مع العديد من دول المنطقة والعالم من ناحية عدد السكان والإمكانيات المادية والتخطيط لمواجهة الأزمات والكوارث البيئية سواء كانت طبيعية أو من صنع الإنسان. كما أن هناك أوجه شبه متعددة. فالعراقي الذي يرى صورة اثنين من المرضى الهنود مرميين على سرير واحد في المستشفى، أو اشتراك النساء والرجال في ردهة واحدة، لا يستغرب كثيرا، لأنه رأى أو عاش الحالة نفسها في مستشفيات العراق حتى قبل انتشار الوباء.
بالنسبة إلى تفشي الكورونا، تجاوز عدد المصابين، بالعراق، حتى الآن، حسب منظمة الصحة العالمية، ما يقارب المليونين، والوفيات 15,498. وسجلت، قبل يومين، 5167 حالة جديدة و33 وفاة. أما الحالات النشطة فهي 108 آلاف. وهي حالات إصابة مرتفعة بالمقارنة مع إيران وتركيا فضلا عن لبنان وتونس والإمارات، اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار اجمالي عدد السكان ونسبة الاصابات لكل 100 ألف شخص. حيث وصلت النسبة، بالعراق، الى 114 إصابة لكل 100 ألف شخص استنادا الى احصائيات وزارة الصحة التي لا تسجل عدد الموتى في البيوت بل في المستشفيات فقط. لا يمكن الثقة إذن بهذه الأرقام كأي ارقام رسمية أخرى ولكننا نستخدمها كمؤشر.
اتخذت الحكومة، في بداية انتشار الوباء، في العام الماضي، اجراءات لتقليل الانتشار على غرار منع التجول وتقليل ساعات الدوام وإغلاق المدارس، إلا أن انزال العقوبات المشددة بالمخالفين التي وصلت حد الاعتقال وسوء المعاملة، وعدم توفير المساعدة الحكومية للعاطلين والشريحة الأفقر، وتخوف المسؤولين من رجال الدين إذا ما تجرأوا على منع الزيارات الدينية من داخل وخارج البلد الى الأماكن المقدسة حيث الاكتظاظ والتقارب البشري بأقصى أشكاله، ناهيك عن تكذيب رجال الدين الذين يروجون أن زيارة المراقد الدينية هي الكفيلة بمنع الاصابة بالوباء بل وحث المريدين على الزيارة لأنها توفر الشفاء منه في حال الاصابة مما جعل الأماكن الدينية بؤرا للانتشار الأسرع للوباء. ومع انعدام ثقة الناس بالحكومة الموصوفة بأنها حكومة لصوص وفساد، وانهيار الجهاز الصحي الذي تسارع تهالكه منذ الاحتلال عام 2003، بعد أن كان واحدا من أفضل الأنظمة الصحية في المنطقة، بات الناس يفضلون البقاء في بيوتهم على التوجه الى المستشفيات التي اقترنت بالموت، جراء قلة المعدات والأدوية والكادر الصحي.
لايبشر الوضع الحالي بالخير. فوزارة الصحة المسؤولة عن الرعاية الصحية لا تتواصل مع اللجان المستحدثة للرعاية الصحية. اذ صرح مدير دائرة الصحة العامة نافيا أن تكون وزارة الصحة قد رفعت أية توصية إلى اللجنة العليا للصحة والسلامة الوطنية بشأن الحظر في الأيام المقبلة، مضيفا ما يؤكد حالة التخبط في اتخاذ القرارات «وربما لا تتوافق اللجنة العليا مع توصيات وزارة الصحة «. وعن إغلاق المدارس، ألقى عضو لجنة التربية البرلمانية صفاء الغانم، مسؤولية ارتفاع الإصابات بين صفوف الطلبة والكوادر التدريسية على لجنة الصحة والسلامة الوطنية لاصرارهم على عدم إيقاف التعليم الحضوري، محذرا من كارثة سيذهب اليها البلد نتيجة لهذا الإصرار.

آخر مستشفى بُني في العراق كان عام 1986، وأن عقودا بمبالغ خيالية وُقعت لبناء 51 مستشفى منذ عام 2009، وصُرفت الأموال ولم يتم بناء أي منها

واذا افترضنا ان الحكومة تبنت فكرة أن اللقاح هو الحل الأفضل لانقاذ الشعب من الوباء، فان حملة التلقيح تشي بالعكس تماما. اذ تم توزيع ما لا يقل عن 298377 جرعة حتى الآن. بافتراض أن كل شخص يحتاج إلى جرعتين، فهذا يكفي لتطعيم واحد من كل 1300 من السكان البالغ عددهم 38.3 مليون نسمة. وخلال الأسبوع الماضي، بلغ متوسط ​​الجرعات حوالي 12766 جرعة كل يوم. وبهذا المعدل، سيستغرق الأمر 616 يوما آخر لإعطاء جرعات كافية لـنسبة 10 بالمئة من السكان. وتكمن المأساة خلف هذه الصورة والتأخير القاتل في تزويد المواطنين بما يحمي الحياة، في الفساد المتخلل بكل الحكومة والمؤسسات.
في الوقت الذي أعلن فيه أن ميزانية عام 2021 تبلغ 89.65 مليار دولار، بعد مساومات أشهر بين الأحزاب حول من يلتهم ماذا، وحصة هذا الحزب أو ذاك تبعا للوزارة التي يراها ملكا له، واذا كان من المفترض، ولو من باب تبييض الوجوه، تخصيص نسبة صغيرة من الميزانية لتوفير حاجة الشعب من اللقاح، إلا أن واقع الحال أثبت أن استهانة الحكومة بحياة الناس وكرامتهم، بلا حدود. إذ أنها تفضل انتظار تبرع المجتمع الدولي باللقاح واستجداء المساعدات الانسانية لئلا تمس محاصصة الاحزاب في الميزانية.
إن اهمال حق الرعاية الصحية لا يقتصر على ضحايا الفايروس. بل يمتد ويتسع ليشمل، بدرجات متفاوتة، اهمال الأطفال والأمهات الحوامل والمصابين بالاعاقة وضحايا الأمراض النفسية والعقلية. وأشار تقرير حديث لمنظمة الصحة العالمية الى ازدياد حالات الانتحار، خاصة بين النساء، بشكل كبير. ولايزال ضحايا اليورانيوم المنضب وحرق مخلفات قوات الاحتلال يعانون من مختلف التشوهات والامراض الخطيرة، في مختلف مدن العراق. وكان مركز الوقاية من الإشعاع التابع لوزارة الصحة، قد أعلن في الاول من مايو الحالي عن وجود 8 مواقع جديدة للتلوث الإشعاعي في محافظة البصرة. وإن اهمال هذه الوضعية الكارثية التي تنتهك واحدا من أساسيات حقوق الانشغال، والانشغال بالمحاصصة السياسية والمساومات المالية، وتقاسم المؤسسات وميزانياتها، وما يترتب على ذلك من موت يومي اما بشكل وباء او اعتقال أواختفاء قسري هو ممارسة ارهابية، وكونها حكومية لا يجعلها تختلف عن ممارسة المنظمات الارهابية.
ولابد أن من عاش من ساسة العراق الحاليين في الدول الأوروبية وأمريكا، وعرفوا بتجربتهم الشخصية، معنى الكرامة المصاحبة لاحترام حقوق الإنسان، وان ما يحتاجه العراقيون هو نفسه ما يحتاجه جميع البشر من الحقوق الأساسية كالوظائف والتعليم الجيد والرعاية الصحية والعدالة. وأن هناك بعد سنوات من الحرب والخراب، حاجة ماسة إلى الاستثمار في الأطفال والشباب والدعم النفسي لمساعدة الناس على التغلب على الصدمات التي واجهوها.
إن هذا الأمر هو الذي يُحملً السياسيين العراقيين في السلطة مسؤولية الخراب الانساني، على مدى 18 عاما الاخيرة، بشكل مضاعف ويجعل مسؤوليتهم القانونية، ناهيك عن الأخلاقية، أعظم. ويكفي للدلالة على حجم تخريبهم المنهجي للبلد وأهله ان نُذكر أن آخر مستشفى بُني في العراق كان عام 1986، وأن عقودا بمبالغ خيالية وُقعت لبناء 51 مستشفى منذ عام 2009، وصُرفت الأموال ولم يتم بناء أي منها.

كاتبة من العراق

 

حرق المرضى في المستشفى

في بغداد ليس حادثا

هيفاء زنكنة

 

وكأن العراق في حاجة الى كارثة إنسانية أخرى تضاف الى الموجود لنصل الى حضيض قتل المرضى حرقا.
في 23 نيسان/ أبريل، أدى انفجار قنينة أوكسجين الى حريق في مستشفى ابن الخطيب المخصص لعلاج مرضى فيروس كورونا، في بغداد، الى قتل 91 مريضا، واصابة العشرات. ليضاف عدد الضحايا الجدد الى قائمة تضم ما يقارب 16 ألف وفاة ومليون و250 ألف مصاب بالفايروس، وهو الأعلى بين الدول العربية. وكان العراق قد حصل على ما يقرب من 650 ألف جرعة من اللقاحات المختلفة – معظمها عن طريق التبرع أو من خلال برنامج كوفاكس، الذي يساعد الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​​على شراء اللقاحات. وهي مفارقة توجع القلب غضبا أن ينافس بلد هو من أكثر دول العالم ثراءً بالنفط، البلدان الفقيرة للحصول على ما يتم التبرع به من اللقاح.
بينما تثير الفاجعة الأخيرة التساؤلات حول سبب حدوثها وكيفية التعامل معها، يثير عدم توفير اللقاح والرعاية الصحية للمواطنين تساؤلات أكثر. بالنسبة الى الفاجعة، قد يكون انفجار قنينة الأوكسجين هو السبب الأولي الا أن شهادة خبراء تداولتها وكالات الأنباء العالمية تدل على ان المستشفى لم تكن في تصميمها وبنائها وتجهيزها وصيانتها وتشغيلها مستوفية لتوفير وسائل خروج مناسبة، لتجنب الخطر غير الضروري، على حياة وسلامة شاغليها من الحريق أو الدخان أو الأبخرة أو الذعر خلال الفترة اللازمة للهروب. وتبدى النقص الأوضح في عدم تثبيت الأبواب الثقيلة الخاصة بين الردهات منعا لانتشار الحريق. مما أدى الى الانتشار السريع للنار والدخان والغازات القاتلة قبل وصول رجال الإطفاء الذين يعانون، أساسا، من النقص في الإمكانية لمواجهة كارثة كهذه.
أما بالنسبة الى توفير اللقاح ومراكز الرعاية الصحية العامة والمستشفيات ذات الأقسام المهيأة، بشكل خاص، لعلاج المصابين بالفايروس، فان أسباب الفشل مرتبطة بانهيار النظام الصحي، بمجمله، وصعوبة الحصول على الماء الصالح للشرب وانخفاض الصرف الصحي، خاصة بعد غزو البلد عام 2003. حيث انتشر وباء الفساد المالي والإداري بشكل مبكر وسريع. وبدأ المسؤولون يتحدثون عنه بصيغة استنكار وإدانة منذ ذلك الحين. ففي عام 2005، مثلا، تحدث د. شاكر العيناجي، رئيس العمليات في وزارة الصحة، عن تخصيص الوزارة مبلغ 518 مليون دولار لشراء 831 قطعة من المعدات الطبية في النصف الثاني من عام 2004، إلا أنها اما لم تكن صالحة للاستخدام أو أختلست. وقال د. شاكر إن الفساد منتشر لدرجة أنه يجب إعادة بناء القطاع بمساعدة المجتمع الدولي. كان هذا قبل أن يصبح الفساد أخطر من الإرهاب والكورونا معا، في تكلفته البشرية والمادية حاليا، وإعاقته مشاريع البناء والتنمية الاقتصادية مستقبلا. فمؤشر التنمية البشرية للعراق أدنى من معدلات الدول العربية وغيرها من البلدان المتوسطة التنمية.

تبدى تجذر الفساد في عقود بناء المستشفيات الوهمية أو غير المكتملة أو غير المستوفية لشروط السلامة، وعقود شراء المعدات والأجهزة والدواء والامدادات الطبية وانعدام صيانة وتأهيل المستشفيات

وقد تبدى تجذر الفساد في عقود بناء المستشفيات الوهمية أو غير المكتملة أو غير المستوفية لشروط السلامة، وعقود شراء المعدات والأجهزة والدواء والامدادات الطبية وانعدام صيانة وتأهيل المستشفيات. فقد تم تشييد أكثر من نصف المستشفيات الموجودة في البلد في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. ويبلغ عدد الموجود حاليا 229 مستشفى، بما في ذلك 61 مستشفى تعليميا و92 مستشفى خاصا و 2504 مستوصف، معظمها بلا طبيب. ومنذ عام 2012، وعلى الرغم من وصول ميزانية العراق رقما لم يسبق الوصول اليه سابقا، ويعادل ميزانية عدة دول مجتمعة، إلا أن عدد الاسرة وفقًا للبنك الدولي، لم يزد عن 1.3 سرير في المستشفيات لكل 1000 عراقي، انخفاضًا من 1.9 في عام 1980، و0.8 طبيب، وهو انخفاض كبير من 1.0 في عام 2014. وهذا أقل بكثير من مصر والاردن. وخصص 154 دولارًا فقط للفرد للخدمات الصحية في عام 2015، مقارنةً بإيران 366 دولارًا والأردن 257 دولارًا. تشير هذه الارقام الموثقة الى استمرار التدهور الصحي بينما تواصل الحكومة الإعلان عن مشاريع وتحسينات وإصلاحات بمبالغ خيالية. فتتلاشى المبالغ ولا يبقى للمواطنين غير السراب.
ويشكل تناقص عدد الأطباء مشكلة حقيقية. فقبل الغزو، كان هناك حوالي 32 ألف طبيب في المستشفيات العامة والهيئات التعليمية. إلا أن الكثيرين غادروا البلد بعد تعرضهم للتهديد والاعتداء والاختطاف بالإضافة الى من تعرض للاغتيال، وازداد الأمر سوءا مع تعرض الاطباء للاعتداء من قبل عناصر أمنية وأعضاء ميليشيات تعتبرهم مسؤولين عن وفاة احد المرضى.
ومع تدهور المستوى التعليمي، والتعيين حسب الانتماء الحزبي – الطائفي، وانعدام النزاهة، لاغرابة أن تحصل وزارة الصحة على لقب « أكثر الوزارات فسادا». حيث فاقت قيمة الفساد في وزارة الصحة 10 مليار دولار منذ 2003. لعل أكثر صفقات الفساد إثارة للضحك المبكي هي صفقة «النعال الطبية» باشراف وزيرة الصحة السابقة عديلة حمود، حيث تم شراء 26 ألف نعال طبي بمبلغ 900 مليون دولار، في الوقت الذي تفتقد فيه المستشفيات لأبسط أجهزة الفحص والأدوية الاساسية.
أدى انعدام الثقة بالحكومة، الى عدم اتباع تعليماتها وفيما يخص الاصابة بالفايروس الى تفضيل المرضى البقاء في بيوتهم الا في حالات قليلة. حيث باتت المستشفيات مكانا للموت وليس العلاج. ويفضل المصابون بكوفيد في الكثير من الأحيان، الحصول على اسطوانات الأوكسجين لتلقي العلاج في المنزل، بدلاً من الذهاب إلى المستشفى.
ولابد أن مقتل المصابين في مستشفى الخطيب سيزيد من عمق الفجوة بين المواطنين وساسة الحكومة المبنية على الفساد بأنواعه، ويقلل من امكانية اية إصلاح يدعيه المنخرطون في هذه الحكومة وأحزاب الميليشيات. فالإصلاح الحقيقي يتطلب توفر الارادة السياسية والدعم الشعبي، وهو ما لن يتحقق ضمن منظومة الفساد المستشري أو بالاعلان الحكومي المبتذل عن تشكيل لجنة تحقيق لمعرفة اسباب الحريق، وكأنهم لا يعلمون انهم هم السبب، أو توجيه رئيس الوزراء «بنقل جرحى حادثة حريق ابن الخطيب ممن يحتاجون للعلاج إلى خارج العراق» مستخدما، باستهانة لا تغتفر، وصف جريمة قتل 91 مريضا، لجأوا الى المستشفى للعلاج، بأنها «حادث».

كاتبة من العراق

 

 

هل انسحاب أمريكا من

افغانستان استعادة لإنسانيتها؟

هيفاء زنكنة

للمرة الثانية، منذ عشرة أعوام، يقوم رئيس أمريكي بتنفيذ قرار انسحاب القوات الأمريكية من بلد تم غزوه واحتلاله بقرار من رئيس أمريكي سابق له. كانت المرة الاولى حين أعلن الرئيس باراك أوباما الانسحاب من العراق عام 2011، وحلت الثانية حين أعلن الرئيس جو بايدن، في 14 نيسان/ أبريل، عن جدول زمني لانسحاب كل القوات الأمريكية من افغانستان، في موعد أقصاه 11 سبتمبر/ أيلول، الذكرى العشرين لهجوم القاعدة وما تلاه من غزو قادته الولايات المتحدة. في كلا الحالتين، كان الرئيس جورج بوش هو الذي اصدر قرار غزو البلدين، تحت شعار» محاربة الإرهاب». الشعار الذي بات، عمليا، الاستراتيجية الأمريكية التي تم تطبيقها في أرجاء العالم على مدى العشرين عاما الأخيرة. وكان من بين نتائجها الخسارة البشرية الهائلة والخراب على مستوى البنية التحتية ومد الحكومات المحلية بمغذي الفساد وقمع الانتفاضات الشعبية السلمية. وكان ابرز تلك النتائج تصفية انتفاضات الربيع العربي سواء بإختراقها وتجنيدها من الخارج في الصراع الدولي، أو باتهامها داخليا بالإرهاب واستغلال الإسلاموفوبيا، لتحييد النخب المدنية وعزلها عن الجماهير الكادحة والمهمشة.
أثار قرار بايدن حماس البعض الى حد القول بوجوب عدم التشكيك بخطوته بل ووصفها بأنها تقترب من الراديكالية. فما هي مصداقية هذا المنظور ؟ ليس بالامكان قراءة خطاب جو بايدن دون العودة الى خطاب أوباما. فنقاط التشابه كثيرة ومهمة لمعرفة ما تحقق وما سوف يتحقق حول الانسحاب، واقتراح البدائل، والرؤيا الأمريكية المستقبلية سياسيا وعسكريا. فمن ناحية التوقيت، أعلن الرئيسان قرار الانسحاب بعد الفوز بالانتخابات، كما يؤكد أوباما: « كما وعدت، ستعود بقية قواتنا في العراق إلى الوطن بحلول نهاية العام… ستنتهي حرب أمريكا في العراق». كما يفتخر الرئيسان بانجازات القوات الأمريكية واستحقاقهم العودة الى وطنهم. يقول أوباما « سوف يعبر آخر جندي أمريكي الحدود إلى خارج العراق ورؤوسهم مرفوعة، فخورون بنجاحهم». كما قال بايدن: «حان وقت عودة القوات الأمريكية إلى الوطن». «حان الوقت لإنهاء الحرب الأبدية».
وفي الوقت الذي تجاهل فيه أوباما سبب وجود القوات الأمريكية بالعراق، وما هي المهمة التي نفذتها هناك وجعلتهم فخورين بنجاحهم، ربما لمعرفته أن معظم المسؤولين عن الغزو، اعترفوا في فترات متفاوتة بأنهم كانوا « ضحية أكاذيب» اختار بايدن تكرار سبب الغزو وتحقيق النصر، اكثر من مرة، قائلا : « ذهبنا إلى أفغانستان لاجتثاث القاعدة، لمنع الهجمات الإرهابية المستقبلية ضد الولايات المتحدة المخطط لها من أفغانستان. كان هدفنا واضحا. كان السبب عادلاً. لقد فعلنا ذلك. لقد حققنا هذا الهدف».
ماذا عن العلاقة مستقبلا مع البلد المحتل بعد سحب القوات العسكرية؟ عن العراق أخبرنا أوباما: «ستكون هناك شراكة قوية ودائمة. بوجود دبلوماسيينا ومستشارينا المدنيين في المقدمة، سنساعد العراقيين على تقوية المؤسسات التي تكون عادلة وتمثيلية وخاضعة للمساءلة. سنبني روابط تجارية جديدة، وتجارة، وثقافة، وتعليم يحرر إمكانات الشعب العراقي. سوف نتشارك مع عراق يساهم في الأمن والسلام الإقليميين، تمامًا كما نصر على أن تحترم الدول الأخرى سيادة العراق». وهي صورة مشرقة، بإمكاننا القول، الآن، أن أيا من جوانبها لم يتحقق بل وشُرعت أبواب العراق لكل انواع الإرهاب، بضمنها الأمريكي. وبنفس الألوان يصبغ جو بايدن، حاليا، مستقبل العلاقة مع أفغانستان، مؤكدا: «سنواصل دعم حكومة أفغانستان. وسنواصل تقديم المساعدة لقوات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية».

قرار الانسحاب من العراق كان بوش قد شرع بهندسته قبل أوباما، ونتيجة اتفاق في «لجنة بيكر» التي جمعت الحزبين لاسترجاع التوافق في السياسة الخارجية من المحافظين الجدد و»مشروع القرن الأمريكي الجديد»

إذا كان قرار جو بايدن قد استقبل بالترحيب، باعتباره خطوة نحو انهاء عنصرية اليمين الترامبي فان علينا أن نتذكر ان قرار أوباما لقي ذات الترحيب، سابقا، وكانت النتيجة ابقاء المطلوب من القواعد العسكرية مع زيادة مستخدمي الشركات الأمنية والمرتزقة والعمليات الخاصة بالاضافة الى استخدام الطائرات بلا طيار عشرة اضعاف ما كان مستخدما قبله. وتضاعف الاستخدام خلال رئاسة ترامب بالاضافة الى اصداره قرارا ألغى فيه التصريح بعدد الاستخدامات ايضا. مما منح الجيش والسي آي أيه الحرية المطلقة في عمليات القتل والاغتيالات. كما نُذكر بأن قرار الانسحاب من العراق كان بوش قد شرع بهندسته قبل أوباما، ونتيجة اتفاق في « لجنة بيكر» التي جمعت الحزبين لاسترجاع التوافق في السياسة الخارجية من المحافظين الجدد و«مشروع القرن الأمريكي الجديد» الذي أفشلته المقاومة العراقية. كما أن قرار بايدن، استمرار لقرار كان ترامب قد اعلنه. باعتبار ان استخدام القوات العسكرية، يشكل استنزافا اقتصاديا لأمريكا، وليس من مصلحة أمريكا التضحية بجنودها، مجانا، لصالح دول اخرى، وضرورة اعادة هيكلة الجيش الأمريكي.
هذه الحقائق، اشار اليها بايدن في خطابه ولكن بشكل ناعم مغلف بمفردات «نبيلة» حول وجوب إعادة الجنود الى الوطن بعد أدائهم « مهمتهم الإنسانية» بعيدا عن اهلهم. وبعنصرية تليق بالغزاة وصف كيف انه يحمل منذ 12 عاما «بطاقة تذكرني بالعدد الدقيق للجنود الأمريكيين الذين قتلوا في العراق وأفغانستان. هذا الرقم الدقيق، وليس رقمًا تقريبيًا أو تقريبًا – لأن كل شخص من القتلى هم بشر مقدسون تركوا وراءهم عائلات بأكملها». متعاميا عن حقيقة أن القوات الأمريكية بالعراق رفضت بشكل مطلق ان تسجل عدد الضحايا العراقيين، وأن سبب غزو أفغانستان كان مقتل 2977 أمريكيا، بعملية ارهابية نفذها 19 قتلوا اثناء تنفيذ العملية، بينما قدرت أبحاث جامعة براون الأمريكية، في عام 2019، عدد الضحايا بين الجيش الوطني والشرطة في أفغانستان بأكثر من 64100 منذ أكتوبر 2001. ووفقًا لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان (أوناما)، فقد قُتل أو جُرح ما يقرب من 111000 مدني منذ أن بدأت في تسجيل الخسائر المدنية في عام 2009.
تثير هذه الأرقام المخيفة تساؤلات مشحونة بالغضب: لماذا تقتصر «القدسية» على حياة الأمريكي؟ ولم يعاقب بلد، تخريبا وقتلا، كعقاب جماعي جراء عمل إرهابي ارتكبه 19 شخصا فقط؟ أليس الغزو واستمراره، لهذا السبب، عملا إرهابيا، يجب محاكمة المسؤولين عنه وفق القانون الدولي ؟
وما الذي سيجلبه المستقبل من تغيير في العلاقة بين أمريكا وافغانستان بعد الانسحاب ؟ يقول بايدن في ختام خطابه بأن فريقه العسكري يعمل على « تنقيح الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الإرهاب الذي يستهدف أمريكا واعادة تنظيم القدرات في مكافحة الإرهاب في المنطقة لرصد التهديدات الإرهابية الكبيرة وانهائها ليس فقط في أفغانستان، ولكن في أي مكان قد تظهر فيه. الإرهابيون موجودون في إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط وأماكن أخرى». مما يعني أن سياسة « محاربة الإرهاب» ستبقى كاستراتيجية بعيدة المدى لتطويع الشعوب والدول، اذا ما فكرت برفع رأسها للتنفس بعيدا عن بسطال الشرطي الامريكي. الا انه يعني، أيضا، ان أمريكا لن تتمتع بالامان الذي تنشده لنفسها ما لم، سواء في العراق أو أفغانستان، تعتذر عما ارتكبته بحق الشعوب، وتعويضها والعمل على بناء علاقة مشتركة على قدم المساواة، ووضع حد لدعمها الأنظمة الاستبدادية الفاسدة التي جعلت من بلدانها سوقا للسلاح.

كاتبة من العراق

 

 

كيف لبغداد

 لم تستسلم أن تسقط؟

هيفاء زنكنة

 

هل سقطت بغداد، فعلا، يوم التاسع من نيسان/ إبريل 2003؟ وما معنى السقوط؟ للفعل « سقط» ومصادره عشرات المعاني التي تمتد من المكان الى الإنسان. سقَطتِ المدينةُ : تم احتلالها من العدو. سقَط الشَّيءُ من كذا : وقَع من أعلى إلى أسفل. سَقَطُ المتاع: ما لا خير فيه من كلِّ شيء. السَّقْطُ :السَّاقِطُ من الناس، لئيم، حقير. أسقاط النَّاس: أوباشهم وأسافلهم. أي تعريف ينطبق على بغداد؟ بغداد المدينة، بغداد العاصمة؟ لماذا سقوط بغداد وليس الاستسلام أو الدحر أو الهزيمة أو الاستيلاء أو الانتصار عليها؟
هل هو المكان أم الإنسان؟
من يبحث عن «سقوط بغداد» سيجد ثلاث صفحات من تاريخ يقودهم الى ما هو أقدم وأعرق، الى موقع ومدينة وعاصمة، لكل واحد منها خصوصيته المذهلة، وتماهيه مع العالم في آن واحد. لأنه، على خصوصيته لم يكن استثناء بل امتدادا لحضارة إنسانية تتجه الى الأمام لولا «السقوط».
في الصفحة الاولى، دخل القائد المغولي هولاكو خان، حفيد جنكيز خان، بغداد عام 1258، منتصرا، فنهبها وهدم مبانيها التي كانت آية من آيات الفن الإسلامي وحرق كتبها. فتك بأهلها فلم يبق غير القليل. وكانت أعظم الأعمال التهديمية التي ارتكبت هي تخريب البنية التحتية كالسدود ونواظم الإسقاء. أليس هذا ما يفعله الغزاة حين يدخلون مدنا يعرفون جيدا انهم لا يستطيعون إزالتها، كما رأينا، بأنفسنا، في العصر الحديث؟
كانت بغداد عاصمة الدولة العباسية ورمزالإمبراطورية الإسلامية. أرادها الغزاة ان تبقى خربة، ضعيفة، متهالكة لتكون عبرة لمن قد يفكر بمقاومتهم. فكانت بغداد بوابة السقوط لما تلاها. لتأجيل الحياة والاكتفاء بالبقاء.
في الصفحة الثانية، عاشت بغداد بين كانون الأول/ ديسمبر 1916 و آذار/ مارس 2017، صراعا دمويا للاستحواذ عليها. كانت جزءا من الامبراطورية العثمانية المحتضرة التي يتنافس على استيراثها الانكليز. فكان القتال المرير على الارض العراقية وكان «سقوط» بغداد غنيمة غزاة جدد. وكان العراقيون، كما بقية العرب، الذين عاشوا في ظل الامبراطورية العثمانية، يظنون أن التعاون مع قوات التحالف ومن بينهم الانكليز، والتخلص من العثمانيين، سيمنحهم الاستقلال. فكان الترحيب الاولي بالحاكم الانكليزي الذي كان قد أدرك ضرورة دغدغة روح المرحبين وتطلعاتهم، فأصدر الجنرال مود بيانا خاطبهم فيه قائلا : «لم تأت جيوشنا إلى مدينتكم وأرضكم كغزاة أو أعداء ولكن كمحررين». ولم يطل الوقت لتزول اوهام من بنوا الآمال على المحتل الجديد. فأجبروا على الانضمام الى ثورة الشعب حين وضع العراق تحت الانتداب واعتمد البريطانيون تدابير لحماية مصالحهم فاندلعت الثورة العراقية الكبرى أو ثورة العشرين، عام 1920.

بغداد الموسومة بأنها الأكثر قذارة في العالم على الرغم من ثروة البلد الهائلة، بغداد التي يجوب الموت شوارعها متمثلا بميليشيات ومرتزقة ولصوص يتحكمون ببرلمان ينطق باسمهم

وجلبت لنا صفحة التاريخ الثالثة تكرارا يجمع في ممارساته ما بين المغول والبريطانيين. ليعيد تاريخ الغزاة نفسه كما هو وحشيا، مدمرا، مستغلا، مع بعض التجميل الطفيف . فكان يوم 9 نيسان/ أبريل 2003. ومثل كل احتلال، سبق الدخول الى بغداد عقود من التهيئة. ولكن بشكل تحديثي. فكانت خطة الطريق لاحتلال بغداد، سياسية ـ إعلامية، منسوجة بالاكاذيب وحصار اقتصادي انهك الناس وجعل أولوية التفكير محصورة بالحصول على الاولويات. ومثل الغزو الاول والثاني، تبرع عراقيون بمساعدة الغزاة. خلطوا بين التخلص من نظام عارضوه واحتلال الوطن. فشرعنوا الغزو وقتل الأهل واحتفلوا بسماع صراخ الضحايا واصفين اياه بانه موسيقى. وتطلب منهم اقناع الناس باحتلال بغداد، عاصمة العراق الأبي، ان يحتالوا حتى على انفسهم، مخاطبين الشعب بأن الاحتلال هو الطريق الوحيد الى الحرية، وديمقراطية المحتل هي النموذج الذي يجب ان يُحتذى إذا أرادوا أن يتجاوزوا تخلفهم ليكونوا حضاريين. فكان تهديم المباني ونهب المتاحف وحرق الوثائق.
وكانت الاعتقالات الجماعية. وكان التعذيب في أبو غريب والمساواة بين النساء والرجال اغتصابا. وكان استهداف المدنيين قتلا تسلية للمحتلين حين يشعرون بالضجر. وكان التقسيم الطائفي والعرقي، وصار صباح بغداد جثثا مرمية في الشوارع. وشُرعت ابواب الوطن لكل من يستبيح كرامه أهله، احتقارا واستهانة. والمواطن المنغمر بالخوف من الآخر. ولايزال مستخدمو الاحتلال يقتاتون، على أكذوبة تحرير العراقي من الخوف.
واذا كانت اعوام الاحتلال قد هدمت الكثير، الا انها لم تنجح وبعد مرور 18 عاما، في دفع العراق الى الاستسلام والقبول بالخضوع عنوانا للحياة. فبقي الغزاة غزاة والاحتلال احتلالا. ولم تنهر بغداد او تستسلم، لا «رسميا» ولا شعبيا. بل بقيت عزيزة النفس، مقاومة. أطلقت طلقتها الاولى برأس المحتل في اليوم الاول للاحتلال. وكان يوم 10 نيسان/ أبريل نقطة انطلاق المقاومة العراقية من بغداد الى بقية المدن. من الموصل وكربلاء والنجف الى الفلوجة. ضد قوات غزو بلغ عددها 147 ألف أمريكي و 15 ألف بريطاني، مدججين بأحدث الأسلحة والتقنيات العسكرية وتغطية اعلامية بملايين الدولارات. ولم تسقط بغداد.
هذه المدينة التي تصفها منظمات الرصد بأنها مركز حكومة من بين الأكثر فسادا في العالم، حيث يشرب سكانها، يوميا، مياه غير صالحة للشرب وناقلة للأمراض الخطيرة وحتى الموت. بغداد الموسومة بأنها الأكثر قذارة في العالم على الرغم من ثروة البلد الهائلة، بغداد التي يجوب الموت شوارعها متمثلا بميليشيات ومرتزقة ولصوص يتحكمون ببرلمان ينطق باسمهم. هذه البغداد لم تتوقف يوما عن اثارة دهشة العالم بمقاومتها للخنوع والانحناء امام الغزاة والمستبدين. تدهش العالم بنهوضها المرة تلو المرة. تنبع من بين أحجار شوارعها ودرابينها أزهار لاتقل نضارة عن زهور هيروشيما بعد رشها بالسلاح النووي الأمريكي.
ولم تسقط بغداد. رفعت رأسها عاليا، في قلبها النابض، في ساحة التحرير. عام 2011 وتلتها انتفاضة تشرين / أكتوبر في 2019. توسع قلب المدينة، سرت دماؤه في شرايين المدن فتكاثرت ساحات التحرير. من البصرة والناصرية الى الكوت وبابل. يقيم فيها مواطنون يطالبون بوطن ( هل سمعتم قبل هذا بمواطنين يطالبون بوطن؟). فبلغت تكلفة الوطن للسنة الواحدة 600 شهيد و مئات الآف الجرحى وآلاف المعاقين. ثم يأتي من يقول لك أن الاحتلال كان تحريرا أو تغييرا وان بغداد سقطت. أيمكن لـ«بغدادُ المحروسةُ بالاسمِ الأعظمِ: بغداد» كما يصفها سعدي يوسف، أن تسقط؟

كاتبة من العراق

 

 

تطبيق العدالة الانتقالية

أو الانتقائية في العراق؟

هيفاء زنكنة

 

 

للمرة الثانية، منذ الاحتلال في عام 2003، يبرز بعض الاهتمام التوثيقي بالعدالة الانتقالية بالعراق، من خلال اطلاق تقرير «العدالة الانتقالية في العراق الذاكرة وأفق المستقبل» من قبل منظمة أفق للتنمية البشرية ومؤسسة فريدريش ايربت الالمانية.
كانت المرة الاولى حين شرع المركز الدولي للعدالة الانتقالية، بنيويورك، بالعمل داخل العراق، مباشرة بعد الاحتلال. حيث قام باصدار اربعة تقارير، متوفرة باللغتين العربية والانكليزية، عن محاكمة الأنفال، والدجيل المحاكمة والخطأ، وأصوات عراقية: مواقف من العدالة الانتقالية وإعادة البناء الإجتماعي، وأرث مُر: دروس من عملية اجتثاث البعث في العراق 2004 – 2012. استند التقرير الاخير، إلى أبحاث ميدانية ومقابلات مع مسؤولين في الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث، مركزا على « عملية تطهير المؤسسات من أعضاء حزب البعث» وهي، حسب التقرير، أكبر وأشهر عملية عزل موظفين لأسباب سياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتضمن دروسا مستقاة من دول اخرى عاشت تجربة العدالة الانتقالية بالاضافة الى توصيات اساسية لصانعي القرار لتلافي الأخطاء.
أكد المركز دائما بان فحوى عمله هو تقديم المشورة، خاصة في مجالات فحص أهلية الموظفين المسؤولين عن تنفيذ العدالة. فقد راقب المركز، مثلا، عملية اجتثاث البعث، مبينا عيوبها « مع التأكيد على أنه يجب تقييم الأفراد بناءً على الأعمال السابقة، وليس على أساس العضوية في الحزب». وبصدد الملاحقات القضائية، أثار المركز قضية التدخل السياسي والخلل الوظيفي أثناء المحاكمات. كما قدم ​​معلومات وتحليلات للمساعدة في تصميم وتنفيذ برامج جبر الضرر الفعالة بعد أن التقى موظفو المركز بأعضاء المجلس الأعلى لتعويض الضحايا لمناقشة طرق التعويض وصياغة التشريعات. وقد شجع المركز العراقيين المعنيين على التعرّف على تجارب البلدان الأخرى في عمليات البحث عن الحقيقة قبل اتخاذ أي قرار لإنشاء مثل هذه الآلية. وأوصى بزيادة مشاركة الضحايا ومنظمات المجتمع المدني في أية هيئة تهدف للبحث عن الحقيقة. ملخصا فكرة العدالة الانتقالية بأنها العمل على تحقيق العدالة، واظهار الحقيقة، وجبر الضرر، والعمل على عدم تكرار الممارسات المهينة وانتهاكات حقوق الإنسان مستقبلا.
فما هو الجديد الذي استدعى اصدار التقرير الأخير وما هي الإضافة الى تقارير المركز السابقة، التي كان يجب الاستفادة منها تجنبا للتكرار ولاستمرارية توثيق التجربة بجوانبها المتعددة ؟
لا اعتقد أن هناك إضافة جديدة في النصف الاول من التقرير، المكرس للتعريف بآليات العدالة الانتقالية في القانون الدولي وأمثلة لتجاربها في عدد من الدول. إلا أن هناك بعض الجوانب التي تم التطرق اليها للمرة الأولى في النصف الثاني من التقرير المسمى « تجربة العدالة الانتقالية في العراق في سياقها التاريخي والقانوني وآليات التطبيق وأثرها الاجتماعي» والذي كان الأصح تسميته «فشل تجربة العدالة الانتقالية في العراق» بناء على التفاصيل المذكورة فيه. وهو ما أكده استبيان، أنجزه مؤلفو التقرير، شارك فيه 200 شخص، معظمهم كما تدل الاجابات مسؤولو منظمات المجتمع المدني. عند سؤالهم عن الثقة بقدرة المنظومة القانونية والإجرائية المتعلقة بمسارات العدالة الانتقالية ومدى نجاعتها لمنع تكرار وقوع الانتهاكات التي اقرت من اجلها، أقر 70 بالمئة عن عدم اعتقادهم بذلك، ولم يؤيده سوى 3.5 بالمئة فقط.

غياب الإرادة السياسية الصادقة، وهيمنة روح الانتقام، والطائفية، والإفلات من العقاب، والأكثر من ذلك هو استشراء منظومة فساد مالي وسياسي وإداري، اختزلت تحقيق العدالة بدفع التعويضات فقط

من بين الأسباب التي أعاقت تنفيذ العدالة الانتقالية بالشكل السليم، حسب التقرير، أولا: مأسسة العملية والبلد تحت الاحتلال الانكلو – أمريكي «، المسيطرعلى سلطة القرار التنفيذي والتشريعي فيه، دون مشاورة مسبقة مع الشعب العراقي بل اقتصر عملها على التنسيق مع قوى المعارضة التي تغيرت موازين القوة لصالحها بعد إسقاط النظام السابق».
ثانيا: اقتصار المجال الزمني للانتهاكات على حقبة حكم حزب البعث 1968 – 2003، والتي تشكلت عليها أسس العدالة الانتقالية، ولا يزال كما هو رغم مرور 18 عاما على نهاية حكم البعث. يقترح مؤلفو التقرير، ان تشمل العدالة الانتقالية الانتهاكات منذ ثلاثينيات القرن الماضي « وأبرزها مذبحة سميل عام 1933 التي قامت بها الحكومة العراقية بحق أبناء الأقلية الآشورية. وتهجير يهود العراق عام 1950… ثم انتهاكات حقوق الإنسان بعد تغيير النظام 2003 – 2020، والتي تجسدت من خلال ضحايا الحرب الطائفية في العراق 2008 – 2006، يسبقها ضحايا عمليات الاحتلال ومابعد الاحتلال، ثم ضحايا الحركات المتطرفة ضد أبناء المناطق الغربية والجنوبية والوسطى.. وضحايا داعش». ويذكر التقرير أن الأقليات الدينية والقومية هي المتضرر الأكبر، بكل المستويات، وان مسلسل الانتهاكات الجسيمة مستمر وبأشكال مختلفة كما في تظاهرات تشرين الأول 2019 باعتبارها «واحدة من اهم ملامح انهيار منظومة حقوق الإنسان في العراق حيث قتل اكثر من 800 متظاهر، وجرح وإعاقة الآلاف منهم، بالإضافة الى خطف واختفاء المئات منهم.. ويبقى استهداف الناشطين مستمراً، دون اي كشف للحقيقة». ويضمن التقرير في مراجعته مسار التطبيق في إقليم كردستان قائمة انتهاكات ضمت ضحايا الاقتتال بين الحزبين الكرديين الرئيسيين وضحايا مجزرة بشتا شان من الشيوعيين.
إن توسيع حقب الانتهاكات، وهي مهمة ليست سهلة، تستدعي تقييم كيفية تطبيق العدالة الانتقالية لضحايا الحقبة الحالية الممتدة بلا تحديد زمني قانوني. مما يتطلب الإجابة على السؤال الاهم أولا، وهو هل ما تم العمل به هو عدالة انتقالية فعلا؟ تدل مراجعة عمل المؤسسات التي استحدثت وآليات التطبيق على ان العدالة الانتقالية تحولت ضمن التجربة العراقية الى عدالة انتقائية – انتقامية. تمركزت حول احتكار الحقيقة من قبل السلطة والجهات الرسمية وانتقائية « الضحايا» وكتم انفاس الحقيقة بما يسمى جبر الضرر، حيث أسست اللجان والمؤسسات بدون تشريع قانوني او مشاركة الشعب عبر منظمات المجتمع الاهلي والمدني او تشكيل لجان حقيقة بامكانها توثيق سردية الانتهاكات، من اعتقال وتعذيب وقتل، بشكل محايد بعيدا عن التضخيم والتخيل وروح الانتقام، لئلا يتم تكرارها مستقبلا.
ينتهي التقرير بقائمة تشخيص وتوصيات طويلة، توحي للقارئ بانها محاولة لضخ الحياة في تجربة أخفقت بقوة من ناحية تطبيق المفهوم الحقيقي للعدالة. وأسباب الاخفاق معروفة للجميع مهما كان نبل التعابير والمصطلحات المستخدمة. وهي غياب الإرادة السياسية الصادقة، وهيمنة روح الانتقام، والطائفية، والافلات من العقاب، والأكثر من ذلك هو استشراء منظومة فساد مالي وسياسي وإداري، اختزلت تحقيق العدالة بدفع التعويضات، فقط، ضمن سياسة منهجية لاستقطاب المؤيدين.
بينما يتطلب تطبيق العدالة الانتقالية، استقلال البلد، والارادة السياسية الصادقة وان تبنى العملية على مشاورة ومساهمة أبناء البلد، أنفسهم، في اتخاذ جميع الخطوات اللازمة لضمان حق الضحايا في معرفة الحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر، وعدم التكرار، لضمان مصالحة ماضي العراق مع حاضره أملا بحماية مستقبله.

 

 

جائزة كتاب فلسطين

ومقاومة تزييف التاريخ

هيفاء زنكنة

 

لم تكن الهوة بين الشعوب العربية وحكوماتها أكبر وأعمق منها، مما نعيشه، حاليا، حول فلسطين. ففي الوقت الذي سارعت فيه حكومات عربية، الى إعلان التطبيع الرسمي مع الكيان الاستعماري العنصري، تزداد مقاومة الشعب الفلسطيني تجذرا، ونشاطات مناهضة التطبيع الشعبية العربية انتشارا، وحملات التضامن العالمي والانضمام الى حملة المقاطعة تزايدا حول العالم.
لم يعد تبرير استخذاء الحكومات وخضوعها لابتزاز وضغوط شرطي العالم من جهة وتبريرها بأنها تفعل ذلك من أجل « السلام» وانهاء « النزاع الفلسطيني الاسرائيلي» ، من جهة أخرى، ساري المفعول. كما انتهت صلاحية ادعائها بأنها تحقق ما يصبو اليه الجيل الفلسطيني والعربي الجديد. فيوم الأرض، مثلا، لايزال جزءا من الذاكرة التي يحاولون طمسها. وتنوعت مستويات المقاومة، بفضل مبادرات الجيل الجديد الذي يواصل نضال آبائه واجداده ، سواء كان داخل أو خارج فلسطين. يحملون شعلة المقاومة، بأشكالها وتنوعاتها، لوحدهم أو مع المتضامنين مع عدالة القضية الفلسطينية عالميا.
يركز عدد من المبادرات الفلسطينية العالمية على الجانب الثقافي لمقاومة الاحتلال، وأن تكون السردية الفلسطينية أداة حفظ الذاكرة ومواجهة عمليات التزوير. ولنقل الرواية الفلسطينية إلى أوسع جمهور ممكن أطلقت منظمة (ميدل إيست مونيتور) جائزة كتاب فلسطين عام 2011. احتفاء بإنجازات الكُتاب ، أينما كانوا، في الكتابة عن فلسطين ولتشجيع الناشرين على نشر الكتب المعنية بفلسطين ، كما يذكر د. داود عبد الله، رئيس المنظمة. واذا كانت فكرة الجائزة قد بدأت كفكرة بسيطة فانها نمت وتطورت خلال العشر سنوات، نتيجة العمل الدؤوب لفريق مؤمن بفلسطين وأهمية الكتب، وعلى رأسهم الصحافية الناشطة فكتوريا بريتن، والزميل د.ابراهيم درويش، وكان لي شرف الانضمام الى الكادر في العام الثاني للجائزة.
كيف نقيم عمل الجائزة بعد عشر سنوات على تأسيسها ؟ تمكنت الجائزة ، تدريجيا، من جذب انتباه دور النشر والجامعات والمؤلفين المستقلين، في ارجاء العالم ، حيث باتت تتقدم بكتبها الصادرة عن فلسطين ، المستوفية لشروط الجائزة الرئيسية بأن يكون الكتاب عن فلسطين وباللغة الانكليزية وتمت طباعته خلال العام السابق لمنح الجائزة. واذا كان عدد الكتب مقياسا للنجاح فتجدر الاشارة الى ان العام الاول شهد استلام 20 كتابا ووصل العدد في الاعوام الاخيرة الى خمسين كتابا، تغطي موضوعات واسعة، من السياسة والاقتصاد وحقوق الانسان الى القصة والرواية والشعر والمذكرات وكتب الأطفال والرسم والتصوير والطبخ. أما المؤلفون فانهم من جنسيات ودول مختلفة بالاضافة الى الجيل الجديد من الفلسطينيين داخل فلسطين بالاضافة الى المهجرين في ارجاء المعمورة. ما يجمعهم هو التزامهم المبدئي بحقوق الشعب الفلسطيني وايمانهم، ككتاب وأكاديميين وشعراء وفنانين، بمقاومة الاحتلال عن طريق نشر المعرفة عن فلسطين وشعبها وتحدي الصورة النمطية لمظلومية المُستَعمر، مع بقاء معيارها هو الأصالة والإبداع في البحث.

قضية الشعب الفلسطيني ليست قضية خلاف أو نزاع بل قضية مقاومة استعمار استيطاني عنصري

وقد تطورت الجائزة لتصبح حدثا سنويا له مكانته ، في الساحة الادبية البريطانية. حيث يتطلع الجمهور المهتم ، الى حضور الامسية المقامة عادة في اليوم السابق لاعلان الفائزين، بلندن، للاستماع ومناقشة مؤلفي الكتب المرشحة للقائمة القصيرة. وكان الاستثناء الوحيد لهذا التقليد، هو ما تم في نوفمبر، من العام الماضي، حيث نوقشت الكتب المرشحة وتم الإعلان عن الفائزين، بواسطة تطبيق زوم على الانترنت ، بسبب الحظر المفروض على الاجتماعات لانتشار كوفيد 19.
في تلك الامسية، كانت د. ريما خلف ضيفة الشرف. والمعروف ان د. ريما كانت قد استقالت من منصب وكيل الأمين العام والأمين التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) عام 2017، عندما رفضت سحب تقرير مؤثر عن معاناة الفلسطينيين تحت الحكم الإسرائيلي ؛ خلص التقرير إلى أدلة دامغة على أن إسرائيل أقامت نظام فصل عنصري يضطهد ويسيطر على الشعب الفلسطيني ككل ، وفي أي مكان يقطنه. وهي، حاليا، عضو مؤسس ورئيس «المنظمة العالمية لمناهضة التمييز العنصري والفصل العنصري»
لخصت د. ريما ، في كلمتها اثناء الأمسية، الأسباب التي جعلت الجائزة متميزة، ومن بينها «تركيزها على موضوع كان حتى وقت قريب تحت الحصار في معظم دول العالم الغربي. كانت محاولة نشر كتاب عن فلسطين هناك ، ولا سيما كتابًا ينتقد إسرائيل ، بالنسبة للكثيرين، مهمة محبطة، إن لم تكن غير مجدية».
وأعطت أمثلة تبين مدى خوف الناشرين في المملكة المتحدة من نشر كتب قد تسيء ، بنظرهم للصهيونية ، ويتعرضون جراء ذلك لمقاطعة منظمة لجميع كتبهم، حيث « اضطر المؤلف آلان هارت أن يؤسس شركته الخاصة لنشر الطبعة الأولى من كتابه: «الصهيونية: العدو الحقيقي لليهود». كما كانت ترجمة الكتاب إلى اللغة الإنكليزية صعبة بنفس القدر إذا تضمن أي شيء قد يبدو أنه يشوه صورة إسرائيل».
وقد تم ترتيب برنامج يمتد على مدى الشهور المقبلة على موقع المنظمة للاحتفال بمرور العشر سنوات. يضم البرنامج مقابلات مع مؤلفين حازوا على الجائزة وناشرين وشخصيات فلسطينية واجنبية ساهمت بدعم المشروع. بالاضافة الى انتاج فيديو يحكي قصة الجائزة. وسيصدر خلال العام كتاب يضم كلمات ضيوف الشرف بالاضافة الى لوحات فنية وقصائد مختارة.
ان استلام ما يقارب 400 كتاب عن فلسطين ( وهو ليس كل المنشور) على مدى عشر سنوات، دليل مادي على مدى الاهتمام المتزايد بفلسطين كقضية عادلة غير قابلة ، كما يدحض زيف دعاة التطبيع مع المحتل بحجة اقامة « السلام». فقضية الشعب الفلسطيني ليست قضية خلاف أو نزاع بل قضية مقاومة استعمار استيطاني عنصري، وما التطبيع غير تنفيذ المخطط الامبريالي من قبل حكومات عربية مستبدة.
والكتب المؤلفة عن فلسطين ، كأداة انتاج ثقافي معرفي وحفظ للذاكرة، سواء كانت ضمن القائمة المختصرة أم لا ، هي جزء من سيرورة النضال للوصول الى الحل الحقيقي وهو انهاء الاحتلال وتحقيق العدالة كمفهوم للعيش بكرامة ومساواة.
والدرس الأوسع من النجاح النسبي في تجربة جائزة كتاب فلسطين هو امكانية تغيير السردية التي تفرضها الهيمنة السياسية الاستعمارية والصهيونية في المجال الفكري والثقافي، عبر جهد مثابر، ومتواصل يشترك فيه الناشطون من جميع الثقافات. وهو أمر ينطبق على مقاومة تزييف تاريخ الحروب التي شنت تحت لافتة محاربة الإرهاب واهمها جريمة غزو وتدمير العراق، كما على تاريخ الكولونيالية في بلدان العالم الثالث عموما.

كاتبة من العراق

 

 

عن النصر والحرية بعد

18 عاما من غزو العراق

هيفاء زنكنة

 

«في معركة العراق، انتصرت الولايات المتحدة وحلفاؤنا». أعلن الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش من على متن حاملة طائرات، في الأول من مايو / أيار 2003، واقفاً مباشرة تحت لافتة، كُتب عليها « أنجزت المهمة». وكان قد دَشَن، قبلها، حملة « الصدمة والترويع» على العراق، في 19 آذار/ مارس. حينها أكد الرئيس بوش لشعبه والعالم «إن تحرير العراق تقدم حاسم في الحملة ضد الإرهاب. لقد أزلنا حليفًا للقاعدة، وقطعنا مصدر تمويل الإرهاب». مؤكدا « لن تحصل أي شبكة إرهابية على أسلحة دمار شامل من النظام العراقي، لأن النظام لم يعد موجودًا».
لم يدم النصر طويلا، حتى بمفهوم الادارة الأمريكية للنصر. فقد فككت أحداث الايام والسنوات التالية كل ما قامت أمريكا وبريطانيا، مع متعاونين عراقيين، بتصنيعه من أكاذيب لتسويق الحرب ضد العراق. وقد أظهرت كل المراجعات والوثائق وحتى شهادات المسؤولين المشاركين في «المهمة» عمق الخدعة التي استخدمت لصناعة الرضا حول حرب عدوانية ضد شعب قاسى من حصار لا إنساني على مدى 13 عاما. وتحول النصر الموعود، المزجج بألوان «التحرير» و«الديمقراطية» إلى مفرخة لإرهاب منظمات ودول على حساب تخريب بلد واستباحة حقوق وحياة مواطنيه. مما دفع هانز فون سبونيك، ممثل الأمين العام للامم المتحدة السابق، الى القول «لم يبق بند في ميثاق حقوق الإنسان لم ينتهك بالعراق بعد احتلاله». ودفعت كثرة الاعدامات نافي بيلاى، المفوضة السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، الى وصفه بأنه «مسلخ بشري».
يأخذنا حال العراق اليوم، ونحن نقف على عتبة مرور 18 عاما على «انجاز المهمة» الأمريكية ـ البريطانية، الى مستويات المقاومة التي واجه بها المواطنون قوات الاحتلال وما أسست له من مشاريع تقسيم طائفية وعرقية ونهب اقتصادي. حيث كانت المقاومة المسلحة، اولى مستويات النضال. فكانت الفلوجة رمزا أراد المحتل والمتعاونون المحليون ابادته بكل الطرق الممكنة. من القصف بأسلحة محرمة دوليا الى تشويه المقاومة وتهديم 70 بالمئة من المدينة. كان الثمن غاليا. ولم تتح للمقاومين فرصة الاحتفال بفعل المقاومة والاستبسال، اذ تمت سربلتهم، في حملة إعلامية مكثفة، محليا خاصة، بالإرهاب. التهمة الجاهزة التي لم يعد بامكان أي معارض يرفع صوته احتجاجا للدفاع عن نفسه ازائها. تدريجيا، تعمقت قدرة توليفة الحكم (الطائفية + الفساد) على كتم انفاس شعب، محكوم عليه بالمادة 4 مكافحة الإرهاب، وشهادة المخبر السري، والقضاء الفاسد، بعد تعريضه للتعذيب والاغتصاب الذي امتد الى الرجال كما النساء. الأمر الذي دفع منظمة العدالة الانتقالية الدولية الى كتابة تقرير خاص حول الموضوع، احتل فيه العراق مركز الصدارة.

جددت الانتفاضة الأمل بإمكانية التغيير الحقيقي وليس مجرد تدوير الوجوه والمناصب بشكل تزويقي، وكانت ستحقق أهدافها فعلا لولا انتشار الكوفيد وما صاحبه من حظر صحي. ومع ذلك، لم تنطفئ الشرارة

إعلاميا، لم يعد عراق اليوم موضوعا «مثيرا» تستثمره اجهزة الإعلام لجذب القراء. انه، على الاغلب، محاط بالصمت. واذا ما حدث وأشير اليه لارتباطه بحدث « مثير» كما في زيارة البابا الاخيرة، فانه يُصنف تحت الصورة النمطية المعتادة لبلدان العالم الثالث، من الشرق الاوسط وافريقيا الى امريكا اللاتينية. كواحد من بلدان لديها حكومة وطنية، منتخبة، وجيش وقوانين ودستور. أما مشاكله من فساد ورشوة واقتتال داخلي، فهي، أيضا، جزء من الثقافة السائدة في تلك البلدان. تتقبل فيها الشعوب، باستسلام قدري، قادتها غير الأخلاقيين والفاسدين الذين يمارسون السلطة من خلال المحسوبية.
بتقديم هذه الصورة، يُنفى واقع الاحتلال وجرائمه وما سببه من فتح الأبواب أمام التدخل الإيراني، ومأسسة ميليشيات يزيد عددها على الاربعين، وزرع بذرة الانتقام المتمثلة بالمنظمات الإرهابية. في ذات الوقت الذي تمكن فيه المحتل الأمريكي/ البريطاني من تغيير دوره من محتل الى متدخل بمهمة انسانية، لتقديم المساعدة والاستشارة والتدريب للحكومة «الديمقراطية» حديثة الولادة، مع التأكيد المستمر أن وجودهم، مهما كان شكله وحجمه، انما يتم بناء على دعوة الحكومة العراقية.
الا ان سياسة وصم المقاومة بالإرهاب التي نجحت، الى حد ما، في بعض المحافظات، وصورة الاستسلام القدري في محافظات اخرى، والتخويف من ( الآخر) أسقطتها انتفاضة تشرين/ اكتوبر 2019 ز فكانت صرخة «نريد وطنا» و « وكلا للاحتلال الأمريكي والإيراني» جماعية. وجاء رد فعل النظام والقوى التي يستقوي بها وحشيا. فعوقب المحتجون السلميون باستخدام قوات الأمن الذخيرة الحية ضدهم. وحين عادت المرأة الى ساحات التحرير لاستعادة دورها النضالي، جوبهت بالاختطاف والاعتقال والانتهاكات الجسدية. سلب النظام حياة 600 متظاهر وجرح الآلاف.
جددت الانتفاضة الأمل بإمكانية التغيير الحقيقي وليس مجرد تدوير الوجوه والمناصب بشكل تزويقي، وكانت ستحقق أهدافها فعلا لولا انتشار الكوفيد وما صاحبه من حظر صحي. ومع ذلك، لم تنطفئ الشرارة. بقيت متوقدة في مدن متعددة من بينها الناصرية (محافظة ذي قار) على الرغم من كل اساليب القمع والقتل وتصاعد ظاهرة الاختطاف والاختفاء القسري. حيث كشفت مفوضية حقوق الإنسان في العراق، في الاسبوع الماضي، عن تلقيها 8 آلاف بلاغ عن حالات اختفاء قسري للمواطنين خلال السنوات الأربع الأخيرة. وشهدت الايام الاخيرة تصاعد وتيرة التظاهرات في مدينة النجف، حيث بيت المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني الذي زاره البابا فرانسيس، يوم 6 مارس/ آذار. والمفارقة أن يؤكد المرجع للبابا «اهتمامه بأن يعيش المواطنون المسيحيون كسائر العراقيين في أمن وسلام وبكامل حقوقهم الدستورية» وهاهي القوات الأمنية تواصل عنفها المعتاد واطلاق قنابل الغاز والرصاص ضد المتظاهرين ومنع إسعاف المصابين منهم، على مقربة من بيته. فهل هذا ما يعنيه بتمتع سائر العراقيين بالامن والسلام والحقوق الدستورية؟
«الخائفون لا يستحقون الحرية» واحد من شعارات المنتفضين التي بقيت ترفرف عاليا في ساحة التحرير، ببغداد، وساحة الحبوبي في الناصرية، وهو شعار يعبر، في عمقه، عن روح مقاومة المحتل، المتمثلة بالفلوجة رمزا، والنضال ضد الطائفية والفساد، من اجل الحرية والكرامة والعدالة، في ارجاء العراق. وهي روح لاتزال تنبض بالتحدي وعدم الخضوع، على الرغم من مرور 18 عاما على محاولة دحرها.

كاتبة من العراق

 

 

نحن والغرب… النساء

لسن أخوات كما يقال لنا

هيفاء زنكنة

 

لم تحظ المرأة، في أرجاء العالم، على مدى قرون، بالاهتمام الإعلامي الذي حظيت به في الشهور الأخيرة، ولأسباب مختلفة. من بين أسباب هذا الاهتمام المتأخر نجاح المرأة في تحقيق انجاز مؤثر، في مجالها الذي تعمل فيه، وهناك ما يدل على انه سيؤدي الى تغيير حياة آخرين مستقبلا بالاضافة الى تأثيره الحالي، بالإضافة الى النجاح في تطبيق القوانين المشرعنة لحماية حقوق المرأة، وأولها حق الحياة، في بعض الدول.
هناك، ايضا، الاهتمام الإعلامي المرتبط بـ« نجومية» عدد من النساء، على مستوى كوني، وكونهن محط متابعة شعبية لأسباب فنية او تجارية، أو ضحية اعتداء أو جريمة تهز المجتمع أو تأسيس مشروع بحاجة الى التسويق الإعلامي التجاري من خلال تسويق نفسها. واذا كانت هذه الموضوعات لا تختلف كثيرا عما يحظى به الرجل، الا ان منبع الاختلاف هو التركيز والتكثيف الذي نالته، أخيرا، وساعدت مناسبة اليوم العالمي للمرأة في الثامن من الشهر الحالي، على زيادته، خاصة وقد أصبح اليوم، مثل عديد الايام المناسباتية، عابرا للحدود ويكاد يكون جسرا يوصل بين نساء العالم. أو هذا ما تحاول شعارات الاحتفالات التي تقيمها الحكومات والمنظمات الدولية والمحلية، ارتدائه للاحتفاء بـ « نخبة» من نساء يتم انتقائهن من قبلهم. ونادرا ما تكون عملية الاختيار واقعية بمعنى تمثيل غالبية النساء، بل تخضع لحسابات سياسية وإيديولوجية أو دينية. مما يؤدي الى اقصاء المبدعات والمؤثرات الحقيقيات، وتهميش أدوارهن، وطمس امكانية ان يصبحن نموذجا يحتذى من قبل الأخريات.
ويتبدى هذا بشكل واضح، أكثر من غيره، في بلداننا الخاضعة لأنظمة يعيش ساستها حالة انفصام الشخصية (شيزوفرينيا) أسمها « وجود المرأة». حيث يحبذون توقيع الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة بحقوق المرأة كمواطنة، ويتباهون بها، ولا مانع لديهم من سن القوانين التي تدين وتعاقب مرتكبي العنف ضدها، الا انهم نادرا ما يعملون على تفعيلها، لتصبح القوانين مجرد بودرة مكياج لتجميل وجه قبيح. فهم بحاجة دائمة الى تبييض وجوههم أمام العالم الخارجي/ الغربي، والتصريح الدائم بانهم يعملون على تحقيق المساواة وردم هوة التمييز بين المرأة والرجل.
كشف الاهتمام الإعلامي المكثف، اخيرا، المستويات المتعددة للعنف ضد المرأة، من خلال مقارنة وضعها بين دولة وأخرى، ومدى التقدم الذي احرزته في الغرب، حتى على مستوى الاستخدام اللغوي للتعابير والمصطلحات، بالمقارنة مع بلداننا. مما يضيف الى شيزوفرينيا ساسة الانظمة لدينا، ازدواجية المعايير في الدول الغربية، والتلاعب الذكي بالقوانين والاتفاقيات الدولية.
فالعنف الذي يستهدف امرأة واحدة في الغرب، مهما كانت درجته، يطرح للنقاش العام، والمساءلة، ومحاسبة مرتكبه، واحتمال اجراء تغيير لصالح المرأة ضمن القوانين المرعية. فجريمة قتل الشابة البريطانية سارة إيفرارد، وهي في طريق عودتها الى دارها بلندن، صار حدثا شغل المسؤولين والقانونيين والمنظمات النسائية حول حرية المرأة في الأماكن العامة وكيفية حماية حقها هذا. كما أثار ظهور الممثلة الأمريكية ميغان، زوجة الامير هاري، في مقابلة تلفزيونية، أشارت فيها ألمها، اثناء حملها، حين سأل احد اعضاء عائلة زوجها، عن لون بشرة ابنها، ضجة كبيرة حول العنصرية داخل العائلة المالكة والمجتمع عموما، باستقطاب لم تشهده بريطانيا من قبل، مع تدخل سياسي وشعبي أمريكي، فاكتسب الحدث الشخصي، بعدا تجاوز الخاص الى العام، بسبب نجومية ميغان وانتماء الزوج الطبقي والتسويق الإعلامي المثير للمقابلة.

