الرئيسية || من نحن ||| اتصل بنا

 

*هيفاء زنكنة كاتبة وصحفية وناشطة عراقية تقيم في بريطانيا تكتب اسبوعيا في جريدة (القدس العربي(

 

 

 

مقالات سابقة

مستقبل العراق بين الرادود

وزراعة الرقائق في الدماغ

هيفاء زنكنة

 

على هامش الحياة اليومية لسكان كوكب الفيسبوك من العراقيين، ومن بين ركام التعليقات بكل تفاصيلها الغنية والمبتذلة، برز في الأيام الأخيرة خبر حظي بعدد كبير من التعليقات المؤيدة والمستنكرة وإشارات الرضا والاحتضان على حساب خبر آخر لم ينجح، على أهميته، من الحصول إلا على بعض الإيماءات الخجولة. فهل لهذا دلالة على حجم الوعي لدى سكان الموقع، سواء كان شخصيا أو جماعيا، على تنوع خلفياتهم الثقافية عموما، أم إننا نمنح الفيسبوك وسكانه أهمية أكبر من هدفه الأصلي، وهو تمضية الوقت والتواصل وتبادل شذرات الاخبار أو تسويق النفس، في فضاء مشترك مريح؟
يتضمن الخبر الأول الذي شغل الكثيرين من سكان الفيسبوك واستقطب عديد التعليقات وصفا يُسيء للصحابة، أطلقه شاب عنوان وظيفته «رادود» أي حكواتي يسرد مقتل الأمام الحسين، ويعتمد مقياس نجاحه وارتفاع أجره على قدرته في استدرار الدموع الغزيرة والبكاء واللطم. بتعليقه، سواء كان ساذجا أو مخططا له، نبش الرادود جرحا بات ينزف على صفحات الفيسبوك، وشغَل المعلقين حتى كادت الأصوات الناقمة تتساءل «هل تستطيع مياه المحيطات غسل هذه الأيدي الملطخة بالدماء؟» كما تساءل الملك ماكبث في مسرحية شكسبير الشهيرة، بعد ارتكابه جريمة قتل، لتجيبه زوجته قائلة ببرود أن قليلا من الماء سيزيل الدماء.
أما الخبر الثاني وهو الذي رماه عراقيو الفيسبوك جانبا، فبدايته إعلان: «احصل على شريحة الدفع الخاصة بك الآن لتخطو نحو المستقبل». ونقرأ من خلاله كيف روجت الشركة البريطانية – البولندية «ووليتمور» أول دفعة من شرائح الدفع الدقيقة القابلة للزرع في جسد المستهلك. فبتكلفة لا تزيد على 199 يورو، صار بالإمكان التخلص من حمل النقود وبطاقات الإئتمان مقابل زرع شريحة لا يزيد حجمها على حبة الرز لتكون الوسيلة الأكثر أمانا للدفع، المقبولة عالميا، والآمنة بيولوجيًا بعد أن أكدت إدارة الغذاء والدواء الفيدرالية الأمريكية صلاحيتها البيولوجية.
يوضح موقع الشركة كيفية غرز هذه الشرائح المعروفة تقنيًا باسم «شرائح تحديد التردد اللاسلكي» تحت الجلد، وسلامتها. وقد اختار أكثر من 50 ألف شخص، في أنحاء العالم، غرز الرقائق، لتحل محل المفاتيح وتذاكر السفر الإلكترونية، وحتى تخزين معلومات الاتصال في حالات الطوارئ وملفات تعريف الوسائط الاجتماعية.
تؤكد الشركة المنتجة في إعلاناتها على أنه من غير الممكن التجسس أو تتبع أو مراقبة أو جمع أية معلومات عن مستخدم الشريحة. وهي النقطة الأكثر إثارة للجدل والشك والخوف المتداخل مع الاحساس بعدم الأمان إزاء فكرة غرز الشرائح مهما كان نوعها ومصدرها.

التطور الحالي وهو حصيلة عقود طويلة من تطبيق ما كان يتخيله رواد الخيال العلمي ويهدف بشكله البريء إلى توسيع قدرات وقوى البشر وتمكينهم من جعل أداء مهام معينة بشكل أسهل وأسرع، هو سيرورة، تحمل أيضًا إمكانية التدخل بشكل خاص لأغراض الرقابة

هل صحيح أن وجود شريحة مبرمجة داخل الجسم لن يؤدي بالنتيجة إلى أما السيطرة عليه أو تسهيل عملية السيطرة عليه ما دام التحكم بها يتم من خارج الجسم؟ وإذا كان هذا صحيحا فكيف يتم التوصل إلى تكوين صورة شبه متكاملة عن الانسان بدءا من مواصفاته الجسدية إلى ما يرغب فيه ويحبه، عبر تجميع المعلومات عنه ومتابعته وملاحقته بواسطة الطائرات بدون طيار بمجرد استخدامه بطاقة الائتمان أو الهاتف المحمول وبقية التقنيات الرقمية المحيطة بنا؟ مما يقودنا إلى التساؤل، أيضا، عما إذا كان التطور الحالي وهو حصيلة عقود طويلة من تطبيق ما كان يتخيله رواد الخيال العلمي ويهدف بشكله البريء إلى توسيع قدرات وقوى البشر وتمكينهم من جعل أداء مهام معينة بشكل أسهل وأسرع، هو سيرورة، تحمل أيضًا إمكانية التدخل بشكل خاص لأغراض الرقابة وتسهيل عمليات الرصد، ليضاف إلى ما تقوم به السلطات، في عديد الدول، من تجميع الحامض النووي والبيانات البيولوجية، بما في ذلك عينات الدم وبصمات الأصابع والتسجيلات الصوتية ومسح قزحية العين وغيرها من المُعّرفات الفريدة – من مواطنيها، في عملية تضعهم تحت رادار السلطة بشكل شبه دائم.
ويتمثل أحد المخاوف الأمنية العامة في تقنية غرس الشرائح عموما في أنها قد تسمح لأطراف ثالثة بالتنصت على اتصالات الجهاز أو تزويد بيانات مشوهة. فمثل أي جهاز آخر، كما يُحذر باحثون في هذا المجال، تحتوي هذه الشرائح الشخصية على ثغرات أمنية ويمكن اختراقها، حتى لو كانت مضمنة تحت الجلد.
وإذا كانت روايات الخيال العلمي هي أساس الكثير مما وفره التقدم العلمي والتكنولوجيا لنا، فما الذي يمكن أن يحمله المستقبل؟ يجيب كتاب الخيال العلمي ويوافقهم العلماء: إنه زرع الشريحة في الدماغ. وهناك أمثلة ناجحة طبيا. فقد ساعدت إحداها مريضا أمريكيا على استعادة السيطرة على يده وأصابعه بعد إصابته بالشلل من الرقبة إلى أسفل. وطور أستاذ من جنوب كاليفورنيا غرسة دماغية للمساعدة في تحسين الذاكرة القصيرة والطويلة المدى. وبدأت شركته إجراء تجارب تبشر بنتائج إيجابية مع مرضى الصرع. وأطلق إيلون ماسك، مالك شركة تسلا الأمريكية العملاقة، شركة جديدة يأمل أن تعمل على «دمج الدماغ البشري مع الذكاء الاصطناعي» بهدف علاج أمراض الدماغ الخطيرة.
هذا هو الجانب الإيجابي الذي سيقود إليه زرع الشرائح في الدماغ. الملاحظ أن كل الأمثلة الإنسانية الناجحة حتى الآن تم تنفيذها في الغرب، بينما تلقى العراق، مثلا، التطبيق القاتل للتطور العلمي ـ التكنولوجي فمن قذائف اليورانيوم المنضب والفسفور الحارق إلى أجهزة استشعار الحركة المحمولة على الطائرات، والأقمار الصناعية وكاشفات الحرارة وأجهزة تنصت الصور والاتصالات بالإضافة الى تقنية تصوير قزحية العين الذي استخدم لتحديد هوية الداخلين إلى مدينة الفلوجة بعد تهديم 70 بالمئة منها.
فما الذي يحمله المستقبل إذن بصدد غرز الشرائح، ولدينا ما يدل على أن تطبيقها سيميل أكثر نحو إحكام السيطرة على الافراد والمجتمع في البلدان العربية وبقية الدول الخاضعة لحكومات تحرم مواطنيها من حرية الاختيار؟ وهل سنكون قادرين على التوعية بهذه المسارات الخطرة المُستهدفة لوجودنا بينما ننشغل بالنظر الدائم الى الوراء، لا لاستخلاص العبرة وتفادي الأخطاء ولكن، كما نرى في عراقنا اليوم، لتكرار الأخطاء؟ إذا كان ما يُنشر على الفيسبوك إشارة، مهما كان حجمها، تساعدنا على إستشراف المستقبل، فإنه يُبلغنا رسالة مفادها أنه إذا ما استمر تدهورنا الحالي، سيكون من الصعب رؤية ما سيحمله المستقبل لنا بتطوره العلمي الهائل، إلا من منظور فئران التجارب.

كاتبة من العراق

 

 

رحيل ملكة… قلب

الإمبراطورية الأسود بوجه أبيض

هيفاء زنكنة

 

 

أبعدت وفاة الملكة إليزابيث الثانية الحرب الأوكرانية عن عدسة الإعلام ومع التعازي ومظاهر الحزن، والتغطية الإعلامية المتواصلة، تدفق التبجيل والذكريات السعيدة عن الراحلة ممتدا من المنظور العائلي الخاص إلى السياسي العام. وتحدث كل من التقى بها من الساسة عن إلمامها السياسي الكبير بما يدور في أرجاء العالم وتفاعلها الإنساني مع الأحداث مع التزامها برمزية منصبها. وهي نقطة تثير الكثير من التساؤلات عند الاستماع إلى ذكريات الساسة البريطانيين، بضمنهم كبار المسؤولين ورؤساء الوزراء، التي تؤكد أنها كانت تتخطى حدود رمزية المنصب، بشكل غير مباشر، وغالبا عبر الثقل الذي يحمله رأيها واستنادا إلى مكانتها كممثلة لسلطة مركزية متوارثة منذ عام 827 ميلادي.
ففي مجلس اللوردات الذي كرس جلسته الأخيرة لتأبين الملكة، تحدث لورد ستيراب، عضو لجنة العلاقات الدولية والدفاع، مذكرا إيانا بأن الملكة كانت قائدة القوات المسلحة، وهو منصب قلما يتم ذكره. وأنها طالما أولت اهتمامًا كبيرًا لأنشطة القوات من الصعوبات والتحديات إلى النجاحات. مستطردا بأنه أراد التركيز على حادثة واحدة فقط جرت منذ عدة سنوات. حين كان مسؤولا عن قاعدة تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، الذي قاد حرب الخليج الأولى، قائلا: « عندما بدأنا نفقد الطائرات فوق العراق، كانت الملكة على اتصال على الفور، وأرادت معرفة كيف يمكنها المساعدة، وعلى وجه الخصوص كيف يمكنها دعم العائلات. جاءت وعقدت اجتماعات خاصة مع أقرب أقارب المفقودين في العمل… وجعلتهم يفهمون مدى اهتمامها.» وهو موقف مفهوم لأي قائد عسكري يدرك مسؤوليته تجاه قواته، لكنه لا يعني وصف ما يقوم به القائد بالإنسانية الشاملة، تجاه الشعوب، أيا كانت، كما تدل رسائل التعزية المرسلة إلى المملكة ومن بينها رسائل الملوك والرؤساء العرب. فالملكة الراحلة لم تهتم إطلاقا بالعوائل العراقية التي قُتل أفرادها كانت بقصف سلاح الجو الملكي البريطاني بل بالبريطانيين فقط. الجانب الآخر المعني أكثر بتوضيح موقفها «الإنساني» من الشعوب في أرجاء العالم، هو تنصيبها توني بلير، رئيس وزراء حزب العمال السابق، كعضو في حملة «وسام الجارتر»، وهو أقدم وأعلى رتبة في منزلة الفرسان المُقربة من الملكة والمؤثرة في إنكلترا، ولا يزيد عددهم عن 24 عضوًا على قيد الحياة. وقد تأسس هذا النظام المتجذر في فكرة الفروسية في العصور الوسطى عام 1348، عندما كان الملوك يحيطون أنفسهم بأقوى حلفائهم من الطبقة الأرستقراطية. ولمن يحاجج بأن تعيين توني بلير جاء كقرار مؤسساتي لأن دور الملكة رمزي، أُذكر بأن التعيينات تتم وفقا للاختيار الشخصي للملكة ومشيئتها والأكثر من ذلك إنها تتم دون مشورة رئيس الوزراء بعد تعليبها بأنها «اعتراف بمساهمة وطنية أو خدمة عامة أو خدمة شخصية للملك»، بشكل يُراد له تجاوز مفهوم القرون الوسطى وإن بقي، في جوهره كما هو.

أبعدت وفاة الملكة إليزابيث الثانية الحرب الأوكرانية عن عدسة الإعلام ومع التعازي ومظاهر الحزن، والتغطية الإعلامية المتواصلة، تدفق التبجيل والذكريات السعيدة عن الراحلة ممتدا من المنظور العائلي الخاص إلى السياسي العام

كيف يتماشى اختيار توني بلير مع صورة الملكة الإنسانية الهائلة التي يتم تدويرها حاليا في أرجاء الكون؟ وكيف بالإمكان هضم الحزن الجماعي الشامل الذي تُرّوج له أجهزة الإعلام والمؤسسات الرسمية لشعوب ذاقت الأمرين من سياسة بريطانيا الخارجية الاستعمارية ويُنكس لها الحكام العرب الإعلام لعدة أيام؟
« تكريم توني بلير؟! يجب أن يُحاكم بسبب الكارثة في العراق». لم يكن هذا صوت العراقيين المناهضين لشن الحرب ضد العراق لتقوم الملكة بتجاهله بل واحدا من عدة عناوين رئيسية نشرتها الصحافة البريطانية عندما أعلنت الملكة عن تكريمها توني بلير. كما تجاهلت عريضة وقعها ما يزيد على المليون مواطن بريطاني (بضمنهم من أصول عربية وإسلامية) تطالب بسحب تكريمه لأنه «مجرم حرب» أدانته محاكم الضمير في حوالي 12 دولة، لمسؤوليته عن قتل مليون عراقي بشكل مباشر وغير مباشر. وكان في تقرير تشيلكوت الذي أجرته الحكومة البريطانية نفسها ما يدينه، لو تم الأخذ به، كمسؤول عن شن حرب عدوانية بالشراكة مع الرئيس الأمريكي جورج بوش.
وعلى المستوى الشعبي، طالما تمتعت الملكة بحضور وصراخ الحشود حول قصرها احتفالا بالمناسبات الملكية، فكيف لم تسمع صرخة الاحتجاج العالمية المناهضة للحرب التي شارك فيها مليونا مواطن بريطاني في أكبر مسيرة احتجاجية شهدتها بريطانيا على الإطلاق، وهي الأولى من نوعها التي يتظاهر فيها الناس على حرب قبل شنها؟ ألم يُطلعها أحد على تجاهل توني بلير لصوت رعاياها المخلصين للمملكة وسلامة وأمن شعبها المناهضين، في الوقت نفسه، للحروب الإمبريالية لمعرفتهم بحجم تهديدها للسلام الداخلي والخارجي معا؟ لم اختارت الملكة ضّم توني بلير إلى حلقة النخبة من «فرسانها» متجاهلة أصوات المحتجين ضد التكريم، كما تجاهل بلير أصوات المحتجين ضد الحرب ليعيد التاريخ نفسه متعجرفا إزاء رعايا الإمبراطورية كما الشعوب التي استعمرتها الإمبراطورية؟
هل يكمن الجواب في أن ما حققه توني بلير كرئيس للوزراء من التقارب السياسي الوثيق مع أمريكا وخوضه الحرب العدوانية لتثبيت القدم الأنكلو أمريكية على الأراضي والموارد العراقية، وتحطيم الدولة وتحييد الموقف العراقي المبدئي من القضية الفلسطينية، هو في صلب الحلم الملكي باستعادة ما كان؟
وإذا كان مقياس نجاح أي حكومة هو ما تحققه من رفاه اقتصادي، فهل هناك ما هو أكثر ربحا من الصناعات المرتبطة بالحروب والاستيلاء على موارد الدول التي تنهشها الحروب والنزاعات، بأنواعها، أي ما أنجزه بلير؟
ولا يمكن استبعاد فهم تقدير الملكة لتوني بلير وتكريمه على الرغم من كونه متهما كمجرم حرب إلا بالنظر إلى نشأتها كابنة وفية لإمبراطورية انتزعت رفاهيتها من دماء الشعوب. ألم تُعّرب في بداية تنصيبها كملكة عن تقديرها «لخبرة رئيس الوزراء تشرشل وحكمته وبلاغته وكيف تتطلع إليه كدليل يساعدها على كيفية التصرف كملكة»، وهو من أكثر المتحمسين لاستخدام «أسلحة الدمار الشامل» قائلا «أنا أؤيد بشدة استخدام الغازات السامة ضد القبائل غير المتحضرة» بضمنهم الكرد في شمال العراق، ومبررا القتل الجماعي بحس نكتة إنكليزي متسائلا: «لماذا ليس من العدل أن يطلق مدفعي بريطاني قذيفة تجعل المواطن المذكور يعطس؟» واصفا موقف المعترضين «إنه حقًا سخيف للغاية».

كاتبة من العراق

 

 

هل انتهت صلاحية الصراع

السني ـ الشيعي في العراق؟

هيفاء زنكنة

 

وأخيرا عاد العراق ليحتل، بعد غياب، مكانا في نشرات الأخبار الدولية. لا لفوزه في ألعاب الساحة والميدان أو كرة القدم أو أي تقدم علمي أو حضاري يليق بتاريخه وسمعته التي طالما تغنى بها أبناؤه والعالم العربي والإسلامي، بل جاءت عودته بعد تغييب لأنه ساحة للاقتتال الداخلي وغياب العقلانية في تسيير الأمور، في داخل الداخل. مما جعل خارطة العراق، كما نعرفه، مقسمة إلى أجزاء من الصعب تجميعها إذا ما استمر الوضع على حاله. ففي الأسابيع الأخيرة، وهنا تكمن جاذبية التغطية الإعلامية الدولية، لم يعد القتلى من العراقيين ضحايا الحرب العراقية الإيرانية، أو نظام صدام حسين، أو قصف تحالف ثلاثين دولة بقيادة أمريكا، أو الحصار، أو المليون من ضحايا الغزو والاحتلال، وما تلاه من إرهاب بمسميات مختلفة من بينها تنظيم داعش. بل صار العراق، في وضعه الأكثر انحدارا في ظل حكومات الاحتلال « الديمقراطية» ساحة للمنافسة للفوز بجائزة من الذي يحصد أرواحا أكثر؟ من الذي يختطف ويعذب ويقتل أكثر؟ من هو الحائز على الميدالية الذهبية لرفع راية الحزب الذي تقوده ميليشيا تتلذذ بطعم الموت؟
« في الحروب ليس هناك فائزون» مقولة قد تكون صحيحة في مكان ما في العالم إلا أنها غير صحيحة إزاء كثرة ضحايا سباق القتل المتعمد في العراق وكثرة المستفيدين منه. فكل الدول التي ساهمت ولاتزال بتحطيم البلد فائزة وكذلك من تقاطعت مصالحهم معها من العراقيين. وإذا كانت الخسارة الحقيقية مُجسّدة بالضحايا وعوائلهم من نساء وأطفال، فإن الضحايا لا يسلمون حتى بعد قتلهم، من قبل قاتليهم. إذ تسارع الأحزاب و« التيارات» و«المكونات» للمتاجرة بهم في ساحة منافسة أخرى ولكن باسم وتعليب جديدين.
من بين مسميات الضحايا الجديدة التي شاعت في الأسابيع الأخيرة، أثر إقتتال يوم الاثنين الماضي، الذي خّلف 45 قتيلاً وعشرات الجرحى، بعد ساعة من إعلان مقتدى الصدر، قائد التيار الصدري اعتزاله، واقتحام أنصاره المباني الحكومية في المنطقة الخضراء، ولأغراض التسويق السياسي والمنافسة على المناصب والفساد، تم تداول المسميات التالية: «شهداء فتنة الخضراء»، «ضحايا الاشتباكات»، « شهداء الحشد الشعبي»، « شهداء الثورة السلمية». كل هذا قبل وقوع الاشتباكات المسلحة بين مليشيا سرايا السلام التابعة للصدر من جهة، وعصائب أهل الحق التابعة لقيس الخزعلي من جهة اخرى، في مدينة البصرة، ليلة الأربعاء الماضي.
للتغطية على سقوط الضحايا، سارع الساسة وقادة الميليشيات ورئيس البرلمان وكل المسؤولين بشكل مباشر أو غير مباشر، وعلى رأسهم مقتدى الصدر ونوري المالكي، إلى الإعلان عن إقامة مجالس عزاء وحداد « على أحداث المنطقة الخضراء». ففي سباق المتاجرة بأرواح الضحايا بات إعلان الحداد هو العملة الرائجة لغسل الأيادي من دماء الضحايا.

جوهر الخلاف الحقيقي هو المنافسة على السلطة لصالح هذه الجهة أو تلك بالتوافق مع المصلحة الذاتية وكيفية توزيع عائدات النفط الباذخة

حيث أعلن رئيس البرلمان الحداد لمدة 3 أيام في مجلس النواب على «أرواح ضحايا العراق»، مع العلم أن البرلمان لم يكن منعقدا بل محتلا سوية مع المنطقة الخضراء، وسط بغداد، من قبل أنصار الصدر. وأعلن «الإطار التنسيقي» وهو تجمع أحزاب شيعية بقيادة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، عن إقامة مجلس عزاء على» أرواح ضحايا الاشتباكات». وأقامت ميليشيا الحشد الشعبي، المدعومة إيرانيا، مجلس عزاء على «أرواح ضحايا أحداث المنطقة الخضراء» بحضور معتمد المرجع الديني السيد علي السيستاني. أما مقتدى الصدر، فقد أعلن وزيره (ولعل الصدر هو رجل الدين الوحيد في العالم الذي لديه وزير) عن إضرابه عن الطعام وحل ميليشيا سرايا السلام التابعة له (وهي ليست المرة الأولى)، طالبا من أنصاره «أن يُكثروا من الاستغفار وأن لا يعودوا لمثل هذا العمل مستقبلا حيا كنت أم ميتا». عازفا بذلك على نغمة الاستشهاد التاريخية.
وكأن أيام حداد العراقيين المتشحة بالسواد، وممارسة اللطم والجلد وتطبير الرؤوس ومجالس العزاء من أول شهر محرم حتّى العشرين من صفر، بمناسبة مقتل الحسين، لم تعد كافية. لم يعد تكاثر الأيام السود، في العقدين الأخيرين، بسرعة باتت تنافس مجموع ما عاشه العراقيون من ظلمة حالكة على مدى تأسيس الدولة العراقية، كافيا. والمفارقة المُهينة لعموم العراقيين أن تأتي الزيادة المتسارعة في ظل حكومات كان أفرادها، ولا يزالون، يتباكون على مظلوميتهم، والتمييز ضدهم في عصور الخوف والقتل والمطاردة، وعلى مر الظروف التاريخية. وإذا كان الحزن الجماعي على استشهاد الحسين الذي يمثل خط الثورة والتضحية والمتبدي في إقامة الطقوس والشعائر والمواكب (تم تسجيل تسعة آلاف موكب للمشاركة في إحياء مراسم الأربعين حتى يوم السبت) فإنه، في ترجمته ضمن واقع النظام العراقي الحالي لا يزيد، سياسيا واقتصاديا، عن كونه سوقا للمزايدة الشعبوية والابتزاز العاطفي ومحاصصة الفساد الطائفي. وظهرت ذروة الانحطاط (ولنأمل أنها وصلت القاع فعلا ولا مجال للانحدار أكثر) في الشهور الأخيرة حين انتهت صلاحية استخدام مبرر «الإرهاب السني» ليطفو على السطح جوهر الخلاف الحقيقي وهو المنافسة على السلطة لصالح هذه الجهة أو تلك بالتوافق مع المصلحة الذاتية وكيفية توزيع عائدات النفط الباذخة. فكما أن الارهاب لا يميز بين الناس، أثبت اقتتال «أهل البيت» أن هوس السلطة، مهما كانت أهدافه، وبتعدد مستوياته الشخصية والعامة، هو الأساس. كما أجهض إقتتال «أهل البيت» الدموي الأخير، وتبادل الاتهامات بين «الفصائل المسلحة»، وتبادل إطلاق النار بالرشاشات والصواريخ واستهداف القوات الأمنية من كل جانب، الفبركة الاستعمارية (القديمة – الجديدة) التي روّج لها المحتل الأمريكي بأن عدم نجاحه في العراق، على الرغم من حسن نيته، سببه الصراع السني الشيعي والمظلومية التاريخية بكل أثقالها وتمظهراتها!
ولعل هذه الحصيلة، رغم ثمنها الغالي، هي الجانب الإيجابي الوحيد الذي يلوح من فوضى الصراع الذي لا يمكن التحرر منه ما لم يتم التعامل، وطنيا، مع مخلفات الاحتلال الأمريكي، بضمنها تحويل العراق إلى ساحة لاستعراض العضلات مع إيران، وهدفه في الهيمنة على مصادر الطاقة بالإضافة إلى الأحزاب والميليشيات والعشائر، الممولة إقليميا، ذات المصلحة في إدامة الصراع الطائفي القومي لتسهيل سيطرتها على موارد النفط وتوزيعها حسب المحاصصة.

كاتبة من العراق

 

 

الحرب الأوكرانية بريئة

من تُقزّم خمس العراقيين

هيفاء زنكنة

 

يعاني واحد من كل خمسة أطفال من التقزم في العراق. هذه حقيقة يحاول الصراع السياسي المفتعل دفنها، سوية، مع تبادل الاتهامات بالفساد، على الرغم من إختلاف الإثنين. فبينما بالإمكان إجراء الإصلاحات، وبعضها فوري، لتجاوز الفساد، سيحتاج علاج ما يصيب الأطفال من أضرار، وانعكاساته على حياتهم ومستقبلهم، بمختلف النواحي، إلى ما هو أكثر من جيل.
من المعروف أن السبب الرئيسي للتقزم، أي عندما لا ينمو الأطفال كما يُفترض ويكونون أقصر وأقل وزنا، بالنسبة لسنهم، هو «نقص التغذية» لأنهم لا يحصلون على ما يكفي من الغذاء. وقد برزت هذه الظاهرة، في سنوات الحصار الذي فُرض على العراق ( 1990 – 2003). حين عاش الشعب فترة تدهور اقتصادي لا مثيل له، وعانت النساء، كأمهات بشكل خاص، من عدم الحصول على ما يكفي من الطعام قبل الحمل وأثناءه، كما تشير تقارير منظمة اليونسيف، فازداد خطر الإصابة بالتقزم. وتؤكد تقارير المنظمة، كما منظمة «أنقذوا الأطفال» الدولية، وبقية المنظمات المعنية بنمو الأطفال وتنمية قدراتهم العقلية، أهمية ما تسميه «نافذة الألف يوم» أي من بداية حمل المرأة حتى بلوغ الطفل عامه الثاني، وهي الفترة الأكثر تأثيرا على إمكانيات الطفل وتطوره المعرفي في المستقبل، لأنها الفترة الحرجة لتكوين وتطور الدماغ، والتغذية الجيدة للأم ضرورية كما تستمر في لعب دور رئيسي في ضمان نمو الدماغ بشكل صحيح. وإذا كان الحصار قد ألحق الضرر بجيل من أطفالنا، فإن تراكم عوامل أخرى زادت من حجم المأساة وألحقت الضرر بالأجيال التالية. من بينها الحروب، والاحتلال، والنزوح القسري، وتعرض العديد من المرافق الصحية للضرر أو النهب أو فقدان موظفيها بسبب النزوح القسري، ونقص الإمدادات الطبية جراء تضخم حجم الفساد المالي والإداري.
في دراسة اجراها خمسة من الباحثين العراقيين بعنوان «سوء التغذية بين الأطفال بعمر 3 – 5 سنوات في بغداد» ونُشرت في دورية علمية عام 2013، أن معدل الانتشار الإجمالي للأطفال ناقصي الوزن في بغداد هو 18.2 بالمئة وأن النسبة أعلى بقليل بين الإناث مقارنة بالذكور. خلُص الباحثون إلى عدم وجود علاقة بين المستوى التعليمي للوالدين أو الحالة الوظيفية وسوء تغذية الأطفال، متوصلين إلى أن سوء التغذية يرتبط بشكل كبير، خاصة بعد حرب عام 2003 «بالعيش في أحياء غير آمنة ومقتل فرد واحد على الأقل من الأسرة خلال السنوات الخمس الماضية». كما اهتمت دراسات أخرى بالعلاقة بين العوامل البيئية والتغذية والصحة، ومن بينها ظروف الحرب، وتأثيرها على النمو البدني للأطفال.

بانتظار التغيير الحقيقي النابع من صميم الشعب، سيبقى خمس العراقيين يعانون من التقزم وانعكاساته الجسدية والنفسية والاقتصادية المُدّمرة على مستقبل البلد كله

تستند معظم الدراسات ذات العلاقة على أن الاحتياجات الأساسية المحددة للسلوك البشري والضرورية بالتالي لمستقبل البلد هي الصحة، التعليم، المساواة، العمل، والاقتصاد. وكلها، حسب منظمة الغذاء الدولية، تقريبا، في تدهور مستمر في العراق الذي يبلغ عدد سكانه 39 مليونا، من بينهم 1.2 مليون نازح و 2.4 مليون شخص في أمس الحاجة إلى الغذاء ومساعدات سبل العيش مع استشراء البطالة. مع وصول معدل الفقر إلى 31.7 بالمئة، في عام 2020. ويحتل العراق المرتبة 123 من بين 189 دولة في مؤشر التنمية البشرية للعام نفسه. وهي نتيجة متوقعة جراء سوء التغذية المزمن، الذي بقي مهملا وبلا حل، على الرغم من رفع الحصار، منذ عشرين عاما، وإرتفاع ميزانية الدولة ارتفاعا لم يشهد له العراق مثيلا. ويُظهر العديد من الدراسات طويلة المدى، من بينها دراسة لسوزان ووكر، أستاذة التغذية في معهد أبحاث طب المناطق الحارة بجامعة ويست إنديز، أن سوء التغذية لا يقلل من فرص بقاء الأطفال على قيد الحياة، ويعيق صحتهم ونموهم فحسب، بل أن الأطفال الذين يعانون من التقزم لديهم مستويات أقل من القدرة المعرفية، وضعف الإنجاز المدرسي. ويظهر الكثير منهم اللامبالاة وأنماط السلوك المشوهة الأخرى. وأن هذه الآثار تستمر حتى مرحلة البلوغ مع انخفاض معدل الذكاء، ومستويات أقل من التحصيل الدراسي، ومشاكل صحية عقلية أكثر تواترًا حين تمتد تأثيرات التقزم لتتعدى الأضرار الجسدية والعقلية المباشرة إلى الأضرار النفسية، مسببة شرخا عميقا في احترام الذات والثقة بالنفس والطموح لتغيير الوضع الذي كانوا عليه.
يأخذنا الرصد الأوسع والأبعد لهذه الكارثة في مرحلة ما بعد الغزو ورفع الحصار، إلى فشل حكومات الاحتلال المتعاقبة في توفير الاحتياجات الصحية الأساسية، من مبان وكوادر إلى الأمن الغذائي والإنساني. ويتبدى الفشل في إهمال الأراضي الزراعية والمحاصيل والاعتماد على استيراد المواد الغذائية بدلا من تصنيعها وعدم ايجاد الحلول لمشكلة الجفاف الناتجة عن تحكم دول الجوار بمصادر المياه والفساد وسوء إدارة موارد الدولة. وإذا كانت محاججة الحكومة بصدد كل المشاكل، خاصة توفير المحاصيل الغذائية، هي الغزو الروسي لأوكرانيا منذ ستة أشهر، فإن هذه المحاججة واهية تماما لأن ما يعانيه العراق من مشاكل ومن بينها سوء تغذية الأطفال وظاهرة التقزم يعود إلى عدة عقود وليس ستة أشهر من الحرب في أوكرانيا التي باتت المشجب الذي تُعلق عليه الحكومات الفاشلة، في أرجاء العالم، إخفاقاتها.
وإذا كان العراق يعاني من نقص الغذاء إلا أنه بالتأكيد لا يخلو من الافكار البّناءة والحلول وخطط التنفيذ من قبل عراقيين متمرسين في هذا المجال، فضلا عن البرامج المقترحة من قبل منظمات حماية الأطفال الدولية، وعدد منها فاعل بزخم معقول داخل البلد، إلا أن إصلاح السياسات والمؤسسات، لا سيما في القطاعَين الزراعي والغذائي، ناهيك عن الصحة والتعليم، لا يحظى بالأولوية لأن تفكيك الدولة بعد الاحتلال جعل الحكومات عاجزة عن تمويل هذه البرامج، ولا يمكنها تطبيقها لغياب نية البناء البشري والوطني من قبل الساسة المنشغلين بالصراعات المذهبية والعرقية والعشائرية والفساد المستشري. وبانتظار التغيير الحقيقي النابع من صميم الشعب، سيبقى خمس العراقيين يعانون من التقزم وانعكاساته الجسدية والنفسية والاقتصادية المُدّمرة على مستقبل البلد كله.

كاتبة من العراق

 

 

الفوزالأوكراني في السعودية

 

هيفاء زنكنة

 

فاز، يوم السبت الماضي، الأوكراني أولكسندر أوسيك ببطولة العالم للملاكمة للوزن الثقيل، على البريطاني أنتوني جوشوا، في النزال الذي أُقيم في مدينة الملك عبدالله الرياضية في جدة. أهدى أوسيك، من أرض المملكة العربية السعودية فوزه إلى بلده الذي يواجه غزواً روسياً منذ شباط/ فبراير الماضي، وإلى عائلته و” كل الجنود الذين يدافعون عن وطني”. احتفى الجمهور، وبحضور ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بفوز الملاكم الأوكراني وألوان علم أوكرانيا وكلمات “ألوان الحرية” المكتوبة على ملابسه. وهو أمر قد لا يثير الانتباه لولا ما يستحضره في الذاكرة ويدعو، كما هي عادة الاستعادة للأحداث، إلى المقارنة ومحاولة تعلم الدروس، ربما لأننا لا نزال نؤمن، حتى ونحن نرى العالم يكرر نفسه في استنساخ همجي، بما قاله الكاتب السعودي عبد الرحمن منيف، بأن ” من يقرأ الماضي بطريقة خاطئة سوف يرى الحاضر والمستقبل بطريقة خاطئة أيضا، لذلك لابد أن نعرف ما حصل لكي نتجنّب وقوع الأخطاء مرة أخرى. فمن الغباء أن يدفع الإنسان ثمن الخطأ الواحد مرتين” يقول الكاتب السعودي عبد الرحمن منيف لئلا نعيش الخطأ مرتين”.
إن الحدث الذي احتضنته السعودية رياضي، والملاكمة رياضة معترف بها دوليا وأولمبيا، والرياضة كما هو متعارف عليه في المواثيق الرياضية، وباتفاق إجماعي بين النوادي والمنظمات الرياضية وحتى الدول، يجب أن تبقى حيادية بعيدة عن السياسة. وتحظر المادة 51 من الميثاق الأولمبي وقانون الاتحاد الدولي لكرة القدم) الفيفا) أي شكل من أشكال التعبير السياسي أو الديني على أرض الألعاب الرياضية. إنها فسحة الهواء التي يتنفس من خلالها الجمهور هواياته وشغفه بالألعاب والتعبير عن مشاعره عن طريق المشاهدة بشكل جماعي. تحييد الرياضة، إذن، كما يدافع مؤيدو وجهة النظر هذه، ضروري. وهناك أمثلة كثيرة عن رياضيين تم إبعادهم أو معاقبتهم لأنهم عبروا عن مواقف سياسية. من هذا المنطلق، يستوقفنا النزال في السعودية وما صاحبه من تصريحات من قبل الفائز، وكيفية التقبل الرسمي المحلي والعالمي لموقفه السياسي المُرحب به بينما، يتم في الوقت نفسه، منع الرياضيين الروس من المشاركة في أي مسابقة رياضية دولية فقط لكونهم مواطنين روسا. فالملاكم أوسيك مقاتل متطوع في القوات الخاصة الأوكرانية. نُشرت له صور وهو يحمل السلاح. تفاخر مدير فريق الملاكمة لشبكة ( سي أن أن) قائلا أن مهمّة أوسيك “كانت التنقل بحثاً عن أشخاص غرباء. ونصب حواجز لمراقبة من يدخل ومن يخرج. وللتأكد من عدم عبور أشخاص غرباء أو يشكلون خطراً”.

أجبرت الحرب في أوكرانيا عالم الرياضة على اختيار جانب، وهي تعني ذلك حقًا”. وهو موقف سليم تماما، ويبقى السؤال: هل سيُطبق على جميع الرياضيين في كل الدول أم أن ازدواجية المعايير لغة وممارسة ستبقى هي العملة المتداولة كما هو الموقف الحالي من أوكرانيا؟

فأُضيف إلى لقب أوسيك الملاكم بطل العالم، لقب المقاوم، مقاتل الغزاة الروس، المدافع عن بلده ضد الاحتلال. الأمر الذي يجعلنا بمواجهة تساؤل مهم، كيف يتم السماح لمقاتل غير نظامي يحيط مهامه على أرض المعركة الغموض المشاركة بحدث رياضي عالمي؟ هل لأنه أوكراني وطبول دعم أوكرانيا، إعلاميا وحربيا واقتصاديا، من قبل دول الناتو، وحاجة السعودية إلى تغيير إطار صورتها، أمام العالم، أعلى من أي منطق؟ وكيف بات لقب الأوكراني، مهما كانت طبيعة العمليات التي يُنفذها، مُقاوما، في اللغة اليومية الشائعة للسياسيين وأجهزة الإعلام العالمية، بينما تم وسم العربي والمسلم المقاوم بالإرهاب وبتنويعات أخرى كما رأينا بعد الغزو الأنكلو أمريكي للعراق في عام 2003، وكما يواصل الاحتلال الصهيوني وصف مقاومة الشعب الفلسطيني ويكررها من بعده العالم؟
لغويا ولغرض ترسيخ صورة معينة، ولنأخذ العراقي نموذجا، استحدث المحتل الأمريكي نعوتا مهينة للحط من قيمة العراقي المقاوم وإنسانيته، لتبرير قتله من جهة وتماشيا مع سياسة أمريكا بأن من الممكن كسب الحرب في ساحة الرأي العام دعائيا وإعلاميا. بداية، كان وصف المقاوم: صداميا، فاشيا، ثم أصبح إسلاميا، سنيا، وقاعدة. وخلافا لما يحدث بأوكرانيا، من تشجيع للمتطوعين الأجانب للقتال ضد الاحتلال الروسي، وُصف المتطوع العربي المتوجه إلى العراق للدفاع عن البلد ضد الغزاة بأنه إرهابي، من المرتزقة، ذهب للدفاع عن الطاغية صدام، وفي أحسن الأحوال متمردا أو من العصاة. وتم تعليب ذلك كله بمصطلحات، انتشرت بين قوات الاحتلال، تسللت إلى وعي العالم أما من خلال التصريحات العسكرية الرسمية أو شهادات الجنود الأمريكيين.
ومن سخرية القدر أن يأتي إجراء النزال بالسعودية، ليذكرنا بالاهتمام الكبير الذي حظي به لقب “الحاج” لدى قوات الاحتلال عموما ومن بينها القوات الأوكرانية التي اشتهرت بشراستها ضد العراقيين. حيث اُستخدم وسم ” الحاج” ليس للدلالة على من يتوجه إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، ولكن لإهانة ” العدو”، أي العراقي أو أي شخص من أصل عربي أو حتى من ذوي البشرة السمراء. من بين الاستخدامات ” درع الحاج” وهو درع مرتجل نصبه جنود يستأجرون عراقيين لتحديث المركبات عن طريق تركيب أي معدن متوفر على جوانب عربات الهمفي. و “حاجي مارت” أو متجر حاجي: أي المحل الصغير الذي يديره عراقيون لبيع الأشياء للقوات الأمريكية. أما ” دورية الحاج” فهي الدورية العراقية المرافقة للأمريكية. وحسب المنظور العسكري الأمريكي يُعتبر العراقي المُقاوم ” علي بابا ” بمعنى اللص والمجرم، بينما تستخدم تسمية ” الملاك” للجندي الأمريكي القتيل.
في مقالة نشرتها صحيفة ” الغارديان ” بعنوان ” الحرب في أوكرانيا أنهت خرافة حيادية الرياضة” ، كتب تم هاربر، رئيس مؤسسة ” المساواة في الرياضة”، متهما رؤساء الاتحادات الدولية الرياضية بإدارة رؤوسهم بعيدا عن محنة الناس بالتوافق مع الأنظمة الاستبدادية والديكتاتورية وطغيان المصلحة التجارية على المصلحة المشتركة. مستدركا بقوة “لكن هذه المرة، أجبرت الحرب في أوكرانيا عالم الرياضة على اختيار جانب، وهي تعني ذلك حقًا”. وهو موقف سليم تماما، ويبقى السؤال: هل سيُطبق على جميع الرياضيين في كل الدول أم أن ازدواجية المعايير لغة وممارسة ستبقى هي العملة المتداولة كما هو الموقف الحالي من أوكرانيا؟

٭ كاتبة من العراق

 

 

( كصديقة لإسرائيل)…

الحكومة البريطانية ترد

هيفاء زنكنة

 

وقَع أكثر من مائة ألف شخص التماسا طالبوا فيه أن تقوم المملكة المتحدة بمراجعة سياستها الخارجية «في ضوء التقارير عن الفصل العنصري الإسرائيلي». تم إرسال الالتماس، بعد الحصول على عدد التوقيعات المطلوبة للنظر فيه، إلى لجنة الالتماسات البريطانية المكونة من 11 نائبا من الأحزاب السياسية المشاركة في الحكومة والمعارضة معا، وهي لجنة تُعّرف نفسها بأنها مستقلة تماما.
جاء الالتماس الذي جُمعت توقيعاته بسرعة كبيرة أثناء هجوم الكيان الصهيوني الأخير على غزة الذي أسفر عن مقتل 48 شهيدًا – 17 منهم من الأطفال – وجرح حوالي 360 ، من بينهم ما لا يقل عن 151 طفلاً، والهجوم على مدينة نابلس حيث اغتيل ثلاثة من المقاومين هم إبراهيم النابلسي وإسلام صبح وحسين طه. خلال هجوم الكيان الصهيوني المسعور، استقبلت مستشفيات غزة المُحاصرة، أعدادا كبيرة من الإصابات الناجمة عن الانفجارات المباشرة وشظايا الصواريخ وتساقط الأنقاض من المباني المنهارة، وهي التي تعاني أساسا من قلة الأدوية والمعدات والعلاج الطبي، وإعادة التأهيل، والحاجة الماسة لدعم الصحة العقلية للأشخاص الذين يعانون من صدمات نفسية أما بسبب إصاباتهم أو فقدان أحبائهم. والمعروف أن أكثر من 40 ألفا من سكان غزة أصيبوا بجروح جراء القصف والهجوم الصهيوني خلال الأربع سنوات الأخيرة.
استند موقعو الالتماس في مطالبتهم إعادة النظر في السياسة الخارجية على تقارير منظمات حقوقية دولية وثقّت سياسة التمييز العنصري التي يمارسها الكيان بشكل يومي بحق المواطنين الفلسطينيين والانتهاكات التي يتعرضون لها جراء الاحتلال.

 وقَع أكثر من مائة ألف شخص التماسا طالبوا فيه أن تقوم المملكة المتحدة بمراجعة سياستها الخارجية «في ضوء التقارير عن الفصل العنصري الإسرائيلي»

ثبّت اعتراف المنظمات بممارسات الكيان العنصرية، ما كان الفلسطينيون يعيشونه ويوثقونه بأنفسهم على مدى سنين، وهو مطابق لممارسات نظام التمييز العنصري «الأبارتهايد» في جنوب أفريقيا.
تلقت لجنة الالتماسات الالتماس. وحسب السيرورة المرسومة في النظام «الديمقراطي»، ألقت نظرة عليه، وجاء الرد الحكومي باسم حكومة وبرلمان المملكة المتحدة ليضع حدا لأي أمل خالج الموقعين في أن يكون الالتماس، كما هي العادة الجارية، أداة ضغط على الحكومة لاتخاذ إجراء معين وجمع الأدلة.
فما الذي تضمنه الرد؟ لا شيء جديدا وإن كان من الضروري قراءته من باب التذكير بموقف حكومة كانت ولاتزال تمارس ازدواجية المعايير بلا مقياس أخلاقي. جاء في الرد أن «المملكة المتحدة ملتزمة بدفع عملية السلام في الشرق الأوسط إلى الأمام … وأن استئناف المفاوضات الثنائية الهادفة، بدعم دولي، هو أفضل طريقة للتوصل إلى اتفاق»، وأنها مُطلعة على التقارير الدولية (تعني تلك التي تُثبت أن النظام الإسرائيلي هو نظام تمييز عنصري) إلا أنها لا تتفق مع المصطلحات المستخدمة فيها، مكتفية بذلك بدون التطرق إلى تفاصيل التقارير أو محاججتها.
يلجأ الرد بمجمله إلى الموقف المعتاد في المساواة بين الجلاد والضحية بل ويتعداه ، غالبا، بلغة صريحة أو مبطنة إلى إلقاء اللوم على الضحية وبالتالي استحقاقها ما يقع عليها. هذا هو الملمح العام للرد مغلفا بمفردات «عملية السلام» و»التسوية التفاوضية» و»الالتزام بالقانون الإنساني الدولي وتعزيز السلام والاستقرار والأمن»، وأن تُجرى مفاوضات بإشراف دولي، يضم بالتأكيد الحكومة البريطانية التي لا تخاطب نظام التمييز العنصري إلا «كصديق». مرتان تكررت مخاطبة الكيان الصهيوني كصديق . الأولى بالقول « كأصدقاء لإسرائيل ، لدينا حوار منتظم مع حكومة إسرائيل» والثانية في معرض الغزل بـ» التزام إسرائيل طويل الأمد بالقيم الديمقراطية» وكيف أن إلتزامها «هو أحد نقاط قوتها العظيمة كديمقراطية زميلة … كصديق لإسرائيل ، نشعر بالقلق من أي تطورات قد تقوض هذا الالتزام».
ويتضح من قراءة الرد، بوضوح لم تنجح اللغة الدبلوماسية بتمويهه، أن هناك موقفين مختلفين تماما من النظام العنصري والشعب الفلسطيني: الأول هو موقف الصديق القلق على أمن وسلامة صديقه مما يستدعي «الاعتراف بحاجة إسرائيل المشروعة لاتخاذ تدابير أمنية» و»تظل المملكة المتحدة حازمة في التزامها بأمن إسرائيل». كما «يستحق شعب إسرائيل أن يعيش في مأمن من ويلات الإرهاب والتحريض اللاسامي الذي يقوض بشكل خطير احتمالات حل الدولتين. لقد أذهلتنا الهجمات الإرهابية الأخيرة ضد المواطنين الإسرائيليين. لا يمكن أن يكون هناك أي مبرر لأعمال العنف هذه». وإذا حدث و»وُجهت اتهامات بالاستخدام المفرط للقوة، تدعو المملكة إلى إجراء تحقيقات سريعة وشفافة».
وكأن كاتب الرد خشى أن يٌتهم بـ «معاداة السامية»، وهي التهمة الجاهزة فورا ضد أي شخص يحاول الإشارة من قريب أو بعيد إلى احتلال فلسطين وجرائم المحتل، فقام بتدوين سرد لقائمة مواقف بريطانيا الداعمة للكيان. ومن بينها وقوف «المملكة المتحدة إلى جانب إسرائيل عندما تواجه تحيزًا وانتقادًا غير معقول» مع ذكر أمثلة عن منع تمرير قرارات للأمم المتحدة مؤيدة للشعب الفلسطيني. وفي الوقت الذي لعبت فيه الحكومة البريطانية دورا رئيسيا في فرض العقوبات والحصار الشامل على الشعب العراقي على مدى 13 عاما، وبينما لا تجد ضيرا في حصار الإبادة المفروض ضد سكان غزة، نجدها تصرح «نحن نعارض بشدة المقاطعات / العقوبات في حالة إسرائيل «. لماذا؟ لأنها ترى أن المقاطعة ستعيق جهودها « للتقدم في عملية السلام»!
أما الموقف من معاناة الشعب الفلسطيني جراء الاحتلال والممارسات العنصرية فإنه لا يعدو كونه ناتجا طبيعيا لما يوصف بأنه « نزاع» أو «صدام» . أما مقاومة الاحتلال فإنها إرهاب يُسّوغ اعتقال وسجن وإغتيال المقاومين. ولا يأتي ذكر ما يتعرض له الشعب الفلسطيني إلا كهامش في جمل فضفاضة مبتذلة لفرط عُريها، على غرار: « لكل إسرائيلي وفلسطيني الحق في العيش بسلام وأمن». وإن كانت بريطانيا لا تغفل عن ذكر كرمها في «تحسين حياة الفلسطينيين» مركزة بشكل خاص على تزويق «المساعدات الإنسانية لغزة»، لتغطية بثور النظام الصهيوني العنصري الذي جعل من غزة سجنا لمليوني فلسطيني.
ما هي، إذن، أهمية المشاركة في توزيع وتوقيع الالتماس، وواقع الحال يشير إلى معرفة الجميع بما سيكون عليه الرد الحكومي؟ إن استمرارية النشاطات المناهضة للاحتلال، بكافة المستويات، ضرورية لا من أجل تحقيق غايتها النهائية فحسب بل في سيرورتها وكونها أداة توعية وتضامن عالمي مع المقاومة التي يتحمل الفلسطينيون عبأها الأكبر، ويدفعون ثمنها غاليا من حياة الناس اليومية ودماء الشهداء والجرحى والمصابين.
كاتبة من العراق

 

 

استقبال نتائج الانتخابات الديمقراطية

في الجزائر وفلسطين والعراق

هيفاء زنكنة

 

 

في تطور لعملية إقتحام مبنى البرلمان العراقي، بعد أسبوع من النوم والأكل وإقامة الشعائر الحسينية، صار مطلب المقتحمين، إجراء انتخابات جديدة بدلا من المطلب الذي دعاهم أساسا إلى اقتحام البرلمان وهو الاحتجاج على ترشيح محمد السوداني المنتمي إلى جهة سياسية منافسة لقائد المقتحمين مقتدى الصدر، رئيسا للوزراء. يأتي مطلب إعادة الانتخابات ليتصدر الأجواء المشحونة بالتهديد والتُهم المتبادلة بعد أن برز على السطح سؤال لم يخطر على بال المقتحمين الذين كان جُل ما فعلوه هو تلبية أمر قائدهم، وهو: ما هي الخطوة التالية بعد نجاح الاقتحام؟ وهل من برنامج لما بعد الاقتحام أو هل هناك برنامج أساسا للتيار الصدري الناشط تحت قيادة زئبقية؟
ردا على السؤال، ظهرت دعوة مقتدى الصدر لحل البرلمان الحالي وإجراء انتخابات مبكرة، حاثّاً المتظاهرين المعتصمين إلى الاستمرار باعتصامهم لحين تحقيق المطالب. الأمر الذي وفر للساسة المنخرطين بالعملية السياسية الموسومة بالفساد والطائفية وتفتيت العراق، بضمنها ساسة التيار الصدري، فرصة الجلوس في استديوهات الفضائيات لساعات وساعات والادعاء بأن هذا هو ما « يريده الشعب»، بل أن ما يأمر به السيد (وهو لقب ديني لمقتدى) هو ما يريده «الشعب»، وأمره باقتحام البرلمان أكبر دليل على ذلك.
ولنفترض أن الشعب لا يعاني من هيمنة الفساد المؤسساتي وانعكاساته على تفاصيل التعامل اليومي، وأنه لا يعيش أجواء الارهاب وهيمنة الميليشيات، وأنه لا يهتم بانقطاع الكهرباء وقلة مياه الشرب والتصحر وانتشار الامراض السرطانية، والنزوح القسري، وانخفاض مستوى التعليم والصحة، ومخاطر الاختطاف والاعتقال والتعذيب، ومعاناته من الفقر وهو في بلد غني جدا، ولنفترض بأن ما يريده ويطمح إلى تحقيقه، هو إجراء إنتخابات جديدة لا غير لأنه كما قال الصدر في 3 آب/ أغسطس، قد سئم الطبقة السياسية الحاكمة، مخاطبا الشعب «استغلوا وجودي لانهاء الفساد، ولن يكون للوجوه القديمة وجود بعد الآن من خلال عملية ديمقراطية ثورية سلمية، وعملية انتخابية مبكرة». ولنفترض صدق الصدر هذه المرة ونسيان كونه قد شارك في الانتخابات السابقة، كما كان شريكا دائما في كل الحكومات الفاسدة المتعاقبة منذ احتلال البلد عام 2003، ليبقى السؤال عن ماهية الانتخابات التي يدعو إليها؟ سيرورة تنظيمها وتكلفتها، والأهم من ذلك ما الذي ستحققه بالمقارنة مع الانتخابات السابقة؟

كان فوز التيار الصدري، ضربة لم يتحملها منافسوه من الأحزاب الإسلاموية المنتمية إلى ذات المذهب، وإن كانت نسبة المشاركة حوالي 20 بالمئة فقط. فبرزت على السطح، منذ ما يزيد على العشرة أشهر، الخلافات والتهديدات بين الفائزين والخاسرين، مدعومة باستعراض سلاح الميليشيات والتحشيد الشعبوي وتقزيم دور الشعب

قد تساعدنا العودة إلى مجريات الانتخابات السابقة للاجابة على الأسئلة. من الضروري، بداية، التذكير بحجم الثناء الذي أٌهيل على الانتخابات التي أُجريت في العاشر من أكتوبر 2022. إنها انتخابات «مفصليةٌ مصيريةٌ وتأسيسية» و«واحدةٌ من أهم العمليات الانتخابية في تاريخ العراق الحديث» قال برهم صالح رئيس الجمهورية. «بها يتفادى خطر الوقوع في مهاوي الفوضى والانسداد السياسي» قالت المرجعية الدينية. إنه «طريق نأمل أن يؤدي إلى عراق أكثر ازدهارًا وأمناً وعدالة» قالت جينين هينيس- بلاسخارت مسؤولة بعثة الامم المتحدة بالعراق. وهنأت السفارة الإيرانية ووزارة الخارجية الروسية الحكومة والشعب بالنجاح، وأشادت بريطانيا «بالتسيير السلس» للانتخابات. وأرسلت جامعة الدول العربية، برقية تهنئة الى الحكومة والشعب. وردد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي «لقد أتممنا واجبنا بإجراء انتخابات نزيهة وشفافة». وأكدت المفوضية المستقلة للانتخابات أنها «كانت مفخرة لنا، وسُررنا بالمؤسسات الداعمة التي أمّنتها».
اتفق، إذن، كل المشاركين، بضمنهم التيار الصدري المشارك بقوة، أن عملية الاقتراع، سارت «بشكل انسيابي» وهي «مختلفة عما جرى عام 2018». حيث تمت بحضور أكبر بعثة انتخابية للأمم المتحدة في جميع أنحاء العالم، وبعد إجراء أربع عمليات محاكاة انتخابية، وصرف مبالغ خيالية، وبعد توقيع كل الأحزاب المشاركة على «مدّونة قواعد السلــوك الانتخابي» التي تعهدت بموجبها «بنبذ التعصب والعنف وخطاب الكراهية».
إلا أن هذا كله تهاوى حالما أُعلنت نتائج الانتخابات، وفيها الخاسر والرابح، كما هو متوقع من الانتخابات الديمقراطية، باستثناءات عربية ودولية قليلة. من بينها قرار المجلس الأعلى للأمن الجزائري إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية، التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ (الفيس) بالأغلبية، عام 1992، بذريعة إنقاذ الدولة من وصول إسلاميين متطرفين إلى الحكم. فكانت النتيجة الاقتتال لمدة عشر سنوات أُطلق عليها اسم « العشرية السوداء». وفي فلسطين، رفض الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، الإعتراف بنتائج الانتخابات التشريعية لعام 2006، بعد فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بحصولها على 76 مقعدا من أصل مقاعد المجلس التشريعي البالغة 132. كما رفضت حركة فتح (الخصم السياسي لحماس) وبقية الفصائل، المشاركة في الحكومة التي شكلتها حماس، مما أدى عام 2007 إلى الاقتتال الذي انتهى بإدارة حماس لقطاع غزة فقط وفرض الكيان الصهيوني الحصار الشامل على غزة وإخضاع اهلها لأسوأ الظروف المعيشية واستهداف قيادات المقاومة المسلحة. أما النموذج العالمي فيمثله رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لنتائج الانتخابات الرئاسية وتشجيع أنصاره على إحتلال مبنى الكونغرس في حدث لم تشهد له أمريكا مثيلا سابقا.
على ذات المنوال، كان فوز التيار الصدري، ضربة لم يتحملها منافسوه من الأحزاب الإسلاموية المنتمية إلى ذات المذهب، وإن كانت نسبة المشاركة حوالي 20 بالمئة فقط. فبرزت على السطح، منذ ما يزيد على العشرة أشهر، الخلافات والتهديدات بين الفائزين والخاسرين، مدعومة باستعراض سلاح الميليشيات والتحشيد الشعبوي وتقزيم دور الشعب باسم الشعب. وهاهو الصدر، يطالب باستحقاقه الانتخابي في تشكيل الحكومة بطريقة خَلقت، حتى الآن، بين المواطنين جوا من الخوف والرعب من نشوب القتال مع ذات القوى السياسية المنافسة له والتي ستشاركه الانتخابات المقبلة، إن حدثت، لأنها لا تقل عن تياره تغلغلا وفسادا في مؤسسات الدولة فضلا عن كونها لا تختلف عن تياره بقوتها القتالية وتعطشها للدماء. ويبقى الأمل المنشود، وهنا المفارقة، أن يقرر الصدر فجأة، كعادته أثناء الأزمات التي يلعب دورا في إثارتها، الانسحاب والانكفاء في صومعته أما لكتابة الشعر أو إنهاء دراسته.

كاتبة من العراق

 

 

اقتحام البرلمان…

كوميديا العراق السوداء

هيفاء زنكنة

 

لماذا لا يثير إحتلال مبنى البرلمان العراقي، في المنطقة الخضراء في بغداد، مشاعر الحماس كما أثار إحتلال المحتجين القصر الرئاسي في سريلانكا والذي وصل الحماس له إلى الشعوب العربية ليمنحها بعض التفاؤل؟
هل لأن محتلي المبنى، ببغداد، لا يمثلون الشعب على الرغم من إدعائهم بأنهم الشعب المسحوق؟ أم لعلها الطائفية التي بعد أن حققت نجاح استقطاب السلطة لصالح الأحزاب والميليشيات الإسلامية ذات المذهب الواحد، في السنوات العشرين الأخيرة ومنذ غزو العراق عام 2003، وفي غياب العدو المشترك الموحد لها، أوصلت دودة الأرضة / الفساد إلى أرض «أهل البيت» لتنخر «البيت» من الداخل؟ ولكن… ماذا عن راية الإصلاح التي رفعها المقتحمون داخل المبنى وهم يتقافزون على الكراسي، وداخل المكاتب ويصورون أنفسهم داخل المرافق الصحية متحدثين عن توفر الماء والكهرباء للبرلمانيين بينما يُحرم الشعب منها؟
أليست هذه هي روح الشعب المسحوق المُنتفض ضد الفساد، ومن حقه استعادة ملكية المبنى وتحويله، إلى ما يشاء، ولو كان ما يريده ساحة إضافية أخرى لأداء طقوس النواح واللطم؟ أم أن غياب الحماس باقتحام مبنى هو رمز للفساد، الموجود في منطقة محصنة هي رمز للاحتلال، سببه اليأس من إسطوانة مشروخة، لكثرة التكرار، من قبل قائد التيار الصدري، حتى بات تجسيدا لبيضة لن يخرج منها عصفور، كما يقول الشاعر الراحل مظفر النواب؟
هناك أسباب كثيرة تدعو إلى عدم التفاؤل باقتحام البرلمان ليس من بينها عدم الإيمان بضرورة التغيير وقدرة الشعوب على التغيير والعيش الكريم في وطن يتسع للجميع. إلا أن اقتحام البرلمان العراقي يختلف عن اقتحام المتظاهرين للقصر الرئاسي في سريلانكا، الذي وقع بعد احتجاجات جماهيرية ومظاهرات عارمة، استمرت لفترة طويلة وعّمت أرجاء البلاد، مطالبة باستقالة رئيس الدولة ورئيس الوزراء، بعد أن أعلن الأخير انهيار اقتصاد البلد بالكامل، في أسوأ أزمة اقتصادية منذ استقلال البلاد عام 1948، بالإضافة إلى معاناة الناس من نقص حاد في الغذاء والوقود والأدوية. وعلى الرغم من معاناة العراقيين من نقص الأساسيات، وهي نقطة تشابه مع سريلانكا، إلا أن حيثيات اقتحام البرلمان تختلف من عدة نواح لعل أبرزها أولا: أن العراق واحد من الدول الغنية في العالم، وقد وصل دخله من النفط، حاليا، أعلى نسبة في تاريخه. ثانيا أن عملية الاقتحام اقتصرت على أتباع مقتدى الصدر، قائد التيار الصدري وميليشيا سرايا السلام الشيعية.
ثالثا: جاء الاقتحام احتجاجا على ترشيح منافس للتيار الصدري، من قبل تكتل شيعي آخر يُدعى الإطار، لمنصب رئيس الوزراء، بناء على مناورات سابقة أرادها الصدر استعراضا لشعبوية قيادته للتيار والميليشيا. من بين المناورات التي شغلت البلد وعطلت حياة الناس: الأمر بانسحاب البرلمانيين الصدريين، صلاة الجمعة الموحدة، والإعلان عن مؤامرات تهدف إلى اغتيال الصدر بعد أن قام الناشط الحقوقي علي فاضل بتسريب أشرطة لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي احتوت لخطورة تحريضها على العنف، ما كان يجب أن يُقدم على أثرها المالكي للمحاكمة. رابعا: أن قائد مقتحمي البرلمان لا يمثل الشعب ولا حتى الأغلبية، بل غالبا ما يتم تضخيم دوره حسب الحاجة لإثارة العنف والفوضى.

لماذا لا يثير احتلال مبنى البرلمان العراقي، في المنطقة الخضراء في بغداد، مشاعر الحماس كما أثار إحتلال المحتجين القصر الرئاسي في سريلانكا والذي وصل الحماس له إلى الشعوب العربية ليمنحها بعض التفاؤل؟

وما يزيد من محدودية «التيار الصدري»، تقّلب سلوك زعيمه من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بسبب حالة الصعود والهبوط النفسي الحاد الذي يعاني منه منذ طفولته ويتبدى بشكل واضح في خطبه ولغته وسلوكه. خامسا: أن عدد المرات التي ساند فيها الصدر الفاسدين ومجرمي الحرب وأبرزهم عدوه الحالي نوري المالكي تجاوزت اصابع اليد الواحدة، بل والأدهى من ذلك أنه كان أحد الاسباب الرئيسية التي لعبت دورا حاسما في القضاء على مظاهرات تشرين/ أكتوبر 2019 لأنها مثّلت صوت الشعب العراقي فعلا، وأحيت الأمل باسترداد الوطن إلى أن أدرك الصدر وأتباعه أنها ستُحدث تغييرا سياسيا حقيقيا مما يهدد شعبويته، فأرسل أتباعه وميليشياته لتفريقها.
ومقتدى الصدر ليس فريدا من نوعه في مزاجيته المرضية المنعكسة بقوة على الوضع السياسي، فالفضل الأول يعود الى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي حفّز بخطبه وتلفيقاته مشاعر العنصرية و«الوطنية» الزائفة. حتى يكاد اقتحام البرلمان العراقي مطابقا للهجوم على مبنى الكونغرس بواشنطن وأحتلاله من قبل أتباع ترامب، المطالبين بإيقاف التصديق على فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية، وبقوا في المبنى لأكثر من ثلاث ساعات قبل أن يطلب منهم ترامب، الذي كان متمتعا بمراقبتهم عبر شاشة التلفزيون، العودة إلى ديارهم. بذات الايقاع، بقي أتباع الصدر في البرلمان، في الاقتحام الأول، مدة ثلاث ساعات، إلى أن وصلهم أمر مقتدى، مغردا «وصلت رسالتكم… أيها الأحبة فقد أرعبتم الفاسدين عودوا لمنازلكم سالمين».
في ذات الوقت، سرّب نوري المالكي، منافس الصدر الأقوى في احتلال المناصب الوزارية والمؤسساتية من «البيت الشيعي»، صورا له وهو يحمل سلاحا وسط مجموعة من حراسه داخل المنطقة الخضراء. كانت رسالة الصور المُسرّبة واضحة. أنها تُعبرعن جدية المالكي في تطبيق ما صرح به ذات يوم بأنه «لن يعطي» السلطة لغيره، وإن كانت رسالته حينئذ موجهة كتهديد لمن يتجرأ على معارضته من السنة وليس الشيعة كما يحدث الآن، مما يُثبت أن كوكتيل التشبث بالسُلطة والفساد أقوى من الولاء المذهبي. فأيقن الصدر أن الاقتحام الأول لم يُحدث التأثير المطلوب بل جاء لصالح منافسيه، فكان الاقتحام الثاني مدعوما هذه المرة بحضور المسؤول العام لميليشيا «سرايا السلام» لاستعراض قوة السلاح بمباركة الصدر الذي نُشرت له صورة وهو يقرأ القرآن ومخاطبا المقتحمين «داعياً الله.. لكم أيها الأحبة بالحفظ والسلامة والنجاح». ليواصل وأتباعه التظاهر بالنزاهة والتدين والوطنية بينما، كانوا ولايزالون، يتحكمون بأكثر إدارات الدولة ومؤسساتها فسادا وإرهابا، وما يقومون به الآن من اعتصام هو مجرد استمرارية لكوميديا سوداء يدفع العراق ثمنها غاليا تحت مٌسميات مُتغيرة حسب جهة التسويق.

كاتبة من العراق

 

 

 

لماذا تختار الشعوب الغربية مسايرة

السياسة الخارجية لحكوماتها؟

هيفاء زنكنة

 

صحيح أن روسيا وقعت إتفاقية مع أوكرانيا تتيح لأوكرانيا إعادة فتح موانئها على البحر الأسود لتصدير أطنان الحبوب العالقة في فيها بسبب الحرب، وقد يكون هذا الاتفاق على الرغم من إمكانية خرقه، خطوة، نحو تبني دبلوماسية لتخفيف الاقتتال بين الدولتين، ولكن… هل سيكون لهذا التقارب، الذي تم عبر وسطاء، وستكون له نتائج اقتصادية إيجابية عالمية، انعكاسات نفسية ومجتمعية إيجابية، أيضا، على الشعوب الغربية التي تمت تغذيتها بحملات سياسية وإعلامية مكثفة، ضد روسيا، منذ الغزو الروسي وتبني حلف الناتو بقيادة أمريكا وبريطانيا لأوكرانيا؟
سبب التساؤل هو أن الآثار المجتمعية، خاصة المبنية على التمييز، أبعد وأعمق بكثير من التغيرات الآنية المتسارعة الناتجة عن التحشيد الدعائي السياسي والإعلامي، المؤجج لنار ليست خامدة تماما. إذ لم يقتصر احتضان قضية الدفاع عن أوكرانيا ضد الغزو الروسي على الحكومات وأجهزة الإعلام والمنظمات الدولية والمثقفين، سواء كانوا أوكرانيين ( من داخل وخارج أوكرانيا) أو من المثقفين الروس المعارضين للغزو، بل امتد متجذرا في حياة الناس اليومية، بأدق تفاصيلها، في البلدان الغربية. وهو ما لم يحدث عند غزو العراق أو حصار غزة وتحويلها إلى سجن لما يزيد على المليوني شخص.
فالصحف المحلية المجانية ببريطانيا، مثلا، وهي التي تقتصر عادة على أخبار سكان « محلة / حي» معين، وتراوح في تغطيتها بين أخبار سرقة دراجة أو كلب ضائع والإعلانات عن دور العجزة وعمال التظيف وألشكاوى من الإدارة المحلية، باتت تتصدرها أخبار تأليف قطعة موسيقية مهداة يتم التبرع بواردها لأوكرانيا أو سفر ناشطين إنكليز، للمرة الرابعة، إلى أوكرانيا « لايصال تبرعات إلى ضحايا الغزو الروسي». قارنوا ذلك بالحكم على رافل ظافر، الطبيب الأمريكي من أصل عراقي، بالسجن 22 عاما، في 28 أكتوبر 2005، لأنه أرسل أموالا إلى المحتاجين من ضحايا الحصار في العراق. وماذا عن خبر فوز فرقة أوكرانية في مسابقة «يوروفيجن» 2022، وبيعها الكأس الذي حصلت عليه لشراء طائرات بدون طيار لـ «مقاومة» المحتل الروسي، بينما وُسم كل من قاوم احتلال العراق بالإرهاب ويُسجن كل فلسطيني يقاوم الاحتلال الإستيطاني متهما بالإرهاب؟
لقد لعبت، ولاتزال، بلا شك، التغطية الإعلامية لغزو أوكرانيا دورا كبيرا في تشكيل الوعي الجماعي للشعوب الغربية. فهي أكبر وأكثر تعاطفاً من تغطيتها للبلدان «غير البيضاء» وتنضح بالعنصرية أحيانا، مما وفر لأوكرانيا فرصة الاستفادة من الامتياز الأبيض في العلاقات الدولية، كما وفرت لها حليفتها أمريكا، وهي القوة الإمبريالية الأكثر هيمنة في العالم، الدعم العسكري والمساعدات بكافة أنواعها ومستوياتها. لهذه العوامل مجتمعة دور أساسي في منظومة تسيير الحياة اليومية الغربية وتشكيل ما يطلق عليه المفكر اليساري الأمريكي نعوم تشومسكي مصطلح «صناعة الرضا» إلا أنه من الصعب إلقاء اللوم الكلي عليها في انجذاب معظم الناس، في الغرب، إلى دعم أوكرانيا وحلفائها بينما لم يحدث الأمر ذاته في أفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط.

أما الشعوب الُمُستعمِرة فإن ما بقي متجذرا في صُلب تكوينها، هو المنطق العنصري، الأبوي، والتفوق الأبيض المشترك الذي وفر الأسس الأيديولوجية للاستعمار الأوروبي

فهل هي روح المُستعمِر الأوروبي بعنجهيته وعنصريته، الذي كانت الغالبية العظمى من دول العالم مُستعمَرة من قبله، لا تزال متجذرة عميقا في نفوس السكان، حتى بعد زوال الامبراطوريات الاستعمارية وتحرر البلدان من سطوتها ؟ وهل انتهت العلاقات القديمة المبنية على الاستغلال بعد تخلص الشعوب من قيودها لتحل محلها علاقات جديدة مبنية على الاحترام المتبادل والمساواة الإنسانية بعيدا عن عنصرية اللون والدين والعرق؟ وماذا عن أمريكا التي لا يحمل سكانها، وهم خليط من جميع أنحاء العالم، الإرث الامبراطوري؟ أم أن ما يتحكم بالنفوس، الآن، هو تزاوج المصالح الأقتصادية مع السياسة الخارجية والتي يتم تقديمها مُعلبة بتسمية «المساعدات الإنسانية» على مستوى الحكومات و«الإحسان» والتبرعات الخيرية على مستوى الأفراد، وهو ما يتيح للحكومات تسويق الادعاءات بأنها إنما تدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، والانسانية بشكل عام؟
ان حجم التعاطف الشعبي الغربي اليومي العام الكبير المستمر مع ضحايا الغزو الروسي بالمقارنة مع مستوى ما شهدناه إزاء محنة الشعب العراقي، ضحية الغزو الانكلو أمريكي، بعد حصار قاتل دام 13 عاما، ومأساة الشعب الفلسطيني الذي يعيش احتلال ما يزيد على السبعين عاما، يبين أن تحطم الشكل الاستعماري المباشر لا يعني بالضرورة وضع حد لتأثيرها سواء على الشعوب المُستعمَرة أو المُستعمِرة. وتتبدى تأثيرات الامبريالية طويلة المدى على الشعب المُستعمَر بتنصيب حكومات وفق قالب جاهز يعكس المصالح الأوروبية، والتغيرات الاقتصادية التي تساعد على ديمومة الديناميكية الرأسمالية وأعباء الديون، والتغيرات الثقافية المُهّمِشة لدين لصالح دين آخر.
أما الشعوب الُمُستعمِرة فإن ما بقي متجذرا في صُلب تكوينها، وإن حاول البعض تحديه، هو المنطق العنصري، الأبوي، والتفوق الأبيض المشترك الذي وفر الأسس الأيديولوجية للاستعمار الأوروبي. وإذا حدث ونجح ( غير الأبيض) في تسلق سلم النجاح السياسي، بريطانيا نموذجا، فإن سبب القبول به هو كونه قيصريا أكثر من قيصر، بإيمانه بأن الثقافة والحكومة البريطانية هما من أسمى أشكال الحياة والحكم. توارث هذه العنجهية، لخصته وزيرة خارجية بريطانيا ليز تروس، في خطاب لها عن دعم بريطانيا المطلق لأوكرانيا بقولها إن بريطانيا مستعدة «لفعل الأشياء بشكل مختلف، والتفكير بشكل مختلف والعمل بشكل مختلف… لإنجاز الأمور». بذات الوقت الذي سلط فيه تقرير « تشاتام هاوس» عن الفساد، الضوء على مدى استفادة السياسيين في المملكة المتحدة – وخاصة المحافظين الحاكمين – من الأموال الروسية، وكيف بُذلت جهود مضنية لتأخير ثم التقليل من شأن تقريرين برلمانيين حاسمين عن فضيحة أطلق عليها أسم «لندن غراد».
إزاء توفر هذه المعلومات كلها، المُحّفزة للتفكير الواعي، لماذا تختار الشعوب الغربية، إذن، مسايرة السياسة الخارجية لحكوماتها؟ هل يكمن التوضيح في ما كتبه الرئيس الأمريكي أيزنهاور في 20 كانون الثاني 1953 معترفا بصراحة « نحن نعلم… بأن الذي يربطنا بكل الشعوب الحرة، ليس فقط مثالا شريفا أعلى، ولكن أيضا، وبكل بساطة، الحاجة. فعلى الرغم من كل قدرتنا المادية، نحتاج في العالم لأسواق لتصريف الفائض من إنتاجنا الزراعي والصناعي، ونحتاج كذلك لزراعتنا وصناعتنا لمواد أولية ومنتوجات حيوية توجد في اماكن بعيدة»؟

كاتبة من العراق

 

 

هل صلاة الصدر

الموحدة عبادة خالصة فعلا؟

هيفاء زنكنة

 

اذا كان التساؤل الشكسبيري « أن تكون أو لا تكون هو السؤال» قد أصبح جزءا من الثقافة الشعبية البريطانية، فإن الشعارات والمفردات «الصدرية» التي يطلقها (سماحة السيد) مقتدى الصدر، منذ بروزه على سطح الحياة العراقية بعد غزو وإحتلال البلد عام 2003، باتت جزءا من الثقافة الشعبية العراقية بجانبيها المبكي والمُضحك. فهو القائد الذي منح مفردة (حبيبي) نكهة التداول اليومي، وأدخل شعار « شلع قلع» قاموس السياسة، وأصبحت « مليونية» التظاهرات مرتبطة به، وتغيير اسم الميليشيا/ الكتلة/ التيار يتم حسب مزاجه وحاجة السوق السياسي ـ الطائفي.
من هذا المنطلق، قال الصدر، يوم الجمعة، إن العراق يعيش «ملحمة عبادية وطنية مليونية إصلاحية». وهو توصيف بحاجة إلى توضيح. بداية، علينا الاعتراف بأن للصدر مخيلة وقدرة على إطلاق تعابير غير مألوفة سياسيا واقتصاديا ودينيا، في مخاطبته الحشود من أتباعه. ثانيا، أن هناك من يترجم ويُنظم ما يريده بشكل تفوق على قدرة الحزب الشيوعي التنظيمية التقليدية. وقد تبدت هذه القدرة، يوم الجمعة، عند إقامة ما أطلق عليه مقتدى اسم «صلاة الجمعة الموحدة» إحتفاء بذكرى إقامة والده الراحل صلاة الجمعة في مسجد الكوفة أثناء حكم صدام حسين. أمر مقتدى بجمع أتباعه لأداء الصلاة، في المدينة المسماة باسمه، أي مدينة الصدر، الواقعة شرق بغداد. سبب الدعوة الظاهري، كما جاء في تغريدة له على تويتر لأن صلاة الجمعة «عبادة خالصة لله» وأن «صوت الجمعة أعلى من أي احتجاج آخر» ليبين أنه يحتج ضد السيرورة السياسية للبرلمان الحالي، متعاميا عن حقيقة أنه، بواسطة الميليشيا التابعة له، قد ساهم في إجهاض احتجاجات المتظاهرين في تشرين الأول / أكتوبر 2019، حالما أدرك أنها تشكل خطوة للتغيير الحقيقي بالبلد، بعد أن قدمت الانتفاضة مئات الضحايا وعشرات الآلاف من الجرحى والمُقعدين.
وكما أمر مقتدى الصدر أتباعه من أعضاء البرلمان العراقي، قبل أسابيع، وعددهم 73 بالانسحاب الجماعي من البرلمان فلبوا النداء، لبى الأتباع أوامر السيد للتجمع وأداء الصلاة. مُدّعيا، مثل بقية الساسة على اختلاف أعراقهم وطوائفهم، بأن ما يقوم به هو باسم الشعب « والخيار للشعب» وأن دوره يقتصر على دعم الشعب « إن أراد الشعب الوقوف من أجل مناصرة الإصلاح».
فقام الشعب المعني، ملبيا النداء، وتوجه يوم الجمعة، إلى شارع حددته لجنة أوصى الصدر بتشكيلها للإشراف على تحشيد الأتباع وتنفيذ الأوامر. أشرفت اللجنة بالتعاون مع فروع مكتب الصدر بمختلف المحافظات على ترتيب حافلات لنقل الأتباع إلى بغداد، وتوفير احتياجاتهم، وشراء وتفصيل وتوزيع الأكفان البيضاء ليرتدونها جميعا، مثل الصدر، أثناء الصلاة، دلالة على استعدادهم للاستشهاد. وشملت التحضيرات «تكثيف الاجتماعات مع القيادات الأمنية… لاستكمال جميع الاستعدادات مع بدء توافد المصلين وسط إجراءات أمنية مشددة ودعم لوجستي ومعنوي وشعبي».

إبقاء العراق مقادا بمنظومة طائفية تأتمر بتقلبات شخص يساعد، في الواقع، من يدّعي محاربتهم، على تلهية الناس بمشاغل مختلقة، تعيق القدرة على التفكير بما هو أبعد من التحشيد الغرائزي وتأجيج مشاعر الخوف والانتقام

وكأن القوم سيتوجهون لخوض معركة تحرير شرسة، وليس لأداء الصلاة والاستماع الى خطيب كما يفعل المسلمون في أرجاء المعمورة كل يوم جمعة، في كل فصول العام، بلا أكفان أو إجراءات أمنية مشددة. ولم ينس المنظمون تكرار مفردة السيد المفضلة في وصف كل تظاهرة يقودها أو يدعو اليها بأنها «مليونية» وهو رقم حاول النائب باسم الخشان تفنيده عن طريق ذكر قياسات شارع الفلاح الذي تمت فيه الصلاة، متوصلا بالنتيجة إلى استحالة جمع هذا العدد الهائل من الناس في مكان واحد. وأن العدد الذي يدًّعيه الصدريون يساوي أضعاف العدد الحقيقي.
ما تجدر الإشارة اليه أن تكرار أجهزة الأعلام لأي خطاب سياسي أو حدث بدون تمحيص، يجعله حقيقة واقعة، ويترسخ في الأذهان بصيغته الأولى حتى لو تم تكذيبه فيما بعد، فكيف إذا كان التكرار والاستنساخ مستمرا على مدى أسابيع من قبل قنوات تستهدف جمهورا معينا، يحمل عقيدة جاهزة بل وتأسيس قناة تلفزيونية خاصة للتحشيد للصلاة ومن ثم بثها بشكل حي؟
بهذه الطريقة، تُصبح الحقيقة غير مهمة إزاء خلق واقع يسود فيه التلفيق السياسي – الديني، ويرتبط بصعود الشعبوية الطائفية في مجتمع، مهيأ لاستقبال ما يُقدم اليه، حيث يتم إيهامه بأنه مُهدد بالأخطار، فيتجاذبه الخوف من « الآخر» ليتشبث بمن يوفر له الحماية الجسدية، مُغّلفة بطقوس «الجماعة» والعصمة من المسؤولية، والتدريب المسلح الدائم إستعدادا للدفاع عن النفس، بالاضافة إلى الدخل المادي.
حيث يُشكل توفير الدخل، سواء عن طريق التوظيف بلا كفاءة أو ُمنح الدراسة في الحوزة أو توزيع النقود بشكل مباشر وتعزيز الانطباع بقوة التيار الشيعي الصدري، جانبا رئيسيا في تنامي شعبوية مقتدى الصدر، خاصة مع ازدياد نسبة الفقر وتدهور الخدمات الأساسية. ولا يهتم أتباع الصدر بمصدر ثروته سواء كانت عن طريق السيطرة على الوزارات والمناصب، وفساد العقود التجارية وتهريب النفط والسرقة والنقد مقابل الخدمات – بما في ذلك الحماية المسلحة للتجار والشركات، أو عن طريق إيران.
تحت هذه الظروف، تصبح تعبيرات القائد/ الرمز اللغوية المعبرة، عن قدرته العقلية المحدودة، ميّزة ذات فائدة لتسهيل التلاعب به من جهة وتسويقه شعبويا. فالشعبوية، مرغوب بها لتسهيل وتمرير سياسات وأجندات خارجية تتقاطع مع مصالح عدد من الساسة المحليين، لا ضرر إطلاقا من إلقائهم الخطب عن مقاومة الاحتلال. وهنا تكمن أحد أوجه قوة المحتل في تأسيسه منظومة تتشابك فيها المصلحة المشتركة مع قوى محلية لخلق هويات مفتعلة ومزورة، للتغطية على هيمنتها، خاصة مع ضعف أو غياب البدائل الوطنية.
ليس مهما، إذن، غياب البرنامج السياسي والاقتصادي لما تسمى « الكتلة/ التيار/ الحركة الصدرية». المهم هو ترويج الصلاة كمليونية إستعراضا للعضلات ضد منافسي مقتدى في «البيت الشيعي». والأكثر أهمية من ذلك، إبقاء العراق مقادا بمنظومة طائفية تأتمر بتقلبات شخص يساعد، في الواقع، من يدّعي محاربتهم، على تلهية الناس بمشاغل مختلقة، تعيق القدرة على التفكير بما هو أبعد من التحشيد الغرائزي وتأجيج مشاعر الخوف والانتقام، ما لم يعمل الجميع من أجل دولة مواطنة في عراق يتسع للجميع بلا إستثناء.

كاتبة من العراق

 

 

عاجل… نشرات

الأخبار مضرة بالصحة!

هيفاء زنكنة

 

« أنقذ رجال المطافئ قطة تسلقت شجرة عالية ولم تتمكن من النزول لساعات» صاحبت الخبر لقطات أظهرت ثلاثة من رجال المطافئ المبتسمين وهم يحيطون بصاحبة القطة محتضنة قطتها بحب. كان هذا آخر خبر في نشرة أخبار عالمية غربية يراقبها ملايين الناس، قدمته الصحافية متمنية للمشاهدين أمسية سعيدة وهي تبتسم. الملاحظ، أن معظم مقدمي نشرات الأخبار، في العالم، باتوا، في العقد الأخير على الأقل، يُنهون النشرات بخبر مُفرح ومٌسل. قد يكون الخبر عن إنقاذ حيوان أو العثور على طفل ضائع أو نجاح عجوز مٌقعد بالسير مائة خطوة لجمع التبرعات لهدف إنساني. وفي نشرة للأخبار في القناة الوطنية التونسية الأولى، مثلا، وفي موسم إعلان نتائج امتحانات البكالوريا، كان خبر نجاح أم عاودت الدراسة مع بناتها هو لحظة الختام. وهناك ما يشير إلى استنساخ النسق نفسه في قنوات عربية أخرى، مما يثير التساؤل عن الأسباب التي تدفع القنوات التلفزيونية، واجهزة الأعلام، عموما، إلى تكريس وقت ثمين، قد يُكلف عشرات الآلاف من الدولارات، ومساحة إعلانية مُكلفة في الصحف العالمية، لأخبار تبدو، أحيانا، لفرط هامشيتها، وعدم تماشيها مع بقية الأخبار الرئيسية المؤثرة في العالم، بلا معنى؟
تشير أحدث الأبحاث العلمية إلى أن الأخبار يمكن أن تؤثر بمتابعيها الدائمين بطرق مختلفة، بدءا من التماهي مع ذات الأخطار إلى التسلل إلى محتوى الأحلام إلى إحتمال الإصابة بنوبة قلبية. ففي دراسة أجراها علماء في جامعة كاليفورنيا ونشرتها البي بي سي، تبين أن متابعة الأخبار السيئة، وتكرار بث الصور واللقطات المأساوية كما في الزلازل والفيضانات والتفجيرات وضحاياها بأجسادهم الدامية والشوارع الملطخة بالدماء، يُعّرض أولئك الذين لم يروا الانفجار بأنفسهم، لكنهم استهلكوا ست ساعات أو أكثر من التغطية الإخبارية يوميًا في الأسبوع الذي تلاه، لضغوط نفسية شديدة تؤثر على صحتهم العقلية.
كما تُثبت الدراسة أن التغطية الإخبارية هي أكثر بكثير من مجرد مصدر جيد للحقائق. أنها عامل أساسي في تشكيل وعينا ومواقفنا تجاه الواقع. إذ أن بإمكانها، من خلال تسللها إلى العقل الباطن، التدخل في تفاصيل الحياة بشكل مذهل، يمكن أن يؤدي إلى سوء تقدير بعض المخاطر، وتشكيل وجهات النظر بشأن الدول الأجنبية، وربما التأثير على صحة الاقتصاد بأكمله، مما يمكن أن يزيد من خطر الإصابة بحالات القلق والاكتئاب. وتؤكد الدراسة، وهي واحدة من عدة دراسات نُشرت في السنوات الأخيرة، أن هناك ما يدل على أن التداعيات العاطفية للتغطية الإخبارية يمكن أن تؤثر حتى على الصحة الجسدية، مما يزيد من فرص الإصابة بنوبة قلبية أو الإصابة بمشاكل صحية على المدى البعيد. ترتبط هذه التأثيرات، بطبيعة الحال، بعدد الساعات المكرسة أسبوعيا لمتابعة الأخبار ونوعيتها.

