الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

جواد بولس كاتب فلسطيني محامي  ناشط في مجال حقوق الانسان  (من كتاب البلاد)

 

مقالات سابقة

غزوة حكومة إسرائيل

على قرية (سعوة الأطرش)

جواد بولس

 

من المتوقّع أن تستمر الاحتجاجات في عدة بؤر في مناطق النقب لبضعة أيام مقبلة؛ وقد نشهد تصعيدا في وتيرة المواجهات بين المواطنين العرب وقوات الشرطة الإسرائيلية، خاصة بعد أن بدأنا نلمح مشاركة نضالية تقودها بعض الفئات الشبابية الصغيرة المشحونة بدوافع غير نمطية، وغير منقادة بملازم الصراعات السابقة، التي عمّت النقب في العقد الأخير؛ مثلما حصل، مثلا، قبل ثمانية أعوام، في الاحتجاجات ضد «قانون برفرمان» أو في أم الحيران والعراقيب وبير هداج وغيرها.
ومن المرجّح أن يكون معظم الناس قد نسوا تفاصيل تلك الأحداث وماذا أطلق على بعضها من الأوصاف؛ «فأيام الغضب» كان عنوانا سائدا توّجت به بعض الاحتجاجات الشعبية، التي اندلعت في مواقع عديدة ضد أهداف «قانون برفرمان» كما أننا لم نعدم نداءات المرابطة والنفير والتحشيد وما شابهها من حالات الاستشاطة العاطفية التي كانت تعبّر، في الواقع، عمّا فينا من أماني؛ لكنها كانت تخطئ وصف حالتنا، ولا تعكس حقيقة ضعف الجاهزية النضالية القائمة في صفوف الجماهير العربية.
كانت ردود أفعالنا وما زالت تخضع لتأثيرات تيارات قيادية متناطحة وغير متوافقة على إجماع أساسي، أو على رؤية لمستقبل هذه الجماهير داخل الدولة، ولا تملك مشروعا نضاليا وحدويا واضحا، من شأنه أن يجذب الجموع ويجنّدها عن قناعة راسخة بصحّته وبضرورة السير على هديه ومن أجل تحقيقه.
ومع أنني لست خبيرا ولا ضليعا في جغرافية النقب، ولا في دهاليز تركيبته السكانية وخرائط عشائره الكريمة؛ لكنني، مثل كثيرين من المتابعين لما يحدث على أرضه، أستطيع أن أتكهّن أن مصير هذه الجولة من المواجهات، التي أثارها، هذه المرة، تحرش المؤسسة الإسرائيلية، السياسية والاستيطانية، بأراضي عشيرة الأطرش، سيكون مثل مصائر ما سبقها من مواجهات؛ وسيؤول إلى تهدئة ستمكّن كل طرف من أطراف النزاع أن يدّعي الانتصار لصالحه وليّ ذراع غريمه. هناك عناصر تشابه كثيرة بين ملامح الجولة الحالية، التي ما زالت أحداثها تتداعى أمامنا، وسابقاتها؛ إلا أننا لا نستطيع أن نغضّ النظر عن أنها استعرت، هذه المرة، في زمن حكومة ليست مسنودة بأصوات بعض النواب العرب الأعضاء في أحزاب صهيونية تقليدية، كما كان يحصل أحيانا في السنوات الماضية وحسب، بل بدعم أربعة نوّاب القائمة الموّحدة، الذراع السياسية للحركة الإسلامية. إنها مفارقة مستفزة بلا شك، لكنها تبقى، في الوقت ذاته، وقفة لافتة لحركة سياسية ما فتئت تكشف بممارساتها عن أحد ملامح الحالة السياسية المأزومة داخل المجتمع العربي، التي ستتطور حتما إلى ما هو أعمق وأعقد، كما نستطيع أن نستدل على ذلك من التصريحات التي أطلقها منصور عباس ورفاقه في الحركة الإسلامية على خلفية المواجهات الأخيرة. لم يتوقع أحد ألا يغرقنا نواب القائمة الموحدة، أو القياديون في الحركة الإسلامية، ببياناتهم المستنكرة وبرفضهم لعمليات التحرش في النقب وبتأكيد وقوفهم إلى جانب أهله، وتأييد حقهم في استعمال أرضهم؛ لكن قد أخطأ كل من راهن على أنهم سوف ينسحبون من الإئتلاف الحكومي بسبب هذه الأزمة، مفترضا أن انضمامهم إلى هذه الحكومة كان من أجل الدفاع عن أراضي النقب، أو أي غرض من هذا القبيل، وليس كتعبير عن رؤيتهم السياسية الذرائعية الأشمل، المسندة بالحجج الشرعية الواضحة.

كانت ردود أفعالنا وما زالت تخضع لتأثيرات تيارات قيادية متناطحة وغير متوافقة على إجماع أساسي، أو على رؤية لمستقبل الجماهير داخل الدولة

وقد يكون ما أعلنه النائب وليد طه قبل أيام على صفحته خير برهان على موقفهم الثابت، الآن وفي المستقبل؛ فقد صرّح بأن «أسهل طريقة للتعاطي مع هذا التحدي هو إعلان فوري للانسحاب من الإئتلاف، وهذه أداة في متناول اليد، ويمكن تنفيذها في كل وقت، لكن المطلوب منا هو استنفاد كل الأساليب والأدوات المتاحة لضمان وقف التجريف الحالي، وعدم تكرار هذه السياسات المجنونة للسنوات المقبلة». لقد قال ذلك وهو يعرف أن هذا الأمر لن يحدث على الإطلاق.
برزت بين بعض المراهقين السياسيين تعابير التشفي بأهل النقب، الذين دعم بعضهم الأحزاب الصهيونية والقائمة الاسلامية الموحدة، وقد فات هؤلاء أن ظاهرة دعم تلك الأحزاب تفشت في كثير من المواقع العربية داخل إسرائيل، وهي في الواقع عارض بارز يكشف وقوع مجتمعاتنا ضحايا لحالة غياب المرجعية السياسية الموثوقة والمؤتمنة، ولضعف مكانة المؤسسات القيادية التي نشأت، في ظل تلك القيادات، كتعبير عن قوة المجتمع العربي ولحمته السياسية الاجتماعية ووعيه بضرورة الوقوف وراءها في وجه سياسات الحكومات الإسرائيلية وصد ممارساتها القمعية، فالنقب يعاني ربما، بسبب بعض خصوصياته وتركيبته القبائلية، أكثر مما تعانيه سائر المناطق العربية داخل إسرائيل؛ لكنه مثلها يعاني من تعدد المرجعيات المحلية والقطرية المتخاصمة، وغير القادرة على فصل المقال والحسم وعلى لملمة الفرقاء تحت « الخباء الواحد المعمّد»؛ ويعاني كذلك من غياب الرؤية نحو المستقبل الواعد والآمن، ونحو طبيعة العلاقات مع الدولة ومع مؤسساتها. وهنا، في هذه البقعة بالذات، يجب أن نتعرّف على حقيقة الوشائج التي ربطت مصير عشرات آلاف المصوتين وقيادييهم المحليين، بالقائمة الإسلامية الموّحدة، ونسبر دوافعهم التي لن تتوقف فقط عند عتبات الدعوة الإسلامية وسحر العقيدة، بل سوف تتخطاها نحو فكرة «المواطنة المبتورة» عن بعدها القومي، كما تبنتها الحركة الإسلامية، وكما يروّج لها الدكتور عباس ورفاقه. فهذه القطاعات من أهالي النقب التي دعمت الدكتور عباس وإخوانه لن تتخلّى، هكذا أتوقع، بعد هدوء عاصفة قرية «سعوة» المتحرَّش بأراضيها، عن استمرار دعمها للقائمة الاسلامية الموحدة، من منطلق إيمانها بمواطنة تشبه مواطنة النائب وليد طه وبكونها «الطريق الأصعب لانتزاع حقوق أهلنا» ومثله لن يكتفوا «بتسجيل المواقف وترديد الشعارات الجوفاء» فالقائمة الإسلامية الموحدة لن تستطيع إنهاء ظلم سياسات رسمية، استمرت لعشرات السنين في عدة شهور، لكن نوّابها «مصرّون على العمل لرفع الظلم عن أهلهم في النقب، وعدم الاكتفاء فقط بتسجيل المواقف والزيارات الموسمية، والتقاط الصور من دون رصيد عملي آخر على مدار العام». إنها خطبة المواطنة الإسلامية الإسرائيلية الجديدة، التي لا يكتفي أصحابها بدعم حكومة انتقالية خبيثة ساعية في التمهيد للانتقال إلى حكم ديكتاتوري خطير، بل تتحدى، بسفور، سائر التيارات السياسية والحركات الدينية الفاعلة بين المواطنين العرب في إسرائيل، التي «يكتفي قادتها بترديد الشعارات وبالزيارات الموسمية وبالتقاط الصور» وجميع هؤلاء، هكذا يفترض النائب طه ورفاقه، عاجزون عن اجتراح البديل السياسي القادر على مواجهة حركتهم والرد عليها، والحد من تعاظم قوتها، في النقب وفي غيره من المواقع.
لقد استغلت حكومة إسرائيل تنامي مظاهر الجريمة داخل المجتمعات العربية، وادّعى بعض وزرائها أن النقب، تحديدا، يتمرد على سيادة الدولة ويتحدّى مقوّمات الحكم والسلطة على أراضيه، فجنّد هذه الفرية ذريعة لهجمته الحالية على أرض النقب وعلى أهله. لقد كانت هذه الصورة المعلنة، لكن الواقع كان أمرّ، فهذه الحكومة باشرت بغزوتها وهي تعرف أنها مدعومة من «قائمة إسلامية» على ما يسبغه هذا الدعم عليها من «بركات «، وما يخلقه من التباس بين الناس.
لقد أوصلت حكومة إسرائيل رسائلها إلى أهل النقب وإلى غيرهم، وبدأت باتخاذ تدابير «المصالحة» لتمكّن الدكتور عباس ورفاقه من البقاء في مواقعهم؛ وهي حتما ستعود إلى هناك بغزوة جديدة؛ لكنّها، إلى ذلك الحين، قد تتيح للقائمة الاسلامية الموحدة تسجيل بضعة إنجازات مواطنية جديدة، مثل اعتراف الحكومة ببعض القرى البدوية غير المعترف بها، أو تخصيص ميزانيات هزيلة للنقب، وما إلى ذلك من «مكرمات سلطانية» ستبقي تهديد النائب مازن غنايم للحكومة مجرد قفزة وهمية في الهواء. فهو حين أعلن على صفحته قبل أيام أنه سيقف «ضد هذه الحكومة حتى تتراجع عن كل أعمال التجريف بالنقب» كان يعرف أن ذلك أقرب لتهديد «فزّاعة» لكنه حينما أضاف بلسانه قائلا: «لا يعقل أن نعطيهم حكومة وهم يستكثرون علينا العيش بكرامة على أرضنا» كان يشهد على عمق مأساته وكبر الورطة؛ فأنت، أيّها السخنينيّ، قد أعطيتهم حكومة، أما الكرامة على أرضك، ومن مثلك يا ابن يوم الأرض يعرف، أنها لا تستجدى، بل تنتزع وتؤخذ.
كاتب فلسطيني

 

 

هشام أبو هواش انتصار

صغير في زمن الهزائم الكبرى

جواد بولس

كنت في بيتي والوقت مساء.. كانت الحركة في شوارع القدس خفيفة وفي الجو برودة لاذعة؛ وكان الهدوء حولي يشعرني بحاجتي إلى النوم، وهو، لمن ينتظر مثلي ظهر الغيب، مستحيل. لم تكن أخبار المستشفى مطمئنة «فحبيبات الرمل قريبة من النفاد» هكذا كتب لي طبيب مسؤول في «أساف هروفيه» وكان يحثني أن أجد مخرجا لقضية «مريضه» هشام، قبل فوات الأوان. يتناوب أبناء العائلة، كسرب من الدوريات، بالنقر على شرفتي ويسألوني عن كل جديد وبشرى؟ ومن رام الله يطلبون مني التريّث فهم يرون الانفراج قريبا؛ أمّا غزة فكانت تعدني بأن خير النيل وأهراماته مقبل.
كنت قريبا من لحظة الانفجار وأحسّ في صدري لغماّ يتحرك على وقع نبض مرتجف، وعقلي يضجّ يسائلني: ماذا لو في هذه الساعات يستسلم قلب هشام بصمت؟ ولماذا لم ينجح العالم في إنقاذه، وهو الذي بدأ إضرابه من أجل أن ينال حريته كأي إنسان يستحق الحياة بكرامة، أو كي يحاكم في محكمة نزيهة وعادلة، بحيث يستطيع أن يواجه أمامها لائحة اتهام واضحة، وأن يدافع عن نفسه بجدارة وبحق.
قبيل الثامنة مساء تلقيت هتافا من رام الله يخبرني بأن الاسرائيليين تراجعوا عن موقفهم السابق، وأنهم جاهزون لقبول موقفنا الذي تفاوضنا عليه طيلة اليومين الأخيرين، فرِحت، لكنني تماسكت، فالأمور محكومة بخواتيمها والشيطان يسكن دوما بين التفاصيل، وأنا أعرف هشاما المقاوم، فهو يريد تأمين الضمانات كي يكون نصره كما تمنى مكللا بالحرية وبالكرامة. تأكدت من الطرف الإسرائيلي بأنهم وافقوا فعلا على سحب مقترحهم الأخير، الذي كان يقضي بتمديد توقيف هشام لمدة شهرين إضافيين، بحيث سيفرج عنه في السادس والعشرين من نيسان/ إبريل المقبل، ووافقوا على أن يفرج عنه مع نفاد مدة أمر الاعتقال الإداري الحالي، أي في السادس والعشرين من شباط/ فبراير المقبل، مقابل أن يعلن عن وقف اضرابه الليلة.

الأسير يُضرِب ليس حبا منه في الاستشهاد، بل تقديسا منه للحياة على أن تكون هذه حرة وكريمة، في الوقت ذاته، لا يستبعد ولا يخاف أن يرتقي شهيدا

سارعت لإخبار أهله وزوجته، أم هادي، التي بقيت بجانبه في المستشفى كل الفترة الماضية، فأبدت رضاها؛ لكنها طلبت مني الحضور مباشرة، فهشام يثق بما سأقوله ويريد أن يسمع مني التفاصيل شخصيا. انتشر الخبر كما يليق بدفق الولادة، وصرت هدفا لمطر غزير من الاتصالات الهاتفية والاستفسارات. كنت أطلب من جميع المتصلين التروّي حتى أصل عند هشام وأسمع رأيه في الاتفاق؛ حاولت ولم أنجح؛ فسماء فلسطين اشتعلت بالأضواء وبالأهازيج، وفي مفارقها، من غزة حتى جنين، بدأوا ينصبون منصات النصر التي بدأت تعجّ بالخطباء والمحللين «والهشاميين». أردت، في تلك اللحظات، أن أصرخ وأطلب أن يتركوا لصانع هذا الفرح رقعة من ضوء على صفحة الليل، فصاحب هذا النصر هو رجل واحد وحيد، مقاوم محب صلب مؤمن، اسمه هشام. كنت ومرافقتي المحامية دانة وحدنا في الطريق، فلم أصرخ؛ وقد تعلمت، خلال أربعين سنة من عملي في فلسطين، سنن الآدميين الأوليين، التي وُضعت من قبل سفر التكوين، فللنصر دوما آباء كثر ومعهم تقف، دائما، كمشة من المدّعين والأفاكين والانتهازيين. كان الليل صاخبا وحالة من التأهب بين حرّاس المستشفى. دخلنا غرفة هشام بعد مماحكة قصيرة مع حارس حاول أن يعترض طريقنا. لأول مرّة انتبهت أن لون عيني هشام عسلي، وأن جبينه أعرض مما كنت أظن. وقفت بجانب سريره في قسم العناية الطارئة في مستشفى «’أساف هروفيه» فرفع ساعده الأيسر بصعوبة ظاهرة، وطوى ثلاثة أصابع على بطن كفه وأبقى سبابته ووسطاه واقفتين لترسما شارة النصر على شكل شاعوب برأسين؛ ولم يبتسم. أمسكت بيده وضغطت على كفه ثم أدنيت رأسي من وجهه فلم أسمع إلا صوت أنفاس الحرير وشعرت بدفء روح شامخة، لا أعرف لماذا تتطيّر بعض المجتمعات من أيام الثلاثاء، فأنا في ذلك المساء تمنيت لو كل أيام الأسبوع كانت ثلاثاء.
رويت له بتأنّ تفاصيل الأحداث الأخيرة، وجميع التداعيات التي تراكمت بعد زيارتي له قبل يوم، وشرحت بإسهاب كيف وصلنا إلى لحظة النصر الحاضرة بيننا. أصغى واستوضح بصوته الخفيض عن بعض التفاصيل، فأجبته عنها بكل صدق وشفافية كما يستحق الفارس الذي من نور وغمام. شعّت عيناه بكلام كثير، فبدا كأنه يولد من جديد، ثم نظر نحو أم هادي وسألها بالإشارة عن رأيها، فحنت عليه برأسها وغمرته بالدعاء وبورق الغار، ففهم وطلب أن يشرب أول ملعقة شاي محلّى من يدها.
لقد سألني هشام لماذا الآن فقط وافق الإسرائيليون على التوصل إلى هذا الاتفاق، وجعلوا، في الواقع، معالم انتصار الأسير أوضح وأعمق، وتأثيره بين الفلسطينيين أقوى؟ لم يكن هذا سؤال هشام وحسب، فقد واجهته من قبل معظم الإعلاميين والمحللين.
وقبل الخوض في الإجابة على هذا التساؤل المشروع، يجب أن نقرّ، بداية، أن إرادة هشام قد انتصرت على إرادة السجان، وأن نستكشف لماذا وكيف حصل ذلك؛ فإذا اتفقنا على العوامل التي أفضت إلى انتصار الأسير على سجّانه، لن يبقى التساؤل الثاني ضروريا. إن العامل الثابت والشرط الأساسي في نجاح مغامرة الأسير، وفي حالتنا تجربة هشام، الذي يلجأ لوسيلة الإضراب عن الطعام، هو قناعته بصحة خياره وتمسكه به بإيمان «قدسي» حتى النهاية. وعندما أقول «النهاية» لا أعني حتى استشهاده بالفعل؛ بل يكفي الأسير أن يخلق «حالة نضالية» صاخبة وقوية، تؤدي فعليا إلى إقناع السجّان بأنه ماض في إضرابه، حتى لو أدّى به الأمر إلى الموت.
يعتمد هذا التكتيك النضالي على وجود فرضية أساسية تقوم على عمادين؛ الأول هو أن الأسير يُضرِب ليس حبا منه في الاستشهاد، بل تقديسا منه للحياة على أن تكون هذه حرة وكريمة بكل معنى الكلمة؛ لكنه، في الوقت ذاته، لا يستبعد ولا يخاف أن يرتقي شهيدا، مع أنه لم يتعمّد ذلك منذ البداية. أما العماد الثاني، فيفترض أن إسرائيل عندما تواجه الأسير الفلسطيني الإداري المضرب عن الطعام، ستتصرف بكل صلافة وعنجهية وعناد، تماما كما يتوقع من كل دولة تحتل شعبا آخر؛ فهيبة الاحتلال لن تتحصّل من دون إفراطه في إظهار العنجهية ووسائل الردع. لكن إلى جانب ذلك تنص الفرضية على أن إسرائيل، رغم حاجتها إلى قوانين الردع، لا تريد أن يموت في سجونها أسير إداري مضرب عن الطعام، وذلك لعدة أسباب قد نعود إليها في المستقبل. لقد اعتمدتُ في جميع الحالات التي مثّلت فيها الأسرى المضربين على هذه الفرضية، فمن دونها ستصبح عملية الدفاع عنهم بدون جدوى وبلا معنى؛ فإذا تعمّد الأسير منذ البداية وصوله إلى الشهادة، من جهة، وإذا لا تكترث إسرائيل، منهجيا، بموت أسير مضرب لديها، فأي جدوى ستبقى من وراء الإضراب؟ وأي معنى للدفاع عن ذلك الأسير؟
إذن شرط نجاح المغامرة الأول هو موقف الأسير وقدرته على الصمود والاحتمال؛ ثم يتبعه وقفة الحركة الأسيرة نفسها، ومعها وجود حركة إسناد شعبية متنامية، يصبح التغاضي عنها تهمة أو إهمالا أو تقصيرا؛ تماما كما حصل بعد ثبات هشام أبو هواش وإصراره على موقفه، فتنامت الحركة الشعبية المناصرة في ربوع فلسطين، وشملت جميع القوى والفصائل السياسية؛ ثم تلتها تحركات المؤسسات القانونية المحلية فالدولية، ثم جاء دور السياسيين في فلسطين وفي أرجاء عديدة من العالم. جميع هذه العوامل تحرّكت بشكل متواز ومتكامل، وحين وصلت إلى ذروتها مع تزايد احتمالات استشهاد هشام، وفقا للتقارير الطبية الإسرائيلية، بدأت إسرائيل بإعادة حساباتها، خاصة حينما استشعرت عودة فقه «الاحتلال والمقاومة» إلى صدارة نشرات الأخبار محليا وفي العالم، واحتمال تفجر الأوضاع داخل فلسطين، بموجة قد تنسف حالة الهدوء النسبي القائم على الجبهتين الضفاوية والغزية على حد سواء. ومع تعالي أصوات الاحتجاجات الدولية، إزاء موقف إسرائيل من قضية أبو هواش، سارعت إلى التراجع، في محاولة لدرء عاصفة الانتقادات الدولية التي بدأت تتناول تجاوزاتها للقوانين الدولية، خاصة في مسألة الاعتقالات الإدارية، وليس في قضية أبو هواش وحسب.
مع ثبوت عدم نجاعة الجهاز القضائي الإسرائيلي مجددا، وكونه جهة متواطئة مع سياسات الاحتلال، وعند اختمار جميع العوامل أعلاه، صار التدخل السياسي ضروريا ووازنا، فقامت السلطة الفلسطينية، رئاسة ومؤسسة أمنية، بدور فعّال وحاسم، كان مسنودا بدعم مصري، أتاح للطرف الإسرائيلي، استغلاله كمخرج تم التراجع من خلاله، فتمكنّا من التوصل إلى الاتفاق المذكور. لقد كانت تجربة شاقة خاضها الأسير أبو هواش، ورغم ما لمسناه من تغيير جدّي في طريقة إدارة هذه المواجهة من قبل المؤسسة الإسرائيلية، القضائية والأمنية، إلا أن إرادته انتصرت في النهاية على إرادة السجان؛ فهل سيبقى هذا الحال عندما سيعلن الأسير القادم إضرابه عن الطعام؟ أم إننا سنرى من جانب إسرائيل تغييرا لقواعد هذه اللعبة التي ألفناها منذ سنين؟
كاتب فلسطيني

 

 

رسالة مفتوحة لقاضي

المحكمة العليا يتسحاك عميت

جواد بولس

 

درجت، منذ سنوات عديدة، على كتابة مقالتي الأخيرة في السنة، على شكل رسالة مفتوحة تُعنى بقضية عامة بارزة، أو موجهة لشخصية معينة؛ وقد خاطَبتْ رسالتي المفتوحة التي كتبتها قبل إحدى عشرة سنة، مَن كانت رئيسة المحكمة العليا، دوريت بينيش؛ ثم خاطبتُ، بعدها بستة أعوام، مَن خلفتها على كرسي الرئاسة، القاضية مريام نائور.
لقد مثلت أمامك مؤخرا في عدة ملفات، كان أبرزها ملف الأسير الإداري هشام أبو هواش، الذي ما زال يرقد بين الحياة والموت في مستشفى «أساف هروفيه». وددت أن أسألك إذا تسنى لك أن تقرأ الرسالتين المذكورتين؛ لكنني أفترض أنك قرأت رسالتي الثالثة، التي وجهتها، قبل عامين، إلى جميع قضاة المحكمة العليا، فهي رغم كتابتها بالأصل باللغة العربية، فقد ترجمت إلى العبرية ونشرت في الصحافة المحلية.
لم أخترك عنوانا لرسالتي الرابعة بالصدفة؛ فحين انتَخَبتك، في عام 2009، لجنة تعيين القضاة، لهيئة المحكمة العليا الإسرائيلية، سمعنا من زملائنا، الذين عرفوك قاضيا في محكمتيّ الصلح والمركزية في المحافظات الشمالية، بعض تعابير الفرح والتطمين، لأن قصر العدل، حسب رأيهم، قد فاز بقاض رزين يؤمن بقيم العدالة والمساواة وسلطة القانون، وبإيفاء الإنسان، كل إنسان، حقه بالعيش بحرية وكرامة وبلا عنصرية واضطهاد وخوف. لقد استبشرنا، نحن معشر المحامين المتعاطين كثيرا مع المحكمة العليا، خيرا من قدومك كعنصر معزز لمعسكر مفقود من أصحاب النقاوة والعقل والاتزان، وذلك في فترة بدأت فيها المحكمة العليا تنخ تحت وطأة هجمات القوى اليمينية الشعبوية والحكومية الرسمية، وحيث شرع قضاتها بالتراجع نحو الهاوية وإحناء ظهورهم أمام فتوحات الظلاميين الكواسر.

جهاز قضائي لا يميز بين الضحية الحقيقية وجلادها، أو يخاف أن يميز بينهما، لن يحمي جلده حتى إذا تراجع أعضاؤه خوفا أو انحنوا إذعانا للكهنة والفاشيين

لم يمض وقت طويل حتى تكشفت أمامي معالم الصدمة وحدود خيبتنا؛ ففي جميع محطات وقوفي أمامك في قاعة المحكمة، لم أشعرك مختلفا عن باقي زملائك، بل كنت، في كثير من الأحيان، قائد الرهط وخطيبهم المفوه. فأنا ما زلت أذكر حوارنا في قضية مواطن فلسطيني جاءكم يطلب عدلا؛ فحينها بادرتكم بأنني لا أتوقع منكم إنصاف هذا الفلسطيني، بل أعرف أنكم سوف ترفضونه، كما رفضتم آلاف التماسات الفلسطينيين قبله. ناقشنا القضية باستفاضة، وعندما سكت أنا كنت أنت الذي توجه إليّ بلغة وبثقة صاحب القوة والسلطان، وقلت بنبرة الساخر المتشفي: «لقد ربحتَ الرهان، سيد بولس، فقد خسرتَ القضية». وقتها حاولت ألا أنظر في وجهك، كي لا أفرحك، لأنني شعرت بطرف بسمة عدوة هادئة تستوطن في زوايا شفتيك.
إذن، لقد اخترتك عنوان رسالتي المفتوحة لهذا العام، التي أتوقع أن تكون الرسالة الأخيرة لكم، بعد أن تمنيت، في ذلك اليوم، لو أستطيع أن أقابلك وجها لوجه لأفهم كيف من إيجاع إنسان/محام يستطيع إنسان/قاض أن يقطف العسل؟ وكي أؤكد لك، أيضا، ما قلته أمامكم مرارا أن الفلسطينيين هم المخطئون إذ يصرون على قرع أبوابكم، رغم أنكم أثبتم، أنت وزملاؤك، أنكم لستم إلا جنودا في خدمة العلم.
ولقد اخترتك عندما قرأت كيف هاجم، يوم الأربعاء الفائت من على منصة الكنيست، عضو الكنيست الليكودي دودي إمسلم، محكمتكم بعد أن رد زميلك القاضي دافيد مينتس، طلبه بالتدخل لإلزام وزير الدفاع والمستشار القضائي للحكومة بتعيين شخص معين كمدير عام «للصناعات الجوية» مستندا بقراره على ذريعة عدم امتلاك عضو الكنيست إمسلم للحق القانوني، الذي يخوله بأن يكون ملتمسا في مثل هذا الموضوع. لا تعنينا هنا تفاصيل القضية، لكن ما كان لافتا، حتى الدهشة، هو أن الهجوم على المحكمة وعلى قاضيها كان سافرا وغير مسبوق من حيث قساوة لغته المستعملة؛ فبعد صدور القرار صرح النائب إمسلم وقال على الملأ: «جاءني قاض مهلوس.. فهو يشبه القاضي. وإذا لم يكن قد شرب زجاجة ويسكي، قبل مجيئه، فلا تسموني دودي. إنه لا يخجل». وبعد أن أنهى كلامه وبدأ ينزل عن المنصة عاد إليها ليقول بسخرية بالغة: «هو لم يشرب الويسكي، فقد شرب عرق الغزالين». لم يكتف بكل هذا الكلام، بل أخذ يهاجم الكنيست والمحكمة فقال فيهما: «هل هذه هي المحكمة العليا؟ استمروا بمديحهم وبتسبيحهم وبتأليههم، وحولوهم أربابا. هؤلاء (يعني القضاة) هم أناس مسيسون، وسطيون وأدنى من ذلك» ثم أنهى كلامه بنصيحة قدمها للقاضي مينتس بأن عليه أن «يستقيل فورا» فهو، أي القاضي «لن يُقبل كطالب في السنة الأولى في كلية الحقوق، ولذلك عليه أن يخجل من نفسه». هكذا بكل مباشرة ووضوح. كان من الممكن استيعاب ذلك المشهد كأحد تداعيات الحالة السياسية الراهنة، إلا أنك تعرف، مثلنا، أن القاضي مينتس هو مستوطن يقيم وعائلته على أراضي فلسطينية محتلة؛ وتعرف أيضا أن هذه الحقيقة، التي تكفي لكشف هوية القاضي السياسية، لم تردع النائب دودي إمسلم، ولم تثنه عن مهاجمة القاضي. إنها إشارة مهمة وخطيرة تذكرنا بما قلناه لكم دائما، وتثبت أن ما يحرك النائب إمسلم وأمثاله من عتاة اليمينين، هي قاعدة سياسية بسيطة واحدة مفادها: كن معنا وإلا فأنت عدونا؛ تماما كما تعلمنا، نحن ضحايا هذا الزمن، من التاريخ، ونسيتموه أنتم.
فنحن، المواطنين العرب في إسرائيل، نرى أن المعركة الجارية على عتبات محكمتكم العليا هي آخر المعارك، التي تخوضها قطعان الهضاب من المستوطنين وزعمائهم وغلاة المتطرفين المتدينين، ضد مؤسسات «الدولة البنغورينية» القديمة. وهذا ما حاولتُ طيلة سني عملي أمام محكمتكم، لا سيما في العقدين الأخيرين، أن أنبهكم منه ومن خطورة ما يجري داخل الدولة، ومن كونكم أحد الأحصنة التي تجر عرباتها نحو الهاوية، لكنكم أعرضتم وكنتم منشغلين بتأكيد انتصاراتكم على أعدائكم الواضحين، الفلسطينيين الذين هناك، وإخوانهم الذين هنا، فهذه المهمة هي الأسهل عليكم ونتائجها تكون دائما مضمونة.
لقد نظرتم إليّ وإلى زملائي بتشاوف السيد، كما إلى ثلة من المشاغبين. ولم تقتنعوا بأننا ضحايا الحاضر الراهن، وقد يكون منكم بعض اللاحقين؛ ولم تصدقوا بأنني أخاف على مصير محكمتكم، لأنني أريدكم، أنتم القضاة، رغم تمييزكم العنصري ضدنا نحن العرب، أقوياء كي تبقوا سدنة لقانون يحمي الضعيف من سلطان الحاكم المستبد، وكمواطن يطمع أن يحتمي بقوتكم عندما يسلب الحاكم حقه جورا.. وكابن لأقلية قومية، يناضل كي تكونوا ترسه الذي يصد عنه مخالب العنصريين المسلولة.
أتمنى أن تكون قد قرأت ما كتبته في رسائلي السابقة إليكم؛ فقصتنا، نحن العرب، مع جهازكم القضائي طويلة وجديرة بأن تُستقصى من بداياتها التي كانت قبل ولادتي كعربي بسنين قليلة، وقبل ولادتك كيهودي بالطبع. فأنت ومجايلوك من القضاة ورثتم مساطر عدل مشوهة، ومفاهيم منمطة حول نظريات «الأمن» «والولاء» وتصنيف الضحايا والحلفاء، لكنكم تساوقتم معها وتسربلتموها كجنود في ساحات المعارك حين يطوعون كل القيم الإنسانية في سبيل النصر حتى لو كان على مواطنين في الدولة، لأنهم صاروا في أعين الأجهزة القضائية، كما كانوا في أعين المؤسستين الأمنية والسياسية، لا أكثر من أجسام مشبوهة، أو ألغام مزروعة على طريق الدولة اليهودية. فهل ستقرون يوما بأن قضاة يحتمون بحراس يرافقونهم حتى أبواب غرف نومهم، لن يقووا على مواجهة القتلة والعصاة، وبأن جهازا قضائيا لا يميز بين الضحية الحقيقية وجلادها، أو يخاف أن يميز بينهما، لن يحمي جلده حتى غذا تراجع أعضاؤه خوفا أو انحنوا وطأطأوا رؤوسهم إذعانا للكهنة والفاشيين؟
لقد ناديناكم ولم تسعفنا النداءات ولا نبوءات الغضب.. فكيف النجاة، لمن سيبقى خارج غبار القطيع، ما دام صوت المسدسات يصرخ في ساحاتنا وساحاتكم ودردبات طبول الفاشيين تملأ الفضاء عبثا ويأسا؟
وأخيرا، لقد رويت عليكم مرارا قصة «الثور الأبيض» وهي، كما حاولت أن أفهمكم، حكمة دماء الضحية الناجزة وهي تروى لضحية تنتظر على خطوط التماس؛ واليوم، ونحن على آخر عتبات عام رمادي يطوى، أتمنى عليك أن تقرأ خطبة النائب دودي إمسلم في التعرض لقاض احتل كرسيه في المحكمة العليا مستوطنا، فعساك تتعظ ما دام في قناديل التاريخ زيت. لأن أقواله ليست مجرد هرطقات على باب هيكل مشتهى، بل هي آخر إشارات العاصفة التي تسبق الطوفان.
كاتب فلسطيني

 

 

من يستطيع أن يسلب

فلسطين مسيحها ؟

جواد بولس

 

استقبلت عدة قرى ومدن عربية في البلاد بشائر حلول عيد الميلاد، بتزيين ساحاتها العامة وشوارعها؛ وأقامت مهرجانات احتفالية تحت اسم «كريسماس ماركت» ومسمّيات أخرى مشابهة، استقطب بعضها آلاف الوافدين، الذين جاؤوا ليشاركوا في الحدث وليتحوّلوا، بشكل تلقائي، إلى صنّاعه لا مستهلكيه وحسب.
قد يكون برنامج الأيام الثلاثة لمهرجان الميلاد، الذي بادر إليه المجلس المحلي في قرية كفرياسيف الجليلية أبرز هذه الاحتفالات وأكثرها جذبا لأعداد غفيرة من الناس، وللتأثير الايجابي في نفوسهم، وفي إشاعة أجواء الفرح الإنساني، وطرد روائح البارود من الصدور، كي يمتلأ الهواء في ربوع الجليل، بالزنابق وبالوعود.
فعلى مدار ليال ثلاث كانت شوارع القرية، التي يبلغ عدد سكانها حوالي عشرة آلاف نسمة، ينتمون إلى ثلاث طوائف، المسيحيين والمسلمين والدروز، تزدحم بالمركبات وبآلاف الزوّار الذين كانوا يهرولون، بخفة، صوب ساحات المهرجان، والبهجة تفرّ من عيونهم، رغم حملات التحريض على المناسبة، وعلى شرعية المشاركة فيها!
لا أعتقد أن تلك الجماهير الغفيرة كانت على دراية بتفاصيل معركة لافتة دارت رحاها بين أعضاء جسم يسمّى «رؤساء الكنائس المسيحية في القدس» وحكومة إسرائيل. وما زالت أصداء هذه المواجهة تتداعى، خاصة بعد أن أصدرت حكومة إسرائيل، يوم الاثنين الفائت، بيانا نفت فيه مواقف رؤساء الكنائس وادّعت أنهم «يشوّهون حقيقة المجتمع المسيحي في إسرائيل» وحذرت، في الوقت نفسه، من أن «الزعماء الدينييّن لهم دور حاسم في التربية من أجل التسامح والتعايش، وينبغي أن نتوقع من قادة الكنيسة أن يفهموا مسؤوليتهم وعواقب ما نشروه، ما قد يؤدي إلى العنف وإلحاق الأذى بالأبرياء». سوف تنتهي هذه المواجهة بشكل أو بآخر؛ لكنها سوف تترك، من دون أدنى شك، أثرا كبيرا في طبيعة علاقة بعض تلك الكنائس، الغربية الهويّات بمعظمها، مع حكومات إسرائيل التي ما زالت تتمسك بمواقفها المهادنة، إزاء تعدّيات سوائب الجماعات المتطرفة على المواطنين المسيحيين، وعلى أماكنهم المقدسة وعلى كهنتهم ورهبانهم، فقد أصبح المسيحيون، حسبما جاء في بيان البطاركة ورؤساء الكنائس «مهددين بالطرد من جانب الجماعات الإسرائيلية المتطرفة، وتحديدا المستوطنين المعتدين، إذ أنهم يهدفون إلى تقليص الوجود المسيحي». كما اتّهم البيان تلك الجماعات الأيديولوجية المتطرفة، بتدنيس المواقع الدينية وبتخريبها، وبالاعتداء على الكنائس وارتكاب الجرائم بحق الكهنة والمصلّين.

حكومات إسرائيل ما زالت تتمسك بمواقفها المهادنة، إزاء تعدّيات سوائب الجماعات المتطرفة على المواطنين المسيحيين، وأماكنهم المقدسة وكهنتهم ورهبانهم

لقد حظي بيان رؤساء الكنائس باهتمام عالمي وإعلامي واسعين، خاصة في الصحافة البريطانية، التي انفردت فيها صحيفة «ديلي تلغراف» علاوة على نشر البيان المذكور، بنشر مقالة كتبها حارس الأراضي المقدسة الأب فرانشيسكو باتون، يوم 19/12/2021، جاء فيها: «إن وجودنا محفوف بالمخاطر ومستقبلنا في خطر» ثم أردف مؤكدا على أن حياة العديد من المسيحيين أصبحت لا تطاق، بسبب اعتداءات المجموعات الإسرائيلية المتطرفة، التي على ما يبدو تستهدف «تخليص البلدة القديمة في القدس من الوجود المسيحي». وبالتزامن مع مقالة حارس الأراضي المقدسة نشر رئيس أساقفة كانتربري البريطاني جاستن ويلبي، مقالة كتبها بالشراكة مع رئيس أساقفة القدس الأنجليكاني الشفاعمري حسام نعوم، في صحيفة «صنداي تايمز» قالا فيها إن هنالك «محاولة منسقة لترويع المسيحيين وطردهم»؛ ثم أوضحا أن الزيادة في مجتمعات المستوطنين، إلى جانب القيود المفروضة على الحركة بسبب جدار الفصل العنصري الذي أقامته إسرائيل، عمّقت من عزلة القرى المسيحية التي بات بقاؤها مهددًا. نشاهد هنا لغة غير مسبوقة بحدّتها وبعدد الكنائس التي أيّدتها؛ وكم كنت أتمنى أن تلتفت قيادات مجتمعنا المحلّية، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، إلى هذه التطوّرات، وأن تتواصل مباشرة مع أصحاب تلك البيانات، خاصة بعد أن دعا رؤساء الكنائس في بيانهم المذكور إلى «حوار عاجل مع السلطات الإسرائيلية والأردنية والفلسطينية، التي سبق وأعلنت التزامها حماية الحرية الدينية من أجل الحفاظ على الوجود والبقاء»؛ فكما هو معروف سنبقى نحن خارج إطار تلك الدعوة وخارج الحوار؛ هذا في حالة انعقاده. سنبقى خارجه رغم أن وجود العرب المسيحيين في إسرائيل، مثل وجودهم في سائر الأراضي الفلسطينية، هو الآخر، مهدّد، لا بسبب ملاحقتهم من قبل الجماعات اليهودية المتطرفة وحسب؛ بل لعدة أسباب أخرى، قد يكون في طليعتها استحكام الجهل العميق في ذهنيات المجتمعات العربية، حيال ضرورة الحفاظ على الوجود العربي المسيحي الأصيل في فلسطين التاريخية، وبسبب سهولة التخلّي عمّن تبقى منهم في أرض أجدادهم المسيحيّين، على الرغم من الحاجة الوطنية للإبقاء على تمازج النسيجين، الحضاري والثقافي، الضروريّين للحفاظ على مركّبات الهوية الفلسطينية التاريخية الجامعة والثابتة.
لقد أشرت في الماضي إلى الخطورة في استمرار تناقص أعداد العرب المسيحيين وإلى تفتت كياناتهم المحلية وغيابهم كمجموعة شريكة في بنى المجتمع الفلسطيني وهويته العربية الحضارية، وقد أكدّت حينها، وأكرر مجددا، أن ما يحرّكني في هذه المسألة هو ليس الهاجس الديني العقائدي، ولا الكنسي المؤسّساتي؛ فهذان البُعدان لا يؤرّقاني شخصيا، لكنني أستشعر، مثل الكثيرين، دنوّ نهاية وجود مجموعة سكانية أصيلة بشكل حزين. وليس تقلّص أعدادهم، بتسارع ملحوظ، هو شاهدي الوحيد على ذلك – فهذه هي النتيجة – بل هو التغيّرات المفاهيمية السلبية، التي رسخت في أذهان أبناء مجتمعاتنا الجديدة، وهي كثيرة، ومن ضمنها محاولات تحويل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى صراع ديني، يهودي إسلامي، حول أحقية مَن في الأرض وفي المعابد، ما أسهم في عملية رفع الغطاء الجمعي عن مصالح المواطنين العرب المسيحيين، وعن أهمية حماية وجودهم، وبالتالي دفع الكثيرين نحو الشعور بخسارتهم «لحواضن الأمومة» المجتمعية الطبيعية الواقية. هذه الحواضن تكون، كما عاشتها الأقليات في المجتمعات البشرية المدنية المتقدمة، مكوّنة بالعادة من سلطة مركزية حامية بشكل فعّال وحقيقي؛ ومن أكثرية سكانية متقبلة للغير ومؤازرة له، عن قناعة وليس من باب المداهنة أو الاستقواء؛ ومن مؤسسات مدنية قوية ومتكافلة؛ ومن وحدة بين مركبات الأقلية السكانية ذاتها، وثقتها بأهمية تلك القوة في تحصين أمانها الجمعي وأمن أفرادها وصمودها في وطنها.
ونحن إذا راجعنا كيف تدهورت أحوال مجتمعاتنا، في العقود الأخيره، سوف نرى كيف اختفت معظم تلك الحواضن، أو أن بعضها قد انقلب على أبنائه بشكل واضح؛ فلا الحكومات، خاصة حكومة إسرائيل، معنية بحماية المواطنين العرب المسيحيين، ولا الأكثريتين السكانيتين، اليهودية والمسلمة، بقيتا على مفاهيمها الأصلية المتسامحة تجاه العرب المسيحيين وحرّياتهم بممارسة طقوسهم وعاداتهم؛ ولا مؤسسات المجتمع المدني نجحت ببناء كيان قادر على استعادة التوازنات الحافظة التي خسرناها مع حدوث الانهيارات السياسية داخلنا، ومع نشوء القوى الاجتماعية والدينية والاقتصادية والسياسية الجديدة.
أعرف أنّ ما تقدم سيستفزّ البعض، ومنهم من سيدّعي أن الواقع معاكس، وأن الحقيقة مغايرة؛ وقد تحرّض، بالمقابل، قلّة باسم التعفّف الفكري والتحسّس الزائف من ولوجي إلى «المناطق الحمراء» الخطيرة؛ لكنني سأقول لجميعهم: إن التعامي عن الواقع لن يخفيه، وإنّ الشعارات لا تكفي والبيانات لا تشفع، وإنّ النوايا، مهما حسنت، ستكذّبها مخاوف المواطنين وأفعال المغرضين، وهم موجودون طبعا في جميع الطوائف. وأعرف، كذلك، أن بعض رؤساء تلك الكنائس، أو أسلافهم، ومعاونيهم العرب المحليين، كانوا شركاء في اضطهاد العرب المسيحيين، وفي سلبهم صليب هذه الأرض وروحها؛ فالمسيح، الذي يحتفي العالم بذكرى ميلاده، هو ابن هذه الأرض السمراء، والكنائس التي شيّدت عليها هي شواهد على حضارة فلسطين العربية المسيحية، كما تغنّى بها فحول شعراء العرب المسيحيين في قصائدهم الخالدة، وكما زرعتها معاول الفلّاحين الأوائل مآثر في صدور التاريخ، وحفظتها الأجيال كالأماني في التراتيل وفي الشعائر. لكن، لقد كتبت في الماضي أن مصير العرب المسيحيين في فلسطين قد حسم، وقد صاروا في حالة تشبه ما يصطلح عليه في علوم الأحياء والأنثروبولوحيا «نوع في حالة انقراض» فجهات كثيرة، غريبة وقريبة، معنيّة بتبخّرهم؛ لكنني، وأنا أقرأ عن معركة حكومة إسرائيل مع «رؤساء الكنائس» (وإن كان بعضهم من الشرق براء) أتنشق جرعة من أنفاس ميلادنا. وعندما أقف في ساحات كفرياسيف الفرح والحياة والمستقبل، وأمامي يقف وينتشي عشرات الآلاف من المحتفين المصرّين على استحضار غدهم الأرجواني الجديد، أقبض على ناصية العاصفة وأفكّر من يستطيع أن يخطف مريم، الطاهرة والمصطفاة على نساء العالمين، من أهلها؟ ومن يستطيع أن يسلب فلسطين مسيحها؟
كاتب فلسطيني

 

 

(القائمة الإسلامية) موحدة

في خدمة حكومة إسرائيل

جواد بولس

 

في ساعات فجر يوم الثلاثاء المنصرم وبأصوات أعضاء القائمة الموحّدة، الذراع السياسي «للحركة الإسلامية الجنوبية» مرّرت الكنيست ثلاثة قوانين خطيرة جدا تمسّ مباشرة بمصالح المواطنين العرب في إسرائيل، وبحقوق الأسرى الفلسطينيين الأمنيين المحتجزين في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
لقد أثار موقف الدكتور منصور عباس وزملائه حفيظة الكثيرين وحرّك ضدّهم موجة جديدة من الانتقادات الشديدة، لأن موقفهم الأخير يُعدّ سابقة في الحياة السياسية الإسرائيلية؛ إذ لم يقم في الماضي حزب إسلامي أو عربي بدعم مثل هذه القوانين ذات الأبعاد الأمنية، التي ستفضي حتما إلى التضييق على حرّيات المواطنين، وتنتقص من حقوقهم، وستؤدي، كذلك، إلى زيادة فرص قمع الأسرى الفلسطينيين الذين يعانون من ممارسات السجّانين واضطهادهم اليومي.
وفقا لأحد هذه التشريعات، قانون الخدمة الأمنية، (أمر مؤقت) وضع خريجي قوى الجيش في خدمة مصلحة السجون (لعام 2005) سيسمح بتعزيز مصلحة السجون الإسرائيلية بجنود من جيش الاحتلال، شريطة أن يستخدم هؤلاء الجنود في السجون، أو في الأقسام، التي يحتجز فيها الأسرى الأمنيين الفلسطينيين، وحسب.
ويكفي في هذا الاشتراط أنه دليل على عدم وجود حاجة لهؤلاء الجنود من أجل تعزيز طواقم إدارة السجون أو لمعالجة نقص أو أزمة في الموارد البشرية، وأنه برهان على أنها خطوة تستهدف استقدام «قوة» عسكرية ستتكفل، عمليا، بفرض مزيد من الترهيب بحق الأسرى. وإذا كان الوضع على هذه الحالة فيجب ألّا يغيب عن بال أحد ماذا سيحصل مع الأسرى الفلسطينيين، في أول مواجهة مع تلك القوة العسكرية المستوردة؛ فعناصر الجيش التي سوف توكل «بحراسة» الأسرى الفلسطينيين سينفذون مهامهم وهم على درجة كبيرة من الاحتقان الدفين، ومدفوعين بمشاعر الانتقام، تحديدا من أولئك الأسرى الذين يقبعون وراء القضبان، بعد أن أدينوا في المحاكم العسكرية كمقاومين واجهوا الاحتلال وجنوده هؤلاء وأقرانهم.
أمّا القانون الثاني الذي دعمته «القائمة الإسلامية» فقد أتاح للجيش إرسال وحدات خاصة لتعزيز قوّات الشرطة والأمن في عملها، من أجل تحقيق أهداف «أمنية قومية» مثل مواجهة المظاهرات والاحتجاجات التي شاهدناه في شهر أيار/مايو المنصرم، أو التي قد تندلع في شوارع وساحات بلداتنا قريبا. لا تنحصر خطورة هذا التشريع في إسقاطاتها المتوقعة على نشاطات المواطنين العرب، وفي إمكانية تسخيرها كأداة مشروعة في عسكرة تعامل الدولة مع مواطنيها العرب، لاسيما في ساعات الشدة والصدام؛ بل يجب النظر إليها كنتاج لتدهور مكانة الدولة وعلاقتها مع جميع مواطنيها، وكخطوة كبيرة في اتجاه إلغاء نظام حكم السلطات الثلاث، وكضربة حاسمة ضد دور القانون وسيادته.

منذ أكثر من عقدين صارت إسرائيل «معسكرا» كبيرا ومعظم مواطنيها اليهود جنودا وحياتهم معركة، لا قانون فيها، بل حكم البندقية وصوت البارود

قد يقول قائل إن إسرائيل لم تكن في يوم من الأيام إلا جيشا يمتلك دولة؛ وفي ذلك ضرب من الصحة، لكن ليس كلّها؛ فهواجس الأمن المزمنة، ومكانة الجيش والنزعة إلى تنزيهه حدّ القداسة، كانت جميعها من المفاهيم المؤسسة والسائدة داخل المجتمع الإسرائيلي وبين نخبه؛ لكن، بالمقابل، لا يستطيع أحد أن يتنكر إلى كيف تطور هذا الكيان على ضفاف التاريخ، المدنية، الاجتماعية والاقتصادية، بالتوازي مع كونه كيانا ذا نزعة عسكرية قوية ناشزة؛ فإسرائيل كانت تعيش بطبيعتين متكاملتين ومتصالحتين: الدولة «الإسبارطية» المتعسكرة المحتلة القامعة، ودولة المؤسسات والقانون تجاه مواطنيها اليهود، والعنصرية تجاه مواطنيها العرب. قلت كانت، لأنها لم تعد كذلك؛ فمنذ أكثر من عقدين فقدت إسرائيل «ميزان مائها» وصارت عبارة عن «معسكر» كبير ومعظم مواطنيها اليهود جنودا وحياتهم معركة، لا قانون فيها، بل حكم البندقية وصوت البارود. القضية اذن، يا من بأصواتكم سهّلتم على أخيار «مملكة يهودا» مهامهم، ليست مجرد تعديل هامشي يبغون من ورائه قمع مظاهرات الشباب العرب، في أول مواجهة تنتظرهم وراء المنحنى؛ بل القضية هي دوركم السيئ في تمكين ماكنة النار من جلودنا، وفي ذرائعكم غير المقبولة التي لا تختلف عن ذرائع أمثالكم في التاريخ، حين ادّعوا أنهم ليسوا إلا براغي صغيرة وأنهم يحاولون، من مواقعهم، التأثير وإفادة إخوانهم ببعض من الفتات وكثير من السراب.
أما القانون الثالث، الذي صوتت عليه الإسلامية في ذلك الفجر الأخضر، فقد أتاح لقوات الشرطة والأمن اقتحام بيوت المواطنين وتفتيشها من دون أن يكون بحوزتهم أوامر من المحكمة. لن أثقل على القراء في سرد تفاصيل الحالة القانونية السائدة قبل هذا التشريع، التي رغم ما أتاحته من هوامش تصرف كبيرة لقوات الشرطة، ومن تضييق على حريّات الأفراد وبيوتهم، لكنها لم تصل إلى خطورة ما أجازه التعديل الأخير. فبتصويتكم أيّها النوّاب العرب ألغيتم آخر الكوابح التي حافظت على بعض من حرمات بيوت المواطنين وعلى كرامات أجسادهم. إنهم الأغبياء والمتغابون فقط من لن يستطيعوا التكهن، أو التخيل كيف ستستباح بيوت المواطنين العرب لأهون الأسباب وبأبسط الذرائع.
لا أقول هذا جزافا بل كتقييم واقعيّ يكمل المشهد الذي وقفتُ على خطورته، جرّاء إقحام قوات الجيش من أجل تأمين الأهداف «القومية الأمنية» للدولة، ويكفي أن نقرأ ما أعلنته الحكومة في تسويغات عرضها لمشروع هذا القانون، كي نفهم ما كان وراءه، ومن هم ضحاياه المؤكدون، كما جاء، فإنّه «على ضوء ظاهرة الإجرام الخطيرة داخل المجتمع العربي، وعلى ضوء الصعوبات الخاصة بنفاذ القانون في هذا المجال، قررت الحكومة أن تشرّع، بشكل طارئ، قضية تفتيش الأماكن من دون أمر محكمة». ألم يقرأ النوّاب العرب، وليس فقط أعضاء القائمة الموحدة الإسلاميين، هذا الهراء والاستهبال؟ وهل فعلا هذا ما كان ينقص الدولة كي تنجح بمحاربتها لظاهرة الاجرام الخطيرة داخل المجتمع العربي؟ لقد صوّت مع هذه القوانين تسعة أعضاء عرب، لكن سيبقى تصويت أعضاء القائمة الموحدة/الإسلامية أبرزهم وأكثرهم غرابة واستفزازا؛ فأولئك الأعضاء الخمسة (من أحزاب: ميرتس، والعمل، وكاحول لافان، ويسرائيل بيتينو) يمثلون أحزابا صهيونية، لها أجنداتها وتاريخها ومفاهيمها الخاصة لطبيعة علاقاتها مع مجتمعها اليهودي، ومع مصوّتيها العرب؛ وهم في البداية والنهاية ملتزمون بقرارات أحزابهم، بينما تبقى «القائمة الموحدة» الإسلامية الهويّة والعربية المنشأ، ابنة مجتمعها الذي سيتأذى بسبب قراراتها ومواقفها.
لا أعرف مَن ما زال يتذكر كيف هوجم أعضاء القائمة الاسلامية الموحدة جراء تصويتهم ضد قانون لم شمل العائلات الفلسطينية، في شهر تموز/ يوليو المنصرم. كما لا أعرف من ما زال يتذكر كيف كان رد فعل الدكتور عباس وصحبه على تلك الانتقادات الصارخة؟ لكنني أذكر كيف استمر هو ورفاقه بنشاطهم البرلماني، كحليف متين في حكومة شاكيد – بينت، ونشاطهم الميداني حين كثّفوا من زياراتهم للمجالس العربية، المحلية والبلدية، التي استقبلتهم بأجمل الترحاب وبكامل التأهيل.
لم تمض أكثر من خمسة شهور على تلك الواقعة، ولم تتراجع القائمة الإسلامية الموحّدة عن نهجها، بل ما زالت توغل فيه يوما بعد يوم، وتتواصل، في الوقت نفسه، مع مراكز القوى المحلية وتوطّد علاقاتها مع نخبها البلدية المنتخبة. ويكفي إلقاء نظرة خاطفة على صفحة الدكتور عباس لنعرف اين كانوا أمس وأين راحوا قبله، ومن استقبلهم بحفاوة الحلفاء من «الجلبواع» في الشمال، حتى أقاصي النقب في الجنوب؛ رغم جميع الأصوات التي تندد، وبحق، بمواقفهم الداعمة لحكومة بينت -شاكيد. وللحقيقة فقد توقعت، وكثيرون مثلي، ذلك.
ما زلت على قناعة أن خطابَي الحركتين الإسلاميتين، الجنوبية والشمالية، رغم الفوارق بينهما واختلاف المناهج، يشكلان تحديات كبيرة لسائر الأحزاب والحركات السياسية غير الدينية، كما أنهما يضعان أمام مؤسسات المجتمع المدني مهام ثقيلة وصعبة. وما دمنا نتحدث عن الحركة الإسلامية الجنوبية، فالتزامها أمام أتباعها بالعمل السياسي، في واقعنا المشوه، وفق منهج «النفعية المطلق» من جهة واحدة، وتمسكها بالعمل من أجل بناء «مجتمع محافظ» من جهة ثانية، سيفضي حتما إلى استمرارها بالسير على طريقها الحالي، الذي قد يؤدي إلى زيادة في قوتها الشعبية. وستبقى حليفة للحكومة حتى تختمر ظروف الطلاق منها، ولن تكون «العصمة» بيدها.
هذا ليس قدرنا، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، لكنه سيكون مصيرنا إذا بقينا في هذه الحالة من السبات والعجز…
كاتب فلسطيني

 

 

ماذا لو كان هشام أبو هواش

حاضرًا في "معهد العالم العربي"

 

جواد بولس

 

    لقد حدّثتكم في مقالتي السابقة عن قضية الأسير الإداري هشام أبو هواش، المضرب عن الطعام في سجون الاحتلال الإسرائيلي منذ حوالي المائة يوم؛ وأخبرتكم لماذا طلبتُ تأجيل سماع جلسته، رغم أن قاضي محكمة الاستئناف العسكرية استقبلني، وقتها، بذراعين مفتوحتين وببسمة لا يتقنها إلا الجنود الذين ينامون في بطن الخوذة ويصحون على تصفيق أسراب السنونو المذعورة الهاربة من شرفات فلسطين نحو مجهولها البعيد.

انتظرت أسبوعًا كاملًا حتى التأمت المحكمة مجدّدًا يوم الأربعاء المنصرم. 

كان الجو ماطرًا، بغزارة فاجأتني، عندما ركضت نحو قاعة المحكمة. لم يكن في الساحات أحد؛ فعائلات الأسرى لم تصل، والجنود كانوا، فيما يبدو، مختبئين في غرفهم. حاولت أن أغطي رأسي بعباءتي السوداء، وأسرعت نحو ديوان رئيس المحكمة، علّني أفهم منه أين اختفى الجميع، ولماذا ما زالت قاعات المحكمة مقفلة؟ فتحت الباب دون استئذان، فوجدت أمامي مجندة يافعة ما زال في وجهها بقايا طفولة لم يمحها المكان بعد. تبسّمَت بلطافة حذرة، ودفعت تجاهي برزمة ورق كي أنشف وجهي، وأماءت، بيدها الأخرى، نحو رأسي فأبعدت العباءة المبلّلة عنه. أخبرتني أن رئيس المحكمة مجاز ، وأن قاضيًا من قوة الاحتياط سيتولى أمر قضيتي، لكنه ما زال في طريقه إلينا. ثم أكّدت لي أن الأسير سيحضر جلسة اليوم من خلال شاشة الفيديو وهو على كرسيه المتحرّك في عيادة سجن الرملة.  

انتظرت القاضي في القاعة لأكثر من ساعة قضيتها في قراءة أخبار منشور أصدرته "حملة المقاطعة الفلسطينية" دعت فيه إلى مقاطعة نشاطات مهرجان دعا إليه "معهد العالم العربي" في باريس. دخل المترجم وأشعل شاشة الفيديو، ثم دخل القاضي فوجدني واقفًا أمام الشاشة أشرح عن الجلسة وعن مآلاتها. كان بجانب هشام سجّان يتحدث العربية، فأفهمني أن هشاماً لا يستطيع الكلام ولا تحريك أطرافه بشكل عادي. شرحت بإسهاب فسمعني هشام وردّ بما يشبه صوت شخص عالق تحت ركام بناية مهدومة.

افتتح القاضي الجلسة فطلب، وفقًا للعادة، من المترجم أن يعرّف المستأنف عن نفسه. فقلت: "موكلي لا يستطيع أن يتكلّم" . فنظر القاضي نحوي بنوع من الاشمئزاز، أو ربما الدهشة؛ فأفهمته أنني لا أمزح، ولا موكلي بأخرس ، بل هو أسير مضرب عن الطعام احتجاجًا على اعتقاله الإداري التعسفي منذ أكثر من ستة أشهر، وقد ساءت حالته الصحية، كما تراها على الشاشة أمامك، بسبب إضرابه المتواصل، حتى أصبح شبه مشلول ويواجه امكانية الموت المفاجيء كما يقول الأطباء. لم يبدِ القاضي حرجًا ولا استغرابًا ممّا سمعه؛ فهو من أبناء الجيش المجرّبين والواثقين بأنفسهم؛ ويعرف كيف يتعامل مع "هذه الحالات" من دون عواطف وأحاسيس، ويعرف كيف يبقى "روبوطًا" حازمًا وقادرًا على شم شرور الفلسطينيين حتى وهم مدفونون تحت الركام !  

بدأت مرافعتي منوّهًا إلى أن مصلحة السجون لم تنفذ قرار القاضي العسكري الذي أرجأ الجلسة، في الأسبوع الفائت، بسبب عدم إحضار موكلي إليها ولعدم وجود تقرير طبي محدّث من شأنه أن يوضّح حالة الأسير الصحية. وأضفت أن زميله قد أمر أطباء مصلحة السجون بإعداد تقرير طبي شامل في فترة أقصاها خمسة أيام، إلّا أنّهم لم ينفّذوا ما أمر به القاضي. فسألني: "ماذا تريد مني ، هل تطلب تأجيل الجلسة ؟". بدون تردد، أجبته :" لا، بالطبع لا أطلب ذلك" وأضفت: "بل أطلب أن تأمر بإبطال أمر الاعتقال الإداري الصادر بحق موكلي والإفراج عنه فورًا، أو، بالتبادل، أن تأمر بتعليق الأمر الإداري ضده وبنقله إلى مستشفى مدني كي يكون تحت رقابة وعناية أطباء مؤهلين؛ فوجوده في عيادة السجن هو مبعث للخطر وللقلق على حياته" ثم أردفت فحمّلت المحكمة ومصلحة السجون والنيابة العسكرية  كامل المسؤولية عن حياة موكلي وسلامته.

حاول القاضي، أكثر من مرّة، أن يسكتني وعبّر عن اعتراضه على مضامين مرافعتي القاسية، كما قال، لكنه سمعني لأكثر من ساعة، ثم أصغى إلى أقوال ممثلة النيابة العسكرية التي أعادت ببغاوية مألوفة ادعاءاتها، وطلبت، ببضعة جمل، رد استئنافي وإبقاء هشام في السجن، وذلك رغم سوء حالته الصحية.

ودّعت هشامًا بعد أن فهمت، من هزة رأسه، أنه سيستمر في إضرابه عن الطعام رغم المخاوف التي نبّهته منها. 

كنت في بيتي مساءً عندما استلمت رسالة من سكرتارية المحكمة وفيها نسخة عن قرار القاضي، الذي استهله بإجمال لمحاور مرافعتي، ثم ألحقها بأقوال ممثلة النيابة، ثم أنهاه بخلاصة قصيرة كتبها ببرودة الرصاص قال فيها: " لقد أمر  قاضي محكمة الاستئناف (ن، س) يوم 24/11/2021 مصلحة السجون بإعداد تقرير محدّث حول وضع الأسير الصحي. اليوم، أثناء الجلسة، تبيّن أنهم لم يعدّوا ذلك التقرير، ولم يوضحوا لماذا لم يعدّوه. لقد ادّعى أمامي المحامي اليوم أن الأسير ما زال مضربًا عن الطعام ويواجه خطر الموت؛ وطلب، بسبب ذلك، تعليق أمر الاعتقال الإداري. من الواضح أنني لا أستطيع النظر في ادعاءات المحامي بشكل مناسب من دون تقرير طبي محدّث، وهو ما كان قد أمر بإعداده القاضي السابق، ولذلك لا مفرّ من تأجيل البحث في الملف إلى موعد آخر ستعيّنه سكرتارية المحكمة بعد استلامها للتقرير الطبي". قرأت الكلام فشعرت بالغثيان. أخبرت أفراد عائلة هشام بمضمونه، فسألوني "ماذا يعني هذا؟". لم أجب، فسمعتهم يستدعون السماء ويرجونها أن تحفظ لهم هشامًا. كنت ساعتها "أعض على نواجذي" وأخاطب نفسي متسائلًا، مرّة أخرى، متى سيقاطع الأسرى الإداريون هذه المحاكم/ المهازل؟  

مقاطعة مهرجان في باريس 

كانت أخبار دعوة "الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل" لمقاطعة "مهرجان Arabofolies التطبيعي"، الذي ينظمه في باريس "معهد العالم العربي" خلال الأيام المقبلة، تتهافت عبر وسائل "التشابك الاجتماعي"؛فالبيان كان قد دعا المنظمين إلى إلغاء مشاركة مغنية إسرائيلية فيه وإلى "مقاطعة المهرجان، في حال رفض المنظمون ذلك" .            

لاحقت تداعيات هذا المشهد فتبيّن لي أن الإسرائيلية المدعوة للمشاركة في منصة المهرجان الفنّية هي فنانة محلية، لم اسمع عنها من قبل، تحمل اسم " نيطع الكيّام". وبعد التفتيش عنها تعلّمت إنها فتاة يهودية ولدت في بلدة إسرائيلية اسمها "نتيفوت"، في العام 1980، من أبوين مغربيين؛ وانها احترفت الغناء باللهجة المغربية وتعد صاحبة مشروع شخصي لإحياء تراث أجدادها المغاربة كما تربوا عليه كيهود في المغرب. وقرأت على لسانها تصريحًا لافتًا أطلقته تعقيبًا على الدعوة إلى مقاطعتها. على جميع الأحوال فهذه الفتاة لا تعنينا اليوم، إلّا لأن دعوتها للمشاركة في المهرجان دفعت حملة المقاطعة الفلسطينية لإصدار بيانها المذكور، الذي نجح باستدراج بعض المدعوّين إلى الانسحاب من محاور المهرجان.  وقد عرفنا منهم أسماء بعض الفلسطينيين، وكذلك اسم الروائي الكبير الياس خوري الذي كتب على صفحته: "أعلن انسحابي من المشاركة في محور " أيام التاريخ" في معهد العالم العربي بباريس، وهذا ناجم عن الالتباسات التي أحاطت به وبالمناخ التطبيعي الذي رافقها".

 سأعود إلى مناقشة هذه المسألة في مقال آخر، فما يصحب عادة هذه الدعوات من صخب وبلبلة وأحيانًا أضرار، يستوجب التوقف عنده، والتدقيق في تبعاته وفق موازين الربح والخسارة السياسية.  

فمن يدقق، مثلًا، في نص الياس خوري سيلتفت، رغم قصر الإعلان، إلى أنه أرجع  سبب انسحابه لما أسماه، بحذر واضح: "الالتباسات التي أحاطت به وبالمناخ التطبيعي الذي رافقها"، وهذا النص يشكّل، برأيي، دعوة لتمحيص ما دعت إليه حملة المقاطعة ومناقشة صحته، خاصة وأنها تطرقت هناك إلى ما أسمته "معايير المقاطعة الثقافية لإسرائيل ومناهضة التطبيع" وذلك عندما برّرت دعوتها إلى مقاطعة المنصة الفنية، بينما أجازت في ذات البيان "نشاط المهرجان الآخر الذي ينظمه ذات المعهد تحت عنوان" Fete de la langue Arabe"،  فهذا المهرجان، هكذا كتبت الحملة "وبعد الفحص والتدقيق ، غير خاضع للمقاطعة الثقافية ولا يعد تطبيعًا .. وذلك بالرغم من وجود دعم مقدّم لأحد معارض المهرجان من المؤسسة الأمريكية- الصهيونية المدعوّة American Sephardi Foundation"، ورغم أن هذه المنظمة الأمريكية هي منظمة صهيونية، إلا أنها لا تعدّ منظمة ضغط(لوبي) لصالح إسرائيل". انه موقف يستدعي التفكير ؛ فهل ما قالته الحملة صحيح؟ وهل فعلًا لا تعمل هذه المؤسسة الصهيونية الناشطة في أرجاء العالم لصالح إسرائيل؟ وحتى لو افترضنا ان الحملة دققت فعلا وفحصت هويات المشاركين والداعمين، ألا تخلق هذه التعريفات مناخات من الالتباسات والبلبلة؟ فمتى يجوز، مثلًا،  التعامل مع مؤسسة صهيونية، ومتى لا يجوز ؟ ومن يملك تلك المساطر السحرية التي بواسطتها يتم الحسم من دون أن نضر بقضية فلسطين ؟ 

لقد كنت في قاعة المحكمة وحيدًا انتظر قاضيًا صهيونيًا سفارديًا لا يعرف إلا أن يكون جنديًا في خدمة الاحتلال وأفكر في حملة تدعو الفلسطينيين لمقاطعته. وكنت أقرأ كم سهلًا أن يقاطع المثقف العربي/الفلسطيني مهرجانًا بحجة عدم التطبيع إسرائيل؟ وكنت حزينًا لأن في شرقنا يخاف المثقفون بسرعة الطلقة؛ وفيه، لا أهون من صناعة الالتباسات، وتجييش الشعارات والعواطف،  والمرور على جثث المفارقات العبثية.

يتبع..

رسالتان إلى

الصحافي جدعون ليفي

جواد بولس

 

من لا يعرف من قرّاء الصحافة العبرية، بلغتها الأصلية أو المترجمة، مقالات الصحافي جدعون ليفي، التي دأب على نشرها أسبوعيا، في صحيفة «هآرتس»؛ تناول فيها، ولمّا يزل، ممارسات وقمع جنود الاحتلال الإسرائيلي واعتداءات قطعان المستوطنين على أبناء الشعب الفلسطيني وضد ممتلكاتهم؟
لقد عدّ الفلسطينيون والإسرائيليون، على حد سواء، جدعون ليفي، جراء ثباته على الكتابة من ضفة المعتدى عليهم، نصيرا مستوثَقا لضحايا الاحتلال، وشاهد حق على ما يعانون؛ وسكن، بسبب ذلك، قلوب معظمهم كواحد «معنا» وليس مع «أعدائنا». لقد دخل القلوب إذ كانت مطمئنة له، من أبواب الوجع، فهل سيبقى فيها بعد المودة التي أبداها تجاه بنيامين نتنياهو وعائلته، كما قرأنا وكما نشر وأفاد؟
لقد لبّى الصحافي جدعون ليفي دعوة زميله في صحيفة «هآرتس» العبرية، بيني تسيبر، وشارك في احتفال أقامه صاحبه بمناسبة عيد ميلاد سارة نتنياهو عقيلة رئيس الحكومة السابق بنيامين نتنياهو. لم يكتف ليفي بحضور الاحتفال الخاص في بيت زميله، الذي يعمل، منذ سنوات طوال، محررا للملحق الثقافي في الجريدة، بل خصّ تلك الليلة بمقال نشره في «هآرتس» يوم 11/11/2021 تحت عنوان «مع عائلة نتنياهو لدى عائلة تسيبر في الصالون». لقد صدمت مشاركة جدعون ليفي الاحتفالَ معظم قرّائه، واستثار مضمون مقالته دهشة متابعيه؛ حيث اعتبره معظم «معجبيه» من العرب واليساريين خيانة لما عهدوه في مواقفه الإنسانية من صدق أخلاقي، وتراجع عن دعمه السياسي للحق ولأصحابه؛ بينما اتهمته، في المقابل، أوساط اليمين على أطيافها بالتلوّن وبالمداهنة، مدّعية أنّه سيبقى، رغم مغازلته لنتنياهو ولزوجته، عدوّ اسرائيل وصديقا للفلسطينيين. ليس من الصعب أن نتفهم غضب جميع من هاجم أو لوّم أو انتقد أو خوّن أو خطّأ خطوة جدعون ليفي، خاصة أنه لم يكتف بالمجاهرة بها، بل أضاف على «إبّالته أضغاثا» من الاستفزاز حين افتتح مقالته واصفا، بتودد واضح، عائلة نتنياهو بلغة حليفة ودافئة، فقال: «لقد جلس اليوم الشخص الذي يحظى بكراهية كبيرة وبإعجاب كبير مع زوجته وأولاده على أريكة قديمة في صالون صغير.. وربّت على يد زوجته وسحر كلّ محدّثيه». لقد كان جدعون ليفي نفسه، هكذا يفهم من النص، واحدا من بين أولئك المسحورين بحضور عائلة نتنياهو، التي كانت، كما وصفها «العكس المطلق تقريبا لما يقولونه عنهما وعكس ما يعتقدونه عنهما، ولم يظهر، في ذاك المساء، أي شيء مما قيل عنهما من قبل المنتقدين لهما المليئين بالاشمئزاز». هكذا كتب واستفز، وهيّج أرواحا كانت تؤمن به أكثر من إيمانها بهيئة الأمم المتحدة وبالجامعة العربية، وبكثيرين من أبناء شعبها. لن أسرد جميع ما جاء في هذه المقالة المستهجنة؛ فما أفصح عنه فيها من رفق وود تجاه نتنياهو وأسرته، سيبقى من حقه كصحافي، ومحسوبا له وعليه؛ لكنني، ومن باب إنصاف ماضيه الصحافي ومواقفه الحاسمة ضد الاحتلال وموبقاته، وفضح سياسات حكومات اسرائيل خاصة بقيادة نتنياهو، ومن أجل الحقيقة، أود أن استذكر مقالا بعنوان «استعراض نتنياهو» كان جدعون ليفي نفسه قد كتبه ونشره يوم 17/8/2016 بعد مشاركته وأعضاء هيئة تحرير جريدة «هآرتس» اجتماعا مغلقا دعاهم إليه نتنياهو، فكتب حينها هكذا: «استضاف أمس نتنياهو أعضاء تحرير هآرتس للقاء مغلق دام أربع ساعات تحدث فيها بدون توقف.. نتنياهو شخص غاضب، هائج، صاخب، صلب، حاد، مغرور، ومقتنع بصدق دربه، ويؤمن بالقوة فقط، وعنده ميول نرجسية، وحب للعظمة، متعال، ثرثار، ويعاني من شعور بأنه ملاحق». ثم وصف جدعون ليفي أيديولوجية نتنياهو على أنها متشددة ومتطرفة؛ فهو، أي نتنياهو، شخص لا يؤمن «بأي سلام مع الفلسطينيين، ولا يعنيه قدرهم قيد أنملة. وهو سيلحق الكارثة بإسرائيل، لأنه صبي لم ينضج وخياله ما زال عالقا في عالم الكتيبة». هكذا إذن، رأى جدعون ليفي نتنياهو قبل خمسة أعوام، فكيف لن يغضب من يقرؤه اليوم وهو يصفه «بالشخص الذي يملأ الفضاء بحضوره؛ فحتى، وهو في خريف حياته السياسية، يبقى مثيرا للفضول أكثر من أي سياسي إسرائيلي. وستبقى إمكانية أن نفهم دوافع الإعجاب به أسهل من أن نفهم مصادر الكراهية العميقة التي يثيرها تجاهه». لم يكتف ليفي بهذا القدر من الشهادة والمديح، بل مضى فبقّ حصوة «الراسي» الكبيرة، وأعلن أن دور نتنياهو «في صناعة دولة الأبرتهايد لم يكن أسوأ من أسلافه، ولا كان تأثيره على انهيار الديمقراطية مميزا، لأن ساحات إسرائيل الخلفية مسيطر عليها من قبل ديكتاتورية عسكرية». أقوال، وإن كانت تحتوي على بعض من الواقع السياسي والحقيقة، إلا أنها، حين تقال من شخص في مكانة جدعون ليفي سيكون وقعها موجعا، وتأثيرها في المجتمع ككل، خاصة على رعاع اليمينيين، أخطر.
لقد تابعت ردة فعل جدعون ليفي على منتقديه اليهود، لاسيما على أولئك الذين يعرّفون أنفسهم يساريين؛ فلم يسكت أمامهم، بل دافع عن حضوره الحفلة، وكذلك عمّا كتبه في أعقابها؛ وقد فعل ذلك متذرعا بادّعائين أساسيين، جنّدهما على طريقة من يقول كلام حق يراد به باطل؛ فادعاؤه بأن جميع القادة السياسيين اليهود، خاصة من وصفهم باليساريين، سواسية، فيه من الإجحاف للواقع قسط، ومن التمويه والمغالطة والتضليل أقساط؛ ثم أن محاولته تبرير شرور نتنياهو بكون الآخرين أشرارا أيضا هي اجتهاد بائس وخطير، ولا يمكن تسويغه سياسيا ولا قبوله أخلاقيا.

محاولة جدعون ليفي تبرير شرور نتنياهو بكون الآخرين أشرارا أيضا هي اجتهاد بائس وخطير، ولا يمكن تسويغه سياسيا ولا قبوله أخلاقيا

لقد قبل جدعون ليفي الدعوة لحضور حفل عيد ميلاد سارة نتنياهو، وهو يعلم، بالطبع، تعاطف زميله في الجريدة المعلن مع سارة ودفاعه عنها وعن عائلتها وعمق صداقته معهم منذ سنوات طوال؛ ويعرف أيضا مواقف زميله من الاستيطان والمستوطنين، ومواقفه المستهترة من اليسار الإسرائيلي؛ وهو، لجميع ذلك، وبسبب تجربته الطويلة، ولحساسية الأوضاع السياسية التي يمر بها المجتمع الإسرائيلي ونية نتنياهو المعلنة بالعودة إلى رئاسة الحكومة، كان قادرا أن يقيّم مدى تأثير مشاركته وما كتبه بعدها في المشهد الإسرائيلي العام وفي مشاعر أصدقائه الفلسطينيين وفي الاحرار في العالم تحديدا.
على الرغم مما ذكرته وعلى الرغم من فحش ما قام به لن تكون مهمة الدفاع عن جدعون ليفي مستحيلة؛ فإذا ما راجعنا تاريخ ما كتبه عن الاحتلال الإسرائيلي، وعن ضحاياه الفلسطينيين، وإذا ما تذكرنا مواقفه الصارمة ضد الحروب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة وعملياتها في الضفة المحتلة، فقد نشفع له، ونأمل بثقة من يفتشون عن حلفاء، أن يعود في الغد ويقف على حافة الجرح الفلسطيني ويتوجع ويكتب كي يعرف الإسرائيليون والعالم من هو القاتل ومن هي الضحية.
لو كنت قاضيا لطالبت جدعون ليفي بأن يراجع نفسه ويتراجع عما قاله في وصف تلك الليلة التي قضاها في صالون عائلة تسيبر، ولذكّرته، أيضا، بأن حياة الفلسطينيين، كما وثّقها بحدقات أقلامه الدامعة طيلة سنوات طويلة، لا تقايض بحفلة ميلاد ولا بجلسة سمر مع «ساحر» كان يصغي بهدوء، ويربت على يد زوجته التي لم تحتس الكحول في تلك الليلة. لكنني لست قاضيا، بل أنا محام سيصفح، على طريقة المتشائلين، لجدعون ليفي خطيئته لأنه، هكذا أشعر، كما كان هو باق هناك ولم يتغيّر.
وقبل أن ترجموني أنا بحجارتكم أتمنى أن نستوعب معا أن جدعون ليفي يكتب كما يكتب ليس لأنه فلسطيني، ولا لكونه مجرد إنسان بلا هوية، بل يكتب من موقعه «كوطني إسرائيلي» أو كما صرّح هو بنفسه ذات يوم فقال: «أنا أكتب في جريدة إسرائيلية، للإسرائيليين، وليس للفلسطينيين. أنا اكتب للإسرائيليين الذين يريدون أن يقرأوا ما يجري مع الشعب الفلسطيني الذي يقبع تحت الاحتلال الإسرائيلي. اكتب من وجهة نظر إسرائيلية، أو ربما من وجهة نظر وطنيّ حسبما أراها. أكتب بالأساس عما نفعل بهم، وليس كي نساعدهم، ولا كي نساعد اي أحد آخر؛ بل من أجل أن نعرف». فلنقبله بحجم صديق، هكذا كما هو، ولنترك رصيده الأخلاقي مفتوحا على جهات الريح.

والرسالة الثانية: كن، يا جدعون، كما تريد، وابق حرا، وتذكر أوجاع قلبك، ولا تخذل أنفاس الحقيقة التي باسمها كتبت وشمخت؛ وتذكر، كذلك، أطفالا ينامون خائفين أمام فوهات البنادق ويحلمون بأمثالك، رجالا، يكتبون من أجل أن يمتلأ فجرهم بالزنابق .
كاتب فلسطيني

 

 

من يعيد الفرح

والأمان لفضاءاتنا العامة؟

جواد بولس

 

أقامت في الخامس من الشهر الجاري، جمعية «أنغام للموسيقى» و»الفرقة الماسية النصراوية» حفلا تكريمياً للموسيقار الخالد بليغ حمدي، على مسرح مدرسة «راهبات مار يوسف» في مدينة الناصرة. كان مشهد السيارات التي ملأت ساحات المدرسة مبشّرا بعدد الحضور الكبير، الذي تجاوز عدده الستمئة شخص، كما علمت لاحقا.
دخلنا القاعة الرحبة مباشرة عندما شرعت الفرقة تعزف. لوهلة قد تتخيل أنك في أحد المسارح «الأجنبية» الراقية؛ فالصمت في القاعة جارح وطغيانه يشي بشغف الحاضرين باجتراع الموسيقى الأصيلة. جلس العازفون، وكلّهم أبناء البلد، على المسرح، وتحتهم قليل من ريح. كانوا يحتضنون آلاتهم برفق العشاق، وأمامهم كان ينتصب، مثل سهم، المايسترو كميل شجراوي، الذي ما أن رفع قوس كمانه وحطّه، بما يشبه الغضب، على خاصرة الوتر، بدأت رحلة الفرقة على طريق النحل، وأخذتنا والسعادة، مع باقة من أغاني الكبار، أم كلثوم، وردة، صباح، ميادة الحناوي، عبد الحليم، نحو المدى البعيد، فأمضينا بضع ليلة مع تناهيد ماض جميل وبقايا من نور كنا قد افتقدناه. كان تكريم واحد من أعمدة الموسيقى العربية لائقا ومشرفا، فألحانه عزفت بحرفية لافتة وقد زادها صوت ابنة قرية الرامة الرائعة رنا حنا – جبران، شجنا وطربا، ثم «عَشّقها» صوت الشاب الوسيم ابن قرية ترشيحا شادي دكور، بقطع من عذوبة وورد. لقد توالت فقرات الحفل كسكب رقيق من عسل، فطارت ساعة ونصف الساعة من زمن ليس كالزمن، حتى انتهينا على وجع وما زال فينا «الغليل لظى، والوجد محتدما، والشوق ظمآنا».
لست ناقدا موسيقيا، ولا أكتب من هذا الباب؛ لكنني اعترف، بأنني كلّما أشارك في مثل هذه المناسبات أصاب بنوبة من فرح وزهو؛ لا لما نسمع من طرب أصيل ونشاهد من إبداع محلي مبهر وحسب؛ بل لأنني وكثيرين مثلي، نعتبر هذه النشاطات الفنية ومثيلاتها جزءاً من معارك مجتمعنا على فضاءاته العامة وتعزيزاً لانتشار الثقافة الحرّة فيه ولدور الإبداع في بناء الحصانة الجماهيرية وإشاعة التعددية الفكرية والثقافية بين ظهرانيه. كم كنت أتمنى أن يتعرّف العالم على ما ينتجه المواطنون العرب في إسرائيل من أعمال ثقافية وفنية إبداعية مختلفة؛ ومن الواضح أن هذا المقال لن يتسع لذكر قوائم المغنين البارزين والفنانين والمبدعين، وأسماء الفرق الغنائية والمسرحية الجادة، وما يقدمونه من إنتاج فني سنوي مرموق؛ وهم يفعلون ذلك على الرغم من ضيق الهوامش المتاحة لمعظمهم، وعلى الرغم من انحسار عدد المنصات والمواقع العامة التي يستطيعون عرض إنتاجاتهم عليها، ومحاربتهم ومنع عروض بعضهم في كثير من البلدات، كما حصل في الماضي وكما قرأنا مؤخراً.
تتداعى الأحداث في مدننا وقرانا بسرعة جنونية، وبتواتر متصاعد من يوم إلى يوم؛ ويكاد المواطن العادي لا يعيرها اهتمامه إلا لحظات عابرة، رغم أنها تؤدي، من خلال تراكمها الضاغط والعفوي، إلى تزايد مشاعر الاغتراب الاجتماعي، والخوف بين الناس، وإلى ابتعادهم عن الحيز العام ولجوئهم إلى ملاذات ضيّقة، قد يكون أهمها «البيت» أو ما ينوب عنه من بدائل وهمية يحسبها المواطن «حصوناً» تؤمن للمهدّدين منهم وللخائفين حماية، في واقع خسرت فيه المجتمعات المحلّية معظم مظلاتها الواقية وفقدت كوابحها القيمية والسلطوية والقيادية.