إن العمل المشترك، بكل السبل الممكنة، لترسيخ حق المواطنة في بلد حر ومستقل، هو المسار الذي سيُنّمي ثقافة مجتمعية تعيد تنظيم العلاقات بين مواطني البلد الواحد وتمتد للتواصل مع بقية البشر، على قدم المساواة

في ذات الوقت، تمر معاناة ملايين النساء في بلداننا، كحاشية في مقالة قلما يقرأها أحد. حيث تعيش المرأة أوضاعا وانتهاكات مرعبة في معسكرات تضم ملايين النازحين. أرقام واحصائيات من الصعب جدا استيعابها. اربعة ملايين ونصف المليون نازح ومهجر سوري في معسكرات ببلدان مختلفة. ووصل الاحساس بالخوف وعدم الأمان والفقر المدقع بالعوائل العراقية النازحة، منذ سنوات، في المخيمات الى توسل العوائل البقاء في المخيمات. فما بدأ مؤقتا صار دائميا في بلد يعتبر من الدول الغنية بالعالم. وتعيش المرأة اليمنية لحظات احتضار ابنائها بسبب سوء التغذية بينما تقف مع بقية النساء في طوابير طويلة، بانتظار استلام «المساعدات الإنسانية» من بلدان يقوم معظمها ببيع السلاح لتغذية الحرب في ذات البلد. فأي مستقبل تحمله الايام المقبلة لأبناء هذه العوائل سواء كانوا اناثا أو ذكورا، في ظل مفارقة مبكية يصبح فيها الموت، جوعا وقصفا، هو من يحقق المساواة بين الجنسين؟
كيف يمكن للمرأة، في بلداننا، تحقيق ما تصبو اليه من كرامة وعدالة وحرية؟ وكيف تتمكن من تحسين وضعها وهي تواجه زيف ادعاءات الأنظمة القمعية بتحقيق المساواة بالتعاون مع نساء يدرن منظمات «نسوية» وورشات تنتهي، غالبا، بتخريج نساء، يحفظن ويكررن عن ظهر قلب شعارات جاهزة عن « تمكين المرأة» و« تعزيز مشاركة المرأة في القيادة وعملية صنع القرار» و«الديمقراطية والنوع الاجتماعي» بينما لايتم التطرق الى الأسباب الحقيقية لتدهور وضع المرأة، على كافة المستويات، كما نرى في وضع المرأة العراقية، بسبب الاحتلال وانعكاساته وتنصيب حكومات فاسدة يجمع افرادها ما بين التخلف الديني والمجتمعي واحتقار المواطنين بلا استثناء؟
لقد أثبتت لنا سنوات الاحتلال الصهيوني لفلسطين والاحتلال الانكلو أمريكي للعراق، مثلا، ان تجزئة القضايا يساعد على تجذير الاختلاف، بشكل مَرَضي، وتمديد بقاء الاحتلال ولكن تحت مسميات جديدة. وان هذه التجزئة لا ترتقي بالعلاقات الانسانية بل تبين ان مفهوم نضال المرأة ليس واحدا، وان النساء لسن « أخوات» كما يقال لنا.
مما يجعل جوهر الحل هو الإيمان بان قضية المرأة هي قضية الرجل. وليس كافيا جلب امرأة للجلوس على منصة الخطب بين عشرة رجال يحتكرون الحديث عن السياسة والاقتصاد والسيادة، تاركين مساهمة زميلتهم على المنصة « عن المرأة» فقط وليس عن السياسة والاقتصاد والسيادة، وكانها امور لا تعنيها. الأمر الذي يدفعها، فورا، خارج خريطة الحياة العامة التي يرون أنفسهم معماريها. بينما المطلوب ان تكون حاضرة ومساهمة فاعلة في كل الجوانب، وجنبا الى جنب مع الرجل الذي هو نفسه بحاجة الى التحرير. إن العمل المشترك، بكل السبل الممكنة، لترسيخ حق المواطنة في بلد حر ومستقل، هو المسار الذي سيُنّمي ثقافة مجتمعية تعيد تنظيم العلاقات بين مواطني البلد الواحد وتمتد للتواصل مع بقية البشر، على قدم المساواة.

كاتبة من العراق

 

كانت زيارة البابا

إلى العراق تاريخية فعلا؟

هيفاء زنكنة

«جئت، رأيت، انتصرت». هل لهذه العبارة الشائعة باللغة اللاتينية، المنسوبة إلى يوليوس قيصر، وكان قد استخدمها في رسالة إلى مجلس الشيوخ الروماني، عام 47 قبل الميلاد، لابلاغهم عن انتصاره السريع ضد عدوه، علاقة بزيارة البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، الى العراق في 5 مارس/ آذار، والانتصار هنا بمعنى تحقيق هدف ما، أم ان الاقتباس الاصح هو «جئت. رأيت. غادرت» ولم يتحقق شيء؟ وهل كانت الزيارة، كما وصفت من قبل آلاف المواقع واجهزة الإعلام والناطقين الرسميين، في جميع انحاء العالم، بأنها «حدث تاريخي» فعلا؟
ان وصف حدث ما بأنه «تاريخي» يعني بأنه حدث مهم للمستقبل، أو من المحتمل أن يكون مهما، مستقبلا، أي أنه يؤدي إلى تغيير كبير، على مدى فترات زمنية طويلة، لأعداد كبيرة من الناس. بهذا المعنى، يمكن القول إن الحرب العالمية الثانية هي حدث تاريخي كما هو الغزو الانكلو أمريكي للعراق. حيث تعتمد تاريخية الحدث على ربطه بتغيرات تتكشف بسردية أكبر من «اهميته» في اللحظة الآنية، ولا تعتمد على المنظور الشخصي أو لاستيفائه الغرض منه في الوقت الراهن. فالتاريخ، كما هو معروف، ليس سلسلة من احداث بل استمرارية وتغيير. من هنا، سيكون مدى التغيير، بمقياس التقدم والتراجع، الذي ستؤدي اليه زيارة البابا فرانسيس هو المحك الحقيقي لتاريخية الحدث. لا ان يلتقي بالمرجع الديني السيستاني، وان كان يحظى بالاحترام والتقدير، أو يزور موقعا أثريا لاداء صلاة جماعية، مع عدد من رجال الدين العراقيين والتقاط الصور معهم، والقاء الخطب، واطلاق التصريحات عن «السلام والوحدة والتآخي والتسامح بين جميع مكونات الطيف العراقي الملون والجميل».
كما ان علاقة الحدث بالإعلام وتغطيته، مهما كانت مكثفة، وصبه قطرة قطرة، تدريجيا، في دماغ الجمهور، لا يعني انه حدث تاريخي. فمقابلة لزوجين ميغان ماركل والأمير هاري مع الإعلامية الأمريكية أوبرا وينفري استقطبت ملايين الناس من جميع انحاء العالم لأن التسويق الناجح وبشكل مقتطفات يومية وبمهارة في صياغة وكيفية تقديم الحبكة جعلت المقابلة «حدثا» يترقبه الكثيرون لكنه ليس حدثا تاريخيا. فالحدث التاريخي هو ما سيغير حياة الناس في المدى البعيد وبعد غربلته من البهرجة والتلوينات المزركشة وكثير منها نفسي وذكي إعلاميا. فاضراب العمال، في منطقة نائية بالهند، مطالبين بحقوقهم، لا اهمية له جماهيريا ما لم يغط إعلاميا بطريقة توصله الى بقية الناس، كما تقول الكاتبة والناشطة الهندية أرونداتي راي.
بعيدا عن البهرجة الإعلامية المبتذلة التي استهلها النظام العراقي بسير البابا ورئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بين صفين من رجال البادية الذين أشهروا سيوفهم عاليا في الهواء، برمزية مقلقة، أقرب ما تكون الى وحشية داعش، لم يلتق البابا الا بقلة من الناس العاديين، وان كان قد خاطب الكل قبل مجيئه، قائلا «لقد فكرت فيكم كثيرا منذ عدة سنين» إذ كان محاطا، طوال الوقت، بفرق الحماية والساسة الفاسدين. ساسة جعلوا من مقايضة الوطن والشعب، عملة لبقائهم الطائفي والعرقي، وادخلوا بتعاونهم مع قوى الاحتلال الارهاب، بابشع صوره، ضد كل المواطنين، وأولهم الأقليات، ثم وقفوا يتباكون استجداء للدعم المادي الدولي لانقاذ البلد المهدد بالارهاب، من جهة، ويتشدقون بالسلام والمحبة من جهة أخرى.

أما مدى «تاريخية» الزيارة فلنترك الحكم عليها للشهورالمقبلة، أن ترينا فيما لو نجح البابا في إحداث تغيير في حياة من أعلن حبه لهم

«لتصمت الأسلحة! ولنضع حدا لانتشارها هنا وفي كل مكان! ولتتوقف المصالح الخاصة، المصالح الخارجية التي لا تهتم بالسكان المحليين. ولنستمع لمن يبني ويصنع السلام!» قال البابا. لعله أراد بذلك انقاذ حياة البقية الباقية من المسيحيين الذين تراجع عددهم من مليون ونصف قبل الاحتلال عام 2003 إلى 400 ألف أو أقل من ذلك اليوم (لأن العراق بدون تعداد سكاني منذ ربع قرن) واقناعهم بالبقاء في بلد هو بلدهم. وهو خيار صعب جدا اذا ما ادركنا حجم التهديد والخطر الذي يتعرضون له، يوميا، من كل الجهات الهادفة الى تفتيت العراق، خاصة مع عدم وجود ما يشير إلى أي تغيير ايجابي، ولو بشكل الارتفاع درجة واحدة من الحضيض الذي انحدر اليه البلد جراء الاحتلال والفساد والطائفية والميليشيات المسلحة.
في كلمته المذاعة قبل وصوله العراق، قال البابا ان هدف زيارته هو «لكي التمس من الرب المغفرة. والمصالحة بعد سنين الحرب والإرهاب. ولاسال الله عزاء القلوب وشفاء الجراح». وهي أهداف انسانية فعلا لولا أنه كان بالامكان تحقيقها وهو موجود في دولة الفاتيكان بدون ان يتكلف، وهو المسن، عناء السفر، ويعرض حياة الآخرين لخطر الوباء المنتشر في بلد يعيش خراب الاحتلال والفساد المنعكس على خدماته الصحية المنهارة. كان بامكانه الاطلاع على حجم الظلم الذي يعيشه العراق وأهله منذ عام 2003 وان يطلع، في آلاف التقارير الحقوقية المحلية والدولية، بضمنها تقارير الأمم المتحدة، على المسؤول الحقيقي عن الانتهاكات والجرائم التي استهدفت المسيحيين والإيزيديين وكل من يرفع صوته احتجاجا، وآخرها حملة التهديد والاختطاف والقتل العلني للمتظاهرين السلميين. صحيح انه أشار الى ضرورة «التصدي لآفة الفساد» و«سوء استعمال السلطة» ولكن هذا هو بالضبط ما يكرره الساسة اللصوص. وكما كتب احد المعلقين على الفيسبوك: « لسنا بحاجة لأن يخبرنا البابا بذلك. بارك الله فيه».
إلا ان البابا نفذ مهمة ما كان بامكانه تنفيذها عن مبعدة وهي زيارة المرجع الديني الشيعي علي السيستاني في داره، بالنجف. وفي الوقت الذي لم يكف فيه البابا عن الصلاة والقاء الخطب طوال ايام زيارته، وبضمنها رأيه باللقاء، اطلعنا على رأي السيستاني من خلال بيان أصدره مكتبه. وهو أمر معهود اذ لم يُسمع السيستاني يوما وهو يخطب او ينطق او يتواصل حتى مع أتباعه. جاء في البيان ان سماحة السيد تحدث عن معاناة « شعوب منطقتنا… ولا سيما الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة». وبصدد معاناة المسيحيين «أكّد اهتمامه بأن يعيش المواطنون المسيحيون كسائر العراقيين في أمن وسلام وبكامل حقوقهم الدستورية». وكما نعلم أن هناك فرقا كبيرا بين «الاهتمام» و«التنفيذ».
اختتم البابا زيارته بالتجول في مدينة الموصل المهدمة ووقف متأملا بحزن الخراب الذي ألحقه تنظيم داعش باحدى الكنائس القديمة، كما التقى بعدد من اهل الضحايا الإيزيديين والمسيحيين والكرد. ولا ندري إن كان أحدا ما قد اخبره عن الخراب والموت الذي سببه القصف الأمريكي للموصل. ولعله اختار أن يتجاهل توقيت زيارته المصادف في الأيام السابقة لشن الحرب العدوانية ضد العراق التي سببت قتل مليون شخص.
أما مدى «تاريخية» الزيارة فلنترك الحكم عليها للشهورالمقبلة، أن ترينا فيما لو نجح البابا في إحداث تغيير في حياة من أعلن حبه لهم أو أن زيارته لا تزيد عن كونها « جئت. رأيت. غادرت».

كاتبة من العراق

 

 

هل مظاهرات العراقيين

ضد إيران أو أمريكا؟

هيفاء زنكنة

 

تحمل أيام هذا الشهر، حدثا كارثيا تحاول الذاكرة، عبثا، مسحه. إنه الشهر الذي ارتفعت فيه حمى التهيئة وتقديم «الأدلة» المبررة لغزو العراق، ومن ثم غزوه واحتلاله، من قبل امريكا وبريطانيا، بمساعدة «معارضين» عراقيين.
نلاحظ هذه الايام، انحسار تحميل البلدين مسؤولية التخريب الذي حل بالبلد والقائها، من قبل ساسة ومتظاهرين وبشكل كلي على إيران، التي لا ينكر أحد دورها التخريبي المتبدئ بأحزاب وعصائب وميليشيات ارهابية. الا أن محاولة فهم الخراب الاقتصادي والسياسي والمجتمعي لن تكتمل ما لم نعد خطوات الى الوراء لتعقب بداية المسار ومسؤولية امريكا وبريطانيا في الوضع المأساوي الحالي.
تم خلال شهر آذار/ مارس 2003، تسريع الترويج لكذبة، وتضخيمها بشكل مذهل ومبتذل في آن واحد، عن خطر عراقي يدعى أسلحة الدمار الشامل. أسلحة قيل ان بامكانها محو الشعب الأمريكي من على وجه الارض خلال ايام، وبامكانها استهداف الشعب البريطاني بيولوجيًا أو كيماويًا خلال 45 دقيقة، حسب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير. كذبة تلقفتها الادارة الأمريكية، وقدمها الرئيس جورج بوش في عديد الخطب والتصريحات. « النظام العراقي يمتلك أسلحة بيولوجية وكيميائية، ويعيد بناء المنشآت لصنع المزيد، ووفقًا للحكومة البريطانية، يمكن أن يشن هجومًا بيولوجيًا أو كيميائيًا في أقل من 45 دقيقة بعد إصدار الأمر «، كرر بوش ما قاله بلير ثم أعاد المسؤولون في أمريكا وبريطانيا تدوير الأكذوبة. « ليس هناك شك في أن صدام حسين يمتلك الآن أسلحة دمار شامل. ليس هناك شك في أنه يحشدها لاستخدامها ضد أصدقائنا… وضدنا «، قال ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي. الخيار الوحيد هو الحرب « لإظهار أننا سوف ندافع عن ما نعرف أنه على حق، لإظهار أننا سنواجه أنظمة الاستبداد والديكتاتوريات والإرهابيين الذين يعرضون أسلوب حياتنا للخطر»، صرح توني بلير.
مع ازدياد قرع طبول الحرب، انتشر الخوف من الآخر، من العراق، ومن اسلحته المبيدة للحياة. تعميم دفع وزارة الداخلية الى ان تنصح الأمريكيين بتخزين الأغطية البلاستيكية والأشرطة اللاصقة لحماية أنفسهم من الهجوم الإشعاعي أو البيولوجي المتوقع. بهذه الطريقة الدعائية الإعلامية تم تجريد عموم العراقيين، وليس صدام حسين لوحده كما يدّعون، من انسانيتهم. لم يعد العراقي إنسانا يستحق الحياة بل إرهابيا يستحق الموت وبأي طريقة ممكنة حتى اذا خرقت القانون الدولي والإنساني، وحتى اذا أدى الى « التمرد ضد الولايات المتحدة و زيادة التعاطف الشعبي مع الحركات الإرهابية» كما حذر مجلس الاستخبارات القومي بوش في يناير 2003. ويشير سجل الاجتماع بين بوش وبلير في 31 يناير/ كانون الثاني 2003، أن بوش كان يعتزم غزو العراق حتى لو لم يعثر مفتشو الأمم المتحدة على دليل يثبت وجود أسلحة دمار شامل. بل كان مستعدا حسب قوله لتوني بلير أن يرسل « طائرات استطلاع يو 2، للتحليق فوق العراق وهي مطلية بألوان الأمم المتحدة لإغراء القوات العراقية بإطلاق النار عليها، الأمر الذي من شأنه أن يشكل خرقا لقرارات الأمم المتحدة» وبالتالي يدفع الأمم المتحدة الى اصدار قرار يشرعن الحرب العدوانية ضد العراق.

لم يعد العراقي إنسانا يستحق الحياة بل إرهابيا يستحق الموت وبأي طريقة ممكنة حتى إذا خرقت القانون الدولي والإنساني

اعلاميا، استفادت الادارة الأمريكية والحكومة البريطانية، من «المعارضة العراقية»، خاصة في مرحلة الترويج للحرب. وهل هناك ما هو أكثر نجاحا في التسويق من استخدام عراقيين يدعون الى « تحرير» العراق؟ وكان الكونغرس الأمريكي قد ضاعف تمويل جماعات المعارضة إلى أكثر من 25 مليون دولار في عام 2000. تم تخصيص 18 مليون دولار منها للمؤتمر الوطني العراقي الذي يتزعمه أحمد الجلبي، فقام الجلبي بتأسيس صحيفة «المؤتمر» وتوظيف مجموعة من الكتاب والشعراء الذين وجدوا أنفسهم في توجه «ليبرالي» يدعو الى بناء « الديمقراطية» ولو عن طريق شن الحرب والاحتلال. وكان الشخص الاقرب الى الجلبي والاكثر نشاطا في دعم الغزو الأمريكي هو كنعان مكية، الاستاذ الجامعي المقيم بامريكا، الذي رأى في الجلبي قائدا « مختلفا عن السياسيين العرب. لم يكن لديه أية مشكلة حول التعامل مع إسرائيل، والمسألة العربية الإسرائيلية، كما لم يكن لديه أي عظم قومي عربي في جسده». ومكية، كما هو معروف، الشخص الذي أخبر الرئيس بوش، قبل شهرين من بدء الحرب، في اجتماع في البيت الأبيض، أن العراقيين سيرحبون بقوات الغزو الأمريكي بـ «الحلوى والزهور». في مكية وجد الغزاة ضآلتهم. «أعتقد حقًا أنه سيتم الترحيب بنا كمحررين» كرر تشيني. «ما من شك أننا سنكون موضع ترحيب» قال وزير الدفاع رامسفيلد.
لم تكتف الادارة الأمريكية باستخدام المعارضة واستضافة « نسويات» عراقيات لالتقاط الصور مع بوش وكوندليزا رايس وباقي طاقم المحافظين الجدد، وهن يتحدثن عن أملهن بالتحرير، بل سبقت ذلك حملة قصف مكثفة وطلعات جوية بلغ عددها حوالي 22 ألف طلعة وقصف 349 موقعا. عاش الشعب العراقي خلالها يوميات خوف ورعب وحصار. مخاوف ناس عاديين وثقتها الفنانة الراحلة نهى الراضي، في كتابها الرائع « يوميات بغدادية».
في خطابه المشهور أمام الأمم المتحدة، الذي قدم فيه « أدلة» تثبت امتلاك العراق اسلحة الدمار الشامل، قال وزير الخارجية كولن باول: «كل تصريح أدلي به اليوم مدعوم بمصادر، مصادر قوية. هذه ليست تأكيدات. ما نقدمه لك هو حقائق واستنتاجات تستند إلى معلومات استخبارية قوية «. تبين، بعد الغزو، ان مصدر الحقائق التي استندت اليها أمريكا في غزوها العراق، هو مهندس عراقي لاجئ في المانيا، يدعى رافد أحمد علوان الجنابي. اعترف في 15 فبراير 2011، لصحيفة الغارديان، إنه لفّق حكايات عن شاحنات أسلحة بيولوجية متحركة ومصانع سرية بعد استنطاقه من قبل المخابرات الالمانية والبريطانية. واضاف «لقد منحوني هذه الفرصة. سنحت لي الفرصة لابتكار شيء لاسقاط النظام. كانوا يعلمون انني كاذب منذ منتصف 2000 ».
إن مراجعة سيرورة صناعة الاكاذيب التي أدت الى تخريب البلد، وقتل ما يزيد على المليون مواطن، اما بشكل مباشر أو غير مباشر، وانعكاسات الخراب على البنية الاجتماعية، وفتح الأبواب امام ارهاب الدول والمنظمات، يؤكد مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والمتعاونين معهما من العراقيين أولا، ومن الضروري التذكير بذلك لئلا ننسى، ولكي تقودنا الاحتجاجات والاعتصامات، بتكلفتها البشرية العالية، الى الاستقلال الحقيقي وليس التدمير الذاتي الناتج عن تفتيت الأدوار.

كاتبة من العراق

 

 

المعلن والمستور في تقرير

بلاسخارت عن العراق

 

هيفاء زنكنة

 

ما هو الانطباع الذي يتركه الاصغاء أو قراءة تقرير يطرحه مسؤول أممي امام مجلس الأمن الدولي وهو مشحون بالعبارات التالية: «وكما سمعتموني أؤكد من قبل. واليوم، لا يسعني إلا أن أكرر ما قلته. وكما قلت سابقا. وأقول مرة أخرى»؟
هذا ما كررته السيدة جنين بلاسخارت، رئيسة بعثة الأمم المتحدة في العراق ( اليونامي) مرارا، في تقريرها أمام مجلس الأمن، في 18 شباط / فبراير، الذي تناولت فيه « ما يأمل العراقيون تحققه عام 2021، في عديد الجبهات وأهمها الانتخابات والإصلاح الاقتصادي وتعزيز سيادة القانون وتوفير بيئة أكثر أمناً للجميع» حسب تعبيرها. والمعروف أن السيدة بلاسخارت حظيت منذ تعيينها، بالعراق، بضجة، لم تثرها أمرأة أخرى تحتل منصبا رسميا فيه. فأخبارها، بما فيها صور من تلتقي بهم وتفاصيل تصريحاتها وحتى ما ترتديه، نظرا للظرف العام المحيط بعملها وتوقعات الناس منه، محط اهتمام، يمنحها، ظاهريا، سلطة أكبر بكثير من صلاحياتها وطبيعة موقعها.
وفي ظل أجواء الاحباط العام وكثرة التقارير، غير المجدية، المستهلكة للورق، والتصريحات « التوافقية» للأمم المتحدة، باتت بلاسخارت الوجه الذي تركزت عليه النقمة، والتعليقات الغاضبة، والساخرة، وحملات المطالبة بطردها، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى نكاد ننسى بأنها ممثلة منظمة لا يمكن ان تمارس عملها، ما لم تحصل على موافقة الحكومات والدول التي تفتح مكاتبها فيها، وان تقاريرها وتصريحاتها محكومة باحتمال سحب الموافقة او حتى المحاربة اذا ما تجاوزت حدودها. فاليونامي، مثلا، تأسست اثر الاحتلال، عام 2003، بناء على طلب حكومة العراق. وأنها لا تملك صلاحية تنفيذ القرارات بل يقتصر عملها على تقديم المشورة والمساعدة في مجالات شاملة، بالإضافة الى العمل مع الشركاء الحكوميين والمجتمع المدني لتنسيق الجهود الإنسانية والإنمائية لوكالات الأمم المتحدة وصناديقها وبرامجها.
ضمن هذه الهيكلية، استهلت بلاسخارت تقريرها بتقديم صورة عن الجانب الاقتصادي. فأشارت الى تخفيض قيمة الدينار العراقي بما يزيد عن 20 بالمئة في نهاية العام الماضي، وتزامنه مع ارتفاع 40 بالمئة من عوائد النفط، مما أدى إلى التخفيف من أزمة السيولة، وتوفير متنفس للحكومة، للمضي قدماً فيما اعتبرته قضايا ملحة مثل تقديم الخدمات العامة ورواتب الموظفين الحكوميين. الجانب الثاني الذي تناولته، هو عدم اقرار قانون ميزانية العام الحالي حتى الآن، منتقلة بعده إلى الموعد الجديد للانتخابات العامة وهو العاشر من تشرين الأول/ اكتوبر 2021، واصدار البرلمان التشريع اللازم لتمويل الانتخابات، وبداية تسجيل المرشحين والتحالفات، وتحديثات سجلات الناخبين. وحثت المجلس على الموافقة على طلب الحكومة العراقية بخصوص المراقبة الانتخابية لأهميته البالغة. وكما هو متوقع، أكدت أن منظمة الدولة الاسلامية «داعش» لاتزال نشطة في البلاد مما يقتضي استمرار الدعم ضد الإرهاب. عن الوضع الانساني للاجئين، بينت بلاسخارت ان الحكومة جددت جهودها لإغلاق مخيمات النازحين العراقيين- العديد منهم نساء وأطفال.

لا يمكن الخروج من الوضع المأساوي المتدهور أكثر فأكثر بدون ايجاد الحل لها، من بينها وجود الميليشيات وارتكابها الجرائم بلا مساءلة وإرهابها المواطنين وسيطرتها على مقدّرات الدولة

قد تبين قراءة الخطوط العامة للتقرير أن بلاسخارت تستحق، فعلا، حملة التسقيط التي تشن ضدها الا ان القراءة المتأنية تشير الى انها استخدمت لهجة، كشفت فيها مدى تدهور الوضع في العراق، بكافة الجوانب التي تناولتها، وان حاولت عدم تجاوز الحدود المرسومة لعمل منظمة الأمم المتحدة. حيث أبدت أسفها لعدم تنفيذ تدابير الاصلاح الاقتصادي وذلك لعدم مصاحبته « المعركة ضد الفساد الاقتصادي والسياسي وتعزيز الحوكمة القوية والشفافية والمساءلة». وعادت لابداء الاسف ازاء « الحقيقة المُرة» بأن التوصل إلى اتفاق نهائي ودائم بين العراق الاتحادي وإقليم كردستان بشأن المسائل المتعلقة بالميزانية وقضايا أخرى أكبر، لا يزال أمراً بعيد المنال. وان المفاوضات « تتسم بطابع سياسي متأصل وتعكس استفحالاً للهواجس وانعدام الثقة». وباختصار شديد « أن الوضع الراهن مخيب للآمال بشكل خاص» وينعكس على استقرار البلد بكامله.
ولم يتوقف احساس بلاسخارت بالأسف عند هذا الحد بل امتد ليشمل قرار الحكومة باغلاق مخيمات النازحين وعدم الاصغاء لتوصيات البعثة بتوفير تدابير آمنة وكريمة لحل مشكلة النزوح بدلا من التسرع والتعتيم، مما أدى الى نتائج كارثية، مثل النزوح الثانوي أو عودة الناس إلى مناطق تفتقر إلى المأوى والخدمات الأساسية. كما ذكّرت بأن هناك ما يقرب من 30 ألف عراقي يقيمون في مخيم «الهول» بسوريا، بمن في ذلك عراقيون لا ينتمون لتنظيم داعش، وعلى العراق مسؤولية استعادة مواطنيه، ابتداءً بالحالات الإنسانية. «وأقول مرة أخرى: يتوجب التعامل على نحو عاجل، وبلا مزيد من التأخير، مع الحالات الإنسانية لمن لا ينتمون لتنظيم داعش».
وقدمت، عند تطرقها الى ما يتعرض له المتظاهرون من قمع، معنى الديمقراطية الغائب في البلد، قائلة : « اسمحوا لي أن أعلن بوضوح أن القمع وانتهاكات الحريات الأساسية – بما في ذلك حرية التعبير والتجمع السلمي – والاختفاء القسري والقتل المستهدف، كل ذلك لا مكان له في الديمقراطية. ولسوء الحظ، لا تزال الشفافية والعدالة والمساءلة غائبة إلى حد كبير – لا سيما عندما يتعلق الأمر بقمع الاحتجاجات الشعبية في جميع أنحاء العراق، بما في ذلك في إقليم كردستان» محذرة بأن الغضب العارم سيندلع مرة أخرى عاجلاً أم آجلاً، إذا لم يتغير الوضع. واختتمت بلاسخارت تقريرها بالتأكيد على اهمية الانتخابات المقبلة وأملها في ان» تكون الانتخابات موضع ثقة، وأن تحل المساءلة محل الترهيب، وأن تسود الشفافية، وألا يكون الولاء معروضا للبيع».
لقد تناولت بلاسخارت، كما أشارت في بداية تقريرها، جوانب عدة من الوضع العراقي، الا أنها تفادت طرح مسائل مهمة جدا، لا يمكن الخروج من الوضع المأساوي المتدهور أكثر فأكثر بدون ايجاد الحل لها، من بينها وجود الميليشيات وارتكابها الجرائم بلا مساءلة وإرهابها المواطنين وسيطرتها على مقدّرات الدولة. كما لم تشر الى التدخلات الخارجية، خاصة الإيرانية والتركية، الا بجملة غامضة، مفادها « يواصل القادة العراقيون الحفاظ على علاقات مفتوحة خدمة للسياسة الخارجية التي تؤكد على سيادة العراق»؟ في الوقت الذي قدمت فيه الانتخابات كما لو كانت الأمل المرجو بدون التطرق الى ان الميليشيات المهيمنة بأحزابها الحاكمة هي ذاتها التي ستخوض الانتخابات، وهي ذاتها التي قدمت لها بلاسخارت توصياتها سابقا، ولم يؤخذ بها اطلاقا. ولعل هذا هو مبعث « أسفها» و«سوء حظها» ويأسها من تكرار توصياتها، الذي يُستشف بوضوح في كافة الجوانب التي تطرقت اليها، وان كانت لا تريد الاعتراف به بحكم منصبها.

كاتبة من العراق

 

 

نافذة للأمل

من فيتنام إلى العراق

هيفاء زنكنة

 

من بين الأخبار القليلة المفرحة التي تناقلتها وكالات الأنباء، أخيرا، نجاح الصحافية والناشطة فان تران تو نيجازاده، الفيتنامية الأصل والفرنسية الجنسية المولودة عام 1942، في رفع دعوى قضائية ضد 14 شركة متورطة في تصنيع وبيع المادة الكيميائية المسماة «العامل البرتقالي» إلى الحكومة الأمريكية، المنخرطة حينها في الحرب ضد فيتنام.
من بين الشركات التي رفعت الدعوى ضدها شركة مونسانتو (المعروفة بانتاجها وتسويقها البذور المعدلة وراثيا) التي تملكها، حاليا، شركة باير الألمانية المعروفة، عالميا، بانتاجها الأدوية أيضا. وكانت فان تران قد عانت هي نفسها من أمراض نادرة جراء التعرض لآثار العامل البرتقالي.
«العامل البرتقالي» هو مبيد أعشاب ونازع لأوراق الأشجار، وهو أكثر فاعلية بنحو 13 مرة من مبيدات الأعشاب العادية. قامت القوات الأمريكية برش 80 مليون ليتر من هذه المادة السامة فوق جنوب فيتنام في الفترة بين 1962 و1971، محاولة بذلك حرمان مقاتلي فيتنام الشمالية ( الفيتكونغ) من الغطاء الذي توفره لهم الغابات ضد القصف الجوي الأمريكي، بالإضافة الى حرمانهم وحاضنتهم الاجتماعية من مصادر الغذاء. أدى الاستخدام الأمريكي للمبيد القاتل الى إصابة ملايين الفيتناميين بأعراض لم يشهدوا لها مثيلا ولحقبة زمنية تجاوزت سنوات الحرب الى أيامنا هذه. اذ أدى تسرب المبيد من التربة الى المياه الجوفية والأنهار الى تعريض الفيتناميين، من اجيال تالية، الى إعاقات عقلية وجسدية وهاجمة مناعة الجسم. ولا تزال تتسبب في ولادة أطفال برؤوس متضخمة أو أطراف مشوهة، وانتشار الإصابة بالسرطان، بالاضافة الى الأضرار التي لحقت بالبيئة. من بين الضحايا ، عوائل قررت عدم انجاب الأطفال بسبب انجابها اطفالا مشوهين، وأخرى أنجبت خمسة عشر طفلا لم يعش منهم غير ثلاثة. وتشير احصائيات فيتنام الحكومية الى إن نحو ثلاثة ملايين فيتنامي تعرضوا للعامل البرتقالي وأن مليون شخص يعانون من تأثيرات خطيرة على الصحة من بينهم 150 ألف طفل على الأقل يعانون من عيوب خلقية.
حتى تاريخ النظر الحالي في الدعوى، كانت الحكومة الأمريكية قد قامت بتعويض جنود في الجيش الأمريكي والأسترالي والكوري عانوا من عواقب استخدام المادة الكيميائية في الحرب. إلا أن ذلك لم يشمل المواطنين الفيتناميين على الرغم من محاولات الضحايا المستمرة، وتنامي التعاون الأمريكي مع فيتنام كدولة ضمن الصراعات الإقليمية المتغيرة، اذ لم تعترف الحكومة الأمريكية أو الجهة المصنعة لهذه المادة الكيميائية بمسؤوليتها.
مما دفع الناشطة فان تران الى اقامة الدعوى ضد الشركات المنتجة في فرنسا. تتحجج الشركات، متعددة الجنسيات، بأنه لا يمكن تحميلها المسؤولية عن استخدام الجيش الأمريكي لمنتجاتها التي انتجتها، وان الشركات ، كما ذكر محامي مونسانتو، «تصرفت بأوامر من الحكومة ونيابة عنها».

سببت القذائف أضرارا صحية متعددة، ومنها السرطانية والجينية والتشوهات الخَلقية. حيث سجلت ارتفاعا ملحوظا في مستويات التشوهات الخلقية، وارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان، وظهور أمراض وتغيرات غير عادية في نسبة الجنس عند الولادة

إن سبب اعتبار خبر رفع الدعوى مفرحا لا يعود، فقط، الى مشاعر التضامن مع ضحايا الجريمة الأمريكية بل، ايضا، الى اقترابهم من تحقيق العدالة، ومحاسبة المسؤولين، قانونيا، عن جريمة حطمت حياة الملايين، على مدى عقود. وهو يماثل ما نطمح الى تحقيقه لضحايا قذائف اليورانيوم المنضب المستخدمة ضد العراق. اذ استخدمت القوات المسلحة الأمريكية والبريطانية ذخائر اليورانيوم المنضّب في مناطق مأهولة بالسكان، خاصة في جنوب العراق؛ طوال العمليات العسكرية لاحتلال العراق في عام 2003، ما أدى إلى تلوث المنطقة بالمواد المشعة، بالاضافة الى استخدامها في حرب الخليج الاولى، عام 1991، وهي الفترات التي يقدم تفاصيلها بدقة علمية رصينة بحث د. سعاد العزاوي المعنون « تقدير مخاطر استخدام أسلحة اليورانيوم المنضّب في العراق».
سببت القذائف، كما تؤكد عشرات الدراسات والبحوث العلمية ، أضرارا صحية متعددة، ومنها السرطانية والجينية والتشوهات الخَلقية. حيث سجلت ارتفاعا ملحوظا في مستويات التشوهات الخلقية عند الولادة، وارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان، وظهور أمراض وتغيرات غير عادية في نسبة الجنس عند الولادة، خاصة في أعقاب الهجمات التي قادتها أمريكا على مدينة الفلوجة، غرب العراق، في عام 2004. وهو الهجوم الذي يوصف بأنه الأكبر الذي خاضته قوات المارينز (البحرية الأمريكية) منذ حرب فيتنام 1968. وقام فيه الجيش الأمريكي بالتعاون مع قوات بريطانية وعراقية، بأمرة إياد علاوي، رئيس الوزراء حينئذ، باستخدام اسلحة اليورانيوم بالاضافة الى الفسفور الابيض.
تختلف حالات ولادة الأطفال المشوهين خلقيا وانتشار الأمراض السرطانية بين النساء والأطفال في المدن التي تعرضت الى اشعاع اليورانيوم المنضب ، عن بقية جرائم الاحتلال من ناحيتين، الاولى انها تشكل جريمة حرب تتنافى مع قوانين الحرب الإنسانية لأنها تستخدم اسلحة يبقى تأثيرها القاتل على المدنيين بعد انتهاء الحرب واسبابها. الثاني، لأنها وبسبب تأثيرها القاتل ببطء على الأطفال والنساء، جميعا بلا استثناء وبمساواة مخيفة، انما تشكل جريمة ابادة لمستقبل العراق كله وتؤثر بدرجة او أخرى على المنطقة كلها بسبب هبوب غبار الموت عليها وتلوث المياه والبيئة بشكل عام.
تكرر الحكومة الأمريكية في العراق ما فعلته في فيتنام، اذ ترفض، الاعتراف بأنها استخدمت مواد مشعة يبقى تأثيرها القاتل على السكان بعد انتهاء الحرب، وتهربا من المسؤولية القانونية وما يترتب على الاقرار بذلك من تبعات تعويض الضحايا المتضررين وتنظيف للأماكن بعد تزويد الجهات المعنية باحداثياتها، تنفي ومعها بريطانيا الاعتراف بتأثير اليوراينوم المنضب. وحتى الآن، ترفض الولايات المتحدة تقديم المعلومات الضرورية، الأمر الذي يعيق تنفيذ عمليات تقييم وإدارة التطهير اللازمتين، بل هناك ما يدل على ممارسة الضغوط على الجهات الرسمية العراقية لغض الطرف عن فتح هذا الملف الذي سيمنحها حق المقاضاة وأن تكون، كما هو مفروض، صوتا للضحايا وممثلة لمواطنيها.
إن رفع الدعوى ضد الشركات المنتجة للمادة السامة التي استخدمها الجيش الأمريكي ضد الشعب الفيتنامي يمنحنا الأمل، مهما كان صغيرا، في تحقيق العدالة، مستقبلا، لضحايا جريمة استخدام الولايات المتحدة الأمريكية قذائف اليورانيوم المنضب ضد الشعب العراقي. وهو أمل تقع مسؤوليته لنقله من مستوى التمني الى التحقيق الفعلي، في غياب العمل الحكومي الرسمي، العمل المكثف المثابر من قبل الناشطين في مجال حقوق الإنسان، والمنظمات الإنسانية المحلية والعالمية، بالتعاون بطبيعة الحال مع العلماء والباحثين.

كاتبة من العراق

 

 

8 شباط والصور المحفورة

في ذاكرة العراق الجماعية

هيفاء زنكنة

 

في 8 شباط / فبراير 1963، استيقظ العراقيون، في بغداد، على أصوات أعيرة نارية. كان ذلك انقلاب البعث الاول أو ما أطلق عليه البعث « ثورة رمضان». ومن يقرأ ما يتم تبادله على صفحات التواصل الاجتماعي، هذه الايام، من استعادة لأحداث الأيام والسنوات التي تلت هذه التاريخ، سيدرك أن العراقيين، من ذلك الجيل الذي عاصر تلك الفترة، وابناء ذلك الجيل الى حد ما، لايزالون يعيشون آثار ونتائج ذلك اليوم. فالمشاعر مشحونة بجروح عميقة لم تندمل على الرغم من مرور عشرات السنين، تغذيها ذاكرة تحتشد بالاعتقالات ودماء الضحايا. « إنه يوم مشؤوم في شهر مشؤوم» تقول سيدة ترفض أن تحتفل بأعياد ميلاد أفراد من عائلتها ولدوا في ذلك الشهر، معربة بذلك عن رغبتها في ألا ينسى أبناؤها ما حدث. يومها، شهد العراق اقتتال من ساهموا، سوية، في جبهة وطنية للاطاحة بالحكم الملكي واعلان الجمهورية المستقلة في 14 تموز/ يوليو 1958.
ما الذي تستعيده ذاكرة الشعب الجماعية عن تلك الحقبة التي استمرت تسعة شهور فقط؟ ماذا عن الجمهورية الاولى ( 1958 – 1963) والحكم الملكي الذي سبقها؟ هل هناك ذاكرة جماعية واحدة للشعب كله؟ لايمكن القول إن للعراقيين ذاكرة جماعية واحدة . بل تشير كل الدلائل التاريخية والشهادات الشخصية ومتابعة كتب المذكرات والبحوث الى أن هناك عدة مستويات للذاكرة، أو ذاكرات. ما يفرقها هو أكثر، احيانا، مما يجمعها، خاصة عند النظر الى مآسي تلك الحقبة ومن هو مرتكبها وانعكاساتها على الحاضر. ويدل اختلاف التسميات والمصطلحات المستخدمة للتحقيب على عمق الشروخ في الذاكرة والحاضر. فثورة 14 تموز، لدى البعض هي انقلاب دموي لدى البعض الآخر. وانقلاب شباط 63 الدموي لدى البعض هو عروس الثورات لدى البعض الآخر. ويقودنا الاختلاف بين الثورة والانتفاضة، حتى عند مراجعة معطيات الحدث الواحد، الى مسار يزيد من تعقيد قراءة التاريخ.
على الرغم من ذلك، وعلى اتساع اختلافات الأحداث المفككة للذاكرة الجماعية، ومعظمها اختلافات سياسية، بالمعنى السياسي الشامل للاقتصاد والبنية المجتمعية، هناك كوارث- مآس محددة رسخت في ذاكرة من عاصرها، بشكل صور دموية مرعبة لايزالون يعيشون دقائقها. ولا يزالون يستعيدونها ويقومون، في عصر التواصل الاجتماعي، بتناقل تفاصيلها وصورها.
من بين هذه الصور، أجساد العقداء الاربعة، قادة انتفاضة مايو 1941 ضد الحكم الملكي، الذين أعدموا وعلقت جثثهم أمام مبنى وزارة الدفاع، وسط بغداد، ليكونوا عبرة للجميع. «كنت في السادسة، سائرة بجانب والدي، حين رأيت الجثث المعلقة. أسرع والدي الخطى، ساحبا إياي بقوة، وركضنا خائفين. حتى اليوم، كلما أمر على المكان نفسه، استحضر ذلك المشهد كأنه يحدث اليوم» تقول مدرسة في الثمانين من عمرها. الصورة الثانية التي خلفها العهد الملكي هي إعدام قادة الحزب الشيوعي، يوسف سلمان يوسف (فهد) سكرتير عام الحزب، وعضوي المكتب السياسي زكي بسيم وحسين الشبيبي، فجر يوم 14 شباط 1949، وعلق الثلاثة، بعد اعدامهم، في ساحات متفرقة من بغداد. مما زرع بذرة اشاعة الترويع والإرهاب في الاماكن العامة.

خرج الشباب، وكلهم لم يكونوا قد ولدوا في حقب المآسي السياسية السابقة، مطالبين بوطن يوفر، للجميع بلا استثناء، حق الحياة والعمل والكرامة. على أمل ألا تكون أيام الاستذكار شحنا وتأجيجا للانتقام بل درسا جماعيا لوضع حد للاعتقالات والتعذيب والمجازر

وحصدت بعنفها حياة العائلة المالكة وعدد من سياسي العهد الملكي، بشكل أدخل على حياة العراقيين مفردات وممارسات عنف جديدة مثل السحل. واذا كانت رغبة ثوار 1958 هي تشكيل «حكومة تنبثق من الشعب وتعمل بوحي منه وهذا لا يتم إلا بتأليف جمهورية شعبية تتمسك بالوحدة العراقية الكاملة» كما جاء في البيان الاول، فان السنوات التالية جذرت خلافات، حفرت عميقا، في الجسد العراقي، مسببة من الجروح ما لم يكن في الحسبان، إذا ما افترضنا حسن النية ووطنية الأحزاب التي ذلقت طعم العمل الجماهيري العلني للمرة الاولى. فكانت الصراعات الشيوعية البعثية القومية التي أضافت الى بشاعة الماضي ودموية القتل والسحل وتعليق الجثث، غرز نواة المليشيات (تشكيل المقاومة الشعبية) وشعبوية الزعامة (سيادة الزعيم الأوحد الزعيم المنقذ ابن الشعب) وغوغائية الحشود المرتكبة للمجازر كما في مدينتي الموصل وكركوك.
هذه الصراعات المتراكمة عادت لتغرق بدمويتها، وروح الانتقام، العراق في الشهور التالية لشباط 63، حيث نجح البعثيون في حفر صور أخرى للقتل في ذاكرة المواطنين، أولها صورة رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم بعد اغتياله.
لم تقتصر رؤية الصورة على المارة في الأماكن العامة، كما كان يحدث في اعدامات النظام الملكي، مثلا، بل نجح النظام الجديد في ادخال الصورة الى كل البيوت، ليراها كل الناس، عن طريق البث التلفزيوني. وهو، الفعل الذي كررته قوات الاحتلال الانكلو أمريكي، بأيدي مستخدميها المحليين، باعدامها رئيس الجمهورية العراقية الرابع صدام حسين، عام 2006 وبث شريط إعدامه تلفزيونيا.
أشهر ما بعد 8 شباط، جلبت معها، أيضا، ميليشيا «الحرس القومي» والاعتقالات والتعذيب والإعدامات المستهدفة للشيوعيين، خاصة بعد أن أصدر الحزب الشيوعي نداء الى المواطنين يدعوهم فيه» الى حمل السلاح لسحق المؤامرة الاستعمارية الرجعية» . وكان للمرأة حصتها في التعذيب والاغتصاب، ليصبح جسد المناضلة مشاعا للجلادين.
ان استذكار 8 شباط، ضروري باعتباره جزءا من الذاكرة الجماعية أو كيف نتذكر تاريخنا. آخذين بنظر الاعتبار ان تكّونها يتأثر بعوامل عديدة، قد يطغى فيها احد الجوانب على أخرى، خاصة حين تتعلق بالهوية الوطنية كموقف أساسي، وما تتعرض له من تقليل او تضخيم او حتى صناعة، كما نلاحظ حاليا في البلد، مع وجود التدخل الخارجي بأنواعه. ولكن غالبًا ما تكون هناك مواضيع مشتركة. فكل العراقيين، مثلا، يتغنون بتاريخ العراق البعيد وحضارته، كما أن معظمهم يرى أن الخلافات والصراعات في عراق ما قبل الغزو الانجلو امريكي، عام 2003، كانت سياسية بالدرجة الاولى ولم تكن دينية طائفية. الاعتقاد الذي استعاد قوته، تدريجيا، عبر مقاومة المحتل والاعتصامات والتظاهرات التي سادت سنوات الاحتلال، وجاء تأكيده الواضح في انتفاضة تشرين الأول / اكتوبر 2019، حين خرج الشباب، وكلهم لم يكونوا قد ولدوا في حقب المآسي السياسية السابقة، مطالبين بوطن يوفر، للجميع بلا استثناء، حق الحياة والعمل والكرامة. على أمل ألا تكون أيام الاستذكار شحنا وتأجيجا للانتقام بل درسا جماعيا لوضع حد للاعتقالات والتعذيب والمجازر الجماعية والاستهانة بالإنسان.

كاتبة من العراق

 

 

لا تقترب لا تلمس…

حقول الموت في العراق

 

هيفاء زنكنة

إذا كان إجراء دراسة عن احصائيات الألغام الأرضية والقذائف غير المنفلقة، يقود الباحثين، عادة، الى كمبوديا التي زرع فيها ما بين 4 ملايين و6 ملايين لغم أرضي، خلال الحروب الأهلية بين 1975 و1998، مما تسبب في سقوط أكثر من 64 ألف ضحية، أو الى فيتنام التي تسببت بقايا الألغام الأرضية والمتفجرات التي ألقتها الولايات المتحدة عليها بمقتل 40 ألف شخص، منذ نهاية الحرب، فان العراق بات ينافس البلدين بل ويتغلب عليهما في كونه البلد الأكثر تلوثا في العالم من حيث حجم المنطقة الملغومة، حسب «مرصد الألغام الأرضية والذخائر العنقودية» في سويسرا.
مناطق العراق الملغومة ناتجة عن الحرب العراقية الإيرانية ( 1980-1988)، وحرب الخليج عام 1991، والغزو الانكلو أمريكي عام 2003. حيث ألقت قوات التحالف، بقيادة أمريكا 61 ألف قنبلة عنقودية، تحتوي على حوالي 20 مليون ذخيرة صغيرة على العراق والكويت في عام 1991. أما أثناء غزو العراق عام 2003، فقد استخدمت أمريكا وبريطانيا ما يقرب من 13 ألف ذخيرة عنقودية تحتوي على ما يقدر بنحو 1.8 مليون إلى 2 مليون من الذخائر الصغيرة. كما زرعت أمريكا 120 ألف لغم، منها 28 ألف لغم مضاد للأفراد و 90 لغماً مضاداً للمركبات، بالاضافة الى قنابل كانت قد رمتها القوات الأمريكية أثناء تقدمها البري باتجاه بغداد. وتشمل حقول الألغام حدود العراق مع إيران والمملكة العربية السعودية.
أما احتلال الدولة الإسلامية ( داعش)، لمساحات كبيرة بعد عام 2014، فقد أدى إلى زيادة التلوث بالألغام المرتجلة والعبوات الناسفة المزروعة في مختلف الأماكن المأهولة. وهي نقلة نوعية من ناحية استخدام السلاح المحظور في المدن وحتى داخل البيوت. فألالغام المضادة للأفراد محظورة بموجب معاهدة حظر الألغام التي وقعتها 155 دولة، باستثناء أمريكا، لحظر تصنيع واستخدام الألغام الأرضية، لأنها تهدد حياة المدنيين بعد فترة طويلة من انتهاء الحروب، وكونها لا تفرق بين المدني والعسكري، وأكثر من نصف ضحاياها هم من الأطفال الذين يلتقطونها كلعبة.
تشير تقارير مرصد الألغام الى أرقام مخيفة. تخبرنا أن الأراضي العراقية ملوثة بـ 25 مليون لغم ومليون طن من المقذوفات غير المنفجرة بعد، التي تشكل بمجموعها تهديداً مباشراً لقرابة 2117 تجمعاً مدنياً يعيش فيه قرابة 2.7 مليون مواطن عراقي. وتعتبر محافظتا البصرة والموصل من أكثر المحافظات تلوثا بالألغام والذخائر الحربية، ويقدر مدير التوعية ومساعدة ضحايا الألغام في المؤسسة العامة لشؤون الألغام في إقليم كردستان، في تصريح لموقع (درج) أن عدد ضحايا الألغام في كردستان يزيد عن 13 ألف مواطن. ويكثر عدد الضحايا والمصابين خاصة بين الفلاحين والرعاة. واذا كانت الألغام والقنابل غير المنفلقة سببا للموت الفوري، فانها، ايضا، مدمرة لحياة من يتعرضون للانفجارات فينتهون بإعاقات دائمة ليضافوا، وهنا المأساة، الى قائمة ضحايا الحروب الفعلية. يتراوح عدد مبتوري الأطراف بسبب الألغام في العراق بين 80 و100 ألف شخص.

الأراضي العراقية ملوثة بـ 25 مليون لغم ومليون طن من المقذوفات غير المنفجرة بعد، التي تشكل بمجموعها تهديداً مباشراً لقرابة 2117 تجمعاً مدنياً يعيش فيه قرابة 2.7 مليون مواطن عراقي

وتشكل الخسارة البشرية جانبا من جوانب تهديد حياة البلد المتعددة. من بينها اعاقة التنمية واستحالة استثمار الأراضي والاعمار في حال عدم تطهير الاراضي والاماكن السكنية. وهذا ما يتبدى بوضوح في الجانب الغربي من مدينة الموصل والأنبار وبقية المدن. فعلى الرغم من مضي سنوات على «التحرير» لاتزال عديد الأحياء، حقول موت اكثر منها مناطق صالحة للسكن وعودة الأهالي. وعلى الرغم من توقيع العراق، على اتفاقية أوتاوا الدولية الملزمة له بتنظيف البلد من الألغام المزروعة مع نهاية عام 2018، لكنه فشل في تحقيق ذلك ومدد الفترة عشرة أعوام أخرى، إلى عام 2028.
يبرر المسؤولون الحكوميون فشلهم بقلة الكادر المدرب على تطهير الأراضي الملغومة، وقلة المعدات الكاشفة، وعدم توفر المسح الميداني، وعدم حصولهم على خرائط توضح مكان انتشار حقول الألغام بالاضافة الى تصريحاتهم المستمرة عن قلة التمويل باعتباره السبب الرئيسي. متناسين ان العراق بلد غني بثروته وكفاءاته لو أتيحت فرص التعليم والتدريب، وبامكانه، ان لم تتحكم به حكومة اللصوص والفساد، ان يمد يد المساعدة الى بلدان العالم بدلا من استجداء المعونة المادية والقروض لزيادة محاصصة النهب.
إن كل لغم موجود في الأرض يمكن أن يعني فقدان حياة أو طرف آخر، ما لم يتم العمل على إزالته، والى أن يتحقق ذلك وجوب احاطة الأماكن الملغومة بالاسلاك الشائكة ووضع اشارات التحذير الواضحة والتوعية بوجودها في المدارس والندوات العامة واجهزة الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. والعمل على دعم وزيادة عدد مراكز التأهيل ومساعدة الضحايا الناجين من حوادث المخاطر المتفجرة وأفراد أسرهم. وهو، أحد الركائز الخمس التي تقوم عليها الأعمال المتعلقة بالألغام، والذي يعتبر قطاعا ناقص التمويل في العراق، حسب منظمة دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (أونماس). ففي 2013، أقر العراق قانون رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة وذوي الاحتياجات الخاصة، والذي حل محل جميع التشريعات الأخرى المتعلقة بالإعاقة إلا أنه لا يضم، على إشارة محددة للناجين من حوادث المخاطر المتفجرة.
إن تطهير الأراضي والأماكن من الالغام والمتفجرات ليس مهمة مستحيلة في بلد غني كالعراق. وخلافا لكارثة اليورانيوم المنضب الذي استخدمته أمريكا وبريطانيا ضد البلد، والذي يمتلك خاصية التسرب بين دقائق التربة ومدة تأثيره السام، تصل مئات السنين، بالامكان تنظيف الأراضي من الالغام الأرضية والمقذوفات غير المنفلقة اذا ما توفرت النية الحقيقية لحماية السكان المعرضين للخطر، وتوفير الدعم لهم. الدعم الذين هم بأشد الحاجة إليه لتخفيف معاناتهم الإنسانية. هناك، مثلا، بريطانيا التي أعلنت اخيرا تنظيف جزيرة الفولكلاند. ولأثبات عدم استحالة المهمة وتفكيك الادعاء بعدم قدرة العراق على تمويل منظمات عراقية ودولية متخصصة بتطهير الأراضي، تكفينا المقارنة ما بين سرقة مليارات الدولارات من قبل المتحاصصين في النظام، والمبلغ المطلوب لتمويل برنامج التطهير والذي تبلغ قيمته 265 مليون دولار، حسب آخر تصريح لدائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام. وهو مبلغ سيدفع تكلفته، بحياتهم، أشخاص لم يكونوا قد ولدوا بعد.

كاتبة من العراق

 

 

إقالة ومقاضاة

رئيس الوزراء العراقي

هيفاء زنكنة

 

الى قائمة ضحايا التفجيرات، بالعراق، أضيف يوم الخميس 21 يونيو/ كانون الثاني، 32 قتيلا، وأكثر من 110 جرحى. السبب: انتحاريان بحزامين ناسفين في سوق للملابس المستعملة، في ساحة الطيران، وسط بغداد.
ما الذي نعرفه عن الضحايا؟ إنهم باعة ملابس مستعملة ومشتروها. بينهم عمال يعرضون خدماتهم بأرخص الأسعار، وبسطات فقراء يبيعون ما لا يحتاجه المرء بأسعار لا تقيهم الجوع، إلا أنهم يثابرون على الجلوس في الساحة كبائعين حفاظا على كرامتهم، لئلا يتهمون بالاستجداء، باستثناء شابين هما علي وعمر، الضحايا أرقام بلا أسماء. اختزلت حياتهم إلى أرقام ستضاف، ان وجد من يوثق، الى قوائم ضحايا آخرين في ساحة الطيران، التي شهدت تفجيرات سابقة في عام 2018 و تشرين الثاني / نوفمبر 2019 والى بقية الضحايا في ارجاء العاصمة ومدن العراق الأخرى، والذين يزيد عددهم على المليون منذ عام 2003 ثمنا للتغيير او التحرير او سقوط بغداد. ليست هناك صحافة استقصائية مستقلة تتابع حياة الضحايا وتنشر تفاصيلها لتترسخ بالذاكرة. الصحافيون أنفسهم ضحايا جرائم من نوع آخر.
ما الذي نعرفه عن الانتحاريين؟ باستثناء التفجير المرعب واستخدامهما جسديهما المفخخين لنشر الموت، لا شيء تقريبا. وان كان هناك عدو جاهز واشاعات ونظريات مؤامرة يساعد على انتشارها عدم الثقة بالتصرحات الأمنية والحكومية. فبعد ساعة من المجزرة، وقف مسؤول امني، في الساحة، امام عدسات التصوير، قائلا : « نفذ التفجير انتحاريان. ربما… بالتأكيد داعش». بلا تحقيق أو جمع للأدلة أو إحاطة المكان بما يمنع تلويث الأدلة أو دوس بقايا الضحايا المتناثرة في ارجاء المكان. وبسرعة مذهلة، وصل الساحة فريق من عمال تنظيف الشوارع، نظفوا الأرضية بشكل لم تعرفه الساحة من قبل، وبدلا من انتظار وصول فريق التحقيق، غسلت الساحة من دماء وأشلاء الضحايا المختلطة ببقايا الانتحاريين، بلا دليل مادي وعلمي يماثل عمليات التمشيط التي تقوم بها اجهزة الشرطة والأمن في ارجاء الكون للتعرف على هوية المجرمين، بدأ المسؤولون « الأمنيون» ببث تصريحات صار الشعب العراقي يحفظها عن ظهر قلب. تصريحات جاهزة تتماشى مع أجندة الجهات المصدرة لها سياسيا وإعلاميا. ففي تصريح خاص لقناة «الحرة» المؤسسة من قبل السي آي أي، ومقرها واشنطن، قال المتحدث باسم قيادة العمليات المشتركة اللواء تحسين الخفاجي، وهو إن «تنظيم داعش هو المسؤول عن التفجيرين الانتحاريين اللذين وقعا في بغداد اليوم» مضيفا أن «الأجهزة الأمنية مستمرة في ملاحقة الجناة ومن قدم العون لهم وساعدهم» وهو ما تريد الادارة الأمريكية، أو مقررو سياستها الراهنون، سماعه تبريرا لاستمرارية عملياتها الخاصة تحت شعار «محاربة الإرهاب».
ما صرح به اللواء الخفاجي هو انعكاس لتصريحات مصطفى الكاظمي والاجراءات التي أعلن عن نيته اتخاذها، باعتباره رئيسا للوزراء والقائد العام لقوات المسلحة. وهي تصريحات بحاجة الى التمحيص لتبيان مدى صدقها وفاعليتها. حيث ترأس الكاظمي اجتماعا لقادة الأجهزة الأمنية والاستخبارية « لمناقشة الهجوم وعواقبه» وأمر بتشكيل لجنة تحقيق، أضيفت، كالعادة، الى مئات لجان التحقيق التي شكلت، سابقا، ودفنت في مخازن الفساد. كما أمر بإجراء تغييرات في «مفاصل الأجهزة الأمنية المسؤولة عن حادث ساحة الطيران». وهو اجراء، يبدو مشجعا ظاهريا، الى أن يتبين بأنه، في حقيقته، لعبة كراس موسيقية.

حكومة فاشلة، بلا مصداقية، مكونة من ميليشيات وعصابات بواجهات حزبية تتغذى على الفساد والعنف والجريمة والفقر والأمية والبنية التحتية المتداعية

اذ تم تدوير نفس الأشخاص في مناصب مغايرة بلا مساءلة أو محاسبة على إهمال وظيفي قاتل. ثم ما الذي يعنيه بوصفه المجزرة بأنها « حادث في ساحة الطيران»؟ كيف يمكن وصف قتل 32 شخصا وجرح 110 بأنه « حادث»؟ اليست هذه لغة المحتل التي طالما وصف بها جرائمه وانتهاكاته ومنهجية قتله للعراقيين بأنها « حادث»؟
ولا يتوقف الكاظمي في تصريحاته عند ذلك بل يسترسل بلغة اراد منها طمأنة أمريكا في « الحرب على الإرهاب» وخلق حالة من عدم الاستقرار التي تستدعي التدخل الخارجي، قائلا: «أن معركتنا ضد الإرهاب مستمرة وطويلة الأمد، وأنه لا تراجع ولا تهاون في محاربته». أما وعوده للاستهلاك المحلي فقد جاءت مضخمة بادعاءات السيطرة وامتلاك القوة والقدرة على الانجاز، بقوله « لقد وضعنا كل إمكانات الدولة وجهود قطاعاتنا الأمنية والاستخبارية، في حالة استنفار قصوى، للاقتصاص من المخططين لهذا الهجوم الجبان وكل داعم لهم وسنقوم بواجبنا لتصحيح أي حالة تهاون أو تراخٍ أو ضعف في صفوف القوات الأمنية» ملمحا بأنه يقف الى جانب الشعب في سعيه إلى « انتخابات نزيهة وعادلة». وهو فخ سقط فيه عديد المحللين السياسيين، حين اعتبروا ان مجزرة ساحة الطيران، محاولة أرهابية لاعاقة سيرورة الانتخابات التي ستجري في اكتوبر القادم، وليست، كما هو معروف، من سردية التفجيرات السابقة والحالية المتتالية، واحدة من أوجه الصراع الأمريكي الإيراني الإرهابي وامتدادتها في عصابات الجريمة المنظمة، في تسقيط بعضها البعض، وهو الحال الذي يعيشه العراق منذ غزوه عام 2003، ولن تكون المجزرة الحالية آخرها.
ولنعد الى شهر تموز/ يوليو الماضي، لتمحيص صدق تصريحات وانجازات الكاظمي ووعوده المبذولة، حين تسارعت حملة اغتيال الناشطين، خاصة اغتيال المحلل السياسي المعروف هشام الهاشمي الذي صورت كاميرات المراقبة تفاصيل اغتياله ونشرتها اجهزة الإعلام محليا ودوليا. أيامها، صرح الكاظمي، في 7 تموز/ يوليو، بأنه « لن ينام قبل أن يخضع قتلة الهاشمي للقضاء بما ارتكبوا من جرائم» متوعدا « من تورّط بالدم العراقي سيواجه العدالة ولن نسمح بالفوضى وسياسة المافيا أبدا… ولن نسمح لأحد أن يحول العراق إلى دولة للعصابات» معلنا تحمله المسؤولية «إننا مسؤولون والإجابة الوحيدة التي يتقبلها منا الشعب هي الإنجاز والإنجاز فقط» وأن الدولة هي المرشد والمعيار وقانون الدولة السقف ولا أحد فوق القانون. وكما فعل منذ أيام أمر بتشكيل هيئة تحقيقية قضائية وإعفاء القائد الأمني المسؤول عن منطقة اغتيال الهاشمي، من منصبه وأحاله للتحقيق. وكانت النتيجة؟ لاشيء. لم يتم الإعلان عن نتيجة اية تحقيق كما لم يتم اعتقال المجرمين. وسجلت الجريمة، كما الآلاف من قبلها، ضد « جهات مسلحة».
إن توثيق تصريحات الكاظمي وادعاءاته، خاصة التي يعلن فيها مسؤوليته أمام الشعب، كرئيس للوزراء وقائد للقوات المسلحة، وفشله المستمر، في تحقيق وعوده وواجباته، وأهمها مسؤوليته في حماية أمن المواطنين وتنفيذ القانون وتحقيق العدالة والاستقرار الاقتصادي والسياسي، ضروري ومن واجب اجهزة الإعلام المستقلة والعاملين في المجالات الحقوقية والأحزاب الوطنية تقديم الحكومة كما هي: حكومة فاشلة، بلا مصداقية، مكونة من ميليشيات وعصابات بواجهات حزبية تتغذى على الفساد والعنف والجريمة والفقر والأمية والبنية التحتية المتداعية، مما يستدعي وجوب إقالة الكاظمي وتقديمه الى القضاء. ولدينا في اقالة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، بتهمة تكاد تكون مضحكة بالمقارنة مع فشل الكاظمي، في القيام بمسؤوليته، ودوره في استمرارية حصانة المجرمين من العقاب، درس يستحق التقليد.