برز نهج جديد في في عالم الإعلام، أطلق عليه مصطلح «الصحافة البناءة» يُعنى بتقديم الأخبار الإيجابية ذات المصداقية مع التركيز على التقدم الإنساني وتوفير الإمكانيات والحلول

وإذا كانت الأخبار السيئة هي المصدر الرئيسي للتأثيرات المؤذية فأنه لايمكن تبرئة المتابع من المسؤولية إزاء مواصلة متابعتها، بلهفة كبيرة. فمن الحقائق المعروفة أن معظم الناس يولون إهتماما أكبر للأخبار المأساوية أو الدرامية من الأحداث العادية التي قد تثير الضجر، وكما قال كاتب الخيال العلمي آرثر سي كلارك «إن صحف المدينة الفاضلة ستكون مملة بشكل رهيب».
وهو أحد الأسباب التي تدفع أجهزة الإعلام، المتنافسة على جذب المشاهدين، والتي تعتمد على عائدات الإعلانات، ومذيعو أخبارها من متلقي أعلى الرواتب، على زيادة الإحساس بالدراما والتوتر لجذب المشاهدين وإبقائهم ملتصقين بمقاعدهم أمام الشاشة حتى عند الإبلاغ عن حوادث صادمة بالفعل. حيث غالبا ما تتم سيرورة بناء الترقب لما هو آت من تفاصيل قد تكون أكثر دموية عن طريق إضافة شريط أحمر أو كلمة «عاجل» أو «تفاصيل جديدة» كما تفعل القنوات الإخبارية العربية.
إزاء هذه التأثيرات السلبية جراء متابعة الأخبار المشوهة لتصور الناس للواقع، وليس بالضرورة إلى الأفضل، برز نهج جديد في في عالم الإعلام، أطلق عليه مصطلح «الصحافة البناءة» يُعنى بتقديم الأخبار الإيجابية ذات المصداقية مع التركيز على التقدم الإنساني وتوفير الإمكانيات والحلول. فبادرت بعض المؤسسات الإعلامية الكبيرة، إلى تكريس صفحات للأخبار الجيدة الايجابية، كما تم تأسيس صحف ومجلات ومواقع ألكترونية، في أرجاء العالم، خاصة بهذا النوع من الأخبار. مثالها «صحيفة الأخبار السعيدة» الفصلية المليئة بالقصص المتفائلة من جميع أنحاء العالم، و « بوزتيف نيوز» أي الأخبار الإيجابية، التي أسستها الصحافية شونا كريكيت بوروز عام 1993 كصحيفة تهدف إلى تغيير كيفية إختيار الأخبار ونشرها. حققت الصحيفة نجاحا كبيرا وسرعان ما تطورت إلى « أول مؤسسة إعلامية في العالم مكرسة لتقديم تقارير عالية الجودة ومستقلة حول ما يجري بشكل صحيح حين تمتلئ معظم وسائل الإعلام بالحزن والكآبة «.
هل يناقض نجاح مواقع وتداول الأخبار الإيجابية ما توصلت إليه دراسة جامعة كاليفورنيا وغيرها حول تأثير الأخبار السيئة على متابعيها واستغلال أجهزة الإعلام لعامل الشد الدرامي بالكوارث والفواجع، كطريقة لاغواء اكبر عدد ممكن من المشاهدين يساعدها على تحقيق مردود مالي أكبر، بعيدا عن إيصال الاخبار كما هي؟ لا يوجد ما يدل على التناقض، إذ تمكنت أجهزة الإعلام الكبيرة من إحتواء نتائج البحوث الدالة على أن الأخبار المأساوية مضرة بالصحة وأن الأخبار الجيدة توفر طريقًا إيجابيًا للمضي قدمًا في الحياة لأنها تجعل الناس سعداء مما يشيع التفاؤل وبالتالي تحسن الصحة العقلية والجسدية، احتوتها عن طريق تضمين فقرة في نهاية نشرات الأخبار أو صفحة في جريدة لقصص إنسانية إيجابية تتعلق بانجازات فردية أو جماعية، مهما كانت صغيرة، كإنقاذ قطة أو النجاح في زراعة طماطم على سطح مبنى، أو أي شيء مماثل لمنح المتابعين الثقة والأمل في الجنس البشري، بعيدا عن «عاجل» الأخبار الدموية.

كاتبة من العراق

 

 

إعترف وإلا…

ثقافة التعذيب في العراق

هيفاء زنكنة

 

يُصر المسؤولون العراقيون في لقاءاتهم الدورية مع ممثلي المنظمات الحقوقية الدولية على إنكار ممارسة التعذيب في أماكن الاحتجاز. وحالما يواجهون بشهادات ووثائق تثبت العكس يلجأون إلى القول بأنها حالات منعزلة وليست ممارسة منهجية أو واسعة النطاق. وهو ذات التبرير الذي طالما قدمته إدارة الاحتلال الأمريكي حين كانت قواتها تمارس الانتهاكات والتعذيب ضد المعتقلين العراقيين، أو حتى القتل، ملقية اللوم على « بضع تفاحات فاسدة». ولا تختلف صيغ الانكار من وزارة إلى أخرى، ومثالها النفي المطلق لحدوث حالات تعذيب في السجون كما فعل المتحدث باسم وزارة العدل، قائلا إن «السجون التابعة لوزارة العدل تخلو من التعذيب» حين جوبه بتقرير للأمم المتحدة أوضح أن أساليب التعذيب تشمل «الضرب المبرح، والصعق بالكهرباء، والوضعيات المجهدة، والخنق» بالإضافة إلى العنف الجنسي وما وصفه بعض المحتجزين، خجلا، بأنه معاملة «لا يستطيعون التحدث عنها».
ولنفترض صحة التصريحات الحكومية العراقية عن الحالات الفردية المنعزلة لبعض الجلادين المصابين بعُقد سادية، وأن التعذيب هو الاستثناء، فلِم لَم يتم تنظيف السلة من التفاح الفاسد في السنوات العشرين الأخيرة في ظل النظام الحالي؟ ولِم تواصل المنظمات الدولية والمحلية إصدار التقرير تلو التقرير موِثِقة حالات تعذيب مرعبة، بلا توقف، على مر السنين، من بينها سبعة تقارير أصدرها مكتب حقوق الإنسان التابع لبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق ( يونامي)؟
يكمن الجواب البسيط لمثل هذه التساؤلات في أن ممارسة التعذيب في العراق ثقافة شائعة ومبررة ومستساغة لدى القوات الأمنية وأجهزة الشرطة والمليشيات، بكافة مستوياتها، وبكل مواقع الاحتجاز والسجون، يعززها مناخ الإفلات من العقاب، والايمان بأن التعذيب هو الوسيلة الأفضل والأسرع لاستخلاص الاعتراف، أيا كانت طبيعته. كما أن الإعدام هو الحل الأفضل للتخلص من المتهمين الذين، غالبا، ما يعترفون بارتكاب كل الجرائم المطلوب منهم الاعتراف بها، جراء التعذيب حتى يقال أن متهما اعترف بتفجير نفسه مرتين!
وزاد التعذيب إنتشارا دور المحتل الأنكلو أمريكي في إبداع أساليب معاملة مبتكرة بحق المعتقلين، رجالا ونساء، كما شاهدنا في أبو غريب والمعسكرات الأمريكية والبريطانية. وحين زكمت الأنوف رائحة الانتهاكات والاعتداءات الفاضحة قررت إدارة الاحتلال غسل يديها من دماء المعتقلين فقامت بتسليمهم إلى جلادين محليين متواطئين معها، مانحة الضوء الأخضر باستمرارية الاستخدام الممنهج للتعذيب والتغاضي عنه. فلم يعد السؤال بصدد معاملة المعتقلين جراء كثرة الانتهاكات هو هل هناك تعذيب أم لا بل أصبح السؤال عن مدى منهجية التعذيب وشموليته وأنواعه، حيث أصبح التعذيب حقيقة واقعة لا تقبل الانكار مهما كانت تبريرات الساسة العراقيين.

حسب بيان صادر عن وزارة العدل، فإن السلطات تحتجز ما يقرب من 50 ألف شخص للاشتباه بصلاتهم بالإرهاب، وحُكم على أكثر من نصفهم بالإعدام

من مفارقات الوضع المأساوي أن العراق وقع على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (UNCAT) في عام 2011. من هذا المنطلق، بحثت لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة، في 26 نيسان/ أبريل 2022، التقرير الدوري الثاني للعراق، والذي تشرح فيه السلطات العراقية الخطوات المتخذة لتنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب. أثناء الحوار التفاعلي مع اللجنة، وكالعادة، أنكر ممثلو العراق وجود التعذيب على الرغم من تلقي اللجنة «تقارير تشير إلى أن الأشخاص المحتجزين، بما في ذلك في المنشآت الخاضعة لسلطة القوات الأمنية والمرافق التي يُقال إنها غير معروفة للمحتجزين، يتعرضون للتعذيب أو سوء المعاملة «.
كما فنّدت اللجنة عديد الادعاءات الرسمية ومن بينها إدعاء السلطات أن «الأحكام الصادرة عن المحاكم العراقية لا تعتمد على الاعترافات وحدها بل على مجموعة شاملة من الأدلة» حيث وجد أعضاء اللجنة أن الاستجوابات التي تجريها قوات الأمن، في الممارسة العملية، تهدف بشكل عام إلى انتزاع الاعترافات، مما يساهم في إجراءات قسرية. وأن الآليات القائمة لتلقي شكاوى التعذيب والتحقيق فيها «لا تؤدي عملياً إلى مساءلة جادة لمرتكبي التعذيب».
بعد مناقشة الإطار القانوني العراقي لمكافحة التعذيب وعدم مراعاة الضمانات القانونية، أعرب خبراء الأمم المتحدة عن قلقهم إزاء مزاعم التعذيب أو سوء المعاملة على نطاق واسع وعدم المساءلة عن مثل هذه الأفعال. كما تم أيضًا التطرق إلى معاملة السجناء المحكوم عليهم بالإعدام وكذلك الانتهاكات التي حدثت في سياق احتجاجات 2019-2020. فتوصلت اللجنة إلى حصيلة مفادها أن العراق لم يحرز أي تقدم، في هذا المجال، منذ آخر مراجعة في عام 2015.
استوقفت اللجنة، كما في كل التقارير الدولية الأخرى، سرعة إصدار أحكام الأعدام وكثرتها وتنفيذها. فعلى الرغم من حقيقة أن نظام العدالة الجنائية معروف بالاستخدام الواسع النطاق للتعذيب والإكراه على الاعترافات، وعلى الرغم من الانتهاكات الجسيمة للإجراءات القانونية الواجبة، نفذت السلطات العديد من عمليات الإعدام.
وحسب بيان صادر عن وزارة العدل في سبتمبر / أيلول، فإن السلطات تحتجز ما يقرب من 50 ألف شخص للاشتباه بصلاتهم بالإرهاب، وحُكم على أكثر من نصفهم بالإعدام.
وهو رقم مذهل بكافة المقاييس، مما يضع العراق بين الدول الست الأولى في العالم المسؤولة عن 85 بالمئة من تنفيذ أحكام الإعدام بمتهمين، غالبا، ما يعترفون بالجرائم نتيجة تعرضهم للتعذيب، مما يعني أن السلطات نفسها تنتهك القانون بحجة محاربة الإرهاب واستتاب الأمن. وهو ما يدحضه الواقع الأمني العراقي، إذ لم تؤد ممارسة التعذيب وتنفيذ الإعدام إلى استتاب الأمن أو ما تدّعيه السلطات من وضع حد للإرهاب، خاصة مع تفشي انتهاكات وجرائم الميليشيات الداعمة لأحزاب فاعلة ضمن السلطة. وستبقى نافذة الأمل مغلقة أمام المعتقلين وذويهم، مهما كانت التهم الموجهة إليهم، ما لم يتم تطبيق القوانين والالتزام بها بالإضافة إلى العمل الجاد على تغيير القبول المجتمعي لثقافة التعذيب. وكما يُذّكرنا رئيس جنوب أفريقيا الرحل نلسون مانديلا أن بالإمكان منع العنف لأنه خلافا لافتراض العديد من الناس الذين يعيشون مع العنف يومًا بعد يوم ليس جزءا من الحالة الإنسانية. وبالإمكان قلب الثقافات العنيفة… وبإمكان الحكومات والمجتمعات والأفراد إحداث التغيير، إذا كنت النية صادقة.

كاتبة من العراق

 

 

قراءة في خطاب

سماحة السيد القائد

هيفاء زنكنة

 

هل صحيح ما يقال إنه لم يعد هناك ما يثير الدهشة في « العراق الجديد»؟
الأسابيع الأخيرة تُثبت بما لايقبل الشك أن بإمكان ساسة العراق دحض حتى ما قاله أب الحركة السوريالية أندريه بريتون حين وصف خيبته بالعالم، ذات مرة، قائلا بأنه لم يعد هناك ما يثير الدهشة. ففي فترة قياسية أضيف إلى قائمة المصطلحات المستحدثة في العراق الجديد مثل «العملية السياسية» و»البيت الشيعي» و»المكونات» و»أذرع إيران»، مصطلح «الإطاريون» و»النواب البدلاء». بدأ وسم العراق بمصطلح «النواب البدلاء» بعد إلقاء خطاب يترك المرء بين منزلتي الضحك والبكاء، وعدم التصديق إلى حد ما، حيث أمر مقتدى الصدر (سماحة السيد القائد أعزه الله)، أتباعه من أعضاء البرلمان العراقي، بالاستقالة الجماعية، مُستَّهلا خطابه بأبيات « شعرية» من نظمه قائلا: « أنا ابن النجف والحنانة/ أنا ابن محمد الصدر الذي رفض الظــلم والمهانة/ أنا الذي واجه الاحتـلال فأذلهُ وأهـانه/ أنا للإصلاح إستل سيـفه وأظهر أسنانه». وفعلا، لبى النواب البالغ عددهم 73 نائبا، النداء بلا تردد هاتفين « نعم… نعم يا سيد». متجاهلين في فورة حماسهم الشعب الذي طالما كرروا أنه انتخبهم، وليس (القائد أعزه الله).

 هل بإمكان نواب انتخبهم الشعب (مهما كانت نسبة المصَّوتين) بانتخابات وُصفت بالنزيهة، الانسحاب جماعيا أو حتى فرديا بناء على أمر أصدره قائد الحزب؟

ليست هذه هي المرة الأولى أو الثانية أو الثالثة (أو … لنتوقف هنا فالقائمة طويلة) التي ينسحب فيها الصدر من العملية السياسية، التي أسسها الاحتلال الأنكلو أمريكي بعد غزو العراق، منذ عشرين عاما تقريبا. إلا أن سبب إثارة الدهشة، هذه المرة، على الرغم من تعّود العراقيين على صعود وهبوط مزاج السيد القائد وكثرة انسحابه وعودته وإنكفائه إما في العراق أو إيران أو لبنان، بحجج تراوح بين إكمال الدراسة، حينا، وكتابة الشعر حينا آخر، كلما واجه أزمة لا يعرف كيف يتعامل معها، ما يثير الاستغراب، هذه المرة، قراره ألا ينسحب لوحده، إلى شرنقته، بل أن يأخذ معه 73 من نواب يُشكلون كتلة فائزة في الانتخابات. انتخابات وُصفت محليا وعالميا، بأنها الأكثر سلاسة ونزاهة، وأن شارك فيها 20 بالمئة فقط من المصّوتين، وكلّفت العراقيين ثروة كانوا بأمس الحاجة لها للتزود بأساسيات الحياة. وكما كان متوقعا، عززت الانتخابات بقاء معظم الوجوه، تقريبا، التي اعتلت السلطة في عقدي الغزو والاحتلال. ذات الوجوه المهيمنة بقوة الدعم الخارجي والفساد المالي والإداري الكبير، بضمنهم أتباع الكتلة الصدرية بلا استثناء. وكما كان متوقعا باتت نتائج الانتخابات أداة فعالة لصالح تمديد عمر منظومة الفساد بهامش تغيير بسيط لإعادة توزيع أدوارها، انسجاما مع التوازنات الإقليمية. ولم يُغّير الخلاف الحالي حول منصبي رئيس الوزراء والجمهورية، بعد مرور ثمانية أشهر على انتهاء التصويت وإعلان النتائج، من جوهر الهيكلة الأصلية. وأقصى ما حدث هو تغيير أسماء بعض الأحزاب والتحالفات، فتصاعدت على سطح المياه الراكدة فقاعات بمسميات على غرار الإطار التنسيقي، ومن هنا منشأ مصطلح إطاريون (قيادة ميليشيات الحشد الشعبي الموالية لإيران مع أحزاب وتكتلات مما يسمى البيت الشيعي) مقابل الكتلة الصدرية التي يتزعمها مقتدى الصدر وراثة عن أبيه الراحل، وبشكل غير مباشر عن « المهدي المنتظر»، ليسود النزاع المسرحي في أستوديوهات التلفزيون، كبديل للبرلمان، حول بأي شكل سيتم التهام ثروة العراق، وبأي واسطة؟ هل هي «الأغلبية» أم «التوافقية»؟
هذا الحال المضحك المبكي، ومع تدوير أسطوانة الانسحاب الجماعي إعلاميا، ومن ثم صعود «نواب بدلاء»، يستدعي سؤالا إفتراضيا، قد لا يقل عبثية عن إصدار الصدر أمر الانسحاب وكيفيته، وهو: هل بإمكان نواب انتخبهم الشعب (مهما كانت نسبة المصَّوتين) بانتخابات وُصفت بالنزيهة، الانسحاب جماعيا أو حتى فرديا بناء على أمر أصدره قائد الحزب؟ وكيف يُقارن هذا الوضع مع انسحاب/ استقالة نواب منتخبين في بلدان أخرى؟ لو نظرنا إلى الوضع ببريطانيا لوجدنا أنه، تاريخيا، لم يُسمح أبدًا بالاستقالة من مجلس العموم، وأن سُمح لخمسة نواب بالاستقالة في أوائل القرن السابع عشر بسبب اعتلال صحتهم. وفي 2 آذار/ مارس 1624، قام البرلمان بإضفاء الطابع الرسمي على الحظر من خلال إصدار قرار مفاده « لا يمكن للنائب، بعد أن يتم اختياره على النحو الواجب، التنازل عنه». إلا أن الاستقالة ممكنة لأسباب كالمرض والموت والتسبب بفضيحة أو اتخاذ موقف سياسي يتناقض تماما مع الموقف الحكومي. كما حدث عندما استقال روبن كوك، وزير خارجية المملكة المتحدة الأسبق، استنكارا لوقوف الحكومة برئاسة توني بلير بجانب أمريكا في غزوها العراق. ويترتب على الاستقالة الفردية إيجاد البديل عبر انتخابات في المنطقة التي يُمثلها النائب المستقيل.
هناك، أيضا، أمثلة لاستقالة مجموعة نواب من أحزابهم بسبب خلافات حول سياسات أحزابهم. ففي 18 فبراير 2019، استقال سبعة نواب من حزب العمال، وشكّلوا جمعية سياسية، إلا أنهم واصلوا عملهم كنواب. مما دفع الصحافة إلى مطالبة النواب المغادرين أن يستقيلوا أيضًا من مقاعدهم. بل وجادل البعض بضرورة الدعوة إلى انتخابات عامة كوسيلة لتصحيح الانحراف، وإلا أدت إلى تقويض المبادئ الديمقراطية الأساسية، لأن التغييرات لم تتم المصادقة عليها من قبل الناخبين في صندوق الاقتراع. وتشير أمثلة أخرى من عديد البلدان، حول العالم، أنه في حال استقالة جميع أعضاء المعارضة في البرلمان، فإن الحل الوحيد هو إجراء انتخابات جديدة. ويكاد لا يوجد نموذج يطابق ما يجري في العراق إذ لم ترد مفردة «استقالة» بل انسحاب، مما يبقي مجال العودة مفتوحا، وإن هدد الصدر بالانسحاب من العملية السياسية كي لا يشترك « مع الفاسدين بأي صورة من الصور لا في الدنيا ولا في الآخرة». وكأنه كان مشتركا مع الأنقياء الطاهرين منذ مأسسة العملية السياسية وحتى اليوم، متسائلا لدعم دعوته إلى إنهاء الفساد والتوافق « الى متى يبقى البعير على التل». وهي جملة يرددها الأطفال، بمستوى الصفوف الأولى في المدرسة الابتدائية، في «القراءة الخلدونية»، لتعلم قراءة الحروف. وتأخذنا الجملة المقتبسة إلى تساؤل تثيره خطابات الصدر وسلوكه، عما إذا كان قائد أكبر كتلة سياسية في العراق لايزال، عقليا ونفسيا، بمستوى تلميذ بمدرسة إبتدائية أم أن من يأمرهم ويخاطبهم ويلبون أوامره هم الذين لا يزالون هناك؟

كاتبة من العراق

 

 

عقدة وزيرة الداخلية

البريطانية وشيطنة طالبي اللجوء

هيفاء زنكنة

 

للمرة الأولى، منذ فترة طويلة، احتل بلدان عربيان حيزا في النقاشات الدائرة بحرارة في مجلس العموم البريطاني ومجلس اللوردات.
جاء ذكر البلدين أثناء إدلاء وزيرة الداخلية بريتي باتيل في 15 حزيران / يونيو ببيان حول ما أسمته «شراكة الحكومة الرائدة عالميًا في مجال الهجرة والتنمية الاقتصادية مع رواندا». بعيدا عن العنوان «الحضاري»، تهدف هذه «الشراكة» إلى وضع حل لمنح حق اللجوء لمن تصفهم باللاجئين غير القانونيين، وإرسالهم بدلا من ذلك إلى رواندا. وقد تكرر ذكر العراق وسوريا باعتبارهما من البلدان المُصّدرة للاجئين، فقط لا غير. كالعادة، بدون التطرق إلى الأسباب ومن هو المسؤول عن المأساة.
تبرر باتيل إصرارها على تنفيذ خطة الترحيل، على الرغم من كل الاعتراضات القانونية والإنسانية، بأنها إنما تُنفذ بذلك ما «صِّوت له الشعب البريطاني مرارًا وتكرارًا» وأن ما تقوم به هو الاصغاء لما يريده الشعب. وادعاء الاصغاء للشعب، خدعة قديمة، معروفة إلى حد الابتذال، إلا أنها لا تزال سارية المفعول، يمارسها عديد السياسيين حين يواجهون معارضة قوية لقراراتهم. وهو التبرير الذي تُفضل باتيل التعكز عليه، خاصة بعد صدور قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ، بإيقاف مغادرة الطائرة الأولى المغادرة إلى رواندا وعلى متنها عدد من طالبي اللجوء، ومنع عملية ترحيلهم. من بين الذين كانوا على وشك الترحيل إلى رواندا سوري وعراقي، لم يُثر وجودهما أكثر من ذكر عابر.
أثار الحكم غضب باتيل فوقفت في مجلس العموم لإلقاء بيانها المكتظ بالتضليل والعنصرية. وكما يقول عالم الاجتماع الأمريكي دي شان ستوكس «عندما تتعامل مع محتالين وكذابين، أصغي إلى ما لا يقولونه أكثر مما تصغي إلى ما يقولونه». فما الذي لم تقله باتيل وهي تحاول إقناع البرلمان والشعب البريطاني، فضلا عن العالم، بصحة موقفها تجاه واحدة من أكثر المشاكل الإنسانية حاجة للتعامل بشكل إنساني وأخلاقي؟ وما هو الرد على تسويغها بأنها إنما تحاول إنقاذ الناس من الغرق والتهريب وأن طالبي اللجوء «يجعلوننا أقل أمانا كأمة» ويكلفون دافعي الضرائب البريطانيين فاتورة مصاريف كبيرة؟

معظم طالبي اللجوء هم من شعوب، ذاقت الأمرين من الدول الاستعمارية، المُغذية للحروب والصراعات، والعمل بجد على تنصيب حكام محليين، ينفذون سياستها وربط البلدان بعقود وقروض بأكثر الأساليب «الديمقراطية» قمعية

إن ما لم تذكره باتيل هو أن معظم طالبي اللجوء هم من شعوب، ذاقت الأمرين من الدول الاستعمارية، المُغذية للحروب والصراعات، والعمل بجد على تنصيب حكام محليين، ينفذون سياستها وربط البلدان بعقود وقروض بأكثر الأساليب «الديمقراطية» قمعية، وبكافة الطرق من الغزو والاحتلال إلى تغيير الأنظمة. مما يجعل سبب مغادرة البلدان الأصلية ليس بالضرورة اقتصاديا فقط، كما تقول باتيل، بل وسيلة يخاطر فيها اللاجئون بحياتهم هربا من القمع والاضطهاد، السياسي المدعوم غربيا، حفاظا على حياتهم.
في تفنيد ادعاءاتها، لخّص ستيوارت ماكدونالد شادو، المتحدث الرسمي للحزب الوطني الأسكتلندي، موقف عديد النواب واصفا الخطوة، بمفردات غاضبة، بأنها غير عملية وغير قانونية وغير أخلاقية. لن توقف المهربين بل ستلحق ضررًا جسيمًا بالضحايا. وبحساب بسيط سيتضح أن الأموال التي ستدفع لحكومة رواندا هي إهدار طائش لأموال دافعي الضرائب. وتُعد الخطوة انتهاكا لشرعية اتفاقية اللاجئين الموقعة مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالإضافة إلى الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي ساعدت بريطانيا في صياغتها والمصادقة عليها منذ عقود.
من ناحية رواندا، المعروف أنها غير مهيأة للتعامل مع اللاجئين بشكل عادل، كما صرح مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين. إذ لديها ضابط أهلية واحد فقط يقوم بالتحضير للحالات، وهناك نقص في المترجمين الفوريين والمستشارين القانونيين. ومن المفارقات أن هناك حاليا 50 روانديا تقدموا بطلب اللجوء إلى بريطانيا جراء تعرضهم للقمع السياسي، وحقيقة أن السلطات أطلقت النار على 12 لاجئًا في عام 2018 للاحتجاج على قطع وجبات الطعام عنهم. أما طالبو اللجوء الأفغان والسوريين فقد أعادتهم رواندا إلى بلدانهم ليواجهوا الموت. وأثار الأسقف كريستوفر شيسون، الانتباه في مجلس اللوردات، حول حقيقة أنه «لا يوجد شيء في القانون يسمى «طالب لجوء غير قانوني» بل فقط طالب لجوء».
إزاء هذه المعارضة الكبيرة، حتى بين عدد من أعضاء حزبها، حزب المحافظين الحاكم، لماذا تُصر باتيل على الترحيل اللاإنساني لطالبي اللجوء، وتمديد محنتهم، وهي نفسها ابنة عائلة هندية مهاجرة إلى بريطانيا، عمل والدها في محل للبقالة ليوفر العيش لأسرته، والمفترض أن تكون متفهمة لوضع اللاجئين أكثر من غيرها؟
في كتابه «بشرة سوداء.. أقنعة بيضاء»، يقدم الكاتب والطبيب النفسي فرانز فانون، تحليلا عن نفسية أبناء المُستعمَرات وإحساسهم بعقدة النقص (الدونية)، من ناحية اللون واللغة والثقافة، تجاه الشعوب المُستعمِرة. يحمل التحليل مُقاربة معقولة لفهم سلوك باتيل، وهي من عائلة عاشت في ظل الاستعمار، حيث اختارت الانضمام إلى حزب المحافظين الذي يشكل أتباع الكنيسة الإنكليزية واليهود غالبية أعضائه. وسياسة الحزب مبنية على تعزيز الملكية الخاصة، والحفاظ على القيم والمؤسسات الثقافية التقليدية للمجتمع البريطاني (غالبا الإنكليزي)، واستمرارية تسليح جيش قوي كذراع للهيمنة الاستعمارية والتوسع الإمبريالي. وهي من الناحية الأيديولوجية من الجناح اليميني في حزب المحافظين، وترى في السيدة ثاتشر، رئيسة الوزراء الملقبة « السيدة الحديدية» النموذج الذي تقتديه. ولباتيل علاقة حميمة بكيان الاستيطان الصهيوني. من بينها زيارتها إلى إسرائيل، عام 2017، وإجرائها اجتماعات غير مصرح بها مع مسؤولين حكوميين مما أجبرها على الاستقالة من منصبها كوزيرة للتنمية الدولية.
قد تشكل هذه السيرة تجسيدا لنظرية فانون عن عقلية ووعي ونفسية المثقف المُستعمَر، خاصة حين يترعرع ويتعلم في بلد المُستعمِر، حيث يتوجب عليه مواجهة عنصرية المجتمع والتهميش وأن يثبت، بمختلف الطرق، أنه لكي تكون إنسانا عليك ان تكون أبيض. وهو ما تابعه الصحافي والباحث الهندي أشوين فينكاتاكريشنان، الذي ترعرع مثل باتيل في بريطانيا بعد هجرة عائلته اليها، سيرة باتيل وطموحها في أن تكون كالسيدة ثاتشر في قوتها وقسوتها، ليتوصل للإجابة على السؤال حول مواقف باتيل، بأنه «قد تكمن الإجابة في خلفيتها عندما كانت طفلة تواجه التمييز العنصري، ورغبتها في محاربة ذلك. فسَعّت إلى محاربة الاتهامات بأنها ليست إنجليزية من خلال كونها إنكليزية».

كاتبة من العراق

 

 

وأخيرا… زيارة دولية لبحث

الاختفاء القسري في العراق

 

هيفاء زنكنة

 

ما أن يُعقد مؤتمر دولي لبحث انتهاكات حقوق الإنسان إلا وكان العراق على قائمة الدول التي يتعرض فيها المواطن لكافة أنواع الانتهاكات، بدرجات مختلفة. فمن استهداف الصحافيين إلى نقص الخدمات الأساسية والحرمان من حق الحياة. ومن الجوع إلى الفساد وتخريب البيئة. ومن الاعتقال والتعذيب إلى الاختطاف والاختفاء القسري. وها نحن على مشارف اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، لترتفع الأصوات دوليا، من جديد، مطالبة بالتقصي عن مصير المختفين، في أرجاء العالم ومن بينها العراق الذي، حسب «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» يوجد فيه واحد من أكبر أعداد الأشخاص المفقودين في العالم.
وتقدّر «اللجنة الدولية للمفقودين» أن العدد قد يتراوح بين 250 ألف ومليون شخص. ويؤكد مركز جنيف الدولي للعدالة أن العدد يقارب المليون. وتوثّق منظمة «هيومن رايتس ووتش» منذ عام 2016، عمليات الإخفاء القسري المستمرة على أيدي قوات الأمن العراقية، لتخلص في تقريرها الجديد لهذا العام بأن السلطات، في بغداد وإقليم كردستان، لم تفعل ما يكفي لمعاقبة الضباط والعناصر المتورطين في حالات الإختفاء، وفي كل حالة راجعتها المنظمة، لم ينجح أقارب ضحايا الإختفاء القسري في الحصول على معلومات من السلطات حول مكان المفقودين.
ليس تقرير المنظمة فريدا من نوعه. فاستمرار المضايقات التي يتعرض لها المدافعون عن حقوق الإنسان، وأقارب الضحايا، والشهود، والمحامون الذين يعنون بقضايا الاختفاء القسري؛ واستغلال الدول أنشطة مكافحة الإرهاب كذريعة لانتهاك التزاماتها؛ واستمرار مرتكبي أعمال الاختفاء القسري في الإفلات من العقاب على نطاق واسع، جزءا من ظاهرة عالمية، فبعدما كانت هذه الظاهرة في وقت مضى نتاج دكتاتوريات عسكرية أساساً، فإنه يستُخدم، حاليا، كاستراتيجية لبث الرعب داخل المجتمع، حسب منظمة الأمم المتحدة التي تبين أيضا الشعور بانعدام الأمن الذي يتولد عن هذه الممارسة لا يقتصر على أقارب المختفي، بل يصيب أيضا مجموعاتهم السكانية المحلية ومجتمعهم ككل.
وتتجلى خصوصية الوضع العراقي في جانبين هما أولا: ازدياد عدد الضحايا بشكل مستمر وعلى اختلاف الحقب الزمنية وثانيا: تجزئة القضية حسب الأجندة السياسية لتلك الحقبة. ففي حزيران/ يونيو 2020، أصدرت بعثة الأمم المتحدة بالعراق ( يونامي) تقريرا موثقا عن المفقودين بالعراق. كانت صورة الغلاف: لقطة ثابتة من مقطع فیدیو للمفوضیة العراقیة العلیا لحقوق الإنسان يظهر فيها أطفال من محافظة الأنبار یحملون صورا ووثائق ثبوتیة لأقارب مفقودین. وتكاد الصورة تتكرر في معظم التقارير الدولية، السابقة واللاحقة، مع تغيير بسيط. كأن يُستبدل الاطفال بمجموعة من النساء، يلتحفن السواد، وهن يرفعن صور أقارب مفقودين، أو تغيير عنوان التقرير لتتراوح العناوين بين مفقودين ومغيّبين ومختفين قسرا. ويبقى الوضع المأساوي، كما هو بلا تغيير، على مر السنين.

يتعرض المواطن في العراق لكافة أنواع الانتهاكات، بدرجات مختلفة. فمن استهداف الصحافيين إلى نقص الخدمات الأساسية والحرمان من حق الحياة. ومن الجوع إلى الفساد وتخريب البيئة. ومن الاعتقال والتعذيب إلى الاختطاف والاختفاء القسري

وتواصل العوائل، أو النساء في معظم الاحيان، لأن المغيبين هم غالبا من الرجال، ملء استمارات بيانات بالمفقود: عمره، شكله، تاريخ الاختفاء، مكان الاختفاء، تاريخ آخر مشاهدة، وظروف الاختفاء. ثم ينتظرن وضع حد لانتظارهن الذي، كما تشير شهادات العديد من النساءـ يمتد لسنوات، يبقين فيه معلقات بين الحياة والموت، بلا شهادة وفاة أو ما يمنح الأمل بالحياة.
وتصبح المأساة مضاعفة إذا كان الرجل هو معيل الأسرة. واذا إفترضنا أن عدد المفقودين هو نصف مليون، وليس مليونا، وبما أن معدل أفراد الاسرة العراقية هو (5.7) حسب نتائج المسح لعام 2021 الذي نفذه الجهاز المركزي للاحصاء بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان، فهذا يعني أن اختفاء النصف مليون رجل يمتد سيؤثر على حياة ما يقارب الثلاثة ملايين شخص أُسريا وعاطفيا واقتصاديا.
يتبدى رد الفعل الحكومي ـ السياسي على المأساة الموثقة دوليا ومن قبل منظمات المجتمع المدني، بشكل يراوح ما بين الاقرار والانكار، وفقا لأجندة النظام السياسية وطائفية الأحزاب والميليشيات. فبينما يركز النظام على المُغيّبين والمفقودين في حقبة ما قبل الاحتلال عام 2003، ولا يذكر ضحايا سنوات الاحتلال، ينبري آخرون لتوثيق ضحايا داعش، وبينما تتبنى أحزاب ضحايا جريمة داعش في سبايكر منكّرة وجود ضحايا في المحافظات الغربية، يُهمل ضحايا الميليشيات والقوات الأمنية المحتمية بالإفلات من العقاب. وكان مصطفى الكاظمي، قد أعلن منذ توليه منصبه في مايو/أيار 2020، أن حكومته ستعمل على إنشاء آلية جديدة لتحديد مكان ضحايا الاختفاء القسري، متعهدا بالعمل بجدية لمتابعة ملف المفقودين في البلاد، إلا أن الوعود بقيت، كما هي، مجرد ألفاظ تلاشت مع سابقاتها. مما دفع اللجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري بالأمم المتحدة، وهي هيئة تتألّف من عدد من الخبراء المستقلين، وترصد أعمال الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري من جانب الدول الأطراف، إلى مطالبة الحكومة العراقية، وبضغط مستمر، على مدى سنوات، من منظمات حقوقية محلية ودولية، للسماح لها بزيارة العراق وتنظيم لقاءات مع أهل الضحايا ومنظمات المجتمع المدني والتجمعات والجهات الفاعلة الأخرى ذات الصلة. وحصلت اللجنة على الموافقة، أخيرا، وستتم الزيارة في تشرين الثاني / نوفمبر 2022.
قد لا تكون هذه الزيارة الدواء السحري لمحنة الاختفاء القسري، إلا أنها خطوة إيجابية وبالاتجاه الصحيح، إذا ما نشطت منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والأوساط الأكاديمية من تقديم طلباتها للاجتماع باللجنة أثناء زيارتها وتوفير بيانات الضحايا. وبإمكان اللجنة، في حال تلقت معلومات تستند إلى أدلة صحيحة بأن ممارسة الاختفاء القسري جارية على نطاق واسع وبصورة منهجية، أن تعرض المسألة على الجمعية العامة. حيث ينص عمل اللجنة على أن الاختفاء القسري جريمة، إذا ما تمَّت ممارسته بطريقة «واسعة النطاق» أو «ممنهجة» فإنها قد ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية.

كاتبة من العراق

 

شكرا لعلماء البيئة

والدكتور العّشاب

 

هيفاء زنكنة

 

في واحدة من أكبر الحفلات العامة التي شهدتها لندن، يوم السبت الماضي، احتفالا بمرور 70 عاما على تنصيب إليزابيث الثانية ملكة على المملكة المتحدة ودول الكومنولث، ومن بين المساهمات الغنائية والراقصة ورسائل التهنئة من قبل شخصيات سياسية وثقافية بارزة، كانت هناك رسالة واحدة اختلفت عن البقية، التي ركزت كلها على شكر الملكة لتفانيها في أداء واجبها ولبقائها كـ « أم» راعية على رأس المملكة والكنيسة أطول من أي ملك آخر ورث الحكم.
استغرقت الرسالة بضع دقائق إلا انها كانت مختلفة في مضمونها عن بقية البرنامج الحافل. كان صاحبها سير ديفيد آتينبارا وكانت موجهة، وهنا سبب فرادتها، ليس إلى الملكة لشكرها فحسب، وليس لتسلية أفراد العائلة المالكة الجالسين في الصفوف الأمامية للحفل، وليس إلى المحتفلين بالشوارع المحيطة بقصر الملكة، فقط، بل إلى العالم كله.
تضمنت رسالته تحذيرا عالميا عن مسؤولية الناس في تدمير الأرض. وهي استمرارية لأفلامه الوثائقية التي استهلها عام 1979 في برنامج « الحياة على الأرض» وما تلاه من سلسلة برامج، حملت عناوين مثل « الكوكب الحي» جعل محورها علم البيئة وتكّيف المخلوقات الحية مع بيئاتها. حققت البرامج والأفلام نجاحا كبيرا إذ إستقطبت جمهورا واسعا لم يقتصر على القلة من العلماء والمتابعين، وفتحت الأبواب أمام معرفة جماهيرية أكثر تخصصاً عن الطبيعة مثل حياة النباتات الخاصة وإصدار أفلام عن مناطق قلما تمكن أحد من الاطلاع على مجرى الحياة فيها سابقا. وجاء تحذيره في حفل الملكة تكرارا لما ذكره في خطاب ألقاه أمام مجلس الأمن في الأمم المتحدة أثناء نظر المجلس في المخاطر الأمنية التي تشكلها حالة الطوارئ المناخية، قائلا « بغض النظر عما نفعله الآن، فقد فات الأوان لتجنب تغير المناخ، ومن المؤكد أن الأشخاص الأشد فقرًا وضعفًا – أولئك الذين لديهم أقل مستوى من الأمان – سيعانون الآن». ولم يكتف بذلك، بل عاد الى الثيمة نفسها، عند استلامه جائزة برنامج الأمم المتحدة للبيئة لتفانيه في البحث والتوثيق والدعوة لحماية الطبيعة واستعادتها، تساهم دعوته للحفاظ على التنوع البيولوجي وإصلاحه، والانتقال إلى الطاقة المتجددة، والتخفيف من تغير المناخ وتعزيز النظم الغذائية الغنية بالنباتات في تحقيق العديد من أهداف التنمية المستدامة. مُذكرا بالمسؤولية الدولية، بقوله « على العالم أن يجتمع. هذه المشاكل لا يمكن حلها من قبل أمة واحدة، بغض النظر عن حجم تلك الأمة الواحدة، نحن نعلم ما هي المشاكل ونعرف كيفية حلها. كل ما نفتقر إليه هو العمل الموحد».
لا يمكن، بطبيعة الحال، التقليل من أهمية عمل ديفيد آتينبارا واستمراره بأداء العمل وهو بعمر 96، إلا أن دعوته للعمل الموحد لحل مشاكل البيئة، ينقصها البحث في بعض جذور الكارثة التي قلما يتم التطرق اليها في أمريكا وعموم العالم الغربي مما يعيق تحقيقها.

على العالم أن يجتمع. هذه المشاكل لا يمكن حلها من قبل أمة واحدة، بغض النظر عن حجم تلك الأمة الواحدة، نحن نعلم ما هي المشاكل ونعرف كيفية حلها. كل ما نفتقر إليه هو العمل الموحد

من بين ما يتم التعامي عنه الكوارث التي تسببها الحروب الامبريالية وعسكرة المجتمعات والاستخدام المنهجي للأسلحة وإحتلال البلدان وما يترتب عليه من تدمير للبنية التحتية، بكافة المستويات، وتلويث البيئة وإغتيال العلماء وتهديم المشاريع الوطنية ومنع المبادرات الفردية الحامية للبيئة والإنسان. وهي مسؤولية جسيمة لا يمكن ان تُعزى بأي شكل من الاشكال، كما يُشاع عادة، إلى تخلف العالم الثالث.
ففي فلسطين، مثلا، قام العالم والمؤلف مازن بطرس قُمصية، بتأسيس متحف فلسطين للتاريخ الطبيعي ومعهد فلسطين للتنوع البيولوجي والاستدامة في جامعة بيت لحم، بمبادرة شخصية. ولان قُمصية يعيش يوميات الاحتلال الاستيطاني الصهيوني، فإنه يُشخص بوضوح أسباب التدهور البيئي، متجنبا الفصل المتعمد، غالبا « ويربط بين الأضرار السابقة والتهديدات الراهنة وطاقات الاستدامة الكامنة، بتأثير السياسات والممارسات الاستعمارية والنيوليبرالية من جهة، ودور الفرد والمجتمع في الحفاظ على الانسجام مع بيئتهم وطبيعتهم، من جهة أخرى». ويذكر قُمصية، في مقابلة صحافية مع صحيفة الاتحاد، أن مشاريع الحفاظ على البيئة والاستدامة مشاريع مقاومة لأنها تساعد في بقاء الإنسان على أرضه « في ظل إصرار الاستعمار الإسرائيلي على اقتلاعنا من أرضنا، وتهويد تراثنا الطبيعي».
وإذا كانت المحافظة على النباتات جزءا لا يتجزأ من ديمومة الحياة على الأرض، كما يُرينا آتينبارا في أفلامه الوثائقية، فإن محاولات علماء النبات بالعراق لتوثيق الموجود منها وتكثيرها وإغناء استخداماتها، واجهت من العوائق ما جعل استمرار العمل، جراء تعرض العلماء أنفسهم للمخاطر، مستحيلا. وهو وجه مُهمل آخر للنظر في سيرورة تدمير الارض.
من بين العلماء الذين خسرهم العراق، في ظل الاحتلال الأنكلو أمريكي، هو عبد الجليل إبراهيم القره غولي، الذي كان يطلق عليه تحببا « الدكتور العّشاب». وقد قام عبد الجليل، خلال فترتي الحرب والحصار وندرة الأدوية االمسموح باستيرادها، بتوثيق النباتات واستخداماتها الطبية. كما افتتح عيادة محلية في عام 1990، ولمدة ست سنوات قام بتوزيع الأدوية العشبية عندما كان المرضى في أمس الحاجة إليها. كانت حصيلة عمله الدؤوب توثيق النباتات الطبية من أرجاء البلاد في ثلاثة مجلدات تحتوي على ثروة من المعلومات عن 834 نباتًا واستخداماتها التقليدية. وتوقف عمله حين قُتل في هجوم إرهابي عام 2009.
إلا أن وثائقه ونتائج بحوثه التي تشكل ثروة معرفية وتراثا ثقافيا، نجت، لحسن حظ العراق والعالم، من التخريب، فقامت إبنته رنا، من متحف تاريخ العلوم بجامعة أكسفورد، بالمحافظة عليها وإصدار نماذج منها في كتاب صدر أخيرا باللغتين العربية والانكليزية بعنوان « عشبة العراق».
قام بتحريره خبراء من جامعة أكسفورد والحدائق النباتية الملكية ( كيو). يصف الكتاب خمسين نباتًا واستخداماتها في طب الأعشاب التقليدي في المنطقة. وبالإضافة إلى ثروة المعلومات، تم توضيح الأعشاب برسوم رائعة الجمال، مما يجعل الكتاب مصدرا ثمينا للمعلومة البيئية ولوحة للجمال. أملا، كما جاء في الكتاب « أن يساعد نشره في الحفاظ على استمرار الطب الإسلامي التقليدي، وأهميته العميقة في علاج الأمراض، في المناطق التي فُقدت فيها معرفة الأجيال بسبب الحرب».

كاتبة من العراق

 

 

العراقي لا يفهم ما يقرأ!

هيفاءزنكنة

 

هل تشكل معرفة أن 90 في المئة من التلاميذ العراقيين لايفهمون ما يقرأون صدمة لمن يفتخر، عراقيا وعربيا، بالتعليم العراقي والعقول العراقية؟ وهل ما يذكره البنك الدولي في آخر تقاريره عن الوضع التعليمي في العراق وموافقته على مشروع بقيمة 10 ملايين دولار أمريكي «لدعم الابتكارات من أجل التعلم في ثلاث من المحافظات العراقية المتعثرة «، سيساعد فعلا على تعزيز ممارسات التدريس لمعلمي اللغة العربية والرياضيات، وتحسين مهارات القراءة والكتابة والحساب لدى طلاب المرحلة الابتدائية في المحافظات المنتقاة؟
لايثير تقرير البنك الدولي الصدمة لأنه لا يكشف شيئا جديدا. فالحقائق المؤلمة التي يشير اليها معروفة لكل من يتابع إزدهار التعليم ومن ثم تدهوره، بكافة مراحله، بدءا من سنوات الحصار الجائر (1991 – 2003) وحتى الانهيار شبه الكلي منذ احتلال البلد. والحقيقة التي لا يشير اليها التقرير هي أن التدهور يشمل جميع المحافظات، بضمنها بغداد التي طالما افتخر عديد المثقفين والعلماء العرب بكونهم من خريجي جامعاتها، مما أدى إلى إضعاف رأس المال البشري، وهو أساس تحقيق النمو الاقتصادي المستدام، ليشكل 15 في المئة فقط من إجمالي الثروة، وهو أحد أدنى المعدلات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يخلص التقرير إلى أن النظام التعليمي عاجز عن تقديم المهارات الأساسية إلى الطلاب والتي تشكل أساس التعلم وتنمية المهارات. ويعزو أسباب القصور وتفاقمها إلى ما يسميه « فترة الصراع» بالاضافة إلى جائحة كورونا وإغلاق المدارس. وأن مبلغ العشرة ملايين دولار الممنوحة، على مدى عامين، سيساعد على « تحسين نواتج تعلم القراءة والرياضيات لتلاميذ ومُدرسي مادتي الرياضيات واللغة العربية في محافظات العراق الثلاث الأشد فقراً». حسب ساروج كومار جاه، المدير الإقليمي لدائرة المشرق في البنك الدولي.
يثير التقرير، بتفاصيله، والمبلغ الضئيل نسبيا المخصص له، ومدى تطبيقه، عديد التساؤلات. إذ يكتفي، عند التطرق إلى أسباب التدهور، وهي نقطة مهمة جدا لأيجاد الحلول، بلمس السطح تاركا الأسباب الحقيقية جانبا. وهي أسباب طالما تناولها باحثون وأكاديميون عراقيون، قبل صدور هذا التقرير بسنوات عديدة، في محاولاتهم الوطنية لأنقاذ التعليم وتطويره. ففي ورقة بحثية نُشرت عام 2009، مثلا، بعنوان «أولويات التعليم العراقي في المرحلة الراهنة» للأكاديمي منذر الأعظمي، المختص في مجال تطوير القدرات الذهنية والمهارات الأساسية التعليمية، عالج المقترح ذاته في مشروع البنك الدولي، مع فارق السنوات المهدورة وتخصيص «مساعدة» بإمكان العراق، وهو من دول العالم الغنية، توفيرها بسهولة لو توفرت النية الصادقة لإنقاذ التعليم، وإنقاذ 3.2 مليون طفل عراقي في سنّ الدراسة خارج المدرسة، حسب تقرير لليونسيف.

يعزو التقرير سبب تزايد تدهور مستوى التلاميذ إلى جائحة كورونا وإغلاق المدارس أثناءها، والحقيقة هي أن الكثير من مباني المدارس أما تدهورت أثناء حقبة الحصار أو أستولت عليها القوات الأمريكية في بداية الاحتلال للتمركز داخل كل مدينة وحي، ومنع تجمع السكان في تلك المراكز. ولم تعبأ الإدارة الأمريكية لا باتفاقيات جنيف، التي تمنع قوات الإحتلال من تغييرالمعالم المدنية للمناطق التي تحتلها، ولا بقواعد القانون الإنساني ولا للوعود التي رافقت الحرب من تطوير الحياة المدنية. ثم استلمتها منها الميليشيات والجهات السياسية، لكون أغلبها في وسط المدن. وهي مشكلة تناولها منذر الأعظمي، في دراسته، كواحدة من ثلاثة مستويات تتوجب معالجتها في مجال التعليم. «المستوى الأول هو خراب المدارس كأبنية، وتهميشها كمراكز حضارية في حياة المدن. والمستوى الثاني هو تدهور الإدارة التعليمية في المدارس والمحافظات والامتحانات والسياسات التعليمية للدولة. والمستوى الثالث هو في المحتوى، أي تدهور المستوى المعرفي في التعليم، طلابا ومعلمين» مبينا أن هناك عملية مستمرة لإفراغ التعليم من أهم محتوياته في تطوير قدرات الطلبة على التفكير، ونمو كفاءاتهم ومواهبهم المتعددة في أطر المسؤولية العامة».
واستند الباحث إلى آخر الدراسات موثقا أن من لا يدخل المدارس يتراجع مستواه العقلي سنويا بنسبة 3 – 5 في المئة عمن يدخلونها في المعدل، أي أن من المحتمل أن مستوى الذكاء لمن تسرب من المدارس لعشر سنوات هو حوالي 70 في المئة من المعدل وهو ما يمكن اعتباره تخلفا عقليا لهم في المعارف العامة، إن لم يكن في الأمور الحياتية العملية الروتينية. وهي الصورة المؤسفة ذاتها التي يذكرها البنك الدولي في تقريره، ولكن بعد 13 عاما من التأخر في اتخاذ خطوات العلاج التي يعرف الجميع، من عراقيين وأجانب، أنها ليست مستحيلة.
هناك، أيضا، علامة استفهام حول مناهج التدريس التي يبين الأعظمي أنها أما أستورثت من الغرب أو تُرجمت من اللغة الانكليزية في الغالب، حسب الارتباطات بدول كنا إحدى مستعمراتها. وهذه المناهج، غالبا، هي الأكثر شيوعا في البلدان العربية، أي أنها قُررت أما بدون صياغتها وطنيا أو اعتباطيا أو بدون تمحيص لمناهج أخرى في البلدان نفسها وخصوصا البرامج الحديثة والتجريبية هناك والتي، على أهميتها، لن تحقق النجاح كما في البلدان المتقدمة، لأن هذه البلدان مع كونها تتخذ مناهج عامة غالبا فهي تسمح بالإضافة اليها بالعديد من المناهج التجريبية التي تُغني بمرور الزمن المناهج الأصلية.
تكمن أهمية صدور تقرير البنك الدولي والمشروع، بعد عشرين عاما من الأحتلال تقريبا، تأكيد صحة موقف التعليميين العراقيين الوطنيين، كما يؤكد أن تآكل الوضع التعليمي وتأثيره على تدهور القدرة العقلية لما يقارب 13 مليون عراقي وُلدوا وعاشوا فترات الحصار والاحتلال، وصل حدا لم يعد بالامكان التستر عليه، بحيث بات إطلاق أي مبادرة، وإن كانت من قبل ذات الدول والجهات التي عملت على تحطيمه، يُنظر اليها كمساعدة إنسانية تستحق الشكر، وهو ما سيستمر ما لم، كما يخلص الأعظمي في بحثه، يعمل أهل العراق، أنفسهم، على التطوير التدريجي للبدائل الحضارية التي تخدم جميع فئات الشعب وتطور مواهب أبنائه لخدمة الأمة والبلد، فتحرير البلد من الاحتلال المباشر لا يعفي من الصراع مع مخلفاته، ومع ما استنفره من ردود فعل مرضية أو صحية، ومع امتداداته التعليمية والثقافية والاجتماعية.

كاتبة من العراق

 

 

مذبحة الزفاف والمرصد الأمريكي

لجرائم الحرب في أوكرانيا

هيفاء زنكنة

 

أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس، في 18 أيار/ مايو الحالي، عن إنشاء مرصد لتوثيق الجرائم التي ترتكبها روسيا بأوكرانيا، واستخدام المعطيات « لمحاسبة المسؤولين عن الفظائع وانتهاكات حقوق الإنسان والضرر الذي يلحق بالبنية التحتية المدنية، بما في ذلك التراث الثقافي الأوكراني «. مبينا أن ذلك لن يقتصر على المحاكم المحلية بأوكرانيا بل المحاكم الأمريكية وغيرها من دول العالم.
وهي خطوة ضرورية. فغزو واحتلال البلدان، أمر مرفوض حسب القوانين الدولية والإنسانية، وتطبيقاتهما في حماية حياة الناس والبنية التحتية والتراث الثقافي في البلدان الخاضعة للاحتلال. وإدانة الاحتلال، وتوثيق جرائمه، ومحاسبة المسؤولين أمر مفروغ منه ويجب أن يتم بلا تردد، عالميا، لئلا يُمنح البلد المعتدي مساحة لتبرير عدوانه غير الشرعي وطمس جرائمه. وهو ما يُفترض القيام به، عالميا أيضا، مهما كانت طبيعة وقوة الدولة المُعتدية، منعا لإعطاء الضوء الأخضر للدول القوية عسكريا في حق غزو واحتلال الدول الأضعف للاستيلاء على مواردها الطبيعية أو لدوافع جيوسياسية.
ولكن، هل هذا ما يحدث فعلا إزاء كل البلدان أم أن مقولة « كل الحيوانات متساوية لكن بعضها أكثر مساواة من غيرها» حسب الكاتب الانكليزي جورج أورويل، هي السائدة، مهما كان إقتناعنا بأهمية القانون الدولي وما يتمخض عن تطبيقه من عدالة تطمح الشعوب إلى تحقيقها؟ فزيف ما يُعاش، أوصل معظم الشعوب إلى القناعة بأن الإيمان بالقانون الدولي يماثل محاولة الإمساك بسراب. مادامت آلية تطبيقه تمر عبر المنظمات الدولية، الخاضعة في النهاية، وإن بدرجات متفاوتة، للولايات المتحدة الأمريكية وقوتها العسكرية. مما يوفر لأمريكا حصانة من المساءلة، تكاد تكون مطلقة، بينما تستقوي ذات المنظمات على دول أخرى تُصنف بأنها مارقة أو إرهابية، ويجب محاسبتها لارتكابها انتهاكات جسيمة ترقى الى مستوى جرائم حرب. الأمر الذي أدى، تدريجيا، إلى خلق نظام عنصري في مجال تطبيق القانون الدولي، يتناسب مع القوة العسكرية والهيمنة الاقتصادية للدولة أو الدول التي تروم تفعيله.
من هذا المنطلق، تقودنا المفارقة السوداء في توقيت الإعلان الأمريكي، عن تأسيس مرصد لتوثيق جرائم روسيا في أوكرانيا ومحاسبة المسؤولين، بعد إحتلال ثلاثة أشهر فقط، إلى الغزو والاحتلال الانكلو أمريكي للعراق، الذي سيبقى مع الاحتلال الصهيوني لفلسطين، حيا في وجدان وذاكرة الشعوب عن الزيف والعنصرية. ليس لأن أمريكا تعامت عن غزو واحتلال العراق، كما تفعل بعض الدول حماية لنفسها عادة بل لكونها البلد الذي هدم البنية التحتية، وحبس مئات الآلاف بشكل غير قانوني، في ظروف لاإنسانية مهينة ( ولنتذكر أبو غريب كمثال) وسبّب قتل مايقارب المليون عراقي، أما بشكل مباشر أو غير مباشر، ونهب الآثار وحرق الموروث الثقافي فضلا عن مأسسة الفساد والارهاب على مدى عشرين عاما.

غزو واحتلال البلدان، أمر مرفوض حسب القوانين الدولية والإنسانية، وتطبيقاتهما في حماية حياة الناس والبنية التحتية والتراث الثقافي في البلدان الخاضعة للاحتلال. وإدانة الاحتلال، وتوثيق جرائمه، ومحاسبة المسؤولين أمر مفروغ منه

ولا يمكن المرور على توقيت الإعلان الأمريكي عن إنشاء مرصد للجرائم الروسية بدون التوقف عند مجزرة حفل الزفاف التي إرتكبتها قوات الاحتلال الأمريكي بذات التاريخ، تقريبا، أي يوم 19 أيار/ مايو من عام 2004. حيث قامت مروحية أمريكية باطلاق النار على حفل زفاف في قرية مقر الذيب، قرب بلدة القائم، غربي العراق. مما أسفر عن مقتل أكثر من 40 شخصًا، من بينهم العديد من الأطفال. خلال ساعات أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بيانا إدّعت فيه بأنه لم يكن هناك حفل زفاف بل « مخبأ مقاتلين أجانب» وأنهم « كانوا معادين لقوات التحالف وأطلقوا النار أولاً، وأن القوات الأمريكية ردت على النيران ودمرت عدة سيارات وقتلت عددًا منها». تثير قراءة هذه البيانات الأمريكية لتسويغ جرائم قتل المدنيين الغثيان لفرط تكرارها وشبهها، إلى حد أدق التفاصيل، تبرير الكيان الصهيوني لجرائمه بفلسطين بحجة «حق الدفاع عن نفسه وأمنه». حيث يبرر الجنرال الأمريكي المذبحة بلا لحظة تفكير أو ندم. وهو يرى أن قتل العراقيين ضروري وهم يستحقون الموت. ولا يجد في المذبحة ما يدعوه إلى التشكيك بصحة قراره وأخلاقيته على الرغم من وجود شهود عيان، أكدوا أن الضيوف كانوا يطلقون النيران في الهواء وهو تقليد محلي إحتفالا بالزفاف، حين هجمت المروحية الأمريكية فهدمت دارين وقتلت الموجودين. وأكد نائب رئيس شرطة الرمادي، لوكالة « أسوشيتد برس» أن القتلى بينهم 15 طفلاً و10 نساء. وقال صلاح العاني، الطبيب في مستشفى الرمادي، أن عدد القتلى كان 45 شخصا.
وإذا اخذنا في الحسبان نظرة المحتل الدونية لشهود العيان العراقيين، ماذا عن وكالة « أسوشيتد برس» وروري مكارثي، مراسل صحيفة « الغارديان» البريطانية، الذي كتب بالتفصيل عن المجزرة يوم 20 أيار/ مايو، أثناء وجوده ببغداد؟ قائلا « وأظهرت لقطات تلفزيونية شاحنة تحمل جثث القتلى وهي تصل إلى الرمادي أقرب بلدة كبيرة. من الواضح أن العديد من القتلى كانوا من الأطفال». مذكرا بأن للهجوم « بصمات حادثة مماثلة في أفغانستان، قبل عامين، أطلقت خلالها طائرة أمريكية النار على حفل زفاف في إقليم أوروزغان في الجنوب، مما أسفر عن مقتل 48 مدنيا أفغانيا وإصابة أكثر من 100 آخرين. تم استهداف حفل الزفاف لأن الضيوف كانوا يطلقون النار في الهواء كتقليد احتفالي».
أليس هذا كله توثيقا لجريمة يجب أن تستخدم معطياتها لمحاكمة المسؤولين عن إرتكابها كما تفعل أمريكا، حاليا، في رصدها الجرائم الروسية ضد الأوكرانيين؟ لا يبدو ذلك. ففي حالتي العراق وأفغانستان، أعلنت القوات الأمريكية عن إجراء تحقيق، على غرار أن يقوم المتهم بالتحقيق في الجريمة التي إرتكبها. فكانت النتيجة تبرئة الطيارين تماشيا مع شهادة جنود أمريكيين قالوا إنهم تعرضوا لإطلاق النار. مما يترجم على أرض الواقع أن قتلهم المدنيين، وبينهم عشرات الأطفال، في العراق وأفغانستان، فعل ضروري للدفاع عن النفس في معركة بدأها إرهابيون ضد الحضارة. وهو منظور « يشمل كل من يطالب الغرب بالنظر في ماضيه» بكلمات المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد.

كاتبة من العراق

 

 

شيرين فلسطين

 تكتب تاريخها بنفسها

هيفاء زنكنة

 

من بين الاسئلة التي نواجهها، ونحن نعيش حقبة تزوير وتضليل سياسي ـ إعلامي مذهل، فضلا عن إزدواجية المعايير، بعد جريمة إغتيال الصحافية الفلسطينية الشهيدة شيرين أبو عاقلة، تحت أنظار العالم، مع استمرارية حرب أُريد لها ان تكون عالمية، هو كيف تتم عملية تقطير الأحداث المعاصرة لتصبح الخلاصة، ملائمة للمنتصرين أو أصحاب القوة؟ وكيف تُدّرس على هذا الأساس وإن كان من عايشها، من أفراد وحتى شعوب، لايزال على قيد الحياة؟
في عديد الكتابات والنقاشات والآراء المتبادلة اليوم، في حلقات المثقفين العرب، خاصة العراقيين والفلسطينيين، يحضر التاريخ بقوة تنافس الحاضر، بمستوياته من التاريخ الشخصي والعام، وعلى إختلاف مستوياته المتعددة، من كتابة المذكرات إلى البحوث والدراسات، لتنشر أما بشكل كتب أو على صفحات التواصل الاجتماعي. الحاضر، في معظم الحالات تائه بين محاولات فهم التاريخ والأدلجة وإثبات الهوية وتجزئة القضايا. مما ينعكس بقوة على توثيق الحقيقة وجهود إثبات المصداقية.
فلسطينيا، يعتبر التوثيق الآني الفردي والعام والتاريخي المتضمن، أيضا، كتابة اليوميات والمذكرات وتسجيل الشهادات المحكية، أداة مقاومة للسردية الصهيونية المختلقة، ولعل آخرها المُختلق الصهيوني لتغطية جريمة إغتيال شيرين. لذلك نجد اهتماما جديا، يتنامى بشكل متزايد، خاصة في المجالات الأكاديمية، بدراسة التاريخ وتوثيق كل ما يرتبط بفلسطين، بشكل علمي يتوخى المحافظة على المصداقية بمواجهة «الأسطورة» والأكاذيب الصهيونية والتركيز على حفريات «الذاكرة» المصطنعة. ويمتد الاهتمام ليشمل كيفية دراسة وتدريس التاريخ، وهي حقول معرفية تغتني بالبحث والتحليل والمقارنة، والربط الموضوعي بين الأحداث.
عراقيا، لدينا فقر حقيقي في مجال كتابة التاريخ. ينعكس في البحوث والدراسات الأكاديمية كما نراها، بأوضح صورها، في الكتابات المنشورة كأوراق بحثية أو المتداولة في مواقع التواصل الاجتماعي وهي تحمل توقيع « مؤرخ» أو «مفكر». إذ قلما نجد من يكتب عن حدث ما بدون السقوط في فخ الأديولوجية بقوالبها الجاهزة، وانتقائية الحدث حسب الظرف الاجتماعي والسياسي الذي يمر به الشخص/ البلد، وطغيان نفي كل ما لايتماشى مع ما يراد إنتقائه. لتصبح كتابة التاريخ المعاصر، تحديدا، عملية شخصنة تمر عبر مراحل تجميل أو تشويه، كل حسب وجهة نظره وخلفيته السياسية والاجتماعي، والدور الذي تلعبه الذاكرة الشخصية في إضفاء المديح والوطنية أو التشكيك والتخوين. في بحث له، يذكر حيدر لشكري هو أستاذ مساعد للتاریخ الإسلامي الوسیط في جامعة کویه ـ إقليم کردستان العراق: « يقع الباحثون، بسبب تكوينهم الإيديولوجي، في دوامة المسائل المنهجية، لأنهم يتجاهلون كيفية تكوّن النص التاريخي، ويأخذون من هذه الروايات ما يساعدهم على تجميل الصورة التاريخية لهويتهم وما يؤكد فاعلية جماعتهم في الذاكرة العراقية».

يعتبر التوثيق الآني الفردي والعام والتاريخي المتضمن، أيضا، كتابة اليوميات والمذكرات وتسجيل الشهادات المحكية، أداة مقاومة للسردية الصهيونية المختلقة

تقودنا هذه الملاحظات إلى التساؤل عن كيفية تكوين المؤرخ العراقي، بالمقارنة مع نظرائه في العالم، هل هو وليد تدريس التاريخ في الجامعات العراقية أم أنه عصامي التكوين؟ وماهي منهجية إعداد «المؤرخ» جامعيا؟
تطغى الانتقادات الموجهة بشكل كبير على كيفية ومنهجية تدريس التاريخ، وإن كان النظر إلى أهمية دور المؤرخ لايشوبه الشك. من بين الانتقادات التي تكاد تنطبق على عموم التدريس بالعراق «أن تدريس التاريخ يتم بالطريقة اللفظية الاستظهارية» ويُنظر الى التاريخ «باعتباره مادة تقريرية تتألف من مجموعة نصوص وأحداث مسطرة في الكتاب المدرسي» بدون مراعاة ضرورة» تنمية القدرة على التعامل مع المفاهيم الزمنية وادراكها واكتساب القدرة على تمحيص الأحداث والقراءة النقدية للتاريخ». وتلخص إطروحة دكتوراه أحمد هاشم محمد، في فلسفة التربية، المعنونة «طرق تدريس التاريخ» بعض مشاكل تدريس مادة تاريخ العراق المعاصر من وجهة نظر 247 من طلاب وطالبات السنة الأخيرة، بقسم التاريخ بجامعة بغداد. توصّلَ الباحث إلى نتائج تساعد على إلقاء الضوء على كيفية إعداد ونوعية مدرسي التاريخ و« مؤرخينا» مستقبلا.
ففي مجال الأهداف العامة للمادة كانت المشكلة الأولى ضعف تنمية التفكير النقدي عند الطلبة. وشكلت أساليب التدريس كإعتماد الطريقة الالقائية عند تناول الموضوعات التاريخية، وافتقار مدرسي المادة إلى مهارة التمهيد للدرس، وقلة زيارة الطلبة إلى المتاحف التاريخية، وقلة اللجوء إلى استخدام الوسائل التعليمية والتقنيات التربوية المتمثلة بالمصورات والخرائط والأفلام ذات العلاقة بمضمون التدريس، بالاضافة إلى غموض الأهداف الداعية إلى دراسة تاريخ العراق المعاصر، تشكل هذه العوامل عائقا في عدم تنمية رغبة الطلبة في فهم المادة وأحداثها بشكل عام، مما إنعكس، على عدم رغبة الطلاب في التخصص بتاريخ العراق المعاصر، وبالتالي على كتابتنا لتاريخنا المعاصر بأنفسنا.
إن عدم كتابتنا لتاريخنا لا يعني فقط عجزنا عن فهم الحاضر والمستقبل معا، فالتاريخ كما يذكر أستاذ التاريخ البريطاني جي كورفيلد « لا مفر منه». وهو خلافا لما يشاع في مدارس ما بعد الحداثة الفكرية، ليس موضوعًا ميتًا، لذلك يشكل قرار طلاب التاريخ العراقيين عدم جدوى دراسة تاريخ بلدهم المعاصر كارثة حقيقية، لا من ناحية عدم الدراسة والتدريس فقط وإنما لفسحه المجال واسعا أمام الآخرين لكتابة تاريخنا، وفق ما يريدون، بشكل انتقائي، يُبرز أحداثا تُحفر في الذاكرة الجماعية بينما يتم حذف أحداثا أخرى. ويتم ذلك كله وفق ميزان القوى الخارجية والجهات المتحكمة بالسلطة داخليا المتزامن مع غياب المؤرخين.
وهذا ما نواجهه في بلداننا، عموما، وهو منبع القصور في فهم الأسئلة والمعضلات الحالية وتوليفة العلاقات العالمية والوطنية والمحلية بين المجتمعات والأفراد وكيفية التعامل معها. إذ لانزال خاضعين بشكل مباشر أو غير مباشر، لكتابة الاحداث وتحليلها وصياغتها وحتى تدريسها لنا، إنتقائيا، كما أراد المستعمر، على حساب مسح الذاكرة الجماعية.
كان الاستعمار ولايزال، بتركيبته الاستيطانية العنصرية في فلسطين، يتغذى على تدمير الثقافة وطرق فهم العالم وإبادة الانسان. وكلما ينتهي من إرتكاب واحدة من جرائمه يشرع بعملية محو جرائمه من الذاكرة العامة واستبدال الحقائق الآنية لئلا تُصبح تاريخا كما يشاء. وهو ما نشهده، الآن، بعد اغتيال الشهيدة شيرين. وسينجح في تحويلها إلى صورة تضاف إلى قائمة صور الشهداء المرسومة على جدران المخيمات، ما لم تواصل الاصوات الغاضبة المستنكرة مسار شيرين / فلسطين في كتابة تاريخها بنفسها.

كاتبة من العراق

 

من المسؤول عن صبغ

العراق بالغبار الأحمر؟

هيفاء زنكنة

 

سببت عاصفة ترابية، غطت سبع محافظات عراقية، من بينها بغداد، أكثر من 5 آلاف حالة اختناق ووفاة شخص واحد. تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي صورا مذهلة، عن الغبار الأحمر الذي غّلف الجو والناس والأماكن، للمرة السابعة، خلال شهر. رافقت الصور، تحليلات ونظريات، جمعت ما بين العلمي والتهويلي والرسمي الدعائي المُطّعم بالتبريرات بدرجات مختلفة.
ركزت التصريحات الرسمية على التغير المناخي وقلة الأمطار والتصحر، وهي أسباب حقيقية على مستوى العالم، إذ لم يعد الدمار الذي ألحقه الإنسان بالبيئة خافيا على أحد، ومن أعراضه المتزايدة، الأعاصير والفيضانات وإرتفاع درجات الحرارة، والتصحر، وجفاف الأراضي الزراعية، والحرائق المهددة للغابات، وتزايد الغازات وتلوث الهواء. وهي ظواهر طالما حذر علماء البيئة من حدوثها ووجوب إيجاد حلول جذرية لها. حلول أكد العلماء ونشطاء البيئة على ضرورة أن تُلزم جميع الدول بلا إستثناء بشكل عام وأن نبهوا، في الوقت نفسه، إلى مراعاة خصوصية كل بلد على حدة، أيضا، تسريعا لإصلاح الأضرار.
عند النظر إلى الوضع البيئي في العراق بالاضافة إلى قبولنا بحقيقة الضرر العالمي العام، سنجد تميزه بخصوصية تميزه عن أمريكا و أوروبا وحتى عديد البلدان الإقليمية، مثلا، مهما حاولت التصريحات الرسمية العراقية والدولية تعليبه في ذات العلبة، مع إضافة بعض التحذيرات، على غرار تصنيف العراق من الدول الخمس الأكثر عرضة لتغير المناخ والتصحر في العالم خصوصا بسبب تزايد الجفاف مع ارتفاع درجات الحرارة التي تتجاوز لأيام من فصل الصيف خمسين درجة مئوية. وتحذير البنك الدولي في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي من انخفاض بنسبة 20 في المئة في الموارد المائية للعراق بحلول عام 2050 بسبب التغير المناخي.
نلاحظ، عند متابعة التصريحات الرسمية المحلية وقراءة التقارير الدولية والتحذيرات من مستقبل قريب مظلم، خاصة بعد إرتفاع عدد الأيام المغبرة إلى 272 يوماً في السنة، في العقدين الأخيرين، أنها، باستثناء النادر منها، لا يمس جذور الكارثة البيئية بالعراق ومسؤولية السياسة الغربية الاستعمارية بل يكتفي بخدش السطح، وإقتراح تشكيل لجان، لا يعرف أحد مصيرها بعد غياب الضجة الإعلامية، مما يعيق إيجاد حلول حقيقية تساعد على إيقاف التدهور أولا وتحسين الوضع ثانيا.
إن خصوصية الوضع الكارثي نابعة من كون الكارثة البيئية، بالإضافة إلى الخراب العام، ناتجة عن صناعة الحرب والاحتلال والسياسات الاستعمارية الجديدة، الدولية والإقليمية المستقوية بنظام اللادولة بالعراق، المؤدية إلى تقويض الأساس الاقتصادي للحياة في المنطقة. تظهر آثار هذه الحروب والسياسة الاستعمارية فضلا عن تجاهل النظام الكلي لمسؤوليته الوطنية في تغير المناخ المدمر، واستنفاد الموارد الطبيعية، وندرة المياه، وتلوث الهواء والتربة جراء استخدام الذخيرة الحديثة، كاليورانيوم المنضب.

تشير التقديرات إلى أن الحرب ضد العراق سببت إطلاق 141 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون، بين عامي 2003 و2007، أي أكثر من 60 بالمئة من جميع دول العالم

وتشير التقديرات إلى أن الحرب ضد العراق سببت إطلاق 141 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون، بين عامي 2003 و2007، أي أكثر من 60 بالمئة من جميع دول العالم. وكانت العالمة العراقية د. سعاد العزاوي والدكتورة المصرية بياتريس بقطر قد وثقتا في عديد بحوثهما انتهاك الولايات المتحدة للقوانين الدولية أثناء حرب الخليج، وفي وقت مبكر، عن طريق إستخدام أسلحة ذات قابلية للتأثير على المدى البعيد مما يسبب تدميرا دائما للبيئة الطبيعية حتى بعد إنتفاء الحاجة العسكرية لها، وهو ما أثبتت الأيام صحته، خاصة بعد أن واصلت أمريكا خرقها لقوانين الحروب والقوانين الإنسانية في السنوات التالية وحتى غزوها العراق عام 2003.
ومن بين الأسباب المدمرة للبيئة العراقية، المسكوت عنها بشكل متعمد، هو كيفية تخلص القوات الأمريكية من النفايات العسكرية، وذلك عن طريق حرقها في حفر كبيرة في الأرض.
احتوت النفايات، باعتراف الجنود، الإمدادات الطبية المستعملة، والطلاء، وزجاجات المياه البلاستيكية، والبطاريات، وحتى عربات همفي بأكملها. أدى الحرق إلى إصابة الجنود بأمراض خطيرة. يقول الضابط المتقاعد بروير «كان الدخان سامًا، إنه قاتل صامت، وقد لا يقتلك في ساحة المعركة غدًا، إلا أنه سيتسبب في أضرار صحية طويلة المدى. ونحن نرى ذلك الآن، نرى ذلك كثيرًا». وقد أدى تزايد ظهور الأعراض المرضية على الجنود إلى تأسيس جمعية للمطالبة بالرعاية الخاصة وتعويض المصابين من الجنود، بينما لم يحدث إطلاقا أن طالب أحد سواء من الساسة العراقيين أو الأجانب أو حتى أعضاء منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية بالتحقيق في الأعراض المرضية التي تعرض لها المواطن العراقي جراء حرق النفايات السامة، ناهيك عن المطالبة بالتعويضات. لتبقى إزدواجية المعايير هي اللغة السائدة خاصة مع غياب المطالبة بالحقوق.
وفي الوقت الذي لا يختلف فيه إثنان حول تعقيد الوضع البيئي العراقي وكونه حصيلة عقود من التخريب، إلا أن التغاضي عن تحميل الغرب المسؤولية الاولى وطرح حلول لا تحيد عن صراط ذات الأنظمة التي سببت الخراب لن يؤدي إلى تنظيف البلد وإيقاف التدهور نحو الحضيض. وتشكل قلة المياه في نهري دجلة والفرات، جراء بناء إيران وتركيا السدود، خلافا للاتفاقيات الدولية، مشكلة جسيمة، تناولتها د. سعاد العزاوي في بحث أخير لها منبهة إلى حتمية جفاف النهرين. هذه الكارثة، لن توقف ما دام النظام الحاكم عبارة عن أحزاب وميليشيات، تتنازع إلى حد الاقتتال فيما بينها، مما جرد الدولة من أية قوة وسلطة مركزية. وبقيت الحلول، حتى البسيطة منها، على غرار تشريع قانون يمنع عمليات الحفر غير المنظمة، وتجريف البساتين وتحويلها إلى مبان، ومنع قلع الأشجار، بل العمل على تشجيع زراعة الأشجار الكثيفة وعودة المزارعين إلى أراضيهم التي تركوها بسبب موجات الجفاف والعواصف، معلقا بلا تنفيذ. ليبقى العلاج الحقيقي مرتبطا بتوفر الإرادة السياسية الصادقة، النابعة من صميم المجتمع والممثلة لمصالحه والمفروضة فرضا من قبل أبناء الشعب أنفسهم.

كاتبة من العراق

 

 

الإعلام الغربي:

من غزة وملجأ العامرية إلى أوكرانيا

هيفاءزنكنة

 

ما هو طول الفترة الزمنية التي تكرسها أجهزة الإعلام الغربية لتغطية ما يدور من أحداث كارثية في فلسطين والعراق بالمقارنة مع تغطيتها لما يدور حاليا في أوكرانيا؟ ليست هناك دراسات وإحصائيات دقيقة توفر الإجابة العلمية بعد، لكن متابعة نشرات الأخبارواللقاءات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية البريطانية، مثلا ناهيك عن الأمريكية والدول الأوروبية، توضح، بما لا يقبل الشك، أن هناك تحيزا إعلاميا فاضحا لصالح تغطية الغزو الروسي لأوكرانيا بالمقارنة مع تغطية ممارسات وجرائم الكيان الصهيوني اليومية بفلسطين، والغزو الانكلو أمريكي للعراق وما سببه من تخريب ينوء تحت آثاره الشعب العراقي حتى اليوم.
مثل زخات من المطر، تُبث البرامج « الإنسانية»، البريطانية والأمريكية، متسللة إلى عقول المشاهدين والمستمعين، منذ لحظات الغزو الروسي الأولى. يتم خلالها سرد تفاصيل معاناة الأوكرانيين بالدقائق، جراء القصف الروسي وتهديم المباني وتهجير السكان، وبطولة مقاتلي المقاومة الأوكرانية ومن ثم «صعوبة» وصول المهاجرين الى بلدان اللجوء وتأخر قبولهم مدة أسبوع أو أسبوعين، متجاهلين المشروع البريطاني بإرسال اللاجئين إلى رواندا. تصاحب هذه التغطية المكثفة المستمرة، على مدى 24 ساعة يوميا تقريبا، حملة شيطنة منهجية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وإغلاق لكافة المنافذ الإعلامية الروسية، وحتى منع المشاركات الرياضية والفنية والأدبية، وحجب المحاضرات الأكاديمية الروسية.

تغطية مكثفة مستمرة، على مدى 24 ساعة يوميا تقريبا، تصاحبها حملة شيطنة منهجية للرئيس الروسي

التساؤل الذي تثيره هذه السيرورة الإعلامية، بعيدا عن أحقية روسيا باحتلال أوكرانيا وهو فعل مدان، خاصة، لما سببه من معاناة للشعب الأوكراني، هو لماذا لا نشهد ذات التغطية والمتابعة ومشاركة الاحاسيس الإنسانية عن الفلسطيني الذي يعيش إحتلال أرضه صهيونيا منذ عام 1948 ، ويقاوم بكل السبل الممكنة عنصرية المحتل وانتهاكاته وجرائمه وتهجير أهل البلد في مخيمات، استحدثت كحل مؤقت تحول إلى واقع دائم، ولايحق له العودة إلى أرضه، بينما يمنح المحتل أرضا اغتصبها لحثالات العالم؟ لماذا لا نشهد ذات التغطية عن النظام الإسرائيلي الصهيوني الذي صنفته التقارير الحقوقية الدولية بأنه نظام فصل عنصري بعد رصد دقيق لممارساته التي ، كما ذكر كينيث روث، المدير التنفيذي لمنظمة « هيومان رايتس ووتش» في مقابلة له مع البي بي سي، منذ أيام، مؤكدا « أن إسرائيل لم تتمكن من دحض أي من الوثائق التي استندنا إليها في تقريرنا». وكان تقرير منظمة « العفو الدولية» قد ثبت الحقيقة نفسها قبل ذلك بأشهر.
لماذا باتت الإشارة الى جرائم الكيان الصهيوني، من بينها جرف البيوت وقتل المدنيين وتدنيس الاماكن الدينية، وآخرها إقتحام المسجد الأقصى، وإطلاق الرصاص الحيّ والغاز المسيّل للدموع وإلاعتداء على المصلّين، في إنتهاكٍ صارخ لكلّ القواعد والأعراف الدولية، لا تذكر الا في حيز أخباري عابر وبيانات تخلص، عادة، إلى مساواة المجرم بالضحية؟

لماذا باتت الإشارة الى جرائم الكيان الصهيوني، لا تذكر الا في حيز أخباري عابر وبيانات تخلص، عادة، إلى مساواة المجرم بالضحية؟

وفي الوقت الذي سارع فيه المجتمع الدولي، خلال دقائق، لإدانة روسيا ودعم أوكرانيا، فانه لايزال صامتاً، بعد مرور 19 عاما، إزاء الغزو الأنكلو أمريكي للعراق ونتائجه الكارثية المتبدية في تخريب البنية التحتية للبلد، ودعم نظام طائفي فاسد، وانتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة. ولايزال المسؤولون عن التخطيط للغزو وتنفيذه والمتعاونون معهم يتمتعون بغنائم الثروة النفطية، بلا محاسبة في بلد يعيش ثلث سكانه تحت خط الفقر، بلا حماية قانونية في ظل انتشار السلاح بيد ميليشيات ترتدي أقنعة أحزاب ومنظمات سياسية.
وإذا كان للفترة الزمنية المكرسة للتغطية الإعلامية قيمتها وتأثيرها، ما الذي تعنيه تغطية أجهزة الإعلام البريطانية ، البي بي سي خاصة ، الموسومة بـ « حياديتها «، المتعاطفة ، كلية، مع الأوكرانيين ، ضحايا الغزو الروسي، منذ 68 يوما فقط ، ومعاناتهم من حالات الاكتئاب والصدمة النفسية، بالمقارنة مع حرمان الفلسطيني من أرضه وبلده ومعاقبته بعدم العودة الممتدة من الأجداد إلى الابناء والاحفاد منذ ما يزيد على السبعين عاما؟ وكيف يُفسر رفض البي بي سي بث النداء الموجه من لجنة طوارئ الكوارث البريطانية لصالح أهل غزة لعد تعرضهم للعدوان الإسرائيلي عام 2009؟
وتبرز المساحة الزمنية التي كُرست لدعم الغزو الانكلو أمريكي للعراق حجم التأثير الإعلامي لتحشيد العواطف تأييدا لايديولوجيا الخطاب. فبينما لا تكف اجهزة الإعلام الغربية عن وصف مناهضة الاحتلال الروسي بالمقاومة مُنعت / إختارت اجهزة الإعلام ذاتها وصف مناهضة العراقيين للاحتلال الانجلو امريكي عام 2003 بالإرهاب، بل واكتفت القنوات البريطانية مثلا، على مصادر الحكومة أو الائتلاف العسكري ، في أسابيع الغزو الاولى . وحسب دراسة أكاديمية أجرتها جامعة كارديف شكل ذلك 11 بالمئة من التغطية وهي أعلى نسبة من بين جميع المذيعين التلفزيونيين الرئيسيين. وكانت البي بي سي الأقل نسبة في اقتباس مصادر عراقية رسمية ، وأقل في استخدام مصادر مستقلة (وغالبا متشككة) مثل الصليب الأحمر. ووجدت الدراسة أن هيئة الإذاعة البريطانية ركزت بشكل أقل على الضحايا العراقيين ، الذين ورد ذكرهم في 22٪ من قصصها عن الشعب العراقي، كما كانت الأقل احتمالاً للإبلاغ عن استياء العراقيين من الغزو.
وقام الباحث الاستقصائي المستقل توم ميلز بتوثيق تركيز البي بي سي، على أسلحة «الدقة» عالية التقنية التي إستخدمتها القوات الامريكية ضد العراق في حرب الخليج ، مما يوحي بأن كل ما أستخدم كان دقيقا . بينما تبين، فيما بعد، أنها شكلت نسبة 9 بالمئة فقط من القنابل التي ألقيت خلال الحرب. بل وحتى القنابل «الذكية» أخطأت أهدافها في 40 بالمئة من الحالات. وكان الهجوم الأكثر دموية هو الذي تعرض له المدنيون العراقيون دون سابق إنذار في الصباح الباكر من يوم 13 فبراير / شباط 1991، إذ قصفت مقاتلتان أمريكيتان ملجأ العامرية، وسط بغداد. تم القصف بقنابل « ذكية»، راح ضحيتها نحو 408 أشخاص، بينهم 52 طفلًا، عمر أصغرهم سبعة أيام. لقد أدى تركيز أجهزة الإعلام على استخدام « الاسلحة الذكية» على إضفاء النقاء على حرب دموية، حسب تعبير ميلز. بهذا المقياس، قد تُبرز لنا الأيام المقبلة، بعيدا عن التضليل الإعلامي، مدى دموية كل الجهات المشاركة في الحرب الروسية الأوكرانية وليست جهة واحدة.