لن ننجح في مواجهة واقعنا المقلق والخطير، من دون تشخيص مسببات الآفات بجرأة وبوازع غير مرتهن لأي مصلحة فئوية أو دينية أو مادية

وليس من الصعب على الباحثين الجدّيين في علوم الاجتماع والسياسة الرجوع إلى بدايات التحوّلات/الانهيارات الكبيرة التي أصابت مجتمعاتنا المحلّية، والكشف عن العوامل الحقيقية التي أدت إلى تدهورها ووصولها، كما هو الحال في أيامنا، إلى حافة الهاوية؛ لكننا، كمجتمع مأزوم ومفجوع، يجب أن نقرّ بأننا لن ننجح في مواجهة واقعنا المقلق والخطير، من دون تشخيص مسببات تلك الآفات بموضوعية وبجرأة وبوازع غير مرتهن لأي مصلحة فئوية أو دينية أو مادية. فهل توجد بيننا تلك الفئة القادرة على إنجاز هذه المهمة؟ وإن وجدت هذه الفئة بيننا، فهل ستكون لديها الدوافع والنوازع والاستعدادات، لتتصدّر المواجهة التي ستتفجر، حتماً، على جبهتين كبيرتين وخطيرتين؛ الأولى، هي جبهة الدولة ونهج مؤسساتها العنصري والفاشي في بعض تجلّياته؛ والثانية، وقد تكون الأخطر، هي المواجهة مع جميع القوى البلدية المحلية، التي تنتج مؤسساتها ثقافات العنف على أشكاله، وتسوّغ مفاهيمُها ومصالحها وقدراتها المادية والمعنوية، جميعَ أشكال الصدام مع «الآخرين» وتبرر غاياتُها كلَّ وسائل الاستقواء والبلطجة وترخيص القتل على أشكاله. إنها باختصار المعركة على أمن البشر وضمانة حرّياتهم وصون كراماتهم وهي كذلك معركة من أجل حماية رئات الوطن وتسييج ساحات البلدان. لقد خرجنا من قاعة مدرسة «راهبات مار يوسف» منتشين، لكن بنا بعض من الحسرة والحزن. فبعضنا استذكر كيف أعلن قبل ايام معدودات مجلس محلي في إحدى قرى الجليل عن إلغاء حفل موسيقي كان من المفروض أن تحييه الفنانة نادين خطيب «استجابة لتوجه رجال الدين لرئيس مجلس القرية»؛ بينما تذكّر آخرون مشاهد إطلاق الرصاص على أحد المشاركين في حفل زواج خاص فأرداه قتيلاً.
تحلّقنا طاولة في بيت أحد الأصدقاء؛ وبلهفة المنتصرين تغنينا بالموسيقى وتسابقنا بالحديث عن نهفات بليغ الحر حتى آخر أنفاس الزبد، وعن شقاواته وحبه للحياة مثل حب زوربا اليوناني. كانت أخبار النهارات، بمرّها، تتناثر بيننا كلما جنّ الليل وزاد عتمة، حتى وصلنا، رغما عنا، إلى آخر أخبار الرصاص، فتناقشنا حول قضية إشراك جهاز المخابرات العامة في مكافحة الجريمة والعنف بين المواطنين العرب. لم نتفق على موقف واحد إزاء هذه القضية، فعدنا إلى قصص الغناء والشعر والنحت والتمثيل والفرح. كان واضحا لجميعنا أن نجاح مثل هذه الليالي يؤخر موعد إعلان هزيمتنا الثقافية الكبرى، ويضخ في مطارحنا جرعات مهمة من مصل الأمل؛ لكن ذلك لن يثمر ولن يتم إلا إذا حظي جميع المبدعين والفنانين برعاية مؤسساتية ومجتمعية أكبر، وبدعم قطاعات نخبوية واسعة وبمساندة حاسمة من قبل من يصلّون بهدوء وبصمت وبدون أن يراهم الناس تماما، كما كان يصلي زوربا، لأنهم مثله يؤمنون بألا «تستطيع قطرة البحر إلّا أن تكون في أعماق الموج».
لم نعرف كيف اقتحمت صلاة زوربا اليوناني ليلنا، وهو الذي أجاب حين سألوه كيف تصلي فقال: «بالحب.. أقف وكأن الله يسألني: ماذا فعلت منذ آخر صلاة صليتها لتصنع من لحمك روحا؟ فأقدم تقريري له وأقول: يا رب أحببت فلانا، ومسحت على رأس ضعيف، وحميت امرأة في أحضاني من الوحدة، وابتسمت لعصفور وقف يغني لي على شرفتي، وتنفست بعمق أمام سحابة جميلة تستحم في ضوء الشمس». لم ننتبه كيف حضر معنا زوربا ليلة لتكريم موسيقار مصري عاش يرتشف الحب ويوزعه ألحانا بجنون عبقري، لكننا مثله، أنهينا جلستنا بكثير من الصلاة وتراتيل الحب والشوق لمثل هذا الفرح. لقد تمنينا في تلك الليلة كثيرا، وافترقنا وكلنا نعرف أنها مجرد أمنيات سوف تمحوها سكرة أول فجر دامٍ كان جدّ قريبا؛ ففي الواقع لقد خسرنا المعركة على «حيّزنا العام» وقبلها، كنا قد أضعنا «ساحة البلد».
كاتب فلسطيني

 

 

غصات الأسرى: مرضى

ومضربون عن الطعام

جواد بولس

خضع الأسير ناصر أبو حميد في التاسع عشر من الشهر الفائت، لعملية جراحية معقدة في مستشفى «برزيلاي» الإسرائيلي، حيث استأصل الأطباء خلالها ورما من رئتيه، كانوا قد اكتشفوا وجوده بعد فحوصات طبية أجروها له في شهر آب/ أغسطس الماضي.
ولمن لا يعرف قصة هذه العائلة، إليكم عصارتها المرّة؛ فالأسير ناصر أبو حميد هو من سكان مخيم الأمعري، الذي يتوسط، كنغزة في خاصرة التاريخ، مدينتي البيرة ورام الله، واحد من بين خمسة أشقاء يقضون في سجون الاحتلال أحكاماً مؤبدة، أي لمدى الحياة، وذلك بعد إدانة كل من نصر وناصر وشريف ومحمد في عام 2002 بتهم أمنية، ثم إدانة شقيقهم إسلام، في عام 2018، مثلهم بالحكم المؤبد. كما يذكر أن لهم شقيقاً سادساً، هو عبدالمنعم أبو حميد الذي استشهد قبل سنوات. لم يسلم سائر أفراد العائلة من الاعتقالات ومن تنكيل الاحتلال الإسرائيلي، كما تجلّى ذلك في حرمان والدتهم الفاضلة أم يوسف، من زيارتهم في السجون لسنوات طويلة، علما بأنهم كانوا قد فقدوا والدهم الذي توفي وهم في الأسر.
لقد عقّبت أم ناصر أبو حميد عند سماعها نبأ مرض ابنها «إن معنويات ناصر قوية وعالية رغم إصابته بالسرطان، وهو سيقهر المرض كما قهر الاحتلال». وأضافت، في إحدى مقابلاتها الصحافية وعلى لسانه: «حرّ أنا رغم القيود بمعصمي، أحيا عزيزا لا أذلّ لمجرم». هكذا، إذن، اختصرت من سميتها مرّة «وردة من الأمعري» حكاية مئات الأسرى الفلسطينيين المرضى؛ وهي إذا قالت، فالقول كما قالت الأمعرية.
لكل أسيرة وأسير فلسطيني حكايةٌ ترددُها أنفاسُ الليل، أصداء للوجع الدائم، وأثرٌ لا بدّ أن يرى وأن يدوم. وتبقى حالات الأسرى المرضى أصعبها عليّ وأكثرها استفزازاً؛ فبعض هذه الحالات تشعرني كيف يفقد السجّان، ابن آدم، إنسانيته ويتحول إلى مجرد مسخ كلّه من شر، ويبقى الأسير، مقابله، يتقلّى، بشموخ الحرّ، ككتلة من صفيح ساخن. من حق جميع أولئك الأسرى علينا أن نروي حكاياتهم للعالم، وأن نوثّق كيف عانوا، وأيّ إهمال طبي مورس بحقهم، حتى سلّم بعضهم أرواحهم داخل السجون الإسرائيلية، بعد أن كانوا قد ضحّوا بحرياتهم من أجل وطن مشتهى وكرامة شعب مهيضة. عرفت أن نهاري سيكون صعباً؛ فبداية سأزور الأسير ناصر أبو حميد في سجن عسقلان، وبعده سأتوجه إلى عيادة سجن الرملة، حيث سألتقي بعض الأسرى الإداريين المضربين عن الطعام منذ أيام طويلة. انصعت لتوجيهات تطبيق «ويز» الذي أدخلني طرقًا التفافية تعرفت فيها على الأحياء الشمالية الجديدة لمدينة عسقلان. بدت العمارات عن بعد جميلة مع لمسات هندسة عصرية، لكنها لم تكن، في الواقع، هكذا تحققت عندما اقتربت منها، إلا كتلا من أبنية «كتشية» رخيصة، كانت قد بنتها حكومات إسرائيل اليمينية لتسدّ نهم الطبقات الشعبية والوسطى الغوغائية الصاعدة على عتبات قصور اليمين الفاشي. كان البحر يتهادى على يميني، وهو أجمل ما يمكن أن تراه هناك، والرمل الذي في كل مكان، كان يشوّش الذاكرة ويعيد إليها صور القوافل الراحلة وحداءات التيه والضياع.

عاد صوت «أم ناصر» إليّ، فسمعتها وهي تقول لي: «المهم يا أستاذ، ألا تُظهر ضعفك، وألّا تدع عينيك تدمع أمامهم؛ فنحن سنبقى أقوياء

لم يتغير سجن عسقلان منذ زرته آخر مرّة؛ فالسجون، في إسرائيل، مهما حاول القائمون عليها تحديثها وترميمها، تبقى شواهد فاهية على محاولات وأد الأرواح، ومعاقل جرداء لتفريخ الحقد ولتخصيب الكراهية. أنهيت إجراءات التفتيش وانتظرت سجّانا سيصطحبني إلى غرفة المحامين. لم تكن الغرفة كما قد تتخيلون؛ فهي مكان قد يذكرك برسومات بيكاسو التكعيبية؛ فهي ليست مستطيلة ولا مربعة، ولا شكلها كشكل شبه المنحرف؛ بل كانت، أو هكذا أحسست، مثل مبنى مهجور كالذي كنا نشاهده، أحياناً، في أفلام رعاة البقر الأمريكية. كان الغبار منثورا في جنباتها، وعلى يساري، حيث كنت أجلس على دكّة من باطون أجرد، لاحظت ما يشبه الباب. كان عبارة عن لوح خشبي غير مدهون، يعاني سطحه من عدة كسور، وخلفه لاحظت ما كان من المفروض أن يكون حماماً، إلا أنه تحوّل مع الزمن وبسبب الإهمال، إلى مكرهة صحية، لا ماء فيها ولا هواء. حاولت أن أقتل وقت الانتظار، فاستدعيت ما قالته لي «أم يوسف» ذات يوم عندما اتصلت لأسأل عن حالها، كان صوتها الذي استحضرته في مخيلتي، كصوت الورد الناتئ في شقوق صخر المخيمات، ينبض بقوة هادئة ويشحنني بالثقة وبالحزم. قطعت خرخشة الأصفاد القريبة مني حبل تفكيري، ففتح السجان بابا حديديا ثقيلا وأدخل منه ناصر أبو حميد، الذي جلس، بعد أن فكّت أصفاده، خلف الزجاج الذي لم يحافظوا على لونه الأبيض الشفاف الأصلي. حيّيته من خلال سماعة التلفون فرد التحية بصوت متعب تخللته نوبات من السعال الخفيف. حاولت ألا أبدي قلقي مما رأيت؛ فوجهه كان شاحبا بصفرة مصحوبة بخضرة خفيفة كورق الغار، وعيناه غائرتان، في ذبول واضح، تحت جبين تفضح ثناياه ما حاول ناصر أن يخفيه عني. نقلت له تحية العائلة والأصدقاء وسألته عن حاله. أعلمني أنه نقل إلى مستشفى برزيلاي بتاريخ 29/9، أي قبل حوالي العشرين يومًا من زيارتي له، حيث أجريت له فحوصات طبية شاملة، تبين منها أنه يعاني من وجود ورم في رئتيه. وأخبرني أن الأطباء حرروا له تقريرا مفصلا عن حالته وطلبوا في نهايته أن يعاد إلى مستشفى برزيلاي بعد عدة أيام من أجل إجراء عملية جراحية ضرورية.
كان التقرير الطبي في حوزته، فعرضه، على الزجاج أمامي، وقرأناه معا. كان واضحا أنه بحاجة لإجراء العملية فورا؛ ومماطلة مصلحة السجون كانت سببا في تفاقم وضعه الصحي، لأنهم، هكذا أكد أمامي، لو قاموا بواجبهم مباشرة عندما أحسّ منذ البداية، وعندما بدت عليه علامات المرض، لما تقهقر وضعه ولما وصلت حالته إلى ما هي عليه في هذه الأيام. وقد أخبرني أن إدارة السجن وعدت بنقله في مطلع الأسبوع القريب إلى مستشفى برزيلاي كي يجري العملية هناك؛ ثم أردف: وإذا لم يفوا بوعدهم، فسيتخذ جميع أسرى السجن خطوات تصعيدية غير مسبوقة، إضافة إلى ضرورة تحريك المسار القانوني، على الرغم من انعدام ثقتنا فيه.
وعدته بأنني سأتابع هذا الموضوع مع إدارة السجن، وإنني سأعود إلى زيارته، كان ودودا، باسما وهادئا، فحمّلني سلامًا لأحبته ووزنة من عزيمته الواضحة. وقف محتضناً همّا وأملا كبيرين، وكانت كفه ملقاة على الزجاج تعانق كفي؛ وقال قبل أن يغادر: لا يمكن السكوت بعد عن سياسة الإهمال الطبي بحق الأسرى الفلسطينيين؛ فبعضهم قد رحلوا بصمت وبحسرة والباقون هم مشاريع شهادة.. جاء سجان وأخرجه من الباب الحديدي واختفيا. أما أنا فبقيت انتظر من يخرجني من هذا القفر ومن قلقي.
تأخروا، فوقفت بالباب منتظرا أن يمرّ أحدهم فأذكره بحالي. عاد صوت «أم ناصر» اليّ، فسمعتها وهي تقول لي: «المهم يا أستاذ، ألا تُظهر ضعفك، وألّا تدع عينيك تدمع أمامهم؛ فنحن سنبقى أقوياء إذا تبسمنا في وجوههم حتى وهم يهدمون بيوتنا ويقتلون أبناءنا؛ نحن سننتصر على جبروتهم بصمودنا وبتضحياتنا لأنهم الضعفاء، فأصحاب الحق أقوى من الطغاة، وأولادي وكل ما أملك فداء للكرامة ولفلسطين». وقفت هناك متبسما فمرّت، بعد دقائق، من أمامي سجانة لونها كلون القهوة، فسألتني من أنا ولماذا أقف هناك؟ أجبتها وأنا متبسم. ضحكت بغنج مهاجرة افريقية خجولة ووافقت على توصيلي حتى مدخل السجن، الذي كان يبعد عنا بضعة أمتار فقط.
تركت السجن واصطحبت تطبيق «ويز» مجددا، فأوصلني إلى سجن الرملة.
وقفت أمام بوابة السجن الكبيرة وقدمت للسجان بطاقتي.. دخلت غرفة الانتظار؛ حاولت أن أبتسم فكان وجه ناصر المتعب أمامي والبسمة عاجزة. كنت أعرف ما ينتظرني: ثلاثة من حرّاس القدر يقاومون بجوعهم سطوة السجان، وينتظرونني كي نجد معا دربا للخلاص ومخرجا نحو الحرية والكرامة.
يتبع..
كاتب فلسطيني

 

 

كفرقاسم: من لم يتعلم من

«قرش شدمي» لن تنقذه المليارات

جواد بولس

 

لو كنت مكان الوزير عيساوي فريج، لاعتذرت على الملأ، أمام النائبين أيمن عودة وعايدة توما – سليمان، وأمام زملائهما، النواب في القائمة المشتركة، وأمام عشرات آلاف المصوتين للقائمة وداعميها.
ليس من حق الوزير فريج ممثل حزب ميرتس الصهيوني في حكومة بينيت – لبيد، أن يزايد على نوّاب القائمة المشتركة، لأنّهم أصروا على تقديم اقتراح قانون يطالب دولة إسرائيل بالاعتراف بمجزرة كفر قاسم، وبتحمل المسؤولية عن وقوعها؛ فأسلوبه الغاضب لم يزده احتراما، ولا تعابيره الفظّة والمستفزة التي هاجمهم بها، رفعت من مكانته.
في مثل هذا الأسبوع قبل 65 عاما، وتحديدا في التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1956، قتلت، بدم بارد، كتيبة ما يسمى «حرس الحدود الإسرائيلي» سبعة وأربعين مواطنا عربيا من سكان قرية كفر قاسم؛ وكان من بين ضحايا تلك المجزرة أطفال وشيوخ ونساء، لم يقترفوا أي ذنب سوى أنهم وصلوا عند تخوم قريتهم وقت حظر التجوّل، الذي لم يعرفوا به قبل مغادرة بيوتهم في ساعات الصباح.
أذكر أننا طلاب كلية الحقوق في الجامعة العبرية في القدس، تعلّمنا، قبل أربعين عاما، عمّا حصل في ذلك اليوم في كفر قاسم؛ بيد أن المحاضر لم يسمّها مجزرة، ولم يبدِ أي تحفظ أو انتقاد «لجهاز العدالة» الإسرائيلي، الذي برّأ قضاتُه قائدَ المنطقة، المدعو يشكا شدمي، من تهمة القتل العمد وأدانوه بتهمة «تجاوز الصلاحيات»، وحكموا عليه بالتوبيخ وبغرامة مقدارها قرش واحد؛ أصبح يعرف «بقرش شدمي» الذي اتخذه المواطنون العرب رمزا للتعبير عن سخطهم على جهاز القضاء الإسرائيلي، وعن مشاعرهم بفقدان الثقة بعدل الدولة تجاه مواطنيها العرب. لقد علّمونا في حينه أن الضابط الذي نفّذ أوامر قتل الأبرياء تجاوز صلاحياته، لأن «راية سوداء» كانت ترفرف عليها وكانت، لسوادها، توجب رفضها وعدم الالتزام بها. لم أصطدم في الماضي مع الوزير عيساوي فريج، الذي أكن له احتراما، ولا مع حزب ميرتس الذي ينتمي إليه منذ سنوات طويلة؛ وعلى الرغم من وجود اختلافات وخلافات سياسية واضحة بيننا، دأبتُ على التمييز بينهم وبين حزب العمل، وبينهم وبين سائر الأحزاب الصهيونية، لاسيما اليمينية منها والفاشية. أقول ذلك مقتنعا بأن الحالة الهستيرية التي وقع الوزير فريج تحت تأثيرها وأدت إلى هجومه غير المسبوق على نواب القائمة المشتركة، هي نتيجة للوضع غير الطبيعي الذي أفضى إلى استوزاره طوعا في حكومة يقف على رأسها زعيم متدين ويميني وتدعمها أحزاب يمينية عرف زعماؤها بمواقفهم العنصرية تجاه المواطنين العرب والعدائية الاستيطانية تجاه الفلسطينيين وأراضيهم. ما شاهدناه من على منصة الكنيست يوم الأربعاء الفائت، كان في الواقع انعكاسا لتلك الحالة السياسية الشاذة، التي أتوقع أنها ستتكرر في المستقبل؛ وهي الحالة نفسها التي دفعت، عمليا نواب الحركة الإسلامية، بعد قرارهم بدعم هذه الحكومة، للتصرف بعكس ما كان يتوقع منهم، أو بالتنكر التام لممارسات الحكومة ولخططها التوسعية في القدس، وفي الأراضي الفلسطينية، وتشجيعها لاقتحامات المستوطنين لباحات المسجد الأقصى، وفي استمرار تنفيذ سياساتها العامة في معظم الميادين، وفق المفاهيم السلطوية الصهيونية القديمة، التي يمكن أن نعبر عنها، مجازا، بالاستعانة  «بقرش شدمي «وبرايته السوداء التي خرقتها العواصف والرياح، ولم يبق منها الا غبار الرصاص والأسى.

من المؤسف حقا أن يسقط قانون مجزرة كفر قاسم في زمن حكومة مدعومة من نواب إسلاميين وأحزاب «يسارية»

لقد صرّح الوزير فريج بأن عرض القانون من قبل النائبة عايدة توما للتصويت في قاعة الكنيست قد تم بغرض إحراجه، وهذا الادعاء هو نفسه الذي لجأ إليه نواب الحركة الإسلامية، عندما عارضوا مشاريع قوانين قدّمها نواب القائمة المشتركة وأسقطوها بحجة الإحراج أمام حلفائهم من أحزاب اليمين. فهل علينا إذن أن نقبل، باسم ذلك الحرج، تهافت نواب الحركة الإسلامية ودعمهم المطلق لحكومة إسرائيل؟ أو أن نبرر للوزير فريج وغيره مثل تلك الانزلاقات، واستعمال اللغة واتهامات اليمينيين نفسها بحق القادة العرب، لدرجة أنه حاز تصفيق العنصري ايتمار بن جبير؟
نعيش، نحن المواطنين العرب، في خضم أزمة حقيقية؛ وما نراه يتداعى أمامنا، منذ انتهاء عملية الانتخابات الأخيرة، وإقامة حكومة بينيت – لبيد، بدعم من الحركة الإسلامية وحزب ميرتس، ما هي إلا أعراض لتلك الازمة الخطيرة ولنتائجها.
واذا عدنا لقضية المجزرة في كفر قاسم، فسنجد أنها حظيت عبر السنين بإدانات شعبية ومؤسساتية إسرائيلية واسعة، بخلاف ما يدور من نقاشات داخل المجتمع الإسرائيلي حول مجازر أخرى نفذتها المنظمات الصهيونية، على اختلافها، بحق المواطنين الفلسطينيين، في قرى ومدن عديدة خلال عامي 1947 و1948. ويكفينا أن نتذكر هنا خطوة رئيس الدولة السابق رؤوبين ريفلين، الذي قرر في عام 2014، مشاركة أهالي كفر قاسم في الذكرى الثامنة والخمسين للمجزرة، رغم تحذيرات مستشاريه، ووقف أمام النصب التذكاري وأعلن: «جئت اليكم اليوم، كفرد من أبناء الشعب اليهودي، وكرئيس لدولة إسرائيل، كي أقف أمامكم، عائلات الضحايا والجرحى، لأتألم معكم في هذه الذكرى».  لقد كان ريفلين الرئيس الإسرائيلي الأول الذي بادر بنفسه لزيارة كفر قاسم في ذكرى وجعها، محاولا تضميد بعض من جرحها، الذي ما زال مفتوحا؛ فلماذا تغيب هذه الحقيقة عن نواب الإسلامية وعن وزراء ميرتس؟ ولماذا لم يحاولوا إقناع حكومتهم بدعم القانون وإغلاق واحدة من دوائر الدم الكثيرة في تاريخ السيرة والنسيرة الفلسطينية؟
انني أسأل وأعرف الجواب؛ فنهج نواب الإسلامية الذرائعي، وتحييد دور النائب مازن غنايم الوافد من أحضان القومية التجمعية، ومهادنة حزب «ميرتس» لسياسة بينيت- لبيد، أو مقايضتهم مصلحة بمصلحة، سيتسببوا بتقويض شروط تعاقدنا التاريخية مع الدولة، وإلى تغييب أحد أركان تلك الشروط، وهو دور هويتنا الجامعة وما ترتب ويترتب عليها من حقوق وواجبات، في ترسيم حدود علاقتنا مع النظام السياسي المركزي. من المؤسف حقا أن يسقط قانون مجزرة كفر قاسم في زمن حكومة مدعومة من نواب إسلاميين وأحزاب «يسارية» وذلك ساعة اختارت فيه جريدة «هآرتس» أن تخصص افتتاحية عددها الصادر يوم الأربعاء الماضي تحت عنوان «اعتراف واعتذار وتعلم» وتختتمها بأمنية قالت فيها: «الآن، مع التحالف الحالي في الكنيست، هناك فرصة لتصحيح الظلم التاريخي والاعتراف رسميا بمسؤولية الدولة عن هذه الجريمة، والاعتذار الكامل والصادق لعائلات الضحايا ودمج قصة المجزرة في المناهج الدراسية». ولكن بينيت وأمثاله، من أهل اليمين والعنصريين، يعرفون معنى اعتراف دولة إسرائيل بمجزرة واحدة، ويستشعرون ما قد يترتب على تحمّلهم الرسمي لمسؤوليتها، ولذلك، لأنهم يعرفون، أنهم سوف يستمرون بمحاولاتهم لإجهاض كل مبادرة من شأنها أن تغلق هذه الدائرة، وكيلا تفتح أخرى.
لم يتردد الرئيس ريفلين في عام 2014 ولم يحرج مثل حرجكم اليوم، حين أعلن أمام العالم وقال: «ما حصل في كفر قاسم هو جريمة نكراء يتوجب علينا أن ننظر إليها مباشرة، ولزاما علينا أن نعلّم الأجيال القادمة عن هذا الفصل العصيب وعن خلاصاته».. هكذا قالها بدون تأتأة وبلا مناورات. أما عندنا فمن لم يتعلم من «قرش شدمي» لن تنقذه الخطط الخماسية ولا المليارات.
كاتب فلسطيني

 

فلسطين على موعد مع

الوجع في موسم الجوع الكبير

جواد بولس

 

اكتب مقالتي في وقت يعاني فيه سبعة أسرى فلسطينيين إدارييين مواجع إضراباتهم عن الطعام، الذي بدأه بعضهم قبل أكثر من خمسين يوما؛ بينما قطع فيه الأسيران، كايد الفسفوس ومقداد القواسمة، حاجز الثمانين يوما، وباتا يواجهان، وفق جميع التقارير الطبية، إمكانية الموت الفجائي، أو إصابتهما بأضرار جسدية لا يمكن معالجتها في المستقبل.
لا أعرف كيف سينهي الأسرى إضراباتهم؛ فشرط كل واحد للتوقف عن إضرابه هو أن ينال حريته، أو في أسوأ الخيارات، أن تتعهد قوات الأمن الاسرائيلية بتاريخ محدد للإفراج عنه، على أن يكون قريبا من ميعاد انتهاء مدة أمر الاعتقال القائم.
كنت قد أشرت في الماضي إلى أن الاعتقالات الإدارية بحق الفلسطينيين تعتبر إحدى ممارسات الاحتلال الخبيثة والقاهرة، لا لأنها لا تحترم حقوق الإنسان الأساسية ولا تتيح للأسير فرصة نزيهة للدفاع عن نفسه وحسب، بل لأنها تترك الأسير في حالة من الغموض والقلق المنهك، إذ إنه لا يعرف موعد الإفراج عنه؛ فالقانون العسكري يسمح، عمليا، لقائد جيش الاحتلال تمديد أوامر الاعتقال بحق أي أسير أداري لمدد غير محدودة، على ألا تتجاوز مدة الأمر الواحد فترة الستة شهور. وقد اعتقل عشرات المواطنين الفلسطينيين إدارياً لعدة سنوات، بدون أن تقدم بحقهم لوائح اتهام وبدون مواجهتهم ببيّنات مكشوفة وواضحة؛ وقد صادق قضاة المحاكم العسكرية والمحكمة العليا، بشكل روتيني، على أوامر الاعتقال طيلة سنوات الاحتلال.
قمت بزيارة الأسير مقداد القواسمة الذي يرقد في مستشفى «كابلان» في رحوبوت مؤخرا؛ بعد أن قضت «المحكمة العليا الإسرائيلية» بتعليق أمر اعتقاله الإداري، نظرا لخطورة حالته الصحية، التي بسببها يبطل اعتباره «خطرا» على أمن «المنطقة» وسلامة الناس. نقلت إليه آخر تطورات قضيته، وشرحا عن آفاق تحرّكي القانوني المنتظر؛ علما بأنه، وفق التطور الأخير، لم يعد أسيرا بالمعنى التقليدي للكلمة، ولم يصبح مريضا بالمعنى المألوف للبشر؛ فقرار قضاة المحكمة العليا حوّله إلى «أسيض» (نحت من كلمتي أسير ومريض) وهي حالة استحدثتها قواميس الاحتلال الاسرائيلي، حيث يمكن تطبيقها على الفلسطينيين، إذا ما قرروا أن يواجهوا، بمعدهم الخالية، إرادة السلطان، وأن ينشدوا حريتهم، وهم على حد «الظبات».
كان ضعيف الجسد بشكل مقلق.. سمعني، بعينين سوداويتين مفتوحتين، لكنه لم يقو على الكلام، أدنيت منه وجهي كي أسمع ما يحاول أن يقوله، فوجدت بين الأنفاس إصرارا، وعند كل وقفة أملا ووصية بألا أنحني. قلت له: لكنك تنشد الحياة؛ فنقل كفه ببطء وألقاها على كفي، فشعرت بحرارة وبرعشة وطلبت منه أن ينزل الكمامة عن وجهه، فأنا أومن بالابتسامات، لغة الروح للروح، ففعل، فساحت أمامي بقايا صبح خليلي متعب. حاولت أن أطمئن والديه بما أسعفني الحال؛ لكنّهما يعرفان أن حالته الصحية حرجة، حدثاني عن شعورهما بعدائية الناس وبعض أفراد طاقم المستشفى، خاصة بعد أن ذاع خبر اتصال الشيخ إسماعيل هنية بهما للاطمئنان عن صحة المقداد، وبعد نشر صور ممرضين عربيين وهما يحتضنانه برفق وبمحبة، كنا خارج الغرفة وكنت أتأهب للسفر لزيارة عيادة سجن الرملة، حيث يرقد فيها كل من هشام أبو هواش، وعلاء الأعرج، وشادي أبوعكر، ثلاثة فرسان رفعوا جوعهم سيوفا في وجه الظلم، ومضوا يذيبون أجسادهم مشاعل على طريق قوافل الحرية والفخار. فاتحتني أم مقداد وقالت: «أوجاعه تزداد وأنا يزداد قلقي وتزداد حسرتي عليه. فأنا لا أريد أن يسجل أنه خاض أعلى إضراب عن الطعام ، بل أريد أن أنقذ ابني كي يرجع إلى بيتنا ويأكل من يدي» سمعت كلامها فحزنت وتذكرت أمي، وكم أكره منصات الرياء واجترار الشعارات عند الخطباء والمتاجرة بجوع وبمعاناة العظماء. قد تشتبك تداعيات عملية السادس من سبتمبر المنصرم وهروب الستة أسرى من سجن «الجلبوع» مع قضية الإضرابات الشخصية التي يخوضها في هذه الأيام، كما ذكرت، سبعة من الأسرى التي تنتمي أكثريتهم لحركة الجهاد الإسلامي، ويشارك معهم عناصر من حركة فتح وحركة حماس. فقد قرأنا يوم الأربعاء الفائت بيانا صادرا عن أسرى حركة الجهاد في سجون الاحتلال، أعلنوا فيه عن شروع مجاهدي الحركة بالإضراب المفتوح عن الطعام في كل السجون من الشمال إلى الجنوب. سيكون عنوان الإضراب، كما أعلنوه: «معركة الدفاع عن إرث الحركة الأسيرة وبنيتها التنظيمية» وهو عنوان لافت لخطوة جريئة تستدعي المتابعة والتحقق من مآلاتها ومدى نجاح المبادرين في تطبيق ما أعلنوه من خطوات تصعيدية، وردت في البيان.

تقول أم مقداد: «أوجاعه تزداد، لا أريد أن يسجل أنه خاض أعلى إضراب عن الطعام ، بل أريد أن أنقذ ابني كي يرجع إلى بيتنا ويأكل من يدي»

لن أتطرق، في مقالتي اليوم، إلى مضمون البيان وتبعاته الممكنة المستقبلية؛ فعلينا الانتظار لما ستفضي اليه الأيام المقبلة، وبعدها سأعود لأتناول أبعاد هذه الخطوة وتأثيراتها الممكنة في الحالة السياسية الفلسطينية العامة، وعلى واقع الحركة الأسيرة، التي تعاني من خلل جسيم لم يعد السكوت عنه، كما يبدو، ممكنا. وإلى أن نعود إلى أصداء البيان، سألفت النظر إلى ما جاء في البند الخامس منه، حيث نودي فيه إلى ضرورة «إنهاء الاعتقال الإداري للأخوة المضربين إداريا». إنه مطلب طبيعي لم يكن بمقدور أحد القفز عليه، بيد أنني اعتقد أن المبادرين لهذه الخطوة كانوا قد تنبهوا، وقد أخذوا بالحسبان أن تضمينهم لمطلب كهذا، في هذه المرحلة الحرجة التي يمر بها المضربون السبعة، ليس بالضرورة سيكون في صالح المضربين، بل قد يعقد قضيتهم ويؤخر حلها، خاصة إذا أصرت «لجنة الإضراب» على تحقيق جميع مطالبها الستة الواردة في البيان كشرط للعودة عن خطوتهم. وصلت ساحة سجن الرملة في تمام الساعة الواحدة. دخلت، فاستقبلني سجان، مهاجر روسي يجيد لغة الروبوتات الآدمية، فطلب مني أن أتوجه إلى شبّاك الاستقبال لأسلم بطاقتي وهاتفي ومفاتيح سيارتي. خلف الشباك جلس سجان عربي كان يعرفني، من زياراتي السابقة، فحيّاني بترحاب لم يستحسنه المهاجر، كما فهمت من حركات عظام رقبته. وضعت كل ما عليّ في حاوية صغيرة وأدخلتها ماكينة الفحص وتوجهت نحو بوابة، تشبه مسخا لقوس نصر بلاستيكي، مزنرة بمصابيح حمراء كانت كلّها مطفية، فما أن «دعست على طرفها» حتى بدأت تصفر بأصوات مجنونة. تراجعت إلى الوراء، فقفز السجان المسؤول عن ترويض الآلة وسألني بغضب: هل تلبس حزاما؟ لم ينتظر الإجابة، فأمرني بإزالته وأن أخلع حذائي وإدخالهم في بطن ماكينة الفحص.
انتهت عملية التفتيش بسلام؛ فمضيت بصحبة المهاجر نحو العيادة. كان ودودا بهدوئه وكمامته السوداء التي تغطي أكبر مساحة من وجهه الأبيض. كان صدره منفوخا كصدر رياضي محترف وشعره قصيرا كملاكم. فجأة، سمعته يقول لي بصوت خافت: «قد لا نستطيع دخول العيادة الآن، فلقد علمت أن أحد المساجين قد توفي أو سقط هناك قبل لحظات وهم يحاولون إنعاشه» قالها ببرودة لطيفة واستمر بمشيه. كتمت أنفاسي مستعدا للصراخ، فنظر إليّ فشعرت بأنه لا يكذب عليّ.
وقفت أمام باب العيادة سيارة إسعاف صفراء وحولها عدد من ضباط مصلحة السجون.. توقفنا أمامهم فتعرّف عليّ أحدهم، وهو ضابط صرح أمام زملائه، بنوع من الغبطة، أنه يعرفني منذ ثلاثين عاما. رحّب هذا الضابط بحضوري، لكنه اعتذر مباشرة لأنني لا استطيع الدخول.. فهناك ملقاة جثة أسير كان قد توفي قبل دقائق معدودة؛ ثم أردف، بنبرة مطمئنة: إنه جنائي، وليس من أصحابك!
أرجعوني إلى قاعة الدخول، فانتظرت فيها ساعة. جاء بعدها، كما وعدوني، مرافقي، فأدخلني إلى غرفة المحامين. لاحظت أن سيارة الإسعاف الصفراء ما زالت واقفة على مقربة من مدخل العيادة. سألت مرافقي عنها، فأدار ذراعيه بحركة فهمتها: الأجدر بك ألا تسأل. طلبت إحضار الأسير علاء الأعرج، فأفادني الضابط المسؤول أنهم نقلوه في اليوم نفسه إلى أحد المستشفيات المدنية لإجراء فحوصات طبية. فطلبت الأسيرين هشام أبو هواش وشادي أبوعكر. جاءاني يجرّهما سجّان على كرسيين متحركين، فهما، بعد خمسين يوما من الإضراب عن الطعام، لا يستطيعان المشي كل تلك المسافة. زرت كل واحد منهما على حدة من خلف زجاج بارد وسميك. كان صوتهما عبر الهاتف منخفضا وبطيئا. لقد اشتكيا من أوجاع في الرأس والمفاصل ومن ضعف في الذاكرة، وفي القدرة على التركيز. كانا يتقيآن باستمرار لأنهما لا يشربان إلا قليلًا من الماء. طمأنتهما على العائلة، وأوجزت لهما آخر التطورات مع النيابة العسكرية، ووعدتهما بأن أتابع مع جميع الجهات عساني أنجح بالتوصل إلى حل يرضيان عنه؛ فهما مثل باقي زملائهما يصران على نيل حريتهما والعودة إلى عائلاتهم بكرامة. لم آت معهما على ذكر فكرة الإضراب الكبير، فهذه قصة تحتمل التأجيل.
تركت العيادة وسيارة الإسعاف ما زالت واقفة في مكانها؛ وتذكرت أنهم كانوا ينتظرون حضور وحدة التشخيص الجنائي لتنهي فحوصاتها الميدانية قبل نقل الجثمان. ثم فهمت، وأنا في الطريق إلى خارج السجن، من أحد السجانين، أنهم ما زالوا ينتظرون وصول تلك الوحدة. أدرت ذراعيّ، مقلّدا حركة مرافقي المهاجر، ولم تصبني القشعريرة.
كاتب فلسطيني

 

 

محكمة تجميد العدل العليا

جواد بولس

 

يوم الأربعاء الفائت، وصلت ساحة المحكمة العليا، على غير عادتي، مبكرا بعض الشيء. كانت أخريات الصباح ترحل مثقلة بتناهيد الشرق، وشمس أيلول تتهيأ لتتوسط سماء القدس. كنت مترددا كيف عليّ أن أواجه القضاة، وبينهم سيجلس قاضٍ مستوطن لا يخفي نوازعه السياسية، بل يعبّر عنها، متخفيا بمهنية زائفة، في عدة قرارات شارك في صياغتها، مخالفا رأي الأكثرية فيها تارة، أو مضيفا على رأيهم، من جعبته سهاما واخزة، تارة أخرى.
سرت في الساحة التي كانت، على غير العادة، خالية من الناس. كانت جدران البناية الرخامية ترتفع شاحبة وكأنها أسوار سجن عتيق. لوهلة حسبت المكان مهجورا، لولا حركة حارسين، من وحدة أمن المحاكم، جفلا حين دفعت زجاج باب المدخل الثقيل. ببرود واضح عرضت بطاقتي وتلوت على الحارس تفاصيل القضيتين المسجلتين باسمي، ثم قمت بشكل عفوي بعرض شارتي الخضراء التي تفيد بسلامتي من كورونا، من على شاشة هاتفي؛ فسرّ الشاب من جاهزيّتي ومن كوني مواطنا ملتزما. ثم سألني، متمما واجباته الأمنية، إن كنت أحمل سلاحا ؟ فمددت سبابتي باتجاه فمي فتابعها، بدهشة، ثم تبسم.
جلست على أحد المقاعد الخشبية وأمامي ينحني بهو المحكمة بقوس صخرية ضخمة، مستوحاة من شكل حائط الهيكل الكبير، كانت مضاءة من أشعة الشمس التي تسرّبت من نوافذ عالية، وتدلت كأثداء من السماء، ثم ارتمت على رخام الأرض، فصار أبيض كلون الدهشة. حدّقت في الفراغ الفاهي وتذكّرت أن البناية أقيمت على هضبة لتكون أعلى من بنايتيّ الحكومة والكنيست المجاورتين، برمزية معمارية لسيادة القانون والعدل، كما عبّر عنها الذين بادروا لإنشاء المبنى؛ فالدهاليز فيها مستقيمة كما يتوجب على الحق والقانون أن يكونا، أو كما جاء في سفر المزامير «بارّ أنت يا رب وأحكامك المستقيمة» وكذلك الدوائر استوحيت كرموز توراتية لعلاقتها بمفهوم العدالة وحتميتها في الموروث الديني اليهودي. كنت أقرأ عن حملة التحريض المستفزة ضد ترشيح قاضي المحكمة المركزية في تل أبيب، ابن مدينة يافا خالد كبوب، أمام لجنة تعيين القضاة ليصبح قاضيا في المحكمة العليا. لقد بدأ التحريض ضد ترشيح القاضي كبوب من قبل جمعية يمينية، قامت بإعادة نشر خبر قديم حول مشاركته، قبل عام تقريبا، في حفل أقيم في مدينة يافا وفيه كرّمت جمعيتان فلسطينيتان من القدس، اسم والد القاضي الذي كان يشغل منصبا رسميا، رئيس لجنة الأوقاف في المدينة حتى وفاته عام 2006. لن أسهب في تفاصيل هذه المسألة، رغم أهميتها، فهي جديرة، لما تثيره من أسئلة وتداعيات على عدة مستويات، بمقالة خاصة. قرأت آراء المحرضين وقرأت أيضا مواقف المدافعين؛ فانتابني غضب شديد، لأن العالم يلهث وراء الخبر الرخيص والتحريض، ويترك ما يجب أن يقضّ مضاجعهم بحق؛ فإذا كانت هنالك حاجة لمحاسبة أي جهة على خطابها، فهي بدون شك هذه «المحكمة العليا» التي يجب أن تحاسَب على قبولها بضم قضاة يستوطنون أراضي فلسطينية محتلة، ويخرقون القوانين، ويشاركون بارتكاب ما يجمع قانون الأمم على تعريفه كجريمة حرب واضحة.

قرار «التجميد» يشكل «اختراعا» خبيثا يفضي عمليا إلى ترحيل المسؤولية عن حياة الأسير بحجة أنه مجرد مريض يعالج في المستشفى

قررت أن أكون صداميا مع القضاة؛ رغم شعوري بالإحباط والتعب؛ فهم، هكذا تذكّرتهم، لم يكونوا سعاة حق ولا دعاة إنصاف؛ وأنا لم أذق منهم ولا مرّة، خلال أربعين عاما، هي عمر وجعي أمامهم، طعم العدل، بل كانت الخسارة دوما من نصيبي، وكان القهر والحسرة حصة مَن جئت لأدافع عنهم. دخلت القاعة قبل موعدي.. كانت مندوبة نيابة الدولة تدافع عن قرار شرطة إسرائيل بإغلاق ملف شكوى قدمها مجلس قروي فلسطيني في محافظة نابلس، ضد جمعية دينية يهودية دعت من خلال إعلانات منشورة، إلى حملة تجنيد أموال من أجل البدء في بناء مستوطنة على أراض فلسطينية خاصة. لم يستوعب القضاة، هكذا فهمت من خلاصات ما سمعته بعجالة، موقف الشرطة الذي لم يكن مدعوما بأي مبرر أو مسوّغ قانوني، بعكس موقف جمعية «يش دين» (يوجد قانون) وهي الجهة الملتمسة باسم مجلس القرية الفلسطينية، التي دعّمت موقفها بجدارة قانونية، وبما تملكه من مصداقية مهنية أثبتتها تقاريرها في كشف موبقات الاحتلال ووكلائه من جمعيات استيطانية أو محاكم عسكرية وغيرها. كانت القاعة خالية إلا من مندوبتين عن جمعية «يش دين» وبعض أعضاء الجمعية الاستيطانية ومندوبة عن الشرطة. كان القضاة الثلاثة غاطسين في مقاعدهم وتلف وجوههم كمامات زرقاء، مثل كمامات سائر الحاضرين؛ فبدوا، من بعيد، كثلاثة كائنات خرافية في قصة من عالم الخيال. ملأ النعاس القاعة، وكادت رتابة صوت مندوبة الدولة، أن تنيم الحاضرين، لولا احتجاجات القاضيين على كلامها، التي كانت تسمع، من حين لآخر، كهمهمات رجال إطفاء متعبين. لم يتدخل القاضي المستوطن بمجريات القضية، بل حافظ على نعاسه ملقيا خده الأيسر على كف يده، برسالة منه لجميع الحاضرين تفيد بأنه خارج «لعبة» زميليه القاضيين. تلوا قرارهم بسرعة « الحانقين» وأعلنوا عن استراحة لمدة نصف ساعة.
كلّفتُ بالدفاع عن الأسيرين مقداد القواسمة، من مدينة الخليل، وعلاء الأعرج، من مدينة عنبتا، المعتقلين إداريا في سجون الاحتلال، على أنهما ناشطان في صفوف «حركة حماس» ويشكلان خطراً على أمن وسلامة الجمهور. كلاهما مضرب عن الطعام احتجاجا على اعتقاله تعسفيا ومن دون تهم عينية، ويطالبان بنيل حريتهما بشكل فوري. بعد انتهاء الإجراءات بحقهما في المحكمة العسكرية، تقدمت بالتماسين للمحكمة العليا، وطلبت فيهما الإفراج عنهما. قدّمت النيابة العامة الإسرائيلية ردها على الالتماسين مطالبة بردهما وإبقاء الأسيرين رهن الاعتقال، على الرغم من تسلّمها لتقريرين طبيين يصفان خطورة وضعيهما، بما في ذلك تأكيد على أنهما يواجهان احتمال الوفاة، أو إصابتهما بضرر جسدي غير قابل للعلاج.
عاد القضاة إلى القاعة، فسألني رئيس الجلسة إذا استلمت التقرير الطبي الخاص بالأسير علاء الأعرج؛ فبناء على ما جاء فيه، فإنهم يتجهون نحو تعليق/تجميد أمر الاعتقال الإداري بحقه. ثم تحول القاضي إلى النائب العام وسأله حول موقفه في هذه المسألة، رغم أنها مسألة محسومة بناء على السوابق التي حصلت في الماضي بحالات مشابهة. دهش القاضي عندما سمع رفض مندوب النائب العام لموقف المحكمة، فطلب منه القاضي أن يستفهم من مسؤوليه في وزارة القضاء عن موقفهم النهائي. أظهر القاضيان غضبهما من موقف النيابة المتحدي للمحكمة، فاضطروا لإصدار أمر احترازي طالبوا فيه النيابة تقديم مسوّغاتها لرفض مقترحهم، على أن تتم مناقشة القضية في اليوم التالي. لم يكن في القاعة سوانا نحن، المحامين ومندوبي المخابرات العامة، فالأسيران لم يحضرا بسبب سوء حالتيهما الصحية، والعائلات الفلسطينية ممنوعة، على الغالب، من دخول إسرائيل. انتقل القضاة لسماع ملف الأسير مقداد القواسمة، الذي يرقد في حالة خطر قصوى في مستشفى «كابلان» الإسرائيلي. توجه القاضي لمندوب النيابة سائلا عن موقفهم إزاء إمكانية تعليق أمر الاعتقال بحق الأسير مقداد، فلم يعطه النائب ردا إيجابيا في البداية، إلا أنه تراجع في اللحظات الأخيرة ووافق على مقترح المحكمة فصدر قرارها بتعليق أمر الاعتقال.
خرج القضاة مسرعين كالصدى. وقفت، أمام الحجارة الصماء، محاولا أن ألملم بقايا روح وأمضي. شعرت بوحدة قاهرة وتمنيت، لحظتها، أن احتضن أحفادي وبينهم أبكي. تنبّهت إلى هرمي. أردت أن أصرخ، لكنني خفت أن يخونني دمعي. أبكيت؟ لا أذكر فأنا لم أهزم إلا مجازا. أضحكت؟ لا أذكر، فأنا لم أنتصر إلا مجازا. هكذا حاربتهم كل دهري: في صدري لغم والسراب حلمي.
كانت أم مقداد تنتظر اتصالي فسارعت وأخبرتها أن مقداد انتصر، فأمثاله يصنعون أقدارهم وغصاتنا. ثم قلت لصحافي كان برفقتي أن يكتب: إن تعليق/تجميد الاعتقال الإداري لا يعني إلغاءه، لكنه بالحقيقة إخلاء مسؤولية إدارة سجون الاحتلال والمخابرات عن مصير وحياة الأسير القواسمة وتحويله إلى «أسير» غير رسمي في المستشفى، حيث سيبقى تحت حراسة «أمن» المستشفى بدلا من حراسة السجّانين، وسيبقى فعليا أسيرا لا تستطيع عائلته نقله إلى أي مكان، علما بأن أفراد عائلته والأقارب يستطيعون زيارته كأي مريض، وفقا لقوانين المستشفى. إن قرار «التجميد» يشكل «اختراعا» خطيرا لجأت إليه نيابة الاحتلال، ودعمته المحكمة العليا كحل قضائي خبيث يفضي عمليا إلى ترحيل المسؤولية عن حياة الأسير بحجة أنه من اليوم فصاعدا مجرد مريض يعالج في المستشفى.
فليكن قلت في سرّي.. لكنه حيّ ويقاوم.
يتبع..
كاتب فلسطيني

 

 

بين غزة وكفرقاسم…

مواطنة ودموع وهوية

 

جواد بولس

 

أثارت تصريحات القيادي عضو الكنيست عن «الحركة الإسلامية الجنوبية» وليد طه، بخصوص موقف حركته إزاء حكومة إسرائيل، في حالة اتخاذها قرارا يقضي باجتياح قطاع غزة، غضبَ عدة جهات عربية وإسلامية، محلية وخارجية؛ وقد يكون أبرز وأحدّ تلك الردود، ما جاء على لسان الناطق باسم حركة «حماس» الذي وصف، من غزة، تلك التصريحات بأنها تمثّل «سقوطا وطنيا وقيميا، وانسلاخا عن الهوية الفلسطينية، ولا تخدم إلا أهداف الاحتلال الإسرائيلي، الذي يعمل على تمزيق وحدة شعبنا ومكوٌناته الوطنية والنيل من صموده». لست بصدد الغوص بما قصده النائب وليد طه في هذه المسألة، ولا مقارعته حول مواقفه إزاء معضلات وحالات، نظرية ومفترضة، أخرى، فأنا لا أومن بأهمية محاولات إحراجه وزملائه، بأسئلة حول إمكانيات تراجعهم المستقبلي عن دعم حكومة «بينيت – لابيد»، وفي أي شروط وأي حالات؟
إنّ اللجوء إلى التضييق عليهم بمثل هذه المسائل الافتراضية قد يحرجهم، قليلا ولمدة قصيرة، لكنه يزودهم، في الواقع، بمسارب للتهرب وبهوامش للتأويل وبفرص للمضي قدما على طريقهم؛ لذلك يبقى الأهم، في حالتنا السياسية التعيسة، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، هو مواجهة برنامجهم السياسي المعلن، وخيارهم في دعم هذه الحكومة، والتصدي لنهجهم كما يمارسونه على أرض الواقع. ويكفي أن نرصد يوميا نشاطات قادة الحركة ومؤسساتها التنظيمية في مدننا وقرانا، وأن نتابعهم وهم يتصرفون كجزء عضوي من السلطة الحاكمة في إسرائيل، وكممثلين لحكومتها، والقيّمين على تسويقها داخل المجتمع العربي وهيئاته القيادية، وفي طليعتها المجالس البلدية والمحلية، التي قام رؤساؤها، في بلدات الجنوب البعيد حتى أعالي الجليل، باستقبال نواب الحركة ووفودها، وتباحثوا معهم، كما جاء على صفحة الدكتور منصور عباس، حول سبل تقديم المساعدات المالية لهذه البلدات وطرق التواصل المستقبلي بينهم.
لقد جوبهت بعض تصريحات ممثلي الحركة الإسلامية في الكنيست بالمعارضة وبالانتقادات الشديدة، ووصفت من قبل قادة الأحزاب والحركات والمؤسسات العربية والناشطين داخل مجتمعنا العربي بتعابير قاسية أحيانا؛ ورغم تلك الحملات لم تتراجع الحركة عن طريقها، بل على العكس تماما، كان مجلس شورتها يعلن، في كل مرّة ترتفع فيها أصوات المنتقدين وتشتد لغتهم، عن دعمه السياسي الكامل لقائدها، الدكتور منصور عباس، وعن موافقتهم على ما يقوم به ممثلوها في الكنيست.

قادة الماضي، سواء في منظمة التحرير الفلسطينية أو في الداخل، فرضوا حالة من الوضوح السياسي وناضلوا في سبيل الوطن، ومواطنة كاملة كريمة ومتساوية

لم تفاجئنا الحركة الإسلامية بممارساتها الحالية؛ فهي تتصرف وفق الصورة التي توقّعها المحللون والمراقبون بعيد انتهاء المعركة الانتخابية الأخيرة وشروع الدكتور منصور بتفكيك معاني الشعارات التي رفعتها الحركة كرايات عقائدية، وبدئه بتطبيقها على طريقته الذرائعية، وباسم وسطية سوّغت له الانضمام إلى الحكومة، رغم ما جاء في برنامجها السياسي الذي وضع بهدي «قانون القومية»، ومخططاتها للإبقاء على الاحتلال والاستيطان ومحاصرة غزة.
ما أحاول قوله، في هذه العجالة، إنني وغيري، كنا قد توقعنا، في المشهد الإسرائيلي المستجد، وفي حالة التيه السياسي والهوياتي الذي تعيشه مجتمعاتنا، كيف ستتصرف الحركة الإسلامية، وأشرنا إلى مبرراتها العقائدية الجاهزة، وإلى دوافعها السياسية والاجتماعية المعلنة؛ وأشرنا في الوقت نفسه، إلى ضرورة إعداد خطط سياسية لمواجهة هذه الحالة غير البسيطة والمتنامية بين فئات شعبية واسعة. لم يكن هذا التوقع صعبا ولا مستحيلا، لاسيما بعد أن كان واضحا أن الحركة الإسلامية ستحصل، بالتوافق مع مخططات مستشاري الحكومة المتخصصين بأوضاع «الوسط العربي»، على كمشة من المحفزات المادية، التي من شأنها أن تثير شهية شرائح سكّانية محتاجة، وتدفع ببعض القطاعات المدنية التكنوقراطية نحو التعاون مع الحكومة، ومع ممثليها، على أمل موهوم بتحسين ظروف الناس الحياتية، خاصة بعد انتشار مقولة «لقد انهكتنا السياسة العقيمة ومواقف من تاجروا فيها»، أو غيرها من المقولات والشائعات المغرضة بحق شرعية المطالبة بحقوق المواطنين، ودور مؤسساتهم القيادية التاريخية التقليدية ومن يقف على رؤوسها. حاول النواب عن القائمة المشتركة التصدي لسياسة الحكومة تجاه الفلسطينيين وسياستها تجاهنا، نحن المواطنين العرب، وأكّدوا أن إسناد نواب الحركة الإسلامية للحكومة، بدون أي مقايضة جدّية أو اشتراطات سياسية تذكر، سيفضي حتما إلى ترسيخ تبعات «قانون القومية» وإلى إحكام سياسة الأبرتهايد ضدنا، حيث سنمضي معها، كما مضى «طرفة بن العبد»، وهو يحمل «صحيفة المتلمس».
كم قلنا إن ما يقوم به نواب المشتركة، أو على الأصح ما لا يقومون به، لا ولن يكفي في مواجهة الحالة التي أفرزت تنظيما محكما كالحركة الإسلامية، وزوّدته بشعبية وازنة، وبقوة تأثير لافتة؛ فمن غير استحداث بنى حزبية منظمة ومهيئة لاجتراح سياسات جديدة وصحيحة وواضحة وقادرة على اختراق حالة العزوف الشعبي المهيمنة، ستبقى المقولات التضليلية سيدة الفضاءات «المحافظة» وملاجئ سهلة للنفوس العاجزة. ومن المفيد أن نتذكر أن الحركة الإسلامية استغلت الالتباس الذي خلّفه الغموض في مكنونات وحدود فكرة الدمج بين استحقاقات الوطن، وضرورات المواطنة؛ فحين وقعت هذه الفكرة فريسة بين من نادى بها بخجل وبتأتأة من جهة، ومن هاجموها بصرامة من جهة ثانية، لم يدافع عنها، بجرأة سياسية وبحسم موضوعي، المؤمنون بصحتها، بل عاملوها بتردد وبضبابية، خلقت كثيرا من البلبلة والتخبط، وسمحت للكثيرين، ومنهم للحركة الاسلامية، تطويع مسألة المواطنة وتطبيقها بشكل منقوص ومشوّه، إلى حد الارتماء أمام عتبات السلطان وتوسل الصدقات من بابه! لم تكن مسألة المواطنة هي الوحيدة التي أهملت القائمة المشتركة مواجهتها وتشخيصها بحكمة وبجرأة وبمسؤولية؛ ويكفي أن نعود إلى رزمة التساؤلات التي انكشفت في أعقاب هروب الأسرى الفلسطينيين من سجن «جلبوع» وما أثارته من نقاشات حول طبيعة علاقتنا كمواطنين مع إسرائيل ومع ابناء «الحركة الأسيرة الفلسطينية»، وكيف يجب أن نقيم التوازن السليم والمقبول بين شقي المعادلة التي نحيا في ظلها، كفلسطينيين في وطننا ومواطنين في دولتنا. لم تكن هذه الإشكالات في الماضي القريب جائزة وشائعة، كما هي عليه اليوم؛ فقادة الماضي، سواء في منظمة التحرير الفلسطينية أو في الداخل، فرضوا حالة من الوضوح السياسي والتوافق حول كيفية ضمان التكامل النضالي بين جميع فئات الشعب وحسب أماكن تواجده، فأمنوا، بسبب ذلك، الوقوع في الحفر السياسية وناضلوا، كل من موقعه، في سبيل الوطن، ومن أجل مواطنة كاملة كريمة ومتساوية. ولكن عندما ترهّلت الأطر القيادية وضعف قادتها، اختلفت الموازين وسادت فوضى الشعارات وتخلخل معنى الالتزام، حتى وصلنا إلى حالة نقرأ فيها بيانا لحركة «حماس» وهي تحيي فيه «جماهير شعبنا الفلسطيني في مدن الداخل المحتل، الذين انتصروا للقدس والأسرى، ولا يزالون متمسكين بأرضهم وهويتهم الوطنية ويرفضون سياسة الاحتلال العنصرية وهمجيته بحق شعبنا ومقدساته» ثم ينهونه بدعوة مباشرة وصريحة «إلى جماهير شعبنا في الداخل وقواه الحية وأحزابه المختلفة إلى إدانة هذا الموقف اللاوطني، الذي لا يمثل إلا وليد طه». فهل فقدنا، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، «يواطرنا»، وصرنا جماهير مناصرة أو جنودا لدى «حركة حماس» أو لدى غيرها من الفصائل الفلسطينية الأخرى؟
وأخيرا، لا أعرف مدى تأثير تصريحات النائب وليد طه عندما سئل عن موقفه في حالة اجتياح إسرائيل لغزة، ولا تأثير تصريحات النائب منصور عباس بخصوص الأسرى الفلسطينيين، أو غيرها من التصريحات الخلافية، على شعبية الحركة الاسلامية بين المواطنين العرب في إسرائيل؛ فهذه النتيجة ستبينها نتائج المعركة الانتخابية المقبلة والفاصلة ليس بحق نهج النائب منصور واخوانه وحسب، إنما بحق القائمة المشتركة وجميع مركباتها؛ فهنالك من يجزم باستحالة عبور جميع مركبات القائمة المشتركة لعتبة الحسم، إذا خاضوا المعركة وهم منفصلون وهنالك من يعتقد انهم لن يعبروها حتى إذا خاضوها مجتمعين، إذا بقي أداؤهم على ما هو عليه في هذه الأيام. وإلى أن نتبين ذلك علنا نصحح ما جاء في بيان حركة حماس، فالنائب وليد طه لا يمثل فقط نفسه، كما جاء في البيان، بل يمثل حركة إسلامية وليدة فكر إسلامي قديم ومعروف، وتحظى بشعبية لافتة وبأربعة مقاعد في البرلمان الصهيوني وشراكة مع حكومة اسرائيل وتأثير لا يستهان به.
أما بخصوص مواقفنا الوطنية واللاوطنية، فهذه قضية لم نتفق عليها في مطارحنا، كما ترون، ولن نتفق عليها، كما يبدو؛ ألم تعرفوا أن بين كفرقاسم وغزة، دمعة حرّى وهوية زرقاء ونداءات وطن؟ فارجوكم أتركونا كي نقتلع أشواكنا بأيادينا؛ ولغزة منا الحرية والحياة والسلام.
*كاتب فلسطيني

 

 

 

بين إياد شفاعمرو

وعزيز عمان ميدالية واعتذار

جواد بولس


لقد حظيت أخبار فوز الشاب إياد شلبي ابن مدينة شفاعمرو بميداليتين ذهبيتين في أولمبياد طوكيو لذوي القدرات المحدودة، بأصداء إيجابية لافتة في الإعلام العبري والإعلام العربي على حد سواء. ويعدّ هذا المديح المضاعف في حياتنا، مؤشرا لغرابة الحدث أو لكونه «شاذا»؛ ويعكس، في واقعنا المركب، إشكالية تتخطى تبعاتها شؤون الشخص نفسه، أو حتى عائلته أو مدينته.
نحن أمام دليل آخر على تعقيدات علاقاتنا مع الدولة؛ فإياد شلبي المواطن المسلم العربي، فاز باسم دولته إسرائيل بميداليتين ذهبيتين واستلمهما، على إيقاع نشيد هتكفا الصهيوني، كبطل إسرائيلي «كاشير». مع ذلك قامت عدة قيادات وشخصيات عربية بتهنئته على إنجازه الكبير، فكتب ابن مدينته محمد بركة رئيس لجنة المتابعة العليا: «الآن شفا عمرو تحتفل بعودة ابنها وابن جماهير شعبنا كله، البطل العالمي إياد شلبي. إياد حقق ميداليتين ذهبيتين في أولمبياد طوكيو لذوي القدرات الخاصة. فخورون بإياد وفخورون بأهله الإعزاء الكرام».
وقامت عدة مرجعيات رسمية إسرائيلية بتهنئته بحرارة، برز من بينها رئيس الدولة يتسحاك هرتسوغ، ووزير الثقافة والرياضة حيلي طروبر، الذي أعلن بدوره: «أنه انتصار كبير. كل التهاني لسبّاحنا الإسرائيلي.. إياد هو شخص مثير للإعجاب. نحن فخورون بك إياد شلبي». سيبقى، رغم هذا الاشتباك، إيادنا بطلا عالميا ويستحق تقديرنا وإعجابنا.

عزيز مرقه «يا باي»

لا أعرف لماذا نشر، قبل يومين، الفنان الأردني عزيز مرقة، صاحب الأغنية الشهيرة «يا باي» على حساب الفيسبوك الخاص به اعتذارا يبدو، من حيث موضوعه وتوقيته الحالي، غريبا ومستهجنا ومثيرا للشفقة؛ حيث جاء فيه: «أود أن اعتذر عن أسفي الشديد واعتذاري الأكيد عن الأخطاء التي ارتكبتها دون تثبت منّي للظروف التي أحاطت بالفعالية التي أقمتها بتاريخ 2019/12/16 لأهلنا في كفرياسيف المحتلة من الداخل الفلسطيني، بناء على دعوة من بلديتها، وأوكد أنني ضد التطبيع بكل أشكاله، قولا وفعلا، وأنني التزم من الأن فصاعدا بالمعايير التي أجمعت عليها الهيئات المناهضة للتطبيع مع العدو الإسرائيلي، وأنني أؤكد أنه لم يكن لديّ في أي وقت من الأوقات علاقة بالكيان الصهيوني.. إنني اتحمل مسؤولية جميع الأخطاء المتعلقة بي من هذه القضية، ومرة أخرى أعتذر من كل قلبي لأهلي وشعبي الفلسطيني وأمتي العربية عن تلك التجربة المريرة التي آلمتنا جميعا»! لقد أعادنا هذا المنشور إلى ملابسات حدث جرت تداعياته على خلفية إحياء الفنان عزيز مرقة حفلا غنائيا ناجحا، نهاية عام 2019، في قرية كفرياسيف الجليلية، حل فيه ضيفا على أهل الجليل وشاركهم الفرحة، ملبيا دعوة مجلس القرية المحلي، كضيف خاص على هامش احتفالات «الكريسماس ماركت» التي استمرت فعالياتها الثقافية والفنية لمدة أربع ليال متتالية. لن أنهك القراء بتفاصيل تلك الحادثة؛ ففي حينه تعرّض الفنان الأردني/الفلسطيني، بسبب تقديمه للعرض الفني في كفرياسيف، إلى هجوم كاسح من قبل ناشطين يعملون فيما يسمى «اللجنة الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل من الداخل (BDS 48)؛ ورغم الظلم الذي سببه ذلك الهجوم عليه، واتهامهم الجائر له بالتطبيع مع العدو الصهيوني، أعلن هو في حينه عن اعتذاره الصريح، لاعتبارات يستطيع كل مواطن عربي واع وصادق مع نفسه، أن يتخيّلها، ثم طلب ممن هاجموه العفو وصك غفرانهم.

علّمنا أجدادنا الذين رفعوا في وجه الليل المناجل وخاطوا من الكرامة للوطن كوفية، أن نرفض الذل والتذلل

ما زال، على ما يبدو، عزيز مرقة ملاحقا بسبب تلك الزيارة من قبل بعضهم في بلده، أو ربما في محافل أخرى، وما زال يدفع ثمن غنائه على أرض الجليل؛ فلولا معاناته المستمرة حتى هذه الأيام، هكذا افترض، لما اضطر، بعد مرور قرابة العامين، أن يكرر نشر اعتذاره الآنف، وبلغة محزنة تذكرنا بأجواء محاكم التفتيش البغيضة، وبما ساد في مجالس أمراء الاستبداد. ومن المؤسف، في الوقت نفسه، ألا نسمع أصواتا تدافع عنه وعن أمثاله، ليس من أجل إنصافهم، كفنانين أحرار وحسب، بل من أجل تصويب حالة عربية مشوهة يشوبها كثير من الالتباس والخلل؛ وأقصد تلك الحملات والملاحقات التي تشنها ما تسمى «اللجان الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل من الداخل، وما تثيره مواقفهم أحيانا من نقاشات زائدة، وتتيحه نصوص لوائحهم التوجيهية من مغالطات وفرص للمزايدات والبلبلة، التي خلقت في بعض الحالات وتخلق الفوضى في صفوف المناصرين لنضالات المواطنين العرب داخل إسرائيل، وتضر بنشاطاتهم الاجتماعية والثقافية، التي تهدف إلى المحافظة على هويتهم الثقافية الجامعة العريقة، وإلى ترسيخ وجودهم الصلب في وطنهم.
من المؤسف أن يضطر بعضنا، من حين لآخر، إلى العودة ومناقشة تلك اللجان وحثها على ضرورة إعادة النظر في منطلقاتها نحونا، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، والتدقيق مجددا فيما يضعونه، جزافا، من مساطر تحرّم علينا وعلى غيرنا القيام، أو عدم القيام بفعل ما، تحت يافطة مقاطعة إسرائيل، العدو الصهيوني. فعزيز مرقة لم يأت إلى كفرياسيف مطبعا مع العدو الصهيوني، بل على العكس تماما، فهو حين وقف على المسرح قرب ساحة السوق الكفرساوية الشهيرة وحيا فلسطين وهو يضم كوفيتها بعفوية ساحرة، روّى حناجر الشباب بحماس وأسقاها حبا أعاد إلى ربوع الجليل وعد أآبائنا الصادق، لكن ما دمنا في حضرة اعتذار جديد لابن الأردن بسبب الظروف التي أحاطت بفعاليته في كفرياسيف، على حد تعبيره، أودّ تذكيره كيف تماوج آلاف الشباب على وقع «دمعته» السخية وهي تغني لهم بفرح جليلي فريد؛ وكيف وقفت الحشود أمامه وقبل مجيئه، على مدار أربع ليال متتالية، كي تنشد للحرية أهازيج من عزة، وترقص بفرح على إيقاعات الجمر الذي أوقده قبله وقبل ميلاد صرعات المقاطعة والتحريم، شاعر صبغ الوطنُ سمرةَ وجهه، فصرخ في وجه القهر والقمع والرصاص معلنا في أحد مهرجانات كفرياسيف التاريخية: «اليوم جئت وكلنا سجناء فمتى أعود وكلنا طلقاء»؛ هذا هو راشدنا، فهل تعرفتم عليه في بلادكم، وهو ينفخ في رماد العرب ويتحلّف دولة القهر ويتوعدها صارخا: «سنفهم الصخر إن لم يفهم البشر».
نحن يا عزيزنا، في كفرياسيف وأخواتها، الرابضات من أعالي جبال الجليل حتى آخر خيمة ساهمة في رمال النقب، ولدنا كأبناء للقلق؛ فعلّمنا أجدادنا الذين رفعوا في وجه الليل المناجل وخاطوا من الكرامة للوطن كوفية، أن نرفض الذل والتذلل، وعلّمونا، أيضا، كيف نعتصر الأمل من بطن غيمة ساهرة لتحرس ساحات البلد. أنا لا أعرف من أو ماذا يجبرك، في هذا الصيف المريض، على نشر اعتذارك بهذا النص المستفز لكل حر؛ لكن عليك أن تتيقن بأن حضورك وغناءك بين أهلك في الجليل، بخلاف لو غنيت في احتفال ترويجي للمؤسسة الصهيونية أو لعملائها، لم يكن تطبيعا مع دولة العدو الصهيوني؛ واعلم كذلك بأن صدى تلك الليالي، رغم ضجيج من هاجموك ورغم اعتذاراتك، بقي في صدور جيل علمه الكبار قبلك وقبلهم كيف تلاطم أياديهم المخارز، وعلموهم ألا يرضخوا لهرطقات مستوردة عرجاء ومغرضة، ولا لسفسطائيات هوجاء ونزقة. لقد اعتذرت يا عزيزنا في حينه أمام قلة هاجمتك، لأنك غنّيت للحب في ساحات كفرياسيف، التي كانت كما وصفها حاديها محمود درويش «بالبيت والطريق» فأحزنتنا وأبكيت نجوم الجليل؛ أو لم تكن تعلم أنك وقفت ليلتها في حضن التاريخ، وغنيت في إحدى قلاعه المنيعة التي وقف على أبراجها «السميح» وخاطب سماءها قائلا: «أنا لا أحبك أيها الموت.. لكنني لا أخافك»؛ وتألق في رحابها قبله رفيقه سالم جبران حين علم الكون درسا في حب الوطن وأنشد: «كما تحب الأم طفلها المشوه أحبها.. حبيبتي، بلادي». فهناك قريبا من حيث وقفت أنت، أشهرَ «الدرويش» هويته في وجه الحاكم الإسرائيلي العسكري وأمره: «سجّل أنا عربي». أولئك، وأمثالهم كثر، هم أهلي وهم بناة هوية شعبي الثقافية؛ فقل لي بربك، يا عزيز، أمام من اعتذرت؟
وأخيرا، أعرف أن القضية لم تبدأ بزيارتك إلينا ولن تنتهي عند مخاضات التطبيع والتتبيع؛ ولذلك ستبقى محاولات إخضاع مجتمعنا العربي في إسرائيل لمفاهيم المقاطعة الثقافية، من خلال استنساخ تجارب هجينة لا صلة لنا فيها، هي مجرد محاولات عاقر لا يمكن أن تلد، إلا الاعتذارات أو المناكفات التي تستفيد منها في النهاية إسرائيل.
لن استعيد اليوم قوائم معضلاتنا التي تنتظر تفكيكها ومواجهتنا لها بجرأة وبحكمة، لكنني سأكتفي بالعودة إلى ما بدأت فيه؛ فإياد الشلبي بطل ذهبي شفاعمري احتضنته إسرائيل بكل دفء ورعاية، ويحتضنه، أهله وأبناء شعبه، بكل تقدير وبجداره.. فماذا سيقول أهل المقاطعة في ذلك؟ أنا لا أنتظر الإجابة من أحد؛ فكما ترى، يا عزيزنا، نحن قوم يعرف بعضنا كيف يفخر بأبطاله، ويصرون، رغم الوجع والالتباس، على أن «ينقوا عدسهم بغرابيلهم» ولا يخشون الوقوع في حفرة، فهذه كي تأمنها يفضل أن تطمرها. وأخيرا، لا أعرف كيف ستعتذر من أمة أضاعت طريقها على ضفاف دجلة والجيحون، وتشتت أبناؤها كحبات الرمل في البحار. أما من أهلك فاعتذر فهم حصنك والأدرى بشعابك، لكن لا تعتذر من شعبك فلقد اتخمته، يا باي، القوافي هباء واعياه، يا ويلي، اللهاث وراء السراب. لك منا كل الحب، ودعوة جليلية خالصة لتحل ضيفا عزيزا في ربوعنا متى ما شئت، واعلم أن بين شفاعمرو وعمان ميدالية وحسرة وحب.
كاتب فلسطيني

 

 

من دلفة الشرطة

إلى مزراب المستعربين

جواد بولس

 

 

أعلنت شرطة إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي عن بدء عمل وحدة «مستعربين» سرية ضد العصابات الإجرامية في جميع أنحاء البلاد، وضد أعمال العنف والشغب ومكافحة الإرهاب، خاصة في البلدات العربية.
وقد اطلق على الوحدة اسم «سيناء» وتم تجنيد عناصرها من ثلاثة مصادر رئيسية: الأول، قادة وضباط ومقاتلون خدموا في وحدات «حرس الحدود» التي نشطت في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي المناطق المتاخمة للحدود مع قطاع غزة؛ والثاني من مجموعات المقاتلين الذين خدموا في ما يسمى «الوحدة التكتيكية» الخاصة؛ أمّا الباقون فجنّدوا إلى وحدة «حرس الحدود» من بين الوحدات الخاصة في الجيش.
لقد جاء إعلان الشرطة المذكور بعد إعلانها قبل أسبوعين عن إقامة وحدة «سيف» لمكافحة الجريمة والعنف في المجتمع العربي، وتعيين اللواء جمال حكروش رئيسا لها.
تعكس هذه القرارات حالة التخبط والهلع الذي بدأ يتسرب إلى صفوف قادة الشرطة الإسرائيلية؛ فتزايد وتائر العنف وأعداد الضحايا في معظم البلدات العربية، وبروز بدايات النشاط الإجرامي ضد مصالح بعض المواطنين اليهود، أو ضد بعض المسؤولين الرسميين، دفع ببعض الجهات الأمنية إلى إعادة النظر في فهمها التقليدي لتلك الظواهر، ولاحتسابها مجرد «مصائب قوم عند قوم فوائد» أو وفق منطق مفاده، فليقتل العربُ العربَ، وليصرخ دمهم كي يعيشوا بخوف وبدون استقرار.
من الصعب أن نعرف اليوم عمق هذا التحول المفاهيمي، ومن يدفع باتجاهه داخل دهاليز المؤسسة الحاكمة؛ لكن من الجدير أن نتابعه بعناية، وأن نتحقق من جدّيته، خاصة بعد أن بدأنا نسمع مؤخرا عن تحوّلات لافتة في مواقف بعض القادة السياسيين والمسؤولين الأمنيين، الذين أعلنوا بلغة قاطعة عن قناعتهم بأن أزمة تفشي العنف والجريمة في المجتمعات العربية بدأت تهدد أمن وسلامة الدولة، فنتائجها الكارثية سوف تؤثر في تماسك المجتمع في الدولة وفي مكانتها وتأثيرها بين جميع المواطنين.
مع إعلان المفتش العام للشرطة عن إطلاق وحدة المستعربين «سيناء» وبدء نشاطها داخل البلدات العربية، أعلنت، مباشرة، عدة شخصيات قيادية ومؤسسات مدنية عربية معارضتها للقرار، الذي اعتبر استفزازا مدروسا بحق المواطنين العرب.

في غياب دور الدولة الطبيعي في حماية مواطنيها، وجدت عناصر الإجرام، على اختلاف انتماءاتها، تربة خصبة، فتكاثرت مثل الشر المنفلت

كل ما قيل ضد هذا القرار صحيح، ويبرر ضرورة معارضته بالمطلق، تماما كما فعل رئيس اللجنة القطرية للرؤساء المحامي مضر يونس، الذي أكد على «أنه لم يتم طرح فكرة الاستعانة بوحدة «المستعربين» من قبل الطواقم الحكومية وقيادة الشرطة الإسرائيلية خلال المشاورات والاجتماعات التي عقدت مع وفد لجنة الرؤساء القطرية حول الخطة الحكومية لمكافحة العنف والجريمة؛ على الرغم من أن الشرطة ذكرت أنها ستستعين بوحدات خاصة لمكافحة العنف والجريمة، بدون أي ذكر لطبيعة تلك الوحدات، وبدون ذكر وحدة المستعربين». في الواقع تكفي هذه الشهادة برهانا على أن قرار إقامة «وحدة المستعربين» لم يأت نتيجة لتغيير جذري في عقلية جهاز الشرطة إزاء حق المواطن العربي بالعيش بأمن وبحرية وبكرامة، وبدون خوف؛ لاسيما انه أُسقط «من فوق» وبدون إعدادت مسبقة لتسويغه، علما بأن الجميع يعرف عن «ثقافة كراهية العرب» التي تربت عليها وحدات «المستعربين» ودورها التاريخي في نشاطات المنظمات الصهيونية، وممارساتها المتواصلة ضد المواطنين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وخلال المواجهات الأخيرة في شهر مايو المنصرم. لقد برزت، إلى جانب بيانات الساسة والقياديين، رسالة طارئة بعثها مركز «عدالة الحقوقي» إلى المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية أفيحاي مندلبليت، وإلى مفتش الشرطة العام يعقوب شبتاي، يطالبهما من خلالها بالعدول عن قرار إقامة «وحدة مستعربين تعمل في البلدات العربية» مع التشديد على أن قرار إقامة تلك الوحدة يعتبر «عنصريا وغير قانوني» كما أشار المركز إلى «انعدام صلاحية الشرطة بإقامة مثل هذه الوحدة، والى أن القرار في هذا الشأن هو قرار عنصري يقع في خانة التنميط العنصري، ويخلق نظامين لتطبيق القانون، واحدا في البلدات العربية وتجاه المواطنين العرب، وآخر في سائر البلدات». لا أعرف كيف ستتابع «اللجنة القطرية للرؤساء» هذه القضية المقلقة، مع أن رئيسها مضر يونس، كان قد أعلن أنه «سيجري مشاورات وسيدعو إلى جلسة للجنة القطرية وللهيئات والفعاليات الناشطة كافة بهدف التباحث حول التطورات، واتخاذ موقف موحد ضد الزج «بالمستعربين» في البلدات العربية» فمع إيماني الكامل بأهمية هذه الخطوة وبصدق وجدية صاحبها، يبقى الرهان على نجاحها في حكم المغامرة المستحيلة، لأننا نعرف ما تعانيه معظم مجالسنا البلدية والمحلية، حتى أننا لا نخطئ إذا قلنا في حالة بعضها مجازا : «من غص داوى بشرب الماء غصته.. فكيف يصنع من غص بالماء» ويكفي اللبيب غصة كي يفهم. بالمقابل، يحظى «مركز عدالة الحقوقي» بمكانة خاصة بين قطاعات نخبوية محلية وخارجية واسعة؛ ويتمتع أيضا باحترام واضح داخل «الكاتدرائية القضائية» الإسرائيلية، فقد واكبت طواقمه، خلال سنوات عمل المركز الطويلة، جملة من القضايا العربية العامة المهمة، أمام محاكم الدولة؛ وقد أحرز المركز، في هذه المسيرة، عددا من الإنجازات، وواجه معها طبعا عددا من الإخفاقات، كما يتوقع في حالة صراع مع نظام حكم عنصري ومع جهازه القضائي الظالم والمنحاز بشكل سافر وواضح. أقول ذلك متوخيا ألا يكتفي «مركز عدالة» وهو المتخصص في الدفاع عن حقوق الأقلية العربية داخل إسرائيل وصاحب الخبرة والرؤى التقدمية والمواقف الطليعية، بمطالبته المذكورة، ولا بالتوقف عند رفضه لإطلاق وحدة المستعربين ولا بالتأكيد المحق على عدائية الشرطة وأجهزة امن الدولة، بل عليه أن يتجاوز هذا الدور والانتقال إلى المبادرة لوضع تصور قانوني حقوقي شامل، يتم فيه التعرض إلى هذه الآفة من جميع جوانبها.
يعيش مجتمعنا حالة إرهاق خطيرة؛ فعلاقاته مع الدولة، بدون الدخول في تفاصيلها، تخطت، من جهة، عتبة الالتباس الهوياتي والتجاذبات التقليدية، ووصلت إلى حالة من التنافر الصادم والعدائية الحتمية، وفقد، من جهة ثانية، معظم المظلات السياسية الحامية، والمرجعيات الاجتماعية الرادعة، والأحزمة القيمية الواقية. وفي غياب دور الدولة الطبيعي في حماية مواطنيها، وجدت عناصر الإجرام، على اختلاف انتماءاتها ودوافعها، تربة خصبة، فتكاثرت مثل الشر المنفلت، مستفيدة من إهمال وتواطؤ مؤسسات الحكم وغض أبصارها عن الدماء المسفوكة في شوارع بلداتنا وعن استشراء العنف وإشاعة حالة الهلع بين المواطنين. قد تتيح هذه الأيام فرصة أمام «مركز عدالة» لإطلاق مبادرة تاريخية تتناول قضية استفحال الجريمة والعنف المستشري ولتضع رؤية مهنية جدية وجريئة حول مسبباتها، ومقترحات لكيفية مواجهتها؛ مع التأكيد على سياسات حكومات إسرائيل المتعاقبة ومسؤوليتها عن تناميها وعدم مواجهتها ومحاربتها ومعاقبة المتورطين فيها؛ وفي الوقت نفسه تتضمن تشخيصا صريحا لمفاعيلها المحلية. قد تكون هذه المهمة كبيرة على «مركز عدالة» لوحده، لكنه يستطيع، بسبب قدراته ومكانته وخبرته، أن يشرع بها، وأن يدعو لمساهمة عناوين أخرى، معنية وقادرة، لتأخذ دورها في هذه المهمة الكبرى .
قد تكون هذه الأيام مواتية؛ فعلى ما يبدو بدأت بعض الجهات داخل المنظومات، الأمنية والسياسية، التي ترسم سياسات الدولة الاستراتيجية، تستشعر خطر هذا الانفلات الجرائمي الجهنمي المتفشي في المجتمع العربي، على سلامة وأمن مجتمعاتهم اليهودية؛ ولنا في ما أعلنه وزير القضاء جدعون ساعر، قبل يومين، إشارة بليغة، قد تشي بما يجري هناك. فعندما خاطب موظفي وزارته بمناسبة الأعياد حثهم قائلا: «أعطوا الأولوية لمحاربة منظمات الإجرام، زوّدونا بمزيد من الآراء.. نحن بعيدون عنهم، لأسفي، مسافة سنوات. هذه حرب على مستقبل إسرائيل، فنحن كدولة لا نستطيع أن نسلّم بوجود مساحات في النقب والجليل وجنوب تل أبيب واللد، تعيش خارج نطاق سلطتنا. على جميع مؤسسات الدولة أن تتجنّد لمقاومة هذا النوع من الإرهاب. كل يوم أنا أتذكر أن بعض المواطنين في إسرائيل يعيشون في حالة خوف ولا يحظون بحماية القانون. هذا الوضع يبعد النوم عن عينيّ». ثم أوجز حاسما وواضحا بما بدأ، هو وغيره، من قادة ومسؤولين يشعرون به، فقال: «لقد صاروا موجودين هنا، وليس فقط داخل المجتمع العربي. بنظري هذا هو التهديد الأكبر على مستقبل دولة إسرائيل». ما أوضح ما قال!
لا اعتقد أن تصريح الوزير ساعر جاء من فراغ، أو بهدف المزايدة، ولا لأنه يسعى إلى تحسين صورته بين العرب وأمام العالم، فمن أراد أن يصدقه ليدق أبواب وزارة القضاء، ومن لا يريد تصديقه فليتجهز لمعركته المقبلة مع وحدات «المستعربين» ولنستخر النائب منصور عباس؛ عساه يأتي من عندهم الفرج، فلا خاب من استخار.
كاتب فلسطيني

 

 

مَن هزم مَن في أفغانستان؟

جواد بولس

 

تصدرت أخبار انهيار الحكومة في أفغانستان، وسيطرة حركة «طالبان» على العاصمة كابول، معظم نشرات الأخبار العالمية؛ وأدت مشاهد انسحاب بقايا القوات الأمريكية العسكرية ودخول قادة طالبانيين إلى قصر الرئاسة، وما رافقها من صور للفوضى التي عمّت مطار العاصمة وبعض شوارعها، إلى حدوث انقسامات عميقة في آراء المدوّنين العرب، ومعظم المعلقين والمحللين السياسيين، وإلى تضارب في تقييم حقيقة ما حدث؛ فبعضهم استحضر نظرية المؤامرة، وأكد وجود عملية تنسيق مسبق بين النظام الأمريكي وقادة حركة طالبان، في حين أكد غيرهم على أنه انتصار إسلامي خالص على قوات الغزو الأمريكية وعملائها في أفغانستان.
من السابق لأوانه أن يحكم مراقب بعيد مثلي على ما جرى في دهاليز المفاوضات، التي دارت خلال السنوات الأخيرة بين قادة في حركة «طالبان» ومسؤولين في النظام الأمريكي؛ ومن العسير أن نتنبأ حول ما ستفضي إليه الأحداث المتفاعلة على الساحة الأفغانية الداخلية؛ ومن المستحيل أن يُراهن اليوم على خيارات النظام المتشكّل ومكانه في التموقع النهائي على الخريطة الإقليمية المجاورة لحدود البلاد الكبيرة، وداخل النظام العالمي المتغيّر.
علينا أن ننتظر قبل إصدار الحكم، وأن نتذكّر أشكال اشتباك مصالح هذا النظام مع مصالح دول ساهمت في دعم حركة طالبان كباكستان، أو مصالح دول كإيران والصين وروسيا، تطمع أن تتبوأ مكانة متقدمة في صنع أحداث المستقبل. كل ذلك، طبعا، من دون أن ننسى ما صرّح به العديدون من ساسة الدول الكبيرة، الذين لم يخفوا قلق بلدانهم مما يجري، وفي طليعتهم تقف أمريكا المهزومة، التي أعلن قادتها أنها ستحتفظ بوحدة عسكرية خاصة دائمة مرابطة في إحدى قواعدها في الكويت، قوامها 2500 جندي، ستكون جاهزة للطيران إلى أفغانستان من أجل الدفاع عن مصالح امريكا إذا لزم الأمر. لم تغب أحداث الساحة الأفغانية في العقدين الأخيرين عن حوارات المثقفين العرب، وبقايا نخبهم اليسارية؛ فالصراع الذي تقوده في أفغانستان حركة إسلامية أصولية ضد جيوش الولايات المتحدة، سيدة العالم الرأسمالي، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانفراط عقد المنظومة الاشتراكية، أحرج لغة هؤلاء القادة الحزبيين والمثقفين، وكشف عن عجز مساطرهم السياسية والفكرية، التي عمدت بعميائية دوغماتية، أن تخُط حدود مواقفها ضد أمريكا، حتى اذا كان غريم أمريكا في أي صراع، مثلما هو الحال في المشهدية الأفغانية، حركة أصولية دينية أثبتت ممارساتها بشاعة ما ستقترفه بحق أبناء شعبها، وبحق جميع القيم الإنسانية التقدمية التي يؤمن بها هؤلاء المثقفون. ومن الصعب ومن الخطأ أن ننسى كيف تمنى، قبل عشرة أعوام، أكثر من مثقف عربي وقائد حزبي يساري، أن ينتصر طالبان على أمريكا؛ وكان صوت الكاتب الفلسطيني التقدمي المعروف رشاد أبو شاور، من أشهر وأوضح من كتبوا في هذا الاتجاه، علما بأنه أكّد، مثل غيره، على أنه لا يدعم حركة طالبان، لكنه ينتظر ذلك النصر من باب تأييده لحق كل شعب في الحرية والاستقلال والسيادة والمقاومة. لقد تحققت أمنيتهم، كما رأينا في الأسبوع الفائت؛ وها هي حركة طالبان بسطت سيطرتها على معظم أراضي الدولة الشاسعة، وسوف تتحكم، في ما يبدو، بمقاليد الإمارة الإسلامية الجديدة، وبرقاب شعبها الفقير.