كاتبة من العراق

 

 

سارقو حليب

الأطفال في النظام العراقي

هيفاء زنكنة

 

بينما كان المسؤولون في الحكومة العراقية يبررون، كل الكوارث التي تحل بأبناء الشعب، حتى فترة قريبة، بأنها نتيجة « الإرهاب» و «القوى الخارجية» و«الطرف الثالث» برزت على السطح، في الآونة الأخيرة، تصريحات ذات وقع مختلف، تلقي اللوم أما على المواطنين أنفسهم أو تقلل من تأثيرها، باعتبارها أحداثا « عادية» مشابهة لما يجري في بقية انحاء العالم، خاصة بعد انتشار فايروس كورونا. ولعل أكثر الامثلة وضوحا هو مقارنة حالة الفقر وجوع الأطفال بين بريطانيا والعراق.
عاشت بريطانيا، في الأسابيع الاخيرة، أجواء حملة نافست بما أثارته من اهتمام انتشار الفايروس، وازدياد عدد المصابين، والضغط المتزايد على المستشفيات بالإضافة الى حملة التلقيح ضد الفايروس، التي يتابعها الجميع بلهفة ورصد دقيق. قاد الحملة نجم كرة القدم ماركوس راشفورد بعد أن رفضت حكومة حزب المحافظين تقديم وجبات طعام مجانية للأطفال الفقراء، خلال فترات العطل المدرسية أو وهم يدرسون في دورهم، في فترات الحظر للحد من انتشار الفايروس. أعاد القرار الحكومي الى الاذهان ما قامت به السيدة ثاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا) 1979 – 1990)، حين ألغت حصة الحليب التي توزع لأطفال المدارس تقليصا للميزانية، فاطلق عليها الناس لقبا لاحقها حتى وفاتها وهو «ثاتشر سارقة الحليب». شارك في حملة اطعام الأطفال، ايضا، المجتمع الأهلي (الأفراد والكنائس والجوامع) وعموم منظمات حماية الأطفال، ووقع اكثر من 2000 طبيب أطفال رسالة عبروا فيها عن صدمتهم من القرار. مذكرين بأن ضمان حصول الأطفال على ما يكفيهم من الطعام هو مسؤولية انسانية أساسية. ووصف حزب العمال المعارض القرار بأنه عار على الحكومة وأمر مخجل ان يتم تجويع الأطفال في بريطانيا الغنية في القرن الحادي والعشرين. إزاء هذه الضغوط الأهلية والمدنية، تراجعت الحكومة البريطانية عن قرارها.
عراقيا، يصرح المسؤولون بأن الحالة المعيشية المتردية في العراق، بضمنها وضع الأطفال، هي نتيجة الوضع الاقتصادي المتأزم، عالميا، جراء انتشار وباء الكورونا. ويذهب عدد من المسؤولين أبعد من ذلك بذكرهم بريطانيا وأمريكا كأمثلة، لدعم تصريحاتهم، متعامين عن حقائق عديدة اولها اختلاف مفهوم الفقر ودرجاته بين العراق والدول التي يستشهدون بها. ففي بريطانيا يعتبر عدم تناول الأطفال وجبة الطعام المجانية، خلال العطل، مثلا، تجويعا للأطفال وعارا على الحكومة. بالمقابل، ما هو وضع الأطفال في العراق الغني، في القرن الواحد والعشرين؟

بلغ حجم الأموال المهربة خارج العراق حوالي 239 مليار دولار، أي ما يزيد على موازنة البلاد لأكثر من عامين

في العراق، بات الجوع رفيقا دائما للطفل، يمتد على مدى الأيام والأعوام، ويتبدى لا في نقص وجبات الطعام فحسب، ولكن في أبعاد أخرى تجعله محصورا مع فئات السكان الهشة البالغة 42 بالمئة من السكان ممن يواجهون مخاطر أعلى، كونهم يعانون من الحرمان من عديد الأبعاد، وليس من بُعد واحد مما يلي: التعليم، والصحة، والظروف المعيشية، والأمن المالي. بالنسبة إلى الأطفال، هناك طفل من بين كل اثنين تقريبا (48.8 بالمئة كرقم منشور) أكثر عرضة للمعاناة من الحرمان في أكثر من بعد واحد من هذه الأبعاد الأربعة، حسب تقرير منظمة « يونسيف» لعام 2020. أما تأثير جائحة كورونا على الوضع الاجتماعي الاقتصادي، فقد قامت وزارة التخطيط، بدعم من اليونيسف، والبنك الدولي، ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية، بتقييمه، وُجد أن 4.5 مليون شخص (11.7 بالمئة من السكان، أو ما يقارب واحدا من كل ثمانية أو تسعة مواطنين، أغلبهم أطفال) يواجهون خطر الوقوع تحت خط الفقر إضافة لمن سبقهم. ستسبب هذه الزيادة رفع معدل الفقر الوطني إلى حوالي الثلث (31.7 بالمئة ) بالمقارنة مع حوالي الخمس ( 20 بالمئة ) لعام 2018، وزيادة العدد الإجمالي للفقراء إلى 11.4 مليون.
وبتعبير آخر، كان واحد من بين كل خمسة أطفال ويافعين فقيراً قبل تفشي الكورونا،، ليرتفع الى أكثر من إثنين من بين كل خمسة أطفال. هذه الحقائق المخيفة دفعت اليونسيف الى إطلاق تحذير للحكومة من حالة الفقر التي انحدر فيها البلد ووضع الأطفال وفقدانهم حقوقهم الأساسية، كما أصدرت مجموعة توصيات الى الحكومة حول ايجاد حلول آنية سريعة لمعالجة الفقر الغذائي وأخرى استراتيجية لمعالجة جذور الفقر، حتى لا يحرم الطفل من حقوقه في الصحة والأمن والحرية والتعليم والماء النظيف واللعب. وهي حقوق على الحكومة ضمانها إذ أن العراق عضو في اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل وملزم بما يضمن حقوقهم آنيا ومستقبلا.
الحقيقة الثانية المتعامى عنها، تعمدا، من قبل المسؤولين، هو حجم الفساد الذي ينخر المؤسسات، في حكومة تديرها مجموعة لصوص تتقاسم المغانم، وفق محاصصة سياسية طائفية وعرقية. وإن اللائمة لا تقع كلية على فايروس الكورونا الذي يعتبر تأثيره ضئيلا بالمقارنة مع حجم مأسسة الفساد الحكومي ومليشيات الاحزاب المنخرطة بالنظام. حيث بلغ حجم الأموال المهربة خارج العراق حوالي 239 مليار دولار، أي ما يزيد على موازنة البلاد لأكثر من عامين، حسب تصريح لجنة النزاهة النيابية في 4 كانون الثاني/ يناير. وتزداد الصورة قتامة حين نراجع ما نعرفه ويعرفه العالم من حقائق عن تجذر وتطويرالفساد منذ احتلال البلد عام 2003. فالعراق من بين أكثر الدول فسادا في العالم. الفساد يعني التدمير المنهجي والمنظم للانتاج والتعليم والصحة، واضطرار المواطنين جميعا للتعامل ضمن منظومة الفساد، وما يعنيه من انعدام الحدود الدنيا من الصدق والنزاهة في التعامل اليومي بين الناس ضمن هيمنة طبقة تتحكم بالعقود والعمولات والرشاوى وتهريب العملة، الموظفون الوهميون. شراء ذمم النواب والمسؤولين الحكوميين. تحويل السجون ومراكز الاحتجاز الى مصادر للابتزاز، وتمويل الإرهاب بأنواعه.
وتأتي تصريحات المسؤولين الحكوميين والنواب لإدانة الفساد لترش الملح على الجروح. فهم، جميعا، بلا استثناء يدينون الفساد وكأنه هطل عليهم من الفضاء الخارجي، متحدثين، دوما، عن امتلاكهم ملفات فساد سيظهرونها للعيان ذات يوم، لإثبات نظافتهم، وأن الفساد هو فساد « الآخر» محاولين بقولهم إن الامبراطور بلا ملابس أن يغطوا عُريهم. أما محاولتهم تقليل التأثير المدمر لفسادهم على البلد وأهله ومستقبله المتمثل بمستقبل أطفاله، فلن تمر مرورا عابرا، كما يتصورون. فالتاريخ قد يغفر للساسة أخطاءهم وقد يبرر جرائمهم، إلا أنه لا يغفر لهم سرقة حليب الأطفال.

كاتبة من العراق

 

 

هاشتاغ المبادرة

العراقية لتحرير أمريكا

هيفاء زنكنة

 

 

شهدنا، منذ ايام، غزو مقر المجلس التشريعي لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية (الكونغرس) من قبل « أنصار اليمين المتطرف» للرئيس دونالد ترامب. جاء الهجوم بعد شهور من نشر الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي أن الانتخابات مسروقة.
أثار الغزو والهجوم على واحد من أهم رموز الديمقراطية بالعالم، بل ويشار إليه باعتباره « مهد الديمقراطية» مشاعر متناقضة تراوح بين الدهشة، والاستغراب، والذهول، والتنديد، والاستنكار بالإضافة الى الشماتة والسخرية السوداء. من ركام المشاعر التي غذاها ( ولايزال ) سيل الصور والفيديوهات التفصيلية للغزو عبر أجهزة الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، تبرز تساؤلات أساسية مهمة حول عمق الحدث، ومدى فجائيته. وهل هو فعل آني يتعلق بتحريض الرئيس ترامب عبر التويتر أم انه أكثر من مجرد غزوة يمينية شعبوية؟ وهل صحيح وصف مرتكبيها بأنهم «غوغاء» يدل سلوكهم على فاشية زرعها ورعاها ترامب في تغريداته وأكاذيبه وسلوكه غير المتوازن؟
ولعل السؤال الأقرب إلينا هو كيف ترى شعوبنا هذا الحدث وتحلله و تقّيمه، آخذين بنظر الاعتبار أن نصف الشعب الامريكي، تقريبا، أي ما يساوي بحدود 75 مليون ناخب، صوتوا فعلا لترامب الذي يصفه معارضوه وأجهزة اعلامهم بأنه راعي اليمين الأبيض المتطرف؟ وكيف تُقيم عملية نشر الديمقراطية، في العالم، اذا كان حرمها المقدس، أي أمريكا، يضم هذا العدد الهائل من اليمين المتطرف الذي وجد نفسه في مهاجمة قلب الديمقراطية وتعطيله وتعريض حياة ممثليه لخطر القتل؟ كيف تنظر الشعوب التي امتدت الذراع الأمريكية اليها لتغيير الأنظمة فيها، إما عبر المؤامرات واغتيال الرؤساء أو غزوا بذريعة التحرير، كما في 84 دولة من أصل 193 دولة معترف بها من قبل الأمم المتحدة، حسب المؤرخ الأمريكي كريستوفر كيلي والمؤرخ البريطاني ستيوارت لايكوك، مؤلفا كتاب «غزوات أمريكا: كيف غزونا أو تورطنا عسكريًا مع كل بلد تقريبًا على وجه الأرض»؟
ولنقترب أكثر من الواقع. من وجهة نظرة شعب يعيش آثار وانعكاسات الغزو والاحتلال الامريكي وتسويقهما تحت مسمى « عملية تحرير العراق». واستعين هنا بنعمة توفر مواقع التواصل الاجتماعي، التي على نقائصها، تمكننا من الاطلاع على المشاعر الحقيقية للمتواصلين بلا رقيب او تشذيب وظيفي او رسمي او ايديولوجي. استعاد معظم متابعي حدث غزو واحتلال الكابيتول من العراقيين أحداث الايام الاولى للغزو الأمريكي لبغداد. استعادوا، وهم يشاهدون تخريب المكاتب وتكسير الأبواب ونهب الأثاث، وتعليقات الساسة واجهزة الإعلام المشمئزة الغاضبة المتبرئة من الغوغاء، تصريحات وزير الدفاع دونالد رامسفيلد يوم 12 نيسان/ ابريل حول نهب الدوائر الحكومية العامة تحت انظار القوات الأمريكية، قائلا: « ان النهب فى العراق جاء نتيجة مشاعر مكبوتة من القمع» كما أكد « أن النهب لم يكن بالسوء الذي أشارت إليه بعض التقارير التلفزيونية والصحافية وأن النهب جزء من الثمن، من تحرير العراق. «. ولعل أفضل اقتباس استخدمه عدد من العراقيين لوصف سلوك من غزوا وحطموا مكاتب الكونغرس ونهبوها، بالمقارنة مع ما حدث بالعراق، هو قول رامسفيلد: «إن الأحرار أحرار في ارتكاب الأخطاء والجرائم والقيام بأشياء سيئة». لماذا اذن يتم وصف مهاجمي الكابيتول بالغوغائية والفاشية واليمين المتطرف؟ لم لا ينطبق عليهم منظور وزير خارجية بلد الحرية؟ وهل صحيح أن ترامب، بأكاذيبه، هو المسؤول الوحيد عن وجود خمسين مليون أمريكي من هذا النوع، أم أن الأكاذيب الكبرى سبقت ترامب بعقود وأنها جزء لايتجزأ من السياسة الخارجية والداخلية الأمريكية، مهما حاول ساسة اليوم وأجهزة الإعلام الادعاء بأن المهاجمين « ليسوا منا»؟

هل صحيح أن ترامب، بأكاذيبه، هو المسؤول الوحيد عن وجود خمسين مليون أمريكي من هذا النوع، أم أن الأكاذيب الكبرى سبقت ترامب بعقود وأنها جزء لايتجزأ من السياسة الخارجية والداخلية الأمريكية؟

في مقال « الجحيم الامريكي» المنشور في الصفحة الاولى من « نيويورك تايمز «، يقول تيموثي سنايدر، المؤرخ المتخصص بالفاشية، إن أكاذيب ترامب الكبرى هي مقدمات الفاشية. فيحاججه الاكاديمي العراقي منذر الأعظمي مذكرا: « لكن النخب الليبرالية ( ومنها الجريدة نفسها) هي التي بدأت او تواطأت مع الأكاذيب الكبرى. لنتذكر الحرب على العراق، وقبلها حادث مضيق تونكين الذي بدأ حرب فيتنام. وهناك أكاذيب الكيان الصهيوني وخيوط التآمر الرسمي المحتملة في إغتيالات الستينيات وأبرزها كندي ومارتن لوثر كنغ. أما ترامب نفسه فانه يشكل مجيء شخصية نرجسية فظة الى قمة السلطة وهو ما ابرز خطورة هذا الطريق». وكيف يمكن نسيان أكذوبة العصر التي أطلقها وزير الخارجية كولن باول، يوم 5 فبراير 2003، عن امتلاك العراق اسلحة دمار شامل تهدد أمن العالم كله، مخاطبا مجلس الأمن الدولي: « زملائي، كل معلومة أدلي بها اليوم مدعومة بمصادر. مصادر راسخة. هذه ليست تأكيدات. ما نقدمه لكم هو حقائق واستنتاجات مبنية على استخبارات لا يتطرق اليها الشك».
هذه الأكاذيب التي شرعنت غزو العراق وتخريبه المستمر حتى اليوم قبل وصول ترامب الى الحكم، دفعت المحامية العراقية سجى رؤوف الى اطلاق هاشتاغ تحرير أمريكا على نهج عملية تحرير العراق. وما تكتبه سجى ليس عاديا. فهي تكتب مشاعرها، بشكل يوميات، بجملة واحدة او اثنتين، مكثفة بالسخرية المريرة والغضب والمخيال التراجو كوميدي. هل هي الشماتة؟ لا أعتقد ذلك. فهي، كما الكثير من العراقيين، لاتزال تعيش أيام دق طبول الحرب وغزوه أمريكيا. وما تكتبه مستوحى من لحظات الهجوم على الكابيتول، وما استحضرته من مشاهد مماثلة بقيت محفورة في ذاكرتها. في سيناريو نزف المشاعر واحاطتها بالسخرية لكي لا يموت المرء كمدا من شدة الظلم، تكتب سجى، بالانكليزية، عن ضرورة تدخل العراق عسكريا لتحرير أمريكا وإعادة الديمقراطية اليها، على الرغم من انها كانت، طوال حياتها مناهضة للحرب. ويضع السيناريو خطوات ومستلزمات التحرير التي لن تكلف العراقيين فلسا مادامت أموال النفط مستغلة مجانا على اية حال. إلا أنها تربط عملية التحرير، كما فعل « محرر» العراق الامريكي بتشريعات، تفرضها على الشعب بعد تحريره. « عليكم تعلم اللغة العربية. استبدال الدولار بالدينار. وافرشوا السجادة الحمراء لاستقبال محرريكم العراقيين. انه تحرير وليس احتلالا. هاشتاغ العراق يحرر أمريكا 2021». والى الجنود العراقيين الذين نراهم على ظهور الدبابات المتقدمة نحو الكابيتول لتحريره وهم يحملون علم العراق عاليا، بينما يرحب بهم عدد من المتظاهرين بالأزهار والحلوى، توجيهات اخرى: « خلافا لعام 2003، علينا حماية المتاحف. يمكننا إعادة اعمار متاحفنا بمحتويات سميثسونيان. لن نضعهم في أبو غريب».
أتساءل ثانية: هل هي الشماته؟ لا أظن ذلك. انه استحضار للغة حرب ظالمة بنيت على الأكاذيب وازدواج المعايير، وهو استحضار ضروري للتذكير. لئلا ننسى. فاذا كانت أمريكا، ومعها دول الديمقراطية مصدومة، كما يقال لنا إعلاميا، لما أصاب « مهد الديمقراطية» فكيف تواصل قلوبنا النبض، وعقولنا التفكير بشكل منطقي، نحن الذين رأينا قصف وتهديم « مهد الحضارة»؟

كاتبة من العراق

 

 

عالم الإنترنت

 يتحدى النظام العراقي

هيفاء زنكنة

 

غالبا ما يلجأ الصحافيون في نهاية العام او بداية العام الجديد الى جرد أهم الأحداث في بلدانهم والعالم. خطوة يرونها ضرورية لاستشراف المستقبل واستخلاص الدروس . خطوة تساعد، احيانا، وحسب موقع الصحافي ، على الدفع لتغيير مسار سياسي حكومي أو اتجاه عام . يؤثر على عملية الجرد ، وهي عملية انتقائية بالضرورة، مدى أهمية الخبر على بلد الصحافي اولا. ففي بريطانيا ، مثلا، اختار عديد الصحافيين ، على اختلاف توجهاتهم وايديولوجية الصحف التي يتعاملون معها، البريكست ، اي مغادرة اوروبا ، وانتشار كوفيد 19 كأهم حدثين أثرا وسيؤثران على مستقبل بريطانيا بالاضافة الى ما يسمونه التوسع والهيمنة الصينية الاقتصادية.
بالنسبة الى البلاد العربية ، من الصعب استشراف المستقبل استنادا الى حدث او حدثين. فاختيار الصحافي الغربي للأحداث يتم وهو يتمتع بالأمان الفردي والعام وحرية التعبير والاختيار. هذه الحرية والاستقلالية ، رفاهية يفتقدها ويحلم بها الصحافي في بلداننا. فكل ما يقوم به او يبحث عنه استقصائيا او يقوم بالتنبيه اليه خاضع للرصد والمراقبة ويعرض حياته للخطر. واذا حدث ولم يكن الرقيب جالسا في الصحيفة التي يعمل فيها أو يرصده عن مبعدة في إحدى الدوائر الوزارية – الأمنية ، فانه جالس حتما في عقل الصحافي. حيث بات حضوره، بمرور الوقت، أمرا مألوفا. كما الورقة والقلم والحاسوب، يحمله معه الصحافي، اينما كان. السبب الآخر لصعوبة انتقاء ما هو مهم، فعلا، خلال العام وبالتالي تمكين الصحافي من الكتابة عن انعكاساته المستقبلية هو كثرة الأحداث ( أو لعل الأصح القول بأنها كوارث) التي تمر بها بلداننا ، وتداخلها بحيث من الصعب تفكيك الاساسي من السطحي والاقتصادي من السياسي، والاجتماعي من القانوني، وحقوق الإنسان من الثقافي / الديني. الكل متداخل بشكل مربك تُسّيره الجهات الرسمية وفق أجندة حماية مصالحها الذاتية وديمومة بقائها. تضاف الى ذلك صعوبة تفكيك الأحداث المحلية المرتبطة بالوجود الأجنبي سواء بشكل احتلال استيطاني كما في فلسطين او هيمنة امبريالية تتصارع مع ميليشيات طائفية، مدعومة اقليميا، كما في العراق. واذا كان الحدث الاول المتفق على اختياره عربيا ، لعام 2020، هو وباء الكورونا ، وهو اختيار آمن، فان الاختيار الثاني وهو اعلان الإمارات والبحرين والسودان وسلطنة عمان والمغرب، الكشف عن علاقاتها، شبه السرية، مع الكيان الصهيوني واضفاء الصبغة الرسمية عليها، لم يحظ بالاجماع، لا لكونه حدثا لا يهم الشعوب، ولكن لاستشراس الأنظمة العربية المتزايد ، وتنويعها اساليب التخويف والترهيب.
ويشكل النظام العراقي « الجديد – الديمقراطي» ، بعيدا عن الدخول فيما يسمى منافسة الضحايا حول من هو الأكثر تعرضا للقمع، نموذجا جيدا يؤهله لاحتلال مكانة متميزة، توازي مكانته المتقدمة في قائمة الفساد، بين أنظمة الدول العربية المستشرسة في معاقبة شعوبها. وخلافا لما يجري الترويج له عن حرية التعبير في « العراق الجديد» ، تؤكد كل التقارير الحقوقية الدولية والمحلية ، أن الصحافي المستقل، والناشط الحقوقي، وكل مواطن يرفض التزام الصمت ازاء جرائم النظام، معرض للعقاب بأشكال ودرجات مختلفة. تبدأ بالتهديد والاعتداء الجسدي وتنتهي بالخطف أو الاغتيال . فكل الطرق مفتوحة والأبواب مشرعة حين يتمتع القتلة بالحصانة من المسؤولية والمقاضاة. مما يجعل العراق واحدا من البلدان الأكثر خطرا على الصحافيين والناشطين المستقلين، حسب عشرات التقارير الحقوقية. من بينها مركز الخليج لحقوق الإنسان، الذي وثق قائمة تضم 43 ناشطاً تعرضوا للتهديد بالقتل المباشر جنوب العراق عام 2020، مما اضطرهم جميعاً إلى مغادرة مدنهم. كما وثّق مرصد الحريات الصحفية (
JFO) انتهاكات 2019، وقد بلغت» 477 انتهاكاً، منها 87 حالة احتجاز واعتقال، و98 حالة منع وتضييق، و32 حالة اعتداء بالضرب، و4 هجمات مسلَّحة، و243 ملاحقة قضائية، و4 حالات إغلاق ومصادرة، وإغلاق 4 قنوات فضائية. ولم تسلم هذه القنوات وغيرها من اقتحام الجهات المسلحة وتكسير معداتها والاعتداء على كوادرها بالضرب. كما سجّل العام مقتل تسعة صحافيين».

أثبت عالم الإنترنت أنه، بعبوره حدود البلدان، أكبر وأوسع من أن تحده قضبان السجن، وأن المواطن العادي لم يعد مجرد متلق للأخبار الجاهزة المؤدلجة

ان حجم ما يعيشه الصحافيون والناشطون، منذ عام 2003، وحتى اليوم، سواء تحت الاحتلال الأمريكي المباشر او غير المباشر بالتزامن مع « انتخاب» الحكومات، وتحكم المليشيات المدعومة ايرانيا بها وبالشارع، يجعلهم معاقين في أداء عملهم، وتحديد الأهم من المهم وفرز المهم من غير المهم، ونشر المعلومة الموثقة واضاءة المستور من الممارسات الحكومية والمجتمعية، أي المساهمة في نشر التوعية حول كل ما يدور في البلد . وهي مهمة تتطلب، بالاضافة الى الوقت والجهد الجسدي، تركيزا وتفرغا لايتاح لمعظم الصحافيين، وهم يعيشون دوامة انعدام حرية الحركة والتهديد أما بقطع الرزق أو الرأس.
وما يزيد من سوء الوضع هو استحداث النظام قوانين تشرعن ممارساته أمام العالم الخارجي، وتغطي حملة الاغتيالات المستهدفة للصحافيين والناشطين المستمرة من قبل القوات الأمنية والميليشيات، المسجلة دائما ضد مجهولين. آخرها مشروع قانون الجرائم الإلكترونية أو تقنية المعلومات، الذي جوبه بحملة معارضة شعبية وتضامنية من قبل منظمات عالمية من بينها « هيومان رايتس ووتش». اذ يتضمن القانون « مواد غامضة تسمح للسلطات بأن تعاقب بشدة أي شخص يكتب على الإنترنت تعبيرا ترى أنه يشكل تهديدا للمصالح الحكومية أو الاجتماعية أو الدينية». مما يعني ان القانون يماثل الى حد كبير، في تفسيراته المفتوحة، حسب الطلب، قانون 4 لمكافحة الإرهاب الذي يستخدم للادانة بالارهاب مرتكبي 42 فعلا ، مهما كانت صحة أو درجة خطورتها. ومن الواضح من قراءة مشروع القانون الجديد انه يستهدف من ينتقدون الأوضاع أو يتناولون الشؤون العامة للبلاد، او الذين ينشرون معلومات بغرض كشف ملفات الفساد، مما يعني إغلاق المتنفس الأخير لكل المواطنين ونصب قضبان السجون حول مواقع التواصل والرغبة بالحصول على المعلومة بعيدا عن الاعلام الدعائي الرسمي. وهي خطوة تتسم بالغباء حتى من منظور الأنظمة القمعية المستهينة، بلا حياء، بمواطنيها. فقد أثبت عالم الإنترنت أنه، بعبوره حدود البلدان، أكبر وأوسع من أن تحده قضبان السجن، وأن المواطن العادي لم يعد مجرد متلق للأخبار الجاهزة المؤدلجة.
إن تضييق حرية الحركة والتعبير الفعلي داخل العراق، وشرعنة العقاب قانونيا، ومقصلة التهديد المعيقة للبحث والاستقصاء لكشف الحقائق، تتطلب اللجوء الى الإنترنت أكثر فأكثر بوصفه ، اضافة الى فوائده، مساحة مفتوحة للتضامن العالمي ودعم قدرة الناشطين والصحافيين وكل المواطنين على النضال لإزالة « الرقيب» المنغرز، داخل العقول. ولتكن ردود الافعال على منظومة القمع ، عبر التضامن العالمي الشعبي، بالاضافة الى المظاهرات والاعتصامات، الحدث الأهم للسنوات المقبلة.
كاتبة عراقية

 

 

هل بإمكان المثقف

العراقي إشاعة التفاؤل؟

هيفاء زنكنة

 

ارتدت الشابة العراقية شيماء العباسي (23 عاماً) معطف بابا نويل الأحمر، ثم تجولت، بدراجتها، وسط أنقاض وحطام المدينة القديمة، بالموصل، شمال العراق، وهي توزع الهدايا لأطفال المدينة المنكوبة، بمناسبة عيد الميلاد.
وانطلقت يوم الأحد الماضي، بطولة أندية العراق للسيدات بالمصارعة الحرة في محافظة الديوانية، في منطقة الفرات الاوسط . استمرت البطولة مدة ثلاثة ايام بمشاركة أكثر من 15 ناديا، من اغلب المحافظات وبجميع الفئات العمرية. في اليوم نفسه، تم نصب شجرة عيد ميلاد تضيئها المصابيح الملونة و 2021 ، استعدادا للاحتفاء بالعام الجديد ، في ساحة التحرير، وسط بغداد. وهي الساحة التي شهدت ، منذ الاحتلال عام 2003، مظاهرات واعتصامات توجت بانتفاضة تشرين الأول / اكتوبر 2019 ، بشهدائها وجرحاها ومعتقليها وفنونها وأغانيها وتغيراتها السياسية والاجتماعية. قبل ذلك، بادر مواطنون في مدينة السماوة، جنوب غرب بغداد، إلى تغليف أعمدة الكهرباء بمادة النايلون لحماية المارة وخصوصا الأطفال من الصعقات في فترة هطول الامطار وبعد أن يئسوا من قيام المسؤولين باتخاذ اية خطوة لوقاية الأهالي من الموت. تشكل هذه المبادرات ، واستعادة ذكرى عام الانتفاضة ، نفحة أمل، يستدعيها العد التنازلي لأيام العام الحالي المغرق بالعتمة.

 كيف التعامل مع طبقة سياسية تتغذى على ريع النفط بمليارات الدولارات وتنتعش على الفساد، وتسكت من يعارضها أو يخالفها، بإرهاب الميليشيات وقدسية المرجعيات الدينية؟

فمن الحقائق التي نكاد نتقبلها، بلا نقاش، أن إطلالة كل عام جديد تحمل في طياتها الأمل، مهما كان الواقع سوداويا مريرا. واذا ما تلاحمت دقائق الايام المقبلة بما يقال حول دور المثقف في اشاعة الامل او على الاقل عدم إشاعة اليأس والاحباط، لئلا يموت الناس كمدا ، تصبح للكتابة ، نهاية العام وبداية عام آخر، نكهة مختلفة .هذه بديهية عامة، تنطبق على كل الاعوام، تقريبا، فكيف اذا كان العام الذي نتحدث عن مغادرته هو 2020 ، بكل ما جلبه من وباء وازمات اقتصادية وانهيار المناخ، على مستوى العالم، وتأثير ذلك كله على العلاقات السياسية والاجتماعية، في بلداننا ؟ واذا كان العام الذي سنستقبله متسربلا بما كشفه الوباء عن أوجه اللامساواة والظلم ، والاستغلال ، والفساد المنهجي، والتقسيم العنصري الواضح بين إنسان العالم الاول وانسان العالم الثاني، كما يؤكده فشل قضايا المساءلة القانونية الدولية، متمثلا بالنسبة الى العراق بقرار وفجوة العلاقات بين الدول العسكرية الكبرى والدول المحتلة التي يتنازع أهلها على رمال الهوية والوطنية المتحركة؟
وهل بإمكان المثقف ، فعلا ، تجاوز هذا الواقع بما يطرحه من تحديات ليركز على زرع الأمل ( بما يحمله من تلفيق وتضخيم أحيانا) متجاوزا دوره وما يجب عليه القيام به ، كما يلخصه الكاتب فاسلاف هافيل، الذي عاش تجربة تقسيم بلده الى بلدين وتسنم منصبين في ظروف استثنائية نادرة حيث شغل منصب آخر رئيس لبلده تشيكوسلوفاكيا ثم أصبح أول رئيس لجمهورية التشيك بعد التقسيم . «يجب على المثقف أن يزعج باستمرار ، يجب أن يشهد على بؤس العالم ، يجب أن يكون استفزازيًا من خلال كونه مستقلاً ، يجب أن يتمرد على جميع الضغوط والتلاعبات الخفية والمفتوحة، يجب أن يكون المشكك الرئيسي في الأنظمة … ولهذا السبب، لا يمكن للمثقف أن يتناسب مع أي دور قد يتم تكليفه به … ولا ينتمي بشكل أساسي إلى أي مكان: فهو يبرز على أنه مصدر إزعاج أينما كان». يطرح تعريف فاسلاف الكثير من الاسئلة من بينها التناقض أو الشرخ ما بين أفكار الكاتب وممارساته. وهو شرخ عاشه فاسلاف نفسه ، كما يعيشه، في بلادنا العربية، الكثيرون من كتابنا ومثقفينا.
عراقيا، يمتد الشرخ، ليطفو ما هو مغمور فيه، على سطح ضحل لايتحمل ثقل الأسئلة الأساسية. ما هو برنامجنا؟ وكيف نتحمل كأفراد (فنحن أفراد.. قبل أن نكون أمما) إذا أردنا البقاء على قيد الحياة؟ ما هي أوجه التكيف التي يجب أن نتوصل اليها مع صعود الأنظمة الاستبدادية والصراعات الأهلية، ومع استمرار الاستعمار القديم بالهيمنة على منطقتنا بأوجه جديدة ؟ هل لدينا، لمواجهة القتلة والحكام الفاسدين والميليشيات وقوى الاحتلالين العسكري والناعم، سيناريو ثان اذا ما فشل السيناريو ألاول؟ سيناريو مواصلة الحياة بعد رحيل الشهداء، والنضال السلمي بعد المقاومة المسلحة، وكيفية تحقيق التحولات المجتمعية التقدمية، وبناء التضامن مع العالم الخارجي، ونحن نعلم جيدا أن نصفه، على الأقل، يرى أن الخنوع والاستسلام هو السلام وان صناعة الموت دفاع عن الامن القومي؟ كيف نتعامل مع المجتمع الدولي الذي أقنع الناس بأن القانون الدولي هو بديل الموقف الأخلاقي بينما يطبق درجات مختلفة من القانون / القيم الاخلاقية حسب قوة الدول العسكرية، ومثالها اعلان المحكمة الجنائية الدولية أنها لن تتخذ أي إجراء ضد المملكة المتحدة رغم عثورها على أدلّة على تورّط قوات من الجيش البريطاني بارتكاب جرائم حرب في العراق؟ كيف التعامل مع دول يمارس رؤساؤها الإرهاب «قانونيا» ، ويصنفون « الارهاب» حسب مصالحهم، كما فعل الرئيس الأمريكي ترامب اخيرا حين أصدر عفواً عن أربعة مرتزقة من شركة «بلاك ووتر» للخدمات الأمنية الخاصة كانوا يقضون عقوبات بالسجن لقتلهم 14 مدنيا عراقيا، بينهم طفلان، في بغداد؟
محليا ، كيف التعامل مع طبقة سياسية تتغذى على ريع النفط بمليارات الدولارات وتنتعش على الفساد، وتسكت من يعارضها أو يخالفها، ولو كان من بين صفوفها، بإرهاب الميليشيات وقدسية المرجعيات الدينية؟ مثال ذلك التهديد الذي أطلقه أبو علي العسكري، المسؤول الأمني لميليشيا « كتائب حزب الله» في تغريدة له يوم السبت الماضي ، ضد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، قائلا بأن « الوقت مناسب جداً لقطع أذنيه».
هل هذه لحظة صالحة لبعض التفاؤل – كيف تبدو وكيف يمكن المضي قدمًا؟ ليست لدي اجابة جاهزة . بل اقتبس من الفنان الفلسطيني الراحل ناجي العلي، الذي دفع حياته ثمنا لما يؤمن به، قوله إن دور المثقف هو شرح الحال وليس توفير الحل. مما يعني ان الحل بيد الشعوب. ماذا عن التفاؤل ؟ « التفاؤل هو استراتيجية لبناء مستقبل أفضل. لأنه ما لم تعتقد أن المستقبل يمكن أن يكون أفضل ، فمن غير المرجح أن تتقدم وتتحمل مسؤولية تحقيق ذلك. إذا افترضت أنه لا أمل ، فأنت تضمن أنه لن يكون هناك أمل. إذا افترضت أن هناك غريزة للحرية ، فهناك فرص لتغيير الأشياء ، فهناك فرصة قد تساهم في صنع عالم أفضل. الخيار لك» كما يذكر المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي.
كاتبة من العراق

 

مهندسو النفط

عاطلون في عراق النفط

هيفاء زنكنة

 

عاد خريجو كليات الهندسة للتجمع يوم الأحد الماضي، احتجاجا، أمام مقر مصفى الشعيبة، غرب مدينة البصرة، جنوب العراق. سبب العودة هو عدم استجابة الحكومة لمطالبهم في التعيين بشركات النفط. وكانوا قد تظاهروا قبل ذلك بايام، وقطعوا الطريق المؤدي الى المصفى، بعد أن شكّلوا حاجزا لمنع الموظفين من الدخول. وتعتبر مصفاة الشعيبة واحدة من اهم وحدات تكرير النفط في الجنوب.
هذه ليست المرة الأولى أو الثانية التي يحتج فيها خريجو كليات الهندسة سواء في محافظة البصرة أو بقية أرجاء العراق. فقد سبقها عديد الاحتجاجات، في السنوات الاخيرة، حيث كان الخريجون في واجهة المتظاهرين في انتفاضة تشرين/ اكتوبر 2019، المطالبين بوطن يتمتعون فيه بحقوقهم الأساسية ومن بينها حق العمل. وشهدت الشهور الاخيرة، مع زيادة انتشار فايروس كورونا ونسبة العاطلين عن العمل، تكثيفا في الاحتجاجات.
ففي يوم 4 تشرين الثاني/ نوفمبر، خرج مئات الخريجين المعتصمين منذ 120 يوماً في مسيرة احتجاجية سلمية راجلة، جابت الشوارع المحيطة بشركة نفط البصرة للمطالبة بتوفير العمل لهم. إلا أن التجاهل الحكومي أدى الى تطوير الاحتجاج وفي يوم 19 تشرين الثاني/ نوفمبر، قام عدد من الخريجين باغلاق مدخل البئر النفطي 20 ومدخل بوابة شركة نفط البصرة، في خطوة تصعيدية عسى أن يجلب ذلك الانتباه الى وضعهم المتأزم إلا أنهم قوبلوا بالصمت الحكومي المطبق. فأصدروا بيانا يوم 9 كانون الاول/ ديسمبر خاطبوا فيه رئيس الوزراء ووزير النفط ونواب المحافظة ومدير الشركة بالإضافة إلى الشركات النفطية كافة بخصوص وضعهم ومطالبتهم بتصديق الوعود التي قطعوها لهم بشأن التعيين.
ساهم الخريجون، على اختلاف اختصاصاتهم، في المظاهرات والاعتصامات المطالبة بالعمل، منذ احتلال البلد وتسنم الفاسدين المناصب في محاصصة تُجّذر وجودهم. ويقدر البنك الدولي أن نسبة البطالة بين الشباب في العراق تبلغ 36 بالمئة، مقارنة بمعدل البطالة الوطني البالغ 16 بالمئة. ومن بين هؤلاء الشابات والشباب العاطلين وغير القادرين على تكوين أنفسهم ودعم عوائلهم، هناك أكثر من مليون ونصف المليون ممن تخرجوا منذ الاحتلال من الجامعات والمعاهد العالية بجميع الاختصاصات. وبصرف النظر عن تدني المستوى التعليمي فهم أعلى فهما وقدرة وجدوى ممن تجندهم او توظفهم الكتل الحاكمة وميليشياتها من الأميين أو ذوي الشهادات المزيفة. مما يثير تساؤلا حول أهمية خريجي كليات الهندسة بالتحديد؟
والجواب هو أن لمطالبهم خصوصيتها، كونهم أبناء بلد يحتل المرتبة السادسة عالميا كأكبر منتج للنفط خلال عام 2019، بعد أمريكا والسعودية وروسيا وكندا والصين، اضافة الى أن بلدهم يملك خامس أكبر احتياطي للخام في العالم، يمثل 18 بالمئة من احتياطيات الشرق الاوسط وتقريبا 9 بالمئة من الاحتياطيات العالمية للنفط. إلا أن القاء نظرة واحدة على أوضاع شعوب البلدان الخمسة، عموما، من الناحية الاقتصادية والرعاية الصحية والاجتماعية وفرص العمل، بالمقارنة مع العراق، والاستهانة بالمواطن ومحاربته في لقمة عيشه، أكثر من كاف لفهم سبب المظاهرات والاعتصامات المستمرة فيه والتي يدفع الشباب ثمنها بتكلفة باهظة الثمن.

أدى سوء تقديم الخدمات والفساد المستشري إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة والفقر في العراق إلى مظالم عامة حتى قبل انتشار الوباء العالمي

إن ما يطالب به خريجو الهندسة بسيط بساطة استنشاق الهواء وهو حقهم بالعمل في حقولهم النفطية، أي في حقول يفترض أن تكون ملكهم كمواطنين عراقيين، مؤهلين للعمل في مجال اختصاصهم الذي قضوا سنوات وهم يستعدون له ولهم الأولوية في العمل وهو حق من حقوقهم وليس منة تتفضل بها شركات النفط الأجنبية مثل أكسون موبيل الأمريكية وبي بي البريطانية ورويال دتش شل البريطانية الهولندية، فضلا عن الشركات الصينية والروسية المهيمنة على حقول النفط والتي تفرض تعيين المهندسين والأيدي العاملة الأجنبية بجنسيات باكستانية وبنغلاديشية وفليبينية بالاضافة الى البريطانية والأمريكية، بينما ينظر الى توظيف العراقي كنسبة تقع ضمن تصنيف استخدام « السكان المحليين» وليس أصحاب البلد ومالكيه. لذلك، من الطبيعي، أن يكون المهندس والتقني والعامل والحارس العراقي من أوائل من تنهى خدماتهم حالما تتعرض الشركات لانخفاض نسبة الأرباح أو تقليص الميزانية. مثال ذلك، ما تم في الآونة الاخيرة حين تم ارسال 15 ألف عامل عراقي الى بيوتهم عند انخفاض اسعار النفط.
يبرر النظام العراقي عدم قدرته على تعيين عموم الخريجين وتدهور الوضع الاقتصادي وازدياد الفقر المهدد 5.5 مليون عراقي ( حسب المرصد الاقتصادي للعراق التابع للبنك الدولي) بانهيار اسعار النفط وانتشار وباء كوفيد 19. الا ان هذا ليس صحيحا بل إنه فبركة مفضوحة لستر الحقيقة، وهي محاصصة الفساد النهمة بين أحزاب النظام ومؤسساته التي انتشرت قبل الوباء وحتى قبل ظهور داعش. وهذا ما يؤكده البنك الدولي في تقرير له في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، جاء فيه «أدى سوء تقديم الخدمات والفساد المستشري إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة والفقر إلى مظالم عامة حتى قبل انتشار الوباء العالمي». اذ ليس خافيا على أحد تبوؤ العراق مركزا متقدما في قائمة الدول الفاسدة بالعالم، كما أن حكومات الاحتلال المتعاقبة لم تؤسس لأية صناعة وطنية بل قامت بتحطيم ما هو موجود منها. اختفت الصادرات الوطنية مثل الرز، والفواكه المجففة، والمصابيح الكهربائية، ونواتج قطران الفحم، والإسمنت، والصوف، وجلود الحيوانات، والمنتجات النحاسية، والمواد الكيميائية المبلمرة، والشاحنات، وأجزاء السيارات، مما جعل العراق « من أقل الدول تنويعاً في الصادرات في العالم. في عام 2018، لم يكن سوى 4.1 بالمئة فقط من صادرات العراق يشتمل على أي شيء آخر غير النفط الخام، منخفضة عما كانت عليه عام 2004 عندما بلغت 8.5 بالمئة. وأدى التخلي عن المزارع والمصانع خلال سنوات الصراع إلى إضعاف القدرة الإنتاجية للعراق بشكل كبير. ونتيجة لذلك، فإن الحصة المشتركة للزراعة والتصنيع في الناتج المحلي الإجمالي للعراق انخفضت بنحو ثلاثة أرباع منذ أواخر الثمانينيات» حسب البنك الدولي.
بلا صناعة وبلا زراعة، ومع استخدام التعيينات الحكومية كأداة لتقوية الأحزاب الفاسدة على حساب الكفاءات والتنمية استنادا الى الانتاج والصناعة الوطنية، تؤكد يوميات الاحتجاجات في العراق كله، خاصة من قبل الخريجين، أنها باقية ولن تنتهي ما لم يحدث تغيير حقيقي على مستوى الوطن كله.

كاتبة من العراق

 

 

مظاهرات عرب وكرد

العراق غير مجدية

هيفاء زنكنة

منذ الثاني من كانون الأول/ ديسمبر والمظاهرات مستمرة وإطلاق النار على المتظاهرين السلميين مستمر، وأعداد الشهداء والجرحى في تزايد بالعراق.
توثق الفيديوهات مطاردة القوات الأمنية للمتظاهرين واستهدافهم بالرصاص الحي. خلال أسبوع واحد استشهد تسعة شباب وجرح 59. كلا، هذه ليست ساحة التحرير، ببغداد، أو ساحة الحبوبي، في مدينة الناصرية، جنوب بغداد. كما أنها ليست مدينة الفلوجة أو الموصل. إنها ليست الساحات والمدن التي باتت المظاهرات والاعتصامات ملمحا من ملامحها العمرانية ومسيرات وداع الشهداء جزءا من شوارعها. كما أن المحتجين ليسوا، هذه المرة، ممن يمكن قولبتهم ضمن التوصيفات الجاهزة: سنة أو شيعة أو دواعش أو قاعدة. المتظاهرون المستهدفون بالاعتداء والاعتقال والقتل هم من مدينة السليمانية، شمال العراق، في إقليم كردستان. الإقليم الموسوم من قبل الإعلام الغربي بنموذج الديمقراطية وحقوق الإنسان.
خرج المتظاهرون، كما في بقية محافظات العراق، احتجاجا على عدم دفع الرواتب والبطالة والفساد. ما يميزهم عن المتظاهرين في بقية أرجاء البلاد، هو أن رواتبهم تدفع من قبل حكومة الإقليم التي تقبض ميزانيتها من الحكومة المركزية ببغداد. بين الحكومتين ضاعت الرواتب على الرغم من ميزانيتيهما الخيالية، وحيازتهما على مليارات الدولارات النفطية، بالقياس إلى ما كانتا عليه قبل الاحتلال عام 2003، غير أن شراهة فساد الحكومتين تزداد يوما بعد يوم.
امتدت المظاهرات، بسرعة، لينضم إليها سكان بلدات وقرى في ضواحي محافظة السليمانية الواقعة تحت سلطة الاتحاد الوطني الكردستاني، وليصب غضب الناس على رئاسة الحكومة المتمثلة بالحزب الديمقراطي الكردستاني والذي ينتمي إليه رئيس الإقليم ورئيس الوزراء. فإقليم كردستان، خلافا للتسمية التي قد تدل على وحدة الكرد، مقسم عمليا، سياسيا وإداريا ومؤسساتيا بين الحزبين، أو الأصح سلالة العائلتين الحاكمتين وهما عائلة / عشيرة البارزاني (مقرها الرئيسي أربيل) وعائلة الطالباني (مقرها الرئيسي السليمانية). وإذا كانت خلفية المتظاهرين في السليمانية وما حولها، بضمنها مدينة حلبجة، الوجه الإعلامي المعروف عالميا بضحايا السلاح الكيمياوي، مختلفة من الناحية الإثنية عن بقية المدن العراقية المنتفضة، إلا أن الطريقة التي ووجهت بها واحدة. إذ سرعان ما اتهم المتظاهرون بتهديد الأمن القومي وتدخل قوى خارجية مما شرعن شراسة القوات الأمنية والاعتداءات الجسدية والاعتقالات والغاز المسيل للدموع والاستهداف بالرصاص الحي، لتثبت وحشية التعامل مع المتظاهرين أن الحاكم المستبد واحد والنظام القمعي واحد، مهما كان الدين أو المذهب أو العرق. وأن الفساد الذي يغذي وجودهم واحد، والخوف من أبناء الشعب المستهان بكرامته واحد.
تبين الفيديوهات المتداولة على صفحات التواصل الاجتماعي، بوضوح، حجم الخوف الذي تعيشه السلطة الفاسدة من أبناء الشعب المحروم من حقوقه. حيث تم إنزال الدبابات والمدرعات إلى الشوارع، وأغلقت ساحات معروفة للمظاهرات، ليحتلها مسلحون مقنّعون مدججو السلاح إزاء شباب تكاد تبتلعهم الفجوة الهائلة بين الثراء المليارديري السريع، المبتذل، لساكني المجمعات السكنية المحمية بحراسات شركات أمنية خاصة وبين الشباب العاطل الهارب إلى أوروبا في قوارب الموت.

المنافسة بين الحكومتين لتصدر قائمة النهب والفساد والمحسوبية والمنسوبية محمومة، ومثقلة بدماء ضحايا الاحتجاجات من أبناء العراق كله، بلا استثناء

تبرر سلطة الإقليم فشلها في دفع الرواتب وقلة الخدمات بـ« عدم وفاء حكومة بغداد بالتزاماتها المالية». والحقيقة هي أن المنافسة بين الحكومتين لتصدر قائمة النهب والفساد والمحسوبية والمنسوبية محمومة، ومثقلة بدماء ضحايا الاحتجاجات من أبناء العراق كله، بلا استثناء. فهذه ليست المرة الأولى التي يتظاهر فيها الكرد في محافظات الإقليم، كما أنها ليست المرة الأولى التي يٌستهدف فيها المتظاهرون والصحافيون بالعنف وقمع الحريات. بل إن ما يجري، حاليا، هو استمرارية لعقود من الاقتتال على محاصصة الفساد، بأنواعه، بين الحزبين، تتخللها الاحتجاجات والاعتصامات الجماهيرية المطالبة بوضع حد لامتهان كرامة المواطن وحقوقه الأساسية. ففي 19 فبراير/ شباط 2011، مثلا، تظاهر نحو ثلاثة آلاف من طلاب جامعة السليمانية مطالبين رئيس الإقليم مسعود بارزاني بالاعتذار عن قيام حراس مقر حزبه بإطلاق النار على متظاهرين مما أسفر عن مقتل اثنين وإصابة 57 جريحا. وفي 12 أغسطس/آب، من العام الحالي، خرج المحتجون للمطالبة بتحسين التعليم وفرص العمل وتدابير مكافحة الفساد. وحين قامت قناة إن آر تي، بتغطية الاحتجاجات، أغلقت السلطات الكردية مكتبي القناة في أربيل ودهوك بذريعة « تشجيع تكدير الأمن العام والإضرار بالانسجام الوطني».
على مستوى حرية التعبير، مارست السلطات أنواع التضييق والتهديد وحتى الاغتيال. إذ تم اختطاف الصحافي الشاب سردشت عثمان (23 عاما) في 4 أيار/ مايو 2010 من أمام كلية اللغات، بجامعة صلاح الدين، بأربيل. وعثر على جثته بعد يومين وعليها آثار ضرب وهي مصابة بإطلاقات نارية في منطقة الرأس. وكان السبب كتابته أربعة مقالات ساخرة من السلطة والرئيس بارزاني. أشار في أحداها إلى « كلاب أمريكا البوليسية وحراس إسرائيليين» مستخدمين لحراسة الأغنياء.
كما كتب عن بعض نواحي فساد إدارة الإقليم، قائلا: «هنا بلدٌ لا يسمح لك أن تسأل الرئيس لماذا أعطيت كل هذه المناصب الحكومية والعسكرية لأبنائك وأحفادك وأقاربك؟ من أين أتى أحفادك بكل هذه الثروة؟» مشيرا إلى مصيره «إذا استطاع أحد أن يطرح هذه الأسئلة فإنه قد اخترق حدود الأمن القومي وعرّض نفسه لرحمة بنادقهم وأقلامهم». ولا تقل تهديدات وملاحقة الاتحاد الوطني عن الحزب الديمقراطي، حيث هدد هالو إبراهيم أحمد (شقيق زوجة الطالباني الرئيس الراحل) الصحافي ناباز كوران في 28-2-2008 قائلا «سأقتلك ياكوران حتى لو بقي يوم واحد من عمري». وذلك لمجرد كتابة كوران مقالة نشرت في صحيفة «هولاتي» المستقلة، انتقد فيها قلة الكهرباء في الإقليم بينما يبقى قبر إبراهيم أحمد المشيد بشكل مزار، في أطراف السليمانية، لا تنقطع عنه الكهرباء على مدار اليوم.
إن بقاء الإقليم مقسما، من ناحية توزيع النفوذ والمناصب والعقود، بين الحزبين، بالإضافة إلى استشراء الفساد العام، المغلف بالسياسة والشعبوية القومية، بين حكومة الإقليم والحكومة المركزية، ولجوئهما، سوية، إلى استغلال حملات التخويف والترويع من «الآخر» تتطلب نضالا موحدا من أجل الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية لكل العراقيين على تنوع قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم. لم تعد المطالب الخدماتية المتفرقة لشرائح وطبقات سكانية في مدن ومحافظات، كل على حدة، بلا تنسيق موحد جامع، مجدية بمواجهة أنظمة وسلطات قمعية مستعدة للتضحية بكل المواطنين لتبقى. إن التغيير الحقيقي يتطلب توحيد القوى المؤمنة فعلا بكرامة الإنسان. الإنسان بالمعنى العميق الشامل للإنسانية. وإن العراق بلد يتسع للجميع، ولعل هذا ما عناه سردشت حين كتب قبل اغتياله «وأينما انتهت حياتي فليضع أصدقائي نقطة السطر، وليبدأوا هم بسطر جديد».

كاتبة من العراق

 

 

سويسرا الحيادية تستثمر

أموالها في صناعة الحروب

هيفاء زنكنة

 

قام الشعب السويسري بالتصويت، الشهر الماضي، على مبادرتين لهما أبعاد اقتصادية دولية وانعكاسات أخلاقية وانسانية. لم يتم تمرير أي منهما.
تدعو المبادرة الأولى المسماة «من أجل شركات مسؤولة» الى محاسبة الشركات السويسرية، متعددة الجنسيات، على انتهاكات حقوق الإنسان أو انتهاكاتها للمعايير البيئية التي ترتكبها في الخارج، في زمن بات فيه نفوذ هذه الشركات يفوق غالباً نفوذ البلدان التي تعمل فيها. وتدعو المبادرة الثانية المسماة «مناهضة تجارة السلاح» إلى إضافة مادة إلى الدستور السويسري تحرّم تمويل صناعة الأسلحة. وهذا يعني أن البنك الوطني السويسري ومؤسسات التمويل والادخار لن تستطيع منح قروض أو استثمارات للشركات التي يولّد إنتاج المواد الحربية أكثر من 5 بالمئة من عائداتها السنوية. وسيتوجب على سويسرا أيضاً أن تلتزم على المستوى الوطني والدولي بتوسيع هذا الحظر ليشمل البنوك وشركات التأمين.
تثير نتيجة التصويت عديد التساؤلات حول حضارة الأمم والمستوى الأخلاقي لمواطني دول يتمتعون فيها بحرية الاختيار.
وهل بامكان العالم التطلع الى مستقبل خال من صناعة الحروب وتحقيق السلام، فعلا، أم انها أضغاث احلام « يسارية» لأشخاص ومنظمات، تعيش بعيدا عن الواقع، مستنزفة، ببيعها الأحلام، قوى الناس في نشاطات يعرفون جيدا أنها غير مجدية؟ هل هناك شعب محب للسلام تخلى عن صناعة الحرب المربحة بامكاننا استحضاره كنموذج، لشحن طاقة الأمل بالسلام في ارجاء الكرة الارضية، مستقبلا، وخاصة في منطقتنا التي تعيش 40 بالمئة من الحروب بالعالم؟
إن القاء نظرة على حجم تصنيع وانتاج العتاد الحربي وتصديره، وأهميته الأساسية في اقتصاد الدول المنتجة، وبالتالي انعكاسه على ارتفاع مستوى معيشة الفرد، يبين أن هذه الصناعة المربحة لن تكون مهددة بالانقراض قريبا. بل هناك ما يؤكد، أنها ستبقى، لاسباب سياسية بالاضافة الى الاقتصادية، بمنأى عن التخلي الرسمي والشعبي معا، مهما كانت الدول المصدرة حيادية وتشدّد على تقاليدها الإنسانية واحترامها لحقوق الإنسان، كما هي سويسرا.
تأتي مبادرة « مناهضة تجار السلاح» في سياق ازدياد تصدير السلاح السويسري. واذا كانت الفكرة السائدة عن سويسرا أنها البلد المحايد، المضيف، لأهم المنظمات الدولية الحقوقية والإنسانية والمصّنعة للأدوية والساعات الراقية، فقط، فان الواقع يؤشر الى ما هو أكثر من ذلك. حيث تُصدر سويسرا السلاح وعلى رأسها أنظمة الدفاع الجوي والمدرعات، إلى خمس وخمسين دولة، من بينها دول في حالة حرب بما في ذلك الكيان الصهيوني والسعودية والإمارات.

تكتسب متابعة ما يجري في سويسرا أهمية بالغة بالنسبة إلينا، نحن أبناء البلدان التي يتغذى حكامها ومستبدوها على شراء السلاح ولا مانع لديهم من دفع المليارات ثمنا لأسلحة تستخدم، غالبا، ضد شعوبهم

وتواصل سويسرا تغذية الحرب ضد اليمن بالسلاح منذ أكثر من خمسة أعوام، بالاضافة الى وجود تقارير تؤكد وصول اسلحتها الى سوريا وليبيا، على الرغم من كونها محظورة. اذ من المفترض خضوع صادرات الأسلحة السويسرية إلى مناطق النزاع الى قانون العتاد الحربي، الذي تنص المادة 5 منه على أنه لا ينبغي منح ترخيص تصدير إذا كان بلد المقصد متورطًا في نزاع مسلح داخلي أو دولي؛ وإذا كان ينتهك حقوق الإنسان «بطريقة منهجية وخطيرة»؛ وإذا بدا أن هناك احتمالا لاستخدام الأسلحة المصدرة ضد المدنيين؛ أو إذا كان هناك «خطر كبير في أن تتم إعادة تصدير هذه الأسلحة إلى مستلم نهائي غير مرغوب فيه». الا ان هذه النصوص القانونية المقيدة لم تمنع وصول الاسلحة الى بلداننا، مما دفع حزب الخضر و«مجموعة من أجل سويسرا بدون جيش» والأحزاب اليسارية والمنظمات غير الحكومية الناشطة في مجال تعزيز السلام الى طرح المبادرة الثانية، المستهدفة للشركات التي تحقق أكثر من 5 بالمئة من ربحها السنوي من إنتاج السلاح. مع العلم أن الاستثمار والإتجار بالأسلحة البيولوجية والكيميائية والنووية وكذلك الألغام المضادة للأفراد والذخائر العنقودية محظور في سويسرا.
أثارت هذه المبادرة، النقاش ما بين المؤيدين والمعارضين، لارتباطها بالوضع الاقتصادي العام والمعاشي للمتقاعدين. شكّل معارضو المبادرة لجنة مؤلفة من مسؤولين منتخبين من جميع الأحزاب اليمينية والوسطية وكذلك النقابات المهنية لمحاربتها. فقبولها يعني اعادة النظر في استثمار ما قيمته 1.93 تريليون دولار، يدار من قبل المصرف الوطني السويسري، ومنظومة التأمين ضد الشيخوخة والعجز التي تديرها الدولة، بالإضافة إلى أكثر من ألف وخمسمائة صندوق معاشات مهنية. وأي مس بهذه الاستثمارات يُشعر المواطن بالقلق لما قد يصاحب ذلك من تدهور في وضعه الاقتصادي، بالاضافة الى تقليل فرص العمل المرتبطة بتصنيع السلاح. فحسب تقرير منظمة «لا تستثمر في القنبلة» استثمر المصرف الوطني السويسري و «كريدي سويس» و«يو بي إس» حوالي 9 مليارات دولار في شركات منتجة للمواد الحربية المحظورة في عام 2019، ومنها شركات أيرباص وبوينغ.
يرى مؤيدو المبادرة أن الاستثمار في صناعة السلاح وتصدير المعدات الحربية يُساعد على تأجيج النزاعات المسلحة في جميع أنحاء العالم، مما يتعارض مع صورة سويسرا كوسيط دبلوماسي محايد، ودولة تروّج وتدعم الجهود الإنسانية. كما يقترحون ان هناك صناعات واستثمارات بديلة لتجارة الحروب. «هناك قطاعات أخرى صالحة للاستثمار مستقرة ومُربحة مثل تجارة الحرب» تقول المتحدثة باسم حزب الخضر. هذا صحيح، طبعا، وليس من المستحيل تحقيقه.
الا أن حملة رفض المبادرة المكثفة التي ضمت غالبية مجلس النواب السويسري والأحزاب اليمينية بالاضافة الى النقابات المهنية ( وهي نقطة تستحق الدراسة) وحثهم الناخبين على رفضها، أدت الى عدم تمريرها وان حازت على نسبة عالية من الاصوات.
تكتسب متابعة ما يجري في سويسرا أهمية بالغة بالنسبة إلينا، نحن أبناء البلدان التي يتغذى حكامها ومستبدوها على شراء السلاح ولا مانع لديهم من دفع المليارات ثمنا لأسلحة تستخدم، غالبا، ضد شعوبهم، وبإمكان مصدر السلاح فرض شروط استخدامها عليهم ومنعهم إذا ما عاشوا صحوة ضمير وأرادوا استخدامها ضد أعدائهم الحقيقيين، والأمثلة في فلسطين واليمن وسوريا كثيرة. كما تثير متابعة التصويت في سويسرا تساؤلا بالغ الأهمية وهو اذا كان هذا هو الوضع بالبلد المحايد غير التوسعي فكيف يمكن تحجيم صناعة السلاح والحروب في أمريكا وهي من اكبر الدول المصدرة للسلاح وسياستها تهدف الى الهيمنة على العالم؟
تعتمد صناعة السلاح، في مفهوم السوق التجاري الرأسمالي، على الربح وما يوفره من رفاهية لشعوب الدول المصدرة.
وتنبع مناهضتها، من قبل شرائح مجتمعية دون غيرها، لأسباب أخلاقية وانسانية تخوفا من استغلال الشركات والدول لفرص الربح على حساب حياة الناس. هنا تكمن مسؤولية الحكومات في بلداننا الموبوءة بالاستبداد والقمع والنزاعات المختلقة والحروب في وضع حد لصفقات السلاح المربحة القاتلة، ولأن قدرة حكوماتنا على تنفيذ ذلك مشكوك بها، لعل الضوء الذي يمنحنا الأمل هو العمل سوية مع مناهضي انتاج السلاح وحركات السلام في البلدان المنتجة للسلاح نفسها.

كاتبة من العراق

 

 

اقتتال المجموعات العرقية والمذهبية

في ساحة الحبوبي في العراق!

هيفاء زنكنة

 

إلى قائمة شهداء انتفاضة تشرين الأول/اكتوبر 2019 البالغ عددهم 600 شخص، وجرحاها الذين تجاوز عددهم عشرات الآلاف، أضافت مدينة الناصرية، في محافظة ذي قار، جنوب العراق، في الايام الثلاثة الاخيرة، ضحايا جددا من شباب لم تتح لهم فرصة التمتع بشبابهم وتحقيق طموحاتهم وأحلام ذويهم. سبعة شهداء و85 جريحا.
لماذا؟ لماذا يقتل شبابنا ومعهم تدفن آمالنا ومستقبل بلادنا؟ يتساءل الأهالي المخضبة وجوههم بالدموع وهم يرون أبناءهم يقتلون بلا سبب غير مطالبتهم بحق الحياة بكرامة، وألا يهانوا في بلدهم، على أرضهم، وأن يعيشوا أيامهم كما الآخرون في بلدان أقل ثراء. وأن تتوفر للجميع اساسيات الحياة والمواطنة، وأن يُحترم حقهم بالتظاهر السلمي والاحتجاج اذا ما أساء المسؤولون استخدام سلطتهم ونسوا، أو تناسوا، أن مواصفات وظيفتهم تنص، بوضوح، على أن واجبهم هو خدمة الشعب وليس العكس.
هل هذا صعب التحقيق في بلد ثري بميزانية سنوية تعادل عدة بلدان مجاورة يعيش أهلها ظروفا حياتية تليق بالإنسان؟ هل من الصعب ايجاد اشخاص غير فاسدين ينتمون الى الشعب ويعرفون معنى الحرية والكرامة والوطنية؟ هل الصورة معقدة، فعلا «لأننا بلد متعدد القوميات والمذاهب» كما يحاول الساسة إقناعنا ويروج له إعلاميا، وكان واحدا من تبريرات المحتل « الإنسانية»؟ واذا كان هذا صحيحا في بلد لا يزيد عدد المذاهب والقوميات فيه عن العشرة، واللغات عن اربع، ماذا عن في أندونيسيا حيث تتعايش 1300 مجموعة عرقية تتحدث 652 لغة بسلام؟ ماذا عن الفلبين وبين سكانه 180 مجموعة عرقية؟ و تشاد، في شمال وسط إفريقيا، حيث ينتمي 8.6 مليون نسمة، أي ربع سكان العراق تقريبا، إلى أكثر من 100 مجموعة عرقية؟
تبين مراجعة الجرائم والانتهاكات المرتكبة بحق المواطنين، في ارجاء العراق، على مدى 17 عاما الأخيرة، أنها بدأت بشكل طائفي وعرقي تزامنا مع احتلال البلد وعودة أحزاب المعارضة المتعاونة مع المحتل للاستحواذ على السلطة وهي بلا جذور حقيقية في المجتمع. فكانت بحاجة ماسة الى تجذير وجودها عن طريق التخويف والترهيب واختلاق هويات مصطنعة وادعاء حماية مجموعة سكانية ضد أخرى. إلا أن تصنيع هذه السيرورة الطائفية / العرقية، تلقى ضربة قوية مع انطلاق انتفاضة تشرين، التي أكدت للجميع، على اختلاف الأديان والمذاهب والأعمار والطبقات، من ضمنهم المتضررون حقا من سياسة النظام السابق، وضحايا طائفية نظام الاحتلال والارهاب، ان فساد النظام ولا وطنيته واحتقاره للمواطن هو أساس المشكلة الحقيقية. فكان صوت المحتجين واحدا، بلا تصنيف مسبق، في كربلاء والنجف وبغداد والبصرة والديوانية، مطالبا بوطن وانهاء الفساد المنتشر في كل مؤسسات الدولة والحكومة، وتقديم قتلة المنتفضين للقضاء، والكشف عن مصير الناشطين المخطوفين.
وكادت الانتفاضة أن تحقق ما هو أكثر من هذا، بعد نجاحها باسقاط حكومة عادل عبد المهدي، لولا انتشار فايروس كورونا وميل البعض الى اعطاء الكاظمي فرصة لتحقيق قائمة وعوده الطويلة، والتي تمخضت عن استمرار خطف واعتقال وقتل الناشطين، بالاضافة الى بقاء الوضع الاقتصادي متدهورا، والخدمات الاساسية معدومة، وانتشار السلاح بأيدي الميليشيات المسيطرة بإرهابها على الشارع وحياة المواطنين.