كاتبة من العراق

 

 

 

بعيدا عن أوكرانيا… مبادرة

جديدة تتحدى شرطي العالم

هيفاء زنكنة

 

لتحدي سياسة فرض العقوبات الاقتصادية التي ترتكبها الولايات المتحدة من خلال استخدام القانون، ولتسليط الضوء على الطبيعة غير القانونية، والظالمة، والاستعمارية للتدابير الاقتصادية القسرية، أعلنت مجموعة من المنظمات عن تأسيس ” المحكمة الشّعبية الدوليّة حول العقوبات الإمبرياليّة الأمريكيّة”. من بين المنظمات الدولية : “معهد سيمون بوليفار للسلام والتضامن بين الشعوب”، و”جمعية المحامين الوطنية”، و”الجمعية الدولية للمحامين الديمقراطيين”، و”تحالف حقّ العودة الفلسطيني في الولايات المتحدة”، و”صامدون” شبكة التضامن مع الأسرى السياسيين الفلسطينيين، و”تحالف السود من أجل السلام”، و”مؤسسة فرانز فانون”، وحركة “المسار الثوري الفلسطيني البديل”، و”التحالف من أجل العدالة العالمية”.
تأتي المبادرة بناء على واقع تزايد فرض العقوبات، أمريكيا، على الدول والحكومات والأفراد، آخرها منذ الغزو الروسي لأوكرانيا. وهي عقوبات تهدف إلى إلحاق الضرر، بأقصى درجة ممكنة، على النظام المعتدي في ذات الوقت الذي يضمن عدم إلحاق الضرر بالدولة أو الدول المشاركة في فرض العقوبات، كما يتوخى قانونيا، عدم إلحاق الضرر بالشعوب. وهو ما لم يحدث، وغالبا، كما يدل تاريخ فرض العقوبات، على أنظمة توصف بأنها مارقة، لتعيش الشعوب عبء ضنك العيش وهدر الكرامة. حتى ولو كانت الأنظمة لا تمثلها والمراد من فرض العقوبات استهداف رؤساء الأنظمة، في حقبة زمنية معينة، بعد انتهاء صلاحيتهم، ومع تسارع عملية شيطنتهم. الأمر المهم في هذه السيرورة المبنية على الضخ الإعلامي المؤدلج، والتزوير وفبركة الأخبار والتلفيق المنهجي، من كل الجهات المتحاربة، هو تجاهل وجود الشعوب المعرضة ليوميات العقوبات كشكل جديد من أشكال الحصار، بتفاصيله المريرة، والذي لا يختلف إلا بالتسمية عن حصار التجويع وانتشار الأمراض في القرون الوسطى. مما يجعل فرض العقوبات الاقتصادية حربا من نوع آخر أو سلاحا لأخضاع الشعوب.

الأمر المهم في هذه السيرورة المبنية على الضخ الإعلامي المؤدلج، والتزوير وفبركة الأخبار والتلفيق المنهجي، من كل الجهات المتحاربة، هو تجاهل وجود الشعوب المعرضة ليوميات العقوبات كشكل جديد من أشكال الحصار، بتفاصيله المريرة

حاليًا، تقوم الولايات المتحدة الأمريكية، بدعم من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، بفرض عقوبات وتدابير اقتصادية قسرية أخرى على أكثر من 30 بالمئة من سكان العالم، معظمهم في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، على الرغم من فشل العقوبات في تغيير سلوك أنظمة البلدان الخاضعة للعقوبات؛ لكنها نجحت بالحاق الأذى بأفقر الناس في تلك البلدان.
المعروف، أيضا، أن ثلثي العقوبات الـ 104 التي فُرضت في جميع أنحاء العالم من عام 1945 إلى عام 1990، كانت من قبل أمريكا، وأحادية الجانب دون مشاركة دول أخرى. وتشمل قائمة البلدان التي فرضت عليها عقوبات طويلة الأمد كل من كوبا وإيران وكوريا الشمالية وسوريا.
ولا يمكن الحديث عن تأثير تطبيق العقوبات أو التدابير القسرية الانفرادية على تمتع السكان المتضررين بحقوق الإنسان، ولا سيما تأثيرها الاجتماعي والاقتصادي على النساء والأطفال، في الدول المستهدفة، إلا ويأخذنا المسار إلى العراق. حيث عاش الشعب العراقي 12 عامًا و8 أشهر من “الحصار”، بموجب قرار الأمم المتحدة رقم 661 الصادر في 6 أغسطس / آب 1990. أثر الحصار على كل جانب من جوانب الحياة العراقية، مما تسبب في تدهور اقتصادي سريع أدى إلى تدهور عموم الأوضاع. من التعليم والصحة والخدمات العامة الأخرى، إلى البطالة الهائلة، والوفيات الزائدة وتقريبا نهاية أي نوع من التنمية البشرية. إن دراسة آثار الحصار في ضوء إعلان حقوق الإنسان، يبين بوضوح حجم وكيفية انتهاك حقوق الإنسان لجميع العراقيين، النساء والأطفال على وجه الخصوص.
وقد قدرت منظمة ” اليونيسف” أن السنوات الخمس الأولى من العقوبات ضد العراق أسفرت عن مقتل نصف مليون طفل دون سن الخامسة. كان ذلك في عام 1996، أي أقل من نصف الطريق خلال سنوات العقوبات، عندما كانت مادلين أولبرايت، سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة آنذاك، التي صرحت، عند مواجهتها بهذه الحقيقة، قائلة أن “الثمن يستحق” تغيير نظام صدام حسين.
ويأخذنا المثال الصارخ الآخر إلى فلسطين المحتلة التي تعيش حصارا شاملا، يتبدى خاصة في قطاع غزة، الذي تحول منذعام 1994 من معسكر لاجئين كبير إلى أكبر سجنٍ مفتوحٍ على سطح الكرة الأرضيّة يتعرض فيه السكان للعدوان المستمر على كافة جوانب الحياة، حيث تتفاقم الآثار الاقتصادية والصحية وارتفاع معدلات البطالة وانهيار المنظومة الصحية أمام الاصابات والضحايا، فلم تعد المستشفيات ولا الأدوية ولا الأطباء قادرين على مواجهة الكارثة الإنسانية. وتحولت حياة الناس إلى جحيم لا يطاق مُغّلف بصمت المجتمع الدولي أما بقيادة أو مباركة أمريكية، لسياسة الإبادة التي يمارسها كيان الاستيطان الصهيوني.
لذلك، يبدو تأسيس ” المحكمة الشّعبية الدوليّة حول العقوبات الإمبرياليّة الأمريكيّة”، ضروريا. حيث ستستضيف المحكمة الشعبية، على مدى ستة أشهر، من يناير/كانون الثاني إلى يونيو/حزيران 2023، شهودا خبراء، وقانونيين دوليين، ومقررين من 13 دولة مستهدفة حاليا بالعقوبات والإجراءات القسرية، باعتبارها إحدى الأدوات الرئيسية لهيمنة الإمبريالية الأمريكية، وكونها تسبب مجاعات ومعاناة جماعية للشعوب في الجنوب العالمي، بينما تفتح الأسواق للشركات الأمريكية والأوروبية.
يُدرك منظمو المحكمة من محامين ونشطاء وعلماء، محدودية قدرة المحكمة الشعبية القانونية على تحدي ما ترتكبه الولايات المتحدة من انتهاكات وجرائم من خلال إجراءات قسرية متعددة الأطراف أو أحادية الجانب، إلا انهم يؤمنون، بأن “المحكمة ليست مجرد تكتيك قانوني بل إنها أيضا أداة تنظيمية”. قد تدفع مستقبلا إلى تطبيق القانون الدولي والإنساني بشكل ينطبق على جميع الدول بلا استثناء، وألا يُستغل فرض العقوبات كأداة لمعاقبة دول وحكومات وشعوب تحيد عن صراط أمريكا كشرطي للعالم، مهما كانت طبيعة الحكومات، كما يجب عدم السكوت على انتهاكات حقوق وحياة السكان لأن حكوماتهم في صراع مع دول قوية أو مؤسسات متعددة الملكية، ووفق إنتقائية مخالفة للقوانين الدولية والإنسانية.

٭ كاتبة من العراق

 

 

نزيف العقل العراقي…

رحيل العلماء في الشتات

هيفاء زنكنة

 

كم من العلماء والأكاديميين وعموم المثقفين أجبروا على الرحيل من العراق، على مدى العقود؟ يُجبر على الرحيل إما قمعا أو إهانة وإهمالا أو لتلقيه طلقة في مظروف تستهدف حياته. في كل حقبة، يُنتزع من جسد الوطن عقل ومحظوظ من بقي حيا تحت سياط القمع والغزو وتصفيات الاحتلال.
في المنفى، الذي غالبا ما يمتد ليشمل سنوات العمر كله، إما أن تتاح للمنفي فرصة أن يترعرع ويزدهر في البلد الثاني، أو يذوي بعيدا عن منبعه، يُدفن في أرض غريبة ملتفا بوجع القلب، حنينا إلى بلده. كم من العقول العراقية ترجلت من قطار الحياة في محطات الشتات؟ قائمة الأسماء طويلة لخسارة كبيرة كأشخاص وثروة وطنية. أليس الأنسان هو أغلى رأسمال، فكيف به إذا كان عقلا منتجا للمعرفة؟
آخر الراحلين العراقيين في الشتات هو الأكاديمي منذر نعمان الأعظمي، المتخصص في حقل تعليم الرياضيات إستنادا إلى علم النفس المعرفي والابستيمولوجيا وعلم النفس الاجتماعي. رحل وهو يعمل، آخر أيامه، مع أساتذة من جنوب أفريقيا لتطوير فهم وتعليم الرياضيات هناك، استمرارا لما قام به طوال حياته في مجال الرياضيات وتطوير الذكاء.
في رثائه، كتبت بروفسورة مارغريت براون، رئيسة جامعة « كينغز كوليدج للتعليم» – بجامعة لندن، لصحيفة « الغارديان» البريطانية « كان زميلي وصديقي منذر الأعظمي، رائدا في مجال تعليم الرياضيات وناشطا سياسيا، ركز على دعم المدرسين وحثهم على تنمية قدرة التلاميذ على التفكير، وإعداد الدروس التي تشجع على المشاركة النشطة في التفكير الرياضي لجميع الأطفال وتطوير الذكاء… كان منذر ناشطًا فكريًا، يحاول بلا كلل فهم العالم وينخرط في نشاطات لتحسينه، سواء في التعليم أو السياسة. لقد كان سخيا بوقته وتعاونه مع الآخرين، وكانت شراكته في العمل محفزة دائما، وإن كانت مرهقة في بعض الأحيان».
وكان منذر قد عمل مع بروفسورة براون في الثمانينيات وحتى 1993، في برنامج « التقييم المتدرج في الرياضيات» الذي أصدر 11 مجلدا يجمع بين النظرية والتطبيق. وكان الباحث الرئيسي لبرنامج « التسريع الفكري عبر الرياضيات» الذي أصدر مجلدات تعليمية، اعتُمِدَت رسميا من قبل وزارة التربية البريطانية.
وحتى رحيله، كان منذر مديرا لـ« هيئة التنمية الفكرية» وهي مؤسسة خيرية بريطانية مقرها لندن، تهدف إلى الاستثمار الكامل للإمكانات المعرفية لدى التلاميذ من خلال إغناء المناهج الدراسية، وطرق التدريس والتطوير المهني للمدرسين في المواد الدراسية الأساسية في المدارس الابتدائية والثانوية.

كم من العلماء والأكاديميين وعموم المثقفين أجبروا على الرحيل من العراق، على مدى العقود؟ يُجبر على الرحيل إما قمعا أو إهانة وإهمالا أو لتلقيه طلقة في مظروف تستهدف حياته

من التعليم إلى السياسة، عمل منذر على صياغة برنامج « التدرج في المساهمة الديمقراطية» مركزا على مجالات الخدمات غير السياسية التي يمكن لمؤسسات المجتمع المدني تقديمها فيما أطلق عليه مصطلح « الاستثمار الاجتماعي». وعن دور التعليم في البناء الديمقراطي في بلداننا، كان سؤاله الأبرز: « من يُعلم المعلمين؟». هل بإمكانهم نقل قيم لم يتربوا هم أنفسهم عليها، إلى طلابهم؟ وكيف يمكن حل هذه المعضلة في غياب النشاط الصفي المحفز لصياغة أسئلة من قبل الطلاب أنفسهم، حيث تجري غربلتها وبلورتها؟ هل يمكن الاعتماد على معلمين من بلدان وثقافات ولغات أخرى أم علينا ابتداع طريق تجريبي يساهم فيه المعلمون والطلاب سوية يجمع بين التفكير النقدي والتحليلي والتفكير الإبداعي التركيبي، مما يقود ضمنيا إلى تقبل الاختلاف وبالتالي المواطنة والديمقراطية؟
من هذا المنطلق، ولأنه أراد نقل خبرته الى العالم العربي، حاول تقديم دروسا نموذجية لتطبيق برنامج التسريع الذهني، مع أمثلة للرياضيات الاستكشافية والتدرجية، بمدارس في تونس العاصمة، كما تمكن من إقناع زملاء بريطانيين بالمجيء إلى تونس لإدارة ورشات تعليم دورية، الا أن اهتمام المعلمين وأهالي التلاميذ بالنتائج السريعة لم يساعد على استمرار المشروع أو الحلم الذي أراد من خلاله التعويض عما كان بالإمكان إنجازه في العراق، كمبادرة فردية ـ تطوعية تحث وتحفز بمواجهة غياب الإرادة السياسية للإصلاح التربوي،الذي يكاد يكون في إهماله « عاديا» ومقبولا في معظم البلدان العربية. حاول منذر طوال مسيرته المهنية إيجاد السبل لعلاج ظاهرة الخوف والنفور من الرياضيات الشائعة بين التلاميذ وحتى المهنيين. استنادا الى قناعته « بأن سبب القلق والنفور هو أسلوب التعليم نفسه، بحيث يتم إعادة إنتاج أو بث هذا القلق بين الأجيال الجديدة من المعلمين أنفسهم دون قصد منهم».
وقد جعله شغفه وفضوله الفكري بالتساؤل في كل المجالات، وعمله على إيجاد السبل لكي يسترد العراق عافيته، أقرب ما يكون الى رجل عصر النهضة في اهتماماته الممتدة من ترجمة الشعر والكتابة الصحافية إلى الموسيقى وكتابة مسرحية عن عائلة لا تلتقي، والرسم بمهارة وروح تليق بفنان.
أراه حاضرا، كما لو كان واقفا أمام مرآة، في ملاحظات سريعة كتبها عن معرض حضره، بلندن، للوحة واحدة من لوحات ليوناردو دافنشي «اهتمامات هذا الرجل متعددة بدءاً بالجيولوجي وانتهاء بالفن والمعاني الرمزية وتجاوز زمانه. أعتقد أن دافنشي أقرب الفنانين للعلم كما هو للفن. لقد نجح فعلا في تصوير البعد الثالث عبر الظلال وتقنيات اخرى يصعب فهمها».
في تونس، أغمض منذر عينيه للمرة الأخيرة. « في أرض الله الواسعة بعد تشتت العراقيين. لا ضير في ذلك غير أن أجسادنا لن تزيد من خصوبة أرض العراق». هو الذي غادر العراق ولم يغادره أبدا، حاملا فلسطين في قلبه، مرددا أنها قضية ألعالم أجمع إذا أراد العالم أن يحافظ على إنسانيته. على ضريحه، حُفرت ترنيمة تجمع بينه وبين رفيقه مظفر النواب والشاعر التشيلي بابلو نيرودا وبدر شاكر السياب. « عراق… عراق… قلنا: يا هذا الضالعُ بالهجرات / هل يوصلك البحر إلى العراق؟ / قال: أحمل كلَ البحر وأوصِلُ نفسي».

كاتبة من العراق

 

يوم وطأ الغزاة أرض بغداد

هيفاء زنكنة

 

في التاسع من نيسان/ أبريل 2003، تسلق أحد جنود الغزو الأمريكي تمثالا ضخما لرئيس العراق السابق صدام حسين، في ساحة بوسط بغداد، ليرفع العلم الأمريكي، فوقه. معلنا الانتصار الأمريكي في لحظة إنتشاء، عاشها الرئيس الأمريكي جورج بوش فيما بعد على ظهر باخرة عسكرية، قائلا «معركة العراق انتصار واحد في الحرب على الإرهاب التي بدأت في 11 سبتمبر 2001 وما زالت مستمرة» وأن قتال أمريكا هو «من أجل الحرية والسلام في العالم». لخص بوش بذلك جوهر السياسة الأمبريالية تجاه العراق ودول الجنوب، مثيرا في تلك اللحظة نفسها تساؤلا لا يزال حيا في ذاكرة الشعوب العربية والإسلامية ومناهضي الحرب العدوانية في أرجاء العالم، مفاده الانتصار على من؟
هل هو انتصار على رئيس دولة تم تضخيم خطره بواسطة آلة إعلامية باتت منذ منتصف التسعينات سمة عصر ما بعد الحقيقة؟ أم على شعب أنهكته الحروب والحصار الأشمل في التاريخ على مدى 13 عاما، بحيث تم إجبار مواطني واحدة من الدول الأغنى في المنطقة على بيع كل ما يملكون فقط للبقاء على قيد الحياة، وصار رفع العقاب الجماعي عن الشعب مشروطا بتغيير النظام؟
ويبقى السؤال الأهم، بعد مرور 19 عاما، من الغزو والاحتلال، عما تم تحقيقه عراقيا وعربيا وغربيا، معلقا بارتفاعات وثقل غير متساو، على رؤوس الشعوب، في مختلف المجالات. تم خلالها نشر آلاف الكتب والدراسات، وإنتاج مئات الأفلام والمسرحيات، وإقامة المعارض. معظمها يحلل ويبرر ويتغنى، في حالة الأفلام الامريكية، ببطولة وتضحيات القوات الامريكية في محاولتها نشر «الديمقراطية» وإنقاذ العالم من خطر عراقي إرهابي محتم. وفي مجال الغناء وتأليف الموسيقى، تراوح الإنتاج ما بين أغنية الجندي الأمريكي الذي يتباهى بقتله مواطنين عراقيين والتي تطلق على العراقيين نعوتا تسلخهم من إنسانيتهم ، ليسهل قتلهم، إلى الحفل الموسيقى، وهو الأكثر شهرة، الذي أقيم في كانون الأول/ ديسمبر 2003 ، بواشنطن إحتفاء بـ»الانتصار» الأمريكي بحضور مهندسي ومنفذي غزو العراق من الرئيس بوش، والسيدة الأولى لورا بوش ، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ، ومستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس، إلى رند رحيم فرانكي التي كوفئت على تعاونها مع الاحتلال بتعيينها سفيرة لدى الولايات المتحدة. حضرت الحفل، أيضا، « النخبة» العراقية التي مهدت للغزاة طريق الوصول إلى بغداد وفتحت أبواب الجحيم على العراقيين. هذه « النخبة»، التي كان يجب إخضاعها للمساءلة والعقاب، جراء « خيانتها» والتعاون مع العدو، كما فعلت فرنسا، مثلا، تجاه المتعاونين مع الاحتلال النازي، صارت هي الرحم الخصب الذي أنجب للغزاة وكلاء يتكاثرون حتى الآن لتخريب العراق وتركيع أهله.
لقد سقط الكثير من العراقيين ضحايا التضليل السيكولوجي الإعلامي الذي مهد للغزو باعتباره خلاصا من الدكتاتورية وتحقيقا لحلم الديمقراطية، و»مذاق الحرية الحلو» كما وعد كولن باول. واختارت غالبية الشعوب الغربية أما تأييد حكوماتها المدافعة عنها ضد «أسلحة الدمار الشامل» أو إنتظار جني الغنيمة الاقتصادية أو الصمت لأن ما يحدث في أماكن نائية لا يعنيها. كان هذا واقع عام 2003، عام اعلان « الانتصار الأمريكي»، فما الذي تغير حاليا؟ عراقيا وعالميا؟ ما هي سردية الشعب الذي ذاق يوميات الاحتلال ونتائجه من القضاء على الدولة، وتنصيب وكلاء متعددين معززين بالميليشيات إلى نثر بذور الإرهاب ونمو أعشاب الطائفية والمحاصصة الضارة؟
فرض مسار التدهور الداخلي العام، بكل المستويات، من السياسي الى الاقتصادي وكل ما له علاقة بتوفير اساسيات الحياة بكرامة، ومع نمو جيل جديد من الشباب ( ربع سكان العراق لم يكونوا مولودين في عام الغزو) ، تغيرا محسوسا في الموقف من النظام السابق والحالي والأحزاب القديمة المتآكلة والجديدة المولودة حسب الطلب. تبدى التغير بأوضح صوره في إنتفاضة تشرين الأول/ أكتوبر 2019، التي طالبت بوطن خال من «الوكلاء» المعتمدين خارجيا، الذين لا يمثلون أبناء الشعب وإن أجادوا رطانة الادعاء بذلك بلغة تجمع ما بين التستر بالدين وممارسات الفساد المادي والأخلاقي. وهي وليدة تجذر الهيمنة الامبريالية بشكل عقود و»استثمارات» في بلد بات مقسما، عمليا، بين ثلاث حكومات يُطلق عليها تسميات: حكومة بغداد وحكومة إقليم كردستان بفرعيها في أربيل والسليمانية. ينخرها كلها التهافت على السلطة والوقوف متفرجة على تحويل البلد الى ساحة للتفاوض واستعراض العضلات بين أمريكا وإيران.
أمريكيا، يلخص أنتوني كوردسمان الذي شغل مناصب عليا في الإدارة الأمريكية كمختص بالأمن الأمريكي، وسياسات الطاقة، وسياسة الشرق الأوسط المنظور السائد في التقييم الغربي لما يطلقون عليه مصطلح حرب العراق، تزويرا لحقيقة إنها حرب ضد العراق، قائلا: «منذ سقوط صدام حسين في عام 2003 وحتى الوقت الحاضر، لم يكن لدى الولايات المتحدة مطلقًا استراتيجية كبيرة قابلة للتطبيق للعراق أو أي خطط وإجراءات متسقة تجاوزت الأحداث الجارية.» وهو منظور لا يتماشى إطلاقا مع وجهة النظر السائدة، عموما، في العراق وكل البلدان التي تعيش محنة تغيير أنظمتها، مهما كانت طبيعتها، أو احتلالها، أو معاقبتها بفرض العقوبات الاقتصادية.
هناك بالتأكيد استراتيجية أمريكية تجاه العراق. وهي التي صاغها المحافظون الجدد في مشروع القرن الأمريكي الجديد ونفذها مسؤولو الإدارة الامريكية برئاسة بوش وواصل العمل بها من تلاه من رؤساء. إنها استراتيجية شاملة تهدف الى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط. كان العراق نقطة البداية فيها، وصاحب المصلحة الأولى فيها، بعد أمريكا، هو كيان الاحتلال الصهيوني. فحركة توقيع الاتفاقيات والتطبيع مع المحتل الصهيوني وتسارع الهيمنة الامبريالية وفرض السياسات الاقتصادية الاستغلالية هو وجه من أوجه تلك الاستراتيجية خاصة بعد تفكيك الدولة العراقية وما تلاها من خراب في ليبيا واليمن ولبنان وسوريا.
وإذا كانت الاستراتيجية قد تعثرت جراء مقاومة الشعب العراقي فإن هذا لا ينفي وجودها. وتتطلب مواجهتها وجود مقاومة تجمع بين المقاومة المحلية وحركات التضامن العالمية النابعة من بطن الوحش نفسه.

كاتبة من العراق

 

 

في الغزو الأمريكي للعراق

كانت مفردة “المقاومة” ممنوعة

هيفاء زنكنة

 

هل نقول شكرا لبوتين لأنه جراء غزوه لأوكرانيا، أيقظ العالم ربما للحظات، على مآس تُسّطرتها آلة الناتو، بقيادة أمريكا، الواحدة تلو الأخرى، من غزو وإحتلال وتغيير أنظمة، وكأن التاريخ يكرر نفسه لا لشيء إلا لأنه يكرر نفسه أو ربما لأن العالم لا يتعلم؟
هل ما يتم تداوله، الآن، بغضب وألم يماثل آلام من تلقى ضربة قوية على رأسه، جديد؟ أعني التصريحات العنصرية، من معلقين وصحافيين، يرون في غزو أوكرانيا وتهجير أهلها موقفا غير حضاري لأن الأوكرانيين ليسوا مثل العراقيين والأفغان وعموم سكان الشرق الأوسط، لأنهم من جنس ” منا” وليسوا من ذلك الجنس غير الحضاري ” منهم”؟ لأنهم من مواطني العالم الأول وليسوا من العالم الثالث؟
هل طفت التعليقات العنصرية في لحظات تأثر إنساني بما يجري في أوكرانيا حقا أم أنها العنصرية المستدامة، مثل فايروس يستوطن الجسد، قد يركن للسبات حينا إلا انه سرعان ما يعود إلى الظهور بقوة حين تكون الظروف ملائمة؟
إن جذور العنصرية حية على الرغم من قدمها والادعاءات التي يتم تسويقها بأنها على وشك الانقراض. ويكفينا إلقاء نظرة واحدة على موقف العالم ” الحضاري” من الشعب الفلسطيني، وكيف أنه يمد المستعمر الصهيوني الاستيطاني بمليارات الدولارات شهريا ليواصل إبادة الشعب الفلسطيني باسم حق إسرائيل في الوجود ومواجهة الإرهاب الفلسطيني، لندرك أن كل ما حدث، في العقود الأخيرة، هو منح العنصرية أسماء جديدة وتعليبا مغايرا يبيعها بشكل ” إنساني”. ربما ما نحتاجه الآن للتعرف على وجه العنصرية – الحضاري” الأبيض”، العاري الآن، العودة إلى حقبة استعمار الجزائر وأفريقيا، والنظر أبعد من السطح الإعلامي الذي يحجب الرؤية، وقراءة كتابات المفكر فرانز فانون، المعروف بنضاله من أجل الحرية ومناهضة الاستعمار والعنصرية. كما سيساعدنا تذكر (إن حدث ونسينا) تفاصيل غزو واحتلال العراق من قبل ذات التحالف الأمريكي البريطاني – الدولي، الذي يتباكى حاليا على غزو أوكرانيا.

لا تختلف التغطية الإعلامية الشاملة لصالح أمريكا ودول الناتو، هذه الأيام، عن التغطية التي تم تصنيعها قبل وأثناء وبعد غزو العراق عام 2003

لاحظت وأنا اتابع البث المباشر لما يجري في أوكرانيا، محاولة القنوات الغربية نقل عدة أحداث في آن واحد من خلال تقسيم الشاشة إلى أربعة أقسام. يبين أحدها حجم الخراب الذي يسببه القصف الروسي والثاني هرب السكان مع إبراز صور النساء والأطفال خاصة، والثالث تصريحات الرئيس الاوكراني البطولية. والرابع مكرس لشباب وصبيان يتدربون على السلاح تحت عنوان ” المقاومة”. أعادني هذا التدريب على السلاح وبضمنه تصنيع قنابل المولوتوف الحارقة بعنوان المقاومة، إلى الاعوام التالية للغزو الأمريكي للعراق وكيف طُلب مني، حين كنت أكتب لصحيفة “الغارديان” البريطانية، كتابة رأي لصحيفة ” لوس أنجلوس تايمز” الأمريكية، عن الوضع في العراق، فعلمت بأن إدارة الصحيفة كانت قد أصدرت توجيها داخليا لكل الصحافيين بعدم استخدام مفردة ” المقاومة” عند وصف مقاومة العراقيين للاحتلال الأمريكي بل: “تمرد” أو ” عصيان” أو ” إرهاب”. بررت الصحيفة موقفها بأن مفردة المقاومة مرتبطة في أذهان الناس بمقاومة الشعب الفرنسي للغزو النازي وهي مفردة إيجابية، وهذا ما لا يراد بالنسبة الى العراق. وتحدث الإعلامي والكاتب التروتسكي المعروف كريستوفر هتشنغ عن شعوره بالغثيان عند استخدام البعض” المصطلح الوصفي “المقاومة العراقية” لوصف المسؤولين عن مهاجمة القوات الأمريكية… لأن العديد من أولئك الذين يقاتلون هم إما جزء من الشرطة السرية السابقة للنظام أو تم استيرادهم من الجماعات الجهادية خارج البلاد”!
أما في المقابلات التلفزيونية الأمريكية والبريطانية، فإن أي ذكر لأسباب الغزو الحقيقية، وأي إشارة إلى تصنيع الأكاذيب المبررة للغزو كأسلحة الدمار الشامل، والتشكيك بوجود علاقة بين النظام العراقي والقاعدة، كان غالبا ما يقود، أما إلى إنهاء المقابلة بشكل سريع أو مطالبتي بالجواب بصيغة نعم أو لا، أو وضعي في قفص الاتهام الجاهز كمساندة لنظام صدام حسين.
ولا تختلف التغطية الإعلامية الشاملة لصالح أمريكا ودول الناتو، هذه الأيام، عن التغطية التي تم تصنيعها قبل وأثناء وبعد غزو العراق عام 2003، مع فارق أساسي، وهو أن القوات الغازية لم تكن روسية بل أمريكية – بريطانية ومعها الأوكرانية. أيامها أُطلق على الغزو، وحملة” الصدمة والترويع”، وقصف البنية التحتية، وقتل المدنيين أسم يليق بحضارة الغزاة وهو ” عملية حرية العراق”.
وحين قاوم العراقيون الغزاة لم تُكتب المقالات، ولم تُعرض الأفلام الإنسانية المؤثرة عن استعداد وتهيئة الشباب وتدريبهم للانضمام الى المقاومة. لم تُنشر صورهم أو يُكتب عن حبهم للوطن ودفاعهم عنه. كانت معظم القصص المنشورة والمتلفزة عن شجاعة الجنود الأمريكيين والبريطانيين أثناء مواجهتهم ” الإرهابيين العراقيين”. ولم يتم ذلك اعتباطا بل جاء جراء تدريب مكثف لحوالي 600 صحافي وإعلامي، قامت وزارة الدفاع الامريكية بتدريبهم في برنامج خاص للتعايش، بشكل كامل، مع قوات كانت تتهيأ للقتال في العراق. حيث خلقت المعايشة حالة تماهي بين الجنود والصحافيين الذين سُمح لهم بالبقاء مع القوات اثناء الغزو الفعلي وفي المعسكرات داخل العراق، بعد أن وقع المراسلون عقدا ينص على “القواعد الأساسية”، أي السماح بمراجعة تقاريرهم من قبل المسؤولين العسكريين، وأن تتم مرافقتهم في جميع الأوقات من قبل عسكريين، والسماح بطردهم في أي وقت ولأي سبب. فكان من الطبيعي أن يقوم المراسل المتعايش مع القوات، بسرد قصة الحرب من وجهة نظر الجنود والتأكيد على النجاحات العسكرية وبطولات جنود الاحتلال، وليس على عواقب الغزو على الشعب العراقي. وقد بينت دراسة أجراها الأكاديمي الأمريكي أندرو لندنر عن السيطرة على الاعلام في العراق، أن رصد 742 مقالاً بقلم 156 صحافياً بينت أن 93 بالمئة من المقالات التي كتبها صحافيون متعايشون مع قوات الاحتلال استخدموا جنودا كمصادر لأخبارهم، بينما أشارت 12 في المائة فقط من المقالات إلى الخسائر البشرية التي سببتها الحرب على الشعب العراقي.
أن عملية خداع الجماهير التي هندّستها أمريكا ودول الناتو لأنجاح غزوها العراق، تلاقي هذه الأيام، وفي ذات الشهر، انعكاس صورتها في الغزو الروسي لأوكرانيا. وسترينا الأيام المقبلة، في خضم الاحداث المتسارعة، إذا كان الرئيس الأمريكي جو بايدن، سيقف كما وقف جورج بوش، على دماء الضحايا ليعلن الانتصار الأمريكي.

٭ كاتبة من العراق

 

 

غزو أوكرانيا

بتعليقات عراقية

هيفاء زنكنة

 

إذا كانت مؤسسات سبر الرأي العربية والعالمية غير قادرة على تزويدنا بوجهة نظر الشعوب إزاء حدث دولي بسرعة توازي وقائع الحدث نفسه، كما يحدث حاليا حول مجريات الأمور في أوكرانيا، فإن صفحات التواصل الاجتماعي بأنواعها، استلمت عجلة القيادة، لتصبح فضاء مفتوحا لكل من لا تستهدفه مؤسسات سبر الآراء، عادة، لأبداء الرأي. حيث تُلزم مؤسسات سبر الآراء المشاركين بالإجابة على أسئلة تحددها المؤسسة لتُشكل الخلاصة جزءا من صناعة الرأي المقنن، وهذا ما لا يلتزم به كتاب التعليق والتحليل على صفحات التواصل، المفتوحة لكل أنواع الكتابة، وإبداء الرأي بحرية وعفوية وشاعرية وتوليفة مشاعر متأججة تراوح بين الصدق والابتذال، بين المديح والهجاء، بين اللغة الجادة والسطحية، بين نقل الخبر المتميز بموضوعية الرصد وتدقيق فحوى ما يتم والخبر الملفق مع إضافة الصور المزورة.
من هذا المنطلق، في العالم الفيسبوكي المتسع لكل البلدان، الغني المتأجج بديناميكية سرعة الأحداث حول العالم، وما تحفزه من تحليلات عميقة لدى البعض، وما تثيره من شحنات عاطفية قد تطغي، أحيانا، لفرط سرعتها، على التأمل وحتى القدرة على التفكير الموضوعي، لدى البعض الآخر، يُسطّر العراقيون، وجهات نظرهم عما يجري في العالم. آخر ما استحوذ على اهتمامهم، سيرورة الاستعداد لشن الحرب في أوكرانيا وتفاصيل وقوعها. وهل هناك من هو أكثر فهما لأسباب الحروب وما تُسببه من العراقي الذي عاش، عبر أجيال، حروبا وُصفت الأولى منها، أي الحرب العراقية الإيرانية، بأنها الأطول في التاريخ المعاصر، وتم تعبيد الثانية، أي حرب الخليج الأولى، بطريق الموت وفرض الحصار ورش المواطنين باليورانيوم المنضب (1991 ـ 2003) وتلاها حملة « الصدمة والترويع» ـ الغزو والاحتلال (2003) ليواصل العراقي رحلة بقائه وفي داخله جرح لم يلتئم في بيئة مُدمِرة بتأثير أكثر ضررا من آثار القاء القنبلة الذرية على هيروشيما وناكازاكي؟
من واقع الحروب المضني، وسياسة بذر الشقاق تحت الاحتلال، كُتبت التعليقات العراقية. منها ما هو مؤيد للرئيس الروسي بوتين في إحتلاله أوكرانيا. لا حبا ببوتين وسياسته ولكن « هكذا يتم تأديب الإمبريالية والصهيونية والرجعية» خاصة وأن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي/ الذي يعرفه أحد المعلقين بأنه «نازي صغير، عميل لأمريكا والغرب، مغرر به» معروف بمساندته للمحتل الصهيوني، وجاء إعلان «الكيان الصهيوني الغاصب موقفه بجانب أوكرانيا» ليؤكد صحة موقف الرئيس بوتين. ولأن ذاكرة الشعوب، خلافا لما يعتقده الساسة، طويلة وجرائم الإبادة لا تُنسى بل تبقى بوحشتيها ولا عدالتها متجذرة من جيل إلى آخر، استعادت التعليقات مشاركة أوكرانيا في غزو العراق عام 2003 وكانت القوات الأوكرانية متمركزة في محافظة واسط. ونشرت صور دبابات تحمل العلم الأوكراني أثناء الغزو مع تعليق شامت» الحياة تدور. ذُق ما صنعت يداك في حرب العراق». ورأى عدد من المعلقين في خطوة بوتين «هل أشعلت روسيا النيران في البيت الأمريكي باجتياحها أوكرانيا ليبدأ العد التنازلي بانهيار امبراطورية الشر والجماجم؟».

من قلوب عراقية ذاقت معنى الحرب وما تسببه من خوف وجوع وحصار وموت، وتعرف جيدا حجم الخراب البشري والعمراني الذي يستمر زمنا طويلا بعد انتهائها، انطلقت الأصوات داعية «أن ترتفع راية الأمن والسلام في العالم كله

وكان للرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، حصة الأسد في التعليقات المفككة لازدواجية المعايير في إعلان التضامن الأمريكي «الإنساني» مع الشعب الأوكراني، حيث وصف احتلال أوكرانيا بالبلطجة داعيا الى حل الأمور بالتفاهم والسلام، بينما سجل له التاريخ إصراره المسعور، سوية مع رئيس وزراء بريطانيا توني بلير، على شن الحرب على العراق، التي لايزال العراقيون يعيشون آثارها وانعكاساتها. تشارك الإدارة الأمريكية في تباكيها على استقلال وسيادة أوكرانيا ذات الدول الأوروبية «التي شاركت في غزو العراق وكأن مشاركتهم كانت قانونية وضمن الشرعية الدولية. كم هم منافقون ولاأخلاقيون».
استرجعت بعض التعليقات شجاعة الجيش العراقي بمواجهة الغزو الأمريكي بالمقارنة مع انهيار الجيش الأوكراني أمام الهجوم الروسي، على الرغم من ضعف تسليحه خلال سنوات الحصار والتفوق الجوي لقوات التحالف بقيادة أمريكا. وفي الوقت الذي رحب فيه معلقون بخروج تظاهرات في قلب سان بطرسبرغ في روسيا ضد الحرب ونشر أحدهم مخاطبا المتظاهرين «تتظاهر في قلب سلطة ديكتاتور مجنون قاتل في يوم إعلانه للغزو؟ أنت شجاع» رأى آخر أن ما قام به بوتين « مقدمة لولادة بلاشفة جدد وحركات ثورية في وسط أوروبا، وفي العالم، تكنس اليسار المتهالك الحالي والعاجز لمواجهة عدوان إمبريالي أمريكي غربي صهيوني مستمر لا ينتهي إلا بالإطاحة بهذا الغول الإمبريالي».
ولم تخل التعليقات من روح النكتة والسخرية السوداء والتهكم الذي برع فيه العراقيون في العقدين الأخيرين كأداة لمداواة جروحهم ومقاومة لامعقولية الواقع. من بين التعليقات ومعظمها يتناول الرئيس الأمريكي جو بايدن وأمريكا: « حكمة تعلمتها من أوكرانيا أن البيت الأبيض لا ينفع في اليوم الأسود». وفي تصريح لبايدن: بوتين بدأ غزو الأراضي الأوكرانية والعراق سيدفع ثمنا باهظا! وخبر عاجل: بايدن يحذر الجيش الروسي من دخول أوكرانيا بدون فحص بي سي آر! أما بوتين فقد نشرت عدة مواقع صورته مرتديا الزي العراقي العشائري تأكيدا لقوة مكانته وقدرته على مواجهة التحديات وعدم تنازله عن حقه. أثناء ذلك كله علق مهندس عراقي يعيش في كييف، عن حاله تحت القصف الجوي: استيقظت وكأنني في بغداد.
عموما، أجمعت التعليقات على شجب الغزو الروسي وتصعيد دول الناتو، خاصة أمريكا «ذات السجل الدامي في استهانتها باستقلال وسيادة الدول وغطرستها العسكرية». واقتصرت التعليقات الساخرة على الرؤساء، مستهدفة الرئيس الأمريكي والروسي، وإن بدرجة أقل، وكأن هناك إتفاقا عاما على التمييز بين تطلعات الشعوب في العيش بلا حروب وسياسة الحكومات التي لم يعد أغلبها ممثلا حقيقيا للشعب، على الرغم من كل ادعاءات الديمقراطية وحقوق الإنسان.
ومن قلوب عراقية ذاقت معنى الحرب وما تسببه من خوف وجوع وحصار وموت، وتعرف جيدا حجم الخراب البشري والعمراني الذي يستمر زمنا طويلا بعد انتهائها، انطلقت الأصوات داعية «أن ترتفع راية الأمن والسلام في العالم كله» ووضع حد لحرب مجنونة، أخرى، لن يخرج أحد منها منتصرا.

كاتبة من العراق

 

 

دفع التعويضات… حين تكون

أمريكا هي القاضي والجلاد

هيفاء زنكنة

في الوقت الذي أعلنت فيه الأمم المتحدة حاجتها إلى 5 مليارات دولار لتجنب كارثة إنسانية في أفغانستان، أصدر الرئيس الأمريكي جو بايدن، قرارا برفع الحجز عن 7 مليارات دولار من الأصول التابعة للبنك المركزي الأفغاني، وتخصيص 3.5 مليار دولار منها لعائلات ضحايا اعتداءات 11 سبتمبر. ومن باب المفارقة السوداء يتزامن هذا القرار مع إصدار مجلس إدارة لجنة التعويضات في الأمم المتحدة تقريرا يبين أن «حكومة العراق قد أنجزت كامل التزاماتها الدولية لتعويض كل المطالبين الذين منحت لهم التعويضات من قبل اللجنة للخسائر والأضرار التي عانوا منها في نتيجة مباشرة لغزو العراق غير القانوني للكويت». وقد دفع العراق تعويضات قدرها 52.4 مليار دولار لقرابة 2.7 مليون مطالبة من أفراد وشركات وحكومات ومنظمات دولية، بعد إصدار مجلس الأمن برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية قرارا بوجوب دفع التعويضات من نسبة مئوية من العائدات المتأتية من مبيعات تصدير النفط والمنتجات النفطية العراقية. وقد حُدِّدت هذه النسبة المئوية في الأصل بنسبة 30 في المائة وتم تخفيضها على مر السنين. ولم يُحسم القرار النهائي بعد، بانتظار تقديم إحاطة إلى مجلس الأمن في 22 شباط/ فبراير.
وما يجعل المفارقة أشد إسودادا، أن تكون أمريكا هي التي اخترعت فكرة دفع التعويضات والديون المترتبة على بلدان متحاربة بعد أن كانت السياسة العامة، وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى، هي إلغاء ديون كل الأطراف المساهمة في أي حرب كانت، استمرارا لما سنته شريعة حمورابي، في بابل (العراق) حوالي 1800 سنة قبل الميلاد. وقضت تلك الشريعة بأن الحروب تضر الجميع ولا بد من بدء صفحة جديدة بدون ديون وانتقام. إلا أن إصرار أمريكا على استعادة ديونها المترتبة على بريطانيا وفرنسا بعد الانتصار على ألمانيا، دفع بريطانيا إلى إجبار ألمانيا على دفع تعويض لكل الخسائر التي سببتها الحرب حتى تتمكن بريطانيا من دفع ديونها لأمريكا. وكان إجبار المانيا ذلك أهم أسباب صعود النازية والحرب العالمية الثانية. ومع مأسسة سياسة التعويضات جاءت سياسة العقوبات الاقتصادية وحجز الأموال. كانت هذه بذرة تأسيس مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، لإدارة وتنفيذ العقوبات الاقتصادية والتجارية « بناءً على السياسة الخارجية وأهداف الأمن القومي ضد الدول والأنظمة الأجنبية المستهدفة والإرهابيين ومهربي المخدرات الدوليين والمتورطين في الأنشطة المتعلقة بانتشار أسلحة الدمار الشامل والتهديدات الأخرى للأمن القومي أو السياسة الخارجية أو الاقتصاد للولايات المتحدة». ومن يراجع تفاصيل تطبيق هذا القانون سيجد أن الوجه الآخر لسياسة الردع المعلنة هو حصول أمريكا على مورد مادي جراء ما تسميه « الانتهاكات» يساعد مهما كان صغيرا، على تعزيز مكانتها كشرطي عالمي لا يقبل الاخلال بسلطته على « الآخرين» سواء كانوا افرادا أو حكومات.
فقد فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية غرامة قدرها 20 ألف دولار على منظمة «أصوات في البرية» المؤلفة من متطوعين شبان رائعين في بريطانيا، لتبرعها بأدوية للعراقيين في الفترة التي فُرض فيها الحصار (1991- 2003).

إن القرار الأمريكي بتجميد الأرصدة الأفغانية، ومنح نصفها كتعويضات لضحايا 11 أيلول/ سبتمبر، بينما يعيش الشعب الأفغاني مأساة الحاجة الإنسانية والكفاح للحصول على أبسط مقومات الحياة

كما فرض المكتب قدرها 10 آلاف دولار بالإضافة إلى الفائدة، ضد ناشط السلام بيرت ساكس لأخذه أدوية لسكان البصرة؛ وأسقطت المحكمة التهم الموجهة إليه في ديسمبر / كانون الأول 2012، بعد أن قضى سنوات من عمره مفندا القرار بل ورفع دعوى ضد المكتب، متهما الحكومة الأمريكية بالإرهاب استنادا الى تعريف القانون الأمريكي للإرهاب، والذي ينص بأنه « فعل يشكل خطرًا على حياة الإنسان أو يُحتمل أن يدمر البنية التحتية أو الموارد، ويبدو أنه يهدف إلى تخويف أو إكراه السكان المدنيين ؛ للتأثير على سياسة الحكومة بالترهيب أو الإكراه ؛ أو للتأثير على سلوك الحكومة بالدمار الشامل أو الاغتيال أو الاختطاف». قدم بيرت دعما لقضيته مئات التقارير الطبية والأدلة التي تُثبت مسؤولية أمريكا عن موت مئات آلاف الأطفال العراقيين واستهداف المدنيين عمدا، وتدمير البنية التحتية، وفرض الحصار الاقتصادي، الذي وصفه عدد من مسؤولي الأمم المتحدة بأنه إبادة جماعية، مستشهدا بتقرير كشف ان هدف أمريكا هو « من خلال جعل الحياة غير مريحة للشعب العراقي، ستشجعهم العقوبات في النهاية على إزاحة الرئيس صدام حسين من السلطة».
ولتحقيق ذات الغرض، تواصل أمريكا سياستها الخارجية المستهدفة، في حقيقتها، للشعوب وليس الأنظمة، من خلال فرض العقوبات الاقتصادية وتجميد الأرصدة ودفع التعويضات. بينما تواصل سياستها الخارجية نفسها، على إختلاف الرؤساء، في شن الحروب وإسقاط أي نظام يبادر لتحقيق الاستقلال الحقيقي وتمثيل مصالح شعبه. فمنذ عام 1947 حتى 1989، مثلا، حاولت أمريكا 72 مرة تغيير حكومات دول أخرى. سبقها قصف جماعي لمدن يابانية وألمانية خلال الحرب العالمية الثانية، وقصف نووي لهيروشيما وناغازاكي، وتلاها رش فيتنام بالعامل البرتقالي السام، وذخائر اليورانيوم المنضب على العراق، والعقوبات الاقتصادية على كوبا وإيران وسوريا. كل هذا ولم يحدث ودفعت أمريكا تعويضا لضحاياها في البلدان التي عملت على تدميرها.
وكما فُرض على الشعب العراقي دفع تعويضات خيالية، حيث تم، مثلا، تسعير رأس الخس الذي تناوله الجندي الأمريكي بـ35 دولارا، تواجه كوبا حاليًا 5911 دعوى قضائية أقامتها شركات وأفراد فيما يتعلق بمصادرة ممتلكات وأصول أخرى في الجزيرة بعد عام 1959، وتسعى معًا للحصول على تعويض يقارب 7 مليارات دولار، بعد أن جمدت أمريكا 253 مليون دولار من الأصول الكوبية في عام 2012.
إن القرار الأمريكي بتجميد الأرصدة الأفغانية، ومنح نصفها كتعويضات لضحايا 11 أيلول/ سبتمبر، بينما يعيش الشعب الأفغاني مأساة الحاجة الإنسانية والكفاح للحصول على أبسط مقومات الحياة، هي عملية نهب تماثل نهب العراق المتواصل سواء عن طريق العقوبات الاقتصادية ودفع التعويضات أو الغزو وتحطيم البنية التحتية وتنصيب حكومات فساد بالنيابة.
كلاهما استمرار لسياسة استعمارية قديمة ولكن بتبريرات جديدة تُسوغ الإبادة الجماعية، بشعارات نبيلة مثل التدخل الإنساني وحماية حقوق الانسان، خاصة المرأة. وستبقى أمريكا تتصرف باعتبارها القاضي والجلاد ضد من تشاء، حتى تتمكن الشعوب وحكوماتها الوطنية المستقلة الممثلة لها بشكل حقيقي، من تطبيق القانون الدولي ومساءلة أمريكا على جرائمها ودفع التعويضات لضحاياها.

كاتبة من العراق

 

 

هل من جدوى لليوم

العالمي للعدالة الاجتماعية؟

هيفاء زنكنة

في ظل وضع يُهان فيه المواطن، في معظم بلدان العالم، على مدى أيام السنة، تبّنت منظمة الأمم المتحدة، في عام 2007، تخصيص يوم 20 شباط/فبراير، من كل عام، للاحتفال باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، تحت شعار « العدالة الاجتماعية والحياة الكريمة للجميع». وهو شعار اقترحه اتحاد العمال الروسي. عرَّفت منظمة الأمم المتحدة العدالة الاجتماعية بأنها « المساواة في الحقوق بين جميع الشعوب، وإتاحة الفرصة لجميع البشر، من دون تمييز، للاستفادة من التقدم الاقتصادي والاجتماعي في جميع أنحاء العالم». مؤكدة في بياناتها وبالاتفاق مع مائة من رؤساء الدول، بـأن لا غنى عن التنمية الاجتماعية والعدالة الاجتماعية لتحقيق السلام والأمن وصونهما داخل الدول وفيما بينها. وهو ما لن يتم بدون أن تضع الحكومات خططا تسعى من خلالها للقضاء على الفقر والبطالة، والتمييز، بسبب الجنس أو السن أو العرق أو الدين أو الثقافة أو العجز. واعتمدت منظمة العمل الدولية، الإعلان تحت شعار « عولمة عادلة « للجمع بين مسؤولية الحكومات المحلية والعالمية، بعد أن تسللت العولمة إلى كل الدول في جميع أرجاء العالم، ومع تزايد حجم الفجوة الاقتصادية بين الدول المتقدمة والنامية.
ومثل كل المواثيق والإعلانات الصادرة عن الأمم المتحدة، سارعت الحكومات، بضمنها حكومات عربية، إلى الترحيب بالإعلان (وهو بالتأكيد نبيل المضمون) ومن ثم استخدامه كواجهة لتزيين واقع لا تتوفر الإرادة السياسية لتغييره، أو لا قدرة للنخبة الحاكمة على تغييره، جراء انتشار وباء الفساد من جهة وقدرة الرأسمال الاحتكاري الدولي على إجهاض أية خطوة تتجه نحو القضاء على التفاوت أو اللامساواة الاقتصادية من جهة أخرى. فكما هو معروف يرتبط مفهوم العدالة (أو الإنصاف) بشكل رئيسي باللامساواة الاقتصادية، وغالبا ما يكون التوزيع العادل للثروة وما يترتب على ذلك من تكافؤ في الفرص هو الأساس الذي تُبنى عليه المساواة السياسية والتمتع بحقوق الإنسان وتعزيز التنمية والكرامة الإنسانية. ولأن لمفهوم العدالة الاجتماعية، بنوعيها القانوني المفترض معاملة الفرد كمواطن، والعادات والتقاليد المتجذرة في المجتمع المتجاوزة للقوانين، تعريفات تجمع ما بين الحرية الفردية وتكافؤ الفرص بالإضافة إلى الاستغلال الاقتصادي من قبل البلدان الرأسمالية للأيدي العاملة في البلدان النامية، ولأن تعريف الأمم المتحدة لا يغطي كافة الجوانب من ناحيتي الأسباب وطرق العلاج، خاصة بالنسبة إلى اللامساواة، قد تحمل الإجابة على سؤال « لماذا تعتبر اللامساواة مهمة» إضاءة للجوانب والنتائج غير المتطرق اليها، وهو ما يناقشه الفيلسوف الأمريكي تي أم سكانلون المتخصص بنظريات العدالة والمساواة والنظرية الأخلاقية، في كتابه عن اللامساواة. حيث حدد سكانلون ستة أسباب تدفع إلى الاعتراض على الأشكال المختلفة لعدم المساواة والسعي إلى القضاء عليها أو الحد منها.

عدم المساواة يُمكن أن تُحدث فوارق مهينة في المكانة الاجتماعية والأنظمة الطبقية، لأنه يمنح الأغنياء أشكالا غير مقبولة للسلطة على أولئك الأقل حظا

ويمكن تلخيص أسباب الاعتراض بما يلي: لأن عدم المساواة يُمكن أن تُحدث فوارق مهينة في المكانة الاجتماعية والأنظمة الطبقية، لأنه يمنح الأغنياء أشكالا غير مقبولة للسلطة على أولئك الأقل حظا، لأنه يُضعف تكافؤ الفرص الاقتصادية، لأنه يُقوّض نزاهة المؤسسات السياسية، لأنه ينتج عن انتهاك مطلب المساواة في الاهتمام بمصالح أولئك الذين تلتزم الحكومة بتقديم منفعة ما لهم. لأنه ينشأ عن المؤسسات الاقتصادية غير المُنصفة. وإذا كان التفاوت على أساس الطبقة أو العِرق أو الجندر، فإن للقوانين أو العادات والمواقف الاجتماعية الراسخة تأثيراتها، مما يدفع إلى النظر في المساواة المجتمعية الأخلاقية. ولعل المثال الأفضل عن اللامساواة الأخلاقية ضمن منظومة العدالة الاجتماعية والذي لا يتطرق اليه إعلان الأمم المتحدة هو التمييز العنصري المفروض من الخارج، وهو الوجه الأكثر وضوحا للسياسة الاستعمارية والاحتلال، حين يُنظر إلى سكان البلد الأصليين بأنهم أدنى منزلة من المُستَعمِرين وحرمانهم من الحقوق الأساسية أو حتى إحالتهم إلى مهن يُنظر اليها بأنها حقيرة ولا تليق بمكانة المُستعمِر، كما كان الحال في جنوب أفريقيا سابقا وفي فلسطين حاليا.
بالنسبة إلى إعاقة تحقيق العدالة في مجتمع بلد واحد وبلدان أخرى، يحتل الفساد مكانة متميزة. وبالإمكان اعتبار العراق نموذجا تضمحل فيه حقوق الإنسان الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل، ناهيك عن تأمين الضمان الاجتماعي لكل أفراد المجتمع، وتأمين ظروف عمل صحية وآمنة، كخطوة ضرورية للقضاء على الفقر، إزاء شراهة النظام الفاسد اقتصاديا وسياسيا، فضلا عن استغلال وجشع المنظومة الاحتكارية الدولية، وتشجيع الشقاق. وهو وضع يتنافى، تماما، مع مفهوم العدالة الاجتماعية كمبدأ أساسي من مبادئ التعايش السلمي والاستقلال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي داخل الأمم وفيما بينها.
ينص العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على إمكانية تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال إعادة توزيع الثروة وتنفيذها من قبل الهيئات العامة في الدولة، مما يثير تساؤلا عن الآليات التي يتوجب تطبيقها لتحقيق ذلك فعلا. يظهر على السطح هنا مفهوم المساءلة الاجتماعية أي إخضاع المسؤولين الحكوميين للمساءلة عن أفعالهم، سيما المتعلقة بإدارة الموارد العامة، والقيام بدور المحاسب والمُسائل في القضايا التي تدور حولها شبهات الفساد، من قبل منظمات المجتمع المدني والمجتمع الأهلي ومشاركة المواطنين وفق آليات مراقبة.
هل سيؤدي الاحتفال بيوم واحد للعدالة الاجتماعية إلى تحقيقها عالميا، آخذين بنظر الاعتبار أنه مطلب قديم، ذكره للمرة الأولى في شهر كانون الأول/ديسمبر عام 1784، الملك الفرنسي لويس السادس عشر عندما قال: «هناك حقوق مقدسة للبشرية، ومن بينها العدالة الاجتماعية»؟ آخذين بنظر الاعتبار، أيضا، عراقيا، أن انتفاضة تشرين / أكتوبر 2019 في العراق ألتي قام بها شباب رفعوا شعارات طالبوا فيها بحقوقهم في وطن بلا فساد وقمع، وهي من صلب العدالة الاجتماعية، جنت ثمارها قوى حزب الفساد محليا وعالميا؟
الجواب المباشر هو كلا. إلا أن استمرارية المطالبة بالعدالة الاجتماعية، على مر العصور، ومع كل التغيرات السياسية والاقتصادية، يعني أنها مطلب أساسي لحفظ كرامة الإنسان، وتكريس المواطنة والمساواة الفعلية، ولايزال الكثيرون، حول العالم، يعملون على تحقيقه، مما يعني أنه قد يكون صعب المنال إلا انه ليس مستحيلا.

كاتبة من العراق

 

 

ديكتاتورية الحزب الواحد…

«حزب الفساد» العراقي

هيفاء زنكنة

 

بلمسة تكاد تكون سحرية، أصبحت مشكلة العراق الوحيدة هي اختيار رئيس الجمهورية. سبقتها مشكلة الخلاف، صحبة التهديد والتفجير، بين الفائزين والخاسرين بالانتخابات. الانتخابات التي كان يفترض أن تكون حلا لمشاكل الطائفية والعرقية والفساد، تلبية لمطالب متظاهرين دفعوا ثمنها أرواح مئات الشهداء، أصبحت هي المشكلة. شهور من النزاعات الشرسة بين المشاركين في انتخابات لم يتجاوز المصوتون فيها العشرين بالمئة. أُختزلت العملية بمنصب رئيس الجمهورية والمنافسة بين اثنين هما وزير المالية السابق هوشيار زيباري (الحزب الديمقراطي الكردستاني) والرئيس الحالي برهم صالح (الاتحاد الوطني الكردستاني) تكريسا لمحاصصة أسسها الاحتلال ووكلاؤه، منحت منصب رئاسة الجمهورية للكرد. إلا أن دعوى قضائية رُفعت ضد زيباري أمام المحكمة الاتحادية أدت إلى تعليق ترشيحه «مؤقتا» الى حين البت بتهم تتعلق بالفساد، مع إبقاء المحاصصة حية ترزق، وهي أحد أوجه الفساد الكبير الذي يغمر العراق.
ذات الوجوه، تقريبا، التي اعتلت السلطة منذ ما يقارب العشرين عاما من الغزو والاحتلال بقيت ملتصقة بغراء الفساد الداخلي ودعمه الخارجي. من هو الفائز ومن هو الخاسر؟ من الذي يقرر وكيف؟ هل هي «الأغلبية» أم «التوافقية»؟ هل هي ما يسمى بالإطار التنسيقي (قيادة ميليشيات الحشد الشعبي الموالية لإيران مع حزب الدعوة) أم الكتلة الصدرية التي يتزعمها مقتدى الصدر وراثة عن أبيه الراحل، وبشكل غير مباشر عن «المهدي المنتظر»؟ «البيت الشيعي» أو نصف البيت الشيعي (ومفردة البيت بتونس تعني الغرفة وليس الدار كلها، ولعلها الأصح في الواقع السياسي العراقي)؟ التحالف السني والكردي مع نصف البيت الشيعي؟ لماذا يُصّنف الكردي كرديا وليس سنيا بينما السنة والشيعة ليسوا عربا كلهم؟ أسئلة ستبقى معلقة، بلا أجوبة، في فوضى استنباط المفردات والمصطلحات التجميلية التي يراد منها إخفاء الصديد المتفشي في جسد منظومة الحكم، وأساسه هو الفساد الحكومي، المؤسساتي، الممنهج، المُهدد لبنية المجتمع والعلاقات الإنسانية في البلد.
الملاحظ أن العراق لم يشهد، عبر تاريخه، انتشار مفردة كما « الفساد» مقابل تراجع مفردة « الوطن» باستثناء فترة مقاومة المحتل الأمريكي وأثناء انتفاضة تشرين/ أكتوبر 2019 التي كان شعارها «نريد وطن». الكل يتهم الكل بالفساد. الكل لديه ملفات، سرية، لفضح فساد الكل.
الساسة، الوزراء، رجال الدين، المرجعية الدينية (التي شرعنت نهب المال العام دينيا باعتباره «مجهول المالك» ما دام خُمسه يدفع لها ومشاريعها) التكنوقراط، وأجهزة الإعلام، الكل يُدين الفساد والكل منغمس فيه من أعلى راسه حتى أخمص قدميه. من أعلى سلطة سياسية إلى أصغر موظف في الدولة.

تمتع أعضاء «حزب الفساد» العراقي، بإثراء أنفسهم بمختلف الطرق: من الرشوة، وتوقيع العقود الزائفة، والابتزاز، والمحسوبية والمنسوبية، إلى الدعم السياسي

لعل أفضل مثال يُقّرب حجم الفساد بالعراق للأذهان، ومدى هيمنته على حياة الناس اليومية وبالتالي المستقبلية، هو اعتباره نظام حزب واحد، ذي تراتبية هرمية، تُجبر الكل على الانخراط في عضويته، كما في كل الأنظمة الشمولية، تقريبا، عن طريق استخدام سياسة الجزرة والعصا. حيث يُكافأ من ينضم اليه ويُروج له، ويعاقب من يرفض وينأى بنفسه رافضا المشاركة عن طريق الاختطاف والاعتقال والقتل. بهذه السياسة المنهجية، ازداد عدد أعضاء « حزب الفساد» اتسعت مظلته، تدريجيا، وانغرزت أكثر فأكثر في جسد المجتمع، وفق علاقة ديناميكية بين الفساد الأعلى وانخفاض الثقة الاجتماعية، وبالتالي زيادة الميل للانخراط في أنشطة فاسدة، خاصة في مجتمع كان منهكا أساسا، وليس لديه ما يكفي من القوة لمواجهة طبقة سياسية / دينية تتحكم بالمورد الاقتصادي الريعي أو ما بات يُسمى « لعنة الموارد الطبيعية» وفي حالة العراق «لعنة النفط». وكما هو معروف، يقلل الاقتصاد الريعي من حاجة النظام الى الشعب بشكل حقيقي مكتفيا بادعاء تمثيله تزويقيا، وترسيخ تصور، شائع، بأن الخدمات العامة هي خدمة من الدولة بدلاً من كونها حقا يمكن المطالبة به.
تمتع أعضاء «حزب الفساد» العراقي، بإثراء أنفسهم بمختلف الطرق: من الرشوة، وتوقيع العقود الزائفة، والابتزاز، والمحسوبية والمنسوبية، إلى الدعم السياسي. ساعدهم في ذلك، تمتعهم بالإفلات من المساءلة والعقاب، على مدى ما يقارب العشرين عاما الأخيرة. وما كان ذلك سيتم لولا توفر الدعم من منظمات ودول أجنبية، أما ساهمت بشكل فعال يتماشى مع أجندتها السياسية لإبقاء «حزب الفساد» في السلطة أو عن طريق غض الطرف عن ممارسات الفساد وتشجيع استمراره.
وعلى الرغم من إصدار المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، مئات التقارير عن تأثير الفساد السلبي المدمر على العراق، من عدة نواح من بينها عدم المساواة وتوفير الخدمات الأساسية، مما يؤثر على الفقراء بشكل غير متناسب، وكون الفقراء هم الأكثر عرضة لدفع الرشاوى لتسيير شؤون حياتهم اليومية وتوفير الضروريات، حيث أظهرت العديد من الدراسات، على مر السنين، ارتباطًا واضحًا بين زيادة الجريمة مع ارتفاع عدم المساواة الاقتصادية، وعلى الرغم من توثيق قائمة انعكاسات الفساد، الآنية وبعيدة المدى مثل انتشار شبكات الدعارة، والمخدرات، الجرائم بأنواعها، المتاجرة بالفتيات والأعضاء البشرية، تزوير الشهادات ( تم اكتشاف 40 ألف موظف حكومي، من بينهم وزراء، بشهادات مزورة) والانضمام إلى الميليشيات وأنواع المنظمات الإرهابية الأخرى، لا يزال عدد من الدول، على رأسها أمريكا وبريطانيا، يمد النظام بالدعم السياسي والإعلامي، مما يساعد على إستدامة وإعادة خلق، وتدوير الفساد، وترسيخ قوة الفاسدين. وهذا هو ما حصل أثناء اجراء الانتخابات ويستمر حاليا.
إن هذا الطابع المنهجي للفساد وحاجة النظام المتزايدة له، على اختلاف مكوناته، هو ما يجعله مترسخًا أكثر من بقية العوامل المؤثرة على المجتمع. أما المنافسة بين مكونات النظام، من أحزاب وميليشيات، عرب أو كرد، سنة أو شيعة، فإن جوهرها هو شراهة كل جهة منها لالتهام أقصى ما تستطيع من ثروة البلد، وبذلها كل الجهود الممكنة لنشر ثقافة الفساد.
وغالبا، ما تتدفق ثقافة الفساد المنسوجة بالإجرام، سواء كانت مؤسساتية أو سياسية، من أعلى إلى أسفل. وخلافا لما يُشاع، لا تضع الديمقراطية، حدا للفساد، مهما كان حجم الترويج لانتخاباتها. وعلينا الاعتراف بأن «حزب الفساد» الذي استطاع نهب360 ملياردولار من ثروة البلد، للترويج لحملته الانتخابية، واستهداف النسيج المجتمعي على مستوى البقاء والحقوق الأساسية، سيُتّوج إنجازاته برئيس جمهورية يليق به، كما الحكومة ورئاسة البرلمان.

كاتبة من العراق

 

 

بذر الشقاق في العالم…

هل تحصد أمريكا ما زرعته؟

هيفاء زنكنة

 

هل ما يجري في الولايات المتحدة الأمريكية، منذ خسارة الرئيس دونالد ترامب الانتخابات الرئاسية، هو شكل من أشكال الشقاق المجتمعي (تصدع وانهيار العلاقات) الذي طالما اقتصر على بلدان العالم الثالث؟
وإذا كان سبب الشقاق في العالم الثالث، خاصة في البلدان العربية، هو أمريكا، فمن هي الجهة المسؤولة عن بوادر ما يُسمى بالشقاق الأمريكي المستمر حتى بعد التخلص من ترامب؟ أم أن أمريكا باتت تحصد ما زرعته من في بلدان أخرى، كما نرى من انعكاس سياستها في العراق؟
هناك، طبعا، أجوبة جاهزة تواجهنا عند النظر في بروز الانقسامات، المفاجئ، أحيانا، في البلدان العربية، ومن بينها أن الانقسامات الطائفية والعرقية والمناطقية، موجودة ومتجذرة في المجتمعات، إلا أنها حبيسة الأنظمة الدكتاتورية التي نجحت في قمعها، أو أحكمت تغطيتها وما أن أزيح الغطاء، بسقوط الدكتاتورية، حتى برزت إلى السطح بقوة كبيرة.
لا تقتصر هذه الأجوبة على القوى الاستعمارية لتبرير سياستها بل تتجاوزها الى النخبة في البلدان المُحتلة بعد تسللها، جراء عدم الفهم أو الكسل العقلي، إلى وعيهم أو لا وعيهم. حيث يصبح المثقف أو الباحث الأكاديمي أداة جلد للذات وإقناع بأن الشعب المُستَعمَر هو مُرتكب الخطيئة الأصلية، والسياسة الاستعمارية، فعل اُريد منه، تحرير الناس من خطاياهم بحسن نية. ولا يُشار، إطلاقا، ولو من باب التحفيز العقلي للنقاش، إلى أن هذه الانقسامات المجتمعية، إن وجدت حقا، كانت في طريقها الى الاضمحلال.
لكن السنوات الأخيرة، تزامنا مع تزايد الأسئلة عن الشقاق في داخل أمريكا وتصاعد أصوات التحذير من التدخل الروسي والصيني، كما لاحظنا في فترة الانتخابات الرئاسية، طفا على سطح البحوث الأكاديمية ومنها إلى أجهزة الإعلام، مصطلح قديم كان قد دُفع جانبا بعد أن بات واقعا يوميا في عديد البلدان، في أرجاء العالم، ومنها البلدان العربية. المصطلح باللغة الإنكليزية هو « شيزموجَنسيس» وأصله يوناني. تم تطويره من قبل عالم الأنثروبولوجيا الموسوعي غريغوري بَيتسون، في ثلاثينيات القرن الماضي، لتفسير أشكال معينة من السلوك الاجتماعي بين المجموعات. معنى المصطلح هو « الانشقاق» وما يتمظهر بشكل انهيار علاقة أو نظام جراء زرع الانقسامات. وللتوضيح أكثر، أنه ببساطة خلق الانقسام أو سياسة «فّرق تسُد» المتعارف عليها عند توصيف السياسة الاستعمارية في البلدان المُستَعمَرة.
طوّر بَيتسون مفهوم الشقاق/ الانقسام، لأول مرة أثناء مراقبة التفاعلات الاجتماعية لقبيلة في غينيا الجديدة. وسرعان ما تحول ما بدا في ظاهره خلاصة أنثروبولوجية بريئة، لدراسة ميدانية عن قبيلة نائية وشبه معزولة عن العالم الخارجي، إلى سياسة قام بَيتسون، فيما بعد، بتطبيقها أثناء عمله في مكتب الخدمات الاستراتيجية، التابع لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (السي آي أي) في الأربعينيات. ولا يهمنا هنا أن بَيتسون ندم بشدة فيما بعد على هذا المسار في عمله وهاجم انخراط العلماء في سياسات الدول، مثلما فعل الكثيرون من علماء الذرة بعد إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما.

إن رصد انعكاسات سياسة زرع الانقسام في العراق، لا يترك شكا في قدرة هذه السياسة على استهلاك طاقة الشعب، وإدخاله في دائرة مغلقة، السبيل الوحيد للخروج منها هو قدرة الشعب على البحث عن جذور الخلافات المزعومة داخل الدائرة

وجد بَيتسون أن بعض السلوكيات الطقوسية أما تثبط أو تحّفز العلاقة الانشقاقية في أشكالها المختلفة. وبالإمكان رؤية تطبيق ذلك، في العراق منذ التسعينيات تهيئة لغزوه عام 2003. وتطور ذلك تحت الاحتلال، حيث تم التركيز على تحفيز الانقسام بين السنة والشيعة، مثلا، مع تقليص الرغبة، بشكل تدريجي، من كل الجوانب، لاتخاذ خطوات قد تساعد على تخفيف التوتر في العلاقة المتأزمة، بشكل متزايد، خاصة، مع قيام أحد الطرفين أو كليهما بإرتكاب أعمال انتقامية، تُضّخم تأثيرات التفاعلات السلبية السابقة، والتذكير المستمر بها. لتصبح آلية التعامل اليومي مبنية على هوس « نحن» الأخيار و «هم» الأشرار، وتجريد «الآخر» من إنسانيته لتسهيل عملية « إجتثاثه».
قد لا تكون أبحاث بَيتسون الأنثروبولوجية العلمية نقطة الانطلاق الأولى لسياسة فرق تسد القديمة، إلا أنها ساعدت على أن يكون المفهوم ونجاحاته الاستراتيجية في مجالات متعددة، في أنحاء العالم، مادة تُدرس في الدوائر الاستخبارية والوكالات الحكومية والكليات العسكرية، سوية مع مادة التحليل النفسي المجتمعي كأداة فاعلة في خلق الانقسامات، تؤدي بالنتيجة إلى توليد سلوكيات مدمرة للذات والرضوخ للهيمنة في آن واحد. وتبين الدراسات أن المذابح البشعة، بين قبائل الكونغو ومحيطها، قبل سنوات، كانت نتيجة مباشرة لسياسة فرنسية مدروسة للسيطرة على المنطقة.
ولا يخلو المنهج التدريسي من استمرارية تلقي نتائج الأبحاث الميدانية لعلماء أنثروبولوجيا متعاونين مع السي آي أي، كما فعل بَيتسون. فأثناء التهيئة لغزو العراق وما بعده، جنّدت الوكالة علماء في برنامج يساعدهم على فهم نفسية من يسمونهم «سكان البلد المُضيّف» وكيفية التعامل معهم لـ «محاربة التمرد» أي مقاومة الاحتلال، متجاهلين بذلك العهد المهني الأخلاقي حول عدم إلحاق الضرر بأحد. وتلعب وحدات الحروب النفسية للكيان الصهيوني، بشتى مسمياتها، دوراً كبيراً هنا، بتوظيف كبار علماء النفس من بينهم من حصل على جائزة نوبل، عندما ترك عمله في جيش الكيان، ليختص بالاقتصاد مثل دانييل كانيمان.
هل تحصد أمريكا، الآن، ما بذرته من شقاق في أرجاء العالم؟ تؤكد الدراسات والمقالات الصحافية، أن هناك ما يشير إلى تطبيق ذات السياسة التي كانت أمريكا تنتهجها ولكن، هذه المرة، من قبل أعدائها. حيث يُعزى صعود السياسات المتطرفة في أمريكا وأوروبا الغربية إلى «سياسة مدفوعة من قبل روسيا والصين والعديد من الجهات العدائية الأخرى التي يمكن أن تستفيد من الطريقة الفعالة، من حيث التكلفة، لإضعاف الأنظمة بدون مواجهة الغرب مباشرة «. وكان الاقتصادي الأمريكي المعروف جيمس غالبريث قد حذر في عام 2011 من سقوط أمريكا قائلا: «يمكن للدول الكبيرة أن تفشل، لقد تم ذلك في عصرنا». إلا أنه لم يوجه اللوم إلى «الأعداء» بل إلى سياسة أمريكا الخارجية، خاصة شن الحرب العدوانية ضد العراق، موضحا أن «هناك سببا لضعف الإمبراطوريات. فالحفاظ على الإمبراطورية يتطلب حربًا دائمة بلا نهاية. والحرب مدمرة، من وجهة نظر قانونية وأخلاقية واقتصادية».
سواء كان الشقاق المتهمة روسيا والصين بتجذيره في أمريكا أو الحروب التي شنتها وتشنها أمريكا ضد عشرات الدول منذ نهاية الحرب العالمية الثانية السبب الرئيسي لضعفها، فإن رصد انعكاسات سياسة زرع الانقسام في العراق، مثلا، لا يترك شكا في قدرة هذه السياسة على استهلاك طاقة الشعب، وإدخاله في دائرة مغلقة، السبيل الوحيد للخروج منها هو قدرة الشعب على البحث عن جذور الخلافات المزعومة داخل الدائرة، والوعي بسيرورة وكيفية التحكم بالعلاقات المجتمعية من خارج الدائرة، وإلا انتهى الشعب بتدمير نفسه.

كاتبة من العراق

 

 

ثورة الوحش على خالقه…

عودة تنظيم داعش

هيفاءزنكنة

 

كانت صباحات الأيام الماضية، مغطاة لا بتساقط الثلوج في بلدان قلما عرفت اللون الأبيض سابقا، ولكن بصوت موحد معلنا عن» عودة داعش». شاركته التصريحات وأجهزة الإعلام الأجنبية بعناوين مختلفة من ناحية الاسم. حيث استمرت باطلاق تسمية «الدولة الإسلامية» بدلا من داعش. هل لهذا مغزى عميق أم أنه مجرد الصعوبة في لفظ الحروف العربية أو كون داعش مختصرا للحروف العربية؟ هل من احتمال للسذاجة البريئة في زمن الخطيئة المتبدية في إعادة رسم الخرائط وتفكيك الوطن وصناعة الهويات؟
«عودة داعش» هو العنوان الرئيسي في الصحافة واستوديوهات الأخبار المفتوحة على مدى 24 ساعة، لجمهور يلتهم « عاجل» الأخبار. جمهور لم يعد قادرا على هضم التحليل وتمحيص ما يُقدم إليه وبالتالي التساؤل، باستثناء ما هو جاهز، غالبا، لفرط تعوده على استهلاك وجبات الأكل السريعة وما تخلقه من حالة خدر جسدي وفكري.
عراقيا، وإلى حد كبير، عربيا وعالميا، طُمر سؤال مهم: هل غادرنا تنظيم داعش (الدولة الإسلامية) فعلا؟
إذا بقينا في العراق، نموذجا، سنجد عند إزالة طبقات الفساد السياسي والإداري الذي نجح في التسرب إلى مختلف شرائح المجتمع، تدريجيا، ووصوله الذروة المستدامة منذ احتلال العراق عام 2003، جواب هذا السؤال مدفونا، عميقا، في خضم تلاعب ومناورات طبقة سُراق تبنتها قوى الاحتلال لتحكم بالنيابة. ولا تخلو الساحة من إعلاميين عملوا على أدلجة التغييب والاستحضار، عند الضرورة، وفق المتغيرات السياسية في الداخل والخارج.
الحقيقة التي عمل الساسة العراقيون، بدعم المتنازعين على غنيمة العراق، على طمرها، هي أن تنظيم داعش (الدولة الإسلامية) هو وليد الاحتلال الانكلو أمريكي، بإجماع عربي قلما حظيت به قضية فلسطين، ضد الاحتلال الصهيوني، طوال عقود المقاومة. كانت فترة الحمل قد بدأت مع حملة التهيئة للغزو وشرعنتها قانونيا. هكذا جلس كولن باول، وزير الخارجية الأمريكية، في شباط/ فبراير 2003، في الأمم المتحدة، ليقدم سردية خطر أسلحة الدمار الشامل وإرهاب القاعدة في العراق، التي وصفها فيما بعد بأنها كانت أحد أكثر إخفاقاته جسامة وكان لها تأثير واسع النطاق. هز الحاضرون، من ممثلي الحكومات، يومها، رؤوسهم موافقين. فصارت الكذبة حقيقة لا يمكن التشكيك بها. وشهادة ميلاد لتنظيم مستقبلي، ستنمو الحاجة إليه بمرور الوقت، ومع تصاعد نشاط المقاومة ضد الاحتلال. وهل هناك ما هو أفضل من تأطير وتقديم المقاومة بشكل مشوه، يجمع ما بين منظمات تم صرف ملايين الدولارات على تغطية وجودها وإرهابها، إعلاميا ومخابراتيا، بمسميات القاعدة ـ الإرهاب السني، في العقد الأول من الاحتلال، ومن ثم داعش عند إعلان ميلاده الرسمي في 2014.

ظهور واختفاء التنظيمات، لا يعني أنها وليدة حاجة القوى الخارجية فحسب بل إنها، أيضا، وليدة عوامل أساسية أخرى يتم تجاهلها أو تغييبها، عموما، ومن بينها الظلم، والغضب الشعبي

في الوقت الذي قد تبدو فيه توليفة خلق وصناعة «التنظيمات الإرهابية» من قبل قوى خارجية (السي آي أي مثلا) منطقية، لأنها تتماشى مع العقلية والسياسة الاستعمارية، إلا أنها تحمل، في الوقت نفسه، ما يلقي بظلال الشك على صحتها المطلقة. إذ لا يكف التاريخ عن تذكيرنا بأن ظهور واختفاء التنظيمات، على اختلاف أنواعها، في مناطق الحروب والاحتلال، لا يعني أنها وليدة حاجة القوى الخارجية/ الاحتلال، وصناعتها فحسب بل أنها، أيضا، وليدة عوامل أساسية أخرى يتم تجاهلها أو تغييبها، عموما، ومن بينها الظلم، والغضب الشعبي، وعدم الاستقرار، وهيمنة نزعة الانتقام، والبيئة غير الصحية للحياة الإنسانية بشكل عام، وتنامي طبقة تحترف الاستغلال المادي والبشري. كما يجدر التذكر، أيضا، أن إصدار حكم مطلق، بقدرة أمريكا مثلا على إنجاز كل ما تطمح إليه، يعني في الواقع إلغاء دور الشعب، وحتى وجوده، بتاريخه وحاضره وتناقضاته وتعدد مستويات نضاله. وهو موقف يؤدي الايمان به، ونشره إلى ترسيخ مفهوم العبودية والإحباط والعجز عن اتخاذ أية بادرة فردية أو جماعية في مسيرة النضال من أجل الحرية. فيكون البديل، لدى البعض، ومع تهيؤ الأرضية لاستقبال أية بذرة، هو الانصياع إلى قوى، قد تكون من داخل المجتمع او خارجه، تُقدم للمرء ما يفتقده في حياته اليومية بل وتعده بمغفرة وفردوس، يمتدان أبعد من الحياة نفسها، مهما فعل. تجّسد البديل، المُستثمر في العراق لـ « العودة» وتنفيذ العمليات، بين الحين والآخر، بعد إستنزاف كرنفال النصر عليه، بتنظيم داعش ووجهه الآخر المُسمى الحشد الشعبي.
كانت تكلفة إعلان تأسيس الدولة الإسلامية وما ارتكبته من جرائم ضد المدنيين، وتكلفة دحرها، خاصة بواسطة الهجمات الجوية الأمريكية، التي بلغت 50 ألف طلعة جوية عام 2016 على مدينة الموصل لوحدها، بالإضافة إلى حملات انتقام الحشد الشعبي، خسارة فادحة في الأرواح والتخريب العمراني، يبين مدى قدرة الإنسان على السلوك الوحشي والتدمير بمواجهة « الآخر».
إن « عودة داعش» المُعلن عنه حاليا، كما خلال الأعوام الماضية، ضروري لعديد الحكومات العربية والعالمية. فهو الغطاء الجاهز الذي طالما استخدم في العراق لتبرير آلاف الاعتقالات وحالات التهجير والاختفاء القسري، ناهيك عن التعذيب في معتقلات متناثرة على وجه العراق كالدمامل الصديدية، المُهددة بالانفجار. وهو الجدار العازل الذي تستخدمه الدول الأوروبية للحد من وصول المهاجرين إليها، وفرض قوانين عنصرية ضد المسلمين، بينما تواصل الولايات المتحدة الأمريكية إما تنفيذ عمليات خاصة يُعلن عنها باسم داعش أو خلق أزمات سياسية تستدعي تمديد بقائها، في البلدان المتواجدة قواتها العسكرية فيها، بذريعة التدريب والاستشارة والتعاون.
وإذا تغاضينا عن الأسباب الأساسية التي تؤدي إلى بقاء تنظيم داعش حيا سواء تحت هذا الاسم أو غيره، ورضينا بأن جهاز الاستخبارات الأمريكية صنّعَه، كما الوحش في المختبرات، لإعطاء الخوف وجهاً، وإرهاب الشعوب فإن علينا أن نتقبل، أيضا، حقيقة أن أول ما يفعله الوحش المخلوق في فضاء مختبري، هو الثورة على خالقه.