بين أن نقف ضد غزو أمريكا لأفغانستان ولأي بلد آخر وأن نصلّي لنصر حركة طالبان، فرق كبير، ولنا في التاريخ عبرة ودروس

هنالك فارق كبير بين تمني المثقف الثائر ضد عربدة أمريكا عندما تكون «يداه في الماء» وصباح الأفغانيين المعمّد بنار فتاوى حركة أصولية كطالبان، التي سيمعن قادتها بتطويع جميع معارضيهم، ومن سيعتبرونهم زناديق وكفرة؛ فالأمانة كانت تقتضي أن يضع كل سياسي، أو مثقف تمنى انتصار طالبان على أمريكا، نفسه مكان رفيقه الأفغاني، ليتحقق من صحة موقفه السياسي والأخلاقي على حد سواء.
لقد أحسست وغيري بعدم صحة موقف من استقدم نصر طالبان على أمريكا؛ وسأذكّر بما قلته في حينه وذلك للفائدة وللمناقشة، فعندما «يتمنى مثقف ليبرالي تقدمي علماني، أن ينتصر طالبان في أفغانستان على أمريكا الشر والطغيان، أقول هي أمنية العاجز الضعيف؛ وعندما يدعونا هذا المثقف لنصطف وراءه، ونزف أمنية على أمنية كي يحقق جيش طالبان نصره على قوات الغرب الغازية، أقول إنها دعوة لنختار بين ظلم ذلك الغازي، وظلمة حركة لا يجمعنا معها أي سلوك أو أي موقف، ولأنها لن تُبقي لأمثالنا أي هامش لنحيا بهدي عقولنا وبحريتنا ووفق قيمنا وأخلاقنا. فكل من ضدّهم، ونحن معهم، سيمسي حطبا لنار جهلهم، ولا جدال في ذلك.
أقول ما أقول وأعي أن شعباً يرزح تحت الاحتلال، أو يواجه غزواً، من حقه ومن واجبه أن يقاوم من يحتله؛ لكنني أكتب عن ذلك العجز الذي أدى بالعديد من مثقفي العرب وطلائع شعبنا أن يرفعوا الراية البيضاء، ويستسلموا لواقع يخيِّرهم بين ظلم أمريكا القبيحة وضرورة هزيمتها، وحركة رجعية ظلامية، كحركة طالبان، والدعاء لنصرتها؛ وكأننا نواجه قدرنا المحتوم، وكأنّ دور المثقفين، في عصر القحط الذي نعيشه، يقتصر على الاختيار بين ذينك الشرّين، ويعفيهم من واجب المبادرة والعمل من أجل تحقيق رسالتهم الإنسانية وبناء مجتمعات ديمقراطية وحرة.
دعوني، كي لا يساء فهمي، أن أؤكد على موقفي السياسي الواضح والرافض لغزو أمريكا لأفغانستان أو للعراق أو لغيرهما من دول العالم، فهذا يجب أن يبقى الموقف السياسي الواضح والصريح وغير القابل للمقايضة وللتبديل عند كل إنسان حر وعاقل؛لكن.. نحن لسنا بحاجة لبراهين لما ستؤدي إليه سيطرة حركة طالبان على أفغانستان، ولا إلى كيف سيعيش الأفغانيون تحت حكمها؛ ولسنا بحاجة لإثباتات لما كانت ستفعله هذه الحركة حتى بحق من كتب في صالحها ودعمها، لكنه لا يؤيد عقيدتها ومذهبها. ولسنا بحاجة لقرائن لما سوف تفعله هذه الحركة مع كل «آخر غريب» أو فنان ومبدع؛ ويكفي أن نتذكر كيف حكموا، وكيف دكت مدافعهم تلك التماثيل الأثرية التي خلّفها شعب أفغانستان كشواهد على عراقة التاريخ وثقافاته الغابرة.
ولنتذكر أيضاً كيف ستعيش النساء في ظل عصيّهم وفرق مطوّعيهم؛ ولنتصور أي نظام قضائي سيسود، ومن سيحمي حرية الصحافة والنشر، وحرية الناس والمثقفين في إبداء الرأي والكتابة والتظاهر، وكيف ومن سيحاكم العاصين في ساحات البلاد ليكونوا عبرة لمن لم يعتبر. ألا يحق لنا اليوم أن نسأل بعد انتصار طالبان، إن كنا فعلا بحاجة لنتساءل قبل عشر سنوات: هل انتصار أفغانستان بقيادة حركة طالبان، هو خدمة للإنسانية؟ أو أن نتساءل بشكل آخر: هل هزيمة أمريكا، على يدي حركة طالبان تعتبر خدمة للإنسانية وانتصارا لها؟ ألم يكن هذان التساؤلان، كما طرحهما بعض مثقفي العرب، إقرارا بحالة عجز قاتلة، ومؤشرا على إفلاس فكري خطير كانت قد سبقته ظواهر التصحر الحزبي والنأي الشعبي عن طروحات اليساريين التقليدية، التي فشلت في استهواء قلوب شعوب بقيت متخلفة ومنهكة من استبداد دولة الخلافة العثمانية وما تلاها؟
ما حصل في أفغانستان له علاقة بفلسطين وبمستقبلها، ويوثر، بطبيعة الحال، في كل واحد منا، ويجب أن يؤرق كل مثقف يساري علماني تقدمي؛ فبين أن نقف ضد غزو أمريكا لأفغانستان ولأي بلد آخر، ونقف أيضاً ضد حكام الدول المستبدين بشعوبهم، وأن نصلّي لنصر حركة طالبان ولاعتلائها سدة الحكم، فرق كبير، ولنا في التاريخ عبرة ودروس. لقد كان خياري مع من كان ثائرا على تحرير الأفغانيين من سطوة الغزو الأجنبي، وفي الوقت نفسه مع من يحررهم من الظلمة التي ستخيم عليهم، ولن تترك لهم فسحة لأمل ولا لبقعة ضوء، به وبها، أريد، لمن يؤمن مثلي، أن يعيش حياته بعقله حراً كريماً.
فنعم: لا لاحتلال أمريكا لأفغانستان ولا لأي «ستان» ولا لهيمنة وحكم حركة متخلفة ظلامية، كحركة طالبان.لكن كيف سيتحقق ذلك، وعندنا، في الشرق، في كل جامعة «رفيق» يؤمن أن طالبان خيمتنا ويدعو لها بالنصر ، حتى لو دمّرت البلد.
قالوا: لقد تحررت افغانستان؛ فهل حقا هزمنا فيها أمريكا؟
كاتب فلسطيني

 

 

«سيف» نفتالي

بينيت وعرب الـ48

جواد بولس

 

افتتح رئيس الحكومة الإسرائيلية، نفتالي بينيت، ظهر يوم الأربعاء الفائت، المقر الرئيسي لوحدة «سيف» لمكافحة الجريمة في المجتمع العربي، التي سيرأسها اللواء جمال حكروش ابن قرية كفركنا الجليلية. وحضر حفل الافتتاح، كما جاء في الأخبار، إلى جانب رئيس الحكومة، كل من وزير الأمن الداخلي عوفر بارليف، والمفتش العام للشرطة كوبي شبتاي، وعدد من كبار الضباط، وفي طليعتهم بالطبع الجنرال حكروش نفسه. وقد تعهد رئيس الحكومة، بينيت، أمامهم، في خطبة حفلت بطعم التفاؤل، بانه سيعمل على اجتثاث ظواهر العنف من شوارع البلدات العربية، مؤكداً على أن «هدفه كرئيس حكومة هو أن يعيش جميع المواطنين في دولة إسرائيل بأمان، وأن يعيش أهل الطيبة كما يعيش المواطنون في كفار سابا».
كم كنت أرغب بتصديق هذا الكلام، خاصة أنه يجيء بعد أن تخطى عدد ضحايا جرائم القتل داخل المجتمعات العربية، منذ مطلع العام الحالي، السبعين مواطنة ومواطناً، ولأنه تضمّن، أيضاً، إقرار رئيس الحكومة المباشر بأن «الإهمال المتواصل، على مدار سنوات طويلة، أدّى إلى ارتفاع وتيرة العنف والجريمة في المجتمع العربي وإلى حالة من عدم السيطرة» لكنني وللأسف، أعرف، مثل معظم الناس، أن جهاز شرطة إسرائيل ليس مؤهلاً ولا قادراً على محاربة ظاهرة استفحال الجريمة داخل المجتمع العربي، ناهيك من قناعتنا، المعمّدة بدم التجارب، بأن الشرطة الإسرائيلية ليست معنية أصلاً «باجتثاث مظاهر العنف من شوارع البلدات العربية» ولو كان عكس ذلك لما عانت مجتمعاتنا وتعاني من حالات هلعها اليومي الحقيقي، بعد أن فقدت مشاعر الأمن الفردي ومقوّمات الأمان المجتمعي العام.
قد يبدو كلامي في هذه المسألة مكرراً أو حتى ممجوجاً ولا طائل من ورائه ورغم ذلك لن أيأس، فمسألة العنف والجريمة داخل المجتمع العربي هي قضية مركبة، ولا يمكن مواجهتها، حكوميا أو محليا، من دون تفكيك عناصرها التاريخية والاجتماعية والجنائية، وبداية من دون تغيير نظرة المؤسّستين الأمنية والسياسية الإسرائيليتين تجاه المواطنين العرب وتوقفهما عن معاملتهم وفق فرضيات عمل تخوينية، كانت وما زالت تشكك في مواطنتهم وتحرمهم من حقوقهم الأساسية والشرعية. لكن هذا لوحده لن يكفي، فالدولة وإن كانت وستبقى، كما قلنا وأكدنا مرارا، هي المسؤولة الأولى عن أمن وسلامة المجتمع وأفراده، وعن ملاحقة ومقاضاة الجناة والعابثين بقدسية الحياة وباستقرار الناس، لن تنجح في مهمتها إذا لم تتعاون معها مجتمعاتنا، واذا لم تتوقف بعض مفاعيلها ومؤسساتها عن مدّها، في بعض حالات العنف والجريمة، بذرائع تبرر للدولة عدم قدرتها أو قصورها عن مواجهة الواقع أو تواطؤها في بعض الحالات، كما نعرف. وقد نستفيد إذا استحضرنا تفاصيل ماذا حدث قبل خمسة أعوام فقط، ونقتفي ماذا حصل بعد أن التقى، في منتصف عام 2016، كل من محمد بركة رئيس لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية، ومازن غنايم رئيس مجلس بلدية سخنين ورئيس اللجنة القطرية لرؤساء المجالس العربية في حينه، وطلب الصانع رئيس لجنة مكافحة العنف في المجتمع العربي، مع روني الشيخ، الذي كان يشغل منصب المفتش العام للشرطة الاسرائيلية، علما بأن الإعلان عن نيّة جهاز الشرطة إقامة وحدة خاصة لمكافحة الجريمة والعنف في داخل المجتمع العربي، وتعيين اللواء جمال حكروش رئيساً لها، قد تم في ذلك الوقت تحديداً. لم يكن صعبا علينا وقتها التنبؤ بأن الاجتماع مع روني الشيخ وإقامة تلك الوحدة الخاصة، وبرئاسة لواء عربي، لن يغير من تفاقم العنف والجرائم داخل المجتمع العربي، ولن يوقف النزف في قرانا ومدننا، وعلى الرغم من تقييمي، في حينه، للاجتماع المذكور في تل أبيب على أنه «واحد من المبادرات اللافتة والواعدة» كنت أوضحت، في الوقت نفسه، أنني أقول ذلك من باب التمني، وأنا أضع «يدي على قلبي» وأشرت، حينها، إلى أن «اجتماعاً يتيماً واحداً لن يترك أثرا، إذا لم تتبعه، على الأقل، لقاءات دورية مع قيادات الشرطة، على أن تكون مسبوقة ومصحوبة بخطط عمل تفصيلية، تعمل القيادات العربية على وضعها، مستأنسة ومستعينة بطواقم خبراء مهنيين ومحترفين، لاسيما بعد أن قرأنا أن الوفد العربي، واجه قيادات الشرطة بحقيقة تقصيرها في مجابهة موجات العنف وحمّلوها كامل المسؤولية عن الاوضاع القائمة.. فبعد تحميل المسؤولية وكشف الأقنعة من المفروض أن نمسك المحاريث، ونتحضر لمواسم الزرع عسانا ننعم بجنى بيادرنا، أو، على الأقل، من أجل سلامة أبنائنا».

عانت مجتمعاتنا وتعاني من حالات هلعها اليومي الحقيقي، بعد أن فقدت مشاعر الأمن الفردي ومقوّمات الأمان المجتمعي العام

لا يعقل ألا يكون رئيس الحكومة بينيت على علم بتفاصيل تلك الجلسة، أو أن يجهل وزير الأمن الداخلي الحالي ماذا كانت مخرجاتها وكيف ومن تابع تنفيذها؟ فمن دون أن نسمع منهم، أو من اللواء حكروش، تقييماً مهنياً جدّياً لما قاموا، أو لم يقوموا به، خلال الخمسة أعوام المنصرمة، لن يكون لما قاله بينيت مؤخرا أي وزن ومعنى، ولا كيف سيضمن تنفيذ وعيده المعلن بأن وحدة «السيف» الشرطية الجديدة ستنزل ضربتها الموجعة للعنف بالوسط العربي، وتفرض بكل قوة النظام والأمن لكل طفل وعائلة عربية؟ لا أعرف إذا هنأت وقتها القيادات العربية اللواء حكروش على منصبه، ولا إذا بادرت إلى عقد لقاءات عمل جدية معه، كما وعد طلب الصانع في حينه، أو إذا هو بادر لمثل تلك الاجتماعات، وماذا كان قد حصل فيها، ولا أعرف اليوم كيف ستتصرف هذه القيادات مع وحدة «سيف» لمكافحة الجريمة في المجتمع العربي، التي سيرأسها اللواء حكروش نفسه؟ فهذا المشهد كان وما زال يشكل للكثيرين من القيادات الحزبية والحركية السياسية معضلة جدية، ويثير لديهم عدة تساؤلات تتعلق بإشكالية ثنائية وجودنا المواطني والوطني في «الدولة اليهودية». فكيف يمكن أن يجلس محمد بركة ابن شفاعمرو، ومازن غنايم ابن سخنين، وطلب الصانع ابن النقب، ومنصور عباس ابن الحركة الإسلامية، مع اللواء حكروش ابن كفركنا، لمناقشة ضرورة تغيير نهج وعقلية الشرطة الإسرائيلية في التعامل مع المواطنين العرب، ودراسة شروط استعادة ثقتهم بها وثقتها بهم، كما صرح في حينه طلب الصانع؟ وكيف سيتلقى المواطن العربي العادي تبعات هذه الحالة الشاذة؟ وهل من الممكن أن يُقفز عن هذه العقبة من أجل مواجهة الجريمة والعنف؟ وإذا لا يعقل، فما العمل؟
سننتظر وسنرى، وإلى أن يجد مجتمعنا الوسائل لتخطي تلك العتبات، على أولي الرأي والنخب القيادية، ألا يكفوا عن دق جميع أبواب الدولة، وحثها على تحمّل مسؤولياتها في مواجهة العنف والجريمة، وملاحقة الجناة أو فضحها إذا لم تفعل. وعليهم كذلك أن يعترفوا بحصص مجتمعاتنا من بعض أنواع العنف والجرائم التي تغذيها بعض مفاهيم موروثنا الثقافية، وقيمنا الاجتماعية المتوالدة في دفيئات قبلية، عائلية، اقتصادية، نفعية، مريضة وخطيرة. وكيلا يساء فهمي فأنا لا ولن أعفي جميع مؤسسات الدولة من مسؤولياتها عن جميع مظاهر العنف وعن هذه الجرائم، وخاصة ما يجري في عالم الجريمة المنظمة، لكنني أؤكد أن مسؤولية «العقل العربي» المؤمن بحتمية التسيّد الذكوري المطلق، والداعي إلى ممارسة دور الخفر على «شرف النساء» والتجبر في حكم العائلة، ستبقى هي من أهم المسببات لارتكاب الجرائم في هذا الفرع من فروع الجريمة، الذي يحظى في كثير من الأحيان بمساعدة المجتمعات المحلية، ما يؤدي إلى عدم ملاحقة الجناة ولا ضبطهم. وأؤكد، أيضا، على أن العصبة العائلية النفعية تحمي أحيانا، بعض السفهاء والسفلة والبلطجيين، وتدعم تسيّبهم ورعونتهم وتطاولاتهم على «الآخرين» وعلى الحيّزات والمؤسسات العامة، وهي لذلك المسؤولة عن العنف والجرائم المرتكبة في هذا الفرع من فروع الجريمة.
لن أسترسل أكثر في هذه القضية، رغم أهميتها، وسأعود إلى البداية، فحتى لو نجحنا بإقناع بينيت وحكومته بأن انتشار الجريمة بين المواطنين العرب لن يصب في صالح دولة اليهود، بل على العكس تماما، وبأن خطته، كما شرحها أمام ضباطه ووسائل الإعلام هي فكرة ناقصة وفاشلة، لن تستطيع الحكومة وحدها مواجهة العنف وإيقاف عمليات القتل داخل المجتمع العربي، فمن دون تفكيك صحيح وجريء لجميع عناصر وأسباب ظواهر العنف وانتشار الجريمة وعمليات القتل في مواقعنا، لن نتقدم نحو مستقبلنا الآمن، ومن دون تسمية العناوين المسؤولة عن تغذية هذه الظواهر، أو من دون التوقف عن مداهنة بعض تلك العناوين، أو التستر على المتواطئين معها، لن تبرأ مجتمعاتنا، بل ستزداد أوجاعنا من يوم إلى يوم. فإذا كان الاجتماع مع المفتش العام للشرطة، والوافد إلى منصبه من كرسيه السابق في جهاز المخابرات العامة، ضروريا ومباحا، فلماذا لا يسعى القادة، كما اقترحت عليهم في الماضي، إلى وضع خطة شاملة للعمل مع ومقابل جميع من يقف على رأس أجهزة الحكم الفعلية في الدولة، لاسيما من لهم تأثير مباشر في حياتنا ومستويات معيشتنا، مثل: المستشار القانوني للحكومة، رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية، رئيس جهاز الأمن العام، المدعي العام للدولة، ومن مثلهم في ذلك المقام؟ لكن المشكلة أننا لن نستطيع التعاطي مع هذه الخيارات بمنهجية وعلم ومهنية، قبل أن يحدد سياسيونا بدايةً علاقة أحزابهم مع هذه الأجهزة وما موقفهم منها وما يريدونه، خاصة ومعظم قياديينا يصفونها بالمعادية ويطالبون بتحريمها وعدم التعاطي معها. مضت خمس سنين منذ كتبت «لنا في كفركنا لواء» ولم يتراجع العنف ولا القتل في شوارعنا. حكومات ولّت وحكومة جديدة، تقف على ساق عربية، جاءت، وما زلنا نواجه «سيف» نفتالي بينيت وصحبه، ونواجه الأسئلة والمعضلات ذاتها: فما العمل؟ ومن سينقذنا من حالات الشذوذ هذه؟
كاتب فلسطيني

 

 

محمود درويش الحاضر

بين صفورية وسيدني

جواد بولس

 

لم أكن أشعر بأنه، ومع كل إطلالة يوم جديد، كان ينحت حروف جداريته على مرايا أرواحنا، ويحرق كل صباح ريشة من جناحيه ليقترب من الحقيقة «وليكمل رحلته الأولى إلى المعاني». في مثل هذه الأيام، قبل ثلاثة عشر عاما، تيقّن محمود درويش من أنه «يمتلك ما يكفي من الماضي وينقصه غد» فقرر أن «يسلّ من عدمه وجوده» وهو الذي قال للموت: «أيها الموت انتظرني خارج الأرض، انتظرني في بلادك، ريثما أنهي حديثا عابرا مع ما تبقى من حياتي قرب خيمتك». لا أجمل من أن تقرأ محمود درويش في كل فصول السنة؛ فلأشعاره رائحة الأمل المتجدد، وطعم فريد لحنين شفيف، يصيبك بلذة آسرة وأنت على حافة الصهيل، فتشفى من غصتك وتدخل إلى «ليلك المشتهى».
عاش محمود درويش حياته الشخصية وفق طقوس يومية صارمة حافظ عليها كي يحمي «أرض قصيدته الخضراء» لكنّه خرج قليلًا عن عاداته، حين زاد في سنواته الأخيرة من زياراته إلى الجليل، وكأنه كان يحاول أن يستعيد توازن مكوّني مسيرته الأبديين: البيت والطريق. كنت محظوظًا لأنني رافقته في معظم تلك الزيارات الجليلية؛ لكنني نادم لأنني لم أنتبه، ساعتها، إلى أنه كان يأخذني، بذكائه الصامت والجميل، إلى منابع روحه الأولى؛ فيمشي كغزال مرتبك على رصيف ميناء عكا ليضوّع مسكه الخالد على حجارة أسوارها الذهبية؛ ويقف كنسر ملحميّ على شرفة الكرمل ليضاحك المدى بعفوية عاشق سرمدي؛ ثم يسألني أين سنأكل اليوم؟ ومن سنزور ممن بقوا حرّاسًا للذاكرة وللملح؟
أذكر يوما وصلنا فيه إلى الناصرة قبل ظهيرة تموزية هادئة، دخلنا إلى قاعة مطعم «الجنينة» وجلسنا، وحيديْن في المكان، حول طاولة مستديرة كبيرة. انتبه، بعد دقائق قليلة، صاحب المطعم لوجودنا؛ ثم اكتشف فجأةً أننا لسنا مجرد زبونين جائعين، فأبدى علامات فرح مضطرب عندما تحقق من أن ضيفه هو محمود درويش. اندفع نحو طاولتنا محييا، ثم بدأ يحث عماله على تجهيز الطاولة، وأخذ يحرك يديه بعصبية واضحة، وفي الوقت نفسه يمطر علينا عبارات الترحاب والتأهيل والسرور. نظرت نحو محمود، فكان لون وجهه كلون الحرج، أحمر؛ فرددت على مضيفنا وشكرته حاسمًا بأننا سنشرب عنده القهوة فقط، لأننا تناولنا وجبة الإفطار مسبقًا، والوقت ليس وقت غداء. لم يقتنع صاحبنا في البداية، لكننا نجحنا، بعد مفاوضات عسيرة معه، على إرضائه بأن نشرب القهوة وأن نأكل معها، من صنع يديه، صحني كنافة نصراوية. سعد محمود حين شعر بشعبيته، بعد سنوات من الغياب، وبدت على وجهه علامات رضا وراحة. ثم سألني كعادته وببراءة كنت أفهم كنهها: من تقترح أن نزور اليوم في الناصرة؟ لم يكن سؤاله غريبا عني، ولم أجد صعوبة في إقناعه بأول اسمين ذكرتهما؛ فقررنا أن نتصل بالشاعر طه محمد علي (أبو نزار) وإعلامه عن نيتنا بلقائه. كان صوت أبو نزار في الهاتف صاخبا كرياح «صفورية» وعميقًا مثل حزنها؛ فأخبرته أن محمودا موجود في الناصرة، وأنه ينوي زيارته، إذا كان ذلك ممكنًا بالنسبة له. سمعت صمته يتنفس بثقل، ثم، بعد هنيهة، انهال على أذني سائلًا: أين أنتما الآن؟ فأخبرته «اننا عند ابو ماهر بالجنينة» لكنه أعاد السؤال عدة مرات، حتى صرخ، بعدها، مناديًا على ابنه، نزار، وطلب منه الذهاب فورا إلى المطعم كي يصطحبنا إلى بيتهم في حي بير الأمير. حاولت أن أفهمه أننا سنأتي لوحدنا، لكنه لم يسمعني وأغلق الهاتف. لم ننتظر، تحركنا باتجاه الحي وسألنا عن بيت أبي نزار، فوصلنا ساحته الرحبة وصعدنا درجا في نهايته باب مفتوح على مصراعيه، فدخلنا وأنا أنادي من الخارج على أبي نزار. كان يجلس إلى طاولة صغيرة في المطبخ، وكانت أم نزار بجانبه. كان ظهره لنا وكنبة عسلية تفصل بين حيز المطبخ ومقعد الضيوف. انتبه بعد لحظة لوجودنا داخل البيت، فانتصب دفعة واحدة حتى خلته جذع سنديانة يمشي، ثم رفع يديه الطويلتين وهو يندفع باتجاهنا فارتطمت ساقاه بظهر الكنبة، لكنه لم يتوقف، فتحايل عليها حتى رمى جسمه على محمود فاحتضنه كلّه فغاب في صدره. كانت أم نزار تلحق زوجها وبيدها منشفة وترجوه أن يمسح فمه من الزيت قبل أن يدهن رقبة محمود به. لم يسمعها ولم يرتبك، وضحك محمود والزيت صار بينهما علامة هذه الزيارة الفارقة.

كان درويش يتزود، من خلال زيارته، بماضيه ويكمله كما خطط وأعدّ حتى «امتلأ بكل أسباب الرحيل»

امتلأ البيت سعادة. كنت أجلس بجانب محمود وأشعر بهدوئه، وكان الفرح يغرق جسد أبي نزار الضخم، فيبدو أحيانًا كطفل تملؤه المفاجأة عبثا؛ وكان يحاول أن يشكر محمود على الزيارة، لكن محمود كان في كل مرة يتدخل وبدماثة كان يحدثه عن بعض قصائده التي يتابعها باهتمام. تحدثا حول الشعر والشعراء، وعن الماضي وعن الوجع، لكنهما لم يأتيا على ذكر المستقبل سوى مرّة واحدة سمعت فيها محمودا يقول: «لا شيء يبقى على حاله، للولادة وقت، وللموت وقت، وللصمت وقت.. كل نهر سيشربه البحر، والبحر ليس بملآن ، كل حي يسير إلى الموت، والموت ليس بملآن». لم أشعر بمرور الوقت إلا عندما استئذنّا أصحاب البيت بمغادرتهم، فوقف أبو نزار ورفع رأسه ويديه نحو السماء وقال: «يا ربي، تستطيع أن تأخذ وديعتك بعد هذه الزيارة، فأنا لا أريد أكثر من هذا العالم بعد اليوم». شعرت ببعض الحزن حين نظرت نحو يد محمود اليمنى، التي كانت تزيل بلطافة عن خده قطرات من عسل الوفاء. ودّعا بعضهما من دون بكاء ومحمود يقول ويده ملقاة على كتف الزمن: «عش ليومك لا لحبك. كل شيء زائل، فاحذر غدًا، وعش الحياة الآن في امرأة تحبك..». وصلنا حيفا وقبل نزولنا من السيارة نظر اليّ وسألني، بدعابة، هل ما زال زيت أبو نزار على رقبتي؟ لم أسال محمود لماذا قرر أن يزور الأماكن والاصدقاء الذين زرناهم معا، وقد أجّلت هذه الاسئلة إلى ما بعد عودته من إجراء العملية في أمريكا.
رحل في هيوستن ولم يعد هنالك حاجة لتلك الأجوبة فقد كانت أمامنا طيلة تلك السنوات حين كان يتزود، من خلال زيارته، بماضيه ويكمله كما خطط وأعدّ حتى «امتلأ بكل أسباب الرحيل» وصار، كما أعلن، ما يريد: خالدا أبدا وحاضرا دوما في الغياب. أفقت قبل أيام قليلة على غصة ورسالة موجعة من صديقنا المشترك مرسيل خليفة الذي يعيش منذ أكثر من عام ونصف العام في أستراليا في شبه منفى قسري، بعد أن تحوّل لبنانه إلى مبيد للأماني ومزارع للقلق، وفيها يخبرني أنه: «في هذا الحجر المنزلي الصارخ، أنجزت حتى الساعة المسوّدة الأولى للكتابة الموسيقية والغنائية للجدارية وسيكون صوت درويش في قلب العمل.. بدأت بالتصحيح والنقل وإعادة التأليف، وتلزمني أشهر أخرى لإنجاز ذلك. أحببت أن أخبرك بمخاض الكتابة الموسيقية للجدارية، لتستمع الى دقات قلب الحنين. تخيّل يا صديقي ملامح الجدارية مع 150 موسيقيا وكورس ومنشدين. كان هذا العمل ثأري من الوقت والمسافة والتلاشي وسُعَف انتصارنا على العبث والصمت.. لقاء الشعر مع الموسيقى هو استعادة الحوار بين «الأنا» و»أنا» الآخر ـ للجدارية – وفي السير على البحيرة وعلى دروب القوافل.. هو صدى هوائيات حواراتها وحميم بوح إناثها.. هو رجع نحاسيات مشاهد التاريخ من الإغريق إلى الفراعنة إلى خوذ جيوش الملاحم.. والموت الآلة الوحيدة الحاضرة ولو على حدود الصمت، تتهكم كلما تردّد هديل أنثى اليمام .. أغمض عينيّ فيصبح أنكيدو آلة تنساب ما بين نهرين، وابن السجان وطيف أبيه آلتين على اللحن المنفرد مع صوت أعلى بين الآلتين. خوفي من صهيل الحصان الذي طارت جذوته على مقربة من الميناء، وانكساري لدى نمو الزهر الفوضوي اللون الى آخر الرؤيا.. . صمت 150 آلة وصوت محمود يرافق صمتي العميق كلما أشرفت على حافة الحفرة في نهاية الاعتراف. «أنا لست لي» أنا عود وحيد على كرسي بعدما غادر الموسيقيون المكان وأسدلت الستارة على المسرح».
فرحت لما جاء في الرسالة، وآلمني وجع صديقي، وتمنيت لو كنت هناك كي أبدد وحدته وازيح العتمة عن ليل ذلك الغريب. إنه آب الغصّات.. فكم كنا غفاة يا محمودنا وكم كنت واضحًا أيّها المعلم.
كاتب فلسطيني

 

 

القاضي جورج قرّا ضد

المحكمة العليا الإسرائيلية

 

جواد بولس

صدرت محكمة العدل العليا الإسرائيلية في الثامن من الشهر الجاري قرارها النهائي فيما يعرف بقضية «قانون القومية» وذلك بعد أن كانت قد استمعت، في الجلسة التي انعقدت يوم  22/12/2020، بهيئة من أحد عشر قاضيًا، إلى مواقف وادعاءات جميع الملتمسين وإلى ردود الكنيست وحكومة إسرائيل عليها.
وكما حصل ويحصل في معظم المفارق القضائية الهامة في حياة الجماهير العربية، لم يحظ القرار إلا بنتف متطايرة من أخبار سطحية شعبوية، في حين غابت عن المشهد، أصوات أكثرية المثقفين والحقوقيين والخبراء من العرب، كما وغابت مشاعر التوجس الشعبي من عواقب القانون ومن تبعاته.
لا أوافق رأي من اعتبر القرار هدية لنا من هذه المحكمة بادعاء أنها، أو هكذا اعتبر هؤلاء، قد عرّت أمام مجتمعات العالم، قبحها، وشرعنت القانون رغم ما ينضح به من «أبرتهادية» صارخة.
لا أوافق هؤلاء لأننا، أولا، لسنا بحاجة لمثل هذا البرهان كي نتحقق من دور المحكمة العليا الإسرائيلية التاريخي المثبت في تسويغ وتبرير وشرعنة سياسات القهر والقمع العنصريين بحقنا كمواطنين في الدولة، وثانيًا، لأن القرار، لمن يقرأه بجدية وبعمق، يتضمن خلاصات قضائية خبيثة محسّنة ومطوّرة وخطيرة لما سيصبح قواعد سلوكية عملية راسخة وملزمة لجميع مؤسسات الدولة وفي طليعتها جهازها القضائي. ومع العلم بأن هذا الجهاز، رغم قبحه المتوارث، قد «نعِمَ» بهوامش ضيقة لطالما أتاحت له التصرف في منع محاولات المؤسسة الحاكمة من الإسراف بعنصريتها القومية العرقية الفوقية، وإلزامها، ولو بأشكال محدودة وبحالات فردية قليلة، بما يمليه تعريفها لنفسها كدولة ديموقراطية ويهودية، لا سيما إزاء مبدأ مساواة جميع مواطنيها في بعض الميادين.
لقد كتبت رئيسة المحكمة العليا، استر حايوت، متن القرار الأساسي، رافضة جميع الالتماسات، وقامت، بعد تفنيد رخيص للادعاءات الجدية التي أوردها الملتمسون ضد القانون، بتسويغه، معتمدة على بعض الفذلكات السياسية المبطنة وشبه القضائية، وعلى التحليلات العنصرية المموهة بموضوعية كاذبة.
ثم انضم إليها تسعة من زملائها القضاة، ففتح كل واحد منهم، وبينهم قاضيان مستوطنان، شهيته، وأضاف «دررًا وحكمًا» خاصة به، وكأنهم يتسابقون على حفر أسمائهم على دروع نصر دولتهم في مسيرتها العنصرية وفي سجلّات القهر والظلم.
لست في معرض التطرق لما جاء في قرار المحكمة العليا، الذي امتد على أكثر من مئتي صفحة، لكنني سألفت نظر المعنيين والقراء لموقف ولرأي الأقلية الوحيد للقاضي العربي جورج قرا، الذي عارض أراء زملائه جملة وتفصيلا، وفنّد، بحصافة مؤثرة وبمهنية عالية، جميع الادعاءات التي دفع بها المستشارون القضائيون الذين مثّلوا الكنيست والحكومة، وقضى، في مستهل قراره، «بأن قانون القومية يمس بقيم الديموقراطية، لا سيما على خلفية عدم وجود مساواة للأقلية العربية في الممارسة العملية»، ثم راح يقارع حججهم بلا أي مواربة، إلى أن خلص وقال بشكل قاطع: «قانون القومية هو قانون عنصري ومجزوء، ويعاني من نواقص جوهرية كثيرة، مثل عدم تطرقه للأقلية العربية التي يصل عددها إلى أكثر من 20٪؜ من تعداد السكان العام، وعدم اشتماله على مبدأ المساواة وهوية الدولة الديمقراطية، وهو لذلك يعطي لمؤسسات الحكم حرية واسعة جدًا أثناء تطبيقه».
ومع أن المقام هنا غير ملائم للوقوف على التفاصيل التي تعرّض لها القاضي جورج قرّ ا بالكامل، لكنني سألقي الضوء على بعض المحطات البارزة في قراره، مثل اعتراضه على موقف زملائه وإصراره على ضرورة احتفاظ المحكمة العليا بحقها في مراقبة عملية التشريعات، وحقها بالتدخل في مضامينها إذا ما تجاوزت الكنيست حدودها ومست في أحد تشريعاتها، كما في قانون القومية الحالي، بقيم الديمقراطية الأساسية، على حساب إعلاء يهودية الدولة، وما تعنيه هذه المفاضلة في تاريخ السياسية العصرية.
ومن اللافت أن نقرأ دفاع القاضي عن دور المحكمة العليا وضرورة حمايته، خاصة في الواقعين السياسي والاجتماعي اللذين تعيشهما الدولة وما ينذران به من مخاطر تتربص بقيم الديموقراطية وبمكانة المواطنة السليمة المتساوية، ولذا كتب، أو قد يكون صرخ في وجه زملائه وحذرهم قائلًا: «إن الأقلية (العربية والدرزية) في إسرائيل هي أقلية أصلانية وليست مجموعة أغيار أو غرباء، وهي ترى بدولة إسرائيل وطنها وتريد أن تعيش فيه كمتساوية بين متساوين. وهي أقلية تنتفض ضد إقصائها وضد المحاولات لمنع دولة إسرائيل أن تكون دولتها أيضًا. إن المبادرين والمتبنين لهذا التشريع، لمجرد كونهم من معسكر الأغلبية في الدولة، لا يشعرون على «جلودهم» بالأذى المريع الذي يتسببون به للأقليات في الدولة. أو كما قال المثل العربي» اللي ايده في المي مش زي اللي ايده في النار».
لم يتوصل القاضي جورج قرّا، إلى قراره بضرورة إلغاء القانون أو تعديله بشكل جذري وجوهري، إلا بعد أن وقف على استهداف مشرّعيه لحقيقة كون اللغة العربية لغة رسمية معترفًا بها منذ أيام الانتداب البريطاني، رافضًا تطبيبات زملائه القضاة ومحاولاتهم العنصرية للتستر على هدف مشرّعيه الحقيقي، فواجههم بكل وضوح برأيه كاتبًا  «على خلفية تشريع قانون القومية وهدفه، وأخذاً بعين الاعتبار عدم تضمين مبدأي المساواة والديمقراطية فيه، يصبح الاستنتاج، بأن التعرض لمكانة اللغة العربية جاء بغرض «حني قامتها» وإذلال المتحدثين بها، هو الاستنتاج القوي الوحيد». ثم ذكّر زملاءه بمقالة للكاتبة «ميطال بينتو» جاء فيها أن: «في الدولة القومية يوجد للغة دور حاسم في خلق وبلورة الهوية القومية، وبسبب هذا الدور يميل أفراد معسكر الأغلبية السكانية إلى الاعتقاد بأن لغة الأقلية تشكل خطرًا على هوية الأغلبية القومية. فالحضور القوي للعربية في الفضاء العام المشترك مع اليهود يستوعب كتهديد للأغلبية اليهودية، أو كنوع من انتصار ثقافة الاقلية على الأغلبية». قالها ليُفهمهم، إذا نسوا، دروس التاريخ الأسود.
لقد أعجبتني مواجهته لموقف زملائه من المادة التي ألزمت الدولة بضرورة العمل على تشجيع الاستيطان اليهودي في «أرض إسرائيل» وكيف قارعهم، بحنكة قومية غير خجولة، وبوعي مواطني سليم، رافضا جميع ما سيق من قبلهم، ومستنتجا بحزم على أن «مادة الاستيطان اليهودي، التي تسمح بممارسة التمييز العنصري وبتخصيص الأراضي على أساس الانتماء القومي، تمس بشكل متطرف بجوهر هوية الدولة..»  فخلاصة القول، هكذا واجههم «بأن قانون القومية يتعارض مع السمات الجوهرية للدولة الديموقراطية وبدرجة تبرر تدخل هذه المحكمة فيه.»

لم تعِر أغلبية الأكاديميين العرب أي اهتمام لمضامين القرار رغم أهميتها القصوى وتأثيرها المباشر على مستقبل علاقاتهم وعلى صور اشتباكها مع الدولة

سوف يقلل البعض من أهمية هذه الصرخات المدوية التي جاءت على لسان قاض عربي في المحكمة العليا الإسرائيلية، وذلك لموقفهم المسبق من الموقع وليس من الشخص تحديدًا. وعلى الرغم من قناعتي بعدم صحة تلك المواقف التي تدمن عملية المعارضة الروبوتية، أدعو إلى ضرورة مناقشتها مستقبلًا، لأنها تتعلق بواحدة من معضلاتنا الوطنية/ المواطنية وعلاقتنا بالدولة.
سيبقى عتبي على من تطرق للقرار قبل قراءته، وأكثر على من كان يجب أن يقرأه ولم يفعل، فقراءة ما كتبه «مطوّعو الديمقراطية وساحلوها» مهم، والأهم ما كتبه القاضي جورج قرا، الذي كتب بلغة قضائية واضحة و»بدم قلبه» كما وصف ذلك القاضي ميلتسر ، وهو الوحيد من بين العشرة قضاة اليهود الذي تطرق ببضع كلمات لموقف زميله الذي كتب بحس سياسي ناضج وكابن فخور لأقلية عربية لا تسمح بإذلالها.
لم تعِر، كما تقدم، أغلبية الأكاديميين العرب أي اهتمام لمضامين القرار، وذلك رغم أهميتها القصوى وتأثيرها المباشر وطويل الأمد على مستقبل علاقاتهم وعلى صور اشتباكها أو تقاطعها مع الدولة. قد يكون السبب وراء هذا العزوف النخبوي والشعبي هو شعور الأكثرية «بتفاهة المسألة» ، فمكانة المواطنين العرب في إسرائيل، هكذا يفترض هؤلاء، لن تتغير بسبب هذا القانون، وما كان بالنسبة لهم، كل من موقعه وكرسيه وجمعيته وحقله، سيّئا أو جيّدا، سوف يكون، وقد يكون هذا دليلًا على حقيقة الهوّة القائمة بين ما يشعر به الناس، كل الناس، وهواجسهم الفردية المستوطنة في صدورهم، وبين حقيقة الخطر الذي استشعرته قلة نخبوية وبعض النشطاء السياسيين من جراء تبني كنيست إسرائيل لقانون توّج جميع التشريعات العنصرية التي سبقته وتفوّق عليها.
وأيًا كانت أسباب هذا العزوف، الشعبي والنخبوي، ستبقى كلمات القاضي العربي جور ج قرا نواقيس ضاجة في سماوات إسرائيل، وستقض مضاجع من يتشدقون فيها بإنسانيتهم العاقر وبديموقراطيتهم الكاذبة، وستبقى مواقفه، كذلك، همسات ساخنة في آذان من يحترفون فنون الشجاعة الفيسبوكية فقط، أو من ينتظرون الفرج يأتيهم من جيوب السلاطين، أو من يمضون وراء ضجيج هتافاتهم راكضين وراء حلمهم/وهمنا يوم آمنا أن البداية ستكون بتحرير سبتة وثم ساحات الربيع العربي، فالقدس، وأخيرًا سيزخ الخير على حيفا وصفد وفي سائر الميادين.
هنالك أهمية كبرى للمضامين القانونية وللاجتهادات التأويلية الشاملة التي لجأ اليها القاضي جورج قرا في مسعاه لتفنيد مواقف زملائه القضاة، ويا حبذا لو يتم الرجوع إليها وترجمتها ونشرها وتجنيها في خطابنا السياسي والحقوقي بشكل عام. فلنقرأ ونتناقش، عسانا نخرج من أزمة «القات» التي أنهكت وشلّت عقولنا. ولك، سعادة القاضي جورج قرا، جزيل الشكر، وأعلم أنك لا تنتظره من أحد.
كاتب فلسطيني

 

 

سهى جرار، رحيل مفجع،

في زمن " الشر العادي"

جواد بولس

 

كان لا بد للأسيرة خالدة جرار أن تحكّ ذراع الشرّ مرّة أخرى، لا كي تمتحنه، بعد خمسين عامًا من القهر والوجع، بل لتؤكد لنفسها أنها ما زالت قادرة على السفر في دروب الملح؛ ولكي تثبت، للعالم أيضًا، أن التاريخ قد يكتبه الغاصبون والأقوياء لكنّ مداده كان وسيكون دومًا من دماء ضحاياهم، وصفحاته ستبقى هي أرواحهم المعذبة الخالدة.     

لقد سمعت خالدة بنبأ وفاة ابنتها سهى حين كانت مع رفيقاتها الأسيرات في غرفتها في سجن الدامون، الذي يقع على قمة جبل الكرمل؛ فأمضت ليلتها، هكذا أتخيّل، وهي تعصر قلبها قطرات من أسى ولوعة وحنين لا يداوى. وحين زارها المحامون في صباح اليوم التالي وجدوها قويّة وصابرة؛ فأوصتهم أن ينقلوا باسمها، لأهلها ولشعبها، دعاء الأسيرات الأمهات اللواتي يتحرّقن حسرة ولوعةً وشوقًا، وينتظرن، بعناد وبشموخ موعدهن مع الحرية في أحضان الوطن وعلى ترابه، مع أحبابهن.

أعرف أن خالدة لم تراهن على موقف مصلحة سجون الاحتلال الاسرائيلي ازاء مطالبة محاميها بالسماح لها بحضور جنازة ابنتها؛ فهي، وزوجها غسان، أبناء لأجيال فلسطينية خبرت، منذ عقود، كيف يكون "الشر عاديًا "، وكيف يكون التاريخ  أسودَ، وتكون "تاؤه" مربوطة على قرني محتل ظالم وشرير؛ فعندها، هكذا تعلّما، لا يصح التنبؤ والانتظار ؛ فالشر لا يعرف إلا أن يتمظهر بطبيعته العادية الواحدة البسيطة والواضحة ونتائجه دائمًا متوقعة وبديهية. 

ترددت كثيرًا قبل اتصالي بغسان كي أعزيه بوفاة سهى؛ وتمرّنت على عدة سيناريوهات ممكنة لبداية مكالمتي معه، لكنني لم أعرف أيها سيكون الأهون علي وعليه. طلبته، فرد علي مباشرة بصوته المألوف، وبلكنته المميزة التي كان يصاحبها القلق. صمتُّ لوهلة، ثم بدأتُ معتذرًا أنني لست الى جانبه في هذه الأوقات الصعبة. حاولت أن استرسل في شرح أعذاري، فقاطعني بدماثة صديق عتيق وقال: "من قال أنك لست موجودًا فأنت معنا الآن ومنذ أكثر من ثلاثين عامًا، ألا تذكر ?" 

أتذكر بالطبع كيف تعرّفت الى غسان جرار وخالدة رطرورط/ جرار، حين كانا طالبين يساريين ناشطين في جامعة بير- زيت، وحين أحبّا بعضهما، ومضيا يربيان معًا قلبين أحمرين ويسيران على دروب مقاومة الاحتلال وبناء عائلة تباركت أولًا "بيافا" وبعدها "بسهى"؛  فكبرتا طفلتين طموحتين في دفء خيمتين وارفتين وعلى نفس الوعد والعهد. 

 لم أعرف، وأنا أحدّثه، إذا كان المقام يتيح لي دق أبواب ذلك الماضي، عندما اعتقلت قوات الاحتلال الاسرائيلي، في الأول من كانون ثان عام 1992، غسان من بيته في رام الله، واقتادوه الى معتقل الظاهرية، ليجد أن رفيقيه، حسن عبد الله وعلي فارس، قد سيقا قبله إلى هناك؛ وكيف في غداة تلك الليلة أخبروهم بأن قائد جيش الاحتلال قد أصدر أوامر أبعادهم عن الوطن لأنهم، كنشطاء في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، يخطّرون أمن المنطقة وسلامة السكان .     

استأنفت محادثتي مؤكدًا على أنني أعرف كيف يتقطع قلبه على فقدان حبيبته سهى؛ لكنني، هكذا أضفت، أعرف أيضًا صلابته وقوة تحمّله ورجاحة عقله وحكمته، وتمنيت عليه أن ينجح في تخطي الأزمة، لتصبح ذكرياته مع سهى مشاعل تنير فضاءاتهم بالبسمة، التي ستبقى كسيرة وحزينة، وبالأمل.

ثم انتقلت، محاولًا حجب غصة داهمت حلقي، وسألته: هل تذكر عندما زرتك في معتقل الخليل لأرتب معك تدابير معركتنا في الدفاع ضد أوامر ابعادكم ، انت وحسن وعلي. أجابني: طبعًا أتذكر،  ثم أردف، وكأنني أشعلت في صدره شرارًا: كان الثلج يغطي مدينة رام الله وجبال فلسطين، وكنا نجلس في بيتنا أنا وخالدة ويافا ابنة الخامسة.  انقطع صوته لهنيهة، وكأنه كان يبعد عن عينيه الندف، ثم أضاف: "كان عمر سهى أربعة عشر شهرًا". سمعت في صوته نبرة حنين دفين فأكمل مضيفًا: "عساك لا تتذكر، يا جواد، فسهى كانت قد ولدت  في يوم  11/9/1990 وأنا كنت في ذلك الوقت سجينًا في زنازين سجن رام الله، وأنت كنت المحامي عني.  جئتني الى ساحة بجانب الزنازين لتخبرني بأن القاضي العسكري قد أمهل المحققين مدة أثنتين وسبعين ساعة، وبعدها، هكذا طمأنتني، فإما ان يقدّموا بحقي لائحة اتهام، واما أن يحيلوني الى الاعتقال الاداري، واما أن يفرجوا عني. كنتُ منهكًا من التعذيب فسمعتك بطمأنينة وحفظت وصيتك التي جعلتني بعد أن غادرت مثل الرخام أصم، فأفرجوا عني بعد اربعة أيام". كان يخاطبني وكأنني زرته قبل أيام قليلة؛ شأنه، في هذه التجربة شأن جميع الفلسطينيين الذين يبنون قصور آمالهم من تراكم أفراحهم الصغيرة؛ فيفرحون بسقوط الثلج على لياليهم المزعجة، ويحسبونه رسائل حب من السماء، وينتصرون قليلًا، ويصمدون كثيرًا، وينامون خفافًا ولا يحلمون بالمستحيل.       

مدهش كيف تحفظ الضحية تفاصيل معذبيها وتعذيبها وكيف يتذكر جسدها تقاسيم السياط واختلاف موسيقاها في كل ضربة هاوية على لحمها ومع كل أنة. ومفرح كيف يواجه الفلسطيني تلك الذكريات، فهي، وان بقيت ندوبًا على ذاكرته، سرعان ما تتحول الى صور من هزائم مُنيَ بها الظالم، وتفاصيل ترسم فسيفساء صمود شعب ما  زال، رغم ظلم الاحتلال وبطشه، ورغم خيانات الاشقاء والاقارب، "يحلم بالزنابق البيضاء" وبالثلج، ويطارد حبيبات الندى ليحيا أبناؤه عزيزين رغم طغيان العهر والعطش والسراب.

لقد ازعجتهم حريّة غسان؛ فعادوا في مطلع العام 1992 واعتقلوه مع مجموعة من  رفاقه بنية إبعادهم خارج الوطن. أوكلت للدفاع عنهم أمام لجنة الاعتراضات العسكرية، ومن ثم في الالتماس الذي قدمناه الى " محكمة العدل العليا" الاسرائيلية. زرتهم مرارًا في سجن الخليل وأعددنا معًا نصوص مرافعاتهم بعد ان أتفقنا، هكذا ذكرني غسان، على ضرورة المماطلة في الاجراءت القانونية، فاسرائيل في تلك الايام كانت على عتبة خوض انتخابات برلمانية لا تساعد أجواؤها على ادارة معركة سياسية شعبية ضد سياسة الابعادات ولا المضي في معركة قانونية مجدية بالطبع. 

قدم غسان ورفاقه مرافعاتهم الطويلة التي كانت عبارة عن لوائح اتهام بحق الاحتلال وموبقاته؛ أما أنا فتحدثت وأطلت، ثم أجملت مرافعتي كما أوردها الاسير حسن عبد الله، الذي أصبح روائيًا وقاصًا فلسطينيًا معروفًا، في مجموعته  القصصية "رام الله تصطاد الغيم "، فقلت للقضاة : "مرافعتي الاجمالية ستكون قصيرة وموجزة، فهذه رغبة من أوكلوني عنهم، حيث طلبوا مني أن اعترف أمام المحكمة نيابة عنهم بما يلي: الرجال الذين يجلسون فيما تطلقون عليه اسم -القفص- يعترفون أنهم يعشقون الزيتون ويفتنون بنوار اللوز، ويطربون للحن الشبابة..انهم يعترفون بحسهم المرهف الشفاف عندما يستمعون لبكاء طفل ويهتزون من اعماقهم لزغرودة أم شهيد، وهي تزف ابنها في عرس مهيب؛ فهل تستحق هذه التهم عقوبة الطرد من الوطن ."  لن اسهب في تفاصيل الحكاية؛ ففي شهر تموز من العام 1992 انتخبت في اسرائيل حكومة جديدة، فقام وزير عدلها بالغاء أوامر الأبعاد بحق غسان ورفاقه، مؤكدًا عمليًا بقراره، ما أعلناه دومًا على انها كانت قرارات سياسية باطلة وكيدية وتستهدف الحاق ابشع العقوبات الوحشية بحق الفلسطينيين. ولكنهم  ... لم يفرجوا عن غسان جرار، بل حوّلوه الى الاعتقال الاداري، ليمضي، وراء قضبان القهر، مدة خمسة عشر شهرًا اضافيًا.

"تعرف كم نحن أقوياء" ، هكذا أجابني حين رجوته أن يصمد كي يسعد "يافا" ويبقى الى جانب خالدة، لكنه تابع وقال بصوت الأب الحنون:  "لكننا، في النهاية، نبقى بشرًا، نحب حتى آخر الأنفاس، ونعشق الفجر وهو يراقص محيّا بناتنا، ونذوب حين يغرقوننا بالرقة وبالغنج. لقد قصم ظهري هذا الرحيل.." ثم استعاد تفاصيل تلك الليلة، قبل ثلاثين عامًا، عندما كانت سهى طفلة صغيرة، ويافا عروسًا تحب الثلج، وحين "لبست رام الله، مدينته الحبية، ثوب زفافها ونامت ترتعش من الانفعال تحت أنفاس عريسها القادم من السماء" ، كما  كتب صديقنا حسن عبد الله في قصته الجميله "عروسان في الثلج"، ووصف فيها كيف قضى غسان ليلته الأخيرة مع عائلته وكيف سألته يافا  " ألا يلعب الناس في بلادنا بكرات الثلج؟ " فأجابها " بعد أن تنامي، فاذا نمت سنخرج جميعنا من البيت في الصباح ونلعب بالثلج ونقيم تمثالًا جميلًا، وسأصورك بجانبه ثم نعمل كرات ثلجية ونقذف بها أمك ". فرفضت يافا فكرة قذف أمها لأنها تحبها، فأجابها غسان بأنه هو أيضًا يحب أمها، فقالت: " اذن سنقذفك أنا وأمي بالثلج" . ثم أغمضت يافا عينيها وهي تحلم، فحملها غسان الى سريرها وغطّاها جيدًا وطبع على جبينها قبلة.

سمعته يتنفس بصعوبة ثم قال: ما زلنا نحلم بذلك التمثال الأبيض، وبالعروسين وهما تلعبان بكرات الثلج.   

أصغيت له بخشوع مضطرب، وحاولت أن أحيط صدري بكواتم أصوات، وخفت أن يشعر بأنني ضعفت حتى البكاء؛ وددت لو كان في مقدوري أن أسمعه زفرة "الدرويش" حين قال: " للحقيقة وجهان، والثلج أسود فوق مدينتنا، لم نعد قادرين على اليأس أكثر مما يئسنا "،  لكنه سألني فجأة، متى ستزور خالدة، فقد تكون هي بحاجة لمثل هذه الزيارة؟ وعدته قريبًا .  

    كم نحن

بحاجة إلى لم الشمل

جواد بولس

Description: https://www.alquds.co.uk/wp-content/themes/alquds/img/plus-gray.svg

أثار موقف أعضاء القائمة الموحدة، الذراع السياسي للحركة الإسلامية الجنوبية، في الكنيست، يوم الثلاثاء الفائت، موجة جديدة من التهجم عليهم وانتقادهم بلغة شديدة، حتى ذهب بعض المعقبين نحو وصف تصويت النائبين منصور عباس ووليد طه، لصالح “قانون منع لم شمل العائلات الفلسطينية”، بالخيانة.
لقد شرّع الكنيست الإسرائيلي هذا القانون لأول مرة في سنة 2003، ووصفوه بخبث كقانون مؤقت جيء به، في حينه، لمواجهة “حالة أمنية طارئة” ولمدة عام واحد. ولأننا نعرف كيف تعاملت، وما زالت تتعامل حكومات إسرائيل مع حقوق المواطنين الفلسطينيين، لاسيما ما يتعلق منها بالقضايا السكانية، أحسسنا، من وقتها، بأن الذرائع التي استعملت لتسويغ الضرورة ولتسويق القانون، لم تكن سليمة ولا صادقة؛ فالأهداف من وراء تشريعه كانت كيدية وديموغرافية وتستهدف، في الواقع، حرمان الفلسطينيين، المواطنين داخل إسرائيل، والساكنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من ممارسة حقهم في الزواج من بعضهم بعضا، وبناء عائلات فلسطينية جديدة؛ ومن ثم ممارسة حقهم القانوني والإنساني، في لم شمل عائلاتهم كي تعيش في أماكن سكناها الدائمة، داخل حدود 1967.
وعلى الرغم من تحديد مدة سريان مفعول القانون، في الأصل، لعام واحد، إلا أن إبقاء إمكانية تجديده واردة، في حالة استمرار المعطيات والظروف التي استدعت إلى سنّه، حوّلته، في الممارسة، إلى قانون دائم، كما رأينا عبر السنين، وتصويت الكنيست على تمديده عاما بعد عام.
يعرف النائب منصور عباس ومعه زملاؤه في القائمة الموحدة، ومثلهم أيضا أعضاء مجلس شورى حركتهم الإسلامية، أننا بصدد قانون شيطاني جائر كان قد أوقع، خلال السنوات الماضية، آلاف الضحايا الفلسطينيين، الذين حرمهم حظره بلم الشمل، من العيش كعائلات طبيعية وبطمأنينة واستقرار وبسلام. ويكفي أن نقرأ ما كتبه عباس نفسه على صفحته، في وصف بشاعة هذا القانون حتى نفهم لماذا انتقدوه بغضب، ولماذا كانت خطوته مستهجنة، فهو الذي كتب على صفحته قبل يومين إنه: “يؤكّد بداية موقفنا المبدئي الرافض لهذا التشريع الظالم العنصري والمعتدي على حقوق أبناء شعبنا خاصة، وعلى حقوق الإنسان بشكل عام”، لكنه استطرد بعدها محاولًا تبرير تصويته والنائب وليد طه مع هذا القانون، وتبرير امتناع النائبين، مازن غنايم وسعيد الخرومي، عن التصويت معه أو ضدّه. لن أدخل في نقاشات مع مرافعات قياديي الحركة الإسلامية الجنوبية الدفاعية، ومحاولاتهم شرح وتبرير مواقف الحركة غير الملتبسة، في هذه الحالة وفي غيرها، بل الواضحة والمنسجمة مع نهجها منذ تأسيسها؛ لأنني على قناعة بأنهم لن يتراجعوا عن برامجهم المعلنة، خاصة إذا بقيت المعطيات السياسية الإسرائيلية الحالية على حالها؛ ولأنهم، هكذا افترض، يقدرون ويشعرون بأن اتباعهم لطريق السياسة النفعية/الذرائعية هو الخيار الأصوب، الذي سيزيدهم قوة داخل مجتمعاتنا العربية، التي تواجه حالة التباس واضحة، مواطنية وهويّاتيّة، كنت قد تطرقت إلى معالمها ومخاطرها في الماضي.

احتمالية تشكّل حالة اجتماعية سياسية جديدة داخل مجتمعاتنا، في ظل نشوء مفاهيم مشوهة حول المواطنة، وفصلها عن ضرورة اقترانها بهويتنا القومية

لا أعرف كم من المتابعين والمحللين السياسيين، تابعوا أو اهتموا بحيثيات خبر لقاء نواب القائمة الموحّدة مع طاقم رؤساء السلطات المحلية والبلديات العربية، الذي جرى في ضيافة الدكتور سمير محاميد، في مبنى بلدية أم الفحم، في السادس والعشرين من الشهر المنصرم؛ إذ نشر الدكتور منصور عباس على صفحته خبراً لافتاً حول اجتماع القائمة الموحدة مع رؤساء السلطات المحلية العرب، كان عنوانه، كما جاء في الخبر، “نحو تكامل العمل البرلماني والحكم المحلي العربي” وأهدافه “من أجل تعزيز التنسيق والتعاون والشراكة بين نواب القائمة العربية الموحّدة ورؤساء البلديات والمجالس العربية ولجنة الرؤساء، ومنتدى السلطات البدوية في الشمال”. وقد شارك في الاجتماع، علاوة على النائبين منصور عباس ومازن غنايم، رئيس المكتب السياسي للقائمة الموحدة، ورؤساء البلديات من المدن: أم الفحم وكفر قاسم ورهط وباقة الغربية؛ وكذلك شارك رؤساء السلطات المحلية عن مجالس البطوف والمزرعة وكفر برا والبير المكسور والمجلس الإقليمي القصوم، ورئيس منتدى السلطات المحلية العربية في الشمال، وشخصيات أخرى؛ حيث استعرض النائبان عباس وغنايم فرص وإمكانيات التعاون والتنسيق المشترك، على ضوء مشاركة القائمة الموحدة في الائتلاف الحكومي، سواء في الاتفاق على بناء الخطط الخماسية الشاملة، التي رصد لها مبالغ كبيرة في الائتلاف الحكومي، أو في التعاون الثنائي المباشر بين النواب ورؤساء البلديات والمجالس العربية. وكل ذلك حسبما جاء في الخبر المذكور.
لا يمكننا غض النظر، وعدم الانتباه إلى هذه التطورات التي تدل على احتمالية تشكّل حالة اجتماعية سياسية جديدة داخل مجتمعاتنا، في ظل نشوء مفاهيم مشوهة حول المواطنة، وفصلها عن ضرورة اقترانها بهويتنا القومية. لقد أشرنا، مع بداية ظهور أولى علامات هذا التحوّل، إلى خطورته البارزة، خاصة بعد أن ضعفت مكانة الأحزاب والحركات السياسية العربية التقليدية غير الدينية، وبعد أن اهتزت صورة قياداتها بين المواطنين، وبرزت، في مقابلها، أنماط لقيادات استمد بعضها شرعياته بشعبوية متمردة ومتحدية، وبعضها باللجوء إلى خطاب غيبي محافظ تمويهي، ومؤثر، خاصة بين فئات المواطنين غير المسيّسة والبسيطة والفقيرة. سيفضل البعض عدم الالتفات إلى هذه التداعيات “الهامشية” ونسيانها، وسوف يتفّهها آخرون ويحيلونني إلى حتمية تفتّتها على صخرة أبناء مجتمعنا، الذين يمضون نحو نصرهم الحتمي، وهم “منتصبو القامات” وبإرادات من فولاذ؛ وقد يعوّل بعض الواقفين، على الضفة الاخرى، على نهاية هذه الحكومة القريبة، التي ستنتهي معها مغامرة الحركة الإسلامية السياسية العابرة؛ وحينها ستعود الحراكات السياسية داخل المجتمع الإسرائيلي وبين الأحزاب الصهيونية إلى مساراتها العنصرية التقليدية الطبيعية، حين لن تجد الحركة الإسلامية أو شبيهاتها مكانا ولا حتى على مقاعد البدلاء، ولن تنعم بشرعية حتى لو كانت عرجاء أو عاقراً، كما أوهمتنا وتوهمت. ولكن على الرغم من جميع هذه الفرضيات أو القناعات أو التمنيات، فأنا، على نقيضها تماما، أومن بأن خطاب الحركة الإسلامية الجنوبية، كما يردده ويشرحه منصور عباس وسائر قادتها، قد ذاع بين المواطنين العاديين، وخلق لسائر الأحزاب والحركات السياسية تحديّات كبيرة، كما أنه وضع أمام مؤسسات المجتمع المدني مهام ثقيلة وصعبة. فالتزام الحركة بالعمل السياسي، في واقعنا المشوه، وفق منهج “النفعية المطلق”، من جهة واحدة، وتمسكها بالعمل من أجل بناء “مجتمع محافظ”، من جهة ثانية، سيفضي حتماً إلى فرضها وقائع تتماشى مع مبادئها، وتتعارض مع ما تؤمن به الأحزاب السياسية الضعيفة، والمؤسسات المدنية والحقوقية، التي تنشط من أجل الدفاع عن الحريات الأساسية، وعن قيم اجتماعية وسلوكيات غير “محافظة”، وفق قاموس حركات الإسلام السياسي.
أكتب ذلك وأعرف أن البعض سيدّعي أنني أبني فرضيتي من فراغ، أو أنني قد أهملت دور الحراكات الشعبية والشبابية، وتأثيرها المضاد للحركات الإسلامية، ولنهج الاندماج المنقوص والمجاني، الذي نلحظ تناميه داخل مجتمعاتنا، لكنني رغم اعترافي بأهمية هذه الحراكات، والتي سأعود إليها مستقبلًا، ما زلت أرى تعاظم دور الحركة الاسلامية وتأثير المفاعيل التي تعمل على نشر نظام الانتفاعات/ الامتيازات الإسرائيلي.
لا يستطيع أحد التكهن بما سيحصل في الأيام المقبلة، لكنني على قناعة بأن دور هذين العاملين لن ينحسر أو لن يحجّم، إلا إذا قامت داخل مجتمعاتنا قوى سياسية جديدة قادرة على لم شملنا، وعلى مواجهة المنزلق الخطر وكسب ثقة الجماهير العريضة وتأييدها. وللتنويه سأعود لما اختتم به الدكتور منصور عباس خبره عن ذلك الاجتماع، فقال: “واتفق الطرفان على الاستمرار في بلورة رؤية مشتركة لاحتياجات المجتمع العربي ووضع سلم أولويات للقضايا التي يجب التقدم في علاجها في الخطط الخماسية المقبلة، ليكون الموقف موحدا وقويا ومتماسكا أمام الوزارات والحكومة”.
هكذا إذن ! تداولوا وتحدثوا عن رؤى مشتركة في ظل مواطنة يرونها كاملة، ونحن نعتبرها، بحق، عرجاء منقوصة، خاصة إذا لاحظنا أن هويتنا الفلسطينية، التي كبرنا في ظلها، كانت غائبة عن أجندة النائب منصور وزملائه هناك.

*كاتب فلسطيني

 

 

الغضنفر

جواد بولس

كانت حركة الوافدين على مدخل مسستشفى كابلان، في مدينة رحوبوت، خفيفة؛ فدرجات الحرارة كانت مرتفعة بشكل استثنائي، وأخبار عودة انتشار فيروس كورونا بدأت، على ما يبدو، تردع البعض، وتلزمهم بالتحرك ساعة الضرورة الملحّة فقط، كيلا تعود أيام الحصار المقيتة.
دخلت من الباب الرئيسي، وبدأت أمشي نحو قسم الأمراض الباطنية في الطابق السابع؛ فهناك سوف ألتقي بموكّلي، الغضنفر أبو عطوان، الذي نقل من سجنه إلى هذا المستشفى في منتصف يونيو أثر تردّي حالته الصحية، بسبب إضرابه عن الطعام.
في البداية انتابني شعور بالغربة والضيق، فزوّار المكان كانوا مختلطين بالمرضى، وكان الجميع يتحركون بتثاقل واضح ووجوههم مغطاة بالكمامات الملونة؛ كان بعضهم يَجرّ أو يُجرّ على كراسي متحركة، ارتفعت من جنبات عدد منها مواسير فضية، تتدلى من رؤوسها أكياس مليئة بالسوائل، ومنها تنطلق أنابيب بلاستيكية رفيعة تغور أطرافها في أذرع ركاب تلك الكراسي. وقفت للحظة أراقب، فانتبهت كيف كان الجميع يتدحرجون ببطء وبصمت، ولا يتكلمون، حتى تخيّلت نفسي أمام مشهد من أحد أفلام الخيال العلمي، وهؤلاء أشباح غريبة أو مخلوقات تشبه البشر.
لم أتوجه إلى منطقة استعلامات المستشفى، فما أن استأنفت تقدمي أيقَظت رائحة المكان ذاكرتي؛ فمشيت وانحنيت يمنة ويمنة فيسرة حتى توقفت، بعد عدة دقائق، أمام المصعد المناسب الذي سيقلني، كما أقلني في السنوات الماضية، نحو الطابق السابع، حيث رقد رفاق الغضفنر قبله. في المصعد شعرت باختناق شديد. كان الهواء ثقيلاً ومشبعاً بروائح المرض والعرق والأدوية. توقفنا في كل طابق؛ كانت ثرثرة “المسافرين” متواصلة، وفوضاهم في تحديد وجهة المصعد مزعجة، فنزل من نزل وصعد آخرون وكأنهم في رحلة طيران مجانية؛ وأنا، من مكاني في الزاوية الخلفية، كنت أحاول، أن استعيد ما خبرته من زيارات المشافي، فلكل مشفى رائحته الخاصة وكل الروائح تذكرنا بالموت.
لم يكن أمام الغرفة حرس السجون، أو رجال أمن؛ فدخلتها، بعد أن مررت على أسرّة أربعة مرضى اسرائيليين، تعمّدوا إشاحة أعينهم عني، فتذكرت لحظتها، ما اسم ذكر النعام. استقبلتني أخته بنازير حارسة سلامته، وذات الشخصية القوية اللافتة، وعرّفتني على والدته وعلى ضيفين، رجل عربي وسيدة يهودية، جاءا ليتضامنا مع أخيها، جلست قريباً منه، فأدار وجهه نحوي بصعوبة ولم يتكلم، سألته إن كان يعرفني فأجابني بهزة خفيفة من رأسه وتبسم. سألته ماذا تريد مني؟ حاول أن يستقيم بجسده فبدت المهمة مستحيلة؛ لقد خانه الجسد وبقيت معه العزيمة. عيناه ناعستان تشعان، من فتحتين صغيرتين، إصراراً طفولياً؛ وذقنه مكسوة بشعر داكن، كلون الحناء، أو ربما الكستناء، وحاجباه سيفان جميلان يحملان جبينا شهيا، وشعره تخفيه كوفية عقدها مستديرة على رأسه، كزنار من شمس، بطريقة “خليلية” مألوفة، وأرخى من طرفها ذيلاً يشبه ذيل الفرس.

لقد حوّل الإسرائيليون المضرب عن الطعام إلى محرر مريض أسير، ورحّلوا عن كواهلهم، المسؤولية عن حياته وعن حريته

“أريد منك أن تخرجني من هنا إلى البيت”. قال بصوت خفيض وسبابته تلوح برقة في الفضاء، ثم أردف مؤكدا، أنه يعي خطورة وضعه الصحي؛ فهو مضرب منذ خمسة وخمسين يوماً، ولا يشرب إلا الماء، ويرفض إجراء الفحوصات الطبية؛ لكنه يعرف أيضاً أنه مسجون، منذ بداية شهر أكتوبر الماضي، بدون سبب وبلا محاكمة. فإما الحرية وإما الحرية؛ قال بحزم وحاول ألا يغفو. أوجزت أمامه خلاصة الإجراءات القانونية، التي استنفدت حتى موعد زيارتي له؛ فبعد أن أمضى مدة ستة شهور في السجن، وفق أمر الاعتقال الإداري الأول، قرر قائد جيش الاحتلال الإسرائيلي إصدار أمر اعتقال جديد لمدة ستة أشهر إضافية؛ فصادقت المحاكم العسكرية على أمري الاعتقال، ومثلها فعلت محكمة “العدل” العليا، “بذريعة كونك عنصرا خطيرا في “التنظيم” وتهدد بميولك إلى النشاط العسكري أمن وسلامة المنطقة والمواطنين. وبعد أن تردت حالتك الصحية، وفق تقارير أطباء المستشفى، تقدمت النيابة العامة الإسرائيلية بطلب من المحكمة العليا، لتجميد أمر الاعتقال أو لتعليقه، فكونك مقعداً، وبحالة صحية حرجة، لم تعد تشكل خطرا كما كنت، وذلك حسب ادعاءات النيابة. وقد استجاب قضاة المحكمة العليا لطلب النيابة، وقرروا، في الرابع والعشرين من يونيو المنصرم، تجميد أمر الاعتقال بحقك، وأوضحوا أنك، منذ تلك اللحظة، ستبقى في مستشفى كابلان، ولكن ليس كأسير، ولن يحرسك حراس مصلحة السجون ولا غيرهم، بل كمريض حيث ستستطيع عائلتك زيارتك، وفق قواعد الزيارة المتبعة في المستشفى. وأضافوا، أنه وفي حالة استردادك لصحتك ستسترد أيضا قوات الأمن الاسرائيلية “حقها” في تجديد أمر الاعتقال الإداري بحقك”.
كانت تعابير الدهشة تنطق من وجهه المتعب؛ حاول أن يستوضح كيف يمكن أن تصدر هيئة قضائية مثل هذا القرار- السخرية، فأين القانون وأين المنطق؟ قاطعته، وقلت له بألم قليل وبكثير من العتب المبطن: “ألم تتعبوا، أنتم هناك في فلسطين المحتلة، من التفتيش عن القانون في خوذات الجنود؟ أولم تيأسوا من الركض وراء المنطق الوهمي في قرارات محاكم الاحتلال؟ أما زلتم تؤمنون بعدل بنادق رسمت المواجع على شواهد قبوركم؟”. لم أقسُ على الغضنفر؛ وقلت ما قلته بلغة المحامي المجرّب، الذي يعرف كيف تكون قلوب هؤلاء المناضلين أرق من نبع، وآمالهم معلقة على رموش العبث. فأنا في الحقيقة أستوعب دهشته إزاء ما تفتقت عنه عقول أجهزة القضاء الإسرائيلي، حين اخترع قضاة ما يسمى بمحكمة “العدل” العليا إمكانية تجميد قرار الاعتقال الإداري الصادر بحق المواطن الفلسطيني، وإبطال مكانته، بالمفهوم القانوني، كأسير؛ لكنهم يمنعونه، في الوقت نفسه، أن يتصرف كإنسان حر، وأن يختار المكان الذي به سيعالج أو يموت. لقد حوّلوه إلى محرر مريض أسير، ورحّلوا عن كواهلهم، بفذلكة وقحة تشبه شطحات محاكم التفتيش الجهنمية، المسؤولية عن حياته وعن حريته. فمن بدأ في سنوات الخمسين الماضية باختراع منزلة “الحاضرين الغائبين” سيعرف اليوم كيف يخترع منزلة “المحرر الأسير”. سألته إن كان يعرف شيئاً عن تاريخ محاكم التفتيش، فلاحظت على زجاج النافذة التي بجانبه صورة وجهه وبسمة خفية وسرب حمام كان يطير بسلام.
بعد نصف ساعة تقريبا دخلت علينا الطبيبة، رئيسة القسم، وطلبت أن تشرح بحضوري للغضنفر حقوقه وواجباتها؛ فهي كطبيبة مسؤولة عن بقائه حيا، عليها أن تقوم بفحصه وبمعالجته. سمعها باحترام ورفض ما طلبته بحزم. احترمَت موقفه وحذّرتْه من أنه يمر في وضع صحي حرج، وقد تصيبه في كل لحظة جلطة دماغية أو سكتة قلبية، وقد يقع ضحية لحالة وفاة فجائية. أصغى لها بانتباه شديد، ومدّ كفه نحو السماء وأغمض عينيه، لهنيهة، ثم نظر نحو أمه، التي كانت تستمع للحديث بعينين حائرتين وبشفة مزمومة وسمرة تشبه لون العناب، وقال للطبيبة بطيبة: إما ذلك المدى، وأشار نحو سرب الحمام البعيد، وإما هذا الردى. أحسست بركاناً في شراييني وتمنيت لو أكتب اليوم قصيدة يكون مطلعها: “على هذه الأرض من يستحق الحياة”.
نظرتُ في عيني الطبيبة التي كنت أعرفها منذ سنوات، وتابعت معها عدة حالات أسرى مشابهة، بدءا من قضية الأسير سامر العيساوي عام 2012، وآخرها قضية الأسير ماهر الأخرس، عام 2019، فلم أجد في عينيها غير الحيرة والدهشة. بلعت ريقها، توقفتْ عن الكلام للحظات ثم تابعته فقالت للغضنفر: أنت في الواقع بالنسبة لنا إنسان حر، وتستطيع أن توقع على وثيقة مغادرة وتغادر المستشفى على مسؤوليتك، لكنني ملزمة، هكذا أردفت، أن أخبرك أنك اذا اخترت ذلك، سأقوم بإخبار حرس المستشفى، فلربما لديهم تعليمات أخرى.. لم ينتظر الكمالة فأجابها مباشرة: لن أوقع لكم على أي ورقة، واعلمي أننا والحرية على ميعاد.
أعلمته بدوري أنني انتظر من المستشفى إعداد تقرير طبي جديد، فبعد استلامه سوف أتوجه إلى الجهات الإسرائيلية المعنية وسأطالب بالإفراج عنه أو بنقله إلى مستشفى فلسطيني، وإننا سنلتقي قريبا. استسمحته المغادرة، فأذن لي بعد أن ضمن وعدي بأن أكون ضيفهم على مائدة التحرير؛ غصصت، وأعلنت عن إضرابي عن الطعام كي آتيهم جائعا. ضحك مثل فلة أصيلة، ووضع سبابته على شفتيه وحررها برشاقة فارس فكانت هذه قبلته هي زوادتي في طريق عودتي.
تواصلت مع الإخوة في نادي الأسير، وبلغتهم تفاصيل زيارتي؛ فأفرحوني بتفاصيل عملية الإفراج عن الشيخ خضر عدنان بعد شهر من خوضه إضرابا محكما عن الطعام. وقرأوا لي مقطعا من رسالته التي نشرها فور تحرره، حيث خصني بها بمقطع قال فيه: “سلامي للمحامي الإنسان الذي افتخر به، ورافقني في السنوات (2011،2012، 2015، 2018 ،2021 ) جواد بولس الفذ، الذي أفخر بصحبته وأهله وزوجه وعياله. ابنته كتبت لي في بداية الاضراب: الحرية لخضر عدنان. وأسأل الله أن لا أكون قد خذلتها، ولا الأهل في كفرياسيف، ولا في الجولان، ولا في المثلث، ولا في غزة، ولا في الشيخ جراح، ولا في القدس ولا في جنين ولا في أي موقع”. سمعت الرسالة بغبطة جمة، ونظرت إلى الأعلى. كان شباك الغضنفر فوقي، وكنت أسمعه، هكذا خيّل لي، يردد معي “على هذه الأرض من يستحق الحياة “. طرت عائدًا إلى وعدي ومن فوقي راح يصفق سرب حمام.

*كاتب فلسطيني

حكومة بينيت – عباس…

ابنة الانتهازية والالتباس

جواد بولس

على الرغم من مرور شهر تقريبا على إعلان يائير لابيد عن نجاحه بتشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، وحصولها على الدعم من قبل الحركة الإسلامية الجنوبية، لا نستطيع أن ندّعي بأن مشاعر سخط المواطنين العرب على هذه الحكومة بارزة للعيان، بشكل لا يقبل المناقشة والتأويل؛ ولا أن ندّعي بأن معارضة “الشارع” العربي، داخل إسرائيل، لقرار دعمها من قبل الدكتور منصور عباس وزملائه في القائمة الموحدة، واضح لجميع المراقبين والمتابعين والمحللين.
لقد سمعنا، بالطبع، انتقادات متفرقة لهذه الخطوة؛ وقد تصدّر نواب القائمة المشتركة حملات الانتقاد هذه، والهجوم على زملائهم في القائمة الموحدة، ومثلهم فعل قادة الحركة الإسلامية الشمالية، المحظورة داخل إسرائيل، ومعهم قيادات بعض المؤسسات المدنية والشخصيات النخبوية؛ ولكن إذا أصغينا بجدية لنبض الجماهير، وإذا نظرنا بدقة إلى طبيعة الأجواء السائدة في معظم القرى والمدن العربية، لن نشعر بحالة من الفوران والغضب الشعبيين، بل ربما سنلمس حالة من شيوع الالتباس، التي تجاورها، في بعض الجيوب السكانية الواسعة، مشاعر من الترقب أو التمني بخيرات حكومة التغيير الجديدة، كما سماها مقيموها.
لسنا في معرض تحليل هذا الواقع ولا بمآلات تشكّله التاريخي؛ لكننا نستطيع، بهذه العجالة، أن نعدد بعضاً من الأسباب البارزة التي ساعدت على بلورته، وعلى إفشاء حالتي: الالتباس العام والتخبط الهويّاتي. فهنالك فوضى في سوقي المواطنة والهوية؛ حيث لا يستطيع المواطن العربي العادي أن يقتفي، وأن يتفهم ما هي مواقف معظم الأحزاب والحركات السياسية والدينية الناشطة في مجتمعاتنا، إزاء العلاقة بين شقي معادلة وجودنا بمركبيها: المواطني/ الاسرائيلي والوطني/ الفلسطيني، ولا كيف يشتبكان أو يتعايشان، ليس في النظرية وحسب، إنما في حياة ذلك المواطن اليومية، وأثناء ممارسته للعلاقات الطبيعية مع مؤسسات الدولة وداخل مجتمعه.