لماذا يقتل شبابنا ومعهم تدفن آمالنا ومستقبل بلادنا؟ يتساءل الأهالي المخضبة وجوههم بالدموع وهم يرون أبناءهم يقتلون بلا سبب غير مطالبتهم بحق الحياة بكرامة، وألا يهانوا في بلدهم، على أرضهم، وأن يعيشوا أيامهم كما الآخرون

عدم الوفاء بالوعود، أعاد المتظاهرين السلميين الى ساحة الحبوبي، وسط مدينة الناصرية، جنوب العراق، وهي ساحة مدينة لا توجد فيها عشرات المجموعات العرقية والطائفية بل تعتز بتاريخها وشعرائها ومغنيها ويتوسطها تمثال الشاعر ورجل الدين المقاوم للاحتلال البريطاني، عام 1915، محمد سعيد الحبوبي. شهدت الساحة، يومي الجمعة والسبت الماضيين، هجوما وحشيا شنه أتباع مقتدى الصدر المسلحين على المحتجين السلميين وحرق خيامهم المنصوبة وسط الساحة، بينما وقفت القوات الامنية متفرجة على ما يجري وبضمنه سيطرة مليشيا الصدر على مركز المحافظة والاستيلاء على الاسلحة الموجودة، حسب بيان للمنتفضين طالبوا فيه استقالة حكومة مصطفى الكاظمي لفشلها « بحفظ هيبة الدولة وحماية أرواح الشعب وحماية حق الاحتجاج والرفض والتعبير».
تراوحت ردود الأفعال حول هجوم أتباع الصدر وقتل المتظاهرين بين الصمت المطبق، خاصة، من قبل الحزب الشيوعي، حليف مقتدى الصدر في قائمة « سائرون» والغضب الشعبي المتبدي في احتجاجات التضامن في مدن أخرى، بالاضافة الى التبادل السريع لأخبار الاحتجاج ونشر صور واسماء الضحايا من الشهداء والجرحى على صفحات التواصل الاجتماعي، والسخرية والتعريض بمقتدى الصدر وتقلبات مواقفه المماثلة لحركة بندول يتأرجح ما بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، فضلا عن حالات انزوائه المفاجئة واختفائه أما خارج العراق أو داخله بذريعة اكمال الدراسة أو كتابة الشعر. وغالبا ما تنعكس تقلباته النفسية والعقلية، على قادة تياره وأتباعه، فهو يدعو الى تظاهرة مليونية يوما ثم داعيا إلى «تصفية ساحات التظاهر» يوما آخر، ويطالب الحكومة بالاصلاح بينما هو في صلب الحكومة. تؤدي تقلبات الصدر الى خلق انواع السلوك المختل بين اتباعه مما يجبره، حين يتذكر انه « سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد القائد المجاهد مقتدى الصدر أعزه الله» الى « تصفية» التيار الصدري لتنقيته من « الشوائب» فيصدر أوامره، على موقعه الرسمي وبتغريداته، بطرد هذا المسيء او تجميد نشاط ذاك « و«عليهم التفرغ للعبادة».
تمثل رد فعل رئيس الوزراء الكاظمي، الأساسي، بتشكيل لجنة تحقيق و« خلية ادارة الأزمة». وهو رد فعل مألوف ومتوقع، تعّود عليه المواطنون الذين يعرفون جيدا ان لجنة التحقيق هي مجرد اضافة جديدة الى قائمة تضم مئات لجان التحقيق، التي تمر بلا تحقيق، وهدفها الوحيد هو طمس الانتهاكات والجرائم والتسترعلى القتلة، خاصة، اذا كانوا منتمين الى إحدى الميليشيات. وبينما تُصدر «خلية ادارة الازمة» صورا واخبارا عن مواعيد اجتماعاتها، لا يكف أتباع الصدر، حالما يعطيهم الصدر الاشارة، عن الانطلاق نحو الساحات وهم يحملون السلاح بانواعه، خلافا لبقية المتظاهرين، لاستعراض قوتهم والتأكيد على انهم القوة الحقيقية في البلد، متهمين المتظاهرين بانهم ينفذون أجندات خارجية مشبوهة.
اذا كان هناك ما يستخلص من انتفاضة تشرين، بساحاتها الممتدة في عديد المدن، وعودة المنتفضين اليها على الرغم من وحشية رد فعل الميليشيات ودعم او صمت جهات النظام الأمنية، فهو أن النظام المبني على الفساد والمكون من مجموعات لصوص أكثر منها عرقية أو طائفية، تستطيع، مهما احتربت، في ظروف توفر الريع النفطي وحده، أن تعيد توزيع اسلابها، وهي لا تحتاج الشعب، ما دامت قادرة على التشبيك مع القوى الاقليمية والدولية، تحت مظلة « تقاطع المصالح». وهو درس استوعبه جيل الانتفاضة التشرينية جيدا، وسيعيدهم الى ساحات مدنهم مطالبين بالتغيير المرة بعد المرة.

كاتبة من العراق

 

 

العراق:

الإعدام ثقافة شعبية؟

هيفاء زنكنة

في الوقت الذي تراجع فيه تنفيذ الإعدام في العالم، وانخفضت الأعداد الى حد أدنى، حيث أبطلت نحو 170 دولة عقوبة الإعدام أو أوقفت تنفيذها سواء بالقانون أو الممارسة، للسنة الرابعة على التوالي ضاعف النظام العراقي عدد عمليات الإعدام المسجلة تقريباً بين عامي 2018 و2019 فوصل إلى 100 في 2019 مقارنةً بـ 52 في 2018 محافظا بذلك على مركزه الرابع بين الدول الأكثر تنفيذا لأحكام الإعدام. ولعله يتطلع الى احتلال مركز اعلى، خلال هذا العام، اذ أعدم 21 سجيناً في أكتوبر، ثم 21 سجينا آخر الأسبوع الماضي، في سجن الناصرية المركزي، المعروف باسم سجن الحوت، أدينوا بتهمة الإرهاب والانتماء إلى تنظيم «الدولة الإسلامية».
تباينت ردود الافعال حول حملة الإعدامات ما بين الاستنكار والترحيب. حيث أجمعت منظمات حقوقية عراقية ودولية على استنكار وادانة حملة الإعدامات الجماعية ومن بينها منظمة العفو الدولية ومجلس حقوق الإنسان في الامم المتحدة ومركزجنيف الدولي للعدالة بالاضافة الى عدد من خبراء الأمم المتحدة. وصفت منظمة العفو الدولية الإعدام الجماعي بأنه عمل مشين، حاثة السلطات العراقية على ان تضع حداً لإعدام الناس. إذ ان عمليات الإعدام الانتقامية لا تحقق العدالة للضحايا ولأسرهم، بل إنها تعمل على تعزيز صورة العدالة الجزئية، في الوقت الذي تكون فيه السلطات صامتة فيما يتعلق بالانتهاكات الجسيمة الأخرى التي لا تزال ترتكب في جميع أنحاء البلاد، كالتعذيب، والاختفاء القسري.
واذا كانت ذريعة اللجوء الى تنفيذ الإعدام بهذه الاعداد الكبيرة ( وهي المعلن عنها فقط) بالمقارنة مع بقية الدول في جميع انحاء العالم هي ان من نفذ بهم الحكم هم من الدواعش الإرهابيين، على الرغم من فساد القضاء وإجراء محاكمات جائرة، تستند في احكامها إلى ما يسمى «الاعترافات» التي انتزعت تحت وطأة التعذيب أو المخبر السري والتهم الكيدية، فان بقاء العراق في مركزه العالي، الذي تبوأه قبل ظهور داعش بسنين، وبالتحديد منذ احتلاله، يدل على ان تنفيذ الإعدام سياسة حكومية منهجية لقمع الأصوات المعارضة أو لبث الخوف في قلوب الأقليات أو الجماعات التي لا تتمتع بالحظوة فضلا عن محاولة النظام اثبات سيطرته وقدرته على الدفاع عن اتباعه.
النظام الذي تم تسويقه والترويج له كنموذج شرق أوسطي للديمقراطية وحقوق الانسان، اصبح أداة لسلب الحياة والوجه الثاني للإرهاب الذي يدّعي محاربته حتى حين تكون المعارضة سلمية، كما رأينا اثناء انتفاضة تشرين الأول / اكتوبر 2019 حين تم اغتيال 600 مواطن واعاقة الآلآف. ولم يحدث وتم اعتقال أو محاسبة اي مسؤول عن هذه الجرائم الموثقة بالصور والفيديوهات. انتقائية تطبيق العقاب هذه، واللجوء الى الإعدام رغم عدم وجود ما يؤكد فاعليته في وضع حد للجرائم والإرهاب، هو ما يدفع المنظمات الحقوقية الى اصدار التقرير تلو التقرير حول انتهاكات وجرائم النظام العراقي، وهو ما يدفعنا الى عدم السكوت.

إن إعدام شخص بلا محاكمة عادلة هو إعدام للعدالة وللقضاء النزيه وتشجيع للخروج على القانون وإشاعة ثقافة القتل خارجه

«أظهر تقييمنا لإقامة العدالة في القضايا التي تتعلّق بالإرهاب في العراق، وقوع انتهاكات متكرّرة للحقّ في المحاكمة العادلة، في سياق التمثيل القانوني غير الفعال، والاعتماد المفرط على الاعترافات، والادعاءات المتكررة بالتعذيب وسوء المعاملة. وفي مثل هذه الظروف، يشكّل تنفيذ عقوبة الإعدام مصدر قلق بالغ، وقد يرقى إلى حدّ الحرمان التعسفي من الحياة تمارسه الدولة نفسها».أفادت مفوّضة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت، بعد تلقيها خبر الإعدامات، وما قد تحمله الايام المقبلة لمئات السجناء الآخرين. بالاضافة إلى المفوضة السامية أصدر مركز جنيف الدولي للعدالة بيانا أدان فيه المحاكمات الجائرة والإعدامات الجماعية وحث على تطبيق الإجراءات القانونية الواجبة. اذ يجب على العراق الإلتزام بالقوانين الدولية المتعلّقة بعقوبة الإعدام والمعاملة اللاإنسانية أثناء الاستجواب ويجب إحترام حقّ جميع المتهمين في محاكمة عادلة. كما ضمّنه رأي ثلاثة من خبراء الأمم المتّحدة في مجال حقوق الإنسان عن الإعدامات ووجوب وقف جميع عمليات الإعدام الجماعية فورًا، قائلين: «نحث الحكومة العراقية على ضرورة احترام التزاماتها القانونية الدولية ووضع حدّ فوري لخطط إعدام السجناء».
مقابل هذه المواقف والتقارير الحقوقية الانسانية المطالبة، كلها، بانهاء اصدار وتنفيذ احكام الإعدام الجائرة، هناك منظور سياسي شعبوي للاعدام يروج له الساسة باعتباره الحل الوحيد «لأخذ حقوق ضحايا الهجمات الإرهابية» وانه يجب العمل به لأنه «جزء من ثقافة وقيم المنطقة» كما دافع عبد الفتاح السيسي، في 2019 عن تنفيذ الإعدامات بمصر، وإن «الشعب عندما يسمع عن عدم تطبيق عقوبة الإعدام، لا يمكن أن يقبلوا منا أن نبقي هذا المجرم الذي مزق أشلاء آبائهم أو أبنائهم أو نسائهم، لأن لا قيمة للحياة إذا كان يعيش فيها هؤلاء، في نظر أهالي الشهداء» كما برر نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي السابق، رفضه ايقاف تنفيذ إعدام 129 سجينا في عام 2012 وما لايقل عن 169 خلال العام 2013 ملقيا المسؤولية على اهالي الشهداء وان توقيعه على تنفيذ الإعدامات هو لتحقيق رغبة الشعب، متعاميا عن حقيقة إن إعدام شخص بلا محاكمة عادلة هو إعدام للعدالة وللقضاء النزيه وتشجيع للخروج على القانون وإشاعة ثقافة القتل خارجه. وما اعتبره قصاصا رادعا لم يجعل العراق أكثر أمنا وطمأنينة بل ساعد على تنمية الاحساس بالظلم واشاعة روح الانتقام. ومايزيد من بشاعة الوضع بالنسبة الى السجناء وذويهم هو غياب التمثيل القانوني الفعلي (محام أو محامية) للمتهمين أثناء التوقيف، والتحقيق، والمحاكمة وما بعد المحاكمة في القضايا المسماة « إرهاب» أي التهمة الجاهزة المستخدمة منذ عام 2005 مع تزايد حالات اختطاف المواطنين، كرهائن لابتزاز العوائل من قبل ضباط أمن اشتروا مواقعهم بغية استرجاع ما دفعوا واثراء لانفسهم، أوميليشيات تبحث عن تمويل. في حالات كهذه قد يطلق سراح الإرهابي المدعوم من جهة قادرة على دفع الاتاوة كما حدث للكثيرين، بينما يعدم المواطن البريء او المتهم بارتكاب جرم غير خطير، فقط لأن اهله لا يملكون ما يطلبه الخاطفون من مال.
إن ادعاء الساسة أن اصدار أحكام الإعدام التي تحول البلد الى مسلخ بشري هو جزء من ثقافة وقيم المنطقة ادعاء مبتذل. فشعوبنا لا تختلف عن بقية شعوب العالم في رغبتها بأن يعامل كل شخص على قدم المساواة أمام القانون. ومن يرتكب اية جريمة سواء كانت ضد شخص أو مجموعة اشخاص يجب تقديمه للقضاء، وان يحاكم وفق القانون بدون تمييز كما يجب توفير الحماية المواطنين على قدم المساواة. وهذا ما لا يحدث في العراق تحت النظام الحالي حيث غالبا ما يعدم الأبرياء ويكافأ المجرمون.

كاتبة من العراق

 

 

ضرورة إبقاء

 أطفال العراق متخلفين

 

هيفاء زنكنة

 

 تواصل الهيئات الحكومية البريطانية والدولية المعنية بحماية ورعاية الأطفال، اصدار التقارير حول تأثير اغلاق المدارس على الأطفال جراء انتشار فايروس كوفيد 19 ومدى امتداد ذلك التأثير على المجتمع ككل مستقبلا. تُحذر التقارير كلها من التأخر في القدرة على التعلم بالإضافة الى المعاناة النفسية والجسدية كالاحساس بالعزلة والقلق وقلة الحركة. لذلك اتخذت الحكومة البريطانية وعديد الدول الغربية المتقدمة قرارات واجراءت فعالة لابقاء المدارس مفتوحة ومواصلة التعليم، عن بعد، عند الضرورة القصوى. اذ تؤكد دراسات علمية اجريت حول تأثير إغلاق المدارس كما حدث عام 2005، حين اسفر إعصار كاترينا الذي اصاب ساحل الخليج، عن نزوح 370 ألف طفل وتدمير أكثر من 100 مدرسة عامة، ان آثار الكارثة ظلت قائمة بعد عودة الأطفال الى المدارس. أظهر بعض الأطفال اعراضا متزايدة من القلق والاكتئاب وضغط ما بعد الصدمة لفترة طويلة بعد الحدث؛ ووجدت دراسة بعد خمس سنوات أن أكثر من ثلث هؤلاء الأطفال النازحين ما زالوا متخلفين بسنة على الأقل عن أقرانهم أكاديميًا، وانهم غير منضبطين في سلوكهم وعواطفهم.
كما بينت دراسة اجريت عام 2019، أن الطلاب في الأرجنتين الذين فاتهم ما يصل إلى 90 يومًا من المدرسة في الثمانينيات والتسعينيات بسبب إضراب المعلمين كانوا أقل من غيرهم امكانية للحصول على درجة علمية، وأكثر عرضة للبطالة، وحصلوا على حوالي ثلاثة بالمائة أقل في المتوسط من المناطق الأقل تأثراً. تعطينا هذه الدراسات والبحوث صورة عامة عن العوامل المؤثرة كالأعاصير والفيضانات وانتشار الأوبئة على توفير التعليم المدرسي للأطفال وانعكاسات القطيعة التعليمية، مهما كانت مدتها، على الأطفال عقليا وجسديا. أما في مناطق النزاع، فتدل البحوث على ان العبء الأكبر يقع دائمًا على الأطفال الذين فقدوا أسرهم، أو الذين يعاني أحد والديهما من صدمة نفسية. مما يأخذنا الى وضع اطفالنا، في البلدان العربية، التي تعيش اما في ظل احتلال مباشر (فلسطين) أو غير مباشر في ظل حروب ونزاعات كالعراق وسوريا واليمن ولبنان، بالاضافة الى خطر وباء كوفيد. هنا، تستوقفنا أسئلة تنعكس على الأطفال والمجتمع ككل. ترى كيف ستكون شخصية الطفل الذي يعيش هذه الظروف بتفاصيلها البائسة يوميا؟ بعيدا عن التعليم أو بتعليم متقطع، وفقدان احد الوالدين، وعدم الاحساس بالأمان، والخوف من فقدان من تبقى من عائلته، أي مستقبل يتوقعه الطفل، وكيف يتخلص من المخاوف وعدم الثقة بالآخر التي ترسبت، مبكرا، على انسانيته؟
أطفال العراق يعيشون هذه التفاصيل وغيرها. بعد ثلاث سنوات من إعلان النظام النصر ضد تنظيم الدولة الإسلامية، لا يزال هناك 1.3 مليون نازح، موزعين في مخيمات نُصبت، منذ ما يقارب العقد، لتكون مؤقتة الا انها باتت دائمية. وبدلا من العمل على اعادة التوطين بشكل مستدام واتفاق مسبق يحفظ كرامة المواطنين وتأمين الضروريات، شرع النظام، الشهر الماضي، باغلاق المخيمات دون انذار مسبق ومشاورات مع ممثلي النازحين ووكالات الإغاثة العاملة في المخيمات للانتقال «الطوعي» الذي يصفه 60 بالمئة من النازحين الذين عادوا الى مناطقهم، بانه اجباري، بينما نزح 44 بالمئة منهم الى مخيمات أخرى ستغلق أيضاً أو منازل شبه مهدّمة، ولم يعد نحو نصف سكان تلك المخيمات إلى مناطقهم الاصلية، اما لأن بيوتهم في مناطق مدمرة أو لانعدام الخدمات او لتعرضهم، وفق منظمة الهجرة الدولية، التي تفادت التحديد، مثل استملاك الميليشيات لمناطق مثل جرف الصخر.

هناك اليوم ما يقارب من 3.2 مليون طفل عراقي في سنّ الدراسة خارج المدرسة، وأن الوضع في عدد من المحافظات سيئ جدا، حيث أنّ ما يزيد عن 90 في المئة من الأطفال في سنّ الدراسة خارج النظام التعليمي

في تلخيصه للحال، يقول فلاح حسن حسين على موقع المجلس النرويجي للاجئين: «لقد سجلنا العودة قبل أكثر من عام من مخيم السلامية الأول /محافظة نينوى، ولم نتلق اي مساعدة لا من وزارة الهجرة والمهجرين، ولا اية منظمة. والمنطقة الي نسكن فيها خالية من الخدمات، ولا يوجد ماء صالح للشرب. نشتري خزان الماء بثمانية الاف دينار، ولا توجد فرص عمل. لو باقين بالمخيم أحسن من هاي الحالة».
ماذا عن التعليم؟ عن الدوام المدرسي الذي يؤدي الى أضرار نفسية وعقلية كبيرة قد تمتد مدى العمر، كما تحذر الدراسات العلمية وتخشاها الدول الغربية؟ يشير تقرير حديث لليونسيف أنّ هناك اليوم ما يقارب من 3.2 مليون طفل عراقي في سنّ الدراسة خارج المدرسة، وأن الوضع في عدد من المحافظات مثل ديالى وصلاح الدين سيئ جدا، حيث أنّ ما يزيد عن 90٪ من الأطفال في سنّ الدراسة خارج النظام التعليمي، وما يقرب من نصف الأطفال النازحين في سنّ المدرسة، أي حوالي 355.000 طفل وطفلة، ليسوا في المدرسة. والوضع أسوأ بالنسبة للفتيات في المدارس الابتدائية والثانوية. حيث ارتفعت معدلات التسرب، فضلا عن ارتفاع عدد المدارس المزدوجة التي تعمل بدوامين أو ثلاثة في اليوم الواحد، وبصفوف مكتظة يصل فيها عدد الطلبة إلى 60 طالبا في الصف الواحد.
يعزي التقرير الاسباب الى « عقود من الصراع، وغياب الاستثمارات في النظام التعليمي الذي كان يُعدّ فيما مضى أفضل نظامٍ تعليمي في المنطقة». مبينا ان حصول الأطفال على التعليم الجيد، يتوقف على معالجة عوائق رئيسية وتشمل « التمويل غير المنصف، وعدم كفاية البنية التحتية التعليمية لا سيما في المدارس في المناطق الريفية والمناطق المتضرّرة من الأزمة، والنقص في المواد التعليمية الضرروية الذي يحدّ من التعليم الفعّال، والافتقار إلى مرافق المياه والصرف الصحي والنظافة الملائمة والمواتية للفتيان والفتيات، والتوزيع غير العادل للمدرّسين المؤهلين».
وستتبدى بوضوح مدى جدية النظام في ايجاد حلول للعوائق حين نعلم ان الميزانية الوطنية للبلد، خصصت في السنوات الماضية، أقل من 6 بالمئة للقطاع التعليمي، ممّا يضع العراق في أسفل الترتيب لدول الشرق الأوسط، في الوقت الذي تتزايد فيه تخصيصات الفساد المالي لتصل المليارات. لاتوفر المدارس مكانا للتعلم فقط بل أماكن لحماية الأطفال من الأذى والمحافظة على سلامتهم من خلال التعرف على التهديدات التي قد يتعرضون لها في المنزل والمجتمع. ووجود الأطفال خارج المدارس يعني حرمانهم من الاحساس بالأمان وجعلهم أكثر عرضة للاستغلال وسوء المعاملة، بما في ذلك عمالة الأطفال والاستغلال الجنسي والزواج المبكر، والأخطر على انفسهم والمجتمع هو التجنيد من قبل جهات مسلحة أيا كانت. واذا اخذنا بنظر الاعتبار أبحاثا أمريكية توصلت الى ان فقدان عام دراسي واحد يعادل تخلفا ذهنيا عاما بمعدل نصف عام، هل من المستغرب اقتناع الكثيرين بأن سياسة النظام العراقي التعليمية هي تكريس التجهيل وتدمير الأجيال الجديدة، عقليا وجسديا، وابقاء البلد ضعيفا قابلا للاستغلال والهيمنة، وهو هدف الاحتلال عام 2003، والتوافقات الاقليمية التي تلته.

كاتبة من العراق

 

بايدن في العراق: علينا الحذر!

هيفاء زنكنة

باستثناء مواجهة أحد الجنود الأمريكيين الذين خدموا في العراق، للرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن، واتهامه بأنه، بمساندته غزو واحتلال العراق برئاسة جورج بوش، كان قد سبب قتل الابرياء من الأمريكيين والعراقيين، صارخا أن « دماء الابرياء تلطخ يديك» لم يثر احتلال العراق وما سببه من خراب وقتل ما يزيد على المليون مواطن، أي اهتمام اثناء الحملة الانتخابية الرئاسية. ولم يوضع العراق المحتل على أجندة النقاش من قبل أي من الحزبين الديمقراطي والجمهوري على الرغم من الحملة الانتخابية المكثفة على مدى شهور.
جاء تغييب العراق وبقية الحروب والنزاعات التي تنخرط فيها أمريكا، تأكيدا، لسياسة الحزبين المتماثلة في تجنب التطرق الى السياسة الخارجية عموما. ومن الأفضل ابقاء السياسة الخارجية، كما هي «خارجية» تُعنى بناس «آخرين» ضبابيين، يعيشون بعيدا في أماكن نائية تصلح للاستغلال عن مبعدة. لا قيمة انتخابية لهم ولا رأي بما سيحل بهم وبلدانهم جراء سياسة الإدارة الأمريكية التي ينتخبها الشعب الأمريكي.
هذه نقطة تستحق التذكير، لا من باب وضع الشعب الأمريكي كله في سلة واحدة مؤيدة للسياسة الامبريالية، ولكن لئلا نسقط في فخ الفصل بين سياسة الادارة الأمريكية والشعب الذي انتخبها. فالمحاججات التي يلجأ اليها البعض للتمييز بين ممارسات الحكومات القمعية المستبدة والشعب بسبب غياب الديمقراطية أو ان الديمقراطية حديثة الولادة أو ان الشعب بحاجة الى تعلم ثقافة الديمقراطية، لا تنطبق على الشعب الأمريكي الذي يرى نفسه حاضنة للحرية والديمقراطية، وناشرا لها بكل الأساليب الممكنة بضمنها، غالبا، الغزو والاحتلال، ويتم غرزها في نفوس المواطنين منذ طفولتهم وفي مناهج تعليمهم.
عموم الشعب الأمريكي يؤمن، اذن، بأن حكومته تمثله، مهما كان الحزب المنتخب أو شخصية رئيسه. فالرئيس ترامب الذي يتهمه معارضوه بأنه يمثل نفسه استطاع ان يحقق للحزب الجمهوري نجاحات مذهلة على مستوى جذب شرائح مجتمعية، كالعمال، كانت محسوبة للحزب الديمقراطي. مما يعني أن سياسة الحكومة الخارجية، وهذا ما يعنينا بالدرجة الاولى، هي وليدة رضا الشعب المتمتع ككل، وان بدرجات، بالرفاه الاقتصادي الذي يشكل الأرضية الاكثر خصبا لصناعة الرضا الشعبي. يليها، في الاهمية، الهيمنة الإعلامية والدعائية، المواظبة على ابعاد المواطن عن العالم الخارجي وحصره، عقليا، في قوقعة تُغذى بشعارات بسيطة سهلة الهضم.
من هذا المنطلق، في معركة تم، مسبقا، مسح انعكاساتها على العالم الخارجي، أختزل برنامج الانتخابات الاخيرة بشعار « اما ان تكون مع ترامب أو ضده». وهو شعار يماثل شعار الرئيس بوش في اعقاب الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر « أما ان تكون معنا أو ضدنا» باستثناء أن بوش أطلق شعاره، المدجج بالتفوق العسكري، بوجه العالم كله. العالم الذي يعيش مصائب الحروب والنزاعات المستمرة التي شنتها وتشنها أمريكا. فمن فلسطين والعراق الى اليمن وسوريا وافغانستان وأمريكا اللاتينية، تعيش شعوب هذه البلدان، في ظل ارهاب امبراطورية عسكرية، تشكل 5 بالمئة فقط من سكان العالم، لديها حوالي ألف قاعدة عسكرية متناثرة كالبثور على وجه العالم، وتعتمد في تنمية اقتصادها على مجمع التصنيع العسكري والحربي، وصفقات السلاح، واشعال الحروب والاحتلال وفرض « الأتاوة» على حكومات محلية مستبدة لحمايتها من شعوبها.

هل سيعيد الرئيس بايدن تفعيل خطة السناتور الديمقراطي جوزيف بايدن لتقسيم العراق، أم انه سيترك للحكام بالنيابة تنفيذ ذلك مع بعض التدخل «الناعم» من جهته؟

أكدت التغطية الإعلامية للانتخابات، على مدى 24 ساعة يوميا، أن الامبراطورية العسكرية، بوجهها السياسي، لا يمكن أن تحقق النجاح بدون آلة التسويق الدعائية الاعلامية. «الهدف من الإعلام الدعائي الحديث ليس فقط التضليل أو الدفع بجدول أعمال محدد. إنه استنفاد التفكير النقدي، لإبادة الحقيقة» يقول لاعب الشطرنج الروسي العبقري غاري كاسباروف الذي يعرف اكثر من غيره معنى انتقائية « الديمقراطية» حين تجرأ على تحدي بوتين في الانتخابات الرئاسية عام 2007، فتم استبعاده في ظروف غامضة، واضطر الى مغادرة بلده بعد تعرضه الى عدد من «الحوادث».
واذا كان بوتين متهما باللاديمقراطية واستبعاد خصومه واغتيالهم اذا تطلب الأمر، فان الادارات الأمريكية المختلفة، لا تجد حرجا في ممارسات مماثلة باسم الديمقراطية. من بينها تغيير الحكومات التي لا تتماشى مع سياستها، أينما كانت، اما بانقلابات عسكرية مدبرة أو الاحتلال المباشر أو التدخل في تغيير نتائج الانتخابات حتى في الدول التي قاموا « بتحريرها» وأمطروها بوعود الديمقراطية. وافضل مثال على ذلك هو العراق الذي تم غزوه واحتلاله لتغيير نظامه أولا، ومن ثم، وبعد أن أعلنوا عن اقامة « عراق ديمقراطي جديد» واجراء انتخابات فيه، تدخلوا بشكل مباشر، في تغيير نتيجة انتخابات عام 2010. المفارقة المضحكة ان يتم التدخل في تغيير النتائج حين كان جو بايدن، الذي يعاني حاليا من اتهامات ترامب له بتزوير الانتخابات، نائبا للرئيس باراك اوباما ومشرفا على ملف العراق.
يومها تم الاعلان عن فوز قائمة « العراقية» برئاسة إياد علاوي بفارق ضئيل مقابل ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي. الا أن المالكي، المعروف بطائفيته وفساده وانتهاكات حقوق الإنسان، قال « ما ننطيها» أي لن نعطي السلطة، رافضا النتيجة. مما أدى إلى مواجهة استمرت ستة أشهر احتفظ خلالها المالكي، بدعم من إيران، بالسلطة لكنه لم يتمكن من تشكيل حكومة ائتلافية. حينئذ تدخل جو بايدن لصالح ابقاء المالكي، راميا نتائج الانتخابات في سلة المهملات، لأن مصلحة أمريكا اقتضت عدم استفزاز إيران أثناء اجراء مفاوضات توقيع اتفاقية السلاح النووي.
الجانب الثاني المهم لاستشراف سياسة بايدن الخارجية تجاه العراق، هو ارتباط اسمه بمشروعه، الداعي عام 2006 الى تقسيم العراق الى ثلاث مناطق على أسس عرقية وطائفية، وهي منطقة كردية في الشمال، وللشيعة في الجنوب والسنة في الغرب. وُصف المشروع بأنه خطة للتقسيم الناعم وانها تشجع على التطهير العرقي، وستؤدي الى تغذية الانقسامات الطائفية في جميع دول المنطقة. على الرغم من ذلك، عمل بايدن على الدفع باتجاه تحقيق مشروعه، بتأييد من اللوبي الصهيوني، لعدة سنوات الا أنه، دفعه جانبا، بسبب عدم تلقيه التأييد الذي كان يأمله من العراقيين خاصة. مما يثير تساؤلا مهما حول سياسته تجاه العراق خاصة مع تغييب العراق عن الأجندة الانتخابية اولا ومع ملاحظة عودة عدد من الصحف الى الكتابة عن «خطة بايدن» والتساؤل عما اذا كانت الحل لـ « الصراع» في العراق وكيفية التعامل مع إيران. فهل سيعيد الرئيس بايدن تفعيل خطة السناتور الديمقراطي جوزيف بايدن لتقسيم العراق، أم انه سيترك للحكام بالنيابة تنفيذ ذلك مع بعض التدخل «الناعم» من جهته؟

كاتبة من العراق

 

 

 

عليهم التطبيع وإلا…

هيفاء زنكنة

 

كل شيء متوقف، تقريبا، في أوروبا، وعديد الدول في العالم، من بينها الدول العربية، بانتظار نتيجة الانتخابات الرئاسية بأمريكا في الاسبوع المقبل. إلا أن حالة الركود السياسي والاقتصادي والعسكري لم تشمل حمى « التطبيع» برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المتلهف لتقديم نفسه كعراب «سلام» بين المحتل الصهيوني العنصري، وانظمة عربية هشة، ينخرها الفساد. فالرئيس الأمريكي، بحاجة ماسة الى ما يوفر له رصيدا انتخابيا ضد مناوئه الديمقراطي جو بايدن. والأنظمة العربية بحاجة الى حماية نفسها ومصالحها ضد شعوبها بواسطة شرطي بتكلفة لا تقبل التأجيل، كما بلغها الرئيس ترامب المرة تلو المرة، محذرا بأن « اتعاب الدفاع» مُستحقة.
«عليهم أن يدفعوا لنا» قالها، عام 2015 اثناء حملته الانتخابية، موجها كلامه الى السعودية مباشرة، ثم عاد ليكرر طلب « اتعاب الدفاع» بعد انتخابه، ليشمل أنظمة اخرى، يتوجب عليها دفع المال لأمريكا لأنها «توفر خدمة هائلة وتخسر الثروات» مؤكدا «لقد تكبدنا الكثير من المصاريف دون أن نحصل على شيء بالمقابل.. عليهم أن يدفعوا لنا».
كان تهديد ترامب، من ناحية استخلاص التكلفة، جديا. وجاءت استجابة الأنظمة العربية الغنية سريعا، اذ ان فقدان الحماية مسألة بالغة الخطورة ولا تتحمل التأجيل. فقامت الأنظمة بدفع « الاتاوة» أما فورا بشكل سيولة نقدية بمليارات الدولارات، حسب غنى الدولة، أو بشكل عمولات أو مقابل صفقات أسلحة بأثمان عالية جداً أو بكل الاشكال مع استثمارات تكاد تكون مجانية لشركات استغلال النفط والغاز، بالتزامن مع دفع تكاليف القواعد العسكرية الموجودة في أكثر من سبع دول عربية في الخليج والدول المحيطة بها، العراق من بينها.
التهديد الحاسم الثاني الذي أطلقه ترامب بوجوه حكام الأنظمة العربية هو وجوب الاعتراف بالمحتل الإسرائيلي واقامة العلاقات، بمختلف المستويات، باتفاقيات رسمية، معه. لم يعد التطبيع المستور، من تحت الطاولة، كما هو متعارف عليه تحت رئاسات أمريكية سابقة، مقبولا لدى أمريكا والمحتل الاسرائيلي معا. فالرئيس ترامب، رغم جهله العام المفضوح وتناقضات تصريحاته العنجهية، يعرف جيدا كرجل أعمال أن افضل وقت لشراء الشركات المنافسة هو حين تنخفض قيمة اسهمها في الاسواق الى أدنى حد وتكاد تشرف على الافلاس. حينئذ يتقدم بالعرض الذي يعرف جيدا بأنه سيقبل بابخس ثمن. وهذا هو بالضبط ما لمسه بعد تحليل المعطيات الشاملة للانظمة العربية. انها تعاني من حالة انهيار، بكل المستويات وأكثره خطرا الغضب الشعبي. حالة تماثل الافلاس الكلي، وقد حان الوقت لتقديم عرض طالما تم تأجيله. عرض مهين ستقبله الأنظمة العربية بشكل صفقة تدعى « السلام» ستمنح ترامب تمايزا سياسيا، كما ستخفف اعباء الدعم المالي الأمريكي للمحتل الاسرائيلي البالغ 3.8 مليار دولار من المساعدات الأمنية و 500 مليون دولار للتعاون الدفاعي الصاروخي بين البلدين، حسب ميزانية 2020.

إن المخطط خطير، لكنّه ليس قدراً محتوماً على شعبنا، فالمعركة مفتوحةٌ بين شعبنا وأنصاره من أحرار العالم، وبين الاحتلال وداعميه الاستعماريين، والتي لا يُمكن أن تحسم نتائجها سلفاً. فقد حالت مقاومة وصمود شعبنا والشعوب العربية الشقيقة، بدعم من أصحاب الضمائر الحية

يأتي التخفيف عن طريق تنشيط علاقات الاستثمار والتجارة والصناعة بين كيان الاحتلال وأنظمة التطبيع الغنية، التي ستوفر للمحتل دخلا اضافيا يساعده على التخلص بسرعة من اهل البلد الاصليين الموسومة مقاومتهم بالارهاب. هكذا ستكون انظمة التطبيع حزام الامان للمحتل، والضامن لوجوده، ليتفرغ أكثر فأكثر في مشروع الاستيطان الاخطبوطي لإجلاء الفلسطينيين. باعتبار ان أمريكا نفسها مبنية على فكرة ابادة السكان الاصليين فلم لا يبني الكيان الصهيوني نفسه على ذات الاساس؟
خلال شهرين وقعت الإمارات والبحرين، وتلاهما السودان على اتفاقات تطبيع العلاقات مع المحتل الإسرائيلي. ويشكل وضع السودان نموذجا للشركات التي يتم شراؤها بعد العمل المتعمد على افلاسها. حيث عاقب شرطي العالم السودان وحاصره الى حد التجويع عن طريق وضعه على قائمة الارهاب. وها هو يمد له يد الانقاذ « الإنساني» ورفع وسم « الارهاب» بشرط الاعتراف باحتلال يمارس ابشع الانتهاكات ضد اهل البلد الفلسطينيين. حال الموافقة على التطبيع المذل، أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، عن حزمة « مساعدات إنسانية» تقدمها الولايات المتحدة لصالح المنكوبين في السودان بقيمة 81 مليون
دولار. بمواجهة الغضب الشعبي، اعتبر المستشار الإعلامي لرئيس مجلس السيادة بالسودان، العميد الطاهر أبو هاجة، أن الانفراج في العلاقات الخارجية «ليس بيعاً للقضية الفلسطينية».
ويشير جواب رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي (واشنطن بوست – 22 آب/ أغسطس 2020) عند سؤاله عن تطبيع الإمارات مع المحتل، إنه «قرار إماراتي، ولا ينبغي لنا التدخل» وتصريح وزير االخارجية فؤاد حسين « أن العراق ملتزم بقرارات الجامعة العربية بخصوص العلاقات مع إسرائيل والقضية الفلسطينية» بأن ما يجمع الأنظمة المحلية الفاسدة مع التوسع الامبريالي واحد، ونموهما كالاعشاب الضارة، الا أن ايقاف انتشاره، مهما كانت الصورة قاتمة، ليس مستحيلا. والقاء نظرة سريعة على التاريخ البعيد والقريب يبين ان الاستعمار، بأشكاله، لا يمكن ان يدوم مهما اتكأ على عكاز خدمه المحليين. ويبقى المحك هو مواصلة الشعوب غضبها ورفضها الاستسلام المتمثل بالمقاومة الفعلية ضد المحتل والأنظمة القمعية المتعاونة معه في آن واحد، بالاضافة الى حملات التضامن العالمية مع حق الشعب الفلسطيني غير القابل للتجزئة.
إن «المخطط خطير، لكنّه ليس قدراً محتوماً على شعبنا، فالمعركة مفتوحةٌ بين شعبنا وأنصاره من أحرار العالم، وبين الاحتلال وداعميه الاستعماريين، والتي لا يُمكن أن تحسم نتائجها سلفاً. فقد حالت مقاومة وصمود شعبنا والشعوب العربية الشقيقة، بدعم من أصحاب الضمائر الحية عالمياً، دون حسم هذا الصراع الممتدّ منذ عقود» كما جاء في بيان حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (بي دي أس) عن اعلانات التطبيع الاخيرة.
«فلسطين ستبقى البوصلة» أعلن فنانون عرب عن مقاطعة النظام الإماراتي « رافضين المشاركة في تلميع جرائم نظام الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري الإسرائيلي، وبقرارهم الالتزام بواجبهم الأخلاقي». وسارع نشطاء إماراتيون لرفض تطبيع حكومة الإمارات مع العدو الصهيوني، ودعا عمانيون الأنظمة العربية إلى العودة إلى رشدها واحترام إرادة شعوبها، واعلنت تونس شعبا وحكومة التزامها بالقضية الفلسطينية. واذا كان الشعب الفلسطيني قد واصل مقاومته لاحتلال بلده أبا عن جد، مع تصميم الأبناء على الاستمرار، بكافة الطرق، فان مناهضة التطبيع والضغط على الأنظمة العربية الاستبدادية والقمعية من أجل وقف كلّ العلاقات التطبيعية مع دولة الاحتلال ومن يمثلها، مسؤولية أخلاقية وان تحرير فلسطين هو تحرير للانسان، اينما كان. وهو مبدأ غير قابل للمقايضة، مهما كان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية المقبل.

كاتبة من العراق

 

 

الحصانة البريطانية والأمريكية

تذكرة مفتوحة لارتكاب جرائم الحرب

هيفاء زنكنة

 

من المتوقع أن يتم تمرير قانون العمليات الخارجية (موظفو الخدمة والمحاربون القدامى) المقترح من قبل حكومة حزب المحافظين البريطانية برئاسة بوريس جونسون، بعد أن تم تمرير القراءة الثانية ومناقشة التعديلات يوم 14 تشرين الثاني/ اكتوبر الحالي. وجاء توقيت اقتراح القانون مناسبا لتمريره «تحت الرادار» أي دون أن يحظى باهتمام كبير وذلك للانشغال العام بانتشار فايروس كورونا، ومتابعة الاجراءات الحكومية، المتناقضة، المحيطة بكيفية الوقاية منه او الحد من انتشاره. من المؤكد ان لهذا القانون تأثير هائل على وضع العسكري البريطاني، ولكن ما هو تأثيره على مواطني البلدان التي تحتلها أو احتلتها بريطانيا، كالعراق، مثلا؟ وهل من تشابه مع القوانين الأمريكية بذات الصدد؟
ينص القانون المقترح على تقييد الملاحقات القضائية ضد الجنود البريطانيين، على جرائم يرتكبونها اثناء خدمتهم أو قيامهم بعمليات في الخارج، من خلال منحهم الحصانة بعد مرور خمس سنوات، على ارتكابهم اية جريمة كانت، بما في ذلك التعذيب وجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية، باستثناء الجرائم الجنسية. يطبق القانون على كل العسكريين، كما ستقدم مهلة مدتها ست سنوات، فقط، للدعاوى المدنية ضد وزارة الدفاع.
صوّت معظم نواب البرلمان لصالح القراءة الثانية، وتنص محاججة مقترحي القانون بأن العسكري يقوم باداء مهامه المطلوبة وواجبه والتضحية بحياته للدفاع عن الجميع، واذا ما حدث وارتكب ما يمسّ حياة الاخرين اثناء ادائه واجبه، فان صلاحية مقاضاته يجب ان تسقط بعد مرور خمس سنوات. وتؤكد الحكومة أن هذا سيحمي القوات البريطانية من الملاحقات القضائية «الكيدية». أحد اسباب هذه المحاججة هو رفع مواطنين عراقيين مئات القضايا ضد عسكريين بريطانيين، أثناء مشاركة القوات البريطانية في احتلال العراق. ففي غضون 15 عامًا، قامت وزارة الدفاع بتسوية 300 مطالبة بإجمالي 20 مليون جنيه إسترليني لضحايا عراقيين عانوا من انتهاكات وتعذيب على ايدي القوات البريطانية.
تطلب اصدار الحكم بقضية الشاب بهاء موسى، الذي توفي جراء تعذيبه أثناء احتجازه في معتقل بريطاني، في مدينة البصرة، في أيلول/ سبتمبر 2003 عدة سنوات الى ان وافقت وزارة الدفاع في 10 يوليو / تموز 2008 على دفع 5.6 مليون دولار، كتعويض لأقاربه وتسعة رجال آخرين عانوا من التعذيب على يد جنود الاحتلال. وقالت وزارة الدفاع في بيان «التسوية مع اعتراف وزارة الدفاع بالمسؤولية… عن الانتهاكات الجوهرية للمادة 2 (الحق في الحياة) و 3 (حظر التعذيب) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان». ودق ناقوس الخطر بالنسبة الى مقاضاة الجنود واعتراف وزارة الدفاع بالمسؤولية، وانعكاسات ذلك على « سمعة « القوات البريطانية، حين استمرت الدعاوي ضد القوات في السنوات التالية.

هذه التجاوزات للقوانين الدولية ستمس، بشكل مباشر، حقوق المواطن العراقي، إذ سيضع حدا لأية مطالبة بالعدالة وتعويض الضرر لانتهاكات حدثت منذ عام 2003

ففي عام 2009، مثلا، وحسب قاعدة ان مساءلة المجرمين لا تسقط بالتقادم، رفع عراقيون من ضحايا التعذيب قضايا أخرى. « زعم أحد المطالبين أنه تعرض للاغتصاب من قبل جنديين بريطانيين أثناء وجوده في مركز احتجاز، بينما يدعي صبي يبلغ من العمر 14 عامًا أنه أُجبر على ممارسة الجنس مع جندي بريطاني. ويزعم آخرون أنهم جُردوا من ملابسهم وتم تصويرهم وتعرضوا للإساءة. في حادثة أخرى، تكدس المحتجزون فوق بعضهم البعض وصُعقوا بالكهرباء». أثارت هذه القضايا ضجة كبيرة لأنها بدأت تشوه سمعة القوات البريطانية التي حاولت النأي بنفسها من فضيحة التعذيب في أبو غريب، باعتبارها فضيحة أمريكية وان الجندي البريطاني « متميزاً» بانضباطه وأخلاقيته.
أثار القانون المقترح استنكار منظمات حقوقية بريطانية ودولية من بينها منظمة العفو الدولية و«هيومان رايتس ووتش» لأنه سيزيد من إفلات الجنود البريطانيين الذين يرتكبون جرائم خطيرة من العدالة. حيث وصف مدير منظمة العفو الدولية، في المملكة المتحدة، القانون بأنه سيضع تصرفات الجنود فوق القانون، ويشير اقتراح الحكومة إلى أن القوات المسلحة بحاجة إلى الإفلات من العقاب من ممارسة التعذيب وجرائم الحرب، و« ترى الحكومة أنه من المقبول منحهم ذلك. مثل هذه الخطوة ترسل رسائل متضاربة على الصعيد الدولي. كيف يمكننا دعوة دول مثل سريلانكا إلى تطبيق العدالة على جرائم الحرب منذ عام 2009، عندما وضعنا قانونًا محددا للتقادم؟»
وحذر النائب العمالي دان جارفس من أن القانون، اذا تم سنه، ستكون له عواقب وخيمة لأنه يضر بمكانة بريطانيا في العالم وبسمعة القوات المسلحة، قائلا: « خذ التعذيب كمثال. حظر التعذيب مطلق. لا توجد استثناءات. استخدامه غير قانوني بموجب العديد من المعاهدات الدولية التي وقعت عليها المملكة المتحدة، بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، واتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي».
هذه التجاوزات للقوانين الدولية ستمس، بشكل مباشر، حقوق المواطن العراقي، إذ سيضع حدا لأية مطالبة بالعدالة وتعويض الضرر لانتهاكات حدثت منذ عام 2003. كما ستنعكس على المستقبل، مع وجود حوالي 1400 عسكري حاليا. وبامكان الجهات المعنية ووزارة الدفاع اعاقة وتأخير اجراءات التحقيق الجنائية لحين سقوط حق الضحية، كما يتبين من التدخل السياسي لوقف المساءلة، ومثالها إغلاق « التحقيق الجنائي البريطاني في الجرائم المزعومة في العراق» قبل أن يكمل عمله.
أما قوات الاحتلال الأمريكي فانها تمتعت بالحصانة من المساءلة والعقاب حتى انسحابها الجزئي عام 2011. الا ان حكومة نوري المالكي منحتها الحصانة من الملاحقة القضائية، عام 2014، إذا ارتكب هؤلاء الجنود الأمريكيون أي جرائم أو واجهوا أي مشاكل قانونية أثناء « تقديم المشورة « للعراقيين. ويبلغ عدد القوات الأمريكية، المعلن عنه رسميا، اليوم، 5200، وقد أكدت حكومة مصطفى الكاظمي، على استمرار الحصانة، وفق الاتفاق الموقع في حزيران 2020، استمرارا « للمبادئ التي اتفق عليها الجانبان في اتفاقية الإطار الاستراتيجي، وكذلك مبادئ تبادل المذكرات الدبلوماسية وخطابات جمهورية العراق إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بتاريخ 25 يونيو 2014».
أن مواجهة هذا المسار، كما المسارات الاخرى في المد اليميني العالمي، في منح الحصانة للسلطات عند انتهاك حقوق الناس، يستدعي جهدا وطنيا جادا، مشفوعاً بجهود تضامنية عالمية، لاستعادة الشرعية الدولية عامة. أنه امر يخص العراقيين لمواجهة سياسة حكومات الاحتلال المتعاقبة التي ترى في قوات الاحتلال، المسّوقة تحت مسميات مختلفة، حماية ضرورية لوجودها، كما يخص شعوب بلدان الاحتلال نفسها، إذا ما أرادت استرجاع القيم الحضارية العامة، ودفاعا عن القيم الديمقراطية التي اصبحت تعاني من هجمة تسلطية تماثل صعود الفاشية والنازية في القرن الماضي.

كاتبة من العراق

 

 

انتحار أطفال

«التحرير» في العراق

هيفاء زنكنة

 

تم الاعلان، في الشهور الاخيرة، عن حالات انتحار في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وإيطاليا وألمانيا جراء انتشار فايروس كورونا، والاجراءات المتخذة لتفادي الاصابة به التي سببت آثارا نفسية واجتماعية عميقة كالاحساس « بالضيق والقلق والخوف من العدوى والاكتئاب والأرق بين عامة السكان.
وتؤدي العزلة الاجتماعية وعدم اليقين والتوتر المزمن والصعوبات الاقتصادية إلى تطور أو تفاقم الاكتئاب والقلق».
ولاتقف الاعراض عند هذا الحد بل تتجاوزها الى «إلى زيادة معدلات الانتحار أثناء الجائحة وبعدها» حسب البحث العلمي الذي اجراه بروفسور ليو شير ونُشر في دورية الطب الدولية بنيويورك. ويأتي الاهتمام بهذه الجوانب تزامنا مع اليوم العالمي للصحة العقلية المصادف 10 أكتوبر/ تشرين الاول.
يُلاحظ، في الوقت نفسه، ما نشرته الصحافة العراقية والعربية، عن ازدياد حالات الانتحار في العراق، ووصفها بأنها مرعبة، اذ بلغت 293 حالة، خلال الستة اشهر الاولى من 2020، فقط، وتتميز بانتحار الذكور أكثر من الاناث. فهل سبب ذلك، كما في الدول الغربية، هو انتشار الفايروس وما يصاحبه من « عدم اليقين بشأن المستقبل» والاضطرابات النفسية جراء الحرمان الاقتصادي، كما تخبرنا الدراسات العلمية، أم ان ما يتعرض له المواطن العراقي مختلف تماما او متعدد المستويات مما يُسّرع برغبته في الانتحار؟
ليس بالامكان انكار تأثير الجائحة على نفسية وحياة المواطنين، خاصة مع تجاوز عدد الاصابات اليومية الآلاف نتيجة انهيار الجهاز الصحي وتخوف الناس من التوجه الى المستشفيات. الا ان فهم الارقام الحالية لحالات الانتحار ومدى ارتباطها بالجائحة، يحتاج الى مراجعة الحالات في الاعوام الماضية. ففي عام 2006، نقل موقع « رليف وب» التابع للأمم المتحدة، في مقال « ضغوطات العنف تقود الى الانتحار» تصريحا لوزارة الصحة، بناء على إحصاءات من مشرحة ومستشفيات بغداد في خمس مناطق، إن نحو 20 شخصا ينتحرون كل شهر. وقال أحمد فتاح، عضو إدارة التحقيق في الانتحار بوزارة الصحة، إن «الأرقام مرتفعة بالمقارنة مع تلك التي كانت موجودة قبل عام 2003، عندما كان لدينا حالة انتحار واحدة أو اثنتين في الشهر». وتشير ورقة بحثية بعنوان « الدراسة الوطنية العراقية لطرق الانتحار: تقرير عن معطيات الانتحار في 2015 و 2016» المنشورة في دورية « الاضطرابات النفسية» عام 2017، الى 647 حالة انتحار في 13 محافظة من مجموع 18. معظم الحالات لشباب تحت سن 29 وأغلبهم من الذكور. مع ازدياد ملحوظ في عام 2016 بالمقارنة مع 2015. ربع الحالات سببها اضطرابات نفسية، أكثره شيوعا هو الاكتئاب، مع أقلية تعاني من صدمة نفسية (15.5٪)ومشاكل مالية (12.4٪) أو إساءة معاملة اثناء الطفولة (2.2٪).
ونشرت لجنة حقوق الإنسان البرلمانية تقريرها لعام 2018 بينت فيه ارتفاع عدد الحالات من 383 خلال عام 2016 إلى 519 في 2018. تدل هذه المراجعة على ان الزيادة مستمرة، تدريجيا، منذ عام الغزو الانكلو أمريكي، أي قبل غزو جائحة الكورونا بـ 17 عاما، وانها ليست، كما في الغرب، السبب الوحيد لحالات الانتحار.

إن ايجاد حل للصحة النفسية والعقلية، بالعراق، يتطلب ليس معالجة انعكاسات الجائحة، في الشهور الأخيرة، فحسب، ولكن التعامل معها، باعتبارها عمّقت بحلولها الخراب السياسي والاقتصادي والمجتمعي الموجود أساسا

ما هي الاسباب الرئيسية اذن؟ في عام 2006، صرّح د. أحمد فتاح بسوداوية موجعة: «اليوم ينتحر الكبار، لكن لن يمر وقت طويل قبل أن يبدأ الأطفال أيضًا في الانتحار». فهل ما نشهده اليوم، اذن، هو انتحار اطفال الامس؟ هل هم الذين كبروا تحت الاحتلال، واستمرارية العنف والتهديد اليومي بالقتل، والخراب الاقتصادي، والتمييز الطائفي والعرقي، والنزوح القسري والتشرد، والفساد الناخر للبنية الاجتماعية؟ هل هم ابناء المليون مواطن ممن قتلوا اما بشكل مباشر او غير مباشر جراء الاحتلال؟ هل هم الخريجون العاطلون عن العمل أو النساء المعيلات للأيتام بعد قتل او سجن ازواجهن؟ اليست هذه الاسباب كافية لجعل العراقيين يعيشون تأثيرات نفسية وعقلية وجسدية لا تقل ضررا عن تأثيرات جائحة كوفيد؟
« أربعون في المائة من الأطفال العراقيين يعانون من أمراض عقلية». تقول الاخصائية النفسية د. الهام الدوري « كذلك الحال بالنسبة إلى 17 في المائة من الشباب، مما يجعل عدد الشباب المصابين بمستويات متباينة من الأمراض النفسية والعقلية يساوي خمسة ملايين وسبعة أعشار المليون، بالمقابل هناك 100 طبيب مختص، فقط، داخل العراق». لامفر للعراقي، اذن، من الضرر النفسي نتيجة العنف والنزوح والبطالة، حين يشعر الرجل بالعجز عن تأمين المعيشة لنفسه وعائلته، ويصيب النساء رشاش العنف المجتمعي والاسري بالاضافة الى كوابيس الحرب والتشرد والقلق الدائم على تعليم وصحة وحياة الاطفال. أن تدهور العلاقات العائلية الممتدة القديمة، وتدهور علاقات الجيرة التي تميز المجتمع الشرقي التقليدي ( وهما الجانبان اللذان كانا يؤمنان درجة من الرعاية النفسية للجميع من الطفولة الى الشيخوخة ) لم تعوضه اي خدمات من الدولة التي دمرت عمداً، وانهار معها التعليم المدرسي والقانون، ولم يعوضه أيضاً صعود التدين بما رافقه من خزعبلات وجهل، ومن تجارة وفساد أخلاقي ومالي.
في مقال مشترك لوزيرة التجارة الخارجية والتعاون الإنمائي الهولندية سيغريد كاج والعراقية د.هالة صباح جميل، نُشرت، أخيرا وصف الاثنان نظام الصحة العقلية الذي يعمل فيه مقدمو الرعاية العقلية في العراق « فيه فجوات كبيرة مثل حفر القنابل». وجه الاثنان الى وجوب الاهتمام بهذا الجانب، بالغ الاهمية، للأفراد والأسر والمجتمعات وصانعي القرار « حتى يتمكنوا من التعافي وإعادة البناء واستئناف سبل العيش وتعزيز المصالحة «. محذرين بانه ما دامت هذه الفجوات موجودة، تزداد معاناة النازحين والمصابين بصدمات نفسية لأن «الصدمات تتراكم، بمرور الوقت، ويصبح العلاج أكثر صعوبة». ومعروف أن الصدمات النفسية والكآبة من مقدمات العديد من الامراض المزمنة التي تستنزف قوة المجتمع وحيويته عموما.
المشكلة الاساسية التي نتلمسها بقوة اثناء قراءة هذه التصريحات والتقارير المتتالية، وهي تقارير انسانية نبيلة، كما تركيز يوم في السنة للوقاية من الانتحار، وهو ضروري للتنبيه الى جانب مُعاش ومهمل، ان هذه النشاطات، غالبا، ما تتجاهل، وهذا واضح جدا في حالة العراق، الاسباب الاعمق المؤدية الى فقدان الشباب الرغبة بالحياة أو التطلع الى ما هو أبعد من اليوم الذي يعيشونه. ويكمن سبب التغاضي عن التغيير الفعال، كون عمل المنظمات المحلية والدولية يرتبط بموافقة الحكومات ونظامها السياسي. مما يجعل نشاط المنظمات دواء مُسٌكنا للاوجاع وليس علاجا. وهي خطوة تحمل آثارا جانبية خطرة، حين لايعالج الوضع ككل بل يتم تفتيت القضايا دون المس بالاسباب الحقيقية. وإن ايجاد حل للصحة النفسية والعقلية، بالعراق، يتطلب ليس معالجة انعكاسات الجائحة، في الشهور الأخيرة، فحسب، ولكن التعامل معها، باعتبارها عمّقت بحلولها الخراب السياسي والاقتصادي والمجتمعي الموجود أساسا.

كاتبة من العراق

 

هل يتوجب علينا الاهتمام

بمصير الرئيس ترامب ؟

هيفاء زنكنة

حتى أقل الناس اهتماما بالسياسة، وأكثرهم عزلة وابتعادا عن اجهزة الإعلام، سمع او شاهد أو قرأ خبر اصابة الرئيس الامريكي دونالد ترامب والسيدة زوجته بفايروس كورونا. فقد تصدر الخبر مواقع التواصل الاجتماعي وتسلل الى المكالمات الهاتفية، ناهيك عن اجهزة الإعلام، ليتم فرز كل حركة أو اشارة صدرت عن الرئيس، منذ اعلان اصابته، بالاضافة الى تدوير تصريحاته عما نطق به حول كيفية الوقاية من الاصابة بالفايروس، مثل شرب الكلورين، ونصائحه عن ارتداء او عدم ارتداء الكمامة، التي باتت تضاهي في شهرتها، الآن، المقولة الشكسبيرية « أن تكون أو لا تكون» .

حققت متابعة تفاصيل علاج الرئيس ترامب، نجاحها أو انتكاستها، نجاحا مليونيا ، في أعداد المتابعين يتجاوز أكثر افلام هوليوود ومسلسلات نفلكس نجاحا، وأكثر من المسلسلات التركية التي احتلت مكان السورية، في العالم العربي، بعد تراجع انتاج الاخيرة. تحيط التغطية الإعلامية ، الممتدة على مدار الساعة، الكرة الارضية، في ذات الوقت الذي تُمرر فيه مئات آلاف الاصابات والوفيات، في جميع انحاء العالم، كارقام واحصائيات وخطوط بيانية، تُبث أو توضع على المواقع ، بألوان مختلفة، توحي للناظر بانها تمثل الفرق بين الحياة والموت، بين فترة ما قبل الكورونا وخلالها. الاحصائيات والخطوط البيانية، غالبا، لا تعني شيئا للقارئ. انها مجرد أرقام. من السهل على الناظر أن يدير وجهه جانبا لئلا يراها او يختار الا يعرف لأنه وصل حد الاشباع في التعامل مع الارقام ومحو الانسان، الا اذا كان وزيرا أو نجما او رئيس دولة. حينئذ تطالعنا تفاصيل حياة المصاب اليومية، ومسار العلاج والفحوصات التي تجرى عليه بادق التفاصيل، وسيرورة تعافيه وانتصاره على الفايروس، الذي يحصد حياة الفرد العادي الذي قلما تتاح له فرصة الرعاية والعلاج. تبدت هذه المفارقة بوضوح حين أصيب رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بالفايروس . وها هي أصابة دونالد ترامب لتدحض، مرة اخرى، حقيقة المساواة بين البشر ورعاية الحياة الانسانية. الحقيقة هي « كل الحيوانات متساوية لكن بعض الحيوانات متساوية اكثر من غيرها» كما كتب جورج اوريل في مزرعة الحيوان، وهو ما يأخذنا الى انتقائية تطبيق القوانين الدولية من قبل الدول الكبرى مقابل الشعوب المستضعفة ، والتي تماثل الفروق بين القبو المظلم والطابق العلوي بشرفاته، وان كان المبنى واحدا.

 السياسة الخارجية ، مهما كان الحزب الحاكم ، جمهوريا أو ديمقراطيا، تكاد تكون واحدة مع بعض التغييرات الطفيفة الناتجة عن شخصية الرئيس

بعيدا عن نظرة اللامساواة السوداوية، التي تبلورت بأوضح صورها في عام الكورونا، يبدو الاهتمام الإعلامي والشعبي، بمتابعة صحة الرئيس ترامب، مبررا. فهو، من الناحية الدولية، رئيس اقوى دولة عسكرية في العالم ، قد يصفه البعض بانه شرطي العالم، الا ان هذا غير مهم بالنسبة للحكومات، المرتبطة مع أمريكا، بمعاهدات واتفاقيات عسكرية وأمنية واقتصادية، تتحكم بدرجات متفاوتة، بشعوب تلك الدول. وهو رئيس الدولة المانحة والداعمة لآلاف المؤسسات والمنظمات المحلية والدولية، الممتدة كاذرع الاخطبوط، في طول وعرض الكرة الارضية. أما في داخل أمريكا، فتتمحور درجة الاهتمام بصحة الرئيس ، بيمينها العنصري الابيض وحركات الحقوق المدنية واليسار المتظاهر الغاضب، حول العد التنازلي لاقتراب يوم الانتخابات الرئاسية، ومحاولة الحزب الجمهوري المستميتة ، المتمثلة بمرشحه ترامب، للفوز بدورة ثانية.

عربيا، تشكل سياسة ادارة ترامب من فلسطين والعراق وإيران والسعودية، أحد أسباب الاهتمام الحكومي والشعبي بمتابعة صحة الرئيس. حكوميا، لأن معظم الحكومات العربية بحاجة الى الحماية الأمريكية بأي شكل من الاشكال. وتخلخل الوضع داخل أمريكا سيؤدي الى انعكاسات غير مرغوب بها. أما سبب الاهتمام الشعبي، وهو أقل من الحكومي، فيغلب عليه عدم التصديق واعتبار مرض ترامب جزءا من عرض مهيأ لالهاء الناس عن جرائم أمريكا وسياستها، خاصة في فلسطين. هناك ، ايضا، جانب السخرية المريرة، والشماتة، وتبادل النكات عن الرئيس الذي أوصل الفضائح الجنسية والسياسية وتزوير الانتخابات مستوى فاز فيه على الرئيس الديمقراطي السابق بيل كلينتون ، المشهوربعلاقته الجنسية مع المتدربة في البيت الابيض مونيكا لوينسكي. وقد صرح، أخيرا ، في فيلم وثائقي جديد، يتناول حياة زوجته هيلاري المرشحة الرئاسية لعام 2016 ، قائلا إنّ علاقته بمونيكا كانت وسيلة للتغلب على مخاوفه وقلقه. وسجل ترامب فوزا ساحقا على الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون، صاحب فضيحة « ووترغيت» الذي استقال بعد ان حوكم وسحبت الثقة منه، بتهم عرقلة عمل العدالة، وسوء استخدام السلطة، وازدراء الكونغرس.

هذه الممارسات « الرئاسية» منحت ترامب الاحساس بنوع من الحصانة المعجونة بعنجهيته الشخصية كرجل أعمال يعمل بقوة من اجل الرجل الابيض. وكونه قد حقق كل الوعود، تقريبا، التي أطلقها اثناء حملته الانتخابية مهما كانت قسوتها وتحريضها على العنصرية والعنف. فقد نجح في رفع المستوى الاقتصادي، ومنع دخول المزيد من المهاجرين الى امريكا، والعمل على سحب القوات العسكرية من البلدان المتواجدة فيها، كافغانستان والعراق، واجراء المباحثات مع طالبان. وجعل وجود القوات، لحماية الحكام المحليين، مشروطا بدفع تكاليفها، كما فرض على السعودية. فالحماية العسكرية الامريكية ضرورة اساسية لحكام يخشون شعوبهم. وكان لنجاحه في تحقيق الوعد للكيان الصهيوني بجعل القدس عاصمة للمحتل، والجمع بين المحتل الصهيوني العنصري والمستخذين من ممثلي دول عربية، تأثير غطى على جرائم الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني، وضحايا القصف، بحجة محاربة الارهاب، في العراق وسوريا واليمن.