كاتبة من العراق

 

 

هل يوقف مليون

توقيع تكريم مجرم حرب؟

 

هيفاءزنكنة

 

يقول رئيس حزب العمال سير كير ستارمر أن السيد بلير يستحق أن ينال وسام الفروسية، ولقب «سير» الذي منحته إياه الملكة، أخيرا، وهو الأعلى تكريما في المملكة المتحدة، لأنه «جعل بريطانيا دولة أفضل». بالمقابل، يقول ما يزيد على المليون مواطن بريطاني (بضمنهم من أصول عربية وإسلامية) وقعوا على عريضة تطالب بسحب تكريمه من قبل الملكة، أنه «مجرم حرب». يوافقهم الرأي عدد من الصحف التي تصدرتها عناوين على غرار «تكريم توني بلير؟! يجب أن يُحاكم بسبب الكارثة في العراق». تساهم منظمة «أوقفوا الحرب» البريطانية، وهي الأكثر شهرة في مناهضتها سياسة الحكومة البريطانية الخارجية في شن الحروب والتوسع الإمبريالي، منذ إعلان أمريكا « الحرب على الإرهاب» وغزوها أفغانستان والعراق، في حث الناس على الاحتجاج ضد التكريم.
ما نعرفه جميعا، هو أنه وعلى الرغم من صرخة الاحتجاج العالمية المناهضة للحرب، وعلى الرغم من مشاركة مليوني مواطن بريطاني في أكبر مسيرة احتجاجية شهدتها بريطانيا على الإطلاق، وهي الأولى من نوعها التي يتظاهر فيها الناس على حرب قبل شنها، اختار بلير تجاهل المحتجين وبدأ الحرب. بتهم مفبركة، تم فضحها للعموم بعد الغزو، وتثبيت القدم الأنكلو أمريكية على الأراضي والموارد العراقية، وتحطيم الدولة وتحييد الموقف العراقي المبدئي من القضية الفلسطينية. مما يضعنا أمام أسئلة مهمة حول أهمية المبادرات الشعبية للضغط على الحكومات أو الجهات المتنفذة لتغيير سياستها تجاه قضية معينة. فهل سينجح الموقعون على العريضة الآن في الضغط على رئيس الوزراء، وهو من حزب المحافظين، لكي يحاول إقناع الملكة سحب تكريمها لتوني بلير؟ وما هو عدد المواطنين الذين يجب أن يوقعوا ليكون لصوتهم تأثير حقيقي؟ وهل من أمل بتغيير القرار الملكي؟ وإن لم يحدث ذلك، يواجهنا السؤال الأهم وهو ما جدوى توقيع العرائض؟
يبدو الأمر مستحيلا من ناحية الضغط على الملكة لتغيير قرارها بتكريم بلير فهو متعلق، أساسا، بتقليد ملكي بريطاني مفاده أن يحصل رؤساء الوزراء السابقون على وسام الفروسية، مهما كان حزبهم أو سياستهم الداخلية أو الخارجية. بل غالبا، ما يُقاس نجاح رئيس الوزراء وحكومته بمقياس السياسة الخارجية المبنية على ما تحققه من رفاه اقتصادي للبلد، وهل هناك ما هو أكثر ربحا من الصناعات المرتبطة بالحروب والاستيلاء على موارد الدول التي تنهشها الحروب والنزاعات، بأنواعها، أي ما أنجزه بلير؟

على الرغم من صرخة الاحتجاج العالمية المناهضة للحرب، وعلى الرغم من مشاركة مليوني مواطن بريطاني في أكبر مسيرة احتجاجية شهدتها بريطانيا على الإطلاق، اختار بلير تجاهل المحتجين

من هذا المنظور التوسعي الإمبريالي، من غير المعقول قيام الملكة بسحب التكريم، خاصة، وأن هذا سيعني، بالضرورة، الاعتراف بأن توني بلير مجرم حرب أو على الأقل محاكمته، لأنه قرر شن حرب ألحقت الضرر ببريطانيا نفسها وليس العراق. ومن الصعب، أيضا، إثبات إلحاقه الضرر ببريطانيا كدولة لأن الشعب البريطاني أعاد انتخابه في الفترة التالية لغزو واحتلال العراق، في الوقت الذي كانت جيوش الاحتلال تتلقى الضربات من المقاومة العراقية. مما يمكن ترجمته، على أرض الواقع، أن توني بلير نجح في استقطاب المشاعر «الوطنية» للدفاع عن جنود بريطانيا المدافعين عن «القيم الديمقراطية» وحماية بريطانيا من خطر سيستهدفها خلال 45 دقيقة، حسب تعبير بلير.
توصل تقرير اللورد تشيلكوت حول حرب العراق، بعد تحقيق دام سبع سنوات، إلى استنتاجات شككت بمصداقية ادعاءات بلير، خاصة حول الخطر المهدد للشعب البريطاني، إلا أنه توقف عند ذلك الحد، ولم يتجاوزه ليتم تقديم بلير للمحاكمة لمساهمته في شن حرب سببت مقتل مليون عراقي و179 جنديًا بريطانيًا، وأدت إلى تأسيس تنظيم الدولة الإسلامية وديمومة العنف المستدام في العراق اليوم. من بين الاستنتاجات التي توصل إليها التقرير أن الرئيس العراقي لم يشكل تهديدًا عاجلاً للمصالح البريطانية، في وقت غزو العراق عام 2003، ولم تثبت المعلومات الاستخباراتية، بلا شك، وجود أسلحة دمار شامل، وكانت هناك بدائل للحرب لم يُستنفد النظر فيها مما سبَّب قتل جنود بريطانيين ومئات الآلاف من العراقيين.
لم، إذن، لا يُحاكم توني بلير كمجرم حرب، أو على الأقل لم لا يتم سحب تكريمه الملكي؟ جوابا على السؤال الثاني الذي يصح على السؤال الأول أيضا، يقول الصحافي ومقدم البرامج البريطاني جيريمي كلاركسون أن توقيع مليون شخص على عريضة للمطالبة بسحب وسام التكريم من بلير، في بلد مجموع سكانه 70مليونا، يعني أن 69 مليونًا لم يفعلوا، على الرغم من أن توقيع العريضة، إلكترونيا، لا يتطلب جهدا. بمعنى آخر أنهم إما لا يرغبون بذلك أو أنهم لا يهتمون بالمسألة كلها. ويوضح كلاركسون بأن الطريقة الواقعية الوحيدة لمنع بلير من الحصول على التكريم هي إجراء استفتاء رسمي عام حول هذه المسألة. ولكن بعد كارثة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لا يبدو في الأفق ما يشير إلى حدوث ذلك.
هل يقودنا هذا الاحساس المسبق بالفشل إلى عدم المشاركة في أية مبادرة جماعية للتغيير؟ هناك من النجاحات، على قلتها، ما يدحض « قدرية» الفشل. ففي 10 أكتوبر / تشرين الأول 1998، مثلا، أُلقي القبض على الدكتاتور التشيلي بينوشيه بتهمة «الإبادة الجماعية والإرهاب التي تشمل القتل» أثناء زيارته للندن بالذات، بموجب مذكرة توقيف نجح ناشطون حقوقيون في تفعيلها، مستفيدين من مبدأ سلطة القضاء العالمية، الذي يسمح للدول بمتابعة القضايا التي تنطوي على أعمال تعذيب وإبادة جماعية وغيرها من الجرائم ضد الإنسانية دون النظر إلى المكان الذي تم ارتكاب الجريمة فيه، وبغض النظر عن جنسية مرتكبي تلك الجرائم أو جنسيات ضحاياهم. وألغى موشيه يعالون، نائب رئيس وزراء الكيان الصهيوني، في تشرين الأول/ أكتوبر 2009، رحلة إلى بريطانيا خشية اعتقاله بتهمة ارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين. وفي كانون الثاني 2010، ألغت الوزيرة الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني زيارتها إلى بريطانيا بعد صدور مذكرة توقيف بحقها. والمعروف أن توني بلير لم يعد يجرؤ على السير في شوارع بلده بريطانيا تفاديا لغضب الناس. ومن يدري، مع تغير موازين القوى العالمية والمحلية، قد تتمكن مجموعة حقوقية عراقية بريطانية مثابرة من تقديمه للمحاكمة، في المستقبل القريب، كمجرم حرب مهما كان لقبه.

كاتبة من العراق

 

 

جدوى عرائض الاحتجاج

من الغارديان إلى أسانج

 

هيفاء زنكنة

 

عريضتان تم تداولهما في الأسبوع الماضي عبر كل أنواع التواصل الاجتماعي. رافقهما طلب التوقيع بسرعة لتحقيق الغرض من العريضتين. كانت العريضة الأولى احتجاجا على موقف صحيفة «الغارديان» البريطانية التي نشرت نعي رئيس أساقفة جنوب أفريقيا ديزموند توتو (في 26/12/2021) المعروف بنضاله الدؤوب ضد الاضطهاد والعنصرية بجميع أنواعها، وضد ممارسة الفصل العنصري على وجه الخصوص. ومع ذلك، اختارت الصحيفة حذف انتقادات توتو المتكررة لسياسات الفصل العنصري الإسرائيلية التي شبهها بسياسة النظام العنصري في جنوب أفريقيا سابقا. ذكرت العريضة أن الحذف لم يكن سهوا بل سياسة متعمدة. مما يفتح الباب أمام افتراض أن صحيفة « الغارديان» ترى الآن أن أي إشارة إلى طابع الفصل العنصري للسياسات الإسرائيلية معاد للسامية. ويقود إلى خلاصة منطقية تنص على «أن وجهة نظر الصحيفة الآن هي أن ديزموند توتو، الذي رأى أن القمع الإسرائيلي للفلسطينيين كان أسوأ من الفصل العنصري في جنوب إفريقيا (كما كتب لصحيفتك في عام 2002) كان معاديًا للسامية». طالبت العريضة بتصحيح التحريف وتقديم اعتذار لعائلة توتو ولقراء الصحيفة. فهل نجحت العريضة التي وقعها آلاف الناس وممثلو منظمات حقوقية، بضمنها يهودية مناهضة للنظام الصهيوني العنصري، وأخرى تمثل اليهود داخل حزب العمال، تزامنا مع رسالة وجهتها منظمة «حملة التضامن الفلسطينية» إلى الغارديان، في تحقيق ما هدفت إليه؟ وهل لأسلوب توقيع العرائض أو الالتماس العام، كأسلوب ضغط مجتمعي لتغيير سياسة ما، فائدة تُرجى أم أنه مضيعة للوقت وامتصاص للنقمة والغضب؟
كان رد فعل الصحيفة سريعا إذ قامت بنشر مقال يتناول دعم توتو لحقوق الفلسطينيين كما أعادت نشر التعليقات المحذوفة على مقالها، واعترفت بشكل خاص بأنه ما كان ينبغي حذفها، إلا أنها لم تعتذر، كما لم تنشر الرسالة الموقعة من قبل أكثر من 30 شخصية بارزة بما في ذلك العديد من الذين كانوا نشطين في النضال ضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. رحبت « حملة تضامن فلسطين» بنشر المقال وتنفيذ طلبها الرئيسي وهو إعادة نشر التعليقات، وفي الوقت نفسه كتبت الى الصحيفة ثانية مطالبة إياها بتجنب ما حدث مستقبلا جراء الخضوع للوبي الصهيوني. يدل تراجع الصحيفة، وهي من الصحف المؤثرة عالميا، أن استخدام مستويات متعددة، من ضمنها توقيع العرائض وكتابة الرسائل والتعليقات، يضمن حراكا شعبيا مؤثرا وقوة ضغط لا يستهان بها سياسيا، إن تم إجراؤها بشكل صحيح. صحيح أنها قد لا تؤدي دائما إلى تحقيق النتائج المتوخاة كلها بل جزء منها أو لا تحقق شيئا أحيانا، إلا أن مجرد الاطلاع على فحواها ومتابعتها وحث الآخرين على المشاركة هو سيرورة توعية وتنظيم، في داخل البلد الواحد أو عابرة للحدود، للتعبير عن حق الفرد في التغيير السياسي والمجتمعي.

استخدام مستويات متعددة، من ضمنها توقيع العرائض وكتابة الرسائل والتعليقات، يضمن حراكا شعبيا مؤثرا وقوة ضغط لا يستهان بها سياسيا، إن تم إجراؤها بشكل صحيح

العريضة الثانية ألتي تستحق وصفها بأنها عابرة للقارات، هي الداعية إلى إطلاق سراح الصحافي جوليان أسانج. والمعنونة «حرروا جوليان أسانج قبل فوات الأوان. قم بالتوقيع على وقف تسليم المطلوبين للولايات المتحدة الأمريكية». تهدف العريضة إلى منع مأسسة سابقة قانونية ستؤدي إلى تسليم صحافي غير أمريكي فضح جرائم الحرب الأمريكية إلى الحكومة الأمريكية. والمعروف أن أسانج، مؤسس ويكيليكس، قد نشر ملايين الوثائق السرية ألتي كشفت جرائم أمريكا أثناء غزو واحتلال أفغانستان والعراق، وبعدها. وهو معتقل ببريطانيا، حاليا، إلا أن أمريكا تطالب بتسليمه إليها ليواجه عقوبة السجن 175 عامًا وإعدامًا محتملًا. وكانت المحكمة العليا في لندن قد حكمت في 10 ديسمبر/ كانون الثاني 2021 لصالح الإدارة الأمريكية بتسليم أسانج بناء على تأكيدات تلقتها من أمريكا حول ضمان سلامته. استأنف فريق الدفاع عن أسانج الحكم استنادا إلى هذه النقطة هذه المرة.
إلى جانب كل تصريحات المنظمات الحقوقية الدولية، والشخصيات العالمية، ومنتديات الصحافة المتضامنة مع أسانج، باعتباره صحافيا لم يرتكب أية جريمة بل مارس عمله، وفق حرية التعبير، في إطلاع الرأي العام على جرائم حرب ارتكبتها الحكومات المضللة له، بات للعريضة الملتمسة إطلاق سراحه مكانتها. إذ وقعها حتى العاشر من آب (أغسطس) 2021، حين تم تقديمها إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية 619،900 توقيع، جنبًا إلى جنب مع أكثر من 570.000 موقع على الالتماس للمحكمة الجنائية الدولية (
ICC) في 15 يناير 2021. وهي أكبر عريضة قُدمت إلى المحكمة الجنائية الدولية على الإطلاق منذ إنشائها، هادفة إلى إطلاق سراح أسانج والتحقيق في حالات التعذيب النفسي التي تعرض لها. وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد حددت التعذيب النفسي بأنه يشكل «جريمة ضد الإنسانية». وتدفع العريضة، أيضا، بمقاضاة «الموظفين الحكوميين» من المملكة المتحدة والسويد والإكوادور وأستراليا، الذين يُزعم مشاركتهم في خلق وضع أخضع أسانج عن عمد للتعذيب النفسي، على الرغم من التصريحات العلنية التي أدلى بها المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب والتي خلصت إلى أن جوليان أسانج قد تعرض لمعاملة قاسية ومهينة، أدت إلى حالة تعذيب نفسي تم التحقق منه على النحو المحدد في تنفيذ الاتفاق المعترف به دوليًا.
يُحذر كُتاب العريضة من أن السماح بتسليم جوليان أسانج، بسبب نشره وثائق من أجل الصالح العام، «من شأنه أن يضع كل امرأة وطفل ورجل في المجتمع الغربي تحت حكم استبدادي خارج الحدود الإقليمية للولايات المتحدة. يثبت التاريخ أن هذا يؤدي دائمًا إلى الديكتاتورية الوحشية التالية التي ستغتال أو تَعدم أو تُسكِت بشكل دائم أي شخص ينشر دليلايفضح إجرام «السلطات».
لقد أثبتت الأيام الأخيرة أن لحملات الضغط، بضمنها توقيع العرائض، حظها من النجاح كما في حملة التضامن مع فلسطين، فهل ستنجح أصوات مئات الآلاف من الموقعين على عريضة الصحافي أسانج، في إيقاف تسليمه إلى شرطي العالم أمريكا؟ سترينا الأسابيع المقبلة النتيجة، وهي وإن لن تحقق المطالب، ستؤكد أن أسانج ليس إنسانا فريدا من نوعه في الدول الامبريالية، بل هناك المزيد من أمثاله يتكاثرون في بطن الوحش، خصوصاً وأن أمثاله يتمتعون بدعم عابر للأوطان والتيارات السياسية على إختلافها.

كاتبة من العراق

 

 

ترنيمة حب للصديق

الراحل ديزموند توتو

هيفاء زنكنة

 

حين اجتمعنا في تضامن المرأة العراقية، لاطلاق مبادرة « شهر التضامن مع العراق» بعد مرور 15 عاما على احتلال وطننا، لم نتردد كثيرا في اختيار ما نستهل به ديباجة المبادرة.
كانت صورة ديزموند توتو، رئيس أساقفة جنوب إفريقيا وناشط السلام المخضرم الذي فاز بجائزة نوبل للسلام عام 1984 تقديراً لحملته ضد الفصل العنصري، ماثلة أمام أعيننا، صديقا رافقنا في رحلة استغرقت سنوات فرض الحصار الهمجي على العراق (كما غزة اليوم) مدة 13 عاما، وفي مناهضة الغزو والاحتلال الأنكلو أمريكي. رافقنا، أيضا، في تعرية نظام الاحتلال الصهيوني لفلسطين، بعد زيارته للأراضي المقدسة في عام 2002، في مقاربة قلما تجرأ أحد على استخدامها أمام اللوبي الصهيوني في أمريكا، واصفا إياه بأنه نظام فصل عنصري، وكيف إنه رأى «إذلال الفلسطينيين عند نقاط التفتيش وحواجز الطرق» كما كانت معاناة السود، في بلادهم، عندما كان ضباط شرطة شباب من البيض يمنعونهم من التحرك. مضيفا « أن إسرائيل لن تنال أبدًا الأمن والسلامة الحقيقيين من خلال قمع شعب آخر». وتفنيدا لتهمة معاداة السامية الجاهزة، قال إن انتقاده للحكومة الإسرائيلية لا يعني أنه معاد للسامية. كما أنه ليس معاديا للبيض» على الرغم من جنون تلك المجموعة».
أردنا، في مبادرتنا الهادفة إلى التذكير بالظلم الذي سببه غزو العراق، شخصا يجمع بين الإنسانية وحب الحياة، يتحدث لغتنا، لغة التضامن والمساواة، لا على المستوى الفردي أو مستوى البلد الواحد الذي ينتمي إليه الشخص فقط، فهذه ميزة شائعة بين السياسيين بحجة التأهل للمنصب «السياسي الجيد» بل من يحتضن كل البلدان المقهورة ليحقق حرية بلده، لأنه يعرف جيدا معنى القهر والظلم والتمييز، لأنه ناضل طوال حياته ليتخلص من طعم العبودية والتمييز العنصريين، واثقا من إشراقة الشمس بعد ليل طويل. وهل هناك ما هو أكثر إنسانية من أن ترى نفسك في روح إنسان.
لهذا اخترنا كلمات ديزموند توتو لتكون في المقدمة. لا لأنها عبرت عن موقفه المناهض لغزو واحتلال العراق فقط، بل لأنه تمكن، ببصيرته الأخلاقية أن يرى أبعد من كثير من القادة والحكام وحتى المثقفين (ضمنهم عراقيون) وأن يستشف اكذوبة القوة العظمى المتمثلة بتصريحات الساسة والتزوير الإعلامي، وخطرهما على العالم كله، قائلا: « إن لا أخلاقية قرار الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى بغزو العراق في عام 2003، على أساس كذبة أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، قد أدت إلى زعزعة استقرار العالم واستقطابه إلى حد أكبر من أي صراع آخر في التاريخ «. أيامها، شارك ملايين الناس، من جميع أنحاء العالم، ديزموند توتو إدانته لشن الحرب على العراق، متظاهرين ولأول مرة في التاريخ، ضد حرب قبل وقوعها.

ديزموند توتو يعرف جيدا معنى القهر والظلم والتمييز، لأنه ناضل طوال حياته ليتخلص من طعم العبودية والتمييز العنصريين، واثقا من إشراقة الشمس بعد ليل طويل

ولم يكتف بتصريحاته وتحذيره بريطانيا وأمريكا في الفترة التي سبقت شن الحرب العدوانية بل واصل نشاطاته المناهضة للسياسة الامبريالية وهو يرصد عمق الخراب الذي سببه الاحتلال، وتزايد عدد الضحايا الأبرياء. صارخا بلغة تُذكرنا بأنه رجل دين» أين الرحمة، أين الأخلاق، متى تأتي الرعاية؟».
ويأتي موقف توتو كناشط حقوقي ورجل دين، في آن واحد، مماثلا لعدد كبير من رجال الدين المنتمين إلى الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية (على الرغم من أنه لم يكن كاثوليكيا) الذين لعبوا دورا رئيسيا في حركات التحرير والنضال من أجل حقوق سكان الريف والفقراء، والضغط على الكنيسة لمواجهة دورها في انتهاكات حقوق الإنسان ألتي ارتكبت أثناء حقبة الاستعمار. ففي سنوات الحكم العسكري الدموي للجنرال بينوشيه في تشيلي، مثلا، كان الكهنة الناشطون أعلى صوت للمعارضة ومن قادوا الجهود للبحث عن الأشخاص المختفين قسراً. وانضم القس كاميلو توريس ريستريبو، رائد لاهوت التحرير في كولومبيا، إلى جيش التحرير الوطني اليساري، حيث ساهم في حرب العصابات وقُتل في عملية خاصة وصادر الجيش جثته، ولايزال موقع دفنه مجهولا حتى اليوم. وقد ألهم فكره أجيالامن الحركات والمنظمات الاجتماعية.
في أغسطس/ آب 2012، إنتقل ديزموند توتو إلى مستوى آخر من النشاط، حين رفض مشاركة توني بلير المنصة في قمة قادة للاستثمار، في جوهانسبورغ، محاججا بأن قرار بلير دعم الغزو العسكري للولايات المتحدة للعراق، على أساس مزاعم غير مثبتة بوجود أسلحة دمار شامل فيه، أمر لا يمكن الدفاع عنه أخلاقيا. وبما أن محور القمة هو القيادة، فإن الأخلاق والقيادة غير قابلين للتجزئة. وسيكون من غير المناسب ولا يمكن الدفاع عن رئيس الأساقفة مشاركة منصة مع السيد بلير، حسب بيان لمكتب توتو.
وفي ديسمبر/ كانون الأول 2012، رافعا إصبعه محذرا من غضب الشعوب، المتطلعة للحرية، أينما كانت، وواقفا بصلابة من أجل العدالة مهما كانت سلطة الظالم وقوته العسكرية، أو جنسه أو لونه، إلتفت رئيس الأساقفة إلى الجانب القانوني، مطالبا بتقديم الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير للمحاكمة كمجرمي حرب في لاهاي. «لأنهما قاما باختلاق الأسباب للتصرف مثل المتنمرين في الملعب لتفريقنا. لقد دفعونا إلى حافة الهاوية حيث نقف الآن – مع شبح سوريا وإيران امامنا. بالإضافة إلى عدد القتلى نتيجة العمليات العسكرية منذ عام 2003… على هذه الأسس، في عالم متوازن، يجب أن يسلك المسؤولون الغربيون نفس المسار الذي سلكه بعض أقرانهم الأفارقة والآسيويين الذين أجبروا على تحمل مسؤولية أفعالهم في لاهاي».
بقي ديزموند توتو، طوال حياته، مؤمنا بقدرة الشعوب على تحقيق العدالة المنشودة التي تليق بنضالها، في جميع أنحاء العالم، بضمنها فلسطين والعراق، مذكرا من يشكك بالأمر أن «حكومة الفصل العنصري كانت قوية للغاية، لكنها لم تعد موجودة اليوم… وأن هتلر وموسوليني وستالين وبينوشيه وميلوسيفيتش وعيدي أمين كانوا جميعًا أقوياء، لكنهم في النهاية سقطوا وأكلوا التراب «.

كاتبة من العراق

 

 

لماذا يتصدّر العراق

قوائم الدول «الأسوأ» في العالم؟

 

هيفاءزنكنة

لم يعد الدمار الذي ألحقه الإنسان بالبيئة خافيا على أحد، بعد أن بدأت الطبيعة توجه ضرباتها الموجعة إليه، بعد عقود من تحذيرات العلماء بالمستقبل الكارثي الذي يستوجب حلولا جذرية سريعة. لم يعد هناك مجال للمماطلة والتسويف إزاء الأعاصير والفيضانات وإرتفاع درجات الحرارة، والتصحر، وجفاف الأراضي الزراعية، والحرائق المهددة للغابات، وتزايد الغازات وتلوث الهواء.
وصلت أخطار التغير المناخي، في الأعوام الأخيرة، إلى قمة المشاكل والشغل الشاغل لمعظم الدول، سواء في العالم الأول أو الثاني أو الثالث. فأمام غضب الطبيعة تشهد الحدود الفاصلة بين البلدان انهيارا، تزداد سرعته في بلدان العالم الثالث بشكل خاص. صحيح أن الانعكاسات الكارثية باتت تمس الجميع إلا أن دول العالم الثالث، الدول العربية من بينها، تتحمل عبأها الأكبر. لا لأن غضب الطبيعة ينتقيها دون أمريكا وأوروبا مثلا، ولكن لأسباب داخلية وخارجية متراكمة، تتفاعل من خلالها الكوارث، طبيعية كانت أو من صنع الإنسان، لتزيد من تأثير وحجم أية أزمة تصيب أهل البلد.
ويشكل العراق، مع فلسطين، نموذجا واضحا للأزمة البيئية الناتجة عن صناعة الحرب والاحتلال والسياسات الاستعمارية الجديدة في العالم العربي، المؤدية إلى تقويض الأساس الاجتماعي والاقتصادي للحياة في المنطقة. تظهر آثار هذه الأزمة البيئية في تغير المناخ المدمر، وتلوث الصناعات الاستخراجية، واستنفاد الموارد الطبيعية، وندرة المياه، وتلوث الهواء والتربة جراء استخدام الذخيرة الحديثة، كاليورانيوم المنضب، والفوسفور الأبيض، كما في العراق وغزة. وتشير التقديرات إلى أن الحرب ضد العراق سببت إطلاق 141 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون، بين عامي 2003 و2007، أي أكثر من 60 بالمئة من جميع دول العالم.
على الرغم من توفر هذه المعطيات وتوثيقها من قبل منظمات حقوقية دولية، وكون الوضع البيئي الداخلي مرتبطا، إلى حد كبير، بالعالم الخارجي، بقي العراق، حتى الأشهر الأخيرة، في أسفل الاهتمامات الحكومية والشعبية. ولا يكاد يُذكر إلا كهامش في المؤتمرات الدولية أو ضمن قوائم الدول « الأسوأ» في التقارير والاحصائيات الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات المعنية بالبيئة وانعكاساتها الاقتصادية والمجتمعية. حينئذ فقط، والحق يقال، غالبا ما ينجح في إحراز مكانة متقدمة لا يضاهيه فيها أحد.
فالعراق مستقر في موقع متقدم في قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم، ويتصدر قائمة الدول العربية الأكثر فسادًا. مما جعل حتى الرئيس العراقي برهم صالح، عاجزا عن تغطية حجم الخسارة المالية التي تسبب بها الفساد في البلاد على مدى سنوات. وأعترف بأن العراق خسر عشرات، او مئات مليارات الدولارات، إضافة إلى 150 مليار دولار هُرِّبت من الصفقات إلى الخارج منذ 2003، وهو رقم يبدو أصغر من أرقام تختلط فيها التريليونات مع المليارات والملايين، كما يختلط الدينار والدولار.

لفهم الكارثة البيئية الحالية في العراق، من الضروري النظر في الوضع السياسي وخاصة تجزئة الدولة بين تكتلات سياسية، تتنازع إلى حد الاقتتال فيما بينها، مما جرد الدولة من أية قوة وسلطة مركزية

ويُعد العراق من بين الدول الأكثر خطورة حسب مؤشر المخاطر الأمنية، متنافسا مع ليبيا وسوريا واليمن والصومال ومالي وأفغانستان. استنادا إلى جدولة حالة الحرب والمعلومات عن الإرهاب والاقتتال المجتمعي وحركات التمرد والاضطرابات ذات الدوافع السياسية. وفاز العراق بلقب ثاني أكثر دول العالم فتكًا بالصحافيين في عام 2020، حسب منظمة «مراسلون بلا حدود» ولم تسلم بغداد الجميلة، ذات الحضارة العريقة، من ضمها الى قائمة المدن الأقل نظافة في العالم لما تعيشه من إهمال في إعمار ما خرّبه الاحتلال من مبان والبنية التحتية من المجاري والطرق وتصريف المياه ومحطات تزويد الكهرباء.
وفي تقرير، أخير، لبرنامج البيئة التابع لمنظمة الأمم المتحدة، إحتل العراق المرتبة الخامسة لأكثر دول العالم تأثرا بظاهرة تغير المناخ والاحتباس الحراري في العالم. ويمكن تلخيص انعكاساته بنقص المياه الصالحة للشرب والري، والتوظيف العشوائي للمياه الجوفية، وقلة المياه في نهري دجلة والفرات جراء بناء إيران وتركيا السدود، خلافا للاتفاقيات الدولية. مما سبّب ترك الزراعة والنزوح إلى المدن غير المهيأة أساسا لاستقبال النازحين.
على الرغم من هذه التقارير، المرتبطة بالتغير المناخي والبيئي العالمي، وانعكاساته على الحياة، بكافة جوانبها، في العراق، والتي دفعت منظمة «المجلس النرويجي للاجئين» إلى التصريح، في الأسبوع الماضي، بأن نصف سكان العراق تقريبا في حاجة إلى مساعدة غذائية في المناطق المتضررة من الجفاف، لاتزال الحكومة أو بقاياها تتأرجح بين الفساد والاقتتال حول نتائج الانتخابات الأخيرة، مستفيدة في الوقت نفسه من فرصة تزويق موقعها إعلاميا، والانضمام إلى جوقة المنادين بتحسين البيئة، في المؤتمرات الدولية، بدون إتخاذ أي إجراء حقيقي. كما فعل وزير البيئة العراقي عشية انعقاد قمة غلاسكو المناخية والمعروفة بمؤتمر منظمة الأمم المتحدة لتغير المناخ، حين اختار الحديث عن التداعيات الكارثية لتغير المناخ على الأمنين الغذائي والمائي. ولم يشر الى القصور في تنفيذ البرامج الإصلاحية والتنموية التي قلما يتم تنفيذها.
ولفهم الكارثة البيئية الحالية في العراق، من الضروري النظر في الوضع السياسي وخاصة تجزئة الدولة بين تكتلات سياسية، تتنازع إلى حد الاقتتال فيما بينها، مما جرد الدولة من أية قوة وسلطة مركزية تؤهلها لاعمار البنية التحتية ووضع حد لنزاعات المحاصصة الطائفية والعرقية المنعكسة على توزيع الموارد فضلا عن الفشل في إجبار الدول المجاورة على إحترام حقوق العراق. وفي الوقت الذي صنّفت فيه « منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة» العراق ضمن 44 بلدًا في حاجة لمساعدات خارجية مُلحة من الغذاء.
هذه الحالة المأساوية معروفة الأسباب محليا وعالميا، فعدم تطبيق سبل العلاج الناجعة (وما أكثر ما كُتب عنها) وبناء البدائل، بالإضافة إلى تواطؤ الحكام المحليين سياسيا واقتصاديا مع منظومة الدول الامبريالية، وتشجيع سياسة السكوت والاستسلام والرضا بالواقع المأساوي، بدلا من الرفض والمقاومة، وتنامي الاحساس بالهوية الفرعية بديلا للوطنية، مسؤول عن خلق مناطق النزاع حتى بين الضحايا، حيث تحتل النزاعات الاجتماعية البيئية حول الأراضي والموارد وسبل العيش مركز الصدارة.

كاتبة من العراق

 

 

عن غيفارا وانسحاب

القوات الأمريكية من العراق

هيفاء زنكنة

 

ثلاثة أحداث تستحق التوقف عندها هذا الأسبوع، على الرغم من عشرات السنين وآلاف الأميال التي تفصل بينها. الحدث الأول هو الإعلان العراقي الرسمي عن «انتهاء المهمة القتالية لقوات التحالف وانسحابها من العراق».
أثار الإعلان بدلا من الفرحة الشعبية العارمة بالتخلص النهائي من قوات الاحتلال، ردود أفعال متباينة، إقتصرت على الأحزاب والميليشيات، مع بقاء الشعب المُدرك لزيف ما يجري متفرجا، خاصة بعد أن صرح جون كيربي، المتحدث باسم البنتاغون، بأن انتهاء المهمة القتالية في العراق لا يعني انسحاب القوات الأمريكية من البلاد. وأنه «لن يكون هناك تحول دراماتيكي» متمنيا للشعب العراقي « استمرار كفاءة وثقة قواتهم الأمنية في ميدان القتال ضد داعش».
يشكل الحدث الثاني أو الأصح مناسبة ذكراه، الخلفية التي لم تفقد قدرتها على إضاءة ما يجري، حاليا، من وقائع لتساعد على التحليل والفهم العميق، من خلال ربطها مع بعضها البعض، بعيدا عن عقلية « الغيتو» السائدة، في التحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي، عند النظر في واقع بلداننا. وإذا ما حدث الربط فإنه لا يخرج عن محيط الربط ببلدان الاستعمار القديم واستمراريتها بالنيوكولونيالية، والهيمنة الاقتصادية العالمية. فكل ما يحدث، يُربط فورا بأمريكا وبريطانيا وفرنسا، مثلا، أما أفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا والهند وحتى الصين، فإنها مجرد أماكن قلما تُذكر إلا إذا حدث وانطلق منها، حسب وجهة نظر شرطة العالم، ما يُهدد « أمنها».
الحدث الثاني هو الذكرى السنوية لخطاب تشي غيفارا، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك – 11 ديسمبر/ كانون الأول 1964. الخطاب الذي بات معروفا بجملته الأخيرة « الوطن أو الموت». الجملة التي لا يزال الشباب يرددونها في فلسطين والعراق وبقية البلدان العربية وفي أرجاء العالم، بمواجهة الاحتلال والقمع والاستغلال والهيمنة الإمبريالية. شباب قد لا يعرفون شيئا عن خطاب غيفارا إلا أنهم يُدركون جيدا معنى النضال من أجل الحرية والكرامة، الذي يتجاوز حدود الزمان والمكان، للتمتع « بحياة جديدة والمطالبة بحقهم المطلق في تقرير المصير والتنمية المستقلة لدولهم». وهنا تكمن قوة خطاب غيفارا وقدرته الساحرة على رؤية ما هو أبعد من الآني في مختلف البلدان، بضمنها الدول الرأسمالية.
« كيف ننسى خيانة الأمل؟ «، جاء هذا التساؤل المرير في خطاب غيفارا عن جريمة إغتيال القائد الأفريقي باتريس لومومبا، الذي وضع ثقته بالأمم المتحدة. وهو تساؤل لا يزال يُطرح حول دور الأمم المتحدة الذي تريد الإمبريالية تحويله « إلى بطولة خطابية لا طائل من ورائها، بدلاً من حل مشاكل العالم الخطيرة».

 للحركات الشعبية أدوات نضالية استحدثتها الأجيال الجديدة مع الإبقاء على ذات القيم الإنسانية التي بقيت منغرزة بالوجود الإنساني عبر تاريخه، بشرط الحفاظ على الوحدة الداخلية ، والإيمان بالعدالة، وذلك التوق المستدام للحرية والكرامة والمساواة

يُضيء التساؤل الحدث الثالث الذي تصادف ذكراه هذه الفترة أيضا. ففي عام 2004، عاشت الفلوجة، مدينة المقاومة، وحشية قوات الغزو الامبريالي، بأبشع صورها من القصف باليورانيوم المُنضَب وتدمير حوالي 70 بالمئة من المدينة إلى قتل وجرح وتهجير الآلاف من السكان. ولم تكن قوات الاحتلال لوحدها مسؤولة عن الجرائم بل شاركتها طبقة من المتعاونين العراقيين، من « العبيد الاستعماريين». طبقة يُعرفّها غيفارا، بأنها تساهم في تجميل صورة « الحضارة الغربية» المكونة في حقيقتها، من الضباع وابن آوى. « من حيوان يتغذى على لحوم الشعوب العزّل. هذا ما تفعله الإمبريالية بالرجال.» موضحا بأنه « ربما يعتقد العديد من هؤلاء الجنود، الذين حولتهم الآلة الإمبريالية إلى أقل من البشر، بحسن نية أنهم يدافعون عن حقوق جنس متفوق».
وتكاد الصورة التي رسمها غيفارا عن إستخدام المرتزقة في منطقة البحر الكاريبي، في حقبة الستينيات من القرن الماضي، تنطبق بحذافيرها على توظيفهم في العراق « يجب أن نلاحظ أن أخبار تدريب المرتزقة في أجزاء مختلفة من منطقة البحر الكاريبي ومشاركة حكومة الولايات المتحدة في مثل هذه الأعمال يتم تقديمها على أنها طبيعية تمامًا في الصحف في الولايات المتحدة». كما تنطبق على ارتكابهم الجرائم بحق المدنيين بموافقة أو صمت الساسة العراقيين، ومن قبلهم حكام أمريكا اللاتينية، مما يدل، تاريخيا وحاليا، على « مدى الاستهانة التي تحرك بها حكومة الولايات المتحدة بيادقها.»
هل صحيح أن التاريخ يُعيد نفسه بشكل كوميدي؟ أي تعريف للتاريخ ينطبق على العراق؟ تُبين مراجعة حقبة الستينيات، بتعقيداتها السياسية والاقتصادية، وما صاحبها من آمال كبيرة بإمكانية التغيير، عند مقارنتها بالأوضاع الحالية، أن التاريخ مكون من صفحات / حقب، قد تكون منفردة الا ان تراكمها كما التلة المكونة من طبقات أثرية، متراكمة على مر العصور، تجعله يتشكل من خلال التراكم والتواصل المعرفي للمجموعات البشرية والأجيال المتعاقبة. فلا غرابة أن تنقلنا مقولة الرئيس الكوبي الراحل فيدل كاسترو «ضعوا حداً لفلسفة النهب وستنتهي فلسفة الحرب أيضاً « إلى القرن الواحد والعشرين، لنجد ان فلسفة النهب لم تنته وخطاب الرأسمالية الاحتكارية، المُشّجع لفساد الحكومات المحلية، أقوى من أي وقت مضى. كما أنها لاتزال تتعامل مع التعايش السلمي كأنه « حق حصري لقوى الأرض العظمى» يُفرض، وفق إرادتها، وبقوانين دولية تُطبق بشكل انتقائي. أما الانتخابات « الديمقراطية» فهي « وهمية دائمًا تقريبًا ويديرها ملاك الأراضي الأثرياء والسياسيون المحترفون» بالإضافة إلى كونها وسيلة للمراوغة وكسب الوقت لضمان إنقياد الشعب لحكومة جديدة تم إختيارها سرا « من أجل حرية مخصية للبلد».
لمواجهة هذا الواقع المحبط، بل ومتحدية إياه، هناك حركات شعبية عديدة تنمو وتتكاثر، ليس في البلدان التي كانت خاضعة للاستعمار القديم، ولاتزال بأشكاله الجديدة، بل وفي بطون ذات البلدان التي ولدت الإمبريالية، خاصة، أمريكا. لهذه الحركات، أدوات نضالية استحدثتها الأجيال الجديدة مع الإبقاء على ذات القيم الإنسانية التي بقيت منغرزة بالوجود الإنساني عبر تاريخه، بشرط الحفاظ على الوحدة الداخلية ، والإيمان بالعدالة، وذلك التوق المستدام للحرية والكرامة والمساواة للجميع بلا تمييز.

كاتبة من العراق

 

 

اليوم العالمي لمناهضة العنف

ضد المرأة… جعجعة بلا طحين!

هيفاء زنكنة

 

بين اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة في 25 نوفمبر / تشرين الثاني واليوم العالمي لحقوق الانسان في 10 ديسمبر/ كانون الأول، ولدت حملة 16 يوما لمناهضة العنف ضد المرأة، حيث تقام في عديد البلدان، في أرجاء العالم، ندوات وفعاليات تجمع بين الاستنكار والمطالبة، أما بشكل رسمي أو من قبل منظمات المرأة خاصة. وإذا كانت مشاركة منظمات المرأة مفهومة، إلا أن الخطاب الرسمي، دخل على الخط في السنوات الأخيرة، جراء ضغوط دولية سياسية واقتصادية. فلا يكاد يخلو بلد، خلال حملة 16 يوما، من خطاب لرئيس دولة أو رئيس وزراء أو مسؤول كبير، لا يندد فيه بالعنف ضد المرأة مستنكرا إستهدافها، لأنها « تشكل نصف المجتمع ولولاها لما كانت للأمة قيمة» وتأكيدا « على دور المرأة ومكانتها الرفيعة». بل وصار المسؤولون الذين ينظرون إلى المرأة، طوال أيام السنة، باستثناء أيام حملة 16، بشكل دوني، يوجهون منظمات المجتمع المدني لتنفيذ « أنشطة وفعاليات خلال فترة حملة الـ 16 يوما يرتكز على إدراك عميق بالدور المتميز لها».
أشير هنا الى دور الحكومات في البلدان العربية، حيث تتبدى الهوة بين النص والتطبيق بأوضح تفاصيلها. وتمتد إزدواجية المعايير والاستخدام المزور لنضالات المرأة التاريخي لتشمل كل البلدان العربية من شمال أفريقيا إلى الخليج. فمن يتابع فعاليات حملة 16 يوما سيجد أن أكثرها جذبا للتغطية الإعلامية هو تصريحات المسؤولين وحضورهم هذه الفعالية أو تلك. وكلهم يستنكرون العنف ضد المرأة. مما يستحضر، في الاذهان، صور الاستنكار الرسمي العربي بالاحتلال الصهيوني لفلسطين.
ما نراه اليوم يتكرر منذ سنوات. يُردد المسؤولون خطبهم العام تلو العام في قاعات كبيرة تغص بالرجال وعدد من النساء اللواتي يحظين بمقاعد الصف الأمامي، ربما لأول مرة، لأغراض العرض والتزويق، في ذات الوقت الذي تشير فيه الاحصائيات إلى تزايد مستوى العنف ضدها أضعافا. وتكاد الصورة أن تتطابق، في معظم البلدان العربية، مع إختلاف بسيط في التفاصيل حول تعريف العنف وما ينص عليه الدستور، ومجلة الأحوال الشخصية، وما وقعته الحكومات من قوانين واتفاقيات دولية، باتت تتناول موضوع العنف من عديد الجوانب، والتي لم يعد تعريف العنف فيها يقتصر على الاعتداء الجسدي، بل تعداه إلى المادي والفكري والسياسي. لا أحد ينكر، بطبيعة الحال، أهمية التشريعات والقوانين المحلية وما تنص عليه الدساتير في حماية حقوق المواطنين، كما لا يمكن إنكار دور القوانين الدولية المناهضة للعنف. إلا ان إبقاء عنف الدول والأنظمة على الهامش، وهو الأكثر شمولية ضد المرأة كمواطنة في مجتمع يضمها مع الرجل سوية، وعلى قدم المساواة، هو جوهر إشكالية قراءة القوانين والاتفاقيات من منظور محلي، خصوصا حين لا تجد الدول العظمى، المؤطرة للقوانين، حرجا أما في ممارسة « العنف» بنفسها، بشكل غزو وإحتلال لشعوب بكاملها، كما في العراق، أو المساهمة بارتكابها، بالتعاون مع حكومات محلية، أو النظر جانبا، مع توفير الدعم الاقتصادي والسياسي للأنظمة القمعية، حين يتم خرق وانتهاك حقوق الشعب، بضمنه المرأة. والتعامل مع المرأة وكأنها كائن، منعزل تماما عن بقية الشعب. لكل هذا، طبعا، تبريراته الرسمية الجاهزة، المتسربلة بلغة الأقناع، ما دامت تحدث في بلدان « أخرى» غير بلدانها ومن قبل حكومات تقدم نفسها كممثلة للشعب.

تمتد إزدواجية المعايير والاستخدام المزور لنضالات المرأة التاريخي لتشمل كل البلدان العربية من شمال أفريقيا إلى الخليج

يُقدم لنا العراق، عند مراجعة الفعاليات الرسمية والمنظماتية، نموذجا لفهم التردد وقلة الاقتناع في الاحتفال المناسباتي، بحملة 16 يوما. كما تقدم لنا نوعية الفعاليات المقامة، حتى الآن، بعض الأجوبة المحددة، بعيدا عن العموميات. إذ تعكس فعاليات المناسبة أولا كون العراق مقسما، فعليا، الى نظامين وعاصمتين هما بغداد وأربيل (عاصمة كردستان الجنوبية). كما تعكس، عمليا، تجزؤ هوية المرأة كمواطنة عراقية. حيث تقدمت الهوية الفرعية، القومية، الدينية، المذهبية، تدريجيا (المفترض فيها ان تُكمل وتُغني الهوية العراقية الجامعة) لتصبح لدى عديد منظمات المجتمع المدني، بوابة شاسعة للحصول على الدعم المادي من قبل منظمات وأنظمة أجنبية، وتسويق بديل للهوية العراقية. مما أدى بدوره، جراء التهافت على الدعم المادي، حتى بين المنظمات نفسها، إلى مأسسة حالة لا مبالاة بقضايا المرأة ككل والتركيز على المتجزأ، حسب قاعدة « معاناتي هي الأكبر وما أتعرض له هو الأخطر».
أما على مستوى الاحتفال الرسمي، فقد أصدر رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، بياناً غَيّبَ فيه العراق والمرأة العراقية. آملا أن يغدو إقليم كردستان، مثالاً ناصعاً عن حماية حقوق الإنسان، وإنهاء جميع أشكال العنف. ويأتي بيانه، بذات الوقت الذي تعامل فيه قوات الشرطة الطلاب والطالبات الجامعيين في السليمانية المطالبين بحقوقهم بالعنف والاعتقال. وكان نائب رئيس المفوضية الأوروبية قد اتصل بالبارزاني، قبل يوم، لمناقشة أوضاع « المهاجرين الكرد» المأساوية على الحدود بين بولندا وبيلاروسيا. فَحَثَ بارزاني النائب على حشد الدعم من الاتحاد الأوروبي لتأمين الإغاثة الإنسانية العاجلة للعائلات التي تقطعت بها السبل!
وفي بغداد، سارع رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي إلى إصدار بيان عن وجوب العمل الجاد على مناهضة العنف ضد المرأة، بينما لا تزال قضايا آلاف الشهداء والمختطفين والمعوقين من الشباب/ الشابات، المتظاهرين في انتفاضة تشرين 2019، بلا مساءلة.
وتعطينا عناوين نشاطات بعض المنظمات النسوية، مثل «حول دور الناجيات الأيزيديات والشبك» وندوة « نساء كردستان» فكرة عن تقسيم المرأة، في البلد الواحد، إلى جزئيات ولكل جزئية مظلوميتها الخاصة. كما يعطينا بيان منظمة « رابطة المرأة» التابعة للحزب الشيوعي، نموذجا لأختيار المنظمات النسوية عدم التطرق الى عنف الدولة وماجره غزو البلد واحتلاله، وإلقاء اللوم، غالبا، على «العنف الأسري والمجتمعي». وكأن ضحايا الاحتلال، الذين يُقدر عددهم بما يقارب المليون، ولنفترض أنهم جميعا من الرجال، لم يكونوا ينتمون الى عائلة، تُركت بعد قتلهم، في رعاية إمرأة. هذه المرأة، مهما كانت هويتها الفرعية، عراقية تستحق أن تعامل كمواطنة في بلد يحترم حقوق مواطنيه إناثا وذكورا، ولن يتم ذلك من خلال تفتيت القضايا، والعزل الجنسوي، وتسكين الآلام آنيا، بل من خلال النضال المشترك لإيجاد الحلول الجذرية النابعة، عضويا، من داخل المجتمع، وبالتضامن مع شعوب تلتزم، فعلا، بحقوق الإنسان والقوانين الدولية، لها وللآخرين.

كاتبة من العراق

 

 

العراق… الشعب يريد

وطنا والميليشيات تريد وطنا

 

هيفاء زنكنة

هل بالإمكان «إختطاف» ما يريده الشعب من حقوق وطموحات بواقع ومستقبل أفضل مما يعيشه؟ بمعنى الاستحواذ على ما يطالب به الناس وتعابيرهم عما يريدون؟ تعاني أغلب البلدان في لحظتنا التاريخية هذه، ومنها حتى دول متقدمة كأمريكا منذ انتهاء الحرب الباردة، مرورا بولاية دونالد ترامب وحتى الان، من اختلال في وعي المجتمع المنقسم على نفسه، والانجرار الى ما يحشد له الإعلام السياسي المتطرف إستخداما للعواطف والاكاذيب والتخويف والترغيب، حتى بما هو واضح أذاه للناس مباشرة او في المنظور القريب. فهل نجح نظام ما بعد الاحتلال في تحقيق ذلك عبر إختطاف روح ما يريده الشعب فعلا؟
من يراجع إنجازات النظام العراقي الحالي، منذ غزو البلد وتركه عرضة للنهب وساحة للصراعات الخارجية، سيجد أن ذلك ممكن وأنه تجاوز حدود الاختطاف الجسدي للمواطنين. حيث بينت مظاهرات ميليشيات الأحزاب، المتربعة على السلطة، في أسابيع ما بعد إجراء الانتخابات بأن من بين مهاراتها متعددة المستويات، قدرتها على إختطاف أساليب النضال الجماهيري والتلاعب بها إلى حد يصعب فيه، أحيانا، التمييز ما بين الحقيقي والزائف. فالانتخابات التي تم الترويج لها بقوة إعلاميا وماديا، بدعم دولي لا مثيل له، ناهيك عن تشجيع المرجعية الشيعية الداعية الى المساهمة في الانتخابات، بعد أن اختارت غالبية الجماهير مقاطعتها، والتي تم وصفها بأنها من أكثر الانتخابات التي شهدها العراق نزاهة وشفافية وسلاسة، سرعان ما تحولت، حال إعلان النتائج بخسارة عدد من ميليشيات الاحزاب، الى انتخابات زائفة ومزورة ولا يمكن القبول بها إطلاقا.
وكما هو واضح من نزول متظاهرين من الميليشيات الحزبية الخاسرة إلى الشوارع والاشتباك مع قوات أمنية، والتهديد باقتحام المنطقة الخضراء، رمز المحتل الأمريكي والحكومة العراقية بالنيابة معا، بأن خبرة ما يقارب العشرين عاما من إستلام الأحزاب المليشياوية السلطة، قد أثمرت من ناحية سرقة جوانب من آلية النضال الجماهيري الذي عاشه العراق، بشكل متواصل، منذ أيام الاحتلال الأولى عام 2003، في النزول الى الشوارع والاعتصام ومقاومة المحتل بكل السبل الممكنة وتحرير الوطن. وحقق النظام نجاحا معقولا، في استغلال المطالب والحقوق، وإعادة تدويرها وتقديمها بشكل شعارات شعبوية، مغلفة بقدسية ذات بعد مذهبي، تُساعد على تقبلها وكأنها من صلب حقوقها التاريخية.
فالانتخابات المبكرة ألتي نادى بها المتظاهرون والمعتصمون على مدى عام، للتخلص من الفساد والطائفية والإصلاح العام والتحرر من الأحتلالين الأمريكي والإيراني، خلال إنتفاضة تشرين/ أكتوبر 2019، مثلا، سرعان ما إستولت عليها واحتوتها أحزاب الميليشيات، من خلال تعبئة وتحشيد وتخويف أفرادها من « الآخر» وتجريدهم من إنسانيتهم. وتحول الثمن الغالي الذي دفعته الجماهير، متمثلا باستشهاد وإصابات واعتقالات وتعذيب تجاوز عشرات الآلاف من المحتجين، تحول الى عملة مقايضة لصالح الأحزاب ذاتها التي ساهمت بارتكاب الجرائم بلا مساءلة. وهي المشاركة في ماسسة العملية السياسية ومتقاسمة للحكومة، بدءا من تيار الصدر وحزب الدعوة والحزب الأسلامي إلى كتائب حزب الله والحشد الشعبي. كما استولت أحزاب الميليشيات على أهم شعار جَسّد الانتفاضة وهو « نريد وطنا». فصار لمفردة « الوطن» معاني تم تطويعها وفق استخداماتها الحزبية.

كان بإمكان هذه الأحزاب، تمرير أجندتها الزائفة، على نسبة من السكان، خاصة بعد إختطاف وإعادة تدوير مطالب منتفضي تشرين، لولا لجوئهم إلى ما يجيدون ممارسته، فعلا، وهو استخدام العنف بأشكاله المتعددة

وأخذت معنى جديدًا لتثير ردود افعال مختلفة تمامًا عما إعتبره المتظاهرون حقا من حقوقهم الأساسية ويجب إستعادته. بينما حملت المفردة، بعد تدويرها حزبيا ومليشياويا، معنى هلاميا يخلط ما بين الوطن والسلطة. الوطن إذن موجود، ونحن مالكوه، ما دمنا نتحكم بالسلطة. ويجب الدفاع عنها بأي ثمن ولن نتخلى عنها، كما صرح رئيس الوزراء السابق نوري المالكي قائلا بطائفيته المقيتة وعباراته عن أبناء الحسين مقابل أبناء يزيد، التي يستحق عليها العقاب لتأجيجه خطاب العنصرية والكراهية والتحريض على القتل.
تم تحوير صوت الشعب الحقيقي المطالب باستعادة الوطن الى صيغ جاهزة، مبتذلة لفرط التكرار من قبل ساسة فاسدين، لصالح أجندة سياسية لهذا الحزب المدعوم أمريكيا، الذي لا برنامج لديه غير مهاجمة إيران، ضد الحزب المدعوم إيرانيا والذي لا يملك برنامجا غير مهاجمة أمريكا. كلاهما يدعيان تمثيل الشعب العراقي بينما، هما في الحقيقة، يعملان وفق أجندات ومصالح فئوية لا علاقة لها بمصلحة الشعب على المدى القريب أو البعيد، وإبقاء حياة العراقيين مؤجلة ومحكوم عليها بالمخاوف والقلق وعدم الاستقرار، في أجواء دعائية غايتها « أن تخلق مستوى القلق الأمثل» حسب مهندس الإعلام النازي غوبلز.
فحين يصرح هادي العامري، المسؤول الفعلي لميليشيا الحشد الشعبي، قائلا « سندافع عن اصوات مرشحينا وناخبينا بكل قوة» و « اننا لا نقبل بهذه النتائج المفبركة مهما كان الثمن». فأنه لا يأتي بجديد بل ان صوته صدى لما قاله المالكي قبل سنوات بصدد عدم التخلي عن السلطة. وهو يعمل على تعبئة العواطف المتمثلة بشخصه « الرافض» أكثر منه طرح برنامج للإصلاح والبناء، أو بديلا للانتخابات التي تأرجح ما بين دعوة أتباعه للمشاركة فيها بقوة أولا ورفضها بقوة أكبر حين خسرها. وإذا كان العامري، خلافا لمقتدى الصدر، لا يملك القدسية المحيطة بالصدر كوريث للصدر الأول، وتصنيمه من قبل اتباعه، كمرجع ديني واجب الطاعة، فانه بتجسيده لشخصية المقاتل من أجل « الإمام « الخميني ومن حكم بعده، وباستغلال دعائي ناجح لإعلان الانتصار على داعش، جراء القصف الجوي المستمر للتحالف الدولي والقوات العراقية على الأرض، نجح العامري في إضفاء صفة القدسية على مليشيا الحشد الشعبي ليتمتع بوسم الإفلات من العقاب مهما إرتكب.
ولم تقتصرعملية إختطاف حقوق ومطالب متظاهري إنتفاضة تشرين على الشعارات واللافتات، والنزول الى الشوارع ونصب الخيام، والاعتصام، بل إمتدت إلى جوانب ثقافية ذات خصوصية دينية وتأثير يحفز عواطف الشباب كالرادود المعتاد في مجالس العزاء وزيارات مراقد الأئمة ومناسبات الاستشهاد التاريخية. ومع توفر الدعم المادي الكبير ووجود التغطية الإعلامية عبر قنوات تملكها الأحزاب أو مدفوعة الأجر، كان بإمكان هذه الأحزاب، تمرير أجندتها الزائفة، على نسبة من السكان، خاصة بعد إختطاف وإعادة تدوير مطالب منتفضي تشرين، لولا لجوئهم إلى ما يجيدون ممارسته، فعلا، وهو استخدام العنف بأشكاله المتعددة، من اختطاف وتعذيب وحملات الاغتيال بشكل علني.

كاتبة من العراق

 

 

لا صديق للكرد

المهاجرين على حدود بولندا

هيفاء زنكنة

 

الرئيس الأمريكي جو بايدن قلق هذه الأيام، يشاركه القلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ليس بسبب «محاولة اغتيال» رئيس وزراء حكومة تصريف الأعمال، في العراق، مصطفى الكاظمي، في الأسبوع الماضي. فمشاعرهما، ومعهما كل من هب ودب من المسؤولين الأمريكيين والأوربيين والشرق أوسطيين، كانت أعمق من مجرد القلق ولغة الإدانة والاستنكار ونعوت الإرهاب. بل ووصل رذاذها مجلس الأمن المعروف بصمته، عادة، تجاه جرائم الإبادة الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني أو حتى إدانة سياسة الاستيطان على الرغم من كونها مخالفة للقانون الدولي، وإذا ما أخذنا حالة العراق، مثالا، فإن صمت مجلس الأمن مُدّوٍ إزاء جرائم التطهير المذهبي والتهجير القسري في محافظة ديالى، شرق العراق، في الأسابيع الأخيرة، بمشاركة «الحشد الشعبي» المنخرط في القوات الأمنية الحكومية.
مصدر قلق الرئيس بايدن وبوتين هو أن «وضع الأطفال مؤسف وخطير» عند الحدود بين بيلاروسيا وبولندا حسب تعبير بوتين، على الرغم من أن وضع الأطفال المؤسف على حدود البلدين ليس وليد الأسبوع الماضي. بل بدأ، في العام الماضي، حين سمحت حكومة بيلاروسيا بدخول العراقيين أراضيها بلا تأشيرة. وهي مسألة نادرة الحدوث للعراقيين الذين يعانون الأمّرين للحصول على أي فيزا، باستثناء ما تمنحه قلة من دول تُعد على أصابع اليد الواحدة. وبتسهيلات غير عادية، قامت شركات بتنظيم «رحلات سياحية» بالمئات. فكان من الطبيعي أن تصبح هذه السفرات فرصة عمر لمن يريد مغادرة العراق، والهجرة مرورا من بيلاروسيا الى بولندا ومنها الى ألمانيا أو أي بلد أوروبي آخر. فكانت النتيجة، بعد نجاح عبور الآلاف، إغلاق بولندا حدودها مع بيلاروسيا واتخاذ قرار بأطلاق النار على كل من يحاول العبور. فبقيت أعداد كبيرة من المهاجرين، بينهم عوائل بكاملها، معلقة على الحدود بين البلدين. أصبح المهاجرون بيادق تتلاعب بحياتهم حكومتا بيلاروسيا وبولندا ضمن أجندة الخلافات السياسية. حيث يتهم الأوروبيون، وهم يسرعون بإصدار القوانين ومد الأسلاك وحشد الحراس للحد من أعداد المهاجرين إليها، الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو بمنح تأشيرات للمهاجرين ووضعهم على الحدود، كرد فعل على العقوبات الأوروبية التي فرضت على بلده، لقمعه حركة معارضة بعد الانتخابات الرئاسية في 2020.
يُشكل العراقيون، غالبية المهاجرين المحصورين، حاليا، في وضع لا أنساني، في درجات حرارة وصلت الصفر مئوي، مما دفع مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى توجيه نداء إلى الدولتين والعالم مشددة على ضرورة ألا يقضي اللاجئون ليلة أخرى عالقين بين البلدين. كان ذلك يوم الأربعاء الماضي، ولم تتجاوز الإجراءات المتخذة توزيع الخشب للتدفئة ووجبات طعام رُميت على المهاجرين بشكل مهين. وإعلان حكومة الكاظمي تبرعها ببضعة دولارات للمساعدة. ولا يزال نحو أربعة آلاف شخص عالقين هناك في برزخ البرد واليأس والانتظار، بعيدا عن أوطان تُعامل أبناءها بقسوة تجعلهم، يُفضلون الموت على الحياة فيها أو كما يقول المثل الجزائري الذي يكرره الشباب المهاجرون في قوارب الموت «يأكلني الحوت ولا يأكلني الدود» وهو ما ينطبق أيضا على الشباب التونسي ألذي تجاوزت ظاهرة «الحرقة» كونها حلم أبناء الطبقة الفقيرة لتصبح طموحا يسعى إليه الخريجون من أبناء الطبقة المتوسطة، بحثا عن فرص العمل.

هربا من واقع يجرده من إنسانيته ويُجّمده في قاع مظلم بلا أفق يخاطر المهاجر بحياته وحياة أطفاله

ولا يكف الشباب عن محاولات الهجرة، على الرغم من كل المخاطر والصعوبات الجسيمة. وهو ما يُجمع الشباب على تنفيذه في العراق بأعداد مذهلة. حيث غادره نحو 28 ألف مهاجر، منذ مطلع عام 2021، تم إلقاء القبض على 803 منهم وإعادتهم إلى العراق، ووفاة 33 منهم، في طرق الهجرة، حسب جمعية اللاجئين في إقليم كردستان العراق.
تُبين متابعة تفاصيل مأساة المهاجرين على الحدود البيلاروسية البولندية إن إلقاء اللوم على الصراع الدولي وحده ليس كافيا. فجذر المأساة يمتد، في عمقه، إلى بلدانهم ومسؤولية حكوماتهم، مهما كانت طبيعتها. بالنسبة إلى المهاجرين العراقيين، تشير تقارير المنظمات الحقوقية إلى أن معظم المهاجرين هم من الكرد الهاربين من إقليم كردستان العراق الأمر الذي يثير عديد التساؤلات حول صورة الإقليم الديمقراطية المزدهرة، غير الملوثة بفساد بقية العراق، التي تروّجها أجهزة إعلام رئاسة الإقليم. الإقليم المتقاسم سياسيا واقتصاديا بين عائلتين هما البارزاني ومقرها أربيل، وعائلة طالباني ومقرها السليمانية. تتصرف العائلتان بكل ما هو موجود في الإقليم ولا يمكن تجاوز أفرادهما المستحوذين على مراكز السلطة، بأي شأن كان، خاصة عقود النفط. نجحت العائلتان بتكوين طبقة ملياردية، في فترة قياسية، على حساب العاطلين عن العمل، فقط لكونهم، غالبا، لا ينتمون الى أي من العائلتين ـ الحزبين. وهو السبب ذاته الذي يعاني منه الخريجون، الذين لا ينتمون لأحزاب الحكم الفاسدة في بقية أنحاء العراق. إذا أضفنا الى واقع الإقليم ثالوث الطائفية والتهجير القسري والإرهاب، المستشري في بقية البلد، لفهمنا نفسية الشباب والعوائل في محاولاتها الهرب بحثا عن المستقبل وإن كان محفوفا بالمخاطر، ومع كل هرب ينكشف زيف إدعاءات الحكومات المحلية بأنها تمثل أبناء الشعب وتحمي مصالحهم. وهي إدعاءات حكومات تستمد مرجعيتها من الاستقواء بدول مَكَنّتها من السلطة أولا وباتت درعا لحمايتها من غضب شعوبها ثانيا. وهذا الغضب هو منبع قلق جو بايدن وبوتين الحقيقي. أما الخوف على أطفال المهاجرين فهو لا يزيد عن كونه تعبيرا جاهزا وجزءا لا يتجزأ، من عالم السياسة، بمناوراتها ومصالحها وتحالفاتها الظاهرة والخفية. وضحايا هذه اللغة الناعمة ـ المغموسة بالإنسانية الزائفة، المتأخرة، غالبا، التي لا يَطّلع عليها العالم، ما لم تصل حد الكارثة والموت، هم الأطفال وعوائلهم، المُجبرة على الهجرة من بلدانهم إلى بلدان يرون فيها مستقبلا أفضل من واقعهم اليومي بتفاصيل الحروب، والصراعات والفساد والبطالة، وتردي كل أساسيات الحياة التي يجب أن يتمتع بها كل مواطن في بلده. هربا من واقع يجرده من إنسانيته ويُجّمده في قاع مظلم، بلا أفق، يخاطر المهاجر بحياته وحياة أطفاله، المرة تلو المرة، كي يتشبث بما يراه المنفذ الوحيد للحياة، ويبقى البديل، واحدا على مر تاريخ الشعوب وحاضرها، وهو استمرارية النضال، بأشكاله المتعددة، لاستعادة الأمل المتمثل بوطن يتسع للجميع بلا استثناء.

كاتبة من العراق

 

 

الصراع على السلطة بين

العوائل الحاكمة في العراق

هيفاء زنكنة

 

كيف يمكن فهم ما يجري حاليا في العراق من عنف تجسد بالتخريب والاقتتال بالرصاص الحي أو بالطائرات المسيرة المفخخة، في أعقاب انتخابات تم تسويقها باعتبارها من أكثر الانتخابات التي عرفها العراق نزاهة وشفافية، منذ غزوه عام 2003، ورُحب بها، عالميا، كأعلى مراحل «العملية السياسية الديمقراطية» التي أسستها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، بمساهمة أحزاب وشخصيات عراقية، وباركتها عشرات الدول والمنظمات الحقوقية من أرجاء العالم؟ ماذا عن الأحزاب التي حشّدت للانتخابات كما لو كانت الحل السحري لكل المشاكل ثم عادت ورفضتها بكليتها، باحتجاجات وهجوم على القوات الأمنية، حالما دلت النتائج على عدم فوزها بها؟ هل هي العنجهية الناجمة عن الاستقواء بالخارج؟ أم أنه السياق الطبيعي لنمو بذرة هجينة، زُرعت في غير تربتها، بمساعدة هرمونات اصطناعية؟ وها هو الحصاد: محصول لا يتعرف عليه، لفرط تشوهه، حتى من زرعه، ولا علاقة للحقل الذي نُثرت فيه بذور الغزاة بالنمو العضوي المتعارف عليه للطبيعة.
لينأى بنفسه عن الفساد ومن يمثله، اختار أغلب العراقيين مقاطعة الانتخابات، باستثناء نسبة من المحتجين في انتفاضة تشرين الأول/اكتوبر، تاركين الساحة للمتقاتلين على المحاصصة الطائفية، والعرقية، والفساد المالي والإداري، بالإمكان تقسيمهم إلى نوعين. يضم النوع الأول أحزابا صار لديها باع طويل، يقارب العشرين عاما، في تمثيل أما السياسة الأمريكية أو الإيرانية بالنيابة، بالإضافة إلى تجذير مصالحها وطموحاتها الخاصة. من بين هذه الأحزاب: حزب الدعوة والحزب الإسلامي والحكمة والاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني. ويضم النوع الثاني الميليشيات المسلحة التي تمت شرعنتها كأحزاب، بعد أن تكاثرت بسرعة الفايروس، مع تزايد الولاء لهذه الجهة أو تلك ومع تنوع مصادر سلاحها، فأصبحت أكثر قوة وسيطرة على الشارع من الحكومة. وحازت على دعم الأحزاب (الأم) التي احتاجتها للقضاء على أي مقاومة للاحتلال، فضلا عن القضاء على الجيل الجديد من أبناء انتفاضة تشرين المطالبين بوطن.
من بين أبرز أحزاب الميليشيات: سائرون (وجه سرايا السلام وما يسمى بالتيار الصدري) و«الحشد الشعبي» المكون من 45 فصيلا، أبرزها حزب الله/ العراق، وعصائب أهل الحق. وكلها، بلا استثناء، مسؤولة عن جرائم وانتهاكات مذهبية وحملات تطهير، موثقة بالأرقام والتواريخ، في عديد التقارير الحقوقية المحلية والدولية، بضمنها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
وبينما يتظاهر المحتجون على خسارتهم الانتخابات ويهددون باقتحام «المنطقة الخضراء» ومع تصاعد العنف بينهم والقوات الأمنية، قام مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، الفائز بأقل مما توقعه من المقاعد (73 بدلا من 120 من مجموع 329) وإن أكثر من الكتل الأخرى، باتخاذ خطوة تتماشى مع سيرته المضحكة المبكية، المعتادة، في معالجة الأزمات. حيث «قَطعَ سماحته زيارته للعاصمة بغداد، استنكاراً لِما يحدث من عُنف غير مُبَـرَّر، ومن إضعاف الدولة المُتَعَمَّـد» كما جاء في بيان لمكتبه.

اختار أغلب العراقيين مقاطعة الانتخابات، باستثناء نسبة من المحتجين في انتفاضة تشرين الأول تاركين الساحة للمتقاتلين على المحاصصة الطائفية، والعرقية، والفساد المالي والإداري

لعل أفضل مقاربة لفهم الصراع الدائر، حاليا، بسِمَته التراجو كوميدية، بما في ذلك اللجوء إلى التصفيات الجسدية والابتزاز وتأجير الحماية، بين عوائل تنتمي الى المذهب ذاته، وتتبع أو تَدّعي إتباع المرجعية ذاتها، هي الموجودة في فيلم «العراب».
الفيلم الذي يُبين صراع عوائل المافيا واقتتالها الشرس وترويعها الآخرين، للاستحواذ على المال، مهما كان مصدره، والسلطة مهما كانت السبل، واستكشاف طبيعة القوة، والاختلاف بين ما يمكن تسميته بالسلطة المشروعة وغير المشروعة، بين سلطة الدولة والمؤسسات الشرعية وسلطة المافيا. ولا يخلو صراع عوائل المافيا، كما في أحزاب عراق اليوم، التي هي في حقيقتها عوائل تتصرف كأحزاب بقيم عشائرية، من مفهوم الشرف المتوارث ضمن أفراد عائلة واحدة، بموازاة التحالفات السرية والتكتلات مع بقية العوائل، وما قد تجلبه من صفقات تجارية وسياسية لهذه العائلة أو تلك.
ولنأخذ كمثال على المناورات واللقاءات الدائرة، الآن، في بغداد بين أحزاب النظام وميليشياته لتقاسم المراكز السياسية وما تدره من أموال، الاجتماع المشهور الذي تم عام 1948، بين رؤساء عوائل المافيا، في نيويورك، بعد مقتل ابن عراب المافيا فيتو كورليوني. عُقد الاجتماع للتوسط وإحلال السلام بين عائلتي كورليوني وتاتاغليا المتحاربتين. ترأس الاجتماع وسيط، سرعان ما أدرك فيتو أن العوائل الأخرى تحالفت معه سراً، لإجبار عائلة كورليوني على مشاركتهم الحماية السياسية، التي حصلت عليها العائلة بالاتفاق مع أعضاء في الكونغرس ورجال الأمن والشرطة.
وكان الخلاف الرئيسي بين العوائل حول تجارة المخدرات المزدهرة التي عارضها فيتو. وافق فيتو على مضض على مشاركة نفوذه السياسي لحماية تجارة المخدرات، لإنهاء حرب العائلات الخمس. وإذا كان كورليوني قد فشل في إضفاء الشرعية على المافيا فان ابنه الأصغر نجح، بعد استيراثه، في تحقيق ذلك من خلال تصفية معارضيه بطريقة وحشية. مما يأخذنا إلى نقطة تشابه مع خصومات ونزاع أحزاب العوائل التي يقودها، الآن، أبناء جيل المؤسسين الأوائل كعائلة الصدر والحكيم والخوئي وبدرجة أقل البارزاني وطالباني، بحماية سياسية وعسكرية من أمريكا وإيران.
وكأن اقتتال الانتخابات ليس كافيا، أضيفت إلى محنة الشعب العراقي جعجعة محاولة اغتيال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، التي جعلته، كما أُريد للانتخابات، محط أنظار العالم، بردود أفعال استنكارية تربع على رأسها البلدان اللذان يمارسان الإرهاب على أرض العراق. حيث سارعت إيران إلى تحميل «جهات أجنبية» المسؤولية، في الوقت ذاته، الذي ادانتها الولايات المتحدة كفعل إرهابي يستهدف الدولة العراقية، مما يثير تساؤلا عن أي دولة يتحدثون؟ ولم محاولة الاغتيال وقد انتهى الكاظمي من تنفيذ مهمته، ومن المفترض أن يكون قد أعد حقيبته ليلتحق بعائلته المقيمة خارج العراق، كما فعل عادل عبد المهدي، رئيس الوزراء الذي سبقه؟
والحل؟ أقتبس هنا جملة للمؤرخ الفلسطيني سلمان أبو ستة، مؤلف «أطلس فلسطين» التوثيقي لمدن وقرى فلسطينيّة، هدمها المحتل الصهيوني، في إجابة عن سؤال حول المستقبل، وتكاد تنطبق مقولته على العراق بحذافيرها، حيث يقول: «بدأت العمليّة تتم للقضاء علينا باستخدام أناس من الشعب الفلسطيني، يدّعون أنهم يمثِّلوننا وهذه هي الكارثة الكبرى.. ليس لنا غير الشباب الذين يستشهدون كل يوم، ويُقتلون بدم بارد… إن الوقت قد حان لتنظيف البيت الفلسطيني بمكنسة ديمقراطية؛ لإزالة كل الفساد، فشعبنا يستحق الأفضل بكثير مما هو عليه الآن».

كاتبة من العراق

 

 

العراق والتطبيع

في مجلس العموم البريطاني

هيفاء زنكنة

 

في الوقت ذاته الذي يعيش فيه سكان مدينة المقدادية، في محافظة ديالى، شرق العراق، حملة قتل وتهجير وتطهير عرقي، من قبل ميليشيات حكومية أو داعش (وجهان لعملة واحدة) وبمرأى القوات الأمنية والحكومة، أبدى مجلس العموم البريطاني، اهتماما كبيرا، بالعراق، ولكن بطريقة انتقائية، تجاهل فيها النواب الإشارة إلى يوميات القتل. حيث تم تناول الوضع السياسي والاقتصادي والأمني، بالإضافة إلى سياسة العراق الخارجية، بنعومة تتماشى مع مصلحة الحكومة البريطانية في دعم النظام القائم الراعي لمصالحها بينما تقترح حلولا للصعوبات والعراقيل بأسلوب سياسي مُغّر يتميز بنُبل مسعاها ووحشية المتقاتلين فيما بينهم من أهل البلد.
قام عدد من أعضاء البرلمان، من حزب العمال المعارض، بمساءلة الحكومة، ممثلة بوزارة الخارجية ووزارة الدفاع، أولا: عن التقييم الذي أجرته بشأن الآثار المترتبة على سياساتها للانتخابات البرلمانية الأخيرة، وثانيا: العلاقات بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية. كما طُرحت أسئلة حول « النصائح» التي قدمتها الحكومة لنظرائها في حكومة الإقليم والحكومة الفيدرالية، بشأن معالجة الفساد وتعزيز حقوق الإنسان والسماح بحرية التعبير.
بالنسبة إلى سيرورة الانتخابات، كانت بريطانيا من أوائل الدول التي أثنت على «الانتخابات السلسة» وكيف أنها، من الناحية الفنية و«انعدام أي حوادث أمنية كبيرة» تُشكل تحسناً واضحاً مقارنة بالانتخابات السابقة. وتفادى وزير الدولة للشؤون الخارجية في جوابه أي ذكر لعدم إعلان النتائج النهائية، حتى الآن، ومظاهرات الخاسرين من أبناء النظام، وإعادة توزيع المقاعد وفقا لقوة سلاح الميليشيات. كما لم يتطرق إلى المقاطعة الكبيرة التي وسمت الانتخابات على الرغم من حملة الترغيب والترهيب الكبيرة التي صاحبتها، وبذخ الميزانية «التشجيعية».
وجاءت الأجوبة بصدد معالجة الفساد وحرية التعبير مماثلة للموقف من الانتخابات من ناحية « نُبل» الموقف البريطاني. «سأستمر في إثارة أهمية معالجة الفساد وتعزيز حقوق الإنسان، والسماح بحرية التعبير، خلال ارتباطاتي مع القادة السياسيين العراقيين» حسب وزير الدولة المُصّر على تنفيذ مهمة بريطانيا «الإنسانية النبيلة» وحمل عبء نشر الديمقراطية مع السفير البريطاني ببغداد والقنصل العام في أربيل، اللذين « يناقشان بانتظام هذه القضايا مع محاوريهما في كلا الحكومتين».
ينص الخطاب العام للسياسة البريطانية، المتمثل بكل الأجوبة، على تكرار الصيغة الاستعمارية، الجاهزة، التي تمنحها بالدرجة الأولى صك البراءة من مسؤولية غزو البلد وتخريبه، مع الإبقاء على هيكلية النظام الضامن لمصالح بريطانيا الاقتصادية.
«سنواصل العمل بشكل وثيق مع الأمم المتحدة والشركاء الدوليين لتشجيع حكومة جديدة في العراق وحكومة إقليم كردستان على حل مشاكلهما، بما في ذلك الميزانية المستدامة والحدود الداخلية المتنازع عليها».
ولأن السياسة البريطانية مختلفة عن الأمريكية بكونها أقل عنجهية وأكثر ميلاً لأن تُغّلف السُم بالعسل، وأنها كما يُصرح مسؤولوها أدرى بـ«الثقافة العربية» وكيفية التعامل مع الحكام العرب، تم، أخيرا، طرح السؤال الأهم في مجرى الاهتمام بالعراق. « ما هي الخطوات التي تتخذها وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية لتشجيع التطبيع الدبلوماسي بين إسرائيل والعراق؟» طرحت السؤال نائبة تمثل حزب العمال، الذي بات أقرب الى المنظمات الصهيونية والمحتل العنصري الاستيطاني، منذ إبعاد رئيسه السابق جيريمي كوربن المعروف بمناصرته الشعب الفلسطيني ونضاله من أجل التحرير.

ينص الخطاب العام للسياسة البريطانية، المتمثل بكل الأجوبة، على تكرار الصيغة الاستعمارية، الجاهزة، التي تمنحها بالدرجة الأولى صك البراءة من مسؤولية غزو البلد وتخريبه

أجابها الوزير موضحا ترحيب المملكة المتحدة «بحرارة» باتفاقيات التطبيع بين إسرائيل والبحرين والإمارات العربية المتحدة والمغرب والسودان. لأنها «خطوات تاريخية تشهد تطبيع العلاقات بين أصدقاء المملكة المتحدة». مؤكدا بأن المملكة المتحدة « ستواصل تشجيع المزيد من الحوار بين إسرائيل والدول الأخرى في المنطقة». وهو الجواب الأكثر وضوحا ومطابقة للحقيقة والواقع تجاه العراق. وهي المرة الأولى التي يتم فيها طرح سؤال مباشر وصريح، في البرلمان، عن موقف بريطانيا من العراق الذي يواجه ضغوطا أمريكية – بريطانية كبيرة للتطبيع مع الكيان الصهيوني، منذ غزوه واحتلاله عام 2003.
وقد جرت محاولات سابقة لسبر الروح العراقية الشعبية تجاه التطبيع، وخطوات عملية من بينها قيام ثلاثة وفود عراقية مكونة من 15 شخصية سياسية ودينية، بزيارة الكيان الصهيوني، عام 2019، والتقت بمسؤولين حكوميين وأكاديميين يهود. والمعروف أن علاقة حكومة إقليم كردستان بالكيان الصهيوني حميمة على عدة مستويات. وقدمت الحكومة الأمريكية لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، اثناء زيارته واشنطن، منتصف العام الحالي، حزمة إغراءات تضم معالجة المشاكل الاقتصادية المثيرة للنقمة الاجتماعية، إذ تفاقم الفقر عام 2020 مقارنة بعام 2019، بحيث يعيش ثلث سكان العراق الآن تحت خط الفقر، حسب الأمم المتحدة، وفتح أبواب الاستثمار، وتعويض أي انخفاض بأسعار النفط، وتخفيض أعداد القوات الأمريكية الى حد الغاء وجودها، كل ذلك مقابل الاعتراف بإسرائيل والمساهمة بعزل إيران.
وتساهم بريطانيا، في حملة الضغط من خلال تقديمها التطبيع، باعتباره دواء لعلاج المشاكل السياسية والاقتصادية وما تصفه بـ «السخط الشعبي».
إلا ان المحاولات الأمريكية – البريطانية، باءت بالفشل الذريع حين عُقد في مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، يوم الجمعة 24 أيلول / سبتمبر، مؤتمر بعنوان «السلام والاسترداد» نظمه مركز يدعى «اتصالات السلام الأمريكي» بحضور عدد من عراقيين تم وصفهم بأنهم « شيوخ عشائر وكتاب ومثقفون». تزامن عقد المؤتمر الداعي إلى اعتراف العراق بكيان الاستيطان الصهيوني مع الذكرى السنوية الأولى لـ ( إتفاقات إبراهيم) التي تواصل الإدارة الأمريكية دعمها على حساب إبادة الشعب الفلسطيني. كانت ردة الفعل الشعبية العراقية الغاضبة على عقد المؤتمر كبيرة إلى حد أنكرت فيه قيادة الأقليم علمها بها وسارعت كل الأحزاب والجهات الرسمية إلى إدانته وإعلان تمسكها التاريخي بالقضية الفلسطينية.
تبين أسئلة المعارضة والأجوبة الرسمية، في البرلمان البريطاني عن العراق، حول الوضع الاقتصادي المنخور بالفساد والأمني المتهالك، الناتج بالدرجة الأولى، جراء غزو واحتلال العراق الذي شاركت بريطانيا بقيادته، استمرارية العقلية الاستعمارية المستهينة، والمحتقرة، لشعوب يختار بعض أفرادها أما خدمته أو مشاركته النظرة حول إتهام بقية السكان بالجهل والتخلف وعدم القدرة على إدارة شؤونهم، تبريرا لاستغلالهم وسرقة ثروات البلد. وهو ما كذبّته إنتفاضة تشرين في 2019 ومقاطعة الانتخابات، والرفض القاطع لضم العراق الى قائمة موقعي « إتفاقات إبراهيم».

كاتبة من العراق

 

 

لماذا تنتخب الشعوب

قادة غير مؤهلين؟

هيفاء زنكنة

 

 ما الذي يجعل الشعوب، سواء كانت عريقة الديمقراطية كبريطانيا وأمريكا أو مستحدثة الديمقراطية كالعراق، تختار لقيادتها، في العقد الأخير، خاصة، حكاما يتميزون بأنهم غير مؤهلين أما سياسيا أو أخلاقيا أو عقليا، أو كلها معا؟ هل هناك حاجة لقراءة التاريخ البعيد لمعرفة أسباب فوزهم في عملية باتت تُقدم باعتبارها الخيار الوحيد للشعوب لتفادي الدكتاتورية؟ وهل صحيح أن المصوتين يتماهون، بدرجة أو أخرى، مع شخصيات من يختارونهم من الفائزين؟
لندع « الفائزين» في بلداننا جانبا. فمفهوم «الديمقراطية» كما بات معروفا لشعوبنا، يتخذ أشكالا متعددة، ومواصفات تختلف من بلد الى آخر، عند التطبيق، وان قيل غير ذلك. ثم أن لدينا من النماذج الحاكمة في البلدان راعية الديمقراطية ما يكفي. ولعل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب هو المثال الأبرز، الذي وفر لآخرين، في جميع أنحاء العالم، نموذجا يُحتذى به لتخفيض مستوى المطلوب من القيادة.
لقد كُتبت عن شخصية ترامب وفوزه وأسلوب أو لا أسلوب حكمه، كرئيس لأقوى دولة في العالم، ملايين المقالات، بالإمكان اختزالها، إذا أردنا استعادة ملامح شخصيته للمقارنة مع آخرين، بالقول بأنه لم يكن مؤهلا سياسيا أو اقتصاديا. كان يتحرش بالنساء، يسخر من المعاقين، يحتقر السود والأقليات واللاجئين. شعبوي يغازل رغبات الحشود. يشجع العنصرية كغذاء روحي للمتعصبين البيض. وحين تقتضي الضرورة، لاستقطاب المتطرفين دينيا، يتفاخر بقوله «لا أحد يقرأ الكتاب المقدس أكثر مني».
تم وصفه بأنه خطر على العالم، جراء استجاباته السريعة المبنية على غروره وعنجهيته، وسرعته في إتخاذ القرارات بلا تفكير جدي، وانه خطر على أمريكا بسبب سرعته في توبيخ الناس، وإهانتهم والانتقام من منتقديه، بضمنهم مستشاريه. بعض ملامح هذه الصورة كانت معروفة قبل إنتخابه والبعض الآخر كان بالإمكان الاطلاع عليه عند مراجعة محطات حياته الشخصية والعامة، خاصة وانه كان معروفا بصيته السيئ في الأوساط المالية والإعلامية. فلم انتخبه الناس؟
والسؤال ذاته يستحق أن يُطرح لفهم « فوز» تيار سياسي بـ« قيادة» شخص مثل (سماحة حجة الإسلام والمسلمين القائد السيد أعزه الله) مقتدى الصدر في انتخابات العراق، على الرغم من تاريخه الشخصي والسياسي المتخبط بين القرارات الارتجالية، والقفزات السريعة، من موقف الى آخر، المتناقض بين الخطاب الموعظي ـ التحشيدي ـ الشعبوي بعنوان الاستشهاد والمقاومة والانكفاء التوحدي. والمراوحة بين الغضب على أحد أتباعه وإنزال العقاب به أو تسريح الميليشيا التي يقودها باسم والده، أو إعادة تشكيلها تحت اسم جديد. ويمتد انكفاؤه، أحيانا، شهورا طويلة، في مدينة قم الإيرانية، بذريعة محاولة إكمال الدراسة الفقهية التي تؤهله، كما ذكر في آخر بيان له، لإصدار الفتاوى الدينية، أو كتابة الشعر، بالإضافة إلى إرساله تغريدات تضاهي تغريدات ترامب في نزقها وتدني المستوى العقلي لمرسلها.

إن بروز هذه النماذج، بعيوبها وهذيانها، وأضرارها الآنية وبعيدة المدى، سيستمر إلى أن تتخلص الشعوب من حقبة الأكاذيب المُغلّفة بالزيف الدعائي، لتعيش آمالها في الحرية والعدالة والكرامة

هناك، طبعا، أسباب عديدة ومتشابكة الى حد التعقيد لظاهرة انتخاب « قادة» غير مؤهلين. يأخذنا بعضها إلى دوافع المشاركة في الانتخابات أساسا لتحقيق فوز مرشح معين. من بينها الانتماء الحزبي أو الديني أو العائلي. وقد يكون الاعتقاد بأن التصويت هو الطريق الأسلم للتغيير، أو الدعم المالي والوظيفي الذي يوفره حزب لأتباعه، أو نتيجة الانصياع لضغوط إعلامية مكثفة تهدف الى «صناعة» موقف. كما يرى علماء الاجتماع والنفس أن فعل التصويت هو تعبير عن الانتماء إلى مجموعة أو التعبير «عمن أكون» فضلا عن الأحاسيس المثالية بأن من يُصوت هو مواطن صالح. مقابل ذلك، توصل عدد من علماء النفس، الى أن العقلانيين الذين يهتمون بأنفسهم، لا يعيرون الانتخابات أية أهمية ويرونها مضيعة للوقت.
جوابا عن سؤال عدم الأهلية، وصعود اشخاص لا يستحقون موقع القيادة، يذكرنا من لم يصوت لهم، بأنه لم يتم انتخاب الشخص غير المؤهل من قبل كل الشعب، وأن أقلية متنفذة تملك المال والاعلام والسلاح استحوذت على الأصوات. وأن الناخبين يفضلون، عمومًا، السياسات ذات الحلول الآنية السريعة التي تساعدهم على حل مشاكلهم المعيشية وتعزز رفاهيتهم على حساب الحلول الاستراتيجية. بينما يذكرنا آخرون بأن للديمقراطية، أمراضها ومساوئها حتى في « أمهات الديمقراطية». ثم قد يكون الشخص غير المؤهل هو الأقل ضررا في حالة الفراغ الأخلاقي، وكما أشار أحد المعلقين أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية التي خاضها ترامب مقابل هيلاري كلينتون عام 2016 «لا يوجد مرشح رئاسي جيد أخلاقيا في هذه الانتخابات» وأن ترامب «مرشح جيد وإن كانت لديه عيوب». في تلك الحالة، حُسمت الانتخابات، من وجهة نظرهم، باختيار السيئ من الأسوأ أو أهون الشرين. ولا تخلو عملية الاختيار الديمقراطي من الانتقام العام. حيث يلجأ المواطن للتصويت ضد مرشح حزبه الذي طالما ناصره حين يُصاب بخيبة أمل في سياسة الحزب تجاه مسألة أو قضية يعتبرها مبدئية. أو تلجأ الجماهير للتصويت لصالح شخص لا ينتمي لأي حزب كان وغير معروف نسبيا انتقاما من الأحزاب المنشغلة بالفساد والمصالح الشخصية، وهو ما حدث في تونس، حين أُنتخب قيس سعيد رئيسا للجمهورية وبأعلى نسبة من الأصوات.
وإذا كانت الديمقراطية قد وضعت حدا لديمومة حكم الرئيس، مهما كانت أهليته، فإنها أسقطت، في الوقت نفسه، وهم الرئيس – القائد بما يحمله من مواصفات تاريخية وبطولية تغذي مخيلة الجماهير على مدى عقود. وظهر رعيل جديد من الرؤساء، بمواصفات مغايرة لما كان مألوفا. فرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون المتقلب المواقف، الذي يتفوه بما يخطر بباله بلا تفكير، مهما كانت العواقب، لا يجد غضاضة في التراجع عما تلفظ به ضاحكا، مازحا. مرسخا صورته، وبالتالي دوره، كشخص يعيش اللحظة، بروح شبابية مرحة، وتسريحة شعر متطايرة، بعيدا عن كوابيس التاريخ الثقيلة التي طالما غلّفت حزبه، وبعيدا، بالتأكيد عن شخصية منافسه في الانتخابات جيريمي كوربن، رئيس حزب العمال، المبدئي الجاد. كان فوز جونسون نجاحا كبيرا للاستنساخ الأول لترامب.
ولن تتوقف عملية الاستنساخ عند هذه النماذج بل تشير نتائج الانتخابات في عديد البلدان، العراق مثالا، إن بروز هذه النماذج، بعيوبها وهذيانها، وأضرارها الآنية وبعيدة المدى، سيستمر إلى أن تتخلص الشعوب من حقبة الأكاذيب المُغلّفة بالزيف الدعائي، لتعيش آمالها في الحرية والعدالة والكرامة التي طالما ناضلت من أجلها.