حالة من شيوع الالتباس تجاورها، في بعض الجيوب السكانية، مشاعر من الترقب والتمني بخيرات حكومة التغيير، كما سماها مقيموها

وكي لا نذهب بعيداً في التاريخ، ولا نظلم أحداً على حساب أحد، أقول إن الجميع كانوا وما زالوا شركاء في خلق وهندسة هذا الواقع الملتبس؛ فالحركة الإسلامية نفسها كانت سبباً في خلق هذه البلبلة الهوياتيّة، خاصة بين مؤيديها؛ ليس فقط بتقديمها، كما هو متوقع، مركب الإسلام على غيره في هوية الإنسان/المواطن الفلسطيني، بل بخلقها حالة من الصراع الشديد داخل المجتمعات الإسلامية، عندما انقسمت على نفسها، في منتصف تسعينيات القرن الماضي، واختلف جناحاها حول شرعية المشاركة في انتخابات الكنيست الإسرائيلية. لقد نمّى ذلك الانقسام، الذي ما زال قائماً بحدة، مشاعر الضياع في كثير من التجمعات السكانية، وساعد على عزوف الكثيرين عن المشاركة السياسية، ودخولهم إلى حالة من الفردانية، وحتى الاستدفاء في أحضان الدولة، والتماهي مع مؤسساتها. ثم إن استغلال مجلس شورى الحركة لحالة الفوضى السياسية الحزبية القائمة، وللتناقضات في تعريف حدود الممنوع والمسموح، وطنياً ومواطنياً، ساعدهم، إلى حد بعيد، في تسويق قرارهم الأخير؛ خاصة بعد أن أكدوا على الملأ أن اختيارهم لنهج “الدبلوماسية النفعية” لم يولد في زمن الدكتور منصور عباس، بل سبقه إلى ذلك المحامي عبدالمالك دهامشة، الذي مثل الحركة في الكنيست، (منذ عام 1996حتى عام 2006)، ورغم سلوكها المعروف، لم تمتنع مركبات القائمة المشتركة عن اتخاذ الحركة الإسلامية حليفا لها في جولة الانتخابات قبل الأخيرة.
لم يكن حال حزب التجمع الوطني في خلق واقع المواطنين العرب السياسي التعيس أفضل من غيره؛ فعلاوة على التنافر البنيوي القائم بين عقيدة الحزب السياسية وطموحاته في الواقع الإسرائيلي، أدّى ضعف مؤسساته القيادية، وتعلقها لسنوات طويلة بمؤسس الحزب، حتى بعد استقراره في دولة قطر، وتخبطهم في اتخاذ المواقف المفصلية أحياناً، إلى ابتعاد أعداد بارزة من كوادره القيادية، وإلى خلق بلبلة كبيرة في صفوف واسعة من مؤيديه العلمانيين، وإلى تشظيهم بين مجموعات راديكالية ضاجة، ومجموعات تحترف الصمت إحباطاً ويأساً. وللتدليل على حجم دور حزب التجمع في تصنيع وإشاعة حالة الالتباس التي ذكرتها، سوف أستعين بمثالين وقد وفرتهما مؤسساته مؤخرا.
فقرار مؤتمره، قبل جولة الانتخابات الأخيرة، باستبدال رئيس الحزب، بعد مدة قصيرة جداً من انتخاب الرئيس، كان دليلاً على التخبط، وعلى افتقار قيادته لصفة الحسم، تماما كما ظهر في حالة امتناعهم عن تجريد مازن غنايم، الذي كان يعدّ أحد قياديي حزب التجمع البارزين، من عضويته في الحزب، حتى بعد إعلانه الانضمام إلى الحركة الإسلامية وانتخابه نائبا عنها في الكنيست، ناهيك من كون انتقاله هو خطوة انتهازية بامتياز. قد يكون دور الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة في تدهور الحالة السياسية بين المواطنين العرب في إسرائيل، هو الأكبر؛ ببساطة لأن دورها التاريخي في بناء ذلك الواقع كان أيضًا هو الأكبر. وحين أقول ذلك أعرف أن الكثيرين سوف لا يوافقون على هذا التقييم، أو أنهم فرحون لأن منجزات الحزب الشيوعي، ومن ثم منجزات الجبهة الديمقراطية، تآكلت أو أنها دمرت وأمست من دوارس الماضي. إنها مسألة كبيرة لا يمكن تغطيتها في هذا المقال، لكنني سأكتفي بالإشارة إلى عدد من العناوين الرئيسية، التي كانت تميّز مواقف الجبهة وممارساتها في عصر قيادتها الذهبي، آملاً العودة إلى معالجتها كما يجب. لقد اهتم آباء الحزب الشيوعي، وبعدهم قادة الجبهة الديمقراطية، إلى بناء معادلة متوازنة بين حقيقتي كوننا جزءا لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، وفي الوقت نفسه، مواطنين في دولة إسرائيل؛ وقد ناضلوا، من مواقعنا، منذ البدايات، إلى جانب أبناء شعبهم وخطّوا، في أكثر من حالة تاريخية، شعارات المرحلة الوطنية، واجترحوا، في الوقت ذاته، وسائل الصمود والكفاح الحكيمة والناجعة. لم يغرهم بريق شعارات القوميين من جهة، ولم تردعهم، من جهة ثانية، هرولة بعض “مخاتير” العرب إلى أحضان إسرائيل، ولا زعرنات أذنابها في ذلك الوقت؛ لكنهم أكدوا دوماً على ضرورتين أساسيتين للصمود وهما: تعزيز الوحدة الكفاحية مع القوى المحلية الوطنية، والعمل مع القوى التقدمية اليهودية. لم يكتفوا بردود الفعل على سياسات إسرائيل العنصرية، فبادروا، كما يليق بقيادات مجتمع يكافح من أجل البقاء في الوطن، والعيش بكرامة وبمساواة قومية ومدنية، بوضع سياسات تستشرف المستقبل، وببناء المؤسسات الكفيلة للوصول إلى ذلك المستقبل. لقد استلهموا، في سبيل ذلك، تجارب الشعوب ونضالاتها ضد الفاشية تحديدا، فعرفوا متى وكيف تبنى الجبهات ومعها وحولها عدد من المؤسسات القيادية: النقابية والمدنية والنسائية والطلابية والشبابية والبلدية.
لم تحافظ الجبهة على صدارتها ومواقعها، لأنها لم تستحدث بناها التنظيمية، ولأنها قبلت بترئيس قيادات حزبية ضعيفة، وغير قادرة ولا معنية بمواكبة معظم التغييرات التي حصلت داخل المجتمعين، اليهودي والعربي؛ فتحولت معظم هيئاتها إلى مجرد هياكل باهتة تتحدث، على الأغلب، بأكثر من لغة وبعكس ما يتوقع منها.
لن أجد صعوبة بتقديم عشرات الأمثلة على تلكؤ مؤسسات الجبهة وغيابها عن تأدية دورها الريادي، أو عن قصورها المتكرر في مواجهة وإزالة حالة الالتباس المستشرية بين الناس، وفشلها في بناء جبهة عريضة لمواجهة اليمين والفاشية.
سيكفيني، في هذه الجزئية، أن استحضر كيف هاجم ويهاجم بعض القياديين الشيوعيين والجبهويين جميع الأحزاب والمؤسسات والشخصيات الصهيونية، بدون التمييز بينهم وبين مواقفهم إزاء مسألتي الاحتلال ومطالبنا بالمساواة، وإلزام رفاقهم بهذه المواقف، رغم عدم وجود إجماع حولها؛ كما رأينا في مواقف بعض قيادييهم وآخرهم ما بادرت اليه النائبة عايدة توما.
لا أعرف ما إذا ستهاجم النائبة عايدة توما من قبل بعض رفاقها، بسبب مبادرتها التي دعت فيها، بالشراكة مع زميلها النائب عن حزب “ميريتس” موسي راز، المعدود في قاموس السياسة الإسرائيلية من أحزاب اليسار الصهيوني، إلى عقد مؤتمر تحت عنوان “بين الاحتلال والأبرتهايد”. لقد عقد المؤتمر داخل الكنيست، رغم أنف عدد من النواب الفاشيين اليمينيين، وشاركت فيه، قبل يومين، مجموعة من مؤسسات المجتمع المدني، العربية واليهودية. لقد أوضحت النائبة توما، على صفحتها على أنه “في السنوات الأخيرة غيّبت الحكومات الإسرائيلية موضوع الاحتلال من خطاب غالبية الخريطة السياسية، ولكنها لم تغيّب من جدول أعمالها هي تعميق الاحتلال، وتوسيع المنظومة الكولونيالية للاستيطان، ونشاطات ترسيخ نظام الأبرتهايد”؛ وهذا ما دعاها إلى المضي في مبادرتها بالشراكة التامة مع النائب عن حزب “ميريتس” الصهيوني، الذي أعلن ويعلن أسوة بصهاينة كثيرين معارضته للاحتلال، ووقوفه في وجه الفاشية والفاشيين، وتأييده لجميع مطالبنا بالمساواة التامة.
ما زلت أراهن على أن حياة هذه الحكومة ستكون قصيرة؛ وهي في الواقع ليست أكثر من بديل يميني بجوهره، فُرض على جميع الشركاء، لأداء مهمة الانتقال من عصر اليمين النتنياهوي، الذي يدفع ثمن جشع وتورط أيقونته وقائده “المفدى”، إلى عصر الظلمات الذي قد يجتاح البلاد قريبًا من النهر وإلى البحر.
فإذا حصل ذلك وسقطت هذه الحكومة، علينا، كما قلت مرارا، أن نراجع بعض مفاهيمنا السياسية الأساسية، وأن نفتش عن حلفائنا من أمثال موسي راز وغيره، ومعهم نبني جبهتنا ونعزز قوتنا في وجه حكومة الظلام الآتية.

*كاتب فلسطيني

 

 

ما العمل؟ كان

سؤالنا الأكبر ولم يزل

جواد بولس

نجح يائير لبيد، رئيس حزب «يش عتيد» بإقامة حكومة إسرائيلية جديدة، بعد أن تنازل عن رئاستها في نصف مدة ولايتها الأول، لصالح رئيس حزب «يميناه» نفتالي بينيت، وبعد أن ضمنوا دعمها من قبل نواب القائمة الموحدة التي هي في الواقع ممثلة للحركة الإسلامية الجنوبية في الكنيست.
رافقت جلسة التصويت على إقامة الحكومة، التي جرت يوم الأحد الفائت، مشاعر الإثارة والترقب؛ فإمكانيات فوزها بثقة الأغلبية بقيت غامضة حتى اللحظات الأخيرة، بعد أن أعلن بعض النواب في أحزاب الائتلاف عن إمكانية امتناعهم عن دعمها، أو حتى التصويت ضدها. وقد برز من بين هؤلاء «المتمردين» النائب سعيد الخرومي، ممثل منطقة النقب في القائمة الموحدة، الذي احتج على استمرار عمليات هدم البيوت في القرى البدوية، بما فيها القرية التي يسكنها النائب وغيرها.
لم يصوّت النائب الخرومي ضد الحكومة المقترحة، بل أعلن، في اللحظة الحاسمة، امتناعه عن التصويت، مسجلاً، في مشهد تاريخي أنومالي/شاذ، موقفاً يعادل، في الواقع، إعلان دعمه لها؛ لأنها حظيت، بسبب امتناعه، بستين صوتاً، بينما عارضها تسعة وخمسون نائباً، منهم ستة أعضاء القائمة المشتركة. لقد اثار تغيّب النواب أيمن عودة وأحمد الطيبي وأسامة السعدي عن جولة التصويت الأولى انتقادات شديدة داخل بعض أوساط المواطنين العرب؛ فقد تبين في النهاية أنهم لم يقصدوا فعلياً إسقاط الحكومة، بل عادوا إلى قاعة الكنيست وصوتوا ضدها في جولة التصويت الثانية، بعد أن تأكدوا من أنها حصلت على الأغلبية النيابية المطلوبة.
ستبقى جميع هذه التفاصيل، رغم أهميتها لدى البعض، غباراً على صفحة الحدث الأهم؛ وهو برأيي مشاهد المخاضات الأخيرة من عملية الصراع السياسي المحتدم داخل المجتمع الإسرائيلي؛ والنجاح النسبي، غير المفهوم ضمناً، بإيقاف زحف القوى اليمينية المستوحشة نحو سدة الحكم، وتوقعاتها أن تستولي على الدولة التي كانت ستتحول إلى كيان آخر لا يشبه المألوف الذي عانينا، نحن المواطنين العرب، من سياساته وممارساته طيلة العقود الماضية. من الصعب أن نتنبأ حول عمر هذه الحكومة المتوقع، أو كيف ستتصرف أزاء معظم القضايا المفصلية والخلافية بين مركباتها الثمانية التي تجمعها شهوة الحكم والكراهية الكبيرة لشخص بنيامين نتنياهو، وتفرق بينها العقائد والمصالح والمطامع والرؤى.
يعتقد البعض أن ضعف أحزابها وصغرها ستكون من بواطن قوتها، فنفتالي بينيت، على سبيل المثال، يعرف في قرارة نفسه، ورغم انتمائه الطبيعي إلى معسكر اليمين الصهيوني المتدين، أنه ما كان ليحقق أمنية حياة كل سياسي، ويصبح رئيس حكومة وهو يقود حزباً مكوناً من ستة أعضاء كنيست فقط. لم يتقبل اليمين الجديد خسارته، ولم يعترف الكثيرون من رموزه، بشكل واضح، بشرعية حكومة بينيت – لبيد. وإذا ما راجعنا خطاب نتنياهو في الكنيست وتصرفاته بعد تشكيل الحكومة، سنلمس أنه لم ولن يتوقف عن إيجاد لحظة الانقضاض مجدداً على الحكم، سواء عن طريق محاولاته لإسقاطها من داخلها، أو عن طريق وكلائه الغوغائيين، ودفعهم لخلق الفوضى والبلبة في شوارع الدولة، وفي نقاط التماس الحساسة، وإكثارهم من عمليات التحريض والاعتداءات، على غرار ما قامت به قطعان اليمين في هجومها قبل شهرين على الأحياء العربية في المدن المختلطة، وإشعال موجة المواجهات الأخيرة مع المواطنين العرب؛ أو ما شاهدناه يوم الثلاثاء الماضي عندما أصرت جماعات المستوطنين واليمينيين السائبين على إجراء ما يسمونه «مسيرة الأعلام» الاستفزازية لمشاعر المقدسيين والمسلمين، التي كانت أيضا، في هذه المرة، أولى خطوات إرباك الحكومة الجديدة وحشر حلفائها، خاصة أعضاء القائمة الموحدة/ الحركة الإسلامية في «خانة اليك». وقد سارع النائب منصور عباس إلى شجب المسيرة، ووصفها بعمل استفزازي؛ فنجا مؤقتاً من تبعاتها؛ لكنه أحس، هكذا أتوقع، بغرابة تأييده شبه المطلق لحكومة سوف تضطر في المستقبل القريب إلى إجازة «مسيرات»سياسية أخطر وأكبر من مسيرة أعلام مستفزة».
سوف نعود، بطبيعة الحال، إلى مناقشة مواقف الحركة الإسلامية واختيارها طريق الشراكة النفعية مع حكومة إسرائيل، من دون أن تعلن ما هي ضوابطها السياسية ومتى وفي أي الظروف ستفك ارتباطها، خاصة أن قادتها ما زالوا يصرون على كونها «بيضة القبان» ويشيدون بقرارهم الذي أدى إلى إسقاط حكومة نتنياهو، وتحقيقهم ما وعدوا الناخبين به، كما جاء في بيانهم الرسمي الصادر في أعقاب تأييدهم للحكومة. وإلى أن تتم عودتي لمناقشة خطوات ومواقف الحركة الإسلامية، أود تذكير مجلس شورتها، وهو الهيئة الموجهة العليا وصاحبة الصلاحية في اتخاذ قرارتها، بأن قائمتهم قد تعتبر «بيضة القبان» تماماً، كما كانت تستطيع أن تكون القائمة المشتركة «بيضة ذلك القبان» لكنها لم ترض بذلك، ولم تفعل، لأننا ببساطة بحاجة لوجود «قبان» قبل أن يصير حزب أو حركة ما «بيضته».

ما يجري في إسرائيل تفاعلات معركة سياسية ستحسم قريباً؛ والمشكلة أنها قد تحسم ونحن العرب، نعاني حالة ترهل سياسي خطيرة

ودعوني أذكركم أيضا، أن شعار إسقاط حكومة نتنياهو خلال المعركة الانتخابية الأخيرة، كان أحد أبرز شعارات «القائمة المشتركة» وبعض الأحزاب اليهودية الأخرى مثل حزبي «ميريتس»و»العمل»؛ لكنه لم يكن شعار قائمتكم على الإطلاق.
واذا نسيتم فتذكّروا كيف أيّدتم موقف رئيس القائمة الدكتور منصور عباس الذي أطلق وتمسك بشعاره الملتبس «لسنا في جيب أحد» وأعلن «أننا لسنا يساراً ولا يميناً» ثم مضى يفاوض نتنياهو الذي احتضنه بمحبة أبوية «وبيّضه» بمهنية، وشرعنه أمام المجتمع اليهودي. لقد سمعنا، مثلكم، كيف شكر نفتالي بينيت، في خطاب العرش، بنيامين نتنياهو وامتدح علاقته مع عباس؛ فلولا ما قام به نتنياهو، هكذا صرّح بينيت، في هذا الاتجاه لكان من الصعب عليه وعلى حلفائه احتواء الدكتور عباس، وقبول حركتكم كحليف شرعي داعم لحكومتهم.
لم تُخرج الانتخابات المجتمع اليهودي من أزمته السياسية؛ ولا أرى كيف ستساعده هذه الحكومة على تخطي المرحلة والانتقال إلى مرحلة مغايرة جديدة؛ خاصة وكلنا يعرف أن إبعاد الأحزاب الصهيونية المتدينة وأحزاب اليهود الحريديم، عن تشكيلة الحكومة التي يشارك فيها حزب نفتالي بينيت «يميناه» وحزب «الأمل الجديد» برئاسة اليميني جدعون ساعر، كان عملياً مجرد خيار انتهازي للاثنين، ما خلق واقعا سياسيا غير مستقر، يناقض مواقف أكثرية المجتمع الإسرائيلي الحقيقية، كما عبرت عنها نتائج الانتخابات الأخيرة. فما يجري أمامنا هي تفاعلات معركة سياسية ستحسم قريباً؛ والمشكلة انها قد تحسم ونحن، العرب، نعاني حالة ترهل سياسي خطيرة، وضياع في سراديب معتمة؛ فالحركة الإسلامية اختارت طريقاً لم يسلكه من قبلها أي تنظيم عربي ولا نعرف إلى أين سيفضي بها وبنا، وكيف سيؤثر في سلوكيات أبناء مجتمعاتنا؛ بينما لم تعد القائمة المشتركة، بشكلها الحالي، عنواناً ملائما لمواجهة المرحلة المقبلة ولا وسيلة جاذبة ومقنعة للناس. في المقابل، نشاهد كيف تنمو بيننا شرائح شبابية تفكر بشكل «افتراضي» وتعمل بأساليب غير تقليدية وبفوضوية أحيانا؛ فتفور ساعة وقوع حدث ما، أو احتفاءً بذكرى ما، ثم تهدأ وتختفي داخل عوالمها الافتراضية؛ وعلى الغالب ما يجري كل ذلك بغياب قيادات واضحة لها وبدون أهداف سياسية محددة ومعلنة. إنهم أبناء جيل ما زال يفتش عن لغة توحّده وعن هوية تعرّفه وعن وجهة يبحرون صوبها ؛ لكنهم يتدافعون بأحاسيسهم، قبل كل ذلك ومن أجله، ضد عنصرية إسرائيل، ويواجهون بأجسادهم، بلا خوف، سياساتها ويتصدّون لأوباش اليمين بلا هوادة ونصرة لكراماتهم ولحقوق أبناء شعبهم.
لقد عرّت الانتخابات بشكل نهائي عيوب قادتنا وعجز معظم الأحزاب والحركات الناشطة بيننا؛ وأخشى أن يحصل الانكسار المقبل داخل المجتمع الإسرائيلي ولمّا نلملم جراحنا بعد، ولم نعدّ أنفسنا لمواجهة المرحلة المقبلة، فأمامنا خياران، أولهما: أن تعمّر حكومة بينيت – لبيد مدة أطول مما نتوقعه، وساعتها سيكون على قيادات مجتمعنا إيجاد السبل للتواصل معها لما فيه مصلحة الناس ومجتمعاتنا؛ وإما، وهذا الاحتمال الثاني، أن تسقط الحكومة قريباً، ويستأنف التاريخ الأسود فورانه ويستعيد اليمين الفاشي حكومته، فساعتها علينا أن نعرف كيف نقاوم وكيف نصمد أمام من لن يترددوا بالعودة إلى إحيائنا لإتمام ما بدأوا به في معركتهم الاخيرة.
لقد كان سؤالنا الأكبر قبل الانتخابات ما العمل؟ وبقي سؤالنا الكبير بعدها ما العمل؟
كاتب فلسطيني

 

« يداً بيد» وحكومة

إسرائيل المقبلة

جواد بولس

سأكتب مقالتي هذه المرة باسم التفاؤل، عن بقعة ضوء صغيرة وجميلة؛ وقد أنهكتنا العتمة في مواقعنا وحولنا في الشرق النازف عجزاً وجهلاً. أعرف أن الخوض في العموميات يكون على الكاتب بالعادة أسهل، واحتماءه بالغيبيات يحيل ليله إلى قنطرة، واحترافه للرفض يجعله إمّا منظّراً أو «مفكراً» وإدمانه على المزايدات قد يحوله إلى «مناضل» ومسطرة.
لم يسمع معظم القراء، على الغالب، باسم جمعية «يداً بيد» لأنها رغم أهمية ما تؤمن وتقوم به، تعتبر مؤسسة صغيرة تعنى بتنشئة أجيال جديدة من الطلاب العرب واليهود، على مبادئ الشراكة الحقة بين جميع المواطنين في إسرائيل، وعلى أسس من التكافؤ الكامل واحترام الغير، وقبول موروثه الثقافي ومعتقداته، ومفاصل تاريخه كما هي موجودة في ذاكرته الجمعية وفي سردياته الخاصة.
لقد آمن مؤسّسو الجمعية بأهمية رسالتي التعليم والتربية، وبكونهما الوسيلتين الأساسيتين لبناء حاضر المجتمعات، وضمان مستقبلها السليم، خاصة إذا كان المجتمع يواجه انشطارا عاموديا، وتتخاصم قطاعاته المختلفة، لأسباب تاريخية، مثلما هو الحال بين العرب واليهود داخل إسرائيل. بدأت الفكرة تتجسد عن طريق بناء مدارس تعتمد نظاما تعليميا ثنائي اللغة، يتعلم فيها الطلاب العرب واليهود، من جيل الحضانات حتى التخرج، باللغتين العربية والعبرية، ووفقاً لمناهج خاصة يتمّ إعدادها وانتقاؤها من قبل طواقم المعلمين والمسؤولين التربويين العاملين في الجمعية. أقيمت أول مدرسة عام 1997 وكانت في بناية متواضعة ومستأجرة في أحد أحياء القدس، ثم ما لبثت تتطور حتى أصبح لدى الجمعية في أيامنا سبع مدارس يتعلم فيها أكثر من ألفي طالب، عربي ويهودي. بنيت أولى المدارس العصرية التابعة للجمعية في القدس عام 2007 بدعم كامل من عائلة ماكس رين البريطانية، ثم أقيمت بعدها المدارس في منطقة المثلث كفر قرع وكفر قاسم وراس العين والجليل ويافا وحيفا وبيت بيرل. يقوم على إدارة الجمعية طاقم عربي ويهودي من الموظفين أصحاب الخبرة، ويعلّم في مدارسها طواقم معلمين، عرباً ويهوداً، وجميعهم مؤمنون بالفكرة وبأهمية الرسالة.
تعرضت مدرسة «يداً- بيد» في نهاية عام 2014 لاعتداء آثم، حيث قامت مجموعة من ناشطي اليمين الفاشي بإحراقها، وبكتابة عدة شعارات معادية للعرب وللمدرسة التي يتعلم بين جدرانها طلاب عرب ويهود. أثار الاعتداء، في حينه، موجة من الغضب في أوساط رسمية وشعبية عديدة، لاسيما بين عائلات الطلاب وأصدقاء جمعية «يدًا بيد» الذين طالبوا بالكشف عن الجناة وبتقديمهم إلى القضاء. نجحت الشرطة باعتقال ثلاثة مجرمين ناشطين في إحدى الحركات العنصرية الفاشية، وتمّ تقديمهم إلى القضاء بتهم التحريض على العنف وإحراق المدرسة. بعد أن «استفزتهم» المدرسة، حسب ادعاءاتهم، عندما أحيت ذكرى وفاة الرئيس الراحل ياسر عرفات. اعترف الأخوان شلومو ونحمان طويطو بالتهم المنسوبة إليهما، فحكمت المحكمة المركزية في القدس، أواسط عام 2015، بالسجن الفعلي لمدة عامين على شلومو طويطو، بينما حكمت على نحمان بالسجن الفعلي لمدة عامين ونصف العام. وفي وقت لاحق بتاريخ 1/12/2015 تمت إدانة المتهم الثالث ويدعى يتسحاك جباي، بعدة تهم جنائية، تضمنت، علاوة على التهمتين المذكورتين، تماثله مع تنظيم إرهابي؛ فحكمت عليه بالسجن الفعلي لمدة ثلاثة أعوام، ومن الجدير ذكره أن المحامي عضو الكنيست الحالي إيتمار بن جبير، مثله ودافع عنه أمام القضاء.
استقطب حكم المحكمة المركزية انتقادات واسعة، فوصفته جهات عديدة بالحكم الخفيف، وبكونه خالياً من مركب الردع، ليس بحق الجناة، الذين صرحوا بأنهم نفذوا جرائهم انتقاماً من المدرسة التي تساعد على التعايش والاختلاط بين المواطنين العرب واليهود، وحسب بل لضرورة إشاعة أجواء الردع في وجه موجات التحريض والاعتداءات العنصرية المتفاقمة في جميع أنحاء البلاد. قامت النيابة العامة بتقديم استئناف على الأحكام الصادرة فقبلته المحكمة العليا، وأضافت على حكم كل من الأخوين طويطو مدة ثمانية أشهر على السجن الفعلي، وعلى المتهم جباي مدة أربعة شهور، بعد أن وصف القضاة خطورة جرائمهم العنصرية، التي استهدفت هدم النسيج الإيجابي، الذي تحاول جمعية «يداً بيد» ومؤسساتها التربوية بناءه.

«يداً بيد».. منارة تبعث الأمل في زمن العتمة، وبقعة ضوء صغيرة وجميلة نتمنى أن تدوم، وألا تدفنها حكومة إسرائيل الجديدة

لم يكن درب الجمعية خضراء؛ فمنذ البدايات وحتى أيامنا تواجه تحريض القوى اليمينية، وتواجه إعراض مؤسسات الدولة وتردُّد وزاراتها في قبول فكرة التعليم ثنائي اللغة؛ وهي الفكرة التي قوبلت ايضا بالتشكيك من قبل المجتمعين العربي واليهودي، اللذين كبرا في دولة ربّت مواطنيها اليهود على استرياب مواطنيها العرب، ونمّت بين مواطنيها العرب مشاعر القهر، جراء سياساتها العدوانية والعنصرية بحقهم وبحق أبناء شعبهم.
لقد صمدت الجمعية في وجه جميع محاولات كسرها وإفشالها ونجحت مدارسها، بدعم الخيّرين المؤمنين بالنور ولاعني الظلمات، بترسيخ نهجها الطلائعي الجديد، الذي بدأ يستقطب اهتمام قطاعات واسعة من العالم وداخل المجتمع الإسرائيلي.
«يدًا بيد» والحكومة الجديدة!
من المتوقع أن تصوت الكنيست يوم الأحد المقبل على حكومة لابيد – بينت، التي ستنال لأول مرّة في تاريخ إسرائيل دعم قائمة عربية إسلامية، لم يتم تشكيلها منذ البداية كقائمة تابعة لحزب صهيوني، كما كان يجري في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، مع خلق ظاهرة «أقمار» حزب «مباي» وأعوانه من بين المواطنين العرب.
كانت السياسة ومازالت أمّ الخيبات وقاهرة المستحيلات، وستبقى، كذلك، سيدة المفاجآت الكبرى؛ فلا أحد يستطيع أن يتخيل كيف ستصمد هذه الحكومة المتوقع إعلانها رغم جميع التناقضات الجوهرية القائمة بين مركباتها، ولا أعني طبعا صعوبة توافق نواب الحركة الإسلامية مع سياساتها المتوقعة، بل أقصد استحالة استمرار حالة «الطاعة البيتية» بين نفتالي بينت من جهة وسائر الشركاء، خاصة إذا استمرت الأحزاب اليمينية والدينية التي بقيت خارج الإئتلاف بهجومها السافر والمباشر عليه. يساورني حدس بأن عمر هذه الحكومة سيكون قصيرا؛ فطبيعتها غير متجانسة مع روح الفضاءات السياسية، التي تجلت في نتائج الانتخابات الأخيرة؛ وهي، بكونها البديلة أو النقيضة للحكومة الأسوأ والأخطر التي لم ينجح نتنياهو بتشكيلها، لا تعد إفرازا طبيعيا، لوجهة التيارات الصهيونية المتعاظمة داخل المجتمع الإسرائيلي، والجانحة نحو يمينية صهيونية دينية، متوشحة بنزعات فاشية واضحة.
لقد شاركتُ في جميع جولات الانتخابات النيابية للكنيست الإسرائيلية، ودعوت غيري للتصويت؛ وحاولت أن أؤثر في النتائج كي ندرأ، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، الأسوأ. وأعي أننا نعيش وسط مجتمع يهودي تتزايد عنصريته السامة من يوم إلى يوم، وأعرف أنه ليس بالمشاركة السياسية وحدها سنحصل على حقوقنا، لكنني مقتنع بأننا بممارستها ستكون فرصنا بالحياة الكريمة أكبر وأكثر واقعية، خاصة إذا عملنا من أجل تعزيز وحدتنا، واتفقنا على ما نريد وما لا نريد وما هي وجهتنا وكيف تكون نجاتنا.
آمنت، منذ البدايات، بضرورة الشراكة مع القوى اليهودية، التي ترفض الاحتلال الإسرائيلي، وتقاتل من أجل تحويل إسرائيل لدولة مواطنيها، حيث ينال فيها الجميع كل حقوقهم، المدنية والقومية، ويعيشون بمساواة وحرية وعدل كاملين غير منقوصين. لقد خضت خلال العقود الخالية تجارب عديدة، فحققنا، على طريق تلك الشراكة، القليل القليل، وفشلنا في معظم الجبهات والمعارك؛ ومع ذلك لم أيأس، لأنني مقتنع بأن هويتي هي لغتي ودمي وهي حصني، ولكن مواطنتي، مهما كانت منقوصة، هي، بالبداية، حقي الطبيعي، وهي، في النهاية، مظلتي التي أقاتل وأناضل تحتها من أجل بقائي، حراً كريماً، في أرضي، ومن دون منة أحد. قصتي مع جمعية «يداً بيد» هي امتداد طبيعي لتلك التجارب، وقد بدأت عندما انتقلت ابنتي للدراسة الثانوية في المدرسة على اسم ماكس رين، وتخرجت منها قبل عقد من الزمن. كنت ناشطًا كأب في لجنة الأولياء، ثم رئيساً للجنة، ثم انضممت ، بعد تخرج ابنتي، كعضو في لجنة إدارة الجمعية، ثم انتخبت، قبل سنوات ومازلت، رئيسا قطريا لها إلى جانب رئيسها، بالشراكة، اليهودي المحامي حاجاي شموئيلي. تضم لجنة الإدارة مجموعة من الشخصيات اليهودية والعربية البارزين والمتطوعين للعمل فيها والداعمين لفكرتها ولرسالتها، ولدورها في تنمية أجيال من الخريجين المؤمنين بقدسية الحياة، وبضرورة احترام الآخر وقبوله إنسانا كاملاً، رغم اختلاف ثقافته ومعتقداته ومواقفه؛ أجيال واجهت واصغت للروايات المختلفة والنقيضة من مصادرها، ففهمت معنى الشراكة في ظل مواطنة حقيقية وفي دولة تعيش ف
aيها أكثرية يهودية إلى جانب أقلية عربية، هي جزء من شعب فلسطين الذي تشتت في يوم النكبة؛ أجيال تعلمت معنى الغبن وضرورة الإقرار به كي يصبح الصفح جائزاً والتسامح ضرورة؛ ويفتشون، على الرغم من المآسي والوجع، عن مستقبل يجمعهم؛ أجيال عربية ويهودية تعرف كيف تختلف من دون أن يحرقوا المدارس ويعلقوا لبعضهم أعواد المشانق.
«يداً بيد».. منارة تبعث الأمل في زمن العتمة، وبقعة ضوء صغيرة وجميلة اتمنى أن تدوم، وألا تدفنها حكومة إسرائيل الجديدة.
كاتب فلسطيني

 

 

في «الشيخ جراح»

يبكون فيصل الحسيني

جواد بولس

 

ما زلت أذكر ذلك الصباح الموجع قبل عشرين عاماً؛ كانت القدس تصحو بكسل من نومها القلق؛ وأنا في سيارتي، أراجع بهدوء برنامج عملي في ذلك النهار. قطعت منطقة حي الشيخ جراح، وبعدها دوار فندق أميريكان- كولوني، وحين وصلت بمحاذاة عمارة سينما النزهة، تلقيت اتصالاً هاتفياً من أحد حراس «بيت الشرق» وسمعته بصعوبة وهو يسألني: «وينك أستاذ؟» كان صوته متهدجاً ومخنوقاً، فبلع ريقه، وأكمل، دون أن يسمع إجابتي «أبو العبد توفي في الكويت هذا الصباح» قالها فغصّ واختفى. لم أستوعب لوهلة كلامه وبقيت واجمًا. كان عقلي يحاول، بخفية، أن يمتص الصدمة وأن يجد لها مكاناً، فقلبي بدأ يغرق بدمائه وفكري يشلّ. وصلت ساحة بيت الشرق، حيث كان بعض العاملين يقفون، بدون حراك، في الزوايا كجذوع الشجر، ونحيبهم يملأ الفضاء. بدأت الناس تتقاطر كأسراب نمل، بعضهم بتثاقل خائفا وآخرون بهرولة، حتى فاض المكان دموعاً ووجوهاً بيضاء وصمتاً كسيرا.
سافر فيصل الحسيني إلى الكويت، بعد العاصفة، ليصلح التباساً وقع بينها وبين فلسطين في ظرف تاريخي استثنائي؛ لأنه آمن بضرورة «إزالة غبار الهفوة» في وقت كانت فيه فلسطين محاصرة وبحاجة لكل «رئة» ودعم لاسيما من قبل أشقائها العرب، ودولة الكويت في مقدمتهم. كان فيصل «مرمماً للجسور» وسفيراً فلسطينياً حاذقاً ومرغوباً، ليس عند جميع الدول العربية وحسب، بل في معظم دول المعمورة. لن نخوض في ملابسات تلك الأيام، ولكن عسانا نتذكر كيف كانت القدس الشرقية مستهدفة من قبل حكومة إسرائيل، وكان بيت الشرق خارجا من معركة ظافرة ضد محاولة إغلاقه. كان فيصل للقدس حارساً أميناً ودرعاً صلباً ومدافعاً عنيدا وحكيماً؛ وكان، في الوقت ذاته، قائداً فلسطينياً وطنياً جامعاً، دانت له باحترام وقبلته جميع الفصائل والحركات والمؤسسات والشخصيات الفلسطينية على مختلف مشاربها وعقائدها وانتماءاتها السياسية.
عشرون عاما، من عمر الخسارة، مضت وما زال جرح القدس مفتوحاً، والدمع رفيقي؛ عقدان واجهت فيهما المدينة المكائد وإصرار دولة الاحتلال على ابتلاعها وتدجين أهلها أو ترحيلهم؛ ورغم ما حصل لها، أشعر بأن فيصلًا باق فيها كأحلام الياسمين، التي تتعمشق في الأزقة وبين القناطر؛ وكالحنين يتجدد كلما ولد في القدس طفل أو طفلة؛ فبعض البشر، لمن لا يعرف، يرحلون بالجسد، وتبقى أنفاسهم إكسيرا لحياة الناس وللشرف. لذكرى رحيله، في هذه الأيام، طعم مرّ وحاد؛ فنحن نتذكره ونشاهد اعتداءات المستوطنين وقوات الشرطة على المواطنين المقدسيين، وعلى ممتلكاتهم في عدد من أحياء المدينة، وأشدّها ما يجري منذ سنوات في رحاب المسجد الأقصى، ومنذ أسابيع في حي الشيخ جراح، اللذين كانت أحداثهما بمثابة الشرارة التي دفعت بحركة حماس إلى إطلاق صواريخ غزة نحو المدن الإسرائيلية، واشتعال موجة المواجهات الأخيرة. لقد خفنا، مع إطلاق أول الصواريخ، أن يُنسى الشيخ جراح، أو أن يصبح مجرد عروة هامشية في خريطة جسد كبير ينتفض، ولكن المطمئنين كانوا كثرا، والرافضين لهذه النبوءة السوداء كانوا أكثر؛ ومع ذلك؛ ورغم ما قيل ويقال، ستبقى الأمور محكومة بخواتيمها وسيبقى ظهر الغد أصدق.
لقد قاوم فيصل الحسيني محاولات الاستيطان الإسرائيلية في جميع أحياء القدس بدون استثناء، وأذكر في هذه المناسبة صولته الأخيرة في حي الشيخ جراح، قبل سفره إلى الكويت بأيام معدودة، حين وقف، كعادته، وواجه بجسده، مع عدد قليل من رفاقه المقدسيين، عصابات المستوطنين، وعناصر الشرطة، التي حضرت لحمايتهم في محاولات سيطرتهم على هذه البيوت نفسها. ثم سافر وقال لنا: «انتظروني، فالقدس عندي كالنفس».

بنى فيصل سياسته على توازنات ميدانية دقيقة وخيارات حكيمة، من خلال نظافة قلب ويد ولسان، واستعداد خرافي لمواجهات العدو

لم يعد فيصل إلى قدسه كما تمنى، لكنه ترك وراءه إرثاً نضالياً غنياً ومهاماً وبوصلة أثبتت نجاعتها في معظم المعارك التي خاضتها المدينة في عهده. لقد كانت إسرائيل أكبر الرابحين من رحيله، فبعده صارت القدس تبكي، وكل شيء تغير. وللتذكير أقول مجددا: لقد نجحت قيادات القدس، بعد نكسة 1967 وبقاء أهلها، بترميم بنى المدينة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ما أفضى إلى إعادة تأهيل مجتمع مقدسي متماسك، تجمعه عرى هوية فلسطينية واضحة، سهّلت على نخبها القيادية استرجاع موقع المدينة تدريجياً ورمزيتها كعاصمة للمشروع الوطني الفلسطيني، وكعنوان مهم تواصلت معه دول العالم ومؤسساتها، وكذلك فعل جميع الفلسطينيين. لقد استمرت عملية بناء الهوية الوطنية على مراحل، حتى وصلت ذروتها في ما أسمّيه «عصر بيت الشرق الذهبي» وخلاله استطاع فيصل الحسيني ومعه كوكبة من قيادي المدينة وفلسطين، تحويل القدس الشرقية إلى كيان سياسي واجتماعي شبه مستقل عن السيادة الإسرائيلية، وفرضوه ، بحنكة فريدة، كواقع مقبول وكحقيقة معيشة وملموسة. لقد بنى فيصل سياسته على توازنات ميدانية دقيقة وخيارات حكيمة وشجاعة، من خلال نظافة قلب ويد ولسان، واستعداد خرافي لمواجهات العدو، بعيدًا عن المزايدات والمراهنات غير المحسوبة. وهو، برؤيته الكفاحية الواقعية ووقفاته الميدانية الصارمة، نجح في خلق حالة من «الردع الإيجابي المتبادل» مع إسرائيل التي أُجبر زعماؤها على إبداء احترامهم له، خشية ردات فعله وقدرته المجربة على زعزعة «السلامة العامة» والمس بحالة « الهدوء العام». أما موقفه بخصوص الأماكن المقدسة فكان يعتمد على اتباع مبدأ المحافظة على «الستاتوس كوو» ، الوضع القائم؛ ونجاحه في هذه الجبهة يُعدّ إنجازًا بالغ الأهمية؛ إذ حرص، لسنين عديدة، على تحييد جميع هذه الأماكن، وفي طليعتها المسجد الأقصى، عن بؤر التنازع والاحتكاك مع العناصر اليهودية، الحكومية والشعبوية، مدركا أن زعامات إسرائيل اليمينية والصهيونية المتدينة، تسعى لإسقاط بعدي الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي الأبرزين، السياسي والقومي، وحصر النزاع في بعده الديني وحسب؛ إيماناً منها بأن اللجوء إلى المرجعيات الدينية، وإلى أحكام السماء ستتيح لهم فتح طاقاتها كي يمطروا الناس بفتاواها، وعندها سيسود الالتباس وتغمط الحقوق ويكثر الاجتهاد وستنافس العبرية العربيةَ والأرض ستتكلم، حسب توراتهم، العبرية، والحرب ستصبح مقدسة.
لقد وافقت معظم القوى السياسية، الوطنية والإسلامية، في تلك السنوات على معظم المبادئ التي حملها فيصل ورفاقه، حتى صار العمل وفقاً لها إجماعاً فلسطينياً وبوصلة القدس المتوافقة.
لم تتغير قواعد اللعبة إلا بعد رحيل فيصل، وبعد إغلاق بيت الشرق، ومعه إغلاق عشرات المؤسسات الفلسطينية. لا أنوي هنا الاسترسال في ما أصاب المدينة بعد عقدين من ذاك الرحيل الموجع، ولكن من السهل أن نرى كيف تراجع أداء أهلها النضالي، وارتبطت مصالح قطاعات واسعة من سكانها بإسرائيل، وجنحت أقسام كبيرة منهم نحو المؤسسة الصهيونية الحاكمة. ما زالت رحى معركة الشيخ جراح دائرة، وستصبح، من دون شك، أشرس وأخطر؛ فنحن نرى محاولات الشرطة الإسرائيلية وناشطي المستوطنين حسمها ميدانيا، وذلك عن طريق مضاعفة التنكيل اليومي بالمتظاهرين من جهة، وترهيب أصحاب البيوت من جهة أخرى؛ وما حصل مع عائلة المواطنة جنان الكسواني ابنة السادسة عشر ربيعاً، وإصابتها مع والدها، وهم داخل منزلهم، بعيارت نارية أطلقتها عليهم عناصر الشرطة عن عمد، ومن غير وجود أي سبب، يشكل دليلاً على ما يخطط له المستوطنون، وعلى موقف الشرطة الإسرائيلية الداعم لهم. كذلك فإن قيام الشرطة باستغلال الحادثة التي هاجم فيها سائق عربي بعضاً من عناصرها الذين تواجدوا على حاجز هناك، من أجل إغلاق المنطقة والسماح لسكانها فقط بدخولها، يدل على مخططها لعزل المنطقة وسكانها، وإبعاد المتظاهرين عن المكان بهدف تيئيسهم وإرهاقهم.
لقد خاضت مجموعات من المقدسيين مواجهات لافتة في دفاعهم عن المسجد الأقصى وحققوا فيها إنجازات نسبية ومحصورة في تلك الجبهة الوحيدة؛ وفي المقابل لم نرَ مثل تلك الوقفات في بؤر التماس الأخرى، وهي كثيرة جداً، حيث ما زال الاستيطان اليهودي ينتشر ويتغول في أحياء كثيرة من المدينة؛ وما زالت إسرائيل تسجل، بالتوازي مع عملية التهويد، نقاطا كبيرة في إحكام سيطرتها على عدد كبير من قطاعات حياة المقدسيين، ما كانت لتسجل في عهد فيصل..
القدس تبكيك أيها الباقي فيها، ومعها تبكيك فلسطين..
فالسلام لروحك
كاتب فلسطيني

 

 

رسالة إلى رئيس وقادة جهاز

المخابرات العامة «الشاباك»

جواد بولس

 

 

قد يبدو غريباً أن أقوم بنشر هذه الرسالة وبتوجيهها إلى قادة جهاز «الشاباك» الإسرائيلي؛ إذ ليس مرغوبا ولا مقبولا أن يخاطب مواطن عربي، مثلي، جهازاً أمنياً؛ وإن فعل فلا يجوز أن تكون لغته طبيعية ومحترمة، لاسيما في هذه الأوقات، التي تشهد فيها مجتمعاتنا العربية، في معظم المدن والقرى، هجمة اعتقالات وملاحقات خطيرة، تنفذها بأساليب قمعية مرفوضة، عناصر الشرطة بدعم من جهاز المخابرات نفسه، وبالتعاون الكامل معه.
لست ساذجا كما قد يتهمني البعض، ولا حالِما كما سيظن آخرون؛ لكنني سأحاول، من خلال هذه الرسالة، أن أحكّ مرآة النهايات، قبل رحلة التفتيش عن بدايات جديدة تتعلق بمضمون سؤالي الواضح والبسيط، الذي أوجهه بصيغة الاستنكار، ولا أنتظر الإجابة، فهي على ما أظن، واضحة كالعتمة:
من برأيكم يشكل الخطر الأكبر على مصير دولتكم إسرائيل، التي تأسس جهازكم، في حينه، من أجل حماية أمنها وتأمين السلامة لمواطنيها وضمان مستقبلها واستقرارها؟ هل هم قادة وأعضاء المجموعات اليهودية الدموية، التي تطارد العرب في الحارات وفي الشوارع وتحرّض على قتلهم علنا، من دون رادع ولا ملاحقة؛ وتعلن كذلك، عن نيتها القضاء على النظام السياسي القائم، من أجل إقامة المملكة اليهودية الجديدة؟ أم هم مواطنو الدولة العرب، ومن يمثلهم من أعضاء الكنيست وقيادات المجتمعات المدنية المحلية؟ وبعد، وإن لم يكن هذا هدف رسالتي الأساسي، ولكن كما يُتوقع مني، سأبدأ بالتأكيد على أن حملات الترهيب والملاحقات والاعتقالات، لهذه الاعداد الكبيرة من الشباب لن تحقق أهدافها المرجوّة، ولن تثبّط عزائمهم، بل إنها ستزيد من إصرار أغلبية المواطنين العرب، ومن قناعاتهم بضرورة عدم الخوف ورفض الاستسلام والركوع؛ خاصة بعد اتضاح هويات معظم المجموعات اليهودية اليمينية المتطرفة، التي وقفت وراء غزو الأحياء العربية في المدن المختلطة، وبعد انكشاف أهدافها الرامية إلى تهجير المواطنين، أو على الأقل، إلى دبّ الذعر في صدورهم وتدجينهم. واعلموا، إنني لن أتطرق إلى تفاصيل أحداث الشهر الفائت، رغم أهميتها، ولن أراجع تداعياتها ولا ما أفضت اليه من نتائج أولية على جميع الجبهات؛ لكنني سأذكّركم بمن عادوكم وهاجموكم علنا قبل بضعة أعوام، وبالتحديد بعد الجريمة التي وقعت في القرية الفلسطينية «دوما» وما كان يقضّ، في ذات الوقت مضاجع مجتمعاتنا العربية، التي كان أهلها ينامون على أصوات الرصاص ويفيقون كي يحصوا خسائرهم في الأرواح وفي الأموال. لقد عشنا، قبل اندلاع المواجهات الأخيرة، حالة عبثية من عدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، فقدت في أعقابها أكثرية المواطنين العرب العاديين الثقة في مؤسسات الدولة، وفي طليعتها جهاز الشرطة الإسرائيلية، التي باتت متهمة بالشراكة مع مفاعيل العنف الناشطة في مواقعنا، أو المتغاضية عنها أو المتواطئة، في بعض المواقع والحالات، مع عصابات الإجرام المنظم، التي أخذ دورها المهيمن يتعاظم باسم الدولة وبالنيابة عنها. كانت مشاعر الذل واليأس مسيطرة، لكنها، أدت، في الوقت نفسه، إلى زيادة في درجات الغليان الباطني، الذي صار جاهزا للانفجار في أي لحظة مواتية..
وكانت اللحظة وكان الانفجار.

هجمة اعتقالات وملاحقات خطيرة، تنفذها بأساليب قمعية مرفوضة، عناصر الشرطة بدعم من جهاز المخابرات

لم تغب عنكم، في جهاز المخابرات العامة، حقيقة التفاعلات التي كانت جارية داخل المجتمع العربي؛ واعتقد أنكم توصلتم، بحسّ أمني صادق، إلى أن الأوضاع الحالية آيلة للانهيار التام، الذي قد يبدأ داخل القرى والمدن العربية، لكنه سيتعداها، حتما، ليصل إلى جميع أنحاء الدولة. لقد استفاق عدد كبير من المتخصصين والخبراء في الشؤون الأمنية، والناشطين حاليا في معاهد الدراسات الأمنية الكثيرة في الدولة، واستشعروا فداحة الخطر القائم؛ فكتبوا جهارا ودعوا ساسة الدولة إلى ضرورة تعريف حالة العنف المستشرية داخل المجتمع العربي، على أنها آفة دولة وأنها تشكل حالة خطر وجودي على الأمن، وعلى سلامة جميع مواطنيها، وليس على العرب فحسب. بينما ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك وطالبوا بتغيير جذري في السياسات الرسمية، وبالتوقف عن تعريف العرب كطوابير خامسة، وكأعداء الدولة ومعاملتهم كمواطنين شرعيين ومتساويين. لم يقتصر نداء هؤلاء الخبراء على تلك الدعوة الموجهة لصانعي القرار السياسيين، بل سنجد بينهم من دعا جهازكم، جهاز «الشاباك» إلى تولي مهمة محاربة الجريمة المستفحلة داخل المجتمعات العربية، وفق سياسات ومسارات مهنية محددة المهام والمعالم، ومسقوفة من ناحية زمنية؛ كما فعل مثلا الدكتور أفنر بارنيع – وهو خبير أمني وأكاديمي، كان قد خدم في السابق كمسؤول كبير في جهاز الشاباك – حين كتب مقالا تحت عنوان: «إنها خطوة متطرفة، لكن هكذا تقتلع الجريمة من المجتمع العربي» نشره، في موقع واي – نيت، يوم 2021/1/19، ودعا فيه جهاز الشاباك إلى تولي مهمة محاربة الجريمة في المجتمع العربي، لأن جهاز شرطة إسرائيل، حسب رأيه، قاصر عن أداء هذه المهمة، وغير مهيّأ، في هذه الظروف، من الناحيتين، المهنية والميدانية، لتوفير الحماية الكافية للمواطنين العرب.
أعرف أن الكثيرين من بين المواطنين العرب واليهود، سيعترضون لأسباب وجيهة على هذا المقترح، وهذا موضوع يستحق المتابعة والنقاش طبعا في ظروف أخرى؛ ولكن ما همّني في هذا السياق كان، أولا: حقيقة اعتراف الكثيرين من أصحاب الخبرة الأمنية بان قضية استفحال الجريمة بين المواطنين العرب لم تعد مسألة تخص العرب وحدهم، بل هي قضية أمن الدولة. وثانيا: إقرار هؤلاء الخبراء بأن جهاز شرطة اسرائيل لم يعد هو الجهة المناسبة القادرة والمؤهلة للقيام بمهمة محاربة الجريمة وحماية المجتمع. لم يكن التوصل إلى هاتين النتيجتين اللافتتين، بعد هذه السنوات الطويلة من معاناة المواطنين العرب، مفهوما بشكل ضمني؛ لكنه قد يكون مؤشرا، أو هكذا تمنيت، على حدوث بعض المتغيرات في عدد من المفاهيم العنصرية الرسمية المؤسسة، وفي تفكير خبراء الأمن، وبين بعض النخب القيادية المؤثرة. لقد تدخل جهازكم وقاد في عام 2015 عملية التحقيق مع المشتبهين في تنفيذ عملية «دوما» الإرهابية؛ ونجحتم بالكشف عن القتلة المستوطنين المتورطين في جريمة حرق وقتل أفراد عائلة «الدوابشة» ومع نشر نتائج التحقيق انقضت عليكم قوى اليمين المتطرفة ووصفتكم بالإرهابيين؛ ما اضطركم، للمرة الاولى على ما أذكر، إلى نشر بيان صارم قمتم من خلاله بتفنيد الادعاءات ضدكم، ووصفتم الإرهابيين اليهود ومن وراءهم، بمجموعات يهودية خطيرة تعمل من أجل تدمير النظام السياسي القائم وبناء مملكة اليهود الجديدة. لم يهتم الرأي العام العربي المحلي لتفاصيل تلك المعركة التي دارت رحاها على المكشوف؛ فكتبتُ عن ذلك واعتبرتها جولة حاسمة في حرب تشكيل موازين القوى داخل المؤسسة الإسرائيلية المستمرة حتى أيامنا هذه.
لقد مضت السنون وما زالت المعارك على تلك الجبهة محتدمة، إلا أن القوى اليمينية الفاشية والعنصرية المتطرفة أصبحت أقوى، وسجلت مزيدا من النقاط والتقدم في سعيها للإجهاز على جهازكم، بصيغته الحالية القائمة، وبكونه آخر عناصر النظام السياسي الإسرائيلي القديم.
قد يكون التذكير ببعض ما كتبتُ بعد عملية «دوما» الإرهابية، مفيدا في هذه المرحلة الحساسة، فحينها خاطبت أبناء شعبي بعتب، وقلت إن الساحة الإسرائيلية «شهدت في الأسابيع الماضية واحدة من أبرز المعارك الشرسة المكشوفة، التي سيكون لنهايتها، برأيي، تأثير مصيري على وجه نظام الحكم في إسرائيل. فالهجوم السافر والشرس الذي جاهرت به قوى اليمين على جهاز المخابرات الاسرائيلي، وانفلات بعض فئات المستعمرين ووصفهم غير المسبوق، للوحدة الخاصة بمتابعة المواطنين اليهود في الشاباك، بأنها وحدة إرهابية، يدلل بشكل لا يقبل التشكيك أو التأويل، إلى أن تلك القوى اليمينية، ماضية في حملاتها للتحكم في أكثر ما يمكن من المواقع واحتلال ما يمكن احتلاله على مستوى السلطات الأربع في الدولة» وأضفت: «إنها مرحلة تستوجب منا، نحن العرب، التوقف وإعادة النظر حتى في بعض المسلمات؛ فلا يعقل أن تهبّ هذه العواصف والنيران بيننا ولا يلتفت اليها أحد».
ما زالت تلك التساؤلات والأسئلة صحيحة في أيامنا، بل قد تكون الحاجة لمواجهتها وللإجابة عليها ملحّة أكثر من أي وقت مضى؛ فنحن ما زلنا بحاجة إلى وجبات من الجرأة والمبادرة أو إلى صحوة، لنقوم، كل من موقعه، بفحص وتقييم ما يجري بيننا وبينهم، بشكل مسؤول وواضح، والتحقق ما إذا كان هو ما سيكون، وهل ما زلنا، كمواطنين عرب، هاجس جهاز الشاباك الأول، وعدو الدولة الأخطر والأكيد في نظرهم؟ هكذا كتبت لأبناء شعبي قبل ستة أعوام؛ وحتى لو كنا مقتنعين بأن الجواب على ذلك هو بنعم، لا يعقل أن نستمر بطيّ نهاراتنا بالتمنّي، وبتوسّد ذراعات الهمّ في الأماسي. أمّا اليوم، ماذا عساني أن أقول وعن أي حلم سأتحدث، وقد قرأنا عن شراكة جهازكم في عمليات جهاز الشرطة وبتنفيذ سياساتها، علما بأنكم وصفتموها ، قبل رمشة، بالقاصرة وغير المؤهلة؟ أو ليست هي الشرطة ذاتها التي ستذود عناصرها عن مملكة إسرائيل المقبلة، وستدوس، بضراوة وبعدائية سافرة، على شبابنا في جميع القرى والمدن، وعلى كل من سيعترض طريقها؟
حتى المواجهة المقبلة، باحترام، جواد بولس.
كاتب فلسطيني

 

 

ماذا بعد أن

استردت الهوية روحها؟

جواد بولس

 

مرّت علينا أيام صدامات صعبة وخطيرة للغاية؛ وهي وإن بدت شبيهة بما سبقها من مواجهات خاضتها مجتمعاتنا ضد سياسات حكومات إسرائيل المتعاقبة، فإنها تختلف عنها جوهرياً، لا في حدتها أو في حجمها فحسب. ليس من الحكمة أن نستبق النهايات وأن نتحدّث عن الخلاصات والنتائج، بينما مازالت ماكينات الدمار الإسرائيلية تسقط حمم صواريخها، وتخلف القتلى والدمار داخل قطاع غزة؛ ونشاهد، في الوقت نفسه، استعار الاحتجاجات الشعبية الضخمة والمواجهات في جميع المناطق الفلسطينية المحتلة.
سننتظر إلى أن تهدأ النيران، وتُدفن جثامين القتلى، وتُزال الأنقاض، وتستوعب الضحايا حجم خسائرها وعمق نزيفها، ويبدأ الناس باستعادة توازناتهم؛ فعندها سيُجري كل طرف حساباته، ويملأ اهراءاته من جديد، ويستأنف مسيرته، على إيقاع البارود وبهدي الفرج المشتهى والخرافات، نحو ذلك المستحيل.

الجموع المحتقنة والمتأهبة قد تيأس ساعةً وتتعب وتنأى عن النضال، إذا تقاعست قياداتها لكنها لا ترضى أن تنام دهراً على ضيم

نحن أيضا، المواطنين العرب في إسرائيل، بحاجة إلى استراحة المحاربين، وإلى تقييم تجربتنا الحالية؛ فمَن لم يشعر كم كنا قريبين من فوهة الجحيم، قد لا ينجو منها في المرة المقبلة؛ ومَن سيكتفي بالنوم على وسائد انتصارنا، كما يشعر البعض، قد يفيق على أصوات العويل، أو قد لا يفيق. لقد استهدفت ميليشيات اليمين الإرهابية وسوائب المستوطنين، معظم المدن الساحلية المختلطة، بدءاً من اللد والرملة ومن ثم يافا وحيفا وعكا؛ في مسعى منها لطرد أو لعزل سكان هذه المدن الفلسطينيين، حسب ما خططه، منذ سنوات طويلة، بعض راسمي سياسات الدولة العنصريين، حين بدأوا باستيراد تلك المجموعات اليمينية الهمجية وتوطينها في أحياء قريبة من بيوت العرب. وبعيداً عن التفاصيل الدقيقة التي رافقت الأحداث في جميع هذه المدن، وما دار حولها من نقاشات، ورغم الحاجة والأهمية للوقوف عليها ودراستها، سيبقى صمود أهلها العرب في وجه الهجمات الوحشية، وصدّهم لغارات المجموعات الفاشية الفالتة، علامة فارقة وراسخة في مسيرة النضال من أجل بقائنا الكريم والحر في الوطن. لم تكن تلك الوقفات الحازمة مفهومة ضمنيا، خاصة بعد أن وضع مخططو إسرائيل استراتيجيات خبيثة وواضحة لسلخ مجتمعات تلك المدن عن عمقها الفلسطيني الطبيعي، وإتباعها إلى هويات مشظّية أخرى، وبذلوا جهوداً متواصلة وجبارة لتحقيق تلك الغايات، سواء عن طريق سياسات الإفقار المتعمد، أو زرع الفتن، وفق قواعد فرّق تسُد، أو عن طريق إفشاء الجريمة والعنف، وتشجيعها عمليا، من خلال تسهيل انتشار الأسلحة والمخدرات، وغض النظر عمن يقفون وراءها وعدم ملاحقتهم، وغير ذلك من وسائل. حاولت قطعان اليمين «ضبع» المواطنين العرب وإرغامهم على الاستسلام والإقرار بالهزيمة ؛ فأعدّوا هجماتهم على غرار ما تقوم به فرق الجيش النظامية المدرّبة، وهم من خريجيها، ونفذوها بالتواطؤ الظاهر مع عناصر الشرطة الإسرائيلية التي لم تمنعهم من تنفيذ جرائمهم، بل سهلت عليهم غزواتهم وساعدتهم في كثير من المواقع التي شاهدنا فيها كيف اعتدت الشرطة نفسها بوحشية سافرة على المواطنين وعلى ممتلكاتهم.
لم ينجحوا، رغم مستوى بطشهم وقمعهم الرهيبين ؛ فبعد هجماتهم المباغتة التي نفذوها في اليوم الأول، استوعب أبناء الأحياء العربية، في معظم المدن المختلطة، حقيقة ما يواجهون، واستشعروا، بحدس كفاحي، أن المعركة، هذه المرة، ليست من أجل التضامن مع أبناء شعبهم، هناك في غزة وفي رام الله «البعيدتين» ولا من أجل الكرامة العربية بمعناها المطلق فحسب، بل هي معركة كل فرد وفرد منهم على بيته الشخصي، الذي من حجر وعرق وذكريات وعبق الأحباب، وأحسّوا، بسبب ذلك، في لحظة صحوة وطنية، بضرورة الذود عن آخر الحصون، وعن أدفأ الحضون وعن أأمن الشواطئ؛ فإمّا الصمود في أحيائهم والبقاء، وإمّا الهزيمة والجلاء.
لقد اختاروا الصمود والمواجهة؛ فتبيّن لهم ولجميعنا كم كان الشعار «لا لنكبة أخرى» رغم خطورته، شعاراً دقيقاً وواقعياً ومحرّكاً لكل فرد، كان قد أحسّ، بدوافع هوياتية صادقة، معنى انتمائه «للكل» وكيف يصير «الكل» مظلة واقية ومستوثقة للفرد. لم ينتشر ذلك الشعور داخل أبناء المجتمعات العربية في المدن المختلطة لوحدها، بل تغلغل، ببطء ولكن بوضوح، إلى جميع المدن والقرى العربية، من النقب جنوبا، حتى أعالي جبال الجليل؛ فبدأنا نشاهد أعمال الاحتجاج التي اتسمت في بعض تجلياتها الأولية بعفوية شاردة، أو بردّات فعل عنيفة، أُفرغت، أحيانا، بغضب وبشطط ضد الأفراد والممتلكات؛ لكنها سرعان ما تحوّلت إلى أنشطة كفاحية حية، كشفت، في بعض مشاهدها، حقيقة نمو قوى اجتماعية سياسية جديدة، كانت على الأغلب من فئات الشباب الذين تصرفوا كأصحاب الريادة، وكضباط لإيقاعات الساحات والميادين والشوارع في معظم البلدات والمدن. لن نسهب بتحليل هذه الظاهرة، التي بدأت تظهر مؤشرات وجودها قبل سنوات عديدة، ولا بدورها المتنامي، مقابل دور الأحزاب والحركات السياسية والدينية والمؤسسات المدنية التقليدية؛ لكنني سأكتفي، هنا والآن، بالتأكيد على أن الثقة بجماهير شعبنا يجب أن تبقى منارة لكل قائد مخلص وحقيقي، فهذه الجموع المحتقنة والمتأهبة، كما رأينا، قد تيأس ساعةً وتتعب وتنأى عن النضال، إذا تقاعست قياداتها أو نفَدت خزائنهم، لكنها لا ترضى أن تنام دهراً على ضيم حتى إذا غطّت نواطير مقاثيهم المتعبة في نومها، أو اذا أفلست وتاهت.
لا أعرف مَن من قياداتنا، التقليدية أو الناشئة، سيتّعظ مما حصل، والى أين سيمضي من حيث وصلنا؛ فعلينا أن نراجع دروس الهبة الحالية، ونستمع للأصوات التي رددتها الحناجر الغاضبة، وأن نعرف لماذا أشهرت السواعد السمراء قبضاتها لتسطر بعنفوان معالم نجاة تلامس المعجزة؛ وعلينا أيضا أن نتوقع كيف سيتصرف وكلاء الدولة الرسميين، والشرطة في طليعتهم، الذين ادعوا كذبًا، هذه المرة، وقوفهم في الوسط بيننا، نحن المواطنين العرب، وسوائب اليمينيين. إنهم في الجولة المقبلة، سوف يُسقطون جميع ما تبقى من الأقنعة، كما فعل أمثالهم في الأنظمة الفاشية كاملة الاختمار. وبالمقابل، لا أعرف كيف سيقيّم قادة إسرائيل حقيقة ما جرى في المدن والقرى العربية، وهل ربحت سياساتهم أم فشلت، لكنني اعتقد أنهم لن يجمعوا على الخلاصات والنتائج ذاتها، فهنالك قلة ستطالب بإعادة النظر في سياسات الحكومة تجاه مواطنيها العرب، وعن هؤلاء سنتحدث في المستقبل القريب، بينما سيبدأ اليمين المستوحش على تفرعاته، الرسمية وغير الرسمية، بالإعداد لمعركتهم الطاحنة المقبلة مستفيدين من عِبر المواجهات التي جرت، ومن إخفاقاتهم الواضحة بتحقيق ما خططوا له. فلن يختلف اثنان على أن محاولات البطش والترهيب التي مارسوها، هم والشرطة وما يسمى حرس الحدود، في اللد مثلا وفي حيفا ويافا والرملة وعكا، لم تنل من عزيمة الشباب، وعزيمة معظم المواطنين العرب، بل على العكس تماما فقد ازدادت أسهم العمل الوحدوي، وارتفع منسوبها كحاجة ضرورية في ميزان الردع العام؛ كما ساعدت الوقفات الشعبية في وجه «الغزاة» على استعادة لون وروح هوية المجتمعات الفلسطينية الأصيلة، وذلك بعد ما أصابها الكلح والتصدع خلال السنوات العجاف الماضية.
من الصعب أن يُكتب بمداد العقل وباسم الرجاحة عن قضايا هويتنا المركبة، ببعديها الفلسطيني والمواطني، في زمن تلهث فيه فرق الموت الفاشية وراء فرائسها من المواطنين العرب؛ فعند احتدام القدر على عتبات بيتها، تقول الضحية، فتش عن إرادتك ولا تني؛ وإن قهقهت ساعة الخطر، يقول الفتى وهو ينتظر طلة القمر، ذد عن شرفتك ولا تنحني؛ وإن هاجمك «الضبع» في مخدعك، يقول صاحب البيت، لا ترمش أمامه، واوقد، من نار عينيك، نهارك، ولا تنثني. إنها غريزة البقاء السرمدية؛ فحكايتنا مع تلك القطعان السائبة، لم تبدأ اليوم، ولا على درجات باب العمود في القدس، ولا في حواكير حي الشيخ جراح؛ إنها تغريبة الجرح الذي كلما أراد أصحابه أن يلفوه بطرابين الأمل، ينكأه عُصاة الحقب الذين لم يفيقوا من سكرة عنجهيتهم، وما انفكوا يلاحقوننا، مؤمنين بأننا أحفاد من بنوا أعشاشهم على بالات من الخوف، حيث يعز نومنا فيها؛ ويعتقدون أننا ورثة ذلك الجهل ومثل أصحابه سنكون كما كانوا حطبا يشعلون فينا مواقدهم، حتى يرحل من بيوتنا الدوري، ونموت نحن، أو نحيا عبيداً عندهم أو قرابينَ على مذابحهم. سوف ترحل العاصفة، كما يبدو، بعد أيام قليلة عن مواقعنا، وسيبقى «القبان» من دون «بيضته» مكسورا، وسيظل صاحبه باطشا ومخمورا؛ ولسوف يعود الهدوء إلى مطارحنا، فنجاح الإضراب العام الذي دعت إليه لجنة المتابعة العليا توّج هذه الهبة وشكّل، من دون شك، خطوة لافتة وضرورية في طريق استعادة مكانة لجنة المتابعة كعنوان شرعي وجدير وموحّد، وكصاحبة الدور الأهم، وليس الوحيد، في قيادة النضالات ضد سياسات القمع والاضطهاد بحق المواطنين العرب. لقد أصدرت اللجنة بيانها الختامي حيث تطرقت فيه لأحداث الأيام الماضية، وأكدت فيه على «أن الإضراب كان بمثابة محطة فارقة لها ما بعدها، ونضالنا متواصل ومستمر ولجنة المتابعة ستعلن عن الخطوات المقبلة وفق التطورات والمستجدات»؛ فمن الواضح أن الصدامات التي جرت على ضفتنا القومية، كشفت من جديد عن تعقيدات وجودنا كفلسطينيين وكمواطنين في دولة لا تريد أغلبية سكانها اليهود أن نعيش بين ظهرانيها، ما سيضطرنا، بعد استعادة أنفاسنا، إلى العودة إلى ضفتي حياتنا، كجزء من شعب فلسطين وكمواطنين في إسرائيل؛ ونحسب، بعقولنا وبحكمتنا، كيف نبعد أشباح الترحيل التي تنقر خواصرنا.
كاتب فلسطيني

 

 

مواطنة بين زغرودة وصاروخ

جواد بولس

 

لن يجرؤ أحد على التكهن كيف ستنتهي هذه الهبة الفلسطينية، التي استدرجتها، هذه المرّة، اعتداءات المستوطنين المستوحشين، على المواطنين الفلسطينيين وعلى ممتلكاتهم في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة، لاسيما في القدس الشرقية، وتحديداً في حي الشيخ جراح، الذي يشهد، منذ سنوات، حملة تطهير شرسة من سكانه العرب، ومحاولات لتهويده، على غرار ما جرى ويجري في أحياء مقدسية أخرى مثل، سلوان وراس العامود وشعفاط وغيرها.
ليس من الحكمة الآن أن نبدأ بتحليل العوامل التي أدّت إلى استفاقة الميادين/الجبهات الفلسطينية الثلاثة وتحرك أهاليها – في غزة، وفي القدس، وفي الداخل الإسرائيلي – ضد سياسات إسرائيل العنصرية ونهجها واحتلالها؛ أو أن نفتش عما يجمع، أو ما يفرق، بين رشقات الصواريخ التي أطلقت من غزة باتجاه العمق الإسرائيلي، ووقفة المقدسيين البطولية في وجه المستوطنين وقوات الشرطة الإسرائيلية، والحراكات الشعبية على اختلاف تمظهراتها في معظم البلدات العربية داخل إسرائيل.
يشعر الكثيرون بحاجة لفهم ما وراء هذه التداعيات، خاصة في ما يتعلق بقرار الفصائل الغزية، في هذه اللحظة التاريخية بالذات، بإمطار مدن إسرائيلية بالصواريخ؛ أي بعد الإعلان عن إرجاء إجراء الانتخابات الفلسطينية، وفي حين كانت القدس الشرقية تتصدر عناوين النشرات الإخبارية في العالم، وتستقطب مشاهدُ كفاحات أهلها، غير المسلحة، ومواجهاتهم بصدور مكشوفة بنادقَ الشرطة والمستوطنين، الدعمَ والتضامن والإسناد من جميع جهات الأرض، وإعجابَ العالم وتقديره. على جميع الأحوال، سوف يحظى الجميع بفرص لتقييم ما جرى وما يجري على الجبهات الثلاث، بعد انتهاء المواجهات، وبعد عودة «المحاربين» الى ثغورهم؛ فالامور تقاس، دوما، بخواتيمها، والمحاصيل توزن بعد انتهاء مواسم الحصاد. وعلى الرغم من ذلك نستطيع اليوم أن نتحدث، على صعيد الداخل، عن بعض المؤشرات التي عكستها مشاهد المظاهرات والحراكات الشعبية والوقفات التي انطلقت، بشكل عفوي أو مخطط له، في العديد من البلدات العربية والمدن المختلطة داخل إسرائيل، مثل اللد والرملة وحيفا ويافا وعكا. ففي جميع هذه المدن والقرى وصلت حدة المواجهات بين بعض السكان العرب، وعنف قوات الشرطة واعتداءاتها الخطيرة، وبعض السكان اليهود المنفلتين، إلى مستويات غير مسبوقة من الحدة والصدامات والانفجارات؛ التي ستترك وراءها، من دون شك، أراضي مدمرة ومحروقة، وهوات أعمق بكثير من تلك التي كانت قائمة أصلاً بين المعسكرات قبل تلك المظاهرات والمواجهات.
لقد لمسنا، مرّة أخرى، نتائج غياب دور القيادات السياسية المركزية عن ساحات الأحداث، وشعرنا بعمق الفجوة بينهم وبين قطاعات واسعة من الشعب، خاصة بين فئات الشباب، وتيقنّا مجدداً من عدم قدرة تلك القيادات على إدارة الأزمة بمسؤولية وبجرأة وبحكمة، ومن فشلها الواضح والقاطع بضبط، أو محاولة ضبط، «إيقاعات الشارع» وتحركاته. وفي ظل غياب ذلك الدور القيادي الحيوي، راحت بعض المفاعيل السياسية والاجتماعية والدينية، تطور أساليب مواجهاتها، مع من يرونهم وكلاء الكيان الصهيوني الغاصب أو الكافر، بفوضوية مندفعة، في بعض الأحيان، وبثورية رومانسية، في أحيان أخرى، من دون أن يرفقوا بهبتهم أي أهداف سياسية محددة ومعلنة؛ بينما استغلت، من جهة أخرى، بعض القوى السياسية، والسياسية الدينية، ذلك الفراغ القيادي، فنزلت إلى «الشارع» وفرضت أجنداتها العقائدية، من دون أي اعتبار منها، في هذه الأوقات الحرجة، لما قد يلحقه خطابها الإقصائي والحماسي من أضرار على مصير العلاقات بين المواطنين العرب والدولة؛ أو ما ستؤدي له زغاريد الفرح العربي والشماتة بين المواطنين اليهود، كل اليهود.

مسؤولية القيادة الحقيقية، دائما وفي ساعات المحن الكبرى، أن تقف بالمقدمة وتحدد الأهداف المرجوة، وتُعِدّ للمواجهة السليمة الرابحة

أتصور أن البعض سوف يتنطحون لعدم شرعية هواجسي وخشيتي من المشاعر العدائية الجديدة، التي ستراكمها مشاهد المسيرات الصاخبة، وما رافقها أحياناً من انفلاتات وعمليات حرق لبعض الممتلكات والسيارات، التي ستضاف على ما كان في رصيدنا لدى أكثرية المجتمع اليهودي الفاشي؛ وستعبر عدة جهات عربية بيننا، بالمقابل، عن تفهمها لتدفقات الفرح الشعبي من جراء سقوط الصواريخ وإيقاع القتلى والأضرار في الجانب الإسرائيلي، تماما كما حصل في زمن إطلاق صواريخ صدام حسين صوب تل أبيب؛ وسيقول هؤلاء: ما ضرّ لو أعطيت للحزانى وللمقموعين فسحة عابرة للابتهاج وللشماتة، ولتخرب بعدها «بصرى»!
لن يقبل الكثيرون، رغم إغواءات العواطف، هذه المواقف على الإطلاق، فبالعواطف لا تبنى الأوطان، ولا تضمن السلامة ولا يتحقق الأمان؛ وسيبقى إعمال العقل بحكمة، ضرورة للدفاع عن مصالحنا في هذه الأوقات الحرجة. أتوقع، كذلك، أن تدّعي بعض تلك الجهات، وبحق، بأن الاحتلال الإسرائيلي كان وما زال هو الأب المولّد لجميع عمليات القتل والتدمير والموبقات الممارسة بحق الفلسطينيين، سواء في قطاع غزة، أو في الضفة الغربية والقدس الشرقية طبعاً؛ وسيدّعي مثلهم آخرون، وبحق أيضا، أن هبة المواطنين العرب في إسرائيل، لا سيما في المدن المختلطة، هي نقطة الانكسار المتوقعة والرد الطبيعي على عقود من السياسات العنصرية والاضطهاد، الذي عانت منه الجماهير العربية، وستعاني أكثر إذا ما مضت الحكومات الإسرائيلية المقبلة بتطبيق قوانينها العنصرية، وأهمها، وليس وحيدها، هو قانون القومية. ومع موافقتي على صحة تلك الادعاءت، فأنا، وأعتقد أن الكثيرين الصامتين معي، نرفض أن تُستغل تلك الادعاءات، من قبل أي جهة، كمبررات «لضياع الطاسة» النضالية، وكمسوّغات لترك الناس تندفع وراء عواطفها الصادقة ومشاعر غضبها المكتوم والمتراكم، جراء ممارسات إسرائيل وبطشها؛ فمسؤولية القيادة الحقيقية والأصيلة، دائما وفي ساعات المحن الكبرى طبعا، أن تقف بالمقدمة وأمام كل الناس، وأن تختار شعاراتها السياسية الملائمة والمجندة، وأن تحدد الأهداف المرجوة، وأن تُعِدّ للمواجهة السليمة الرابحة؛ خاصة ونحن نرى، في هذه الأيام، كلما تصاعدت وتائر الصدامات المباشرة، كيف تزداد الخسائر المادية والبشرية. وقد تستغل القوى الإسرائيلية الفاشية تلك الصدامات كذرائع إضافية على ما تجتره بصلافة من أجل الانقضاض على المفارق والشوارع، كما حصل في الرملة واللد والقدس وحيفا ويافا والتعرض للمواطنين العرب والاعتداء عليهم، وكسبب للإجهاز على ما تبقى من احتمالات لتأليف حكومة جديدة والانتقال السريع الى حكم فاشي متكامل، سيسارع أصحابه بالانتقام من جميع المواطنين العرب وتدفيعهم ثمن تجرؤهم على رموز الدولة، وتماديهم على يهوديتها المقدسة. فنحن إلى الفاشية أقرب من أي وقت مضى.
لا يمكننا إنهاء هذا المقال من دون التطرق إلى موقف الدولة المتنكر لنا كمواطنين ننشد المساواة المدنية والقومية؛ ولئن طالبت دوما بضرورة إعادة نظرنا، نحن المواطنين العرب، بطبيعة علاقاتنا مع الدولة التي ما زالت مبنية على نظريات وفرضيات حددتها معطيات السنوات الأولى بعد النكبة، أعرف أن على الدولة  التخلي، أو علينا إجبارها أو إقناعها على التخلي، عن اعتبارنا زوائد ضارة يجب التخلص منها؛ فالمواطنة، التي أسعى وراءها، إذا لم تجد دفيئتها، ستصبح مستحيلة؛ وفي ظل أكثرية يهودية عنصرية كاسرة، ستصير المواجهات بين ابناء تلك الأكثرية ومواطني الدولة، غير المرغوب فيهم، حتميةً وداميةً؛ تمامًا كما نشاهد اليوم في جميع مواقعنا؛ علما بأن بعضنا يؤمن أن لا شيء يمكن أن يوقف التدهور نحو الفاشية، سوى بلوغها منتهاها. أمعقول أن يكون هكذا؟
سننتظر حتى رحيل العاصفة الحالية، وبعدها سنقيّم الأضرار والنتائج ونحك عقولنا لنواجه ما استجد من تحديّات؛ ثم نستأنف محاولاتنا لمواصلة مسيرتنا نحو شاطئ النجاة.. والحياة، كمواطنين متساويين أحرارا، وليس في ظل الفاشية التي يجب أن نمنعها من أن تبلغ منتهاها.
كاتب فلسطيني

 

الهوية بين إغواءات

المصالح وتعدد الولاءات

جواد بولس

مرّة اخرى أخفق بنيامين نتنياهو بتأليف حكومة على مقاساته، رغم جميع مراوغاته السياسية، واستعداده لتقديم حتى نصف مدة رئاسة الحكومة لنفتالي بينت، زعيم حزب «يميناه»، الذي بات يطمع برئاسة الحكومة المقبلة من دون واسطة نتنياهو، ويناور من أجل تعزيز مواقع حزبه الانتخابية، استعدادا منه لمواجهة المعركة الانتخابية المقبلة في حالة عدم التوصل إلى تشكيلة حكومية تحظى بدعم الأغلبية من بين أعضاء الكنيست الحاليين.
ومن الواضح أن المجتمع اليهودي يعيش في ظروف أزمة كبيرة، تعكس في الواقع، كما كتبت في الماضي، ملامح المتغيرات الاجتماعية والسياسية العميقة ،التي حدثت في السنوات الماضية، وما زالت تتداعى فصولها متسارعةً داخل المجتمع اليهودي/الصهيوني/ المتدين في الدولة.
ليس من الصعب أن نراهن اليوم على أن هذه الأزمة لن تنتهي قريبا، بمنأى عما ستفضي إليه مساعي تركيب الحكومة الحالية، أو نتائج المعركة الانتخابية المقبلة؛ فإسرائيل اليهودية ذاهبة بمعسكريها لتخوض حربها الفاصلة في «أم المعارك»، ولتحسم أمرها، إما بانتصار دولة الحركة الصهيونية «البنغوريونية»، وإما بهزيمة هذه أمام مملكة « الراب دروكمان» ومن معه من أمراء العرش، وكهّان المذابح.
لم تتركنا هذه الأزمة سالمين؛ فكلما احتدمت معالمها وجدنا أنفسنا، نحن المواطنين العرب، أمام جدران موصدة، أو تائهين لا نصحو من حلم إلا لنغطس في كابوس قديم؛ ثم نفيق مجددا لندرك أن أرضنا مرايا من زجاج هش، وخيولنا تطارد، هناك في قمم المستحيل، أشباحهم الخرافية؛ وأمانينا، التي شربناها في حكايات المطر، أصبحت سطورا معلقات على صدر تاريخ أصم. كم سألنا ما العمل؟ وكم نادينا حي على الفلاح.
لقد حاولت أن أسهم، في مقالات سابقة، بطرح مجموعة من المقترحات/الأفكار التي وصفتها كاجتهادات شخصية خارجة عن المألوف، بعد أن يئست، مثل الكثيرين، من رغبة وقدرة الأحزاب والحركات والمؤسسات المدنية، على تغيير واقعنا المؤلم، وعلى مواجهة المخاطر التي تتربص وتعصف بمجتمعاتنا. وللأسف لم تلق جميع تلك المقترحات أي نوع من التفاعل، لا من قبل مؤسسات تلك الأحزاب، ولا من قبل أي الجهات أو الأشخاص. قد تكون اجتهاداتي، بعين جميع أولئك غير المعنيين أصلًا بالتغيير، فاشلة، أو غير ملائمة أو غير واقعية، لكنني توقعت أن تُناقَش، ولو من باب تحريك الساكن، من قبل بعض المعنيين من أكاديميين ومثقفين، أو ناشطين  اجتماعيين، أو خبراء متخصصين، أو متابعين يشكون من كثرة التحليلات، وانعدام الحلول والاقتراحات. توقعت ذلك لأنني مؤمن بضرورة الشروع في التفكير ببناء مؤسسات اجتماعية، وأطر سياسية جديدة، ووضع تصورات خلاقة لوسائل نضال مستحدثة وقادرة على حماية مجتمعنا وإنقاذه؛  فعندما ناديت لبناء «مجلس طوارئ أعلى» أو لإقامة «اللجنة ضد الفاشية»، أو «منتدى الحقوقيين العرب» أو «رابطة العلمانيين العرب» أو «منتدى الحقوق المدنية»، توخيت إقامة مجموعة أجسام متخصصة في ميادين مختلفة، كي تبدأ بالعمل من داخل المجتمع، وتحاول تنظيمه وإعادة ثقته بالنشاط السياسي، وبضروة النضال الجماعي؛ وكي تحاول، كذلك، اختراق المجتمعات اليهودية، وتجنيد من يرون انفسهم من داخلها، كضحايا محتملة للنظام السياسي الفاشي المتشكل أمامنا وأمامهم.
حاولت، من خلال بعض الأصدقاء، أن أفهم لماذا لم تتفاعل أي جهة أو مؤسسة أو حتى شخصية، مع أي مقترح من جميع ما ذكرت، ولم نتوصل إلى نتائج قاطعة؛ بيد اننا حين استبعدنا الفكرة، أن جميع تلك المؤسسات والأطر المقترحة لا تشكل، عند البعض على الأقل، تحديات جديرة بالمناقشة، توصلنا إلى حقيقة مزعجة ومقلقة مفادها، ان العناوين التي افترضنا أنها يجب أن تكون معنية بتغيير واقع العمل السياسي والاجتماعي البائس، وتلك التي افترضنا أنها قادرة على تناول هذه المسألة بمهنية وبدوافع وطنية وبمسؤولية اجتماعية عليا، لم تكن مثلما توقعنا أو افترضنا.
ويبقى السؤال لماذا؟ من راهن على أن اسرائيل ستترك مواطنيها العرب يبنون أعشاش أحلامهم في عرى مواطنة هادئة فقد أخطأ؛ ومن افترض أنه إذا ابتعد طوعيًا عن أحشائها ليعيش كمواطن عربي «سلبي» ويتكاثر بصمت كالنمل، أو كي يمارس حياته على دائرة رغيف الخبز ، فقد أخطأ أيضا؛ ومن وقف على رصيف الزمن منتظرا زحف جحافل الشرق لاستعادة بلاده المنكوبة، أو مَن دعا السماء، حبيبته وحليفته، لتزلزل كي يحصحص الحق، فقد راهن على غيب غافل وعلى قدر عاقر. فإسرائيل تعرف أننا، نحن المواطنين العرب، لحاء الزمن الساري في عروق هذه الأرض، وتعرف أنها اليوم أقوى من أن تنام على جرح ينزف بين ساقيها، وهي، لكل ذلك، تدفعنا لنختار المستحيل! وكي نحدد وجهتنا بخيار واحد من بين انتمائينا الحقيقيين: مواطنين، بحكم البقاء والإصرار، وفلسطينيين باقين كأنفاس من هُجّروا أو هجروا.