« الأيام القليلة المقبلة ستكون الاختبار الحقيقي» غرّد ترامب بعدما دخل المستشفى. وهي تغريدة نادرة في صدقها. فما الذي ستحمله نتيجة الاختبار الحقيقي الايام المقبلة لأمريكا وبقية العالم ؟ لا شيء مغاير تماما. فالسياسة الخارجية ، مهما كان الحزب الحاكم ، جمهوريا أو ديمقراطيا، تكاد تكون واحدة مع بعض التغييرات الطفيفة الناتجة عن شخصية الرئيس . وهو ما تلخصه عضوة الكونغرس الشابة الاشتراكية الديمقراطية ألكساندريا أوكاسيو- كورتيز ، بقولها: « بامكانه البقاء ، بامكانه الذهاب. يمكن عزله، أو التصويت لصالحه في عام 2020 ، لكن إزالة ترامب لن تؤدي إلى إزالة البنية التحتية لحزب أحتضنه؛ والأموال السوداء التي مّولته ، والتطرف عبر الإنترنت الذي طّبل له جيشه ، ولا العنصرية التي قام بتضخيمها وإعادة إحيائها» . لتجيب عند سؤالها عن احتمالات تغيير الواقع الحالي الذي تتحكم فيه الرأسمالية « «الرأسمالية لم تكن موجودة دائمًا في العالم ولن توجد دائمًا في العالم

كاتبة من العراق

 

عن زمن الحب والمقاومة

في فلسطين ولبنان

هيفاء زنكنة

هل صحيح أن سمة الشعوب العربية هي التأرجح المدمر بين الغرور الدافع الى التمرد البدوي والمثالية الفجة من جهة، واحتقار الذات الدافع الى الاستخذاء والخنوع للعدو من جهة أخرى، مما يجعل تسليم امرنا الى القضاء والقدر والقبول بالأمر الواقع على هناته حلا وحيدا لوضعهم المصنف سياسيا بالتعقيد؟
هل بات اليأس هو الكفاف اليومي للشعوب العربية، كما كتبت الشاعرة والاستاذة اللبنانية نادين عطو، مشيرة في اعقاب صدمة تفجير لبنان التي أذهلتنا جميعا، الى شعب « نزلت عليه الويلات كلها في وقت واحد. وقد لا تكفي كلمة «محزن» لوصف الوضع فيه؟ فما يحصل يدمي القلب، والقصص التي تصلني تشعرني بالانهزام والالم. ورغم أنني أقضي معظم الوقت في المساعدة ولو عن بعد، ادعو الله ان يزيل الغمة».
ونحن نخطو متعثرين، مثقلين بحمل صخرة الأسى، يصاحبها الاحساس بالذنب لأننا لا نفعل ما يكفي، في ليل توحي ساعاته المتمددة باللانهاية ، يتخذ دعاؤنا أشكالا متعددة. تشير اليها علامات طرق، نراها على الرغم من الظلام وصعوبة المسار لكي نواصل السير. قد تكون علامات الطرق أحداثا نستخلصها من الذاكرة فتشحننا بقوة الارادة أو كتبا عن شخصيات تاريخية توحي لنا بديمومة الأمل أو شخصيات تعيش معنا، في ذات الليل المظلم، لكنها قادرة على الصمود والرؤية بضياء القلب، فيتسلل الينا الضوء من خلالها. المخرجة مي مصري هي واحدة من تلك الشخصيات. وإحدى العلامات التي استوقفتني، أخيرا، في طريق القلب الى لبنان وفلسطين، كتاب يلخص ويوثق ثلاثين عاما من انجازاتها وهو بقلم امرأة تضاهيها نضالا. « الحب والمقاومة في افلام مي مصري» عنوان كتاب الصحافية والناشطة البريطانية المعروفة فكتوريا بريتن.
كيف نقرأ السينما؟ كيف يتم تحويل المرئي الى التدوين؟ كيف يحافظ المدّون، ناقل الصورة الى الورق، على فرادة وتمايز الفن الجامع لكل الفنون، بالاضافة الى التجربة الحياتية، اذا كان صانع الفيلم ، يتوخى، كما تفعل مي في افلامها الوثائقية، الجمع بين الفن والسياسة معا ؟ ليست مهمة سهلة. الا ان فكتوريا تمكنت من توثيق الأفلام بموضوعاتها، وخلفيات اخراجها، واسماء المشاركين فيها وفي الوقت نفسه اضاءة الجوانب الفنية والابداعية المميزة لأعمال مي التي يراها المشاهد خيطا ملونا في نسيج الحياة اليومية للبلدين . نسيج تغزله بحرص وشغف وحماس من يحب الحياة. وحب الحياة والتشبث بالامل هو الذي يرافقنا طوال صفحات الكتاب وطوال افلام مي سواء التي أخرجتها لوحدها ، او صحبة زوجها ورفيق حياتها الراحل جان شمعون ، ولعل هذا واحد من الاسباب التي تجعلنا نلتقي بالشاعر الفلسطيني محمود درويش ونحن نتصفح فصول الكتاب التي نتعرف من خلالها لا على افلام وحياة مي فحسب ولكن على حقبة نضال بكل تحدياتها: تحت الأنقاض، زهرة القندول، بيروت: جيل الحرب، أطفال جبل النار، أحلام معلقة، حنان عشراوي: أمران في زمن التحدي، يوميات بيروت، 3000 ليلة. مع اصوات الأسيرات المتحديات في معتقلات الكيان الصهيوني، والأطفال رافعي اشارة النصر، وعلى ايقاع روح النضال والمقاومة في فلسطين ولبنان ، نسمع درويش وهو يردد « على هذه الأرض ما يستحقّ الحياةْ: على هذه الأرض سيدةُ الأرض، أم البدايات أم النهايات. كانت تسمى فلسطين. صارتْ تسمى فلسطين. سيدتي: أستحق، لأنك سيدتي، أستحق الحياة».

 تُبدع مي مصري في زرع الأمل، وتوثيق مقاومة الفرد العادي وإنسانيته مقابل لا إنسانية المحتل ووحشية الطغاة

ان رواية مي مصري السينمائية عن الإنسان من خلال النساء والاطفال، عن القضية الفلسطينية، عن الحرب ومعنى السلام المرتبط بالعدالة ، عن حفظ الذاكرة و» خوف الغزاة من الذكريات» وتوثيق حالات التعذيب لئلا تتكرر، والبحث عن المختفين ، وأحلام وطموحات الأسيرات في سجون الاحتلال الصهيوني، بحثا عن الحرية واسترداد الارض، عن علاقة الفلسطيني بالارض، ارضه التي يحملها في وجدانه اينما كان. في سرديتها السينمائية ، بهدوء الراوي الواثق من نفسه وايمانه بقضيته، بابرازها انسانية نضال الفلسطيني ومقاومته، متعددة المستويات، وقدرتها على تقديم الواقع الحي بتفاصيله الصغيرة، تفكك مي مصري سينما المحتل العنصري المبنية على التزوير التاريخي، وتشويه صورة الفلسطيني ومحو وجوده. بهذه الطريقة ، وهي تروي قصص الحب والحيرة والتشتت وحكايات الطفولة والسجون والتعذيب ، تُبدع مي مصري في زرع الأمل، وتوثيق مقاومة الفرد العادي وإنسانيته مقابل لا إنسانية المحتل ووحشية الطغاة.
وتنبع أهمية الكتاب، أيضا، بذات الطريقة غير المباشرة، التي تبدع فيها مي أفلامها، من كون فكتوريا بريتن هي المؤلفة. حيث تشكل تقاريرها كصحافية مختصة بالشأن الافريقي والشرق الأوسطي، على مدى عقود، وكتبها ، وآخرها « النساء المنسيات في الحرب على الإرهاب» وكونها من مؤسسي واللجنة التنفيذية لجائزة افضل كتاب عن فلسطين باللغة الانكليزية، محطة تزخر بالتضامن اليومي الدؤوب للشعب الفلسطيني لاستعادة وطنه المحتل.
ويأتي اختيارها الكتابة عن سينما وحياة المخرجة الفلسطينية مي مصري امتدادا طبيعيا لإنسانية ما تؤمن به ، ورغبتها في توثيق الواقع اليومي والنضال من أجل العدالة الذي ميز حياة جيل بأكمله، والاكثر الحاحا هو ضرورة عدم السكوت ، خاصة في هذا الوقت المُهدد باليأس، والظلام السياسي الحالي وتقدمه في خلاصة الكتاب بأن شعرية وغنى سينما مي يكتسب اهمية قصوى ونحن نراقب ما يحدث في فلسطين بعيدا عن القانون الدولي والانساني، حيث استهداف الشباب وتشويههم لمشاركتهم في مظاهرات غزة، وسنوات الحصار الجائر عليها، ووحشية المستوطنين المتسعة في ارجاء فلسطين وعنفهم ، خاصة ، ضد النساء والاطفال. ولا ننسى جدار الفصل العنصري ، واعلان الولايات المتحدة الامريكية القدس عاصمة للكيان الصهيوني، والاعتراف بالجولان جزءا منه، واستقطاع الدعم لمنظمة الاونروا مما يعني العقاب الجماعي لجيل المستقبل من خلال حرمانه من حق التعليم. وهي تلخص لنا ما يعانيه الفلسطيني ، يوميا، تحفر فكتوريا ، في أذهاننا، الصورة الإعلامية التي تركز عليها اجهزة الإعلام لتغطي آلة القتل اليومي المستهدف للفلسطينيين ، ولترسخ صورة القوة الامريكية – الاسرائيلية متجسدة بايفانكا ترامب وزوجها جارد كوشنر، وهما بأبهى حلة، مبتسمان اثناء افتتاح السفارة الامريكية الجديدة في القدس المحتلة.
كاتبة من العراق

 

 

جاذبية استخدام

المظلومية في العراق

 

هيفاء زنكنة

 

أيام العراق كما هي. الاحتجاجات مستمرة للمطالبة بالحقوق. اختطاف الناشطين واكتظاظ المعتقلات مستمر. أيام العراق عادية للمواطن العادي. على مواقع التواصل الاجتماعي تبادل الاتهامات ما بين المثقفين مستمرة، اكثرها انتشارا هي الموجعة، الغاضبة، المشحونة بالشتائم، المنصبة على المقارنة بين ممارسات النظام العراقي السابق والحالي حول حقوق الانسان. هل بإمكاننا المقارنة، بعيدا عن الالم الشخصي واستنادا الى ذاكرتنا التي عانت الكثير عبر العقود الكارثية المحملة بالحروب والحصار والاحتلال؟ ماذا عن مراجعة عدد من تقارير المنظمات الحقوقية الدولية لتمنحنا تخطيطا جافا، بلا عواطف، عن الموضوع؟
عند مراجعة تقارير منظمة العفو الدولية عن انتهاكات حقوق الانسان في العراق، في ثمانينات القرن الماضي، أثناء الحرب العراقية الإيرانية، سنلاحظ ان التعذيب و الاختفاء والاعدام، يطغى على التقارير. حيث تم تمريرها بذريعة المحافظة على «أمن الدولة» في فترة الحرب، واتهام الاحزاب المعارضة بالخيانة والإرهاب. وهي ذات الاحزاب المشاركة بالحكم حاليا. يوثق تقرير المنظمة لعام 1983، مثلا، اعتقال 38 «معارض رأي» و اعتقال اربعة من مساعدي آية الله الخوئي، واختفاء اربعة من اعضاء الحزب الشيوعي، واعتقال اعداد كبيرة منهم، بالإضافة الى اعضاء من حزب الدعوة الإسلامي المحظور، واطلاق النار على متظاهرين في مختلف المدن الكردية واعتقال عدد منهم. يؤكد التقرير ان الاعدامات تتم بعد اصدار احكام سريعة غير مستوفية للشروط القانونية. الا ان المنظمة رحبت بقرار مجلس قيادة الثورة الصادر في 16 تموز/ يوليو 1982 بالعفو «عن كل الاكراد المتهمين بحمل السلاح ضد الحكومة العراقية». كما صرح نائب رئيس الوزراء طارق عزيز، يوم 10 آب/ اغسطس، ان العفو يشمل كافة اعضاء الحزب الشيوعي. حول مدى صحة تنفيذ قرارات العفو، ذكرت المنظمة انها كتبت الى «الرئيس صدام حسين ملتمسة تفاصيل العفو، إلا انها لم تتلق اي جواب. كما لم يصدر أي تصريح رسمي حول أعداد المعتقلين الذين استفادوا من العفو».
من المفيد مراجعة سجل إيران، لذات الفترة، ايضا، لأن عددا من الاحزاب والميليشيات التي دخلت العراق بعد الاحتلال أسست في إيران، وكونها البلد الثاني المؤثر، بعد أمريكا، في البلد، منذ الاحتلال الانجلو أمريكي عام 2003، الى حد ترك بصمة كبيرة في تشكيل الهوية الفردية. يتبين عند المراجعة ان التعذيب والاختفاء والإعدام، يطغى على التقارير. حيث وثقت المنظمة، اعدام 624 شخصا، عام 1982 فقط، بينما بلغ العدد 4605 منذ الثورة عام 1979، حسب الارقام المعلن عنها رسميا. تم تمرير الانتهاكات والاعدامات بذريعة التخريب ومعاداة الثورة والقيام بمحاولة انقلاب. في كانون الثاني 1982، كتبت المنظمة الى رئيس الوزراء حسين موسوي بصدد عدد الاعدامات الكبير واصدارها في محاكمات سريعة جراء اعترافات مستخلصة نتيجة التعذيب، الا انها لم تتلق أي جواب. وطالت الاعتقالات سجناء الرأي، من بينهم اربعة محامين اعضاء في نقابة المحامين، استهدفتهم مع آخرين آلة الاعتقال، بعد اعلان آية الله خميني، في 23 اغسطس 1982، تطبيق الشريعة والغاء القوانين المدنية.

استخدمت قوات الأمن وفصائل من قوات « الحشد الشعبي» القوة المفرطة ضد المحتجين المشاركين في مظاهرات عمت أنحاء البلاد بدءا من أكتوبر/تشرين الاول، فقتلت أكثر من 500 منهم وأصابت آلافا آخرين

يقول هانز فون سبونيك، ممثل الامم المتحدة في العراق المستقيل بسبب الحصار الجائر «لم تبق أية مادة في ميثاق حقوق الانسان لم تنتهك في العراق منذ غزوه». ولنراجع تقرير منظمة العفو لعام 2019: «استخدمت قوات الأمن وفصائل من قوات «الحشد الشعبي» القوة المفرطة ضد المحتجين المشاركين في مظاهرات عمت أنحاء البلاد بدءا من أكتوبر/تشرين الاول، فقتلت أكثر من 500 منهم وأصابت آلافا آخرين، وتوفي الكثير نتيجة إصابتهم بالذخيرة الحية أو بعبوات من الغاز المسيل للدموع لم تشاهد من قبل. وتعرض النشطاء، وكذلك المحامون الذين يمثلون المحتجين، والمسعفون الذين يتولون علاج الجرحى، والصحافيون الذين يغطون الاحتجاجات للقبض، والاختفاء القسري، وغير ذلك من أشكال الترهيب على أيدي أجهزة الاستخبارات والأمن.. وظل آلاف الرجال والصبية مفقودين بعد اختفائهم قسريا على أيدي قوات الامن العراقية، بما في ذلك وحدات الحشد الشعبي». كل هذا، بدون القاء القبض على مرتكبي الانتهاكات والجرائم، بل وغالبا ما تتم مكافأة المسؤولين على الرغم من توفر الادلة والشهود. ترينا هذه المراجعة السريعة ان هناك ممارسات وانتهاكات تكاد تكون متماثلة في تطبيقها وتبريرها بين النظامين العراقي والإيراني، في الثمانينيات، الا انها تعمقت وانتشرت وتطورت بشكل كبير، وهنا المفارقة، على أيدى الساسة الذين طالما قدموا انفسهم كضحايا للنظام السابق. حيث اصبحت «المظلومية» ذريعة للتعاون مع الاحتلال اولا ولتكريس نظام المحاصصة والتمييز الطائفي والعرقي ثانيا. ما يجمع الساسة «الضحايا» بالإضافة الى الفساد، هو ارتكاب أو غض النظر عن الانتهاكات والتعذيب والاختفاء وتنفيذ احكام الاعدام، بشكل جماعي شبهته مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بـ«ذبح الحيوانات في المسلخ».
ومن استخدام المثقب وشوي الضحايا واغتصاب الرجال الى تصوير أشرطة فيديو التعذيب والانتهاكات الجنسية وتوزيعها. كل هذا بحجة «ليس الوقت ملائما» لانشغال الحكومة بمحاربة الإرهاب!،
ويعود سؤال «من هو الاسوأ» أو «الاحسن» من الحكام، ليتكرر وينتشر بتنويعات تبريرية، مبتذلة، تختزل حياة الإنسان الى رقم في قوائم تضم الآلاف. تُنسينا بديهية ان حماية الفرد هي مسؤولية الحكومة، خاصة، اذا كانت تدّعي الديمقراطية الانتخابية وتُزّين وجودها بحقوق الإنسان. وإلا من يتحمل، مثلا، مسؤولية عوائل آلاف القتلى والمغيبين تحت لافتة مكافحة الإرهاب، وملايين المهجرين، في عدة مدن، جراء قصف قوات التحالف الدولي «الستيني» والميليشيات الطائفية؟ ألن تكون هذه مبررا لمظلومية مستقبلية تبرر الافعال الانتقامية كما يفعل ضحايا تهجير تهمة «التبعية الإيرانية» من قبل النظام السابق واستغلالها سياسيا من قبل النظام الحالي؟
لا يمكن تقليل المسؤولية عن الحكومة حيث اثبتت السنوات الاخيرة، في حياة العراقيين، ان بامكان مُدّعي المظلومية ان يكون جلادا بينما يبقي الضحايا الحقيقيين مظلومين. وحين توفر الحكومة التمويل لصالح «التظلم» فانها تعمل على تقسيم الناس وإقناع الضحايا بأن المجتمع يقف ضدهم بلا هوادة، مما يقضي على امكانية التفكير بايجاد حلول حقيقية للمعاناة والقمع. وهو ما وصفه المفكر الإنساني البريطاني برتراند راسل، عام 1950، في مقالته المعنونة «الفضيلة الفائقة للمضطهدين» التي بيّن فيها «ميل الناس إلى تخيل أن أولئك المضطهدين يتمتعون بجودة اخلاقية فائقة».

كاتبة من العراق

 

 

« الدرونز»…

عقوبة إعدام بلا محاكمة

هيفاء زنكنة

 

جاء في بيان لوزارة الدفاع البريطانية أن سلاح الجو الملكي البريطاني نفذ عمليتين ضد تنظيم «داعش» في شمال العراق خلال شهر آب/ أغسطس. كلاهما بواسطة طائرة بدون طيار ( درون) من صنف ريبر، موضحا بأن العمليتين هما جزء من مساهمة بريطانيا في التحالف الدولي في الحرب ضد «داعش» في سوريا والعراق. حيث تقوم الطائرات بشن ضربات على «أهداف إرهابية عند الحاجة». تبين تفاصيل العملية الاولى، أن الدرون تعرف على «إرهابيين عند مدخل كهف لداعش، على بعد 85 ميلاً غرب كركوك. وبقي الدرون يراقب الموقع عن كثب ثم نفذ طاقم الدرون، في 20 آب، هجومًا بصاروخ « هيلفاير» بعد أن تاكد من عدم وجود مدنيين قد يكونون معرضين للخطر. «أصاب الصاروخ الهدف بدقة، ولوحظ أن الانفجار يخرج من جزء آخر من شبكة الكهوف، مما يشير إلى أن تأثير السلاح قد وصل إلى عمق الكهوف».
الملاحظ أن البيان لا يذكر عدد القتلى، تماشيا مع سياسة أمريكا والكيان الصهيوني، في إهمال ذكر الضحايا، أيا كانوا، بل يركز على إثبات دقة تصويب الدرونز، والحرص على سلامة المدنيين، وشرعية وقانونية استخدامه كسلاح للقتل، في بلد، ليس في حالة حرب مع بريطانيا. مما يثيرعدة نقاط مثيرة للجدل. من بينها زعم صناع السلاح ودعاة حرب الطائرات بدون طيار أنها الأسلم بالنسبة الى الجنود، لأنها تقلل من الحاجة الى وجودهم على الأرض وبالتالي تعرضهم للخطر، متعامين عن حقيقة أن ثمن سلامة الجنود في أمريكا وبريطانيا والكيان الصهيوني يدفعه المدنيون على الأرض. اذ ليس من الممكن معرفة ما يحدث على الأرض بدقة من على بعد آلاف الأميال. صحيح أنها تسمح للجنرالات والسياسيين بمشاهدة الحرب التي يشنونها على الجانب الآخر من العالم، على الهواء مباشرة، بواسطة شاشة من أي مكان في العالم، والانتشاء لتحقيق «الانتصار» إلا أن هذا لا يعني سلامة المدنيين بل سهولة شن الحروب عن مبعدة. فبينما تدعي بريطانيا، مثلا، أن مدنيًا واحدًا فقط قُتل في آلاف الضربات الجوية والدرونز البريطانية في العراق وسوريا، أعلنت منظمات تسجيل الضحايا والصحافيين عن آلاف القتلى في غارات جوية للتحالف.
وقد عاشت أربعة بلدان هي افغانستان وسوريا وليبيا وغزة جحيم «الأمان» الذي توفره الدرونز، في شهر نوفمبر / تشرين الثاني 2019، حيث قُتل جراء «دقة» استخدامها 41 مدنيا بينهم 11 طفلا. ففي أفغانستان، قُتل 6 قرويين كانوا يرعون الماشية ويجمعون الأخشاب. وفي سوريا تم ضرب مجموعة من خمسة مدنيين كانوا يقطفون القطن، مما أسفر عن مقتل اثنين وإصابة خمسة. وفي ليبيا قتل 10 عمال مهاجرين في مصنع بسكويت وبعد عشرة أيام، قُتلت عائلة من العمال المهاجرين النازحين بما في ذلك 6 أطفال مع عاملين يقومان بتوصيل المياه للأسر النازحة. واعترفت قوات الكيان الصهيوني بقتل ثمانية أفراد من عائلة رسمي السواركة ( 45 عاما) في غزة.
وليس صحيحا ما تدعيه البيانات الرسمية بأن استخدام الدرونز، في العراق وبقية الدول، يتم لتوجيه ضربات ضد تنظيم داعش. ففي 12 آب، من العام الماضي مثلا، هاجمت ثلاث طائرات درون تابعة للكيان الصهيوني إحدى قواعد «الحشد الشعبي» في بغداد، ما أدى إلى انفجار 50 طنا من الأسلحة بذريعة ضرب صواريخ إيرانية كانت في طريقها إلى سوريا ولبنان.

هناك عدة منظمات أوروبية وأمريكية مستقلة، تقوم برصد استخدام الدرونز للتجسس والاغتيال وآثارها على حياة المدنيين

الجانب الآخر الأكثر اثارة للجدل هو استخدامها من قبل أمريكا وبريطانيا والكيان الصهيوني في عمليات القتل المستهدف، أي القتل العمد مع سبق الإصرار لأفراد مختارين من قبل دولة ليسوا رهن الاحتجاز لديها، كما فعلت أمريكا في باكستان واليمن، ويواصل الكيان الصهيوني استهداف قادة المقاومة الفلسطينية في غزة. واذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هو من أصدر تعليمات تنفيذ عملية قتل سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، أثناء وجوده بالعراق، بداية كانون الثاني/ يناير 2020، دلالة ازدياد الاعتماد على الدرونز لتنفيذ عمليات الاغتيال الحكومية، فان التوسع الكبير لحرب الدرونز كان قد بدأ في عهد الرئيس باراك أوباما الذي أمر بضربات لـ «مكافحة الإرهاب» ونفذتها وكالة المخابرات المركزية وقيادة العمليات الخاصة المشتركة في البنتاغون، أكثر بعشر مرات من سلفه جورج بوش.
هناك، بالتأكيد، جوانب ايجابية متعددة للتطور التكنولوجي السريع للدرونز، إلا أن الجانب الأكبر الذي نتلقاه في العالم العربي، منذ اختراع الدرونز، هو الاستخدام العسكري القاتل حيث تعيش شعوب لبنان والعراق وسوريا وفلسطين واليمن وليبيا، تحت أزيز وصواريخ حرب الدرونز البريطانية والأمريكية والكيان الصهيوني. مما يقودنا إلى التساؤل عن مدى معرفتنا، كشعوب، بهذا السلاح المهيمن، حاليا، على جانب مهم من حياتنا ويوشك، نتيجة تطوره وسياسة الدول المنتجة له وسهولة الادعاء بدقتهس؟ باستثناء عدد من المقالات والمتابعات الصحافية، لم أعثر على موقع عربي متخصص بهذه الآلية التي غيّرت هيكيلية الجيش الأمريكي وشكل الحروب.
الا أن هناك عدة منظمات أوروبية وأمريكية مستقلة، تقوم برصد استخدام الدرونز للتجسس والاغتيال وآثارها على حياة المدنيين. من بينها منظمة
Drone wars. وموقعها الالكتروني غني بالمعلومات والوثائق وتحيين المتابعات لكل ما له علاقة بالاستخدام العسكري للدرونز في جميع انحاء العالم، وقد أصدرت المنظمة بمناسبة احتفالية تأسيسها العاشر، كتيبات وتقارير التقارير ورقية متوفرة لمن يرغب. وفي تلخيصه لعمل المنظمة، يقول مدير المنظمة كريس دول «أحد الجوانب الرئيسية لعملنا هو تحدي السرية التي تحيط باستخدام الدرونز»، محذرا من عدم وجود قوانين محلية أو دولية تمنع استخدام الدرونز في عمليات القتل مما سيؤدي الى توفيرها لأي شخص كان يود استهداف مسؤول او قائد متهما اياه بانه إرهابي، خاصة «و أن أي شخص منا معّرض للاتهام بالإرهاب».
المنظمة الاخرى هي «ريبريف» التي تصف برنامج الدرونز القاتلة لوكالة المخابرات الأمريكية المركزية بأنه «عقوبة إعدام بدون محاكمة» معلنة معارضتها للاستخدام غير المشروع للدرونز المسلحة خارج ساحة المعركة في أي مكان في العالم. قائلة «لقد قتل هذا البرنامج أكثر من 4000 شخص، حتى الآن، معظمهم لا يزالون بلا أسماء». بالنسبة الينا، هناك حاجة ملحة للتوعية بنوعية الحرب التي تخاض باسمنا وبتكنولوجيا واستخدامات نتلقى الجانب القاتل منها، ونظرا لغياب أي جهد حكومي في هذا المجال، قد يكون العمل سوية مع المنظمات والنشطاء الفاعلين هو الحل الأفضل، حاليا. ولأن مسيرة ألف ميل تبدأ بخطوة واحدة قد تكون مبادرة ترجمة عمل احد المواقع حلا يجنبنا جهد وتكلفة اعادة اختراع الجاجيك « اللبن بالثوم».

كاتبة من العراق

 

 

مقالات سابقة للكاتبة

فرنسا: الضلع الثالث

في اقتسام كيكة العراق؟

هيفاء زنكنة

مصطلح جديد نزل الى الأسواق الإعلامية ـ السياسية في الاسبوع الماضي وبالتحديد يوم الثاني من ايلول/ سبتمبر. المصطلح هو «مبادرة السيادة» أو «مسيرة السيادة» وقد أطلقه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اثناء زيارة قصيرة الى بغداد احيطت بالكتمان. مما تذكرنا بزيارات المسؤولين الأمريكيين الذين يكتفون، عادة، بلقاء رئيس الوزراء العراقي اما في المنطقة الخضراء المحصنة او احد المعسكرات الامريكية الأكثر حصانة، حيث يتناول رئيس الوزراء وجبة طعام مع قوات الاحتلال ليبين، كما فعل نوري المالكي، مقدار اعتزازه بتضحياتهم بحياتهم على أيدي «الإرهابيين العراقيين».
بعد ساعات من زيارته بيروت وقيامه بواحد من أكثر الأفعال ذكاء اعلاميا، أي منحه أرفع وسام فرنسي لفيروز التي لايختلف أحد حول قيمتها الوطنية وما تمثله للبنان والبلاد العربية، وبعد احتضانه المطربة ماجدة الرومي وطمأنتها بأن لبنان سيكون بخير، (لماذا يحتضن الرؤساء والساسة الاطفال والنساء ويذرفون الدموع اثناء احتضانهم أمام كاميرات أجهزة الإعلام؟) وقبل ان تجف عبراته التي بللت شعر المطربة، سارع الرئيس الفرنسي بارسال تغريدة له عن البلد الثاني الذي يريد أن يشمله برعايته وان يضمه، مع بيروت، الى حضنه الكبير: «أؤكد لكم أنني سأكون غداً صباحاً في العراق لكي أطلق، بالتعاون مع الأمم المتحدة، مبادرة لدعم مسيرة السيادة في هذا البلد». أثارت الزيارة، الدهشة، خاصة بين العراقيين. فالعراق، خلافا للبنان، ليس مستعمرة سابقة تحاول فرنسا استعادة مكانتها فيها بنعومة فنية او عبر ترتيب حملة مساعدات «إنسانية». صحيح أن فرنسا لم تشارك في غزو العراق واحتلاله بأمرة أمريكا كما فعلت بريطانيا، مثلا، الا أنها شاركت في التحالف الذي قادته امريكا تحت راية محاربة تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» عام 2014، وبقيت قواتها في العراق حتى فترة قصيرة. ما أثار الدهشة، أيضا، لجوء ماكرون الى اسلوب «التغريدة» لاعلان الزيارة، فهذا اسلوب متوقع من الرئيس الامريكي دونالد ترامب الذي باتت تغريداته، بكل مفارقاتها، بديلا للبيانات الصحافية، الا انه ليس اسلوبا شائعا بين بقية الرؤساء، في انحاء العالم. فهل أراد ماكرون بتغريدته أن يثبت لنفسه والعالم أن فرنسا لاتقل مواكبة لحداثة «التغريد» من الرئيس الأمريكي، أو انه لايقل عنه اهتماما بالشرق الأوسط، خاصة، بعد ان جعل ترامب من اعلان القدس عاصمة للكيان الصهيوني وتوقيع اتفاقية تطبيع العلاقات مع الإمارات، انجازات لامثيل لها يستند اليها في حملته الانتخابية؟ أو لعل ما ابتغاه ماكرون هو تفنيد النظرة الأمريكية التي عبر عنها وزير الدفاع الامريكي السابق دونالد رامسفيلد، قبل غزو العراق بشهرين، متهما فرنسا والمانيا، بأنهما «أوروبا العجوز» غير القادرة على مجاراة امريكا في «انقاذها» الشعب العراقي من نظام جائر وبناء الديمقراطية، فشٌمر عن ذراعيه، هو الآخر، هاتفا « اريد ان اساند الشعب العراقي»!

ليس من قبيل الصدف ألا يتطرق ماكرون، في حديثه عن « مساندة الشعب العراقي» إلى الشعب العراقي، المحتج، المتظاهر، المعرض للاغتيالات والخطف، النائم في ساحات مدنه منذ تشرين / اكتوبر 2019، مطالبا باستعادة وطنه وسيادة وطنه

ضمن هذه الخطوط العامة، بالامكان تلمس بعض الملامح الدالة على اهداف الزيارة، مع بقاء السبب الرئيسي حتى المعلن منه غامضا وخاضعا للتفسيرات. وأعني بذلك اعلان « مبادرة السيادة» كسبب رئيسي للزيارة وابقائه كما هو مصطلحا كرره ماكرون، بتنويعات ملونة تليق باللغة الفرنسية، في خطابه ومقابلاته الصحافية ولقاءاته الرسمية مع المسؤولين ببغداد، حاملا اياه بحميمية كما راقص الباليه حين يحمل البطلة، لأكثر من ساعة، وهو واقف على رؤوس اصابعه.
«امامنا تحديات عديدة، وأنني أريد أن اساند الشعب العراقي. لكم ان تعتمدوا على التزامي معكم، وسنعمل مع شركائنا على تحشيد المجتمع الدولي». انهمرت وعود المساندة بسخاء صحبة التحذير. في اطلاقه صيحات التحذير، استنسخ ماكرون تحذيرات الخطاب الأمريكي والإيراني، حول خطرين هما اولا: تداعيات «التدخلات الخارجية» في الشأن العراقي. لينفي عن فرنسا، كونها قوة خارجية تتدخل بالشأن الداخلي. بل وليقدمها كقوة ضرورية لحماية السيادة من « قوى خارجية» ملمحا على الاغلب الى تركيا، التي تخوض معها الصراع في ليبيا. الخطر الثاني الذي حذر منه ماكرون وذكره نقلا بالحرف الواحد من الخطاب الامريكي هو ان «الحرب على داعش لم تنتهِ بعد». مما يعني، بالضرورة، ان العراق بحاجة الى « المساندة» الفرنسية و« التحشيد الدولي».
عند جلاء الغبار الإعلامي وتنظيف التصريحات الفرنسية من طابعها الودي حول « دعم ومساندة الشعب العراقي» سنجد ان ما يود ماكرون انجازه هو ليس « مسيرة سيادة» مبهمة، بقدر ما هو تحقيق هدف استعماري قديم مُغلف بتغريدة منمقة: ان تحصل فرنسا على قطعة من كعكة دسمة تتهافت على التهامها دول اخرى، بينما لا تحصل هي على اي «مكافأة» على الرغم من انها «قدمت الدعم للعراق في حربه ضد داعش» كما قال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي شاكرا ماكرون. فلم لا تنال نصيبا من عقود السلاح والنفط والعقود التجارية كما هي أمريكا وإيران؟ واذا كانت ارض البلد مباحة من قبل الدولتين، بينما تنتهك تركيا حدوده، قصفا وتوغلا، فلم لا تكون فرنسا الضلع الثالث في قوى الاحتلال، العسكري والناعم، في بلد يملك رابع أعلى مخزون للنفط بالعالم، ويحتل، في الوقت نفسه، بساسته السابقين والحاليين، مركزا مرموقا في قائمة اكثر الدول فسادا في العالم؟ أليس في هذا ما يكفي من الغواية لأية جهة او دولة، تود الانتفاع؟ حيث تتوفر كل الشروط الملائمة لتوسيع رقعة الاستغلال، فالنظام الفاسد بحاجة الى الحماية الخارجية، أيا كانت، والقوى الاستعمارية الجديدة، ترى في ابقاء البلد ضعيفا، منهكا، تنخره النزاعات والحروب، وتسليط سيف تهمة «الإرهاب» الجاهزة على كل مقاوم. لذلك ليس من قبيل الصدف الا يتطرق ماكرون، في حديثه عن «مساندة الشعب العراقي» الى الشعب العراقي، المحتج، المتظاهر، المعرض للاغتيالات والخطف، النائم في ساحات مدنه منذ تشرين / اكتوبر 2019، مطالبا باستعادة وطنه وسيادة وطنه، التي يعرف معناها جيدا، وسيحققها ان آجلا أم عاجلا .

كاتبة من العراق

 

 

مواكب العزاء في العراق

عن الشهداء والميليشيات والتمويل

هيفاء زنكنة

 

أضيفت الى طقوس أيام عاشوراء، هذا العام، مواكب جديدة يقوم الشباب المشاركون فيها بالسير صفوفا طويلة، وهم يحملون صور شهداء انتفاضة تشرين التي انبثقت في تشرين/ اكتوبر 2019 واستشهد فيها 560 متظاهرا. ردد المشاركون في مواكب العزاء شعارات الانتفاضة بذات الاسلوب، كما تعودوا، من مرددي أو قراء العزاء، وكأنهم يُعزون انفسهم والعالم باستشهاد المتظاهرين المطالبين بحقوقهم، كما استشهد الحسين. ويحتمون، في الوقت نفسه، بجموع مواكب العزاء آملين ان تردع قدسية الايام العشرة ميليشيات القتل وقناصة الموت عن مواصلة حملة الاغتيالات التي طالت شبابا يعرفونهم.
في ذات الوقت الذي واظب فيه شباب مواكب العزاء على حمل صور شهداء الانتفاضة تذكيرا بتضحيتهم والمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن اغتيالهم، أصدرت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، تقريرا بعنوان « العراق: مختفون ولكنهم لن يغيبوا عن الذاكرة» بمناسبة اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري، دعت فيه الحكومة العراقية إلى إجراء تحقيقات مستقلة وفعالة لتحديد مصير نحو ألف مدني من الرجال والفتيان، أغلبهم من العرب السنة، الذين اختفوا قسراً اثناء العمليات العسكرية التي قامت بها قوات الأمن بمشاركة ميليشيا «الحشد الشعبي» في محافظة الأنبار، غرب العراق، عامي 2015 و2016 « وما ارتكبته من انتهاكات بما في ذلك الإعدام خارج نطاق القضاء والتعذيب” في اطار محاربة داعش بدعم من قوات التحالف بقيادة امريكا.
لقد بات من بديهيات الأمور، في يوميات الحياة العراقية، ان آلة الاغتيالات والعنف ستستمر بالتهام حياة المحتجين وكل صوت معارض أو مطالب بالتغيير الحقيقي وتنظيف البلد من منظومة الفساد، بغض النظر عن ادعاءات الحكومة والساسة بإجراء التحقيقات وتصريحات وفود الحكومات الغربية «المدافعة عن حقوق الانسان» بالعراق. وستبقى أمهات وزوجات المفقودين، يتنقلن بين الدوائر الحكومية، متوسلات الاخبار، بحثا عن احبائهن، وهن يحملن صورهم المبللة بالدموع كما صور شهداء تشرين، كما صور الشهيد الحسين واهله.
ما يعزز بديهية استمرار الاغتيالات ويزيد من حالة اللا استقرار وقلة الأمان والخوف مما تحمله الايام المقبلة، بالإضافة الى شحن آليات الانتقام كمنفذ وحيد للعدالة، هو تغوّل ميليشيات القتل وتمكنها من التحكم بالحكومة ومؤسسات الدولة، عبر أذرعها الحزبية المنخرطة بدورها في البرلمان، وهنا تكمن المفارقة. فالأحزاب العراقية التي غزت الساحة السياسية منذ غزو واحتلال البلد عام 2003، هي أداة بيد الميليشيات وواجهة لها وليس العكس كما هو معروف عادة. بل أن أغلب العناوين العشائرية ومنظمات المجتمع المدني قد أصبحت بنفس حال الأحزاب، إذ أفرغت من محتواها أو أصطنعت كجزء من شبكات الفساد، ولم تعد ذات جدوى في لعب أي دور اجتماعي مستقل. وتتصدر هذه الواجهة ميليشيات « الحشد الشعبي» التي تم ضمها الى القوات المسلحة في نوفمبر/تشرين الثاني 2016ّ، ووضعت بأمرة رئيس الوزراء، بصفته قائدا أعلى للقوات المسلحة، كسلطة وحيدة مسؤولة عن نشر هذه الميليشيات وإدارة عملياتها. الا ان هذه التغييرات بقيت حبرا على ورق وواصلت ميليشيات «الحشد الشعبي» نشاطاتها خارج نطاق القانون والسيطرة للدولة. وإذا ما أعلنت الحكومة عن اجراء تحقيقات فانه لم يحدث وقدم اي عضو في الميليشيات لينال جزاءه القانوني.

لقد بات من بديهيات الأمور، في يوميات الحياة العراقية، ان آلة الاغتيالات والعنف ستستمر بالتهام حياة المحتجين وكل صوت معارض أو مطالب بالتغيير الحقيقي وتنظيف البلد من منظومة الفساد

ضمن هذه السيرورة تعهد رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، يوم السبت الماضي، ردا على تقرير يونامي حول اختفاء الالف شخص بـ« العمل بجدية لمتابعة ملف المفقودين قسريا في البلاد، والكشف عن مصيرهم». وهو يعرف جيدا أن تعهده لا يزيد عن كونه محض هراء كما الوعود والتعهدات الكثيرة التي اطلقها هو أو من سبقه من رؤساء الوزراء. فما يُسَير الأمور، هو صراع الميليشيات فيما بينها، احيانا، كل حسب ولائها المحلي او الخارجي وضد غيرها من قوى مسلحة احيانا اخرى. وإذا كانت كل الاطراف مسلحة في « العراق الجديد» فان الميليشيات تتصدر القائمة بأسلحتها وسبل تمويلها وإرهابها المماثل لداعش. وابسط مثال على حجم تمويلها هو سيطرتها على 20 رصيفا في ميناء الفاو، المنفذ المائي الوحيد للعراق، من بين 21 رصيفا وينطبق الأمر ذاته على كل المنافذ الحدودية. فالميليشيات التي يزيد عددها على الستين، أكثر هيمنة على الشارع بحكم تدريبها وتمويلها واسلحتها. فهي تملك أنواعا من الأسلحة تراوح ما بين الخفيفة والثقيلة والذخائر المصنوعة في ما لا يقل عن 16 بلدا، بما فيها صواريخ وأنظمة مدفعية ومركبات مصفحة صينية وأوروبية وعراقية وإيرانية وروسية وأمريكية. ففي ديسمبر/كانون الأول 2014، قرر الكونغرس الأمريكي تخصيص 6.1 مليار دولار أمريكي لصندوق التدريب والتجهيز الخاص بالعراق لدعم الحملة العسكرية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية». وقد أظهرت الأدلة المصورة لدى منظمة العفو الدولية أن طيفا من المعدات المصنوعة في الولايات المتحدة، بما في ذلك عربات «همفي» العسكرية وحاملات جنود مصفحة من طراز «M113 «وأسلحة صغيرة زود بها الجيش العراقي، باتت تحت تصرف قوات «الحشد الشعبي» بما في ذلك بين يدي بعض الميليشيات المتهمة بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. كما تحصل الميليشيات على قسط من أسلحتها وذخائرها مباشرة من إيران، إما على شكل هدايا أو في صيغة مبيعات، بالإضافة الى قيام اجهزة حكومية عراقية بتزويدها بأسلحة تحصل عليها من دول اخرى بحجة محاربة داعش. ولا تجد الدول الكبرى حرجا في بيع الاسلحة لأي كان اما مباشرة او عبر الشركات الخاصة، بدون التدقيق او التغاضي عن مصيرها أو سبل استخدامها. كل التفاصيل موثقة في تقرير منظمة العفو الدولية» العراق: غض الطرف عن تسليح ميليشيات الحشد الشعبي». ففي حال بريطانيا، مثلا، تتضمن قائمة وزارة الخارجية والكومنولث البريطانية ثلاثين دولة مدرجة في قائمة الدول التي تعتبرها لندن مدعاة للقلق الشديد بشأن سجلها في حقوق الإنسان والديمقراطية. ومع ذلك، فقد صادقت الحكومة – خلال العامين الماضيين وحدهما ـ على بيع أسلحة إلى 22 دولة من تلك الدول.
ان وجود الميليشيات المتناسلة كالأرانب على ارض العراق جراء الفشل الحكومي، وغياب القانون، وهيمنة القوى الخارجية المتغلغلة ضمن الاحزاب والبرلمان، بشكل كبير، ولأسباب مالية مربحة او ولائية او عن طريق اشاعة التخويف من « الآخر» سيبقى سيفا مسلطا على رؤوس المواطنين للترهيب والقمع والانتقام و توفير «الحماية» ما لم تتوحد القوى الوطنية المبعثرة لوضع برنامج انقاذ وبناء موحد يخلص البلد من دستور « العملية السياسية» ونظام المحاصصة الذي رعاه المحتل تفتيتا للمجتمع واغتيالا لأبنائه وابقائه ضعيفا يستهلكه الاقتتال.

كاتبة من العراق

 

 

«مجهولون»

يغتالون العراق

 

هيفاء زنكنة

 

هل هناك بيت لم يزره الموت مبُكرا في العراق؟ هل من عائلة لم تفقد أحد افرادها تغييبا وقتلا منذ «تحرير» البلد، لتضيف الى قائمة ضحايا القمع والحرب والحصار اسماء جديدة لشباب لم يعرفوا غير خطيئة وحيدة عبر عنها شعارهم «نريد وطنا» فرفعوا رؤوسهم محتجين على الأوضاع المهينة، حالمين بالحرية و الحياة الكريمة، فبات حرمانهم من الحياة حكما لا يقبل الاستئناف والنقض.
في كل يوم، بدلا من الاحتفال بالحياة، بجيل يواصل حمل شعلة البناء والتطور والحضارة التي نفتخر بها، تطالعنا وجوه شباب شوهتها الاطلاقات النارية وأخرستها كواتم الصوت.
نرى صورا وفيديوهات لقتلة يرتكبون جرائمهم ويهربون. القتلة دائما «مجهولون» هكذا تخبرنا التصريحات الرسمية.
ما هو غير مجهول: جثث ومقاعد سيارات مغطاة بالدماء. تغُّيب الملامح الفتية فتبقى عيون الضحايا مفتوحة على سعتها، متساءلة بأي ذنب قتلت!
في الاسابيع الأخيرة، رأينا مقاعد سيارة أخرى، تغطيها الدماء. على أحد المقاعد حقيبة يد نسائية لم يعد بالإمكان تمييز لونها.
غاب عن مدينة البصرة، وجه ترتسم على ملامحه النضرة طيبة سكانها وكرمهم وعزة أنفسهم. بعد عامين من مشاركتها في الاحتجاجات وقيادتها لمسيرات نسائية، لم تعد الكاميرات تتوقف عند رهام يعقوب، الناشطة وخبيرة الصحة والتغذية، لنسمعها وهي تلخص بعاطفة متأججة وصوت غاضب، مأساة مدينتها، المعاقبة بوجود الميليشيات في ظل حكومات يتقاسمها الاحتلال الأمريكي ـ الإيراني. مدينتها البصرة ذات الثروة النفطية التي لولا الفساد لأصبحت فردوسا أرضيا غير أن أهلها يقفون منذ «تحريرهم» على هامش الحياة انتظارا لقطرات ماء نظيفة تحت حرارة منحت العراق لقب البلد الأشد قيظا في العالم، والأكثر اصابة بالامراض نتيجة تلوث المياه وقلة التزود بالكهرباء وتجمد الخدمات الصحية في الحضيض.
منذ يوم الاربعاء، 19 آب/ أغسطس، لم نعد نسمع صوت رهام وهي تتقدم الشباب والشابات مخاطرة بحياتها، معهم، قائلة مرة ردا على أحد التصريحات الرسمية الكاذبة حول تحسن الأوضاع في البصرة «كنت أتمنى أن تشرب وزيرة الصحة من ماء البصرة لتعرف معاناتنا».
منذ يوم الاربعاء، لم يعد بامكان رهام أن تكًّذب التصريح الرسمي حول اغتيالها القائل بأنه «نُفذ برصاص بندقية هجومية كان يلوح بها مسلحان مجهولان يستقلان دراجة نارية وسط المدينة حيث لاذا بالفرار بعد إطلاق النار على السيارة».

من واجبات الحكومة، صيانة حياة مواطنيها، أيا كانوا وليس برمجة زيارات لتعزية أهالي الضحايا أو احتضان أطفالهم وتقبيلهم في لقطات تلفزيونية دعائية، كما يفعل الكاظمي

إن اغتيال رهام حلقة في سلسلة اغتيالات استهدفت عديد الناشطين. فقد سبقها بايام قليلة اغتيال تحسين أسامة الخفاجي الذي كانت ابنته قد حذرته من الخروج مع المتظاهرين فأجابها قائلا بأن هذه هي فرصة التغيير.
وكان حسين العابدي وزوجته، والمراسل أحمد عبد الصمد، قد اغتيلوا قبلهم وكذلك الخبير الأمني هشام الهاشمي.
وفي يوم 17 آب نجا اربعة هم عباس صبحي ولوديان ريمون وفهد الزبيدي ورقية الموسوى من محاولة اغتيال بعد اصابتهم بجروح ونقلهم الى مستشفى البصرة. كما نجا ثلاثة ناشطين من مدينة الحلة وهم محمد جابر وعدنان الكهار ومحمد المنصوري، ومحسن الزيدي بينما استشهد ياسر كاظم ببغداد.
كل الاغتيالات ومحاولات الاغتيال وصفتها المصادر الرسمية بأنها تمت « بأيدي مسلحين مجهولين».
حين تم تعيين رئيس المخابرات مصطفى الكاظمي رئيسا للوزراء، في 7 أيار- مايو، كان أحد مطالب منتفضي تشرين/ أكتوبر 2019، الرئيسية هو محاسبة قتلة المتظاهرين واطلاق سراح المختطفين ووضع حد لآلام ومعاناة أهالي المختفين.
كان مطلبا ملحا لا لكثرة أعداد الضحايا الذين بلغ عددهم 560، اعترف بهم في 30 تموز/ يوليو، رسميا، كشهداء، بالإضافة الى 30 ألف جريح ومعوق بشكل دائم جراء الاستهداف بواسطة القناصة واستخدام الرصاص الحي وبندقيات الصيد والغازات المسيلة للدموع. ولا لأنهم الضحايا الوحيدون من قتلى ومختطفين منذ الاحتلال عام 2003 وحتى الانتفاضة، حيث تجاوز العدد المليون، بل نبعت أهمية المطلب من كونه حقا عاما، وحَّدَ ابناء الشعب بكل اديانه ومذاهبه، ووضع رئيس الوزراء أمام اختبار يبين صحة وعوده حول تطبيق القانون على الجميع بلا استثناء، ولا طائفية الحكومة، وسياستها في تمثيل ابناء الشعب كلهم، بدون تصنيف « الآخر» إرهابيا.
إلا أن أيا من المسؤولين عن جرائم الاغتيالات والخطف والتغييب لم يتم القاء القبض عليه، واكتفى الكاظمي، كما فعل من سبقه من رؤساء الوزراء، بتشكيل لجان لم يتم الاعلان عن نتائجها. مما يعني إبقاء الجهات المسؤولة عن الاغتيالات سواء كانت أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية، أو الميليشيات، ذات الدعم والولاء الإيراني والتي يتجاوز عددها الخمسين، أو فرق الموت والعمليات الخاصة التابعة لأمريكا، أو أي جهة مخططة لهذه الاغتيالات، حرة طليقة، بالإضافة الى بقاء المنفذين « المجهولين» على أهبة الاستعداد لتنفيذ أية عملية اغتيال أخرى حسب الطلب.
كما بقيت اجراءات الكاظمي لمحاسبة القتلة مقتصرة على تصريحاته المغلفة بسين المستقبل مثل « سنقوم بكل ما يلزم لتضطلع القوى الأمنية بواجباتها» و«سنقوم بكل ما يلزم لتقوم أجهزة وزارة الداخلية والامن بمهمة حماية أمن المجتمع» كما فعل عند عودته، منذ يومين، من واشنطن.
عمليا، ليس هناك ما يشير الى وضع حد للعنف والتصفية الجسدية ضد المحتجين والناشطين وكل من يجرؤ على السباحة عكس تيار الفساد مطالبا بوطن. ومع تجذر الفساد المؤسساتي والاداري، وتوفر السلاح بانواعه خارج سيطرة الدولة، يشكل الناشطون الذين تمكنوا من افراغ الاستغلال السياسي للدين والمذهب من قدسيتهما المصّنعة خطرا حقيقيا لا على الميليشيات والحشد فحسب بل وعلى الأحزاب التي ازدهرت تحت توليفة الفساد الطائفي في « العراق الجديد». من واجبات الحكومة، صيانة حياة مواطنيها، أيا كانوا وليس برمجة زيارات لتعزية أهالي الضحايا أو احتضان أطفالهم وتقبيلهم في لقطات تلفزيونية دعائية، كما يفعل الكاظمي.
إن اعلان هوية مخططي الاغتيالات ومنفذيها وتقديمهم للقضاء مسؤولية رئيس الوزراء وقائد القوات المسلحة خاصة وأنه كان، حتى أشهر قليلة مضت، رئيسا للمخابرات. مما يجعل مسؤوليته مضاعفة لأنه أدرى من غيره بكل من يمس أمن واستقرار البلد ويستهدف معارضيهم او من يعتبرهم اعدائه عن طريق التصفية الجسدية.
هذا، طبعا، اذا لم يساهم هو أو يسكت، لأسباب يعرفها، على تغطية دور المجرمين والمخططين والممولين، من خلال الإجراءات الشكلية الهادفة إلى دفن القضية وتسجيلها، كالعادة، ضد « مجهول».

كاتبة من العراق

 

 

من الفلوجة وحلب الى

بيروت… نحن أطفال هيروشيما

هيفاء زنكنة

 

كنا نتهيأ لاستقبال يوم الخميس، يوم 6 آب/ أغسطس، ذكرى مرور 75 عاما على القاء القنبلة الذرية على مدينة هيروشيما اليابانية. إلا أن يوم الأربعاء فاجأنا بحضور هيروشيما بيننا، مبكرة، في بيروت، لتمتزج رمزية الدمار بين الماضي والحاضر، بين مدن بعيدة وقريبة في آن واحد. نار حارقة تتسلل الى مدن عربية، بأشكال متغيرة، تظهر حينا وتختفي حينا آخر كالغيوم، كصاعقة تحفر عميقا، تاركة وراءها أجساد أهل المدن شظايا يلتقطها الاحياء. ماذا عن الغد؟ يتساءل الباقون وهم في طريق عودتهم الى الحياة، كما كانوا يعرفونها، ثم يعاودون السؤال عما سيجلبه ما بعد الغد. فالغد ضبابي يلتحف بسماء من غبار.
بيروت الجميلة باتت مدينة منكوبة. مدينة يدّعي ملكيتها الجميع ولا يرعاها أحد. كيف نميز بين المدن المنكوبة؟ في بلدان لم تعد بلدانا؟ هياكل مبان ومساحات مثل صورة متآكلة الحواف، انمحت ألوانها فلم يبق غير لون الرماد. مدن متناثرة على وجه أرض كنا نراها واحدة، بجبالها وسهولها وانهارها. في العراق واليمن وسوريا وليبيا. لقطات الخراب واحدة والصور واحدة، وأهل المدن في غربتهم المكانية، ما عادوا يميزون الأماكن التي ولدوا فيها أو شيّدوها بأنفسهم. مبان قد يبقى جزء منها منتصبا، بلا جدران بلا أبواب بلا نوافذ، مثل جوف فارغ، فقط ليتحدى قوة الانفجار من مادة كيمياوية أو قنبلة ذرية أو صاروخ أو قصف جوي بمئات الاطنان. كم من هيروشيما سنعيش؟
كل مدينة منها تستحضر برماديتها، اليوم، بعض هيروشيما. كانت (لهذا الفعل الناقص في ذاكرتنا جذور) متألقة بلون الشمس والسماء والأرض الخضراء ذات يوم أو لعله الأمس. في بيروت والعراق، يوم خرج الناس الى الشوارع صارخين. « نريد وطن» في الأول من تشرين الاول / أكتوبر في العراق، و«كلن يعني كلن» في 17 تشرين في بيروت. ورفع المتظاهرون علم البلدين سوية.
في سوريا تحضر هيروشيما في 13 مدينة. أكل القصف في حلب 36 ألف مبنى، وفي مدينة حمص 13778 بناء، ثم الرقة 12781، ومن ثم حماة 6405، ودير الزور 6405، إضافة إلى 5489 في مخيم اليرموك (معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث في 18 مارس 2019). ومع كل مبنى تغيب حياة عائلة، تتشرد في بلدان تضيف الى مأساتها محنة الاستغلال السياسي والاقتصادي.
استحضر الانفجار القاتل ببيروت هيروشيما، بفارق 75 عاما. واستحضر رش مدينة الفلوجة العراقية باليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض هيروشيما بفارق 59 عاما. غاب التمييز بين البشر، ألغيت الحدود. تماهت بيروت في كارثتها مع هيروشيما وصارت الفلوجة هيروشيما « العراق الجديد».
في كل يوم يغادرنا فيه جرحى بيروت، يولد في الفلوجة أطفال برأسين ويموت آباء وامهات بالسرطان. أي أطفال سيولدون في بيروت نتيجة التلوث ومخلفات التفجير؟ المخلفات الأمريكية لا تزال تغتال الأطفال ببطء في الفلوجة. القاتل معروف إلا أن العدالة مفقوءة العينين، تائهة في دروب المدن الخربة. يقول المفكر الامريكي نعوم تشومسكي «ما يتعلق بالفلوجة، لم تقم الولايات المتحدة بنقل النساء والأطفال إلى خارج المنطقة، لقد قصفتهم.

أيها الصغار، لا تصمتوا، تكلموا، قاوموا الكبار في العالم كله، أرباب الحرب، اصرخوا فيهم، بأصوات ناصعة، وعيون تلمع، افتحوا أذرعكم، حرروها لتعانقوا الجميع، امنحوا الجميع عناقًا، يعيد دموع الطيبة للقلوب

كان هناك ما يقرب من شهرٍ كاملٍ من القصف، كان قصفاً شاملاً للمدينة، إذا كان هناك من تمكَّن من الخروج بطريقة ما، فهم ليسوا أكثر من مائتي ألف شخص فرّوا، أو خرجوا بطريقة ما… فالرجال تم الاحتفاظ بهم في الداخل ونحن لا نعرف ماذا حصل بعد ذلك، نحن أنفسنا لم نقدّم تقديرات عن عدد الضحايا الذين كنّا مسؤولين عن قتلهم»..
الانفجار القاتل في بيروت اختزل الزمن بين مدن نائية ما ابعدها. هيروشيما ـ الفلوجة – بيروت. رمزية الرعب في كيفية الموت: أسرع كما في القصف وهدم البيوت على رؤوس ساكنيها ودفنهم تحت الأنقاض أو بطيء يمتد على مدى عقود كما في المواد الكيميائية واليورانيوم المنضب؟ وينشج القلب… « أن نسبة حالات السرطان والتشوهات الخلقية في مدينة الفلوجة التي تعرضت لقصف أمريكي عام 2004 تفوق النسبة في مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين اللتين ألقيت عليهما قنابل ذرية في الحرب العالمية الثانية».
«في أقل من لحظة، التهم ثقب أسود من الدمار والموت كل شيء. لا نزال من هوة الصمت هذه نسمع صراخ أولئك الذين رحلوا»، قال البابا قرب «نصب السلام» في هيروشيما. هل من نصب للسلام لمحو مشاهد الجحيم في بلداننا، ودفاتر نسجل فيها أسماء من سقطوا ضحايا جرائم البشر ضد البشر، وليس تسونامي الطبيعة، لئلا يكونوا أرقاما واحصائيات تجردهم من انسانيتهم؟ في الموصل وثّق موقع «ايروور»، البريطاني المختص، الحرب الجوية، في العراق وسوريا، واصفا عدد ضحايا القصف الجوي الأمريكي، بالعراق «بأنه الأعلى منذ حرب فيتنام، ومع ذلك لا تبدي الحكومات الغربية والعراقية أي اهتمام بتوثيق اعداد الضحايا».
استخدمت أمريكا لقصف الموصل، القاذفة الجوية بي 52، التي تم تحديثها لتُزود بالصواريخ والقنابل الموجهة بالليزر، وطائرات أف 16 وأف-أي 18، وطائرات ريبر بدون طيار، بالإضافة الى مروحيات الأباتشي قاذفة القنابل. وإذا كان تنظيم داعش الإرهابي قد زرع الألغام، ولا يزال الكثير منها مدفونا تحت الركام، فان قوات التحالف رمت على المدينة « قنابل تزن الواحدة 500 رطل، تخترق الأرض لمسافة 15 مترا أو أكثر»، حسب مدير برنامج الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام.
ما الذي سيجلبه المستقبل لبيروت التي احتضنتنا جميعا بكل صراعاتنا ومآزقنا وندواتنا وكتبنا وطموحات واحلام شبابنا؟ لبلداننا التي ينخرها الاستبداد والفساد والطائفية؟ هل ستلملم زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون جراحها ويعيد لها ألقها واعتدادها بنفسها؟ متى تحولت الدول الاستعمارية الى منظمات إنسانية، أم انها إنسانية فعلا بالمقارنة مع حكام/ حيتان الفساد المحليين؟ هل لملمت زيارة الرئيس الأمريكي ترامب جراح العراق النازفة؟ كيف وهو يمنح الأوسمة لقتلة العراقيين ويبارك حكام الفساد؟ هل وصلنا حقبة نستجدي فيها، كشعوب ذاقت الأمرين من حكامها، العودة الى حضن « المُحرر» الذي وسمنا، على مدى قرون، بالدونية البشرية؟ هل سنكون آخر الباقين؟ أم سنرحل كما الياباني شاعر القنبلة سانكيشي توغي، ابن هيروشيما، مرددين مثله في نصب تذكاري: « أيها الصغار، لا تصمتوا، تكلموا، قاوموا الكبار في العالم كله، أرباب الحرب، اصرخوا فيهم، بأصوات ناصعة، وعيون تلمع، افتحوا أذرعكم، حرروها لتعانقوا الجميع، امنحوا الجميع عناقًا، يعيد دموع الطيبة للقلوب، وغنوا لهم: نحن أطفال هيروشيما».

كاتبة من العراق

 

 

عن أفلام رئيس الوزراء

العراقي وفيديو الطفل العاري

هيفاءزنكنة

 

وزع المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، يوم 30 تموز/ يوليو، فيلما قصيرا تداولته أجهزة الاعلام العراقية والعربية، عن زيارته الى سجن مطار المثنى، وسط بغداد. وُصفت الزيارة بأنها «ليلية تفقدية مفاجئة». تأكد الكاظمي، خلالها «بنفسه من عدم وجود سجناء من المتظاهرين، وأصحاب الرأي». وسجن المثنى واحد من سجون نظام «العراق الجديد» ينافس في سمعته السيئة سجني «أبو غريب» و«التاجي». اذ لا يكاد أي تقرير حقوقي عالمي أو محلي يُنشر حول انتهاكات حقوق الإنسان بالعراق الا ويذكر فيه سجن المثنى، مرة كمركز للتحقيقات وأخرى كسجن «سري» تسيطر عليه الميليشيات وتُخضع المعتقلين «لكافة أنواع التعذيب، تبدأ بالضرب والخنق والصعق بالتيار الكهربائي في كافة أنحاء الجسم والحرق ونزع الأظافر والأسنان ومحاكاة الغرق، بهدف انتزاع اعترافات بتنفيذهم عمليات إرهابية لم يرتكبونها». ولا تخلو التقارير من توثيق حالات تهديد أو انتهاك واعتداء جنسي ضد المعتقلين من الذكور.
يأتي توقيت الزيارة مع عودة المظاهرات الغاضبة في عديد المحافظات، في ارجاء البلد، احتجاجا على انقطاع الكهرباء مع ارتفاع حرارة الصيف الى ما يزيد على الخمسين درجة مئوية، وأزمة المياه الصالحة للشرب بالإضافة الى المطالبة بالقبض على قتلة المتظاهرين في انتفاضة تشرين/ أكتوبر 2019، الذين بلغ عددهم 560، اعترف بهم في 30 تموز، رسميا، كشهداء، بالإضافة الى 30 ألف جريح ومعوق بشكل دائم جراء الاستهداف بواسطة القناصة واستخدام الرصاص الحي وبندقيات الصيد والغازات المسيلة للدموع. عاد المتظاهرون الى الشوارع على الرغم من قساوة الجو، ومخاطر انتشار وباء الكورونا، احتجاجا، أيضا، على حملة الخطف والاغتيالات المنهجية المترصدة بالمتظاهرين وكل ذي فكر حر، وكان آخرهم المحلل السياسي هشام الهاشمي. تلاه اغتيال خمسة متظاهرين وسقوط عشرات الجرحى، والبلد تحت قيادة الكاظمي الذي لاتزال وعوده ترن في آذان المواطنين. حين تعهد بأن الحكومة ستحقق في مقتل المتظاهرين. وذّكره المتظاهرون بأن وعود تشكيل اللجان بات مزحة سمجة، وكما اكدت منظمة هيومان رايتس ووتش «يجب على الحكومة، أن تحدد وتعلن عن الجماعات وقوات الأمن التي شاركت في عمليات القتل هذه أو نسقتها ومحاسبة المسؤولين. وبذل الجهود لتحديد مكان المتظاهرين الذين اختطفوا وما زالوا مفقودين، مع المساءلة الكاملة».
بالنسبة الى المفقودين، تقول اللجنة الدولية للصليب الأحمر « أن في العراق أكبر عدد من المفقودين في العالم. البعض منهم يتعرضون للاختفاء القسري، بما في ذلك، مؤخرا، بعض المشاركين في حركة الاحتجاج التي بدأت في تشرين/ أكتوبر 2019».
إزاء هذا كله، ما هي الاجراءات التي اتخذها الكاظمي؟ رأينا فيلمين وصورة. لابد وأن تكون حصيلة نصيحة أسداها له أحد مستشاريه حول أهمية الصورة / اللقطة المستخدمة إعلاميا وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، لتُصبح هي الواقع والحقيقة، مهما كانت «اللقطة ـ الصورة» مفبركة لتبين بأنه يقوم فعلا بإنجازات مغايرة لمن سبقه.

يأتي هذا الفيديو بوحشيته، ليكشف الحقيقة عن زيف ادعاء حماية الشعب من قبل القوات الأمنية والشرطة، في بلد بلا قوانين، تحكمه مؤسسات تُسيّرها الميليشيات وعصابات الفساد

تناول الفيلم الأول زيارته « التفقدية المفاجئة» الى سجن المثنى. حيث نراه واقفا يتصفح بضع ورقات في مكتب أنيق مرتب ثم ينتقل للوقوف امام قضبان لردهة واسعة تتألق نظافة. نرى فيها عددا من المعتقلين الذين لايقلون نظافة وترتيبا عن المكان والكاظمي نفسه باستثناء انه يرتدي بدلة وكمامة. في رحلته للعثور على المتظاهرين المفقودين والمختطفين، نسمعه قائلا: « منو منكم صار له أسبوع؟ شهر؟ أكو (ثمة) واحد صار له أسبوع؟ أسبوعين؟ شهر؟ «. حين يهز المعتقلون رؤوسهم نفيا، يعيد صياغة أسئلته « منو أجدد واحد؟ أكو واحد من المتظاهرين؟». هكذا تأكد الكاظمي من عدم وجود متظاهرين معتقلين، وخرج فرحا بتفنيده التقارير الحقوقية الموثقة لاعتقال آلاف المحتجين. فهل من المعقول ان الكاظمي، الذي كان حتى 9 حزيران/ يونيو، رئيسا للمخابرات، ومن قبله صحافيا، لا يعرف أين يُحتجز المعتقلون من المتظاهرين؟
وإذا كانت الميليشيات هي المسؤولة وهو لا يعرف، فكيف استطاع تحرير المُختطفة الألمانية، قبل أيام، بسرعة قياسية، بينما تدور أمهات الشباب العراقي المُختطف باحثات عن ابنائهن وبناتهن في أكثر المعتقلات والسجون لا إنسانية، على مدى شهور وسنوات، ويواجهن الاهانات والاساءات ودفع الرشوات بلا جدوى.
الفيلم الثاني عن القاء القبض على جندي متهم مع اثنين آخرين، لا نراهما في الفيلم، برتبتي رائد وملازم. يعترف الجندي بانه والآخرين استهدفوا المتظاهرين الثلاثة، قبل أيام، ببنادق صيد. ويأخذنا الجندي المرعوب الى سيارة ليرينا وجود الرصاص فيها. المتهمون الثلاثة، كانوا ضمن القوة الأمنية المنتشرة في خطوط مواجهة المتظاهرين والممنوع عليهم، كما صرح وزير الداخلية، حمل السلاح. فكيف أخفى الثلاثة بنادق الصيد، وكيف اغتالوا المتظاهرين ولم تثر العملية التي تمت امام القوات الأمنية، اعتراضا؟ وإذا كان الثلاثة مسؤولين فعلا عن اغتيال اثنين من المتظاهرين، من المسؤول عن قتل الخمسمائة وثمانية وخمسين الآخرين؟ أجمعت التعليقات الغاضبة والساخرة على «الفيلم» أنه « حتى أفلام الدرجة العاشرة أحسن منه».
ولمعالجة أزمة الكهرباء القاتلة، وزع الكاظمي صورته بكامل قيافته بالبدلة والرباط جالسا خلف مكتب في غرفة شبه مظلمة وهو محاط بالشموع وهو يواصل الكتابة بكل همة وبلا قطرة عرق واحدة تدل على صحة الرسالة التي أراد ايصالها الى أبناء الشعب وهي أنه مثلهم، يعاني من انقطاع الكهرباء، الا انه ليس مثلهم لأنه يواصل العمل غير مبال بالحر!
هذه الحملة الإعلامية المبرمجة سقطت إزاء فيديو لم يتم تصويره من قبل محترفين ولم يشارك فيه الكاظمي بشكل شخصي. الفيديو الذي اشير اليه لم أستطع اكمال رؤيته. فمن منا يريد مشاهدة ضعف طفل عار أمام سادية جلادين يلتذون بما يقومون به الى حد تصويره ونشره، ليكون نسخة مما نفذه جلادو الاحتلال الأمريكي في أبو غريب؟ فيديو بلقطات مقززة يبين الاعتداء الوحشي على طفل يتوسل الرحمة من مجموعة من منتسبي قيادة قوات حفظ القانون، يتباهون بما هو اوطأ ما يمكن ان تصل اليه خسة « قوات الامن»، التي طالما وُثقت جرائمها وممارساتها في عديد السجون والمعتقلات، وقامت الحكومات بالتستر عليها.
خلافا لفيديوهات الكاظمي ذات السيناريو المُعد مسبقا، لتغطية الحقائق، يأتي هذا الفيديو بوحشيته وبذاءته، ليكشف الحقيقة عن زيف ادعاء حماية الشعب من قبل القوات الأمنية والشرطة، في بلد بلا قوانين، تحكمه مؤسسات تُسيّرها الميليشيات وعصابات الفساد. ولن يأتي الحل من قبل المنظومة الموجودة، فالعراق، يعيش « أزمة وطن، لا يحلها من يقف ضد الوطن»، كما يقول الكاتب أحمد الناصري.