كاتبة من العراق

 

 

ما وراء نزاهة وشفافية

الانتخابات العراقية؟

هيفاء زنكنة

 

كان هناك سخاء مذهل في الثناء على مجريات انتخابات العاشر من تشرين الاول/ أكتوبر، في العراق. إختلطت العبارات والشعارات السياسية بالدينية وحتى التخويفية. لجأ المرشحون وقادة الأحزاب والميليشيات ومبعوثو الأمم المتحدة وسفراء دول إلى استخدامها كسلاح للتأثير والأقناع الجماعي بضرورة المشاركة في الانتخابات. إنها انتخابات «مفصليةٌ مصيريةٌ وتأسيسية» و«واحدةٌ من أهم العمليات الانتخابية في تاريخ العراق الحديث» قال برهم صالح رئيس الجمهورية. « بها يتفادى خطر الوقوع في مهاوي الفوضى والانسداد السياسي» قالت المرجعية الدينية. إنه « طريق نأمل أن يؤدي إلى عراق أكثر ازدهارًا وأمناً وعدالة» قالت جينين هينيس- بلاسخارت مسؤولة بعثة الامم المتحدة بالعراق.
استمر المديح والثناء في يوم التصويت نفسه، وحتى الساعات القليلة التي تلته. تزكية، أسرعت منظمات دولية ودول وجامعة الدول العربية، بإرسال برقيات التهاني والتبريكات الى الحكومة والشعب. هنأت السفارة الإيرانية ووزارة الخارجية الروسية الحكومة والشعب بالنجاح، وأشادت بريطانيا «بالتسيير السلس» للانتخابات. إتفقت الرواية الرسمية في داخل العراق وخارجه أن عملية الاقتراع، سارت «بشكل انسيابي» وهي « مختلفة عما جرى عام 2018 «. ولم تبق صيغة تفضيل لم تستخدم لوصف الانتخابات «النزيهة الشفافة» أو « الكرنفال» الذي دعت اليه المرجعية الدينية العليا، كما صرح المتحدّث العسكري باسم كتائب حزب الله العراق، وردد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي «لقد أتممنا واجبنا بإجراء انتخابات نزيهة وشفافة».
هذه اللغة الناعمة الرقيقة عن النزاهة، والشفافية، والمصداقية، وصوتك هو مستقبلك، سرعان ما بدأت بالتبخر، تدريجيا، بعد إغلاق صناديق الاقتراع، وإعلان مفوضية الانتخابات أنها ستعلن النتائج بعد ساعات. تبخرت آخر قطرة من التلاعب بلغة التحشيد السياسي. حل محلها خطاب سياسي يجمع ما بين الترهيب من العواقب والتشكيك بسيرورة الانتخابات التي تمت بحضور أكبر بعثة انتخابية للأمم المتحدة في جميع أنحاء العالم، وبعد إجراء أربع عمليات محاكاة انتخابية، وصرف مبالغ خيالية، وبعد توقيع كل الأحزاب المشاركة على «مدّونة قواعد السلــوك الانتخابي» التي تعهدت بموجبها « بنبذ التعصب والعنف وخطاب الكراهية». كل هذا تهاوى لغة وتنظيما وسلوكا، إنزاح السراب سريعا وباسرع مما توقع المراقبون «الأمميون» حال بدء المفوضية بإعلان النتائج «الأولية «، الدالة أولا: على أقل نسبة مشاركة منذ تأسيس « ديمقراطية العملية السياسية» إثر الغزو الأنكلو أمريكي للعراق عام 2003. مما يعني أن التكرار الآلي لنفس المفردات والعبارات، وإن تمت صياغتها بعناية، أصبح أقل فاعلية خاصة مع تنامي الوعي العام وعدم الثقة بالخطاب السياسي.

تشير قراءة مجريات الانتخابات وإعلان نتائجها وردود الأفعال عليها، على الرغم من تدني نسبة المشاركة فيها، إلى نجاحها الكبير كمسرحية مأساوية ـ كوميدية بعدة فصول

والدالة ثانيا: على فوز التيار الصدري على منافسيه من الأحزاب الإسلاموية المنتمية إلى ذات المذهب، ومن أهل ذات البيت. إذ دل التخطيط الأولي لمرحلة ما بعد إعلان النتائج أن التيار الصدري، برئاسة مقتدى الصدر، حل بالمركز الأول وتلاه ائتلاف دولة القانون برئاسة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي.
وبينما بقيت المفوضية مصممة، لفظيا، على أن الانتخابات «كانت مفخرة لنا، وسُررنا بالمؤسسات الداعمة التي أمّنتها» بات تاجيلها لإعلان النتائج النهائية واعادة الفرز جراء الطعونات المتزايدة، محط سخرية شعبية عامة، أثارت الشك بعملها وأزالت البقية الباقية من وهم مصداقية الانتخابات. حيث صارت مقاعد البرلمانيين تزداد لهذا الحزب وتنقص لذلك، كما لو كانت في مزاد علني للمقاعد. فما أن يقف ممثل حزب خاسر مهددا متوعدا بنشر «صور وفيديوهات» التزييف حتى يتم، خلال ساعات، إعلان فوزه بمقاعد إضافية. وفي خضم الشكوك والتهديدات والضغوط والابتزاز، وبكائية الخسارة، طفت على السطح مفردات وعبارات جديدة أبعد ما تكون عن عبارات المديح الأولية التي كانت تُرش على رؤوس المواطنين كما حلوى الأعراس. تراوحت المفردات والعبارات لتقييم النتائج بين «اللامنطقية» و« الحيف» و «التزوير». أما عمل المفوضية فهو «تلاعب» و«احتيال». وأعتبر المتحدث باسم كتائب حزب الله، أن «ما حصل في الانتخابات يمثل أكبر عملية احتيال والتفاف على الشعب العراقي في التاريخ الحديث». وصرح المتحدث بأسم تحالف فتح، بعد يومين من الانتخابات : « النتائج لن تبقى» و«أعلنا بشكل واضح اننا لن نقبل النتائج لأنه لدينا أدلة وأشرطة حول خلل في جميع المحطات» وقال مذكرا بضرورة ضمان حصته من المقاعد « نحن أمة الحشد الذي ضحى بحياته ودافع عن الديمقراطية». وكان لأقليم كردستان دوره في إغناء لغة التراشق بإتهامات التزوير. حيث صرح متحدث باسم الاتحاد الوطني الكردستاني بأن «أيادي خارجية تدخلت للتلاعب في النتائج». وأتسعت، في اليومين الأخيرين، أرضية التهديد بما لا تحمد عقباه، مستقبلا، إذا لم يحصل التوافق على المقاعد والمراكز بين الأحزاب المشاركة بالانتخابات، وهي نفسها المهيمنة على الوضع السياسي ومحاصصة الطائفية والفساد منذ غزو البلد. فحذّر مقتدى الصدر من «استفحال الإرهاب» وأن عدم القبول بالنتائج « يهدد السلم الأهلي».
تشير قراءة مجريات الانتخابات وإعلان نتائجها وردود الأفعال عليها، على الرغم من تدني نسبة المشاركة فيها، إلى نجاحها الكبير كمسرحية مأساوية – كوميدية بعدة فصول، باخراج دولي مشترك وتمثيل محلي. مسرحية تم التهيؤ لها إعدادا وتنسيقا ومحاكاة على مدى عام تقريبا، مع توفير التغطية الإعلامية المكثفة لكل خطوة. ويكمن نجاحها الحقيقي في أنها أعادت تدوير ذات الاحزاب بساستها ومليشياتها وفسادها. فمقتدى الصدر القائل في خطابه، منذ يومين «لا مكان للفساد والفاسدين بعد اليوم» تعامى عن حقيقة ان تياره كان في نفس البرلمان الذي يتهمه بالفساد الآن، كما أن تياره، كما البقية، كان فاعلا في ارتكاب المجازر الطائفية، بل وأمتاز بابداعاته الخارقة في التمثيل بالجثث واستخدام المثقاب في التعذيب. وهذه حقيقة لا يتطرق اليها فريق إعداد المسرحية و أجهزة الإعلام، كما لا تُذكر أوضاعه النفسية والعقلية المضطربة، فالكل منشغل بتقديمه كشخصية «غير موالية لإيران» مقابل « الموالين لإيران» والتخويف من إقتتال وسفك دماء بين أحزاب «البيت الشيعي». وهو ما لن يحدث. فقد حققت مسرحية الانتخابات المرجو منها، وهو تمديد عمر النظام الحالي، بأحزابه، على حساب دماء شهداء البلد، على مدى 18 عاما الأخيرة، ومن بينهم محتجو إنتفاضة تشرين، لقاء دية، وقدرها عشرة مقاعد من بين 329 مقعدا.

كاتبة من العراق

 

 

المحكمة العليا الأمريكية…

بعيدا عن الانتخابات العراقية

هيفاء زنكنة

 

بعيدا عن الانتخابات العراقية، المماثلة في ترتيبها ونتائجها، من يستأجر قاعة للاحتفال بعيد ميلاده، ويُزّينها، ويرتدي أجمل ما لديه إنتظارا للمدعوين فلا يحضر أحد، بعيدا عنها، ثمة حدث تم ركنه في زاوية لا تصل إليها أضواء أجهزة الإعلام الساطعة. ربما لأنه لا يتماشى مع السردية الشائعة عن الأحداث التي عاشها العالم في العقدين الأخيرين، جراء الاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق. حيث نظرت المحكمة العليا الأمريكية، الأسبوع الماضي، وللمرة الأولى، في قضية مواقع الاعتقال السرية التابعة لوكالة المخابرات المركزية وكان أول شخص تم احتجازه فيها، هو زين العابدين محمد حسين المعروف بإسم أبو زبيدة. هذه الخطوة قد تساعد، إذا نجحت القضية، في منح الأمل للعراقيين الذين عاشوا الاعتقال والتعذيب في سجون الاحتلال وحكامه بالنيابة. فهل هي الخطوة الاولى في مراجعة تلك الأحداث من منظور يقترب من تحقيق العدالة الأنسانية، قانونيا؟
تنبع أهمية إنعقاد المحكمة من كونها إشارة ضوء، قد تستمر مستقبليا، لمعالجة قضايا إنتهاك حقوق الإنسان، بشكل قانوني، مهما كانت قوة الحكومات التي تمارسها، كسياسة خارجية أو داخلية، بحجة « الحفاظ على أمن الدولة». كما يؤكد إنعقاد المحكمة، وهو الأهم، بالنسبة إلى الأشخاص والشعوب التي تعاني من الانتهاكات، إن محاسبة الانتهاكات والجرائم لا تسقط بالتقادم. فقد مر على قضية أبو زبيدة، مثلا، حوالي العشرين عاما ، متزامنة مع مرور 20 عاما على أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، ومرور 20 عامًا على الغزو الأمريكي لأفغانستان، و 19 عامًا على إنشاء سجن خليج غوانتانامو، و 18 عامًا على غزو العراق، وبعد مرور 15 عامًا منذ أن تم الكشف عن قيام وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بإستخدام مواقع اعتقال سرية في أوروبا. دعم رفع الدعوى وتزويد المحامين بالوثائق مكتب الصحافة الأستقصائية، بلندن، بالتعاون مع «مشروع التسليم الاستثنائي». وفحوى القضية هي تفنيد إدعاء حكومة الولايات المتحدة بأن مواقع السجون، التي تعرض فيها عشرات الأشخاص للتعذيب في سنوات الحرب على الإرهاب، غير معروفة لديها ولا علاقة لها بها. وهو إدعاء مماثل لنفي قيادة الاحتلال الأمريكي للعراق قيامها بتعذيب المعتقلين العراقيين في « أبو غريب» وإصرارها على الرغم من معرفة الكل بذلك، بإنها أفعال «بضع تفاحات فاسدة» كذلك إدعاء الجيش الأمريكي الذي وصفته الأمم المتحدة رسمياً بالجهة المحتلة، أنه لا يعرف عدد الضحايا في بلد تحت أمرته لأنه «لا يقوم بتعدادهم».
أول الدلائل المفندة لادعاء الحكومة الأمريكية بعدم معرفتها بالسجون والتعذيب، كما يشير ملف محامي الدفاع، المكون من 53 صفحة من الوثائق، هو تصريح الرئيس جورج بوش، في 6 سبتمبر 2006: « بالإضافة إلى الإرهابيين المحتجزين في غوانتانامو، هناك عدد من قادة الإرهابيين، المشتبه بهم، تم احتجازهم واستجوابهم خارج الولايات المتحدة، في برنامج منفصل تديره وكالة الاستخبارات المركزية».

تحتل ذريعة المحافظة على الأمن، أولوية تكاد تكون مقدسة، لدى الدول الامبريالية، والحكومات القمعية، لتعمي الشعوب عن المطالبة بحقوقها

كان هذا أول اعتراف رسمي بأن وكالة المخابرات المركزية قامت بتشغيل برنامج يتم من خلاله احتجاز « الإرهابيين» المشتبه بهم الذين تم القبض عليهم في الخارج، بمعزل عن العالم الخارجي، في مواقع سرية، خارج الولايات المتحدة، تسمى «مواقع سوداء». في البداية، اقتصرت المواقع على بلدان محددة أهمها بولندا ورومانيا وليتوانيا وأفغانستان والمغرب.
ومع تزايد الوعي العام بوجودها، وقيام صحافيين مستقلين بنشر مقالات تكشف عن الطائرات المرتبطة بالبرنامج، وربطها بسجلات معتقلين أو مختطفين، كرس د. كروفتون بلاك، من منظمة « ريبريف» (الاعفاء)، وهي منظمة غير حكومية، جهده بالتعاون مع أستاذين آخرين لجمع وتحليل كل المعلومات المتاحة عن البرنامج. نُشرت قاعدة البيانات والمواقع، لأول مرة، في 2013، ثم واصل الثلاثة التعاون لتطوير تحليلهم للسجل العام ونشروا ملخصا تنفيذيا عام 2014. ليتم نشر النتائج التي توصلوا إليها، عام 2019، في دراسة مشتركة مكونة من 400 صفحة. من بين الوثائق التي قدمها الدفاع في قضية أبو زبيدة : وثائق حكومية أمريكية رُفعت عنها السرية، وسجلات رحلات نقل السجناء إلى وخارج المواقع السوداء، وسجلات هبوط الطائرات. حيث يُظهر السجل العام تاريخ وصول أبو زبيدة، مثلا، إلى الموقع الأسود البولندي ثم نقله الى خارج بولندا، والمواقع التي احتُجز فيها لاحقًا وهي غوانتانامو، المغرب، ليتوانيا وأفغانستان. كما يُظهر تقرير لمجلس الشيوخ الأمريكي أن استجوابات زبيدة تضمنت 83 حالة من الإيهام بالغرق، والحرمان من النوم وحبسه لمدة 11 يومًا في صندوق يشبه النعش. وأثناء احتجازه، فقد أبو زبيدة عينه اليسرى.
وأدى توفر المعلومات عن سلسلة التعاقدات الخاصة بالطائرات المشاركة في نقل المتهمين إلى رفع عدة دعاوي قضائية ضد مدير وكالة المخابرات المركزية جورج تينيت، وأصدر المدعي العام الإيطالي مذكرات توقيف بحق 22 عضوًا من فريق الترحيل السري التابع لوكالة المخابرات، وتكرر الشيء ذاته في إسبانيا. ونشرت صحيفة « الواشنطن بوست» في نوفمبر / تشرين الثاني عام 2005، تحقيقا عن الدول المتعاونة مع المخابرات الأمريكية، مقابل ملايين الدولارات. وبيّن تقرير لمنظمة « المجتمع المفتوح « المشاركة العالمية المذهلة في البرنامج حيث وصل عدد الحكومات المشاركة إلى 54، من بينها حكومات عربية، شاركت بطرق مختلفة. وكان للمثابرة على التوثيق وعدم اليأس نجاحه في ثلاث دعاوى قضائية في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
على الرغم من ذلك، تدّعي الحكومة الأمريكية بأن الدعوى الحالية، لاتستند الى حقائق بل مجرد تكهنات، وتصريحات غير رسمية من قبل مسؤولين سابقين وأجانب. والمفارقة أنها تقدمت بطلب الى المحكمة ينص على أن « أضرارا جسيمة ستلحق بالأمن القومي إذا تأكدت التكهنات العامة حول مكان وجود المواقع السوداء لوكالة المخابرات المركزية»!
تحتل ذريعة المحافظة على الأمن، أولوية تكاد تكون مقدسة، لدى الدول الامبريالية، والحكومات القمعية، لتعمي الشعوب عن المطالبة بحقوقها. وهي الأداة التي بررت بها الولايات المتحدة إحتلالها أفغانستان والعراق تحت مسمى» الحرب على الارهاب». فكانت النتيجة إزدهار صناعة الإرهاب في ظل حكومات تُخّرب وتنهب بالنيابة. لذلك قد لا تنجح الدعوى في تحقيق العدالة للمدعي إلا انه سيكون للحكم تداعيات كبيرة لتحديد حدود حق الحكومة الأمريكية في السرية. وهو ما يجب التمسك به، كأحد مستويات النضال، لتحقيق العدالة قانونيا.

كاتبة من العراق

 

 

هل نشارك في

الانتخابات العراقية أو نقاطعها؟

 

هيفاء زنكنة

Description: https://www.alquds.co.uk/wp-content/themes/alquds/img/plus-gray.svg

في تغريدة باللغة الانكليزية خاطب مصطفى الكاظمي، رئيس وزراء حكومة بغداد، الشعب العراقي بمناسبة إجراء الانتخابات المبكرة، في العاشر من أكتوبر، قائلا : « أحثكم على الحصول على بطاقات تسجيل الناخبين الخاصة بكم… أولئك الذين يريدون الإصلاح والتغيير يجب أن يهدفوا إلى إقبال كبير على التصويت». وهي رسالة، تبدو بفحواها المرتب، وكأنها موجهة الى شعب يعيش رفاهية التمتع بوجود حكومة أنتخبت ديمقراطيا وعلى وشك تسليم السلطة لمن سيتم انتخابه ديمقراطيا فعلا. أي إنها موجهة أما لمن لا يعرف واقع الحال المُعاش سياسيا وإقتصاديا في العراق أو لمن يتظاهر بأنه لايعرف ومن مصلحته إستمرار الحال على ما هو عليه.
هناك مستويان للنظر إلى مجرى الانتخابات الموسومة بالمبكرة، لأن قرار إجرائها أُتخذ بعد إنتفاضة تشرين/ أكتوبر 2019 التي أسقطت حكومة عادل عبد المهدي بتكلفة عالية من حياة مئات المتظاهرين وآلاف الجرحى والمُقعدين. المستوى الأول هو ما يُقدم كصورة إعلامية مزوقة عن الإعداد لانتخابات توحي، للعالم الخارجي، بأنها لا تختلف عن عديد البلدان في أرجاء العالم الديمقراطي. هناك اسطوانة يومية، مثلا، عن مفوضية عليا « مستقلّة» للانتخابات، وإحصائيات وقانون انتخابات ومراقبة دولية لضمان النزاهة. إلا أن تفكيك هذه الصورة، وهو المستوى الثاني للنظر، يبين ما هو مخفي ورائها من تزوير وتزييف للواقع المٌعاش، المؤثر على سيرورة الانتخابات وإنقسام مواقف أحزاب وميليشيات ومرجعيات دينية أرتبطت بالاحتلال وحركات ومنظمات وُلدت من رحم إنتفاضة تشرين.
قبل أشهر، أعلنت مفوضية الانتخابات أن عدد الذين يحق لهم التصويت في الانتخابات البرلمانية، يبلغ ما يقارب 25 مليون شخص. إلا أنها عادت، بعد طفو ملامح التزوير إلى السطح، إلى حصر عدد من يحق لهم التصويت بمن يمتلكون البطاقة البايومترية، مع زيادة عدد المراقبين الخارجيين. ومع اقتراب موعد الانتخابات وزيادة عدد الخروقات في الإعلانات والترويج، وإطلاق المرشحين (ومعظمهم من ممثلي الأحزاب الفاسدة الموجودين في البرلمان حاليا) وعودا خيالية زائفة لمداعبة حاجات المواطنين، من الصحة والتعليم، إلى البناء والإعمار والكهرباء والماء الصالح للشرب، وتعيين الخريجين، ومع تصاعد أصوات الداعين إلى مقاطعة الانتخابات، ازدهر موسم إصدار التصريحات والبيانات الداعية إلى إلمشاركة.
حكوميا، صرّح الكاظمي، مثلا، بأنه سيشرف شخصيا على الأمن الانتخابي وأنه لن يسمح « بأي خرق، أو تجاوز يمكن أن يؤثر على سير العملية الانتخابية أو نتائجها» متعاميا عن حقيقة إطلاقه الوعود بالأطنان حول تقديم قتلة المتظاهرين الى القضاء وتقليم أظافر الميليشيات، بداية تسنمه المنصب. ولم يُنفذ أيا منها. وأصدرت المرجعية الدينية، متمثلة بمكتب المرجع الديني علي السيستاني، المُصر على أنه لا يتدخل بالشأن السياسي، بيانا يوم 29 أيلول/ سبتمبر، لتشجيع «الجميع» على المشاركة في الانتخابات لكي يتفادى البلد خطر الوقوع بـ «مهاوي الفوضى والانسداد السياسي» مفترضا أن ما يعيشه البلد، حاليا، هو قمة النظام والانفتاح السياسي. وهو بيان يستحق أن يُقرأ بتأن لسببين. الأول لتوقيت إصداره قبل أيام من إجراء الانتخابات، وبعد أن بات تغلغل الفساد في كل تفاصيل التهيؤ لها مكشوفا، فجاء البيان أما من باب رفع العتب أو محاولة إنقاذ، لنظام فاسد، ما أن يوشك على الغرق حتى يمد مكتب المرجعية له يد الانقاذ.

كيف يمكن للناخب «أن يكون واعيا ومسؤولا» من أجل «إحداث تغيير حقيقي في إدارة الدولة» وهو الذي ما إن خرج إلى الشارع مطالبا بوطنه حتى جوبه «بالاستخدام المفرط للقوة المميتة؟

القراءة الثانية للبيان تبين مهارة «الواعظ» في صياغة خطاب، بلا محتوى حقيقي، باستثناء دغدغة المشاعر. فكيف يمكن للناخب «أن يكون واعيا ومسؤولا» من أجل «إحداث تغيير حقيقي في إدارة الدولة» وهو الذي ما إن خرج إلى الشارع مطالبا بوطنه حتى جوبه «بالاستخدام المفرط للقوة المميتة، من طرف قوات الأمن لتفريق المحتجين، بما في ذلك القنابل المسيلة للدموع ذات الاستخدام العسكري، والذخيرة الحية والهجمات المميتة التي يشنها القناصة» حسب منظمة العفو الدولية التي وثَّقت، أيضا « حالات الاختفاء القسرية للناشطين». وتنصح المرجعية بانتخاب المرشح « الصالح النزيه، الحريص على سيادة العراق وأمنه وازدهاره، المؤتمن على قيمه الأصيلة ومصالحه العليا، الكفوء، غير المتورط بالفساد، المؤمن بثوابت الشعب العراقي «. وهي مواصفات بضاعة، يعرف مكتب المرجعية جيدا كما أبناء الشعب، إنها غير متوفرة بين المرشحين، المغموسين بالفساد، مما يلقي ظلال الشك حول النية من إصدار البيان.
الملاحظ أنه ليس هناك موقف موحد بين المرجعيات بصدد المشاركة. حيث أوضح المسؤول الإعلامي لمكتب المرجع الديني جواد الخالصي، في مقابلة مع وكالة ( روداو) بأن البيان لم يصدر باسم السيد السيستاني بل من مكتبه وهو ليس فتوى، بل بيان تشجيعي، مما يعني أن الالتزام به ليس فرضا. وترى مدرسة الامام الخالصي أن الاحتلال الأمريكي لايزال موجوداً « وهو المتحكم والمسيطر والمهيمن على كل تفاصيل العملية السياسية، ومن ضمنها الانتخابات». و«أن نتائج الانتخابات محسومة والاصوات مفروزة والمقاعد موزعة».
بعيدا عن المرجعية، أيد «تجمع قوى المعارضة» الذي تأسس من مجموعات شاركت في انتفاضة تشرين، المقاطعة لأنها «تفتقر إلى النزاهة وتكافؤ الفرص». وكان الحزب الشيوعي قد إنسحب من المشاركة يوم 24 تموز/ يوليو، بعد مناورة الانسحاب المؤقت لشريكه « التيار الصدري» يوم 15 تموز/ يوليو. إلا أن الصدر أعلن، بعد أسابيع، عدوله عن قراره السابق وألزم مرشحي تياره بالتوقيع على تعهد من 28 نقطة أُستهل بشرط « الطاعة والولاء» للصدر، تاركا حليفه الحزب الشيوعي في عراء اللا مشاركة مع كونه بعيدا عن تجمع قوى المعارضة التي التزمت منذ البداية برفض العملية السياسية برمتها.
هل ستؤدي المشاركة في الانتخابات أو مقاطعتها إلى إحداث أي تغيير في هيكلة منظومة الحكم الحالية؟ نعم، سنرى تغييرا ما إلا أنه في الأغلب، لن يكون لصالح الشعب المتطلع إلى التخلص من النظام الطائفي الفاسد وإقامة نظام ديمقراطي حقيقي، بل سيكون لصالح تمديد عمر منظومة الفساد مع إعادة توزيع لتوازناتها، انسجاما مع التوازنات الاقليمية الجديدة بين دول الجوار والتحالف الدولي وصفقاتها الداخلية.

كاتبة من العراق

 

 

عن التطبيع والكرد

وحسرة القائد الأمريكي

هيفاء زنكنة

Description: https://www.alquds.co.uk/wp-content/themes/alquds/img/plus-gray.svg

عُقد في مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، يوم الجمعة 24 أيلول / سبتمبر، مؤتمر بعنوان «السلام والاسترداد». حضر المؤتمر الذي نظمه مركز يدعى « اتصالات السلام الأمريكي» عدد من عراقيين تم وصفهم بأنهم « شيوخ عشائر وكتاب ومثففون».
تزامن عقد المؤتمر الداعي إلى اعتراف العراق بكيان الاستيطان الصهيوني مع الذكرى السنوية الأولى لـ ( إتفاقات إبراهيم) التي أبرمتها الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، بمباركة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. وتواصل الولايات المتحدة برئاسة الديمقراطي جو بايدن سياسة الجمهوري ترامب الداعمة للاحتلال الصهيوني على حساب إبادة الشعب الفلسطيني. حيث أكد وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن، يوم الجمعة، في أجتماعه مع وزراء خارجية دول « إتفاق إبراهيم» الدعم الأمريكي المستمر للاحتلال من خلالهم. وإذ يتغنى بلينكن بفائدة الاتفاقات لشعوب المنطقة، فإنه لاينسى تهديد الحكام بنعومة شرطي العالم بأنه» من مصلحة دول المنطقة والعالم أن يتم التعامل مع إسرائيل كسائر الدول». لا غرابة، إذن، أن ينعقد، في اليوم، نفسه، مؤتمر يدعو بلسان متحدثته الرئيسية المدعوة سحر الطائي « لابد للعراق اليوم أن يغير سياسته. بات أمرا ضروريا ولابد منه الاعتراف بإسرائيل كدولة صديقة «.
تدل التقارير ألتي نُشرت عن المؤتمر وأشرطة الفيديو، بالاضافة إلى خطب المتحدثين، إلى أن الحاضرين الذين تفادوا إظهار وجوههم أمام الكاميرا، لا يمثلون، كما ادعى منظمو المؤتمر، الشرائح المجتمعية والدينية أو المراكز أو المنظمات، أو العشائر العراقية، التي يدّعي منظم المؤتمر انهم يمثلونها. فالسيدة سحر الطائي القائلة « لا يحق لأي قوة، سواء كانت محلية أم خارجية، أن تمنعنا من إطلاق مثل هذا النداء» والتي تم تقديمها وكأنها ناطقة رسمية بإسم وزارة الثقافة، مثلا، دفعت وزارة الثقافة إلى إصدار بيان تكذيب سريع نفت فيه «صلتها بالتصريحات ألتي صدرت عن إحدى الموظفات تدعِّي شَغلِها لمنصب في وزارة الثقافة».
وأوضحت الوزارة إنها « ترفض انعقاد مؤتمرٍ للتطبيع مع إسرائيل على أرض أربيل في كردستان العراق، معتبرة أن انعقاد هذا المؤتمر سابقةٌ خطيرةٌ تتعدى على الدستور ورأي الشعب العراقي، وتمسّ كرامة القضية الفلسطينية وحقوق شعبها، وهو ما لايرضى به العراقيون حكومةً وشعباً، مؤكدة وقوفها المنيع مع أبناء الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة «.
أكد البيان موقف الشعب العراقي، التاريخي والحاضر، ألذي يرى في فلسطين قضيته العادلة، التي لا تسقط بالتقادم. وأن فلسطين هي البوصلة الأخلاقية بالأضافة الى القانونية الدولية والأنسانية. وسارعت، عديد الجهات الشعبية، والمسؤولين الحكوميين، وحتى قيادة الجيش، إلى إستنكار إنعقاد المؤتمر. وهو موقف جماعي غاضب، قلما توصل اليه العراقيون حول قضية ما، منذ غزو العراق، بقيادة أمريكا، في 2003، ومأسسة محاصصة الطائفية والعرقية. وجاء موقف حكومة إقليم كردستان التي إدّعت أن الاجتماع تم دون علمها وموافقتها ومشاركتها، مثيرا للتهكم، فالمعروف للجميع أن أي إجتماع، مهما كان حجمه، لا يتم بدون موافقة الجهات الأمنية، فكيف إذا كان مؤتمرا كهذا، وهو يتماشى مع موقف قادة الإقليم من الكيان الصهيوني وزياراتهم وحجم توسع المصالح الإسرائيلية المؤيدة لأنفصال الإقليم عن العراق.

تزامن عقد المؤتمر الداعي إلى إعتراف العراق بكيان الاستيطان الصهيوني مع الذكرى السنوية الأولى لـ ( إتفاقات إبراهيم)

مع هذا، إذا كان الغرض من إقامة المؤتمر، كما يبدو، هو جس نبض الحكومة العراقية، بناء على الارتباط بأمريكا، وفق إتفاقية الاطار الاستراتيجي، فان النتيجة جاءت معاكسة تماما لما كان متوقعا من قبل المنظمين، حيث استردت القضية الفلسطينية أولويتها، بقوة الأرادة الشعبية وعمق العلاقة بين الشعبين الفلسطيني والعراقي، خلافا لعنوان « السلام والاسترداد».
كما كانت النتيجة، إفراغ المؤتمر من هدفه، بفضل المتحدثين، أنفسهم، حين فشلوا في تقديم خطاب موحد يتماشى مع سياسة المركز الذي تكفل بدعوتهم ودفع إجورهم. إذ إختلط، في خطبهم الركيكة، التأجيج الطائفي ( بين السنة والشيعة) وأهمية الفيدرالية وتقسيم العراق، والخلط ما بين الدين اليهودي والصهيونية، ومهاجمة إيران إلى حد تناسوا فيه، أحيانا، التركيز على «السلام الإسرائيلي».
« السلام» الذي بات مفردة كريهة لحدة تناقضه مع واقع الاحتلال، وسياسة الاستيطان، والتمييز العنصري، ومنع حق العودة لأهل البلد الشرعيين. وهو واقع رافق الكيان الصهيوني منذ لحظات تأسيسه الأولى وأصاب رشاشه العراقيين كما الفلسطينيين. ففي لقاء بين رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي يغئيل يادين والقيادة العليا للجيش الإسرائيلي، عام 1950، كما جاء في كتاب «عزيزتي فلسطين» لشاي هازكاني، أعرب يادين عن قلقه من أن معظم الجنود اليهود الذين كانوا مهاجرين حديثًا من العراق، لم يُظهروا مستوى العداء الذي توقعه تجاه العرب. وحث الاجتماع قائلا: «علينا أن نحفز مشاعر الكراهية ضد العراقي العربي حتى في أوقات السلام. ليس لدينا أوقات سلام. بل وعلينا تشجيع روح الانتقام ضد العراقيين».
نظّم مؤتمر أربيل المدعو جوزيف براود، رئيس مركز « إتصالات السلام الأمريكي» في نيويورك، الذي « طّور لغته العربية خلال عمله مدة سبع سنوات في الإذاعة الوطنية المغربية وتعلم الفارسية كطالب دراسات عليا في جامعة طهران» ويهدف في نشاطاته مع آخرين، بينهم صحافية لبنانية ومغن تونسي، وناشط مدني عراقي كردي، على مكافحة «معاداة السامية» وعلى تطوير «استراتيجية حول كيفية دحر أجيال من الرسائل المعادية للسامية والرفض في وسائل الإعلام والمساجد والمدارس العربية» حسب كتاب لبراود.
وقد حاول براود، عبثا، والحق يقال، تلميع صور المساهمين من العراقيين وإضفاء أهمية كبيرة على مراكزهم ودورهم، أثناء مقابلاته مع أجهزة الأعلام، تبريرا لالتقاطه إياهم، إلا أن تخبطهم في إيصال دعوته الى العراقيين لتشجيع التطبيع مع الكيان الصهيوني، لا بد وأن ذكّره بما قاله قائد إحدى فرق جيش الاحتلال الأمريكي، عام 2006، حين سأله صحافي عن فشل القوات الأمريكية، بالقضاء على «المتمردين العراقيين» على الرغم من التفوق العسكري الأمريكي وتجنيد عملاء عراقيين، فأجابه القائد متحسرا : «المشكلة هي أن أفضل الناس يقاتلون في الجانب الآخر».

كاتبة من العراق

 

 

استيزار المرأة في العراق

وأفغانستان… هل هذا هو السؤال؟

هيفاء زنكنة

 

في الوقت الذي تتعالى فيه أصوات المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين، وأجهزة الإعلام الرسمية في الغرب، عموما، إستنكارا لعدم إستيزار المرأة الأفغانية في حكومة طالبان، التي تم تشكيلها مؤخرا، وعدم تخصيص نسبة تمثيل سياسي لها، في أي موقع آخر، تعيش المرأة العراقية المُغّيبة مثل نظيرتها الأفغانية، في ظل صمت مطبق من قبل ذات الجهات. وإذا كانت حركة طالبان معروفة، بموقفها من المرأة، وهناك خوف عام من عدم تغير موقفها، حاليا، على الرغم من تصريحاتها، فان محنة المرأة العراقية أكبر وأعمق من ذلك. فهي، تعيش، منذ إحتلال العراق، بقيادة أمريكا في عام 2003، تراجعا مستمرا في ذات الحقوق التي يُفترض من حركة طالبان تطبيقها بعد توليها الحكم. وهي حقوق لا خلاف إطلاقا حول وجوب أن تتمتع بها المرأة. فمن المُسّلمات أن حقوق المرأة هي حقوق الإنسان، وضمانها مسؤولية أخلاقية وقانونية، في عالم يُفترض فيه العمل على تطبيق حقوق الإنسان، في جميع البلدان، في أرجاء العالم، بلا تمييز.
إلا أن تجربة 18 عاما في العراق، تجعل من الصعب على أي متابع لوضع المرأة، ناهيك عن المرأة نفسها، ألا يقارن بين التصريحات والممارسات الفعلية على الأرض، فيما يخص مدى تطبيق حقوق الإنسان، خاصة المرأة. ومن الصعب ألا يخلُص المرء إلى الضرر الكبير الذي تسببه سياسة إزدواجية المعايير التي تمارسها أمريكا وبريطانيا، خاصة، تجاه قضية المرأة في البلدان المحتلة، وبعد أن بات مفهوم « حقوق الإنسان» مرتبطا بالغرب، واستغلال ما تتعرض له المرأة، كورقة لعب سياسي لفترة معينة، سرعان ما تنتهي حال إنتفاء الحاجة اليها، لتنتهي المرأة كخاسرة أولى، في كافة المجالات من التعليم والصحة إلى العمل وحرية الحركة إلى المساواة في التمثيل السياسي، بكافة المستويات، كما يبين حال المرأة العراقية بوضوح شديد. وإذا كانت خسارة العراقيين، نساء ورجالا، فادحة في سنوات الاحتلال، جراء التخريب المنهجي المتبدي بالطائفية والفساد والاعتقالات والقتل وانتشار الأرهاب بكافة أنواعه، فأن خسارة المرأة مضاعفة لأنها باتت المعيل الأول للعائلة، في بلد تحتد فيه المنافسة على العمل، حسب المحاصصة الطائفية والحزبية، مما أبعدها عن النضال العام.
ويقودنا الجدل الدائر حول عدم إستيزار نساء أفغانيات، إلى متابعة سيرورة إستيزار المرأة العراقية وتفكيك إدعاءات « تحرير» المرأة والوعود المبذولة لها بالأطنان عن المساواة، في ظل العملية السياسية التي أسسها الاحتلال، والتزمت بها الحكومات العراقية المتعاقبة. حيث تميزت الفترة التي تلت الغزو، مباشرة، بنشاط «نسوة استعماريات» اخترن أن يكن وجها للاحتلال بخطاب غالبا ما يستبدل أو يعارض القضايا الوطنية والاجتماعية والطبقية الأساسية، بقضايا التمايزات الأخرى مما أنتج نخبة تحترف العمل «النسوي» على حساب النشاطات النسائية والنضال الشعبي المتنامي عضويا من داخل المجتمع نفسه. وما يجعل وضع المرأة العراقية نموذجا لتفكيك إدعاءات تحسين مشاركتها السياسية مقابل حرمان الأفغانية أن العراق « شريك» لأمريكا حسب «اتفاقية الإطار الاستراتيجي لعلاقة الصداقة والتعاون بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية العراق».

هل استيزار المرأة، كما يُطرح عالميا ومحليا، أحيانا، هو الحل لوضع المرأة المتدهور، تعرضها للعنف، وحرمانها من حقوقها الأساسية في التعليم والصحة والعمل؟

وحسب بيان للادارة الأمريكية في نيسان/ أبريل من العام الحالي « جدّد الجانبان التأكيد على علاقتهما الثنائية الوطيدة، والتي تعود بالنفع على الشعبين الأمريكي والعراقي. في قضايا الأمن ومكافحة الإرهاب، والاقتصاد والطاقة والبيئة، والمسائل السياسية، والعلاقات الثقافية». مع ملاحظة تفادي ذكر حقوق الإنسان، خاصة المرأة التي أستخدمت قضيتها لتسويق الغزو، لتُركن جانبا ولم يعد وجودها في الحكومة ومراكز اتخاذ القرار السياسي، أمرا يستدعي الاهتمام.
بالنسبة الى عدد الوزيرات، ضمت الحكومة الانتقالية برئاسة إياد علاوي (2004 ـ 2005) ست وزيرات. لينخفض العدد تدريجيا، حتى اختفى تماما، في حكومة عادل عبد المهدي، في عام 2018. وكان عبد المهدي قد أُجبِر على الاستقالة تحت ضغوط المتظاهرين في إنتفاضة تشرين/ أكتوبر 2019 التي ساهمت فيها المرأة بقوة أعادت الأمل بإستعادة المرأة موقعها الطبيعي في النضال الشعبي العام. وكانت وزارة المرأة قد ألغيت في حكومة حيدر العبادي (2014 ـ 2018). أما الحكومة الحالية، برئاسة مصطفى الكاظمي، فتضم وزيرة واحدة من أصل 22 وزارة. وإذا اضفنا الى الإقصاء الوزاري، فرض رجال الدين السياسي تفسيراتهم الطائفية المتماشية لا مع التدين كمعتقد شخصي، بل مع سياسة الأحزاب المتبنية لهم، وغالبا ميليشياتها، على عضوات البرلمان والمرأة عموما، لوجدنا أنفسنا أمام تساؤلات لم تفقد أهميتها رغم قدمها.
هل استيزار المرأة، كما يُطرح عالميا ومحليا، أحيانا، هو الحل لوضع المرأة المتدهور، تعرضها للعنف، وحرمانها من حقوقها الأساسية في التعليم والصحة والعمل؟ كيف يمكن الفصل بين العنف الشخصي والعام حيث تختلط العائلة، والعشيرة، والتقاليد المجتمعية بعنف الدولة والميليشيات والمنظمات الإرهابية؟ كيف الفصل ما بين الخاص والعام ؟ وما هو الفرق بين الوزير والوزيرة اذا كانت العملة اليومية المتداولة، سياسيا ومجتمعيا، هي الفساد بأنواعه المتمثل بالاحزاب التي ينتمون اليها؟ وهل يكفي الحصول على المناصب وترداد الشعارات، بدون الأصغاء الى أصوات النساء على الارض، وعزل النضال النسوي عن الشعبي التحرري العام، لمسح الحيف الذي تتعرض له المرأة؟ ان متابعة نضال المرأة العراقية والفلسطينية وكل البلدان التي عاشت أو تعيش الاحتلال والهيمنة الامبريالية تبين ان تجربة المرأة في بيئتها، ونضالها العضوي المشترك مع الرجل لترسيخ حق المواطنة، قد يحمل الإجابة على عديد التساؤلات، كما تُذكرنا الأكاديمية الأيرانية إلهي روستامي بوفي في دراسة لها عن مقاومة النساء الأفغانيات ونضالهن في أفغانستان ومجتمع الشتات، قائلة : « مع استمرار العنف ضد النساء والتمييز الجنسي وعلاقات الجندر التقليدية، تبنت الدول العظمى والمؤسسات المالية والعسكرية لغة النسوية وخطابها. وقد أُعيد تعريف هذه المفاهيم لتعني ان الغرب، وبالاخص الولايات المتحدة، متحضر، بينما الثقافات الأخرى تقع على هامش البربرية. جرى التلاعب بهذه المسائل بنجاح منقطع النظير، لتبرير الحرب والسيطرة الامبريالية».

كاتبة من العراق

 

عشرون عاما من الإبداع

الفني في مناهضة الحرب

هيفاء زنكنة

 

بعيدا عن نيويورك وأفغانستان، عن سنوية الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، وما جره التفجير من مصائب على العالم، كان هناك، في لندن، حضور من نوع آخر. ليس إحتفالا بل تذكيرا بمناسبة، غير رسمية، تقف على الجانب الآخر من إعلان إدارة بوش « الحرب على الإرهاب» واحتلال أفغانستان والعراق. في قاعة، بشرق لندن، بدلا من أصوات القنابل والصواريخ ووقع أحذية القوات العسكرية وصراخ الضحايا، تعالت أصوات المحتجين ضد الحرب ممزوجة بالفن. بالألوان والموسيقى، والأفلام، والتصوير، والمطبوعات، واللوحات، واللافتات الخشبية واللافتات المنسوجة باليد. شعارات وملصقات فنية تمثل بشاعة الحروب التوسعية الإمبريالية، وأخرى يتحدى فيها الفنانون المشاركون الموقف السياسي الخارجي الذي قاد بريطانيا، على مدى عشرين عاما الأخيرة إلى حرب مستمرة، ويعطون صوتًا للحركة المناهضة للحرب، منسوجا بتحقيق العدالة، عبر موقف مبدئي واضح ضد الحرب والأحتلال في أفغانستان والعراق ونظام الفصل العنصري في فلسطين. كانت الحركة المسماة «أوقفوا الحرب» قد تأسست في عام 2001، إثر المظاهرات ضد غزو أفغانستان، ونجحت في تحشيد الملايين ضد الحرب على العراق عام 2003، ولاتزال مثابرة على تنظيم المظاهرات المطالبة بانهاء إحتلال فلسطين وسياسة الاستيطان الصهيونية، مساهمة بتشكيل الوعي السياسي لجيل كامل.
في تحشيدها ملايين المواطنين البريطانيين، ضد الحروب الخارجية، ألهمت حركة « أوقفوا الحرب» عددا كبيرا من الفنانين والمصممين وصانعي الأفلام والمصورين والموسيقيين الذين ساعدوا الحركة على إبراز رسالتها، لإنشاء سجل نابض بالحياة لأنشطتها وإنتاج مجموعة من الفنون المناهضة للحرب التي خاطبت الملايين. حيث وضع المساهمون، جميعا، بأعمالهم، حدا للتساؤل الذي لاتزال بعض الدوائر الثقافية تجتره وهو: هل بامكان الفن، بأنماطه، أن يؤدي دورا في التغيير المجتمعي والسياسي؟ وهل بإمكانه تقديم شيء، مهما كان، في فترات الصراع والحروب خاصة؟
إن سردية عشرين عاما من الإنتاج الفني في الحركة المناهضة للحرب، تقول نعم لدور الفن في الحث والمساهمة في سيرورة التغيير. إذ تنتفي المسافة بين العمل الفني والنشاط في الحياة العامة، وهو ما جعل الحركة المناهضة للحرب تنبض بالحياة وزّودها بالقدرة على التعبئة الجماهيرية غير المباشرة. فبالاضافة الى العمل السياسي التعبوي المباشر، هناك العديد من مستويات العمل التي يجب اتخاذها عند السعي من أجل التغيير، وأحدها هو التعبير الفني. وهو شكل من أشكال النشاط العام، له بحد ذاته القدرة على مواجهة الظلم، وتجاوزه من خلال تقديم وجهات نظر مغايرة للسائدة والمتحكمة بالمجتمع. وغالبًا ما تكمن قيمته في تزويد الناس بمنظور وطرق جديدة لتصور العالم. فالنشاط الفني أداة مهمة لتشكيل الوعي الاجتماعي، وممارسة ديناميكية تجمع بين القوة الإبداعية للفنون، للتحريك عاطفياً، مع التخطيط الاستراتيجي للنشاط الضروري لإحداث التغيير الاجتماعي. وهنا تكمن قوة الفنان الناشط في حركة تدعو وتعمل من أجل التغيير.

من المعروف أن حركات الاحتجاج والانتفاضات الشعبية تُلهم الفنانين والأدباء. وهذا ما رأيناه بوضوح في إنتفاضة تشرين 2019 في العراق

من هذا المنطلق، تمكن الفنانون الناشطون في الحركة المناهضة للحرب من إنتاج أعمال أصبحت جزءا من ذاكرة جيل بريطاني يرنو الى تحقيق العدالة وينأى بنفسه عن تاريخ بريطانيا الاستعماري. من بين الأعمال المعروضة لافتات مبقعة بالدم ولوحة للفنان بانكسي المعروف بلوحاته وجدارياته ضد النظام الصهيوني العنصري. في مجال الأفلام، وثق المخرج أمير أميراني بفيلم « نحن كثرة» واحدة من أكبر المظاهرات بتاريخ بريطانيا، حين خرجت الجماهير احتجاجا على وقوف حكومة رئيس الوزراء توني بلير الى جانب جورج بوش في شن الحرب العدوانية ضد العراق. وساهم الموسيقي والمفكر براين إينو بمقطوعة موسيقية لم تُقدم سابقا، وكان إينو واحدا من أوائل من كتبوا ونشطوا ضد الحرب متطرقا إلى مستويات مناهضة الحرب المتعددة ومنها الموسيقى كسلاح قوي له إستخداماته المتناقضة، كما حدث حين أُستخدم المحققون الأمريكيون أغاني البوب ​​للتعذيب في المعتقلات بالعراق. ولا يمكن نسيان فوتومونتاج كينارد فيلبس الذي أصبح رمزا للدور البريطاني في الحرب، المتمثل بتوني بلير المبتسم إبتسامة المنتصر، وهو يحمل هاتفه الذكي لالتقاط صورة ذاتية، فرحا بنفسه وما فعله، بينما يتصاعد خلفه دخان حقول النفط المحترقة، مغطيا الأفق كله.
ضم المعرض بطاقات لمصممة الأزياء العالمية فيفيان ويستوود ( عمرها 79 عاما) التي قامت، أخيرا، بتعليق نفسها داخل قفص طيور موضوع على إرتفاع عشرة أقدام في الهواء، أمام محكمة بوسط لندن، وهي ترتدي بدلة صفراء كاملة وقبعة بيسبول، صارخة بأعلى صوتها « أنا جوليان أسانج. أنا طير كناري. إنني نصف مسمومة من الفساد الحكومي وتلاعب الحكومات بالنظام القانوني، بينما لا يعرف سكان العالم البالغ عددهم 7 مليارات ما كان يحدث». بعملها الجريء صّورت ويستوود ما قام به أسانج في كشف حقيقة السياسة الأمريكية من خلال نشره وثائق « ويكيليكس» بأنه مثل طائر الكناري الكاشف عن السموم في المناجم.
ولم تقتصر نشاطات « أوقفوا الحرب» على تنظيم الندوات والمظاهرات والتوعية بأطماع الحرب الامبريالية المبنية على الاستغلال وتسويق السلاح، بل تعدتها إلى إصدار الكتب وإقامة الأمسيات الأدبية، لتجذب بذلك جمهورا من المهتمين بالادب والشعر. وكان من أهم إصداراتها التي ساهمتُ فيها، شخصيا، كتاب « حرب بلا نهاية» و« لامزيد من الموت».
من المعروف أن حركات الاحتجاج والانتفاضات الشعبية تُلهم الفنانين والأدباء. وهذا ما رأيناه بوضوح في إنتفاضة تشرين/ أكتوبر 2019 في العراق. حيث بلغ المُنتج الإبداعي، من جداريات ولوحات وموسيقى وأغان ومسرحيات وشعارات ورسوم كاريكاتير، خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا، ما يعادل المُنتج خلال عقد من الزمن. وهذا ما عاشته الحركة المناهضة للحرب، إذ أبدعت على مدى العشرين عاما الماضية، أعمالا، لم تنجح في إيقاف الحروب، إلا إنها نجحت في أن تكون العدسة التي يرى من خلالها الجيل الجديد من البريطانيين والعالم كيف تُشن الحروب، وممارسات الهيمنة الامبريالية، والعولمة الوحشية، وسياسة تفتيت الشعوب المبنية على العنصرية والنظرة الفوقية.

كاتبة من العراق

 

 

لنأمل ألا تقلد طالبان

سياسة أمريكا في العراق

هيفاء زنكنة

 

من الصعب، عند متابعة ما يجري في أفغانستان، ألا يستعيد المرء الأحداث التي عاشها العراق في الأسابيع والشهور الأولى التي تلت الغزو الأمريكي – البريطاني في عام 2003.
تحضر المقارنة، بقوة، عن الفترة الأولى فقط، وليس سنوات الاحتلال كلها، بين الممارسات الأمريكية بالعراق وتاريخ السياسة الأمريكية بالعالم، وممارسات طالبان، الآن، وسياستها الحكومية السابقة. فالعالم كله يرصد بدقة ما ستفعله طالبان. أما المقارنة ما بين انعكاسات الغزو والاحتلال الأجنبي على حياة الشعب العراقي خلال 18 عاما، وهي المتوفرة للعيان والموثقة محليا ودوليا ( بضمنها وثائق دول الاحتلال) وبين ما سيحل بالشعب الأفغاني في الشهور والسنوات المقبلة، جراء سياسة طالبان أو التدخلات الأجنبية أو إستحداث منظمات إرهابية وفق الحاجة أو كلها معا، فهي متروكة للمستقبل، وليد الماضي والحاضر معا.
« نحن لا نأخذ بكلامهم فقط، ولكن من خلال أفعالهم» هكذا لخص الرئيس الأمريكي جو بايدن، في 31 آب/ أغسطس، الموقف الأمريكي من نظام طالبان. وكان رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون قد علق على تصريحات طالبان بشأن العفو عن الموظفين وإعطاء المرأة الحق في العمل، في 18 آب/ أغسطس قائلا « إن بريطانيا ستحكم على نظام طالبان بناء على أفعاله وليس على أقواله». الأفعال، إذن، وفق التصريحات الامريكية – البريطانية، هي المحك في التعامل مع طالبان. ويفترض هنا، لكي تؤخذ القوى العالمية جديا من قبل الشعوب، ولئلا تفقد الشعوب إيمانها بمصداقية « القيم « التي يتم تسويقها من قبل هذه الدول، وإذا كانت تريد أن تؤكد على سمو مبدأ سيادة القانون الدولي، أن تطبق هي نفسها ذات السياسة التي تريد للآخرين إتباعها.. فهل تحترم أمريكا وبريطانيا معيار القيم هذا، فعليا، أم انها تتوج حضورها الاستعماري بتكرار الأقوال والمصطلحات عن القيم، العراق نموذجا؟
أطلقت أمريكا وبريطانيا على غزو العراق إسم «عملية الحرية من أجل العراق» تأكيدا لما أعلنه الرئيس الامريكي السابق جورج بوش في يناير/كانون الثاني 2003، أن أمريكا « لا تريد غزو العراق وإنما تحرير الشعب العراقي». فكيف حررت أمريكا الشعب العراقي؟ في 20 آذار/ مارس، تم رش بغداد بالصواريخ والقنابل في حملة «الصدمة والترويع» مما أدى الى تدمير البنية التحتية التي قدّر بول بريمر، رئيس الإدارة الأمريكية في العراق، أن البلاد في حاجة لمليارات الدولارات لإعادة بنائها. بهذه الطريقة حصدت الشركات الأمريكية عقود بناء ما هدمه القصف الأمريكي بأموال عراقية. لاحظوا أن طالبان لم تقصف أفغانستان. في 28 آب / أغسطس، قال ويسلي كلارك، قائد قوات الناتو، إن السياسة الأمريكية خلقت الفوضى في العراق، وإن المشكلة الرئيسية هي أن الولايات المتحدة تميل إلى محاربة الدول للقضاء على «الإرهابيين» بدلا من محاربة «الإرهابيين» أنفسهم.

لم ينفذ الجرائم الوحشية المهينة، في العراق، أمريكيون مختلون عقليا أو مجرد « تفاحات فاسدة» كما تدعي الإدارة الامريكية، بل كانت من صلب السياسة الخارجية

في 9 نيسان/ أبريل ساد النهب والتخريب في بغداد وغيرها من المدن. تعرضت المتاحف وأهمها متحف بغداد الذي يضم كنوزا أثرية، من أولى الحضارات التي عرفها العالم، الى سرقة الآثار. بعد ثلاثة أيام بدأ تخريب المكتبات ومنها المكتبة الوطنية ومكتبة الأوقاف الاسلامية وحرق ما فيها من كتب قديمة نادرة ومخطوطات ثمينة من الحقبتين العثمانية والعباسية، في فعل لا يمكن وصفه إلا بأنه جريمة محو ثقافي متعمد. تم ذلك كله تحت أنظار القوات الامريكية التي لم تتدخل لحماية المتحف أو أي موقع آخر باستثناء وزارة النفط، خلافا لمسؤوليتها القانونية كقوة إحتلال. يومها، قال ريتشارد لانيير، مستشار بوش للشؤون الثقافية « إن الولايات المتحدة تعرف ثمن النفط ولكنها لا تعرف قيمة الآثار التاريخية». برر مسؤولون أمريكيون عدم التدخل بأنهم « فوجئوا» بمدى ما حصل من أعمال سلب ونهب. فهل أصبح أستخدام مفردة « المفاجأة» مبررا شرعيا للافلات من العقاب سواء في العراق أو أفغانستان؟ من يقرأ تصريحات وزير الخارجية دونالد رامسفيلد، سيجد أنه كان مدركا تمام الإدراك لما يجري وتبريره أن «هذه أشياء تحدث» و« أن الناس أحرار في ارتكاب الأخطاء وارتكاب الجرائم والقيام بأشياء سيئة.. وأن النهب ليس غريبا في البلدان التي تعاني من اضطرابات اجتماعية كبيرة». لاحظوا أن أيا من هذا لم يحدث في كابول الآن والتخريب الوحيد كان في المطار الذي يديره الأمريكيون. ولكن، هل يحق لطالبان اليوم إستخدام تبرير رامسفيلد ذاته اذا ما ساد النهب والتخريب بوجودهم؟ ماذا عن الدولة ومؤسساتها؟
في 16 مايو، صرح بول بريمر أن التحالف مصمم على محو مراكز القوى القديمة من الوجود. فقام بحل الجيش العراقي واصدار أكثر من 100 أمر وقرار تشريعي تفصيلي للتحكم بكل مجريات تسيير الحياة. كان من جرائها تفكيك الدولة وجعل نحو أربعمائة ألف شخص عاطلين عن العمل. ومن ثم تطبيق سياسة « إجتثاث البعث» التي شجعت على القتل خارج القانون، ومنح المخبر السري دورا كبيرا في الاتهامات الكيدية، بالاضافة الى حملة الاغتيالات التي طالت العلماء والأكاديميين والطيارين والفنانين. وكان لأمريكا، بمساعدة مترجمين عراقيين وعرب، الفضل الكبير في إبداع أساليب تعذيب في أبو غريب، أدت إلى مساواة المرأة بالرجل تعذيبا.
لم ينفذ الجرائم الوحشية المهينة، في العراق، أمريكيون مختلون عقليا أو مجرد « تفاحات فاسدة» كما تدعي الإدارة الامريكية، بل كانت من صلب السياسة الخارجية، حين صاغت إدارة بوش عمليات محاربة الإرهاب في العالم. ومعظمها يخرق قوانين الحرب والقانون الدولي لحقوق الإنسان، إذ تشمل تقنيات طالما تدينها أمريكا عندما تمارسها أطراف أخرى.
وفي الوقت الذي لا يمكن فيه الحكم مستقبلا على سياسة أية دولة أو حركة إلا من خلال قراءة الماضي، فلنأمل أن تتفادى حركة طالبان، بعد تحريرها أفغانستان من قوات الاحتلال، ما قامت به أمريكا في العراق، وأن تتعامل مع خروقات حقوق الإنسان كجرائم وليست «خيارات سياسية» أو عقابا جماعيا، تفاديا لدورات الانتقام.

كاتبة من العراق

 

 

قمة بغداد في بورصة

التخويف من الإرهاب

هيفاء زنكنة

احتلت بغداد، يوم 28 آب/ أغسطس، حيزا إعلاميا، يعيد إلى الذاكرة أيام المؤتمرات الكبيرة الحاضنة للدول العربية والأجنبية في حقبة ما قبل الاحتلال الأنجلو أمريكي عام 2003. ففي توقيت، تدّعي الحكومات الغربية، بأنه مفاجئ، فيما يخص استعادة حركة طالبان لأفغانستان والانسحاب المهين لقوات الاحتلال الأمريكي ـ البريطاني، انعقدت « قمة بغداد للتعاون والشراكة» بحضور تسع دول جوار وفرنسا بالإضافة إلى الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي ومنظمة التعاون الإسلامي.
ألقى ممثلو الحكومات من رؤساء ووزراء خارجية خطبا تكاد تكون في تشابهها، مثل وجبات مكدونالد. الوجبة نفسها بتعليب مختلف مع إضافة قطعة مخلل هنا أو شريحة طماطم هناك. حفلت الخطب المعنونة «دعم ومساندة العراق» بمفردات: الأمن والاستقرار والسلام، مواجهة الإرهاب والتطرف، إعادة البناء، بناء الجسور والحوار.
وكالعادة، كانت اجتماعات « الحوار» بين ممثلي الدول والمنظمات مغلقة، واقتصر البيان الختامي على العموميات، لتبقى الشعوب، كما هي، مجرد هامش، لا يستحق التضمين إلا في حالات ادعاء الحديث باسمها أو مخاطبتها باسلوب مبطن بالنظرة الفوقية واللوم على التقاعس، كما فعل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قائلا «أيها العراقيون أنتم أمة عريقة. ابنوا مستقبلكم ومستقبل أبنائكم».
وفي الوقت الذي تحدث فيه الخطباء عن « عدم التدخل في الشؤون الداخلية للعراق» كان التدخل في الشأن العراقي الداخلي هو سيد الموقف، على مستويين. الأول حول الانتخابات العامة المفترض إجراؤها بداية تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، وهو التاريخ ذاته الذي انبثقت فيه انتفاضة تشرين الأول/ أكتوبر 2019. وكان المستوى الثاني حول العلاقة بـ «محاربة الأرهاب».
بالنسبة إلى الانتخابات، كان لمصر والكويت وفرنسا الدور الأبرز في الدفع باجراء الانتخابات. ذكر الرئيس الفرنسي ماكرون أن بعثات من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ستراقب الانتخابات، متجاهلا حقيقة أن الانتخابات السابقة تمت بإشراف البعثات ذاتها، وكانت النتيجة كارثية. أما السيسي فقد أطلق موعظة «شاركوا في اختيار من يقودكم إلى الأمان» متغافلا عن مساره الفاشي في إرساء «الأمان» في مصر منذ أعوام، فضلا عن قيامه بدور الحارس، بالنيابة عن الكيان الصهيوني، على أهل غزة، في واحد من أكبر السجون في العالم. ولم يشر أحد المتحدثين إلى سبب مشاركة 18 في المئة، فقط، من العراقيين في الانتخابات السابقة، على الرغم من قرع كل طبول الديمقراطية، وكيف أجبر المتظاهرون رئيس الوزراء عادل عبد المهدي على الاستقالة، وكيف أغرق من حل محله، أي مصطفى الكاظمي، الشعب بفيضان من وعود بمعاقبة قتلة المتظاهرين.

تفكيك الانتخابات سيُظهرعقود نهب ومشاريع ووظائف وهمية وأموال رشاوى يتم غسلها في بنوك الغرب

وكانت الحصيلة المزيد من المختطفين والمعتقلين والتعذيب والقتلى. وإلقاء نظرة سريعة على تقارير مجلس حقوق الأنسان في الأمم المتحدة، ومفوضية حقوق الانسان في العراق، بالاضافة إلى منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ( في حال عدم ثقة ممثلي الدول بالتقارير المحلية) كانت ستبين لهم أن كراسيهم الفخمة، في قاعة الاجتماع، غارقة بدماء العراقيين، وأن خطاب الكاظمي وتصريحات وزير الخارجية يدلان بوضوح، كما شمس العراق، إلى ما ستتمخض عنه الانتخابات المقبلة: إعادة تدوير الوجوه نفسها، ربما بأقنعة مغايرة. لا لأن العراقيين لن يختاروا «الأمناء» كما نصحهم السيسي، بل لأن لغة الانتخابات الأولى والأخيرة هي الفساد. وألف باء لغة الفساد في العراق الغني هي مليارات الدولارات. وتفكيك الانتخابات سيُظهرعقود نهب ومشاريع ووظائف وهمية وأموال رشاوى باذخة يتم غسلها في بنوك الغرب. فالدول التي تُخّرب البلدان غير المطيعة صباحا، تتظاهر بمد يد الإحسان والمساعدة والبناء مساء.
بالنسبة إلى «مكافحة الأرهاب» وهو المشروع الذي صّنعته وسوّقته الولايات المتحدة، وتبناه الحكام العرب لكي لا يحيدوا عن الصراط الأمريكي، قدمه المشاركون في القمة بعنوان «دعم العراق في مواجهة الإرهاب» لتحقيق الأمن والاستقرار. هنا يتبدى التدخل في الشأن الداخلي بشكل أوضح. إذ تحدث كل مشارك باستفاضة عن الجهة التي يراها مصدرا للإرهاب، الذي يستهدف بلده هو، من داخل العراق، وحسب تعريفه هو للإرهاب. يرى الرئيس الفرنسي إنه الإرهاب العالمي، ويجب مساعدة العراق للتخلص منه. وصرح وزير الخارجية التركي «لا مكان للإرهاب في مستقبل العراق» والأرهاب بالنسبة إلى تركيا هو «أي وجود لحزب العمال الكردستاني على الأراضي العراقية» بينما يتعامى عن عسكرة القوات التركية على أراض عراقية. وكالصدى كرر وزير الخارجية الإيراني «أن العراق تضرر كثيرا بفعل الإرهاب» والإرهاب بالنسبة إلى إيران هو « لتدخلات الأجنبية» على رأسها أمريكا، وكأن تدخل إيران وميليشياتها شأن عراقي داخلي وطني بحت، مما يذكرنا بتصريح مماثل لوزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد في واحدة من خطبه، عقب غزو العراق، قائلا بأن مشكلة العراق هي التدخل الخارجي. وكأن قوات الاحتلال الأمريكية عراقية وطنية أبا عن جد. وترى السعودية أن محاربة الإرهاب تتم بالتعاون مع قوات التحالف برئاسة أمريكا.
إن متابعة الخطب والتصريحات والبيان الختامي للقمة، لا يضيف شيئا جديدا لما سمعناه في خطب وتصريحات سابقة، باستثناء كونها صادرة عن أشخاص موجودين في قاعة واحدة قاسمهم المشترك، المعلن، هو التخويف من « الإرهاب «. الإرهاب الذي يقدم كل واحد منهم تعريفه الخاص به، وعجنه بالخوف واحد من أكثر طرق سيطرة الأنظمة على عقول الشعوب نجاحا.
تم تصوير « قمة بغداد» بأنها ستمنح شعوب الدول المجتمعة الأمل بتحقيق الأمن والاستقرار. إلا أن ما لم يتم التطرق إليه إطلاقا سواء من قبل المجتمعين أو إعلاميا هو أن معظم شعوب هذه الدول، وليس العراق وحده، تعيش خارج قاعات الاجتماعات الباذخة واقعا يراوح ما بين المزري واللا إنساني، وأن وجود المضاربين، ممثلي شركات المتنافسة بشراسة، في مبنى البورصة لايعني اتفاقهم حول توحيد الأسعار في الأسواق لصالح المستهلكين.

كاتبة من العراق

 

 

إذا كانت أفعال طالبان هي المقياس …

ماذا عن أمريكا في العراق؟

هيفاء زنكنة

 

هل تفاجأت أمريكا، فعلا، بعودة طالبان السريعة الى أفغانستان؟ وهل الحقيقة لا تحمل اموراً مخفية بل كل ما في الأمر هو « أن هذا حدث أسرع بكثير من تقديراتنا»، كما ذكر الرئيس الأمريكي جو بايدن في خطابه، بعد أيام، من استعادة طالبان للعاصمة كابول في 15 آب / أغسطس؟ وهل « ما حدث» هو اندحار، استسلام ، انسحاب، تراجع ؟ أم هو مغادرة، أو عودة، أو إتفاق ؟
وما مدى صدق الطرفين المتفاوضين في تنفيذ الاتفاقية المبرمة، وانعكاساتها على الشعب الأفغاني، عموما، في الأيام والشهور المقبلة، بالمقارنة مع الوضع العراقي؟
إذا ما تابعنا مسار المفاوضات في الدوحة، بين الوفدين الأمريكي وطالبان، سنجد صعوبة في تصديق عنصر المفاجأة وما ترتب عليها من فوضى بخصوص ترحيل الأمريكيين والبريطانيين، انفسهم، وغيرهم من قوات الناتو والمتعاونين معهم، ثم انتقلت الى المتعاونين مع الاحتلال ثم عامة الناس، النساء خاصة، المذعورين من صيت طالبان وما قد يتعرضون له من انتقام. وأصبحت هذه الأخيرة الصورة الأبرز إعلاميا. وسبب صعوبة تصديق « المفاجأة» هو أولا الصورة الخارقة في الامكانيات والتنظيم التي ترسمها الولايات المتحدة الأمريكية عن نفسها وتوزعها على العالم إعلاميا . كما أن بحث عملية انسحاب القوات الأمريكية لم يكن وليد العامين الأخيرين، بل عشرة أعوام من المفاوضات المستمرة، على كل المستويات، وإن القرار الرسمي قد حمل توقيع الرئيس السابق دونالد ترامب الذي حدد موعد الانسحاب هذا العام، والرئيس الحالي جو بايدن الذي أقره بتعديلات بسيطة.
لقد بدأت مفاوضات الانسحاب نهاية عام 2013 ، بعد مرور عشر سنوات على الإحتلال الامريكي لأفغانستان، بعد أن أدركت أمريكا ، حسب روبرت غرينير « لم ننجز الكثير بعد مرور عشر سنوات… وكان تدخلنا في البداية رمزيا واعتمدنا على تنظيم « التحالف الشمالي» لمقاتلة طالبان. الا ان عنجهيتنا دفعتنا الى سياسة مختلفة عام 2005» . كان غرينير رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ( السي آي أي) في إسلام أباد، في أخطر مرحلة ، في أعقاب 11 سبتمبر 2001. كان مسؤولا عن تخطيط وإدارة عمليات سرية لدعم غزو أفغانستان. ثم مدير مهمة العراق في الوكالة ، لتنسيق العمليات السرية لدعم غزو العراق عام 2003. وترأس مدرسة «المزرعة» لإعداد الجواسيس التابعة للسي آي أي، وأخيرا مدير مركز مكافحة الإرهاب في أرجاء العالم.
تصادف اني حضرت أثناء وجودي في مؤتمر ثقافي عالمي عُقد في جزيرة غوا، بالهند في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، مقابلة مهمة جمعت غرينير بالملا عبد السلام ضعيف، أحد مؤسسي طالبان، وسفير طالبان في باكستان، الذي اعتقلته المخابرات الباكستانية بعد الغزو الأمريكي وباعته ( كما الكثيرين ممن اتهموا بالإرهاب) الى المخابرات الأمريكية مقابل خمسة آلاف دولار، فسُجن في معتقل غوانتانامو، مدة اربع سنوات ونصف. وكان الرئيس الأفغاني السابق حميد كرزاي قد أعلن عفوا عاما عن طالبان، كخطوة نحو استتباب الأمن، إلا أن الادارة الأمريكية جمّدت القرار بعد أسبوع لتجهض بذلك إمكانية المصالحة بين مختلف القوى الأفغانية.

 بحث عملية انسحاب القوات الأمريكية لم يكن وليد العامين الأخيرين، بل عشرة أعوام من المفاوضات المستمرة، على كل المستويات، وإن القرار الرسمي قد حمل توقيع الرئيس السابق دونالد ترامب الذي حدد موعد الانسحاب هذا العام

أدارت المقابلة شوما جاودري، رئيسة تحرير صحيفة « تهلكا» الاستقصائية الهندية، وأثارت مشاركة ملا عبد السلام ضجة لأنها المرة الاولى التي يٌسمح فيها لشخص مثله بزيارة الهند والحديث أمام جمهور واسع. تحدث غرينيرعن نية أمريكا سحب قواتها والتفاوض مع طالبان. واستفاض ملا عبد السلام بالحديث عن أهمية الاستقرار الأمني والسياسي في افغانستان وضرورة اللجوء الى التفاوض الدبلوماسي لتحقيق ذلك ، مركزا على فشل الديمقراطية التي تحاول أمريكا فرضها عسكريا والتي لم يُسمح بنموها عضويا من داخل المجتمع ، أي «ديمقراطية إسلامية». خلال المقابلة المتوفرة ألكترونيا، والتي عدت الى مشاهدتها مجددا، أجوبة على أسئلة تُطرح ، اليوم، وبعد مرور عشرة أعوام على اجرائها، ومطابقة بتفاصيلها مع التساؤلات الحالية عن تغير طالبان او قدرة طالبان على التغير، وبالتحديد السؤال الأكثر شيوعا عن الموقف من المرأة . أكد ملا سلام، المرة تلو المرة، أهمية تعليم المرأة لأنها نصف المجتمع وأدان ، بعد إلحاح من مديرة اللقاء، تفجير ومهاجمة المدارس. منبها الى وجود « جهات أخرى» تحاول تشويه صورة طالبان. أما عن مستقبل أفغانستان ، فتحدث عن الانسحاب الحتمي لقوات الاحتلال الامريكي مع التنبيه الى تعقيدات الوضع بسبب الموقع الجغرافي للبلد المحصور بين الصين وروسيا وإيران وباكستان من جهة، والتدخل الأمريكي الذي سيتخذ أشكالا أخرى كتأسيس المليشيات، كما في العراق.
والمفارقة أن نسمع، حاليا، وبعد الانسحاب العسكري المهين، اطلاق تصريحات رسمية على غرار « التزامنا تجاه أفغانستان دائم» ، لرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، بدون أن يبين كيف، ومتغافلا عن الجريمة الكبرى التي ارتكبتها بريطانيا وأمريكا، في شنها حربا عدوانية لا يزال العراق يعيش تفاصيلها الدامية. وتبلغ ازدواجية المعايير ذروتها حين تركز كافة أجهزة الإعلام الغربية ، تقريبا، وتجترها الصحافة العربية ومواقع الفيسبوك، أما تعمدا أو سذاجة، على تقديم صور كاريكاتيرية عن أشكال مقاتلي طالبان ومظهرهم الخارجي، واستخدام لغة مبتذلة تحقيرا لهم ، مما يُذكرنا باللغة التي استخدمتها قوات الغزو الامريكي للعراق لوصف العراقيين بـ»علي بابا « و»حاجي» و»رؤوس الخرقة» اشارة الى الغترة الشعبية العراقية، ليصبح من السهل تجريدهم من إنسانيتهم وبالتالي تعذيبهم وقتلهم. ولا يقتصر الحط من القيمة الانسانية عبر الانتقاص من الشكل، على الصحف الصفراء واجهزة الإعلام الرخيصة، بل سقطت البي بي سي عربي، أخيرا، في ذات الهوة، مستخدمة عنوانا بمثابة حكم مسبق وتصنيف جاهز، هو «لم يغيروا ملابسهم أو شعرهم أو لحاهم، فكيف يمكنهم تغيير أفكارهم؟».
أمام أعضاء البرلمان قال بوريس جونسون « سنحكم على نظام طالبان على أفعاله وليس أقواله ، وعلى سلوكه حيال الإرهاب والجريمة والمخدرات، وحقوق الفتيات في الحصول على التعليم»، أليس هذا هو المقياس الذي فشلت الحكومة البريطانية والإدارة الامريكية، في تحقيقه بالتحديد في عملية «تحريرالعراق »؟

كاتبة من العراق

 

 

إذا كانت أمريكا لم تتغير…

هل تغيرت طالبان؟

هيفاء زنكنة

في ظل إرسال الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا قوات إلى كابول لترحيل موظفي الدولتين والمتعاونين معها بسرعة بعد دخول قوات طالبان العاصمة، وفي ظل استعادة العالم، صورة الهرب الأمريكي الكبير من فيتنام، نقضت إحدى المحاكم البريطانية حكما سابقا بوقف ترحيل مؤسس «ويكيليكس» جوليان أسانج، إلى الولايات المتحدة. قررت المحكمة منح الحكومة الأمريكية مجالا أكبر لاستئناف القرار الأول الذي كان يستند على تدهورالوضع النفسي الذي يعانيه أسانج وقد يدفعه إلى الانتحار، اذا ما تم ترحيله الى أمريكا، حيث سيواجه فيها 18 تهمة، عن نشر آلاف الوثائق السرية في عامي 2010 و2011، تصل عقوبتها إلى 175 سنة.
واذا كان الانشغال العالمي بالبحث عن أسباب التغيرات العسكرية المذهلة، أو ما بات يُعرف بالاندحار الأمريكي ـ البريطاني في أفغانستان، ومحاولة الإجابة في لحظات الهزيمة المريرة عن تساؤلات كان يجب طرحها، منذ عشرين عاما، حول طبيعة الغزو، فان التاريخ ينقلنا إلى ذات اللحظات، تقريبا، إلى فيتنام ولكن من خلال التطابق شبه الكلي مع حياة وجهود أشخاص، ساهموا في مساءلة ما هو وراء التصريحات الحكومية وكشف الحقيقة معرضين حياتهم للسجن في أمريكا.
قد لا يكون للصحافي جوليان أسانج دور مباشر في الهزيمة المدوية لأمريكا وبريطانيا في أفغانستان، وإلى حد أقل في فشلهما السياسي بالعراق، إلا أنه وآخرين ساعدوا في فضح المخفي والمزيف في غزوها وإحتلالها البلدين. حيث أسس أسانج مع عدد من الباحثين موقع ويكيليكس لتسريب المعلومات، من بينها نشر ما يقارب الاربعمائة ألف سجل عسكري سري، من بين سجلات جيش الاحتلال الأمريكي للعراق، بالاضافة الى نشر وثائق عسكرية أمريكية سرية عن احتلال العراق وأفغانستان، ولم يشمل ذلك هويات المخبرين الذين كانوا يساعدون وكالات الاستخبارات في أفغانستان والعراق وأماكن أخرى، وهو الإدعاء الذي تستخدمه الولايات المتحدة باعتباره فعلا يهدد حياتهم.
كل هذه الوثائق موجودة، الآن، في أرشيف الصحف العالمية مثل «الغارديان». ولعل ما رسخ في الأذهان وأثار ضجة أكثر من غيره، عن العراق، هو تسريب شريط فيديو التقطته مروحية أمريكية، في 2007، يُظهراستهداف طاقم المروحية لمدنيين عراقيين وقتلهم 11 شخصا من بينهم طفلان وموظفان في شبكة «رويترز» بحجة أنهم إرهابيون.

هل سنحتاج لفهم ما يجري فعلا والكشف عن الحقيقة أشخاصا مثل إلسبيرغ وأسانج لتسريب «أوراق طالبان» مثلا؟

من سبق أسانج و«ويكيليكس» أثناء الحرب الأمريكية ضد فيتنام، هو دانيال إلسبيرغ، المحلل الاستراتيجي المتخصص في الاستراتيجية النووية والقيادة والسيطرة على الأسلحة النووية، الذي ساهم عام 1967، بتكليف من وزير الدفاع روبرت ماكنمارا، في دراسة سرية، للغاية، لوثائق سرية حول تاريخ التدخل السياسي والعسكري للولايات المتحدة في فيتنام من عام 1945 إلى عام 1967. أصبحت هذه الوثائق تُعرف باسم «أوراق البنتاغون». كشفت أوراق البنتاغون أن أربع إدارات (برئاسة ترومان وأيزنهاور وكينيدي وجونسون) قد ضللت الجمهور فيما يتعلق بالحرب ضد فيتنام، وأنها كذبت بشكل منهجي لتضمن استمرارها عن طريق توسيع الحرب، بقصف كمبوديا ولاوس والتي لم يتم الإعلان عنها اعلاميا. وفي الوقت الذي أعلن فيه الرئيس جونسون أن الهدف من حرب فيتنام كان تأمين «فيتنام الجنوبية المستقلة وغير الشيوعية» ووضع حد «لحرب أهلية» إلا أن أوراق البنتاغون كشفت أن السبب الأساسي «ليس مساعدة صديق، ولكن احتواء الصين «. مما يدفع المرء الى مقارنة هذه الادعاءات بما أطلقته ادارة جورج بوش بصدد غزو افغانستان والعراق، وحقيقة الديمقراطية وحقوق الإنسان مقابل السيطرة على مصادر الطاقة وإنهاء الحظر الذي فرضته حكومة طالبان، عام 2000، على إنتاج الهيرويين، وأدى إلى إنخفاض ما يقرب من ثلاثة أرباع إمدادات العالم منه.
توصل إلسبيرغ، من خلال دراسة سجلات الحكومة، إلى أن حرب فيتنام لم تكن «حربًا أهلية» بل حرباً استعمارية. وإن «الحرب التي يتم فيها تجهيز أحد الأطراف بالكامل ودفع ثمنه من قبل قوة أجنبية ـ والتي فرضت طبيعة النظام المحلي لمصلحته ـ لم تكن حربًا أهلية… بل عدوانًا خارجيًا، عدوانا أمريكيا». مثل أسانج، قرر إلسبيرغ أن من حق الشعوب أن تطلع على حقيقة ما تقوم به الحكومات باسمها. فقام بتسريب نسخ من الأوراق الى صحيفة «نيويورك تايمز» فنشرت مقتطفات من مجموع الصفحات البالغ عددها 7000. وحين مُنعت الصحيفة من نشر المزيد، سرب إلسبيرج الوثائق إلى صحيفة «واشنطن بوست» ومن ثم إلى 17 صحيفة أخرى. ألقي القبض على إلسبيرغ وقُدم للمحاكمة في مايو 1973، إلا أن القاضي رفض إدانته بسبب السلوك الحكومي المنافي للقوانين وجمع الأدلة غير القانوني.
هل أدى الدور الذي لعبه إلسبيرغ في تسريب أوراق البنتاغون السرية الى الصحافة والرأي العام الى هزيمة أمريكا العسكرية المتمثلة بالهروب الكبير؟ كلا. إلا انه ومن خلال الكشف عن أكاذيب التصريحات الحكومية حول الوضع العسكري في فيتنام، بما في ذلك إختلاق عمليات لم تحدث أبدا، على غرار قصف زوارق البحرية الأمريكية في خليج تونكين، ساهم تسريبه الوثائق في تعميق فجوة المصداقية بين الحقيقة وما تقول الحكومة إنه حقيقي، في تحويل موقف الكثير من الأمريكيين من مؤيدين الى مناهضين للحرب.
واذا كانت تفاصيل الأحداث المتسارعة في افغانستان، اليوم، حبلى بهزيمة السياسة الأمريكية والبريطانية وقوات الناتو مجتمعة، وهي الأقوى عسكريا في العالم، فان ظروف ولادة الوضع الجديد المتمثل باستعادة طالبان الحكم، وتأثيرات ذلك على الدول المجاورة والعلاقة، كما كانت أيام فيتنام، مع الصين، محاطة بغموض ما اتفقت أو لم تتفق عليه الجهات المتفاوضة. واذا كانت أمريكا لم تتغير، هل تغيرت طالبان؟ كيف؟ وهل سنحتاج لفهم ما يجري فعلا والكشف عن الحقيقة أشخاصا مثل إلسبيرغ وأسانج لتسريب « أوراق طالبان» مثلا؟

كاتبة من العراق

 

 

هل هناك 11 ألف

محكوم بالاعدام في العراق؟

هيفاء زنكنة

 

«كان نفس الروتين، كل يوم يعلقونني ويضربونني. هناك أشياء فعلوها بي هناك أشعر بالخجل من التحدث عنها، ولكن هناك شيئا واحدا يمكنني أن أخبرك به هو أنهم جعلوني أجلس على قنينة زجاجية مرتين». هذا بعض ماجاء في المقابلة رقم 106. ويخبرنا المعتقل في المقابلة رقم 107 «لقد قيدوا يدي وراء ظهري وعلقوا الأصفاد بخطاف في سلسلة متدلية من السقف. لم يطرحوا على أية أسئلة، فقط استمروا بالصراخ لأعترف».
في غياهب المعتقلات العراقية، أجريت مقابلات مع 235 محتجزا، تم تضمينها في تقرير «حقوق الإنسان في تطبيق العدالة في العراق: الشروط القانونية والضمانات الإجرائية لمنع التعذيب والمعاملة السيئة» الذي أعدّته بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى العراق (يونامي) ومفوضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان، الصادر في 3 آب/ أغسطس. ويغطي التقرير من 1 تموز/يوليو 2019 إلى 30 نيسان/أبريل 2020.
«التعذيب حقيقة واقعية في جميع أنحاء العراق» أُسْتُهل التقرير بهذه الجملة الصارخة في إدانتها للممارسات اللاإنسانية في أماكن الاحتجاز التي لا تقتصر على وزارتي العدل والداخلية بل، أيضا، وزارة الدفاع، وجهاز مكافحة الارهاب، وقيادة عمليات بغداد، وجهاز الأمن الوطني، وجهاز المخابرات الوطني، وقوات الحشد الشعبي، بالاضافة الى أماكن اعتقال أخرى لم يعرف المحتجزون مكانها. ويحيط الغموض أعداد المحتجزين، فباستثناء وزارتي العدل التي افادت بوجود 39518 محتجزا عام 2020. من بينهم 2115 إمرأة و11 ألفا و595 مدانا محكوما عليهم بالإعدام، بضمنهم 25 امرأة، و24853 في منشآت تحت سلطة وزارة الداخلية، لم يتم التحقق من أعداد المحتجزين في المعتقلات الأخرى، مما يشير إلى أن الأعداد أكبر بكثير. كما لا تشمل الأرقام إقليم كردستان.
من بين أشكال التعذيب التي يذكرها التقرير: الضرب المبرح، والصعق بالصدمات الكهربائية، والتعليق من السقف، والتعرض للعنف الجنسي، لاسيما الصدمات الكهربائية على اعضائهم التناسلية وحشر العصي والقناني الزجاجية في فتحة الشرج. ولاحظت البعثة أن الكثير من الاشخاص الذين تمت مقابلتهم تحدثوا عن «أشياء فعلوها بي هناك أشعر بالخجل من التحدث عنها». ولم يُضمن التقرير اوضاع السجون كفقر الخدمات، والاكتظاظ. فقد تلقت البعثة معلومات عن وفاة 62 معتقلا في «سجن الحوت» بالناصرية، جنوب العراق، و355 حالة وفاة في مرافق تابعة لوزارة العدل. يؤكد التقرير قبول التعذيب وسوء المعاملة مقبولا رسميا كوسيلة لانتزاع «اعتراف». وهي سياسة منهجية تمارس على نطاق واسع حيث قدم أكثر من نصف المحتجزين الذين قابلتهم البعثة، روايات موثوقة وذات مصداقية عن تعرضهم للتعذيب.
وللمتظاهرين السلميين حصتهم في سوء المعاملة والتعذيب. حيث وثّق التقرير شهادات 38 معتقلا بعد اختطافهم. كان من بين ما تعرضوا له « الصدمات الكهربائية، الضرب الشديد، والتعليق من السقف، والتهديد بالقتل، والعنف الجنسي ضدهم وضد عوائلهم، والتبول عليهم وتصويرهم عراة». ويخلص التقرير الى» أن روايات الضحايا لا تترك مجالا للشك في أن التعذيب وسوء المعاملة متفشيان في جميع أنحاء البلاد على الرغم من أنّ الإطار القانوني العراقي يجرّم صراحةً التعذيب ويحدّد الضمانات الإجرائية لمنعه» في اشارة الى انضمام العراق الى اتفاقية مناهضة التعذيب عام 2011.