استمرار النأي عن مواجهة الأزمة سيفاقمها وسيبقينا ننزف على دائرة مغلقة ودامية

هنالك أسباب عديدة لاستفحال أزمتنا الحالية، وقد نضع في طليعتها حقيقة أننا كمجتمع، يعيش حالة مواجهة مع سياسات الدولة، لم نفرز، رغم مرور السنين، رؤى كفاحية حقيقية واقعية توازي وتواكب ما طرأ على المجتمع الاسرائيلي وعلى مجتمعنا العربي من تطورات، وتحاول إيجاد السبل الصحيحة، إما للتوافق المتزن مع الدولة أو للاشتباك الرابح معها. أما، بالمقابل، إذا اقتفينا آثار السياسات الإسرائيلية، فسنجد حدوث بعض التغيّرات المفاهيمية الاستراتيجية، التي اتبعتها مؤخرا مؤسسات الدولة تجاه بعض فئات من مواطنيها العرب، وسنلحظ مثلا أنها أفسحت، بمنهجية ذكية، هوامش لممارسة مواطنة مريحة، مدروسة ومحدودة، أدت، مع مرور الوقت، إلى نمو شرائح اجتماعية جديدة ولافتة ومؤثرة في مجتمعاتنا، راحت تربط مصائرها، ولو بصورة خفية ومموهة، مع مصالحها، فصارت طريقها من هناك إلى تحديد انتمائها الهوياتي محصورة، أولا وأخيرا، ببعدها المواطني الفردي أو الشرائحي. لقد استهدفت سياسات إسرائيل الجديدة فئات عديدة من الأكاديميين العرب، وقررت استيعابهم في مؤسساتها الحكومية والأكاديمية، والتابعة للقطاعات الخاصة السمينة، وأرادت من وراء ذلك تحييد الكثيرين منهم وإبعادهم عن إمكانية الانخراط في نشاطات كفاحية مباشرة، أو بمبادرات مثل تلك التي اقترحتها، إذا كان تقييمهم بأنها مبادرات قد تستفز مخططات الحكومة وسياساتها النافذة.
إنها حالة تستدعي الدراسة والتمحيص بمسؤولية عالية، وبعيدا عن خطابات التهريج والتقريع والهجاء، التي يمتهنها بعض مقاولي الأحزاب وناشطيها المؤذين وبعض المزايدين؛ ففي النهاية لا يمكننا تأجيل مواجهة إشكالية ثنائية الانتماء، المواطني والقومي، الذي كنا نعيشه بروتينية هشة، إلى أن قررت إسرائيل التدخل بصورة فظة وقامعة، وليس فقط عن طريق سن التشريعات العنصرية. لا تحتاج هذه المواجهة إلى الجرأة فحسب، كما يطالب البعض، بل إلى تذويتها كحاجة وطنية وجودية ضرورية وملحّة، وكمعضلة تستدعي تفكيكها بمفاهيم صحيحة ونقاط توازن سليم بين المركبين؛ فبدون أن تنجز القيادات الأمينة والنخب الحرة هذه المهمة سيبقى التصرف بمفاتيح هذه المعادلة متاحا بعشوائية لكل المواطنين، ولأحزابهم وتأطيراتهم وحسب أهوائهم وانتهازياتهم، ويكفينا ما نراه عند بعض رؤساء المجالس والبلديات، أو لدى بعض مؤسسات المجتمع المدني، وكذلك طبعا في ما تمارسه الحركة الاسلامية ورئيسها منصور عباس، وبين الكثيرين من المواطنين.
لا استطيع التعميم، بطبيعة الحالة، ولا الجزم في ما قلت؛ لكن استمرار النأي عن مواجهة الأزمة سيفاقمها وسيبقينا ننزف على دائرة مغلقة ودامية؛ في حين سيقف خارجها الذين يؤمنون بأن معارك اليهود مع بعضهم لا تعنينا، ذلك أن إسرائيل، بحسب هؤلاء، دولة كانت أم مملكة، مصيرها إلى فناء؛ ومعهم سيقف، على الضفة الثانية، أولئك الذين يمضغون قات المواطنة الرخيص، ويمارسون على وجوههم السمراء «عمليات التجميل الإسرائيلية» بدون حسابات ولا روادع.
ويبقى السؤال: ما العمل؟ الدعوة إلى تشكيل حركة شعبية؟ أو ربما إقامة حزب جديد؟
كاتب فلسطيني

 

 

 

ماذا لو رُشّح مواطن

عربي لرئاسة إسرائيل؟

 

جواد بولس

في محاولة مني للرد على سؤال ما العمل، دعوت في مقالي السابق جميع الذين يشعرون بالخطر مثلي، إلى إطلاق مبادرة لإقامة جبهة عربية يهودية تحت اسم: «مواطنون ضد الفاشية».
لا أعرف ما إذا كانت الفكرة ستلقى تجاوباً فعلياً؛ أو أنها ستجد من يحوّلها إلى إطار عمل نضالي حقيقي ليقف في وجه قطعان اليمين المنفلت، كما نراهم في أيامنا هذه، فحتى كتابته لم ألحظ، لأسفي، أي تفاعل مع هذه الفكرة.
لم ينجح بنيامين نتنياهو، لغاية الآن، بتشكيل حكومته؛ لكنه ما زال يحاول ويراوغ مع جميع الأحزاب، التي يعتقد انها صالحة للشراكة معه، (أو عندها، بلغة المكان، شهادة الكوشير) وبضمنها قائمة الحركة الإسلامية، التي أكد رئيسها الدكتور منصور عباس، في بيان رسمي نقلته المواقع يوم الاربعاء الفائت، على أنه تواصل هاتفيا مع بنيامين نتنياهو وتحدثا حول القضايا السياسية الراهنة، التي كان من بينها إمكانية تشكيل الحكومة، والقضايا الحارقة للمجتمع العربي، وقضايا سياسية أخرى.. كما جاء في الأخبار. لا نعرف ماذا تناول الاثنان في محادثتهما، وعن أي القضايا الحارقة تحدثا؛ وأملي، على الأقل، أن يكون النائب عباس قد لفت انتباه رئيس الحكومة نتنياهو لمضامين الدعوات التحريضية التي تطلقها في هذه الأيام، مجموعات إرهابية يهودية وتدعو من خلالها أنصارها ومؤيديها للتجند والتجهز والانقضاض على المواطنين العرب في القدس الشرقية وفي يافا، في عمليات ثأر لما وصفوه «الشرف اليهودي» ومن أجل تكسير رؤوس العرب وتلقينهم دروسا لن ينسوها. لم تتوقف، خلال السنوت الماضية، معظم المنظمات الإرهابية، مثل «تدفيع الثمن»و «لاهافا» و»شباب/ زعران التلال» عن حملاتها واعتداءاتها على التجمعات السكانية العربية وعلى الممتلكات، سواء في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو داخل إسرائيل؛ لكن ما نشهده الآن يشكّل تصعيدا خطيرا وجديدا، من حيث دموية الخطاب ووضوح أهدافه المخططة، وبالاستجابات الواسعة له، كما رصدتها الصحافة العبرية ونقلت تفاصيلها المقززة على الملأ.

الأزمة السياسية التي يواجهها المجتمع اليهودي، عرّت بواطن ضعفنا، وكشفت مخاطر تخبطنا بثنائية الانتماء الوطني والمواطني

إنها الترجمات العملية المرعبة للوضع المتولد والناتج عن تغيير المناخات السياسية في الدولة، كما كنا قد توقعنا حصولها؛ فهذه المنظمات وغيرها لن تنتظر تشكيل حكومة مقبلة، ولا كيف سيكون شكلها، لأنها عبارة عن فرق الدم الضاربة، مثل شبيهاتها في تاريخ أوروبا الأسود، وابنة غريزتها المفترسة التي تشم رائحة فرائسها فلا تهمل ولا تمهل. تنتظرنا، نحن المواطنين العرب، أوقات عصيبة؛ والمشكلة أن معظمنا يشعر بتداعياتها القريبة، ولا يعرف كيف سيكون الخلاص، ولا ما هي سبل مواجهتها المثلى؛ فالأزمة السياسية التي يواجهها المجتمع اليهودي، هي عندنا أخطر وأعوص، وقد عرّت بواطن ضعفنا، وكشفت مخاطر تخبطنا بثنائية الانتماء الوطني والمواطني. لقد أجاد الكثيرون من الأكاديميين والمحللين العرب بتوصيف حالتنا/ معضلتنا كفلسطينيين بالانتماء وكمواطنين في إسرائيل؛ لكن معظمهم لم يتعرضوا إلى نقطة الحسم، ولم يطرحوا حلولا واضحة. وقد لفت انتباهي مؤخرا حوار مطول أجرته الدكتوره رلى هردل المحاضرة في العلوم السياسية، مع موقع عرب 48 حول نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، حيث أكّدت في أحد ردودها هناك على أن «سؤال المشاركة السياسية في المؤسسة يطرح نفسه علينا، ويجب إيجاد الإجابة عليه. والمدخل هو الحسم بين كوننا فلسطينيين نريد تفكيك المشروع الصهيوني، والمواطنة الإسرائيلية والانخراط في المشاركة في المؤسسة الإسرائيلية». وعندما حاول محاورها الصحافي سليمان أبو رشيد، أن يستوضح في ما إذا كانت تموضع خياراتها بين مواطنة جزئية واندماج مشوه، أو انتظار الفرج، أجابته: «أقصد أن شعار دولة المواطنين لم يعد يشكل عائقا، وأن مسألة التأثير والمشاركة السياسية في طريقها إلى التحول، ربما إلى صيرورة «عربية فلسطينية» واسرائيلية أيضا، وستطرح علينا هذه الأسئلة بشكل ملحّ ويجب أن نزود أنفسنا بأجوبة مقنعة لنا ولجماهيرنا، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الرفض الإسرائيلي ليس حالة جامدة وربما يكون خاضعا للكثير من الاعتبارات التكتيكية، وليس الاستراتيجية فقط» قالت، أفصحت وزادت من حيرة القراء. قد يحتاج بعضنا وقتا لحسم خياراتهم الكبرى، ولكن هذا لا يعفيهم من ضرورة التفتيش الفوري عن وسائل المواجهة من أجل البقاء أحياء بين فكي تلك المعادلة؛ فأنا لن أنتظر على «رصيف الفرج» ولا إلى أن ننجح في تفكيك المشروع الصهيوني، الذي لا أعرف من وكيف سيفككه، بل سأسعى، كمواطن وكصاحب حق إلى إيجاد سبل الانخراط في المشاركة السياسية والتأثير فيها وعليها؛ وسأدعو بالطبع غيري لنفعل معا، كيلا يبقى هذا الانخراط فرديا، لأنه يجب أن يكون جماعيا، كما يليق بمكانة أقلية تقاتل من أجل بقائها وحقوقها، الفردية والجمعية ومستقبلها. وفي هذا المسعى سوف اقترح، علاوة على فكرة إقامة الجبهة ضد الفاشية، بعض الأفكار التي أهدف من ورائها إلى بناء أطر جديدة، قد تؤدي إلى تحديث أساليب نضالنا وعملنا وكيفية اشتباكنا، أو انخراطنا، مع الدولة وسياساتها تجاهنا كمواطنين عرب مهددين.
أولا: إقامة منتدى القانونيين العرب؛ سوف يعمل هذا المنتدى على التشبيك بين آلاف الأكاديميين، خريجي كليات الحقوق، الذين يعملون كمحامين أو كمحاضرين في جامعات البلاد، وبعضهم وصل إلى درجة العمادة، أو موظفين في مناصب إدارية رفيعة في أجهزة الدولة أو كبرى الشركات، أو اصحاب مكاتب محاماة، أو شركاء في مكاتب محاماة كبيرة، أو قضاة متقاعدين، في محاولة لإيجاد إطار أو وسيلة تجمعهم بهدف الاستفادة من خبراتهم في المجالات الحقوقية، وتسخير طاقاتهم المهنية والذهنية، وتحويلها إلى عوامل مؤثرة في تحديد معالم أزماتنا وتشخيصها من وجهة نظر قانونية؛ ومن ثم وضع برامج ومقترحات لتفكيكها ولمواجهتها بمنهجية وبنجاعة.
ثانيا: الدعوة إلى تأسيس رابطة العلمانيين العرب، التي ستعمل على نشر مناخات من الثقافة الإنسانية والديمقراطية الحقة داخل مجتمعاتنا، وعلى تعزيز ثقافة الحرية واحترام حقوق الغير المختلف، والانتماء إلى هويات جامعة وقادرة على تحصين مجتمعاتنا وتمكينها من مواجهة جميع المخاطر المتفاقمة بيننا.
ثالثا: التأكيد مجددا على مقترحي القديم لإقامة مجلس طوارئ أعلى؛ على ألا تكون عضويته محصورة في ناشطي الأحزاب والحركات السياسية والدينية القائمة، بل تتعداهم ليضم المجلس عددا من الشخصيات صاحبة المكانة والمهارة والتجرية والأهلية، لوضع تصوراتهم أزاء أزمتنا الناجمة، كما وصفتها على سبيل المثال الدكتورة هردل، وإرفاقها بحلول متخيّلة.
رابعا: أدعو قائمة النائب منصور عباس إلى تبني فكرة ترشيح مواطن عربي لرئاسة الدولة، خلفا للرئيس الحالي رؤبين ريفلن، وإلى تجنيد علاقاته ووزنه، كبيضة قبان، من أجل إنجاح هذا المقترح. فصلاحيات رئيس الدولة مهمة لكنها محدودة جدا، ولا يعد منصبه منصبا سياسيا، بل فوق الفئوية والسياسة ومن المفترض أن يمثل جميع مواطني الدولة.
واقترح عليهم ترشيح قاضي المحكمة العليا المتقاعد سليم جبران لهذا المنصب، فهو كقاض متقاعد من أعلى هيئة قانونية رسمية في الدولة، يعدّ صاحب شرعية مواطنية يجب أن تكون مقبولة على نتنياهو ومعسكره أو على لابيد ومعسكره. لقد نال القاضي جبران كأول غير يهودي على الإطلاق، قبل مدة وجيزة جائزة «المنظمة الأمريكية للمحامين وللحقوقيين اليهود» وهي إحدى المنظمات الكبرى والمؤثرة، ليس فقط على مستوى أمريكا، بل أبعد منها بكثير. وقد قدّم أمام أعضاء هذه المنظمة خطاب المواطنة الكاملة، حيث لفت فيه أنظارهم إلينا كأبناء أقلية عانت وتعاني من عنصرية الدولة، التي سوف تضاعفها تبعات قانون القومية السيئ والخاطئ، الذي سيشكل خطرا على بقاء الديمقراطية في إسرائيل. قد يكون ترشيح القاضي جبران صعبا على الحركة الإسلامية لكونه لا ينتمي، على طريقتهم، إلى «القوى المحافظة» في مجتمعنا؛ فعندها من الممكن أن يتبنوا ترشيح غيره من الشخصيات المحافظة ذات المقام والمكانة والمؤهلات والسمعة لهذا المنصب، فالعبرة بقبول مبدأ الترشيح لهذا المنصب، وبكونه مقترحا متساوقا مع خطاب الإنجازات المواطنية الذي ينادي به النائب عباس وحركته. على جميع الأحوال قد لا توافق القائمة المشتركة على هذا المقترح، لكنني اعتقد أن «حركة ميرتس» تستطيع تبنيه، إلى جانب، أو بدون، موافقة الحركة الإسلامية عليه.
وأخيرا، أعرف أن جميع هذه المقترحات هي مجرد أفكار تستدعي المناقشة والدراسة والتطوير، عساها تنضج وتصبح ناجزة كوسائل عمل مستحدثة وقادرة على تحسين أوضاعنا أو جاهزيتنا لمواجهة من نراهم يكشرون عن أنيابهم؛ فهم فرق السماء الغاضبة، صناع مناخات الخوف، النافخون بأبواق الدمار، والقابضون على مناجل حصاد الجماجم التي سيشيّد على أكوامها، هكذا يؤمنون، شعب إسرائيل مملكته اليهودية الجديدة.
كاتب فلسطيني

 

 

من أجل إقامة جبهة:

«مواطنون ضد الفاشية»

جواد بولس

 

لا أعرف كم من المشاهدين نجحوا، أو حاولوا استيعاب مشهد اعتداء عناصر شرطة إسرائيل الوحشي على النائب عن الجبهة الديمقراطية في الكنيست، الدكتور عوفر كسيف، ومن ثم ترجموه كتجسيد لسياسة الدولة الرسمية الجديدة، وأساليب جهاز شرطتها، التي باتت اعتداءاتها المتكررة على المواطنين المسالمين، من عرب ويهود، مؤشرا واضحا على خطورة التغيير العنصري الفاشي الجوهري الذي حصل داخل المجتع اليهودي، وعلى مفاهيم دهاقنة الحكم تجاه جميع «الآخرين» الخارجين عن إجماعهم.
لقد شارك النائب كسيف مع مجموعة من المحتجين، العرب واليهود، في مظاهرة سلمية ضد اعتداءات المستوطنين المتطرفين على السكان العرب، وعلى ممتلكاتهم في حي الشيخ جراح في القدس المحتلة، لكن رد الشرطة، التي صارت عصيها أطول من أنفاسها، جاء عنيفا بشكل غير مبرر على الإطلاق، وإصابة كسيف كانت متعمدة، خاصة أنهم كانوا يعرفون أنه يهودي، وأنه نائب في البرلمان ويحظى بحصانة تامة.
لا يمكن، في هذا المقام، ألا نستحضر مشاهد اعتداء هذه الشرطة نفسها على كرمي جيلون الرئيس السابق لجهاز المخابرات العامة في إسرائيل، وإصابته بجراح طفيفة عندما شارك، قبل حوالي نصف عام مع آلاف المحتجين اليهود، أمام بيت رئيس الوزراء في شارع بلفور في القدس الغربية، في مظاهرة سلمية، كانت قد انتهت بالاعتداء عليها، وبمشهد عرّى قبح واقع إسرائيل، وأثبت أننا نقف، كما صرخت حينها، عند «باب جهنم» فسألت: «من يوقف السقوط به وكيف؟». لم يكن الاعتداء على المتظاهرين في حي الشيخ جراح، وإصابة النائب كسيف، هو النذير الوحيد الذي أصابنا في الأسابيع القليلة الماضية، وذكّرنا بما يتربص بمستقبلنا، فقبل أيام رفض ثلاثة من قضاة محكمة «العدل» العليا الإسرائيلية التماس «لجنة اختيار الفائزين في جائزة إسرائيل» ضد وزير التربية والتعليم يوآف غالنت. قدمت اللجنة التماسها في أعقاب رفض الوزير لقرارها القاضي بمنح البروفيسور عوديد غولدرايخ، وهو باحث معروف في معهد «وايزمن» في مدينة رحوبوت، الجائزة لهذا العام، تقديرا له على أبحاثه في علوم الرياضيات والحاسوب. وعلل الوزير غالانت رفضه لقرار منح الفائز جائزته على خلفية مواقف البروفيسور غولدرايخ في مناهضة الاحتلال الإسرائيلي للمناطق الفلسطينية، وتأييده لحركة المقاطعة العالمية (
BDS) وتوقيعه على عريضة كانت قد نادت بمقاطعة جامعة «أريئيل» المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.
لم يلفت قرار المحكمة العليا انتباه قادة مجتمعنا، ولم تستفز خلاصته ومسوّغاتها الخبيثة معشر الأكاديميين، ولا المحامين والقانونيين العرب، باستثناء التفاتة من قبل الصحافي الكاتب سليم سلامة، الذي نشر مقالًا بعنوان «السقوط في شرعنة العقاب على الآراء السياسية» شرّح فيه مضامين قرار المحكمة العليا وتناول أبعاده بمهنية، وأشار إلى تداعياته، في فضاء عدل كسيح، ومنظومة قضاء ما انفكت تهرول نحو الهاوية والخراب. لقد تعوّدنا على ألا يعير معظم المواطنين العرب، على جميع انتماءاتهم وشرائحهم، هذه الأخبار «الصغيرة» والمشاهد السامة المستفزة أي اهتمام، فمجتمعاتنا تعيش حالة إدمان على تعاطي الخبر برتابة منهكة، وتحترف، ببردوة، طقوس النفاق والكذب الاجتماعيين القاتلين، حتى إن معظم الناس تعلموا كيف يكيّفون شروط سلامتهم والنجاة بين صلاة ورصاصة ووجبة، وكيف يتقنون مدائح الدم في جنازات القتلى، ويستمطرون، بدموع من زجاج، رحمة السماوات كلما اغتيلت سوسنة في المساء.

براهين عديدة على انتقال نظام الحكم من نظام عنصري، يقمع ويضطهد المواطنين العرب، إلى نظام مستبد لا ديمقراطي بالمطلق

كتبت قبل مدة قصيرة أنني لا أعرف متى سنستوعب، بسطاء «ونبلاء» أننا نقف على «عتبة جهنم»؛ وأننا لا نملك ترف التناسي والتغافل عمّا يحصل في شوارع الدولة وفي أروقتها، وأنه من الحماقة أن يفرح بعضنا كلما سقطت هراوة شرطي يهودي فاشي على رأس يهودي عاص، أو أن يغني جاهل متحذلق بشماتة حمقاء ويعلن من على المنصات: ها قد دنت ساعة خلاصنا، فإن بعضهم يأكلون بعضهم، فدعوهم يسيرون ببطء نحو نهايتهم القريبة. هنالك هوة كبيرة بين ما يجري من تفاعلات سياسية داخل المجتمع اليهودي، وما يوازيها من ركود مقلق مسيطر على وعي جماهيرنا وقياديينا، وما يرافقة من انهيارات في القيم الاجتماعية والسياسية، فبين الأكثرية اليهودية تتنامى وتكتمل معالم «جهنم» وفي مواجهتها تتسع حلقات المعارضين الذين بدأوا يستشعرون بحتمية ذلك التطور، الذي سيفضي إلى تشكل نظام ديكتاتوري شبيه بجميع الأنظمة السوداء التي عرفها التاريخ، لاسيما في الفترة الواقعة بين الحربين العالميتين.
أما في المقابل، وعلى الرغم من اقتناع معظم طلائعيي النخب العربية، المزودة بأدوات علمية والمنكشفة على تجارب الشعوب الأخرى، بأن ممارسات النظام الإسرائيلي الجديد ستختلف جوهريا عمّا عاشه المجتمع الإسرائيلي وعشناه نحن في العقود السبعة الماضية. وعلى الرغم من معرفة هذه الحقيقة، لم تبادر هذه النخب في مجتمعاتنا إلى أيّ محاولة لمنع وقوع الأسوأ المتوقع، أو للبحث عن وسائل لمقاومته.
سيدّعي الكثيرون، حتى بعد حالة الاعتداء السافر على النائب كسيف وعلى المتظاهرين معه، كما أتوقع، أن لا جديد في المشهد الإسرائيلي؛ فهذه الشرطة هي شرطة الدولة القديمة الجديدة، ولطالما شاهدنا عصيّها وهي تهوي على رؤوس وأجساد المتظاهرين العرب، وبنادقها تطلق عليهم قنابل الغاز المسيل للدموع، أو حتى الرصاص المطاطي والحي، كما جرى في أحداث يوم الأرض، أو خلال احتجاجات ومواجهات شهر اكتوبر عام 2000 وفي غيرها من حالات الانفلات الشرطية العنصرية القمعية، التي خلّفت وراءها بين المواطنين العرب الضحايا والمصابين والأحزان.
لكنني، هكذا كتبت قبل إجراء جولة الانتخابات الأخيرة، وإن كنت أوافق على صحة هذا الادعاء بمنظوره التاريخي، أؤكد مرة أخرى، على أن ممارسات عناصر الشرطة الأخيرة وثبوت عملية سقوط المحكمة العليا الإسرائيلية الأخلاقي والمهني، ستبقى، بعد احتلال اليمين بأطيافه لأغلبية مقاعد الكنيست، علامات فارقة وتاريخية، وبراهين على انتقال نظام الحكم من نظام عنصري، كان يقمع ويضطهد مواطني الدولة العرب ولم يزل، إلى نظام مستبد لا ديمقراطي بالمطلق. هذا النظام لا يقبل بأي نوع من المعارضة السياسية، حتى لو كانت آتية من داخل المجتمع اليهودي، وتمارسها قطاعات صهيونية عرفت في الماضي بدعمها للحكومات الصهيونية اليمينية، على أصنافها، أو من قبل أجسام وجهات وشخصيات يهودية، أو يهودية صهيونية بارزة، وصاحبة تاريخ مشهود في تضحياتها من أجل بناء إسرائيل القوية، مثل ما حصل مع كرمي جيلون وآخرين قبله.
ان من لا يقرّ بالفوارق بين النظامين لن يأمن، بعد انتشار الذئاب في الطرقات، على مستقبل أولاده في هذه البلاد. كم هتفنا، حين كانت حناجرنا واثقة مثل حجارة الصوان، بأن الفاشية لن تمرّ؛ وحاولنا صدّها، وصمدنا وعشنا.. ولكن، كما نسمع ونرى، لم يعد هذا الهتاف شافيا ولا كافيا. لقد تمنيت على أحزابنا وحركاتنا السياسية والدينية والمدنية أن تتصدر مواجهة هذه القوى، قبل أن تستقوي وتستحكم في رقاب الدولة وفي مفاصلها؛ وكان الأمل أن يتم ذلك من خلال نضال حقيقي، لا بإطلاق الشعارات ونشر بيانات الشجب والاستنكار فحسب، وعوّلنا كثيرا على «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» لأنها كانت صاحبة هذا الشعار التاريخي والمؤمنة فكريا بضرورة بناء الجبهات العريضة في مواجهة الفاشية، وكانت هي المبادرة لإنشائها في البدايات؛ إلا أنها، يبدو، لم تعد مهيئة، بتركيبتها الحالية، لحمل عبء هذه المسؤولية. وبما أنني مؤمن بأننا كمواطنين عرب كنا وسنكون أول الضحايا، فعلينا تقع مسؤولية المبادرة لبناء أوسع جبهة تتوافق مركباتها على ضرورة العمل النضالي الموحّد؛ والأمل معقود على أن تضم هذه الجبهة كل جهة أو جسم أو مجموعة أو حركة أو شخصية، عربية ويهودية، تقر مثلنا بخطورة تنامي قوة منظومة القوى الفاشية وبضرورة التصدي لها.
ولأنني أعرف أن الكثيرين بيننا يؤمنون مثلي، فعلى مجموعة مبادرين أن يلتقوا، لا على أسس الانتماءات الحزبية المؤطرة، بل في عروة الفكرة وبهدف تشخيص أعراض المرحلة والاتفاق كيف يكون الانطلاق وما هي الخطوة التالية في التوجه نحو جميع الحلفاء الممكنين. فلنقم، إذن، رابطة أو جبهة «مواطنون ضد الفاشية».
كاتب فلسطيني

 

 

ويبقى السؤال أمامنا:

ما العمل؟

 

جواد بولس

 

أثارت تصرفات بعض النواب العرب واليهود، التي رافقت جلسة الكنيست الخاصة بأداء اليمين الدستورية المطلوبة منهم وفق «قانون أساس الكنيست» حركة ما يسمى في لغة العصر كتائب الذباب الإلكتروني، واستجلبت، في الوقت نفسه، ردود فعل غاضبة من قبل عدة جهات يمينية عنصرية، قامت بتجييش الموقف لمزيد من التحريض على النواب العرب، وعلى ناخبيهم أجمعين.
لقد اختار نواب الجبهة الديمقراطية الثلاثة، أيمن عودة وعايدة توما وعوفر كسيف، والنائب عن حزب التجمع، سامي أبو شحادة، عدم الالتزام بالنص القانوني الذي يتعهد بمقتضاه النائب المنتخَب على أن «يحفظ الولاء لدولة اسرائيل» وأن يلتزم «بتأدية رسالته في الكنيست بإخلاص» واستبدلوه بتعهدهم بالعمل ضد الاحتلال وضد العنصرية والعنصريين، ومن أجل العدالة والديمقراطية، في خطوة احتجاجية أرادوا منها تسجيل موقف سياسي في لحظة تاريخية حرجة، ولفت أنظار المجتمع، في إسرائيل والعالم، إلى واقع كارثي ومرير، هو في الحقيقة مصدر الجحيم الذي يعيشه الفلسطينيون في الأراضي المحتلة، ويعاني من جرائه المواطنون العرب وجميع الفقراء والبؤساء في إسرائيل.
هنالك من لا يعرف أن عددا من جلسات قسم اليمين الدستورية، منذ إنشاء الكنيست الاولى عام 1951، قد شهدت مثل هذه الأحداث؛ فالمقام والفرصة يغويان النائب أحياناً، ويدفعانه إلى استغلال المنصة بشكل متعمد للاحتجاج الخاطف، أو من أجل تمرير رسالة خارجة عن المنصوص المتوقع، ومستفزة لقواعد البروتوكول؛ بهدف استثارة «الآخر» وخضّه، أو لفت انتباه قطاعات واسعة من المتابعين على اختلاف انتماءاتهم . أما الحكم على فائدة هذه الفذلكات، أو تأثير هذه الإشراقات، فسيبقى مختلفا عليه؛ تماما كما حصل في هذه المرة، خاصة في عالم الحريات الإلكترونية المنفلتة والمتوحشة؛ في حين تواجه فيه مكانة النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي أزمة ثقة وجودية خطيرة، عبّر عنها، بشكل جزئي، الانخفاض الواضح في نسبة تصويت المواطنين العرب في الجولة الانتخابية الأخيرة. سوف تتداعى التطورات السياسية العامة بتسارع مجنون، ولن يبقى من ذلك الحدث إلّا رذاذ مخلفات قد تُستحضر في المستقبل، إما على سبيل التفكّه، أو كأسلحة في مناكفات «الأخوة» الحزبية و»القبائلية؛ وستبقى كذلك الحقيقة الموجعة وهي، أن هذه الكنيست تضم أكبر عدد من النواب العنصريين والفاشيين، الذين بدأوا بتنفيذ ما أعلنوه قبل انتخابهم إزاء مكانة العرب، كل العرب، في الدولة، خاصة في ما يتعلق بمفهومهم ليهودية الدولة ولطبيعة الحكم فيها ولمرجعياته. وقد برزت في هذا الاتجاه تغريدة رئيس حزب «الصهيونية المتدينة» النائب سموطريتش، التي وجهها من على صفحته قبل يومين، للنائب أحمد الطيبي وهدده فيها قائلاً: «أحمد هو مسلم حقيقي، ويجب أن يعلم أن أرض اسرائيل هي ملك لشعب إسرائيل، ولن يبقى فيها، مع الوقت، أمثالك الذين لا يعترفون بذلك، ولسوف نهتم نحن بتنفيذ ذلك الأمر». وردت تغريدة سموطريتش بعد خطاب النائب منصور عباس، الذي طنطنت له وسائل الإعلام العبرية، وبعد أن غازل من خلاله أحزاب اليمين وحاول استرضاءهم؛ وتزامنت كذلك مع هجمات عنصرية مشابهة، أطلقها زميله النائب ابن جبير، ومع أصوات عنصرية عديدة أخرى، تشكل بمجموعها مؤشرات أولى وأكيدة على طبيعة وخطورة مواجهاتنا القريبة المقبلة، خاصة إذا علمنا أن هذه المواقف تحظى بوجود إجماع نيابي عريض وناجز، ومدعومة من قبل أكثرية يهودية عنصرية شعبية واضحة.

الاعتراض على خيارات الأحزاب المشاركة في «اللعبة الديمقراطية» وتسفيه نشاطها، لن يفيدنا ولن يوصلنا إلى بر النجاة

من المؤسف أن ينقسم المعقّبون العرب حول تقييم خطوة النواب الأربعة المذكورة، وأن يتواجهوا بسببها في معارك هامشية، تشكل مشهداً يذكرنا بحماقات بعض المجتمعات العقيمة، التي سهّل تشظّيها، لاسيما حول أمور جانبية، مهمّة سيطرة القامع وتحكّمه في رقاب عامة المقموعين. لقد كان الأولى بالجميع أن يتنبهوا، بعد انتهاء المعركة الانتخابية، لما ينتظرنا، وأن يشاركوا في «مجهودهم الحربي» الحقيقي المطلوب في ساعة الصفر الحاضرة الآن الآن. لن تكون مهمة مواجهة القوى اليمينية الفاشية في المعركة المقبلة، محصورة في الأحزاب والحركات العربية التي خاضت المعركة الانتخابية، مؤمنةً بضرورة النضال البرلماني كواجب وكاستحقاق تتيحة مواطنتنا في الدولة؛ فجميع المواطنين العرب مستهدفون وعليهم أن يستوعبوا كيف تغيّرت مفاهيم الأكثرية داخل المجتمع اليهودي، نحو مسألة وجودنا كأقلية قومية تهدد استقرار دولتهم ومستقبلها؛ وكيف ترى الأكثرية، التي يمثلها سموطريتش وأشكاله اليوم، سبل مواجهة هذا الخطر المتخيّل؛ وما هي الأدوات القانونية وغيرها، التي ابتدعوها، والتي ستجنّدها مؤسسات الدولة في سبيل تأمين نصرها في المعركة الحاسمة المقبلة؟
سوف يخطئ من سيستخفّ بما كتبه سموطريتش في تغريدته المذكورة؛ فهو وما يمثله لم يعودوا مجرّد مهلوسين سائبين كقطعان من مخلوقات خرافية هائجة على سفوح تلك الهضاب البعيدة، بل أصبحوا ساسة النظام؛ وسرعان ما ستتحول أفكارهم قريبا إلى برامج عمل حقيقية، سنكون نحن، المواطنين العرب، عناوينها المباشرة والأكيدة. يجب أن نعود فورا إلى قضيتنا المركزية والإجابة على سؤالها المفتاح وهو: ما العمل؟ قد لا تملك الأحزاب والحركات التي تخوض الانتخابات سبلًا كافية وكفيلة لمواجهة المخطط الذي تهدد بتنفيذه أحزاب اليمين الفاشي وحلفاؤها، ولكن ما هي الحلول الواضحة، والمخططات العملية التي يملكها بالمقابل من قد قاطعوا الانتخابات؟ فالاعتراض وحده على خيارات واجتهادات تلك الأحزاب المشاركة في «اللعبة الديمقراطية» وتسفيه نشاطها، لا يكفي ولن يفيدنا ولن يوصلنا إلى بر النجاة.
قد تنعكس ملامح الانقسام الأساسي القائم داخل المعسكرات العربية السياسية الأساسية على ظاهرة فقدان مجتمعاتنا لعناصر هويتنا الجامعة، خاصة عند اشتباكها مع مسألة المواطنة الإسرائيلية، التي ترفض بعض الحركات السياسية الإسلامية والقومية التعامل معها بشكل مبدئي؛ أو على العكس، يقبلها الآخرون لكنهم يختلفون حول كيفية ممارستها وتصريفها أثناء التعامل، كأفراد وكمجموع، مع مؤسسات الدولة. وعلى سبيل المثال، ظهر هذا الخلاف مؤخرا بشكل واضح داخل شقي الحركة الاسلامية، وهي بدون شك من أهم الأجسام السياسية التي تؤثر في هندسة هوية مجتمعاتنا وفي سلوكيات أفراده وقيمهم المعيشية. فعندما استهل الدكتور منصور عباس، زعيم الحركة الاسلامية وممثلها المنتخب في الكنيست، خطابه الموجه إلى المجتمع اليهودي بالآية رقم 13 من سورة الحجرات وطمأنهم بـ «يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا» رد عليه الشيخ كمال خطيب، زعيم في الشق الشمالي للحركة الاسلامية التي تدعو إلى مقاطعة انتخابات الكنيست، وهاجمه مستشهداً بعدة آيات مناقضة، لم يحصرها بموقف القرآن من اليهود، بل جمع معهم النصارى أيضا مستعينا بالآية رقم 120 من سورة البقرة متسائلًا: «أليس في قرآن منصور عباس الذي في صدره قول الله تعالى: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم».
هذا ليس مجرد خلاف عقائدي بسيط بين الشقّين الإسلاميين حول مفهوم المواطنة، وعلاقة المسلمين مع سائر المواطنين والدولة، بل هو تعبير عن توجّهين إسلاميين مختلفين حول فهمهما لمسألتي الهوية والمواطنة؛ وهو ما يخلق واقعا ملتبسا يؤثّر بشكل سلبي في وحدة مجتمعنا، وفي مواقف المواطنين المسلمين المحافظين إزاء «الآخر» ، ويؤدي، في الوقت نفسه، إلى ضياع بوصلتهم وفقدانهم للثقة في نجاعة العمل السياسي، ودخولهم في حالة من السبات الاجتماعي؛ أو إلى لجوئهم لحالات من الفردانية والشخصانية، وما تتيحانه من «خيرات» متخيّلة في حمى الدولة اليهودية وتحت سقف مؤسساتها، أو ما تكفله القبائلية والحمائلية البغيضتين. إنه مجرد مثال على أحد المفاعيل المسؤولة عما آلت إليه أحوال المواطنين العرب، وعن انتشار حالات الانتماء السائل والهش؛ فإن كانت طريق منصور عباس وحركته الإسلامية الجنوبية ستوصلنا، كما نجزم نحن أيضا، إلى حضن اليمين الصهيوني المتوحش، فهل يكشف لنا قادة الحركة الاسلامية الشمالية عن مخططات مشروعهم الإسلامي النضالية الميدانية، وبرامجهم العملية المعدّة لمواجهة مخططات اليمين الفاشي المعلنة، خاصة أنهم يؤكدون لنا أن اليهود والنصارى لن يرضوا عن المسلمين «حتى يتبعوا ملّتهم؟». هذا السؤال موجّه أيضا إلى جميع الأحزاب والحركات والمؤسسات ولجميعنا بدون استثناء؛ فبدون الإجابة عليه سنجد أنفسنا وسط معارك أكتوبر جديد وسنعود لعدّ أسماء شهدائنا الجدد، وسنحتفي بذكراهم الخالدة بعد عام وعام وعام.

كاتب فلسطيني

 

 

الحركات الإسلامية بين نداءات

المقاطعة والدعوة للاندماج

جواد بولس

 

رغم مرور عشرة أيام على انتهاء الجولة الانتخابية الرابعة للكنيست الإسرائيلية، لم تظهر بعد بوادر انفراج الأزمة السياسية القائمة، وذلك رغم محافظة الأحزاب اليمينية على قوّتها وتراجع نسبة المصوتين العرب بشكل بارز، فالانقسامات الداخلية بين أحزاب اليمين والعداوات الشخصية التي يكنها بعض زعاماتها لشخص بنيامين نتنياهو أدّت إلى تعقيد وضعه وإلى منعه من جني نتائج إنجازاته في حقلي مكافحة كورونا وتوقيعه عددا من «معاهدات السلام» مع بعض الدول العربية، أو من قطف ثمار سياساته العنصرية والتحريضية السابقة وتودّده الانتهازي المفاجئ للمصوتين العرب قبل هذه الجولة. سيستمر المعسكران، واحد برئاسة نتنياهو، والآخر برئاسة يئير لبيد، بمحاولاتهما في تجميع أكثرية نيابية تمكنهما من إقامة حكومة وترؤسها علمًا بأن جميع الاحتمالات ما زالت واردة، بما فيها الاضطرار لجولة انتخابات خامسة ستضع المواطنين العرب في إسرائيل، مرة أخرى، أمام نفس التجربة والتحديات.
تعيش إسرائيل إذن تداعيات أزمة سياسية متدحرجة وخطيرة، ولن تنتهي بطبيعة الحال مع تشكيل الحكومة أو إذا أدّى فشل ذلك إلى الذهاب لجولة انتخابية خامسة، فالصراع الحقيقي داخل المجتمع اليهودي هو، بدون شك، أعمق ويدور حول شكل «الدولة القومية اليهودية» العتيدة وطبيعة نظام الحكم فيها ومرجعياته المعتمدة.
لقد تطرّقت في مقالتي السابقة إلى بعض الخلاصات التي قرأتها في النتائج كما أقرتها «لجنة الانتخابات المركزية» ولاحقًا لما ذكرت هناك سأتعرض، فيما يلي، لظاهرة الحركة الإسلامية وأسلوبها في العمل السياسي بيننا من جهة، ولظاهرة مقاطعة الانتخابات من جهة أخرى. إنهما قضيتان أساسيّتان مرتبطتان في عملية الانتخابات، لكن لهما تأثيرات أبعد بكثير وأدوم على حياتنا اليومية وعلى هوية مجتمعاتنا وعلاقاتنا مع الدولة كما نمارسها في واقع لم يعد يشكّل امتدادًا طبيعيًا لماضينا، كمواطنين عرب في إسرائيل، بل يشي بظهور انشطارات وتشكّلات «عرب – إسرائيلية» جديدة، لن تحتكم بالضرورة إلى قواعد اللعب المتعارف عليها، وغير مدفوعة بنفس الهواجس والمصالح التي أملتها في العقود الماضية مشاعر الانتماء إلى هوية عربية وطنية واضحة وجامعة حافظت على معالمها الأساسية رغم وأثناء تجاذبات بعديها القومي والمواطني وتصادمهما أحيانًا كثيرة.
لا ولن تنحصر هذه المتغيرات في أداء الحركة الإسلامية الجنوبية الأخير، وإن كانت هي من أهم معالم تلك التحولات وربما أجدرها بالمتابعة، وذلك لأن أسباب نشوء هذه الحركة ونشاطها كحركة يمينية سياسية إسلامية، وإمكانية نشوء غيرها من بين الشرائح العلمانية أو شبه المتدينة، مغروسة عميقًا في طبيعة الفكر السياسي الإسلامي وفي ما يعتمل داخل هويات بعض الشرائح الاجتماعية، سواء ما يتوالد منها ويتراكم على شاكلة طبقة وسطى جديدة، أو ما يتفاقس على حفافها، أو، على النقيض، بين الشرائح المجتمعية المهمشة والفقيرة أو العابثة.

سلوك قادة القائمة المشتركة ثم انشطارها وخروج الحركة الإسلامية منها أحد العوامل الرئيسية التي أدت إلى تراجع قوتها شعبيًا

لقد انبرى البعض بتعريف عبور الحركة الإسلامية لعتبة الحسم وحصولها على أربعة مقاعد نيابية بالنصر الكبير. وقد يكون هذا التوصيف صحيحًا في المواجهة بين جناحي الحركة الإسلامية ودليلًا على تراجع قوة قادة جناح الحركة الإسلامية الشمالية وفشلهم بإقناع المصوتين المسلمين المحافظين بصحة نداءات مقاطعة الانتخابات، فالاختلاف حول التصويت أو الامتناع عنه لا يقع ضمن الفقهيات العقائدية المجمع عليها، بل هي اجتهادات حول المفاهيم السياسية التي يطوّعها المفتون/المجتهدون حسب الظروف والمصلحة، حيث يصبح الاهتداء بقواعد إسلامية سياسية مقرّة ومغايرة، مثل الضرورة «بدرء المفاسد» أو حتى «طاعة أولي الأمر» جائزًا. أمّا أنا، وإن كنت لا أرى بسقوط الحركة الإسلامية، لو كان قد حدث، مدعاةً للفرح، لن أرى بفوزها نصرًا، إلا إذا رصّد قادتها هذه الأمانة في حسابات المواطنين العرب قوتًا وكراماتٍ وحقوقًا مستحقة، وإذا لم يستغل قادتها نجاحها من أجل تقوية حكومة نتنياهو وحلفائه الفاشيين سواء تبوأ هؤلاء الوزارات أم لا.
لا نعرف كيف سيتصرف قادة الحركة الإسلامية في الأيام القريبة المقبلة ومعهم النائب مازن غنايم، رئيس بلدية سخنين السابق، الآتي مؤخرًا إلى صفوفها من أحضان حزب «التجمع الوطني» القومي. ومع أن كثيرًا من المؤشرات لا تستبعد إمكانية اصطفافهم إلى جانب حكومة برئاسة نتنياهو، سيبقى الأمل معقودًا على بعض قادة ونشطاء هذه الحركة التاريخيين، لا سيما أولئك الذين تحدثوا ويتحدثون دفاعًا عن المصالح العليا للجماهير وعن ضرورة تأمين حد أدنى من التنسيق والعمل الوحدوي بين جميع الأحزاب والحركات العربية، مثل تصريح النائب السابق عن الحركة، مسعود غنايم، الذي استحضر قبل أيام ذكرى يوم الأرض ومقتل الشاب منير عنبتاوي برصاص شرطة نتنياهو، فصرّح أن « الدعوة إلى الوحدة هي واجب الساعة. فبعد معركة انتخابية شرسة كان بها هذا التشرذم، نحن بحاجة إلى لملمة البيت وإعادة اللحمة والتنسيق والتعاون بين جميع الأحزاب وبين القوائم العربية» وهو ليس وحيدًا في هذه الرؤية.
وبعيدًا عما سيطرأ على هذه الجبهة الضيقة، رغم أهميتها، ستبقى الأزمة الكبرى التي تعيشها جميع الأحزاب والحركات والمؤسسات غير الإسلامية هي الحقيقة الأهم التي عرّاها أمامنا تحدّي الحركة وزعيمها كاشفًا عجزهم في حماية مواقعهم وفشل تنظيماتهم في قراءة الواقع ودرء مخاطره.
لم تكن سقطة القائمة المشتركة المدوية غير متوقعة، فمن تابع، خلال العقدين الأخيرين، غياب قادتها وتنظيماتهم عن مواكبة المتغيرات العميقة الجارية داخل مجتمعاتنا، أحس بالمخاطر الداهمة، خاصة بعد أن برز يومًا بعد يوم فشلهم في حماية الفضاءات الاجتماعية الضامنة لاستمرار حياتنا اليسيرة والآمنة، وتعنتهم، رغم الخسائر، بعدم مراجعة تجاربهم. لقد حافظوا على بنى تنظيماتهم الهرمة والقاصرة عن خلق وسائل ردع سياسية واجتماعية تكون قادرة وكفيلة على صد تفشي مظاهر العنف في مواقعنا، وعلى محاصرة تنامي قوة العصابات الإجرامية الهدامة، أو على مواجهة الحركات الاندماجية في مؤسسات الدولة، على طريقة الحركة الإسلامية الجنوبية، وهي ليست الوحيدة في هذا المدار، في وقت كان قادتها يوسّعون مناطق نفوذهم ويسيطرون على مرافق ومنصات جديدة داخل مجتمعاتنا، سواء كان ذلك تحت يافطة حماية مجتمعاتنا المحافظة، أو نتيجة لعدم مهادنتهم في مسائل العقيدة والإيمان.
كان سلوك قادة القائمة المشتركة ومن ثم انشطارها وخروج الحركة الإسلامية منها أحد العوامل الرئيسية التي أدت إلى تراجع قوتها شعبيًا كما شاهدنا، وكان التراجع في نسبة أعداد المصوتين العرب هو العامل القاتل الثاني.
لا أحد يستطيع أن يثبت مدى تاثير نداءات المقاطعة المؤدلجة على من بقوا في بيوتهم، ولكن، مع ذلك، يجوز لمن بادروا بإطلاق تلك الحملات أن يعزوا نتائجها أو جزءًا منها لصالحهم وأن يفسروها كزيادة في شعبيتهم وقدراتهم على التأثير.
وعلى جميع الأحوال، هنالك حاجة حقيقية لمناقشة هؤلاء، وأنا أقصد مناقشة الذين يؤمنون بأن المقاطعة هي وسيلة نضالية فعالة في مواجهة سياسات إسرائيل العنصرية والقامعة، وليست عبارة عن نزق رومانسي أو وقفة احتجاجية غاضبة أو ردة فعل عقابية لهذا الحزب أو لذاك المسؤول، فالاكتفاء بتسفيه تلك النداءات، التي هي في الواقع جزء من كلٍّ مفاهيمي سياسي، أو بإغفالها أو بمهاجمة أصحابها لا يسعف ولا يلغي وجودها وتأثيرها، بل على العكس، فقد يلحق الضرر بمن يؤمن، مثلي، بفعالية التصويت وبكون النضال البرلماني ليس أكثر من رافد في معركة يجب أن تلتئم فيها عدة روافد نضالية أخرى كي تؤتي أكلها السياسية المرجوة.
لا أعرف من هم المعنيون بإجراء هذا النقاش الضروري ولا من هم القادرون على تقييم تجربتنا السياسية باستقامة ومهنية وانتماء حقيقي، فصوت المقاطعين موجود بيننا وقد يكون فيه حكمة الحالمين أو طنين طهارة الحق أو كله على خطأ، ودور الحركات الإسلامية، على تفرعاتها، شاخص في كل ساحة من ساحات بلداتنا وشوراعها، فمتى سيُناقشون سياسيًا حول مواقفهم وبرامجهم كما «ناقشت» الأحزاب الأخرى بعضها وبدون مراءاة أو خوف أو تلعثم، أو كما كان سيفعل، النشطاء الماركسيون والقوميون والعلمانيون أو المثقفون إزاء حركة سياسية مسيحية متخيّلة دعت إلى إقامتها مجموعة من الأكاديميين والعلماء الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل تحت اسم «الحركة المسيحية الحرة» التي ستعمل بهداية تعاليم المسيح ومن أجل المحبة والسلام ونشر رسالته بين الأمم، وتعلن، في الوقت نفسه، عن نيتها لخوض انتخابات الكنيست المقبلة بقائمة تؤمن بحماية حقوق الفرد وتنادي وتطالب بحقوق العرب الفردية والقومية في إسرائيل وبمساواتهم المواطنية الكاملة، وقد تدعم نتنياهو في مساعيه لتشكيل حكومة. فمن منكم لن يصمها بالطائفية وبالشرذمة وبأكثر، كما كنت سأفعل؟

 

 

نصر يعادل هزيمة

جواد بولس

 

 

سوف تعلن لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية نتائجها النهائية بعد إتمامها لعملية فحص جميع مغلفات الاقتراع، وتدقيقها حسب الأنظمة والقوانين المتبعة؛ لكنني لن أنتظر كي أكتب عن سقوط آخر السدود، فبعض الخلاصات، بناءً على المعطيات المعروفة، حسب ما نشر لغاية منتصف ليلة الاربعاء الفائتة، أصبحت ناجزة، كما أراها.
أولًا: معظم الأحزاب اليهودية المنتخبة تنتمي إلى الفصائل نفسها المعادية لوجود وحقوق المواطنين العرب في الدولة؛ وقد نستثني بحذر حزب «يش -عتيد» وبعده حزب «العمل» وطبعا بفوارق كبيرة، وببعد عنهما حزب «ميرتس».
ثانيًا: سوف يحتاج كل مرشح لتشكيل الحكومة إلى دعم أحزاب اليمين، القومي منها أو القومي المتدين، التي رغم التفاوت في درجات تطرفها وعنصريتها وخطورتها، فإنها تتفق حول قواسم مشتركة أساسية، مثل مسألة الحكم ومرجعياته الدستورية، ومصير الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكيف يجب التعامل مع سكانها الفلسطينيين، وما هي مكانتنا، نحن مواطنين الدولة العرب، في الدولة القومية اليهودية، التي يُجمعون على ضرورة المحافظة عليها ككيان قوي لليهود، وقادر على مواجهة جميع أعدائه، سواء جاؤوه من الخارج، أو من داخله، ويصرون أيضاً، على ضرورة القضاء عليهم جميعاً لأن «من جاء كي يقتلك قم باكراً واقتله» كما ورد في موروثهم الفقهي والتاريخي الحافل.
أما إذا نجح بنيامين نتنياهو في تجنيد معسكر داعم له، وبنيل ثقة رئيس الدولة كمرشح لتشكيل الحكومة، فسيخضع، كما أقدر، إلى عمليات ابتزاز سياسية شرسة، من قبل جميع رؤساء الأحزاب اليمينية والمتدينة الحليفة، التي سيعرف قادتها، هذه المرة، كيف سيُحكمون أصفادهم حول رقبته، ويجبرونه على قبول شروطهم وفق ضمانات لن تدعه يفلت، كما فعل مع غانتس في المرة السابقة، أو مع غيره في تاريخه المليء بالنكث بالوعود، وبعدم الوفاء بتعهداته. ومن الطبيعي، في هذه الحالة، أن نكون نحن، المواطنين العرب وأخواننا الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، أول ضحايا هذا الإئتلاف وأكثر المتضررين منه.
ثالثًا: نجحت عدة شخصيات وفرق يهودية سياسية متطرفة في دخول الكنيست الإسرائيلي، رغم أنها كانت، خلال عقود طويلة، فاقدة للشرعية القانونية، وغير مقبولة من الناحية القيمية، كلاعب في العملية السياسية الرسمية، ولا تحظى، بسبب رعونة مواقفها الفاشية المعلنة، بدعم شعبي ملموس. واللافت، في هذه التجربة الخطيرة، أن نجاح تلك المجموعات، تم بدعم مباشر من جهات وشخصيات أكاديمية ودينية عديدة، وفي طليعتهم برز نتنياهو وحزب الليكود، حتى تحولت هذه القوى، بعد اليوم، من مجرد «أشواك ضارة ومهملة» إلى قوة علنية شرعية ومؤثرة وشريكة طبيعية في قيادة جميع مؤسسات الدولة، كما سنرى في المستقبل القريب.

الإصلاحات السياسية لن تحدث من داخل أطر حزبية متهالكة، ومسيطر عليها من قبل قيادات ترفض الإقرار بهزيمتها وبفشلها

رابعاً: قد لا ينجح أي مرشح منتخب في تشكيل حكومة تحظى بأغلبية، أو بأغلبية مستقرة من باقي الأحزاب المنتخبة، وعندها ستضطر إسرائيل إلى خوض معركة خامسة، ستكون نتائجها علينا كمواطنين عرب أوخم وأخطر؛ فحالة التوازن/الجمود الحزبي التي تعيشها إسرائيل، بعد أربع جولات انتخابية، أدت عمليا إلى خلق أزمة سياسية واجتماعية واقتصادية غير مسبوقة في تاريخ الدولة، ودفعت بالكثيرين إلى حالة من التعب، أو اليأس وفقدان الثقة والرغبة بالمشاركة بالعبث الحاصل؛ أو على النقيض، إلى اللجوء «للحلول الحاسمة»: فالمصوتون اليهود بدأوا يقامرون على نجاعة الأحزاب الخلاصية المتطرفة، التي قد يكون عندها «الحل النهائي» لجميع مآزقهم؛ بينما قرر نصف المصوتين العرب مقاطعة الانتخابات، فلا غرو أن بقي غدهم ريشة على «ظهر الغيب» ونصف نصفهم شاركوا وانتخبوا من وعَدهم بالبقاء في «جلابيب أبائهم» ورعايا محافظين في بلاط السلطان ومحظيين على موائده.
خامساً: شهدنا تطورا واضحا في مواقف الحركة الإسلامية الجنوبية، التي جاهرت بتبنيها سلوكاً سياسيا تفريطيا، كما سماه بعض المعقبين، يعتمد على معادلة تبادل المصالح النفعية مع الدولة، ومن دون إخضاع هذه العلاقة لأي محاذير، أو شروط سياسية مسبقة، في تحدٍّ لجميع مسلّمات ومفاهيم النضال والمواجهات السياسية العربية السابقة. لقد أطلق الدكتور منصور عباس شعار الحركة، الملتبس والمغالط،: «نحن لسنا في جيب أحد» حتى أمسى كلامه بمثابة جواز «السفر الدبلوماسي» الأخضر الذي أخرجها من بوابة القائمة المشتركة، والقادر على إدخال الحركة الإسلامية في حكومة يرأسها نتنياهو، أو في أي حكومة صهيونية يمينية. قد ترفض الأحزاب اليمينية المتطرفة الدخول في أي صيغة تحالف مع الحركة الإسلامية، ولكن المهم والجديد في هذا المشهد سيبقى متعلقًا بمواقف هذه الحركة، وما قد تحدثه من خلل في موازين العلاقات بين المواطنين العرب، ومؤسسات الدولة، وتصديعها لمعادلة المواطنة والهوية، خاصة إذا عرفنا أننا نختلف معها حول تعريف هويتنا ومركباتها والحقوق التي نقاتل من أجلها.
سادسا: حصدت الأحزاب والحركات السياسية العربية في هذه الانتخابات ما زرعته، أو لم تزرعه، خلال السنوات الماضية؛ ودفعت ثمن صمتها، حين كان يتوجب عليها الصراخ والمواجهة، وتواطئها أحيانا على حساب مصالح ناخبيها، وتملقها، باسم وحدة زائفة «حلفاء» كانوا يستغلون تلك «الوحدة» من أجل مشاريعهم وأهداف حركاتهم الخاصة.
سابعاً: قد تُسجَّل هذه الجولة الانتخابية كعلامة فارقة في حياة أكبر تيارين سياسيين تاريخيين عرفتهما الساحة السياسية المحلية عندنا: الشيوعي من خلال الحزب، وبعده الجبهة الديمقراطية للسلام والمساوة، والتيار القومي، كما عبّرت عنه في البدايات مجموعة حركات صغيرة، أفضت في ما بعد إلى ولادة حزب التجمع الوطني. وقد تتحوّل نتائج هذه المعركة بعد سبعين عاماً من تسيّد هذين التيارين إلى شهادات على وصولهما إلى حالة من الهرم العاجز، والتكلس الفكري والتنظيمي، وأفول قمريهما بشكل نهائي؛ بعد أن كان لدوريهما جليل الأثر على معجزة بقائنا، بعد النكبة، في الوطن، ومن ثم التأثير في هندسة معالم هويتنا الفلسطينية الوطنية كمواطنين في إسرائيل.
لسنا في معرض تحليل مسببات ما جرى للحزبين المذكورين في هذا المقال؛ لكننا نستطيع ببساطة أن نتابع مسيرة التقهقر الجبهوية، ونرى كيف لم يعُد الحزب الشيوعي عنوانًا للفقراء وللكادحين، ولا ملجأ للأمميين، ولا منصة لأصحاب الحناجر «الزيّادية» الجريئين؛ ونشهد، كذلك، كيف اختفت جبهة كانت ذات يوم ديمقراطية وبيتاً للناس المنتمين لمصالح شعبهم وملاذا للحلفاء من لجان ونقابات وجمعيات وتجمعات للحرفيين والأكاديميين والشباب والنساء، فتحولت إلى «ضفيرة صغيرة» منسية أو «دكانة» مستضعفة على رصيف أصحاب حزب، صنع أباؤه أمجاد شعب أمين. أما مسيرة حزب التجمع نحو النهاية، فكانت أسرع وأوضح، وهي بدأت عمليا مع إشكالية تموضعه كحزب قومي داخل الدولة الصهيونية، وتعقيدات طروحاته، النظرية وممارساته التطبيقية، في مسألتي المواطنة والهوية؛ ومرورا بأزمة قياداته، خاصة بعد انتقال زعيمه المؤسس للعيش في دولة قطر، وتحكمه في منشآت ومؤسسات وقيادات الحزب، التي مازال بعضها مرتبطا به، أو حتى يقيم مثله فيها.
ثامناً: على الرغم من تأبين الكثيرين لحزبي العمل وميرتس قبل الانتخابات، فقد نجحت قيادات الحزبين الجديدة باجتياز عتبة الحسم. هنالك اختلاف بين مفاهيم الحزبين التقليدية، لاسيما في ما يتعلق بمسألة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، ومسألة حقوقنا القومية والمدنية كمواطنين في الدولة، ولسوف نتطرق لاهمية وجودها في المستقبل.
تاسعا: لن تجعل قيادات الأحزاب اليمينية والدينية الصهيونية، حياة الحركة الإسلامية سهلة، رغم ما أشاعه رئيسها عباس من رسائل مطمئنة ومواقف غزل مع نتنياهو وغيره؛ ولئن شعر قادة الحركة لوهلة أن سموطريتش وأمثاله أقرب إليهم من هوروفيتس، رئيس حزب ميرتس، والنائبة عايدة توما ورفاقها، سيكتشفون، في أول مواجهة عقائدية قريبة، أن كونك «محافظًا» إسلاميا لا يكفي كي تصبح حليفَ محافظٍ صهيوني عنصري ومتدين، رآك ويراك كعربي وكفلسطيني وكمسلم شيطانا وعدوا ومخربا ؛ فقد يعادل نصرهم، في حسابات التاريخ، هزيمة.
عاشرا: أثبتت تجارب من مروا بمثل حالاتنا، أن الإصلاحات السياسية لن تحدث من داخل أطر حزبية متهالكة، ومسيطر عليها من قبل قيادات ترفض الإقرار بهزيمتها وبفشلها، وعليه، وفي سبيل مواجهة الخطر المتجسد أمامنا، يتوجب علينا إيجاد المخارج والحلول فهل ستعادل الهزيمة نصرًا؟
كاتب فلسطيني

 

 

كيف ومتى أصبح

نتنياهو ناصر العرب؟

جواد بولس

 

قد لا نستطيع اليوم التكهن بنتائج الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، ولا مَن ستكون الشخصية التي ستوكل إليها، مهمّة تأليف الحكومة المقبلة؛ لكننا نستطيع، مع قليل من الحذر، أن نتصوّر شكل الخريطة السياسية الجديدة، التي ستأخذ معالمها بالبروز في صباح الرابع والعشرين من آذار/مارس الجاري، وأن نتصور كيف ستؤثر هذه القوى المنتخبة في مستقبل الأحداث داخل إسرائيل، وفي علاقاتها مع دول الجوار وتجاه القضية الفلسطينية تحديدا.
سوف ينتخب المواطنون اليهود مجموعة من الأحزاب الصهيونية القومية، التي ترانا، نحن المواطنين العرب، زوائد ضارة على جسم الدولة، ومن الأحزاب القومية الدينية المتزمتة، التي تؤمن بفكرة إسرائيل الكبرى، وبضرورة اعتماد الدولة على روح قوانين الشريعة اليهودية في جميع ميادين الحكم والحياة. ولن يستطيع، على الأغلب، أي زعيم حزب أن يشكل حكومة ثابتة ومستقرة، بدون أن يضمن دعم تلك الأحزاب، أو دعم جزء كبير منها، مقابل إرضائهم، ليس عن طريق إتمام تبعات مشروع قانون القومية، وتطبيق إسقاطاته العملية على حياة ومكانة المواطنين العرب في إسرائيل فحسب، بل بإرضائهم أيضا بحسم موقف الحكومة المقبلة من مسألة حل الدولتين، والقضاء الفعلي على إمكانية إقامة دولة فلسطينية على أي جزء من أرض إسرائيل الكبرى.
ومع أن التكهن، كما قلنا، صعب، لكننا لا نستطيع أن نحذف اسم بنيامين نتنياهو من قائمة المرشحين لمنصب رئيس الحكومة القادم، إن لم نقل إنه أقواهم. أما أصوات المواطنين العرب فستتوزع بين القائمة المشتركة، التي أتمنى أن تنال منها حصة الأسد بدون منازع، والحركة الإسلامية بقيادة الدكتور منصور عباس، وهوامش ستدعم بعض الأحزاب الصهيونية على اختلافها. ستكون هذه المعركة حاسمة ومميزة في تاريخ المشهد السياسي الإسرائيلي، لا لأنها ستضع نهاية لكثير من البنى السياسية الإسرائيلية والحزبية التقليدية فحسب، بل لأنها ستشكل محطة بارزة ورئيسية في طريق شرعنة مفاهيم وأطر سياسية وأيديولوجية دينية وصهيونية، كانت طيلة السنين الماضية خارج اللعبة السياسية ومفاعيلها الرسمية والسائدة، وغير مهضومة داخل أروقة المؤسستين، القانونية والأمنية. أنا أؤمن بأن سعْينا للتأثير في نتائج الانتخابات، وما سيتداعى بعدها سيخدم مصلحتنا المواطنية، وأننا نستطيع ضمان ذلك من خلال إقناع المواطنين بضرورة مشاركتهم بعملية التصويت وزيادة نسبة المصوتين من بيننا.

دأب قادة إسرائيل على عرقلة ممارسة المواطنين العرب لأحد أهم حقوق مواطنتهم، وعملوا على الحصول على أصواتهم، بالترغيب حينا وبالتهديد أحيانا

لم يغفل قادة الأحزاب الصهيونية أهمية ووزن المواطنين العرب كقوة انتخابية كامنة وقادرة؛ فسعت، منذ انتخابات الكنيست الأولى، وراء تلك الأصوات، وحاولت اصطيادها بشتى الأساليب والأحابيل والحجج: فتارة عن طريق إقامة قوائم عربية متحالفة بالخفية مع «السلطان» وموكلة بمهمة حماية «مجتمعاتنا المحافظة» في تلك السنوات؛ ودائما عن طريق إطلاق أبواق مجندة لنشر الدسائس أو التشكيكات، وأهمها كان التساؤل الذي لم يغب اليوم، ولا في جميع الجولات الانتخابية السابقة: ماذا فعل لكم نوابكم الشيوعيون، وبعدهم العرب؟ لقد نجحت تجربة القائمة المشتركة بإغاظة قادة اسرائيل، وأثبتت لهم، في الوقت نفسه، صحة ما أطلقه، في حينه، رئيسها، النائب أيمن عودة، كشعار للمرحلة: «لوحدنا قد لا نستطيع، لكن بدوننا لن يكون التغيير». لقد استوعب معظم قادة الأحزاب الصهيونية قوة وصحة هذا الشعار، فتراجع بعضهم، وكان أبرزهم رئيس حزب «يش عتيد» يئير لبيد، عن مواقفهم المخزية السابقة، ورحبوا بالمشتركة حليفا شرعيا بعد انتهاء معركة الانتخابات؛ بينما شرعت جميع الأحزاب اليمينية تقريبا بالهرولة وراء أصوات المواطنين العرب، وكأننا لم نكن يوما في قواميسهم «طابورا خامسا» أو «صراصير في زجاجات» أو «سرطانات في جسم الدولة». اختارت القائمة المشتركة شعار «كرامة وحقوق» عنوانا لمواجهة أي حكومة ستشكَّل بعد الانتخابات المقبلة؛ وليس أسهل من أن يثبت أي كاتب في السياسة صحة هذا الشعار وحاجته، لاسيما إذا ما راجعنا تاريخ نضالات المواطنين العرب ضد سياسات القمع العنصرية، التي مارستها حكومات إسرائيل منذ قيامها؛ فبدون التمسك بالكرامة، وتأكيدنا كأقلية على الانتماء الهوياتي الوطني، كان كل ما أعطي، للأفراد أو لقرانا ومدننا، فتاتا أو مجرد منن؛ وهذا ما أثبتته وأوضحته تجربة القائمة المشتركة خلال مسيرتها القصيرة.
لن تتوقف تداعيات المعركة الانتخابية عند ما سيجري داخل إسرائيل فقط، فمصير الأراضي الفلسطينية المحتلة وحل المسألة الفلسطينية، سيتأثران بشكل كبير ومباشر بهوية الحكومة الاسرائيلية المقبلة، خاصة أنها ستعتمد على أكثرية لا تؤمن بحل الدولتين، وتحارب من أجل بسط السيادة الإسرائيلية والقانون على الضفة الغربية. لقد واجه الفلسطينيون، منذ اليوم الأول للاحتلال، مثل تلك النداءات «الحالمة» والعنصرية، لكنها كانت دوما أصواتا هامشية، ولم يحسب لها حساب، لأن احتفاظ قادة إسرائيل بأرض فلسطين المحتلة عام 1967 كان، حسب الفرضيات المقبولة عبر تلك العقود، لأهداف سياسية، ومن أجل تأمين صرف شعار «الارض مقابل السلام» عندما تحين ساعة المقايضة السياسية؛ ولكن.. مرّت السنون ولم يرحل الاحتلال، ولم يُقضَ عليه ولم يتبخر؛ وبقي جاثما كالقدر على صدور الفلسطينيين، وتحوّل ببطء مرض خبيث، إلى واقع لم يعد يشكل، كما كان في بداياته، حالة خلافية بارزة داخل المجتمع اليهودي ومؤسساته، أو ممارسة مرفوضة من قبل بعض الجهات والقوى السياسية الإسرائيلية، بل على العكس تماما؛ صار معظم المواطنين اليهود يتقبلونه، على الرغم مما ينشر عن ممارسات زعرانه واعتداءاتهم على المواطنين الفلسطينيين وعلى ممتلكاتهم؛ وصارت مؤسسات الدولة، وبضمنها جهازها القضائي، تتعامل معه بشرعية وبإيجابية وتحيطه بالدفء وبالدعم وبالتشجيع.
لن أتطرق في هذه المقالة إلى سائر المتغيّرات التي طرأت على الجبهات الأخرى وأثّرت في مصير الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وتأثرت به؛ فسوء الحالة الفلسطينية الداخلية يعتبر من أهم هذه العوامل وأخطرها في حال أي مواجهة آتية، تليها مواقف معظم الأنظمة العربية والإسلامية السائلة، التي صار الرهان عليها كالرهان على «حصان ميت»؛ أما الاعتماد على «نزاهة الأمم» الأخرى وضميرها الإنساني، فسيبقى، كما كان دوما، احتمالا مرهونا بمصالح تلك الدول، ومرآة لأين ستموضع كل واحدة منها حجرَ فلسطيننا على رقعة الشطرنج الكبرى. واذا كان الحال كذلك، يجب ألا ننسى خطورة ما تؤمن به أحزاب اليمين الصهيوني المتدين المتزمت، التي تنادي بإقامة دولة فلسطين على أراضي المملكة الأردنية الهاشمية؛ فماذا سنفعل نحن وماذا سيفعل إخواننا الفلسطينيون، إذا قرر أصحاب هذا الموقف، الذين قد يصبحون بعد الانتخابات المقبلة الأكثرية الحاكمة في الدولة، تحويله من مجرد «فكرة» هنا إلى «دولة» هناك، أو قل إلى نكبة هنا وهناك؟ ألا يظن الناخب أننا سنحتاج، ساعتها، إلى أكثر من رهان على «الناصر أبو يائير» ونحتاج إلى جانب دعاءات «مجتمعنا المحافظ» إلى مزيد من الإصرار ومن الحكمة ومن الكرامة التي باسمها انزرع أباؤنا في الوطن.
وأخيرا، لقد دأب قادة اسرائيل على عرقلة ممارسة المواطنين العرب لأحد أهم حقوق مواطنتهم، وعملوا، في الوقت نفسه، على تفتيت قواهم أو الحصول على أصواتهم، بالترغيب حينا، وبالتهديد أحيانا، ودائما وجدوا من يسهل لهم هذه المهام. فهل ندعهم ينجحون هذه المرة؟ سأصوت للقائمة المشتركة وأدعو الجميع إلى التصويت مثلي؛ فنحن نعرف، أو يجب أن نعرف، أن هذه المعركة لن تشبه سابقاتها، إذ يكفي أن نستمع إلى صوت الرصاص في شوارعنا ونرى إلى جانب من يقف مُشيعوه؛ وأن نصغي بعده إلى موسيقى «ابن جبير» وهو يعِد بأنه آتٍ ليبني نظامه الجديد؛ وثم نتابع مشاهد زيارات نتنياهو «الفاتح» في المستعمرات، وبعدها زياراته المتتالية، مستعربا، لقرانا في المثلث والنقب والجليل؛ ثم نستمع في المساء تصريحا لزميل الدكتور عباس وهو يعلن بأن قائمتهم الاسلامية ستكون حليفة لكل رئيس حكومة سينتخب، سواء كان نتنياهو أو غيره، لأنهم، هكذا حسب فقه ذاك الناطق، سينتخبون من أجل حلب الدولة، وليس من أجل التجارة بالشعارات، فكيف ومتى صار بنيامين نتنياهو ناصر العرب؟
كاتب فلسطيني

 

 

لتحية لشباب

أم الفحم والعزاء لجلجولية

جواد بولس

 

نظمت في الخامس من آذار/مارس الجاري، مجموعة من أهالي مدينة أم الفحم، أطلقت على نفسها اسم «الحراك الفحماوي الموحد» مظاهرة حاشدة ضد تفشي مظاهر الجريمة في المدينة، وفي سائر المدن والقرى العربية، وضد تواطؤ الشرطة الإسرائيلية وتقاعسها في التصدي لهذه الآفة المستفحلة، وتناميها في مواقعنا من يوم إلى يوم.
استقطب الحدث اهتماماً جماهيرياً كبيراً، فاستعدّت شرطة إسرائيل لمواجهته بأسالييها المعهودة، وببذل كثير من الطاقات من أجل محاصرته والتشويش عليه، بما في ذلك عن طريق إغلاق العديد من الطرقات، وعرقلة وصول المواطنين إلى موقع التظاهرة.
من السابق لأوانه أن نحكم على «عظمة» هذا النشاط، كما حاول ويحاول بعض المتابعين والمعقبين أن يصفوه، وقد فعلوا ذلك وهم مدفوعون برغبات سياسية مبررة، وبتفاؤل مرتجى قد يعوّضهم عن مشاعر الإحباط السائدة لديهم من جراء حالة القصور، التي تعاني منها القيادات السياسية والاجتماعية، لاسيما في فشلها بمواجهة ظواهر العنف والتسيّب، الذي نعاني منه منذ سنوات متعاقبة؛ ومع ذلك ستبقى هذه التجربة جديرة بالتقدير وبالاهتمام وبالمتابعة، وسيسجل لصالح المبادرين إليها نجاحهم في تخطي الكثير من المعيقات المحلية، والمؤثرات السياسية القطرية وانطلاقهم كجسم متماسك ومتوازن وقادر على تحشيد قطاعات واسعة من الفحماويين، وإلى جانبهم طاقات جماهيرية شعبية من سائر المدن والقرى العربية.
شاهدنا في الآونة الأخيرة، ولادة بعض الحراكات الشبابية التي أطلق نشطاؤها في بعض المدن أعمالا احتجاجية محلية كانت لافتة أحياناً، وملتبسة خلافية في أحيان أخرى؛ رغم ما حظيت به هذه الظاهرة من اهتمامات ونقاشات وتأييد وانتقادات، فقد اتسمت بعض نشاطاتها بالمزاجية المندفعة، والفوضوية الحماسية، حيث لم ينجح محرّكوها ببلورة مفاهيم نضالية واضحة وجامعة، ولا أن يحوّلوها إلى حالة كاملة النضوج والشروط، مؤهلة للعب دور سياسي اجتماعي قيادي، إلى جانب سائر المؤسسات القيادية الموجودة على الساحة، أو حتى كبديلة لها أو لبعضها.
جاءت مظاهرة أم الفحم الأخيرة بعد سقوط عشرات الضحايا في عمليات القتل منذ مطلع العام الجاري، ودفعت المدينة منها حصة كييرة، مؤلمةً وموجعةً. وكان التجاوب الشعبي مع نداء «الحراك الفحماوي» تعبيراً عن الألم والسخط المتراكمين بين المواطنين، من ناحية، ورسالة للحكومة الإسرائيلية، من جهة، ولقيادات الأحزاب والحركات السياسية والدينية العربية من الجهة الأخرى. ولا يمكننا الحديث عمّا جرى في مظاهرة الخامس من مارس، المذكورة على أراضي أم الفحم من دون التطرق لما جرى مع النائب منصور عباس، وكيف تم التعامل مع الحدث بشكل عام، من قبله وقبل حركته الإسلامية بشكل خاص؛ أو كيف عالجته وسائل الإعلام العبرية والعربية. فمع وصول عباس إلى المكان، استقبلته مجموعة من المتظاهرين بهتافات غاضبة، وبصراخ احتجاجي على ما كان قد نشر على لسانه بخصوص مواقفه الحريرية، إزاء دور شرطة إسرائيل في مكافحة الجريمة وانتشارها بين المواطنين العرب، مع شيوع نبأ محاولة الاعتداء على النائب عباس، نشرت كل القيادات العربية بيانات شجب واضحة، واستنكارات حازمة لما جرى، من خلال تأكيد رفضهم القاطع للحادثة، خاصة أن الألوف جاءت إلى أم الفحم لتعبر عن رفضها لمظاهر العنف المستشري بيننا، وضد تقاعس الشرطة وتواطئها مع المجرمين.

الحراك «الفحماوي» تعبير عن ألم وسخط المواطنين ورسالة للحكومة الإسرائيلية، ولقيادات الأحزاب والحركات السياسية والدينية العربية

لن يختلف اثنان على أن أهداف المظاهرة، كما أعلنها «الحراك الفحماوي» ونجاحه في تجنيد آلاف المواطنين، كانت يجب أن تبقى هي الأحداث والعناوين الأبرز والأهم في ذلك النهار، ومن غير منافس أو منازع، خاصة بعد أن تم شجب الحادثة من جميع الجهات والأحزاب والحركات، بشكل قاطع وصريح؛ ولكن الطريقة التي تصرف بها النائب عباس مباشرة، وهو في أرض «المعركة» وتبنتها من بعده قيادة حركته، دللت على عكس ذلك، وبرهنت على تعمدهم استغلال ما حصل معه وتضخيمه بشكل ممنهج، خدمة لدعايتهم الانتخابية، التي انبرت بعض المواقع العربية الإعلامية المتعاونة معهم إلى ترويجها، ومعظم وسائل الإعلام العبرية إلى استعراضها كالحدث الأهم، وكأن المظاهرة حدثت في ظلاله. ومن اللافت أن نقرأ اتهام عباس في تصريحه الأول، ومن الموقع مباشرة، بعد انتهاء الحادثة، وقبل التحقق من التفاصيل، على أن من تهجم عليه «هم قلة تنتمي للأحزاب السياسية المنافسة من خارج أم الفحم، ولا علاقة للحراك الفحماوي الشريف، ولا لأهل أم الفحم الشرفاء بالموضوع..» رغم أنه كان يجب أن يعرف من قام باعتراضه قبل أن يتهم ببيانه منافسيه من الأحزاب السياسية الأخرى؛ لكنه تصرف للأسف، كسياسي يسعى وراء مكاسب انتخابية، ولا تهمه الحقيقة والواقع وتداعيات المظاهرة المرجوة.
أتمنى أن تستمر النشاطات المناهضة للعنف ولسياسات الشرطة الإسرائيلية في أم الفحم، وفي جميع بلداتنا المنكوبة، رغم قناعتي أنها لن تكفي ما دامت أحوالنا ستراوح في بؤسها المزمن، وتواجه بضعفها من يحاولون تخثيرها، أو ترويضها، أو تجنيدها مزارعَ لمصالح أحزابهم وحركاتهم ووجاهاتهم الخرافية. لم نكن بحاجة إلى أكثر من ليل وحلم كي نصحو مجدداً على حافة الهاوية؛ فقد نامت أم الفحم، بعد المظاهرة، على وسائد من عزم وإصرار جميلين؛ لكنها أفاقت، مثلنا جميعاً، على صرخة اختها جلجولية، وهي تستعد لحفر قبر يليق بجسد يافع اسمه محمد عدس، أعدم بالرصاص وهو في عمر الورد فسقط على عتبة داره حين كان مع صديقه يأكلان، وثالثهما القدر. نحن بحاجة إلى ثورة تأخذنا إلى ما وراء الغيم والسراب، فبدونها لا يوجد حل لقضية العنف ولحالات القتل في واقعنا الحالي؛ لأنني، كما كنت كتبت مؤخرا؛ لا أرى من وكيف سيفعل ذلك، ولذا سننام ونصحو في حضن حالة «اجتماعية» مستديمة، كالتعلم والزواج أو كالترمل والمرض، وسيبقى القتل رفيق شوارعنا والعنف شرطي مدارسنا ومجالسنا وفراشنا، إلى أن نتغير نحن وتتغير أحوالنا.
قد ينتقد البعض تشاؤمي، لكنني مقتنع بأننا إن لم نقر بعجز مجتمعنا، وقصور مفاعيله السياسية والاجتماعية والدينية والتربوية، وفشلهم في مواجهة هذه الآفة، ستستمر أرواحنا بالتنفس في بقع الضوء الشاحبة، وسيُحكم من يسمون، مجازاً وخطأ، بخفافيش الظلام قبضاتهم على حناجرنا، ويمضون في تسيّدهم على حاراتنا الخائفة.
لا نقاش حول واجب الدولة ومؤسساتها في محاربة الجريمة المستفحلة بيننا، ولا حول دورها في معاقبة الجناة وضرورة ردعهم، ومسؤوليتها عن معالجة مسببات هذه الظاهرة الخطيرة، ولا جدال في أنها لم تفعل ذلك عن قصد، وتنفيذا لسياسات عنصرية تستهدف حصانة مجتمعنا، وأمن مواطنيه واستقرارهم السلمي؛ بيد أن ذلك، رغم صحته، لا يبرر فشلنا الداخلي في مواجهة ظواهر العنف، كما تتداعى في عدة أشكال، وفي مواقع تخضع لسيطرتنا بشكل مطلق؛ ولا يبرر أيضاً فشلنا في إيقاف نزيف الدم، وتحجيم عدد عمليات القتل التي تحصل مثلًا على خلفية ما يسمى بشرف العائلة، أو بسبب عادات الثأر القبلي البغيضة وما شابهها. ستبقى الحكومة الاسرائيلية المسؤولة الأولى والأخيرة، عن كل المجرمين والجرائم عندنا، خاصة عما تقترفه عصابات الجريمة المنظمة؛ ولكن سيبقى، في الوقت نفسه، التساؤل حول دور مؤسساتنا المحلية، مثل المجالس والبلديات، ضرورياً ومبرراً؛ والتساؤل حول مساهمة ودور المؤسسة التربوية موجعاً؛ والتساؤل حول تأثير المؤسسة الدينية مقلقاً ومستوجبا. فاذا فتشنا عن دور هذه المؤسسات سنجده، في أحسن الأحوال، هامشياً، وفي بعضها سنجد أنها تساعد، إما بصمتها وإما بفعلها، في ترسيخ ظواهر العنف وفي استفحالها.. فإلى متى؟
لأم الفحم تحية وسلام.. ولجلجولية ولكل بلدة مفجوعة العزاء.
كاتب فلسطيني

 

 

مرة أخرى انتخابات…

فهل سيجزينا آذار

جواد بولس

يأتينا آذار/مارس وهو مثقل بالنعاس وبالعتاب؛ ونحن، عشّاقَه الأثيرين، ما زلنا نجهش، كلٌّ على أريكته، بالهتاف، ونُطعم لياليه أحلامنا والسرابا. بين آذارين غفونا فتاهت شواطئنا وكل شيء حولنا تغيّر؛ حتى ما حسبناه في قصائدنا ربيعنا، لن يكون في ما يبدو أكثر من ظل كسير «لربيع» أشقائنا العرب؛ فلونه، مثل لون الوجع، أحمر، ومذاقه مثل الرماد الأخضر يخدع ويلسع. وجهتنا في الثالث والعشرين المقبل نحو المجهول، فمن سيضمن للعشاق ضحكات زهر اللوز، بعد انقضاء هذا الشتاء الأسود؟ ومتى سنعرف كيف نبني لنا وطنًا من لغة لا تدمن «أحابيل البلاغة» ولا تنام على رموش السحاب؟
يحاول البعض إقناعنا بأن أحوالنا في إسرائيل، رغم تهافت الأسئلة والعقد، ما زالت عادية ولا تقلق؛ فكل الخرائب التي نتأت في مواقعنا، وكل الرماح التي تساقطت على جيادنا، وكل الصدور التي عرّتها أربع جولات انتخابية، لم تكن، وفق حساباتهم، إلا تواقيع لحروب اليهود مع اليهود؛ وجميع ما نواجهه من تداعيات وأزمات، ليس إلا علامات ربّانية على دنو نهاية «الكيان الصهيوني»، وتباشير لساعة الفرج والخلاص، وما دامت تلك هي البشرى فإن هؤلاء يدعوننا لمقاطعة الانتخابات، لأنها في البداية وفي النهاية، لعبة الصهيونية الخبيثة، والكنيست وَكرها المقيت.
أنا لست من هؤلاء المطمئنين الواهمين؛ فإسرائيل التي عرفناها وواجهنا سياساتها القمعية لعقود عديدة، تمضي بخطوات من نار نحو العدم، وتشلح جلودها القديمة، وتطرد «قضاتها» وتستبدلهم بملوك لن يرضوا «بالأغراب» إلا عبيداً صاغرين في أراضيها، أو إذا عصوها، فقرابين على مذابح الولاء، أو على أنوف الخناجر. وقد يكون بطء التحولات السياسية والاجتماعية على الساحة الإسرائيلية، وانصهارها في ما يحصل على الساحة العالمية وفي منطقتنا، هو أحد الأسباب التي تدفع ببعض المواطنين العرب، إلى عدم ملاحظة الفوارق بين ما ميّز نظام الحكم الذي كان قائماً منذ الاعلان عن الدولة، وما تشكّل في السنوات الأخيرة الماضية ويتشكّل في هذه الأيام؛ وقد تكون سيولة اللغة اليمينية الصهيونية العنصرية وفوضاها الواخزة المنبعثة من أفواه جميع قيادات الأحزاب الصهيونية المتنافسة في جولات الانتخابات الحالية، هي أيضاً، سببا لخلق ذلك الوهم لدى الكثيرين واقتناعهم بأن جميع هؤلاء اليهود متشابهون، ولا فرق بالنسبة لنا، العربَ، إن حَكَمنا ابن جبير، أو بينت، أو ساعر، أو نتنياهو، أو لبيد، ولا ما أهداف كل واحد منهم النهائية، المعلنة أو المضمرة، على حد سواء. ولكن تبقى تلك محض مغالطات يقعون فيها، وأوهاما كبيرة قد جعلت الكثيرين يتخذون مواقف ملتبسة وعاقرة، لم تسعفنا في تحسين أوضاعنا الحياتية؛ بل، على العكس، عززت تدافع تلك السيرورة الفاشية المتنامية في الدولة، وساعدت على تفريخ وتسمين العديد من القوى الدينية اليمينية الجديدة، المنفلتة وتعاظم تأثيرها داخل المجتمع اليهودي، حتى غدت فرصة تمكّنها من استلام مقاليد الحكم جائزة ، قاب آذار أو أقل.
من الخطأ الاستخفاف أو إغفال خطورة تحوّل المجتمع اليهودي إلى كيان فاقد لمعظم القيم الإنسانية الأساسية، وإلى معظم المبادئ التي آمن بها بُناته الأوائل، وحاولوا تطويرها كدعائم تحفظ أواصر دولتهم، التي أرادوا أن تكون ديمقراطية بالنسبة للأكثرية اليهودية، وتحكم، في الوقت نفسه، بعنصرية فاجرة مواطنيها العرب.