كاتبة من العراق

 

 

سيبقى العراق

 دولة مارقة!

 

هيفاء زنكنة

 

بذلت الحكومات البريطانية التي تلت حكومة رئيس الوزراء توني بلير، التي شنت مع أمريكا الحرب ضد العراق، عام 2003، ان تنسحب تدريجيا من كل ما له علاقة بالبلد الذي ساهمت بتخريبه.
تُركز سياستها على طمس كل ما يجذب الانتباه إعلاميا وسياسيا الى ما يجري فيه، حاليا، كنتيجة مباشرة وغير مباشرة لاحتلاله، حتى يكاد يكون العراق سرابا انحسر، خاصة بعد انسحاب قوات الاحتلال البريطانية، ونجاح الحكومة في تسقيط القضايا التي رفعت ضد الجيش البريطاني وما ارتكبه من جرائم. وكللت نجاحها بتشريع قانون يحمي القوات العسكرية من المسؤولية تجاه اية جريمة او « انتهاك» يرتكب في العراق وغيره.
هذه المعطيات، مكّنت الحكومة البريطانية من حماية صورتها من أي حدث قد يلوثها في مجالات تعتبرها، ظاهريا على الأقل، تمس حقوق الإنسان ووضع القوات العسكرية العاملة خارج بريطانيا في مهام تُعّلب، غالبا، باعتبارها « مساعدات إنسانية « أو « مُنح تنموية». هكذا تنشط آلة الإعلام والدعاية الرسمية على تغييب العراق، ومسح شن الحرب العدوانية وانعكاساتها من ذاكرة الشعب البريطاني، الذي تظاهر بملايينه ضدها، باستثناء استحضاره، عند الحاجة، كساحة « حرب ضد داعش».
من هذا المنطلق وللإجابة على عدد من الأسئلة المكتوبة لنواب بريطانيين، وضح وزير الدفاع بن واليس، في مجلس العموم، بتاريخ 22 تموز / يوليو، موقف الحكومة استهله بالقول بانه سيتحدث عن « مكافحة داعش»، مهمشا بذلك، منذ البداية، بقية الأسئلة التي قد تحرج الحكومة، خاصة، وما يشير الى مسؤولية الحكومة فيما يحدث اليوم، في العراق، كنتيجة للغزو والاحتلال.
أكد الوزير، عدة مرات، على ان وجود القوات المسلحة في بلدان مثل العراق وسوريا ضروري بسبب وجود صراع مستمر « حيث الأخطار التي تفرضها أمثال داعش والدول المارقة موجودة دائمًا» ومحاربة هذه القوى تجعل البريطانيين ينامون بشكل أفضل في أسرتهم. وهو ذات الموقف الذي طالما تبنته الحكومات البريطانية المتعاقبة، سواء كان الحزب الحاكم هو حزب العمال أو المحافظين، لستر تدخلها الامبريالي واستعمارها في عديد البلدان، مستغلة تخويف المواطن من «الآخر / الإرهابي»، وتحت مسميات مختلفة تناسب الحقبة الزمنية والمصلحة الاقتصادية المتوخاة. فالإمبريالية تحتاج الإرهاب، دائماً. وإن لم يستدعَ الإرهاب استفزازا عبر منع الاحتجاج السلمي وجره للعنف المتصاعد، فهو سهل الصناعة بالتوريط وباختراق التنظيمات السياسية العادية.
وفق هذه السيرورة، يُحذر وزير الدفاع، من “احتمال عودة ظهور داعش هناك» وأنها « يمكن أن تضرب مواطنينا هنا» ويستطرد الوزير لتحيين وتعميق خطر داعش التي « تواصل نيتها في تنفيذ وإلهام الهجمات ضدنا، وتظل أهم تهديد إرهابي للمملكة المتحدة ومصالحنا». وهو ذات الخطاب، تقريبا، الذي استخدمه توني بلير عشية إعلانه الحرب يوم 20 آذار/ مارس 2003. قائلا انه أمر القوات بالمشاركة في “العمل العسكري بالعراق.» حينها لم تكن « داعش» قد صُنعَت بعد، فكانت «مهمتهم: إزاحة صدام حسين ونزع أسلحة الدمار الشامل». لأن « العالم يواجه تهديدا جديدا من فوضى ولدت إما من دول مارقة كالعراق أو من الجماعات الإرهابية المتطرفة… كلاهما يكره أسلوب حياتنا وحريتنا وديمقراطيتنا». وتتوقف « طمأنينة العديد من الدول على شجاعة وتصميم قواتنا». وإذا ما حدث وتساءل البعض عن هذه الدول التي ستوفر لها الطمأنينة، يرد بلير « لقد التزمنا أنا والرئيس بوش للعمل من اجل السلام في الشرق الأوسط على أساس دولة إسرائيل الآمنة ودولة فلسطينية قابلة للحياة».

الإمبريالية تحتاج الإرهاب، دائماً. وإن لم يستدعَ الإرهاب استفزازا عبر منع الاحتجاج السلمي وجره للعنف المتصاعد، فهو سهل الصناعة بالتوريط وباختراق التنظيمات السياسية العادية

الخطاب، اذن، واحد لتبرير « تدخل» القوات البريطانية. «العدو « جاهز للاستخدام سواء كان صدام حسين أو أسلحة الدمار الشامل او القاعدة أو داعش. وهل هناك أنبل من مهمة الدفاع عن أمن، ليس البريطانيين فحسب بل والعالم كله، وتوخي، في الوقت نفسه، تحقيق « السلام» بل وحماية أهل البلد المُحتل سواء من قبلهم او ممن غرزوه كما في فلسطين؟
لتحقيق هذا الهدف الانساني، يُخبرنا الوزير: « تواصل طائرات سلاح الجو الملكي البريطاني القيام بدوريات في سماء العراق، بشكل شبه يومي» وكانت قد شنت 16 هجوما، وضربت 40 هدفًا إرهابيًا منذ تموز/ يوليو 2019. وبفضلها و« بفضل قوات التحالف والقوات الشريكة المكونة من 82 عضوًا في العراق وسوريا»، تحقق النصر. ولئلا يتبادر الى الاذهان ان تحقيق النصر على داعش سيؤدي الى انهاء ضرورة سيطرة القوات الأجنبية على العراق، يقول الوزير متداركا « لكن القتال الصعب ضد داعش لم ينته».
لذلك يؤكد الوزير استمرار دور المملكة المتحدة « القيادي في الائتلاف العالمي» كما هو. فعلى الرغم من تقدير المملكة لقوات الأمن العراقية وتضحياتها في القتال ضد داعش، وعلى الرغم من اكمال أكثر من 50.000 فرد من الجيش العراقي والشرطة الاتحادية وحرس الحدود وقوات الأمن الكردستانية وكتائب الاستجابة للطوارئ التدريب الذي قدمته الدول المساهمة بقوات التحالف. الا انها « لا تزال بحاجة إلى المساعدة الدائمة لإزالة التهديد»، من خلال التدريب والتوجيه والتعليم العسكري المهني من قبل التحالف ومهمة الناتو في العراق والمبادرات الثنائية، بالإضافة الى تقديم الدعم الجوي الأساسي.»
ولم ينس الوزير اضافة الكليشيه الضرورية التي يجيدها المستعمِر عن رعايته للشعوب المُستَعمَرة وعبء الرجل الأبيض متحدثا عن « التزام المملكة المتحدة باستقرار العراق وسيادته»، متناسيا حقيقة مساهمته في تخريب كل ما له صلة بالاستقرار وسيادة البلد، ومنوها بتوقيع « مذكرة تفاهم حول العلاقة الدفاعية المستقبلية» في آب/ أغسطس 2019. وهي في الحقيقة اتفاقية ستسمح لبريطانيا بإبقاء قواتها في العراق. آخذين بنظر الاعتبار، بقائها مادامت مصلحتها تقتضي ذلك، بموافقة الحكومة المكونة من ساسة مُدجنين مهمتهم الأساسية حماية مصالحهم الخاصة ومصالح القوى الخارجية، وهذا ما يذكرهم به الوزير، بوضوح وقوة يصلان الى درجة التهديد، حين يقول « على الحكومة حماية قوات التحالف والبعثات الأجنبية ومحاكمة المسؤولين عن الهجمات. التحالف موجود في العراق بناء على طلب الحكومة العراقية، للمساعدة في الدفاع عن العراقيين وغيرهم، مكررا، ربما للمرة العاشرة في تصريحه، ضرورة وجودهم « ضد التهديد المشترك الحقيقي للغاية من داعش. بدون جهودهم، سيتم تشجيع داعش فقط».
ان اتخاذ أية حكومة قرار توقيع اتفاقية أو معاهدة مع جهة خارجية، يتطلب البحث والتمحيص وقراءة مدى قانونية الاتفاق وحجم الفائدة والضرر من قبل فريق خبراء في المجال المعني، فكيف اذا كانت الاتفاقية او المعاهدة تمس استقلال البلد وسيادته، مع دول احتلت البلد وسببت قتل ما يزيد على المليون مواطن، خلال فترة قياسية في قسوتها وهمجيتها، استنادا الى أكاذيب وتلفيقات بات مسؤولو دول الاحتلال انفسهم يعترفون بها؟ وهل طُرحت هذه الاتفاقيات المصيرية سواء مع بريطانيا أو أمريكا للاستفتاء؟ أم ان الاستفتاء الوحيد الذي سيتم، كما لاحظنا في الأسابيع الأخيرة، عبر التفجيرات والاغتيالات والصواريخ، التي ستبقى اللغة السائدة في « العراق الجديد»؟

كاتبة من العراق

 

 

حكومة الكاظمي وتوفير

«إستكانات» الشاي للعراقيين

هيفاء زنكنة

 

لعل واحدا من « إنجازات « حكومات الاحتلال منذ غزو واحتلال العراق في 2003، هو منح عديد المفاهيم والمصطلحات والأمثال المتعارف عليها معاني جديدة تتماشى مع مصالح الفئة المختارة لدحرجة البلد من حضيض الى آخر. فمن التحرير الى الديمقراطية ومن النزاهة والشفافية الى القضاء على الفساد والفاسدين، يتنقلون بتكرار مبتذل واستهانة منهجية بعقول الناس. فاستمراء الساسة في اتهام بعضهم البعض بالفساد، مثلا، أفرغ الفساد من معناه وجعله عملة رائجة لاتهام وتسقيط « الآخر» والإعلان عن نظافة ونزاهة صاحب الاتهام.
وإذا كان تكرار شعار « القضاء على الفساد» بعد 17 عاما من تنميته وتجذيره في كل مؤسسات البلد، ومن كبير مسؤوليها الى صغيرهم، قد يوحي بانه أسطوانة مشروخة الا ان الفاسدين، والحق يقال، يدهشوننا، يوميا، بإبداعاتهم في هذا المجال، حيث نجحوا في استثمار الأسطوانة المشروخة، المراد منها التكرار الممل، الى مجالس نقاش لا تنتهي في أستوديوهات (ما أكثرها!) تتناوب على استضافتهم على مدى 24 ساعة في اليوم. كلها، بلا استثناء، تدّعي انها تعمل من اجل مصلحة المواطن وكيفية توفير الأفضل للمواطنين، من الخدمات الأساسية الى الامن وحقوق الانسان وأحسن الأجواء لأداء الشعائر الدينية.
ولأننا في فصل الصيف، والعراق مشهور بلهيب حرارته، خاصة شهري تموز / يوليو وآب/ أغسطس، المعروف بانه اللَّهاب الذي يحرق المسمار بالباب، فان الأستوديوهات معبأة بالمتحدثين عما يسمونه « أزمة الكهرباء» وكيفية حلها عن طريق القضاء على الفساد. وهم أنفسهم سبب الفساد. وهي معالجة لا تهدف الى إيجاد حل ولو جزئي بل الى تحويل مأساة البلد الى مفردات مجردة لا تعني شيئا مهما كانت حقيقتها. لم يعد هناك من يتحدث عن معنى انقطاع الكهرباء لساعات وساعات يوميا ودفع المبالغ الكبيرة للحصول على التيار الكهربائي من أصحاب المّولدات الكهربائية الخاصة. الفاسدون المسؤولون عن انقطاع الكهرباء لا يتحدثون عن المرضى الذين يموتون في المستشفيات او المعامل المتوقفة عن العمل او طلاب وتلاميذ المدارس او حالات الكآبة وحتى الجنون الذي يمكن أن يصاب به الإنسان وهو يعيش تحت درجة حرارة تزيد على نصف درجة الغليان.
إنهم لا يتحدثون عن نزول العباد الى الشوارع مطالبين بحقهم في وطن يتوفر فيه، كما بقية بلدان العالم الأقل ثراء وامكانيات، بالكهرباء. متناسين حقيقة ان أكثر القرى بعدا في العراق كانت مزودة بالكهرباء فكيف بالعاصمة بغداد؟ ما يتحدثون عنه، على مدار الساعة هو الوعود البراقة وتشكيل اللجان والشفافية والنزاهة وهم يعرفون جيدا أنها علكة يلوكونها لطمس روائح الفساد الكريهة.
لم يغير تعيين مصطفى الكاظمي رئيسا للوزراء الكثير. فمنظومة الفساد أعمق من تغيير الوجوه، ان حدث. وهو ما لم يحدث. ما حدث هو تدوير الوجوه وتبادل المواقع، حسب العلاقة اما مع الولايات المتحدة الامريكية أو إيران. الانتظار والارتفاع والانحسار في علاقة البلدين المُحتلين هو ما يُشكل يوميات المواطن ومعه تتزايد وتتكرر الوعود.

الفاسدون المسؤولون عن انقطاع الكهرباء لا يتحدثون عن المرضى الذين يموتون في المستشفيات أو المعامل المتوقفة عن العمل أو طلاب وتلاميذ المدارس أو حالات الكآبة وحتى الجنون

تكرار الوعود هذا العام، لم ينخفض ولو درجة مئوية واحدة منذ تعيين مصطفى الكاظمي، بل ازداد لينافس وعود العام الماضي، والعام الذي سبقه، وكل عام منذ غزو البلد، يوم وعدوا بتحويل العراق الى فردوس لا مثيل له. ولم لا، كما تنص المحاججة، ما دام البلد يزخر بعقوله وثروته النفطية، وكل ما يحتاجه هو التخلص من النظام الدكتاتوري واحلال الديمقراطية!
بالإضافة الى الادعاءات الأولية التي بررت الغزو وهي كثيرة، باتت كل حكومة جديدة تنافس سابقتها في إطلاق التصريحات، حول القضاء على الفساد، بل وصلت البلاغة برئيس الوزراء حيدر العبادي الى القول إن الفساد أخطر من الإرهاب في ذات الوقت الذي كانت فيه حكومته منقوعة بالفساد. ولا يكاد كل رئيس وزراء جديد يعتلي كرسي منصبه حتى يلقي خطابا مغلفا بالنزاهة والشفافية، غير غافل عن القاء اللائمة على من سبقه، متهما الحكومات السابقة كلها بالفساد، مجندا الوزراء الجدد لتدوير ذات الأسطوانة حتى لو كانوا هم أنفسهم وزراء في الحكومات السابقة. كما هو علي علاوي، وزير المالية الحالي الذي كان وزيرا في حكومات فاسدة سابقة، والذي لم يخرج على الطور المعتاد يوم 16 تموز/ يوليو حين صرح «نحارب الفساد بكل قوة في كافة مؤسسات الدولة». كما لم يخرج على الطور حين حاول تبرئة الحكومة الحالية من اية مسؤولية سابقة او لاحقة، قائلا: «لا يمكن تحميل حكومة الكاظمي ما يمر به العراق من مشاكل مالية»، مضيفا « أن أكثر من 10 في المئة من الموظفين «فضائيون» ومزدوجو رواتب ». يشكل هذا التصريح المراد منه اثبات فساد الحكومات السابقة بودرة لتزويق وجه الحكومة الحالية. ومثل كل بودرة تتناثر بسرعة حالما يراجع المرء تصريحات مسؤولي الحكومات السابقة ويقارنها بالحالية فيجد انها ذات الأسطوانة المشروخة. فمن منا لا يتذكر تصريح وزير الكهرباء حسين الشهرستاني، وهو بالمناسبة عالم ذرة يُفترض فيه التحقق العلمي، بان العراق سيصدر الكهرباء عام 2013؟ وفي ظل حكومة حيدر العبادي، بتاريخ 30 أكتوبر 2018، ومع تزايد الاحتجاجات، تم ابلاغ المواطن بإنجازات مذهلة لحل ما يسمى بأزمة الكهرباء، مثلا، ومن بينها اعلان وزارة الكهرباء أنها أبرمت اتفاقيتين بشكل منفصل مع شركتي جنرال إلكتريك الأمريكية وسيمنز الألمانية لتطوير قطاع الطاقة الكهربائية. وان شركة «جنرال إلكتريك»، سلّمت الحكومة العراقية إستراتيجية لتطوير القطاع في البلاد ورفع قدرة المنظومة الوطنية وتشغيل المزيد من الأيدي العاملة. وأُبلغ المواطن المنتظر لأية بادرة تريحه من القيظ ان دول الخليج ستصدّر فائض الكهرباء إلى العراق. وتماشيا مع هذه الجهود الجبارة لعديد الدول والشركات ولكي يثبت العبادي انه معماري هذه « الإنجازات « العظيمة، بادر بإصدار أمر بتجميد عمل وصلاحيات وزير الكهرباء قاسم الفهداوي « على خلفية تردي خدمات الكهرباء وإلى حين استكمال التحقيقات». وتحولت التحقيقات، كالعادة، الى طُرفة غير مضحكة، يتبادلها المواطنون وهم يحتسون إستكانات الشاي الساخنة، أملا في احياء نظرية التبريد داخل أجسادهم عن طريق تبخر العرق.
وكي لا يُتهم الكاظمي بأنه ضد الشركات المزودة لشاي العراقيين أو أنه تخلف عن سلفه في تشكيل لجان التحقيق، ها هو يتصدر أستوديوهات الأخبار بمباركته « تشكيل لجنة نيابية تحقيقية بملف الكهرباء ويبدي استعداده للتعاون معها بهدف القضاء على الفساد». وهو فساد وصفه عضو اللجنة القانونية في مجلس النواب، في 14 تموز/ يوليو بانه «لا مثيل له في كل العالم، وهناك حيتان وجهات سياسية اعتاشت على عقود الوزارة». فكم «استكان» شاي سيشرب العراقيون انتظارا لصيد هذه الحيتان؟ ومن هو الصياد؟

كاتبة من العراق

 

 

هل العراقي أقل اعتزازا

بكرامته من الجزائري؟

هيفاء زنكنة

 

نصَّ البيان المشترك عن جلسة الحوار الاستراتيجي العراقي الأمريكي، المنعقدة في 10 حزيران / يونيو، على تجديد البلدين «تأكيدهما على المبادئ المتفق عليها في اتفاقية الإطار الاستراتيجي، لعام 2008، في مجالات الأمن، ومكافحة الإرهاب، والاقتصاد، والطاقة، والقضايا السياسية، والعلاقات الثقافية.» بمعنى آخر، لا جديد اطلاقا في الاتفاقية التي عاش في ظلها العراق خلل 12 عاما الأخيرة والتي سيواصل العمل بها بين الإدارة الأمريكية، أيا كان الرئيس المنتخب، والنظام العراقي، مستقبلا، وبلا تحديد زمني، وهي نقطة مهمة جدا لم تتم الإشارة اليها. وهي واحدة من عديد القضايا التي تم التغافل عنها عن طريق حذفها أي عدم تضمين ما كان يجب تضمينه لو كانت الاتفاقية لصالح العراق حقا.
اعتبر رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي أن الحوار حقق إنجازاً عراقياً كبيراً، من ناحيتين اعتبرهما من الأولويات وهما انسحاب القوات الأمريكية من البلاد وعدم بقاء أي قواعد لها بالإضافة الى وضع أسس لتعاون اقتصادي بين البلدين. ومن تتح له فرصة قراءة الاتفاقية بكاملها والتي تم التوقيع عليها عام 2008 ومن ثم البيان الصادر حديثا عن الحوار الذي اعتبره الكاظمي إنجازا كبيرا لوجد أن تصريح الكاظمي مبني على مغالطات واضحة حول سيادة العراق ووضع القوات الامريكية.
تبين مراجعة التفاصيل أن القوات باقية ولكن، وكما حدث في السنوات الماضية، تحت مسميات مختلفة يتم ابتكارها وفقا للحاجة. مستشارون، مدربون، قوات أمنية مساعدة لاستتباب الامن، جمع المعلومات، محاربة الإرهاب، عمليات خاصة، القصف الجوي ولا ننسى السيطرة الجوية عن طريق الطائرات بلا طيار. هذا هو المعنى الحقيقي للسيادة كما تنص عليه الاتفاقية، ويؤكدها البيان بوضوح يناقض تصريح الكاظمي تماما حيث ينص البيان « تعهدت حكومة العراق بحماية العسكريين التابعين للتحالف الدولي والمنشآت العراقية التي تستضيفهم بما يتماشى مع القانون الدولي والترتيبات المحددة لوجودهم كما يقرر البلدان».

ستثبت السنوات المقبلة أن اتفاقيات التبعية لا تمسح ذاكرة العراقيين مهما تم تزويقها، وأن الشعب العراقي ليس أقل اعتدادا بهويته الوطنية وكرامته من أشقائه في الجزائر

وبينما تتكرر في الاتفاقية والبيان مفردات « الصداقة» و «التعاون» و» الشراكة» و « تعزيز مصالح كلا البلدين» فان قراءة بنود الاتفاقية تدل على خلاف ذلك، وان المفردات مصاغة لتبرير وتكريس الهيمنة على بلد ضعيف ومنهك جراء الغزو والاحتلال من قبل ذات البلد الذي يدّعي الصداقة والشراكة. ففي مجال الاقتصاد والطاقة، ستزود أمريكا « المستشارين الاقتصاديين للعمل بشكل مباشر مع حكومة العراق»، وتحقيق « مشاريع الاستثمار المحتملة التي تنخرط فيها الشركات الأمريكية العالمية في قطاع الطاقة والمجالات الأخرى». سياسيا، أكد البيان على « أهمية مساعدة العراق في تطبيق برنامجه الحكومي والإصلاحي بالشكل الذي يلبي طموحات الشعب العراقي، بما في ذلك مواصلة الجهود الإنسانية، واستعادة الاستقرار، وإعادة إعمار البلد، وتنظيم انتخابات حرة وعادلة ونزيهة». وهي اهداف قد تبدو نبيلة، حقا، لولا أن أمريكا بغزوها واحتلالها وقائمة جرائمها المادية والبشرية التي ارتكبتها على مدى 17 عاما، وتهيئتها الأرضية لزرع الإرهاب ومأسسة الميليشيات الإيرانية، هي آخر بلد في العالم تهمه مصلحة الشعب العراقي او أي شعب آخر في المنطقة خاصة. بل ان ما يميز الإدارة الأمريكية هو سياستها العلنية والسرية لتغيير النظام الذي تلجأ اليه ضد الحكومات التي يُعتقد أنها تعمل ضد المصالح الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية للولايات المتحدة. حيث قامت، مثلا، بـ 72 محاولة لتغيير النظام، أي الانقلاب العسكري او التمرد المسلح، اثناء العقود الأربعة للحرب الباردة حتى حوالي 1990 فقط. وهي تشمل 66 عملية سرية وست عمليات علنية، حسب صحيفة « الواشنطن بوست»، وهي من داخل المؤسسة الحاكمة الأمريكية، في 26 كانون الأول-ديسمبر 2016.
ثقافيا، كان مرور البيان سريعا. اذ اقتصرت الإشارة الى إعادة الأرشيف السياسي والقطع الاثرية المسروقة. الا ان الاتفاقية نفسها تُبين وجود «المستشارين الثقافيين»، في عديد المؤسسات الثقافية. ويوضح موقع السفارة الأمريكية، ببغداد، معنى « التبادل الثقافي» و « التفاهم المتبادل»، بشكل أفضل. فالمعنى الحقيقي للتبادل هو عدم وجود تبادل. اذ يتم من طرف واحد هو الأمريكي لتنظيم «ورش العمل والمحاضرات والعروض… تغطي البرامج مجموعة واسعة من المصالح بما في ذلك الاقتصاد والعلاقات الدولية وبناء الديمقراطية والدراسات الأميركية». انه، اذن، ضخ للثقافة من جانب واحد. اذ لا يحدث ويزور أمريكيون العراق ليتعرفوا على البلد الذي تم غزوه وتخريبه باسمهم أو « لإقامة علاقات إنسانية متينة والتي تبني جسورا من التعاون والتفاهم بين الشعوب»، كما تدّعي برامج « التبادل الثقافي»، لأن السفارة الأمريكية، أساسا، تحذر من زيارة العراق بل و» تحث المواطنين الأمريكيين ان يغادروا العراق فورا»، فكيف يمكن بناء « جسور التفاهم» بين مواطني البلدين في هذه الحالة؟
من المتوقع زيارة الكاظمي الى واشنطن، في الشهر المقبل، لتوقيع الاتفاقية. فهل هي لصالح الشعب العراقي كما يدّعي؟ وهل يجب القبول بالتبعية التي تنص عليها الاتفاقية، في كافة المجالات، لقاء إضعاف الميليشيات المدعومة إيرانيا، إذا كان هذا فعلا ما يريده الكاظمي من اجل بناء « العراق الجديد» وهو مصطلح أدخله الاحتلال عقب الغزو وتلاشى ليعود، اليوم، ليطفو من جديد؟ وهل اطّلع الشعب على تفاصيل ما سيتم ربطه به، لأمد غير محدد، في اتفاقية تتميز بالتضليل والتزييف؟ ماذا عن جرائم الاعتقال والتعذيب والاغتصاب والقتل التي ارتكبتها أمريكا منذ اليوم للاحتلال وسببت مقتل حوالي مليون مواطن؟ ماذا عن الحصانة من العقاب المتوفرة للقتلة من القوات الامريكية؟ هل سيقوم الكاظمي بتضمين الاتفاقية هذه القضايا قبل توقيعها؟
على الرغم من مرور 66 عاما على اندلاع الثورة الجزائرية ضد الحكم الاستعماري الفرنسي، لا يزال الجزائريون يتذكرون جرائم الحقبة الاستعمارية الفرنسية، ويطالبون فرنسا الاعتراف بما ارتكبته من جرائم نهب وتعذيب وقتل وتهجير واختفاء ومحو الهوية والاعتذار عنه. إن ما ارتكبته أمريكا في العراق، خلال فترة قياسية، يكاد يماثل، الى حد التطابق، ما قامت به فرنسا. وستثبت السنوات المقبلة أن اتفاقيات التبعية لا تمسح ذاكرة العراقيين مهما تم تزويقها، وأن الشعب العراقي ليس أقل اعتدادا بهويته الوطنية وكرامته من أشقائه في الجزائر.
كاتبة من العراق

 

 

ويسألونك عن طعم

الصداقة مع أمريكا!

هيفاء زنكنة

 

لا تزال المظاهرات المناوئة للتمييز العنصري في الولايات المتحدة الامريكية مستمرة. قد تؤدي هذه الاحتجاجات وما صاحبها من دعم في بلدان أخرى الى تغييرات سياسية وقانونية داخلية، إلا أن المؤكد هو أنها لن تمس السياسية الأمريكية الخارجية. كما لاتزال السياسة الخارجية كما هي توحد الحزبين الرئيسيين ولا يتطرق اليها غير قلة أما من الموسومين باليسار أو الذين يقسمون الأنظمة والدول في ارجاء العالم الى صنفين هما حلفاء الولايات المتحدة وأعدائها.

لا يخضع التصنيف الأمريكي للحلفاء والأعداء لمقياس أخلاقي أو إنساني او حتى القوانين الدولية في معظم الأحيان اذ ترتبط أمريكا بعلاقات وثيقة مع العديد من الأنظمة التي تتعارض قيمها وسياساتها مع الضمانات الدستورية الأمريكية للديمقراطية وحرية التعبير والحق في الإجراءات القانونية الواجبة والعديد من الأنظمة الأخرى.

ينعكس هذا التصنيف، بشكل كارثي، على علاقتها كقوة عسكرية كبرى مع شعوب دول الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية من بين الدول الأخرى التي تذوقت ولاتزال معنى «الصداقة» و«التحالف» و«التعاون» مع أمريكا، أو ما هو متعارف عليه بتسميات الاستعمار والاحتلال والغزو، أي الوجه الحقيقي للعلاقة.

ويوفر لنا «الحوار» الذي تم في الأسابيع الأخيرة بين الإدارة الامريكية والنظام العراقي، حول اتفاقية الإطار الاستراتيجي، والزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي الى واشنطن، نموذجا عمليا وآنيا لكيفية انتقاء وتثبيت آلية «التعاون» الأمريكي مع «الحلفاء» بالإضافة الى القاء الضوء على مفهوم الانتقائية الأخلاقية والترويج الإعلامي.

لتوضيح نوعية «التحالف» الذي تأمل جهات عراقية أن تحصده من توقيع المعاهدات مع أمريكا، وما ستتمخض عنه زيارة الكاظمي، يجدر التذكير بأن أمريكا لا تقيم علاقاتها مع الشعوب حسب ما تصبو إليه الشعوب وتقاتل من اجله. من البديهيات أن أمريكا تعمل بالدرجة الأولى والوحيدة لمصلحتها وتعاونها مع الآخرين، سواء كانوا دولا ام حكومات ام حركات وتيارات مختلفة، يٌقاس بمدى الفائدة المستخلصة منهم. لذلك تُقيم أمريكا علاقات وثيقة مع خمسين نظاما قمعيا في العالم، من بينها عديد الأنظمة العربية التي توفر لحكامها الحماية ضد شعوبها مقابل استحقاقات تدفع لها عاجلا ام آجلا. ولا تجد أمريكا حرجا في استبدال الحليف بمن كان عدوا أو العدو بمن كان حليفا أو وحسب استراتيجية مكافحة التمرد ان تدعم « تمردا» ضد من كان حتى الأمس حليفا، بغية تغيير النظام.

الأمثلة من التاريخ القريب متعددة. كما التعامل مع حليف الأمس شاه إيران، واللعب على الحبلين بين العراق وإيران (1980 ـ 1988)، وبينما كانت سوريا مدرجة في قائمة وزارة الخارجية الامريكية للدول الراعية للإرهاب منذ عام 1979، الا ان هذا لم يمنع الرئيسين بوش وبيل كلينتون من توكيل الرئيس الراحل حافظ الأسد على لبنان، مثلاً، (حكم الأسد من عام 1971 حتى وفاته في 2000)

يتخذ الدعم الأمريكي للأنظمة القمعية مستويات متعددة. حيث تسمح، أو ترتب، أو حتى في بعض الحالات توفر التمويل لمبيعات الأسلحة الأمريكية إلى 41 من البلدان الخمسين ذات الأنظمة القمعية

يتخذ الدعم الأمريكي للأنظمة القمعية مستويات متعددة. حيث تسمح، أو ترتب، أو حتى في بعض الحالات توفر التمويل لمبيعات الأسلحة الأمريكية إلى 41 من البلدان الخمسين ذات الأنظمة القمعية، أي بنسبة 82 في المئة. في حالات أخرى، تقوم أمريكا بمهام «التدريب» و «الاستشارة العسكرية» إلى 44 من أصل 50، أو 88 في المائة، لأنه بالإضافة إلى بيعها (أو منحها) الأسلحة وتدريبها، توفر الحكومة الأمريكية أيضًا تمويلًا مباشرًا للجيوش الأجنبية. من بين الحكومات القمعية الخمسين، تتلقى 32 منها «تمويلا عسكريًا أجنبيًا» أو تمويلًا آخر للأنشطة العسكرية من حكومة الولايات المتحدة. بل وتمضي ابعد من ذلك في علاقتها ودعمها عن طريق انشاء القواعد العسكرية، هذه الأوجه المتعددة وثّقها الكاتب والصحافي الأمريكي دافيد سوانسون في بحث له حول درجات تعاون ودعم الولايات المتحدة للأنظمة القمعية، والتي يتطرق فيها أيضا الى تفاصيل التدخل العسكري ودرجاته من الحرب بالشراكة، الى الغزو والاحتلال وتأسيس حكومات قمعية، من مصلحة أمريكا المحافظة عليه، كما في العراق.

سياسة أمريكا الخارجية اذن ثابتة وواضحة. ما هو متغير هو شخصية الرئيس، فنعومة خطاب الرئيس باراك أوباما تختلف عن عنجهية وابتذال ترامب غير ان كليهما حافظا على جوهر السياسة الخارجية، خاصة فيما يتعلق بمقدار وحدود الحماية التي توفرها أمريكا للحكام، الذين يتم انتقاؤهم كحلفاء، ومتى يصبح من الضروري التخلي عنهم واستبدالهم بحكام آخرين.

«الحليف»، اذن، من البلدان التي كانت مستعمرة او محتلة او المُستَغلة أو الخاضعة لحكومات قمعية بحاجة الى الحماية، هو المُتغير لا بالنسبة الى أمريكا، فقط، بل وبقية الدول العظمى ضمن تحالفات وصراعات ونزاعات متسارعة، بشكل مذهل، وخارج القوالب الكلاسيكية المتعارف عليها سياسيا وعسكريا. تُقاد بشكل حرب أهلية/ دولية متعددة الأطراف (يطلق عليها مصطلح نزاع او صراع تزييفا) في بلد واحد كما في سوريا وليبيا واليمن. وهي حروب أهلية بمعنى ان وقودها هم أبناء الشعب وثروة البلد، وهدفها إبقاء البلد ضعيفا من الناحيتين البشرية والمادية لتسهل السيطرة عليه، لأغراض استراتيجية، سواء من القوى الخارجية او النظام القمعي أو كليهما تحت مظلة «تحالف دولي». هي حرب دولية لمشاركة عديد الدول فيها وان لم تعد بالشكل التقليدي. حيث فتحت التكنولوجيا الحديثة والتقدم العلمي السريع في مجال تطوير السلاح والعتاد ابوابا واسعة لتقليل الخسارة البشرية في الجيوش الحديثة. فالطائرات بلا طيار والاستهداف الجوي والصواريخ المتطورة، بالإضافة الى العمليات الخاصة المرتزقة، بل واستخدام جنود وقوات «البلدان الحليفة» للقتال على ارض بلدهم، يشكل دافعا أساسيا في إصرار الإدارة الامريكية على سحب معظم القوات العسكرية واغلاق المعسكرات ذات التكلفة المادية والبشرية العالية، ما لم تقم الأنظمة الراغبة بحمايتها من دفع التكلفة بنفسها. مما يحول القوات الامريكية، مثلا، بهذا المعنى، أو فرقا منها، الى قوات مرتزقة مهيأة للاستئجار من أي نظام أو جهة في العالم. وهي قفزة نوعية في تغير معنى التواجد العسكري الأمريكي أو غيره من الدول العظمى في «البلدان الحليفة»، تثير سؤالا جوهريا يعيدنا الى ألف باء العلاقة بين المُستَعمِر والمُستَعمَر، في مرحلة التحرر الوطني، وهو ما هو الثمن الذي ستدفعه الشعوب حين تقوم الأنظمة القمعية بالاستجارة بمرتزقة الدول العظمى لحمايتها، وهل بإمكانها أن تنهض، من جديد، لتخوض حرب تحرير وطنية أخرى؟

كاتبة من العراق

 

في العراق صرنا

كلنا ندفع الجزية!

هيفاء زنكنة

 

إذا كان هناك من تفاؤل باقتراب فترة هدوء وأمان بعد التوافق الأمريكي ـ الإيراني على تنصيب رئيس المخابرات مصطفى الكاظمي رئيسا للوزراء بالعراق، فان وقائع الأسابيع الماضية أعادت المتفائلين، الى ارض الواقع المتدهور على كافة المستويات، سواء كانوا من الساسة المتهافتين على النهب والمتمرسين فيه أو أبناء الشعب المنهك الذي بات ينشد الأمان وأساسيات الحياة وحدها، أحيانا، في اية بادرة تمنحه فرصة للتنفس والتفكير، مهما كان مصدرها.

اذ تنشط، حاليا، في تجاذب أطراف البلد الى حد تمزيقه أربع قوى خارجية، وهي وباء كورونا والولايات المتحدة الامريكية وجمهورية إيران الإسلامية بالإضافة الى دخول وجه جديد/ قديم هو تركيا. يتداخل مع هذه القوى، كل على حدة، غالبا، وبشكل من الصعب تفكيكه، ساسة محليون تذوقوا طعم الفريسة، واكتسبوا خبرة لا تضاهى في نهش ثروة البلد، ومد جذورهم في مؤسساته من خلال ثلاثة محاور هي: التخويف من « الآخر»، والاغواء المادي والتعيين الوظيفي، بالإضافة الى التعكز على المرجعية الدينية وما يحيطها من طقوس تمتد على مدى العام.

تكّفل انتشار فايروس كورونا بتكذيب التصريحات الحكومية السابقة حول النجاح في احتواء الوباء ومعاقبة وكالة الأنباء « رويترز» التي اشارت الى ان عدد المصابين أكبر مما يعلن عنه. وصل معدل الإصابات، حاليا، بحدود ألف وخمسمائة يوميا وأبدت الأمم المتحدة قلقها لارتفاع عدد الوفيات، بينما دعت مفوضية حقوق الإنسان الحكومة الى اتخاذ إجراءات سريعة للحد من ارتفاعها المخيف. وفي الوقت الذي تستحق فيه الطواقم الطبية الثناء الا ان تردي وضع المستشفيات واهمالها دفع النائبة وحدة الجميلي الى وصفها بأنها « مقبرة للفقراء». ونرى في فيديو انتشر على صفحات التواصل الاجتماعي، وتم التحقق من صحته، جثامين ضحايا الكورونا مرمية خارج احدى المستشفيات. الأمر الذي أكده النائب جاسم البخاتي، قائلا « ان جثث المتوفين بفيروس كورونا تفوق الطاقة الاستيعابية للمستشفيات». مبينا « وصلتنا مناشدات من مؤسسات صحية وخاصة مستشفى الكندي بأن هناك مجموعة من الجثث وهناك تباطؤ في عملية نقلها ودفنها». وجاء الرد الحكومي متمثلا بعرض أفلام في القناة الحكومية الرسمية تبين حشدا من رجال برُتب عسكرية عالية وهم إما يسيرون أو يلتفون حول سيارة رش المعقمات. وتأتي وفاة النجم الرياضي أحمد راضي، وكان قد غادر المستشفى على مسؤوليته، قبل يومين من وفاته، احتجاجا، لتلقي الضوء على الإهمال الذي يعيشه المصابون بالفايروس في نظام صحي منهار.

في هذه الأجواء الكافكوية، المخيفة وغير القابلة للفهم في آن واحد، التي تتطلب أولوية التركيز على انقاذ حياة الناس، وتوفير الرعاية للمصابين وحملات التوعية، واتخاذ الإجراءات الضرورية للحجر الكلي للبلد، واكرام الموتى، وإلغاء كل ما هو غير مُلح، كما فعلت معظم دول العالم، سارعت حكومة الكاظمي، كالسراق تحت جنح الظلام، الى تنفيذ ما أطلق عليه اصطلاحا « اجراء حوار» مع الإدارة الامريكية. أي التباحث حول تعديل «اتفاقية الإطار الاستراتيجي»، المُوقـَّعة مع الولايات المتحدة الأمريكيَّة عام 2008، لغرض تنّظيم «العلاقة طويلة الأمد في المجالات الاقتصادية والدبلوماسية والثقافية والأمنية بين البلدين». وهي الاتفاقية الأكثر أهمية منذ احتلال البلد عام 2003، لا من ناحية بقاء القوات الأمريكية، كما يشاع، ولكن من ناحية الهيمنة على الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي الجوانب التي قلما يشار اليها علنا. وتنبع أهمية الاتفاقية من رغبة الإدارة الامريكية بتقليص عدد قواتها على الأرض، في أثر إعادة هيكلة الجيش الأمريكي، لتقليل تكلفة الخسائر البشرية والمادية في صفوفه، والاستعاضة عن القوات بزيادة الاعتماد على الطائرات بدون طيار، والقوة الجوية، والعمليات الخاصة بواسطة المرتزقة والشركات الأمنية بالإضافة الى الحكومات المحلية أو « الدول المُضّيفة» بالنيابة.

تبقى مسيرة البلد للتعافي مشروعاً طويل المدى بمراحل متعددة ومتكاملة بدءا من انقاذ وحماية حياة المواطنين وتوفير العيش الكريم الى إنضاج البدائل الوطنية والتنموية لاستعادة النسيج الاجتماعي في البلد

وموقف الرئيس الأمريكي ترامب واضح من مسألة طلب الحماية الأمريكية. فمن يرغب بالحماية عليه دفع التكلفة. وأكد يوم السبت الفائت، في خطاب له في الأكاديمية العسكرية الأمريكية ما ذكره في خطب سابقة، قائلا: «إننا نستعيد المبدأ الأساسي القائل بأن مهمة الجندي الأمريكي ليست إعادة بناء دول أجنبية ولكن الدفاع عن أمتنا والدفاع عنها بقوة من الأعداء الأجانب»، وتابع قائلا: «نحن ننهي حقبة الحروب التي لا نهاية لها». هذا من الناحية العسكرية، أما «الثقافية» وهي الأعمق والأكثر تأثيرا على بنية المجتمع في المدى البعيد، فيمكن تصنيفها ضمن اساسيات» القوة الناعمة». لتمرير الاتفاقية، أو الهيمنة النيو كولونيالية، تكثر في تصريحات الإدارة الأمريكية، عموما، مفردات تثير الاطمئنان وتساعد على تسويق الاتفاقية باعتبارها بين حليفين متكافئين أو بلدين صديقين. مفردات على غرار «شراكة، اتفاقية، تعاون». اما مضمون الاتفاقية فهو «استشارة، تدريب، مساعدة». وهي ذات التسميات التي تستخدمها إيران لتسويغ جرائم ميليشياتها المسلحة وتسخير الساسة الموالين لها داخل البلد.

وبينما يتواصل قصف المنطقة الخضراء بالصواريخ، والتي تبدو «رمزية» أكثر منها فعلية، شهدنا، في الأسبوع الأخير، سباقا من نوع مختلف نسبيا. اذ قصفت إيران قرى حدودية سببت خسائر مادية، وأضرارا بالممتلكات، علاوة على بث الخوف بين الآمنين من سكان تلك المناطق، حسب تصريح عراقي، في ذات الوقت الذي نفذت فيه تركيا عمليتين ضد «حزب العمال الكردستاني». الأولى جوية باسم «مخلب النسر»، والثانية برية باسم «مخلب النمر»، وتشير مصادر تركية الى رغبة الحكومة بإقامة قاعدة عسكرية لم يحدد موقعها بعد، لتضع حدا «لازدياد هجمات المقاتلين الأكراد على قواعد الجيش التركي على الحدود بين البلدين».

ان سياسة تمزيق العراق كبلد ذو سيادة وتفتيت شعبه الى طوائف وأقليات وعشائر وميليشيات تتصارع فيما بينها مستمر منذ احتلاله عام 2003، وإذا كانت « الرقعة صغيرة والشق كبير» و « صرنا كلنا ندفع جزية»، كما يقول منشدنا الراحل عزيز علي، فان تعيين الكاظمي لم يحد من سياسة القوى المتصارعة على الغنيمة. اذ لم يتخذ، حتى الآن، أية خطوة عملية تطمئن الناس وأولها مساءلة المسؤولين عن قتل 700 متظاهر واختطاف آخرين. والأدهى من ذلك أن عمليات الاغتيال مستمرة، من قبل « مجهولين»، آخرها اغتيال أستاذ جامعي في مدينة الناصرية، والمحامي طارق هلال من شمال بغداد. وإذا كان هناك انجاز للكاظمي يستحق الذكر فإنه مواصلة سياسة من سبقه من رؤساء وزراء، في إطلاق التصريحات بلا تنفيذ. وتبقى مسيرة البلد للتعافي مشروعاً طويل المدى بمراحل متعددة ومتكاملة بدءا من انقاذ وحماية حياة المواطنين وتوفير العيش الكريم الى إنضاج البدائل الوطنية والتنموية لاستعادة النسيج الاجتماعي في البلد. ومن هناك تحقيق التوازنات الإقليمية والعلاقات الدولية المتكافئة.

كاتبة من العراق

 

 

ألا يمثل ترامب

الشعب الأمريكي؟

هيفاء زنكنة

 

لم يعد فايروس كورونا القاتل هو الشاغل الأول للناس في أرجاء الكرة الأرضية. تغيرت الأولويات، فالعالم مشغول بالمظاهرات في أمريكا. انتقل غضب المتظاهرين، من ولاية أمريكية الى أخرى، ومنها الى بريطانيا وألمانيا وكوريا وفرنسا ومنها الى مدرج المسرح البلدي، بشارع الحبيب بورقيبة، وسط العاصمة التونسية.

اختلفت ردود الأفعال من بلد الى آخر. ففي تونس، وجّه حمة الهمامي، الأمين العام لحزب العمال، نداء « إلى شباب تونس، إلى نسائها وكادحيها ومثقّفيها ومبدعيها: انتصروا إلى أخواتكم وإخوتكم في أمريكا» مبينا فيه « إنّ تحرّك الشعب الأمريكي اليوم يعطي فرصة غير مسبوقة للقوى التقدمية في العالم لكي تعبّر عن مساندتها له وتشدّ أزره في مواجهته الوحش الرأسمالي الامبريالي الأمريكي» وإن « الشعب الأمريكي يقدّم خدمة كبيرة لشعوب العالم لأنه يفضح هذا الوحش الذي آذاها ويؤذيها ويضعفه ممّا يوفّر فرصة لهذه الشعوب حتّى تتمرّد عليه وتتحرّر من أغلاله».

ونشط في بقية البلدان العربية والإقليمية المجاورة، متحدثون باسم حكومات قمعية لاستنكار أسلوب مواجهة المتظاهرين « غير الديمقراطي» من قبل الإدارة الامريكية. في ذات الوقت الذي لا يجدون فيه حرجا باتباع أسلوب أكثر وحشية لقمع مظاهرات مواطنيهم. الكل يبررون ذلك بأنه ضرورة أمنية.

خلال أيام قليلة، ظهرت قراءات وتفسيرات متعددة للمظاهرات التي أججها مقتل جورج فلويد الأمريكي الأسود اختناقا تحت شرطي أبيض (لا أدري لم يوصف فلويد بأنه من أصول افريقية ويصفون الرئيس السابق أوباما بأنه من اصل كيني، وكأن بقية سكان أمريكا كلهم لا ينحدرون من أصول هي غير سكان البلد الأصليين، الذين تمت ابادتهم وبناء البلد الحالي على جماجمهم). تحولت صرخة فلويد الأخيرة « لا أستطيع أن أتنفس»، الى شعار سرعان ما تم تداوله ضد العنصرية وتكميم الأفواه وكل أنواع التمييز، بل وربطه متظاهرون في عواصم أوروبية بفرض الحكومات سياسة ارتداء الكمامات. خُلعت الكمامات التي باتت رمزا للهيمنة والسيطرة بدلا من الوقاية والحذر، واحتلت أخبار إيجاد لقاح سريع لمنع انتشار الوباء بوجبة ثانية المرتبة الدنيا في قوائم أكثر الأخبار قراءة او اطلاعا إعلاميا.

احتلت صورة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واقفا امام كنيسة وهو يحمل الإنجيل، مساحة مساوية وموازية لصورة جورج فلويد والمتظاهرين، لتبين، مدى انقسام الشعب الأمريكي لا من ناحية لون البشرة فقط ولكن ما هو ابعد من ذلك، أي الناحيتين الاقتصادية والطبقية، المتداخلتين مع درجات الاستحواذ على مراكز السلطة، وكيفية الوصول اليها ومن ثم المهارة في صناعة الرضا الشعبي.

إن تأثير المظاهرات الامريكية سيبقى، محصورا بما سيفرض من تغيير على الوضع الداخلي، ولن يمس السياسة الخارجية التي هي في المحصلة سياسة دولة

ومن يراجع مسيرة ترامب سيجد أنه منذ ترشيحه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، البلد الأقوى في العالم عسكريا وتكنولوجيا، كممثل للحزب الجمهوري، عمل على استقطاب شرائح مجتمعية يعرف جيدا أنها من ستوفر له فرصة البقاء في منصبه دورة أخرى. وانه، خلافا، لعديد الرؤساء الأمريكيين ممن سبقوه، نفذ فعلا معظم وعوده التي أطلقها اثناء الحملة الانتخابية، بغض النظر عن درجة استهجان نسبة من الشعب الأمريكي لبرنامجه ولا إنسانية أسلوبه في التطبيق البرنامج، بالإضافة الى كراهيتنا، نحن الذين نعيش نتائج عنجهية السياسة الأمريكية الخارجية وحروبها المدمرة.

صحيح أن سلوك الرئيس الأمريكي اتسم بالشعبوية التحريضية، واقترن خطابه بخلق المهاترات والعنصرية بواسطة تغريدات لم يعهدها العالم من قبل أي رئيس سبقه، وصحيح أنه تميز بسرعة إصدار الأحكام وتعيين المستشارين او طردهم أو إقامة علاقات دولية او وضع حد لها بسرعة، خلال ساعات أحيانا، قد جعلته محط سخرية ومصدرا لا ينضب لرسامي الكاريكاتير، الا انه نجح في تحقيق ما أراده جمهوره من الشعب الأمريكي، الذي صّوت له وفق نظام ديمقراطي يُعتبر أساس الوجود الأمريكي، تبعا لدستور يكاد يكون مقدسا. وهذه نقطة بالغة الأهمية، غالبا، ما يتم تجاهلها أو التعامل معها من قبلنا. اذ نُسقط على الديمقراطية الامريكية واختيار الشعب لحكامه عبر الانتخابات مواقفنا نحو الديمقراطية والدساتير في بلداننا في ظل أنظمة استبدادية ـ تابعة ومتوارثة. حيث لم تنم الديمقراطية بشكل عضوي، ونادرا ما كان الدستور مكتوبا من قبل أبناء البلد أنفسهم في معظم البلدان العربية بل والأدهى من ذلك، غالبا ما نجدهما اما مستوردين أو مفروضين من « الخارج» وفي حالة العراق من قبل قوات الاحتلال الأمريكي

هذه الأرضية تستحق الانتباه عند الكتابة عن المظاهرات الامريكية الحالية والدعوة الى مساندتها باعتبارها « ثورة»، وكأنها نبعت من شعب أجبرته قوات الغزو والحكام بالنيابة، على خوض انتخابات مفروضة عليه قسرا. المفارقة (أو لعله الإحساس بالمرارة)، هي اننا لم نقرأ أي نداء من قبل أي حزب أو تنظيم عربي أو عالمي يدعو الى دعم المعتصمين العراقيين في انتفاضة تشرين/ أكتوبر بتكلفتها العالية بحياة 700 شهيد ومئات المختطفين وآلاف الجرحى، خلال أربعة أشهر فقط. ولا يزال الصمت القاتل سائدا على الرغم من استمرار الاحتجاجات في عشر مدن عراقية للمطالبة بمحاسبة قتلة المتظاهرين والتخلص من الاحتلالين الأمريكي والإيراني.

بعيدا عن الصحافة العربية التي يبدو كتابها إما مصدومين لأن «الكلام المنمق الذي تستخدمه الإدارات الأمريكية للحديث عن وجوه المساواة والعدالة المتحققة في المجتمع الأمريكي، ليس حقيقة»، أو كأنهم اكتشفوا العجلة حين يصفون قتل فلويد بأنه يبين « ممارسات التمييز العنصري في دولة تدعي أنها زعيمة المساواة والحرية في العالم»، نجد أن ترامب استطاع، الحصول على رضا المصوتين له، اذ حقق لهم تحسنا اقتصاديا ملموسا وتخفيض نسبة البطالة، وبناء جدار عازل مع المكسيك، ومعاملة المهاجرين بطريقة تثير رعب كل من يحاول اللجوء الى أمريكا، وطرد من لا تحتاجهم، والعمل على تقليل القواعد العسكرية وتكاليف نفقاتها الكبيرة، وإجبار الحكام الراغبين بالحماية الأمريكية ضد شعوبهم، على دفع تكاليف القوات، كما فعل مع المملكة العربية السعودية. كما لم ينكث بوعوده السخية للكيان الصهيوني، بل اُعتبرت « صفقة القرن» إنجازا له، والاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني هو «الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله». لتليها الموافقة على مد المستوطنات أينما أراد المحتل. كل هذا بموافقة أو صمت الخانعين من الحكام العرب.

إن تأثير المظاهرات الامريكية سيبقى، محصورا بما سيفرض من تغيير على الوضع الداخلي، ولن يمس السياسة الخارجية التي هي في المحصلة سياسة دولة، كما أن معظم مواطني الولايات المتحدة وأوروبا لا يهتمون كثيرا بالسياسة الخارجية إلا إذا مست وضعهم الاقتصادي بشكل مباشر. ولنتذكر أن معظم الشعب الأمريكي والبريطاني أنتخب الرئيس جورج بوش ورئيس الوزراء توني بلير على الرغم من المظاهرات المناوئة للحرب على العراق في كلا البلدين وفي أرجاء العالم.

كاتبة من العراق

 

ألا يمثل ترامب

الشعب الأمريكي؟

هيفاء زنكنة

 

لم يعد فايروس كورونا القاتل هو الشاغل الأول للناس في أرجاء الكرة الأرضية. تغيرت الأولويات، فالعالم مشغول بالمظاهرات في أمريكا. انتقل غضب المتظاهرين، من ولاية أمريكية الى أخرى، ومنها الى بريطانيا وألمانيا وكوريا وفرنسا ومنها الى مدرج المسرح البلدي، بشارع الحبيب بورقيبة، وسط العاصمة التونسية.

اختلفت ردود الأفعال من بلد الى آخر. ففي تونس، وجّه حمة الهمامي، الأمين العام لحزب العمال، نداء « إلى شباب تونس، إلى نسائها وكادحيها ومثقّفيها ومبدعيها: انتصروا إلى أخواتكم وإخوتكم في أمريكا» مبينا فيه « إنّ تحرّك الشعب الأمريكي اليوم يعطي فرصة غير مسبوقة للقوى التقدمية في العالم لكي تعبّر عن مساندتها له وتشدّ أزره في مواجهته الوحش الرأسمالي الامبريالي الأمريكي» وإن « الشعب الأمريكي يقدّم خدمة كبيرة لشعوب العالم لأنه يفضح هذا الوحش الذي آذاها ويؤذيها ويضعفه ممّا يوفّر فرصة لهذه الشعوب حتّى تتمرّد عليه وتتحرّر من أغلاله».

ونشط في بقية البلدان العربية والإقليمية المجاورة، متحدثون باسم حكومات قمعية لاستنكار أسلوب مواجهة المتظاهرين « غير الديمقراطي» من قبل الإدارة الامريكية. في ذات الوقت الذي لا يجدون فيه حرجا باتباع أسلوب أكثر وحشية لقمع مظاهرات مواطنيهم. الكل يبررون ذلك بأنه ضرورة أمنية.

خلال أيام قليلة، ظهرت قراءات وتفسيرات متعددة للمظاهرات التي أججها مقتل جورج فلويد الأمريكي الأسود اختناقا تحت شرطي أبيض (لا أدري لم يوصف فلويد بأنه من أصول افريقية ويصفون الرئيس السابق أوباما بأنه من اصل كيني، وكأن بقية سكان أمريكا كلهم لا ينحدرون من أصول هي غير سكان البلد الأصليين، الذين تمت ابادتهم وبناء البلد الحالي على جماجمهم). تحولت صرخة فلويد الأخيرة « لا أستطيع أن أتنفس»، الى شعار سرعان ما تم تداوله ضد العنصرية وتكميم الأفواه وكل أنواع التمييز، بل وربطه متظاهرون في عواصم أوروبية بفرض الحكومات سياسة ارتداء الكمامات. خُلعت الكمامات التي باتت رمزا للهيمنة والسيطرة بدلا من الوقاية والحذر، واحتلت أخبار إيجاد لقاح سريع لمنع انتشار الوباء بوجبة ثانية المرتبة الدنيا في قوائم أكثر الأخبار قراءة او اطلاعا إعلاميا.

احتلت صورة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واقفا امام كنيسة وهو يحمل الإنجيل، مساحة مساوية وموازية لصورة جورج فلويد والمتظاهرين، لتبين، مدى انقسام الشعب الأمريكي لا من ناحية لون البشرة فقط ولكن ما هو ابعد من ذلك، أي الناحيتين الاقتصادية والطبقية، المتداخلتين مع درجات الاستحواذ على مراكز السلطة، وكيفية الوصول اليها ومن ثم المهارة في صناعة الرضا الشعبي.

إن تأثير المظاهرات الامريكية سيبقى، محصورا بما سيفرض من تغيير على الوضع الداخلي، ولن يمس السياسة الخارجية التي هي في المحصلة سياسة دولة

ومن يراجع مسيرة ترامب سيجد أنه منذ ترشيحه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، البلد الأقوى في العالم عسكريا وتكنولوجيا، كممثل للحزب الجمهوري، عمل على استقطاب شرائح مجتمعية يعرف جيدا أنها من ستوفر له فرصة البقاء في منصبه دورة أخرى. وانه، خلافا، لعديد الرؤساء الأمريكيين ممن سبقوه، نفذ فعلا معظم وعوده التي أطلقها اثناء الحملة الانتخابية، بغض النظر عن درجة استهجان نسبة من الشعب الأمريكي لبرنامجه ولا إنسانية أسلوبه في التطبيق البرنامج، بالإضافة الى كراهيتنا، نحن الذين نعيش نتائج عنجهية السياسة الأمريكية الخارجية وحروبها المدمرة.

صحيح أن سلوك الرئيس الأمريكي اتسم بالشعبوية التحريضية، واقترن خطابه بخلق المهاترات والعنصرية بواسطة تغريدات لم يعهدها العالم من قبل أي رئيس سبقه، وصحيح أنه تميز بسرعة إصدار الأحكام وتعيين المستشارين او طردهم أو إقامة علاقات دولية او وضع حد لها بسرعة، خلال ساعات أحيانا، قد جعلته محط سخرية ومصدرا لا ينضب لرسامي الكاريكاتير، الا انه نجح في تحقيق ما أراده جمهوره من الشعب الأمريكي، الذي صّوت له وفق نظام ديمقراطي يُعتبر أساس الوجود الأمريكي، تبعا لدستور يكاد يكون مقدسا. وهذه نقطة بالغة الأهمية، غالبا، ما يتم تجاهلها أو التعامل معها من قبلنا. اذ نُسقط على الديمقراطية الامريكية واختيار الشعب لحكامه عبر الانتخابات مواقفنا نحو الديمقراطية والدساتير في بلداننا في ظل أنظمة استبدادية ـ تابعة ومتوارثة. حيث لم تنم الديمقراطية بشكل عضوي، ونادرا ما كان الدستور مكتوبا من قبل أبناء البلد أنفسهم في معظم البلدان العربية بل والأدهى من ذلك، غالبا ما نجدهما اما مستوردين أو مفروضين من « الخارج» وفي حالة العراق من قبل قوات الاحتلال الأمريكي

هذه الأرضية تستحق الانتباه عند الكتابة عن المظاهرات الامريكية الحالية والدعوة الى مساندتها باعتبارها « ثورة»، وكأنها نبعت من شعب أجبرته قوات الغزو والحكام بالنيابة، على خوض انتخابات مفروضة عليه قسرا. المفارقة (أو لعله الإحساس بالمرارة)، هي اننا لم نقرأ أي نداء من قبل أي حزب أو تنظيم عربي أو عالمي يدعو الى دعم المعتصمين العراقيين في انتفاضة تشرين/ أكتوبر بتكلفتها العالية بحياة 700 شهيد ومئات المختطفين وآلاف الجرحى، خلال أربعة أشهر فقط. ولا يزال الصمت القاتل سائدا على الرغم من استمرار الاحتجاجات في عشر مدن عراقية للمطالبة بمحاسبة قتلة المتظاهرين والتخلص من الاحتلالين الأمريكي والإيراني.

بعيدا عن الصحافة العربية التي يبدو كتابها إما مصدومين لأن «الكلام المنمق الذي تستخدمه الإدارات الأمريكية للحديث عن وجوه المساواة والعدالة المتحققة في المجتمع الأمريكي، ليس حقيقة»، أو كأنهم اكتشفوا العجلة حين يصفون قتل فلويد بأنه يبين « ممارسات التمييز العنصري في دولة تدعي أنها زعيمة المساواة والحرية في العالم»، نجد أن ترامب استطاع، الحصول على رضا المصوتين له، اذ حقق لهم تحسنا اقتصاديا ملموسا وتخفيض نسبة البطالة، وبناء جدار عازل مع المكسيك، ومعاملة المهاجرين بطريقة تثير رعب كل من يحاول اللجوء الى أمريكا، وطرد من لا تحتاجهم، والعمل على تقليل القواعد العسكرية وتكاليف نفقاتها الكبيرة، وإجبار الحكام الراغبين بالحماية الأمريكية ضد شعوبهم، على دفع تكاليف القوات، كما فعل مع المملكة العربية السعودية. كما لم ينكث بوعوده السخية للكيان الصهيوني، بل اُعتبرت « صفقة القرن» إنجازا له، والاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني هو «الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله». لتليها الموافقة على مد المستوطنات أينما أراد المحتل. كل هذا بموافقة أو صمت الخانعين من الحكام العرب.

إن تأثير المظاهرات الامريكية سيبقى، محصورا بما سيفرض من تغيير على الوضع الداخلي، ولن يمس السياسة الخارجية التي هي في المحصلة سياسة دولة، كما أن معظم مواطني الولايات المتحدة وأوروبا لا يهتمون كثيرا بالسياسة الخارجية إلا إذا مست وضعهم الاقتصادي بشكل مباشر. ولنتذكر أن معظم الشعب الأمريكي والبريطاني أنتخب الرئيس جورج بوش ورئيس الوزراء توني بلير على الرغم من المظاهرات المناوئة للحرب على العراق في كلا البلدين وفي أرجاء العالم.

كاتبة من العراق

 

 

العراق: داعش

والكاظمي ونلسون مانديلا

هيفاء زنكنة

 

نشرت وكالة الأنباء العراقية، في 30 أيار/ مايو، بيانا لمديرية الاستخبارات أن القوات الأمنية بناء على معلومات استخبارية دقيقة اعتقلت 11 إرهابيا في مناطق مختلفة من جانبي الموصل الأيمن والأيسر.

يتزامن اصدار البيان مع عدم اصدار أي بيان حول هجوم ميليشيا التيار الصدري على خيام المعتصمين في ساحة التحرير ببغداد، واعتقال وقتل متظاهرين في مدن أخرى.

لماذا؟ كي يتماشى اصدار ومضمون البيان مع ازدياد التصريحات الحكومية الرسمية حول تصاعد عمليات تنظيم الدولة الإسلامية « داعش» وما يصاحبها، بالضرورة، من حملات اعتقال « الإرهابيين» في محافظات معينة، وُسمت بصبغة الإرهاب، منذ احتلال البلد عام 2003، ومنذ انبثاق مقاومة المحتل فيها.

فقد أدى الاستخدام السياسي لمفهوم «محاربة الإرهاب» وتوسيعه ليشمل بنودا قانونية عديدة، ومع الغياب شبه الكلي للقضاء النزيه، باعتراف المنظمات الحقوقية الدولية، الى منح الحكومات المحلية المتعاونة مع الاحتلال القدرة على شرعنة القاء القبض، لأي سبب كان، ورمي المعتقلين في غياهب السجون لسنوات بناء على شبهة أو وشاية أو خلاف، أو إصدار الاحكام السريعة بالإعدام بحيث استحق العراق لقب «المسلخ» من قبل رئيسة مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، أو تغييب المعتقلين فلا يُسمع لهم خبرا. كما أدى الاستخدام السياسي ـ الدعائي ـ التحريضي الى انعدام الثقة باي اجراء أو تصريح حكومي أو انتصار في عملية أو اعتقال خلية إرهابية. واعتبارها، منفردة او مجتمعة، مجرد تضليل آخر يستهدف المواطنين لتمشية أمور الفئة الحاكمة أو للتغطية على فسادها وجرائمها.