في غياهب المعتقلات العراقية، أجريت مقابلات مع 235 محتجزا، تم تضمينها في تقرير»حقوق الإنسان في تطبيق العدالة في العراق: الشروط القانونية والضمانات الإجرائية لمنع التعذيب والمعاملة السيئة»

ان الاعلان المباشر والصريح بأن التعذيب في العراق حقيقة لم يعد بالامكان السكوت عليها، أمر يُحسب لصالح التقرير. ولعلها من المرات النادرة التي لا يُغلف فيها موظفو الامم المتحدة، تقاريرهم بمفردات مبهمة تتحمل التأويل المتناقض، والشك في الحقيقة، لتفادي التعرض المباشر الى الحكومات القمعية. مفردات على غرار «مزاعم» و«ادعاءات» تقود، في نهاية التقرير، الى خلاصة تُعبر فيها اللجنة عن « القلق» و«الاستنكار». ولعل موظفي الأمم المتحدة تعبوا من القلق والاستنكار أمام الواقع المرير الذي يرونه.
صحيح أن التقرير لم يخلُ من الاشارة الى ان الحكومة أجرت بعض التغييرات القانونية ضد التعذيب الا أن المفوضة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت نبهت الى إن «السلطات في حاجة إلى التنفيذ الفعال للأحكام المكتوبة في القانون في كل مركز احتجاز. وإلا فإنها تظل حبرا على ورق».
وهذا هو أساس استمرار الممارسات الهمجية المرعبة في لا انسانيتها. ومن بينها وجود 11 ألفا و 585 مدانا محكوما بالإعدام، حسب كتاب صادر من وزارة العدل وموجه الى البعثة. وهو رقم هائل بكل المقاييس، دفعني الى قراءة التقرير عدة مرات وباللغتين العربية والانكليزية، لأتأكد من صحته، والعثور على إجابة منطقية لمرور التقرير، بشكل عابر، على هذا العدد الذي يجعل العراق مسلخا بشريا أو نسخة من المحرقة النازية، في ظل نظام «تنتهك فيه اغلب الشروط القانونية الاساسية والضمانات الاجرائية المنصوص عليها في الاطار القانوني العراقي والدولي بشكل منتظم» وحيث «لا يخشى الجناة حقاً عواقب قيامهم بالتعذيب لأنهم يعلمون أن النظام الرسمي لن يعاقبهم» برعاية قضاء مهمته شرعنة الأكاذيب الحكومية.
ما لم يتطرق اليه التقرير، على أهميته، هو حجم الضرر الجسدي والنفسي الذي سيرافق المحتجز المتعرض للتعذيب مدى الحياة أحيانا. فما يهدف اليه الجلاد هو ليس انتزاع الاعتراف بجريمة ما فحسب بل سلبه إنسانية الشخص وكرامته والسيطرة عليه بشكل يمتد الى الابتزاز الاجتماعي والسياسي. فصور المتظاهر السلمي المختطف عاريا، باسلوب مماثل لسياسة التعذيب الأمريكية في أبو غريب، أداة فاعلة للتخويف والتهديد ومنع المتظاهر، وآخرين، من المشاركة في اي نشاط كان مستقبلا. من هنا تنبع ضرورة فضح هذه الاساليب بكل الطرق الممكنة. فالتعذيب فعل اجرامي، والجلاد هو الذي يجب ان يشعر بالعار وليس الضحية. ومن يكشف عن تفاصيل ما يتعرض له «هناك» يستحق الاحترام والتقدير. لأنه يساهم بتوثيق جرائم، نأمل أن تؤدي، مستقبلا، الى محاسبة مرتكبيها ووضع حد لممارستها.

كاتبة من العراق

 

 

 

من الذي يحتضن

مليارات العراق المهربة؟

 

هيفاء زنكنة

 

حين سألت كارولاين لوكاس، النائبة البريطانية عن حزب الخضر، وزير الدولة للشؤون الخارجية والتنمية، عما إذا كانت الحكومة البريطانية تدعم، ماديا، مشاريع متعلقة بالطاقة الغازية في بلدان أخرى، أجابها الوزير أن الحكومة مستمرة في دعم مشروع شركة جنرال إلكتريك للطاقة في العراق. مما يتماشى مع سياسة بريطانيا في العراق. مع العلم أن شركة جنرال إلكتريك، أمريكية متعددة الجنسيات صُنفت كواحدة من 300 أكبر شركة في الولايات المتحدة من حيث إجمالي الإيرادات. تمكنت الشركة، بضغوط من الرئيس الامريكي السابق دونالد ترامب، عام 2017 من الفوز بعقد قيمته أكثر من 1.2 مليار دولار «لتنفيذ مشاريع قطاع الطاقة التي ستؤمن إمدادات طاقة موثوقة في جميع أنحاء البلاد». كما اتفقت الحكومة البريطانية على توفير ضمان للشركة مع أخرى بريطانية بقيمة 155 مليون دولار «لتعزيز قطاع الطاقة في العراق. كما يوفر إنشاء المشاريع أيضًا فرصًا ضخمة ـ ومثيرة للغاية ـ للمُصدرين في المملكة المتحدة» حسب وزير التجارة الدولية الذي تجاهل، وهو يعلن سروره بالاتفاقيات، أن يذكر نسبة الربح الذي ستحصل عليه بريطانيا مقابل توفير الضمان.
إعتبرت لوكاس جواب وزير الدولة وافيا. فالمهم، من وجهة نظر السياسي البريطاني، سواء كان يساريا أو محافظا، هو استمرار الإعلان أن الحكومة البريطانية تتعاون مع الحكومة العراقية في توفير الخدمات والاستقرار للشعب العراقي، أما الهيمنة الاقتصادية ومن خلالها السياسية، إثر الغزو والاحتلال، فأمر غالبا ما يتم تجنب الاشارة اليه علنيا. لذلك كان من الطبيعي ألا تطرح لوكاس، رغم كونها يسارية، سؤالا آخر عن مدى نجاح المشاريع المدعومة بتحسين وضع الشعب العراقي، فعلا، والذي تتحمل بريطانيا جزءا كبيرا من انهياره. فاذا كانت الحكومة تدعم مشاريع الطاقة منذ اسقاط نظام صدام عام 2003 وتوقيع العقود يتجدد مع زيارة كل وزير كهرباء عراقي إلى لندن، لماذا، إذن، يتظاهر العراقيون، خاصة في الصيف، وهم يحملون تابوتا يدعى الكهرباء؟ لماذا يُضحي المتظاهرون بحياتهم، ويسقط الآلاف منهم قتلى وجرحى، في كل المواسم؟ ما مدى استفادة بريطانيا من دعمها الشركات البريطانية والأمريكية وغيرها ومعظمها يحظى بعقود خيالية تحت شعار إصلاح وتجديد وزيادة القدرة على تزويد العراقيين بالكهرباء؟ وكيف بات ما يحصل عليه المواطن من الكهرباء، يوميا، لا يزيد على الخمس ساعات في بيئة، تصل فيها درجة الحرارة أكثر من 52؟ ولم، مع كل المشاريع المعلن عنها، لا يزال العراق المستورد الأول للكهرباء من إيران؟ لماذا لم يتم، حتى الآن، العمل على معالجة حوالي 16 مليار متر مكعب من الغاز المشتعل لاستخدامه في محطات الطاقة، مما يوفر 5.2 مليار دولار ويلغي الحاجة للاستيراد من إيران؟ أم أن ذلك هو بالضبط ما يجب أن يحدث؟
في سردية أسباب انقطاع الكهرباء، على الرغم من صرف ما يزيد على 50 مليار دولار منذ احتلال البلد، تبرر التصريحات الرسمية، العراقية والبريطانية والامريكية، فضلا عن التقارير ذات الاختصاص، الانقطاع بأنه ناتج عن أسباب تقنية عدة يعود بعضها الى تسعينيات القرن الماضي، ومن ثم التخريب الذي لحق البلاد جراء الغزو الأمريكي البريطاني أولا ثم تنظيم الدولة الاسلامية ثانيا. ومن بين الأسباب التي يُشار اليها، غالبا، هو زيادة عدد السكان، واستخدام المكيفات وزيادة الاستهلاك وعدم دفع قوائم الكهرباء والغاز. وهي أسباب، تشير الى واقع سياسي واقتصادي متدهور، بكل المستويات، يتطلب حلولا آنية سريعة واستراتيجية، لضمان المحافظة على حياة وكرامة المواطن وليس توجيه اللوم اليه. ولن يتحقق هذا ما لم تتوفر الإرادة السياسية المستقلة للحكومة، وتمتع البلد بالسيادة، وتنظيفه من فيروس الفساد.

تحويل أموال الفساد والتهريب من بلدان العالم المضطربة، الغنية منها والفقيرة، ينتهي في بورصات وبنوك وعقارات بلدان حروب التدخل والغزو

إذ يبقى السبب الرئيسي لعدم تنفيذ أي من المشاريع هو الفساد، كعملة صعبة، سارية المفعول، في حقل التزود بالكهرباء وعلى مستويين، بواسطة الاحتيال في العقود الحكومية مع جهات خارجية من جهة ومافيا المّولدات على المستوى المحلي من جهة أخرى.
محليا، تتحكم مافيا المّولدات، بكل ما له علاقة بالكهرباء من تكلفة وتوزيع، وللسياسيين والميليشيات حصص فيها. لذلك لايزال معدل تلبية حاجات الفرد من الكهرباء واحدا من أدنى المعدلات في الشرق الأوسط.
أما العقود الخارجية، فان في تقرير حديث لتشاتام هاوس، بعنوان «الفساد المقبول سياسياً وعوائق الإصلاح في العراق» أمثلة عن الاحتيال في العقود الحكومية عن طريق استخدام شركات صورية. أحدها «العقد الذي وقعته وزارة الكهرباء العراقية مع شركة «باور أنجنز» البريطانية، لبناء 29 محطة كهرباء، في مدينة الناصرية، جنوب العراق. وقد دفعت الحكومة مبلغ العقد وقدره 21 مليون دولار لتجد أن الشركة مزورة. ومع ذلك لم تقم الحكومة بفصل أو معاقبة المتورطين في صياغة العقد أو رفع دعوى قضائية. وكشفت وثيقة رسمية أخرى عن خسارة 8 ملايين دولار من المديرية العامة لإنتاج الطاقة الشمالية».
ومن يتابع مقابلات الساسة العراقيين التلفزيونية، سيجد أن اتهامات الفساد المتبادلة حول العقود الخارجية، مع عديد البلدان، تكاد تكون خيالية، ومع ذلك تمر بلا محاسبة.
ولايقتصر إفلات العراقيين الفاسدين من المحاسبة والعقاب على داخل العراق لوحده، بل يمتد إلى بريطانيا وأمريكا إذا كان المسؤول الفاسد من حملة جنسية أحد البلدين أو حاصلا على الاقامة الخاصة برجال الاعمال. وباستثناء نوفل حمادي السلطان، محافظ نينوى السابق، الذي فرضت عليه الحكومة البريطانية العقوبات، في الشهر الماضي، لأنه «حّول الأموال العامة المخصصة لجهود إعادة الإعمار، ومنح العقود وغيرها من ممتلكات الدولة، بشكل غير صحيح الى بريطانيا» فان «رجال الأعمال» العراقيين يجدون في بريطانيا وأمريكا ملاذا آمنا إلى حد كبير. ولم لا وقد تم تهريب 150 مليار دولار من أموال النفط العراقي في صفقات فاسدة منذ غزوه؟ وهل هناك من هو أكثر احتضانا لهذه الأموال من الغزاة؟ مما يعني أن تحويل أموال الفساد والتهريب من بلدان العالم المضطربة، الغنية منها والفقيرة، ينتهي في بورصات وبنوك وعقارات بلدان حروب التدخل والغزو، مؤشرا إلى أن العالم يعيش مرحلة جديدة من النهب الامبريالي، غير المباشر، بامتياز. حيث تتنصل هذه الدول من تكلفة الاحتلال أو ضرورات تأهيل أنظمة تابعة مستقرة، مستبدلة إياها باستمرار الفوضى والتمزق والنهب، من قبل أنظمة محلية فاسدة، ليست تحت مسؤليتها العسكرية المباشرة، مع ضمان انتهاء ما يُنهب إلى «الملاذ الاقتصادي الآمن».

كاتبة من العراق

 

انسحاب القوات الأمريكية

من العراق وتقطيع الأذن

هيفاء زنكنة

 

« نقول إن العراقيين يستحقون حياة أفضل، ولدينا خيرات نريد أن ينعم بها أبناء شعبنا، إلا أن الصراع السياسي يكبّل أي تقدم». لنفترض ان هذا التصريح قد تم تقديمه في برنامج حزورات، يتساءل فيه مقدم البرنامج: «من قال هذا ؟» وهل هو رئيس اتحاد طلبة أو رئيسة منظمة مجتمع مدني أو مديرة جمعية خيرية، ما الذي سيكون عليه الجواب؟
هل سيتبادر إلى أذهان المتسابقين وجمهور البرنامج أن قائل التصريح المتباكي الذي يلقي اللوم في بؤس حياة العراقيين على «الصراع السياسي» هو رئيس وزراء العراق الذي يُعدّ، وفق شروط وظيفته، وحسب الدستور، وبكل المعايير، المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للحكومة والقائد العام للقوات المسلحة العراقية ؟ مما يعني انه المسؤول الأول عن الوضع العام في البلد، بكافة مستوياته الاقتصادية والصحية والتعليمية ناهيك عن الامنية والعسكرية. وهل هناك حاجة الى تذكيره بأنه مسؤول عن تنظيم عمل الوزارات بما يتماشى والوضع العام من اجل وضع الحلول المناسبة وحل القضايا العالقة؟ وهل هناك ما هو أكثر الحاحا من القضايا ذات العلاقة باستمرار الحياة، بشكل طبيعي، ووضع حد لسقوط الضحايا المتزايد إغتيالا، كما مئات المتظاهرين والناشطين، وحرقا كما في مستشفيات المصابين بالكورونا، وتفجيرا كما في ضحايا مدينة الصدر، ببغداد، أخيرا؟ وكيف انتهى العراق برئيس وزراء إما لا يعرف معنى مسؤوليته الوظيفية، ويعتقد إنها تقتصر على زيارة أهالي الضحايا والتقاط الصور مع أطفالهم، أو يعرف تماما حجم المسؤولية إلا أنه يتجاهلها، لأنه عاجز عن القيام بها أو لأنه يستهين بالعراقيين ويجد انهم يستحقون الموت؟
واذا ما نظرنا الى صورة العراق الأكبر وعلاقته بقوات الاحتلال والعالم، المتشابكة والمتغلغلة بمآسي الحياة اليومية، كيف انتهى العراق برئيس وزراء، يتعامل مع الأحداث وكأنه رئيس منظمة غير حكومية، ومع ذلك سيفاوض باسم العراق حول واحدة من أهم الاتفاقيات، وهي الاتفاقية الاستراتيجية وانسحاب قوات الاحتلال الأمريكي، مما يستدعي المقارنة النوعية مع شخصيات الوفد الفيتنامي المفاوض للغزاة الأمريكان والجزائري المفاوض للمستعمر الفرنسي، في ظل الغموض المحيط بتفاصيل الأتفاقية ولا سياسة حكومة مصطفى الكاظمي.
أعلن الكاظمي أن مهمته هي مناقشة جدولة انسحاب القوات الأمريكية القتالية ( التعبير الرسمي لقوات الاحتلال) من العراق، إذ لايزال هناك 2500 جندي أمريكي في البلد. والتفاوض حول انسحاب أية قوات أحتلال هو موقف وطني لا خلاف عليه. باستثناء ان واقع الحال، مغاير تماما، كما تدل تصريحات الكاظمي ووزير خارجيته المتناقضة مع بيانات قادة الميليشيات والعشائر وتصريحات مسؤولي الادارة الأمريكية، مما يثير الشكوك والألتباس حول أبسط المفاهيم كالوطنية والاحتلال والمصالح المشتركة بالاضافة الى حقيقة ما يتم الاتفاق عليه.

تحت مسمى الشراكة «الناعم» سيبقى، اذن، الوضع كما هو تقريبا، إلى أجل غير مسمى، تحت الوصاية الأمريكية الإيرانية، مع تعديلات في نسب ومجالات المشاركة والصراع

فمن جهة أكد وزير الخارجية فؤاد حسين أن القوات الأمنيّة ما تزال في حاجة إلى البرامج التي تقدمها أمريكا في مجالات التدريب، والتسليح، والتجهيز، وتقديم المشورة في المجال الاستخباري، وبناء القدرات، وأهمية ديمومة الجهود الأمريكية العسكرية لمحاربة الأرهاب. وأن العراق يجدد تأكيده والتزامه بتعزيز شراكته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها شريكاً أساسياً في التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش. وشكر أمريكا لدعمها إجراءات مُراقبة الانتخابات المقبلة وضمان نزاهتها، موضحا بأنه، بالاضافة الى ذلك كله، قد تم إبرام العديد من مُذكرات التفاهم في قطاعات مُتعددة من بينها الاقتصادية والصحية ومجال الطاقة والاستثمار فضلا عن السياسة الأقليمية. كرر فؤاد حسين في تصريحاته ومقابلاته أن اتفاقية الإطار الاستراتيجي مبنية على « العمل المشترك» بين البلدين.
ولكن بدون ان يتطرق الى تفاصيل الفائدة التي سيجنيها « الشريك» الأمريكي. بل ترك التفاصيل مغيبة ساردا بتفصيل كبير ما سيجنيه العراق، مستبعدا واقع الهيمنة الكلية الممنوحة لأمريكا بكافة النواحي. مما يوحي وكأن ما يحصل عليه العراق هبة مجانية من قبل جمعية احسان تدعى الولايات المتحدة وليس، كما هو معروف تاريخيا، تعزيز لعنصرية المحتل وسيطرته وأخطرها رعاية التفرقة وتشجيع التمايز في المظلومية والظهور بمظهر حامي حقوق الانسان وبناء الديمقراطية.
اذا كان الكاظمي، يحاول استغلال مشاعر الميليشيات المدعومة إيرانيا، الأقوى من القوات الأمنية والجيش، والتي هددته احدى فصائلها بان «الوقت مناسب جدا لتقطيع أذنيه كما تقطع آذان الماعز» فان لمحاولته حدودا لا يستطيع تجاوزها. إذ ان الادارة الأمريكية لن تتخلى بسهولة عن بلد لديه ثاني أكبر احتياطي نفط في العالم، ويمكن الوصول إليه بسهولة، ويقع في المنطقة الرئيسية المنتجة للطاقة في العالم، وحلبة للمساومة مع إيران بصدد السلاح النووي. وكما نّوه وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، في مؤتمر صحافي، إن الشراكة مع العراق أكبر بكثير من الحرب ضد داعش.
تحت مسمى الشراكة «الناعم» سيبقى، اذن، الوضع كما هو تقريبا، إلى أجل غير مسمى، تحت الوصاية الأمريكية الإيرانية، مع تعديلات في نسب ومجالات المشاركة والصراع كما هو حاصل منذ احتلال العراق عام 2003. وسيواصل المسؤولون الأمريكيون والعراقيون اطلاق التصريحات عن تحول دور القوات الأمريكية من العسكري القتالي إلى الاستشاري، وهو عمليا ما تقوم به، حاليا، باستثناء القصف الجوي واستخدام الدرونز، الذي يدار كله من قواعد موجودة خارج العراق ولن يطرأ تغيير عليه وعلى دور قوات الناتو. وكل ما سيحدث هو التلاعب ببعض المفردات لأغراض اعلامية. بينما ستبقى الحقيقة مُغَيبة باتفاق الطرفين الأمريكي والحكومي العراقي على طمس مسؤولية أمريكا في غزو العراق الذي يشكل جريمة حرب، إذ لم يكن الغزو دفاعًا عن النفس ضد هجوم مسلح، ولم يقره مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي يجيز استخدام القوة من قبل الدول الأعضاء، وفقًا للجنة الحقوقيين الدولية في جنيف. مما يجعل توقيع أي مادة ضمن الاتفاقية الاستراتيجية شرعنة لجريمة الحرب وتمديدا لهيمنة المحتل والغاء لحق الشعب العراقي في اي تعويض قد يطالب به جراء الغزو والتخريب وخسارة الحياة الإنسانية. وكل هذا بموافقة حكومة تدّعي الوطنية.

كاتبة من العراق

 

 

تشييع الإمام التاسع

في بغداد في ظل كوفيد 19

هيفاء زنكنة *

 

مشهد آخر يضاف إلى غرائبية الوضع العام في العراق. يشي المشهد، بتفاصيله، بالأزمة العميقة ألتي يعيشها البلد على إختلاف المستويات الدينية والسياسية والاقتصادية، وما يتمخض عنها من تشكيل للوعي المجتمعي.
ضمن هذه التشكيلة المشهدية إحتشد آلاف الرجال، يوم السبت الماضي، العاشر من تموز/ يوليو، في بغداد. أجسادهم تكاد تلتصق لفرط الزحام والتدافع، وجوههم مبللة بالدموع، وهم يحملون تابوتا خشبيا ضخما مغطى براية خضراء، متجهين نحو صحن الكاظمية ( شمال بغداد) في تشييع رمزي للأمام محمد الجواد، التاسع من أئمة الشيعة الإثني عشرية، والحادي عشر من المعصومين الأربعة عشر، في ذكرى استشهاده. المعروف أن الإمام الجواد كان قد تولى الإمامة بعد أستشهاد أبيه علي الرضا وعمره إما سبعة أو ثمانية أعوام. وقد أدى صغر سنه إلى الاختلاف في مدى أحقيته بالإمامة حينذاك. استشهد الإمام الجواد ببغداد، وعمره 25 عاما، ودُفن في الكاظمية. وتشير الرواية الشيعية الى أن زوجته أم الفضل، ابنة الخليفة المأمون، دست له السم بتأثير من أخيها المعتصم، بعد توليه الخلافة أثناء الدولة العباسية.
تحفل أيام العراق، منذ احتلاله عام 2003، بعديد المناسبات الدينية، الحافلة بالطقوس الجماعية، بعد رفع الحظر عنها. لا شك في أن للطقوس، بأشكالها، من الدينية الى المناسباتية كالولادة والزواج والموت الى حضور مباراة لكرة القدم، ومعظمها تعود بداياته الى الطقوس الدينية، أهمية بالغة، في حياة الأفراد والشعوب. فمن خلالها يؤكد الفرد انتماءه الجماعي و«نقاء» أو مصداقية رحلته الحياتية حتى اللحظة، وإعادة التأكيد على أن المسار الذي يسلكه هو الطريق الصحيح، كما تربطه بالأجداد والتراث، وتمكنه من التواصل مع هويته وتقويتها.
من هذا المنطلق، يمكن إعتبار هذه المسيرة واحدة من الطقوس العادية ألتي يختار أبناء شعب ما ممارستها. إلا أن الواقع الحالي، الاستثنائي، في العراق، يضع هذه المسيرة خارج حدود «العادي المألوف «. لتثير عديد التساؤلات حول توقيتها، وكيفية الإعداد لها، بالإضافة إلى أهميتها والموقف الحكومي الرسمي منها.
من ناحية التوقيت تم تنظيم المسيرة الحاشدة والبلد يعيش كارثة إنتشار وباء الكوفيد، التي جعلته يحتل المكانة الاولى في قائمة الدول العربية، بأعداد المصابين والموتى. ومن أوليات الإجراءات التي يجب اتخاذها للوقاية من الوباء هو التلقيح والتباعد الاجتماعي وإعلان الحظر العام عند الضرورة. وهذا ما كان يجب إجراؤه للمحافظة على حياة الناس والتعافي من الوباء. الا أن ما حدث هو العكس تماما إذ تم تنظيم المسيرة ( وهي واحدة من عدة) في وقت لا يزال فيه التطعيم دون المستوى المطلوب بكثير. وإذا كان ما يميز الشعب هو قلة الوعي، وغسل الدماغ، كما يُشاع، فماهو الدور الحكومي والمراجع الدينية في هذه الحالة؟
بدلا من شن حملة توعية بمخاطر التجمعات، سبقت المسيرة حملة تحشيد منظمة لحث «الموالين» على المساهمة بل وإقناعهم بوجوب الحضور لتجديد « عهدهم للأمام «، لكي يضمن لهم الثواب و«الأجر». ساهم في الحملة سياسيون ورجال دين، ومراكز ومجمعات دينية، وأمناء مجالس العزاء. أُعدّوا خلالها «منهاجاً خاصاً وحافلاً بالنشاطات الدينية.

إن حماية حياة أبناء الشعب، من جميع المخاطر، مسؤولية الحكومة، بالدرجة الأولى، وعليها إيجاد أفضل الطرق وصيغ التعاون مع رجال الدين والمنظمات الدينية لمنع التجمعات الحاشدة

ويشمل إقامة مجالس العزاء الحسيني في رحاب الصحن الكاظمي الشريف على مدى خمسة أيام بالاضافة الى مشاركة الرواديد الحسينيين «. والرادود هو الحكواتي الشيعي، المتمرس في تقديم سردية البطولة والشهادة، بلغة يزداد سحرها بتوظيف المخيلة، لإعادة تمثيل رمزيتها، بأسلوب يستدر التعاطف والتماهي، إلى حد البكاء واللطم على الإمام الشهيد ومأساته. تُخرج هذه الطقوس المشارك فيها من واقعه اليومي، ليكون خارج عالم المكان والزمان العاديين. ويزداد إقترابا من الأئمة وما يحيطهم من قدسية، خاصة إذا كان واقعه بائسا (اقتصاديا ومجتمعيا) كحال الشريحة الأكبر من الهامشيين والمسحوقين في العراق، وهو بأمس الحاجة إلى الارتقاء بواقعه، كما الحالم بالفردوس.
لاضرر في ممارسة الطقوس، عموما، في الظروف العادية للبلد، بل ويتطلع الناس للمشاركة فيها، كما يحدث في أرجاء العالم، وتتحول بمرور الزمن إلى احتفالات رمزية تجمعهم، وهو ما وصل العراق اليه، في خمسينيات القرن الماضي، مع أيام عاشوراء. فاصبحت فضاء مشتركا للاحتفاء بالذاكرة الجماعية وإبداع المخيلة في أعمال تجمع بين المسرح والطقوس، ولا تٌستغل لأغراض سياسية واقتصادية وعنصرية.
ان التناول المتوازن للروايات التي تستند عليها الطقوس القديمة، في خلفية الاحتفالات، جزء من التطور الثقافي التدريجي للأمم. فلا بد من تمييز التاريخ عن الأسطورة والتزييف المتعمد، وخصوصا ما يمنع تشكل التكوين النفسي المشترك للشعب، وأخطرها تجريم حقب كاملة من تاريخه، كما يحدث مع الخلافة العباسية اليوم، مثلا، واسقاطها على الحاضر، بشعبوية سياسية، هدفها تأجيج العواطف.
لا يمكن، اذن، انكار أهمية الطقوس الدينية الشعبية حتى مع انتشار الوباء، ما لم يتم من خلالها إيهام المشاركين بأن زيارة المراقد الدينية والمساهمة في مسيرات طقوسية حاشدة، ستزودهم بالمناعة ضد الوباء فلا حاجة للتباعد الاجتماعي واللقاح.
إن حماية حياة أبناء الشعب، من جميع المخاطر، مسؤولية الحكومة، بالدرجة الأولى، وعليها إيجاد أفضل الطرق وصيغ التعاون مع رجال الدين والمنظمات الدينية لمنع التجمعات الحاشدة، مهما كانت قدسية المناسبة. وهذا ما فعلته الحكومات والمؤسسات الدينية، في جميع أرجاء العالم. فأغلقت أماكن العبادة وألغت الشعائر الدينية وحددت التجمعات العامة. وقدمت الكنائس المسيحية، والكُنُس اليهودية، والمساجد، والمعابد، الشعائر الدينية عبر البث المباشر أثناء الجائحة. كما ألغت المساجد صلاة الجمعة. وتم إلغاء احتفالات رأس السنة البوذية، التي غالبا ما تجمع الآلاف من الناس معا، ليمارسوا طقوسهم في جميع أنحاء جنوب آسيا. بل وأصدرت الحكومات قرارات تقضي بمنع تشييع الموتى واتمام الدفن بحضور شخصين فقط.
وإذا كان من المفترض أن تقوم الحكومة أما بمنع مسيرة التشييع أو تأجيلها، حماية للأرواح، وباعتبار إن الإمام الجواد قد استشهد قبل 1186 عاما، ولن يضر الانتظار عاما آخر، إلا أن أيا من ساسة الحكومة لم يتجرأ على إتخاذ قرار كهذا، ليس إيمانا بضرورة تشييع الإمام الجواد، ولكن خشية اتخاذ قرار قد يمس مصالحهم إذا ما تعرضوا، باي شكل من الاشكال، للمؤسسة الدينية وأتباعها، والبلد مقبل على الانتخابات، فالحصول على مقعد، في انتخابات أكتوبر المقبلة، بالنسبة إلى ساسة عراق اليوم، أعلى قيمة من حياة الإنسان.

 

 كاتبة وصحفية وناشطة عراقية تقيم في بريطانيا

 تكتب اسبوعيا في جريدة (القدس العربي)

 

العراق يضحك… القيظ من

ورائكم والكورونا من أمامكم

هيفاء زنكنة

أيام العراق حافلة بانجازات بلا حدود. آخرها فوزه بالمركز الأول، عربيا، بانتشار فيروس كورونا. فبينما أظهر إحصاء لوكالة «رويترز» أن أكثر من 183 مليون نسمة أصيبوا بفيروس كورونا المستجد على مستوى العالم، وأن عدد الوفيات تجاوز الأربعة ملايين، سجل العراق رقمه القياسي بين الدول العربية: 17256 وفاة وأكثر من مليون وربع المليون إصابة. وتشير الزيادة في عدد الإصابات، بين فئة الشباب، وارتفاع عدد الراقدين بردهات العناية المركزة في المستشفيات، إلى وصول متحورة «دلتا» إلى البلاد.
وإذا كانت حالات الإصابة والوفيات هي التي تحتل الصدارة، بلغة الاحصائيات المجردة، للدلالة على وضع آني فإن إنعكاسات الجائحة، الآنية منها وبعيدة المدى، وامتدادها بشكل سريع، يضيف إلى الوضع العام الكارثي، «بيئة مثالية» لتفشي أمراض من نوع آخر. أمراض بالإمكان معالجتها لو توفرت الإرادة السياسية الوطنية وتم تعقيم البلد من ميكروبات الفساد. فالعراق بلد يتمتع بثروة لا تتوفر للدول العربية الأخرى التي تليه في قائمة الإصابة بالفيروس مثل الأردن ولبنان والمغرب. شبح الفقر بعيد إذن والتحجج بقلة الموارد المادية أكذوبة مفضوحة. خاصة وإن تعافي أسعار النفط، عالميا، عزز الإيرادات من مبيعات النفط في شهر حزيران/ يونيو لتتجاوز ستة مليارات دولار للشهر.
إلا أن هذه الثروة سرعان ما تُصبح سرابا، عند الحديث عن مقايضتها بتوفيرالخدمات للمواطنين. وهنا تأتي انعكاسات إنتشار الكورونا المضاعفة، الممتدة أبعد من الحاضر، حين تتزاوج مع التدهور الكلي إلى الحضيض، منذ غزو البلد عام 2003، وتسليم السلطة إلى عراقيين يحكمون بالنيابة.
من ناحية توفير اللقاح وتوزيعه، يأتي العراق في مستوى متدن للغاية. إذ لم يتلق اللقاح بجرعتيه، حتى الآن، غير أربعة بالمئة من المواطنين (مقارنة بدول تقترب من 70 بالمئة من البالغين كتشيلي). مما يعني، إذا ما استمر الوضع على هذا الحال، ستصل نسبة 70 بالمئة من مجموع أربعين مليون من السكان عام 2075.
ويعيش المهجرون والنازحون قسريا (من العراقيين والسوريين ومن بلدان أخرى) البالغ عددهم ستة ملايين ونصف، حسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في شهر حزيران، مأساة مضاعفة. إذ يعانون من عدم القدرة على العمل وكسب العيش بسبب القيود المفروضة على الحركة. مما يعرضهم لقبول أي عمل كان مهما كانت نتائجه، ومعاناة الأكثرية من الصدمات النفسية، والتوتر والقلق، ووقف الأنشطة التعليمية، وتصاعد العنف المنزلي، والاستغلال الجنسي. وقد دفع الاستغلال الجنسي المفوضية إلى إضافة تحذير، بالخط العريض، عند التسجيل للحصول على اللقاح، يبين إنه في حال طلب أي موظف يتبع لجهات فاعلة في العمل الإنساني الاغاثي أو التنموي ـ بما في ذلك وكالات وبعثات الأمم المتحدة أو المنظمات غير الحكومية الوطنية أو الدولية بأي خدمة أو نشاط جنسي مقابل الوعد بتوفير لقاح جائحة كوفيد 19، فإن ذلك يعد ارتكابا لجريمتي الاستغلال والانتهاك الجنسيين.

حققت الحكومات العراقية المتعاقبة نجاحا مذهلا في تلاشي الثقة، حتى بين مؤيديها، جراء إطلاق الوعود الكاذبة، والقرارات التخديرية، وسياسة التزييف المنهجية

من الجانب الحكومي، تُلقي معظم التصريحات مسؤولية انتشار الوباء على قلة وعي المواطنين، وخوفهم من اللقاح وتجاهلهم الإجراءات الحكومية. إلا أنها قلما تتطرق إلى الأسباب الحقيقية وأهمها انعدام الثقة، عموما، بالإجراءات الحكومية، أيا كانت. فمن المعروف إن التحدي الذي تواجهه الحكومات ( حتى الديمقراطية فعلا) لا يقتصر فقط على معرفة السياسات التي يختارونها، ولكن أيضًا في كيفية تنفيذ السياسات، وتعتمد القدرة على التنفيذ بشكل رئيسي على الثقة. بدونها لا أمل في تطبيق أي اجراء حكومي ولو كان لصالح الناس أنفسهم. وقد حققت الحكومات العراقية المتعاقبة نجاحا مذهلا في تلاشي الثقة، حتى بين مؤيديها، جراء إطلاق الوعود الكاذبة، والقرارات التخديرية، وسياسة التزييف المنهجية المبنية على الاستهانة بعقول الناس، فضلا عن اللجوء الى العنف بأشكاله.
وإذا كان التعامل مع الوباء مشكلة عالمية، فإن انقطاع التيار الكهربائي يشكل نموذجا متميزا يُحسب للحكومة العراقية دون غيرها. تجثم المشكلة، القابلة للحل، بثقلها على صدور الناس فتمنعهم من التنفس، وأحيانا الموت من شدة الحرارة، بعد مرور 18 عاما على إطلاق الوعود بالأطنان عن تحسين الوضع. وهناك من الدلائل العلمية ما يؤكد إن عدم توفير الكهرباء وتعريض حياة المواطن للخطر القاتل هو جريمة بحد ذاتها، في بلد ترتفع فيه درجة الحرارة، على مدى ثلاثة شهور كل عام، إلى ما يزيد على الخمسين درجة مئوية. حيث يؤكد العلماء أن درجة حرارة الجسم التي من المفترض ثباتها، ترتفع إذا كانت درجة الحرارة الخارجية مرتفعة للغاية. فيصاب المرء أولاً بالإرهاق الحراري، الذي يتسم بالصداع والغثيان أو الدوار إلى أن يصل نقطة تحول تختلف باختلاف الاشخاص، لكنها تدور حول 42 درجة مئوية إذ يتوقف جدوى التعرق ويمكن أن ترتفع درجة حرارة الجسم، لتصل أحيانا فوق 44 درجة مئوية. مما يسبب الوفاة. ويتضاعف الخطر في محافظة البصرة وحواليها باضافة درجة الرطوبة العالية التي توقف التعرق في منطقة الخليج العربي.
تتجاهل الحكومة هذه الحقائق الواضحة، بدون أن تتخذ أي إجراء فعال، لانقاذ حياة الناس، بل تكتفي باطلاق التصريحات وبعض الإجراءات الترقيعية. ولعل أكثرها إهانة للمواطنين هو الإعلان المبتذل عن تشكيل لجان التحقيق. على هذا المنوال شكل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي لجنة «لفتح تحقيق في حالات التقصير والإهمال في بعض مفاصل وزارة الكهرباء». ونشر تغريدة عن «التحقيق لمعرفة اسباب الانقطاع بالمنظومة الكهربائية للوصول إلى اجابات عن حقيقة ما حصل. هل سببه خلل فني أم عمل إرهابي أم سياسي». وكأن المشكلة طارئة والصيف يحل بالعراق للمرة الأولى، مما يستدعي تشكيل لجنة حكومية للتحقيق في الاسباب، وكأن انتفاضة تشرين / أكتوبر 2019، التي راح ضحيتها مئات المحتجين وجرح مئات الآلاف، حدثت في بلد آخر غير العراق. ولأن كثرة الهم والأسى تدفع الناس إلى السخرية وتبادل النكات دفعا للجنون، كثرت النكات حول الكورونا وانقطاع الكهرباء إلا أن مواقع التواصل الاجتماعي شهدت في الايام الأخيرة إضافة نوعية، برزت مع لجوء الكاظمي الى اطلاق التغريدات تشبها بالرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. الاضافة الجديدة هي الاكتفاء بتوزيع التغريدات الغرائبية بلا تعليق. فهل تحتاج تغريدة مثل «العراق مستعد لتعزيز التعاون مع إيطاليا، في مجال التدريب وتطوير العمل في مكافحة الفساد وغسيل الأموال والجريمة المنظمة والمافيات» لأي تعليق لاثارة الضحك؟

كاتبة من العراق

 

 

مبادرة جمعيات

أمهات الضحايا في العراق

هيفاء زنكنة

 

داخل خيمة صغيرة، في مدينة توسم بالقدسية، اعتصمت أمرأة نحيفة، منهكة الملامح، مجللة بالسواد، تتجمع دموعها في قلبها غضبا ينذر بالانفجار. انفجار أم عراقية ثكلى بابنها.
اسم المرأة المعتصمة هو سميرة. ينادونها أم ايهاب، تكريما للآصرة الأبدية بين الأم والابن/ البنت، في عراق يحترم الأم ويكاد يقدسها. أزالت القوات الأمنية الخيمة، عدة مرات، لأنها باتت مزارا للمطالبين بمعرفة قتل المتظاهرين. صارت أم ايهاب وخيمتها، تجسيدا حيا لشعار «من قتلني» الذي يستمر المحتجون، في عدة مدن، برفعه بصوت واحد لستمائة قتيل، تخضبت أيدي مسؤولي الحكومة بدمائهم، منذ انطلاق انتفاضة تشرين / اكتوبر 2019.
ولايزال المحتجون يتساقطون بينما يتمتع القتلة بالحماية والتكريم. حيث بات كتم الأصوات، اغتيالا، نسغا يمد الميليشيات وأحزابها بمواصلة البقاء والهيمنة. وهذا هو أحد أسباب أغتيال ايهاب الوزني، رئيس تنسيقية الاحتجاجات في كربلاء، جنوب بغداد، من الأصوات المناهضة للفساد وسوء الإدارة، المطالب بوطن يُحترم فيه المواطن ولا يهان، بوطن لا تتنعم فيه فئة لصوص ومجرمين على حساب أبناء الشعب، والحد من نفوذ الميليشيات. صورت كاميرات مراقبة قريبة من منزله لحظة اغتياله، في 9 مايو، كما وثقت أشرطة فيديو عمليات اغتيال ناشطين غيره من قبله. ووعدت القوات الأمنية بمحاسبة القتلة، كما وعدت سابقا، وكما وعد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي شخصيا، لتبقى الجريمة بلا محاسبة، مسجلة ضد مسلحين مجهولين. وإذا كان رئيس الوزراء قد نجح سابقا في طمر الجرائم تحت غطاء وعوده وزيارته لذوي الضحايا، واحتضانه أطفال الضحايا أمام عدسات الكاميرات، واستنكار الجرائم خطابيا، كأنه مسؤول منظمة غير حكومية، وكأن القتلة نزلوا من المريخ، فان مثابرة أم ايهاب على المطالبة بمحاسبة قتلة ابنها، وفق القانون، وعدم رضوخها للضغوط والتهديدات، والقبول بالوعود المعسولة، وزيارة ممثلة الأمم المتحدة جينين هينيس بلاسخارت، يوم الخميس الماضي، يشير الى أن جسد الامبراطور، وليست ملابسه الوهمية فقط، قد تهرأ.
إن موقف أم ايهاب على المستوى العام هو استمرار للحركة الاحتجاجية ومشاركة النساء منذ احتلال العراق عام 2003. نساء العراق اللواتي يقفن أمام المعتقلات والدوائر الأمنية بحثا عن أحبائهن المختفين قسرا والمفقودين، مطالبات بحقوقهن كأمهات وزوجات، منذ عقود. يقفن أيام البرد والحر القائظ انتظارا. فقد يعطف عليهن شرطي أو رجل أمن « شريف» فيهمس لهن بخبر ما يمنحهن الأمل بوجود أحبتهن في أحد المعتقلات أو حتى امكانية العثور على جثة في ثلاجة إحدى المستشفيات. لتبدأ رحلة من نوع آخر. رحلة تقتضي، إذا كان الشخص حيا، ارضاء المرتشين والمبتزين وتحمل إهانات وتهديدات الشرطة وقوات الأمن. وبيع ما يملكن (الجسد أحيانا) لإشباع جشع المجرمين من دعاة حماية الأمن.

استنادا الى تجارب مماثلة في المغرب والجزائر وكولومبيا والمكسيك وتشيلي، من المفيد لأية مبادرة على غرار جمعيات العوائل التعاون مع المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لتحقيق رؤية أوضح واكتساب مصداقية أكبر

أما على المستوى الشخصي، فان موقف أم ايهاب انعكاس لموقف ابنها الذي أقسم حين قيل له إن أعداد المتظاهرين بدأت بالتناقص مع ازدياد حملة الاغتيالات، بأنه سيواصل التظاهر وحده، في بلد الحكومة فيه ظل شاحب لميليشيات تستعرض أسلحتها وقوتها حيثما وأينما شاءت في قلب البلد في العاصمة. وكأنه رسم بذلك مسار حياة أمه بعد اغتياله، أن تعيش حياته. لتعكس بذلك الصورة المتعارف عليها: أن يحمل الأبناء عبء مواصلة طريق الآباء ونقل الإرث من جيل إلى جيل.
وكما اجتمع عدد من الأمهات في ساحة مايو، أمام قصر الرئاسة في وسط بوينس آيرس، عاصمة الأرجنتين، للمطالبة بمعلومات عن مكان وجود أبنائهن المختفين، في ظل النظام القمعي وما سمي «الحرب القذرة» عام 1977، وازاء ازدياد الضغوط الأمنية ومنعها من مواصلة الاعتصام أمام مقر القضاء في مدينتها، دعت أم إيهاب عوائل ضحايا الاحتجاج، خاصة النساء، من أمهات وشقيقات وزوجات، الى مشاركتها الاعتصام. ولبى الدعوة عدد من النساء في محافظات ذي قار وبابل وبغداد. مما يشكل نقطة تحول نوعية أبعد من المطالبة الفردية. فهل بتنا نشهد بذرة إنشاء جمعية أو جمعيات عائلات الضحايا، كما في عديد البلدان المحتلة أو الخاضعة لنظام قمعي، أو تعيش مرحلة العدالة الانتقالية ما بعد انتهاء النزاع او الحرب؟ جمعيات، غالباً، ما يتم تأسيسها من قبل أقارب اشخاص أغتيلوا أو اختفوا خلال بحثهم عن أحبائهم. فبسبب تجاهل المطالب الفردية للعائلات من قبل السلطات، يتكاتف الأهالي معاً للبحث عن أحبائهم وللتحرك من أجل قضيتهم أو محاسبة الجناة.
بالإضافة الى العمل على تشكيل شبكة وطنية للتوعية بخصوص حقوق الضحايا على الصعيدين الوطني والدولي والدفاع عن حقوق عائلات الضحايا في الحقيقة والعدالة. هل من الممكن تأسيس جمعيات كهذه في ظل حكومة تديرها، عمليا، ميليشيات مسلحة مسؤولة عن جرائم قتل وتهديد واختطاف موثقة محليا ودوليا؟ كيف يضمن أفراد الجمعيات سلامتهم وقد عاشوا أنفسهم مأساة اغتيال احبائهم، ومسؤولي الحكومة الذين يفترض اللجوء اليهم لتحقيق العدالة هم أما طرف فعلي في الجرائم أو متفرجون صامتون؟
كيف يمكن لمجموعة نساء التغلب على مشاعر الخوف وهو من أكثر المشاعر تجذرا في الطبيعة الإنسانية وهن يدركن أنه تحذير من خطر حقيقي يهدد حياتهن؟ قد يكون تواجد الأمهات معًا، ووجود محتجين آخرين، مصدر قوة لمواجهة العنف والقمع. عن الخوف تقول إحدى « أمهات ساحة مايو: «في كل مرة وأنا في طريقي إلى الساحة كنت أشعر بالخوف مما قد يحدث، كنت أسمع صوت قلبي وهو يخفق بشدة حتى يكاد أن ينخلع من مكانه، لكن ما أن أصل إلى الساحة وأنضم للأخريات حتى يزول خوفي بل أزداد قوة وإصرارًا على مواصلة النضال».
استنادا الى تجارب مماثلة في المغرب والجزائر وكولومبيا والمكسيك وتشيلي، ومع مراعاة خصوصية وخطورة الوضع في العراق، من المفيد لأية مبادرة على غرار جمعيات العوائل التعاون مع المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لتحقيق رؤية أوضح واكتساب مصداقية أكبر، بالاضافة الى التنسيق حول توثيق الجرائم والعمل على أعداد قاعدة بيانات، توضع على شبكة الإنترنت، من قبل ناشطين مقيمين في الخارج وذلك لأنهم لا يتعرضون للمخاطر الأمنية التي يتعرض لها الناشطون داخل البلد، آخذين بنظر الاعتبار تجنب مطب انتقائية الضحايا والشهداء الذي يعمل وفقه النظام الحالي، بل متابعة قضايا جميع أنواع الضحايا، مهما كانت خلفيتهم القومية أو الدينية، سواء كانوا ضحايا الدولة أو الجماعات الإرهابية أو الميليشيات بأنواعها. وأن يكون الهدف الأساسي هو تحقيق العدالة للجميع والعمل على عدم تكرار الجرائم مستقبلا.

كاتبة من العراق

 

 

كيف أصبح العراق

جزءا من طريق البلقان؟

هيفاء زنكنة

بشكل شبه يومي تعلن الجهات الأمنية بالعراق عن القاء القبض على مهربي ومتعاطي المخدرات، خاصة، في بغداد والبصرة جنوبا وديالى على الحدود العراقية الايرانية. ففي يوم 20 حزيران/ يونيو ألقت قيادة عمليات بغداد القبض على ستة متهمين بتعاطي المواد المخدرة وضبطت بحوزتهم مادة الكرستال. وهو الاسم الشائع للميثامفيتامين، المنشط القوي والمسبب للإدمان بسرعة. وفي يوم 19 حزيران تمكنت مفارز وكالة الاستخبارات والتحقيقات الاتحادية في وزارة الداخلية من إلقاء القبض على مهربين للمخدرات بحوزتهما 10 كيلوغرامات من مادة الحشيشة في البصرة. كما أعلنت وكالة الاستخبارات التابعة لوزارة الداخلية، القبض على تاجر وناقل للمواد المخدرة من إحدى دول الجوار في البصرة. نستخلص من إعلانات القوات الأمنية أن هناك مشكلة متفاقمة يقومون برصدها ومحاولة القضاء عليها، وأن المهربين والمتعاطين تتم معاملتهم بشكل متساو وأن لدول الجوار دورا في انتشار هذه الآفة التي يتم التعامل معها كمشكلة « أمنية».
تثير كيفية التعامل العديد من التساؤلات التي لم يتم الالتفات اليها على الرغم من كثرة التقارير والتغطية الصحافية المحلية والدولية، تساؤلات عن الجهات المستفيدة من زرع وانتشار هذه الآفة بالاضافة الى أسباب سرعة انتشارها في بلد كان نظيفا تماما حتى غزوه عام 2003. وإذا كان العراق معبرا لتمرير المخدرات، في السنوات الأولى من الاحتلال، جراء غياب القانون وتفكيك الدولة، فكيف تطور ليصبح، بالاضافة الى ذلك، الى مستهلك ومصّنع للمخدرات الكيمياوية؟
تشير البيانات في التقرير العلمي « تعاطي المخدرات والكحول في العراق: نتائج مجموعة العمل لدراسة المجتمع العراقي» الصادر 2014، إلى أن المواد الأكثر استخدامًا هي الكحول والحشيش والعقاقير الموصوفة. وتشمل المخدرات الجديدة من نوع الأمفيتامين «كبتاغون» والكريستال ميثامفيتامين، ومسكن الآلام ترامادول مع زيادة استخدام الأفيون الأفغاني والترياك (شكل خام من الأفيون) والهيروين. مما يدل على زيادة حجم الكارثة بمرور الوقت على الرغم من اعلانات القوات ألامنية عن عملياتها الناجحة. فأين مكمن الخلل اذن؟
هناك أسباب عديدة لانتشار استهلاك وتجارة المخدرات من بينها أن مناطق النزاع والحروب مفتوحة أكثر من غيرها لتجارة توازي في مردودها الاقتصادي صناعة السلاح. واستشراء الفساد بين المسؤولين هو عمودها الفقري. الملاحظ اهمال هذا الجانب عند التطرق الى الفساد المنهجي المؤسساتي بالعراق، حيث يتم التركيز على الفساد الاقتصادي الشاسع في مجال النفط، واذا ما أشير الى المخدرات فمن باب كونها مشكلة « مستوردة» بدون ذكر المسؤولين عن استيرادها وكيفية محافظتهم على ديمومتها كأداة للسيطرة على الشعب والتحكم بمستقبل البلد. وقلما ينظر اليها من زاوية دور الاقتصاد غير المشروع في تأجيج الصراعات الطائفية والقومية وتعزيزها، داخل البلد، كما يُهمل النظر الى تجارب شعوب أخرى أثبتت الاقتصادات غير المشروعة فيها والجماعات التي تمكّنها أنها متماسكة للغاية، وقادرة على التكيف، وعرضة لتوسيع نشاطاتها.

استمرار الصراع بين الأحزاب المتنازعة على السلطة وسياسة قمع الأصوات المعارضة، كما نرى في العراق، يعني استمرار الربح من المخدرات وتوفير الحجج لعسكرة قوات الشرطة المحلية

صحيح أن ارتفاع معدلات البطالة وحالة اليأس وانخفاض الفرص، والنزوح وعدم الاستقرار، وما عاشه البلد من حروب واحتلال واستمرار النزاع المسلح والارهاب، يجعل السكان، الشباب والفئات المهمشة خاصة، أكثر تقبلا لتعاطي المخدرات وكذلك لتهريبها والاتجار بها وتصنيعها من أجل كسب المال، إلا أن الترويج الحقيقي وتجذير المشكلة، غالبا ما يتم إما بمساهمة المسؤولين الحكوميين الفعلية أو التغاضي عنها لأسباب يرون فيها تقوية لنفوذهم.
في دراسته المعنونة «في صنع الحرب: مناطق الصراع وانعكاساتها على سياسة المخدرات،» يتناول الباحث تيوزداي ريتانو ما يسميه « نموذج الحكم العنيف» خلال فترة النزاع والصراع المسلح « اذ يتم تحقيق النفوذ السياسي من خلال الوصول إلى الموارد ذات القيمة أو يمكن تحقيق الدخل منها؛ حيث تشتري الموارد دعم المجتمعات المحلية من خلال توفير سبل العيش والوصول إلى النفوذ السياسي الحالي (من خلال الفساد) ؛ وحيث تشتري الموارد أيضا امكانية الحصول على الأسلحة والجنود المشاة (الميليشيات أو الجيوش أو الأمن المدفوع أو «الجيوش»)، والتي يمكن استخدامها بدورها للضغط على المعارضة أو مهاجمتها، وتقويض احتكار العنف، وتأمين السيطرة على الأراضي والأصول، أو ابتزاز الدعم من السكان المحليين».
ولا تقتصر الاستفادة من تجارة المخدرات على الجهات الحكومية بل تتعداها الى الميليشيات بأنواعها المتكاثرة والمنظمات الإرهابية، ويُقدر المركز النرويجي للتحليل العالمي أن عائدات الاتجار بالمخدرات تمثل 28 في المائة من دخلها في مناطق الصراع. معظم هذه الإيرادات لا تأتي من إنتاج أو توزيع المخدرات، أو من وسائل مباشرة أخرى للمشاركة في تجارة المخدرات، ولكن من فرض الضرائب على المخدرات التي تمر عبر الأراضي التي تسيطر عليها الجماعات. هنا تبرز أهمية العراق كمعبر أضيف الى ما يسمى بطريق البلقان المشهورمع وجود حدود طويلة ومفتوحة مع إيران بالاضافة الى تركيا وسوريا من جهة ودول الخليج من جهة ثانية. وحسب مكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة يتم تهريب الهيروين ومصدره أفغانستان الى إيران إما مباشرة أو عبر باكستان ومن ثم الى العراق، عبر البصرة وأربيل، ومنه الى تركيا والأردن.
يساعد انضمام العراق الى طريق البلقان إيران، بشكل خاص، لكسر طوق الحصار الاقتصادي المفروض عليها أمريكيا، كما يوفر مردودا ماليا كبيرا للميليشيات والقوات الأمنية التي تدير المعابر الحدودية، آخذين بنظر الاعتبار ان مردود تجارة المخدرات تزيد على المليار دولار سنويا، وان أفراد الميليشيات، أنفسهم، وخمسين بالمائة من القوات الأمنية ( صحيفة نيويورك تايمز – 25 أكتوبر 2010) يدمنون شرب الكحول والمخدرات كالترياك والكريستال وحبوب الكبتاغون، لأنها تمنحهم الشجاعة والاندفاع وتجاوز الكوابح الأخلاقية. ولعل هذا يفسر نوعية الجرائم الوحشية المرتكبة بلا مبرر احيانا. وكانت الحكومة النازية قد وفرت لجنودها حبوبا تماثل الكريستال، وفقًا لنورمان أوهلر، مؤلف « المخدرات في المانيا النازية» التي ساعدت « الجندي أن يصبح روبوتًا مقاتلًا «. ومعروف ان استخدام المخدرات منتشر بين القوات الأمريكية في كل حروبها، خصوصا منذ حرب الفيتنام، كما يستخدمها المرتزقة او المتعاقدون الأمنيون كما حدث في العراق وأفغانستان.
إن الصراع الممول من المخدرات ليس جديدا فالمخدرات سلع ذات قيمة عالية ومربحة للغاية وقابلة للنقل بطرق سهلة نسبيا في بلد حدوده مفتوحة أو مدارة من قبل جهات مستفيدة من التجارة. واستمرار الصراع بين الأحزاب المتنازعة على السلطة وسياسة قمع الأصوات المعارضة، كما نرى في العراق، يعني استمرار الربح من المخدرات وتوفير الحجج لعسكرة قوات الشرطة المحلية. ولن تتمكن الحكومة الحالية، مهما نشرت من بيانات حول إلقاء القبض على المدمنين والتجار، من وضع حد للمشكلة لأنها سبب المشكلة.

كاتبة من العراق

 

 

يوم صارت أصوات

الضحايا العراقيين حجارة

هيفاء زنكنة

 

خلال أسبوع واحد، أصدرت أربع منظمات دولية تقارير وبيانات عن استمرار النظام العراقي بقمع واستهداف المتظاهرين. واجه النظام التقارير الموثقة بطريقتين، الأولى هي الصمت والتجاهل والثانية اطلاق رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي وعودا جديدة الى أن زار مدينة الناصرية، جنوب العراق، يوم السبت الماضي.
لابد أن الكاظمي توقع أن يستقبل بالهوسات الشعبية، وربما اطلاق النار في الهواء، ترحيبا بزيارته الناصرية، جنوب العراق، خاصة وأن غرض الزيارة هو تدشين جسر. وهو حدث نادر، إذا ما تحقق فعلا، في زمن المشاريع «الفضائية» أي الافتراضية، والفساد المستدام. الا أن المحتجين من سكان المنطقة الذين عانوا الأمرين من عدم الاستماع لمطالبهم فيما يخص الخدمات الأساسية، والارهاب الحكومي المتمثل بالتهديد والاختطاف والقتل، حاصروا الكاظمي مطالبين بالكشف عن قتلة النشطاء السياسيين والمحتجين في الحراك الشعبي الموحد، الذي تجدد يوم 25 أيار/ مايو، تضامنا مع بغداد وبقية المدن، تحت شعار « من قتلني؟». هاتفين بأصوات 565 متظاهر قتل منذ انطلاق انتفاضة تشرين/ أكتوبر 2019، بالاضافة الى عشرات النشطاء الذين أغتيلوا « على يد مجهولين».
هرب الكاظمي، محاطا بحراسه الأمنيين، بعد أن بدأ عدد من المحتجين رشق موكبه بالحجارة وليس الرصاص الحي الذي تستخدمه «القوات الامنية» ضد المحتجين، بأمرة القائد العام للقوات المسلحة، أي الكاظمي، الذي كان على رأس قائمة وعوده، عند تسلمه السلطة، تشكيل لجنة للتحقيق بمحاكمة المتورطين في قتل المتظاهرين والناشطين. كالمعتاد، دُفنت اللجنة تحت ركام المآسي اليومية التي يعيشها المواطن. ولم يتم تقديم أي متهم للقضاء حتى الآن. واضيف قتل المتظاهرين الى سلسلة الجرائم والانتهاكات التي تعاود المنظمات الحقوقية العراقية والدولية التذكير بتاريخ حدوثها والمطالبة بمعرفة نتائج التحقيق فيها.
فمنذ أيام أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرا بمناسبة مرور خمس سنوات على ما حدث في الصقلاوية. استهلت المنظمة التقرير بصورة لصبي، في وثيقة نجد فيها المعلومات التالية « محل وتاريخ ولادة حامل الشهادة : الصقلاوية ـ الفلوجة. الدين : مسلم «. وعند مواصلة القراءة سنجد ان هذا الصبي هو واحد من 1300 رجل وصبي، اقتادتهم ميليشيا» الحشد الشعبي» المسلحة، وهي جزء من القوات المسلحة العراقية، تعمل بأمرة الكاظمي، قانونيا، صباح الثالث من يونيو/حزيران 2016 بعيدا عن عوائلهم في منطقة الصقلاوية في محافظة الأنبار. وعند غروب الشمس، صعد ما لا يقل عن 643 رجلاً وصبياً إلى حافلات وشاحنة كبيرة.
أثار الاختطاف ضجة كبيرة أجبرت رئيس الوزراء آنذاك، حيدر العبادي، على تشكيل لجنة للتحقيق في حالات الاختفاء والانتهاكات المرتكبة في سياق العمليات العسكرية لاستعادة السيطرة على الفلوجة. كان ذلك في 5 يونيو/حزيران 2016، ولم يتم الإعلان عن النتائج التي توصلت إليها اللجنة. ولم ترد السلطات العراقية على طلب منظمة العفو الدولية للحصول على معلومات في ذاك الوقت. ولم يسمع ذوو الـ 643 رجلا وصبيا أي خبر عنهم على الرغم من مرور خمس سنوات على اختطافهم وتشكيل اللجنة التحقيقية بأمر رئيس الوزراء.

إذا كان عام 2020 قد تميز بقتل واختطاف المتظاهرين، فان بقية الانتهاكات الصارخة لم تنته بل تجذرت أعمق فأعمق في ممارسات النظام، ومن بينها تفشي استخدام التعذيب

وتلاقي منظمة « هيومن رايتس ووتش» الدولية، التي توثق حالات الاختفاء القسري في جميع أنحاء العراق منذ عقود، جدار الصمت ذاته الذي تصطدم به منظمة العفو الدولية عند تعاطيها مع النظام فيما يخص حقوق الإنسان. ففي عام 2018، اصدرت تقريرا موثقاعن 78 رجلا وصبيا تم إخفاؤهم قسرا بين أبريل/نيسان 2014 وأكتوبر/تشرين الأول 2017. وفي يونيو/حزيران 2018، أرسلت المنظمة استفسارا يتضمن قائمة بأسماء عشرات الأشخاص المخفيين، بالإضافة إلى التواريخ والمواقع التقريبية التي شوهدوا فيها آخر مرة، إلى حيدر العكيلي، مستشار حقوق الإنسان في المجلس الاستشاري لرئيس الوزراء، لكنها لم تتلق قط أي رد رسمي.
وفي تقريرها الأخير المعنون « العراق احداث 2020» أشارت المنظمة الى ظاهرة اطلاق الوعود الصوتية من قبل مسؤولي النظام خاصة رئيس الوزراء، مستهلة التقرير بالقول «رغم تكرار الوعود بمعالجة بعض التحديات الحقوقية في العراق، لم تتمكن حكومة مصطفى الكاظمي، التي استلمت الحكم في مايو/أيار 2020، من إنهاء الانتهاكات بحق المتظاهرين، حيث تستمر الجماعات المسلحة بالإفلات من العقاب لممارسة الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون بحق منظمي المظاهرات ومنتقدي النخبة السياسية في العلن». وإذا كان عام 2020 قد تميز بقتل واختطاف المتظاهرين، فان بقية الانتهاكات الصارخة لم تنته بل تجذرت أعمق فأعمق في ممارسات النظام، ومن بينها تفشي استخدام التعذيب والاعترافات القسرية في نظام العدالة الجنائية. ويواصل النظام تنفيذ الإعدامات القضائية رغم الانتهاكات الجسيمة للإجراءات القانونية الواجبة. اذ ينفذ العراق أحد أعلى معدلات الإعدام في العالم، إلى جانب الصين وإيران والسعودية. في أغسطس/آب 2019 أصدرت وزارة العدل بيانات أظهرت أن 8.022 محتجزا ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام.
وغالبا ما لايعرف أهل المعتقلين الجهات المسؤولة عن الاعتقال التعسفي على الرغم من مطالبة المنظمات المحلية والدولية بالكشف عن الهياكل الأمنية والعسكرية التي لديها تفويض قانوني لاحتجاز الأشخاص، وفي أي منشآت.
وبينما طالبت بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) الحكومة بتقديم معلومات عن التحقيق والملاحقة القضائية في الجرائم المرتكبة ضد المتظاهرين والمنسوبة، غالبا، الى «مجهولين» أصدر مركز جنيف الدولي للعدالة تقريرا حول تلقيه فيديوهات توثق إنتهاكاتٍ بشعة لفصائل الحشد الشعبي، وتحديداً منها ميليشيا عصائب أهل الحقّ، يقوم أفرادها بعملياتٍ قتلٍ جماعية لعددٍ من المدنيين. ويؤكدّ المركز إنّ الإنتهاكات المصوّرة ترقى إلى جرائم ضدّ الإنسانيّة، مما يتوجب على مجلس حقوق الانسان، بالامم المتحدة، إرسال بعثة تحقيق دوليّة للتحقيق في هذه الجرائم والضغط على السلطات لحلّ الميليشيات وتقديم قادتها الى القضاء الجنائي الدولي. بالاضافة الى تعيين مقرّر خاص لحالة حقوق الإنسان في العراق، يكلّف بالكشف عن كل الانتهاكات المُرتكبة منذ الغزو الأمريكي عام 2003 ولحد الآن.
هل ستغير هذه التقارير المعززة باسماء الضحايا وفيديوهات القتل البشع للمدنيين، من الوضع اللاإنساني الذي يغلفه النظام العراقي بالصمت؟ لهذه التقارير أهمية بالغة من ناحيتين. الاولى توثيقية ستساعد على تحقيق العدالة للضحايا وذويهم مستقبلا. والثانية توعوية لأيصال الصورة الى شعوب العالم، خاصة شعوب الدول التي نفذت غزو واحتلال البلد، ومهدت الارضية لنمو الفساد والارهاب، لحثها على التضامن مع الشعب الذي تم غزوه باسمها. أما التغيير، فان منبعه سيبقى هو الشعب العراقي نفسه بوحدته وايمانه بالعدالة والاستقلال والعيش الكريم للجميع.

كاتبة من العراق

 

 

إزار أم محمد ومعنى

تمكين المرأة العراقية

هيفاء زنكنة

 

اذا كان المفترض من انتشار وباء فيروس كورونا هو اقامة الجدران الكونكريتية حول الأفراد والمجتمعات، بين الدول، في أرجاء العالم، بذريعة «التباعد الاجتماعي» فان الإنسان الذي طالما عُّرِف بأنه حيوان اجتماعي، نجح بحفر ثقوب في الجدران، ليتواصل مع أبناء جنسه، تأكيدا لهويته الاجتماعية. فصار بامكانه، وهو جالس في بيته، زيارة أبعد الأماكن في أقصى الكرة الأرضية ويلتقي بأشخاص ما كان يحلم بلقائهم، سابقا، جراء البعد الجغرافي أو التكلفة المادية أو الحظر السياسي. صار الـ«زوم» وآليات التواصل الاجتماعي الإلكترونية الاخرى نافذة مفتوحة للجميع، يطلون منها على عوالم، كانت في غرف مغلقة تسمى الدول، لا تُفتح ابوابها الا للنخبة ممن يتحكمون بنقاط التفتيش والحدود والرقابة.
عبر الزوم، كثرت اللقاءات والاجتماعات، بأنواعها. من الفردية الى العامة. فاتسع الفضاء العام، إيجابيا، للناشطين لتبادل الآراء وتشجيع المبادرات. لم يعد اطلاق كتاب من تأليف أسيرة فلسطينية محررة مقتصرا على دار النشر في مدينتها المحاصرة من قبل الصهيوني الاستيطاني، أو متابعة مبادرة إنسانية أو فنية محصورا في بقعة جغرافية لا يسمع بها أحد.
هذه الإمكانية الهائلة بالانفتاح وعبور حدود البلدان، وتجاوز قيود السفر ومخاوف نقل العدوى، نقلت مجموعة من المهتمين بالفنون اليدوية التقليدية، المنتمين الى بلدان مختلفة، الى مدينة البصرة، جنوب العراق. حيث أقامت كلية الفنون الجميلة، بجامعة البصرة أمسية للتعريف بـ (إزار أم محمد) أدارها الاستاذ ياسين يامي. والإزار أو «الشف» هو نوع من السجاد المنسوج، يدويا، ليستخدم اما للفرش على الارض أو الأسرة أو الارائك. وأم محمد (التفات خريجان) هي مديرة مشغل لإنتاج السجاد والبسط والأُزر في مدينة السماوة، جنوب العراق. تحدث في الامسية الفنان رشاد سليم وهو من اوائل مشجعي المشغل ومنتجاته.
يمثل المنتج الرائع للمشغل، بألوانه الزاهية المميزة للمنطقة، إحياء لموروث حرفي أصيل برسوم عفوية تماثل رسوم الاطفال وتصنيع يدوي بالغ الدقة. لا تتدخل فيه الآلة اطلاقا من لحظة تجميع صوف الغنم وغزله، الى تلوينه ونسجه.

مبادرات الأفراد في المؤسسات الحكومية، ومبادرات أصحاب الأعمال او العقارات، كما مبادرات الجامعات والمدارس، قد تكون أفضل ما يستطيعه البلد في ظروف خراب الدولة وسياسييها

ويستغرق العمل في السجادة الواحدة أكثر من ثلاثة أو أربعة أشهر. يعاني المشغل، على الرغم من حرارة الاعجاب بالتجربة والمنتوج، عدة مشاكل. أهمها قلة الرعاية والاهتمام، وضعف التسويق وتراكم الانتاج. مما يؤثر بشكل سلبي على حياة النسّاجات ومستوى العيش الكريم، اذ ان أغلبهن من الأرامل والمطلقات والمعوزات اللواتي يعتمدن، بشكل أساسي، على ما يدره عملهن، الذي لا يختلف اثنان في قيمته الجمالية والتراثية وصعوبة انجازه. فاذا كان المنتج، بهذه الأهمية، كما تحدث عنه منظمو الأمسية والمشاركون فيها باعجاب وحماس، فلم لا يتم تبني المشروع حكوميا، وتوفير الدعم له من ناحيتي الترويج والتسويق؟ خاصة وأنه مشغل تديره وتعمل فيه مجموعة من النساء، كما تتلقى فيه نساء أخريات التدريب العملي، لما قد يكون سلسلة من ورشات تدريب وتوفير فرص العمل للنساء في مدن أخرى؟ وهي نقطة مهمة جدا. اذ أن معدل البطالة مرتفع في العراق، ومازال معدل المشاركة في قوة العمل متدنيا، لاسيما بين النساء والشباب. فحسب تقرير للبنك الدولي لا يشارك في قوة العمل سوى 15 بالمئة، فقط، من النساء، في سن العمل. وهذه النسبة أقل من النسبة المتدنية، بالفعل، على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا البالغة 22 بالمئة. وبالنسبة للشباب في الشريحة العمرية 15 – 29 سنة، نجد أن 72 بالمئة من النساء و18 بالمئة من الرجال إما خارج المدرسة أو لا يعملون. ويلخص البنك الدولي وضع المواطن المعيشي في البلد بأنه «تراجع التنمية البشرية ومؤشرات الخدمات العامة، ومعايير الرعاية الصحية، ومتوسط العمر، وجهود محو الأمية، وزيادة مؤشرات الفقر».
ولأن للمرأة النصيب الأكبر في التدهور التعليمي والصحي العام ووقوعها في براثن الفقر المدقع، وحاجتها الماسة الى العمل، أيا كان، في العراق اليوم، قد يتبادر الى الأذهان أن الجهات الرسمية والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني الممولة دوليا، ستسارع الى تبني ودعم اي فرصة توفر للنساء التدريب والعمل، خاصة وأنها تصرف مبالغ خيالية على ادارة لقاءات وندوات في فنادق فخمة لمناقشة «تمكين المرأة».
ويكاد لا يخلو أي تقرير عن المرأة في الريف، التي تشكل حوالي ثلث نساء العراق، عن التوصية «بدعم المرأة الريفية من خلال منح القروض الصغيرة وتسويق الانتاج ودعم المنتجات الريفية والاعمال اليدوية». فما هو معنى «تمكين المرأة» إن لم يبدأ في مكان تجد فيه المرأة عملا تحقق فيه ذاتها، وتعبر فيه عن مشاعرها؟ هل هناك ما هو أكثر تمكينا للمرأة من عمل يهبها الافتخار بجمالية المنجز بالاضافة الى تحسين وضعها المادي؟ أليس من المفترض، في هذه الحالة، أن تحظى ورشة « إزار أم محمد « المعنية بتدريب نساء ريفيات على انجاز منتج فني تراثي، يدرأ الفقر، بالاضافة الى تعليمهن القراءة والكتابة، ويجدن فيه متنفسا للقاء والتواصل والتطور، بأولوية الدعم والتشجيع، وأن تكون الورشة نموذجا عمليا، نابعا من صميم المجتمع، يحتذى به في أرجاء البلد؟ أم ان هذا هو، بالضبط، ما لا يراد تحقيقه؟
أثناء أمسية الزوم تبرع علي الكناني، رئيس كلية الفنون الجميلة بالبصرة، بتوفير مكان لعرض منتجات الورشة في مجمع تجاري وتكريم أم محمد في الجامعة. وهي مبادرة مشجعة ستمد فنانات الورشة بالدعم المعنوي. وتبقى مشكلة الترويج والتسويق ازاء انتشار السجاد المستورد الأرخص سعرا لأنه مصنوع آليا. معالجة هذه المشكلة تحتاج حملة وطنية لدعم المنتوج الوطني وقبل ذلك رعايته وتدريب الجيل الجديد حرصا على استمراريته والتأكد من نوعيته. والى أن يتم ذلك، بامكان المسؤولين الافراد في الجهات الحكومية بما لديهم من مجال للقرار، في عديد الدوائر المحلية وفروع الوزارات والمديريات، اتخاذ خطوات بسيطة لن تكلفهم الكثير لكنها ستساهم بانقاذ ورشة الإزار واستمراريتها. تتلخص هذه الخطوة بشراء منتجات الورشة التي لا تضاهى بجمالها ودقة نسجها، وعفوية رسومها، وتوزيعها كهدايا لضيوف المؤتمرات الأجانب ( وما أكثر المؤتمرات الخاصة بالمرأة) بالاضافة الى توفير فرص عرضها في الاماكن السياحية والمطارات، او في تأثيث غرف ضيافتها كما نرى في بلدان المغرب العربي.
والموضوع الأوسع هنا أن مبادرات الأفراد في المؤسسات الحكومية، ومبادرات اصحاب الأعمال او العقارات، كما مبادرات الجامعات والمدارس، قد تكون أفضل ما يستطيعه البلد في ظروف خراب الدولة وسياسييها. فطاقات العراق في جميع ابنائه وبناته. وقد تكون المبادرات المحلية في كل مجال، من الاقتصاد الى الثقافة والخدمات، إذا انتشرت، من أهم مسارات تعافينا.

كاتبة من العراق

 

 

أي عراق يريده المتظاهرون؟

 

هيفاء زنكنة

 

في ظل جريمة الاحتلال الصهيوني الاستيطاني ضد الشعب الفلسطيني، يواصل عدد من الأنظمة العربية، من بينها سوريا والعراق، ارتكاب الجرائم ضد شعوبها بشكل مستديم، لكنه أقل ضجيجا، وأكثر استفادة من ورشات تغليف الممارسات الإجرامية بالديمقراطية. وبينما تنشغل الشعوب العربية بالنزول الى الشوارع تضامنا مع الشعب الفلسطيني، والهتاف بصوت عال أن حكومات التطبيع مع الكيان الصهيوني لا تمثلها، تلتقط الأنظمة القمعية كل من ترى فيه نبلا إنسانيا لتغتاله. ولعل واحدة من أقسى الصور الدالة على لا إنسانية نظام ما، هي تلك التي صاحبت آخر المظاهرات والاحتجاجات العراقية، يوم 25 مايو، ومطلبها الرئيسي هو الكشف عن قتلة المتظاهرين. يومها رفع المتظاهرون السلميون صورة متظاهر شاب يحمل صورة متظاهر قُتل في تظاهرة سابقة. يومها، قُتل ثلاثة متظاهرين وجرح المئات، حين أطلقت القوات الحكومية الرصاص على المتظاهرين العُزل، لتضاف الى قائمة الضحايا أسماء جديدة، في بلد بات فيه القتل سلاحا حكوميا – ميليشياويا مشروعا.
في العراق، بوجود النظام الحالي، لم يعد لهوة الحضيض الأخلاقي والإنساني قاع. حيث تتفكك أكذوبة الديمقراطية وانتخاباتها، يوميا، مع تزايد ضحايا المظاهرات والاعتصامات في أرجاء البلد، ومع استشراء الفساد المُهدد لبنية المجتمع وسيولة الولاء. وصل الانحدار حدا تلاشت فيه « العصمة» الانتقائية التي يقدمها ساسة النظام لمتظاهري هذه المدينة لأنها «مقدسة» أو شرعنة للقتل في تلك المدينة لأنها «إرهابية». إذ نجح النظام الفاسد في تحقيق المساواة للمواطنين، جميعا، بلا استثناء، في حق السقوط ضحية للاغتيال. ليس هناك ما يحمي المتظاهر المطالب بالكشف عن قتلة المتظاهرين في بلد بلا حكومة وبلا قانون. واستديوهات أجهزة الإعلام مفتوحة على سعتها لاستقبال ساسة يعرف الكل مدى انخراطهم بالفساد وجرائم الاغتيال، ان لم يكن بشكل مباشر فصمتا وتسترا. والمفارقة التي يدفع ضحايا الاحتجاجات ثمنها، غاليا، أن ينجو القتلة بجرائمهم، أمام الملأ، لأنهم يتمتعون بحماية أقوى بكثيرممن يقدمون أنفسهم كرؤساء للحكومة وحماة للقانون.
كما حدث في اليوم التالي لمظاهرات 25 مايو الحالي، حين أصدر رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي أمرا بالقاء القبض على المدعو قاسم مصلح، بتهمة اغتيال الناشط إيهاب الوزني، رئيس تنسيقية الحراك الشعبي، قرب منزله في محافظة كربلاء جنوبي العراق. كان القتيل معروفا بموقفه من الميليشيات المدعومة إيرانيا. أعتقل قاسم مصلح، القيادي في ميليشيا الحشد الشعبي، وهو قائد سابق للواء «علي الأكبر» التابع لحشد العتبات الذي تديره المرجعية الشيعية مباشرة، بعد أن أقامت عائلة الوزني، الدعوى ضده ويبدو أن القتيل كان قد أودع لدى عائلته قائمة بأسماء الأشخاص الذين هددوه سابقاً. تأكيدا للأمر، أصدر الكاظمي بيانا جاء فيه أن إلقاء القبض تم بأمر القائد العام للقوات المسلحة مذكرة قبض قضائية وفق المادة 4 إرهاب وبناء على شكاوى بحقه. إلا أن بقاء المتهم رهن التحقيق لم يدم غير ساعات إذ « قامت سلطات عراقية بإطلاق سراحه» ونقله سالما آمنا الى منزل رئيس هيئة الحشد الشعبي. مما أوضح من هو مالك السلطة الحقيقية في البلد.

الهوية الوطنية وتآخي قوميات وأديان العراق وعمق ثقافته وتاريخه، أقوى من أن تمحى. إنه جيل إستعادة العيش سوية، كمواطنين متساوين، بغض النظر عن الجنس والعرق والدين

هذه «السلطات العراقية» عاملت المطالبين بمساءلة قتلة المتظاهرين بطريقة مختلفة تماما. حيث لم تتوان عن إطلاق الرصاص الحي عليهم، والاعتداء عليهم، وترى انتهاكاتها ضرورية في سيرورة بدأت منذ انتفاضة تشرين / اكتوبر 2019 وحتى اليوم، ليزداد عدد الضحايا، بشكل طردي، مع تهرؤ قناع الاصلاحات الموعودة، ومع استبدال وجه رئيس وزراء بآخر، في حكومات احتلال متعاقبة موسومة بأنها» منتخبة». وكان أحد اعضاء المفوضية العليا لحقوق الإنسان قد تحدث عن وجود 89 محاولة اغتيال لنشطاء وإعلاميين بالإضافة الى التهديدات. ويأتي توقيت ارتكاب هذه الجرائم مع تكسر الاسطوانة المشروخة عن «محاربة الإرهاب» و «خطر داعش» و«القاعدة» و«أزلام النظام السابق». لتحل محلها، بشكل تدريجي، بين عامة الناس، توصيفات « الفساد» و«الطائفية» و« الميليشيات» و«العمليات الخاصة» و« الفصائل الولائية».
ليس هذا ما يريده المواطنون. لم يكن مطلبهم، لا في الماضي ولا الحاضر، تبديل الإرهاب بإرهاب آخر أو المسميات والتصنيفات بأخرى. ما يريده المواطن هو أساسيات بناء الحياة الكريمة من صحة وتعليم، وحقوق توفر له ولأبنائه مستقبلا آمنا في ظل قوانين تطبق على الجميع بلا استثناء. فكيف يحقق ذلك وهو يكاد يختنق في وضع تتحكم به عصابات تتنازع فيما بينها على المكاسب وتتوحد في احتقارها واستهانتها للشعب. هناك مشاريع وبرامج ومبادرات تحت شعارات مشجعة يتم تقديمها، بين الحين والآخر، من مجموعات وحركات ومنظمات، كحل للوضع الكارثي في البلد. هناك قوائم من احزاب جديدة أو قديمة بمسميات جديدة. المظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات مستمرة في ساحات المدن المختلفة. يحاول كل منها طرح مشروعه ومطالبه وفق منظوره. في ذات الوقت الذي لم يبرز فيه مشروع وطني موحد يهدف الى تحرير أرض الوطن من الاحتلال، بأنواعه، والكفاح ضد أشكال الاستغلال وسلبه كرامته وحقه في الحرية. علينا أن نواجه حقيقة أن عملية استبدال رؤساء الوزراء كما في استبدال عادل عبد المهدي برئيس المخابرات الكاظمي لم يكن نصرا للمعتصمين، بل مناورة حلول نجح ساسة النظام في تمريرها لتمديد حياة النظام.
هذا لا يعني أن انتفاضة تشرين لم تحقق شيئا. فقائمة انجازاتها الإيجابية طويلة ولعل أهمها أنها منحتنا لمحة ( بالمعنى التاريخي للمحة) لما يجب أن يكون عليه العراق، بجيل جديد طليعته شباب مثقف يُدرك خطورة الطائفيين، يسعى لأن يرى العراق متشافيا متعافيا من الفساد والولاءات الخارجية وسياسات التجهيل، وبقية الأمراض التي زرعها المحتل في تربة أجهدتها سنوات الاستبداد والحصار. جيل ينهض لأنه يحمل روح نضال التحرير من الاستعمار وقادر، في الوقت نفسه، على غربلة خطايا وأخطاء الفترة اللاحقة. ليثبت أن الهوية الوطنية وتآخي قوميات وأديان العراق وعمق ثقافته وتاريخه، أقوى من أن تمحى حتى لو تعاون المحتل والمستبد المحلي سوية. إنه جيل إستعادة العيش سوية، كمواطنين متساوين، بغض النظر عن الجنس والعرق والدين.

كاتبة من العراق

 

 

استحضار الوضع العراقي

حين نقرأ النصر الفلسطيني

هيفاء زنكنة

 

لقد حققت فلسطين القلب والروح، خلال 11 يوما، انجازا هائلا، كلل مواصلة النضال، بتكلفة نعرف جيدا أنها باهظة.
أراد العدو، خلالها، أن تكون حياة الأطفال والكبار حجرا يُثقل الاحساس بالكرامة والحرية، فيجّر الشعب الذي قارع الاحتلال والظلم والاستهانة على مدى 73 عاما، الى قاع الاحباط واليأس والاستسلام، ففشل. استخدم العدو، بالإضافة إلى القوة العسكرية، كل آليات الخداع والتزييف. من تصنيف الفلسطيني إرهابيا الى اختزال الاحتلال وارهابه الى « نزاع» بين إسرائيل الأوروبية الديمقراطية وحماس الإرهابية، الى التذكير المستمر بمعاداة السامية ومظلومية المحرقة. وكأن الفلسطيني هو الذي قاد الأوروبي اليهودي الى المحرقة، وليس الاوروبي النازي، فتوّجب لتحقيق العدالة، وفق منظور الكيان الصهيوني، تجميع الحطب لحرق الفلسطيني.
أثبتت مجزرة 11 يوما الأخيرة هشاشة هذه المحاججة، وليس محوها تماما. فهي معين ضروري لاستمرارية الوجود الصهيوني. دٌفن بعضها تحت ركام المباني التي هدمها القصف المنهجي ومعه ملامح الهالة الإعلامية التي نسجها الصهاينة عن «حق الدفاع عن النفس» وانتقائية حق الحياة لكيان بُني على أغتصاب أرض وتهجير شعب وسياسة الإبادة. أوقفت ايام القتل الوحشي الكيان الصهيوني عاريا أمام العالم : قوة استعمارية عنصرية، بدعم من امبريالية تتغذى على الاستغلال والحكام المستبدين.
إزاء ذلك العري، تعالت الأصوات المطالبة بالعدالة. بمختلف الأساليب والإمكانيات. من النزول الى الشارع الى الهاشتاغ وكل مواقع التواصل الاجتماعي. من الكتابة واجراء المقابلات والندوات مع المحاصرين في غزة وشيخ جراح عبر الزوم الى الغناء وأناشيد الاطفال الى الابتسامة والضحكة بوجه من يريد قتل الابتسامة والضحكة. لم تعد المقاومة المسلحة ومن جهة واحدة هي السلاح الوحيد. اتفق الجميع في فلسطين اولا وفي أرجاء العالم ثانيا، على دفع الخلافات جانبا، وأن يعيدوا لجوهر النضال ألقه: لكي تصبح فلسطين حرة، كما تهتف الأصوات وتُرفع الشعارات، فلسطين بحاجة الى كل مستويات المقاومة.
لقد حققت فلسطين القلب والروح انجازا هائلا تبدى بخروج مئات الآلاف من الناشطين والمؤيدين، من جميع أرجاء العالم الى الشوارع تضامنا مع الحق الفلسطيني بالتحرير. جمعهم تكبير «فلسطين حرة». من البلاد العربية الى اوروبا وأمريكا اللاتينية الى أمريكا. مع كل صوت وكل فعل تضامني مع نضال الشعب داخل فلسطين، يترهل خطاب «معاداة السامية» و«الإسلاموفوبيا» الذي يصب العرب والمسلمين عموماً في قالب الإرهاب والهمجية. وتتعرى السردية الصهيونية. هذا ما عشناه، في الاسبوعين الأخيرين، فكيف البناء على هذه الأرضية الخصبة من التضامن مع الصامدين؟ كيف نسقي النبتة لتنمو وتتبرعم وتزدهر ؟ كيف نجنبها الجفاف؟
يأتي التساؤل مشوبا بالمخاوف والحرص على ما أُنجز واستعادة تفاصيل، تحمل بعض الشبه من الماضي القريب. تفاصيل ايام الاحتجاجات المليونية المناهضة لغزو العراق، والتضامن العالمي المذهل الذي سبق الاحتلال في آذار/ مارس 2003.