من غير المعقول أن نفقد أملنا بالتأثير في مجريات الحالة السياسية في واحدة من أهم ساحات المواجهة والمقارعة والنضال: في الكنيست

لن أعدّد اليوم الفوارق بين إسرائيل الناكبة الباكية وابنة الكارثة، وإسرائيل الظافرة القادرة وصانعة المواجع، وريثة حجارة السماء وعسل الملائكة وغضبهم؛ ومن لم يفقه ما يقوله لنا حدس التاريخ، ينَم مثلما نامت أريحا، مدينة القمر، حين لم تسمع نعيق الأبواق ودردبات طبول الدم، وهي تعربد على نواصي الهضاب، ولم تصحُ على تصفيق أجنحة السنونوات الهاربة مذعورة في فجر كله سيوف وبكاء وصلاة.
لا أعرف ماذا يجب أن يحصل لنا، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، كي يتراجع البعض، ولو من باب فائدة التجريب المسؤول، أو بدافع «غريزة البقاء»، عن موقفه الداعي إلى مقاطعة الانتخابات؛ وأتمنى أن يراجع هؤلاء مواقفهم قبيل السقوط الأخير في الهاوية؛ فمن غير المعقول أن نفقد أملنا بالتأثير في مجريات الحالة السياسية في واحدة من أهم ساحات المواجهة والمقارعة والنضال: في الكنيست. لا يوجد مسح علمي ودقيق لدوافع الجهات الداعية إلى مقاطة الانتخابات، لكننا نستطيع، من باب التكهن الحذر والتمعن في التجارب الماضية، أن نفترض أن الفئة الأولى والأكبر تلتزم بموقف «الحركة الاسلامية الشمالية»، والثانية تنتمي لمجموعات صغيرة لا تؤمن بشرعية وبنجاعة نضال المواطنين العرب البرلماني؛ وقد برز من بينهم تاريخياً أتباع «حركة أبناء البلد» على تفرعاتها القومية المختلفة؛ وإلى جانب هؤلاء المقاطعين لأسباب عقائدية دينية أو مبدئية سياسية، سنجد مجموعات أصابها السأم فاستسلمت للكسل وللامبالاة، نتيجة تكرار عمليات الانتخابات، التي لم تفض لأي مخرج سياسي؛ ومعهم مجموعات من «الزعلانين» والمحتجين ومدمني الرفض العبثيين والمزايدين. يمكن ويجب التأثير في بعض تلك المجموعات وثنيها عن قرارها بمقاطعة الانتخابات؛ وهذه، بطبيعة الحال، هي أهم مهمات قيادات القائمة المشتركة وكوادر الأحزاب الشريكة، وقد يكون انشقاق الدكتور منصور عباس وحركته الإسلامية عن القائمة المشتركة، عاملًا محفزًا لكثيرين ممن ابتعدوا عن الصناديق، ووقعوا فرائس لليأس وللغضب.
حق المواطن في مقاطعة الانتخابات قائم، لكنني أرى أن واجبه المواطني الأساسي يقضي المشاركة فيها؛ فعدم مشاركته يضر بمصلحة المجتمع؛ أقول ذلك وأعرف أننا كمواطنين عرب ما انفكت مؤسسات الدولة تستعدينا منذ يومها الأول، وتحاول إقصاءنا مرّة، وابتلاعنا حيناً وتفتيتنا أحياناً، ولن ننتصر على هذه السياسات بالنضال في ساحة البرلمان لوحده؛ لكنني أجزم أن نجاحنا في الانتخابات الأخيرة بإيصال خمسة عشر نائباً لمقاعد الكنيست، قد زوّدنا، كمجتمع يخوض صراعاته في عدة جبهات، بقوة كبيرة نجحت بشكل نسبي وملموس بالوقوف أمام سياسات القمع والاضطهاد، ومنعت إمكانية أن تكون أوضاعنا في عدة ميادين حياتية أسوأ وأخطر. ولا يمكن أن نفهم ظاهرة اللهاث وراء الصوت العربي العادي والحر، بخلاف ظاهرة احتواء المخاتير والأعوان القديمة الجديدة، إلا من باب استشعار الأحزاب الصهيونية وإقرارها بمدى قوة مجتمعنا الكامنة واستيعابهم لاحتمالات تأثيرنا السياسي هنا وأمام العالم. أنا سأصوّت هذه المرة أيضاً، ولا أفعل ذلك بسبب إيماني «بكرم» الديمقراطية فحسب، ولا كي أسقط اليمين بضربة قاضية، ولكن، ببساطة، سأصوّت كي أغرس، كما قلت في الماضي، سنبلتي في صدر قدري، مؤمناً بأن قليلًا من الإصرار والعمل خير من نهر تنظير، وأجدى من قناطير رومانسية طاهرة وصاع كسل؛ سأزرع تلك السنبلة، وأنا أتذكر نصيحة الحكيم بألا أكتفي بلعن الظلام بل عساني أضئ شمعة.
لا نعرف ماذا تخبئ لنا الأيام هذه المرة، لكنني أتمنى ألا يقف الأب منا، في الرابع والعشرين من آذار، أمام طيف ابنه في مرآة البيت المرتجفة، ويردد وصية تلك الريح المشمئلة المنسية ويقول له: «لا تخَف. لا تخف من أزيز الرصاص، التصق بالتراب لتنجو! سننجو ونعلو على جبل في الشمال، ونرجع حين يعود الجنود إلى أهلهم في البعيد»، فلنعبر الجسر بسلام، ولندَع آذار وادعاً بدون أن تجفله حماقاتنا، ولنترك حساباتنا مع قادة غفلوا، إذا غفلوا، إلى ما بعد ركود المطر وقبل هبوب العاصفة ونزول أول الغبار.
كاتب فلسطيني

 

 

هل يحلم

 عماد بالزنابق البيضاء

 

جواد بولس

 

اعتليت سيارة زميلي أحمد ومضينا من حي بيت حنينا باتجاه محكمة العدل العليا. كان الفضاء فوقنا نقيّاً وسماء القدس زرقاء رمادية وبعيدة، وفي الجو برودة لاذعة لطالما خبرناها بعد سقوط الثلج الذي يزور المدينة أحياناً، ليذكّر ناسها أن للجنّة وجهين واحدا أزرق مثل لون الأماني والآخر أبيض مثل لون الخوف.
دسّ أحمد بيدي بضع أوراق كانت نيابة الدولة العامة قد أرسلتها في الصباح عبر بريدنا. لم يكن فيها غير ما توقعت عندما قدمت الالتماس، وطلبت تدخل المحكمة لإلغاء أمر الاعتقال الإداري بحق الأسير عماد البرغوثي؛ فهو ليس كما تدعي الأوراق على لسان المخابرات العامة الإسرائيلية خطيراً على الأمن وسلامة المواطنين، ولا حق لهم باعتقاله ادارياً وسلب حريته وإبعاده عن عائلته وجامعته التي يعمل فيها محاضراً في مادة الفيزياء.
حاول أحمد أن يستدرجني لأخرج عن صمتي الخانق، فهو يحس متى أكون غاضبا حتى الحنق؛ كنت أجيبه باقتضاب وتعمدت إغفال سؤاله الأخير الذي وجهه إليّ قبل وصولنا إلى ساحة المحكمة: كيف لم تيأس بعد هذه السنوات الطويلة، وأنت تعرف أنك اليوم ستخسر هذه القضية تماماً، كما خسرت المئات مثلها خلال مسيرة عملك أمامهم؟ كنت ألف رقبتي بالشال، وألقي على ذراعي العباءة السوداء حين نظرت نحوه، فقرأ ما فيهما، وتبعني.
وصلت بهو المحكمة الفسيح في تمام الساعة الواحدة، نصف ساعة قبل ميعاد الجلسة المحدد، تقدمت نحو القاعة ببطء وعلى يساري ارتفع حائط من حجارة الصوان الضخمة التي قطعت من جبال القدس، وقبالتها نوافذ كبيرة من زجاج تكشف بعضا من المدى. لا أعتقد أن مصممي هذه البناية اختاروا تلك الحجارة كرمز لرسوخ العدل ولعلوّه، بل، على الأغلب، لتكون تذكارات تنقر صمم التاريخ، كما قرأوه، وشهادات على جبروت شعب وإصرار بنيه على زرع روايتهم في قلب الزمن. على مدخل القاعة توجد يافطة مكتوبة باللغة العبرية، تحذّر بأن عدد الحضور في الداخل يجب الا يتخطى الأربعة عشر شخصا، وعلى الجميع أن يحافظوا على لبس الكمامات. جلست على أحد المقاعد الشاغرة، ومن حولي كل الوجوه مغطاة بكمامات، فبدا المشهد وكأنه مأخوذ من احتفال تنكري. قرأ الحاجب اسم موكلي معلنًا بداية الجلسة. لم يُجلب عماد لحضورها، رغم أنني طلبت ذلك مسبقاً، لكن المحكمة رفضت طلبي بسبب أنظمة كورونا، وموقف مصلحة السجون الإسرائيلية في هذه المسألة. شعرت بخبو حماس القضاة، الذي كان ظاهراً عليهم في الملف السابق؛ ولم أعرف ما إذا كان ذلك نتيجةً لتعبهم في نهاية يوم عمل طويل، أم لأنهم بدأوا يمقتون النظر في ملفات الأسرى الفلسطينيين الإداريين، لأنها، ربما، بحكم عبثيتها الرتيبة، حوّلتهم إلى ما يشبه الروبوتات، التي تمضغ سوابق من كانوا قبلهم، وتلوك التعابير والمواقف نفسها، وتنتج قرارتها كمعلبات في خط إنتاج سريع.
وقفت أمامهم وأنا في حالة تأهب يألفونها؛ فأحسست بنظراتهم تثقب صدري وأعناقهم تترقب ما عساني سأقول اليوم، وهل سأقصّ عليهم قصيدة أم حكمة وجع جديدة وأتركهم بعدها كي يسكروا، مرّة أخرى، في نبيذ نصرهم الرخيص. جلسَت إلى يميني ممثلة النيابة العامة، وورائي، على مقاعد فارغة، أربعة من «شبيبة» الشاباك الذين يبدأون طريقهم كمتدربين في ساحات الغبار الفلسطيني، ويكبرون في حضن احتلال منسي. كنت والحقّ وحيدين على هذا المسرح.

إن فقدان الأمل هو عدو العدل الأكبر وأن لكل باطل جولة

تفضل سيد بولس، بادرني رئيس هيئة القضاة، سائلاً إذا كنت قد قرأت رد النيابة العامة على التماسي. طبعا قرأته؛ أجبت، ثم أردفت أنني لا أصدق ما هو مكتوب ولا أؤمن بعدالة هذه الإجراءات مطلقاً؛ وأتوقع أن ترفضوا التماسي مثلما فعلتم، أنتم وغيركم من القضاة، طيلة أربعين عاماً مثّلت خلالها، أنا وزملائي المحامون، كما تعلمون، آلاف الأسرى الإداريين الفلسطينيين، ولم نفز ولا حتى بقضية واحدة. فهذه المسألة محسومة لديكم، ولن تغيّرها تداعيات قضية عماد البرغوثي الفاضحة، كما ستسمعونها الآن كما جرت في المحكمة العسكرية في عوفر: فقد قامت عناصر قوات الأمن الإسرائيلي باعتقال الدكتور عماد من بيته في تاريخ 22/7/2020 وحققوا معه حول مجموعة ملصقات كان قد نشرها على صفحته في فيسبوك. بعد انتهاء عملية التحقيق قامت النيابة العسكرية، في الثاني من أغسطس، بتقديم لائحة اتهام ضده عزت إليه فيها مخالفات التحريض، ومؤازرة تنظيم محظور، ونشر شاراته ورموزه.
مع تقديم لائحة الاتهام طلبت النيابة العسكرية إبقاءه في السجن حتى نهاية الإجراءات القضائية ضده. قرر قاضي محكمة عوفر العسكرية بتاريخ 27/8/2020 ، وبعد سماع الأطراف، ومعاينة ملف البينات، الإفراج عن الدكتور عماد بشروط مقيدة، لعدم اقتناعه بأن الدكتور وما عزي له من مخالفات وبينات، يشكل خطراً على أمن المنطقة وعلى سلامة المواطنين. لم تستسلم النيابة العسكرية ولم ترض بذلك القرار؛ فقامت بتقديم استئناف عليه أمام محكمة الاستئناف العسكرية. ومرة أخرى، بعد سماع الأطراف، قرر قاضي محكمة الاستئناف العسكرية، في تاريخ 2/9/2020 رد طلب النيابة وإبقاء قرار الإفراج عن الدكتور بشروط مقيدة ساري المفعول. لم تفرج سلطات الاحتلال عن الدكتور عماد، رغم حصولنا على قرارين صادرين عن قاضيين عسكريين؛ فبعد قرار محكمة الاستئناف أعلمتني النيابة العسكرية بإصدار أمر اعتقال إداري بحق عماد البرغوثي، موقعٍ من القائد العسكري للمنطقة، وذلك لغاية تاريخ 6/11/2020؛ ثم الحقوه بأمر ثان قضى بأن يبقى عماد رهن الاعتقال لغاية 28/2/2021 ؛ وكانت المحكمة العسكرية في عوفر قد صادقت على هذين الأمرين، أما اليوم، في هذه الجلسة، فقد أعلمونا نيتهم إصدار أمر اعتقال جديد ثالث بحقه. إنها إجراءات باطلة، وممارسات قمع سياسية صارت ممكنة، لأنكم أوجدتم في محاكمكم مسطرتين نقيضتين؛ فواحدة كالبلطة تهوي على حقوق الفلسطينيين، وتقتلع أحلامهم وتدمر حياتهم، والأخرى تسهمد للمواطنين اليهود دروب الليل على الهضاب، حيث يفرخ الفزع يأساً وقنابل. توقفت لألتقط نفسي، فحاول رئيس الهيئة أن يقاطعني، ويلفت انتباهي إلى أن موكلي ليس متهماً بالتحريض فحسب، بل حسبما يدّعي في أمر الاعتقال الإداري فهو ناشط بارز في حركة حماس، ومتورط في عملية ترميم قيادة الحركة في الضفة، ويشارك في لقاءات تنظيمية مع ناشطين آخرين، وفي أنشطة تحريضية بما فيها على الفيسبوك. سمعته وتساءلت: ما شأن كل هذا والاعتقال الاداري؟ فحتى لو كان كل ذلك صحيحا، لا يجوز اعتقاله إدارياً، لأن اللجوء للاعتقال الإداري يكون فقط في الحالات الاستثنائية والقصوى، وليس في مثل هذه الحالات بالتأكيد.
رفع القاضي الذي كان يجلس على اليمين رأسه، بعد أن أرخاه للأسفل منذ بداية الجلسة، وتوجه إليّ بصوت نعس وقال: «أنا أحترمك سيد بولس منذ سنوات طويلة وليس مريحاً أن نسمع ما تقوله أمامنا، فانت تأتي إلى هنا كي تشكك فينا، هذا أمر يصم الآذان». أكملت حديثي من حيث توقف، فأنا أقول هذا وأكتبه منذ سنوات طويلة وقبل تعيين حضرتك قاضيا في المحكمة العليا، لأنني شاهد على حكاية العبث التي قد بدأت منذ اليوم الأول للاحتلال، وبعد أن وافق، طوعاً، من سبقوكم على هذه المقاعد أن يكونوا جنوداً في أثواب قضاة، وأن يتمموا ما لم ينجز في أرض المعارك؛ فالفلسطينيون جاؤوكم ضحايا نكسة وموهومين بـ»نور» احتلالكم ورأفتكم، فأدمنوا، مهزومين، ظلمكم بعد أن سدت عليهم جميع المعابر، وأنتم كقضاة أكملتم المشهد فاستمر العرض كما نرى والمصيبة بالخواتم.
شعرت بأنهم يغضبون مما أقول، فمضيت في حزني، إلى أن أوصلتهم إلى ذلك «الجندي» وليكن اسمه شلومو أو عماد، الذي يحلم بالزنابق البيضاء «ويريد قلباً طيباً، لا حشو بندقية ويريد يوما مشمسا، لا لحظة انتصار مجنونة فاشية، وطفلاً باسماً يضحك للنهار لا قطعة في الآلة الحربية» عندها أوقفني رئيس الجلسة وقال: «كنا سعداء لو رأينا حركة حماس تحلم بالزنابق». فقلت له: أرأيت يا سيدي أنها ليست محكمة وقانونا، وأنها معركة كانت ولما تزل سياسية.
قرأوا ملف عماد «السري» في دقائق، ثم رفع رئيس الجلسة رأسه وصوبه نحوي وقال بنبرة الحانق الساخر، هكذا شعرت: «لقد صدقت يا سيد بولس» وتوقف على طرف ابتسامة شامتة «قصدك انني خسرت القضية» أجبته، وقد أحسست لغماً في حلقي؛ فقال: نعم، ووقف ومثله فعل القاضيان الآخران وانسلوا بسرعة إلى ما وراء السراب. لم أشعرهم بما أخفته عيناي، ولم أعرف إذا سمعوني عندما قلت: «أعرف أنني الصادق».
نظرت في عيني أحمد وكانتا مشرقتين. «لقد أغضبتهم» قال وصمت. فربتُّ على كتفه وسألته أتريد أن تعلم لماذا ما زلت آتيهم رغم أربعين سنة من عمر «الخسائر» لأنني أعرف أن فقدان الأمل هو عدو العدل الأكبر وان لكل باطل جولة.
كاتب فلسطيني

 

 

أنشهد نهاية اليسار

في انتخابات فلسطين؟

 

جواد بولس

 

كنت عائداً إلى بيتي في القدس استعيد تفاصيل محادثتي مع بعض الأصدقاء الذين قابلتهم في رام الله، التي غبت عنها قسراً أسابيع كثيرة؛ وأسفت لأنني لم أتذكر تفاصيل حادثة، لو تلوت تفاصيلها عليهم، رغم حصولها معي قبل سبعة عشر عاماً، لعزّزت ما قلته لهم خلال نقاشنا الذي دار بشكل طبيعي حول الانتخابات المزمع إجراؤها في فلسطين.
فبعيداً عن جميع محاور النقاش التي أثيرت، أشرت بدوري، إلى أن أبرز المشاهد فيها سيكون غياب دور فصائل «اليسار الفلسطيني» وحركاته، وذلك بعد انحسار مكانتها تدريجيا عبر السنين، وتحولها إلى مجرد أجسام تشغل بعض القياديين والناشطين وقبولهم أن يعتاشوا على طاولة «السلطان» ووفقاً لشروطه.
في الأسبوع الأول من تموز/ يوليو عام 2004 كان العالم ينتظر قرار «محكمة العدل الدولية في لاهاي بشأن جدار الفصل العنصري». تلقيت في مساء أحد الأيام اتصالًا من مكتب الرئيس «أبو عمار» يعلمني فيه محدثي بأن «الوالد» – هكذا كانوا يسمونه أحيانًا – يريد لقائي في الصباح، لأمر ضروري. حاولت أن أعتذر، فأنا متواجد في قريتي الجليلية، كفرياسيف، للمشاركة في حفل زفاف قريب لي، لم تمر إلا بضع دقائق حتى عاودوا الاتصال، إلا أن محدثي هذه المرة كان أبو عمار نفسه. أعدت اعتذاري بحذر شديد، لكنه أصر على حضوري ووعدني بأن «يفرج عني» في ساعة تمكنني من الرجوع للقرية خلال وقت مناسب. وصلت في العاشرة صباحاً إلى مبنى المقاطعة، الذي نالت منه شفرات بولدوزورات الاحتلال ورصاصه. اصطحبني الحرس إلى الطابق الثاني، كان أبو عمار يجلس لوحده خلف طاولة خشبية متواضعه على الجسر/الممر الشهير، كي يلتقط، كعادته في تلك الأيام، بعضاً من خيوط الشمس الصباحية. استقبلني بحفاوة الأب وسأل عن أحوالي؛ ثم وضع أمامي قصاصة من جريدة «هآرتس» العبرية، كانت عبارة عن تقرير أعده مراسلها السياسي المعروف ألوف بن، وفيه توقع صدور قرار محكمة لاهاي في اليوم التالي للقائنا، ويؤكد فيه أيضاً، بناء على معطيات أوردها في تقريره، أن القرار سيكون لصالح فلسطين. قرأت بتمعن ورفعت رأسي نحو أبي عمار، الذي مدّ يده وضغط على يدي بقلق غير المصدق، وقال:» معقوله.. معقوله دي يا حبيبي يا جواد»؟ أجبته بنعم؛ فهذا الصحافي يحترم ما ينشر، ولديه مصادر موثوقة، خاصة في الساحة الأمريكية، ثم أن «هآرتس» ما كانت لتنشر مثل هذا التقرير على صفحتها الأولى لو لم تكن متأكدة من صحته؛ وأخيراً فلماذا لا نصدق ونحن أصحاب حق في هذه القضية، ولا يوجد سبب قانوني لعدم قبول قضيتنا. أعجبه كلامي. بدت على وجهه علامات فرح طفولي، كانت تبدو عندما كان يشعر بفرح حقيقي. وقف، لكنه عاد وجلس وأستأنفنا الحديث حول القرار وأهميته. وافقني على ضرورة الانتظار حتى صدور القرار بشكل رسمي، وعدم الاكتفاء بما نشره ألوف بن، لكنه طلب من مساعده أن يدعو أعضاء القيادة، كما كان يسميهم، لاجتماع طارئ، سيعقد في تمام الساعة الرابعة من اليوم نفسه في المقاطعة؛ ثم نظر إليّ وطلب مني الحضور، وكرر وعده السابق لي. وصلنا إلى قاعة الاجتماع، أنا والمحامي الكبير علي السفريني، الذي أخبرني أن أبا عمار طلب حضوره أيضاً. في القاعة وجدنا ممثلي الفصائل وقياديين آخرين يحاولون التكهن حول سبب دعوتهم الطارئة. وقفت بينهم فسمعتهم غاضبين على عرفات، ولم يخل كلامهم من انتقاد لطريقة عمله، وبعضهم كان يتحدث ضده بحدة يسارية ثورية، وبامتعاض بارز، حتى إنني توقعت، لوهلة، أن الاجتماع سيتحول إلى جملة من المناكفات والمصدامات، فالتزمت، بينهم، الصمت وتصرفت في حدود الكياسة والمجاملات المطلوبة.

في رام الله أجمعت قطاعات واسعة على ضرورة إجراء الانتخابات، لأنها وإن لم تفض إلى إحياء ثورتهم النائمة، فإنها ستحرك مياهها

دخل أبو عمار القاعة وأخذ يسلم على الجميع وهم في مقاعدهم.. كان كل واحد منهم يقف في مكانه ويرحب به مبتسماً.. أنهى التسليم وجلس على رأس الطاولة وأجلسنا، أنا على يمينه والمحامي علي على يساره. بدأ حديثه بالترحيب بجميع الحاضرين، وكان يتوجه أحيانا لبعضهم بأحاديث شخصية أو بالمزاح، فبدأوا واحداً تلو الآخر، يبادلونه الحديث، ويكيلون له المديح ويشيدون بقيادته الحكيمة والرشيدة؛ ولم ينتقده أحد. أخبر أبو عمار الحضور بتوقعاته من محكمة لاهاي وأسهب حول معنى ذلك القرار، ووقعه القضائي والسياسي، ففهم الجميع أننا معه كمحاميين، لتعزيز تقييماته؛ فكان عرسا وكان فرحا عظيما. ودّعتهم، وركبت المصعد بصحبة صديق يساري عتيق من أيام الشباب. لم نتكلم كثيراً حول ما حصل قبل وخلال الاجتماع، فقد نظر نحوي وتبسم لأننا كنا نعرف أن أحاديث «الملاهي» في فلسطين ليست كأحاديث «المقاثي». رحل أبو عمار ومضت السنون وما زال اليسار يمضغ روحه المتهالكة، بينما تعيش فلسطين على حد سيفين حالة من «أنوماليا» خبيثة ومهلكة، وتعاني من واقع هش كالندى، ومليء بالمرايا المحطمة التي أنست الرائين إليها كيف تكون الحقيقة ومن هو القاتل ومن الضحية.
في هذه الأيام نستقبل الشتاء من جديد؛ فبعد أن أقنعنا شهر شباط/فبراير بأن في أحشائه تولد شموس الصيف، زارتنا آخر عواصفه الباردة التي حملت معها أنفاس القطب ورقائق الثلج الناعم، حتى غطى بياضها قمم جبال فلسطين العالية وأنسى الناس هموم لياليهم السود. في بلادنا يكفي سقوط زختي بَرَد غاضب فوق رؤوسنا، وإبالتي ثلج هناك على الجبل البعيد، حتى تستقيظ غريزة الصحراء الدفينة بين أضلعنا، ونعيش، في كل أماكن تواجدنا، كالأطفال الذين لا ينامون من شغف وخوف وعيد. كانت شوارع القدس، خلال النهار، تتهيأ لغزوة الجنرال الأخيرة والبرد كان يضع أوزاره في كل الزوايا والحفر، وصفير الريح يلهث بدون انقطاع وكأنها كانت تهرب من عشيرة ذئاب جائعة. وتستمر نشرات الأخبار بتحذير المواطنين من آثار العاصفة، وتنقل من باب الروتين فقط ، آخر التفاصيل عن أعداد ضحايا كورونا في فلسطين وإسرائيل وأعداد المصابين الجدد، وتختفي أمام تقدم الليل أخبار الانتخابات في فلسطين وإسرائيل أيضاً؛ فالليل في بلاد الوجع هو حضن العواصف والقلق.
كنت في البيت وحدي عندما سمعت طارقاً على الباب. كان موظف شركة المياه واقفاً لتحيتي وللسؤال عن صحتي بعد أن سمع من الجيران عن تراجعها في الأشهر الأخيرة. طمأنته بصوت مقنع؛ فابتسم واستماحني بإلقاء سؤال آخر عليّ كان يشغل باله وهو متأكد انني أعرف الإجابة عليه: إذا كانت إسرائيل ستعيد انتخاب بنيامين نتنياهو، وكم مقعداً ستحصد القائمة المشتركة في مقابل الحركة الإسلامية؟
أفهمته أن التكهن في هذه المرحلة المبكرة مستحيل، والايام المقبلة قد تكون حبلى بالمفاجآت، وحاولت أن أفهم سبب اهتمامه بالانتخابات الإسرائيلية وليس بالانتخابات الفلسطينية، وسألته إذا كان سيصوت في فلسطين؟ لم يكن واضحاً بإجابته، لكنه بدا كغير المؤمن بحصول الانتخابات الفلسطينية، وأكد في الوقت نفسه، على قناعته بأن تأثير نتائج الانتخابات الاسرائيلية على الفلسطينيين سيكون أهم وأكبر خاصة في السنوات القريبة المقبلة. لا أعرف لماذا تشعر قطاعات واسعة من الفلسطينيين بأن الانتخابات عندهم لن تتم؛ فحتى من يثقون بقرار الرئيس محمود عباس ومعه القيادات الفلسطينية على اختلاف مشاربها، وموافقة حركة حماس، يفترضون أن هنالك من سيسعى لعرقلة العملية وإفشالها؛ ولكن فلسطين التي وراء جبال الضباب تعيش حالة من أمل مشتهى؛ وليس بسبب وعود الانتخابات المقبلة بل أكثر بسبب هزيمة ترامب الطاغية الأرعن، وافتراضهم أن لا أسوأ منه في جهنم، فعسى القدر بعده يهديهم برزخاً من عدل وجنى. في الصباح، في رام الله أجمع وتمنى المشاركون على ضرورة إجراء الانتخابات، لأنها وإن لم تفض إلى إحياء ثورتهم النائمة، فإنها ستحرك مياهها الآسنة؛ لكنهم اختلفوا تقريبًا حول جميع محاور النقاش الأخرى. لقد تحدثوا بألسنة مختلفة، فبعضهم كان في الثلاثينيات أو أكبر قليلًا، يفتقرون، هكذا بدا واضحاً، إلى لغة فلسطين التاريخية السياسية، فناقشوا زملاءهم، ممن كانوا في عمر الاحتلال، بلغة الحاجة والعواطف وكمواطنين وعوا على الدنيا بعد أن تحولت الثورة، حلم أبائهم، إلى ذكرى انتفاضات عابرة، وإلى سلطة، وتحول العرب من أشقاء إلى قبائل عابدة وعابرة. وقفت، في منتصف الليل، أمام نافذتي ألملم أطراف النهار وتذكرت حين سألني صديقي اليساري العتيق في مصعد المقاطعة، أننا نعرف الصوت الذي تحدثه يدان تصفقان معاً، ولكن ما هو الصوت الذي تحدثه يد واحدة حين تصفق؟ كانت الريح فوقي تعوي هوجاء مذعورة، والبيوت مخفية في المدى تحت عباءات رمادية، والأرض تلمع بعد أن غسلها شيخ أبيض ورحل؛ في الفضاء تتماوج مشاعل ناعسة بدت كفنارات بعيدة، وفي الشارع أمامنا خرج بعض الأطفال، رغم البرد القارس، كي يفتشوا، في العتمة، عن حلم لم ينم ،وعن غد هارب؛ لكنهم لم يسمعوا مثلي، صدى الأيام المبحوح الآتي من بعيد وأنات الزنابق الكسيرة.
كاتب فلسطيني

 

 

الحركة الأسيرة

الفلسطينية وبشائر القاهرة

جواد بولس

 

ما زلت أشعر، قبل كل زيارة لأسرى الحرية الفلسطينية في سجون الاحتلال، برهبة تذكّرني ببدايات عملي قبل أربعين عامًا؛ فقبل النوم أراجع ترتيبات الدخول إلى السجن المعني، وأعدّ رئتيّ لرحلة عذاب صغيرة بعد أن أعياهما الزمن وصارت قدرتهما على إكمال الشهيق، حتى في حالة جهد بسيط، مهمّة عزيزة وشاقة. وفي الصباح أحدّث نفسي وأهيّئها لحوار أريده بين صديقين، وأتعمد أن يكون بعيداً عن التكلف والرتابة.
السجن، هكذا علمتني التجربة، هو مرآة لحياة الناس؛ وفي بعض حالاته وتقلباته هو الحقيقة وتجسيد لواقعهم؛ فعتمته تعرّي، في أحيان كثيرة، الزيف المدّعى في نور ذلك «الخارج» وبرده يفضح فشل «الإنساني» في إقامة العدل البسيط. في السجن، في حيّزاته/الجغرافية، لا مرتبة وسطى، فإما قامع وإما مقموع؛ إما وراء القضبان، حيث يصير المتغطرس المستبد سيّد العذاب وكاتم صرخة العدم الأولى، الخارجة من رحم الوجع إلى عالم الشقاء، تبقى الحرية مجازاً والأرواح إما شظايا ونثاراً وإما رماحاً.
السجن في الحالة الفلسطينية هو «مسنّ للجباه» أو قدر لا يمكن اجتنابه أو النأي عنه، فما دام هنالك احتلال سيكون، فريضةً، نضالا ومهورا وسناء؛ والخارجون منه أحياء هم الأمنيات المحلقة على «طريق النحل» أو شقائق نعمان. كانت زيارات الأسرى الأمنيين في السجون الاسرائيلية، وبقيت بالنسبة لي بمثابة الحاجة والضرورة؛ فبدونهم أشعر بحالة «يتم سياسي» مرهقة، أما بلقائهم فأستعيد توازني الضروري لبقائي سالماً في عالم فلسطيني مشوّش ومخادع وهش. أدخل السجن، بالعادة، وفي صدري غصة نابعة من مرارة الواقع الذي نعيشه «كأحرار» في وطننا، وكثيراً ما أخرج منه وعلى وجهي بسمة وفي البال أغنية، وهذا ما حصل معي في زيارتي الأخيرة.
لم أنتبه لدخوله إلى غرفة الزيارة، فقد كنت ألتقط أنفاسي ملقياً رأسي على ذراعي، وعيني ساهمتين. سمعت نقرة كفه على الزجاج الفاصل بيننا، فجفلت. سألني عن صحتي واعتذر على طلب زيارتي، بحركة خفيفة برأسي أسكتّه وأكّدت له بأنني مرتاح ومغتبط للزيارة، فأنا من دون هذه الفسحات سأختنق. ثم انتقلنا إلى شؤون الساعة وما يواجهه ورفاقه داخل السجن وخارجه. كان بشوشًا كعادته ومرحاً كطير الصباح، على الرغم من السبعة عشر عامًا التي قضاها في الأسر. أوجز أمامي أوضاع الأسرى ومشاكل السجن؛ ففهمت أن الأمور مازالت تراوح مكانها، وانهم لم يشعروا بينهم بأي انعكاسات لأحاديث الوحدة والمصالحة، واستعادة أنفاس فلسطين الديمقراطية وتراتيل التسامح والمغفرة. حاول أن يفهمني أنهم كأبناء لحركة «فتح» ليسوا في حالة حرب مع أسرى باقي الفصائل؛ لكن جروح الانقسام التي أصابت جسد الحركة الأسيرة، في أعقاب زلزال عام 2006، لم تندمل بعد، بل مازالت آثارها تنضح هنا وهناك وبشكل أو بآخر؛ وأكّد، كذلك، على أن بني «عبس» مازالوا يعيشون، في معظم السجون، في مضاربهم؛ بينما يعيش، بمعزل عنهم، بنو «ذبيان» وحتى بين هؤلاء قامت قبائل جديدة وأفخاذ عديدة. كان صارمًا ومتفائلًا وقلقًا، وكنت حزينًا؛ لا سيّما وكلانا يعرف أن نجاح أي حكومة يمينية إسرائيلية جديدة بتطبيق قرارات لجنة «أردان» بشأن حقوق الأسرى الفلسطينيين، سيؤدي إلى تقويض شامل لواقع معيشي، نجحت الحركة الأسيرة الفلسطينية بتحقيقه وبتثبيته عبر مسيرة كفاح طويلة وصارمة، لامست في بعض محطاتها حدود المعجزات. كان حديثه نابعاً من قلب مناضل يعي أهمية الانتظار والصبر، ويعرف كيف أفشلت تضحيات آباء الحركة الأسيرة مخططات الاحتلال، وكيف نجحوا، بعد أن خاضوا أشرس المعارك ضد قمع السجانين، بقلب المعادلة رأساً على عقب؛ ففي حين حاول السجان الإسرائيلي تدجين المقاوم الفلسطيني ومعاملته كمجرم وكإرهابي يعيش في ظل القانون الاسرائيلي ومننه، أصرّ هؤلاء المناضلون على أنهم أسرى لحرية شعبهم وجنود في سبيل الاستقلال وبناء دولتهم، أسوة بباقي شعوب الأرض.

لحمة الجماعة هي الضمانة الأكيدة لحماية أفرادها، وهي الوسيلة الأنجح لصد سياسات القامعين

إنه يعرف، مثل من بنوا صروح العزّة في البدايات، هكذا أفهمني، أن لحمة الجماعة هي الضمانة الأكيدة لحماية أفرادها، وهي الوسيلة الأنجح لصد سياسات القامعين؛ فأشدّ ما يحتاجه المحتل اليوم هو ظفره بأرواح المناضلين الفلسطينيين والتحكم فيها وراء القضبان، وابقاؤها تائهة كفرائس للخيبة وللهزيمة ولفقدان الأمل. ما زالت سجون الاحتلال تستقبل أعداد المقاومين ببرودة الموت، فهل سيدخلونها اليوم كما دخلتها قوافل الآباء، وهم يسيرون على دروب النور والمجد والعزة؟ لقد كانوا يُلقَون في البئر فرادى وفي الجب»خلايا» فكانوا يأتلفون زرافاتٍ ويكبرون أجيالًا ويمضون أشدّاء؛ فشيّدت أرواحُهم، على طريق الشوك وانفاس الندى، ما صار يعرف في تاريخ الكرامة البشرية باسم «الحركة الأسيرة الفلسطينية».
لم أتركه إلا بعد أن أحسست بقلبه ينبض إصراراً، ومن عينيه ينثال شلال نور؛ فهو وأسرى كثيرون مثله على قناعة بأن محاولات القائمين على مخطط سحق «الحركة الاسيرة الفلسطينية» تأتي بعد أن استشعر هؤلاء حصول عدد من المتغيّرات على حياة الفلسطينيين، وبروز عدد من المحفزات التي وظفوها واستغلوها في سبيل تسهيل مهمتهم المذكورة. لن أعدد جميع تلك العوامل، التي جئنا على ذكرها، لكننا، حتماً، سنجد في مقدمة أخطرها وأقواها «استيراد» قيادات فصيلي النزاع الاساسيين، حركة «فتح» وحركة «حماس» مضامين ذلك الانقسام، وتذويتها كواقع يحدد هوامش معيشتهم داخل الأسر في السجون وضوابط علاقاتهم اليومية. ودّعته بعد أن اتفقنا على لقاء جديد، سأذهب اليه بمشاعر الرهبة والتوجس نفسها، من أن شيئاً على واقع الأسرى لن يتغيّر للأحسن؛ فقد صادفت زيارتي للسجن مع مرور الذكرى العاشرة لانعقاد مؤتمر نصرة الأسرى الفلسطينيين في دولة المغرب. تذكرت تفاصيل تلك الأيام المجيدة، وأنا في طريق عودتي، وأحزنني كيف طُويت الذكرى ولم يلتفت إليها أحد. كان الحدث لافتاً بامتياز، فمحاور المؤتمر كانت غنية ومخرجاته مبشرة، لا سيما وقد شاركت في أعماله نخبة من الشخصيات الحقوقية، وسياسيون ومناصرون لنضالات أسرى فلسطين، كان في طليعتهم الفنان مرسيل خليفة والشاعران سميح القاسم وزاهي وهبة. مضت الذكرى مثلها مثل غيرها كريشة في مهب الريح ونُسيت، فالنسيان، في تاريخ فلسطين، محبرة والدموع حبرها الأثير.
أخبار لقاء الفصائل في القاهرة تملأ، في هذه الأيام، نشرات الأخبار، وتبشر الفلسطينيين بالأجواء الاخوية، التي سادت جلسات النقاش، وبالتوصل إلى تفاهمات مبدئية، ستتلوها حوارات قريبة للخوض في التفاصيل التي من شأنها أن تضمن إجراء الانتخابات، كما اعلن الرئيس محمود عباس في مرسومه الأخير. كل شيء في شرقنا جائز، ولكن الأيام تمضي والأسرى الفلسطينيون يعيشون في حالة من انتظار الفرج الفلسطيني الموعود، والترقب المتعب، ويعرفون حقيقة واحدة مؤكدة مفادها أن الحكومة الإسرائيلية الجديدة سوف تستأنف ما بدأته حكومة نتنياهو السابقة، وقد يكون ذلك، كما كان، في أجواء فلسطينية ضبابية وحالة عربية بائسة.
كاتب فلسطيني

 

 

قرانا ومدننا تبكي

 فلا تصدقوا وعودهم

جواد بولس

 

تصدرت تفاصيل مأساة مقتل الشاب أحمد موسى حجازي، ابن مدينة طمرة الجليلية، نشرات الأخبار، وأشغلت تداعياتها صفحات المتعاطين بوسائل التواصل الإلكترونية؛ حيث تولّد مشهد قد يوحي وكأننا أمام حدث مفصلي هز أركان مجتمعنا العربي، ولن يكون مصيره مثل مصير سائر عمليات القتل التي حصدت، في السنوات الأخيرة، أرواح مئات الأبرياء من أبناء مجتمعنا.
ذاكرة الناس قصيرة، وغريزة الحياة عندهم، كانت وستبقى، أقوى من الألم وأثبت من الغضب؛ وإن أقسم أجدادنا الميامين بأن تبقى آمالنا وذاكرتنا «أقوى من النسيان» فعلينا، كما فعلوا، أن نحرس بيادرنا، وأن نحمي دماء ورداتنا كي يبقى الفجر في قلوبنا باسماً وأحمر. لا أعرف من سيكفل ذاك الغد الأزهر والآمن ولا كيف؛ فنحن، كما قلت مراراً، نعيش في زمن المحنة الكبرى، حيث يكون الخوف فيه سيّداً في المواقع، وتكون المداهنة والتقية من الأشرار ضمانات ومآوي آمنة؛ فأيامنا سوداء مثل ليالينا وجميعها حلقات من شر وعجز وعدم.
ربما ساعد توقيت هذه الحادثة في إبراز بشاعتها، وجعلها تبدو كأنها مميزة ومختلفة عن سابقاتها؛ فقد وقعت في أجواء مشحونة بأخبار الانتخابات المقبلة، وباستعار الخلافات بين رئيس الحركة الإسلامية منصور عباس، وباقي شركائه في القائمة المشتركة؛ بينما كانت تحاول، في الوقت نفسه، معظم الأحزاب الصهيونية اليمينية تأمين حصص لها من أصوات الناخبين العرب. دار أحد محاور الخلاف بين منصور عباس وحركته الإسلامية من جهة، وباقي مركبات القائمة المشتركة من جهة ثانية، حول شرعنة التعامل، التي دعا إليها في حينه النائب عباس، مع بنيامين نتنياهو، وإلى أي مدى يمكن الاعتماد عليه، وعلى وعوده التي طفق يوزعها بإسهال واضح في إطلالاته الصحافية، بالعمل مع حكومته المقبلة على مواجهة العنف المستشري داخل مجتمعاتنا العربية، والقضاء على منظمات الإجرام والتصدي لظواهر القتل والاعتداءات بمختلف أنواعها؛ علماً أنه كان يرأس الحكومة الإسرائيلية، بصلاحيات شبه مطلقة، لعقدين من الزمن، ولم يفعل شيئاً خلالها في هذا المضمار، ولم يمنعه أحد من ذلك. وبينما كانت وتائر هذا الخلاف تتصاعد داخل المعسكرات العربية، كان نتنياهو يسجل أهدافه في الشِباك العربية المخروقة، حتى أنه قام بتدشين موقع إلكتروني باللغة العربية، لتمكينه من التواصل مباشرة مع الناخبين العرب.
لم يتوقع نتنياهو تفجّر المواجهة المسلحة في شوارع مدينة طمرة، كما وثقتها الكاميرات، ونقل تفاصيلها المواطنون الذين كانوا شهوداً عليها؛ لكنه يعلم اليوم من دون شك، أن الرصاص الذي شق أزيزه صمت المدينة، عرّى، في مفارقة غريبة، كل أكاذيبه، وكشف عن واقع لا تعيشه طمرة فحسب، بل يعاني منه كل مواطن عربي صار يدرك أنه حين يغادر بيته فإنه قد يعود إليه في كفن.
ولكن مشكلتنا ليست في ما يعرفه نتنياهو وقادة إسرائيل، أو يدّعون بأنهم لا يعرفونه، بل مشكلتنا في ما نعرفه نحن ونتصرف وكأننا نجهله؛ فكثيرون منا على يقين بأن نتنياهو وجميع من سبقوه في حكومات إسرائيل وأجهزتها الأمنية، خاصة في وزارة الأمن الداخلي، يعرفون كل الحقائق بتفاصيلها الحساسة والدقيقة، لاسيما ما يتعلق بمصادر السلاح الذي يصل لمخازن منظمات الإجرام، أو الموجود في بيوت الناس العاديين؛ وكثيرون مقتنعون أنه لو نوى نتنياهو وأجهزته الأمنية القضاء فعلًا على ظواهر القتل والعنف داخل المجتمع العربي، للاحقوا المسؤولين، زعماءَ وجنوداً، ولطاردوا ونظفوا شوارعنا ممن يعيثون فيها فسادًا ويملأونها بالموبقات وبالمخدرات، ولأعادوا لحياة أهلها السلم والأمن والطمأنينة؛ لكنهم لا يفعلون ذلك عن قصد، بهدف تحويلنا إلى مجتمع يعيش في غابة وحشية تحكمها فوضى السلاح وتسيطر على سكانها حالة من القلق السديمي العقيم، فيقتل أفرادها أو يغتصبون بعضهم بعضاً، على طريقة «دعوهم ينزفون» واتركونا نبني ممالكنا وعروسها: الدولة اليهودية. فلنتفق إذن على أن مؤسسات الدولة التي يجب أن تكون، في الوضع السليم، كفيلة بمحاربة الجريمة وبملاحقة المجرمين، وبالتصدي لظواهر العنف على أشكاله، وبضمانة سلامة المواطنين وأمنهم المجتمعي والفردي، ليست معنية، في حالتنا، نحن المواطنين العرب، بالقيام بمسؤولياتها الطبيعية؛ بل على العكس، فوفقاً لعدة شواهد وبراهين، قد تكون معنية بإذكاء نيران الجرائم، أو ببعضها وبعدم العمل على محاصرة أو إيقاف ألسنتنا الحارقة والقاتلة. ولنتفق أيضاً على أن الأوضاع الإجتماعية بيننا آخذة بالتدهور، وعلى أن آفات العنف والقتل تتفاقم، ليس بسبب سوء تشخيصنا لمسبباتها، ولا لأننا لا نعرف من هم المسؤولون عن حدوثها ومن يغذيها، بل على الرغم مما نعرفه. ولنتفق أيضاً على أن المسؤولية المباشرة عن جرائم القتل وأعمال العنف المستشري في أوساطنا، لا تقع كلها على ما يسمى بعصابات الاجرام المنظم، فبعضها يتغذى من «موروثنا» الاجتماعي البالي، وبعضها يستفحل بسبب ضمور منظومة القيم الواقية، وضياع ما كان يشكل كوابح هوياتية وطنية وأخلاقية ناظمة لسلوكيات الأفراد، التي كانت أمامهم روادع صارمة لا يجوز تخطيها. واذا اتفقنا على أن هذه المسلّمات صحيحة، وأجمعنا عليها، وإذا بقينا ملتزمين بمطلبنا الذي لا يمكن التنازل عنه: «لا للعنف ولا للقتل بيننا» من جهة، وبموقفنا المبرر سياسياً «لا للشرطة الإسرائيلية» غير المعنية بالقضاء على الجريمة عندنا، من جهة ثانية، فسيبقى السؤال/ المعضلة مجلجلًا: من قادر على إيجاد الحل وإنقاذنا من هذه الهاوية؟ وما هو هذا الحل المأثرة؟

مؤسسات الدولة الكفيلة بمحاربة الجريمة وبملاحقة المجرمين، ليست معنية، بالنسبة للمواطنين العرب، بالقيام بمسؤولياتها الطبيعية

لقد تطرقت في الماضي لهذه الإشكالية في محاولة مني إلى استدراج نقاش يتعدّى مهمة توصيف الحالة، أو الاكتفاء بإطلاق المواقف العامة والتوقف عند تأثيم الشرطة الاسرائيلية، والمطالبة بعدم التعاون معها، فسجلّها، هكذا كتبت «حافل بالفشل وسلوكها خبيث وتاريخها ينضح قمعاً ورصاصاً، ومفاهيم تعاملها مع الجماهير العربية معطوبة ومبنية على عداوة متأصلة؛ وكل ذلك واضح ومثبت، لكنه غير كاف لتبرير قصور وعزوف القيادات العربية ومؤسسات المجتمع السياسية والمدنية، وفشلهم باجتراح وسائل لكسر هذه القلائد الخانقة؛ فمن واجب القيادات المسؤولة ايجاد الحلول الضامنة للعيش السليم وللمواجهة والخروج الآمن من الجوائح والآفات التي يرزح تحت أعبائها المجتمع». ومضت السنون وقد ازدادت الأوضاع سوءاً؛ فمعظم المواطنين، مثل الشرطة، يعرفون الحقيقة، وأمسى جميع الفرقاء كأنهم يعيشون مع بعضهم في حالة من «الهدنة الخبيثة»؛ فالدولة تشعر بنوع من «الراحة» وهي تتعامل مع مواطنيها العرب بهذه الرعونة والأذى؛ وبالمقابل، تزداد الأصوات العربية الداعية إلى عدم التعاون مع الحكومات الإسرائيلية، وتستند في نداءاتها هذه إلى ممارسات الشرطة الوحشية والعنصرية ضد المواطنين العرب؛ ويبقى المستفيدون، على جميع الأحوال من الوضع القائم، سادة عالم الإجرام وآباء التخلف وأصحاب الخناجر وسيافو الزهر.
العيش في مجتمع تتنازعه حالتان عبثيتان تدفعان أفراده للانخراط في واقعهم الدموي، حتى أنهم يتحولون تلقائياً، بوعي أو بغيره، إلى عناصر منتجة لذلك الواقع من خلال صمتهم أو نأيهم عنه أو باستظلالهم داخل حناياه، أو بالاستفادة من «قبْضاته» أو «قبَضاته». وينادي بعض الغيورين من بيننا إلى التخلي عن الحلول المكرورة والتقليدية، والبدء في بناء مجتمع جديد، بالاعتماد على قوانا الذاتية ومن دون التعويل أو التوجه إلى الدولة ومؤسساتها؛ قد يكون في هذه الفكرة، علاوة على حسن النية، قطرة من دواء، لكنها لن تكون شافية، فمن قادرٌ على رسم أول الخطى وأين هم البنّاؤون الأكفاء الحقيقيون بيننا؟ هو السؤال المعضلة الباقي؛ فبناء مجتمع جديد في حين يعشّش الخوف في عظام وصدور معظم افراده، وهم يهرولون وراء هدير دعاء واعد ويرقصون على إيقاع هتاف نابض، سيكون أمرًا أعز من رسم حلم ناموسة؛ ومهمة هندسة مجتمع كي يصير حصينًا، في واقع يقوده كثرة من هواة من السياسيين وبعض من وعاظ الرؤساء والسلاطين ستكون أصعب من إدخال جمل في خرم إبرة.
انا لا أعرف كيف يبنى مجتمع جديد في بدايات تكوّن عصر انحطاط شامل؛ لكنني أعرف كيف ستكون، بعد أيام مدينة طمرة وباقي أخواتها الثاكلات: ستعود كما كانت قبل سقوط أحمد، مدينة جريحة وحزينة وحائرة، أو ربما أسوأ. وأما الناس في مواقعنا فسيلوذون إلى مخادعهم وقواقعهم، تماماً كما تملي عليهم غريزة البقاء، وسيبقون، بمشيئة الخوف والحرص والمنفعة، أفراداً ينتجون همومهم وأفراحهم ويبنون/يهدمون مجتمعهم.
كاتب فلسطيني

 

 

ما كانت الحركة الإسلامية

تُقدم لو كان في هذه الأحزاب حياة؟

جواد بولس

لم ينجح أقطاب القائمة المشتركة في تذليل الخلافات التي برزت مؤخراً بينهم، خاصة تلك التي أثارتها مواقف وممارسات الحركة الإسلامية، والتي اتخذها وعبر عنها النائب منصور عباس وألحقها موجزاً، قبل أيام، بمنشور ألصقه على صفحته، قال فيه بوضوح: «إنّ القائمة العربية الموحدة مستعدة لقبول الشرط الذي وضعه شركاؤها، أن نتنياهو خط أحمر ولا يمكن التعامل معه..» واضعًا في الوقت نفسه، مقابل هذا «التنازل» شرطين، بدون الاستجابة لهما لن تستمر القائمة بمركباتها الأربعة: تسمية المرشح لرئاسة الحكومة الذي ستدعمه المشتركة، خلاف نتنياهو، والتعهد بعدم التصويت إلى جانب قوانين تخالف تقاليد مجتمعنا المحافظ.
لقد رافقت عملية تشكيل القائمة المشتركة عدة تصورات وتوقعات، تنبأ بعضها منذ البدايات المبكرة بوصولها إلى طريق مسدود وتفككها الحتمي، إلا إذا اهتم مقيموها بتحييد تلك العوامل والعثرات التي كان وجودها واضحاً وتأثيرها السلبي مؤكداً، خاصة أن السحر المفترض في مقولة «الشعب يريد الوحدة» لم يشكل ضماناً واقعياً وحقيقيا لاستمراريتها، لكونه وهماً تجرّعه، منذ البداية، هذا الشعب بإرادة مغلوب على أمرها ونتيجة لشيوع حالة من البلبة الصارخة.
لا نعرف كيف ستنتهي تداعيات هذه الأزمة في الأيام المقبلة، ولا كيف سيقرر مجلس شورى الحركة الإسلامية، الذي ستوكل إليه مهمة اتخاذ القرار والإعلان عن الانفصال النهائي، وخوض المعركة من خارج إطار معسكر الوحدة، أو رغم فشل المفاوضات الأخيرة، تكرار محاولة جسر الهوات وتذليل الصعوبات والعودة إلى حضن المشتركة؛ فهي صرح جميع القادة حتى في آخر اللحظات، التعبير الأصدق عن إرادة الشعب. وبعيدًا عما ستفرزه عمليات التفاوض من تحالفات وأطر سياسية ستخوض الانتخابات في آذار/مارس المقبل، لا بد لنا اليوم قبل الغد، من إدراك رزمة التعقيدات السياسية والاجتماعية، التي عكستها هذه الأزمة، والبدء بالتالي، في تشخيص معالمها الحقيقية ومسبباتها التي كانت واضحة، وأصبحت مستفزة وبارزة؛ على أمل أن تكون بيننا «عناوين» معنية بالقيام بهذه المهمة، وقادرة على التوصل إلى خلاصات حاسمة، وفي طليعتها الإقرار بأن المشهد الذي نواجهه هو آخر البراهين على انتهاء حقبة سياسية اجتماعية، بدأت بناها تتداعى أمام أعيننا منذ سنوات، حتى أفضت بعد مخاضات، كما نشاهد في هذه الأيام، إلى تشكّل حالة سياسية اجتماعية جديدة مليئة بالتحديات وبالأسئلة الوجودية، لاسيّما حول هوية مجتمعنا السياسية المتغيّرة، وقيمه الاجتماعية المرغوبة والحقيقية، وركائزه الثقافية المتهالكة، وتلك الجديدة والمتوالدة .

حقوقنا الأساسية لن تعطى كمنّة من سيّد، لضيوف على طاولته، وتحصيل الميزانيات لن تكون مجرد مكرمات سلطانية

لا أقول ذلك عن حدس مجرد، أو نتيجة لتحليل أكاديمي مجازف؛ فمن يقرأ شرطي الحركة الإسلامية، كما أعلنا للناس، يعرف أننا إزاء واقع سياسي جديد، قررت فيه المرجعيات الدينية في الحركة الإسلامية تغيير أصول العمل السياسي الذي كانت القوى السياسية الوطنية، على اختلاف مشاربها منذ قيام الدولة، مجمعة عليه؛ وتبديلها بأنماط عمل تثير القلق وتستوجب المناقشة والمعارضة. لقد طالبت الحركة الإسلامية، في اشتراطها الأول، سائر شركائها بضرورة إعلان أسماء رؤساء الأحزاب اليهودية الذين سيكونون مستعدين للتعامل معهم، كبديل عن نتنياهو؛ ولم يخفَ باعتقادي على أعضاء مجلس الشورى المعنى الحقيقي لهذا المطلب، وتسببه الفعلي بتقويض واحد من التابوهات، وأركان الاشتباك السياسي المتبع منذ أجيال في نضالاتنا مع القائمين على رسم السياسات الإسرائيلية العنصرية بحقنا، نحن المواطنين العرب. لقد كان بديهياً ألا تتأثر مبدئيات وقواعد النضال الأساسية ضد سياسات القمع بشخص الحاكم أو بهوية حزبه، لأنها كانت ومازالت، سياسات تبنتها ومارستها جميع تيارات الحركة الصهيونية، سواء كانوا في الحكومة أو في المعارضة. وإن كان ذلك المطلب تعجيزياً، فاستعداد الحركة الإسلامية لاتباع سياسة مقايضة المواقف بالمنافع، ومن موقع لا نحن مع اليمين ولا نحن مع اليسار، يعتبر انحرافاً سياسياً لا قاع له؛ فحقوقنا الأساسية لن تعطى كمنّة من سيّد، لضيوف على طاولته، وتحصيل الميزانيات التي نستحقها كمواطنين لن تكون مجرد مكرمات سلطانية.
قد يعتبر البعض هذا المطلب شرعياً، أو ذا أهمية هامشية، لكننا إذا تعمقنا بكنهه وبما يعكسه من مسلمات سياسية وشرعية، سنجده مرتبطًا بموقف الحركات الإسلامية السياسية، بمفهوم الدولة المدنية وعلاقتهم مع حاكمها، وتفسيرهم لمعنى المواطنة وحدودها، ومتعلقا أيضاً بشروط المقاومة، وقواعد التقية في ظروف الاستحالة، مقابل تأمين سلطة الشريعة ونفاذها كمحرك وحيد ومهيمن على علاقات وسلوكيات الأفراد داخل المجتمع الضيق. فعلى هذه الخلفية وبسببها سنجد أن الاشتراط الثاني الذي طالبت به الحركة الإسلامية شركاءها، يقضي بضرورة إعلانهم وبشكل واضح أنهم لن يصوتوا إلى جانب قوانين تخالف عقيدة مجتمعنا المحافظ؛ أي بضرورة تقديم ما يعتبرونه بالثوابت العقائدية، كما يعرفونها وإعلائها كمساطر ملزمة تحدد حقوق جميع أبناء المجتمع وواجباتهم، وترسم لهم مساحات المسموح والمحظور، حتى لو أدت هذه الهيمنة إلى صراعات داخل المجتمع، وإلى انقسامات عرفت مجتمعاتنا كيف تتجنبها طيلة عقود من العمل على بناء هويتهم الجامعة. لا أعرف إذا كان هناك من توقع أن تتصرف الحركة الإسلامية في إسرائيل بشكل مختلف عن تصرفاتها في كل المواقع والمجتمعات التي تنشط في داخلها؛ ولا أعرف إذا راهن قادة الأحزاب والحركات السياسية والمؤسسات المدنية الموجودة بيننا، على إمكانية اكتفاء وقناعة الحركة الإسلامية بما لديها من قوة ودعم بين الجماهير، وعلى قبولها بألا تسعى لإحكام سيطرتها على جميع مرافق المجتمع، وإخضاع سلوك أفراده إلى أحكام قوانينها؛ فلجميع هؤلاء تقول اليوم الحركة الإسلامية كلمتها الواضحة، وتعلن أنها لن تتنازل عن أهدافها وأنها ستعمل لإتمام رسالتها كما تؤمن بها، خاصة بعد أن استوعبت ضعف غرمائها السياسيين، واستشعرت عجزهم عن لملمة بقايا أنفاسهم.
إنها بداية حقبة سياسية اجتماعية جديدة تدخلها الحركة الإسلامية وهي بكامل استعدادها وعتادها وتأهبها، ولها في الستر حلفاء، بينما تقف إزاءها سائر الأحزاب والحركات السياسية وهي ضعيفة، وغير مستعدة للمواجهة، لا بأجسادها المتهالكة، ولا بإمكانياتها المتواضعة، ولا بطروحاتها المتآكله والبعيدة عن المستجدات التي طرأت على إسرائيل وعلى مواطنيها اليهود والعرب، على حد سواء.
كم كتبت عن أزمة الهوية التي تعصف بلحمة أبناء مجتمعنا، وتساءلت من يصنع في مواقعنا هويات الأجيال الشابة؟ غضب من غضب من القادة المتنفذين، وبقيت الحقيقة عارية في عظام ما قلته قبل سنوات، وأصررت على «أن ما كان مسلّمًا به قد تصدّع، فاليوم قد تراجع «الفلسطيني» عن مكانته كمركب محسوم بارز في هويتنا الباهتة، أمام الإسلامي الداهم الطاغي، وأمام الإسرائيلي الملتبس المدفوع بكل خبائثه بيننا»؛ ومن سيمعن التمحيص في واقعنا سيجد، هكذا قلت «إن أقوى عاملين يؤثران في تكوين هوية أفراد مجتمعاتنا هما: الحركات الإسلامية على تفرعاتها وتشكيلاتها المعلنة والسرية ووعاظها المتزمتين والعصريين من جهة، والمفاعيل الإسرائيلية الموجَّهة علينا ومن بيننا، المباشرة منها والمخفية، من جهة أخرى». ومرت السنين وكبرت الحقيقة حتى صارت مارداً لا يهادن ولا يساوم ولا يصالح.. ما يجري هو بمثابة الصفعة الأخيرة، أو قل نداء الليل الأخير؛ فقد كشفت هذه المواجهة مع الحركة الإسلامية، وما سبقها من تهجمات على مركبات القائمة المشتركة، بعض معالم الواقع وتفاعلاته الحقيقية؛ وكشفت أيضاً بشكل سافر ومؤلم حقيقة انحسار قوة الأحزاب والحركات السياسية التقليدية، وأكدت على عدم وجود قيادة علمانية وطنية حاسمة وقادرة على استباق ومنع حدوث الأزمات، ومواجهتها بحكمة وبصلابة، إذا وقعت؛ وعرّت أيضاً كذبة وجود مجتمع مدني أصيل تؤدي مؤسساته دورها في ساعات المحنة، وتذود عن حقوق المواطنين وتحمي، بقوة وبتفان، حيّزاتهم وحرياتهم الأساسية؛ وكشفت، مرة اخرى، عن ضعف لجنة المتابعة واللجنة القطرية للرؤساء، اللتين خسرتا كثيراً من رصيديهما ومكانتيهما الأصليتين.
سيدعي البعض أن نتنياهو نجح بتفتيت القائمة المشتركة، بعد نجاحه بتفتيت معظم معسكرات أعدائه؛ لكنه لم يكن لينجح لولا استقرائه لجميع بواطن الضعف المستشرية بيننا؛ وسيدعي آخرون أن الحركة الإسلامية هي من فكك المشتركة وضرب وحدتها؛ لكنني أجزم، وفي بعض الادعاء صحة، أنهم ما كانوا لينجحوا لو وقف أمامهم خصم يحسب له الحساب، ولو لم تكتس المنابت، خلال السنين الماضية، في الشوارع وفي الحارات، بالأخضر، بعد أن بهتت سائر ألوان قوس قزح.
كاتب فلسطيني

 

ليس بالقائمة

المشتركة وحدها يحيا الكفاح

جواد بولس

تتوقع معظم استطلاعات الرأي مؤخراً، تراجع شعبية القائمة المشتركة وخسارتها لثلث عدد مقاعدها الحالية، البالغة خمسة عشر مقعدًا. ستكون هذه النتيجة حتمية، خاصةً اذا لم يصحُ قادة القائمة، اليوم قبل غد، ويقنعوا الناس، بالأفعال وبالبراهين، على أنهم جديرون، هذه المرة أيضاً، بثقة الناخبين وبدعمهم في الصناديق. ويبقى الغد لناظره قريب.
لقد جاء تشكيل القائمة المشتركة منذ البداية كمخرج وحيد وكفرصة نادرة، أتاحتها لهم بقايا واقع سياسي هرم، كان على حافة الاندثار؛ فجاء، تشكيلها، كضربة استباقية لموجبات، أفرزتها سياسات القمع الحكومية الرسمية الجديدة، وكاستجابة لغريزة البقاء، التي يتقنها السياسيون بعفوية وبانتهازية فطريتين.
لم تخفَ عيوب المولود الجديد عن الكثيرين من المتابعين والمراقبين والناشطين السياسيين؛ وبعضهم كان يتمنى أن تتصرّف الأحزاب بنضوج وبمسؤولية لتصبح القائمة أداة سياسية عصرية، قادرة على تصميم وهندسة مفاهيم وجودية جديدة، وتتلاءم مع جميع المتغيّرات، التي طرأت على مجتمعي الدولة الأساسيين، اليهودي والعربي؛ وأن تكون معنية بالعمل، برفقة سائر المؤسسات السياسية والمدنية الناشطة بيننا، وأن تتحرك، بواسطة وقود جديد، من خلال اجتراح آليات النضال المستقبلي، وأن تتحول إلى عنوان يستنهض طاقات مجتمعاتنا ويضخّها في قوالب حديثة، ووفق أولويات وأهداف متفق عليها تحت درع هويتنا الوطنية الجامعة. لم يحصل هذا، وأعتقد أنه لن يحصل؛ فالقائمة ولدت وبقيت في غرفة الإنعاش؛ ولا يعكس تردّد أزماتها الداخلية، رغم قصر حياتها، حقيقة كونها وعاءً سياسيًا غير ملائم لواقعنا المستجد، أو وسيلة تنظيمية، غير كافية لمواجهة سياسات الدولة من جهة، وأمراضنا الاجتماعية الذاتية، من جهة أخرى، فحسب، بل هو مؤشر جديد قديم، ودليل صارخ على بؤس وعقم الحالة السياسية التي يعيشها المواطنون العرب في إسرائيل؛ وهو ناقوس يدعونا إلى ضرورة إعادة النظر في مجموعة المسلّمات والافتراضات والسياسات، التي حكمت وتحكم أداء معظم الأحزاب والحركات السياسية والدينية والمؤسسات المدنية، التي مازالت تهتدي بقوالب الأولين وتعتمر مفاهيم صارت مُنبتّة عن الواقع الجديد.

بدون مناقشة ما آلت إليه أوضاع واقعنا السياسي والاجتماعي بشفافية ومسؤولية؛ سنبقى عرضة للريح وللضياع

يعرف الكثيرون أن أزمة القائمة المشتركة هي من علامات إفلاس الحالة السياسية الحزبية وتأثيرها السلبي في قناعات ونوازع المواطنين العرب؛ وهي دليل على اختراق الأسافين لمبنى هويتهم الجامعة؛ فمن المؤسف ألا يشعر بعض قادتها بما سببته وتسببه مناكفاتهم الكيدية من نشر لأجواء العدمية، وخلقهم لمحفزات خطيرة وسامة، ساعدت على تنامي مظاهر التطاول والتحدي، التي بتنا نراها وهي تعبث بأمن مواقعنا وسلامة قلاعنا، وتفسد ما كنا نعتبره محرمًا سياسياً ومرفوضاً اجتماعيا. كثيرون يعرفون، كذلك، أن أزمة القائمة المشتركة هي أحد أعراض الأمراض الخبيثة، التي تتغلغل في جسد مجتمعاتنا، ومثلها سنجد أعراضا أخرى؛ فغياب «مؤسسة القيادة» الوازنة، الراجحة الرأي، صاحبة التجربة والأثر، المستوثقة من قبل الناس، والمتفانية في تقديم المصلحة العامة على المصالح الشخصية والفئوية، هي من أخطر ما يؤثر في حياتنا؛ وهي الحالة التي أدّت، في نهاية المطاف، إلى تقزيم مكانة «لجنة المتابعة العليا» وإلى تشويه وتحييد دور «اللجنة القطرية لرؤساء البلديات والمجالس العربية». لن يختلف اثنان على أن السياسات العنصرية الاسرائيلية حاربت منذ البدايات جميع محاولات إنشاء المؤسسات القيادية العربية الوطنية؛ وسعى أصحاب تلك السياسات بالتالي، إلى إفشال تلك المؤسسات، أو لنزع الشرعية عنها، أو لخلخلتها من الداخل؛ ورغم ما استثمروه عبر التاريخ من مجهود ومغريات، فقد فشلوا؛ ونجح القادة الآباء، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، في إنشاء «لجنة المتابعة العليا» و»اللجنة القطرية لرؤساء البلديات والمجالس العربية» اللتين تحوّلتا، إلى جانب الاحزاب والحركات الوطنية الأخرى، إلى بوصلات هادية وسقوف يحتكم الجميع تحت راياتها، ويلتزمون بحدودها. لقد خلقت تلك القيادات فضاءات وطنية صحية ومطعّمة بمضادات قوية، كانت تصدّ كل جسم غريب وتوقفه عند حده. واليوم، كما نرى، فقد خسرنا هذه الفضاءات وأضعنا اليواطر، حتى أمست لجنة المتابعة العليا مجرد جسم يحاول أن يقاتل بآخر أنفاسه، ويقف، وهو شبه مشلول، عاجزًا في هذه الغابة الهائجة. لقد حصل ذلك نتيجة لعبث بعض الجهات التي تستغل وجودها في اللجنة، وتستظل تحت شرعيتها لتنفيذ مآرب فئوية تخص الأطر التي انتدبتها هناك، ولا تخص المصالح العامة، ولا القضايا التي لا خلاف عليها بين المواطنين؛ فنجد، مثلًا، من يسحج، غير آبه بموقعه في اللجنة، للسلطان أردوغان، ويصفق منتشيًا عندما يلاقي تسعون جنديا روسيا حتفهم في حادثة طائرة مؤسف، ولا ينام قبل أن يذكرنا بفظائع الطاغية بشار؛ بينما يجلس إلى جانبه من يُقسم بطلّة البطل بوتين وبسلاح جنوده الذين يذودون عن سوريا بشار، صانع المعجزات. ويبقى هذا بالطبع عيّنة صغيرة لما يجري تحت ذلك السقف الضعيف.
قد يكون من الجدير تخصيص مقال أو أكثر لرصد كمية الصراعات الداخلية التي تجند لها أطراف لجنة المتابعة، كل في موقعه ومن خندقه؛ ومن المفيد أن تُرصد المواضيع التي اختلفوا حولها وعليها، واستنزفت من دهشة الناس ساعات؛ لكننا، قبل ذلك ومن دونه، رأينا نتائج تلك المعارك؛ فعندما أتت ساعات الامتحان والمواجهات الحقيقية مع أعداء أهلنا، الخارجيين والمحليين، كانت الساحات خالية إلّا ممن يجيدون إطلاق الرصاص، أو من حماتهم، وكان أكثرية الناس يفتشون عن خيمة وقبيلة وعصا ليحتموا، أو عن قوقعة يأكلون في بطنها ويصلون.
لقد بدأت أوائل الانهيارت الكبرى في ساحات المعارك على رئاسة ومجالس السلطات البلدية والمحلية؛ فحينها حذرنا من نشوء ظاهرة أذناب الأحزاب «الكبرى» وراء المنافسين المحليين، من دون الاكتراث لما يمثله بعض هؤلاء من قيم اجتماعية ساقطة، أو من ولاءات سياسية مهزوزة، في مشهد قلب جميع المسلَّمات التي عرفناها، منذ أن أطاحت جبهة الناصرة الديمقراطية بعصر كامل، هيمنت فيه الحمائل، وتسيّدت فيه بعض عكاكيز الحكومات الإسرائيلية، فتصدّرت الجاهات والواجهات. كانت الأحزاب أضعف من أن تقف في وجه هذه الظاهره الخطيرة وتمنعها، بل رأينا كيف أرغمها عجزها على التعايش مع ذلك الواقع المستفز، وتجنيده، بانتهازية مقيتة وبديماغوجية خبيثة «لصالحها» حين اضطرت مؤسساتها القطرية والمحلية، إلى دعم بعض هؤلاء المرشحين بهدف احتسابهم، إذا نجحوا، قيادات في صفوف أحزابهم، أو من أجل إسقاط المرشح الآخر الذي يدعمه الحزب الغريم.
لن نسترسل في تاريخ هذه الفاجعة، فقد وصلنا اليوم إلى وضع حصلت فيه اللجنة القطرية للرؤساء على «استقلالها» الإسرائيلي، وتحررت من تبعيتها للسقف الذي أعلاه، فوق الجميع، نضالُ الكادحين في ساحات أيار وكفاح الثائرين في يوم الأرض وغيره، فنحن نرى اليوم كيف صار كل رئيس سيّد بيدره ومفتيًا بما يفيد بلده، ويخدم مصلحتهم.. والآتيات أفظع. وعلى ضفة أخرى، بدأنا نسمع عن ترشح عدة رؤساء مجالس وبلديات سابقين في قوائم لأحزاب صهيونية جديدة أو قديمة، على الرغم من كونهم أعضاء في أحزاب عربية وطنية، أو كانوا مرشحين من قبل تلك الأحزاب في حينه، وأعضاء في مؤسساتها القيادية. هؤلاء لا يعنونا اليوم إذا ما اختاروا مواقعهم الجديدة؛ لكنني أتساءل، ونحن نقف على قارعة التيه السياسي، هل سنسمع يومًا موقف الأحزاب إزاء تلك الظاهرة التي كانوا جزءاً منها؟ وهل سيعترفون بالخطأ وبأضراره، إذا فعلًا يعتبرون اليوم ما اقترفت أيمانهم خطأً؟ بعيدا عما ستفضي إليه المحاولات لإعادة القائمة المشتركة، ومن أجل مستقبل آمن وواضح، علينا مناقشة هذه المسائل بشفافية وبمسؤولية، ونناقش أيضًا دور الجمعيات الأهلية، وما يسمّى بمؤسسات المجتمع المدني في ما آلت إليه أوضاع واقعنا السياسي والاجتماعي؛ فبدون ذلك النقاش سنبقى عرضة للريح وللضياع.
كاتب فلسطيني

 

 

لنصنع ربيعنا في آذار المقبل

جواد بولس

 

لا يستطيع أحد أن يتكهّن كيف ستكون خريطة الأحزاب العربية، التي ستطلب دعم المواطنين العرب في الجولة المقبلة لانتخابات الكنيست، خاصة أننا لا نعرف كيف سيكون مصير القائمة المشتركة؛ فاحتمالات نجاح مركباتها الأربعة بإعادة بناء جسور الثقة بينها تساوي عمليًا، في هذه الايام، احتمالات فراقها وإعادة تشكيل جسمين رئيسيين منفصلين ومتنافسين على الأصوات العربية في الدولة.
لست بصدد العودة إلى بدايات تشكيل هذه القائمة، ولا ما شاب عملها من إخفاقات كنت قد أشرت إليها مرارًا في السنوات الماضية، ومثلي فعل الكثيرون؛ ولولا تسارع الأحداث السياسية والضرورة لمواجهة معركة انتخابية رابعة حاسمة ومفصلية، لكان من الواجب إجراء جردة حساب شاملة، عساها تفضي إلى خلاصات تفيد، برأيي، عملنا السياسي في المستقبل؛ سيان كان ذلك على مستوى المضامين السياسية الناظمة لتحركاتنا كمجتمع أقلية في دولة ابرتهايد ونظامها الفائق العنصرية، أو في ما يتعلق بآليات العمل، وأشكال الأطر والتحالفات التي يتوجب علينا إقامتها على مختلف الجبهات.
لقد حاولت متابعة معظم ما كتب في هذه المسألة خلال العامين المنصرمين، وقد شدّت انتباهي بعض المحاولات الأكاديمية اللافتة، التي رصد فيها أصحابها بعض التغيّرات الاقتصادية، التي طرأت على مجتمعاتنا العربية، وأدّت إلى نشوء طبقات اجتماعية جديدة بدأ افرادها بالانخراط في مفاصل الدولة والتفاعل داخل ومع مؤسساتها، بمناهج ودوافع مستحدثة لم نشهدها ولم نشعر بزخمها من قبل، ولا بتأثيرها في هويتنا الجمعية وبنى مجتمعاتنا التقليدية، كما يحصل لنا في هذه الايام.

وجود النواب العرب في الكنيست، ضرورة بديهية تمارسها ومارستها معظم الأقليات التي تناضل من أجل بقائها في وطنها، وحصولها على حقوقها المدنية

إلى جانب تلك الآراء، لاحظنا تأكيد أصحاب الخطابين التقليديين على موقفيهما المعهودين؛ فمن يتمسّك بخطاب «المواطنين الأصلانيين» عاد ليستظل بما يستوجبه هذا من مواقف سياسية، ومن أشكال العلاقة مع الدولة ومؤسساتها، بما فيها مسألة المشاركة في الانتخابات وشروطها؛ بينما بقي أتباع الحركة الإسلامية على مواقفهم المعلنة، بما فيها دعوتهم إلى مقاطعة الانتخابات. هنالك حاجة للتعمّق في ظاهرة نشوء شرائح وطبقات جديدة بين المواطنين العرب، وعدم التوقف عند عتبات التشخيص وحسب؛ فالبحث عن كيفية احتواء هذه المتغيّرات، وتجييرها لصالح المجتمع وهويته الجامعة، سيبقى هو المهمة الأولى التي على النخب والقيادات المسؤولة والواعية تولّيها بعد انتهاء المعركة الانتخابية المقبلة.
لقد ناديت في الماضي بشكل واضح وصريح إلى ضرورة المشاركة والتصويت في الانتخابات؛ وأعود اليوم وأكرر مبكّرا موقفي الآنف، فأدعو الجميع إلى المشاركة في التصويت في المعركة المقبلة؛ رغم شعوري، مثل الكثيرين ممن صوتوا للقائمة المشتركة، بالخذلان، ورغم عدم الرضا من بعض تصرفاتهم، أو مواقفهم في محطات عديدة؛ لاسيما بعد انتشار مشاهد المناكفات الأخيرة، التي انعكست تحديدًا في الخلافات حول مواقف وتصريحات الدكتور منصور عباس وحركته الإسلامية.
سأعود بطبيعة الحال إلى هذه المسألة وسأحاول تفكيكها بناء على تجارب الماضي، فالاكتفاء بإطلاق هذا النداء لا يكفي بطبيعة الحال، لكنه ضروري في هذه المرحلة، خاصة ونحن نشهد تنامي الأصوات الداعية إلى مقاطعة الانتخابات، وإلى جانبها محاولات عدة مجموعات للنيل من القائمة، والتهجّم على مركباتها بانتهازية خطيرة، بخلاف انتقادها بشكل بناء؛ علمًا أن بعضهم يستغلّ وضعها لتبرير قفزته إلى حضن الأحزاب الصهيونية اليمينية، أو دعوتهم إلى تأسيس أحزاب عربية على طريقة «الانستانت» السريعة الذوبان.
فتحت المنصات الإعلامية العبرية والعربية، على حد سواء، أثيرها للعديدين من المعقّبين العرب، أو أولئك الذين وصفوا بالخبراء أو المستشارين أو المثقفين أو مجرد «مواطنين بسطاء» فطفق معظمهم ينظّرون لفشل القائمة المشتركة وسلاحهم الأمضى كان سؤالهم: ماذا فعل لنا أعضاء الكنيست العرب؟ وبعضهم كان يسترسل بعدّ ما نواجهه، كمواطنين عرب، من آفات ومظالم، بدءًا من تنامي مظاهر العنف وحالات القتل المستشرية بيننا، ومرورا بضيق الأحوال الاقتصادية، ورداءة البنى التحتية في قرانا ومدننا، وما إلى ذلك من شواهد ومآسي، أعفوا من مسؤوليتها الدولة ووزارتها وعلقوها نواقيس خيبة في رقبة القائمة المشتركة.
عن هذه الظاهرة المستفزّة سأحصر كتابتي اليوم، وسأكرّر روح ما قلته في الماضي؛ فلن يختلف اثنان حول دوافع معظم هؤلاء؛ ولكننا في الوقت نفسه سنجد من ينادي إلى مقاطعة الانتخابات، لإيمانهم غير المبدئي وغير الواعي، بعدم أهمية التمثيل النيابي العربي في الكنيست، فيتخذون في ظل هذه المغالطة، موقفًا عدميًا يبقيهم يوم الانتخابات في البيوت أو يخرجهم للاستجمام في أحد الشطآن، أو في رحلة شواء، مستغلين يوم العطلة، بصحبة اليأس والنرجيلة، أو التصويت لصالح الأحزاب الصهيونية اليمينية. لن أعدّد كل الأسباب التي ساعدت على انتشار هذه المقولة، وتحوّلها إلى أحد أهم العوامل في تبني قطاعات متعددة من المواطنين العرب لموقف مقاطعة الانتخابات بعد أن مارسوها لدورات عديدة. فقد عملت أجهزة الدولة الموكلة على نشر هذه الفرية بذكاء، ونجحت بترسيخها في جيوب سكانية عديدة فتبنتها قطاعات واسعة، ليس عن عقيدة أو مبدأ، حتى ضاعت «طاسة» الحقيقة بين داع للمقاطعة لمصلحة شخصية وإغراض، ومضلَّل أو مؤمن بها عن جهالة، أو عن يأس أو عن «مجاكرة» أو عن احتجاج ساذج؛ وعلى جميع الأحوال فقد ربحت ماكنة الدعاية الصهيونية، من جراء ذلك، معركة مهمة؛ وسجّلنا، نحن المواطنين العرب، بالمقابل، هزيمة جديدة في سجل هزائمنا الطويل.
لقد ساهمَت قيادات الأحزاب والحركات السياسية والدينية، بصورة غير مباشرة وغير مقصودة، في رواج ذلك الشعار بين تلك الاوساط؛ ففي حين كانت ماكنات الإعلام الحكومية الاسرائيلية وأبواقها المحلية، تراكم تأثيرها شعبيًا، كانت القيادات العربية غارقة في صراعاتها الداخلية، أو تلهث، مستنزَفة، في سباقاتها على مسارات الولاءات الملتبسة، في مشهد ساعد على إبعاد الناس عن تلك الحلبات المزعجة.
لن أكتب، ونحن نقف مرة اخرى أمام فوهة البركان، عن أسباب ذلك الترهل والضعف، لأن مقصدي، ونحن أمام مرحلة مفصلية، هو إقناع هذا الفريق من المقاطعين بضرورة مشاركتهم في التصويت المقبل، ولأنني أرى بوجود النواب العرب في الكنيست، رغم عرجهم أحيانًا أو زلاتهم أحياناً أخرى، ومعهم من يدعم قضايانا الأساسية وحقوق الشعب الفلسطيني، ضرورة بديهية تمارسها ومارستها معظم الأقليات التي تناضل من أجل بقائها في وطنها، وحصولها على حقوقها المدنية؛ ويكفينا أن نرى، كبرهان على صحة ما قلت، كيف تسعى أحزاب اليمين بكل طاقاتها وخدعها، وتحاول إقصاء الأحزاب والحركات السياسية العربية عن الكنيست، وكذلك تحاول تخفيض نسبة المصوتين العرب، أو سرقة ضعاف النفوس والمنتفعين لصالحها. وحتى نتنياهو اشتمّ «رائحة الزفر» وشمّر عن ساعديه محاولًا اصطياد فرائسه بطعوم معسولة، هذه المرة، وبشباك من صناعات محلية.
لقد فشلت الأحزاب العربية في السنوات السابقة، بصدّ تلك الدعاية الخبيثة وبصدّ غيرها من الدعايات التي أثّرت سلبا في روح الجماهير، وأدّت إلى عزوفها والى تنامي نداءات المقاطعة بشكل طردي ومقلق؛ أما اليوم فيجب، في ما تبقى من وقت، العمل المبرمج والصارم على محاورة أوسع القطاعات المتكاسلة، وإقناعها بأن اهمية مشاركتها لا تتوقف فقط على أهمية وجود أكبر عدد من النواب العرب وحلفائهم الحقيقيين، بل لأنها أيضًا تعدّ فعلًا ضروريًا من واجب الإنسان الحرّ والواعي ممارسته؛ وهي كذلك تعتبر استجابة لحاجة وجودية يمليها العقل، من أجل تحقيق ذات كل فرد فاعل في تحديد صورة وشكل المجتمع الذي سيعيش فيه.
كاتب فلسطيني

 

 

عندما سألني مرسيل:

كيف استقبلت فلسطين عامها الجديد؟

جواد بولس

 

 كان كالغريب يصحو من ليل جزيرة بعيدة يستقبل عامًا جديدًا بفرح فجر أنيق يذكره بوطن ظل لديه، كما كان، شهوة وحشية وعبيرا منثورا في جنون النايات وفي خضرة الأناشيد؛ بادرني، بلكنته العمشيتية، وسأل، وهو ما زال في فراشه، وشعره المتمرد يشي بتباريح قلقه المزمن: «كيف استقبلت فلسطين عامها الجديد.. وكيف كانت ليلتكم؟».
فاجأني صوت مرسيل خليفة وصعقني بسؤاله؛ فسكتُّ، عساني ألملم أصداء العتمة عن أهدابها، وأعيدها شموسًا لمن «غنى فقرة حب لعينيها.. وأحبها حب القوافل، واحة عشب وماء». حاولت أن أجد وردته في بطن السراب، لكن السماء فوقنا كانت رصاصية، وروائح التيه والغبار تملأ الفضاء وتسد رئتينا. ظلّ هادئا وبسمة مطمئنة نبتت على حافة شفتيه؛ فالموسيقيون الكبار، كالشعراء الكبار، حاذقون بإخفاء مشاعرهم الخاصة عن الناس، وببذرها أشعارا وألحانا على وجه الأرض، التي لولاها، لولا هسيس الحرف وغنج الكمنجات، لبقيت الأرض مجرد تراب وطين، ولما أصبحت عروسًا يحنّ جميع الناس إلى دفء حضنها.
لم ينتظر إجابتي، فهو يعرف كيف يستفز صداقتنا، وكيف لا يحرجها حتى التعب. بدأ يصف كيف قضى ليلة رأس السنة في مدينة «سيدني» الاسترالية، فقال: «أضأنا الشموع، وملأنا البيت بأصص أزهار بديعة. كانت الأبواب مشرّعة على الريح وكانت ليلة حميمة بكل الأصوات والشموع والأزهار الباهرة، وكأننا جئنا من كوكب آخر بالأسود والأبيض، مع نظرات طفولية مشرقة وملونة توزع إشعاعها علينا». حاول أن يكون معي واقعيًا؛ فالخيال ضروري في الفن، لكنه يفسد دور الأمل في الحياة، خاصة إذا تمادى فإنه قد يوصل حامله إلى الجنون. أصغيت إلى حنايا صدره وسمعت في صوته تمرد الحنين، والتوق إلى الخلاص من الحياة على ظهر عود يحمل صاحبه من رصيف ميناء قديم إلى شتاء منفى لا ينتهي.