وإذا كان تعيين مصطفى الكاظمي، رئيس المخابرات السابق، رئيسا للوزراء قد دفع البعض الى الإحساس بوجود ومضة أمل في نهاية نفق النظام المظلم أو لأنه، حسب المثل العراقي «اللي يشوف الموت يرضى بالسخونة»، خاصة بعد أن حظي تعيينه بالترحيب من قبل المنظومة السياسية المهيمنة على مؤسسات الحكم والمليشيات على اختلاف أنواعها بالإضافة الى المباركة الامريكية الإيرانية، فان الدلائل تشير الى ان الوعود الجوفاء متجذرة في صميم النظام وان اطلاقها، بعد كل تغيير سطحي، ضروري لمصلحة النظام وليس الشعب.

فالتقدم لتحقيق الوعد بإجراء انتخابات نزيهة، وهو أحد مطالب انتفاضة تشرين/ أكتوبر 2019، يصطدم باللانزاهة في مفوضية الانتخابات، وتبادل أعضائها الاتهامات بالمحاصصة والفساد. وبات كشف فساد الانتخابات السابقة هو الموضوع الأول في أستوديوهات التلفزة، للدلالة على نزاهة المتنافسين على عضوية المفوضية، والنتيجة: الكل فاسد والكل نزيه في آن واحد.

كان الكاظمي قد وعد بحسم «ملف المغيبين، لأن عوائلهم ما زالت تنتظر معرفة هل هم أحياء أم تم الغدر بهم من تلك الميليشيات الإرهابية»، كما طالب رئيس لجنة العمل والشؤون الاجتماعية والهجرة والمهجرين البرلمانية

أما فيما يخص المسؤولين عن قتل المتظاهرين فلم يُتخذ أي إجراء تقريباً لمساءلة قوات الأمن العراقية والحشد الشعبي على الرغم من وجود شهود عيان وفيديوهات وصور موثقة من قبل منظمات حقوقية محلية ودولية من بينها «وجود أدلة دامغة تشير إلى نمط تتعمد فيه قوات الأمن العراقية استخدام قنابل الغاز المسيل للدموع والقنابل الدخانية الثقيلة لقتل المتظاهرين بدلاً من تفريقهم وذلك في انتهاك مباشر للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وقد كانت قوات الأمن على علم بمدى القدرة الفتاكة لهذه الأسلحة المقيتة، لكنها استمرت في إطلاقها كما يحلو لها». حسب برايان كاستنر، كبير مستشاري برنامج الأزمات المختص بالأسلحة والعمليات العسكرية في منظمة العفو الدولية. وكانت المنظمة قد وثّقت منذ 1 أكتوبر/تشرين الأول 2019 وطيلة فترة الاحتجاجات التي اندلعت في بغداد والمحافظات العراقية الجنوبية ـ استخدام قوات الأمن للقوة المفرطة، وفي مئات الحالات القوة المميتة لتفريق المحتجين. وأصدرت منظمة «هيومان رايتس ووتش « ومركز جنيف الدولي للعدالة وعشرات المنظمات المحلية تقارير موثقة مماثلة، فاذا كان هذا كله متوفرا فلم لم يقم الكاظمي، كما وعد، عشية تعيينه، بما هو أكثر من تشكيل لجنة تحقيق، يعرف العراقيون جيدا انها تعني، في الواقع، دفن التحقيق؟

وأثار قيام عديد الدول بإطلاق سراح وجبات من السجناء، لتقليل خطر انتشار وباء الكورونا، قضية آلاف المعتقلين والمغيبين الذين لا يعرف مصيرهم وكلهم، تقريبا، من المحافظات التي تواصل الأحزاب الطائفية وميليشياتها وصمها بالإرهاب، ومعاملتها على هذا الاساس. تواصل حكومة الكاظمي تجاهل هذه القضية الحساسة التي تُعتبر مقياسا لمدى جديتها في التعامل مع استمرارية حملة التطهير التي سارت عليها الحكومات الطائفية السابقة. وكان الكاظمي قد وعد بحسم «ملف المغيبين، لأن عوائلهم ما زالت تنتظر معرفة هل هم أحياء أم تم الغدر بهم من تلك الميليشيات الإرهابية»، كما طالب رئيس لجنة العمل والشؤون الاجتماعية والهجرة والمهجرين البرلمانية.

ان تحقيق العدالة، لا يتطلب تشكيل لجان جديدة تُضاف الى كومة اللجان النامية في الوزارات، بل يتطلب الاعتراف أولا بجسامة الجرائم المرتكبة ضد عموم الشعب والعمل ثانيا بوطنية صادقة على حلها. اللجان التي بدأ الكاظمي بتشكيلها لن تعيد للمواطنين حقوقهم لأنها استمرارية لسياسة التزوير والتضليل التي يعيشونها منذ 2003. وما تعرض له الناس من عقاب جماعي ونزوح قسري، لايزال مستمرا، ومصير آلاف الرجال والفتيان الذين اختفوا قسرياً على أيدي قوات الأمن أثناء النزاع، والإفلات من العقاب على انتهاكات حقوق الإنسان، يحتاج ما هو أكثر من تشكيل لجنة. فالنظام نفسه منخور بالفساد والطائفية والعنصرية مهما كان خطاب ساسته مغايرا على السطح. واستمرار بقاء المحتجين في ساحات المدن وخروجهم الى الشوارع، على الرغم من مخاطر وباء الكورونا، هو تصريح شعبي بعدم الثقة بما يُقال دون تطبيق، كما انه تأكيد على صلاحية المطالبة بوطن. وطن يوفر لأهله، جميعا، حقوقهم كمواطنين. بلا ساسة يدّعون العصمة، بلا مليشيات تمارس القتل بلا مساءلة، بقوات أمنية توفر لهم الحماية ولا تقتلهم وتشوههم. وطن يعيشون فيه بأمان ويتطلعون الى غد خال من الخوف. وطن وليس ساحة حرب تتنازع فيه أمريكا وإيران وما ينتجانه من منظمات ومليشيات إرهابية. وطن لا يحرم أهله من الكرامة وعزة النفس فـ» أي شخص أو مؤسسة تحاول أن تجردني من كرامتي ستخسر»، كما يُذكرنا نلسون مانديلا.

كاتبة من العراق

 

 

إحياء «داعش» في العراق

ضروري للمتنازعين عليه

هيفاء زنكنة

 

ظهرت بوادر تغير في خطاب مصطفى الكاظمي، بعد مرور 12 يوما فقط على تعيينه رئيسا لوزراء العراق، سواء كان خطابه موجها الى الادارة الامريكية ودول الاتحاد الأوروبي أو الشعب العراقي. فبعد أن كان يؤكد في خطبه الأولى، على أن حكومته «تنوي التحضير لإجراء انتخابات مبكرة ونزيهة، والتعهد بمحاربة فيروس كورونا المستجد في البلاد»، تَصدر خطبه، في لقاءاته مع السفير الأمريكي وسفراء دول الإتحاد الأوروبي، أمله في أن «تواصل الدول دعمها للعراق في حربه ضد داعش». وهو تغير كبير يعيد الى الأذهان سيرورة من سبقه من رؤساء الوزراء، مهما كان ادعاؤه مغايرا ومهما كانت مسميات «المنظمات الإرهابية» مختلفا. فمنظمة الدولة الإسلامية «داعش»، لم تكن تحتل المكانة الأولى في خطب التهنئة التي انهالت عليه سواء من قبل مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي أو محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني.

كان هَّم الجميع التوصل الى توازن أمريكي ـ إيراني، يتفاوض من خلاله الطرفان على صيغة توافقية لحل اختلافاتهما، وتقاسم السيطرة على العراق، بشكل يرضيهما، بدون أن يعرضا أمن بلديهما للتهديد. وقد منحهما الاتفاق الاولي على اختيار الكاظمي الإحساس بأن في «مقدوره المساهمة في التخفيض من التوترات بين الولايات المتحدة وإيران»، كما ذكرت وكالة الأنباء الإيرانية. كما عبَّرَ مايك بومبيو، عن حسن نية الإدارة الأمريكية تجاه إيران أكثر منه «الشعب العراقي» باستثناء إيران من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها لمدة 120 يوما لتصدير الكهرباء الى العراق.

ما هي دلالات تغير خطاب الكاظمي اذن؟ لماذا «داعش» الآن وما هي الجهة المستفيدة من ظهوره في هذا التوقيت بالتحديد؟ هناك جهات عدة تحتاج إعادة نفخ الروح بداعش أو استحداث غيرها إذا استدعت الضرورة. بالنسبة الى البقاء الأمريكي بالعراق، هل من قبيل الصدف قيام «داعش» بعمليات متفرقة في البلد، والنظام مقبل على مناقشة وإعادة النظر في تفاصيل الاتفاقية الأمنية الموقعة بين العراق وأمريكا، بداية الشهر المقبل؟

الأمر الذي دفع الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة أي الكاظمي الى التصريح الفوري بأن « العراق ما زال بحاجة لبقاء قوات التحالف الدولي لتدريب القوات العراقية وتجهيزها لمواجهة التحديات». أما بالنسبة الى إيران، يوفر ظهور داعش أرضية شاسعة لاستمرارية بقاء وسيطرة الميليشيات الموالية لها، على الرغم من تزايد الغضب الشعبي على وجودها، بعد أن ثبت قيامها باستهداف منتفضي تشرين الأول/ اكتوبر وحملات الاختطاف والاغتيال التي طالتهم. ويشكل الظهور الداعشي طوق نجاة للحشد الشعبي، الذي انحدرت شعبيته التي كان قد نالها، عند تأسيسه بناء على فتوى المرجعية الجهادية.

داعش ذات الوجوه والأشكال المتعددة هي عدو جاهز مُهيأ للاستخدام عند الحاجة، ولو لم توجد فعلا لتم اختراعها. فكل الأنظمة، تقريبا، بحاجة إلى « عدو«، يستقطب دعم الشعوب لحكامها مهما كانوا

اذ يعاني «الحشد الشعبي» من كساد في الشعبية حتى بين اتباعه المخلصين وغيرهم من أبناء الشعب بسبب فساد القادة، وطائفيتهم المزمنة، واخلالهم بالوعود الدنيوية التي بُذلت بسخاء للشباب المنخرطين بصفوفه، بالإضافة الى توثيق عديد الجرائم التي ارتكبها افراده في «المناطق المحررة»، والتي ترقى الى مستوى جرائم ضد الإنسانية، حسب تقارير منظمات حقوقية دولية. لذلك، قام الكاظمي، بنفسه، بزيارة رئيس الحشد في مقره الرئيسي وارتدى زي الحشد بتظاهرة إعلامية لم تحظ بها اية جهة أخرى وذلك لطمأنة إيران على عدم المس بأذرعها داخل البلد.

خلال أيام قليلة، عادت «داعش» لتغطي على وباء كورونا، وعلى فشل التعامل معه، وعلى الفساد المكشوف، وكل ما يراد التستر عليه إعلاميا وسياسيا. عادت لتستعيد مكانتها لدى الساسة كأداة جاهزة للترويع وتسويغ الإرهاب بحجة محاربة الإرهاب.

فعودة «داعش» ضرورة حتمية لكل المتنازعين على العراق وهو الخيار الأفضل لاستمرار منظومة الفساد السياسي والميليشيات. فما ان يُذكر اسم «داعش» حتى تُبرر سرقاتها ونهبها مليارات النفط بالإضافة الى استحواذها على أموال المساعدات الخارجية المقدمة لمحاربة «داعش» بحجة الدفاع عن «الشعب العراقي». بينما الحقيقة هي ان الكل، باستثناء «الشعب العراقي»، بأمس الحاجة الى داعش أو أية منظمة إرهابية أخرى. داعش ذات الوجوه والأشكال المتعددة هي عدو جاهز مُهيأ للاستخدام عند الحاجة، ولو لم توجد فعلا لتم اختراعها. فكل الأنظمة، تقريبا، بحاجة الى «عدو«، يستقطب دعم الشعوب لحكامها مهما كانوا. «داعش» الوقت الحالي هو «شيوعية» فترة الحرب الباردة و«مكارثية» الإدارة الامريكية ضد مثقفيها في خمسينيات القرن الماضي. وها هو سيف داعش يُشهر من جديد، بعد غيبة، لتعلن حكومة الكاظمي، كما الحكومات التي سبقتها، شن عمليات ضد داعش، باسم «اسود الجزيرة» في ذات المحافظات التي لم يزل مئات الالاف من سكانها قد هُجروا قسرا ولايزالون يعيشون في الخيام، ولم يكن الناطق الرسمي باسم قائد القوات المسلحة الكاظمي قد أكمل تصريحه بوجوب إبقاء القوات الأمريكية حتى شن طيران «التحالف» غارة على جنوب غربي محافظة نينوى. المحافظة التي لاتزال رائحة جثث ضحايا القصف الأمريكي تتخلل هواء خرائبها.

لم تعد الساحة السياسية، اذن، بعد أسبوع واحد من اعلان الحكومة الجديدة، تقتصر على «النزاع» الأمريكي ـ الإيراني بل أتت أضافة «داعش» وبالحجم الذي يستدعي القيام بعمليات عسكرية أرضا والقصف جوا، كعامل مستجد قد يعمل، على تقوية حضور «المُتنازعين» الأمريكي والإيراني وليس استعادة السيادة العراقية، حسب وعود الكاظمي في خطبه الأولى، فبقائهما وفق تقسيم الجو لأمريكا والأرض لإيران، مُفيد للطرفين خاصة وان استراتيجية أمريكا العسكرية لم تعد تعتمد على إبقاء المعسكرات والقوات على الأرض بل على الطائرات بلا طيار والعمليات الخاصة وكل أنواع التقدم التكنولوجي عن مبعدة بالإضافة الى القوة الناعمة، بجوانبها الثقافية والتعليمية. فالاتفاقية الاستراتيجية المنوي مراجعتها لا تقتصر على الجانب العسكري والأمني فقط كما يُشاع تضليلا.

ولعل التغير الأكبر الذي سيطرأ، جراء إحياء تنظيم داعش، هو مدى نجاح منظومة الفساد السياسية في استخدام الترهيب من داعش للقضاء على انتفاضة تشرين / أكتوبر نهائيا، بعد ان فشلت كل الأساليب القمعية بالإضافة الى فيروس كورونا في ذلك. اذ تشير دلالات تغير خطاب الكاظمي، خلال بضعة أيام من تعيينه، ان من وافقوا على تعيينه من أحزاب وميليشيات ومحتلين سيستعينون، من جديد، بشعار «محاربة الإرهاب» لقمع كل صوت مستقل يطالب باسترجاع الوطن من أيديهم، وسيبقى مدى نجاحهم مرتبطا بعودة المنتفضين إلى الساحات، بذات القوة والوعي الذي فشل الفاسدون باختراقه.

كاتبة من العراق

 

 

إنهم لا يعرفون

الشعب العراقي

هيفاء زنكنة

 

انهالت التهاني على « العراق»، كما الحامض حلو على رأس عروس أو رأس ولد في حفل ختانه. وأخيرا، صار للعراق رئيس وزراء جديد، يدعى مصطفى الكاظمي. صحيح أنه غير منتخب، رشحه رئيس جمهورية غير منتخب، إذ لم تزد نسبة الناخبين، في المرة الاخيرة، عن 18 بالمئة، إلا أن هذا غير مهم، فبعد انقضاء خمسة أشهر على اجبار المنتفضين رئيس الوزراء عادل عبد المهدي على الاستقالة، وبعد فشل مرشحين اثنين في الوصول الى خط النهاية، لم يعد هناك الكثير من الأمور المهمة بالنسبة الى ساسة « العملية السياسية» ومديريها. المهم أن يتم تعيين رئيس وزراء، أيا كان، وتقديمه باعتباره المنقذ بعد أن تم تعليق كل المساوئ، بضمنها قتل المنتفضين، بمشاركة وعلم الجميع، على شماعة رئيس الوزراء السابق.

حصلت المعجزة اذن، وُلد الطفل الذي يتنازع على أبوته اثنان، في بلد يدعى العراق. حال اعلان الولادة/ تشكيل الحكومة الناقصة، سارع الأبوان المتنازعان للاحتفال. مايك بومبيو، وزير خارجية أمريكا، كان الأول. لم يتحمل الانتظار فأرسل تغريدة ذكر فيها أنه «من الرائع التحدث مع رئيس الوزراء العراقي الجديد». وكاد، لفرط سروره أن ينهي التغريدة لولا تذكره أنه نسى إضافة الكليشيه الجاهزة أي « الشعب العراقي» أو أهل البلد المضَّيف (كما هو متعارف لدى قوات الاحتلال على تسمية أهل البلدان المحتلة)، فأكمل قائلا: «لقد تعهدت بمساعدته على تنفيذ أجندته الجريئة من أجل الشعب العراقي». ونافسه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، باستخدام كليشيه « الشعب العراقي»، مؤكدا « أن إيران ستقف دائما بجانب الشعب العراقي».

كلاهما يدعيان أنهما إنما يقومان بكل ما في وسعهما، وبذل كل التضحيات المادية والبشرية، من أجل « الشعب العراقي»، مما يثير، في خضم تبادل التهاني وتنفس الصعداء بالتصويت على الحكومة الجديدة، تساؤلا جوهريا، قلما يتم التطرق اليه، منذ غزو واحتلال البلد عام 2003، وهو: عن أي شعب يتحدثان؟ وأين هو هذا « الشعب العراقي» الذي يدّعيان الاهتمام به والعمل من أجله في مسار نزاعاتهما واقتتالهما ومفاوضاتهما على أرضه، بعيدا عن أراضيهما، حفاظا على مصالح أمنهما القومي؟ هل هو شعب افتراضي من « مكونات» استحدثت ونُشرت على ارض البلد، كالعشب الضار، آملين ان تكون، بمرور الوقت، الشعب المُراد تفتيته بين ديمقراطية الشيطان الأكبر وولاية فقيه الشيطان الأصغر؟

ماذا عن الشعب الآخر الذي قاطع الانتخابات، بشكل شبه جماعي، والشعب المقيم، بملايينه، في مخيمات النازحين والمدن المهدمة، ومئات الآلاف من المعتقلين والمسجونين والمختفين؟

إنهم «الشعب العراقي» الذي خرج مطالبا باستعادة وطنه وسيادته وهويته الوطنية ورحيل المحتلين الأمريكي والإيراني

ماذا عن الشعب الذي تكاد الاحتجاجات والاعتصامات أن تكون، لاستمراريتها، مطبوعة على جيناته ضد قوات الاحتلال الانكلو أمريكي أولا ثم ضد حكوماته بالنيابة والميليشيات المدعومة إيرانيا ثانيا، وضد كليهما وكل ما يمثلانه في انتفاضته الأخيرة منذ تشرين / أكتوبر 2019؟ الانتفاضة التي أجبرت عادل عبد المهدي على الاستقالة بعد أن تم تقديمه، كما هو مصطفى الكاظمي اليوم، باعتباره السياسي المعتدل، مالك الحل السحري لفض النزاع بين الشيطان الأكبر والأصغر، وخلق التوازن المطلوب بين المُحتَلين وساستهما المحليين. الانتفاضة التي لم تنجح الميليشيات، بتعاون أو تعامي القوات الحكومية في القضاء عليها، بل تأجلت، جزئيا، بعد انتشار وباء كورونا وحرص المنتفضين على سلامة عموم الشعب ليثبتوا بذلك، أنهم «الشعب العراقي»، المُهمل، المستهان به، الذي عمل المحتل على تغييبه، ومع ذلك يواصلون النضال بتكلفة الدم الغالي الذي دفعوه، بآلاف الضحايا ومئات آلاف الجرحى والمختطفين. إنهم « الشعب العراقي» الذي خرج مطالبا باستعادة وطنه وسيادته وهويته الوطنية ورحيل المحتلين الأمريكي والإيراني، وليس، كما يردد يوميا، ومع كل تغيير لأقنعة الوجوه الفاسدة، ان يكون حشية أرض يتبادل عليها المحتلون الأوضاع.

إن الصورة التي رسمها عدد من العراقيين المتعاونين مع الإدارة الامريكية في فترة ما قبل الغزو، وكان مصطفى الكاظمي واحدا منهم، عن شعب سيستقبل قوات الاحتلال بالزهور والحلوى، تمزقت مع قتل أول جندي للاحتلال، كما هي صورة الشعب الراكض للتضحية بنفسه من أجل «الأمام» ، التي فقدت وهجها العقائدي، بعد مرور 17 عاما على الاحتلال، وتأكد الشعب من أن شجرة التضليل سواء كانت مستندة على الديمقراطية أو « الدعوة» الدينية / الطائفية، بقيت هوائية بلا جذور في المجتمع العراقي، على الرغم من كل الجهود التي بذلها رؤساء الوزراء الذين سبقوا الكاظمي بدءا من أياد علاوي والجعفري ونوري المالكي وحيدر العبادي وانتهاء بعادل عبد المهدي، والذين تم تعيينهم، كلهم وفق المحاصصة الطائفية وإن بتعديلات طفيفة على السطح مثل إضافة صفة « المعتدل» أو « المستقل»، وكلهم، كما الكاظمي، كان الشرط الثاني لتعيينهم هو الحصول على رضى أمريكا وإيران معا، بحجة تحقيق ما يسمى بالتوازن السياسي داخل العراق.

طوال هذه الفترة، تعامل المحتل وساسته المحليون مع الشعب باعتباره هامشا في صفحة يكتبونها هم، الى أن رجرجت انتفاضة تشرين الأوضاع بقوة وكان بالإمكان أن تؤدي الى تغييرات حقيقية تمس جوهر العملية السياسية والفساد المستشري لولا انتشار وباء كورونا الذي وفّر للنظام فرصة تمديد البقاء. الأمر الذي يعيد الى الأذهان ذات التساؤلات التي واجهها رؤساء الوزراء السابقين وأهمها مدى معرفتهم بالشعب العراقي الحضاري، الأبي، المعتز بكرامته وحقوقه، ومدى ولائهم وتمثيلهم لهذا الشعب والوطن، بعيدا عن الرطانة الخطابية. وبالنسبة الى الكاظمي، هل سينفذ مطالب المنتفضين، ومن بينها تقديم المسؤولين عن قتل المتظاهرين الذين زاد عددهم عن 600 شخص وجرح أكثر من 24 ألف آخرين، الى القضاء، خاصة وأنها خطوة ستتطلب التحقيق معه، أيضا، بحكم كونه رئيسا للمخابرات، يفترض فيه، معرفة الفاعلين، أكثر من أي شخص آخر في حكومة تتحمل المسؤوليّة المباشرة عن الكثير من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وانتهاكات ترتقي الى جرائم ضدّ الإنسانيّة؟

ثم أليس هذا هو « نفس الطاس ونفس الحمام»، ما دامت الحكومة الجديدة، قد تم اختيار أعضائها وتعيين رئيسها من قبل نفس أشخاص النظام الفاسد وأحزابه وميليشياته؟ يشير نزول المحتجين الى الشوارع، في بغداد وعدة مدن أخرى، حال انعقاد الجلسة الاولى للحكومة الجديدة، أنهم يعرفون الأجوبة مسبقا وأن لعبة التسويف والمناورات، من ذات الوجوه، لم تعد تنطلي على أحد.

كاتبة من العراق

 

 

 

حرية الصحافة في مقياس

القمع الحضاري وغير الحضاري!

هيفاء زنكنة

 

إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد جعل واحدة من مآثره، مهاجمة الصحافيين المستقلين، بكافة أجهزة الإعلام، وبشكل شبه يومي، حتى في اليوم العالمي لحرية الصحافة (3 مايس)، فأنه انما يمارس، بذلك، تقليدا قديما لا يقتصر، كما قد نتوهم، على الحكومات العربية القمعية، بل ويحتضن الدول الغربية التي ترى نفسها مُصّدِرة للديمقراطية وحرية التعبير.

فمع الإقرار بوجود الاختلاف، بدرجات، حسب طبيعة النظام، وانتقائية سبل التعامل مع من يراد تكميم أفواههم، التي تتراوح ما بين الأساليب «الحضارية الناعمة» كالابتزاز والاغواء المادي والتهديد بجرائم فساد أو تهم أخلاقية والمنع من ممارسة المهنة، كما في الدول الغربية الى الأساليب «غير الحضارية»، كالاعتداء الجسدي والاعتقال والاختطاف والقتل، وهو ما يُطبق في بلداننا.

وإذا كان القتل الوحشي قد غّيب الصحافي السعودي المعارض جمال الخاشقجي فان عملية تغييب الصحافي الاستقصائي جوليان أسانج، تتم بشكل يماثل من يُفصد دمه بشكل بطيء، من خلال العزل الانفرادي ولَّيْ القوانين لتسليمه الى أمريكا حيث سيواجه الحكم بالسجن لمدة 75 عاما. وهي عملية تنفذها الحكومة البريطانية لصالح الإدارة الامريكية التي لا تغفر للصحافي ان يمس مصالحها أو أن يكون مستقلا بشكل حقيقي. فكان العمل على تحطيم حياة أسانج وفريق « ويكليكس» الذي كشف عن مئات الآلاف من الوثائق الأمريكية وغيرها الفاضحة لمعلومات عن جرائم بحق مواطني البلدان الديمقراطية نفسها كما البلدان المستهدفة بالغزو او الحصار او الابتزاز.

إنها المعلومات التي أريد لها أن تبقى طي النسيان لما تحويه من مساس بحرية الفرد والرأي ومساحة التآمر عليه والجرائم التي ترتكب باسمه، بذريعة «الأمن القومي».

يشكل ادعاء الحفاظ على « الأمن القومي» واحدا من أكثر الذرائع التي تستخدمها الأنظمة القمعية للسيطرة على الشعوب، وغالبا ما يكون الصحافيون من أوائل الضحايا.

ففي إيران، ثلثا أعداد المعتقلين هم من الصحافيين الذين يدفعون ثمنا مكلفا بسبب محاولتهم التحقيق في ملفات فساد مالي ترتبط بأشخاص نافذين في هيكل النظام، حسب منظمة « مراسلون بلا حدود»، في تقريرها الصادر حديثا، وتبوأت فيه إيران المرتبة 170 من أصل 180 دولة حول العالم في 2019. وتعتبر سلطات الاحتلال الصهيوني استخدام الذخيرة الحية ضد المتظاهرين وقتلهم أمرا يدعو للاحتفال وتبا لكل القوانين باستثناء قوانين الاحتلال العنصرية. من بين الشهداء، سقط في العام الماضي صحافيان، وفقد ثلاثة صحافيين على الأقل أعينهم بشكل نهائي. ولم تتوقف حملة الاعتقالات والاستجواب والاعتقال الإداري بالإضافة الى اغلاق وسائل إعلام فلسطينية بحجة التحريض على العنف.

يتعرض الصحافيون في العراق لكل أنواع المخاطر بدءا من الاعتداء الجسدي والتهديد إلى الاختطاف والقتل على أيدي الميليشيات، بينما يقف المسؤول الحكومي متفرجا أو مشاركا في جرائم الميليشيات

المفارقة الموجعة أن تتماهى سلطات دول عربية في القمع وتكميم الأفواه مع كيان الاحتلال الصهيوني والمنظمات الإرهابية المدعومة محليا وعالميا. وتمثل ممارسات الحكومات العراقية المتعاقبة منذ غزو البلد واحتلاله عام 2003، نموذجا صارخا لنظام يدّعي مسؤوليه، كما في الكيان الصهيوني، الديمقراطية واحترام حق الرأي والتعبير.

«سلامة الصحافيين في خطر أكثر من أي وقت مضى»، هو أحد عناوين تقارير دولية عدة تتناول وضع الصحافيين بالعراق. وهو وضع يشي باللامسوؤلية القانونية والإنسانية والأخلاقية لنظام فاسد يستهين بحياة مواطنيه، ويصوب رصاصه على كل صحافي مستقل يحاول الكشف عن الفساد ومرتكبي الجرائم، أو فضح حملات الاعتقال والتعذيب المنهجي أو تغطية الاحتجاجات، كما في الأشهر الأخيرة، ومنذ اندلاع انتفاضة تشرين الأول/ أكتوبر 2019. اذ يتعرض الصحافيون لكل أنواع المخاطر بدءا من الاعتداء الجسدي والتهديد إلى الاختطاف والقتل على أيدي الميليشيات، ومن يطلق عليهم تسمية « مسلحون مجهولون»، بينما يقف المسؤول الحكومي متفرجا أو مشاركا في جرائم الميليشيات.

وإذا كانت « مراسلون بلا حدود» قد وثقت اختطاف 48 إعلاميا واعدام 13 صحافيا من قبل منظمة الدولة الإسلامية « داعش»، اثناء سيطرتها على مدينة الموصل، فإنها تواصل توثيقها لخطورة ما يتعرضون له « في ظل تعنت الشخصيات السياسية والدينية التي تعتبر نفسها مقدسة وغير قابلة للانتقاد»، وأي نشر عنها يعرض الصحافيين للملاحقات بتهمة «إهانة رموز وطنية أو دينية».

ولا تدخر الحكومة، عبر هيئة تنظيم الإعلام، جهدا في منع أي بث مباشر وتعطيل خدمة الإنترنت وسحب التراخيص الإعلامية ورفع الدعاوى والغرامات. وعلى الرغم من ازدياد حالات الخطف والاغتيال وتوثيق العديد منها ووجود شهود العيان، لم يحدث وتم اعتقال أو معاقبة أي شخص واقصى ما تفعله الحكومة هو الإعلان عن تشكيل لجان تحقيق تزويقية.

تعكس آلية التعامل مع أجهزة الإعلام ذكاء الأنظمة وقدرتها على احتواء الأصوات الممثلة لشرائح معينة من الشعب، في الأوقات العادية، أو غالبية الشعب، عند الحاجة، في ظروف معينة، كالأزمات الاقتصادية والحروب والنزاعات المحلية والفترات السابقة للانتخابات. فالرئيس ترامب، مثلا، يختار التهجم على أجهزة إعلام معينة، مهما كانت حرفية إعلاميها، لأنه متأكد من استقطاب أجهزة إعلام أخرى ترتبط معه، ومع الطبقة التي تجد فيه ممثلا لها، بمصالح مشتركة.

تتبدى هذه القدرة في الجمع بين إطلاق الأكاذيب واتهام أجهزة الإعلام بالكذب، في ذات الوقت، بدرجات أقل حدة في أنظمة بلداننا، لأنها تجد في التغييب العنيف والمباشر للصحافيين والأصوات المعارضة، كالاختطاف والقتل، حلا سريعا يساعدها، أيضا، على ترويع بقية أبناء الشعب وتجذير الإرهاب الحكومي، مع الانتباه الى عامل مشترك يكاد يجمع ما بين كافة أجهزة الإعلام، في العالم، وهو قدرة الأحزاب السياسية الحاكمة أو المتنفذة على ركوب أجهزة إعلام معروضة للاستئجار أو البيع ، بكل العاملين فيها، من صحافيين وغيرهم، أو تأسيس شبكات إعلام كذراع لها، وتسييرها وفق ايديولوجيتها ومصلحتها سواء كانت سياسية او دينية او اقتصادية او كلها معا. تُبرر هذه التداخلات بانها علاقة مصالح متبادلة، وحين تؤدي، كما رأينا في تسويغ احتلال العراق، الى أضرار جسيمة بحق البلد وأهله، فأنها تُروج باعتبارها « وجهة نظر».

بعيدا عن قمع الأنظمة، أينما كانت، وجهودها في تصنيع الرضا الشعبوي المبتذل، يبقى صوت الصحافي المستقل مخيفا للطغاة والمحتلين، وتبقى القوانين الوطنية والدولية، التي توجب حماية الناس، واعتبار الاستهداف المتعمد للمدنيين، بمن فيهم الصحافيون وأجهزة الإعلام، في عداد جرائم الحرب، السلاح الأقوى لتحقيق العدالة للجميع، ومع تنامي دور صحافة المواطن التي غيّرت دور المواطن من مجرد متلق إلى فاعل لنقل المعلومة والحدث والتوثيق في عصر، نأمل أن يساهم في إزاحة كابوس السلطة وأنظمة الاستبداد عنها.

كاتبة من العراق

 

 

الحقيقة ـ الضحية الأولى

بين رويترز والنظام العراقي

هيفاء زنكنة

 

سحبت هيئة الإعلام والاتصالات العراقية ترخيص عمل وكالة الأنباء الدولية « رويترز»، لمدة ثلاثة أشهر وتغريمها 21 ألف دولار، لأنها نشرت تقريرا في الثاني من نيسان/ أبريل، نقلت فيه عن ثلاثة أطباء من المشاركين، بشكل وثيق في عملية إجراء الاختبارات لرصد الإصابات بفايروس كورونا، وعن مسؤول في وزارة الصحة، تأكديهم أن عدد حالات الإصابة المؤكدة بالفايروس في البلاد، يفوق الرقم المعلن من قبل الوزارة بآلاف، وان المصادر فضلت عدم الإفصاح عن اسمائها لأن السلطات أمرت الطواقم الطبية بعدم الحديث لوسائل الإعلام. أكدت «رويترز»، يوم 14 نيسان/ أبريل، صحة التقرير الذي، حسبما ذكرت، استندت فيه على « مصادر طبية وسياسية مؤهلة ومتعددة وإن رأي وزارة الصحة كان ممثلا فيه بصورة كاملة».

من الذي نصدقه عند قراءة تقرير عن مدى انتشار الإصابات بالفايروس، الناطق الرسمي العراقي أو وكالة الأنباء الأجنبية؟ أليس من الطبيعي أن نصدق التصريحات العراقية باعتبارها الأدرى بأحوال المواطنين؟ فلِم اذن يختار الكثيرون، التشكيك بالتصريحات الرسمية والميل نحو تصديق وكالات الأنباء الأجنبية؟

السبب الرئيسي هو تجذر الإحساس بعدم الثقة تجاه كل ما يقوم به النظام ويُصرح به، في عديد المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، وانعكس سلبا على الجانب الصحي والتعليمي. وهو إحساس قديم تنامى بشكل متسارع بعد غزو واحتلال البلد في 2003. اذ ازدادت الهوة ما بين ما هو منجز وما يُصرح به بشكل هائل. وباتت منصات التصريحات الحكومية أماكن لإطلاق الأكاذيب المفضوحة. خاصة بعد ان أصبح الساسة ينطقون بأصوات سيدهم المحتل واختلطت التصريحات « الحكومية» بتصريحات متحدثي قوات الاحتلال. فمن الناحية الإعلامية: تم تسخير صحافيين عراقيين لنشر مقالات تحمل أسماءهم إلا انها مكتوبة من قبل الجهاز الدعائي لقوات الاحتلال.

هدفت المقالات الى تشويه المقاومة وتقديمها باعتبارها «سنية ـ إرهابية» والى تعزيز موقع قوات الاحتلال كطرف إنساني محايد في «الاقتتال» بين العراقيين أنفسهم. 30 دولارا كانت مكافأة الصحافي لقاء المقالة الواحدة، بينما كانت الخسارة جسيمة لا تعوض وهي ثقة المواطن بنزاهة ومصداقية الصحافة وانعكاس عدم التصديق على ما تقدمه من معلومات حتى لو كانت حقيقية ولصالح المواطن فعلا.

من الناحيتين الأمنية والعسكرية، يعيش المواطن، غالبا، على اخبار الوكالات والصحافيين الأجانب ليعرف ماذا يحدث في بلده، بل وعلى الرغم من أكاذيب قوات الاحتلال المنهجية، كُشفت بعض الجرائم المروعة من قبل جنود للاحتلال، أصيبوا بنوبة صحو ضمير، وليس من قبل مسؤولين أو ساسة عراقيين.

ينشغل مسؤولو وزارة الصحة، بمناصبهم الموزعة ضمن المحاصصة الطائفية ـ السياسية، بتوقيع عقود مستشفيات لا تكتمل، واستيراد أدوية ومعدات وهمية

ولنأخذ الأمثلة التي خضّت العالم أخلاقيا. طقوس التعذيب والقتل في أبو غريب، عام 2004، من الذي كشفها؟ استخدام اليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض ضد المقاومة في مدينة الفلوجة في 2004، من الذي كشفه؟ مجزرة حديثة في 2005، وحرق الطفلة عبير الجنابي وعائلتها بعد اغتصابها، عام 2006، من الذي كشفهما؟ مجرم الحرب إدوارد غالاغر، ضابط الصفّ في وحدة القوات الخاصة بالبحرية الأمريكية، من الذي كشفه؟ لم يكشف هذه الجرائم، التي تشكل قمة الجبل الجليدي المطمور، ساسة أو مسؤولون عراقيون، ولم يشر أي منهم اليها الا من باب اتهام الضحايا بالإرهاب مما يعني الحكم عليهم انهم بالموت.

تستدعي هذه المراجعة التساؤل عن ماهية المقياس الأخلاقي الذي يستند اليه المتحدثون الرسميون، وكيف التحقق من صحة تصريحاتهم، والوثوق بهم، عند مقارنتها بسجل صمتهم أو تواطئهم المستدام، إزاء جرائم يدينها العالم الإنساني، منذ عام 2003 وحتى اليوم؟ آخذين بنظر الاعتبار ان ما يمر به العراق ليس تاريخا سحيقا ليس بالإمكان التحقق من صحة وقائعه تاركا الناس متأرجحين بين هذه السردية وتلك. بمعنى أنها وقائع معاشة، يعرفها المواطن كل المعرفة. وفي عصر الصورة والفيديو والتواصل الاجتماعي والتوثيق والأرشفة اليومية من الصعب جدا إخفاء حقيقة الأحداث إلا إذا أراد المرء باختياره ولمصلحته الا يرى. ولعل أكاذيب مسؤولي النظام ومتحدثيه الرسميين عن الجرائم التي ارتكبت بحق المنتفضين في ساحات التحرير منذ تشرين/ أكتوبر 2019 وحتى الأيام الأخيرة، أفضل مثال عن الذين يختارون الا يروا، وإذا رأوا فبعين واحدة. ألم يقفوا اليوم بعد الآخر مصرحين بان قتل وجرح واختطاف آلاف المنتفضين، والموثقة بالصور والفيديوهات والفضائيات، مرتكبة من قبل «طرف ثالث» او «مجهولين»؟

ما ساعد على انخفاض الثقة بصدق وأخلاقية المتحدثين الرسميين، أيضا، سياسة تكميم أفواه الصحافيين إذا ما حدث ومس أحدهم عصبا حيا في جسد أحد المسؤولين الحكوميين أو قادة الميليشيات او من يتمتعون بالعصمة الدينية. فكان التخلص من الصحافيين الأجانب، واحدا من الخطوات الاولى لمنع اطلاع العالم الخارجي على ما يجري بالعراق، ثم تم التركيز على الإعلام العراقي المستقل ليحتل البلد، على مدى سنوات، أعلى قائمة الدول الأكثر خطرا للعمل الصحافي. وحين ظهرت صحافة المواطن ومارسها ناشطون، معظمهم من الشباب، امتدت إليهم ايادي ميليشيات الاختطاف والقتل، خاصة منذ انبثاق انتفاضة تشرين التي لاتزال مستمرة، وان بشكل محدود، بناء على قرار اتخذه المنتفضون حفاظا على حياة عموم المواطنين من انتشار وباء كورونا. وهو موقف ناضج يؤكد حرصهم على حياة الجميع، كما هو موقف العاملين في الجهاز الطبي، الذين يقومون بجهود جبارة لرعاية المصابين وعموم المواطنين، ضمن حدود الإمكانيات الفقيرة وظروف الإهمال التي يعيشها الجانب الصحي بانحدار متسارع منذ الاحتلال، والتي يتحمل مسؤوليتها ساسة العقود الوهمية، الى حد باتت فيه مستشفيات واحد من بلدان العالم الغنية، متهالكة تستجدي الأدوية والأجهزة والمعدات من المحسنين، بينما ينشغل مسؤولو وزارة الصحة، بمناصبهم الموزعة ضمن المحاصصة الطائفية ـ السياسية، بتوقيع عقود مستشفيات لا تكتمل، واستيراد أدوية ومعدات وهمية، معلنة بين الحين والآخر، عن انجاز «ضخم» لصالح المواطنين، كما فعلت منذ أيام، حين تباهت بتجهيز مركز للتبرع بالدم بكراسي عدد أربعة، مما دفع احد المواطنين الى ارسال تهنئة الى الوزارة، داعيا الله عز وجل ان تتمكن الوزارة من شراء مناضد شاي لتوضع امام الكراسي.

تفاصيل الفساد المعلب بالتضليل والاكاذيب، هي التي تدفع المواطن الى الشك بما يقدمه « الناطق الرسمي» من اهل بلده، ويفضل هضم وتداول الاخبار المقدمة اليه من خارج البلد. وهو موقف قد يبدو بسيطا الا انه بترجرجه خطر جدا ما لم يكن المواطن نفسه واعيا، وقادرا على الفصل بين العمل الحقيقي الذي تؤديه الهياكل الطبية مثلا والتضليل الإعلامي لنظام فاسد خاصة وان منع وكالة مثل «رويترز» سيؤدي الى تعزيز مصداقيتها وليس العكس.

كاتبة من العراق

 

 

 

هل يفهم العالم الآن

محنة الأسير الفلسطيني؟

هيفاء زنكنة

 

إذا كان فايروس كورونا قد فاجأ حكومات وسكان الدول الغربية بغزوه لبلدانهم، وما سببه من حصد للأرواح وخسارة اقتصادية وتفكيك التقارب المجتمعي، بالإضافة الى زرع القلق والخوف وعدم الاستقرار، جراء عدم معرفة ما سيجلبه الغد، والحرمان من الحياة اليومية العادية المألوفة لديهم، فان غزوه بلداننا لم يأت كمفاجأة بل كإضافة تراكمية الى ما يعيشه أهلنا من صنوف الغزو والاحتلال الأجنبي والاستبداد المحلي، وانعكاساتها حتى على الهواء والماء والتربة. توليفة الهيمنة على حياة المواطن باتت جزءا لا يتجزأ من وجوده في معظم البلدان العربية، فجاء الفايروس ليزيد من حجم المأساة واختزال حياة الانسان فيها الى صراع لا هوادة فيه من اجل البقاء.

وإذا كان فايروس كورونا قد مس كل البلدان العربية، مسببا الموت أينما حّلَ، بأعداد متفاوتة، وحسب قدرة كل بلد على الدفاع عن نفسه، فإن فلسطين المحتلة، بأسراها وغَزَتها (غزة السجن الأكبر في العالم)، تبقى الأكثر هشاشة بين كل البلدان، وان بدا ظاهريا غير ذلك، في ظل الترويج الدعائي الصهيوني، وتهافت عدد من الحكومات العربية على طمس القضية الفلسطينية.

في فلسطين المحتلة، يتعاون فايروس كورونا مع سلطة الاحتلال العنصرية على حرمان الفلسطينيين مما يمدهم بقوة الصمود والتضحية والبقاء، بعد محاولاتها في تدميره عبر الاستيطان والتهويد والضمّ والحصار. ويتزايد تأثير الفايروس بشكل مضاعف على الأسرى الذين وصل عددهم، نهاية شهر آذار 2020، إلى ما يقارب 5000 أسير ومعتقل، من بينهم 432 معتقلاً إدارياً، و41 أسيرة، و7 نواب في المجلس التشريعي، و183 طفلاً منهم 20 تحت 16 عاما، حسب «منظمة الضمير». ولا تزال سلطات الاحتلال مستمرة في اعتقال الفلسطينيين وزجّهم في مراكز التوقيف والتحقيق والسجون، التي تفتقر للحد الأدنى من متطلبات الحياة الإنسانية. حيث اعتقلت منذ بداية انتشار الوباء ما يقارب 357 معتقلاً ومعتقلة منهم 48 طفلا و4 نساء، في ذات الوقت الذي تقوم فيه عديد الدول بأطلاق سراح السجناء تفاديا لانتشار الفايروس بينهم.

وكأن انعكاس معاناة الأسرى والأسيرات وظروفهم المعيشية والصحية القاسية، خاصة المرضى منهم، على أسرهم ليس كافيا، قامت سلطات الاحتلال، بعد تفشي الفايروس، باتخاذ اجراءاتٍ تمس الأسرى والمعتقلين بحجة مواجهة الفايروس، حيث أعلنت العمل بنظام الطوارئ، الذي يتضمن إلغاء زيارات عائلات الأسرى وزيارات المحامين.

عن هذه القيود الإضافية كتبت المحامية فدوى البرغوثي، زوجة الأسير القيادي مروان البرغوثي، الذي يقضي عامه الـ(19) في سجون الاحتلال: «بعد زيارتي التي انتظرتها ثلاث سنوات، وسُعدت باللقاء الذي ساعدني على تجميع الصورة والملامح من جديد، بدأت أُحضر نفسي للزيارة الثانية. قبلها بأيام قليلة بلغنا الصليب الاحمر بوقف كافة الزيارات للسجون، لأعود أحسب الأيام من جديد لزيارة قادمة حين تسمح لنا كورونا».

في فلسطين المحتلة، يتعاون فايروس كورونا مع سلطة الاحتلال العنصرية على حرمان الفلسطينيين مما يمدهم بقوة الصمود والتضحية والبقاء، بعد محاولاتها في تدميره عبر الاستيطان والتهويد والضمّ والحصار

وفي ندائها الموجه الى العالم الذي ترى انه ذاق، أخيرا، طعم الحجر ومعنى العزل لعدة أسابيع، بسبب الفايروس، كتبت الاسيرة المحررة أمان نافع، زوجة الأسير نائل البرغوثي، الذي أمضى في الأسر 40 عاما « الآن أصبح العالم كله يستطيع ان يتخيل كيف يعيش الأسير الفلسطيني… ولكن من المستحيل ان يتخيل كيف استطاع أن يتحمل نائل البرغوثي 40 عاما داخل السجن؟» وكان نائل قد اعتقل للمرة الأولى عام 1978، وعمره 19 عاما، وحُكم عليه بالسجن المؤبد و18 عاما. وأفرج عنه عام 2011، ضمن صفقة «وفاء الأحرار» وتزوج من المحررة أمان نافع، إلى أن أعادت سلطات الاحتلال اعتقاله مجدداً في 2014، وأعادت حُكمه السابق، إلى جانب العشرات من محرري الصفقة الذين أُعيدوا إلى أحكامهم السابقة وغالبيتهم يقضون أحكامًا بالسّجن المؤبد.

يمنحنا الأسيران مروان ونائل البرغوثي، مع كل الأسرى والأسيرات، نموذجا لنضال شعب مستمر، على الرغم من التكلفة العالية، لإنهاء أشكال هيمنة تاريخية كالاحتلال والاستعمار الاستيطاني والعنصرية والتمييز، باتت تُقدم الى الأجيال الجديدة بأسماء تمّوه مضمونها لاختراق الشعوب وتضليلها. ليبقى صوت الأسرى جامعا موحدا لقضايا تعني البلدان العربية والعالم كله. صوت يحمل ردا لمن يبرر الصمت حول فلسطين بأن كثرة المصائب وتعددها في البلدان العربية من العراق الى سوريا واليمن وليبيا، خففت من اهتمامهم ومتابعتهم الهّم الفلسطيني.

ردا على ذلك أقول، انني حين تحدثت مع الأسير نائل البرغوثي، خفية، في مكالمة سريعة، عام 2015، لم يتحدث عن وضعه الخاص داخل السجن قرابة الأربعين عاما، أو عما تعرضت له عائلته من تنكيل واعتقالات وتهديم منزلين للعائلة أو حتى فلسطين، بل كان سؤاله الأول عن العراق. كمن يسأل عن صديق طفولة طال غيابه، قال: كيف العراق؟

وإذا كان الأسيران مروان ونائل محكومين بقيود الاحتلال حول التواصل مع العالم الخارجي، فان فدوى البرغوثي وأمان نافع، كما بقية ذوي الأسرى والاسيرات، لم تتوقفا يوما عن محاولة إيصال أصوات الأسرى، كلهم، الى العالم الخارجي. تقول فدوى «إن التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني وحقوقه ونضاله هو ضرورة في سياق المعركة الكبرى ضد مختلف أشكال الاستعمار»، بينما تنشط أمان، في ظل المخاوف من الفايروس الوبائي، ضمن حملة «الحرية لكل الأسرى»، قائلة: «لا يوجد أسير صغير أو كبير، على الاحتلال أن يطلق سراح كل الأسرى، لأن حياتهم أصبحت معرضه للخطر بسبب نسبة الإصابة العالية في صفوفهم في أراضينا المحتلة وأكثر السجون موجودة في أراضي 48.

نطالب حكومتنا الضغط بهذا الاتجاه والتواصل مع العالم للضغط على حكومة الاحتلال للإفراج عنهم جميعا.

فكيف بأسير لا يأكل طعاما صحيا او لا يرى الشمس ولا الهواء ان يقاوم هذا المرض؟ كل الأسرى الفلسطينيين في خطر. أنقذوهم قبل ان يقتلوهم».

يواجه الأسير اليوم خطر السجان/ الجلاد والوباء، وتعيش كل عائلات الأسرى التي ينتظر بعضها حرية أبنائهم منذ عقود، معاناة صعبة وتجارب قاسية، كما تؤكد فدوى برغوثي أن الشعب الفلسطيني وفيّ لمناضليه وأسراه وشهدائه وتضحيات أبنائه، وأن نضاله مستمر مهما بلغت المعاناة والتضحيات حتى نيل كامل حقوقه والعيش بكرامة وحرية، وهي غاية ستكون احتمالات تحقيقها أكبر ، لو شارك العالم ، في نزع فتيل استهتار وعنجهية نظام الاحتلال العنصري ، لا حماية للفلسطينيين فقط بل حفظا للسلام العالمي، وكما قال مروان البرغوثي اثناء محاكمته «إن اليوم الأخير في عمر الاحتلال هو اليوم الأول للسلام».

كاتبة من العراق

 

 

المثقف والاحتلال:

من النازية إلى «العراق الجديد»

هيفاء زنكنة

 

لايزال هناك من يعتبر احتلال بلده وجهة نظر تستحق النقاش. ولايزال النقاش دائرا بين أوساط المثقفين، بعد مرور 17عاما على غزو العراق واحتلاله، وما سببه من خراب مباشر وغير مباشر، حول استخدام او اختيار مصطلح أو نعت ملائم يصفون به ذلك الحدث الجلل. بهذا التيه يقف المثقفون لوحدهم، منعزلين عن بقية أبناء الشعب، وحتى عن ساسة النظام الذين جلبهم الاحتلال معه وقام بتنصيبهم كحكام بالنيابة، الذين باتوا يستخدمون مفردة «الاحتلال». بل ويذهبون، أحيانا، ابعد من ذلك، متغنين، بالمقاومة، أما بعد انتفاء الحاجة إليهم أو بعد عثورهم على « رب عمل» آخر، يتكفل بحمايتهم، ويمدهم بالعقيدة اللازمة لتبرير الاحتلال وتعاونهم معه فيما يُعرف قانونيا وأخلاقيا بالجريمة الأكبر.

احتلت الكتابات عن ذكرى الغزو في عام 2003، مساحات نافست ما يُكتب عن فايروس كورونا على صفحات التواصل الاجتماعي خاصة من قبل المثقفين. يُلاحظ عند مراجعة ما كتب، وجود انقسام حقيقي بين مؤيدي الاحتلال ومناهضيه. لم تخفت حدته على الرغم من مرور 17 عاما مثقلة بالخسارة البشرية والخراب والفساد والطائفية وخطر تقسيم البلد المسلط على الرؤوس مثل السيف. يمتد الانقسام عميقا ويطفو على السطح، بمفردات ومصطلحات، حسب الانتماء الحزبي، أكثر من غيره. الا ان ما يجمع الكل، في مرحلة التخبط السياسي، وتحول البلد الى ساحة اقتتال بين احتلالين، وانهيار الساسة الأخلاقي والديني المنعكس على شرائح مستفيدة من الاتباع، هو إصرار المثقفين على كونهم يمثلون وعي الامة، وان امتلاكهم عصا «الحقيقة»، يمنحهم عصمة اللاخطأ، و القدرة على الرؤية أبعد من بقية الناس. اذ قلما نرى مثقفا يعتذر عن مواقف سياسية له أدت الى ارتكاب جرائم ضد أبناء شعبه. فهو محق دائما وهو قادر على التبرير والمحاججة، وإذا ما باتت الحقيقة واضحة وضوح الشمس بالتوثيق والشهادات الحية ووجد نفسه محاطا بآخرين يمتلكون شجاعة الاعتراف بالخطأ او الجريمة، يلتفت حينئذ ليلقي اللوم على الشعب « الجاهل والمتخلف». الأمثلة كثيرة في هذا المجال، لعل أكثرها وضوحا هو قيام مثقف بإقناع إدارة بوش بان الشعب سيستقبل قوات الاحتلال بالأزهار والحلوى، كما منح المحتل الانطباع بانه، وحفنة عملت معه، يمثلون صوت الشعب، وان الشعب سيلتذ بالاستماع الى قصف عاصمته بغداد، كما يلتذ بسماع الموسيقى.

من هنا، من شيزوفرينيا المظلومية والرغبة المرضية بالانتقام، ومن الخلط الانتقائي (الانتقائي الممنهج وليس الغبي) ما بين القضايا وأدعياء القضايا، حّشَد بعض المثقفين أنفسهم (ولايزالون) لتسويق الغزو بمصطلحات تتماشى مع حاجة السوق، مهما كانت متناقضة المعنى، مثل ان الحل الوحيد لإنقاذ البلد من النظام الدكتاتوري هو القوات الأمريكية ـ البريطانية، أو التساؤل ببراءة مصطنعة: ما هو الحل اذن، لقد حاولنا وفشلنا… ما هو الحل؟

لايزال المثقف العراقي، يُنشد « التغيير والتحرير»، عاجزا عن لفظ كلمة الاحتلال، بعد مرور 17 عاما عليه. فهل اختلف مفهوم «الاحتلال» حقا أم أن دور المثقف في مجتمع يعيش حالة حرب وحشية مع احتلالين متصارعين، هو صراع مع نفسه؟

ومع الغزو ولترسيخ الاحتلال ومؤسساته، استحدثت أجهزة الإعلام الدعائي ـ العسكري ـ السيكولوجي، المصطلحات المطلوبة للتعميم وغسل أدمغة المواطنين عن طريق التكرار المستدام، مع مراعاة الاختلاف في الجمهور المتلقي وكيفية السيطرة على طريقة تفكيره وجعله يصدق ما يقال له. فما استحدثته الإدارة الامريكية لتحشيد الرأي العام الأمريكي مختلف عما أستحدث للتأثير على الشعب العراقي. ففي أمريكا وبريطانيا، انصب التحشيد الدعائي الإعلامي على اثارة الخوف والاحساس بالتهديد من النظام العراقي الذي يمتلك « أسلحة دمار شامل» وبإمكانها افناء بريطانيا، مثلا، خلال 45 دقيقة فقط، حسب خطب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير.

وتطلبت مخاطبة الشعب العراقي مفردات تحمل مضامين مختلفة عن تلك الموجهة الى الأمريكيين. صارت اللغة محّملة برسائل أخرى معدة للاستهلاك المحلي: «التحرير» أو «التغيير» أو «الاستبدال» أو «حرب العراق». أما احتلال العاصمة التاريخية بغداد، فقد استبدل الاسم/ الرمز المرتبط بأذهان العرب والمسلمين بالعلم والثقافة والحضارة وكل ما يمثل عزة وكبرياء واعتداد الشعب، ب» سقوط بغداد». تدريجيا، لم يعد التأثر بهذه المصطلحات يقتصر على عموم الناس، بل تتسلل حتى الى عقول بعض المثقفين المناهضين للاحتلال، ليقوموا بتكرارها، بالنيابة، بلا تفكير، وبالإمكان ملاحظته في الكتابات عن ذكرى الغزو.

ان انقسام المثقفين العراقيين حول احتلال بلدهم ليس فريدا من نوعه. فالمثقفون الفرنسيون لايزالون يراجعون الوثائق والشهادات حول الاحتلال النازي لفرنسا ودور المقاومة والمتعاونين مع الاحتلال، حتى اليوم وعلى الرغم من مرور 100 سنة على الاحتلال وتقسيم البلد الى ثلاثة أجزاء وتنصيب حكومة فيشي « الفرنسية الوطنية» المتعاونة مع الاحتلال النازي ضد المقاومة.

وتمنحنا مراجعة دور المثقف الفرنسي، في جمهورية فيشي، مقاربة لفهم أفضل حول نقاط مهمة من بينها: كيفية التعامل مع مسؤولي النظام الحاكم الخاضع بدوره لسلطة احتلال أو متعاونا معها، ضد قوى الشعب المقاومة، وما هي طبيعة هذه القوى ونسبتها بالمقارنة مع نسبة « المتعاونين» مع المحتل؟ فقد كان في جمهورية فيشي مستويات تشابه متعددة وبدرجات مختلفة مع ما يجري في العراق منذ احتلاله. فكما فرضت أمريكا سياستها على الحكومات العراقية المتعاقبة وفق الاتفاقية الأمنية والاتفاقية الاستراتيجية تعاونت حكومة فيشي، برئاسة المارشال بيتان، مع الألمان في كافة المجالات وعلى رأسها الأمنية وتوفير الأيدي العاملة. وإذا كانت الطائفية قد أثبتت فائدتها للساسة العراقيين خاصة حول ظهور المهدي المنتظر لإحلال العدل، فان جمهورية فيشي وجدت في الدين المسيحي أداة لأقناع الناس بان المعاناة، كما المسيح، ستجلب العظمة للامة.

بالنسبة الى المثقفين، ارتبط البعض، بدرجات متفاوتة، بمؤسسات فيشي والمتعاونين مع المحتلين النازيين في باريس، لأسباب عديدة كالعنصرية والانتهازية والكراهية للشيوعية. كان من بينهم المعماري المشهور لو كوربوزييه، ومدير المسرح جان فيلار، والروائي لويس فرديناند سيلين.

ولعل نقطة الاختلاف الجوهرية التي تستحق الوقوف عندها في مجال المقارنة بين مواقف المثقفين الفرنسيين والعراقيين تحت الاحتلال، هي ان عديد المثقفين الفرنسيين الذين ارتبطوا بحكومة فيشي وتعاونوا مع الاحتلال النازي غّيروا مواقفهم بل وانضم عدد منهم للقتال ضمن صفوف المقاومة، على الرغم من ان عمر الاحتلال والجمهورية لم يتجاوز الأربع سنوات، بينما لايزال المثقف العراقي، يُنشد « التغيير والتحرير»، عاجزا عن لفظ كلمة الاحتلال، بعد مرور 17 عاما عليه. فهل اختلف مفهوم « الاحتلال» حقا أم ان دور المثقف في مجتمع يعيش حالة حرب وحشية مع احتلالين متصارعين، هو صراع مع نفسه؟

كاتبة من العراق

 

 

فلوجة المقاومة

لماذا يخشون ذكراها؟

هيفاء زنكنة

 

في الرابع من نيسان/ ابريل 2004، مرت ذكرى الهجوم الوحشي الذي شنه المحتل الأمريكي على مدينة الفلوجة، الواقعة على نهر الفرات، اقل من 60 كيلومترا غرب بغداد، على موقع «هاشمية الانبار»، عاصمة العباسيين الأولى في القرن الثامن، قبل بناء بغداد. أُطلق على الهجوم اسم «معركة الفلوجة الأولى ». شارك فيها خمسة آلاف جندي من المارينز والمرتزقة. استخدمت فيها قوات الاحتلال أسلحة محرّمة دوليًا ضد أبناء المدينة، والتي انتهت بفشل الهجوم وانسحاب قوات الاحتلال. كان انسحابا مؤقتا. لتشهد الفلوجة هجوما آخر، في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه، وصفه أحد قادة جيش الاحتلال الأمريكي بانه «الأكبر منذ حرب فيتنام». تم الهجوم بموافقة رئيس الوزراء أياد علاوي، الذي كان الحاكم العسكري الأمريكي بول بريمر قد عينه يوم قرر مغادرة العراق.

تم خلال الهجومين، تهديم 70 بالمئة من مدينة الفلوجة، وقتل آلاف المدنيين، الى حد عجز فيه الأحياء عن دفن القتلى، فبقيت الجثث في الشوارع عدة أيام، وتم تحويل ملعب لكرة القدم، فيما بعد، الى مقبرة، ودفن البعض، في لحظات الأسى المطلق، احباءهم في حديقة الدار. احدى هذه اللحظات سجلتها الكاتبة نسرين ملك في قصيدة « الأب الذي دفن ابنه في حديقة الدار»، مخاطبة فيها الاب بوجع ينغرز عميقا في القلب: ارفع جسد ابنك الدافئ واصرخ كما لم تصرخ من قبل واسألهم ما الذي فعله ابنك؟… اجلس يوميا بجانب القبر، ابكِ لخسارتك وخسارتنا وأسالهم ما الذي فعله ابنك؟».

وإذا كانت قيادة الاحتلال، يومها، قد أصدرت اوامرها الى الجنود، ملخصة سياستها بجملة واحدة هي « اقتلوا كل ما يتحرك»، حسب شهادة عديدين منهم فيما بعد، وكان من جرائها قتل آلاف المدنيين، فإن جريمتها الأكبر، هي حين استخدمت اليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض اللذين تم تشبيه آثارهما بما يعاني منه سكان مدينة هيروشيما اليابانية، حتى اليوم، منذ أن القى الجيش الأمريكي القنبلة الذرية عليهم. واثبتت دراسات علمية عديدة تأثير اليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض الموثق بارتفاع ملحوظ في مستويات التشوهات الخلقية عند الولادة، جنبا إلى جنب مع ارتفاع معدلات الاصابة بالسرطان وظهور أمراض وتغيرات غير عادية في نسبة الجنس عند الولادة.

لماذا لا يراد من العراقيين والعالم تذكر الفلوجة؟ حاليا، تتعاون عدة جهات، تبدو مختلفة او متنازعة ظاهريا، وهي الاحتلال الأمريكي والمتعاونون معه وساسة الولاء الإيراني وميليشياتهم، على طمس ذكرى مقاومة الفلوجة وما لحق بها من تدمير بشري وتخريب عمراني، بعيد المدى. بالنسبة الى المحتل الأمريكي، ليس من مصلحته الإشارة الى ما حدث بالفلوجة، اذ لا تزال قواته موجودة في عدة قواعد عسكرية متناثرة في ارجاء الوطن من شماله الى جنوبه «بناء على طلب الحكومة العراقية لمحاربة الإرهاب»، وكان ولا يزال من المستحيل على قوات الاحتلال الاعتراف بمقاومة المدينة ضدها لئلا تكون مثالا يحتذى، عراقيا وعربيا. فقد يحطم المثال السردية التي بناها الغزاة، على مدى عقود، حول حاجة العراقيين إليهم كمحررين، والوعود التي قُدمت إليهم من قبل عراقيين متعاونين معهم، بأنهم سيتم استقبالهم بالزهور والحلوى بالإضافة الى استقتال قوات الاحتلال في احراز نصر يمحو من ذاكرة الشعوب هزيمة القوات الامريكية في حربها ضد فيتنام. هناك، أيضا، السقوط المهين لما يُسمى « ديمقراطية « العراق الجديد حسب الوصفة الامريكية.

صمت المثقف إزاء فاجعة أو حدث يمس الشعب، مهما كان، يعكس وجوده هو وكينونته ودوره ومدى استحقاقه لحمل سمة المثقف. وانتقائية الموقف الإنساني والنضالي سيؤدي، حتما، الى كسر بوصلته الأخلاقية

أما ساسة النظام، فانهم يتعامون عن الذكرى، بقوة، لأنهم كانوا ولايزالون يستنشقون هواء وجودهم عبر المحتل الأمريكي وهم مستعدون لاتهام الشعب كله بالإرهاب إرضاء لسادتهم، كما انهم يرغبون بمحو ذكرى المقاومة التي تستحضر عار تعاونهم واستخذائهم، اذ قلما يوجد من يرغب ببقاء من يذكره بحقيقته. لذلك يفضلون الهاء الشعب بإقامة مناسبات واحتفالات وطقوس تتماشى مع مصالحهم وسياستهم وتعمل، في الوقت نفسه، على تخدير الناس. مع المتعاونين مع المحتل الأمريكي، يقف الساسة من أتباع إيران. متفقين في اتهامهم المقاومة بالإرهاب لتبرير وحشية الميليشيات، متمثلة بالحشد الشعبي، وممارساتها اللا إنسانية ضد كل من يمثل المقاومة وعلى رأسهم اهل الفلوجة، الامر الذي دفع الكثيرين منهم، في شهادات موثقة لمنظمات حقوقية دولية، الى القول بأن « الحشد الشعبي هو الوجه الآخر لداعش، انهما وجهان لعملة واحدة».

بالمقابل، في ذاكرة العالم، لدى المؤمنين بحق الشعوب في المقاومة، في الحياة والحرية والكرامة، أصبحت الفلوجة رديف الغورنيكا، كمكان ولوحة. المكان هو عاصمة الباسك التي قاومت الديكتاتور الإسباني فرانكو، وحين فشل بإخضاعها طلب من المانيا النازية قصفها، فقُصفت يوم 26 نيسان/ ابريل، عام 1937. اللوحة هي «غورنيكا» للفنان الاسباني بيكاسو الذي كتب عنها مذكرا الالمان بجريمتهم: « عندما كان الجنود الألمان يأتون إلى الاستوديو الخاص بي، بباريس، وينظرون إلى لوحاتي الأولية عن الغورنيكا، كانوا يسألون «هل فعلت ذلك؟». كنت أجيب « كلا، أنتم من فعل ذلك».