مع كل صوت وكل فعل تضامني مع نضال الشعب داخل فلسطين، يترهل خطاب «معاداة السامية» و«الإسلاموفوبيا» الذي يصب العرب والمسلمين عموماً في قالب الإرهاب والهمجية، وتتعرى السردية الصهيونية

أيامها، خرج الى الشوارع 35 مليون مواطن عربي وعالمي احتجاجا وغضبا ضد مخطط الإدارة الأمريكية لغزو العراق وتضامنا مع الشعب العراقي. احتل المتظاهرون الشوارع بعدة مدن عربية من بينها ليبيا ومصر ولبنان والأردن وسوريا وتونس والمغرب. ووقعت اشتباكات بين المتظاهرين و«قوات مكافحة الشغب» في القاهرة والأردن. هدفت المظاهرات الى محاصرة السفارتين الأمريكية والبريطانية، وقام المتظاهرون بحرق العلم الأمريكي. كما طالبوا، في عدد من الدول، من بينها مصر، بطرد سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل. ووحدت ادانة «الصمت العربي» المحتجين، باستثناء مدن الدول الخليجية التي خلت من المتظاهرين. عالميا، احتشد في شوارع أثينا أكثر من مئتي ألف متظاهر، كان من بينهم ( كما في مظاهرات التضامن مع فلسطين) عدد كبير من الطلاب وصفوا الرئيس الأمريكي جورج بوش «بالقاتل» ( كما يتم وصف نتنياهو حاليا). في اليوم نفسه كانت هناك مظاهرات في باكستان، ومدن أستراليا، وإندونيسيا وأنقرة، وموسكو وباريس وعديد المدن الألمانية. وتظاهر آلاف الطلاب الذين أضربوا عن الدراسة في الدنمارك وسويسرا وإسبانيا ونيويورك، وأعلنت النقابات العمالية الاضراب في إيطاليا. وتم تشديد إجراءات الأمن المفروضة على السفارات والقنصليات الأمريكية حول العالم ( كما سفارات الكيان الصهيوني المخندقة حاليا).
استمدت الحركة التضامنية العربية ـ العالمية قوتها من المقاومة العراقية، المعادل الموضوعي للاحتلال. كانت التكلفة، كما في فلسطين، باهظة الثمن. واتهمت المقاومة، كما في فلسطين، بالإرهاب. وتسلل الى النسغ الوطني داء التمزيق الاستعماري الجديد: الطائفي – العرقي المعجون بالفساد والعملاء المحليين.
وعلى الرغم من نجاح المقاومة في وقف توسع المد الامبريالي الى دول أخرى وحققت ما تنبأ به النائب البريطاني جورج غالاوي، أثناء المظاهرات، قائلا: «إذا بعث بوش نصف مليون جندي إلى العراق، جميعهم من الأمريكيين، لا يسانده غير رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، فسينتهي به الأمر في الجحيم وسيعود الكثير من الأمريكيين إلى بلادهم في حقائب بلاستيكية» الا أن المقاومة لم تنتصر. وكانت نقطة الضعف الكبرى هي عدم توصل فصائل المقاومة الى اتفاق للعمل سوية من أجل التحرر الوطني. استغل العدو نقطة الضعف هذه، مع تنصيب ودعم حكومات تدين بولائها له. فأدى غياب الاتفاق الوطني، وتوسع حلقة المستفيدين من النظام الطائفي الفاسد، الى تفريخ احتلالين بدلا من احتلال واحد. وتحولت أرض العراق الى ساحة لاستعراض القوة والتفاوض بينهما، بينما يلوك ساسة النظام علكة « الديمقراطية» في البرلمان، وأجهزة الإعلام، ومؤتمرات الدول المانحة، وبرامج الإعمار، وورشات اعداد القياديين، والدفاع عن حقوق الإنسان، ومحاربة الارهاب. دفع العراقيون ثمن هذه التوليفة السامة ما يزيد على المليون مواطن خلال 18 عاما، ولم تُسدد فاتورة الحساب بعد، اعتقالا وتعذيبا واختطافا وقتلا، غالبا، ما يتم تصويره ونشره ترويعا لكل من يحاول رفع كمامة الاختناق عن فمه.
إن استحضار الوضع العراقي بنقاط قوته وضعفه، بمقاومته وعملائه، بما أحاطه من تزييف وأكاذيب لتبرير غزوه واحتلاله، واستقطابه حملات التضامن الشعبي العربي والعالمي، لا يعني بالضرورة تطابقه مع الوضع الفلسطيني، إلا أن هناك بعض الملامح العامة التي قد يكون من المفيد القاء نظرة عليها، اذا ما أردنا ديمومة الانجاز الفلسطيني حتى النصر وتحويل ايماننا بالعدالة والحرية الى واقع بلا احتلال.

كاتبة من العراق

 

 

النكبة هي ألا نقاوم

هيفاء زنكنة *

 

خرج يوم الأحد، يوم النكبة، 15 أيار/ مايو، مئات الآلاف من المتظاهرين، الى الشوارع، في جميع أنحاء العالم، من كل القارات، مطالبين بتحرير فلسطين من احتلال الكيان العنصري، وانهاء قصف غزة، وانقاذ «شيخ جراح» من المستوطنين الصهاينة. حمل المتظاهرون، وأغلبهم من الشباب، شعارات كتبوها ورسموها بلغات بسعة العالم، وبالألوان التي تُخيف المحتل. الأحمر والأسود والأخضر والأبيض. رمز الوجود الفلسطيني بألوانها التي يخشاها المحتل بأسلحته وتقنيته العسكرية المتقدمة.
لماذا يخشى المحتل الألوان؟ في رواية «الدرس الألماني» لزيغفريد لينز، يسأل الشرطي النازي صديقه عن سبب تلقيه أمرا بالقاء القبض عليه، وهو مجرد رسام تجريدي، فيجيبه الرسام «إنه اللون. الألوان لديها دائما ما تقوله. حتى أنها، في بعض الأحيان، تصدر تصريحات محددة. من يدري ما الذي يقود اليه اللون؟». وفي سيرتها الروائية «حجر الفسيفساء» تخبرنا الأسيرة المحررة مي الغصين كيف أنها صنعت مسبحة من نوى الزيتون، هدية لأمها. لوّنتها بستة ألوان إلا أن مدير السجن الصهيوني لم ير غير ما يرعبه، صادرها قائلا « أحمر أسود أخضر أبيض ممنوع. ممنوع يعني ممنوع». السجان الصهيوني ـ المحتل ـ لص مذعور غير قادر على رؤية كل ما يحيط به.
تبدت في حضور المتظاهرين وشعاراتهم، وحدة المقاومة الفلسطينية. الأرض واحدة والشعب واحد. من القدس وغزة الى الضفة الى اللد. الفلسطينيون، أصحاب الأرض، باقون والمحتل طارئ. هذا ما تعلمته كل الشعوب، وليس العربية فقط، من نضال الشعوب المُستَعمَرَة مثالها حرب التحرير الجزائرية. درس تاريخي لا ينسى مهما حاول حكام الخنوع والاستبداد تسويق خدعة «السلام».
تحررت الجزائر بعد 140 عاما من الاستيطان العنصري الفرنسي. وكلما بدا للعالم أن المعركة على وشك الفشل، نهض الشعب بعزيمة متجددة. كما يحدث اليوم في فلسطين المحتلة. حيث حاول المحتل، منذ تأسيس كيانه الاستيطاني، عام 1948، تدريجيا، تهجير السكان، وتوسيع مستوطناته، وتقسيم أهل البلد ديموغرافيا، وبذر تفتيت الهوية ورعاية الفساد، واطلاق تسميات تجزيئية، وحصار غزة. لم تبق وسيلة همجية على وجه الأرض لم يستعملها لبتر غزة عن الجسد الفلسطيني، فجاءت ساعات الأيام الاخيرة شاهدة على فشله. على الرغم من جراحه، تماهى ابن الوطن مع ذاته. لا يعود فيه ذلك الـ «هنا وهناك» الذي مّيز ايام الاشتباكات مع العدو عبر الأسلاك الشائكة، كما يذكرنا الأكاديمي حيدرعيد من غزة. « في كل مرة كنت اذهب للمشاركة في مسيرة العودة الكبرى بالقرب من السلك الشائك الذي يفصل قطاع غزة المحاصر عن باقي فلسطين المحتلة، كان ظلي يتركني ويذهب الى الطرف الآخر من السلك، و يعود لي صامتا حزينا بعد اسبوع وكأنه ظل رجل اخر، الى أن ذهب ولم يعد! منذ تلك اللحظه وأنا أعيش بلا ظل! انا هنا وهو هناك». هذه الايام استرد المناضل ظله ليمتد واقفا على تراب الوطن كله.

أهمية دور الجيل الجديد من اللاجئين والمهاجرين من الدول العربية الذين يتقنون مختلف اللغات مما يشكل قوة في مجالات النّشر وصناعة المحتوى عالميا

«حالة الانبعاث التي تسري في روح الفلسطينيين على مساحة كل فلسطين بفضل المقاومة» التي يصفها الأسير المحرر عصمت منصور، امتدت كذلك الى كل البلاد العربية وارجاء العالم. في العراق المعجون بفلسطين، تستعيد الصحافية نرمين المفتي لحظة من الذاكرة الجمعية ملخصة معنى ممارسة الابادة المنهجية ضد المدنيين «سياسة الابادة نفسها، أكيد تتذكرون اولبرايت في 1995 حين سألها مقدم برنامج 60 دقيقة «هل تعتقدين أن موت نصف مليون طفل عراقي نتيجة العقوبات الاقتصادية هو ثمن يستحق أن يدفع؟» وأجابت اولبرايت «لقد كان خيارا صعبا امامنا، لكننا نعتقد أن الثمن يستحق أن يدفع». اليوم، لا يذكر المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي قتل مدنيين، معظمهم من الاطفال والنساء، بل يقول انهم قضوا على 85 عنصرا من حماس والجهاد الإسلامي.
انعدام الوازع الإنساني والأخلاقي، هو ما يجمع الغزاة والمستعمرين، وما يزيد على ذلك عند المحتل الصهيوني هو مهارته في التباكي حول مظلوميته التاريخية واضطهاده. وهذا ما شهدناه، يوم السبت الماضي، حين حوصرت سفارته، بلندن، بعشرات الآلاف من المتظاهرين ضد القصف الوحشي لغزة، فلجأت السفارة الى مشجبها التقليدي وتباكيها عن معاداة السامية واتهام المتظاهرين بالدفاع عن «تنظيم ارهابي» يطلق الصواريخ!
بالمقابل، لم يكف الفلسطينيون يوما عن البحث، حتى وهم يتعرضون للاعتقال والتعذيب واغتصاب الارض والقصف والقتل، عن سبل جديدة ومتنوعة للمقاومة السلمية. حملة المقاطعة الدولية (البي دي أس) واحدة منها. وها هو علي مواسي، رئيس تحرير فُسْحَة ـ ثقافيّة فلسطينيّة، يثمن تفوق الفلسطينيّين ومناصريهم في مخاطبة الرأي العامّ العالميّ وتوجيهه. «ليس بسبب الإعلام الرسميّ، وإنّما صبايانا وشبابنا الرائعين في وسائل التواصل الاجتماعيّ: تويتر، إنستغرام، سناب تشات، تيك توك، فيسبوك، وغيرها». مؤكدا على أهمية دور الجيل الجديد من اللاجئين والمهاجرين من الدول العربية الذين يتقنون مختلف اللغات مما يشكل قوة في مجالات النّشر وصناعة المحتوى عالميا. مشيرا الى أن « أكثر من باحث ومحلّل إسرائيليّ تحدّث عن تعثّر مشروع «الهسباراه» عن إخفاقه، رغم صرف مئات ملايين الدولارات عليه». ويهدف مشروع «الهسباراه» الى الترويج لاعتبار إسرائيل دولة مسالمة، محبة للسلام، وتساهم بالخير العام حول العالم، حتى تتمكن من التصدي، وإخفاء الأخبار الواردة من فلسطين حول الانتهاكات ضد الإنسانية التي تنفذها سلطات الاحتلال.
إن ما يدفعه الفلسطينيون ثمنا للحرية لايقدر بثمن. إنهم يدفعونها بالحياة الإنسانية وهذا ما لايفهمه الكيان العنصري المؤسس على الإبادة. واذا كان منبع انبعاثة المقاومة سيبقى فلسطينيا أولا وهو الأهم، فان تضامن الشعوب، في جميع انحاء العالم، ضروري، وبمختلف الأساليب التي يجب أن تضم، بالاضافة الى المظاهرات والاعتصامات، تفعيل وتقوية حملات الضغط ( اللوبي) على الحكومات الغربية والإدارة الأمريكية، خاصة، لوقف تغذية الكيان العنصري بالمال والسلاح والتكنولوجيا العسكرية.
ماذا عن الأنظمة العربية التي يرتكز معظمها على الاستبداد المحلي واستجداء الحماية الخارجية ضد شعوبها؟ في رسالته المفتوحة الى «الزعماء العرب الحلوين الحبابين العاقلين الخوافين المساكين» يعيد الكاتب العراقي علي السوداني طرح الحل الذي طالما اقترحته الشعوب العربية، ولاتزال، وهو أضعف الايمان، قائلا: «قاطعوا إسرائيل اللقيطة اقتصادياً على الأقل، وسترون كيف ستنمو الكدمات على جسد هذه الدويلة المفبركة. افعلوها وستجدون شعبكم هو حاميكم من الفك الأمريكي المفترس».

·         كاتبة من العراق

 

 

صمت إدارة بايدن حول العراق

هيفاء زنكنة

 

أعلن الجيش العراقي أن «طائرة مسيرة مفخخة» سقطت السبت الماضي على قاعدة « عين الأسد» الجوية، في محافظة الأنبار، غرب العراق. يوجد في القاعدة، حالياً، نحو ألفي جندي أمريكي إلى جانب قوات من الدول المشاركة في « التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية». تسبب الهجوم «بأضرار في مستودع» حسب تصريح التحالف الدولي. وهو الهجوم الثاني على القاعدة، هذا الشهر. سبقه هجوم على قواعد تستخدمها القوات في مطار بغداد ومطار أربيل بالإضافة الى هجمات أخرى في الشهور الماضية. كل هذا يحدث تحت انظار الإدارة الأمريكية برئاسة جو بايدن وهو يحتفل بمرور 100 يوم على تسلمه الرئاسة من دونالد ترامب الذي أمر بتقليص عدد القوات في العراق. وكان ترامب قد زار قاعدة «عين الاسد» مع زوجته، في 26 ديسمبر/ كانون الأول 2018، بدون إعلام الحكومة العراقية، دعما للجنود «المتمركزين في قاعدة الأسد الذين لعبوا دورا حيويا في هزيمة تنظيم داعش عسكريا في العراق وسوريا».
الآن، بعد مرور اربع سنوات على اعلان هزيمة داعش، ما سبب بقاء القوات في العراق، خاصة، بعد اعلان بايدن سحب القوات من على الارض في افغانستان؟ ومن وراء عمليات الهجوم المتناوبة على القواعد والمتميزة بأنها لا تسبب ضررا لأي من القوات؟ وما هو موقف الحكومة العراقية والمنظور الشعبي لهذه العمليات؟
في مقابلة بثتها إذاعة بي بي سي 4، في 6 مايو الحالي، قدم أنطوني بلينكن، وزير الخارجية الأمريكي الجديد، صورة تفصيلية عن السياسة الخارجية الأمريكية برئاسة بايدن. تحدث بالتفصيل عن العلاقة مع روسيا من عدة جوانب بضمنها معاملة المعارض أليكسي نافالني، منتقلا الى العلاقة مع الصين، وصفقة تجارية محتملة مع المملكة المتحدة، وضرورة المحافظة على السلام وتوفير الرفاه الاقتصادي في أيرلندا الشمالية. تطرق الى الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية من أفغانستان، مع بقاء أمريكا باشكال أخرى. وأسهب بتوضيح الموقف من إيران والعودة إلى المباحثات، حول اتفاقية الاسلحة النووية عبر وسطاء في فيينا، وأمله في ان تصغي إيران للمقترح الأمريكي.
ما يسترعي الانتباه في هذه المقابلة التفصيلية، هو عدم تطرقه، بأي شكل كان، للوضع في العراق. غياب العراق بشكل كلي، عن الأجندة السياسية المعلنة، صارخ حتى عند تناول الاوضاع ذات العلاقة الوثيقة به وبأمريكا وإيران وحتى افغانستان. فهل السبب هو الرغبة الأمريكية بحسم ملف الخلاف مع إيران، لأنه الأهم بالنسبة اليها، واعتبار العراق ورقة مقايضة، ذات صلاحية غير محدودة، من اجل التوصل الى اتفاق يوفر لها ولحلفائها، كالسعودية وإسرائيل، السلام؟ أو لعل اهمال ذكر العراق نابع من الرغبة بنسيان « خطأ» لا تريد الارادة الجديدة التذكير به، باعتباره من الماضي، والماضي بالنسبة الى أمريكا، زمن غير موجود، تجنبا للمساءلة وما يصاحبها من التزامات قانونية وانسانية؟

يبقى الحل الوحيد للتخلص من وجود النيوكولونيالية الأمريكية والنفوذ الميليشياوي الإيراني هو في اتخاذ موقف مقاوم واضح من كلا الاحتلالين، وعدم تحويل العراق الى ساحة تصفية حسابات

هذه السيناريوهات واقعية الى حد كبير، لأنها توفر للادارة غطاء زمنيا الى حين الاتفاق مع إيران ذات العلاقات والمصالح المتشعبة مع عديد الدول من بينها الصين. لذلك من الطبيعي الابقاء على الوضع الحالي بالعراق، بحكومته الفاشلة أو اللا حكومة، بأحزابها منقسمة الولاء، وبالعنف المستدام فيه. ولا ضرر من التغاضي عن اسقاط بضعة صواريخ وتفجير طائرة مسيرة على القواعد الأمريكية مادامت، مثل العاب الكمبيوتر، لا تؤدي الى خسارة بشرية. وما دام ذلك سيبقي العراق متهالكا، ضعيفا، منقسما على نفسه، منخورا بالفساد والقمع، عاجزا عن مواجهة النزاع الأمريكي – الإيراني على ارضه، واستخدامه ساحة مفتوحة لتصفية الحساب من خلال المليشيات والقوات الخاصة والمرتزقة وما يسمى « العمليات القذرة».
لذلك، ستبقى قوات الاحتلال الأمريكي بالعراق المُغيّب في خطاب السياسة الخارجية لأن بايدن لا يريد أن يبدو وكأنه يواصل سياسة ترامب بالعراق. وتُركت مهمة تأكيد بقاء القوات لمتحدثي وزارة الدفاع لأنهم الاقل ظهورا ونجومية اعلاميا من سياسيي وزارة الخارجية. ففي تقرير نُشر في أبريل / نيسان قال الجنرال في مشاة البحرية فرانك ماكنزي لمجلة « مليتيري تايمز» ان الولايات المتحدة اختارت ابقاء قواتها بالعراق، خلافا لافغانستان «مع شركائنا في الناتو لإنهاء معركة داعش». مما يمكن ترجمته على ارض الواقع بتبرير البقاء بلا أمد محدد، في العراق، فمهمة استعادة الأراضي من داعش انتهت منذ سنوات، حسب التصريحات الرسمية الأمريكية والعراقية معا، وامكانية بروز تنظيم إرهابي آخر، يهدد أمن أمريكا، وان كان محتملا سواء في العراق أو اي بلد آخر في العالم، الا ان هذا لا يسوغ احتلال كل البلدان التي تظهر فيها تنظيمات إرهابية، هذا اذا تركنا جانبا تعريف « الإرهاب» المبرر للاحتلال.
بالمقابل، يبين الوضع العراقي الداخلي، أنه ليس هناك موقف شعبي وطني عام وموحد يرفض بقاء قوات الاحتلال الأمريكية أو الميليشيات الإيرانية. الانقسام واضح. وهو انقسام أسس له المحتل منذ 18 عاما وعززته الاحزاب المستفيدة ليتحول تدريجيا الى موقف دفاعي عن النفس ضد « الآخر». حيث صار مقياس تحديد الموقف الوطني هو إما الانتماء الديني – الطائفي أوالقومي أو عضوية الاحزاب الطائفية / القومية أو عضوية الميليشيات. وهي مواقف هشة وسائلة تسللت الى المجتمع الواحد لتقسمه مع مرور الوقت. كما نمت، في ظل التمزق السياسي والفساد الإداري والمالي، طبقة من المستفيدين الذين يرون في عملهم كسماسرة لأي احتلال كان، فرصة للثراء والنفوذ. وغالبا ما تتداخل الانتماءات أو الهويات، حديثة الصنع، حتى يصعب التمييز بين حامليها المستشرسين بتقديمها كقيمة متجذرة في عمق تاريخ المجتمع العراقي.
ويبقى الحل الوحيد للتخلص من وجود النيوكولونيالية الأمريكية والنفوذ الميليشياوي الإيراني هو في اتخاذ موقف مقاوم واضح من كلا الاحتلالين، وعدم تحويل العراق الى ساحة تصفية حسابات، والحفاظ بكل السبل على الهوية الوطنية لعراق مستقل موحد والتي تتعرض للتكميم والاعتقال والقتل، كما لاحظنا في مراحل مختلفة من مقاومة الاحتلال، منذ 2003، وكما يدفع ثمنها غاليا الجيل الجديد من ابناء انتفاضة تشرين/ اكتوبر 2019.

كاتبة من العراق

 

من العراق إلى الهند…

الفساد القاتل واحد!

هيفاء زنكنة

 

قد لايكون وضع العراق الصحي والبيئي، خاصة، مع تفشي فايروس كوفيد 19، بذات الصورة الكارثية التي نراها، يوميا، في الهند أو بيرو والبرازيل، إلا أن الوضع سيئ جدا بالمقارنة مع العديد من دول المنطقة والعالم من ناحية عدد السكان والإمكانيات المادية والتخطيط لمواجهة الأزمات والكوارث البيئية سواء كانت طبيعية أو من صنع الإنسان. كما أن هناك أوجه شبه متعددة. فالعراقي الذي يرى صورة اثنين من المرضى الهنود مرميين على سرير واحد في المستشفى، أو اشتراك النساء والرجال في ردهة واحدة، لا يستغرب كثيرا، لأنه رأى أو عاش الحالة نفسها في مستشفيات العراق حتى قبل انتشار الوباء.
بالنسبة إلى تفشي الكورونا، تجاوز عدد المصابين، بالعراق، حتى الآن، حسب منظمة الصحة العالمية، ما يقارب المليونين، والوفيات 15,498. وسجلت، قبل يومين، 5167 حالة جديدة و33 وفاة. أما الحالات النشطة فهي 108 آلاف. وهي حالات إصابة مرتفعة بالمقارنة مع إيران وتركيا فضلا عن لبنان وتونس والإمارات، اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار اجمالي عدد السكان ونسبة الاصابات لكل 100 ألف شخص. حيث وصلت النسبة، بالعراق، الى 114 إصابة لكل 100 ألف شخص استنادا الى احصائيات وزارة الصحة التي لا تسجل عدد الموتى في البيوت بل في المستشفيات فقط. لا يمكن الثقة إذن بهذه الأرقام كأي ارقام رسمية أخرى ولكننا نستخدمها كمؤشر.
اتخذت الحكومة، في بداية انتشار الوباء، في العام الماضي، اجراءات لتقليل الانتشار على غرار منع التجول وتقليل ساعات الدوام وإغلاق المدارس، إلا أن انزال العقوبات المشددة بالمخالفين التي وصلت حد الاعتقال وسوء المعاملة، وعدم توفير المساعدة الحكومية للعاطلين والشريحة الأفقر، وتخوف المسؤولين من رجال الدين إذا ما تجرأوا على منع الزيارات الدينية من داخل وخارج البلد الى الأماكن المقدسة حيث الاكتظاظ والتقارب البشري بأقصى أشكاله، ناهيك عن تكذيب رجال الدين الذين يروجون أن زيارة المراقد الدينية هي الكفيلة بمنع الاصابة بالوباء بل وحث المريدين على الزيارة لأنها توفر الشفاء منه في حال الاصابة مما جعل الأماكن الدينية بؤرا للانتشار الأسرع للوباء. ومع انعدام ثقة الناس بالحكومة الموصوفة بأنها حكومة لصوص وفساد، وانهيار الجهاز الصحي الذي تسارع تهالكه منذ الاحتلال عام 2003، بعد أن كان واحدا من أفضل الأنظمة الصحية في المنطقة، بات الناس يفضلون البقاء في بيوتهم على التوجه الى المستشفيات التي اقترنت بالموت، جراء قلة المعدات والأدوية والكادر الصحي.
لايبشر الوضع الحالي بالخير. فوزارة الصحة المسؤولة عن الرعاية الصحية لا تتواصل مع اللجان المستحدثة للرعاية الصحية. اذ صرح مدير دائرة الصحة العامة نافيا أن تكون وزارة الصحة قد رفعت أية توصية إلى اللجنة العليا للصحة والسلامة الوطنية بشأن الحظر في الأيام المقبلة، مضيفا ما يؤكد حالة التخبط في اتخاذ القرارات «وربما لا تتوافق اللجنة العليا مع توصيات وزارة الصحة «. وعن إغلاق المدارس، ألقى عضو لجنة التربية البرلمانية صفاء الغانم، مسؤولية ارتفاع الإصابات بين صفوف الطلبة والكوادر التدريسية على لجنة الصحة والسلامة الوطنية لاصرارهم على عدم إيقاف التعليم الحضوري، محذرا من كارثة سيذهب اليها البلد نتيجة لهذا الإصرار.

آخر مستشفى بُني في العراق كان عام 1986، وأن عقودا بمبالغ خيالية وُقعت لبناء 51 مستشفى منذ عام 2009، وصُرفت الأموال ولم يتم بناء أي منها

واذا افترضنا ان الحكومة تبنت فكرة أن اللقاح هو الحل الأفضل لانقاذ الشعب من الوباء، فان حملة التلقيح تشي بالعكس تماما. اذ تم توزيع ما لا يقل عن 298377 جرعة حتى الآن. بافتراض أن كل شخص يحتاج إلى جرعتين، فهذا يكفي لتطعيم واحد من كل 1300 من السكان البالغ عددهم 38.3 مليون نسمة. وخلال الأسبوع الماضي، بلغ متوسط ​​الجرعات حوالي 12766 جرعة كل يوم. وبهذا المعدل، سيستغرق الأمر 616 يوما آخر لإعطاء جرعات كافية لـنسبة 10 بالمئة من السكان. وتكمن المأساة خلف هذه الصورة والتأخير القاتل في تزويد المواطنين بما يحمي الحياة، في الفساد المتخلل بكل الحكومة والمؤسسات.
في الوقت الذي أعلن فيه أن ميزانية عام 2021 تبلغ 89.65 مليار دولار، بعد مساومات أشهر بين الأحزاب حول من يلتهم ماذا، وحصة هذا الحزب أو ذاك تبعا للوزارة التي يراها ملكا له، واذا كان من المفترض، ولو من باب تبييض الوجوه، تخصيص نسبة صغيرة من الميزانية لتوفير حاجة الشعب من اللقاح، إلا أن واقع الحال أثبت أن استهانة الحكومة بحياة الناس وكرامتهم، بلا حدود. إذ أنها تفضل انتظار تبرع المجتمع الدولي باللقاح واستجداء المساعدات الانسانية لئلا تمس محاصصة الاحزاب في الميزانية.
إن اهمال حق الرعاية الصحية لا يقتصر على ضحايا الفايروس. بل يمتد ويتسع ليشمل، بدرجات متفاوتة، اهمال الأطفال والأمهات الحوامل والمصابين بالاعاقة وضحايا الأمراض النفسية والعقلية. وأشار تقرير حديث لمنظمة الصحة العالمية الى ازدياد حالات الانتحار، خاصة بين النساء، بشكل كبير. ولايزال ضحايا اليورانيوم المنضب وحرق مخلفات قوات الاحتلال يعانون من مختلف التشوهات والامراض الخطيرة، في مختلف مدن العراق. وكان مركز الوقاية من الإشعاع التابع لوزارة الصحة، قد أعلن في الاول من مايو الحالي عن وجود 8 مواقع جديدة للتلوث الإشعاعي في محافظة البصرة. وإن اهمال هذه الوضعية الكارثية التي تنتهك واحدا من أساسيات حقوق الانشغال، والانشغال بالمحاصصة السياسية والمساومات المالية، وتقاسم المؤسسات وميزانياتها، وما يترتب على ذلك من موت يومي اما بشكل وباء او اعتقال أواختفاء قسري هو ممارسة ارهابية، وكونها حكومية لا يجعلها تختلف عن ممارسة المنظمات الارهابية.
ولابد أن من عاش من ساسة العراق الحاليين في الدول الأوروبية وأمريكا، وعرفوا بتجربتهم الشخصية، معنى الكرامة المصاحبة لاحترام حقوق الإنسان، وان ما يحتاجه العراقيون هو نفسه ما يحتاجه جميع البشر من الحقوق الأساسية كالوظائف والتعليم الجيد والرعاية الصحية والعدالة. وأن هناك بعد سنوات من الحرب والخراب، حاجة ماسة إلى الاستثمار في الأطفال والشباب والدعم النفسي لمساعدة الناس على التغلب على الصدمات التي واجهوها.
إن هذا الأمر هو الذي يُحملً السياسيين العراقيين في السلطة مسؤولية الخراب الانساني، على مدى 18 عاما الاخيرة، بشكل مضاعف ويجعل مسؤوليتهم القانونية، ناهيك عن الأخلاقية، أعظم. ويكفي للدلالة على حجم تخريبهم المنهجي للبلد وأهله ان نُذكر أن آخر مستشفى بُني في العراق كان عام 1986، وأن عقودا بمبالغ خيالية وُقعت لبناء 51 مستشفى منذ عام 2009، وصُرفت الأموال ولم يتم بناء أي منها.

كاتبة من العراق

 

حرق المرضى في المستشفى

في بغداد ليس حادثا

هيفاء زنكنة

 

وكأن العراق في حاجة الى كارثة إنسانية أخرى تضاف الى الموجود لنصل الى حضيض قتل المرضى حرقا.
في 23 نيسان/ أبريل، أدى انفجار قنينة أوكسجين الى حريق في مستشفى ابن الخطيب المخصص لعلاج مرضى فيروس كورونا، في بغداد، الى قتل 91 مريضا، واصابة العشرات. ليضاف عدد الضحايا الجدد الى قائمة تضم ما يقارب 16 ألف وفاة ومليون و250 ألف مصاب بالفايروس، وهو الأعلى بين الدول العربية. وكان العراق قد حصل على ما يقرب من 650 ألف جرعة من اللقاحات المختلفة – معظمها عن طريق التبرع أو من خلال برنامج كوفاكس، الذي يساعد الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​​على شراء اللقاحات. وهي مفارقة توجع القلب غضبا أن ينافس بلد هو من أكثر دول العالم ثراءً بالنفط، البلدان الفقيرة للحصول على ما يتم التبرع به من اللقاح.
بينما تثير الفاجعة الأخيرة التساؤلات حول سبب حدوثها وكيفية التعامل معها، يثير عدم توفير اللقاح والرعاية الصحية للمواطنين تساؤلات أكثر. بالنسبة الى الفاجعة، قد يكون انفجار قنينة الأوكسجين هو السبب الأولي الا أن شهادة خبراء تداولتها وكالات الأنباء العالمية تدل على ان المستشفى لم تكن في تصميمها وبنائها وتجهيزها وصيانتها وتشغيلها مستوفية لتوفير وسائل خروج مناسبة، لتجنب الخطر غير الضروري، على حياة وسلامة شاغليها من الحريق أو الدخان أو الأبخرة أو الذعر خلال الفترة اللازمة للهروب. وتبدى النقص الأوضح في عدم تثبيت الأبواب الثقيلة الخاصة بين الردهات منعا لانتشار الحريق. مما أدى الى الانتشار السريع للنار والدخان والغازات القاتلة قبل وصول رجال الإطفاء الذين يعانون، أساسا، من النقص في الإمكانية لمواجهة كارثة كهذه.
أما بالنسبة الى توفير اللقاح ومراكز الرعاية الصحية العامة والمستشفيات ذات الأقسام المهيأة، بشكل خاص، لعلاج المصابين بالفايروس، فان أسباب الفشل مرتبطة بانهيار النظام الصحي، بمجمله، وصعوبة الحصول على الماء الصالح للشرب وانخفاض الصرف الصحي، خاصة بعد غزو البلد عام 2003. حيث انتشر وباء الفساد المالي والإداري بشكل مبكر وسريع. وبدأ المسؤولون يتحدثون عنه بصيغة استنكار وإدانة منذ ذلك الحين. ففي عام 2005، مثلا، تحدث د. شاكر العيناجي، رئيس العمليات في وزارة الصحة، عن تخصيص الوزارة مبلغ 518 مليون دولار لشراء 831 قطعة من المعدات الطبية في النصف الثاني من عام 2004، إلا أنها اما لم تكن صالحة للاستخدام أو أختلست. وقال د. شاكر إن الفساد منتشر لدرجة أنه يجب إعادة بناء القطاع بمساعدة المجتمع الدولي. كان هذا قبل أن يصبح الفساد أخطر من الإرهاب والكورونا معا، في تكلفته البشرية والمادية حاليا، وإعاقته مشاريع البناء والتنمية الاقتصادية مستقبلا. فمؤشر التنمية البشرية للعراق أدنى من معدلات الدول العربية وغيرها من البلدان المتوسطة التنمية.

تبدى تجذر الفساد في عقود بناء المستشفيات الوهمية أو غير المكتملة أو غير المستوفية لشروط السلامة، وعقود شراء المعدات والأجهزة والدواء والامدادات الطبية وانعدام صيانة وتأهيل المستشفيات

وقد تبدى تجذر الفساد في عقود بناء المستشفيات الوهمية أو غير المكتملة أو غير المستوفية لشروط السلامة، وعقود شراء المعدات والأجهزة والدواء والامدادات الطبية وانعدام صيانة وتأهيل المستشفيات. فقد تم تشييد أكثر من نصف المستشفيات الموجودة في البلد في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. ويبلغ عدد الموجود حاليا 229 مستشفى، بما في ذلك 61 مستشفى تعليميا و92 مستشفى خاصا و 2504 مستوصف، معظمها بلا طبيب. ومنذ عام 2012، وعلى الرغم من وصول ميزانية العراق رقما لم يسبق الوصول اليه سابقا، ويعادل ميزانية عدة دول مجتمعة، إلا أن عدد الاسرة وفقًا للبنك الدولي، لم يزد عن 1.3 سرير في المستشفيات لكل 1000 عراقي، انخفاضًا من 1.9 في عام 1980، و0.8 طبيب، وهو انخفاض كبير من 1.0 في عام 2014. وهذا أقل بكثير من مصر والاردن. وخصص 154 دولارًا فقط للفرد للخدمات الصحية في عام 2015، مقارنةً بإيران 366 دولارًا والأردن 257 دولارًا. تشير هذه الارقام الموثقة الى استمرار التدهور الصحي بينما تواصل الحكومة الإعلان عن مشاريع وتحسينات وإصلاحات بمبالغ خيالية. فتتلاشى المبالغ ولا يبقى للمواطنين غير السراب.
ويشكل تناقص عدد الأطباء مشكلة حقيقية. فقبل الغزو، كان هناك حوالي 32 ألف طبيب في المستشفيات العامة والهيئات التعليمية. إلا أن الكثيرين غادروا البلد بعد تعرضهم للتهديد والاعتداء والاختطاف بالإضافة الى من تعرض للاغتيال، وازداد الأمر سوءا مع تعرض الاطباء للاعتداء من قبل عناصر أمنية وأعضاء ميليشيات تعتبرهم مسؤولين عن وفاة احد المرضى.
ومع تدهور المستوى التعليمي، والتعيين حسب الانتماء الحزبي – الطائفي، وانعدام النزاهة، لاغرابة أن تحصل وزارة الصحة على لقب « أكثر الوزارات فسادا». حيث فاقت قيمة الفساد في وزارة الصحة 10 مليار دولار منذ 2003. لعل أكثر صفقات الفساد إثارة للضحك المبكي هي صفقة «النعال الطبية» باشراف وزيرة الصحة السابقة عديلة حمود، حيث تم شراء 26 ألف نعال طبي بمبلغ 900 مليون دولار، في الوقت الذي تفتقد فيه المستشفيات لأبسط أجهزة الفحص والأدوية الاساسية.
أدى انعدام الثقة بالحكومة، الى عدم اتباع تعليماتها وفيما يخص الاصابة بالفايروس الى تفضيل المرضى البقاء في بيوتهم الا في حالات قليلة. حيث باتت المستشفيات مكانا للموت وليس العلاج. ويفضل المصابون بكوفيد في الكثير من الأحيان، الحصول على اسطوانات الأوكسجين لتلقي العلاج في المنزل، بدلاً من الذهاب إلى المستشفى.
ولابد أن مقتل المصابين في مستشفى الخطيب سيزيد من عمق الفجوة بين المواطنين وساسة الحكومة المبنية على الفساد بأنواعه، ويقلل من امكانية اية إصلاح يدعيه المنخرطون في هذه الحكومة وأحزاب الميليشيات. فالإصلاح الحقيقي يتطلب توفر الارادة السياسية والدعم الشعبي، وهو ما لن يتحقق ضمن منظومة الفساد المستشري أو بالاعلان الحكومي المبتذل عن تشكيل لجنة تحقيق لمعرفة اسباب الحريق، وكأنهم لا يعلمون انهم هم السبب، أو توجيه رئيس الوزراء «بنقل جرحى حادثة حريق ابن الخطيب ممن يحتاجون للعلاج إلى خارج العراق» مستخدما، باستهانة لا تغتفر، وصف جريمة قتل 91 مريضا، لجأوا الى المستشفى للعلاج، بأنها «حادث».

كاتبة من العراق

 

 

هل انسحاب أمريكا من

افغانستان استعادة لإنسانيتها؟

هيفاء زنكنة

للمرة الثانية، منذ عشرة أعوام، يقوم رئيس أمريكي بتنفيذ قرار انسحاب القوات الأمريكية من بلد تم غزوه واحتلاله بقرار من رئيس أمريكي سابق له. كانت المرة الاولى حين أعلن الرئيس باراك أوباما الانسحاب من العراق عام 2011، وحلت الثانية حين أعلن الرئيس جو بايدن، في 14 نيسان/ أبريل، عن جدول زمني لانسحاب كل القوات الأمريكية من افغانستان، في موعد أقصاه 11 سبتمبر/ أيلول، الذكرى العشرين لهجوم القاعدة وما تلاه من غزو قادته الولايات المتحدة. في كلا الحالتين، كان الرئيس جورج بوش هو الذي اصدر قرار غزو البلدين، تحت شعار» محاربة الإرهاب». الشعار الذي بات، عمليا، الاستراتيجية الأمريكية التي تم تطبيقها في أرجاء العالم على مدى العشرين عاما الأخيرة. وكان من بين نتائجها الخسارة البشرية الهائلة والخراب على مستوى البنية التحتية ومد الحكومات المحلية بمغذي الفساد وقمع الانتفاضات الشعبية السلمية. وكان ابرز تلك النتائج تصفية انتفاضات الربيع العربي سواء بإختراقها وتجنيدها من الخارج في الصراع الدولي، أو باتهامها داخليا بالإرهاب واستغلال الإسلاموفوبيا، لتحييد النخب المدنية وعزلها عن الجماهير الكادحة والمهمشة.
أثار قرار بايدن حماس البعض الى حد القول بوجوب عدم التشكيك بخطوته بل ووصفها بأنها تقترب من الراديكالية. فما هي مصداقية هذا المنظور ؟ ليس بالامكان قراءة خطاب جو بايدن دون العودة الى خطاب أوباما. فنقاط التشابه كثيرة ومهمة لمعرفة ما تحقق وما سوف يتحقق حول الانسحاب، واقتراح البدائل، والرؤيا الأمريكية المستقبلية سياسيا وعسكريا. فمن ناحية التوقيت، أعلن الرئيسان قرار الانسحاب بعد الفوز بالانتخابات، كما يؤكد أوباما: « كما وعدت، ستعود بقية قواتنا في العراق إلى الوطن بحلول نهاية العام… ستنتهي حرب أمريكا في العراق». كما يفتخر الرئيسان بانجازات القوات الأمريكية واستحقاقهم العودة الى وطنهم. يقول أوباما « سوف يعبر آخر جندي أمريكي الحدود إلى خارج العراق ورؤوسهم مرفوعة، فخورون بنجاحهم». كما قال بايدن: «حان وقت عودة القوات الأمريكية إلى الوطن». «حان الوقت لإنهاء الحرب الأبدية».
وفي الوقت الذي تجاهل فيه أوباما سبب وجود القوات الأمريكية بالعراق، وما هي المهمة التي نفذتها هناك وجعلتهم فخورين بنجاحهم، ربما لمعرفته أن معظم المسؤولين عن الغزو، اعترفوا في فترات متفاوتة بأنهم كانوا « ضحية أكاذيب» اختار بايدن تكرار سبب الغزو وتحقيق النصر، اكثر من مرة، قائلا : « ذهبنا إلى أفغانستان لاجتثاث القاعدة، لمنع الهجمات الإرهابية المستقبلية ضد الولايات المتحدة المخطط لها من أفغانستان. كان هدفنا واضحا. كان السبب عادلاً. لقد فعلنا ذلك. لقد حققنا هذا الهدف».
ماذا عن العلاقة مستقبلا مع البلد المحتل بعد سحب القوات العسكرية؟ عن العراق أخبرنا أوباما: «ستكون هناك شراكة قوية ودائمة. بوجود دبلوماسيينا ومستشارينا المدنيين في المقدمة، سنساعد العراقيين على تقوية المؤسسات التي تكون عادلة وتمثيلية وخاضعة للمساءلة. سنبني روابط تجارية جديدة، وتجارة، وثقافة، وتعليم يحرر إمكانات الشعب العراقي. سوف نتشارك مع عراق يساهم في الأمن والسلام الإقليميين، تمامًا كما نصر على أن تحترم الدول الأخرى سيادة العراق». وهي صورة مشرقة، بإمكاننا القول، الآن، أن أيا من جوانبها لم يتحقق بل وشُرعت أبواب العراق لكل انواع الإرهاب، بضمنها الأمريكي. وبنفس الألوان يصبغ جو بايدن، حاليا، مستقبل العلاقة مع أفغانستان، مؤكدا: «سنواصل دعم حكومة أفغانستان. وسنواصل تقديم المساعدة لقوات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية».

قرار الانسحاب من العراق كان بوش قد شرع بهندسته قبل أوباما، ونتيجة اتفاق في «لجنة بيكر» التي جمعت الحزبين لاسترجاع التوافق في السياسة الخارجية من المحافظين الجدد و»مشروع القرن الأمريكي الجديد»

إذا كان قرار جو بايدن قد استقبل بالترحيب، باعتباره خطوة نحو انهاء عنصرية اليمين الترامبي فان علينا أن نتذكر ان قرار أوباما لقي ذات الترحيب، سابقا، وكانت النتيجة ابقاء المطلوب من القواعد العسكرية مع زيادة مستخدمي الشركات الأمنية والمرتزقة والعمليات الخاصة بالاضافة الى استخدام الطائرات بلا طيار عشرة اضعاف ما كان مستخدما قبله. وتضاعف الاستخدام خلال رئاسة ترامب بالاضافة الى اصداره قرارا ألغى فيه التصريح بعدد الاستخدامات ايضا. مما منح الجيش والسي آي أيه الحرية المطلقة في عمليات القتل والاغتيالات. كما نُذكر بأن قرار الانسحاب من العراق كان بوش قد شرع بهندسته قبل أوباما، ونتيجة اتفاق في « لجنة بيكر» التي جمعت الحزبين لاسترجاع التوافق في السياسة الخارجية من المحافظين الجدد و«مشروع القرن الأمريكي الجديد» الذي أفشلته المقاومة العراقية. كما أن قرار بايدن، استمرار لقرار كان ترامب قد اعلنه. باعتبار ان استخدام القوات العسكرية، يشكل استنزافا اقتصاديا لأمريكا، وليس من مصلحة أمريكا التضحية بجنودها، مجانا، لصالح دول اخرى، وضرورة اعادة هيكلة الجيش الأمريكي.
هذه الحقائق، اشار اليها بايدن في خطابه ولكن بشكل ناعم مغلف بمفردات «نبيلة» حول وجوب إعادة الجنود الى الوطن بعد أدائهم « مهمتهم الإنسانية» بعيدا عن اهلهم. وبعنصرية تليق بالغزاة وصف كيف انه يحمل منذ 12 عاما «بطاقة تذكرني بالعدد الدقيق للجنود الأمريكيين الذين قتلوا في العراق وأفغانستان. هذا الرقم الدقيق، وليس رقمًا تقريبيًا أو تقريبًا – لأن كل شخص من القتلى هم بشر مقدسون تركوا وراءهم عائلات بأكملها». متعاميا عن حقيقة أن القوات الأمريكية بالعراق رفضت بشكل مطلق ان تسجل عدد الضحايا العراقيين، وأن سبب غزو أفغانستان كان مقتل 2977 أمريكيا، بعملية ارهابية نفذها 19 قتلوا اثناء تنفيذ العملية، بينما قدرت أبحاث جامعة براون الأمريكية، في عام 2019، عدد الضحايا بين الجيش الوطني والشرطة في أفغانستان بأكثر من 64100 منذ أكتوبر 2001. ووفقًا لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان (أوناما)، فقد قُتل أو جُرح ما يقرب من 111000 مدني منذ أن بدأت في تسجيل الخسائر المدنية في عام 2009.
تثير هذه الأرقام المخيفة تساؤلات مشحونة بالغضب: لماذا تقتصر «القدسية» على حياة الأمريكي؟ ولم يعاقب بلد، تخريبا وقتلا، كعقاب جماعي جراء عمل إرهابي ارتكبه 19 شخصا فقط؟ أليس الغزو واستمراره، لهذا السبب، عملا إرهابيا، يجب محاكمة المسؤولين عنه وفق القانون الدولي ؟
وما الذي سيجلبه المستقبل من تغيير في العلاقة بين أمريكا وافغانستان بعد الانسحاب ؟ يقول بايدن في ختام خطابه بأن فريقه العسكري يعمل على « تنقيح الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الإرهاب الذي يستهدف أمريكا واعادة تنظيم القدرات في مكافحة الإرهاب في المنطقة لرصد التهديدات الإرهابية الكبيرة وانهائها ليس فقط في أفغانستان، ولكن في أي مكان قد تظهر فيه. الإرهابيون موجودون في إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط وأماكن أخرى». مما يعني أن سياسة « محاربة الإرهاب» ستبقى كاستراتيجية بعيدة المدى لتطويع الشعوب والدول، اذا ما فكرت برفع رأسها للتنفس بعيدا عن بسطال الشرطي الامريكي. الا انه يعني، أيضا، ان أمريكا لن تتمتع بالامان الذي تنشده لنفسها ما لم، سواء في العراق أو أفغانستان، تعتذر عما ارتكبته بحق الشعوب، وتعويضها والعمل على بناء علاقة مشتركة على قدم المساواة، ووضع حد لدعمها الأنظمة الاستبدادية الفاسدة التي جعلت من بلدانها سوقا للسلاح.

كاتبة من العراق

 

 

كيف لبغداد

 لم تستسلم أن تسقط؟

هيفاء زنكنة

 

هل سقطت بغداد، فعلا، يوم التاسع من نيسان/ إبريل 2003؟ وما معنى السقوط؟ للفعل « سقط» ومصادره عشرات المعاني التي تمتد من المكان الى الإنسان. سقَطتِ المدينةُ : تم احتلالها من العدو. سقَط الشَّيءُ من كذا : وقَع من أعلى إلى أسفل. سَقَطُ المتاع: ما لا خير فيه من كلِّ شيء. السَّقْطُ :السَّاقِطُ من الناس، لئيم، حقير. أسقاط النَّاس: أوباشهم وأسافلهم. أي تعريف ينطبق على بغداد؟ بغداد المدينة، بغداد العاصمة؟ لماذا سقوط بغداد وليس الاستسلام أو الدحر أو الهزيمة أو الاستيلاء أو الانتصار عليها؟
هل هو المكان أم الإنسان؟
من يبحث عن «سقوط بغداد» سيجد ثلاث صفحات من تاريخ يقودهم الى ما هو أقدم وأعرق، الى موقع ومدينة وعاصمة، لكل واحد منها خصوصيته المذهلة، وتماهيه مع العالم في آن واحد. لأنه، على خصوصيته لم يكن استثناء بل امتدادا لحضارة إنسانية تتجه الى الأمام لولا «السقوط».
في الصفحة الاولى، دخل القائد المغولي هولاكو خان، حفيد جنكيز خان، بغداد عام 1258، منتصرا، فنهبها وهدم مبانيها التي كانت آية من آيات الفن الإسلامي وحرق كتبها. فتك بأهلها فلم يبق غير القليل. وكانت أعظم الأعمال التهديمية التي ارتكبت هي تخريب البنية التحتية كالسدود ونواظم الإسقاء. أليس هذا ما يفعله الغزاة حين يدخلون مدنا يعرفون جيدا انهم لا يستطيعون إزالتها، كما رأينا، بأنفسنا، في العصر الحديث؟
كانت بغداد عاصمة الدولة العباسية ورمزالإمبراطورية الإسلامية. أرادها الغزاة ان تبقى خربة، ضعيفة، متهالكة لتكون عبرة لمن قد يفكر بمقاومتهم. فكانت بغداد بوابة السقوط لما تلاها. لتأجيل الحياة والاكتفاء بالبقاء.
في الصفحة الثانية، عاشت بغداد بين كانون الأول/ ديسمبر 1916 و آذار/ مارس 2017، صراعا دمويا للاستحواذ عليها. كانت جزءا من الامبراطورية العثمانية المحتضرة التي يتنافس على استيراثها الانكليز. فكان القتال المرير على الارض العراقية وكان «سقوط» بغداد غنيمة غزاة جدد. وكان العراقيون، كما بقية العرب، الذين عاشوا في ظل الامبراطورية العثمانية، يظنون أن التعاون مع قوات التحالف ومن بينهم الانكليز، والتخلص من العثمانيين، سيمنحهم الاستقلال. فكان الترحيب الاولي بالحاكم الانكليزي الذي كان قد أدرك ضرورة دغدغة روح المرحبين وتطلعاتهم، فأصدر الجنرال مود بيانا خاطبهم فيه قائلا : «لم تأت جيوشنا إلى مدينتكم وأرضكم كغزاة أو أعداء ولكن كمحررين». ولم يطل الوقت لتزول اوهام من بنوا الآمال على المحتل الجديد. فأجبروا على الانضمام الى ثورة الشعب حين وضع العراق تحت الانتداب واعتمد البريطانيون تدابير لحماية مصالحهم فاندلعت الثورة العراقية الكبرى أو ثورة العشرين، عام 1920.

بغداد الموسومة بأنها الأكثر قذارة في العالم على الرغم من ثروة البلد الهائلة، بغداد التي يجوب الموت شوارعها متمثلا بميليشيات ومرتزقة ولصوص يتحكمون ببرلمان ينطق باسمهم

وجلبت لنا صفحة التاريخ الثالثة تكرارا يجمع في ممارساته ما بين المغول والبريطانيين. ليعيد تاريخ الغزاة نفسه كما هو وحشيا، مدمرا، مستغلا، مع بعض التجميل الطفيف . فكان يوم 9 نيسان/ أبريل 2003. ومثل كل احتلال، سبق الدخول الى بغداد عقود من التهيئة. ولكن بشكل تحديثي. فكانت خطة الطريق لاحتلال بغداد، سياسية ـ إعلامية، منسوجة بالاكاذيب وحصار اقتصادي انهك الناس وجعل أولوية التفكير محصورة بالحصول على الاولويات. ومثل الغزو الاول والثاني، تبرع عراقيون بمساعدة الغزاة. خلطوا بين التخلص من نظام عارضوه واحتلال الوطن. فشرعنوا الغزو وقتل الأهل واحتفلوا بسماع صراخ الضحايا واصفين اياه بانه موسيقى. وتطلب منهم اقناع الناس باحتلال بغداد، عاصمة العراق الأبي، ان يحتالوا حتى على انفسهم، مخاطبين الشعب بأن الاحتلال هو الطريق الوحيد الى الحرية، وديمقراطية المحتل هي النموذج الذي يجب ان يُحتذى إذا أرادوا أن يتجاوزوا تخلفهم ليكونوا حضاريين. فكان تهديم المباني ونهب المتاحف وحرق الوثائق.
وكانت الاعتقالات الجماعية. وكان التعذيب في أبو غريب والمساواة بين النساء والرجال اغتصابا. وكان استهداف المدنيين قتلا تسلية للمحتلين حين يشعرون بالضجر. وكان التقسيم الطائفي والعرقي، وصار صباح بغداد جثثا مرمية في الشوارع. وشُرعت ابواب الوطن لكل من يستبيح كرامه أهله، احتقارا واستهانة. والمواطن المنغمر بالخوف من الآخر. ولايزال مستخدمو الاحتلال يقتاتون، على أكذوبة تحرير العراقي من الخوف.
واذا كانت اعوام الاحتلال قد هدمت الكثير، الا انها لم تنجح وبعد مرور 18 عاما، في دفع العراق الى الاستسلام والقبول بالخضوع عنوانا للحياة. فبقي الغزاة غزاة والاحتلال احتلالا. ولم تنهر بغداد او تستسلم، لا «رسميا» ولا شعبيا. بل بقيت عزيزة النفس، مقاومة. أطلقت طلقتها الاولى برأس المحتل في اليوم الاول للاحتلال. وكان يوم 10 نيسان/ أبريل نقطة انطلاق المقاومة العراقية من بغداد الى بقية المدن. من الموصل وكربلاء والنجف الى الفلوجة. ضد قوات غزو بلغ عددها 147 ألف أمريكي و 15 ألف بريطاني، مدججين بأحدث الأسلحة والتقنيات العسكرية وتغطية اعلامية بملايين الدولارات. ولم تسقط بغداد.
هذه المدينة التي تصفها منظمات الرصد بأنها مركز حكومة من بين الأكثر فسادا في العالم، حيث يشرب سكانها، يوميا، مياه غير صالحة للشرب وناقلة للأمراض الخطيرة وحتى الموت. بغداد الموسومة بأنها الأكثر قذارة في العالم على الرغم من ثروة البلد الهائلة، بغداد التي يجوب الموت شوارعها متمثلا بميليشيات ومرتزقة ولصوص يتحكمون ببرلمان ينطق باسمهم. هذه البغداد لم تتوقف يوما عن اثارة دهشة العالم بمقاومتها للخنوع والانحناء امام الغزاة والمستبدين. تدهش العالم بنهوضها المرة تلو المرة. تنبع من بين أحجار شوارعها ودرابينها أزهار لاتقل نضارة عن زهور هيروشيما بعد رشها بالسلاح النووي الأمريكي.
ولم تسقط بغداد. رفعت رأسها عاليا، في قلبها النابض، في ساحة التحرير. عام 2011 وتلتها انتفاضة تشرين / أكتوبر في 2019. توسع قلب المدينة، سرت دماؤه في شرايين المدن فتكاثرت ساحات التحرير. من البصرة والناصرية الى الكوت وبابل. يقيم فيها مواطنون يطالبون بوطن ( هل سمعتم قبل هذا بمواطنين يطالبون بوطن؟). فبلغت تكلفة الوطن للسنة الواحدة 600 شهيد و مئات الآف الجرحى وآلاف المعاقين. ثم يأتي من يقول لك أن الاحتلال كان تحريرا أو تغييرا وان بغداد سقطت. أيمكن لـ«بغدادُ المحروسةُ بالاسمِ الأعظمِ: بغداد» كما يصفها سعدي يوسف، أن تسقط؟

كاتبة من العراق

 

 

تطبيق العدالة الانتقالية

أو الانتقائية في العراق؟

هيفاء زنكنة

 

 

للمرة الثانية، منذ الاحتلال في عام 2003، يبرز بعض الاهتمام التوثيقي بالعدالة الانتقالية بالعراق، من خلال اطلاق تقرير «العدالة الانتقالية في العراق الذاكرة وأفق المستقبل» من قبل منظمة أفق للتنمية البشرية ومؤسسة فريدريش ايربت الالمانية.
كانت المرة الاولى حين شرع المركز الدولي للعدالة الانتقالية، بنيويورك، بالعمل داخل العراق، مباشرة بعد الاحتلال. حيث قام باصدار اربعة تقارير، متوفرة باللغتين العربية والانكليزية، عن محاكمة الأنفال، والدجيل المحاكمة والخطأ، وأصوات عراقية: مواقف من العدالة الانتقالية وإعادة البناء الإجتماعي، وأرث مُر: دروس من عملية اجتثاث البعث في العراق 2004 – 2012. استند التقرير الاخير، إلى أبحاث ميدانية ومقابلات مع مسؤولين في الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث، مركزا على « عملية تطهير المؤسسات من أعضاء حزب البعث» وهي، حسب التقرير، أكبر وأشهر عملية عزل موظفين لأسباب سياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتضمن دروسا مستقاة من دول اخرى عاشت تجربة العدالة الانتقالية بالاضافة الى توصيات اساسية لصانعي القرار لتلافي الأخطاء.
أكد المركز دائما بان فحوى عمله هو تقديم المشورة، خاصة في مجالات فحص أهلية الموظفين المسؤولين عن تنفيذ العدالة. فقد راقب المركز، مثلا، عملية اجتثاث البعث، مبينا عيوبها « مع التأكيد على أنه يجب تقييم الأفراد بناءً على الأعمال السابقة، وليس على أساس العضوية في الحزب». وبصدد الملاحقات القضائية، أثار المركز قضية التدخل السياسي والخلل الوظيفي أثناء المحاكمات. كما قدم ​​معلومات وتحليلات للمساعدة في تصميم وتنفيذ برامج جبر الضرر الفعالة بعد أن التقى موظفو المركز بأعضاء المجلس الأعلى لتعويض الضحايا لمناقشة طرق التعويض وصياغة التشريعات. وقد شجع المركز العراقيين المعنيين على التعرّف على تجارب البلدان الأخرى في عمليات البحث عن الحقيقة قبل اتخاذ أي قرار لإنشاء مثل هذه الآلية. وأوصى بزيادة مشاركة الضحايا ومنظمات المجتمع المدني في أية هيئة تهدف للبحث عن الحقيقة. ملخصا فكرة العدالة الانتقالية بأنها العمل على تحقيق العدالة، واظهار الحقيقة، وجبر الضرر، والعمل على عدم تكرار الممارسات المهينة وانتهاكات حقوق الإنسان مستقبلا.
فما هو الجديد الذي استدعى اصدار التقرير الأخير وما هي الإضافة الى تقارير المركز السابقة، التي كان يجب الاستفادة منها تجنبا للتكرار ولاستمرارية توثيق التجربة بجوانبها المتعددة ؟
لا اعتقد أن هناك إضافة جديدة في النصف الاول من التقرير، المكرس للتعريف بآليات العدالة الانتقالية في القانون الدولي وأمثلة لتجاربها في عدد من الدول. إلا أن هناك بعض الجوانب التي تم التطرق اليها للمرة الأولى في النصف الثاني من التقرير المسمى « تجربة العدالة الانتقالية في العراق في سياقها التاريخي والقانوني وآليات التطبيق وأثرها الاجتماعي» والذي كان الأصح تسميته «فشل تجربة العدالة الانتقالية في العراق» بناء على التفاصيل المذكورة فيه. وهو ما أكده استبيان، أنجزه مؤلفو التقرير، شارك فيه 200 شخص، معظمهم كما تدل الاجابات مسؤولو منظمات المجتمع المدني. عند سؤالهم عن الثقة بقدرة المنظومة القانونية والإجرائية المتعلقة بمسارات العدالة الانتقالية ومدى نجاعتها لمنع تكرار وقوع الانتهاكات التي اقرت من اجلها، أقر 70 بالمئة عن عدم اعتقادهم بذلك، ولم يؤيده سوى 3.5 بالمئة فقط.

غياب الإرادة السياسية الصادقة، وهيمنة روح الانتقام، والطائفية، والإفلات من العقاب، والأكثر من ذلك هو استشراء منظومة فساد مالي وسياسي وإداري، اختزلت تحقيق العدالة بدفع التعويضات فقط

من بين الأسباب التي أعاقت تنفيذ العدالة الانتقالية بالشكل السليم، حسب التقرير، أولا: مأسسة العملية والبلد تحت الاحتلال الانكلو – أمريكي «، المسيطرعلى سلطة القرار التنفيذي والتشريعي فيه، دون مشاورة مسبقة مع الشعب العراقي بل اقتصر عملها على التنسيق مع قوى المعارضة التي تغيرت موازين القوة لصالحها بعد إسقاط النظام السابق».
ثانيا: اقتصار المجال الزمني للانتهاكات على حقبة حكم حزب البعث 1968 – 2003، والتي تشكلت عليها أسس العدالة الانتقالية، ولا يزال كما هو رغم مرور 18 عاما على نهاية حكم البعث. يقترح مؤلفو التقرير، ان تشمل العدالة الانتقالية الانتهاكات منذ ثلاثينيات القرن الماضي « وأبرزها مذبحة سميل عام 1933 التي قامت بها الحكومة العراقية بحق أبناء الأقلية الآشورية. وتهجير يهود العراق عام 1950… ثم انتهاكات حقوق الإنسان بعد تغيير النظام 2003 – 2020، والتي تجسدت من خلال ضحايا الحرب الطائفية في العراق 2008 – 2006، يسبقها ضحايا عمليات الاحتلال ومابعد الاحتلال، ثم ضحايا الحركات المتطرفة ضد أبناء المناطق الغربية والجنوبية والوسطى.. وضحايا داعش». ويذكر التقرير أن الأقليات الدينية والقومية هي المتضرر الأكبر، بكل المستويات، وان مسلسل الانتهاكات الجسيمة مستمر وبأشكال مختلفة كما في تظاهرات تشرين الأول 2019 باعتبارها «واحدة من اهم ملامح انهيار منظومة حقوق الإنسان في العراق حيث قتل اكثر من 800 متظاهر، وجرح وإعاقة الآلاف منهم، بالإضافة الى خطف واختفاء المئات منهم.. ويبقى استهداف الناشطين مستمراً، دون اي كشف للحقيقة». ويضمن التقرير في مراجعته مسار التطبيق في إقليم كردستان قائمة انتهاكات ضمت ضحايا الاقتتال بين الحزبين الكرديين الرئيسيين وضحايا مجزرة بشتا شان من الشيوعيين.
إن توسيع حقب الانتهاكات، وهي مهمة ليست سهلة، تستدعي تقييم كيفية تطبيق العدالة الانتقالية لضحايا الحقبة الحالية الممتدة بلا تحديد زمني قانوني. مما يتطلب الإجابة على السؤال الاهم أولا، وهو هل ما تم العمل به هو عدالة انتقالية فعلا؟ تدل مراجعة عمل المؤسسات التي استحدثت وآليات التطبيق على ان العدالة الانتقالية تحولت ضمن التجربة العراقية الى عدالة انتقائية – انتقامية. تمركزت حول احتكار الحقيقة من قبل السلطة والجهات الرسمية وانتقائية « الضحايا» وكتم انفاس الحقيقة بما يسمى جبر الضرر، حيث أسست اللجان والمؤسسات بدون تشريع قانوني او مشاركة الشعب عبر منظمات المجتمع الاهلي والمدني او تشكيل لجان حقيقة بامكانها توثيق سردية الانتهاكات، من اعتقال وتعذيب وقتل، بشكل محايد بعيدا عن التضخيم والتخيل وروح الانتقام، لئلا يتم تكرارها مستقبلا.
ينتهي التقرير بقائمة تشخيص وتوصيات طويلة، توحي للقارئ بانها محاولة لضخ الحياة في تجربة أخفقت بقوة من ناحية تطبيق المفهوم الحقيقي للعدالة. وأسباب الاخفاق معروفة للجميع مهما كان نبل التعابير والمصطلحات المستخدمة. وهي غياب الإرادة السياسية الصادقة، وهيمنة روح الانتقام، والطائفية، والافلات من العقاب، والأكثر من ذلك هو استشراء منظومة فساد مالي وسياسي وإداري، اختزلت تحقيق العدالة بدفع التعويضات، فقط، ضمن سياسة منهجية لاستقطاب المؤيدين.
بينما يتطلب تطبيق العدالة الانتقالية، استقلال البلد، والارادة السياسية الصادقة وان تبنى العملية على مشاورة ومساهمة أبناء البلد، أنفسهم، في اتخاذ جميع الخطوات اللازمة لضمان حق الضحايا في معرفة الحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر، وعدم التكرار، لضمان مصالحة ماضي العراق مع حاضره أملا بحماية مستقبله.

 

 

جائزة كتاب فلسطين

ومقاومة تزييف التاريخ

هيفاء زنكنة

 

لم تكن الهوة بين الشعوب العربية وحكوماتها أكبر وأعمق منها، مما نعيشه، حاليا، حول فلسطين. ففي الوقت الذي سارعت فيه حكومات عربية، الى إعلان التطبيع الرسمي مع الكيان الاستعماري العنصري، تزداد مقاومة الشعب الفلسطيني تجذرا، ونشاطات مناهضة التطبيع الشعبية العربية انتشارا، وحملات التضامن العالمي والانضمام الى حملة المقاطعة تزايدا حول العالم.
لم يعد تبرير استخذاء الحكومات وخضوعها لابتزاز وضغوط شرطي العالم من جهة وتبريرها بأنها تفعل ذلك من أجل « السلام» وانهاء « النزاع الفلسطيني الاسرائيلي» ، من جهة أخرى، ساري المفعول. كما انتهت صلاحية ادعائها بأنها تحقق ما يصبو اليه الجيل الفلسطيني والعربي الجديد. فيوم الأرض، مثلا، لايزال جزءا من الذاكرة التي يحاولون طمسها. وتنوعت مستويات المقاومة، بفضل مبادرات الجيل الجديد الذي يواصل نضال آبائه واجداده ، سواء كان داخل أو خارج فلسطين. يحملون شعلة المقاومة، بأشكالها وتنوعاتها، لوحدهم أو مع المتضامنين مع عدالة القضية الفلسطينية عالميا.
يركز عدد من المبادرات الفلسطينية العالمية على الجانب الثقافي لمقاومة الاحتلال، وأن تكون السردية الفلسطينية أداة حفظ الذاكرة ومواجهة عمليات التزوير. ولنقل الرواية الفلسطينية إلى أوسع جمهور ممكن أطلقت منظمة (ميدل إيست مونيتور) جائزة كتاب فلسطين عام 2011. احتفاء بإنجازات الكُتاب ، أينما كانوا، في الكتابة عن فلسطين ولتشجيع الناشرين على نشر الكتب المعنية بفلسطين ، كما يذكر د. داود عبد الله، رئيس المنظمة. واذا كانت فكرة الجائزة قد بدأت كفكرة بسيطة فانها نمت وتطورت خلال العشر سنوات، نتيجة العمل الدؤوب لفريق مؤمن بفلسطين وأهمية الكتب، وعلى رأسهم الصحافية الناشطة فكتوريا بريتن، والزميل د.ابراهيم درويش، وكان لي شرف الانضمام الى الكادر في العام الثاني للجائزة.
كيف نقيم عمل الجائزة بعد عشر سنوات على تأسيسها ؟ تمكنت الجائزة ، تدريجيا، من جذب انتباه دور النشر والجامعات والمؤلفين المستقلين، في ارجاء العالم ، حيث باتت تتقدم بكتبها الصادرة عن فلسطين ، المستوفية لشروط الجائزة الرئيسية بأن يكون الكتاب عن فلسطين وباللغة الانكليزية وتمت طباعته خلال العام السابق لمنح الجائزة. واذا كان عدد الكتب مقياسا للنجاح فتجدر الاشارة الى ان العام الاول شهد استلام 20 كتابا ووصل العدد في الاعوام الاخيرة الى خمسين كتابا، تغطي موضوعات واسعة، من السياسة والاقتصاد وحقوق الانسان الى القصة والرواية والشعر والمذكرات وكتب الأطفال والرسم والتصوير والطبخ. أما المؤلفون فانهم من جنسيات ودول مختلفة بالاضافة الى الجيل الجديد من الفلسطينيين داخل فلسطين بالاضافة الى المهجرين في ارجاء المعمورة. ما يجمعهم هو التزامهم المبدئي بحقوق الشعب الفلسطيني وايمانهم، ككتاب وأكاديميين وشعراء وفنانين، بمقاومة الاحتلال عن طريق نشر المعرفة عن فلسطين وشعبها وتحدي الصورة النمطية لمظلومية المُستَعمر، مع بقاء معيارها هو الأصالة والإبداع في البحث.

قضية الشعب الفلسطيني ليست قضية خلاف أو نزاع بل قضية مقاومة استعمار استيطاني عنصري

وقد تطورت الجائزة لتصبح حدثا سنويا له مكانته ، في الساحة الادبية البريطانية. حيث يتطلع الجمهور المهتم ، الى حضور الامسية المقامة عادة في اليوم السابق لاعلان الفائزين، بلندن، للاستماع ومناقشة مؤلفي الكتب المرشحة للقائمة القصيرة. وكان الاستثناء الوحيد لهذا التقليد، هو ما تم في نوفمبر، من العام الماضي، حيث نوقشت الكتب المرشحة وتم الإعلان عن الفائزين، بواسطة تطبيق زوم على الانترنت ، بسبب الحظر المفروض على الاجتماعات لانتشار كوفيد 19.
في تلك الامسية، كانت د. ريما خلف ضيفة الشرف. والمعروف ان د. ريما كانت قد استقالت من منصب وكيل الأمين العام والأمين التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) عام 2017، عندما رفضت سحب تقرير مؤثر عن معاناة الفلسطينيين تحت الحكم الإسرائيلي ؛ خلص التقرير إلى أدلة دامغة على أن إسرائيل أقامت نظام فصل عنصري يضطهد ويسيطر على الشعب الفلسطيني ككل ، وفي أي مكان يقطنه. وهي، حاليا، عضو مؤسس ورئيس «المنظمة العالمية لمناهضة التمييز العنصري والفصل العنصري»
لخصت د. ريما ، في كلمتها اثناء الأمسية، الأسباب التي جعلت الجائزة متميزة، ومن بينها «تركيزها على موضوع كان حتى وقت قريب تحت الحصار في معظم دول العالم الغربي. كانت محاولة نشر كتاب عن فلسطين هناك ، ولا سيما كتابًا ينتقد إسرائيل ، بالنسبة للكثيرين، مهمة محبطة، إن لم تكن غير مجدية».
وأعطت أمثلة تبين مدى خوف الناشرين في المملكة المتحدة من نشر كتب قد تسيء ، بنظرهم للصهيونية ، ويتعرضون جراء ذلك لمقاطعة منظمة لجميع كتبهم، حيث « اضطر المؤلف آلان هارت أن يؤسس شركته الخاصة لنشر الطبعة الأولى من كتابه: «الصهيونية: العدو الحقيقي لليهود». كما كانت ترجمة الكتاب إلى اللغة الإنكليزية صعبة بنفس القدر إذا تضمن أي شيء قد يبدو أنه يشوه صورة إسرائيل».
وقد تم ترتيب برنامج يمتد على مدى الشهور المقبلة على موقع المنظمة للاحتفال بمرور العشر سنوات. يضم البرنامج مقابلات مع مؤلفين حازوا على الجائزة وناشرين وشخصيات فلسطينية واجنبية ساهمت بدعم المشروع. بالاضافة الى انتاج فيديو يحكي قصة الجائزة. وسيصدر خلال العام كتاب يضم كلمات ضيوف الشرف بالاضافة الى لوحات فنية وقصائد مختارة.
ان استلام ما يقارب 400 كتاب عن فلسطين ( وهو ليس كل المنشور) على مدى عشر سنوات، دليل مادي على مدى الاهتمام المتزايد بفلسطين كقضية عادلة غير قابلة ، كما يدحض زيف دعاة التطبيع مع المحتل بحجة اقامة « السلام». فقضية الشعب الفلسطيني ليست قضية خلاف أو نزاع بل قضية مقاومة استعمار استيطاني عنصري، وما التطبيع غير تنفيذ المخطط الامبريالي من قبل حكومات عربية مستبدة.
والكتب المؤلفة عن فلسطين ، كأداة انتاج ثقافي معرفي وحفظ للذاكرة، سواء كانت ضمن القائمة المختصرة أم لا ، هي جزء من سيرورة النضال للوصول الى الحل الحقيقي وهو انهاء الاحتلال وتحقيق العدالة كمفهوم للعيش بكرامة ومساواة.
والدرس الأوسع من النجاح النسبي في تجربة جائزة كتاب فلسطين هو امكانية تغيير السردية التي تفرضها الهيمنة السياسية الاستعمارية والصهيونية في المجال الفكري والثقافي، عبر جهد مثابر، ومتواصل يشترك فيه الناشطون من جميع الثقافات. وهو أمر ينطبق على مقاومة تزييف تاريخ الحروب التي شنت تحت لافتة محاربة الإرهاب واهمها جريمة غزو وتدمير العراق، كما على تاريخ الكولونيالية في بلدان العالم الثالث عموما.

كاتبة من العراق

 

 

عن النصر والحرية بعد

18 عاما من غزو العراق

هيفاء زنكنة

 

«في معركة العراق، انتصرت الولايات المتحدة وحلفاؤنا». أعلن الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش من على متن حاملة طائرات، في الأول من مايو / أيار 2003، واقفاً مباشرة تحت لافتة، كُتب عليها « أنجزت المهمة». وكان قد دَشَن، قبلها، حملة « الصدمة والترويع» على العراق، في 19 آذار/ مارس. حينها أكد الرئيس بوش لشعبه والعالم «إن تحرير العراق تقدم حاسم في الحملة ضد الإرهاب. لقد أزلنا حليفًا للقاعدة، وقطعنا مصدر تمويل الإرهاب». مؤكدا « لن تحصل أي شبكة إرهابية على أسلحة دمار شامل من النظام العراقي، لأن النظام لم يعد موجودًا».
لم يدم النصر طويلا، حتى بمفهوم الادارة الأمريكية للنصر. فقد فككت أحداث الايام والسنوات التالية كل ما قامت أمريكا وبريطانيا، مع متعاونين عراقيين، بتصنيعه من أكاذيب لتسويق الحرب ضد العراق. وقد أظهرت كل المراجعات والوثائق وحتى شهادات المسؤولين المشاركين في «المهمة» عمق الخدعة التي استخدمت لصناعة الرضا حول حرب عدوانية ضد شعب قاسى من حصار لا إنساني على مدى 13 عاما. وتحول النصر الموعود، المزجج بألوان «التحرير» و«الديمقراطية» إلى مفرخة لإرهاب منظمات ودول على حساب تخريب بلد واستباحة حقوق وحياة مواطنيه. مما دفع هانز فون سبونيك، ممثل الأمين العام للامم المتحدة السابق، الى القول «لم يبق بند في ميثاق حقوق الإنسان لم ينتهك بالعراق بعد احتلاله». ودفعت كثرة الاعدامات نافي بيلاى، المفوضة السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، الى وصفه بأنه «مسلخ بشري».
يأخذنا حال العراق اليوم، ونحن نقف على عتبة مرور 18 عاما على «انجاز المهمة» الأمريكية ـ البريطانية، الى مستويات المقاومة التي واجه بها المواطنون قوات الاحتلال وما أسست له من مشاريع تقسيم طائفية وعرقية ونهب اقتصادي. حيث كانت المقاومة المسلحة، اولى مستويات النضال. فكانت الفلوجة رمزا أراد المحتل والمتعاونون المحليون ابادته بكل الطرق الممكنة. من القصف بأسلحة محرمة دوليا الى تشويه المقاومة وتهديم 70 بالمئة من المدينة. كان الثمن غاليا. ولم تتح للمقاومين فرصة الاحتفال بفعل المقاومة والاستبسال، اذ تمت سربلتهم، في حملة إعلامية مكثفة، محليا خاصة، بالإرهاب. التهمة الجاهزة التي لم يعد بامكان أي معارض يرفع صوته احتجاجا للدفاع عن نفسه ازائها. تدريجيا، تعمقت قدرة توليفة الحكم (الطائفية + الفساد) على كتم انفاس شعب، محكوم عليه بالمادة 4 مكافحة الإرهاب، وشهادة المخبر السري، والقضاء الفاسد، بعد تعريضه للتعذيب والاغتصاب الذي امتد الى الرجال كما النساء. الأمر الذي دفع منظمة العدالة الانتقالية الدولية الى كتابة تقرير خاص حول الموضوع، احتل فيه العراق مركز الصدارة.

جددت الانتفاضة الأمل بإمكانية التغيير الحقيقي وليس مجرد تدوير الوجوه والمناصب بشكل تزويقي، وكانت ستحقق أهدافها فعلا لولا انتشار الكوفيد وما صاحبه من حظر صحي. ومع ذلك، لم تنطفئ الشرارة

إعلاميا، لم يعد عراق اليوم موضوعا «مثيرا» تستثمره اجهزة الإعلام لجذب القراء. انه، على الاغلب، محاط بالصمت. واذا ما حدث وأشير اليه لارتباطه بحدث « مثير» كما في زيارة البابا الاخيرة، فانه يُصنف تحت الصورة النمطية المعتادة لبلدان العالم الثالث، من الشرق الاوسط وافريقيا الى امريكا اللاتينية. كواحد من بلدان لديها حكومة وطنية، منتخبة، وجيش وقوانين ودستور. أما مشاكله من فساد ورشوة واقتتال داخلي، فهي، أيضا، جزء من الثقافة السائدة في تلك البلدان. تتقبل فيها الشعوب، باستسلام قدري، قادتها غير الأخلاقيين والفاسدين الذين يمارسون السلطة من خلال المحسوبية.
بتقديم هذه الصورة، يُنفى واقع الاحتلال وجرائمه وما سببه من فتح الأبواب أمام التدخل الإيراني، ومأسسة ميليشيات يزيد عددها على الاربعين، وزرع بذرة الانتقام المتمثلة بالمنظمات الإرهابية. في ذات الوقت الذي تمكن فيه المحتل الأمريكي/ البريطاني من تغيير دوره من محتل الى متدخل بمهمة انسانية، لتقديم المساعدة والاستشارة والتدريب للحكومة «الديمقراطية» حديثة الولادة، مع التأكيد المستمر أن وجودهم، مهما كان شكله وحجمه، انما يتم بناء على دعوة الحكومة العراقية.
الا ان سياسة وصم المقاومة بالإرهاب التي نجحت، الى حد ما، في بعض المحافظات، وصورة الاستسلام القدري في محافظات اخرى، والتخويف من ( الآخر) أسقطتها انتفاضة تشرين/ اكتوبر 2019 ز فكانت صرخة «نريد وطنا» و « وكلا للاحتلال الأمريكي والإيراني» جماعية. وجاء رد فعل النظام والقوى التي يستقوي بها وحشيا. فعوقب المحتجون السلميون باستخدام قوات الأمن الذخيرة الحية ضدهم. وحين عادت المرأة الى ساحات التحرير لاستعادة دورها النضالي، جوبهت بالاختطاف والاعتقال والانتهاكات الجسدية. سلب النظام حياة 600 متظاهر وجرح الآلاف.
جددت الانتفاضة الأمل بإمكانية التغيير الحقيقي وليس مجرد تدوير الوجوه والمناصب بشكل تزويقي، وكانت ستحقق أهدافها فعلا لولا انتشار الكوفيد وما صاحبه من حظر صحي. ومع ذلك، لم تنطفئ الشرارة. بقيت متوقدة في مدن متعددة من بينها الناصرية (محافظة ذي قار) على الرغم من كل اساليب القمع والقتل وتصاعد ظاهرة الاختطاف والاختفاء القسري. حيث كشفت مفوضية حقوق الإنسان في العراق، في الاسبوع الماضي، عن تلقيها 8 آلاف بلاغ عن حالات اختفاء قسري للمواطنين خلال السنوات الأربع الأخيرة. وشهدت الايام الاخيرة تصاعد وتيرة التظاهرات في مدينة النجف، حيث بيت المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني الذي زاره البابا فرانسيس، يوم 6 مارس/ آذار. والمفارقة أن يؤكد المرجع للبابا «اهتمامه بأن يعيش المواطنون المسيحيون كسائر العراقيين في أمن وسلام وبكامل حقوقهم الدستورية» وهاهي القوات الأمنية تواصل عنفها المعتاد واطلاق قنابل الغاز والرصاص ضد المتظاهرين ومنع إسعاف المصابين منهم، على مقربة من بيته. فهل هذا ما يعنيه بتمتع سائر العراقيين بالامن والسلام والحقوق الدستورية؟
«الخائفون لا يستحقون الحرية» واحد من شعارات المنتفضين التي بقيت ترفرف عاليا في ساحة التحرير، ببغداد، وساحة الحبوبي في الناصرية، وهو شعار يعبر، في عمقه، عن روح مقاومة المحتل، المتمثلة بالفلوجة رمزا، والنضال ضد الطائفية والفساد، من اجل الحرية والكرامة والعدالة، في ارجاء العراق. وهي روح لاتزال تنبض بالتحدي وعدم الخضوع، على الرغم من مرور 18 عاما على محاولة دحرها.

كاتبة من العراق

 

 

نحن والغرب… النساء

لسن أخوات كما يقال لنا

هيفاء زنكنة

 

لم تحظ المرأة، في أرجاء العالم، على مدى قرون، بالاهتمام الإعلامي الذي حظيت به في الشهور الأخيرة، ولأسباب مختلفة. من بين أسباب هذا الاهتمام المتأخر نجاح المرأة في تحقيق انجاز مؤثر، في مجالها الذي تعمل فيه، وهناك ما يدل على انه سيؤدي الى تغيير حياة آخرين مستقبلا بالاضافة الى تأثيره الحالي، بالإضافة الى النجاح في تطبيق القوانين المشرعنة لحماية حقوق المرأة، وأولها حق الحياة، في بعض الدول.
هناك، ايضا، الاهتمام الإعلامي المرتبط بـ« نجومية» عدد من النساء، على مستوى كوني، وكونهن محط متابعة شعبية لأسباب فنية او تجارية، أو ضحية اعتداء أو جريمة تهز المجتمع أو تأسيس مشروع بحاجة الى التسويق الإعلامي التجاري من خلال تسويق نفسها. واذا كانت هذه الموضوعات لا تختلف كثيرا عما يحظى به الرجل، الا ان منبع الاختلاف هو التركيز والتكثيف الذي نالته، أخيرا، وساعدت مناسبة اليوم العالمي للمرأة في الثامن من الشهر الحالي، على زيادته، خاصة وقد أصبح اليوم، مثل عديد الايام المناسباتية، عابرا للحدود ويكاد يكون جسرا يوصل بين نساء العالم. أو هذا ما تحاول شعارات الاحتفالات التي تقيمها الحكومات والمنظمات الدولية والمحلية، ارتدائه للاحتفاء بـ « نخبة» من نساء يتم انتقائهن من قبلهم. ونادرا ما تكون عملية الاختيار واقعية بمعنى تمثيل غالبية النساء، بل تخضع لحسابات سياسية وإيديولوجية أو دينية. مما يؤدي الى اقصاء المبدعات والمؤثرات الحقيقيات، وتهميش أدوارهن، وطمس امكانية ان يصبحن نموذجا يحتذى من قبل الأخريات.
ويتبدى هذا بشكل واضح، أكثر من غيره، في بلداننا الخاضعة لأنظمة يعيش ساستها حالة انفصام الشخصية (شيزوفرينيا) أسمها « وجود المرأة». حيث يحبذون توقيع الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة بحقوق المرأة كمواطنة، ويتباهون بها، ولا مانع لديهم من سن القوانين التي تدين وتعاقب مرتكبي العنف ضدها، الا انهم نادرا ما يعملون على تفعيلها، لتصبح القوانين مجرد بودرة مكياج لتجميل وجه قبيح. فهم بحاجة دائمة الى تبييض وجوههم أمام العالم الخارجي/ الغربي، والتصريح الدائم بانهم يعملون على تحقيق المساواة وردم هوة التمييز بين المرأة والرجل.
كشف الاهتمام الإعلامي المكثف، اخيرا، المستويات المتعددة للعنف ضد المرأة، من خلال مقارنة وضعها بين دولة وأخرى، ومدى التقدم الذي احرزته في الغرب، حتى على مستوى الاستخدام اللغوي للتعابير والمصطلحات، بالمقارنة مع بلداننا. مما يضيف الى شيزوفرينيا ساسة الانظمة لدينا، ازدواجية المعايير في الدول الغربية، والتلاعب الذكي بالقوانين والاتفاقيات الدولية.
فالعنف الذي يستهدف امرأة واحدة في الغرب، مهما كانت درجته، يطرح للنقاش العام، والمساءلة، ومحاسبة مرتكبه، واحتمال اجراء تغيير لصالح المرأة ضمن القوانين المرعية. فجريمة قتل الشابة البريطانية سارة إيفرارد، وهي في طريق عودتها الى دارها بلندن، صار حدثا شغل المسؤولين والقانونيين والمنظمات النسائية حول حرية المرأة في الأماكن العامة وكيفية حماية حقها هذا. كما أثار ظهور الممثلة الأمريكية ميغان، زوجة الامير هاري، في مقابلة تلفزيونية، أشارت فيها ألمها، اثناء حملها، حين سأل احد اعضاء عائلة زوجها، عن لون بشرة ابنها، ضجة كبيرة حول العنصرية داخل العائلة المالكة والمجتمع عموما، باستقطاب لم تشهده بريطانيا من قبل، مع تدخل سياسي وشعبي أمريكي، فاكتسب الحدث الشخصي، بعدا تجاوز الخاص الى العام، بسبب نجومية ميغان وانتماء الزوج الطبقي والتسويق الإعلامي المثير للمقابلة.