العتمة بدأت تلفنا، فنحن، وبعد أن نجونا من لعنة تهجير قسري، نعيش واقعًا هو المنفى بعينه

نحن في فلسطين لم نجد عيدنا بعد، ولا حتى صورته في المنافي؛ فالبهجة تصير وفق قوانين الهزيمة ترفًا؛ والغدر، إذا هام القطيع في زمن القهر، صار علامة من علامات «الرجال»؛ والوفاء، في زمن التذلل والرياء، صار نثارًا يفرَّق في أسواق النخاسة والخيانة. كيف تسألني، يا رفيقي، عن عام فلسطين الجديد، وأنت ابن حلمها الزائغ، وذاك الغجري الذي لم ييأس، فحمل فلسطينه فراشة ملونة، وصوته محراثًا من ماس، وأمسك بأثداء الدنيا ولم يبكِ إلا عندما غرقت نجمته وسقط من فوقه القمر.
هل تتذكر، ونحن على مشارف مقام جبران، صاحب النبي، في ضيعة بشرّي، ما قلته لك عن فلسطين، التي أضعناها على قرني مذبح، وخذلناها عندما تنازلت فصائلنا عن «بيض صنائعنا» وتمترسوا، كلا وراء بندقية وخندق؟ وهل تتذكر كيف قلت لك إننا صرنا مثلكم في لبنان، قبائل ونحلاً وأقوامًا تطفئ أحلام أقوام وينهشون أجسادهم؛ فلا بطل يوحّد شعبنا كله، ولا أناشيد تجمعنا، ولا لغة تلمنا، و»شاعرنا» وإن عُدّ علمًا في سماء الكون كله، ترفضه بعض القبائل وتحاربه بالدعاء وبالسيوف؛ والفنون جميعها، وإن لا يهزمها الموت، هي في عرف البعض بضاعة غربية نجسة لا يمارسها سوى الفسَقة والموتورين. لا أريد أن أكون قاسيًا على حلمك، لكنك تعرف كيف إذا صار الوطن مصيدة، والبشر أفاعي، والاصدقاء خناجر تُدق في الظهور، وكيف إذا تحوّلت حواكير طفولتك إلى ميادين لحروب العصابات الخسيسة، وكيف إذا صارت «هياكلك» مراتع للسماسرة ولبائعي الحمام. أعرف كم تحبوننا، نحن الفلسطينيين، بشكل عام، وعرب الجليل والمثلث والنقب على الخصوص، وتُكبرون مسيرة بقائنا في الوطن، رغم أنه بدا مستحيلًا بعد حلول النكبة؛ وأعرف أننا اكتشفنا بعضنا عندما التقينا مرارًا على أرصفة الصداقة الخالصة في بلاد الله الواسعة، واجتمعنا حول قنديل درويش أعطاك روحًا فطيّرتَها موسيقى ونشوة على أجنحة الملائكة؛ ومرّة أخرى حين زرنا لبنانكم قبل بضعة أعوام، فتأكدنا أنكم الأقرب إلى جليلنا، ظهرِ جنوبكم الأصفر؛ وعندما وقفنا في بعلبك على مسرح «باخوس» عرفنا متى وكيف زرع الحب في صدوركم ونبتت البهجة في عروقكم يا أهل لبنان، وعندما زرنا غابة «أرز الرب» فهمنا ما قصده الشاعر يونس الابن حين قال: «مين بيقول السما بعيدة؟ بمدّ إيدي بطالها بإيدي».
ما زلت أذكر حين حضرت في ذلك الصباح باكرًا واصطحبتني لنمضي معًا يومًا كله مرسيل والحنين. بدأنا في زيارة لميناء جبيل ولسوقها، وأخبرتك، ونحن نشرب القهوة مع صديقك الأب جان جبور، عازف العود البارع بشهادتك، أنها تشبه «عكانا» تمامًا؛ فضحكت، وكأنك لا تصدقني، لأنه، كما أفهمتني، لجبيل لا يوجد مثيل! ثم وصلنا إلى عمشيت فأدخلتني إلى حاراتها وشوارعها، وحدثتني عن بداياتك وعن أول الحب وأول الأسئلة الكبيرة، وأول الغصات، وآخر الفرح؛ ثم توجهنا إلى بيتك، وهو بيت العائلة القديم، فرويت لي كيف رحل والدك وأنت منفيّ، فحُرمت من وداعه ومن حضور جنازته. كنا نقف على شرفة البيت التي تطل على التاريخ وعلى حديقتكم الخضراء الجميلة، ووراءها في الأفق البعيد شاطئ عمشيت الأزرق الصافي، وفجأة توقفتَ عن الكلام وبقيتْ الأغصان وحدها تهمس، فنظرتُ إلى وجهك، فلم أجد أي تعبير عليه، إلا بقايا ألم عتيق وعميق وشوق إلى تناهيد الجرود العاشقة. سمعتك تقول بصوت خفيت لطالما عبّرت فيه عن وجعك: «يا خيي لقد قتلوا فينا القدرة على الفرح.. لقد شوّهوا فينا سر الطفولة وأطفأوا بهاء العمر».
اليوم وأنت تسألني عن عام فلسطين الجديد، وعن ليلتنا في رأس السنة، تذكرتك واستحضرت نتفًا من حديثنا عن كيف سرقوا منا ايضًا في فلسطين تلألؤ البهجة وفيض النور، وعندما قرأت ما كتبتَ على صفحتك في نهاية العام المنصرم، أحسستُ بأنني مثلك مسافر في غربة دائمة، وبأنني أشعر مثلك أيضًا بالعطش، فتمنيت لو استطيع أن اخترع لنفسي «لقاء ما في قلب الذاكرة القريبة» ولكن..
الزيت في قناديلنا ينفد، والعتمة بدأت تلفنا، فنحن، وبعد أن نجونا من لعنة تهجير قسري، نعيش واقعًا هو المنفى بعينه، ونحاول مثلك أن نخترع الذكرى كيلا نقف على عتبات اليأس والمستحيل. أعرف كم هو صعب هذا الكلام عليك، هناك في تلك الجزيرة النائية، وأنت تحاول بناء عرائش الأمل من خيوط حرير فجر ناعس، وسلالم موسيقاك، وتقيم للنور مقامات من الحب والجلنار؛ ولكنك، وأنت صاحب الغيم، تعرف أيضا أن «الحياة هي الأشهى لولا طنين النهاية» وأن «الفرح ومضة تبدّد دامسًا غميسًا وتمضي» كما كتبت بحدسك موخرًا رغم إغواءات رمل تلك الجزيرة، وهو ينفذ هناك على الضفاف البعيدة، من أصابع الزمن. صدقني أن الناس في بداية هذا العام في فلسطين فعلوا ما يفعله العرب، اجترّوا حشائش مرابعهم القديمة، وجلسوا يربتون على أكتاف تمائمهم وينتظرون من سينشلهم من بئرهم السحيقة. أما نحن، عرب الداخل، كما تحبون أن تُسمّونا، لم نتمرّد إلا قليلًا، فهنالك بيننا من يريدنا أن نصير مثل كلّ العرب تمامًا، حداة وراء القوافل وأذنابًا على القوافي.. فاهدأ حيث أنت وأهنأ وبجانبك براعم الوعد ونواره، واشعل معهم ليلك حتى تمتلئ صحراؤك نجومًا وواحات من نخيل وعسل؛ وانتظر فلسطينك، مثلنا، بصبر السنابل؛ وشق وحشتك واطلع منها «كما ينبت العشب بين مفاصل صخرة»؛ فأنت عاشق الحرية، وأنت الغجري الذي من سلالات «باخوس» وسيد النشوة، وأنت أجمل الذكرى وقاهر الندم.
كاتب فلسطيني

 

 

عن زمن اليأس

والعدل بطعم الخل

جواد بولس

كي تكتب ما لا تعيشه يجب أن تكون شاعرًا، أو بائع أساطير في زمن صارت فيه الرصاصة ابنة الواقع الكبرى، واخت المجازات البعيدة. أعتذر من القراء لأنني سأكتب من وحي اليأس، كما تجلّى في ثنايا عام ولّى، وكما أحسه عائدًا في نبض عام يهلّ؛ وللحالمين أترك ما سيقوله قوس قزح لأسوار عكا، وما سيرويه النبيذ للعاصفة.
من قال إننا في غاب، ونحن لا نعيش وفق قوانين الغاب المعروفة، وبدون حكمة الدم في صراعات بقاء نزلائه الضرورية لاستمرار حياتهم، وللمحافظة على توازناتها التراتبية في ذلك العالم اللافوضوي؟ ومن بشّرنا بالفرج القريب، وكل مساء ننام على نوح الحمام في صدورنا ونصحو على زغاريد الخناجر في ساحاتنا وعلى تعب الرايات البيض، وهي تلتف على رقاب عصيّ مرفوعة نحو العبث، ولا تفقه تراتيل المغفرة. عام من عمر الرصاص مضى وأمانينا ما زالت تذبح كل يوم وتكدّس كوابيس في خوابي اليأس والعتمة.
لقد أدمنّا الخوف وألفنا برودة الوحدة والراحة في حضن العجز، فحوّلنا بيوتنا إلى قلاع عافها الدوري الجميل، ورحل عن أبراجها ليفتش عن وطن يحرس زغب صغاره ولا يحترف أهله بقر خواصر الورد، ومطاردة الفرح إذا جنّ على عتبات التاريخ المقدسة.
عام من الخيبات طوي ولا أحد يتذكر وعود سواقيه المنهكة، ولا مَن حاد عن دربه وباع مجنّه من أجل عيون «قبّرة». رحل الشعراء والراقصات بكين، وبقي كل ناج من «قوس آخيله» بطلًا صغيرًا في ملحمة تتداعى فصولها على أنغام رعودنا حين «تفقس» راجفة بعد ومضة برق ساهرة، ثم تخبو في حضن دعاء ومسبحة. عام مضى وما زالت نصاله تتكسر في أجسادنا على النصال؛ ونحن، العرب، لا نجيد إلا السير على دروب الملح والعطش، ونشتري، بعد كل كبوة وفاجعة، تمائم الصمود من «كهاننا وشيوخنا»، ونردّد، بعد كل مذبحة، أحاديثهم عن عزة ضائعة وعن فريضة القتال ذودًا عن شرف القبيلة وعن المقبرة. عام مضى كالسيف وآمالنا كانت للهفة شفارته غمدًا ووسائدنا شظايا من وجع ونثار أحلام بائدة. عام مضى وكأنه راجع إلينا، ونحن لا نسير في النفق ولا نفتش عن نور في نهايته، لأننا نعيش نحن، المواطنين العرب في إسرائيل، في تيه وكأننا على أطراف صحراء رهيبة، يفرقنا سرابها وتعمينا صفرتها الذابلة.
نسير على منحدر خطير، وأنا لا أعرف كيف سننجو من السقوط الكبير في بطن الهاوية؛ لكنني أراهن على أن تكرار التجارب والعودة على ما فعلناه في السنوات الأخيرة، لن يقدّمنا ولا حتى خطوة واحدة صوب واحات الأمان، أو نحو الصارية.
لقد نجح العديد من المتابعين والمعنيين الغيورين بتشخيص معالم أزماتنا العاثرة واقترحوا سبلًا لمواجهتها، حيث أكد بعضهم، وأنا منهم، على ضرورة اجتراح وسائل عمل جديدة وأفكار ثورية تتلاءم وواقعنا المتغيّر، شريطة أن يوازيها، في الوقت نفسه، بناء مؤسسات وأطر تنظيمية حديثة، يجب ان تختلف جوهريًا عن جميع القوالب الحزبية والحركية القديمة المهترئة، أو أن يتم نسف مباني تلك الأطر وتحديثها بشكل جذري وخلاق. مضى العام وبقي كل القديم على رثه فتفاقمت أحوالنا وزادت خسائر مجتمعاتنا، الفردية والجمعيّة، وقد تبيّن اليوم أن كل من تعهدوا أمام الناس على مواجهة المخاطر بأساليب وبأفكار جديدة، لم يبعهم هؤلاء إلا أوهامًا كانوا قد زرعوها ليبنوا عليها جسورًا كي توصلهم إلى مراكزهم ومواقعهم «القيادية» الحالية. سنواجه العام المقبل ونحن نعاني من حالة اللهاث المزمن نفسها، وسنستنزف طاقاتنا بمحاولاتنا إطفاء الحرائق بقليل مما نملك من تراتيل ومن مياه آسنة؛ بينما سيستمر العابثون بأمن حاراتنا وبيوتنا وبسلامة أولادنا في إذكاء أعمال العنف والقتل والعبث، بكل ما بناه أباؤنا وبإحكام أنشوطات المشانق على رقبات هويتنا ووحدتنا ومستقبلنا. وبكلام بسيط آخر، سنستقبل عامًا جديدًا لا يختلف عن الذي ولّى، وسيكون هو أيضًا من نار وخوف وهزائم، وسيستمر فيه قادة مجتمعنا ومؤسساته السياسية والمدنية باجترار قرارتهم التي لن تتعدى كونها ردود أفعال باهتة لا ترقى إلى جسامة المخاطر، ولن تخرج عن المألوف الذي بسببه، هكذا يعتقد هؤلاء، تضمن سلامة مواقعهم وبقاء مؤسساتهم.

خاض المواطنون العرب معاركهم ضد سياسات حكومات إسرائيل المتعاقبة بثبات، وهم مصرون على البقاء في وطنهم

لم ننجح بإيجاد خيارات مواجهة جديدة، فمضينا على الطرقات نفسها، نفتش عن إنصافنا في دولة ما زال أبناؤها، ورثة هارون، ينبشون عظام الحقيقة ويتقاتلون على إرث قايين، ورأس الحكمة المزروعة على أنف خنجره؛ ونسعى وراء عدالة وكأننا أضعناها في حواكيرنا. لم نقتنع، رغم سجل الخسائر الطويل، بأننا نقيم في أرض لم يعرف ترابها معنى واحدًا لعدالة واحدة؛ فمنذ أورثت السماء هذه الأرض للبشر سادت فيها قوانين العدم، وصار القوي هو صاحب الهياكل ومذابحها وصانع العدل في قصورها.
لقد خاض المواطنون العرب معاركهم ضد سياسات حكومات إسرائيل المتعاقبة بثبات، وهم مصرون على البقاء في وطنهم؛ وقاوموا «محفزات» تهجيرهم أو تدجينهم بنجاح لافِت، لامَس، في بعض محطاته، تحقيق المعجزة. لم تستسلم إسرائيل بعد هذه السنوات من المواجهات المتتالية؛ فكانت كل مرة تجرب أساليب قمع جديدة وتستهدف، من ورائها، محو إنجازاتنا وتشويه معالم هويتنا، وتفتيت أواصر وحدتنا وضرب إجماعنا على تعريف ماهية مصلحتنا الفوقية الجامعة؛ ويبدو أنها استهدت مؤخرًا إلى نجاعة وسيلتين جديدتين فتبنتهما وبدأت بتوظيفهما بشراسة غير معهودة من قبل. لم تختلق إسرائيل مصادر توليد العنف داخل مجتمعاتنا؛ لكنها استوعبت أهمية الاستفادة من نشوء بؤر الصراعات الداخلية، وتوالد «الكتائب الضاربة»، على جميع صنوفها ودوافعها، داخل قلاعنا، وفهمت أن استغلال هذا المستجد وتشجيع سطوة عناصره هي أفضل الأسلحة لضرب المجتمع الفلسطيني في إسرائيل ولضعضعته، من خلال افتعال احترابات أهلية نراها في معظم بلداتنا. ومع جنوح مجتمع الأكثرية اليهودية نحو حكم فاشي، بدأت رموز هذا النظام بعملية مسح شامل لمخلّفات النظام السابق، حيث توّجت عملية المسح هذه بإصدار «قانون أساس: إسرائيل الدولة القومية  للشعب اليهودي»، أو ما يسمى على الشيوع «قانون القومية»، ليشكل هذا القانون في المستقبل حاضنة حصينة وشرعية، في عرف مشرّعيه ومنتخبيهم، لسياسات القمع والتفرقة العنصرية، ووسيلة «قانونية» لضمان أفضلية اليهود على باقي المواطنين العرب، وحرمانهم من المطالبة بالمساواة في حقوقهم الجمعية والفردية، والاكتفاء بالفتات الذي سيحصل عليه كل مواطن عربي «بذكائه» وبقدرته على الانصهار أو التدجّن في هذا الجحيم المستعر. لقد انتهى العام المنصرم بمشاهدتنا لأحداث مسرحية محزنة جرت داخل ما يسمى «قصر العدل»، هي المحكمة العليا الاسرائيلية، فشاهدنا كيف أصغى وناقش أحد عشر قاضيًا، عددًا من الالتماسات التي قدّمتها جهات مختلفة ضد «قانون القومية»، كان من أبرزها، بالنسبة لنا، الالتماس الذي قدمته جمعية «عدالة» باسم المؤسسات القيادية للجماهير العربية.
أتطرق إلى هذه المسألة لأنني على قناعة بأن الناس ستنسى تفاصيلها مع قدوم العام الجديد، وما سيحمله لنا من مآس ودموع؛ وقد نعود إليها فقط عندما سيصدر قرار القضاة الذي لن يختلف، برأيي، عن قرارتهم المجحفة التي صدرت منذ عقود وكانت في مجملها ضد مصالح وحقوق المواطنين العرب.
لقد بدأت مقالتي وكتبت من وحي اليأس وسأنهيها على عتبات «هيكل» ديست في دهاليزه أضلاع العدالة، التي فتش عنها المواطنون العرب، حين كان يحكم الدولة نظام عنصري، ولم يجدوها ؛ فهل سيخرج اليوم من أنيابها العسل، ونحن أمام تشكل نظام مختلف بجوهره عن سابقيه؟ وهل كان قرار القيادات بالتوجه إلى محكمة العدل العليا الاسرائيلية في هذه الظروف صائبًا؟ أم أنه، مثل باقي القرارات، كان مجرد خربشة أخرى على صفحتي اليأس والتيه في صحراء قاحلة نعيش في سرابها؟ وهل سيبقى قرارهم، مثل ما سبقه، «إنجازًا « محفوظًا في سجلات من كانوا صانعيه؟
كاتب فلسطيني

 

 

كان اسمه عيد الميلاد

فلماذا صار اسمه الكريسماس؟

جواد بولس

 

 

من الصعب أن تكتب في أي مسألة عامة، مهما كانت ملحّة ومهمة، وأنت تعيش تباريح ذلك الفرح المبهم، وتداهمك ذكريات صارت في خيالك بلون الغبار. فإن قلت: اليوم عيد ميلاد المسيح، قلت ناصرة الجليل ومهد بيت لحم والقدس، موئل الرجاء والبركة؛ وتخيلت، بشكل تلقائي، كيف يجتمع الناس في ملايين بيوت المعمورة حول مغارة فلسطينية، وفوقهم تتلألأ نجمتها وتغمرهم بالفرح وبالأمل والمحبة.
لم أعِ، قبل ستين شتاءً، معنى أوجاع الانتماء لهوية مركبة من طين ومن ماء ومن نار؛ وقد ولدت في عائلة عشق كبارها تناهيد البنفسج وبحة النايات وتقليب الكستناء في خواصر جمر لا ينام. أذكر زيارتي الأولى للناصرة عندما صحوت في فجر نديّ على أصداء الدهشة، وهي تفرّ من دموع عذراء. لم أفهم وقتها لماذا يولد ثائر كي يثقب سقف السماء ويزرع في صدور الناس معنى جديد للخلاص. بدأت الأسئلة تكبر وأنا كطفل شقي ألعب داخل كهف كان فيه مذود وضيع وأحلام من نور وقش. ثم ضعت، وأنا يافع، على كتف صخرة منحوتة من أرض الخيال، صارت دليل المؤمنين الأصم، على قيامة يعيشون من أجلها، وعلى رجائها يرقدون، مثلما علّمهم «فاديهم» قبل أن يصير ضحية إحدى أشهر مؤامرات التاريخ التي حيكت، منذ ألفي عام، بين أرباب المال وسماسرة الإيمان والسلطان.

هوية فلسطين المسيحية الأصيلة وانتماء بعض أهلها لها، ليس بمعناها الديني الإيماني الضيق، معطيان تاريخيان وضرورة المحافظة عليهما مصلحة وطنية عليا

حُسدت فلسطين وأهلها على هذه النعمة «السماوية» وزوحمت عليها عبر التاريخ؛ لكنني لن أسرد في هذه المقالة ما توالى على أرضها من جيوش وممالك، حتى استقرت أحوالها، في أيامنا، على سلطة فلسطينية لها ما لها من سيادة منقوصة، ونوافذ على العالم كله، وفوقها دولة تمارس احتلالا باطشا يمعن في نبش هياكلها ونسف جغرافيتها، وتحريف وقائع تاريخها، كما عرفته الأمم وآمن به أهلها منذ ألفي عام. كان أهل هذه البلاد أوائل بناة واتباع هذه الديانة، وكان من المفروض أن تصير أجيال المولودين في عائلات من صاروا المسيحيين الشرقيين، وارثي هذه الديانة الشرعيين وأصحاب كنائسها وأوقافها؛ لكنهم أُفشلوا وهزموا حتى وصلت أحوالهم اليوم إلى حالة اللاعودة، حيث مصير بقائهم في دول المشرق العربي، لاسيما في فلسطين الكبيرة، بات محسومًا. لن نخوض في أسباب تلك المأساة – وهي مأساة فلسطينية وطنية بالتحديد – التي ما زالت شرايينها تنزف، وأعداد الفلسطينيين المسيحيين تتناقص بشكل يومي، حتى خلَت منهم كثير من البلدات بشكل كامل، وستلحقها، كما أقدّر، مواقع اخرى قد يبقى فيها ما سميته مرة «محميات طبيعية» سيحافظ عليها كأطلال تدل على ماضي البلاد الدارس.
كانت الحرب على قلب فلسطين شرسة، ومحاولات سرقة «مسيحها» لم تتوقف؛ فكم حاول المستعمرون ذبحها كي تنتعش روما حينًا، أو القسطنطينية احيانًا، وتوالت عليها الحملات المسعورة حتى وصلنا إلى ما فعله الانتدابان، البريطاني والفرنسي، من تمزيق لجغرافيا المنطقة وتطييف لأهلها وتأليبهم على بعض. كان دور إسرائيل حاسمًا في التأثير في مكانة الكنائس المحلية، وترسيم خريطة صلاحياتها، فعملت، بدهاء، على إبقاء جميعها مللاً مستقلة ومتفرقة، وساندت رعاتها الأجانب في سيطرتهم على مقدّراتها، خاصة اليونانيين الذين تلقوا دعمها المطلق، وتسيّدوا بسببها على أكبر كنيسة ورعية عربية أصيلة وعريقة، فتحكموا بعنجهية مستعمر في رقاب عبادها المسالمين، وبحرية تامة في أوقافهم، كما شهدنا خلال السنين. لم تعمل إسرائيل، لأسباب دينية وسياسية واضحة، على تطوير المواقع المسيحية الكثيرة الموجودة داخل حدودها، ولا على تسويقها كمراكز سياحية عصرية، واكتفت بدعم ما يتناسق وسياسات بعض الكنائس الغربية التي تدعم إسرائيل وممارساتها العنصرية؛ وقد نرى بإهمال الناصرة، مدينة البشارة، المتعمد، أكبر دليل على هذا الإجحاف وهذه العنصرية. لم تنفرد إسرائيل بمخططاتها، بل تساوقت معها معظم رئاسات الكنائس المحلية، وشاركتها في لعبة استهدفت المحافظة على مكانة الإكليروسات الأجنبية الحاكمة، وما حصلت عليها من امتيازات؛ وفي الوقت نفسه تهميش مكانة الرعايا العرب وكهنتهم، وإخضاعهم لحالة من الاغتراب والانتماء المشوّه.
لم تقتصر معاناة الفلسطينيين المسيحيين تاريخيًا على مواجهة ذينك العدوّين، الخارجي الاستعماري والإسرائيلي العنصري، بل بدأوا يعيشون، منذ أربعة عقود، تداعيات هواجس وجودية مستجدة، وإرهاصات حالة من التناقضات الحقيقية داخل مجتمعاتهم، بعد تنامي قوة بعض الحركات الإسلامية السياسية، وتغلغل أفكارها الدينية الإقصائية في مفاصل الحياة اليومية، ما دفع بابناء الأقلية المسيحية الأصلانية إلى فقدان الثقة بمستقبل كانت ستحميه وتؤمنه العباءة الفلسطينية الجامعة. وكي لا أُفهم خطأ، فقد بدأت مشكلة المسيحية المشرقية قبل نشوء هذه الحركات الإسلامية، لكنها تفاقمت مع زيادة قوتها، وبسط سيادتها في بعض الدول العربية، وفي قطاع غزة، ونتيجة لتصرفات بعض أجنحتها، وفق مفاهيم عقائدية دلت على رفض قادتها لاحترام مبدأ تكاملية أنساغ المجتمع الواحد، وإصرارها على فرض قوانين الشريعة الإسلامية، وفق تفسيراتها الأصولية، على جميع المواطنين. الشواهد على ما يحدث داخل مجتمعاتنا، سواء كان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو داخل إسرائيل، كثيرة وموجعة ومقلقة؛ ولعل آخرها كان تعميم وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الصادر عن حكومة غزة قبل بضعة أيام، وموضوعه، كما جاء في عنوانه: «فعاليات الإدارة العامة للوعظ والإرشاد للحد من التفاعل مع الكريسماس».
قد يكون ما يميز هذا التعميم أنه صادر عن حكومة من المفروض أن تمثل جميع مواطني القطاع، بمن فيهم كمشة المسيحيين الباقية هناك؛ لكنه يبقى في الواقع، من حيث المضامين والرسالة، تعميمًا شائعًا ومألوفًا، فقد سمعنا عن نشر مثله في مواقعنا مرارًا وتكرارًا، ومع قدوم كل عيد ميلاد. لم يبق في غزة إلا اقل من ألف مواطن فلسطيني مسيحي، وهم كعناوين طبيعية لمثل هذه الممارسات والتعميمات، ليسوا بحاجة إلى هذا «التشجيع» كي يهاجروا منها، اذا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا؛ أما إذا لم يكونوا هم العنوان، كما حاولت وزارة الأوقاف إقناعنا في تأكيد لها نشر في منشور تبريري، صدر بعد قيام زوبعة الاحتجاجات على التعميم المذكور، فعندها سيكون عذرهم أقبح من ذنب. على جميع الأحوال، لم يكن نأي كاتبي ذلك التعميم عن استعمال كلمة «الميلاد» واستبدالها في العنوان بكلمة «الكريسماس» مجرد سهوة عابرة، لأنهم يعرفون بالتأكيد ما يعنيه «الميلاد» لأهل فلسطين وما تشكله المناسبة في هويتها التاريخية والحاضرة والمستقبلية؛ وبما أنهم يفقهون تلك الحقيقة جيدًا فسيكون من الصعب عدم فهم موقفهم كمحاولة لتضييق الهوامش في الحيزات العامةـ وتقييد حريات الأفراد ومحاولة لتشويش معالم تلك الهوية، وذلك تمامًا كما فعلت جهات أجنبية واسرائيلية من قبلهم، وما زالوا يحاولون. لا يمكن إخراج نص التعميم المذكور عن سياقات الخطاب الشائع في أدبيات وفتاوى بعض تلك الحركات، فانتقاء اسم «الكريسماس» وليس «الميلاد» يقصد منه أيضًا إفهام عامة الناس على أن المحتفلين بهذه المناسبة ليسوا «منّا» وهي اصلًا مناسبة غربية دخيلة؛ وهذا في الواقع يضاف إلى تمنع الكثيرين من توظيف مصطلح المسيحيين، أو العرب المسيحيين، وتعمدهم اللجوء إلى تسميات مقصودة مثل الفرنجة أو الصليبيين، أو إلى نعتهم بالنصارى، وهي تسمية لها تفسيراتها العقائدية الملتبسة.
كم تمنينا على جميع قياديينا، في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي الداخل الإسرائيلي، أن يتنبهوا لهذه المخاطر وأن يقفوا في وجهها بشدة وبوضوح؛ فهوية فلسطين المسيحية الأصيلة وانتماء بعض اهلها لتلك الهوية، ليس بمعناها الديني الإيماني الضيق، هما معطيان تاريخيان راسخان وضرورة المحافظة عليهما هي مصلحة وطنية عليا. وإن قلنا الميلاد قلنا الناصرة والقدس وبيت لحم وجميع أرجاء فلسطين، فلغزة سيبقى أهلها وبحرها وفجرها الأخضر، ولسائر فلسطين الأمل وميلادها ومهدها، ولنا جرعات الخل وأسئلة القلق والشوك، وعبق البدايات وسحر البشارة ومدينتها، التي يجب أن تكون أكبر من عاصمة لجليل مارد، لأنها من أهم مدن العالم، بعد القدس وبيت لحم، تمامًا كما صرح ويصرح بإصرار رئيس بلديتها الحالي، علي سلام، في موقف لافت يحسب له.
كاتب فلسطيني

 

 

سقوط المحكمة

العليا الإسرائيلية الوشيك

جواد بولس

ما يجري داخل المجتمع الإسرائيلي شبيه بمعركة ضارية على ترسيم آخر مناطق النفوذ في غابة جبّارة، وحسم قضية من سيضع ومن سيتحكم بقوانينها. وإن كان الصدام السياسي هو الأبرز في هذه المعركة، فإن هذا لن ينجَز إلا إذا حسمت معه أو قبله، بعض المعارك الأخرى، وأهمها تلك الجارية في أروقة الجهاز القضائي وعلى مصيره، وكذلك تلك الحملات من ملاحقة وإقصاء مفاصل الجهاز البيروقراطي المهني، واستبدالهم بإمّعات ستحني ظهورها لتمكين أسيادها من الركوب على أنفاس المواطنين. ومن لا يوافقني فليقرأ حصاد الدمع والعبث الذي أنجز في أسبوع واحد فقط.
صادقت، يوم الأربعاء الماضي، محكمة عسكرية تختص بمقاضاة جنود الاحتلال، على صفقة كانت قد أبرمت قبل ثلاثة شهور بين النيابة العسكرية الإسرائيلية ومحاميي الجندي، قاتل الشاب أحمد جمال مناصرة، حيث اكتفى قضاة هذه المحكمة الثلاثة بالحكم على الجاني بثلاثة شهور سجن، تستبدل بالعمل لصالح الجمهور، وبثلاثة شهور سجن إضافية مع وقف التنفيذ. لم يسمع القرّاء، على الارجح ، بتفاصيل تلك الجريمة ولا كيف تابعَتها أذرع الأمن وأخرجتها طاحونة «العدل» الإسرائيلية؛ وعلى الأغلب سوف تطوى الحادثة مثل كثيرات سبقتها، وستحفظ في سجلات العهر البشري، بينما ستستمر أنهر الحسرة الفلسطينية بالنضح.
يوم 20/9/2019 ، قرابة الساعة التاسعة مساءً، كان المواطن علاء غياضة، وهو من سكان قرية نحالين الواقعة غرب مدينة بيت لحم، عائدًا بسيارته برفقة زوجته وابنتيهما الصغيرتين من زيارة لأهلها في قرية أرطاس المجاورة؛ وعند وصول العائلة إلى مفرق «النشاش» توقف محرك سيارتهم فجأة، فركنها علاء إلى جانب الطريق، وترجل منها في محاولة لإعادة تشغيلها. ولسوء الحظ، يوجد بالقرب من ذلك الموقع برج مراقبة لجيش الاحتلال؛ فما أن نزل علاء من سيارته، حتى قام أحد الجنود المتمركزين فيه بإطلاق عيار ناري نحوه فأصابه في بطنه، ما أحدث أذى كبيرًا لاعضائه الداخلية.
على اثر إصابة زوجها طلبت ميساء غياضة المساعدة من مجموعة شبان كانوا عائدين، إلى قريتهم، وادي فوكين، من حفل زفاف لصديقهم، ومروا من هناك في تلك اللحظات بسيارتهم الخاصة. توجه الشبان الثلاثة نحو علاء المصاب ونقلوه إلى المستشفى؛ في حين بقي أحمد مناصرة بجانب الزوجة والطفلتين. حاول أحمد تشغيل المحرك إلا أن الجنود استأنفوا إطلاق النار صوب المركبة فاضطر النزول منها لتفادي رصاصهم، لكنهم استمروا بإطلاق النار حتى أصيب في صدره بعدة عيارات أدت إلى موته في مستشفى بيت جالاً بعيد نقله إلى هناك. حاولت عائلة مناصرة أبطال الصفقة التي اعترف بموجبها الجندي بالقتل بالإهمال، وبدون ذكر محاولة قتله لعلاء غياضة. لم تسمع منهم النيابة العسكرية فتوجهوا إلى محكمة العدل العليا وطالبوها بالتدخل للإعلان عن بطلان الصفقة، وتعديل لائحة الاتهام، فوفقًا لجميع الشهادات والمعطيات، فقد نفذ الجنود محاولة قتل وعملية قتل واضحتين. رفضت المحكمة العليا بتاريخ 23/11 الماضي التدخل، بحجة أن التماس العائلة قدم في وقت متأخر، اي بعد تقديم لائحة الاتهام واعتراف الجندي بها وأضافوا: «لا شك أننا بصدد حادثة صعبة كانت نتيجتها تراجيدية، ولا يوجد من يعترض اليوم على أنه تبين، بأثر رجعي، أننا لسنا بصدد عمل إرهابي، انما بصدد غلطة ارتكبها الجندي، حينما فهم انه يواجه محاولة تنفيذ عملية إرهابية».

ما يجري داخل المجتمع الإسرائيلي شبيه بمعركة ضارية على ترسيم آخر مناطق النفوذ وحسم قضية من سيضع ومن سيتحكم بقوانينها

اذن، هكذا أقرت هيئة المحكمة التي تشكلت من قاضيين مستوطنين، نوعم سولبرغ، وياعل فلنر، والقاضي ماني مزوز، بأن ما «جرى» كان مجرد غلطة ليس إلا.
قبل يومين من إصدار المحكمة العسكرية لحكمها المهزلة على الجندي القاتل بمقتضى الصفقة، وربما بتزامن عبثي يختزل كل إحداثيات المأساة التي تتداعى فصولها أمامنا، أعلن القاضي ماني مزوز، عن قراره ترك منصبه في نهاية العام الجاري؛ قبل أربعة أعوام من موعد تقاعده القانوني. فاجأ توقيت إعلان القاضي مزوز الكثيرين، لاسيما وأنه كان القاضي الرابع الذي يعلن عن استقالته المبكرة في أقل من أربعة اعوام؛ فقد سبقه في عام 2016 القاضي تسفي زيلبرطال، ثم تلاه في عام 2018 القاضي يورام دانتسيغر، وقبل مزوز كان قد أعلن نائب رئيسة المحكمة القاضي حنان ملتسر عن استقالته هو ايضًا؛ وجميعهم لا يُعدّون، في القاموس الاسرائيلي، على قضاة المحكمة «المحافظين». لم يعرف تاريخ هذه المحكمة منذ تأسيسها عام 1948 مثل هذه الظاهرة، التي بدأت تراكماتها تقلق بعض الغيورين على شكل نظام الحكم في اسرائيل، وعلى مستقبل الدولة؛ فمكانة المحكمة العليا الإسرائيلية وقضاتها كانت، داخل المجتمع اليهودي برمته، فوق كل الاعتبارات، والمحكمة نفسها سُوّقت في العالم منذ البدايات ككاتدرائية، تخصّبت بين جدرانها قواعد التنوير الصهيوني المدّعَى، وكمعقل حصين يشهد على إصرار قادة إسرائيل على بناء دولة عصرية، يكون فيها القانون وحراسه فوق كل الصراعات السياسية ومنافسات أصحاب المصالح ومراكز القوى على تفرعاتها.
لن نغوص هنا بكيف ومتى ولماذا بدأت معركة اليمين الجديد وانقضاضه على بنى الجهاز القضائي كله، لكنها اشتدت بعد سيطرة ذلك اليمين على البرلمان وعلى الحكومة ومؤسسات الحكم الرئيسية؛ فعندها رأينا بوضوح كيف شرعت قيادات هذا اليمين المنفلت والمتطرف بالعمل على اختراق واحتلال معظم المواقع المؤثرة في مراكز اتخاذ القرارات القضائية، وفي داخل المحاكم. وخير من عبرت عن هذا التحول وقادته كانت وزيرة القضاء السابقة اييليت شاكيد، حين أعلنت، بدون مواربة وبشكل حاسم، على أنها تسعى إلى تغيير الوضع القائم في جهاز القضاء، لاسيما داخل المحكمة العليا التي يجب أن يملأها قضاة «محافظون» يعرفون كيف يدافعون عن الدولة اليهودية وعن مبادئ الصهيونية الأصيلة. لقد قرأنا قبل إعلان القاضي مزوز عن استقالته، عن اجتماع لجنة تعيين القضاة الذي انعقد في الاسبوع الماضي، وعن قراراتها بتعيين واحد وستين قاضية وقاضيا، كان من بينهم ستة مواطنين عرب. هاجمت ممثلتا الكنيست في اللجنة، عضوتا حزب الليكود، أوسنات مارك والوزيرة ميري ريغف، مخرجات الاجتماع المذكور، ولم تعترفا بقانونية قراراته؛ علمًا بأنهما قاطعتاه لأنهما عرفتا بنية أعضاء اللجنة ترقية قاضي محكمة صلح القدس عباس عاصي، وتعيينه قاضيًا في المحكمة المركزية في المدينة، رغم ما يعرف عن شخصيته المعادية للشرطة وللجيش وللمستوطنين، وموقفه «ضد الصهيونية» حسبما جاء على لسانيهما في الصحافة. لن نعرف إذا كانت هنالك علاقة بين استقالة القاضي مزوز وما جرى ويجري في لجنة انتخاب القضاة، أو وراء كواليس المحكمة العليا، التي بدأت تُسمّن بقضاة أيديولوجيين، لا يأتمرون إلا بوصية أربابهم ولا يعنيهم إلا إرضاء ملوكهم وتحقيق مآربهم؛ وهم من أجل ذلك لن يبقوا لمزوز ولأمثاله من القضاة الصهاينة «التقليديين» أي هامش ليبرالي، أو قاعدة قيمية لا تتناسب وعقائدهم الدينية والقومية؛ فكل كنوز «الهيكل الأكبر» ستسخر، باسم القانون والتوراة وعدلها، وستقدم على مذابح «الرب والملك والوطن»؛ وقد يكون القاضي مزوز قد شعر بهزيمة «حلمه» وقرر كمن سبقوه الانسحاب.
سوف نشهد، في المستقبل القريب، استعار المعارك داخل المجتمع الاسرائيلي، حين سيتصارع فلول النظام القديم مع جحافل المملكة الجديدة. إن المواجهة في أوجها ولا يجوز لنا، كمواطنين وكضحايا، أن نبقى على الرصيف من دون أي موقف وعمل؛ فتعيين عشرات القضاة، وفي طليعتهم اربعة قضاة للمحكمة العليا، هي حرب اليمين الاسرائيلي المقبلة، وعليهم أن يظفروا بها ليتمموا مراسيم دفن «الرخاوة الليبرالية الحمقاء» وليُحكموا سلطانهم على البلاد وعلى العباد بدون تأتأة ولا تردد ولا مداهنة. علينا كاقلية، هي أول وأكبر الخاسرين من سقوط جهاز القضاء نهائيًا في ايدي اليمين الجديد، أن نسعى لوضع خطة في مواجهة «النظام الجديد»؛ فهو سيكون مختلفًا بشكل جذري عما سبقه، على الرغم من أن النظام القضائي القديم عاملنا بعنصرية مقيتة ولم ينصفنا بالمطلق.
ما العمل؟ أنا لا أملك حلولًا واضحة للخطر الذي استشعره، ولا أعرف بالتحديد ماذا يجب أن نفعل؛ لكننا لو بادرنا، واخصّ تلك المؤسسات والجمعيات المدنية التي تعمل في هذا القطاع، إلى وضع تصورات مهنية تكون اساسا للحوار وللنقاشات الجدية، فقد نجد بداية الطريق؛ أو ربما نتفق على تشكيل جسم مصغر تناط به مهمة الإعداد ليوم أو أيام دراسية يتفق على محاورها ويشارك فيها فقهاء القانون العرب واليهود والناشطون في هذه القضايا، والمتوافقون على تشخيص المخاطر المحدقة والأكيدة، وعلى ضرورة مجابهتها بالافعال وبالبرامج الحقيقية، حتى لو اختلفت الحوافز أو المخاوف أو الاهداف.
كاتب فلسطيني

 

 

ما المشترك بين عايدة ومنصور؟

جواد بولس

 

لا نستطيع التكهن إذا سيؤدي تصويت البرلمان الإسرائيلي على قانون لحل نفسه، كما جرى يوم الاربعاء الماضي، إلى نجاح التصويت عليه بقراءتين إضافيتين ضروريتين، كي يصبح قانونًا نافذًا وبابًا للذهاب إلى عملية انتخابات جديدة؛ فهنالك احتمال بأن يكون غانتس وحزبه في خضم مناورة سياسية خبيثة، تستهدف الضغط على نتنياهو وحزبه وإجبارهما على تحسين مواقع كاحول – لافان الحزبية، وتعزيز مصالح قادته الشخصية، والبقاء، بعدها، في هذه الحكومة؛ أو أن يتمكن أحد الحزبين من تركيب حكومة جديدة، من ضمن نواب هذه الكنيست؛ فعندها، وفي حالة نجاح أحد هذين الاحتمالين، لن يضطر المواطنون إلى خوض غمار معركة انتخابية والذهاب إلى صناديق الاقتراع للمرة الرابعة في غضون السنتين الأخيرتين .
وحتى نصل إلى نهاية المسرحية، أقترح أن نلتفت إلى بعض ما كشفته أحداثها في الاسابيع الاخيرة، خاصة في ما يتعلق بأداء القائمة المشتركة، التي بدت كالسمكة العالقة في شباك صياد ماكر وماهر؛ وليس أقل، الالتفات إلى أداء مؤسسات الأحزاب والحركات التي تتركب منها القائمة، وفي طليعتها الحركة الإسلامية ونجمها، النائب الدكتور منصور عباس.
من الواضح، وهذا ما قلته في الماضي، إن مواقف النائب عباس تنم عن نهج مدروس ومتكامل؛ ورغم أن البعض قد يحسب مناوراته ظاهرة جديدة، لكنها في الواقع ليست كذلك، فنحن إزاء فكر أيّدته في الماضي وتؤيده الآن مؤسسات الحركة الإسلامية، وتعلنه أمام جمهور ناخبيها وتدافع عنه أمام جميع المواطنين العرب، وتحاول استثماره بين المواطنين اليهود، وفي داخل المؤسسة الحاكمة، وعلى رأسها مكتب رئيس الوزراء نتنياهو. ولولا أن شعار القائمة المشتركة الانتخابي الأبرز والأهم سياسيًا، دعا جميع المواطنين إلى التصويت «من أجل إسقاط نتنياهو» ومنعه من إقامة الحكومة، فسيكون من الصعب لمن ليسوا من أتباع الحركة، مساءلتها على قرارها الأخير الذي ألزم نوابها بالتغيّب، ساعة التصويت، وبالامتناع عن دعم اقتراح إسقاط حكومة نتنياهو، الذي حظي، رغم تغيب النواب الإسلاميين الأربعة، على أكثرية واحد وستين صوتًا .ولأن الحركة الإسلامية نكثت ما أعلنته أمام ناخبي القائمة، فابقاؤها شريكة كاملة، بدون مساءلتها أو ضبط مسار تحركها المستقبلي، سيضر بمصداقية القائمة، كوسيلة نضالية جديرة بالاحترام، وبضرورة هذه الشراكة
وكي لا يساء فهمي، فأنا مع انتقاد قرارات النائب منصور عباس ومواقف حركته، لكنني ارفض التهجم عليهم وتخوينهم، فما يفعلونه سيبقى محسوبًا لهم وعليهم؛ وأدعو، بالمقابل، جميع من حاولوا المس بمصداقيتهم السياسية وتجريحهم، إلى مناقشة مواقفهم المعلنة وإلى العمل، في الوقت نفسه، على تغيير موازين القوى السياسية داخل مجتمعاتنا، وتعزيز أطرها الحزبية والحركية، وإكسابها القوة الكافية لتقف، بندّية متكافئة، مقابل الحركة الإسلامية، أو حتى التفوق عليها، اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا. وبكلام آخر فقد كشفت تداعيات الأحداث الأخيرة مدى الثقة الذاتية التي تتصرف بها الحركة الإسلامية وقناعتها برواج خطابها البراغماتي /الذرائعي المكشوف، ليس لكونه انعكاسًا حقيقيًا لمضامين ما تسميه الحركة، بتعميم مقصود، في أدبياتها التوعوية ونشراتها السياسية الحركية ودعاياتها الشعبية، بالثوابت الوطنية وحسب، إنما لتيقنها من ضعف مباني شركائها الفكرية والتنظيمية، نتيجة لما تعانيه أطرهم من ضمور تنظيمي، مثل الحركة العربية للتغيير، أو الاغتراب عن الواقع الحقيقي للمواطنين، مثل حزب التجمع، أو الهرم والتكلس التنظيميين داخل مؤسسات الحزب الشيوعي وتوأمه، الجبهة الديمقراطية للسلام، وما نعرفه من تفشّ للنزاعات الشخصية والمناكفات التي تملأ الجسدين جروحًا، وتنهكهما.
لا تنحصر علامات أزمة الأطر الحزبية والمؤسساتية القيادية الفاعلة بين المواطنين العرب على كيفية إدارة الأزمات المتوالدة بين مركبات القائمة المشتركة، وما اقتضته وتقتضيه هذه التجاذبات المكتومة أو الظاهرة من مراوحة بين صدامات معلنة، كما يحصل الان في قضية التصويت على إسقاط نتنياهو، أو بلجوء بعضهم إلى «نعمة الصمت» أو المسايرة الصاغرة، في مسائل خلافية، سياسية أو اجتماعية، لم ينجحوا بتجسيرها؛ مع أننا شهدنا أن هذا الخيار لم يكن مقبولًا على الحركة الإسلامية ولن يكون مقبولًا إذا كان الموقف المطلوب منها يندرج تحت ما يعتبرونه من الثوابت العقائدية، كما حصل في قضية التصويت على قانون منع إخضاع المثليين للعلاجات القسرية، الذي بسببه تحاسب النائبة توما، أو في معظم القضايا النسوية، أو في قضايا مهمة اخرى.

من الصعب التوقع بأن تبقى القائمة المشتركة ببنيتها الضعيفة، وبتحديات الحركة الإسلامية لطريقة أدائها، خيار الناخبين التقدميين الوحيد

لقد دُعيت النائب عايدة توما سليمان إلى مدينة قلنسوة لإلقاء محاضرة عن العنف ضد النساء، حيث كان من المقرر أن تحل ضيفة على المركز الجماهيري في المدينة يوم الأحد المنصرم. ومع انتشار خبر الدعوة في قلنسوة خرجت عدة فعاليات دينية بمناشدة علنية لحظر دخول النائبة الشيوعية عايدة توما إلى المدينة، مع تأكيد هؤلاء على ضرورة منعها من مخاطبة الأهل في المدينة، وإفساد عقولهم، لأنها دعمت وتدعم حقوق المثليين. لن اتطرق هنا إلى مسألة الإكراه والاعتداء على حريات الغير/ المختلف، وهي من الظواهر المتنامية والمتسيّدة في معظم قرانا ومدننا العربية؛ ولن أسرد، في هذا المقام، كم من النشاطات الاجتماعية، الفنية، المسرحية، الرياضية والأدبية، حوربت وقمعت في قرانا ومدننا، وأهملتها القائمة المشتركة كنوافل هامشية؛ لكنني على قناعة بأن خنوع فعاليات مجتمعنا التقدمية المختلفة ومعظم قياداته السياسية في تلك الحالات، وتراجعهم أمام القوى الرجعية، أدى اليوم لأن تدفع النائبة عايدة سليمان وغيرها فواتير تلك الهزائم . لقد وقف في الماضي قادة الحزب الشيوعي والجبهويون مع قادة القوى الوطنية والتقدمية، وقاوموا الممارسات العنصرية الصهيونية وقمع الدولة بصلابة وبجدارة، لكنهم حافضوا، في الوقت نفسه، على قلاعهم من أي عبث أو تنمر أو فساد أو جنوح داخليين، فحافظوا على قيم مجتمعنا الموحدة، واحترموا حريات وحقوق كل الشرائح والفئات الأصيلة، حتى حفلت كل قرية ومدينة بقصص هؤلاء وبنوادرهم في تحصين الهوية الجامعة، وصيانة الانتماء الوطني والإنساني الحقيقي، ولكن.. بعد رحيل تلك الكوكبة العنيدة والواضحة، صارت المواقف الحزبية تفصّل على مقاسات البعض بانتهازية موجعة، وتنتقى بنخبوية مقيتة وتقر بشللية هدامة، وتمارس بتزمت بغيض، حتى عشنا وشفنا اليوم كيف يصبح منع ناشطة نسوية بارزة، فلسطينية شيوعية ومناضلة ميدانية مثابرة، ممكنًا من قبل ابناء جلدتها، ومتاحًا في مدينة عربية أنجبت الأحرار والشريفات والمناضلين.
لم تتخذ القائمة المشتركة موقفًا ازاء ما واجهته النائبة عايدة توما، لكننا، رغم ذلك، لمسنا في حالتها، بخلاف حالات سبقت، حراكًا لافتًا ضد محاولة قمعها، وقرأنا بيانات حازمة وشاجبة، كانت قد أصدرتها مؤسسات الحزب الشيوعي والجبهة وحزب التجمع وإدارات عدة جمعيات مدنية، حيث عبّر فيها جميعهم وبما لا يقبل الشك، عن معارضتهم للموقف الداعي إلى منع دخول عايدة توما والتحريض عليها بسبب مواقفها وانتماءاتها المعروفة. لم تستسلم قلنسوة، كما حصل في حالات سابقة في مواقع عديدة في البلاد، ومع أن المركز الجماهيري بقي موصدًا، كانت بعض بيوتها الدافئة مفتوحة؛ فاستقبلت الضيفة بحفاوة ومعها عشرات الناشطات والناشطين والقت محاضرتها في بيت الدكتور ثابت أبو راس، وهو الناشط والمناضل من أجل حقوق أبناء شعبه منذ اكثر من أربعين عامًا، والمعروف بمواقفه التقدمية والإنسانية الشجاعة من قبل ولادة عدة حركات وتنظيمات يدعي اليوم بعض ناشطيها اليافعين أنهم يريدون تعليمه وتعليم رفيقاته ورفاقه في الدرب، كيف تكون الثوابت الوطنية.
لقد كشفت الأزمة داخل المشتركة عن بواطن الخلافات الأساسية داخل مجتمعنا، وليس بين جدران القائمة وحسب، وهذا في حد ذاته وجه القضية الحسن، لكنها، وهذا وجه القناع الثاني، أوقفتنا أمام مرايانا الذكية، حيث ظهر في أعاليها سؤال المرحلة الصعب وهو: هل تستطيع هذه الاحزاب والحركات، ببناها الفكرية والتنظيمية القديمة الجديدة، أن تشكل الأداة الصحيحة وتعطي الرد المتوازن لمشكلة وجودنا في دولة ما زالت مؤسساتها لا تعرف إلا أن تعاملنا كغرباء، أو اعداء، أو مستأجرين غير محميين؟ وهل يستطيع قادة تلك الاحزاب والحركات أن يستدلوا على الوصفة الصحيحة، لوقف زحف شركائهم، النائب منصور وحركته، نحو تلك الحقول البعيدة والملغومة؟
من الصعب التكهن حول مستقبل الحكومة الحالية وحول نتائج الانتخابات المقبلة، إذا حصلت؛ ولكن، ليس من الصعب التوقع بان القائمة المشتركة ببنيتها الحالية الضعيفة، وبسبب تحديات الحركة الاسلامية لطريقة أدائها اليوم وفي المستقبل، لن تبقى خيار الناخبين التقدميين، العرب واليهود، الوحيد؛ فأنا وكثيرون مثلي نطالب بمعرفة ماذا يجمع بين فكر عايدة توما المرأة المتحررة والشيوعية، ونصيرة حقوق المستضعفين والمستضعفات، والمسيحية المولد، وابنة الثقافة العالمية، وشريكة في المنصات الشعبية والمظاهرات الكفاحية، وثوابت الحركة الإسلامية العقائدية المعروفة والوطنية الغامضة؟ ونطالب أن نعرف ماذا يجمعها مع من يرفض، بسبب هويتها ومواقفها ومبادئها، أن يدخلها آمنة إلى بلده والى بيته؟ وهل سيحميها زملاؤها وأحزابهم عندما تُعلن حرب عليها؟ فما لم يحمها ويحمي غيرها بيت «المشتركة» فما الداعي لمثل هذه القائمة؟
كاتب فلسطيني

 

 

النائب عن الحركة الإسلامية

منصور عباس ولافتة قف

جواد بولس

 

ما زال مصير القائمة المشتركة غامضًا؛ ولا نستطيع التكهن بما ستفضي إليه المناكفات التي اندلعت، وما زالت تتداعى، بين النائب عن الحركة الإسلامية منصور عباس، وزملائه في الجبهة الديمقراطية وحزب التجمع الوطني.
لم أتفاجأ شخصيًا من هذه المواجهة، خاصة بعد أن شهدنا مقدمات لها حصلت في الأشهر الماضية؛ فحذرت، في حينه، من خطورتها ومن عواقب الاستكانة إلى فرضية وهمية أفادت بأن الوحدة بين الحلفاء الأربعة هي قدَر، وأنها خيارهم الوحيد الممكن، الذي يضمن لجميعهم البقاء في الكنيست والمحافظة على القائمة، التي وصفها الكثيرون، بمجازية شرقية مبالغ بها، على أنها الابنة الشرعية لإرادة الجماهير سننتظر لنرى نهاية الحكاية التي سيؤثر فيها، تمامًا كما أثر في بدايتها، فرمان «السلطان»، وموقفه إزاء مسألة «نسبة الحسم»، فإذا أبقاها عالية، كما هي اليوم، سيضطر الأربعة إلى الاعتدال والعودة إلى «البراغماتية»، وهي في عالم تاهت فيه التعريفات وديست القيم، رشد سياسة العاجزين وترياق الضعفاء المنقذ؛ أما إذا أنزلها، فستفتح أبواب سوق الاحتمالات؛ وقد نرى حينها الحركة الاسلامية منافسة لشركائها، علاوة على شتى أصناف البسطات «الحزبية»، حامضها ومرها، وسنسمع، أيضًا، تغاريد العجب.

«لهم أسلوبهم ولي أسلوبي»

هكذا صرّح الدكتور منصور عباس في إحدى تغريداته الأخيرة، محاولًا الدفاع عن بعض مواقفه الخلافية وتبرير سلوكه، الذي أقر بأنه «تجاوز خطوطًا اعتاد النواب العرب على وضعها في الزاوية»، وسأل، في تلك التغريدة، على سبيل توضيح الفارق بين الأسلوبين: «عندما ينعَتُ أحد الاعضاء رئيس الحكومة بالكذاب، أو يقوم بشتمه، هل يتوقع بعدها أن يوافق رئيس الحكومة على طلباتنا؟ وهل هذا التصرف سيعود على مجتمعنا بشي؟» لم ينتظر النائب عباس ردًا من أحد، بل أردف في الموقع نفسه قائلا: «ذاهب للعمل لخدمة وتعزيز مكانة مجتمعي بشكل فعلي، وليس لتسجيل المواقف، وأنا اعتمد أسلوبًا حضاريًا بالحوار وموضوعيًا بالطرح يخلو من الشعبوية».
لم يكلفني أحد بالدفاع عن «القائمة المشتركة» لكنني كمواطن منحها صوته، وأنجح القائمة والنائب عباس، يحق لي ولغيري أن نسأل: هل هذا هو أسلوبه الحضاري؟ هل يحسب أنه إذا اتهم حلفاءه بالتخلف وبعدم الموضوعية وبالشعبوية، وهكذا يفهم من كلامه، سينجح بتبرير علاقته الملتبسة مع بنيامين نتنياهو؟ وهل بالسلوك المؤدب والخلق الحسن، سيحقق إنجازات لم نحققها خلال مسيرة عقود من الصمود والكفاح البرلماني والميداني؟ على النائب عباس أن يراجع مواقفه الغريبة والمستفزة لقطاعات واسعة من ناخبي القائمة المشتركة، التي توالت في مناسبات عديدة، مثل تصرفه عندما كان يرأس جلسة الكنيست وموافقته على إلغاء التصويت الذي دعا إلى إقامة لجنة تحقيق ضد نتنياهو في قضية الغواصات؛ مرورًا بمخاطبته الحريرية لضباط الشرطة، الذين حضروا جلسة لجنة مكافحة العنف في المجتمع العربي، وموقفه الخطير من قضية انتشار السلاح غير المرخص بين المواطنين العرب وتبريره، غير المباشر، لحيازة النسبة الكبيرة من تلك القطع، إذا لم تكن مخزنة لأغراض إجرامية مباشرة، وبعدها تكرار مواقفه الودودة من بنيامين نتنياهو وتمنّعه من وصف نتنياهو بالعنصري، خاصة عندما سئل عن ذلك مباشرة في لقاء متلفز على قناة «واينت»، أذيع يوم الاربعاء الفائت، فاجاب: «قراري قرار شجاع، ولن أصف أي شخص بالعنصري، لا ضد نتنياهو ولا ضد أي احد آخر، فأنا ملتصق بالحقائق هل توجد عنصرية في اسرائيل؟ توجد هل توجد فجوات بين اليهود والعرب؟ توجد حتى بين اليهود واليهود توجد فجوات، أنا استعرض الامور بصورة موضوعية وأريد أن أعالجها» هكذا بكل بساطة وحزم أجاب ممثل «الحركة الإسلامية» حين سألته مذيعة يهودية: ألا تعتقد أن نتنياهو عنصري؟ ألا يحرض ضد الجماهير العربية؟ فإن كانت هذه شجاعة سياسية فكيف يكون «مسح الجوخ» في السياسة؟

إذا استمر النائب عباس في نهجه، فسيترتب على الشركاء في القائمة المشتركة إيجاد «اللافتات» التي ستقنعنا بالتوجه إلى صناديق الاقتراع وانتخابهم مرة أخرى

لقد صرح النائب عباس، في أكثر من مناسبة، بأنه يمثل، بنهجه وبمواقفه حركته الأم الحركة الإسلامية؛ التي بدورها أعلنت ببيان نشرته بعد اجتماع ضم أعضاء مجلس شورتها وقيادييها، أنها «تثمن عاليًا جهود جميع نوابها في البرلمان لخدمة وتعزيز مكانة مجتمعنا، وعلى رأسهم ابنها البار النائب الدكتور منصور عباس رئيس القائمة العربية الموحدة، وبالذات جهوده في الإصلاح ومكافحة الجريمة والعنف في مجتمعنا العربي، وجهوده البارزة لدفع الحكومة لإقرار خطة حكومية شاملة لمكافحة العنف والجريمة»، لم أخلص إلى نتيجة واضحة من لغة البيان، ففي مطلعه، كما قرأنا، أشادوا بجهود النائب منصور عباس، ثم تعمدوا، بعد ذلك، اللجوء إلى صياغات فضفاضة لا غبار عليها سوى أنها عامة وتحمل في طياتها معاني كثيرة وتجيز السير في اتجاهات متناقضة؛ رغم تأكيد الحركة على أنها كما سعت «في السابق وضحّت من اجل تعزيز وحدة القائمة المشتركة، فإنها ستبقى حريصة على الحفاظ على هذا المشروع الوطني»؛ لكنها تشترط لقاءها مع الشركاء، في الوطن والمسيرة والكفاح وفي العمل السياسي عمومًا، بعدم الخلاف «في ثوابتنا الدينية والوطنية»، وما أدرانا ماذا يقصدون بالثوابت الوطنية، خاصة أن النائب منصور يؤكد أن نهجه هو النهج العملي الناجع والوطني القويم!
لم ينه بيان الحركة الإسلامية هذه الأزمة؛ ولم يحقق ذلك إبراهيم صرصور النائب السابق عن الحركة في الكنيست ورئيسها حتى عام 2010، عندما أضاف توضيحه الشخصي لما جرى في اجتماع القيادة المذكور، وكتب يوم الجمعة الفائت: «من أجل أن يكون موقفي واضحًا، هكذا أفهم، موقف الحركة الإسلامية من التطورات السياسية الأخيرة والجدل حولها»، فان الحركة «تحتضن الدكتور منصور عباس تمامًا كما احتضنت قيادات من أبنائها سبقوه في الموقع الحالي، إلا أنها رفعت أمامه «لافتة قف» كما لن تتردد في رفع مثلها أمام أي قيادة من قياداتها، إذا دعت الضرورة لذلك مع التأكيد على أنها لا تشك لحظة في حسن نية الدكتور منصور عباس، لكنها تطمح إلى أن يكون حسن التصرف في كل الأحوال هو الترجمة الصادقة لحسن النية وصدق العزيمة ومضاء الإرادة».

كلام في منتهى الأهمية ولكن..

يبقى الفصل والحقيقة، اذن، عند «حسن التصرف، وصدق العزيمة، ومضاء الإرادة»، فقد استبعد ابراهيم صرصور، كما كتب، أن يعود الدكتور منصور عباس لمثل تصريحاته في الفترة الأخيرة، خصوصًا لأنه «واحد من أكثر القيادات فهمًا لمبادئ الحركة وخطوطها الحمر، وتنفيذًا لتوجهات قيادته»، ورغم ذلك، فما فعله النائب منصور لاحقًا كان معاكسًا لما توقعه، أو ربما تمناه، القيادي الإسلامي المجرب ابراهيم صرور، وذلك حين سئل النائب منصور في لقائه المذكور مع «واينت» ، في ما اذا كان يعتقد بان نتنياهو يعمل لصالح المجتمع العربي، أو لصالح العرب في اسرائيل؟ اجاب، وفقًا لمنهجه المعهود وبأسلوبه الملتوي، قائلًا: «كل حكومة اتخذت قرارات كان بعضها لصالح المجتمع العربي، لكنني أريد لهذه القرارات والمشاريع التي يعلنوها أن تكون حقيقية، وأن تجيب على مشاكل المجتمع العربي؛ هذه وظيفتي»، هكذا، وبعكس ما كانوا وكنا نتوقع منه، نراه مرّة أخرى يدافع بشكل غير مباشر، لكنه مكشوف، عن نتنياهو، ويتمنع عن انتقاد ممارساته العنصرية وهجومه الدائم على المواطنين العرب، وعلى ممثليهم في الكنيست، ولا يواجه محاولاته لنزع شرعية وجودنا والنضال من أجل حقوقنا وانتخاب مؤسساتنا السياسية والمدنية. لم يتراجع النائب منصور عن طريقه الصدامي مع زملائه في القائمة المشتركة؛ ولئن ظهر في البدايات وكأنه يسعى للإطاحة برئيس القائمة المشتركة، أيمن عودة وحسب، تبين لاحقًا أن «جبهته» القتالية مفتوحة على عرض القائمة كلها، ففي لقائه الأخير، قبل أيام مع القناة 20 اليمينية المقربة من نتنياهو، أعلن، بما يشبه الابتزاز لشركائه، بأن استمرار القائمة المشتركة مشروط «باتباع النهج الذي يمثله وانها ستفقد مبررات وجودها، إذا ما كررت الأخطاء والمواقف نفسها»، وهذا ما دفع زميله في القائمة النائب عن حزب التجمع الديمقراطي، الدكتور امطانس شحادة، اتهامه بالانشقاق عن القائمة، والتأكيد على أن نهج النائب عباس ليس هو نهج شعبنا الذي يريد حقوقه بكرامة وعنفوان أصحاب البلاد.
كل التوقعات جائزة، لكنني لا أعرف ماذا قصد ابراهيم صرصور عندما كشف أن الحركة الاسلامية رفعت في وجه النائب عباس منصور «لافتة قف»؟ ولا أعرف أي لافتة قد ترفع في وجه من لا يتوقف عند خطوط «حركته الحمر، أو لا ينفذ توجهات قيادته»؟ لكنني على قناعة أنه إذا استمر النائب عباس في نهجه، وهذا ربما كان حقه وحق حركته، فسيترتب على الشركاء في القائمة المشتركة إيجاد «اللافتات» الصحيحة التي ستقنعنا، نحن المصوتين، بالتوجه إلى صناديق الاقتراع وانتخابهم مرة اخرى .
*كاتب فلسطيني

 

 

المواطنة… الهوية…

قتل النساء والأمل المفقود

جواد بولس

سأتطرق اليوم لحدثين محليين شغلا بال الناس، وتصدرا عندنا واجهات المواقع الإخبارية والثرثرات الاجتماعية. ورغم كونهما منفصلين تماما، أشعر بوجود رابط وثيق بينهما، وأرى أنهما يعبران، كلٌ بمكوناته، عن وجود الأزمة الخطيرة نفسها التي تعبث في قسمات هويتنا، وتؤثر فينا وعلينا كمواطنين في إسرائيل.
كان الشارع الرئيسي في مدينة عرابة الجليلية مسرحًا لجريمة قتل امرأة عربية جديدة تدعى وفاء عباهرة، طعنت في وضح النهار حتى فارقت الحياة، وتركت على صفحة النسيان خمسة تذكارات صغار سيكبرون على أهداب الحسرة ودروب الضياع.
وقعت الحادثة يوم الاثنين الفائت؛ فبدأت المواقع الاخبارية وصفحات التواصل الاجتماعي بنشر تفاصيلها، ومعلومات عن الضحية وعن المشتبه في قتلها، الذي كان على ما يبدو طليقها؛ وتوالى الشرح عن فصول في حياتهما، وعن محطات في مسيرة زواجهما وعثراته، حتى الوصول إلى مشهد موتها التراجيدي.
سوف ينشغل الإعلام بعد أيام قليلة بمأساة جديدة، وسينسى الناس اسم وفاء كما نسوا اسماء الأربع عشرة ضحية اللواتي كن قد سقطن قبلها منذ مطلع العام الحالي، أو أسماء عشرات القتلى الرجال الذين أعدموا في شوارع قرانا ومدننا، بعمليات إجرامية تُمارس يوميًا، وبدون روادع على الإطلاق؛ سوف ننسى!
من منا، نحن أحفاد الرمل، بحاجة إلى مسارح الخوف، وإلى قصص الخيال، ومن يريد أن يتذكر سجلات «الوفاء» المستحيل وصور الخواصر المبقورة ؟ وكما في كل مرة ذبحت فيها امرأة عربية على خلفية ما يسمى «شرف العائلة» أو لكونها ذلك «الشيء/المتاع» الذي يملكه بعلها، أو أفراد عائلتها وقبيلتها، تَدافَعَ، هذه المرة أيضًا، عشرات من السياسيين والناشطين/ات الاجتماعيين/ات ومعهم فَراشُ الإلكترونيات الدائم الحومان؛ وأطلق الجميع سهامهم نحو قلب العبث، وأسهبوا في تحليل أسباب وقوع هذه الجريمة، وعددوا قوائم المتهمين بها وبغيرها، بينما حاول بعضهم اقتراح بعض الحلول لمواجهة الظاهرة أو سبلًا للحد من تفشيها.
لم يُتفق، كما في المرات السابقة، على تشخيص أسباب انتشار ظاهرة قتل النساء، ولم يُتوافق على كيف يجب أن تصنف تلك الأسباب، حسب أهميتها وتأثيرها؛ وبقيت المسألة رهينة بين نظريات المؤامرة الصهيونية، واستبداد هوية الصحراء، أو تداعيات مجتمعات الحداثة والاستهلاك. لم أقرأ بيانًا باسم القائمة المشتركة في أعقاب حدوث الجريمة، مع أن أخبار القائمة كانت تملأ الفضاءات، لاسيما بعد انتشار الانتقادات العنيفة بحق النائب منصور عباس، وبعد أن اتهمه شركاؤه في القائمة عن حزب التجمع الوطني، وعن الجبهة الديمقراطية، بالتفرد في اتخاذ قرارات لا يوافقون عليها سياسيًا، وبإطلاقه بعض المواقف الخلافية التي عكست فهمه لطبيعة التواصل مع الحكومة ورئيسها نتنياهو، وموقفه ازاء وسائل التعاون مع مختلف الوزارات، وبالاخص مع وزارة الشرطة ورؤيته الودودة الخاصة لدورهم في مواجهة الجريمة والعنف المستشري في مجتمعاتنا.
لا يمكن ولا يجوز أن نرى بما حصل في قضية النائب منصور عباس، كتعبير عن نزوة شخصية، ولا أرى بما فعله تجليًا لنجومية يسعى وراءها، كما حاول البعض أن يدعي؛ ففي هذه الحالة، وبخلاف لتصرفات نجومية مارسها في الماضي، أو قد يمارسها مستقبلًا، هو أو بعض زملائه، كان تصرفه نابعًا عن إيمان مطلق بصحة طريقه السياسي، الذي يعبر عن طريق حركته الاسلامية، وعن قناعتهم المذهبية الخاصة بمفهوم المواطنة، وبحدود الوسائل المجازة لممارستها. فالنائب منصور عباس يؤمن بضرورة التصرف «الذرائعي» البراغماتي حتى النهاية، لأن تأمين المنافع لابناء المجتمع هو غاية الغايات وهدفه من وراء دعوة رئيس الحكومة وضباط الشرطة لجلسة لجنة مكافحة العنف في الوسط العربي، التي يرأسها باسم القائمة المشتركة، كان كما صرح «تحصيل قرار بخطة حكومية لمكافحة العنف والجريمة، وليس لتسجيل موقف ضد الحكومة أو الشرطة.. فأنا» هكذا أجاب جميع منتقديه «أعي جيدًا الفرق بين التواجد في مظاهرة رفع شعارات، والتواجد في جلسة رسمية لاتخاذ قرار».

لن نعبر إلى ضفة مستقبلنا الآمنة الأخرى إذا لم نتعاط مع الأسئلة الصعبة، ونضع لها الإجابات الصحيحة

لقد رفض النائب منصور جميع التهم والانتقادات الموجه إليه من شركائه، الشيوعيين والقوميين، واتهمهم، بالمقابل، باحتكار سياسة التخوين، التي حسب رأيه لم تبدأ ولن تنتهي بمنصور عباس؛ فالوحدة السياسية عنده وعند حركته لا تعني بالضرورة ما تعنيه لدى سائر مركبات القائمة، وهو لم يخفِ ذلك، حين كتب على صفحته بوضوح، وأكد على أن «ثوابتنا العقائدية والوطنية واضحة، ولم ولن نقدم بها أي تنازلات ولن نساوم عليها» فجميع حركات الإسلام السياسي لا تساوم بأمور الثوابت العقائدية، خاصة في مواجهة حركات معادية لها سياسيًا وعقائديًا. وهذا أيضًا ما يجعل مفهوم «الوطنية» لديهم سائلًا ومتحركًا، ولا يمكن صبه في قالب ثابت. وكما نرى فهو يعرف الوطنية «بان تعمل من اجل شعبك ومجتمعك والا تقوم بتصرفات قد تضر بمصالحه» ولا يقر بكون هذا التعريف فضفاضًا وتضليليًا إلى حد بعيد، وخاليًا من العمق السياسي ويبقي حدود العمل الوطني غير معرفة، بل يمكن مطها حتى تصل إلى حضن «السلطان» أو إلى مسايرة سياساته أو مقايضتها، باسم البراغماتية، خاصة إذا مكنتك تلك «القيادة» العملية من تحصيل بعض المكاسب المنفعية لصالح «شعبك» ومجتمعك . لا يمكن التجسير على هذه الهوة التي حفرت، ولن يسعى النائب منصور إلى ردمها بسهولة؛ فالمواطنة، كما يحاول هو أن يمارسها، ليست هي المواطنة نفسها التي ينادي بها إخوانه في القائمة المشتركة؛ والوطنية التي يعمل هو بهديها، لا تشبه وطنية شركائه على الإطلاق، علاوة على أن هوية النائب منصور تختلف بالتأكيد عن هوية زملائه في القائمة؛ فهو وإخوانه في الحركة الاسلامية سيعرفون انفسهم أولًا وثانيًا وثالثًا كمسلمين لا يساومون، وحقهم طبعًا، ولا يتنازلون عن ثوابتهم ويجاهدون من أجل وطن مشتهى هو دولة الخلافة التي يسعون لإقامتها بدون هوادة أم مهادنة.
كما ستبقى ثوابته الاجتماعية حواجز تبعده عن زملائه في القائمة في عدة قضايا مثلما حصل في مسائل حقوق بعض الجماعات والأفراد والنساء، لاسيما من تعتبرهن العقيدة العاصيات أو الزانيات أو الناشزات أو المتحررات أو الفاجرات أو المتبرجات؛ وما يعد لهن من قصاص وعقاب وحدود. فمكانة النساء وحقوقهن كانت وستبقى محور صدام وارد بين مركبات القائمة، فلا الوطنية تسعفهن، ولا المواطنة تنجيهن ولا الثوابت الهوياتية تشفع لهن. ستبقى جرائم قتلهن باسم ذلك «الشرف المخاطي» في المجتمعات العربية شائعة، كما كانت من أيام العرب الاوائل، وسهلة الممارسة ما بقيت حاضناتها تمتح من عمق آبار ثقافتنا الموروثة منذ قرون، وتتأثر من عناصر هويتنا الاجتماعية المحنطة، وتعشش في عرى حكام خضعوا لسطوة القبائل ولقوة العقائد، ورفضوا تحريم هذا النوع من القتل، وابقوا في قوانين دولهم (ما عدا تونس ولبنان وفلسطين) بنودًا تعفي القاتل باسم «الشرف» من العقاب بشكل تام أو تخفف حكمه بشكل كبير. لقد قتلت وفاء في وسط شارع رئيسي وأمام اعين المارة، وستتحول قريبًا إلى رقم يضاف إلى قوائم الإحصاء، وفي نشرات مؤسسات المجتمع المدني، وسيمضي النائب منصور وحركته برسم معالمهم على طريق مواطنة منقوصة، وستبقى شوارعنا ممالك للعرابيد، وبيوتنا حيّزات هشة ومستباحة، وسينام الناس وهم يلعقون عجزهم مثل القطط، ويدفن بعضهم موتاهم بصمت ويعودون إلى «كهوفهم» بقلوب يدميها الجزع.
لن نعبر إلى ضفة مستقبلنا الآمنة الاخرى إذا لم نتعاط مع الأسئلة الصعبة، ونضع لها الاجابات الصحيحة: فمن نحن؟ هو سؤال الأسئلة، وماذا نريد؟ هو السؤال التالي، وكيف سنصمد وننتصر؟ ثم يأتي بعده، ومن يقود، ومن يقرر في ماذا، هما المحك لانتقاء الطريق والحلفاء وللحذر من المنزلقات والاعداء.
كاتب فلسطيني

 

 

الأسرلة

والتأسرل والعالم المقلوب!

جواد بولس

 

رأينا في المقالة السابقة كيف تعمّدت جميع أجنحة الحركة الصهيونية، وبضمنها نظام إسرائيل القضائي، بمختلف درجات محاكمه، إجهاض إمكانية تشكّل «هوية إسرائيلية» واحدة، لو قيّض لها النمو لصهرت بداخلها، مع مرور السنين، كل المواطنين، اليهود والعرب وغيرهم، الذين عاشوا ويعيشون في الدولة، ولاحتوتهم كأفراد وكمجموعات، وجعلتهم يمارسون حياتهم بشكل طبيعي، وفق ما تمليه عليهم منظومة القوانين، وتخطه حدودها من حقوق وواجبات، على اختلاف منابعها وأصولها ومرجعياتها، كما هو الحال في معظم الدول الحديثة.
لم تولد تلك الهوية المدنية الجامعة لسبب أساسي وهو، موقف وعنصرية الحركة الصهيونية، التي خططت منذ البدايات لإقامة دولة يهودية خالية من العرب، رغم كونهم سكان البلاد الأصليين.
فشلت الصهيونية بتحقيق مرادها، فقامت إسرائيل وبداخلها بضع عشرات الآلاف من الفلسطينيين، الذين رفضوا ابتلاع «الطُعم» فنجوا وبقوا، في بيوتهم/حصونهم، تذكاراتٍ نازفة لعمق الفاجعة من جهة، وتحدياتٍ صارخة لقمع وممارسات حكومات صهيونية عنصرية، شرع قادتها، منذ اليوم الاول لإعلان نصرهم، بالتفتيش عن بدائل أشرس، بعد فشل مخطط حركتهم الأم. حُسم مصير الأسرلة؛ مع أنها كحالة متخيّلة، هي عدوة الدولة اليهودية ونقيضها؛ ورغم ذلك، تحوّلت «الأسرلة» على ألسن بعض المواطنين العرب إلى مسبة شعبوية تطلق في جميع الاتجاهات، من دون رقابة حقيقية، أو تكال كمزايدات أو كتعبير عن جهل متسيّد في مجتمعاتنا؛ وكانت تختلط أحيانًا مع تهمة «التأسرل» رغم وجود اختلافات جوهرية بين الحالتين، أو هكذا يجب أن يكون. قد يكون أول من رفع شعار «الأسرلة» بمعنى المساواة المواطنية التامة، هو الحزب الشيوعي الإسرائيلي، فرفاقه الأوائل وضعوا اللبنة الاولى لما أصبح فيما بعد مطلب الجماهير العريضة: «دولة لجميع مواطنيها».
«التأسرل» في المقابل، ورغم استحالة تشكل الأسرلة، هو ممارسة جائزة ، لكنها لا تأخذ في حياتنا شكلًا واحدًا، بل قد تنعكس في عدّة سلوكيات ويعبّر عنها بعدة مضامين ليست جميعها، بالضرورة، سلبية ومرفوضة، كما يحاول البعض إيهامنا.
هنالك خلط بين الحالات التي يسمّونها، هكذا على وجه التعويم والتعميم، بالتأسرل المشبوه؛ وأجزم أن هذا الخلط مقصود، ففي ثناياه يضيع العميل الحقيقي والمُخبر والمفسد والمثبط للعزائم؛ وتختلط حدود الاندماج وممارسات المواطنة وما إلى ذلك من حلقات يصرّ البعض على ضبطها في الحزمة نفسها تحت اسم «التأسرل» ومساواتها بشكل مغرض. صار العميل في لغة العامة مثله مثل من يربح مناقصة لرئاسة مستشفى، أو من أصبح عميدًا في جامعة إسرائيلية، أو رئيسًا لمجلس إدارة شركة كبيرة، أو مديرًا لعيادات صندوق مرضى «مكابي» أو «مئوحيدت» أو مفتش معارف، أو قاضيًا أو قائدًا لكتيبة في جيش الاحتلال، أو مشاركا في مظاهرة عربية يهودية ضد الفاشية، وضد الاحتلال، أو رئيس بلدية متعاونا، أو كابتن منتخب إسرائيل، أو مضيء شعلة «المجد» الإسرائيلي، أو عاملًا يبني جدار الفصل العنصري، أو مهندسًا في شركة إسرائيلية، تستغل المناجم في نيجيريا؛ ومثلها من حالات لا عد لها ولا حصر، قد يعتبرها البعض وفق قاموس «الفوضى الوطنية» كلها تأسرلًا ؛ والبقية عند من غابوا ونسوا أن يضعوا الحدود ويصححوا الخرائط ويصلحوا البوصلات ويلقوا اليواطر. فهل كل ما ينعت بالتأسرل هو حقًا خروج عن «الصف الوطني» أو وفق بعض «القضاة « يعدّ عمالة أو كفراً؟

الهوية، كما قال محمود درويش: «دفاع عن الذات، إن الهوية بنت الولادة، لكنها في النهاية إبداع صاحبها، لا وراثة ماض.»