موضحا فيما بعد سبب رسمه الغورنيكا « ليس الرسم ديكورا لتزيين الشقق. انه سلاح هجوم ودفاع ضد العدو«. لذلك، ساهم فنانون عالميون وكتاب ومسرحيون ومفكرون، من فنلندا الى أمريكا اللاتينية الى البلدان الاستعمارية تاريخيا كبريطانيا وفرنسا وإيطاليا الى مركز الامبريالية أمريكا، في تسخير ادواتهم الإبداعية والفكرية لفضح ما أطلقوا عليه « جريمة أمريكا» و«أمريكا تتصرف كالنازيين»، دفاعا عن “الفلوجة غورنيكا الجديدة» و«الفلوجة غورنيكا القرن الواحد والعشرين». آلاف القصائد كتبت (هناك موقع الكتروني متخصص بذلك) واللوحات رُسمت تستنكر وتصرخ وتحتج. متظاهرون في بلدان الاحتلال يعتصمون وينامون في الشوارع احتجاجا.

في العراق، بعيدا عن المحتل والساسة الفاسدين والمليشيات الاجرامية، تمر ذكرى غورنيكا القرن الواحد والعشرين، في العراق، بين المثقفين والإعلاميين، باستثناء قلة، بصمت مخيف. وهم جلوس يرثون أنفسهم، يكتبون حكايات ماضيهم البطولي، أو يتصفحون سيرة «الأئمة الصالحين»، لئلا يروا ما يمر أمامهم. لئلا يروا مسيرة أجنة محكوم عليها بالإعدام قبل ولادتها، وأطفال محكوم عليهم بالتشوه مدى الحياة، وأمهات شابات حُكم عليهن بارتداء السواد مدى الحياة. ان صمت المثقف إزاء فاجعة أو حدث يمس الشعب، مهما كان، يعكس وجوده هو وكينونته ودوره ومدى استحقاقه لحمل سمة المثقف. وانتقائية الموقف الإنساني والنضالي سيؤدي، حتما، الى كسر بوصلته الأخلاقية. فلا غرابة ان يكون صمت المثقف، إزاء جرائم الاحتلال، مخيفا أكثر من نازية المحتل.

كاتبة من العراق

 

 

لمكافحة الفايروس… حجر

حسابات الفاسدين في العراق!

هيفاء زنكنة

 

إذا ما توقف العالم، الآن، عن متابعة أخبار فايروس الكورونا وانتشاره وجداول أعداد المصابين به واحتمالات الإصابة به، أينما يكون المرء على وجه الأرض، ما الذي سيراه؟ ما الذي سيراه العراقيون، مثلا، بعد ان بشّر أدعياء الدين المواطنين بالحصول على مكان في الجنة، بجانب الأئمة الصالحين، حين يواصلون زيارة مراقد الأئمة وأداء الطقوس الجماعية، بل وأشاعوا بين الناس ان زيارة الامام الكاظم هي الأفضل للمرضى المصابين بفايروس كورونا لأن زيارة الامام، هي في الحقيقة، لم تعد مجرد زيارة دينية بل باتت تُسمى « زيارة الطبيب»؟

أذا ما توقف العالم عن النظر في مرآة الكورونا، المضببة بالخوف والترويع، ورؤية نفسه فقط، سيرى ان هناك عالما آخر لاتزال أحداثه المأساوية، سارية المفعول، كما هي قبل مجيء الفايروس، وستصبح أسوأ بكثير أثناء انتشاره، والاحتمال كبير بانها ستستمر، بعد التخلص منه.

ففي فلسطين، لا تزال الحياة كما كانت، سجينة الاحتلال العنصري، وتعاني غزة من انقطاع التيار الكهربائي، ومياه الشرب غير الآمنة، ولا يوجد فيها سوى 60 سريراً للعناية المركزة في الإقليم، 70 بالمائة منها قيد الاستخدام.

في سوريا التي بات من الصعب تبين ملامحها، ينتشر الخراب و11 مليون نازح ومهجر، وفي اليمن، نزح ما يقرب من 3.6 مليون شخص، يعيش أغلبهم في مخيمات مؤقتة، وفي ليبيا، يعيش 900 ألف ليبي في الملاجئ والمراكز المؤقتة وهم بحاجة إلى المساعدة الإنسانية.

في العراق، أيضا، الزمن متوقف، بالنسبة الى عموم الشعب بمنتفضيه المستمرين بمطالبتهم بالوطن، وسُذَجِه المتباكين على الماضي السحيق، ولكن بشكل خاص بالنسبة الى النازحين والمُهَجّرين والمعتقلين. انهم المَنسّيون المهددون أكثر من غيرهم قبل انتشار الكورونا وأثنائها.

حيث سُجلت أول حالة إصابة بالفيروس في مخيم للنازحين بدهوك، في كردستان، وتتزايد المخاوف بصدد النازحين المعرضة حياتهم للخطر أصلاً بسبب نقص الغذاء والمياه النظيفة ومتطلبات السلامة الصحية والتعرض للطقس البارد، وإصابة الأطفال والنساء بأمراض جلدية ومزمنة.

فبعد مرور عامين على اعلان النظام الانتصار على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لايزال مليون ونصف مواطن، في مدينة الموصل، الواقعة شمال العراق، لوحدها، غير قادرين على العودة الى بيوتهم، وذلك لعدم قيام الحكومة بإعادة الاعمار وتهيئة المساكن التي هُدمت اثناء الاقتتال مع قوات داعش والقصف الجوي من قبل قوات التحالف بقيادة أمريكا، وغالبًا ما يكون استئجار أو شراء ممتلكات جديدة باهظ الثمن، بالإضافة الى انعدام فرص العمل، والخوف من الانتقام بسبب الاتهام بالإرهاب. هذه الأسباب دفعت سكان المنازل المدمرة وعددها 138000، الى البقاء في مخيمات نينوى الخمسة.

بإمكان المجتمع الدولي أن يفرض الحجر الاقتصادي على الحسابات المالية واستثمارات ساسة الأنظمة الفاسدة ، كالعراق، الموجودة خارج البلد، وتوفيرها لمجالس طبية تمثل شعوب العالم، تستخدمها لشراء الأجهزة الطبية الضرورية لشفاء المواطنين المصابين المعرضين للموت، في ظل ادعاء الساسة الفاسدين عدم توفر الإمكانات المادية

وإذا كان النظام يتحجج، حاليا، بانشغاله بحماية المواطنين من الفايروس، فانه لم يفعل الكثير لمساعدة وحماية المواطنين قبله، بل اتبع سياسة جعلتهم يفضلون العودة الى المخيمات بعد اجلائهم قسريا منها، وفق «القرار 16» الذي لم ينشر ولم يمرر عبر البرلمان. وحدث واطلعت عليه منظمة « هيومان رايتس ووتش» الحقوقية.

شملت « إعادة التهجير»، ما يزيد على 37 ألف شخص خلال ستة أشهر في العام الماضي، معظمهم من النساء والأطفال، مما يعني أنهم حاولوا العودة إلى مناطقهم لكنهم غادروها، مرة أخرى، لأنهم وجدوا أن الحياة هناك غير ممكنة اطلاقا، على الرغم من ان حياة المخيمات نفسها تفتقر الى الخدمات الأساسية وتزيد من التعرض للمخاطر الأمنية، وتفاقم الوصمة الاجتماعية وتبادل الاتهامات زورا بدعم أو الانضمام إلى داعش لتسوية الحسابات أو الانتقام من الأعداء والمنافسين الشخصيين.

وتعاني النساء، بشكل خاص، من مشاكل التحرش الجنسي وعدم الحصول على الأوراق والوثائق الرسمية للأطفال، حسب المجلس النرويجي للاجئين، الذي وثّق وجود حوالي 45000 طفل في المخيمات، في جميع أنحاء العراق، بلا شهادات ميلاد أو وثائق مدنية أخرى، مما يعرضهم لخطر أن يُحكم عليهم بالسجن مدى الحياة على هامش المجتمع، اذ لا يمكنهم الزواج أو العمل مستقبلا، وقد يحصلون على علاج طبي بسيط، ولكن ليس اجراء عملية جراحية.

أما بالنسبة الى السجناء والمعتقلين، فقد أطلق « مركز جنيف الدولي للعدالة» نداء الى المجتمع الدولي للعمل من أجل حماية المعتقلين، والإفراج عن السجناء الذين يستند سجنهم على اعتباراتٍ سياسية أو طائفية. اذ أدت الاعتقالات التعسفية، والتطبيق التمييزي لقانون العقوبات، دون محاكمة عادلة، إلى اكتظاظ السجون والظروف اللاإنسانية، وعدم وجود رعاية طبية، مما يوّفر البيئة المثالية التي يزدهر فيها الفايروس ويُسهل انتشاره بين السجناء من ناحية، وبين السجناء والحرّاس من جهة أخرى. وأوضح المركز انّه يتلقى بانتظام أدلّة تُظهر أن العديد من السجناء يموتون بسبب هذه الظروف.

وأوضح انّه من آلاف حالات الاختطاف التي راجعها المركز، فانّ اختطاف معظم الضحايا يجري أثناء طريقهم إلى العمل، أو المدرسة، أو إلى مراكز التسوّق. وتشترك الشرطة أو قوات الأمن، مع الميليشيات بتلك الاعتقالات. وقد حذر المركز من نفاد الوقت ووجوب حماية سكّان العراق، مناشدا الأمم المتحدة والمجتمع الدولي عموماً للضغط على الحكومة العراقية من أجل إطلاق سراح السجناء السياسيين والمعتقلين لأسباب طائفية، وأولئك المحكومين احكاماً خفيفة.

ان مسؤولية حماية حياة المواطنين، جميعا بلا استثناء، تقع على عاتق الحكومة، مهما كانت الظروف. وتمتد المسؤولية في حالات معينة كالتي يعيشها العالم، حاليا، الى كل الحكومات والأنظمة.

بإمكان المجتمع الدولي، على الرغم من مواقفه المسيئة أو عدم جدواه بالنسبة الى شعوبنا، أن يتخذ مسارا آخر جراء عمله على حماية مواطنيه عبر حماية لمواطني دول أخرى، عن طريق تبادل المعطيات والتجارب وآخر المستجدات العلمية بالإضافة الى ارسال الأطباء والمواد والأجهزة الضرورية لأنقاذ الحياة الى البلدان التي تعاني من الشحة.

بإمكان المجتمع الدولي أن يفرض الحجر الاقتصادي على الحسابات المالية واستثمارات ساسة الأنظمة الفاسدة ، كالعراق، الموجودة خارج البلد، وتوفيرها لمجالس طبية تمثل شعوب العالم، تستخدمها لشراء الأجهزة الطبية الضرورية لشفاء المواطنين المصابين المعرضين للموت، في ظل ادعاء الساسة الفاسدين عدم توفر الإمكانات المادية.

كاتبة من العراق

 

 

إعادة انتشار الانتفاضة

العراقية وأشكال المقاومة الجديدة

هيفاء زنكنة

 

ونحن نشاهد غزو فيروس كورونا متناهي الصغر وسرعة انتشاره في أرجاء الكرة الأرضية، وهشاشة مقاومة الدول العظمى أمام اجتياحه المتسارع، ومع ازدياد أعراض الخوف، في بلداننا، من عدم إمكانية احتوائه، وفرض أيام العزلة الاجبارية وما تلاه من حجر على مستوى وطني، يجد العالم نفسه محاصراً إزاء أسئلة يصب بعضها في محيط الشائعات والتضخيم، بينما يمس البعض الآخر أمورا أعمق بكثير، لم يجد المرء نفسه مجبرا على مواجهتها أو حتى التفكير بها، سابقا، ما لم يكن معنيا بجوهر الحياة والإنسان أو مضطرا لمواجهة وباء عالمي.

تثير جائحة كورونا تساؤلات كثيرة لدى الجميع في أرجاء العالم، لعل أهمها خاصة في بلداننا، عن علاقة الدين بالعلم، حيث ينمو الفرد وهو يحمل في وعيه الداخلي، أي اللاوعي، مهما ادعى غير ذلك، درجات من القدرية والإيمان بتوليفة المعتقدات الدينية غير القابلة للنقاش، المعجونة، غالبا، بالأساطير والخرافات، حتى لم يعد، لفرط تداخلها، بالإمكان التمييز بينها. ولهذا الوعي اللاواعي للأفراد انعكاسات على مستوى الوعي الثقافي المجتمعي، والسلوك العام، والاحساس بالمسؤولية الاجتماعية، عموما، في ظل ضعف المستوى العلمي والاعتماد على الخارج في مجالات البحوث والتكنولوجيا. وتمتد التساؤلات لتشمل دور الفرد المتضائل أكثر فأكثر في مواقع اتخاذ القرار والمستوى العقلي للمسؤولين الحكوميين، وقدرتهم على خدمة عموم الشعب وليس الاتباع فقط، بالإضافة إلى مدى إمكانية غير الفاسدين القيام بمبادرات فردية ومجتمعية في جو يسوده القمع السلطوي والذعر من انتشار الوباء في آن واحد.

يشكل الوضع العراقي الحالي، باستمراريته منذ غزوه عام 2003، وبعد مرور 17 عاما على تسويقه كنموذج شرق أوسطي للديمقراطية الانجلو أمريكية، نموذجا مذهلا في تخبط نظامه الفاسد وسياسته الطائفية التي جعلت المواطن، مثل محكوم بزنزانة، فيها كوة واحدة، تطل على جدار عال، وينام ويصحو على وقع خطاب يخبره بأن الزنزانة والجدار هما لحمايته من « الآخر»، أي ابن بلده وأهله. انعكاسات هذه العزلة العقلية نراها بوضوح مخيف والبلد بمواجهة عدو حقيقي يستهدف كل الشعب.

ففي خضم التخويف وإشاعة الترويع من المواطن «الآخر»، رعى النظام نمو شرائح مجتمعية، استفاد من سذاجتها حينا وحاجتها إليه وضمان امتيازاتها حينا آخر، في علاقة تجذرت لتبرز على السطح بشكل طقوس وبُدع، تستمر على مدى العام، مسّوغة أعلى درجات النهب والفساد وانعدام الخدمات الأساسية وأهمها التعليم والصحة. طقوس تشغل الناس وتلتهم الأيام والسنين، ومعها القدرة على التفكير السليم، فازداد عدد الأتباع المنصاعين لأوامر أو توجيهات أو إرشادات، وفي الآونة الأخيرة، تغريدات رجال (كلهم بالمناسبة رجال) يرتدون زيا موحدا، ويتحدثون بلغة موحدة، هدفها الأول والأخير أن تضع حدا لأي تقدم وتطور فكري وعلمي، قد يهدد وجودهم والنظام المرتكز عليهم.

ما يقوم به المنتفضون من حملات توعية هو مسألة حياة أو موت بالنسبة لهم ولبقية أبناء الشعب، وفي تبنيهم مستوى آخر من مستويات النضال إنما يحافظون على سلامة بلدهم وأخذه إلى بر الأمان

وإذا كان هدف المُحتل هو الهيمنة على الشعوب المُستعمَرة عسكريا فإنه لن يكون قادرا على تحقيق هدفه بدون تعاون الحكومات المحلية الفاسدة، وأدعياء الدين المتعاونين معها على تخدير عقول العامة والتمثيل الذاتي لتخدير عقولهم هم أنفسهم، أيضا، كما يؤكد مسؤول ميليشيا بدر والحشد الشعبي، هادي العامري: «نحن مع رأي الإمام، الإمام إذا يقول حرب حرب، وإذا يقول صلح صلح»، وهو يتحدث عن إمامه هو وليس إمام الشعب كله.

من المؤكد قدرة المحتل على مسخ شريحة من الشعب، لفترة قصيرة، إلا أن من المستحيل تحقيقه النجاح في مسخ الشعب كله لفترة طويلة، فالشعب غني بتنوعه ووشائجه العميقة. إذ لابد وأن تواجه قوات الاحتلال، مهما كان مصدرها وتبريرها، المقاومة. وهذا ما أكدته المقاومة العراقية ضد الاحتلال أولا ومن ثم التظاهرات والاعتصامات المستمرة على مدى سنوات الاحتلال ثانيا والتي بلغت ذروتها في صحوة الشباب التي وصلت إلى أوجها في انتفاضة تشرين / أكتوبر 2019.

«علينا مواجهة فيروس كورونا وفيروس النظام الفاسد معا». هذه هي رسالة المنتفضين بعد مرور ستة أشهر على بدء الانتفاضة، وهم يعيشون يوميات نضال استثنائي يجعلهم متميزين بانتفاضتهم عن بقية العالم، ومتوحدين معه في خوفهم على شعبهم من انتشار الوباء. ينبع تميزهم من إصرارهم وصمودهم أمام أساليب القمع الوحشية التي أودت بحوالي 700 شهيد و25 ألف جريح، وإعاقة 3000 شخص فضلاً عن 54 محاولة اغتيال قتل فيها 26 شخصاً وأصيب 16 آخرون. هذه التكلفة البشرية الفادحة تدفع الكثيرين إلى المقارنة بما سببه فيروس كورونا في بلدان أخرى، حتى الآن، وما يثيره من ضجة مقابل الصمت العالمي المحيط بالانتفاضة وانعكاساتها الإنسانية. فكم من بلد دفع هذه التكلفة ثمنا للاحتجاج على نظام طائفي فاسد متعاون مع الاحتلال، خلال فترة وجيزة نسبيا؟

أما توحد المنتفضين مع بقية العالم لمكافحة الفيروس، فقد تبدى باتخاذهم قرارا واعيا بالانسحاب من ساحات التحرير، إلى حين، حرصا على حياة الجميع مع إبقاء عدد من الخيم، يواصل عدد من المنتفضين البقاء فيها، بمعدل أربعة لكل خيمة، للتذكير بمبادئ الانتفاضة وإبقاء جذوتها مشتعلة وفاء للوطن وللشهداء.

كما اختار المنتفضون مستوى آخر للعمل، تم تبنيه لمقاومة أو، على الأقل، تقليل عدد الإصابات بالفيروس، من خلال التوعية بمخاطره وحث أبناء الشعب على تطبيق الشروط الصحية، وأهمها الالتزام بحظر التجوال وتجنب الأماكن المزدحمة، خاصة فيما يتعلق بأداء الصلاة الجماعية وزيارة المراقد الدينية، وممارسة طقوس الزيارة من التشبث بشبابيك الأضرحة وتقبيلها، أي كل ما يعمل على نشر الفيروس بأسرع طريقة ممكنة، خاصة وأن عددا من أدعياء الدين لايزالون يروجون أن فيروس كورونا لن يمس الزوار المخلصين المواظبين على أداء الطقوس، لأن زيارة الأئمة والقيام بطقوسها سيحميهم.

ما يقوم به المنتفضون الآن من حملات توعية هو مسألة حياة أو موت بالنسبة إليهم وإلى بقية أبناء الشعب، وفي تبنيهم مستوى آخر من مستويات النضال إنما يحافظون على سلامة بلدهم وأخذه إلى بر الأمان. إنها خطوة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في الوضع الكارثي الناتج عن غياب الحكومة، وعدم توفر الخدمات الصحية العادية ناهيك عن إمكانية مقاومة الوباء، وخشية كل الساسة والسلطات الأمنية، إصدار أمر وتطبيقه بالقوة لو اقتضى الأمر، بمنع الحشود من زيارات المراقد وإقامة الطقوس الجماعية، لئلا يتم اتهامهم بموالاة «الآخر» أو تلويث «المعتقد» الذي جعلوه، مع فسادهم وزيفهم واستغلالهم، المغذي الذي يبقيهم على قيد الحياة.

كاتبة من العراق

 

أمريكا أم إيران… من الذي

يعلم العراقيين ركوب الدراجة؟

هيفاء زنكنة

 

تمر هذه الأيام ذكرى الغزو والاحتلال الأنكلو أمريكي للعراق عام 2003. يأتي مرورها، على الرغم مما سببته من كوارث، بشكل يكاد يكون تسللا في ظل انتشار وباء فايروس كورونا. قد يكون التسلل او حتى النسيان ممكنا بالنسبة الى العالم، الا أنه يوم حُفر بأزميل من دماء الضحايا وخراب البلد في ذاكرة العراقيين على مدى 17 عاما. اذ لم يمر يوم دون ان يعيش المواطن انعكاساته الهائلة على حياته وعلى بلده وعلى المنطقة كلها.

حصدت سنوات الاحتلال من الأرواح ما يعادل او ينافس الجزائر، بلد المليون شهيد، الذي تربينا على اعتباره مثلنا الأعلى في النضال والتضحية، كما يكاد يقترب من ضحايا المحتل الصهيوني بشهدائه ولاجئيه واستمرارية محاولات اخضاعه لكل ضروب الإبادة الجماعية. هذا من الناحية البشرية، وإذا ما راجعنا قائمة الخسائر المادية وخراب البنية التحتية، لوجدنا البلد الذي يزيد عدد شبابه على نصف السكان، ينوء بأثقال تحد من طموحاته واحلام مستقبله، تاركة إياه مثل عجوز يجد صعوبة قصوى في التنفس والحركة والتفكير.

وإذا كانت سنوات الاحتلال قد شابها زيادة وتقليل عدد القوات الأمريكية أو قوات التحالف بقيادة أمريكا، على أرض البلد وسمائها، تحت مسميات متنوعة تراوح ما بين التدريب والاستشارة ومحاربة الإرهاب (المتمردين السنة، القاعدة، داعش) أو قوات التحالف كجزء من قوات حلف الناتو، فان ما أسست له سنوات الاحتلال، من طائفية وفساد ونهب للثروات، أعمق من مجرد تواجد القوات العسكرية أو عدم تواجدها. حيث اعتمدت لديمومة هيمنتها (المباشرة والناعمة) على نظام المحاصصة السياسية/ الطائفية الذي ما كان لقوات الاحتلال أن تبقى في العراق الى يومنا هذا لولا اعتمادها عليه، متمثلا بأولئك الذين تحالفت معهم من العراقيين، المستعدين لبيع ولائهم للشيطان، وأقرب ما يكونون الى المرتزقة في تأجير خدماتهم، بعيدا عن الوطن والوطنية، ما دام سيساعدهم على التخلص من عدوهم، ولأن للرغبة بالانتقام مذاق يماثل مذاق الدم للحيوانات الشرسة، الا أنه غير مستساغ من قبل عموم البشر، تم تغليف تحالفاتهم بالديمقراطية وحقوق الانسان.

وفرت سياسة المحتل الأمريكي المنهجية في القضاء على الدولة العراقية ومقوماتها الأرضية لتأسيس الأحزاب ذات الولاء الخارجي وللنمو السريع، كما الأعشاب الضارة، للميليشيات ذات الولاء الإيراني والمدعومة بأموال النفط العراقي، بينما يعيش شباب البلد وخريجوه في مستنقع الفقر المدقع والتهجير وغياب الخدمات الأساسية، من الماء الصالح للشرب الى الصحة والسكن، التي تتمتع بها بلدان أقل ثراء من العراق بكثير، بشرط وجود حكومة وطنية تمثل الشعب.

وفرت سياسة المحتل الأمريكي المنهجية في القضاء على الدولة العراقية ومقوماتها الأرضية لتأسيس الأحزاب ذات الولاء الخارجي وللنمو السريع، كما الأعشاب الضارة، للميليشيات ذات الولاء الإيراني والمدعومة بأموال النفط العراقي، بينما يعيش شباب البلد وخريجوه في مستنقع الفقر المدقع والتهجير وغياب الخدمات الأساسية

على مدى 17 عاما، عمل تحالف الشيطان الأكبر والاصغر غير المعلن، بكل الطرق المختلفة، على اقناع الشعب العراقي أنه عدو نفسه، وأنه يحمل بداخله خطيئة العنف الأزلية، وان الحل الوحيد لإنقاذه هو اما قبول مشروع المخلص الحضاري (أمريكا) او مشروع آية الله (إيران). صراع ومفاوضات أصحاب هذين المشروعين العلني داخل العراق حينا والسري حينا آخر، حسب مقتضيات مصلحتيهما منفردة او مزدوجة، يقودان العراق الى سيرورة هلاك لا مفر منه. وما عملية اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني، في العراق، ومن ثم تبادل حملات القصف الجوي والصواريخ بين أمريكا وإيران، في العراق أيضا، بالإضافة الى زيادة عدد قوات الاحتلال الأمريكي، فضلا عن تمتع الميليشيات الموالية لإيران بحرية الحركة والفعل، غير استهانة بكرامة وحياة الشعب العراقي. سيرورة تحقيق أي نجاح من قبل المُحتَلَين يعتمد على مدى نجاح أي منهما بغسل أدمغة الناس، مسح الذاكرة وغرز البدائل. وهي سياسة قديمة قدم الاستعمار، أثبت التاريخ انها قد تنجح لفترة قصيرة، الا من الصعب او المستحيل نجاحها على المدى البعيد. والمدى البعيد هو الذي تراهن عليه الشعوب الُمحتَلة لمقاومة الُمحتَل الذي يفوقها عسكريا وماديا وبشريا.

كان التشبيه المفضل لدونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي اثناء الغزو، هو الإشارة إلى العراقيين على أنهم أطفال يتعلمون ركوب الدراجة « كانت مهمتنا هي خلع عجلات التدريب والسماح لهم بتعلم الركوب بأنفسهم. المشكلة هي أننا ظللنا نأخذ عجلات التدريب في وقت مبكر جدًا واستمرت الدراجة في التحطم». هذا المفهوم الاستعماري المتضمن ان العراقيين لن يتمكنوا من الدفاع عن المكاسب التي يحققها لهم الجيش الأمريكي، وبالتالي هم في حاجة الى الوجود العسكري الأمريكي للدفاع عنهم، لا يختلف عن الموقف الإيراني الذي يرى أن إيران، من خلال ميليشياتها وفيلق القدس وقادته، هي منقذة العراق من الإرهاب الداعشي ـ الأمريكي ـ السعودي ـ الصهيوني، ولولا آيات الله وولاية الفقيه لما قامت للعراق قائمة.

هذه النظرة الدونية الى الشعب العراقي، متشابهة في جوهرها، حتى لو كانت أمريكا هي الهر الأكبر وممارسات إيران داخل العراق هي مجرد خرمشات قط صغير، حسب ادعاء البعض.

بعد مرور 17 عاما على غزو واحتلال العراق، تتنافس أمريكا وإيران على الهيمنة عليه جوا وأرضا، عسكريا وثقافيا، جاذبة اليها أعضاء الحكومة والبرلمان، كل حسب مصلحته وولائه ودرجة فساده. خارج لعبة شد الحبل هذه وما يتمخض عنها، بين الحين والآخر، من سقوط قتلى بين الطرفين وضحايا عراقيين، يعيش الشعب، في ذكرى احتلال بلده، ولأول مرة، يوميات انتفاضة جماهيرية، بدأت في الأول من تشرين 2019 وحققت، حتى الآن، من المنجزات ما لا يمكن القضاء عليه، مهما حاولت قوى الاحتلال بشقيه الأمريكي والإيراني.

«لا أمريكا ولا إيران.. ولاؤنا للعراق»، الشعار الذي رفعه المنتفضون إثر القصف الأمريكي، منذ أيام على مواقع لحزب الله العراقي، هو معنى السيادة للوطن الذي يريده المنتفضون.

هو المكان الذي تشارك فيه المرأة الرجل على قدم المساواة في الواجبات والحقوق، حيث تتم مقاضاة القتلة والإرهابيين المسؤولين عن سقوط الشهداء، كل الشهداء، على مدى سنوات الاحتلال، بلا حصانة أو تمييز. وطن حيث تُفتح أبواب العمل للشباب، ويستعيد الناس ثروتهم المنهوبة، وحيث يعيش المواطنون المنهكون لكثرة ما مروا به من فواجع، على مدى عقود، أياما يتمتعون فيها بحقهم: الكرامة والحرية والعدالة التي يستحقونها.

كاتبة من العراق

 

 

فلنحتفل… كل عام

وأنتِ والوطن بخير

هيفاء زنكنة

 

للمرة الأولى منذ غزو العراق واحتلاله عام 2003، تحتفل المرأة العراقية، ابنة اليوم، بعيد المرأة، بشكل أعادت فيه الى الأذهان ذكرى الاحتفالات التي كانت تعيشها أمها سابقا. عادت المرأة، أخيرا، للمشاركة في صنع الحياة، بعد غياب أريد له أن يدوم.

«نازلة آخذ حقي» و«أريد وطن»، شعاران رفعتهما مع شقيقها الرجل، وهي تناضل لاستعادة الفضاء العام، حقها الطبيعي في ساحات وشوارع بلادها التي ساهمت أمها وجدتها في بنائها وتنميتها على مدى سنوات الدولة الحديثة منذ عشرينيات القرن الماضي. وكما هو وضعها الحالي، منذ انتفاضة تشرين 2019، لتحرير وطنها من الاحتلال الأمريكي ـ الإيراني سواء تحت غطاء الديمقراطية أو الدين، لم تكن وحيدة. فوجودها وحضورها وقدرتها على البناء يتحدد، حاليا، كما في الماضي، بنضالها وتنمية قدراتها الذاتية سوية مع الرجل. ألم يكن الشاعر جميل صدقي الزهاوي من أوائل المنبهين الى حالها في مقالته «المرأة والدفاع عنها» المنشورة في آب/ أغسطس 1910، وفي شعره الذي هاجم فيه التخلف المجتمعي المسوغ باسم الدين، داعيا إياها الى الكفاح لتأخذ حقها في الحرية؟ والا تعبأ بالغربان الذين يواصلون النعيق، قائلا: «وذري من الدين القشور/ جميعها وخذي اللبابا. عزوا الحجاب الى الكتاب/ فليتهم قرأوا الكتابا».

فلا عجب أن تخرج ابنة العراق، بعد أكثر من مائة عام، من نداء التحرر من «بيت أُريد / بضيقه ليكون لحدا»، لتواصل ثورتها على ساسة، تجمعهم توليفة طالما عاشتها الشعوب المُستعمَرة، ما بين خدمة المحتل والفساد وارتداء الدين زورا استزادة بالتجهيل، لمنعها من المشاركة، مع شقيقها الرجل، بانتفاضة تطالب بالاستقلال والحرية والكرامة، خرجت متحدية كل من يرميها بالتهم الجاهزة المهترئة، كما فعل «السيد» أخيرا، حين رأى في نشاطها العام: «التحرّر والتعرّي والاختلاط والثمالة والفسق والفجور، بل والكفر والتعدّي على الذات الإلهيّة وإسقاط الأسس الشرعيّة والأديان السماويّة والتعدّي على الأنبياء والمرسلين والمعصومين». كل هذا بعد أن درست الفتاة وتخرجت وتفوقت في عصر تُسيره قدرة الجميع على العمل المشترك، بلا تمييز، من أجل التطور وبناء المستقبل بكل المستويات العلمية والتكنولوجية والثقافية.

خرجت الفتيات، وهن يرتدين العلم العراقي الجامع، ليحتفلن بوحدة الوطن، ضد الطائفية والنهب وخدعة «ديمقراطية» السياسة المبنية على تزوير الانتخابات وسرقة الأصوات. ضد أن تكون المرأة مجرد مقعد يجلس عليه الآخرون في البرلمان، وأن تستباح كرامتها كلما توجهت الى مؤسسة حكومية، وأن تعتقل وتعذب وتتهم بالدعارة وتهدد بالاغتصاب ما إن ترفع صوتها محتجة. ضد أن يكون الحل الرسمي لمليون أرملة بحاجة الى المساعدة هو إعطاء الرجل منحة لاتخاذ زوجة ثانية بدلا من تمكين المرأة وتوفير الرعاية الاجتماعية وفرصة العمل في واحد من دول العالم الغنية.

للمرة الأولى منذ غزو العراق واحتلاله عام 2003، تحتفل المرأة العراقية، ابنة اليوم، بعيد المرأة، بشكل أعادت فيه الى الأذهان ذكرى الاحتفالات التي كانت تعيشها أمها سابقا. عادت المرأة، أخيرا، للمشاركة في صنع الحياة، بعد غياب أريد له أن يدوم

فلنحتفل مع كل النساء في جميع أرجاء العالم، تقول المرأة في البلاد العربية. لنشارك العالم يوما من فرح نحن بأمس الحاجة اليه. ليس تغريبا أو تخليا عن الدين والموروث الاجتماعي بل رغبة في أن تكون المرأة، في البلدان العربية، بذات المستوى الحضاري للمرأة، أينما كانت، ما دامت تؤمن بالعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية. فنساء البلدان العربية، من فلسطين الى اليمن والعراق وسوريا مرورا بتونس ولبنان، الى آخر القائمة، بحاجة، في خضم نضالها وصراعها سواء من أجل البقاء أو من أجل الحصول على ما هو أكثر من الأساسيات، أن تتاح لها فرصة تجر فيها أنفاسها وتشحن طاقتها المستنفدة في المعاش اليومي، في الصراع مع الماضوية، في الحروب المفروضة، في النضال ضد الاحتلال بأنواعه، وأحيانا من أجل ألا تخسر ما حققته الأمهات والجدات عبر أجيال. فهي تستحق أن تُكَرَم ويحتفى بها هي التي تواصل العيش والكفاح في منطقة تتحكم بها 40 بالمئة من الحروب والنزاعات الدائرة في العالم اليوم.

فلنحتفل بصمود المرأة الفلسطينية التي تمدنا جميعا، أينما كنا، بالأمل. إنها المرأة العربية/ امرأة كل النضال مجتمعة. تحمل في وجودها ومقاومتها، في جمال أسيراتها، في بقائها في وطنها، في عروقها، عنفوان الحياة. معها، لا حاجة لنا، بذكر الانتماء والهوية والعنوان. فهي الأصل، هي مانحة الحياة.

فلنحتفل، تقول الأسيرة كما المعتقلة السياسية، تحديا للاحتلال أو السلطات المحلية القمعية أو كليهما معا. الاثنان يريدان كتم صوتها وطمر رأيها، مهمشا أو منكرا وجودها، محولا إياها الى آلة خرساء تستجيب لما يراد منها بلا صوت، بلا حضور.

«أليس اليوم عيدا؟»، تتساءل المناضلة التونسية عواطف المزغني، وهي في السجن، الذي جعله نظام بن علي محل إقامة لمن يعارض نظامه الاستبدادي. تخبرنا في نصها المنشور في «دفاتر الملح.. كتابات تونسيات عن تجربة السجن السياسي»، كيف أنها قررت، بعد أن مسحت دموعها بظهر كفها، مستعيدة صوتها وعنادها، أن تحتفل وبقية السجينات بالعيد الكبير. قررت ذلك لئلا يرحل العيد الكبير دون أن تشارك فيه، تاركا إياها والبقية ضحايا للألم. أرادت ان يتمتعن ولو لساعات بمشاركة أولادهن وعوائلهن فرحة العيد بتكبيراته وفرحة أطفاله. فكان لهن ما أردن، دقائق وانفجرت ردهة السجن بالعيد.

فليكن الاحتفال تذكير بملايين النساء اللواتي أجبرن على مغادرة بيوتهن، جراء غزو أو قصف أو همجية ميليشيات. في سوريا واليمن والعراق ومن قبلهن فلسطين. هُجرن قسرا وهن لا يعرفن ما الذي ستجلبه الأيام المقبلة لهن ولعوائلهن، ليصبحن بين ليلة وضحاها نازحات في بلدان، توفر لهن الخيام حينا وتتاجر بحياتهن حينا آخر. هربا من الخطر في اوطانهن يواجهن الخطر في أماكن لا تقل قسوة عن الأوطان. بلا حقوق، تُنفى جسدا فتكافح يوميا لتحافظ على انسانيتها.

«كل عام وأنت والوطن بخير»، هذا ما تلقيته من مناضلة فلسطينية، بمناسبة يوم المرأة، إشارة الى مطالبة الجيل الجديد من المنتفضات العراقيات بالوطن. هكذا تتبادل نساء العالم العربي التمنيات بمناسبة يوم المرأة العالمي. وهو أسلوب فريد من نوعه بين نساء العالم اللواتي يكتفين، عادة، بتمني أن يكون اليوم سعيدا. إنهن يلخصن بذلك التأكيد على التلاحم ما بين التمنيات الشخصية والعامة، ومعنى الوجود المرتبط بوجود الوطن.

كاتبة من العراق

 

 

الانتفاضة العراقية:

قفزة نوعية في الوعي الجماعي

هيفاء زنكنة

 

منذ أن تم تعيين محمد علاوي كرئيس وزراء للحكومة العراقية الانتقالية، وحمى مزاد المقايضة على المناصب الحكومية في تسارع لا يختلف عن مزادات الحكومات السابقة، التي خرج الشباب منتفضين ضدها منذ الأول من تشرين / أكتوبر العام الماضي، ولايزالون يدفعون الثمن غاليا من دمائهم لوضع حد لها. ما لا يريد الساسة الحاليون فهمه أو يتعامون عنه، انتقائيا، هو ان إعادة تدويرهم، في مناصبهم أو اختيار أقاربهم أو من احتل منصبا في حكومات اللصوصية السابقة، انما هو ما تعتبره الانتفاضة السرطان الذي بات ينخر المنظومة السياسية وما بقي من الدولة من أعلى مسؤول فيها الى أصغر موظف، بضمنها كل المستويات الاقتصادية والأمنية. والأخطر من ذلك كله أنه بات جزءا لا يتجزأ من حياة المواطنين. صار أمرا عاديا أما حماية لأنفسهم او ابتغاء منفعة أو مجرد تسيير امورهم. بمعنى آخر، ان الفساد، بأشكاله، لم يعد حكرا على الطبقة الحاكمة، بل تسلل الى بنية المجتمع في دوائر الدولة وموظفيها والى المدارس والمستشفيات كما في الشوارع والمطارات والموانئ والأسواق، وحتى للعائلة والمحلة، مما يهدد بقاءه وجعله لقمة سهلة للإرهاب والتفتت. وهذا هو ما عاشه البلد في سنوات الاحتلال وما افرزه من ميليشيات مسلحة وإرهاب يتغذى على الفساد، خاصة، مع توفر أموال النفط الهائلة، وهو ما ترمي الانتفاضة لاستئصاله.

لذلك، يصر المنتفضون على رفض إعادة تدوير الساسة الحاليين، ليس حبا بالرفض فحسب، ولا لأن شكل الساسة لا يعجبهم او لأنهم مغرمون بالنوم في الساحات بعيدا عن بيوتهم وعوائلهم أو طمعا بالمناصب لأنفسهم، ولكن لأنهم يدركون جيدا حجم الكارثة التي سببها حكم الفاسدين والسراق وما سيجره إبقاءهم في مناصبهم على الوطن.

إن وعي المنتفضين بهذه الحقيقة وجعله أولوية ضرورة واستمرار لما توصلت إليه شعوب بلدان أخرى تعيش مرحلة الانتقال من نظام الى آخر، مع وجود بعض الاختلافات. ففي تونس، مثلا، التي تشكل نموذجا ناجحا للانتقال من نظام استبدادي الى ديمقراطي، لم يعد خافيا ان سيرورة الثورة لن تتم بالشكل الذي يحقق طموحات الشباب في مستقبل مغاير واستقلالية بناء الدولة وحمايتها، ما لم يتم القضاء على منظومة الفساد التي أسسها النظام السابق ولايزال المجتمع، على الرغم من التغير السياسي، وهنا مكمن الخطورة، يعيش يوميات استشرائه.

واذا كانت سيرورة العدالة الانتقالية قد فشلت في العراق بعد محاولاتها في سنوات الاحتلال الأولى، ولأسباب عديدة من بينها عدم القدرة على العمل تحت مظلة الاحتلال، وسياسة حكوماته المحلية الطائفية العنصرية، وغياب الاستقرار السياسي والأمني، فان مسار تحقيق العدالة الانتقالية، بأوجهه المتضمنة المساءلة والحقيقة والكرامة وجبر الضرر، بتونس، لم يؤد النجاح المتوقع وتعثر لكونه، كما يتبين من آخر تصريح أصدره المركز الدولي للعدالة الانتقالية، منذ أيام، بمناسبة عقد مؤتمر دولي بتونس، عنوانه « الحقيقة والمساءلة واسترداد الأموال المنهوبة وكيف يمكن للعدالة الانتقالية مكافحة الفساد «.

إن تشابه ممارسات الأنظمة الاستبدادية القمعية وحصرها الثروة الوطنية بأيدي قلة فاسدة، يجعل لتجربة الشعوب بمواجهة هذا النوع من الأنظمة وتوحيد جهودها للتخلص منها، قيمة تتجاوز حدود البلد الواحد، لتفرض أشكالا من النضال والتضامن

يعزو التصريح سبب التعثر الى «اقتصار ميدان العدالة الانتقالية طيلة سنوات، على العناية بقضايا الحرمة الجسديّة وانتهاكات الحقوق المدنية والسياسيّة»، مبيّنا أنّ بعض البلدان، كالأرجنتين وتشيلي وجنوب افريقيا، ركّزت على جرائم التعذيب والقتل والاختفاء القسري والاحتجاز المطوّل، « دون النظر في الفساد الذي تمّ ارتكابه من طرف المسؤولين «. وقد تم تسجيل استثناءات ملحوظة في عدد من البلدان، فقط، حين يكون بإمكان العدالة الانتقالية أن تضطلع بما يتعيّن عليها وذلك بمتابعة المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان والفساد على حدّ السواء.

يختلف الوضع في العراق عن بقية الدول التي تعيش تجربة العدالة الانتقالية من نواح عدة لعل أهمها انعدام السيادة، وعدم وجود حكومة تمثل الشعب، وانتهاكات حقوق الانسان المستدامة، واحتلال العراق أعلى قائمة الدول الأكثر فسادا إداريا وماليا، وقد بلغ حجم السرقات في العقود وتهريب العملة مئات مليارات الدولارات، أي أرقاماً لا يمكن للمواطن استيعابها الا اذا تم تقريبها الى 15 ألف دولار للفرد الواحد (اذا كان الهدر نصف الدخل من النفط منذ الاحتلال فقط)، أي مائة الف دولار للعائلة العراقية الواحدة. الا ان متابعة تجارب الشعوب في تطبيق العدالة الانتقالية، كما في تونس وجنوب افريقيا، والاطلاع على خبرتها في مكافحة الفساد واستعادة الأصول المنهوبة والمكتسبة بصورة غير مشروعة، فضلا عن مساءلة الفاسدين، واصلاح القضاء وغيره من مؤسسات الدولة ضروري للاستفادة من نجاحاتها وتجنب اخفاقاتها.

ان تشابه ممارسات الأنظمة الاستبدادية القمعية وحصرها الثروة الوطنية بأيدي قلة فاسدة، يجعل لتجربة الشعوب بمواجهة هذا النوع من الأنظمة وتوحيد جهودها للتخلص منها، قيمة تتجاوز حدود البلد الواحد، لتفرض أشكالا من النضال والتضامن، لن تكون بالضرورة جديدة بل تعيدنا، في بعض ملامحها، الى حقب التحرر الوطني.

وهذا ما نلاحظ تطوره بين الشباب في ساحات التحرير بالعراق وفي الجزائر ولبنان. اذ استعادت المفاهيم التي حاربت الشعوب طويلا لامتلاكها، لأنها حق من حقوقها، كالوطن والحرية والكرامة ومعاقبة الظالمين والفاسدين، الى الواجهة في حيز الوعي المتنامي. وهي ذات القيم التي أراد المستعمر طمرها واستطاع بمرور الوقت، بالتعاون مع طبقة الفاسدين المحليين، أن يحقق نجاحات تبرعمت بشكل حكومات استبدادية وطائفية بالإضافة الى الخنوع امام المحتل.

اتضح عمق مطالبة المنتفضين بالوطن، مع استمرار الانتفاضة واستشهاد الشباب بشكل يومي تقريبا، لتصبح الدعوة الى اسقاط النظام ومحاسبة القتلة و « لا محسوبية ولا منسوبيه»، أساسية لتحديد تركيبة الحكومة المقبلة، وان كانت انتقالية، ولترسخ أسس اية حكومة وطنية مستقبلا. وهي قفزة نوعية تجمع ما بين الطموح بتنظيف السياسة والقضاء والاقتصاد والممارسات التي تخللت بنية المجتمع على مدى عقود. هذه المهام الضرورية إذا ما أُريد للعراق ان ينهض من كبوته، وقد منحت الانتفاضة بشجاعة شبابها وتضحياتهم، بقية أبناء الشعب، الأمل بإمكانية التغيير الحقيقي وليس فقط تدوير الفاسدين وهو ما كان يجري سابقا، كما رفعت من مستوى الوعي بالظلم والإهانة والحرمان من الحقوق من كونه استهدافا فرديا الى كونه جماعيا ووطنيا. وهذا ما لن يتمكن النظام الحالي بكل أسلحته المحرمة، المستخدمة ضد المنتفضين يوميا، وبكل وحشيته ولا اخلاقيته، من القضاء عليه، كما يريد، الى الأبد.

كاتبة من العراق

 

 

هل من قضية

يفوز بها العراقيون؟

هيفاء زنكنة

 

شهدت الأسابيع الأخيرة، ومع استمرار الانتفاضة في العراق، عودة عدد من وجوه «العملية السياسية» الأصليين، الذين دخلوا البلد مع الاحتلال، للظهور في الفضائيات الإخبارية، بعد انقطاع. من بين الوجوه البارزة أياد علاوي، أول رئيس وزراء عيّنه حاكم الاحتلال بول بريمر، والذي تم ارتكاب مجازر الفلوجة وتهديم مدينة المقاومة في ظل حكومته. في مقابلاته التلفزيونية الطويلة، هذه الأيام، يؤكد علاوي وقوفه إلى جانب المنتفضين وحرصه عليهم مستغربا قبول ابن عمه محمد علاوي، الذي يحبه كثيراً وهو إنسان طيب ونزيه، حسب تعبيره، منصب رئيس وزراء الحكومة الانتقالية. وفي مقابلة بعد أخرى يُقسم أياد علاوي بشرفه بأنه سيقف أمام المحاكم الدولية ليدلي بشهادته ضد الحكومة الحالية وأن لديه ملفات خطيرة سيقدمها في المحاكم ليفضحها. هل هي صحوة ضمير من أياد علاوي؟ وإذا كان جاداً بقسمه لماذا لا ينشر هذه الملفات والوثائق أو لم لا يقدمها الآن الى أية جهة قانونية دولية كخطوة أولى لوقف اغتيالات المحتجين السلميين، ولإظهار الحقيقة وكشف الوجه القميء البشع لحكومة المليشيات الفاسدة التي لا تتورع عن قتل أي شخص يعارضها، وربما لكسب ثقة أبناء الشعب وانه فعلاً سيقدم على فعل شيء بعيداً عن الظهور الإعلامي وتكرار ذات التصريحات الشعبوية؟

في المقابل، وبينما تواصل الحكومة العراقية استهداف المنتفضين بأكثر الوسائل وحشية اختطافاً وتعذيباً وقتلاً، الذين تجاوزت أعداد الضحايا المئات والجرحى والمقعدين والمعتقلين عشرات الآلاف وعدم تقديم أي من المسؤولين عن الجرائم الموثقة بالشهود والفيديوهات الى القضاء، تقوم منظمة محلية تدعى « الغد» بعمل حقيقي يمس حياة الناس فعلاً، وبلا تصريحات هوائية، إذ تستعد حاليا، لمقاضاة الحكومة الهولندية ومطالبتها بتعويضات لأنها تسببت بقتل 70 شخصا على الأقل، بينهم 22 امرأة و26 طفلا، في 2 حزيران 2015، في غارة جوية ألقت فيها طائرات أف 16 الهولندية، القنابل على مدينة الحويجة، الواقعة جنوب غرب كركوك. من بين المتضررين، امرأة قتل وجرح افراد عائلتها المكونة من 35 شخصا. هناك أيضا ضحايا أمراض من بينها السرطان والاصابة بالجنون، جراء المواد الكيمياوية المتصاعدة من القنبلة، والتي أثبت الإعلام الهولندي أن طائرة هولندية أسقطتها كجزء من عملية التحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» الإرهابي (داعش).

ولأن الحكومة العراقية لم تتخذ أي خطوة لمساعدة الضحايا، ولأن ساستها منشغلون بالنهب والصراعات واتهام وابتزاز بعضهم البعض، ولا أمل في ان يطالبوا، يوماً، أية جهة معتدية بدفع التعويضات للضحايا، أخذت المنظمة على عاتقها إعداد ملف يشمل حتى الآن قضايا 50 ضحية.

إن مواجهة إنكار الجرائم المرتكبة ضد الضحايا المدنيين من قبل حكومات تتطلب وجود حكومة وطنية تؤمن بحقوق مواطنيها وأولها حق الحياة

تكمن صعوبة إعداد الملف، وهي صعوبة يلاقيها كل من يفكر برفع قضية ضد أي حكومة، في التوثيق الدقيق لئلا يتم التشكيك بمصداقية القضايا وبالتالي خسارتها، كما حدث في قضية العراقيين الذين قامت القوات البريطانية بتعذيبهم، بين عامي 2003 و2004. وانتهت القضية، بعد سنوات، بالخسارة حيث نجح الادعاء العام البريطاني بتفنيد الأدلة وإثارة الشكوك حولها. ويشكل التأخر في تقديم القضايا صعوبة في الحصول على الأدلة، كما أن عدم تسجيل الحوادث والجرائم في حينها بشكل قانوني صحيح يزيد من تعقيدها، إلا أن هذه العوائق كلها لم تمنع المنظمة من تقديم الملفات وتكليف محام بتبني القضية.

العائق الأهم هو تحديد من هو المسؤول قانونيا وكيفية التعامل معه، خاصة إذا كانت الجهة المسؤولة حكومة أجنبية وليست شخصا أو جهة فاعلة داخل البلد. فأثناء مناقشة القضية في البرلمان الهولندي، في شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2019، أصرت وزيرة الدفاع آنك بيليفيلد على أن العراق مسؤول عن معالجة الأضرار الناجمة عن التحالف الدولي المناهض لداعش، لأن الحكومة العراقية هي التي دعت قوات التحالف للدفاع عنها. وهي نقطة مهمة جداً من ناحية تفادي المسؤولية القانونية والذي إذا ما تم تقبلها ستفتح أبواب التعويضات ضد كل دول التحالف التي سببت مقتل آلاف الضحايا من المدنيين، جراء قصفها لعديد المدن العراقية، وسقوط الضحايا تحت ما سمّته « أخطاء ثانوية». تفاديا لذلك، وعدت الوزيرة الهولندية، بأنها ستتخذ قراراً في وقت قريب بشأن ما إذا كان سيتم فتح صندوق مساعدات خاصة لضحايا انفجار الحويجة «كبادرة حسن نية». وعادت بعد ذلك للتصريح بأنه وفقاً لقوات التحالف، فإن جميع الأعضاء يتحملون المسؤولية نفسها عن الإصابات الناجمة عن العمليات. فما هو عدد « الإصابات» التي تتحدث عنها الوزيرة؟ ليست هناك أرقام دقيقة. فحسب قوات التحالف في 26 أيلول/ سبتمبر أنها أجرت 34573 غارة جوية بين أغسطس/آب 2014 وأغسطس 2019، وأن ما لا يقل عن 1335 مدنياً قد قُتلوا من دون قصد في سوريا والعراق. بينما تؤكد منظمة « الحروب الجوية» الراصدة لأعداد الضحايا تراوح العدد بين 8214 و13125 من غير المقاتلين من المرجح أن يكونوا قد قتلوا نتيجة لأعمال التحالف خلال نفس الفترة.

وبالنسبة الى التعويضات، ترفض الحكومة البريطانية الاعتراف بوجود ضحايا مدعية بأنه لم يصب أي مدنيين في أكثر من 1300 غارة جوية تابعة للقوات الجوية الملكية في العراق، بينما تخلت الإدارة الأمريكية حتى عن نظام تسديد مدفوعات «التعازي» التقديرية الذي كانت تدفعه سابقاً في أفغانستان والعراق، مبينة في تقرير وزارة الدفاع السنوي عن الخسائر المدنية: «… في الحالات التي تطلب فيها دولة مضيفة أو حكومة دعماً عسكرياً أمريكياً للقوات العسكرية المحلية، قد يكون من الأنسب أن تستجيب الدولة المضيفة أو جيشها للاحتياجات وطلبات السكان المدنيين المحليين من خلال تقديم التعازي بنفسها».

ان مواجهة إنكار الجرائم المرتكبة ضد الضحايا المدنيين من قبل حكومات تتطلب وجود حكومة وطنية تؤمن بحقوق مواطنيها وأولها حق الحياة، أما مواجهة إنكار الجرائم ضد المواطنين من قبل حكومتهم، كما يحدث الآن في العراق، فيتطلب مواصلة النضال ضد هذه الحكومة من قبل كل أبناء الشعب، وأن تستمر صرخة المنتفضين: كفى استهانة بعقول الناس، فتغيير الأقنعة لا يعني تغيير الوجوه.

كاتبة من العراق

 

 

توجيهات

«السيد» للثائرة العراقية

هيفاء زنكنة

 

لم تكن تظاهرة النساء العراقيات يوم 13 شباط/ فبراير، مليونية بلغة الأرقام والاحصائيات، التي تستهوي زعيم التيار الصدري السيد مقتدى، كلما خطر على باله إطلاق أتباعه في شوارع المدن العراقية. كانت التظاهرة أكبر وأهم من ذلك بكثير. هتفت المتظاهرات بصوت يتحدى كل من يحاول إسكاتهن «صوت المرأة ثورة»، وهو صوت من تطالب بحقها « نازلة آخذ حقي»، وهو مقاومة « الحق سلاحي وأقاوم، أنا فوق جراحي سأقاوم، أنا لن أستسلم لن أرضخ، وعليك بلدي لا أساوم».

في مسيرة سلمية، غير رسمية، لم يشهدها العراق منذ عقود، تعالت أصوات النساء مرددة «هايه بناتك يا وطن هايه»، لتجسد ما هو أعمق من مجرد التحدي المؤقت لرجل دين يرى في مشاركة المرأة في الاحتجاج ضد الفساد والطائفية والاحتلال، وفي مطالبتها مع شقيقها الرجل باستعادة الوطن، دعوة الى « التحرّر والتعرّي والاختلاط والثمالة والفسق والفجور، بل والكفر والتعدّي على الذات الإلهيّة وإسقاط الأسس الشرعيّة والأديان السماويّة والتعدّي على الأنبياء والمرسلين والمعصومين»، حسب تغريدة له بلغت درجة الفتوى بين أتباعه «أفتى» فيها بأن «على المتظاهرين مراعاة القواعد الشرعيّة والاجتماعيّة للبلد قدر الإمكان وعدم اختلاط الجنسين في خيام الاعتصام».

تعامل البعض مع موقف المرأة هذا باعتباره مفاجئا واستثنائيا بينما سيجد من يتابع نضال المرأة العراقية ان صمتها هو الاستثناء، وان هذه التظاهرة وما سبقها من مشاركة يومية في مقاومة الاحتلال الأنجلو – أمريكي والتظاهرات والاعتصامات التي سبقت انتفاضة تشرينالأول / أكتوبر، امتداد طبيعي لنضالها المتميز، كما شقيقاتها في فلسطين والجزائر وتونس ولبنان والسودان وبقية البلدان العربية، في مراحل التحرر الوطني ومحاربة الاحتلال، وما تبعها من مناهضة الحكومات المستبدة وحكومات الاحتلال بالنيابة. ويشكل سكوتها، في السنوات الأخيرة، قطيعة فرضتها وحشية الاحتلال وعملائه، الذين كان واحداً من أكبر أهدافهم اخضاع كل من يفهم معنى الحرية والوطن.

فالفتاة الحاضرة في ساحات التحرير، اليوم، هي إبنة تلك الجدة التي قاومت الاحتلال البريطاني في أربعينيات القرن الماضي، وظن الكثيرون انها استكانت لعبودية الاحتلال والطائفية ونهب الوطن، غير انها خيبت آمال من أرادوها خانعة مستكينة لتثبت أن جذورها تمتد عميقاً في أرض البلد وأهله.

هزت الانتفاضة، عبر صمود المشاركة وبناء الثقة بالنفس وديناميكية الوعي، مفاهيم اجتماعية غالباً ما تبرز خلال التظاهرات والاعتصامات حول دور المرأة ووجوب حمايتها

أثبتت شهور الانتفاضة، أن سيرورة خروج المرأة الى الشارع، ومشاركتها على كل المستويات، ساعدت على تقوية مناعتها ضد الخنوع وعلى تطوير نفسها، ونفض غبار الأوهام التي فرضت عليها لتعيدها عقوداً الى الوراء، من هنا جاءت إضافتها النوعية الى الحراك الذي اختارت المشاركة فيه. فبمساهمتها مع أشقائها ارتقت بالحراك من مستوى الاحتجاج الى التظاهرة الى الاعتصام ثم الى الانتفاضة. وها هي تُبلغ العالم الصامت، بذكوره وإناثه، أنها شريكة في صنع ثورة. ثورة ستعيد للوطن، للعراق، ألقه. العراق الذي كان العالم يعرفه، قبل أن يدخله البرابرة بقناعين: الأول هو قناع الديمقراطية وحقوق المرأة، متمثلاً بالاحتلال الأمريكي، والثاني هو قناع الدين السياسي والطائفة متمثلاً بإيران. بعد 17 عاما من الاحتلال بقناعيه، المعجون ببقايا ما ناضلت ضده منذ بناء العراق الحديث، تمكنت المرأة من الانسلال خارج الجدران الكونكريتية التي نصبها الاثنان حولها، لتنطلق حرة أبية متحدية الخوف والترويع والإرهاب.

من الصعب التنبؤ بما سيجلبه الغد، في ظل الإرهاب الحكومي والمليشياوي المستمر ضد المنتفضين اختطافاً وقتلاً، ومع استمرار فرض الحصار على الساحات وحرق الخيم، والهجوم طعنا بالسكاكين، ومع استمرار التسويف والتحايل السياسي، ولعبة المفاوضات والممانعة بين أمريكا وإيران، إلا أن هناك تغيرات سياسية وثقافية ومجتمعية عاشها العراق منذ خمسة شهور لا يتطرق اليها الشك. جوهرها هو أن عراق الامس لن يتكرر، ودوام القمع وَهم، وأن المرأة العراقية التي استعادت كرامتها بفعل الثورة لن تعود الى ما كانت عليه. فقد هزت الانتفاضة، عبر صمود المشاركة وبناء الثقة بالنفس وديناميكية الوعي، مفاهيم اجتماعية، غالباً ما تبرز، بشكل قوي، خلال التظاهرات والاعتصامات والثورة والمقاومة، حول دور المرأة ووجوب حمايتها.

تستغل السلطات القمعية هذه المفاهيم لتحرم الثورة من نصف قوتها وذخيرتها الحية، تحت ستار القيم والدين والشرف، واستغلال خوف الآباء والامهات على حياة أبنائهم، خاصة البنات لما قد يتعرضن اليه من انتهاكات تمس الشرف، بينما تقوم ذات السلطات بالاعتداء على المرأة وانتهاك كل الاخلاق والقيم، بأشكال متعددة، تصل الى التحرش والمساومة الجنسية أو اعتقالها كرهينة، حين تحاول المرأة، مثلاً، الحصول على أي معلومات عن أحبائها المعتقلين. هذه الشيزوفرينيا المجتمعية ـ الدينية، بصدد المرأة، لا تقتصر على بيانات رجل الدين مقتدى الصدر بل تتعداه الى المنظومة السياسية، بمجملها، لما تشكله من فائدة كأداة قمعية. وما تغريدات الصدر غير الظاهر المعلن، في أساليب تبين ذعر الساسة الحاليين من استرداد المجتمع عافيته، وإعادته النظر في أساليب تفكيره وسلوكه وطقوسه التي أصبحت، خلافا لما هو متعارف عليه، مُسَخَرة للتفرقة بين فئات المجتمع، وخاصة بين الرجل والمرأة.

ان اتهامات السيد مقتدى الصدر المستهدفة لدور شباب الانتفاضة، والمرأة خصوصا، مكملة لمحاولات المحتل الأمريكي الذي أراد تبييض وجهه، متقرباً من المرأة، بمبادرات تراوح ما بين « تمكين المرأة» و « ورشات الديمقراطية»، في الوقت ذاته الذي دمر فيه البلد وسبب قتل ما يزيد على المليون مواطن. الامر المشابه لسياسة المستعمر الفرنسي بالجزائر، حين شنّ حملة «تحرير» موجهة للنساء تحت الاحتلال، تهدف إلى جذبهن بعيداً عن جبهة التحرير الوطني، من خلال مراسيم كان من بينها حق كشف النقاب للنساء في الأماكن العامة، والتعيين الرمزي للنساء المسلمات في المناصب العامة. فشلت حملة المُستعمر الفرنسي في إيقاف مسيرة التحرير، وها هم شباب الانتفاضة، إناثاً وذكوراً، يطالبون بوطنهم، ويدفعون ثمناً غالياً جداً، لإدراكهم أن هيمنة المستعمر، الاقتصادية والثقافية والمجتمعية، مهما كانت دولته أو قوميته أو دينه، تبدأ بواسطة العنف وتخريب البلد وحرمانه من سيادته وموارده، ولا تنتهي بتعيين مستخدمين مأجورين بل تستمر بأشكال تتجدد حسب مقتضيات الهيمنة، بينما تبدأ وتنتهي استعادة الانسان لوطنه باستقلاله وكرامته.

كاتبة من العراق

 

 

هل بإمكان أمريكا

تنظيف نفسها في العراق؟

هيفاء زنكنة

 

 كما في سنوات الحصار على العراق والتهيئة للغزو والاحتلال (1990 ـ 2003)، ترتفع أصوات بعض العراقيين، حاليا، وأكثريتها من المقيمين خارج العراق، مطالبة بالتدخل الأمريكي. ينتشر النداء على مواقع التواصل الاجتماعي وضمن المجاميع الخاصة، تحت ذرائع لا ينقصها حسن النية، وبأشكال متعددة من بينها ارسال عريضة موجهة الى البيت الأبيض لتحمل مسؤولية الغزو وإنقاذ المواطنين من حكومتهم المستبدة.

ليس هذا النداء جديدا، اذ سبقه نداء مماثل وجهه مفكر عربي، منذ ثلاثة أعوام تقريبا، بعنوان « اللي شبكنا يخلصنا». تم إطلاق المناشدة الأخيرة بالتزامن مع تعرض الشباب المنتفضين في ساحات التحرير، منذ تشرين / أكتوبر الماضي، للقتل والاختطاف والتعذيب، بلا تمييز بين ذكر أو أنثى، وبعد أن مست آلة القمع الوحشية حتى الأطفال المستخدمين لابتزاز ذويهم المتظاهرين واجبارهم على العودة الى بيوتهم. جاءت المناشدة، أيضا، في وقت لم تعد فيه الأحزاب والقيادات الشعبوية المستندة الى الدين او الطائفة قادرة على التضليل، وتمرير الخدع فترة أطول، خاصة مع تزايد عدد الشهداء والجرحى والمعوقين والمعتقلين، بينما يقف العالم الخارجي، بضمنه الدول العربية والاسلامية، أما متفرجا، متحالفا مع النظام، في انتظاره أن يتعب المنتفضون ويعودون الى بيوتهم، أو مراهنا على اضعاف إيران في مفاوضات جارية بين الطرفين، ضمن مجريات صراعهما على الأرض العراقية، ولا يتحمل فيها أي من الطرفين خسارة مباشرة، بل يدفع ثمنها أبناء الشعب العراقي.

تشكل هذه الأرضية محاججة المتوجهين الى أمريكا بمناشدتهم «ليس استجداء ولكن طلبا من أمريكا تصحيح خطئها التاريخي باحتلال العراق تحت مسمى الديمقراطية»، متسائلين بلوعة وحرقة قلب « ما هو الحل؟ هل نستسلم للميليشيات لتقتل كل شباب الشعب العراقي أم نطلب ممن وضع هؤلاء على رأس هرم السلطة ليحذفوهم من المعادلة السياسية الراهنة «؟

يعيدنا سؤال: ما هو الحل؟ الى سنين ما قبل الغزو. فالشعب محاصر وجائع جراء تدهور الوضع الاقتصادي بحيث صار راتب الموظف يساوي دولارين شهريا، ومعارضة الخارج، بأنواعها، كانت تساهم برسم صورة مضخمة عن أسلحة دمار النظام، وجيشه الأقوى المُهدد للعالم، ومفرمة اللحم التي أبكت بواسطتها آن كلويد، النائبة في البرلمان البريطاني، بقية النواب، عشية التصويت على وقوف بريطانيا بجانب أمريكا، لإنقاذ العراقيين من المفرمة، وبناء عراق الديمقراطية وحقوق الإنسان. وانتهينا بكارثة بشرية وبنى تحتية، ورثها ويعيش نتائجها شباب الوطن الان. ولا نزال نسمع أصوات من تعاونوا مع المحتل مبررين: « لم يكن هناك حل آخر»، أو « كان ذلك الحل الوحيد لإنقاذ العراق».

الحل هو وحدة المنتفضين وصمودهم وانضمام بقية أفراد الشعب إليهم، مع مواصلة ناشطي الخارج حملات التضامن والدعم وايصال صوت المنتفضين الى العالم الخارجي. على المدى البعيد: لا بديل عن النهوض التدريجي للقوى الذاتية

نحن، الآن، امام تاريخ يعيد نفسه. فاليوم، كما يكرر الكثير من اهلنا داخل العراق، أسوأ من الامس،