إن العمل المشترك، بكل السبل الممكنة، لترسيخ حق المواطنة في بلد حر ومستقل، هو المسار الذي سيُنّمي ثقافة مجتمعية تعيد تنظيم العلاقات بين مواطني البلد الواحد وتمتد للتواصل مع بقية البشر، على قدم المساواة

في ذات الوقت، تمر معاناة ملايين النساء في بلداننا، كحاشية في مقالة قلما يقرأها أحد. حيث تعيش المرأة أوضاعا وانتهاكات مرعبة في معسكرات تضم ملايين النازحين. أرقام واحصائيات من الصعب جدا استيعابها. اربعة ملايين ونصف المليون نازح ومهجر سوري في معسكرات ببلدان مختلفة. ووصل الاحساس بالخوف وعدم الأمان والفقر المدقع بالعوائل العراقية النازحة، منذ سنوات، في المخيمات الى توسل العوائل البقاء في المخيمات. فما بدأ مؤقتا صار دائميا في بلد يعتبر من الدول الغنية بالعالم. وتعيش المرأة اليمنية لحظات احتضار ابنائها بسبب سوء التغذية بينما تقف مع بقية النساء في طوابير طويلة، بانتظار استلام «المساعدات الإنسانية» من بلدان يقوم معظمها ببيع السلاح لتغذية الحرب في ذات البلد. فأي مستقبل تحمله الايام المقبلة لأبناء هذه العوائل سواء كانوا اناثا أو ذكورا، في ظل مفارقة مبكية يصبح فيها الموت، جوعا وقصفا، هو من يحقق المساواة بين الجنسين؟
كيف يمكن للمرأة، في بلداننا، تحقيق ما تصبو اليه من كرامة وعدالة وحرية؟ وكيف تتمكن من تحسين وضعها وهي تواجه زيف ادعاءات الأنظمة القمعية بتحقيق المساواة بالتعاون مع نساء يدرن منظمات «نسوية» وورشات تنتهي، غالبا، بتخريج نساء، يحفظن ويكررن عن ظهر قلب شعارات جاهزة عن « تمكين المرأة» و« تعزيز مشاركة المرأة في القيادة وعملية صنع القرار» و«الديمقراطية والنوع الاجتماعي» بينما لايتم التطرق الى الأسباب الحقيقية لتدهور وضع المرأة، على كافة المستويات، كما نرى في وضع المرأة العراقية، بسبب الاحتلال وانعكاساته وتنصيب حكومات فاسدة يجمع افرادها ما بين التخلف الديني والمجتمعي واحتقار المواطنين بلا استثناء؟
لقد أثبتت لنا سنوات الاحتلال الصهيوني لفلسطين والاحتلال الانكلو أمريكي للعراق، مثلا، ان تجزئة القضايا يساعد على تجذير الاختلاف، بشكل مَرَضي، وتمديد بقاء الاحتلال ولكن تحت مسميات جديدة. وان هذه التجزئة لا ترتقي بالعلاقات الانسانية بل تبين ان مفهوم نضال المرأة ليس واحدا، وان النساء لسن « أخوات» كما يقال لنا.
مما يجعل جوهر الحل هو الإيمان بان قضية المرأة هي قضية الرجل. وليس كافيا جلب امرأة للجلوس على منصة الخطب بين عشرة رجال يحتكرون الحديث عن السياسة والاقتصاد والسيادة، تاركين مساهمة زميلتهم على المنصة « عن المرأة» فقط وليس عن السياسة والاقتصاد والسيادة، وكانها امور لا تعنيها. الأمر الذي يدفعها، فورا، خارج خريطة الحياة العامة التي يرون أنفسهم معماريها. بينما المطلوب ان تكون حاضرة ومساهمة فاعلة في كل الجوانب، وجنبا الى جنب مع الرجل الذي هو نفسه بحاجة الى التحرير. إن العمل المشترك، بكل السبل الممكنة، لترسيخ حق المواطنة في بلد حر ومستقل، هو المسار الذي سيُنّمي ثقافة مجتمعية تعيد تنظيم العلاقات بين مواطني البلد الواحد وتمتد للتواصل مع بقية البشر، على قدم المساواة.

كاتبة من العراق

 

كانت زيارة البابا

إلى العراق تاريخية فعلا؟

هيفاء زنكنة

«جئت، رأيت، انتصرت». هل لهذه العبارة الشائعة باللغة اللاتينية، المنسوبة إلى يوليوس قيصر، وكان قد استخدمها في رسالة إلى مجلس الشيوخ الروماني، عام 47 قبل الميلاد، لابلاغهم عن انتصاره السريع ضد عدوه، علاقة بزيارة البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، الى العراق في 5 مارس/ آذار، والانتصار هنا بمعنى تحقيق هدف ما، أم ان الاقتباس الاصح هو «جئت. رأيت. غادرت» ولم يتحقق شيء؟ وهل كانت الزيارة، كما وصفت من قبل آلاف المواقع واجهزة الإعلام والناطقين الرسميين، في جميع انحاء العالم، بأنها «حدث تاريخي» فعلا؟
ان وصف حدث ما بأنه «تاريخي» يعني بأنه حدث مهم للمستقبل، أو من المحتمل أن يكون مهما، مستقبلا، أي أنه يؤدي إلى تغيير كبير، على مدى فترات زمنية طويلة، لأعداد كبيرة من الناس. بهذا المعنى، يمكن القول إن الحرب العالمية الثانية هي حدث تاريخي كما هو الغزو الانكلو أمريكي للعراق. حيث تعتمد تاريخية الحدث على ربطه بتغيرات تتكشف بسردية أكبر من «اهميته» في اللحظة الآنية، ولا تعتمد على المنظور الشخصي أو لاستيفائه الغرض منه في الوقت الراهن. فالتاريخ، كما هو معروف، ليس سلسلة من احداث بل استمرارية وتغيير. من هنا، سيكون مدى التغيير، بمقياس التقدم والتراجع، الذي ستؤدي اليه زيارة البابا فرانسيس هو المحك الحقيقي لتاريخية الحدث. لا ان يلتقي بالمرجع الديني السيستاني، وان كان يحظى بالاحترام والتقدير، أو يزور موقعا أثريا لاداء صلاة جماعية، مع عدد من رجال الدين العراقيين والتقاط الصور معهم، والقاء الخطب، واطلاق التصريحات عن «السلام والوحدة والتآخي والتسامح بين جميع مكونات الطيف العراقي الملون والجميل».
كما ان علاقة الحدث بالإعلام وتغطيته، مهما كانت مكثفة، وصبه قطرة قطرة، تدريجيا، في دماغ الجمهور، لا يعني انه حدث تاريخي. فمقابلة لزوجين ميغان ماركل والأمير هاري مع الإعلامية الأمريكية أوبرا وينفري استقطبت ملايين الناس من جميع انحاء العالم لأن التسويق الناجح وبشكل مقتطفات يومية وبمهارة في صياغة وكيفية تقديم الحبكة جعلت المقابلة «حدثا» يترقبه الكثيرون لكنه ليس حدثا تاريخيا. فالحدث التاريخي هو ما سيغير حياة الناس في المدى البعيد وبعد غربلته من البهرجة والتلوينات المزركشة وكثير منها نفسي وذكي إعلاميا. فاضراب العمال، في منطقة نائية بالهند، مطالبين بحقوقهم، لا اهمية له جماهيريا ما لم يغط إعلاميا بطريقة توصله الى بقية الناس، كما تقول الكاتبة والناشطة الهندية أرونداتي راي.
بعيدا عن البهرجة الإعلامية المبتذلة التي استهلها النظام العراقي بسير البابا ورئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بين صفين من رجال البادية الذين أشهروا سيوفهم عاليا في الهواء، برمزية مقلقة، أقرب ما تكون الى وحشية داعش، لم يلتق البابا الا بقلة من الناس العاديين، وان كان قد خاطب الكل قبل مجيئه، قائلا «لقد فكرت فيكم كثيرا منذ عدة سنين» إذ كان محاطا، طوال الوقت، بفرق الحماية والساسة الفاسدين. ساسة جعلوا من مقايضة الوطن والشعب، عملة لبقائهم الطائفي والعرقي، وادخلوا بتعاونهم مع قوى الاحتلال الارهاب، بابشع صوره، ضد كل المواطنين، وأولهم الأقليات، ثم وقفوا يتباكون استجداء للدعم المادي الدولي لانقاذ البلد المهدد بالارهاب، من جهة، ويتشدقون بالسلام والمحبة من جهة أخرى.

أما مدى «تاريخية» الزيارة فلنترك الحكم عليها للشهورالمقبلة، أن ترينا فيما لو نجح البابا في إحداث تغيير في حياة من أعلن حبه لهم

«لتصمت الأسلحة! ولنضع حدا لانتشارها هنا وفي كل مكان! ولتتوقف المصالح الخاصة، المصالح الخارجية التي لا تهتم بالسكان المحليين. ولنستمع لمن يبني ويصنع السلام!» قال البابا. لعله أراد بذلك انقاذ حياة البقية الباقية من المسيحيين الذين تراجع عددهم من مليون ونصف قبل الاحتلال عام 2003 إلى 400 ألف أو أقل من ذلك اليوم (لأن العراق بدون تعداد سكاني منذ ربع قرن) واقناعهم بالبقاء في بلد هو بلدهم. وهو خيار صعب جدا اذا ما ادركنا حجم التهديد والخطر الذي يتعرضون له، يوميا، من كل الجهات الهادفة الى تفتيت العراق، خاصة مع عدم وجود ما يشير إلى أي تغيير ايجابي، ولو بشكل الارتفاع درجة واحدة من الحضيض الذي انحدر اليه البلد جراء الاحتلال والفساد والطائفية والميليشيات المسلحة.
في كلمته المذاعة قبل وصوله العراق، قال البابا ان هدف زيارته هو «لكي التمس من الرب المغفرة. والمصالحة بعد سنين الحرب والإرهاب. ولاسال الله عزاء القلوب وشفاء الجراح». وهي أهداف انسانية فعلا لولا أنه كان بالامكان تحقيقها وهو موجود في دولة الفاتيكان بدون ان يتكلف، وهو المسن، عناء السفر، ويعرض حياة الآخرين لخطر الوباء المنتشر في بلد يعيش خراب الاحتلال والفساد المنعكس على خدماته الصحية المنهارة. كان بامكانه الاطلاع على حجم الظلم الذي يعيشه العراق وأهله منذ عام 2003 وان يطلع، في آلاف التقارير الحقوقية المحلية والدولية، بضمنها تقارير الأمم المتحدة، على المسؤول الحقيقي عن الانتهاكات والجرائم التي استهدفت المسيحيين والإيزيديين وكل من يرفع صوته احتجاجا، وآخرها حملة التهديد والاختطاف والقتل العلني للمتظاهرين السلميين. صحيح انه أشار الى ضرورة «التصدي لآفة الفساد» و«سوء استعمال السلطة» ولكن هذا هو بالضبط ما يكرره الساسة اللصوص. وكما كتب احد المعلقين على الفيسبوك: « لسنا بحاجة لأن يخبرنا البابا بذلك. بارك الله فيه».
إلا ان البابا نفذ مهمة ما كان بامكانه تنفيذها عن مبعدة وهي زيارة المرجع الديني الشيعي علي السيستاني في داره، بالنجف. وفي الوقت الذي لم يكف فيه البابا عن الصلاة والقاء الخطب طوال ايام زيارته، وبضمنها رأيه باللقاء، اطلعنا على رأي السيستاني من خلال بيان أصدره مكتبه. وهو أمر معهود اذ لم يُسمع السيستاني يوما وهو يخطب او ينطق او يتواصل حتى مع أتباعه. جاء في البيان ان سماحة السيد تحدث عن معاناة « شعوب منطقتنا… ولا سيما الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة». وبصدد معاناة المسيحيين «أكّد اهتمامه بأن يعيش المواطنون المسيحيون كسائر العراقيين في أمن وسلام وبكامل حقوقهم الدستورية». وكما نعلم أن هناك فرقا كبيرا بين «الاهتمام» و«التنفيذ».
اختتم البابا زيارته بالتجول في مدينة الموصل المهدمة ووقف متأملا بحزن الخراب الذي ألحقه تنظيم داعش باحدى الكنائس القديمة، كما التقى بعدد من اهل الضحايا الإيزيديين والمسيحيين والكرد. ولا ندري إن كان أحدا ما قد اخبره عن الخراب والموت الذي سببه القصف الأمريكي للموصل. ولعله اختار أن يتجاهل توقيت زيارته المصادف في الأيام السابقة لشن الحرب العدوانية ضد العراق التي سببت قتل مليون شخص.
أما مدى «تاريخية» الزيارة فلنترك الحكم عليها للشهورالمقبلة، أن ترينا فيما لو نجح البابا في إحداث تغيير في حياة من أعلن حبه لهم أو أن زيارته لا تزيد عن كونها « جئت. رأيت. غادرت».

كاتبة من العراق

 

 

هل مظاهرات العراقيين

ضد إيران أو أمريكا؟

هيفاء زنكنة

 

تحمل أيام هذا الشهر، حدثا كارثيا تحاول الذاكرة، عبثا، مسحه. إنه الشهر الذي ارتفعت فيه حمى التهيئة وتقديم «الأدلة» المبررة لغزو العراق، ومن ثم غزوه واحتلاله، من قبل امريكا وبريطانيا، بمساعدة «معارضين» عراقيين.
نلاحظ هذه الايام، انحسار تحميل البلدين مسؤولية التخريب الذي حل بالبلد والقائها، من قبل ساسة ومتظاهرين وبشكل كلي على إيران، التي لا ينكر أحد دورها التخريبي المتبدئ بأحزاب وعصائب وميليشيات ارهابية. الا أن محاولة فهم الخراب الاقتصادي والسياسي والمجتمعي لن تكتمل ما لم نعد خطوات الى الوراء لتعقب بداية المسار ومسؤولية امريكا وبريطانيا في الوضع المأساوي الحالي.
تم خلال شهر آذار/ مارس 2003، تسريع الترويج لكذبة، وتضخيمها بشكل مذهل ومبتذل في آن واحد، عن خطر عراقي يدعى أسلحة الدمار الشامل. أسلحة قيل ان بامكانها محو الشعب الأمريكي من على وجه الارض خلال ايام، وبامكانها استهداف الشعب البريطاني بيولوجيًا أو كيماويًا خلال 45 دقيقة، حسب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير. كذبة تلقفتها الادارة الأمريكية، وقدمها الرئيس جورج بوش في عديد الخطب والتصريحات. « النظام العراقي يمتلك أسلحة بيولوجية وكيميائية، ويعيد بناء المنشآت لصنع المزيد، ووفقًا للحكومة البريطانية، يمكن أن يشن هجومًا بيولوجيًا أو كيميائيًا في أقل من 45 دقيقة بعد إصدار الأمر «، كرر بوش ما قاله بلير ثم أعاد المسؤولون في أمريكا وبريطانيا تدوير الأكذوبة. « ليس هناك شك في أن صدام حسين يمتلك الآن أسلحة دمار شامل. ليس هناك شك في أنه يحشدها لاستخدامها ضد أصدقائنا… وضدنا «، قال ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي. الخيار الوحيد هو الحرب « لإظهار أننا سوف ندافع عن ما نعرف أنه على حق، لإظهار أننا سنواجه أنظمة الاستبداد والديكتاتوريات والإرهابيين الذين يعرضون أسلوب حياتنا للخطر»، صرح توني بلير.
مع ازدياد قرع طبول الحرب، انتشر الخوف من الآخر، من العراق، ومن اسلحته المبيدة للحياة. تعميم دفع وزارة الداخلية الى ان تنصح الأمريكيين بتخزين الأغطية البلاستيكية والأشرطة اللاصقة لحماية أنفسهم من الهجوم الإشعاعي أو البيولوجي المتوقع. بهذه الطريقة الدعائية الإعلامية تم تجريد عموم العراقيين، وليس صدام حسين لوحده كما يدّعون، من انسانيتهم. لم يعد العراقي إنسانا يستحق الحياة بل إرهابيا يستحق الموت وبأي طريقة ممكنة حتى اذا خرقت القانون الدولي والإنساني، وحتى اذا أدى الى « التمرد ضد الولايات المتحدة و زيادة التعاطف الشعبي مع الحركات الإرهابية» كما حذر مجلس الاستخبارات القومي بوش في يناير 2003. ويشير سجل الاجتماع بين بوش وبلير في 31 يناير/ كانون الثاني 2003، أن بوش كان يعتزم غزو العراق حتى لو لم يعثر مفتشو الأمم المتحدة على دليل يثبت وجود أسلحة دمار شامل. بل كان مستعدا حسب قوله لتوني بلير أن يرسل « طائرات استطلاع يو 2، للتحليق فوق العراق وهي مطلية بألوان الأمم المتحدة لإغراء القوات العراقية بإطلاق النار عليها، الأمر الذي من شأنه أن يشكل خرقا لقرارات الأمم المتحدة» وبالتالي يدفع الأمم المتحدة الى اصدار قرار يشرعن الحرب العدوانية ضد العراق.

لم يعد العراقي إنسانا يستحق الحياة بل إرهابيا يستحق الموت وبأي طريقة ممكنة حتى إذا خرقت القانون الدولي والإنساني

اعلاميا، استفادت الادارة الأمريكية والحكومة البريطانية، من «المعارضة العراقية»، خاصة في مرحلة الترويج للحرب. وهل هناك ما هو أكثر نجاحا في التسويق من استخدام عراقيين يدعون الى « تحرير» العراق؟ وكان الكونغرس الأمريكي قد ضاعف تمويل جماعات المعارضة إلى أكثر من 25 مليون دولار في عام 2000. تم تخصيص 18 مليون دولار منها للمؤتمر الوطني العراقي الذي يتزعمه أحمد الجلبي، فقام الجلبي بتأسيس صحيفة «المؤتمر» وتوظيف مجموعة من الكتاب والشعراء الذين وجدوا أنفسهم في توجه «ليبرالي» يدعو الى بناء « الديمقراطية» ولو عن طريق شن الحرب والاحتلال. وكان الشخص الاقرب الى الجلبي والاكثر نشاطا في دعم الغزو الأمريكي هو كنعان مكية، الاستاذ الجامعي المقيم بامريكا، الذي رأى في الجلبي قائدا « مختلفا عن السياسيين العرب. لم يكن لديه أية مشكلة حول التعامل مع إسرائيل، والمسألة العربية الإسرائيلية، كما لم يكن لديه أي عظم قومي عربي في جسده». ومكية، كما هو معروف، الشخص الذي أخبر الرئيس بوش، قبل شهرين من بدء الحرب، في اجتماع في البيت الأبيض، أن العراقيين سيرحبون بقوات الغزو الأمريكي بـ «الحلوى والزهور». في مكية وجد الغزاة ضآلتهم. «أعتقد حقًا أنه سيتم الترحيب بنا كمحررين» كرر تشيني. «ما من شك أننا سنكون موضع ترحيب» قال وزير الدفاع رامسفيلد.
لم تكتف الادارة الأمريكية باستخدام المعارضة واستضافة « نسويات» عراقيات لالتقاط الصور مع بوش وكوندليزا رايس وباقي طاقم المحافظين الجدد، وهن يتحدثن عن أملهن بالتحرير، بل سبقت ذلك حملة قصف مكثفة وطلعات جوية بلغ عددها حوالي 22 ألف طلعة وقصف 349 موقعا. عاش الشعب العراقي خلالها يوميات خوف ورعب وحصار. مخاوف ناس عاديين وثقتها الفنانة الراحلة نهى الراضي، في كتابها الرائع « يوميات بغدادية».
في خطابه المشهور أمام الأمم المتحدة، الذي قدم فيه « أدلة» تثبت امتلاك العراق اسلحة الدمار الشامل، قال وزير الخارجية كولن باول: «كل تصريح أدلي به اليوم مدعوم بمصادر، مصادر قوية. هذه ليست تأكيدات. ما نقدمه لك هو حقائق واستنتاجات تستند إلى معلومات استخبارية قوية «. تبين، بعد الغزو، ان مصدر الحقائق التي استندت اليها أمريكا في غزوها العراق، هو مهندس عراقي لاجئ في المانيا، يدعى رافد أحمد علوان الجنابي. اعترف في 15 فبراير 2011، لصحيفة الغارديان، إنه لفّق حكايات عن شاحنات أسلحة بيولوجية متحركة ومصانع سرية بعد استنطاقه من قبل المخابرات الالمانية والبريطانية. واضاف «لقد منحوني هذه الفرصة. سنحت لي الفرصة لابتكار شيء لاسقاط النظام. كانوا يعلمون انني كاذب منذ منتصف 2000 ».
إن مراجعة سيرورة صناعة الاكاذيب التي أدت الى تخريب البلد، وقتل ما يزيد على المليون مواطن، اما بشكل مباشر أو غير مباشر، وانعكاسات الخراب على البنية الاجتماعية، وفتح الأبواب امام ارهاب الدول والمنظمات، يؤكد مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والمتعاونين معهما من العراقيين أولا، ومن الضروري التذكير بذلك لئلا ننسى، ولكي تقودنا الاحتجاجات والاعتصامات، بتكلفتها البشرية العالية، الى الاستقلال الحقيقي وليس التدمير الذاتي الناتج عن تفتيت الأدوار.

كاتبة من العراق

 

 

المعلن والمستور في تقرير

بلاسخارت عن العراق

 

هيفاء زنكنة

 

ما هو الانطباع الذي يتركه الاصغاء أو قراءة تقرير يطرحه مسؤول أممي امام مجلس الأمن الدولي وهو مشحون بالعبارات التالية: «وكما سمعتموني أؤكد من قبل. واليوم، لا يسعني إلا أن أكرر ما قلته. وكما قلت سابقا. وأقول مرة أخرى»؟
هذا ما كررته السيدة جنين بلاسخارت، رئيسة بعثة الأمم المتحدة في العراق ( اليونامي) مرارا، في تقريرها أمام مجلس الأمن، في 18 شباط / فبراير، الذي تناولت فيه « ما يأمل العراقيون تحققه عام 2021، في عديد الجبهات وأهمها الانتخابات والإصلاح الاقتصادي وتعزيز سيادة القانون وتوفير بيئة أكثر أمناً للجميع» حسب تعبيرها. والمعروف أن السيدة بلاسخارت حظيت منذ تعيينها، بالعراق، بضجة، لم تثرها أمرأة أخرى تحتل منصبا رسميا فيه. فأخبارها، بما فيها صور من تلتقي بهم وتفاصيل تصريحاتها وحتى ما ترتديه، نظرا للظرف العام المحيط بعملها وتوقعات الناس منه، محط اهتمام، يمنحها، ظاهريا، سلطة أكبر بكثير من صلاحياتها وطبيعة موقعها.
وفي ظل أجواء الاحباط العام وكثرة التقارير، غير المجدية، المستهلكة للورق، والتصريحات « التوافقية» للأمم المتحدة، باتت بلاسخارت الوجه الذي تركزت عليه النقمة، والتعليقات الغاضبة، والساخرة، وحملات المطالبة بطردها، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى نكاد ننسى بأنها ممثلة منظمة لا يمكن ان تمارس عملها، ما لم تحصل على موافقة الحكومات والدول التي تفتح مكاتبها فيها، وان تقاريرها وتصريحاتها محكومة باحتمال سحب الموافقة او حتى المحاربة اذا ما تجاوزت حدودها. فاليونامي، مثلا، تأسست اثر الاحتلال، عام 2003، بناء على طلب حكومة العراق. وأنها لا تملك صلاحية تنفيذ القرارات بل يقتصر عملها على تقديم المشورة والمساعدة في مجالات شاملة، بالإضافة الى العمل مع الشركاء الحكوميين والمجتمع المدني لتنسيق الجهود الإنسانية والإنمائية لوكالات الأمم المتحدة وصناديقها وبرامجها.
ضمن هذه الهيكلية، استهلت بلاسخارت تقريرها بتقديم صورة عن الجانب الاقتصادي. فأشارت الى تخفيض قيمة الدينار العراقي بما يزيد عن 20 بالمئة في نهاية العام الماضي، وتزامنه مع ارتفاع 40 بالمئة من عوائد النفط، مما أدى إلى التخفيف من أزمة السيولة، وتوفير متنفس للحكومة، للمضي قدماً فيما اعتبرته قضايا ملحة مثل تقديم الخدمات العامة ورواتب الموظفين الحكوميين. الجانب الثاني الذي تناولته، هو عدم اقرار قانون ميزانية العام الحالي حتى الآن، منتقلة بعده إلى الموعد الجديد للانتخابات العامة وهو العاشر من تشرين الأول/ اكتوبر 2021، واصدار البرلمان التشريع اللازم لتمويل الانتخابات، وبداية تسجيل المرشحين والتحالفات، وتحديثات سجلات الناخبين. وحثت المجلس على الموافقة على طلب الحكومة العراقية بخصوص المراقبة الانتخابية لأهميته البالغة. وكما هو متوقع، أكدت أن منظمة الدولة الاسلامية «داعش» لاتزال نشطة في البلاد مما يقتضي استمرار الدعم ضد الإرهاب. عن الوضع الانساني للاجئين، بينت بلاسخارت ان الحكومة جددت جهودها لإغلاق مخيمات النازحين العراقيين- العديد منهم نساء وأطفال.

لا يمكن الخروج من الوضع المأساوي المتدهور أكثر فأكثر بدون ايجاد الحل لها، من بينها وجود الميليشيات وارتكابها الجرائم بلا مساءلة وإرهابها المواطنين وسيطرتها على مقدّرات الدولة

قد تبين قراءة الخطوط العامة للتقرير أن بلاسخارت تستحق، فعلا، حملة التسقيط التي تشن ضدها الا ان القراءة المتأنية تشير الى انها استخدمت لهجة، كشفت فيها مدى تدهور الوضع في العراق، بكافة الجوانب التي تناولتها، وان حاولت عدم تجاوز الحدود المرسومة لعمل منظمة الأمم المتحدة. حيث أبدت أسفها لعدم تنفيذ تدابير الاصلاح الاقتصادي وذلك لعدم مصاحبته « المعركة ضد الفساد الاقتصادي والسياسي وتعزيز الحوكمة القوية والشفافية والمساءلة». وعادت لابداء الاسف ازاء « الحقيقة المُرة» بأن التوصل إلى اتفاق نهائي ودائم بين العراق الاتحادي وإقليم كردستان بشأن المسائل المتعلقة بالميزانية وقضايا أخرى أكبر، لا يزال أمراً بعيد المنال. وان المفاوضات « تتسم بطابع سياسي متأصل وتعكس استفحالاً للهواجس وانعدام الثقة». وباختصار شديد « أن الوضع الراهن مخيب للآمال بشكل خاص» وينعكس على استقرار البلد بكامله.
ولم يتوقف احساس بلاسخارت بالأسف عند هذا الحد بل امتد ليشمل قرار الحكومة باغلاق مخيمات النازحين وعدم الاصغاء لتوصيات البعثة بتوفير تدابير آمنة وكريمة لحل مشكلة النزوح بدلا من التسرع والتعتيم، مما أدى الى نتائج كارثية، مثل النزوح الثانوي أو عودة الناس إلى مناطق تفتقر إلى المأوى والخدمات الأساسية. كما ذكّرت بأن هناك ما يقرب من 30 ألف عراقي يقيمون في مخيم «الهول» بسوريا، بمن في ذلك عراقيون لا ينتمون لتنظيم داعش، وعلى العراق مسؤولية استعادة مواطنيه، ابتداءً بالحالات الإنسانية. «وأقول مرة أخرى: يتوجب التعامل على نحو عاجل، وبلا مزيد من التأخير، مع الحالات الإنسانية لمن لا ينتمون لتنظيم داعش».
وقدمت، عند تطرقها الى ما يتعرض له المتظاهرون من قمع، معنى الديمقراطية الغائب في البلد، قائلة : « اسمحوا لي أن أعلن بوضوح أن القمع وانتهاكات الحريات الأساسية – بما في ذلك حرية التعبير والتجمع السلمي – والاختفاء القسري والقتل المستهدف، كل ذلك لا مكان له في الديمقراطية. ولسوء الحظ، لا تزال الشفافية والعدالة والمساءلة غائبة إلى حد كبير – لا سيما عندما يتعلق الأمر بقمع الاحتجاجات الشعبية في جميع أنحاء العراق، بما في ذلك في إقليم كردستان» محذرة بأن الغضب العارم سيندلع مرة أخرى عاجلاً أم آجلاً، إذا لم يتغير الوضع. واختتمت بلاسخارت تقريرها بالتأكيد على اهمية الانتخابات المقبلة وأملها في ان» تكون الانتخابات موضع ثقة، وأن تحل المساءلة محل الترهيب، وأن تسود الشفافية، وألا يكون الولاء معروضا للبيع».
لقد تناولت بلاسخارت، كما أشارت في بداية تقريرها، جوانب عدة من الوضع العراقي، الا أنها تفادت طرح مسائل مهمة جدا، لا يمكن الخروج من الوضع المأساوي المتدهور أكثر فأكثر بدون ايجاد الحل لها، من بينها وجود الميليشيات وارتكابها الجرائم بلا مساءلة وإرهابها المواطنين وسيطرتها على مقدّرات الدولة. كما لم تشر الى التدخلات الخارجية، خاصة الإيرانية والتركية، الا بجملة غامضة، مفادها « يواصل القادة العراقيون الحفاظ على علاقات مفتوحة خدمة للسياسة الخارجية التي تؤكد على سيادة العراق»؟ في الوقت الذي قدمت فيه الانتخابات كما لو كانت الأمل المرجو بدون التطرق الى ان الميليشيات المهيمنة بأحزابها الحاكمة هي ذاتها التي ستخوض الانتخابات، وهي ذاتها التي قدمت لها بلاسخارت توصياتها سابقا، ولم يؤخذ بها اطلاقا. ولعل هذا هو مبعث « أسفها» و«سوء حظها» ويأسها من تكرار توصياتها، الذي يُستشف بوضوح في كافة الجوانب التي تطرقت اليها، وان كانت لا تريد الاعتراف به بحكم منصبها.

كاتبة من العراق

 

 

نافذة للأمل

من فيتنام إلى العراق

هيفاء زنكنة

 

من بين الأخبار القليلة المفرحة التي تناقلتها وكالات الأنباء، أخيرا، نجاح الصحافية والناشطة فان تران تو نيجازاده، الفيتنامية الأصل والفرنسية الجنسية المولودة عام 1942، في رفع دعوى قضائية ضد 14 شركة متورطة في تصنيع وبيع المادة الكيميائية المسماة «العامل البرتقالي» إلى الحكومة الأمريكية، المنخرطة حينها في الحرب ضد فيتنام.
من بين الشركات التي رفعت الدعوى ضدها شركة مونسانتو (المعروفة بانتاجها وتسويقها البذور المعدلة وراثيا) التي تملكها، حاليا، شركة باير الألمانية المعروفة، عالميا، بانتاجها الأدوية أيضا. وكانت فان تران قد عانت هي نفسها من أمراض نادرة جراء التعرض لآثار العامل البرتقالي.
«العامل البرتقالي» هو مبيد أعشاب ونازع لأوراق الأشجار، وهو أكثر فاعلية بنحو 13 مرة من مبيدات الأعشاب العادية. قامت القوات الأمريكية برش 80 مليون ليتر من هذه المادة السامة فوق جنوب فيتنام في الفترة بين 1962 و1971، محاولة بذلك حرمان مقاتلي فيتنام الشمالية ( الفيتكونغ) من الغطاء الذي توفره لهم الغابات ضد القصف الجوي الأمريكي، بالإضافة الى حرمانهم وحاضنتهم الاجتماعية من مصادر الغذاء. أدى الاستخدام الأمريكي للمبيد القاتل الى إصابة ملايين الفيتناميين بأعراض لم يشهدوا لها مثيلا ولحقبة زمنية تجاوزت سنوات الحرب الى أيامنا هذه. اذ أدى تسرب المبيد من التربة الى المياه الجوفية والأنهار الى تعريض الفيتناميين، من اجيال تالية، الى إعاقات عقلية وجسدية وهاجمة مناعة الجسم. ولا تزال تتسبب في ولادة أطفال برؤوس متضخمة أو أطراف مشوهة، وانتشار الإصابة بالسرطان، بالاضافة الى الأضرار التي لحقت بالبيئة. من بين الضحايا ، عوائل قررت عدم انجاب الأطفال بسبب انجابها اطفالا مشوهين، وأخرى أنجبت خمسة عشر طفلا لم يعش منهم غير ثلاثة. وتشير احصائيات فيتنام الحكومية الى إن نحو ثلاثة ملايين فيتنامي تعرضوا للعامل البرتقالي وأن مليون شخص يعانون من تأثيرات خطيرة على الصحة من بينهم 150 ألف طفل على الأقل يعانون من عيوب خلقية.
حتى تاريخ النظر الحالي في الدعوى، كانت الحكومة الأمريكية قد قامت بتعويض جنود في الجيش الأمريكي والأسترالي والكوري عانوا من عواقب استخدام المادة الكيميائية في الحرب. إلا أن ذلك لم يشمل المواطنين الفيتناميين على الرغم من محاولات الضحايا المستمرة، وتنامي التعاون الأمريكي مع فيتنام كدولة ضمن الصراعات الإقليمية المتغيرة، اذ لم تعترف الحكومة الأمريكية أو الجهة المصنعة لهذه المادة الكيميائية بمسؤوليتها.
مما دفع الناشطة فان تران الى اقامة الدعوى ضد الشركات المنتجة في فرنسا. تتحجج الشركات، متعددة الجنسيات، بأنه لا يمكن تحميلها المسؤولية عن استخدام الجيش الأمريكي لمنتجاتها التي انتجتها، وان الشركات ، كما ذكر محامي مونسانتو، «تصرفت بأوامر من الحكومة ونيابة عنها».

سببت القذائف أضرارا صحية متعددة، ومنها السرطانية والجينية والتشوهات الخَلقية. حيث سجلت ارتفاعا ملحوظا في مستويات التشوهات الخلقية، وارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان، وظهور أمراض وتغيرات غير عادية في نسبة الجنس عند الولادة

إن سبب اعتبار خبر رفع الدعوى مفرحا لا يعود، فقط، الى مشاعر التضامن مع ضحايا الجريمة الأمريكية بل، ايضا، الى اقترابهم من تحقيق العدالة، ومحاسبة المسؤولين، قانونيا، عن جريمة حطمت حياة الملايين، على مدى عقود. وهو يماثل ما نطمح الى تحقيقه لضحايا قذائف اليورانيوم المنضب المستخدمة ضد العراق. اذ استخدمت القوات المسلحة الأمريكية والبريطانية ذخائر اليورانيوم المنضّب في مناطق مأهولة بالسكان، خاصة في جنوب العراق؛ طوال العمليات العسكرية لاحتلال العراق في عام 2003، ما أدى إلى تلوث المنطقة بالمواد المشعة، بالاضافة الى استخدامها في حرب الخليج الاولى، عام 1991، وهي الفترات التي يقدم تفاصيلها بدقة علمية رصينة بحث د. سعاد العزاوي المعنون « تقدير مخاطر استخدام أسلحة اليورانيوم المنضّب في العراق».
سببت القذائف، كما تؤكد عشرات الدراسات والبحوث العلمية ، أضرارا صحية متعددة، ومنها السرطانية والجينية والتشوهات الخَلقية. حيث سجلت ارتفاعا ملحوظا في مستويات التشوهات الخلقية عند الولادة، وارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان، وظهور أمراض وتغيرات غير عادية في نسبة الجنس عند الولادة، خاصة في أعقاب الهجمات التي قادتها أمريكا على مدينة الفلوجة، غرب العراق، في عام 2004. وهو الهجوم الذي يوصف بأنه الأكبر الذي خاضته قوات المارينز (البحرية الأمريكية) منذ حرب فيتنام 1968. وقام فيه الجيش الأمريكي بالتعاون مع قوات بريطانية وعراقية، بأمرة إياد علاوي، رئيس الوزراء حينئذ، باستخدام اسلحة اليورانيوم بالاضافة الى الفسفور الابيض.
تختلف حالات ولادة الأطفال المشوهين خلقيا وانتشار الأمراض السرطانية بين النساء والأطفال في المدن التي تعرضت الى اشعاع اليورانيوم المنضب ، عن بقية جرائم الاحتلال من ناحيتين، الاولى انها تشكل جريمة حرب تتنافى مع قوانين الحرب الإنسانية لأنها تستخدم اسلحة يبقى تأثيرها القاتل على المدنيين بعد انتهاء الحرب واسبابها. الثاني، لأنها وبسبب تأثيرها القاتل ببطء على الأطفال والنساء، جميعا بلا استثناء وبمساواة مخيفة، انما تشكل جريمة ابادة لمستقبل العراق كله وتؤثر بدرجة او أخرى على المنطقة كلها بسبب هبوب غبار الموت عليها وتلوث المياه والبيئة بشكل عام.
تكرر الحكومة الأمريكية في العراق ما فعلته في فيتنام، اذ ترفض، الاعتراف بأنها استخدمت مواد مشعة يبقى تأثيرها القاتل على السكان بعد انتهاء الحرب، وتهربا من المسؤولية القانونية وما يترتب على الاقرار بذلك من تبعات تعويض الضحايا المتضررين وتنظيف للأماكن بعد تزويد الجهات المعنية باحداثياتها، تنفي ومعها بريطانيا الاعتراف بتأثير اليوراينوم المنضب. وحتى الآن، ترفض الولايات المتحدة تقديم المعلومات الضرورية، الأمر الذي يعيق تنفيذ عمليات تقييم وإدارة التطهير اللازمتين، بل هناك ما يدل على ممارسة الضغوط على الجهات الرسمية العراقية لغض الطرف عن فتح هذا الملف الذي سيمنحها حق المقاضاة وأن تكون، كما هو مفروض، صوتا للضحايا وممثلة لمواطنيها.
إن رفع الدعوى ضد الشركات المنتجة للمادة السامة التي استخدمها الجيش الأمريكي ضد الشعب الفيتنامي يمنحنا الأمل، مهما كان صغيرا، في تحقيق العدالة، مستقبلا، لضحايا جريمة استخدام الولايات المتحدة الأمريكية قذائف اليورانيوم المنضب ضد الشعب العراقي. وهو أمل تقع مسؤوليته لنقله من مستوى التمني الى التحقيق الفعلي، في غياب العمل الحكومي الرسمي، العمل المكثف المثابر من قبل الناشطين في مجال حقوق الإنسان، والمنظمات الإنسانية المحلية والعالمية، بالتعاون بطبيعة الحال مع العلماء والباحثين.

كاتبة من العراق

 

 

8 شباط والصور المحفورة

في ذاكرة العراق الجماعية

هيفاء زنكنة

 

في 8 شباط / فبراير 1963، استيقظ العراقيون، في بغداد، على أصوات أعيرة نارية. كان ذلك انقلاب البعث الاول أو ما أطلق عليه البعث « ثورة رمضان». ومن يقرأ ما يتم تبادله على صفحات التواصل الاجتماعي، هذه الايام، من استعادة لأحداث الأيام والسنوات التي تلت هذه التاريخ، سيدرك أن العراقيين، من ذلك الجيل الذي عاصر تلك الفترة، وابناء ذلك الجيل الى حد ما، لايزالون يعيشون آثار ونتائج ذلك اليوم. فالمشاعر مشحونة بجروح عميقة لم تندمل على الرغم من مرور عشرات السنين، تغذيها ذاكرة تحتشد بالاعتقالات ودماء الضحايا. « إنه يوم مشؤوم في شهر مشؤوم» تقول سيدة ترفض أن تحتفل بأعياد ميلاد أفراد من عائلتها ولدوا في ذلك الشهر، معربة بذلك عن رغبتها في ألا ينسى أبناؤها ما حدث. يومها، شهد العراق اقتتال من ساهموا، سوية، في جبهة وطنية للاطاحة بالحكم الملكي واعلان الجمهورية المستقلة في 14 تموز/ يوليو 1958.
ما الذي تستعيده ذاكرة الشعب الجماعية عن تلك الحقبة التي استمرت تسعة شهور فقط؟ ماذا عن الجمهورية الاولى ( 1958 – 1963) والحكم الملكي الذي سبقها؟ هل هناك ذاكرة جماعية واحدة للشعب كله؟ لايمكن القول إن للعراقيين ذاكرة جماعية واحدة . بل تشير كل الدلائل التاريخية والشهادات الشخصية ومتابعة كتب المذكرات والبحوث الى أن هناك عدة مستويات للذاكرة، أو ذاكرات. ما يفرقها هو أكثر، احيانا، مما يجمعها، خاصة عند النظر الى مآسي تلك الحقبة ومن هو مرتكبها وانعكاساتها على الحاضر. ويدل اختلاف التسميات والمصطلحات المستخدمة للتحقيب على عمق الشروخ في الذاكرة والحاضر. فثورة 14 تموز، لدى البعض هي انقلاب دموي لدى البعض الآخر. وانقلاب شباط 63 الدموي لدى البعض هو عروس الثورات لدى البعض الآخر. ويقودنا الاختلاف بين الثورة والانتفاضة، حتى عند مراجعة معطيات الحدث الواحد، الى مسار يزيد من تعقيد قراءة التاريخ.
على الرغم من ذلك، وعلى اتساع اختلافات الأحداث المفككة للذاكرة الجماعية، ومعظمها اختلافات سياسية، بالمعنى السياسي الشامل للاقتصاد والبنية المجتمعية، هناك كوارث- مآس محددة رسخت في ذاكرة من عاصرها، بشكل صور دموية مرعبة لايزالون يعيشون دقائقها. ولا يزالون يستعيدونها ويقومون، في عصر التواصل الاجتماعي، بتناقل تفاصيلها وصورها.
من بين هذه الصور، أجساد العقداء الاربعة، قادة انتفاضة مايو 1941 ضد الحكم الملكي، الذين أعدموا وعلقت جثثهم أمام مبنى وزارة الدفاع، وسط بغداد، ليكونوا عبرة للجميع. «كنت في السادسة، سائرة بجانب والدي، حين رأيت الجثث المعلقة. أسرع والدي الخطى، ساحبا إياي بقوة، وركضنا خائفين. حتى اليوم، كلما أمر على المكان نفسه، استحضر ذلك المشهد كأنه يحدث اليوم» تقول مدرسة في الثمانين من عمرها. الصورة الثانية التي خلفها العهد الملكي هي إعدام قادة الحزب الشيوعي، يوسف سلمان يوسف (فهد) سكرتير عام الحزب، وعضوي المكتب السياسي زكي بسيم وحسين الشبيبي، فجر يوم 14 شباط 1949، وعلق الثلاثة، بعد اعدامهم، في ساحات متفرقة من بغداد. مما زرع بذرة اشاعة الترويع والإرهاب في الاماكن العامة.

خرج الشباب، وكلهم لم يكونوا قد ولدوا في حقب المآسي السياسية السابقة، مطالبين بوطن يوفر، للجميع بلا استثناء، حق الحياة والعمل والكرامة. على أمل ألا تكون أيام الاستذكار شحنا وتأجيجا للانتقام بل درسا جماعيا لوضع حد للاعتقالات والتعذيب والمجازر

وحصدت بعنفها حياة العائلة المالكة وعدد من سياسي العهد الملكي، بشكل أدخل على حياة العراقيين مفردات وممارسات عنف جديدة مثل السحل. واذا كانت رغبة ثوار 1958 هي تشكيل «حكومة تنبثق من الشعب وتعمل بوحي منه وهذا لا يتم إلا بتأليف جمهورية شعبية تتمسك بالوحدة العراقية الكاملة» كما جاء في البيان الاول، فان السنوات التالية جذرت خلافات، حفرت عميقا، في الجسد العراقي، مسببة من الجروح ما لم يكن في الحسبان، إذا ما افترضنا حسن النية ووطنية الأحزاب التي ذلقت طعم العمل الجماهيري العلني للمرة الاولى. فكانت الصراعات الشيوعية البعثية القومية التي أضافت الى بشاعة الماضي ودموية القتل والسحل وتعليق الجثث، غرز نواة المليشيات (تشكيل المقاومة الشعبية) وشعبوية الزعامة (سيادة الزعيم الأوحد الزعيم المنقذ ابن الشعب) وغوغائية الحشود المرتكبة للمجازر كما في مدينتي الموصل وكركوك.
هذه الصراعات المتراكمة عادت لتغرق بدمويتها، وروح الانتقام، العراق في الشهور التالية لشباط 63، حيث نجح البعثيون في حفر صور أخرى للقتل في ذاكرة المواطنين، أولها صورة رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم بعد اغتياله.
لم تقتصر رؤية الصورة على المارة في الأماكن العامة، كما كان يحدث في اعدامات النظام الملكي، مثلا، بل نجح النظام الجديد في ادخال الصورة الى كل البيوت، ليراها كل الناس، عن طريق البث التلفزيوني. وهو، الفعل الذي كررته قوات الاحتلال الانكلو أمريكي، بأيدي مستخدميها المحليين، باعدامها رئيس الجمهورية العراقية الرابع صدام حسين، عام 2006 وبث شريط إعدامه تلفزيونيا.
أشهر ما بعد 8 شباط، جلبت معها، أيضا، ميليشيا «الحرس القومي» والاعتقالات والتعذيب والإعدامات المستهدفة للشيوعيين، خاصة بعد أن أصدر الحزب الشيوعي نداء الى المواطنين يدعوهم فيه» الى حمل السلاح لسحق المؤامرة الاستعمارية الرجعية» . وكان للمرأة حصتها في التعذيب والاغتصاب، ليصبح جسد المناضلة مشاعا للجلادين.
ان استذكار 8 شباط، ضروري باعتباره جزءا من الذاكرة الجماعية أو كيف نتذكر تاريخنا. آخذين بنظر الاعتبار ان تكّونها يتأثر بعوامل عديدة، قد يطغى فيها احد الجوانب على أخرى، خاصة حين تتعلق بالهوية الوطنية كموقف أساسي، وما تتعرض له من تقليل او تضخيم او حتى صناعة، كما نلاحظ حاليا في البلد، مع وجود التدخل الخارجي بأنواعه. ولكن غالبًا ما تكون هناك مواضيع مشتركة. فكل العراقيين، مثلا، يتغنون بتاريخ العراق البعيد وحضارته، كما أن معظمهم يرى أن الخلافات والصراعات في عراق ما قبل الغزو الانجلو امريكي، عام 2003، كانت سياسية بالدرجة الاولى ولم تكن دينية طائفية. الاعتقاد الذي استعاد قوته، تدريجيا، عبر مقاومة المحتل والاعتصامات والتظاهرات التي سادت سنوات الاحتلال، وجاء تأكيده الواضح في انتفاضة تشرين الأول / اكتوبر 2019، حين خرج الشباب، وكلهم لم يكونوا قد ولدوا في حقب المآسي السياسية السابقة، مطالبين بوطن يوفر، للجميع بلا استثناء، حق الحياة والعمل والكرامة. على أمل ألا تكون أيام الاستذكار شحنا وتأجيجا للانتقام بل درسا جماعيا لوضع حد للاعتقالات والتعذيب والمجازر الجماعية والاستهانة بالإنسان.

كاتبة من العراق

 

 

لا تقترب لا تلمس…

حقول الموت في العراق

 

هيفاء زنكنة

إذا كان إجراء دراسة عن احصائيات الألغام الأرضية والقذائف غير المنفلقة، يقود الباحثين، عادة، الى كمبوديا التي زرع فيها ما بين 4 ملايين و6 ملايين لغم أرضي، خلال الحروب الأهلية بين 1975 و1998، مما تسبب في سقوط أكثر من 64 ألف ضحية، أو الى فيتنام التي تسببت بقايا الألغام الأرضية والمتفجرات التي ألقتها الولايات المتحدة عليها بمقتل 40 ألف شخص، منذ نهاية الحرب، فان العراق بات ينافس البلدين بل ويتغلب عليهما في كونه البلد الأكثر تلوثا في العالم من حيث حجم المنطقة الملغومة، حسب «مرصد الألغام الأرضية والذخائر العنقودية» في سويسرا.
مناطق العراق الملغومة ناتجة عن الحرب العراقية الإيرانية ( 1980-1988)، وحرب الخليج عام 1991، والغزو الانكلو أمريكي عام 2003. حيث ألقت قوات التحالف، بقيادة أمريكا 61 ألف قنبلة عنقودية، تحتوي على حوالي 20 مليون ذخيرة صغيرة على العراق والكويت في عام 1991. أما أثناء غزو العراق عام 2003، فقد استخدمت أمريكا وبريطانيا ما يقرب من 13 ألف ذخيرة عنقودية تحتوي على ما يقدر بنحو 1.8 مليون إلى 2 مليون من الذخائر الصغيرة. كما زرعت أمريكا 120 ألف لغم، منها 28 ألف لغم مضاد للأفراد و 90 لغماً مضاداً للمركبات، بالاضافة الى قنابل كانت قد رمتها القوات الأمريكية أثناء تقدمها البري باتجاه بغداد. وتشمل حقول الألغام حدود العراق مع إيران والمملكة العربية السعودية.
أما احتلال الدولة الإسلامية ( داعش)، لمساحات كبيرة بعد عام 2014، فقد أدى إلى زيادة التلوث بالألغام المرتجلة والعبوات الناسفة المزروعة في مختلف الأماكن المأهولة. وهي نقلة نوعية من ناحية استخدام السلاح المحظور في المدن وحتى داخل البيوت. فألالغام المضادة للأفراد محظورة بموجب معاهدة حظر الألغام التي وقعتها 155 دولة، باستثناء أمريكا، لحظر تصنيع واستخدام الألغام الأرضية، لأنها تهدد حياة المدنيين بعد فترة طويلة من انتهاء الحروب، وكونها لا تفرق بين المدني والعسكري، وأكثر من نصف ضحاياها هم من الأطفال الذين يلتقطونها كلعبة.
تشير تقارير مرصد الألغام الى أرقام مخيفة. تخبرنا أن الأراضي العراقية ملوثة بـ 25 مليون لغم ومليون طن من المقذوفات غير المنفجرة بعد، التي تشكل بمجموعها تهديداً مباشراً لقرابة 2117 تجمعاً مدنياً يعيش فيه قرابة 2.7 مليون مواطن عراقي. وتعتبر محافظتا البصرة والموصل من أكثر المحافظات تلوثا بالألغام والذخائر الحربية، ويقدر مدير التوعية ومساعدة ضحايا الألغام في المؤسسة العامة لشؤون الألغام في إقليم كردستان، في تصريح لموقع (درج) أن عدد ضحايا الألغام في كردستان يزيد عن 13 ألف مواطن. ويكثر عدد الضحايا والمصابين خاصة بين الفلاحين والرعاة. واذا كانت الألغام والقنابل غير المنفلقة سببا للموت الفوري، فانها، ايضا، مدمرة لحياة من يتعرضون للانفجارات فينتهون بإعاقات دائمة ليضافوا، وهنا المأساة، الى قائمة ضحايا الحروب الفعلية. يتراوح عدد مبتوري الأطراف بسبب الألغام في العراق بين 80 و100 ألف شخص.

الأراضي العراقية ملوثة بـ 25 مليون لغم ومليون طن من المقذوفات غير المنفجرة بعد، التي تشكل بمجموعها تهديداً مباشراً لقرابة 2117 تجمعاً مدنياً يعيش فيه قرابة 2.7 مليون مواطن عراقي

وتشكل الخسارة البشرية جانبا من جوانب تهديد حياة البلد المتعددة. من بينها اعاقة التنمية واستحالة استثمار الأراضي والاعمار في حال عدم تطهير الاراضي والاماكن السكنية. وهذا ما يتبدى بوضوح في الجانب الغربي من مدينة الموصل والأنبار وبقية المدن. فعلى الرغم من مضي سنوات على «التحرير» لاتزال عديد الأحياء، حقول موت اكثر منها مناطق صالحة للسكن وعودة الأهالي. وعلى الرغم من توقيع العراق، على اتفاقية أوتاوا الدولية الملزمة له بتنظيف البلد من الألغام المزروعة مع نهاية عام 2018، لكنه فشل في تحقيق ذلك ومدد الفترة عشرة أعوام أخرى، إلى عام 2028.
يبرر المسؤولون الحكوميون فشلهم بقلة الكادر المدرب على تطهير الأراضي الملغومة، وقلة المعدات الكاشفة، وعدم توفر المسح الميداني، وعدم حصولهم على خرائط توضح مكان انتشار حقول الألغام بالاضافة الى تصريحاتهم المستمرة عن قلة التمويل باعتباره السبب الرئيسي. متناسين ان العراق بلد غني بثروته وكفاءاته لو أتيحت فرص التعليم والتدريب، وبامكانه، ان لم تتحكم به حكومة اللصوص والفساد، ان يمد يد المساعدة الى بلدان العالم بدلا من استجداء المعونة المادية والقروض لزيادة محاصصة النهب.
إن كل لغم موجود في الأرض يمكن أن يعني فقدان حياة أو طرف آخر، ما لم يتم العمل على إزالته، والى أن يتحقق ذلك وجوب احاطة الأماكن الملغومة بالاسلاك الشائكة ووضع اشارات التحذير الواضحة والتوعية بوجودها في المدارس والندوات العامة واجهزة الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. والعمل على دعم وزيادة عدد مراكز التأهيل ومساعدة الضحايا الناجين من حوادث المخاطر المتفجرة وأفراد أسرهم. وهو، أحد الركائز الخمس التي تقوم عليها الأعمال المتعلقة بالألغام، والذي يعتبر قطاعا ناقص التمويل في العراق، حسب منظمة دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (أونماس). ففي 2013، أقر العراق قانون رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة وذوي الاحتياجات الخاصة، والذي حل محل جميع التشريعات الأخرى المتعلقة بالإعاقة إلا أنه لا يضم، على إشارة محددة للناجين من حوادث المخاطر المتفجرة.
إن تطهير الأراضي والأماكن من الالغام والمتفجرات ليس مهمة مستحيلة في بلد غني كالعراق. وخلافا لكارثة اليورانيوم المنضب الذي استخدمته أمريكا وبريطانيا ضد البلد، والذي يمتلك خاصية التسرب بين دقائق التربة ومدة تأثيره السام، تصل مئات السنين، بالامكان تنظيف الأراضي من الالغام الأرضية والمقذوفات غير المنفلقة اذا ما توفرت النية الحقيقية لحماية السكان المعرضين للخطر، وتوفير الدعم لهم. الدعم الذين هم بأشد الحاجة إليه لتخفيف معاناتهم الإنسانية. هناك، مثلا، بريطانيا التي أعلنت اخيرا تنظيف جزيرة الفولكلاند. ولأثبات عدم استحالة المهمة وتفكيك الادعاء بعدم قدرة العراق على تمويل منظمات عراقية ودولية متخصصة بتطهير الأراضي، تكفينا المقارنة ما بين سرقة مليارات الدولارات من قبل المتحاصصين في النظام، والمبلغ المطلوب لتمويل برنامج التطهير والذي تبلغ قيمته 265 مليون دولار، حسب آخر تصريح لدائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام. وهو مبلغ سيدفع تكلفته، بحياتهم، أشخاص لم يكونوا قد ولدوا بعد.

كاتبة من العراق

 

 

إقالة ومقاضاة

رئيس الوزراء العراقي

هيفاء زنكنة

 

الى قائمة ضحايا التفجيرات، بالعراق، أضيف يوم الخميس 21 يونيو/ كانون الثاني، 32 قتيلا، وأكثر من 110 جرحى. السبب: انتحاريان بحزامين ناسفين في سوق للملابس المستعملة، في ساحة الطيران، وسط بغداد.
ما الذي نعرفه عن الضحايا؟ إنهم باعة ملابس مستعملة ومشتروها. بينهم عمال يعرضون خدماتهم بأرخص الأسعار، وبسطات فقراء يبيعون ما لا يحتاجه المرء بأسعار لا تقيهم الجوع، إلا أنهم يثابرون على الجلوس في الساحة كبائعين حفاظا على كرامتهم، لئلا يتهمون بالاستجداء، باستثناء شابين هما علي وعمر، الضحايا أرقام بلا أسماء. اختزلت حياتهم إلى أرقام ستضاف، ان وجد من يوثق، الى قوائم ضحايا آخرين في ساحة الطيران، التي شهدت تفجيرات سابقة في عام 2018 و تشرين الثاني / نوفمبر 2019 والى بقية الضحايا في ارجاء العاصمة ومدن العراق الأخرى، والذين يزيد عددهم على المليون منذ عام 2003 ثمنا للتغيير او التحرير او سقوط بغداد. ليست هناك صحافة استقصائية مستقلة تتابع حياة الضحايا وتنشر تفاصيلها لتترسخ بالذاكرة. الصحافيون أنفسهم ضحايا جرائم من نوع آخر.
ما الذي نعرفه عن الانتحاريين؟ باستثناء التفجير المرعب واستخدامهما جسديهما المفخخين لنشر الموت، لا شيء تقريبا. وان كان هناك عدو جاهز واشاعات ونظريات مؤامرة يساعد على انتشارها عدم الثقة بالتصرحات الأمنية والحكومية. فبعد ساعة من المجزرة، وقف مسؤول امني، في الساحة، امام عدسات التصوير، قائلا : « نفذ التفجير انتحاريان. ربما… بالتأكيد داعش». بلا تحقيق أو جمع للأدلة أو إحاطة المكان بما يمنع تلويث الأدلة أو دوس بقايا الضحايا المتناثرة في ارجاء المكان. وبسرعة مذهلة، وصل الساحة فريق من عمال تنظيف الشوارع، نظفوا الأرضية بشكل لم تعرفه الساحة من قبل، وبدلا من انتظار وصول فريق التحقيق، غسلت الساحة من دماء وأشلاء الضحايا المختلطة ببقايا الانتحاريين، بلا دليل مادي وعلمي يماثل عمليات التمشيط التي تقوم بها اجهزة الشرطة والأمن في ارجاء الكون للتعرف على هوية المجرمين، بدأ المسؤولون « الأمنيون» ببث تصريحات صار الشعب العراقي يحفظها عن ظهر قلب. تصريحات جاهزة تتماشى مع أجندة الجهات المصدرة لها سياسيا وإعلاميا. ففي تصريح خاص لقناة «الحرة» المؤسسة من قبل السي آي أي، ومقرها واشنطن، قال المتحدث باسم قيادة العمليات المشتركة اللواء تحسين الخفاجي، وهو إن «تنظيم داعش هو المسؤول عن التفجيرين الانتحاريين اللذين وقعا في بغداد اليوم» مضيفا أن «الأجهزة الأمنية مستمرة في ملاحقة الجناة ومن قدم العون لهم وساعدهم» وهو ما تريد الادارة الأمريكية، أو مقررو سياستها الراهنون، سماعه تبريرا لاستمرارية عملياتها الخاصة تحت شعار «محاربة الإرهاب».
ما صرح به اللواء الخفاجي هو انعكاس لتصريحات مصطفى الكاظمي والاجراءات التي أعلن عن نيته اتخاذها، باعتباره رئيسا للوزراء والقائد العام لقوات المسلحة. وهي تصريحات بحاجة الى التمحيص لتبيان مدى صدقها وفاعليتها. حيث ترأس الكاظمي اجتماعا لقادة الأجهزة الأمنية والاستخبارية « لمناقشة الهجوم وعواقبه» وأمر بتشكيل لجنة تحقيق، أضيفت، كالعادة، الى مئات لجان التحقيق التي شكلت، سابقا، ودفنت في مخازن الفساد. كما أمر بإجراء تغييرات في «مفاصل الأجهزة الأمنية المسؤولة عن حادث ساحة الطيران». وهو اجراء، يبدو مشجعا ظاهريا، الى أن يتبين بأنه، في حقيقته، لعبة كراس موسيقية.

حكومة فاشلة، بلا مصداقية، مكونة من ميليشيات وعصابات بواجهات حزبية تتغذى على الفساد والعنف والجريمة والفقر والأمية والبنية التحتية المتداعية

اذ تم تدوير نفس الأشخاص في مناصب مغايرة بلا مساءلة أو محاسبة على إهمال وظيفي قاتل. ثم ما الذي يعنيه بوصفه المجزرة بأنها « حادث في ساحة الطيران»؟ كيف يمكن وصف قتل 32 شخصا وجرح 110 بأنه « حادث»؟ اليست هذه لغة المحتل التي طالما وصف بها جرائمه وانتهاكاته ومنهجية قتله للعراقيين بأنها « حادث»؟
ولا يتوقف الكاظمي في تصريحاته عند ذلك بل يسترسل بلغة اراد منها طمأنة أمريكا في « الحرب على الإرهاب» وخلق حالة من عدم الاستقرار التي تستدعي التدخل الخارجي، قائلا: «أن معركتنا ضد الإرهاب مستمرة وطويلة الأمد، وأنه لا تراجع ولا تهاون في محاربته». أما وعوده للاستهلاك المحلي فقد جاءت مضخمة بادعاءات السيطرة وامتلاك القوة والقدرة على الانجاز، بقوله « لقد وضعنا كل إمكانات الدولة وجهود قطاعاتنا الأمنية والاستخبارية، في حالة استنفار قصوى، للاقتصاص من المخططين لهذا الهجوم الجبان وكل داعم لهم وسنقوم بواجبنا لتصحيح أي حالة تهاون أو تراخٍ أو ضعف في صفوف القوات الأمنية» ملمحا بأنه يقف الى جانب الشعب في سعيه إلى « انتخابات نزيهة وعادلة». وهو فخ سقط فيه عديد المحللين السياسيين، حين اعتبروا ان مجزرة ساحة الطيران، محاولة أرهابية لاعاقة سيرورة الانتخابات التي ستجري في اكتوبر القادم، وليست، كما هو معروف، من سردية التفجيرات السابقة والحالية المتتالية، واحدة من أوجه الصراع الأمريكي الإيراني الإرهابي وامتدادتها في عصابات الجريمة المنظمة، في تسقيط بعضها البعض، وهو الحال الذي يعيشه العراق منذ غزوه عام 2003، ولن تكون المجزرة الحالية آخرها.
ولنعد الى شهر تموز/ يوليو الماضي، لتمحيص صدق تصريحات وانجازات الكاظمي ووعوده المبذولة، حين تسارعت حملة اغتيال الناشطين، خاصة اغتيال المحلل السياسي المعروف هشام الهاشمي الذي صورت كاميرات المراقبة تفاصيل اغتياله ونشرتها اجهزة الإعلام محليا ودوليا. أيامها، صرح الكاظمي، في 7 تموز/ يوليو، بأنه « لن ينام قبل أن يخضع قتلة الهاشمي للقضاء بما ارتكبوا من جرائم» متوعدا « من تورّط بالدم العراقي سيواجه العدالة ولن نسمح بالفوضى وسياسة المافيا أبدا… ولن نسمح لأحد أن يحول العراق إلى دولة للعصابات» معلنا تحمله المسؤولية «إننا مسؤولون والإجابة الوحيدة التي يتقبلها منا الشعب هي الإنجاز والإنجاز فقط» وأن الدولة هي المرشد والمعيار وقانون الدولة السقف ولا أحد فوق القانون. وكما فعل منذ أيام أمر بتشكيل هيئة تحقيقية قضائية وإعفاء القائد الأمني المسؤول عن منطقة اغتيال الهاشمي، من منصبه وأحاله للتحقيق. وكانت النتيجة؟ لاشيء. لم يتم الإعلان عن نتيجة اية تحقيق كما لم يتم اعتقال المجرمين. وسجلت الجريمة، كما الآلاف من قبلها، ضد « جهات مسلحة».
إن توثيق تصريحات الكاظمي وادعاءاته، خاصة التي يعلن فيها مسؤوليته أمام الشعب، كرئيس للوزراء وقائد للقوات المسلحة، وفشله المستمر، في تحقيق وعوده وواجباته، وأهمها مسؤوليته في حماية أمن المواطنين وتنفيذ القانون وتحقيق العدالة والاستقرار الاقتصادي والسياسي، ضروري ومن واجب اجهزة الإعلام المستقلة والعاملين في المجالات الحقوقية والأحزاب الوطنية تقديم الحكومة كما هي: حكومة فاشلة، بلا مصداقية، مكونة من ميليشيات وعصابات بواجهات حزبية تتغذى على الفساد والعنف والجريمة والفقر والأمية والبنية التحتية المتداعية، مما يستدعي وجوب إقالة الكاظمي وتقديمه الى القضاء. ولدينا في اقالة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، بتهمة تكاد تكون مضحكة بالمقارنة مع فشل الكاظمي، في القيام بمسؤوليته، ودوره في استمرارية حصانة المجرمين من العقاب، درس يستحق التقليد.

كاتبة من العراق

 

 

سارقو حليب

الأطفال في النظام العراقي

هيفاء زنكنة

 

بينما كان المسؤولون في الحكومة العراقية يبررون، كل الكوارث التي تحل بأبناء الشعب، حتى فترة قريبة، بأنها نتيجة « الإرهاب» و «القوى الخارجية» و«الطرف الثالث» برزت على السطح، في الآونة الأخيرة، تصريحات ذات وقع مختلف، تلقي اللوم أما على المواطنين أنفسهم أو تقلل من تأثيرها، باعتبارها أحداثا « عادية» مشابهة لما يجري في بقية انحاء العالم، خاصة بعد انتشار فايروس كورونا. ولعل أكثر الامثلة وضوحا هو مقارنة حالة الفقر وجوع الأطفال بين بريطانيا والعراق.
عاشت بريطانيا، في الأسابيع الاخيرة، أجواء حملة نافست بما أثارته من اهتمام انتشار الفايروس، وازدياد عدد المصابين، والضغط المتزايد على المستشفيات بالإضافة الى حملة التلقيح ضد الفايروس، التي يتابعها الجميع بلهفة ورصد دقيق. قاد الحملة نجم كرة القدم ماركوس راشفورد بعد أن رفضت حكومة حزب المحافظين تقديم وجبات طعام مجانية للأطفال الفقراء، خلال فترات العطل المدرسية أو وهم يدرسون في دورهم، في فترات الحظر للحد من انتشار الفايروس. أعاد القرار الحكومي الى الاذهان ما قامت به السيدة ثاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا) 1979 – 1990)، حين ألغت حصة الحليب التي توزع لأطفال المدارس تقليصا للميزانية، فاطلق عليها الناس لقبا لاحقها حتى وفاتها وهو «ثاتشر سارقة الحليب». شارك في حملة اطعام الأطفال، ايضا، المجتمع الأهلي (الأفراد والكنائس والجوامع) وعموم منظمات حماية الأطفال، ووقع اكثر من 2000 طبيب أطفال رسالة عبروا فيها عن صدمتهم من القرار. مذكرين بأن ضمان حصول الأطفال على ما يكفيهم من الطعام هو مسؤولية انسانية أساسية. ووصف حزب العمال المعارض القرار بأنه عار على الحكومة وأمر مخجل ان يتم تجويع الأطفال في بريطانيا الغنية في القرن الحادي والعشرين. إزاء هذه الضغوط الأهلية والمدنية، تراجعت الحكومة البريطانية عن قرارها.
عراقيا، يصرح المسؤولون بأن الحالة المعيشية المتردية في العراق، بضمنها وضع الأطفال، هي نتيجة الوضع الاقتصادي المتأزم، عالميا، جراء انتشار وباء الكورونا. ويذهب عدد من المسؤولين أبعد من ذلك بذكرهم بريطانيا وأمريكا كأمثلة، لدعم تصريحاتهم، متعامين عن حقائق عديدة اولها اختلاف مفهوم الفقر ودرجاته بين العراق والدول التي يستشهدون بها. ففي بريطانيا يعتبر عدم تناول الأطفال وجبة الطعام المجانية، خلال العطل، مثلا، تجويعا للأطفال وعارا على الحكومة. بالمقابل، ما هو وضع الأطفال في العراق الغني، في القرن الواحد والعشرين؟

بلغ حجم الأموال المهربة خارج العراق حوالي 239 مليار دولار، أي ما يزيد على موازنة البلاد لأكثر من عامين

في العراق، بات الجوع رفيقا دائما للطفل، يمتد على مدى الأيام والأعوام، ويتبدى لا في نقص وجبات الطعام فحسب، ولكن في أبعاد أخرى تجعله محصورا مع فئات السكان الهشة البالغة 42 بالمئة من السكان ممن يواجهون مخاطر أعلى، كونهم يعانون من الحرمان من عديد الأبعاد، وليس من بُعد واحد مما يلي: التعليم، والصحة، والظروف المعيشية، والأمن المالي. بالنسبة إلى الأطفال، هناك طفل من بين كل اثنين تقريبا (48.8 بالمئة كرقم منشور) أكثر عرضة للمعاناة من الحرمان في أكثر من بعد واحد من هذه الأبعاد الأربعة، حسب تقرير منظمة « يونسيف» لعام 2020. أما تأثير جائحة كورونا على الوضع الاجتماعي الاقتصادي، فقد قامت وزارة التخطيط، بدعم من اليونيسف، والبنك الدولي، ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية، بتقييمه، وُجد أن 4.5 مليون شخص (11.7 بالمئة من السكان، أو ما يقارب واحدا من كل ثمانية أو تسعة مواطنين، أغلبهم أطفال) يواجهون خطر الوقوع تحت خط الفقر إضافة لمن سبقهم. ستسبب هذه الزيادة رفع معدل الفقر الوطني إلى حوالي الثلث (31.7 بالمئة ) بالمقارنة مع حوالي الخمس ( 20 بالمئة ) لعام 2018، وزيادة العدد الإجمالي للفقراء إلى 11.4 مليون.
وبتعبير آخر، كان واحد من بين كل خمسة أطفال ويافعين فقيراً قبل تفشي الكورونا،، ليرتفع الى أكثر من إثنين من بين كل خمسة أطفال. هذه الحقائق المخيفة دفعت اليونسيف الى إطلاق تحذير للحكومة من حالة الفقر التي انحدر فيها البلد ووضع الأطفال وفقدانهم حقوقهم الأساسية، كما أصدرت مجموعة توصيات الى الحكومة حول ايجاد حلول آنية سريعة لمعالجة الفقر الغذائي وأخرى استراتيجية لمعالجة جذور الفقر، حتى لا يحرم الطفل من حقوقه في الصحة والأمن والحرية والتعليم والماء النظيف واللعب. وهي حقوق على الحكومة ضمانها إذ أن العراق عضو في اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل وملزم بما يضمن حقوقهم آنيا ومستقبلا.
الحقيقة الثانية المتعامى عنها، تعمدا، من قبل المسؤولين، هو حجم الفساد الذي ينخر المؤسسات، في حكومة تديرها مجموعة لصوص تتقاسم المغانم، وفق محاصصة سياسية طائفية وعرقية. وإن اللائمة لا تقع كلية على فايروس الكورونا الذي يعتبر تأثيره ضئيلا بالمقارنة مع حجم مأسسة الفساد الحكومي ومليشيات الاحزاب المنخرطة بالنظام. حيث بلغ حجم الأموال المهربة خارج العراق حوالي 239 مليار دولار، أي ما يزيد على موازنة البلاد لأكثر من عامين، حسب تصريح لجنة النزاهة النيابية في 4 كانون الثاني/ يناير. وتزداد الصورة قتامة حين نراجع ما نعرفه ويعرفه العالم من حقائق عن تجذر وتطويرالفساد منذ احتلال البلد عام 2003. فالعراق من بين أكثر الدول فسادا في العالم. الفساد يعني التدمير المنهجي والمنظم للانتاج والتعليم والصحة، واضطرار المواطنين جميعا للتعامل ضمن منظومة الفساد، وما يعنيه من انعدام الحدود الدنيا من الصدق والنزاهة في التعامل اليومي بين الناس ضمن هيمنة طبقة تتحكم بالعقود والعمولات والرشاوى وتهريب العملة، الموظفون الوهميون. شراء ذمم النواب والمسؤولين الحكوميين. تحويل السجون ومراكز الاحتجاز الى مصادر للابتزاز، وتمويل الإرهاب بأنواعه.
وتأتي تصريحات المسؤولين الحكوميين والنواب لإدانة الفساد لترش الملح على الجروح. فهم، جميعا، بلا استثناء يدينون الفساد وكأنه هطل عليهم من الفضاء الخارجي، متحدثين، دوما، عن امتلاكهم ملفات فساد سيظهرونها للعيان ذات يوم، لإثبات نظافتهم، وأن الفساد هو فساد « الآخر» محاولين بقولهم إن الامبراطور بلا ملابس أن يغطوا عُريهم. أما محاولتهم تقليل التأثير المدمر لفسادهم على البلد وأهله ومستقبله المتمثل بمستقبل أطفاله، فلن تمر مرورا عابرا، كما يتصورون. فالتاريخ قد يغفر للساسة أخطاءهم وقد يبرر جرائمهم، إلا أنه لا يغفر لهم سرقة حليب الأطفال.

كاتبة من العراق

 

 

هاشتاغ المبادرة

العراقية لتحرير أمريكا

هيفاء زنكنة

 

 

شهدنا، منذ ايام، غزو مقر المجلس التشريعي لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية (الكونغرس) من قبل « أنصار اليمين المتطرف» للرئيس دونالد ترامب. جاء الهجوم بعد شهور من نشر الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي أن الانتخابات مسروقة.
أثار الغزو والهجوم على واحد من أهم رموز الديمقراطية بالعالم، بل ويشار إليه باعتباره « مهد الديمقراطية» مشاعر متناقضة تراوح بين الدهشة، والاستغراب، والذهول، والتنديد، والاستنكار بالإضافة الى الشماتة والسخرية السوداء. من ركام المشاعر التي غذاها ( ولايزال ) سيل الصور والفيديوهات التفصيلية للغزو عبر أجهزة الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، تبرز تساؤلات أساسية مهمة حول عمق الحدث، ومدى فجائيته. وهل هو فعل آني يتعلق بتحريض الرئيس ترامب عبر التويتر أم انه أكثر من مجرد غزوة يمينية شعبوية؟ وهل صحيح وصف مرتكبيها بأنهم «غوغاء» يدل سلوكهم على فاشية زرعها ورعاها ترامب في تغريداته وأكاذيبه وسلوكه غير المتوازن؟
ولعل السؤال الأقرب إلينا هو كيف ترى شعوبنا هذا الحدث وتحلله و تقّيمه، آخذين بنظر الاعتبار أن نصف الشعب الامريكي، تقريبا، أي ما يساوي بحدود 75 مليون ناخب، صوتوا فعلا لترامب الذي يصفه معارضوه وأجهزة اعلامهم بأنه راعي اليمين الأبيض المتطرف؟ وكيف تُقيم عملية نشر الديمقراطية، في العالم، اذا كان حرمها المقدس، أي أمريكا، يضم هذا العدد الهائل من اليمين المتطرف الذي وجد نفسه في مهاجمة قلب الديمقراطية وتعطيله وتعريض حياة ممثليه لخطر القتل؟ كيف تنظر الشعوب التي امتدت الذراع الأمريكية اليها لتغيير الأنظمة فيها، إما عبر المؤامرات واغتيال الرؤساء أو غزوا بذريعة التحرير، كما في 84 دولة من أصل 193 دولة معترف بها من قبل الأمم المتحدة، حسب المؤرخ الأمريكي كريستوفر كيلي والمؤرخ البريطاني ستيوارت لايكوك، مؤلفا كتاب «غزوات أمريكا: كيف غزونا أو تورطنا عسكريًا مع كل بلد تقريبًا على وجه الأرض»؟
ولنقترب أكثر من الواقع. من وجهة نظرة شعب يعيش آثار وانعكاسات الغزو والاحتلال الامريكي وتسويقهما تحت مسمى « عملية تحرير العراق». واستعين هنا بنعمة توفر مواقع التواصل الاجتماعي، التي على نقائصها، تمكننا من الاطلاع على المشاعر الحقيقية للمتواصلين بلا رقيب او تشذيب وظيفي او رسمي او ايديولوجي. استعاد معظم متابعي حدث غزو واحتلال الكابيتول من العراقيين أحداث الايام الاولى للغزو الأمريكي لبغداد. استعادوا، وهم يشاهدون تخريب المكاتب وتكسير الأبواب ونهب الأثاث، وتعليقات الساسة واجهزة الإعلام المشمئزة الغاضبة المتبرئة من الغوغاء، تصريحات وزير الدفاع دونالد رامسفيلد يوم 12 نيسان/ ابريل حول نهب الدوائر الحكومية العامة تحت انظار القوات الأمريكية، قائلا: « ان النهب فى العراق جاء نتيجة مشاعر مكبوتة من القمع» كما أكد « أن النهب لم يكن بالسوء الذي أشارت إليه بعض التقارير التلفزيونية والصحافية وأن النهب جزء من الثمن، من تحرير العراق. «. ولعل أفضل اقتباس استخدمه عدد من العراقيين لوصف سلوك من غزوا وحطموا مكاتب الكونغرس ونهبوها، بالمقارنة مع ما حدث بالعراق، هو قول رامسفيلد: «إن الأحرار أحرار في ارتكاب الأخطاء والجرائم والقيام بأشياء سيئة». لماذا اذن يتم وصف مهاجمي الكابيتول بالغوغائية والفاشية واليمين المتطرف؟ لم لا ينطبق عليهم منظور وزير خارجية بلد الحرية؟ وهل صحيح أن ترامب، بأكاذيبه، هو المسؤول الوحيد عن وجود خمسين مليون أمريكي من هذا النوع، أم أن الأكاذيب الكبرى سبقت ترامب بعقود وأنها جزء لايتجزأ من السياسة الخارجية والداخلية الأمريكية، مهما حاول ساسة اليوم وأجهزة الإعلام الادعاء بأن المهاجمين « ليسوا منا»؟

هل صحيح أن ترامب، بأكاذيبه، هو المسؤول الوحيد عن وجود خمسين مليون أمريكي من هذا النوع، أم أن الأكاذيب الكبرى سبقت ترامب بعقود وأنها جزء لايتجزأ من السياسة الخارجية والداخلية الأمريكية؟

في مقال « الجحيم الامريكي» المنشور في الصفحة الاولى من « نيويورك تايمز «، يقول تيموثي سنايدر، المؤرخ المتخصص بالفاشية، إن أكاذيب ترامب الكبرى هي مقدمات الفاشية. فيحاججه الاكاديمي العراقي منذر الأعظمي مذكرا: « لكن النخب الليبرالية ( ومنها الجريدة نفسها) هي التي بدأت او تواطأت مع الأكاذيب الكبرى. لنتذكر الحرب على العراق، وقبلها حادث مضيق تونكين الذي بدأ حرب فيتنام. وهناك أكاذيب الكيان الصهيوني وخيوط التآمر الرسمي المحتملة في إغتيالات الستينيات وأبرزها كندي ومارتن لوثر كنغ. أما ترامب نفسه فانه يشكل مجيء شخصية نرجسية فظة الى قمة السلطة وهو ما ابرز خطورة هذا الطريق». وكيف يمكن نسيان أكذوبة العصر التي أطلقها وزير الخارجية كولن باول، يوم 5 فبراير 2003، عن امتلاك العراق اسلحة دمار شامل تهدد أمن العالم كله، مخاطبا مجلس الأمن الدولي: « زملائي، كل معلومة أدلي بها اليوم مدعومة بمصادر. مصادر راسخة. هذه ليست تأكيدات. ما نقدمه لكم هو حقائق واستنتاجات مبنية على استخبارات لا يتطرق اليها الشك».
هذه الأكاذيب التي شرعنت غزو العراق وتخريبه المستمر حتى اليوم قبل وصول ترامب الى الحكم، دفعت المحامية العراقية سجى رؤوف الى اطلاق هاشتاغ تحرير أمريكا على نهج عملية تحرير العراق. وما تكتبه سجى ليس عاديا. فهي تكتب مشاعرها، بشكل يوميات، بجملة واحدة او اثنتين، مكثفة بالسخرية المريرة والغضب والمخيال التراجو كوميدي. هل هي الشماتة؟ لا أعتقد ذلك. فهي، كما الكثير من العراقيين، لاتزال تعيش أيام دق طبول الحرب وغزوه أمريكيا. وما تكتبه مستوحى من لحظات الهجوم على الكابيتول، وما استحضرته من مشاهد مماثلة بقيت محفورة في ذاكرتها. في سيناريو نزف المشاعر واحاطتها بالسخرية لكي لا يموت المرء كمدا من شدة الظلم، تكتب سجى، بالانكليزية، عن ضرورة تدخل العراق عسكريا لتحرير أمريكا وإعادة الديمقراطية اليها، على الرغم من انها كانت، طوال حياتها مناهضة للحرب. ويضع السيناريو خطوات ومستلزمات التحرير التي لن تكلف العراقيين فلسا مادامت أموال النفط مستغلة مجانا على اية حال. إلا أنها تربط عملية التحرير، كما فعل « محرر» العراق الامريكي بتشريعات، تفرضها على الشعب بعد تحريره. « عليكم تعلم اللغة العربية. استبدال الدولار بالدينار. وافرشوا السجادة الحمراء لاستقبال محرريكم العراقيين. انه تحرير وليس احتلالا. هاشتاغ العراق يحرر أمريكا 2021». والى الجنود العراقيين الذين نراهم على ظهور الدبابات المتقدمة نحو الكابيتول لتحريره وهم يحملون علم العراق عاليا، بينما يرحب بهم عدد من المتظاهرين بالأزهار والحلوى، توجيهات اخرى: « خلافا لعام 2003، علينا حماية المتاحف. يمكننا إعادة اعمار متاحفنا بمحتويات سميثسونيان. لن نضعهم في أبو غريب».
أتساءل ثانية: هل هي الشماته؟ لا أظن ذلك. انه استحضار للغة حرب ظالمة بنيت على الأكاذيب وازدواج المعايير، وهو استحضار ضروري للتذكير. لئلا ننسى. فاذا كانت أمريكا، ومعها دول الديمقراطية مصدومة، كما يقال لنا إعلاميا، لما أصاب « مهد الديمقراطية» فكيف تواصل قلوبنا النبض، وعقولنا التفكير بشكل منطقي، نحن الذين رأينا قصف وتهديم « مهد الحضارة»؟

كاتبة من العراق

 

 

عالم الإنترنت

 يتحدى النظام العراقي

هيفاء زنكنة

 

غالبا ما يلجأ الصحافيون في نهاية العام او بداية العام الجديد الى جرد أهم الأحداث في بلدانهم والعالم. خطوة يرونها ضرورية لاستشراف المستقبل واستخلاص الدروس . خطوة تساعد، احيانا، وحسب موقع الصحافي ، على الدفع لتغيير مسار سياسي حكومي أو اتجاه عام . يؤثر على عملية الجرد ، وهي عملية انتقائية بالضرورة، مدى أهمية الخبر على بلد الصحافي اولا. ففي بريطانيا ، مثلا، اختار عديد الصحافيين ، على اختلاف توجهاتهم وايديولوجية الصحف التي يتعاملون معها، البريكست ، اي مغادرة اوروبا ، وانتشار كوفيد 19 كأهم حدثين أثرا وسيؤثران على مستقبل بريطانيا بالاضافة الى ما يسمونه التوسع والهيمنة الصينية الاقتصادية.
بالنسبة الى البلاد العربية ، من الصعب استشراف المستقبل استنادا الى حدث او حدثين. فاختيار الصحافي الغربي للأحداث يتم وهو يتمتع بالأمان الفردي والعام وحرية التعبير والاختيار. هذه الحرية والاستقلالية ، رفاهية يفتقدها ويحلم بها الصحافي في بلداننا. فكل ما يقوم به او يبحث عنه استقصائيا او يقوم بالتنبيه اليه خاضع للرصد والمراقبة ويعرض حياته للخطر. واذا حدث ولم يكن الرقيب جالسا في الصحيفة التي يعمل فيها أو يرصده عن مبعدة في إحدى الدوائر الوزارية – الأمنية ، فانه جالس حتما في عقل الصحافي. حيث بات حضوره، بمرور الوقت، أمرا مألوفا. كما الورقة والقلم والحاسوب، يحمله معه الصحافي، اينما كان. السبب الآخر لصعوبة انتقاء ما هو مهم، فعلا، خلال العام وبالتالي تمكين الصحافي من الكتابة عن انعكاساته المستقبلية هو كثرة الأحداث ( أو لعل الأصح القول بأنها كوارث) التي تمر بها بلداننا ، وتداخلها بحيث من الصعب تفكيك الاساسي من السطحي والاقتصادي من السياسي، والاجتماعي من القانوني، وحقوق الإنسان من الثقافي / الديني. الكل متداخل بشكل مربك تُسّيره الجهات الرسمية وفق أجندة حماية مصالحها الذاتية وديمومة بقائها. تضاف الى ذلك صعوبة تفكيك الأحداث المحلية المرتبطة بالوجود الأجنبي سواء بشكل احتلال استيطاني كما في فلسطين او هيمنة امبريالية تتصارع مع ميليشيات طائفية، مدعومة اقليميا، كما في العراق. واذا كان الحدث الاول المتفق على اختياره عربيا ، لعام 2020، هو وباء الكورونا ، وهو اختيار آمن، فان الاختيار الثاني وهو اعلان الإمارات والبحرين والسودان وسلطنة عمان والمغرب، الكشف عن علاقاتها، شبه السرية، مع الكيان الصهيوني واضفاء الصبغة الرسمية عليها، لم يحظ بالاجماع، لا لكونه حدثا لا يهم الشعوب، ولكن لاستشراس الأنظمة العربية المتزايد ، وتنويعها اساليب التخويف والترهيب.
ويشكل النظام العراقي « الجديد – الديمقراطي» ، بعيدا عن الدخول فيما يسمى منافسة الضحايا حول من هو الأكثر تعرضا للقمع، نموذجا جيدا يؤهله لاحتلال مكانة متميزة، توازي مكانته المتقدمة في قائمة الفساد، بين أنظمة الدول العربية المستشرسة في معاقبة شعوبها. وخلافا لما يجري الترويج له عن حرية التعبير في « العراق الجديد» ، تؤكد كل التقارير الحقوقية الدولية والمحلية ، أن الصحافي المستقل، والناشط الحقوقي، وكل مواطن يرفض التزام الصمت ازاء جرائم النظام، معرض للعقاب بأشكال ودرجات مختلفة. تبدأ بالتهديد والاعتداء الجسدي وتنتهي بالخطف أو الاغتيال . فكل الطرق مفتوحة والأبواب مشرعة حين يتمتع القتلة بالحصانة من المسؤولية والمقاضاة. مما يجعل العراق واحدا من البلدان الأكثر خطرا على الصحافيين والناشطين المستقلين، حسب عشرات التقارير الحقوقية. من بينها مركز الخليج لحقوق الإنسان، الذي وثق قائمة تضم 43 ناشطاً تعرضوا للتهديد بالقتل المباشر جنوب العراق عام 2020، مما اضطرهم جميعاً إلى مغادرة مدنهم. كما وثّق مرصد الحريات الصحفية (
JFO) انتهاكات 2019، وقد بلغت» 477 انتهاكاً، منها 87 حالة احتجاز واعتقال، و98 حالة منع وتضييق، و32 حالة اعتداء بالضرب، و4 هجمات مسلَّحة، و243 ملاحقة قضائية، و4 حالات إغلاق ومصادرة، وإغلاق 4 قنوات ف