لن نعالج لماذا ومتى شاعت هذه السهولة في إطلاق الاتهامات للغير المختلف، ومتى ضاع قاموس الكفاح الشعبي ومفرداته؛ لكنني أعرف أن حكومات إسرائيل وأعوانها كانوا من أوائل المستفيدين من هذه البلبلة، وهم من ساهموا في زرع مناخات الالتباس ودق الأسافين، ووسعوا الشروخات وأقاموا، في سبيل تعزيزها «هوائيات» التشويش البشرية، الحركية والحزبية. ليس كل ما يُذمّ كتأسرل يجب أن يكون محظورًا! فبعض حالاته قد تعني الإصرار على ممارسة حقوق المواطنة الإسرائيلية، التي ننادي بها ونناضل من أجل فرضها على الدولة وعلى مؤسساتها، وهو في هذه الحالات فعل محمود؛ وبعضه قد يعني السعي وراء الاندماج في عروق الدولة، ورفض إصرار ساستها العنصريين على إقصائنا واعتبارنا مشاريع تهجير مخزّنة في ادراجهم. والتأسرل، وليس العمالة مثلًا، قد يطلق بالقصد على من يخدم في جيش الاحتلال، أو على من يتبنى الرواية الصهيونية ويقبل بنشرها في وجه رواية شعبه، و«المتأسرل» قد يكون صحافيًا يعمل في تلفزيون «مكان» أو في منصة إعلامية صهيونية أخرى مع أنه ينشر، بإصرار وبجرأة، مواقفه الإنسانية والتقدمية؛ بينما، لا يكون متأسرلًا، بالمقابل، من يعمل في فضائيات العرب، التي تتغنى بإسرائيل، وتخدم حكام تلك الدول المستبدين، ولا تنشر إلا الفتنة والفرقة والعصبية. والتأسرل يمكن أن يكون قبول صانع أفلام فلسطيني، أو فنان محلي لدعم مادي من صندوق إسرائيلي معدّ لدعم مواطني الدولة، ولا يكون منكراً إذا كان المال قطريًا أو تركيًا أو فرنسيًا أو أمريكياً.
إننا نعيش اليوم في عالم مقلوب، حيث يهاجم فيه، مثلًا، النائب منصور عباس، رئيس الحركة الإسلامية الجنوبية، من قبل إخوانه في الحركة الإسلامية الشمالية ومن الشيوعيين والقوميين في الوقت نفسه، وينعت من قبل جميعهم بالمتأسرل والمتصهين، وأنا لا أفهم كيف ومتى توحّدت مصالح تياراتهم على هذه الجبهة؟ وفي الوقت نفسه تطرد اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الإسرائيلي من صفوفها عضوين يهوديين فاعلين بتهمة مشاركتهما في نشاط لمجموعة اسمها «نقف معًا» علمًا بأن آلاف منتسبيها يناضلون ضد الاحتلال الإسرائيلي، ومن أجل العدالة الاجتماعية والمساواة التامة للمواطنين العرب. إنه عالم مقلوب، لاننا نرى فيه قيادات الحزب الشيوعي الإسرائيلي، الذين دعوا في أنظمة حزبهم «إلى إنشاء جبهة يسار يهودية عربية تكون قادرة على أن تقترح لشعبينا برنامجًا مقنعًا من أجل الخروج من الأزمة الراهنة والسير على طريق السلام والمساواة. الحزب الشيوعي الإسرائيلي يسعى إلى عمل مشترك واسع يقوم على قاعدة متفق عليها، مع أحزاب وأوساط وشخصيات ذوي رؤى مختلفة» – يجهضون محاولات توسيع الصفوف من أجل مصلحة «شعبيهم» ويتسابقون، مثل الاخرين، بإطلاق شتائم التأسرل والتصهين والعمالة بحق رفاقهم وقادة من حزبهم وجبهتهم. إنه عالم مقلوب حيث نرى فيه قادة اسلاميين فاخروا مرة بقربهم من خيمة ملك العربية السعودية، لكنهم هجروها ولجأوا إلى عباءة السلطان أردوغان، وفي كلتا الحالتين لم يترددوا بالصاق تهم «التأسرل» والتهكم على قادة القائمة المشتركة المنتخبين من أبناء شعبهم. إنه عالم مقلوب حين نرى رفاقًا شيوعيين بعد أن تخرّجوا من الجامعات الأممية، وعادوا منائر علم إلى اسرائيل، واستوعبوا في شرايينها الصهيونية ودخلوها آمنين وغانمين بنعمة المواطنة، وهم غير متأسرلين، لكنهم يحاربون رفاقهم بتهم المتأسرلين والمتصهينيين والامبرياليين.
ما الأسرلة إذن وما التأسرل ؟
لن نتوصل إلى تعريف واحد تجمع عليه الاحزاب والحركات السياسية بيننا؛ لكنني لم أفهم، كما قلت، كيف يتوحد الشيوعيون الاسرائيليون، عربًا ويهودًا، مع الإسلاميين ومع القوميين على تعريف بعض حالات التأسرل؛ وقد كنت أتخيّل أن هذه الامكانيات مستحيلة؛ وذلك ببساطة لأن الحزب الشيوعي الاسرائيلي آمن ويؤمن، لا عن طريق التكتيك السياسي، بحل الدولتين للشعبين، وبخلاف ما يؤمن به الإسلاميون، مثلًا، الذين لا يقرّون بحق اليهود في إقامة دولة على أي جزء من أرض فلسطين، التي يعتبرونها وقفًا إسلاميًا معدّاً لاستقبال دولة الخلافة الإسلامية عن قريب؛ وكذلك لأن خلاف الشيوعيين مع القوميين، ما زال كما كان قائمًا حول شرعية إسرائيل وكونها تجسيدًا لحق اليهود بتقرير مصيرهم، وما يترتب على هذا الخلاف من شعارات سياسية ووسائل كفاحية. لا أنكر وجود قواسم مشتركة بين هذه التيارات الثلاثة، لكنني أخصّ هنا قضية «التأسرل» ومضامينها كما نواجهها في حياتنا اليومية؛ فهنالك فروق جوهرية ازاءها، إن لم تحدّدها قيادات الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية، فستبقى «الفوضى الهوياتية» طاغية، والتيه السياسي مستمراً، وسيبقى كل هاو أو حاو أو مغرض قادرًا على سحب «جوكره» وإطلاق تعريفه لفعل «التأسرل» وكأننا في لعبة ورق عبثية !
لا فراغ في السياسة؛ فإن غبتَ عن موقع سيزرع غيرك فيه؛ وإسرائيل لا تغفو ومثلها من يؤمن أن مشروعه صار قاب قوس وأدنى، وأنّ الفرج يقهقه على أدراج القدر؛ والهوية، إن نسيتم يا رفاق، هي كما قال الدرويش في طباقه: «دفاع عن الذات، ن الهوية بنت الولادة، لكنها في النهاية إبداع صاحبها، لا وراثة ماض ..»
كاتب فلسطيني

 

الأسرلة

جواد بولس

 

 «الأسرلة» وصف شاع في السنوات الأخيرة كمذمّة يطلقها البعض في وصف فعل، أو دعوة، أو مبادرة اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو ثقافية، بهدف تشويه سمعة الفاعل/الداعي/ المبادر ومهاجمته، ووأد فعله لكونه «غير وطني» ولا يخدم مصالح المواطنين العرب في إسرائيل، كما يراها ويعرّفها ويؤمن بها أولئك المهاجمون والمنتقدون. فما الأسرلة إذن؟
يغيب عن بال معظم المنشغلين في هذه القضية، موقف قادة الحركة الصهيونية والمؤسسة الحاكمة بكل أجنحتها، الذين حسموا هذه المسألة منذ البدايات وأجهضوا إمكانية نشوء حالة «الأسرلة» الرسمية، حين قمعوا كل محاولة فردية أو جمعية للمطالبة بها. قد يكون قضاة المحكمة العليا في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم هم السباقون، و»أبطال» هذه المهمة، فقراراتهم المبكرة والمثابرة حالت عمليًا دون امكانية نشوء «هوية مدنية إسرائيلية» لجميع مواطني الدولة، تشمل بداخلها مركبات ثانوية أخرى مثل الديانة وغيرها.
جاءت قرارات المحاكم الإسرائيلية قبل تشريع قانون القومية بخمسين عامًا، في عدة قضايا، حاول من خلالها بعض المواطنين اليهود وغير اليهود تسجيل أنفسهم في هوياتهم كـ»إسرائيليين» وليس يهودا، إلا أن صهيونية القضاء وعنصريته وتحيّزه، منع قوننة «الأسرلة» لإبقاء اليهود، حسب هذه القرارات، أسياد البلاد، والآخرين ضيوفًا يجلسون على الريح. لقد ثبّت القضاة عبر تلك السنين «إسرائيل» اسماً لدولة كانت وستبقى دولة يهودية لا يسكنها «إسرائيليون» بل يهود، لأنها كما كتبوا في قراراتهم، كيان قام «كدولة يهودية في أرض اسرائيل، وكحق طبيعي للشعب اليهودي، كي يعيش مثل باقي الشعوب في دولته اليهودية السيادية». فلا يوجد انفصام بين اليهود والإسرائيليين، ولن يكون. إذن، ما بين أسرلة مستحيلة وغيرها من الحالات، بعضها مستكره وبعضها طبيعي، تضيع الطاسة وتذوب الفوارق وتنتعش الفطريات.
يساورني شعور بأنّ الغالبية العظمى من المواطنين العرب لا تولي هذه الحالة اهتمامًا جدّيًا، ولا تتوقف عند ما يعنيه حقيقةً مُطلق التقريع؛ فأكثرية الناس تسمع هذه «المسبة» بحق فلان، أو تلك المجموعة المتهمة بذلك الفعل المدان، ويمضون إلى مواقع عملهم، وإلى مصادر أرزاقهم المرتبطة بطبيعة الحال بأسواق الإنتاج والعمل والاستهلاك الإسرائيلية. لا يمكن أن تغطي مقالة أسبوعية واحدة كل جوانب هذه القضية الملتبسة؛ ولذلك سأكتفي اليوم بالتطرق إلى مهاجمة بعض الأفكار السياسية الخارجة عن نطاق المألوف، والانتقاص من محاولات بعض الأشخاص أو المجموعات اقتحام المستقبل بأدوات وبطروحات سياسية جديدة؛ وقد شهدنا الموجة الاخيرة من هذه الهجمات ضد مجموعات من الأشخاص البارزين، والمشهود لهم بانتمائهم الحقيقي لقضايا شعبهم ولمصالح مجتمعاتهم، كان بضمنهم النائب أيمن عودة. بعض من الذاكرة لن يضر.. فعندما كنا طلابًا جامعيين في أواسط سبعينيات القرن الماضي، عشنا مخاضات سياسية ثلاثية الأضلاع؛ كطلاب عرب وقفنا معًا في وجه القوى اليمينية التي كان يقودها في حينه من أصبحوا اليوم وزراء في الدولة كيسرائيل كاتس وتساحي هنجبي وأيفيت ليبرمان وغيرهم، ممن يتحكمون في أجهزة الدولة وسياساتها؛ أما داخليًا فكانت المواجهة محتدمة بين «جبهة الطلاب العرب» وفي طليعتهم وقف رفاق الحزب الشيوعي الإسرائيلي، و»حركة أبناء البلد» التي دأبت على رفع شعارات قومية، وعلى نعت الحزب الشيوعي بالأداة الإسرائيلية وعلى مهاجمة تاريخ نشاطاته قبل إقامة اسرائيل وبعدها.

أحداث يوم الأرض كانت عتبة مهمة لتجذير مفهوم المواطنة الكاملة ووضوحها كرافد للبقاء السليم، وكونها استحقاقًا طبيعيًا لنا

لا أعرف من يذكر اليوم تفاصيل تلك الصدامات، فالمواجهات تعدت رفض «حركة ابناء البلد» لشعارات «الحزب الشيوعي» السياسية ورؤيته للحل، من خلال إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإقامة دولتين لشعبين، بل وصلت إلى حالات من التخوين السافر، والاشتباكات الجسدية العنيفة، إذ أن شعار القوميين في تلك السنوات أكد على أن تحرير القدس سيمر أولا بتحرير جزيرتي «سبتة ومليلة» المغربيتين من براثن الاحتلال الإسباني، وعلى أن حل القضية الفلسطينية لا يكون إلا بالمقاومة، وإقامة دولة ديمقراطية واحدة على جميع أرض فلسطين؛ ومن لا يؤمن بذلك فهو خائن ومفرّط. كانت الأسرلة، إذن، وقتئذ «الوصمة» الكبرى التي ألصقها ناشطون قوميون، أو بعضهم ادّعى القومية، بأهم تنظيم سياسي عمل على بعث روح البقاء والصمود بين الأقلية الفلسطينية، الناجية من مزايدات القوميين، وبعد أن هندس قياديّوه، برؤى حكيمة وكفاحية واقعية، ضفتي نجاتها في الوطن: هوية فلسطينية جامعة، ومواطنة إسرائيلية متساوية بالحقوق. في تلك السنوات لم يكن مصطلح «الأسرلة» شائعًا كمسبة، كما في أيامنا هذه، وقد يكون جديرًا دراسة أسباب ذلك؛ لكنني أجزم أن من بين تفسيرات تلك الحالة، سنجد وضوح تعريف «العمالة» ومضامينها والإجماع شبه البديهي على من يكون العميل أو «الذنب» كما درجت العامة على تسميتهم.
وإلى جانب ذلك سنجد، كذلك، أن عدم نضوج فكرة المواطنة داخل مجتمعاتنا التي واجهت حتى عام 1966 قمع الحكم العسكري الإسرائيلي، لم يدفع المواطنين إلى الاهتمام بماهية «الأسرلة» لاسيما وقد عاش معظمهم تحت رهبة ونفسية النكبة، التي لم يخرجوا منها، إلا إبان أحداث يوم الأرض، الذي من دون شك كان عتبة مهمة لتجذير مفهوم المواطنة الكاملة ووضوحها كرافد للبقاء السليم، علاوة عن كونها استحقاقًا طبيعيًا لنا.
لقد رافق تلك التطورات وعي قيادات ذلك الزمن بضرورة إنشاء شبكة من الأطر المساندة والكفيلة برسم السياسات المرغوبة والضرورية من جهة، وبمواجهة ممارسات الدولة العنصرية من جهة أخرى، فكانت ولادة «اللجنة القطرية لرؤساء المجالس المحلية والبلديه العربية» ومعها مجموعة من الجمعيات الأهلية والشعبية والنقابية، عناوين مكلفة بمتابعة البعد المدني واستحقاقاته المواطنية، أما «اللجنة العليا لمتابعة شؤون الجماهير العربية» فجاءت لتداري الرافد القومي، وما يتفرع عنه من ضرورات وموجبات ومهام؛ وبقيت الأحزاب والحركات السياسية المشاركة في الكنيست عناوين لإدارة المعركتين، وفق ما يراه كل حزب وحسب عقائده وأولوياته.
من دون أن نستعرض جميع المحطات السياسية والتحولات الاجتماعية التي مرت بها مجتمعاتنا المحلية بعد تلك المرحلة، من المهم أن نلحظ أن أهم المتغيرات التي طرأت عليها، لم تكن بالزيادة العددية وحسب، بل بنشوء شرائح جديدة وطبقات اجتماعية حديثة، أفضت ولادتها إلى نمو شبكة من المصالح، الفردية والجمعية، مع الدولة، وفرضت، بالتالي، أنماط اشتباك واندماج مع مؤسساتها لم نعهدها من قبل.
استمرت المحاولات لخلق التوازن داخل المعادلة الثنائية، حيث بقيت الجبهة الديمقراطية وأدواتها المجرّبة والعريقة رأس الحربة في هذه المهمة، إلا أنها، لأسباب كثيرة، لم تعد قادرة على أداء هذا الدور، ودخلت مؤسساتها في حالة من التكلس والجمود، وراح بعض قادتها ينافسون زملاءهم من الأحزاب الاخرى في الجري والتودّد لزعماء العرب ولطغاتهم، والتراخي أمام تنامي مدّ حركات الإسلام السياسي، حتى ضاعت بوصلة الجماهير المجرَّبة، واختلّ قاموس المعاني، فلم يعد للعميل تعريف يجمع عليه، ولا كل وطني مأمول، واستحضر كل حاو «إسرائيله» حتى غدت «الأسرلة» هوى وموالا يغنيه كل «ثائر» على هواه.
في ظل «فوضى القيادة» ومع جنوح المجتمع الإسرائيلي إلى يمينيّة عنصرية وفاشية سافرة، وبسبب عوامل خارجية ومحلية أخرى، ازدادت قوة الأصوات المطالبة بعملية الإقصاء الذاتي، ومقاطعة مؤسسات الدولة، فسادت حالة من العدمية الخطيرة، التي أوصلت مجتمعاتنا إلى حالة من «السيلان الهوياتي» والتدحرج نحو قاع الهاوية، وإلى عبثية لم تعد محتملة؛ فصار أهون على بعض المتعاطين بالسياسة، والخائفين على مواقعهم الحزبية، مهاجمة الأنقياء والمجتهدين ورميهم بتهمة الأسرلة حينًا والصهينة أحيانًا، بينما نراهم يصمتون ويخنعون امام العابثين في خيرات بلداتهم والمفتنين والمتطاولين والفاسدين والبلطجيين.
ما الأسرلة إذن، ومن يقرر ما هي وما بينها وبين أحكام المنفعة أو «العثمنة» أو «البلشفة» أو «القطرنة» أو «البوتنة» أو «السعدنة» أو «البشرنة»؟ ومتى تكون مذمومة ومرفوضة، حتى يستحق من يمارسها تهمة الخروج عن الصف الوطني أو المتصهين أو الجاسوس؟
يتبع ..
كاتب فلسطيني

 

صائب… مفارقات

غريبة ومسيرة طويلة

جواد بولس

 

ما زال أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات، يرقد في مستشفى «هداسا» الإسرائيلي بوضع صحي حرج، لكنه مستقر، حسبما أفادت عائلته مؤخرًا.
وقد أصيب الدكتور صائب عريقات بفيروس كورونا، وبقي تحت المراقبة الطبية المحلية في بيته الكائن في مدينة أريحا، إلى أن تدهورت حالته الصحية بشكل مقلق، ما استوجب نقله إلى مركز طبي فيه ما يلزم من طواقم مؤهلة، ومعدّات ملائمة لتأمين الرعاية الطبية المثلى، لمن خضع مثله قبل ثلاثة أعوام لعملية زرع رئتين في أحد مستشفيات أمريكا.
لم تمرّ هذه الحادثة من دون أن يتناولها بعض الفلسطينيين بانتقاداتهم الشديدة، أو بالتهكم أحياناً أو بالتشفي، أو بالتعبير عن رفضهم لاختيار عائلة عريقات نقل مريضهم إلى مستشفى إسرائيلي، فقد كان أولى بهم، حسب أولئك المعقبين، إبقاءه تحت إشراف أطباء فلسطينيين، أو نقله إلى إحدى الدول العربية، مثل الأردن
في بداية تسعينيات القرن المنصرم، أصيب والدي، وهو في منتصف خمسينه، بسرطان الكبد، كنا نحبه كثيرًا، كأب وكمعلم لنا في المدرسة، وكصديق صدوق عندما كبرنا. خفنا أن نفقده وهو مازال في قمة تألقه وعطائه، فحاولنا أن نجترح المعجزات لننقذه، وتعلقنا بكل تميمة ودعاء، وسعينا وراء كل بارقة أمل وفرصة للنجاة. بعد جهود واستئناس برأي الخبراء، الذين يعملون مع أخينا الطبيب، فهمنا أن أهم قسم لعلاج هذا النوع من السرطان موجود في مستشفى مدينة هانوفر الألمانية؛ تواصل أخونا منذر مع زميله الطبيب الجراح المتخصص هناك، واتفقا على نقل والدنا ليجري العملية عندهم. لن أحدثكم عما عانيناه قبل اتخاذ القرار، ولا كيف تخطينا جميع العثرات؛ فقد قررنا أن نبذل كل ما نستطيع لتأمين الفرصة، مهما كانت ضئيلة، من أجل انقاذ «بطلنا». كانت عمليته معقدة، لكنها تمت بنجاح؛ فاستؤصل الورم وعدنا لنحيا في ظله بضعة أعوام قليلة، قبل أن ينتصر عليه المرض مجدداً ويرحل عنا بسلام.
لقد تعرفت إلى صائب عريقات في مطلع ثمانينيات القرن المنصرم، وكان يعمل محاضراً للعلوم السياسية في جامعة النجاح في مدينة نابلس، ويكتب كلمة تحرير جريدة «القدس» التي ما زالت تملكها اليوم عائلة صاحبها الراحل الصحافي العريق محمود أبو الزلف. كان الاحتلال يرصد جميع ما ينشر باقلام فلسطينية، خاصة إذا كانت مقالات تخاطب عقول النخب الليبرالية في الجامعات الغربية، وفي سائر المحافل والمعاهد الدولية، لاسيما إذا كان يعتمد كتّابها على السردية الفلسطينية الناضجة، واللغة العلمية الحازمة، وتلك التي كانت توثق جرائم الاحتلال وممارساته اليومية بطريقة مهنية. طلب صائب أن يقابلني ذات مساء، وأوضح أنه يريد مني استشارة قانونية؛ واقترح أن نلتقي في مكاتب جريدة «القدس» في شارع علي بن أبي طالب قبل انتقالها إلى مقرها الجديد بجانب مطار القدس في منطقة قلنديا. دخلت غرفة أبي مروان، محمود أبو الزلف، حيث كان يستقبل فيها في الأمسيات الأصدقاء وبعض أعلام القدس، في جلسات كانت تتناثر فيها الطرائف والنوادر الممتعة، وكان عبق التجارب يتطاير من جنباتها؛ وكنا، أنا وصائب حينها، أصغر الحضور سنًا.

لم انتظر طويلًا لافهم سبب استدعائي، فقد كان موضوع حديث لمة ذلك المساء هو، لائحة اتهام قدمتها نيابة الاحتلال الاسرائيلي ضد صائب عريقات لدى المحكمة العسكرية في نابلس بتهمة التحريض والإخلال بالنظام العام. كانت محكمة نابلس العسكرية واحدة من عدة محاكم نشرها الاحتلال في عدة مدن فلسطينية محتلة؛ وكانت تعمل من داخل مبنى قديم أقامه البريطانيون، واستغله جيش الاحتلال مقر حكمهم على تلك المنطقة، وسجنا ومحكمة عسكرية. قرأ القاضي التهمة، فأنكرتُها باسم صائب، محاولا أن أشرح أن المقال، الذي يعتبرونه تحريضاً، هو محض موقف سياسي لأكاديمي، يندرج ضمن حرية التعبير عن الرأي، وعليه يجب إغلاق الملف بحق موكلي.
كانت سياسة ترهيب المثقفين في أواسط الثمانينيات في أوجها، كجزء من مخطط شامل للاحتلال، استهدف وجود الحركة الوطنية بشكل عام، وبناء بدائل محلية لها.
دخلنا المحكمة ونحن على قناعة أن نجاحنا في المعركة القانونية سيكون شبه مستحيل؛ فدور المحاكم العسكرية كان قد أعد منذ البدايات، ليضفي على ممارسات الاحتلال شرعية كاذبة، وليسوّغ، بوسائل «قانونية» شبه عسكرية، سياسات الاحتلال وقمعه ضد جميع الفلسطينيين. وكما توقعنا حصل؛ فقد قبل القاضي، بعد سماع الادعاءات ومرافعات الطرفين، طلب ممثل النيابة العسكرية، فأدان صائب بتهمة التحريض، وانتقلنا إلى مرحلة تحديد العقوبة، التي لم تشغل بالنا في البداية، لأن معظم الإدانات المشابهة بقضايا التحريض كانت تنتهي بالحكم بعقوبة السجن لبضعة شهور معدودة، مع وقف التنفيذ على المدان، وبفرض غرامة مالية خفيفة عليه. إلا أن المدعي طلب بشكل مفاجئ تعليق الجلسة لمدة نصف ساعة، كي يجري اتصالاً ضرورياً، حسب ما أدلى به لمحضر الجلسة. استؤنفت المداولات بعدها؛ فوقف المدعي وألقى خطبة قصيرة أكد فيها على سياسة العقوبات المعروفة في مثل هذه القضايا، لكنه اضاف أنهم قرروا في هذه القضية أن يحيدوا عن تلك السياسة ويطالبوا المحكمة بإلقاء عقوبة السجن الفعلي لمدة ستة أشهر بسبب مكانة المتهم وعمله كمحاضر.
لم أصبر حتى نهاية مداخلته، فقاطعته بغضب واضح، وحاولت أن أطلب من القاضي تأجيل الجلسة لموعد آخر، كي نعد مرافعتنا الدفاعية، ونفند ما تحاول النيابة ادعاءه؛ فلم يعطني القاضي فرصة للكلام، وكان يسكتني بعناد مقزز، وبطريقة مستفزة، وأنا، من جانبي، أصر على تسجيل طلبي في المحضر. صارت أجواء القاعة مشحونة فنظرت صوب صائب، الذي بدت على وجهه علامات الدهشة، وعدم استيعاب ما يجري حوله. وفجأة أعلن القاضي أنني متهم بتحقير المحكمة وقام في الثانية نفسها بإدانتي وبفرض غرامة مقدارها ألف وخمسمائة شاقل على أن أدفعها فورًا. أجبته، بدون انتظار، أنني أرفض قراره، ولن ادفع الغرامة بالمطلق. تدخل المدعي العسكري وطلب تأجيل الجلسة بعد أن شعر بأن الامور قد تخطت ما تصوره.
في أحد الفحوصات الدورية التي أجريت في منتصف عام 2000 لرئيس دولة إسرائيل عيزرا فايتسمان في مستشفى رامبام الحيفاوي، تبين أنه بحاجة لتركيب جهاز حديث ومعقد يقوم بتنظيم عمل قلبه، عن طريق إجراء عملية جراحية حساسة ومستعجلة. أُخبر فايتسمان أن من يستطيع إجراء هذه العملية في المستشفى هو طبيب عربي متخصص في هذا المجال؛ لكنه منح، في الوقت نفسه، إمكانية اختيار طبيب بديل من خارج البلاد لو رغب. «أحضروا الطبيب العربي»؛ قال فايتسمان لطاقم مستشاريه، ففي هذه الأمور يجب أن يعود الإنسان إلى أصله الأول ويتصرف بإرادة نقية خالية من كل شائبة، زيدت عليها خلال مسيرة حياته طويلة كانت أم قصيرة.
كان ذلك الطبيب هو أخي منذر، الذي اختار مع زملائه من المستشفى نفسه، مدينة هانوفر الألمانية ملجأ لنجاة والدنا. نجحت عملية فايتسمان؛ فكتبت الصحف أن طبيباً عربيا أنقذ قلب رئيس الدولة؛ وذلك في مفارقة قد أغلقت دائرة عبثية وأبقت للتاريخ مشهداً انسانياً خالياً من أي زوائد أو شوائب.
أعلن قبل عشرة أيام عن وفاة نائب رئيس جهاز المخابرات العامة السابق يتسحاك إيلان عن عمر ناهز الأربعة والستين عامًا، بعد إصابته بفيروس كورونا. هاجر يتسحاك ايلان إلى اسرائيل من جورجيا وتجند عام 1982 لجهاز «الشابك» وتقدم في صفوفه، حتى شغل في منتصف الثمانينيات منصبًا رفيعًا ومسؤولًا في منطقة «يهودا والسامرة»؛ وهي الفترة ذاتها التي اتهم وأدين فيها صائب عريقات بالتحريض والإخلال بالنظام العام. خضع إيلان قبل عام لعملية زراعة رئة، ونقل بعد إصابته بالفيروس إلى مستشفى بيلينسون، حيث فشل الأطباء بإنقاذ حياته. اعتاد صائب أن يروي تفاصيل ما جرى معنا في محكمته كشهادة على عبثية القضاء العسكري، وكان يعيد الحكاية مراراً وتكرارا من باب الدعابة والشهادة على تاريخ علاقتنا الشخصية؛ خاصة بعد أن ترك عالم الأكاديميا ومضى على دروب السياسة الشائكة والمضنية؛ وهي ليست حكايتنا اليوم.
لا أعرف كم ممن تعرضوا لحالته اليوم يعرفون سيرته على حقيقتها؛ لكنني أعرف أن من حقه أن يحيا، وأن إنقاذه واجب حتى لو حصل بأيادي أطباء إسرائيليين؛ وأعرف، أيضا، أن إقحام صائب السياسي من قبل معارضيه في هذه المرحلة هو تجن، فالحياة لمن لا يعرف هي سلسلة مفارقات يهندسها الحظ ويغذيها العطاء ويثبتها الوفاء وتهدمها الشماتة ويحبطها الفشل.
كاتب فلسطيني

 

من يسمع صرخة هذا

«الأخرس» من أجل الحرية

جواد بولس

 

ردت المحكمة العليا الإسرائيلية يوم الثلاثاء المنصرم التماس الأسير الفلسطيني ماهر الأخرس، ابن قرية سيلة الظهر التابعة لمحافظة جنين، ورفض قضاتها الثلاثة طلب محاميته الإفراج عنه، بسبب تردّي حالته الصحية ووصولها إلى مرحلة تنذر باحتمال موته الفجائي في كل لحظة؛ حسب إفادات الأطباء، الذين يتابعون مسيرة إضرابه عن الطعام، التي بدأها في يوم اعتقاله في السابع والعشرين من تموز/يوليو الماضي، والإعلان عن حبسه إداريًا لمدة أربعة أشهر، من المفروض أن تنتهي في السادس والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
لم يفاجئ القرار كل من يعمل في الدفاع عن الأسرى الفلسطينيين، لاسيما من دافعوا عمن خضعوا لتجربة الاعتقال الإداري، وحاولوا طيلة خمسة عقود، الاستجارة بعدل محكمة فُوّضت، عن خبث، بصلاحية استقبال التماسات المتظلمين الفلسطينيين ضد سياسات الاحتلال، وسلّمت عن تخطيط مسبق، مهمة لتسويغ ممارسات الاحتلال ولفها بأوراق من عدل زائف وتسويقها، في رحاب العالم المتحمس لإجارة إسرائيل «الضحية» كبيّنة لكونها دولة منصفة بحق الجميع، حتى بحق ألدّ أعدائها الذين يقاومونها ويعتدون على سلامة شعبها بالكلمة وبالسكين وبالمولوتوف.
كانت هذه في الواقع جولة الأسير الأخرس الثالثة، التي حاول فيها، في أقل من شهر، أن يقنع المحكمة بضرورة الإفراج عنه لأسباب صحية، لكنه لم يحصد في جميعها مبتغاه؛ بل واجه ما واجهه في الماضي إخوانه ممن خاضوا مثله إضرابات طاحنة عن الطعام، ووصلوا، مثله أيضًا إلى حلق القدر، ولم تسعفهم نزاهة المحكمة؛ بل أكد تصرف جميع قضاتها وفاءهم للدور، الذي كان مرسوما لهم، وإنهم فعلًا ذراع الاحتلال الطولى وجنوده «الحكماء» الذين يعرفون كيف يبيعون ظلم احتلالهم للشعب الفلسطيني، حتى لو كان عاريًا، في أسواق «ضمائر الأمم» الفاسدة، ويقلبون الحقائق في مسارح العبث، وينالون إعجاب النخب وفقهاء الشعوب «المتحضرة».
لقد شهدت نضالات الحركة الأسيرة الفلسطينية، على طول مسيرتها، إضرابات قاسية عن الطعام، برزت من بينها، في آخر عقدين، ظاهرة الإضرابات الفردية، حيث وصلت حالات بعض المضربين إلى منطقة الخطر الحقيقي، كما هي حالة ماهر الأخرس في هذه الأيام؛ ورغم ما كان يتوقعه كل صاحب ضمير من قضاة يخدمون في محكمة سميت مجازًا «محكمة العدل العليا» فقد تصرف القضاة بدون حرج أو ضيق، وأوجدوا بدهاء لافت وغير مسبوق، مخرجًا قضائيًا هدفه إسعاف قادة جيش الاحتلال وجهاز المخابرات العامة، حين اخترعوا تقنية «تعليق» نفاذ أمر الاعتقال الإداري الذي كان يواجهه الأسير ساعة وصوله إلى لحظة الصفر؛ فعلقوا أمر اعتقاله، لكنهم قضوا بابقاء المضرب في المستشفى نفسه بصفته مريضًا يخضع للعناية الطبية والمراقبة، إلى أن يرتقي نحو سمائه أو يستعيد عافيته، فعندها يحق للقائد العسكري إحياء أمر الاعتقال مرة أخرى. إنها فذلكة جهنمية أفضت عمليًا إلى إبطال منزلة الفلسطيني، المقاوم بخواء معدته، وحوّلته من أسير حرية إلى مجرد مريض وشبه منتحر بإرادته، علمًا بأنه محجوز في قفص «عدلهم» ولا يملك حق اختيار أطبائه ولا مشفاه.

وحدة الحركة الأسيرة شرط لنجاح نضالات أفرادها الجماعية والفردية، واتفاقهم على آليات نضالهم، سيبقى ضرورة مصيرية ومسؤولية وطنية عالية

حاول القضاة إغواء الأسير الأخرس، وإقناعه بإيقاف إضرابه مقابل الالتزام بعدم تمديد أمر اعتقاله بعد السادس والعشرين من نوفمبر المقبل، وعندما رفض الأسير عرضهم قاموا برد التماسه، بعد أن قام القاضي سولبرغ كاتب القرار، باستعراض حيثيات ما جرى قبل تلك الجلسة، مؤكدًا على أن هيئة سابقة من ثلاثة قضاة كانت قد علقت، في الثالث والعشرين من شهر ايلول/سبتمبر المنصرم، أمر الاعتقال الإداري الصادر بحقه، وابقوه في مشفى «كابلان» في مدينة رحوبوت، كمريض بدون أصفاد. كان قرارهم، كما قلت، متوقعًا، فهذه التقنية صارت في حكم السابقة القضائية الملزمة، ولن يشذ عنها أي قاض من قضاة المحكمة، فما بالكم إذا كان اثنان من هيئتها، التي أصدرت حكمها قبل أيام، مستوطنين يعيشان على أرض فلسطينية محتلة، وشغل ثالثهم منصب مستشار الحكومة القضائي زمن وقوع أحداث اكتوبر من عام 2000 الدامية. شهدنا، بعد صدور القرار، ردود فعل متزنة على الساحة الفلسطينية، فقادة السلطة الفلسطينية وبعض المؤسسات الناشطة في الدفاع عن الأسرى الفلسطينيين، وعن حقوق الإنسان شجبت بحرقة قرار المحكمة الإسرائيلية واتهمت القضاة بأنهم يشرّعون عمليًا قتل المواطن الفلسطيني، حتى لو لم يكن متهمًا بأي تهمة، ولم يُدن في محكمة عادية، ونادوا بوجوب وقف سياسة الاعتقالات الإدارية المنافية لجميع المواثيق الدولية؛ بينما ذهب قادة حركة الجهاد الإسلامي، التي ينتمي اليها الأسير ماهر الأخرس، كما جاء في نص أمر الاعتقال الإداري، إلى تهديد اسرائيل بإمطارها بالقذائف، إذا لم تفرج عن الأسير، أو إذا حدث له أي مكروه. وتحرك نواب القائمة المشتركة داخل الساحة الإسرائيلية، وزار بعضهم الأسير في مشفاه متضامنين معه، وشاركوا مع قيادين آخرين، كرئيس لجنة المتابعة، محمد بركة، في وقفة متواضعة دعت إليها اللجنة امام المستشفى، وفي وقفات أخرى شاركت فيها اعداد من الناشطين والمحتجين. بدأ الاسرى الفلسطينيون في السجون الاسرائيلية باتخاذ بعض الخطوات الاحتجاجية وأعلنوا عن نيتهم تصعيد نضالاتهم حتى يتم الإفراج عن الأسير. في المقابل، طغى صمت الشارع الفلسطيني على المشهد العام وغابت تلك الطفرة الشعبية والعالمية التي شهدناها قبل سنوات، مع بداية
نشوء ظاهرة الإضرابات الفردية، كتلك التي رافقت إضراب الشيخ خضر عدنان، ومن أضربوا بعده مباشرة في تلك التجربة المهمة. يسألني البعض، عن خوف ومرارة، عن مصير ماهر الأخرس، وعن موقفي من ظاهرة الإضرابات الفردية، فأجيب، أن إسرائيل، بمؤسساتها الأمنية والقانونية، ستبقى المسؤولة عن حياة ماهر وعن سلامته، وسنعمل أنا وزملائي بإصرار من أجل الإفراج عنه؛ لكنني مازلت لا استوعب متى سيقرر الفلسطينيون إعادة النظر باستمرارهم في طرق «ضمير» المحكمة العليا الاسرائيلية، فأنا لا أفهم ماذا ينتظر مقاوم يصرخ: إما الحياة بكرامة وبحرية وأما اللاحياة، من قضاة يرونه «مخربًا» وحسب، ويعتبرون احتلالهم لأرضه تحريرًا واستعادة لحق رباني أُعطوه منذ الأزل.
لم اكن يومًا من أصحاب المواقف المطلقة، فقد أكدت سابقًا وأوكد اليوم على أن الاضرابات الفردية هي أداة مشروعة من أدوات النضال والاحتجاج ضد الاحتلال، التي لجأ إليها الأسرى في الماضي والحاضر؛ وهي أداة أن أجيد استعمالها تؤدي حتمًا إلى إحراز نجاحات وإلى تحقيق ما وراءها من مطالب، ولهذا فأنا لست من أنصار نفيها بالمطلق، ولا إجازتها بالمطلق. ستبقى منفعة استعمالها مقيدة بتعريف الهدف والمطلب اللذين من أجلهما يعلن الإضراب، بعد الأخذ بجميع الظروف المحيطة بزمن ومكان إعلانه؛ فكلما كان الهدف محددًا وواضحًا وواقعيًا، ومن الممكن تحقيقه، سيحظى الإضراب الفردي بإجماع أوسع وبمساندة أصلب. ومن المهم أن يكون الإضراب الفردي من أجل هدف يتعدى مصلحة معلنه الضيقة، فيجب الانتباه كي يخدم نجاح ذلك الفرد بإضرابه مصالح مجموعة أو فئة أو مجمل الحركة الأسيرة؛ وكذلك من المهم أن ينأى المضرب عن تسخير خطوته من أجل مصالح فصيله أو حزبه، كما على فصيله أو حزبه السياسي، بالمقابل، ألا يركبا على كتف هذا الأسير وترصيد ريع نضاله في حسابات بعيدة عن مصالح وحدة الحركة الاسيرة ككل.
واكبت عذابات الحركة الأسيرة ونضالاتها على مدار أربعين عامًا، وتيقنت أنها إفراز طبيعي لحالة غير طبيعية، فما دام الاحتلال موجودًا سيبقى من يقاومه وسيبقى أسرى للحرية في السجون الاسرائيلية. لقد علمتنا تجربة البنائين الأوائل، بخسائرها وإنجازاتها، أن وحدة الحركة الأسيرة هي شرط مؤسس لنجاحات نضالات أفرادها الجماعية والفردية، وأن اتفاقهم على آليات نضالهم، وبضمنها الإضرابات الفردية، سيبقى ضرورة مصيرية ومسؤولية وطنية عالية. يختلف البعض على صحة الخطوة ويصر آخرون ألا يسمعوا صراخ هذا «الاخرس»؛ ويسعى غيرهم للاستثمار سياسيًا في شقائه أو على النقيض، تقويض تداعياته؛ لكن الحقيقة تبقى، كما كانت، بعيدة عن جميع مصالح أولئك؛ فماهر وأمثاله يجوعون من أجل الحرية والحياة بكرامة.
كاتب فلسطيني

 

من سيدق الأجراس

على باب جهنم؟

جواد بولس

 

نشرت صحيفة «هآرتس» العبرية، يوم الاثنين المنصرم، نبأ أفاد بأن شرطيا اسرائيليا كان يستقل دورية رسمية مع زميل له، صرخ بمكبر الصوت، حين مرّ بجانب من كانوا يتظاهرون ضد بنيامين نتنياهو، وأعلن بما يشبه التهديد والتحذير: «فقط بيبي». كُشف عن هذه الحادثة بعد أن تم تسجيلها وتصوير سيارة الدورية من قبل أحد المشاركين في المظاهرة، التي دعت إليها منظمة «الأعلام السوداء» وأقيمت في منطقة «كفار فيتكين».
قد تبدو هذه الحادثة للبعض مجرد مزحة عابرة هامشية؛ بينما هي، برأيي، عكس ذلك؛ فسياقها يجب أن يُموضع ويُقرأ على خلفية المشاهد التي تصدّرت نشرات الفضائيات، واستعرضت أخبار اعتداءات قوات الشرطة الإسرائيلية على المتظاهرين المتدينين اليهود، حيث أكّدت مناظر عنف عناصر الشرطة المنفلتين، مرة أخرى، أننا ازاء ظاهرة خطيرة تستوجب التوقف عندها، لأنها تعكس حقيقة وطبيعة النظام السياسي الذي سيحكم الدولة في السنوات المقبلة.
معظم المواطنين العرب لا يعيرون هذه الأخبار «الصغيرة» والمشاهد المستفزة أي اهتمام، كما لم يعيروا، اعتداء هذه الشرطة نفسها، قبل شهر، على المتظاهرين اليهود أمام بيت رئيس الوزراء نتنياهو في شارع بلفور، وكان بينهم العديد من الشخصيات المعروفة بتاريخها الصهيوني البارز مثل، رئيس جهاز الشاباك السابق كرمي جيلون الذي جرح هو وغيره في تلك المظاهرة. لا أعرف متى ستستوعب نخبنا الواعية وقياديونا، أننا نقف على «عتبة جهنم»؛ ولا نملك ذلك الترف، مهما كانت مسبباته، لإغفال ما يحصل، أو لتأجيل مواجهته، أو للشماتة بسببه؛ كما تشعر بعض القطاعات الواسعة بيننا، ولسان حالهم يلهج ويقول: إنهم يأكلون بعضهم، فدعوهم يسيرون نحو حتفهم بأرجلهم. هنالك هوة كبيرة بين ما يجري من تفاعلات سياسية داخل المجتمع اليهودي، وما يوازيها من ركود مقلق يتحكم في فضاءات مجتمعاتنا العربية السياسية وانهيارات في السلوكيات الاجتماعية؛ فبين الأكثرية اليهودية تتنامى وتكتمل مظاهر الفاشية، وفي مواجهتها تتسع حلقات المعارضين، الذين بدأوا يستشعرون بحتمية ذلك التطور الذي سيفضي إلى تشكل نظام ديكتاتوري شبيه بجميع الأنظمة الفاشية السوداء التي عرفها التاريخ، لاسيما في الفترة الواقعة بين الحربين العالميتين.

مناظر عنف عناصر الشرطة الإسرائيلية المنفلتين، تعكس حقيقة وطبيعة النظام السياسي الذي سيحكم الدولة في السنوات المقبلة

أما في المقابل، وعلى الرغم من اقتناع معظم طلائعي النخب العربية، المزودة بأدوات علمية، والمنكشفة على تجارب الشعوب الأخرى، بأن ممارسات النظام الفاشي الجديد، على الصعيدين العام والخاص بنا، ستختلف جوهريا، عمّا عاشه المجتمع الإسرائيلي وعشناه نحن في العقود السبعة الماضية، إلا أن هذه النخب وعلى الرغم من ذلك لم تبادر إلى أي محاولة لمنع وقوع الأسوأ المتوقع، أو للبحث عن وسائل لمقاومته.
سيدّعي الكثيرون، كما أتوقع، أن لا جديد في المشهد الإسرائيلي؛ فهذه الشرطة هي شرطتها القديمة الجديدة، ولطالما شاهدنا عصيها وهي تهوي على رؤوس وأجساد المتظاهرين العرب، وبنادقها تطلق عليهم قنابل الغاز المسيل للدموع، أو حتى الرصاص المطاطي والحي، كما جرى في أحداث يوم الأرض الخالد، أو خلال احتجاجات أكتوبر عام 2000، وفي غيرها من الانفلاتات الشرطية العنصرية القمعية، التي خلّفت وراءها، بين المواطنين العرب، الضحايا والمصابين والأحزان.
لكنني وإن كنت أوافق على صحة هذا الادعاء بمنظوره التاريخي، أؤكد هنا، مرة أخرى، على أن ممارسات عناصر الشرطة الأخيرة، ستبقى علامات فارقة وتاريخية لأنها حملت دلالات خطيرة على طبيعة التحولات التي مرّ بها نظام الحكم في إسرائيل، وبراهين على انتقاله من نظام عنصري يقمع ويضطهد مواطني الدولة العرب، إلى نظام مستبد لا ديمقراطي وفاشي، لا يقبل بأي نوع من المعارضة السياسية حتى لو كانت آتية من داخل المجتمع اليهودي، وتمارسها قطاعات يهودية متدينة – يدعم كبارها عمليا حكومة نتنياهو – أو أجسام وجهات وشخصيات صهيونية بارزة، وصاحبة تاريخ مشهود لها بتضحياتها من أجل بناء «إسرائيل القوية».
من الضروري أن نلاحظ الازدياد في أعداد المعارضين اليهود، وتنوع خلفيات شرائحهم الاجتماعية ومؤهلاتهم العلمية وانتماءاتهم الأيديولوجية، كما كانت معلنة ومعروفة. ومن المفيد أن نسمع أصواتهم وهم يحاولون اختراق جدران السلطة الفولاذية؛ وان نلحظ ما بدأت ترفعه هذه المجموعات من شعارات مناهضة لنظام الحكم، وأي لغة سياسية جديدة اختاروها وجندوها في سبيل ذلك، رغم صهيونيتهم.
سيلجأ الكثيرون من المعلقين والناشطين السياسيين والاجتماعيين العرب، إلى تقزيم تلك الظواهر، من خلال تنقيبهم عن مواضي أولئك الأشخاص، وتسجيل ما اقترفت أيمانهم بحق الفلسطينيين، وبحقنا نحن المواطنين العرب، وهذا أمر طبيعي ومنتظر، ولئن ستبقى تلك التفاصيل والممارسات وصمات عار في سيَرهم الشخصية، فلا يصح سياسيا ومن غير المعقول أن نرفض التوقف عند «توباتهم» كما يصرون على إعلانها والقتال من أجلها، وإصرارهم على إجهاض الزحف الفاشي، ومنع انتصاره النهائي، حتى لو جاءت «صحوتهم» مجزوءة، أو متأخرة، أو ليست وفق طقوسنا؛ ولنا في تجربة الجنرال ماتي بيلد مع «القائمة التقدمية» عبرة وسابقة، وهي ليست الحالة الوحيدة.
من مصلحتنا، نحن المواطنين العرب، متابعة ما يجري في هذه «الجبهة» ومن واجبنا أن نحاول الاستفادة من هذه التفاعلات، وذلك لن يتم ما دامت كل الأطر السياسية والحزبية والحركية المدنية والاسلامية الناشطة بيننا، سواء في الكنيست أو خارجها، متمسكة بتزمت عصبي بأنماط عملها، وببرامجها السياسية، التي كانت نقطة انطلاقها عند حدوث النكبة، ويوم إعلان دولة إسرائيل، وهي غير مستعدة لإجراء أي ليونة سياسية، ولو تكتيكية، تفرضها ظروف الساعة والمخاطر الوجودية المحدقة بمستقبلنا وبمستقبل أولادنا. يساورني شعور بأن هنالك تغييرا جدّيا في مواقف مجموعات يهودية عديدة من المعارضين لسياسات اليمين الفاشي؛ وأشعر بأن دوافع معارضتهم اليوم تختلف عما ألفناه من مواقف ومنطلقات الكثيرين من الصهاينة اليساريين وغيرهم، حين كانت معارضتهم لسياسات القمع بحق الفلسطينيين تحت الاحتلال، وبحقنا كمواطنين مضطهدين، مجرد صرخات «أخلاقية» عابرة صادرة عن انتماء صهيوني ليبرالي هش لابن شعب محتل متجبّر، أو نتيجة لخوفهم الصهيوني على مصير دولتهم. قد أكون مخطئا، لكنني أدعو إلى التوقف عند ما يحصل ودراسته بتمعن جدي ومسؤول، والإصغاء لما يقال من خلال بعض المنابر والمواقع المعارضة؛ فشعار «شرطة نتنياهو تقمع الشعب» أو «سرقوا الدولة» أو تشبيه بعض الممارسات الحكومية، وتعاظم مظاهر الفساد بحكم عائلات الاجرام المنظم، وغيرها من الشعارات المستحدثة، كلها قد تكون بوادر لتغييرات جذرية عند من بدأوا يطلقون تلك الشعارات، ويفتشون عن حلول خارج أطر معتقداتهم الصهيونية التقليدية؛ خاصة بعد أن تحققوا مما أفضت إليه مواقفهم السابقة.
قد تكون هذه مجرد تمنيات أو إرهاصات حقيقية لحالات يجب أن تتابع وترصد وتدرس وتوظف، في سبيل توسيع جبهات مواجهة خطر الفاشية؛ فمن لا يوافقني، عليه أن يعلن عن برنامجه لصد الفاشية والانتصار عليها، وليس بالدعاء وحسب وبالايمان بحتمية المسار التصحيحي للتاريخ، وبشعارات مثل لا يصح إلا الصحيح وما إلى ذلك..
كلنا نعرف خريطة القوى السياسية الناشطة بين المواطنين العرب، ورغم ذلك لا أرى من سيرفع الصارية ومن سيعلق الأشرعة، لكنني على يقين اننا نقف على «باب جهنم» واعرف انه ما لم نتحرك فورا فسيسبقنا «الشيطان»؛ فمشاهد عربدات الشرطة ضد كبار رجال الامن السابقين بسبب معارضتهم لسياسات النظام المستبد، وصور العنف الممارس ضد النساء والشيوخ والشباب والشخصيات اليهودية التي شاركت في تلك الاحتجاجات، ستبقى شواهد على كيف تحوّلت مؤسسات الدولة، وشرطتها في المقدمة، من أجهزة موكلة بخدمة الدولة وحماية مواطنيها اليهود – وتمارس بشكل منهجي سياسة القمع العنصري ضد مواطنيها العرب- إلى أدوات مقادة من قبل مسوخ بشرية، وإلى أذرع مسيّسة تلاحق وتضرب، باسم الحاكم الأوحد، كل معارض وكل محتج على شرعية سلطته وعلى سياساته. لسنا وحيدين هنا، فمن سيدق الأجراس على باب جهنم؟
كاتب فلسطيني

 

 

جمال عبد الناصر…

غصة وذكرى وضريح

جواد بولس

 

كان أيلول/سبتمبر قبل خمسين عامًا شهر البكاء والندم، ففيه دفع الفلسطينيون ثمن دخولهم في إغواءات المغامرة الأولى، وفيه بكت الأمة رحيل من أشعل حلم الوحدة المستحيلة. خمسون عامًا مرّت على وفاة جمال عبد الناصر، والعرب ما زالوا يعيشون على أنوف رماحهم، التي ورثوها من عصور الرمل، وفي فيء عباءاتهم الرثة؛ فما يرضي زيدهم يغضب عمرهم، تماما كما نشهد ونقرأ في هذه الأيام، وكلما كانت تستحضر ذكرى وفاة جمال «حبيب الملايين».
كنا طلابًا في السنة الأولى في مدرسة «يني الثانوية» عندما شاع نبأ موت جمال عبد الناصر. معظم تفاصيل تلك الأيام صارت نثارا في عالم النسيان؛ لكنني مازلت أتذكر كيف تحوّل لون السماء فوق قريتي إلى كحلي، أو أقرب إلى دكنة وجه من مات خنقًا. في الجو ساد صمت رهيب، مازلت أسمع صداه حتى هذه اللحظات. وقفت مع أترابي وأذكر كيف أحسست، ولم أعرف وقتها لماذا، بدهشة مَن انشقت الأرض تحت قدميه فصارت هاويته كالقدر المحتوم.
لم أكن مسيّساً ولا من بيت ناشطين حزبيين؛ فوالداي كانا معلمين ينتميان لجيل آمن بمهنة التعليم ،واعتبروها رسالة مقدسة، فمارسوها لينشئوا أجيالًا حصينة ونقية، ولكي ينقذوا الناجين من لعنة النكبة والتهجير، ويخلصوهم من مشاعر الذل والهزيمة؛ زرعوا فينا، بحنكة الحكماء والصبورين، بذور الكرامة والشغف الكبير للمعرفة وكنز القناعة والاكتفاء، إلا من كل ما يسلب حرياتنا ويجوّف أرواحنا ويعطل عقولنا. علّمونا كيف نكره الظلم والظالمين، وكيف نحب الخير والغير والصالحين؛ ففي ذلك الزمن ذي اللونين عشنا في عالمين وحسب: واحد أسود، يلفه ظلام لعين ويحكمه الأشرار والعابثون، وآخر أبيض من نور مبين ويديره الطيبون والخيرون. لم أكن منظمًا في أي حزب، لكنني كنت ابن والديّ، وفرخًا لجيل احتضنته قرية كانت تزودنا بأشرعة من طيب وريح؛ فكبرنا في حضنها وعلّمتنا، كفر ياسيف الجليلية، كما علّمت من قبلنا مَن جاوروا النسور والقمر، نعمة التمرد على السائد الآسن وعلى طقوس الخنوع؛ ودرّبتنا كما تدرّب الأم صغارها على فنون العيش والبقاء، وعلى الفوارق بين علم البيان وفنون الخطابة، وبين تشييد البنيان وأصول الزرع والحصاد والحطابة. انطلقنا من صفوفنا الخشبية نحو ساحة القرية القريبة، وسرنا، طلابًا وكادحين وفلاحين، وراء «كبارنا» في جنازة لم نكن نعرف وقتها، أن المشيّع فيها ليس «أناناتنا» الفردية والجمعية الثاكلة وحسب، بل، هكذا تبين بعد انجلاء الغيم والغبار، أننا دفنّا، ومعنا معظم العرب «عنقاءنا»، رغم اقتناع البعض بأن ليس كل الأساطير محض خيال!

ضريح عبدالناصر صار شهادة على قساوة القدر الذي أراد ناصر أن يقدمه لأبناء شعبه ضمانة لحريتهم ولكرامتهم، فرفضوه

مازالت الذكرى تثير في نفسي ونفوس الكثيرين حنينًا وطربًا دفينين، فبدونهما تصبح الخيبات قواقع لليأس، ويفقد الإنسان «نونه»، ولا يبقى منه إلّا «الأسى» لعنة. ولكن بين تنفس الذكرى كنسمة في حرير الحنين، ومحاولات البعض إقناعنا بأن الناصرية مشروع حي ونابض ومتقدم على خطى ذلك المارد العربي، الذي نمنا على حفاف جفونه الثائرة، يوجد فرق كبير وخلاف يتوجب علينا التوقف عنده، إذا ما أردنا أن نبقى ابناء الحياة، ونعبّد من اجلها السبيلا مهما كان عسيرا. قرأت ما كتبه «الناصريون» وشعرت بجمراتهم المتقدة في صدورهم، وقرأت ايضا لمن يمضغون الناصرية كالقات، ادعاءً ووهماً ومزايدات، وأثارني بعض من يهاجمون الرجل وزمانه، وكأنهم على ميعاد ثأر معه. لجميع من كتب وسيكتب الحق بإبداء رأيه حرًا، ولكن من بين ما قرأت، لفت نظري اعتراف النائب أيمن عودة، كما نشره على صفحته وقال: «لم يؤثر بمشاعري أحد مثل جمال عبد الناصر حتى هذا اليوم، فخمسون عامًا على وفاته وما زال الأكثر حياةً». حاولت أن أفهم قصده من وراء هذا الاعتراف المثير، لكنني تهت في ثناياه، ولم يعفني عبء الالتباس؛ ورغم اقتناعي بان كلام النائب عودة، رغم تأويله المحتمل وأبعاده السياسية الكبيرة، يندرج في باب الحنين، واستذكار موجع لحلم كان قد وئد، سيتيح، كلامه، فرصًا لمن يعارض طروحاته الواردة في سلسلة مقالاته الأخيرة، التي حملت عنوان» نحو منهجية مثابرة لشراكة يهودية عربية مؤثرة»، خاصة إذا ذكرّوه بأهم ما بقي عالقًا في عقول العامة من موروث ناصري، تختزله مقولته المجلجلة «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة». نحن بحاجة إلى وضوح في رؤى القيادات المحلية السياسية، خاصة وفضاءاتنا العامة وشاشات حواسيبنا وهواتفنا، تعج بما يغرق الناس في متاهات وترهات ومزايدات وترددات من كل الجهات والمنابر؛ فمن يقرأ ما كتب عن جمال عبدالناصر، معه وضده، يستنتج أن هنالك بلبلة كبيرة بين المعلقين والمعقبين، وهنالك أيضا قطيعة واضحة بين هذه الأجيال وزمن الناصرية الذهبي؛ ويستنتج أيضًا أن معظم من عبّروا عن مواقفهم، كانوا قد لقنوها أو هندسوها بتأثير تنظيماتهم الحزبية وحركاتهم الدينية والسياسية، ومن دون محاولة ربط مواقفهم بواقعنا الحالي، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، أو إجابتهم على السؤال الأهم: ما دور «الناصرية» اليوم وعلاقتها ببرامجنا السياسية وبوسائل نضالنا؟ وكيف يمكن تجنيدها في مواجهة المخططات التي ترسمها حكومة إسرائيل وتنوي تنفيذها بحقنا؟ جميع هذه الأسئلة بالنسبة لي هي أسئلة استنكارية، أما من يحسبها غير ذلك، فعليه رسم الإجابة.
مازلت أذكر كيف بكيت في أول زيارة لي إلى مصر؛ فعندما بدأت مباني القاهرة تضحك أمامنا كلما اقترب التاكسي من مشارفها، شعرت بأنني أدخل الجنة.. أضعت قلبي، كما أضاعه «عزيزها»، وكدت مثله «من بهجة اللقيا ونشوتها، أرى الدُنا أيكةً والدهر بستانا». وأذكر أيضًا أننا طلبنا، قبل الوصول إلى الفندق، أن نزور ضريح الزعيم جمال عبد الناصر. تسمّرت في حضن الهيية المدفونة. حضرتني مشاهد الجنازة التي أقمناها في كفر ياسيف، والأغاني التي حفظناها في «صاحب الصورة» ورددناها في شبابنا، أسوة باغاني العشاق وتباريحهم من حب وجوى؛ وسمعنا صوت نزار قباني يتمتم: «قتلناك يا آخر الانبياء قتلناك».
أكلتنا الحسرة ونحن أمام القبر، الذي يشهد على جهل أمة وعلى ضياع أحلامها، ويبكي على رجل كاد بإيمانه وبعزيمته أن يقبض على شرايين القدر، ويقدم دماءه أزاهير لشعوب أحبها حرة، لكنها نخت تحت أوزار جهلها وعطلها الخنوع، حتى باتت لا تفرق بين أطواق تدمي رقابها ومعاصمها، وأطواق النجاة والنرجس.
أحببنا ناصرنا بعيدًا عن التفاصيل الخاصة في سنوات حكمه، التي بسببها اختلف ويختلف الفرقاء عليه ومعه؛ وسنبقى نحبه كعطر لوردة خالدة، فهو القائد الشجاع الذي أراد أن يصهر المعجزات كي يقهر الأعداء، ويزرع في بلده المستقبل الآمن؛ ولأنه ابن الحتة، المؤنس الأسمر، الذي جاء مؤمنًا بالإنسان العربي وبعزيمته، ومصممًا على بناء دولة عصرية يحكمها القانون وبأدواته، أو كما قال فيه أحمد فؤاد نجم «فلاح قليل الحيا، إذا الكلاب سابت، ولا يطاطيش للعدا، إذا السهام صابت، عمل حاجات معجزة، وحاجات كتير خابت، وعاش ومات وسطنا، على طبعنا ثابت».
زرت بعدها مصر عدة مرات، ولم أعد لزيارة ضريح عبد الناصر؛ فمصر التي زرناها بعد المرة الأولى لم تعد «تلك التي في خاطري»، والضريح صار معلمًا سياحيًا وشهادة على قساوة القدر الذي أراد ناصر أن يقدمه لأبناء شعبه ضمانة لحريتهم ولكرامتهم، فرفضوه وبقوا كما كانوا من ايام «مينا لأيام عمرو» ومن أيام عمرو إلى أيام سلطان.. وتبقى الناصرية غصة وبرقة وسرابًا..
كاتب فلسطيني

 

 

 

حاج في دبي ، نعمة ام نقمة

جواد بولس

 

ستبقى زيارة وفد بنك لئومي الاسرائيلي، الى دولة الامارات العربية المتحدة، علامة فارقة وحاضرة في اذهاننا، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، كلما جيء على ذكر توقيع اتفاق التطبيع الامارتي؛ وذلك ببساطة لأن من ترأس وفد كبار رجال الاعمال الاسرائيليين كان الفلسطيني/الاسرائيلي الدكتور سامر حاج يحيى، ابن مدينة الطيبة التي في منطقة المثلث، وبصفته الرئيس المنتخب لمجلس ادارة هذه المؤسسة المصرفية الصهيونية العريقة.

 لقد أثار انتخاب الدكتور سامر لمنصبه الهام، قبل أكثر من عام، نقاشًا متواضعًا، سرعان ما انطفأ وطويت صفحته في مشهد يؤكد، مرة أخرى، على أن "المجتمع العربي في اسرائيل" يعيش حالة من "فوضى الهويات" والتيه، حتى لم يعد صعبًا، على من يدقق في واقع الناس وتحرّكاتهم، أن يرى كيف يقفون وقد مسهم اللبس، على ناصيات عدد من المفارق، وبينها طبعًا "المفرق 48"؛ لكنه ليس وحيدًا.

لن تنتهي مناكفاتنا الداخلية عند تخوم دبي ولا في مياه البحرين؛ فهي لم تبدأ أصلًا مع توقيع هذين الاتفاقين ولا بسببهما؛ ولكن رب ضارة نافعة، فقد تقربنا تداعياتهما الى ما طالبتُ به منذ سنوات، وتجبر أولي الامر في مجتمعنا على اعادة حساباتهم بواقعية وبجرأة وبوطنية صادقة، فعساهم يتفقون على مجموعة مساطر  واضحة ومقبولة، سيكون من شأنها أن تهدي المواطن الحائر، اذا ما اشتبك "الفردي" لديه "بالعام"، الى بر الأمان ؛ أو أن تحثهم من أجل وضع خارطة تحدد للمواطنين الأنقياء والعصاميين "حدود الاندماج" في أروقة الدولة، فنحن نعيش في واقع سياسي واجتماعي واقتصادي متحرك بشكل دائم.

لقد كان واضحًا أن إصرارنا المحقّ على نيل كامل حقوقنا المدنية من الدولة، سيفضي تلقائيًا الى نشوء خلافات حادة، خاصة بين من يمارسون مواطنتهم بشكل طبيعي ويومي وعصامي، وبين أولئك الذين يخفون مواقفهم الحقيقية ازاء مكانة الدولة وازاء مؤسساتها، أو من بقوا أسرى لقوالب عقائدهم السياسية التي بنيت على انقاض النكبة؛ فحياتنا، بعد سبعين عامًا من المواجهات والبقاء، أصبحت أكثر تعقيدًا وتشابكًا مع مؤسسات الدولة؛ وزيادة عددنا الى ما يقارب المليونين، لم يمد أحفاد المستعمرين الأوائل بمزيد من "الحطابين وسقاة الماء" بل على العكس تمامًا ؛ فقد كبرنا وكبرت انجازاتنا ولم نعد مجرد حفنات من رخويات تخشى لسعة الشمس وغرزة المخرز، ولا عكاكيز تُغمز  بأرجل مخاتير من خشب باعوا ضمائرهم على وليمة منسف. 

لم تغب حتمية حدوث هذا التصادم عن بال قيادات مجتمعنا في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، فقادة الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية، فيما بعد، ومعهم عدة قياديين وطنيين وشخصيات مستقلة وازنة، كانوا يناضلون من أجل نيل حقوق المواطنين العرب ومن اجل مساواتهم التامة في دولة طالبوا أن تكون لكل مواطنيها؛ وبالمقابل كانوا يديرون الصراع على حقوقهم القومية بوسائل لم تفرغ نصف المعادلة المدنية من مضامينها ولم تلغ نجاعتها؛ فهم، من خلال انتقاء الشعارات والبرامج السياسية المناسبة من جهة، وبناء الاطر الحزبية والحركية الملائمة من جهة أخرى، نجحوا باقامة التوازن القيادي الضروري والسليم، فكانت مبادرة بناء "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" ومعها "لجنة رؤساء السلطات المحلية العربية" و"لجنة متابعة شؤون الجماهير العربية" وغيرها من اطر نقابية وحرفية وطلابية ونسائية - كانت تجارب رائدة وقفت في وجه سياسات اسرائيل واضطرتها الى تغيير بعض ممارساتها العنصرية نحو المواطنين العرب، خاصة فيما يتعلق بسياسة التعليم والتوظيف والاقصاء الجمعي والعشوائي، واستبداله، في بعض القطاعات، بسياسة ايجابية انتقائية استهدفت رعاية بعض الشرائح والنخب ودعم تطورها مدنيًا واقتصاديًا،كما جرى ويجري أمام أعيننا. 

لم يفاجئني صديقي محمد عندما سألني: يعني أما زلت متحمسًا ومباركًا لتبوأ د. سامر حاج يحيى لهذا المنصب؟ وذكّرني بمقالة كتبتها بعد انتخابه رئيسًا للبنك، تناولت فيها بعض تعقيدات حياتنا في اسرائيل وقلت: "يرمينا واقعنا الاسرائيلي في كل يوم بمعضلات هي افرازات طبيعية لحياتنا المركبة؛ وقد تكون رئاسة مواطن عربي لادارة "البنك القومي الاسرائيلي" واحدة من تلك المعضلات". ثم أردفت قائلًا: "انا شخصيًا لا أراها كذلك، ولن اتردد بتهنئة د. حاج يحيى على جميع منجزاته وتفوقه، وآخرها فوزه بالمنصب، وهو منصب رفيع وحساس ومؤثر ولا يشبه ما سبقه من تعيينات."  لم أندم على تهنئتي للدكتور سامر حاج يحيى، فأنا لم اعتبر فوزه "انجازًا تاريخيًا لمجتمعنا العربي"، لكنني، رغم ذلك، اعتبرت أن فوزه بالمنصب "يعدّ تاريخًا، صنعه فرد مميز يستحق أن نبارك له انجازه الشخصي الكبير". لكنني، مع ذلك، اعي وجود اشكال في تصرف الدكتور حاج يحيى الفردي، فاستعماله لحقه الشخصي قد يتناقض وواجبه تجاه مجتمعه، خاصة بعد ان صرح انه عاد الى الطيبة من الغربة كي يضمن مستقبلا افضل لاولاده، ولا أظنه قصد مستقبل اولاده دون مستقبل الآخرين من أولاد مجتمعه.         

لنترك قضية الدكتور حاج يحيى، ولنفكر بعقلية مواطن صالح كدح لسنين طويلة حتى يؤمّن لابنته، وضحى، فرصة لتتعلم الطبابة. أرسلها وراح ينتظر بحرقة لمدة ثمانية أعوام، فعادت اليه طبيبة ناجحة بامتياز ؛ فحلم، وهو يحتضنها، بأن تصبح نطاسية يشار اليها بالبنان، فصارت؛ فطمح بأن ترأس القسم الذي تخصصت، فرأسته؛ فصلى.. فاصبحت علمًا تتسابق عليها المنصات العالمية ، وعضوة في ارقى المنتديات العلمية وسطع نجمها بين الامم؛ فهل نؤنبها ونخوّنها لأنها قبلت أن تجلس على مقعد وأمامها علم دولتها اسرائيل؟ وهل نوبخ أباها لانه لم يحسن تربية ابنته فاسمها العربي يضيء الشاشات ولكن بعده يكتب: عالمة من اسرائيل؟

استطيع أن أغرق القراء بكم هائل من هذه الامثلة، فالمتفوقون من أكاديميين وحرفيين ورياضيين وتقنيين يملأون قرانا والمدن وقد تم استيعاب بعضهم في عدة وزارات ومؤسسات وشركات رائدة، وتبوأوا فيها أعلى المناصب وذلك رغمًا عن كونهم عربًا. فلماذا لم نواجه هذه الحالة في الماضي؟

لم ننتبه في الماضي لوجود هذه الحالة لأنها لم تكن موجودة فعلًا، وذلك بسبب عنصرية الدولة؛ فاسرائيل ومنذ قيامها لم تحتمل أن يمثلها مواطن عربي حتى لو كان فذًا في مجاله وفريد عصره، وقد تحكمت اجهزتها، خاصة جهاز الشاباك، بسياسة قبول الطلاب العرب للجامعات، لا سيما في كليات الطب والهندسة والقانون، فكانت اعداد الطلبة العرب المقبوله في تلك الكليات قليلة ومحدودة وفرص انخراط الخريجين منها في مؤسسات الدولة ضعيفة أو معدومة؛ هذا علاوة على اغلاق عدة كليات جامعية او معاهد تدريسية عليا ونخبوية، مثل معهد فايتسمان، في وجه المواطنين العرب.

اذن "للحقيقة وجهان" واحد نستطيع نحن المواطنين العرب رسم ملامحه والآخر يبقى تحت "رحمة" الدولة، فعندما كانت علاقتنا بالدولة وعلاقتها بنا تراوح بين احتمالين، كانت خياراتنا بسيطة وواضحة، ولكن عندما تعددت الفرص وفتحت الدولة، كما طالبنا، بعض مساماتها أمامنا، صارت الامور اعقد والمعضلات كثيرة؛ وفي غياب حلول لها، اصطدم بها الافراد بانفسهم.

من تفاجأ أو استفز من زيارة الدكتور حاج يحيى لدبي ستميته المفاجاءت القادمة أو سترهقه؛ فقضيتنا لم تولد مع فوز "الحاج" بمنصبه في "بنك لئومي" ولن تنتهي اذا استقال منه او اذا لم يذهب للزيارة أو لم يشارك في غيرها؛ مشكلتنا كبيرة ولا تنحصر في سلوك فرد قيّض له النجاح الشخصي بسبب تفوّقه وتميّزه؛ فنحن نواجه حالة شاذة، تعريها احيانا نجاحات أولئك الاشخاص، وهي قد ولدت من رحم المواطنة نفسها، وكبرت منذ طالبنا باسم المواطنين بتخصيص وظائف تساوي نسبتنا من تعداد سكان الدولة، فحينها استشعرت وجود مشكلة وكتبت: "ماذا نريد ومن يملك تحديد المساطر وتوزيع المماحي والبيكارات؟ اين حدود المسموح وما الممنوع؟ أتريدون حقًا وظائف تساوي نسبة عددنا من سكان الدولة في كل وزارة ودائرة وشركة وجهاز ومحفل ؟ وهل يجب أن نناضل من أجل استعادة كراسينا المسلوبة في شركات الدولة أو في هيئة موانيء اسرائيل ومصلحة الضرائب والجمارك وهيئة البترول والغاز والبورصة وبنوك اسرائيل ؟".

صرخت وضاعت صرختي في واد. لم يرِث أحدٌ جيلَ الكبار وتعاقبت الاجيال من دون رعاة وقادة، وبقيت الاسئلة القديمة عالقة تنتظر الخلاص، فمن يقرر ماذا ؟ ومن يضع قواعد الاشتباك بين الفردي والعام ؟ ومن يرسم حدود الاندماج ؟ 

قد لا يأتينا الفرج قريبًا، ولكن ذلك لا يعفي قامة مثل د. سامر حاج يحيى من ان يبادر كقدوة ويرسي سابقة، فيعمل من اجل مؤسسته باخلاص، ويمثل، في نفس الوقت، قضايا مجتمعه ويدافع عنه من على كل منصة ومنبر.  عليه ان يجد الوسيلة، فاذا فعل هو ذلك وفعل مثله الآخرون فقد تصبح ريوع المواطنة بركة لعامة الناس والمجتمع، لا أرصدة شخصية في حساباتهم الشخصية وحسب.      

 

 


"طوبى لصانعي السلام"

أريد مسيحًا يسعفني

جواد بولس

 

شاهد العالم، مساء الثلاثاء المنصرم، حفل توقيع اتفاقيتي تطبيع العلاقات بين اسرائيل ودويلتي الامارات العربية المتحدة والبحرين، بتدبير ورعاية أمريكية كاملة وصمت داعم، أو همس خفي متواطىء، من قبل معظم حكام الدول العربية الاسلامية، وفي مقدمتها النظامان السعودي والمصري.

يتبارى المعقبون والمحللون في كشف تاريخ العلاقات بين حكام هاتين الدويلتين وبين قادة اسرائيل، وكذلك في شرح الدوافع التي اجازت حصول  هذا الاختراق الحقيقي والمكشوف في جدار التنابذ العربي والاسلامي المعلن منذ بداية الصراع مع "الكيان الصهيوني المارق". ويحاول بعض المتابعين استشراف التطورات السياسية المحتمل حصولها في منطقة الشرق الاوسط، خاصة فيما يتعلّق بمكانة اسرائيل، التي ستصبح، كما هو مخطط، بعد عملية التوقيع في حديقة البيت الأمريكي الأبيض، بمثابة الفخذ الشرعي في قبيلة كبيرة تستعد لمواجهة مطامع وغزوات القبائل الاخرى، لا سيما تلك التي تآلفت مع الفرس، أو، على النقيض، مع ذلك السلطان العثماني الجديد ، أردوغان، وحلفائه من المسلمين.  

يشدد بعض الفلسطينيين على ضعف التواجد الدولي في حفل التوقيع وعلى غياب معظم رؤساء أو مندوبي الدول الوازنه في العالم عنه، ويؤكدون مثلًا على عدم مشاركة الرئيس الروسي بوتين أو من ينوب عنه وكذا الصين واليابان ودول الاتحاد الاوروبي وغيرها من الدول العربية والافريقية والاسيوية. ولئن استُحضرت هذه الاشارة من باب التفاؤل الضروري، فهي ليست برهانًا على "تفاهة ما انجز" ولا مثلبة كبيرة في حقه؛ ذاك لأننا نعرف أن غياب هؤلاء القادة جاء من باب التكتيك المحسوب، أو التصرف وفقًا لقواعد "التقية" الدبلوماسية المحمودة واتّباع "حدس" بوصلات مصالح دولهم الخاصة في لعبة الامم الكبرى.

يندرج معظم ما كتب في اعقاب توقيع الإتفاقين في باب الوصف، ومحاولة القلّة باسقاط تبعاته على مصير العلاقات العربية - الاسرائيلية، ومستقبل القضية الفلسطينية؛ فوصفه كاتفاق يضمن لاسرائيل"سلامًا"مع دول لم تحاربها هو حقيقة ناجزة؛ بيد ان هذه الحقيقة لا تتعارض مع اعتبار الاتفاق، مع كيانين عربيين مسلمين، نصرًا اسرائيليًا هامًا أدّى عمليًا إلى تصدع كبير في "محفظة" المفاهيم الاساسية التي شكّلت، حتى بعد توقيع اتفاقتي كامب ديفيد ووادي عربة، ولأكثر من قرن، مساطر تعريف قواعد الاشتباك بين "العرب والمسلمين" هكذا بالمعنى المطلق والمعوّم، وبين الحركة الصهيونية وابنتها  "اللقيطة اسرائيل". 

ويحاول البعض التخفيف من اهمية هذا الاحدوداب القاتل الذي أصاب ظهر العروبة المكشوف، فيحيلنا الى "نعمة" الانتروبولوجيا الحديثة ويؤكد أن الشعوب، في عصرنا، هي الضمانات لانقاذ الأمّة من هوانها، وهي التي ستثأر ممن خانوها وسترمي بهم الى مزابل التاريخ .. انها مجرد أمنيات بلا رصيد، فمعظم تلك الشعوب التي يعوّل عليها الفقهاء وينتخيها المنظرون ويتغنى بسحرها الشعراء والحالمون، عاشت جل تاريخها تحت قمع المحتلين؛ وتعيشه، منذ جلا عن أوطانها آخر المستعمرين، وهي مسلوبة الحرية، فتنام راضية بكسرة خبز وتفيق خائفة من جزمات حكام مستبدين لم يعرفوا يومًا معنى احترام المواطن ولا قيمة الإنسان وعشقه لأطواق الياسمين.

فعلى أية دولة عربية او إسلامية سنراهن وأمامنا تتوالد في معظمها مجتمعات من صدأ وطين ترهن اراداتها عند جلاوزة وسلاطين، وتطيع، وهي عمياء، أولي الأمر وتتمسح بوعّاظهم اذ سيضمنون لهم قبورًا باردة وجنة حمراء وخمرًا ينساب من بلور الاجاجين؛ فكيف يستطيع من يخشى أن يفقد عبوديته، بناء وطن ؟  

أكتب بلغة اليأس، رغم انني احاول قراءة واقعنا بموضوعية متأنية، بعيدًا عن العواطف، ومنقبًا عن الايجابي في ثنايا ما يحدث حولنا ولنا، نحن الفلسطينيين بشكل عام، وبيننا نحن المواطنين العرب في اسرائيل؛ فعندما سألتني ابنتي عن شعوري وكانت تشاهد، في بيتها من عزلتها الكورونية، وقائع حفل توقيع الاتفاقيتين في البيت الابيض، ارسلت لها صورة رغيف خبز عربي، وحبة بندورا حمراء ضاحكة وصحن مليء بكرات اللبنة المغموسة في زيت الزيتون الجليلي.                 

ضحكت حين فهمت انني لا أشاهد مثلها ما يعرض مباشرة؛ ولكنها ارغمتني بسؤالها على أن أتابع تفاصيل الحدث. 

لم اخطط لمتابعة البث المباشر تحاشيًا لمشاعر القهر والحسرة التي لم تنتابني بشدة، كما توقعت.

كانت لغة جسد ترامب مستفزة كالعادة، وكانت نبرته مستخفة بالجميع ومفرداته تدفعني نحو التفتيش مجددًا عن الحكمة في وصية المسيح حين قال "طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يدعون"؛  ثم جاء بنيامين نتياهو وأدى دوره كممثل بارع على مسرح "العبث" بخيلاء طاووس؛ فتلاه حليفاه الجديدان واستنكرا سبب خلاف الأحفاد من قرون، فلا فرق إن كان اسماعيل هو وريث هذه الارض وكانت أمّته خير أمّة اخرجت للناس، أم كان ذلك إسحق وأمّته وريثتها؛ فالكل، في النهاية، أبناء ابراهام وستحميهم طبعًا طائرات الاف 35 وصواريخ التوماهوك.

لم انزعج كما كنت اتوقع مما شاهدت وسمعت، فكتبت لابنتي مجيبًا على سؤالها: "أحاول أن أستوعب الحدث بأدوات تفكير سياسية.. فعاطفيًا ، شعوري بالطبع مثل شعوركم وأساسه مشاعر انسان حر ومهزوم" !

ما ازعجني اكثر من مشاهدة وقائع الحفل كانت ردود فعل كثير من الفلسطينيين ومحاولات بعضهم تحميل القيادات الفلسطينية مسؤولية ما يحدث من انهيارات في الموقفين التاريخيين، العربي والاسلامي، ازاء اسرائيل وما مارسته بحق الفلسطينيين؛ فهذه الاتهامات الفلسطينية هي طعنات في الجسد الفلسطيني وخدمة يقدمها هؤلاء، عن قصد او بدونه، لأعداء فلسطين.

لا أنكر بالطبع حق كل فرد بأن ينتقد أو أن يعارض أو أن يبدي رأيًا مغايرًا بشكل كامل وحر؛ ولكن أن يتخذ الفلسطيني واحدًا من هذه المواقف ويقف عنده فقط ويعفي قادة العرب والمسلمين من تغيير مواقفهم تجاه قضية فلسطين ومن قمع شعوبهم وما يجري في اوطانهم، فهذه ممارسات لحريات تصب ريوعها، في نهاية الطريق، بصالح من يحاولون القضاء على الحلم الفلسطيني ومسح منجزات الشعب وتضحياته التي قدمت منذ مائة عام حتى يومنا هذا. 

لن ادخل في تفاصيل ما سيق من ادعاءات واتهامات ضد القيادات الفلسطينية،  وقد أوافق على بعضها طبعًا، لكنني أؤكد على أننا سنشهد في السنوات القليلة القادمة خارطة عالم جديد؛ وكل من لم يلحظ كيف ومتى بدأت الانهيارات الحقيقية من جهة، والاصطفافات المتشكلة، من جهة أخرى، ولا يعي الآن كيف تغوّل النظام الأمريكي ولا يتورع عن اغتصاب عملائه علنًا، سيبقى خارج حدود الجغرافيا وملقى على أرصفة التاريخ أو في زرائبه.

لن تأتي النجاة للفلسطينيين من جهة أنظمة العرب ولا من جهة الانظمة الاسلامية، ولن تستطيع شعوب هذه الدول، رغم مواقفها الفطرية المساندة لقضية وشعب فلسطين، أن تسعف الفلسطينيين الرازحين تحت الاحتلال الاسرائيلي، فهؤلاء هم اصحاب قدرهم وصناع نجاتهم؛ وكي يضمنوا استمرار صمودهم في وجه الاحتلال ومن يحالفونه علنًا، عليهم ان يتوحدوا، وأن يتفقوا على أولويات التقاطع والاستعداء والتحالفات. فبدون تذويتهم لهذه الفريضة سيفقدون اغلى ما عندهم، وهي حفنة الامل الباقية؛ وإن فقدوها سيصبح اتفاق "كوشنر نتنياهو ابو ظبي المنامة"، كما خطط له، حجر الأساس الذي لن يتردد بعض الأشقاء والأخوة، في الدم والدين، أن يبنوا فوقه شاهدا كبيرا ويحفرون  عليه: "هنا دفنت قضية فلسطين".

أعرف أن الكثيرين سيصرخون فورًا : لن يحصل هذا .. وأنا ساصرخ طبعًا مثلهم ولكن.. 

شعور الهزيمة الذي رافقني، هكذا كتبت لابنتي: "جعلني افكر لماذا يصيبني وكيف استطيع تغييره، ليس كفرد بل كواحد من مجموعة تشعر مثلي وتعيش في اسرائيل؟ فبدون إلحاح السؤال وباستمرارنا العيش كمهزومين سنتحول الى عبيد" .

لم يتفق معي الأولاد تمامًا ؛ فهم ينتمون الى جيل يعطي لمصطلحاتنا معاني ومضامين مختلفة؛ فالهزائم عندهم ليست بالضرورة هزائمنا.

مع ذلك وجدتهم يوافقوني عندما كتبت لهم : "فلو فكرنا مليًا بماذا كان يجمعنا قبل ابرام هذا الاتفاق، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، مع البحرينيين والاماراتيين، وماذا تغير علينا اليوم، سنجد اننا ورثنا أوهامًا مقوْلبة وعشنا بظل فرضيات لم تكن موجودة اصلًا. فكروا معي فقد يتحسن عندها شعورنا ونعود الى واقعنا بعقلانية خالية من فائض عواطف قبلية، ونستطيع، من مواقعنا هنا، استشراف مستقبلنا الأفضل" . قلت ووعدتهم أن اكتب في ذلك أكثر.   

 

Attachments area

 

 

ويبقى السؤال كم مرة

ومن قتل يعقوب أبو القيعان؟

جواد بولس

 

 قد تجدون فيها  علاقة بما كتبت وقد لا! ففي كتابه "الفاشية، مقدمة قصيرة جدًا" كتب مؤلفه، كيفن باسمور، ان الفيلسوف والكاتب الاسباني خوسيه أورتيجا جاسيت كان قد عرف الفاشية في العام 1927 هكذا: 

للفاشية ملامح غامضة لانها تحوي أكثر المضامين تضادًا ؛ فهي تؤكد على السلطوية وتؤسس للثورة، تحارب الديمقراطية المعاصرة، ومن ناحية أخرى لا تؤمن بالعودة لأي حكم سابق، ويبدو أنها تقدم نفسها باعتبارها صورة للدولة القوية بينما تستخدم أكثر الوسائل قدرة على تفكيكها؛ وكأن الفاشية فصيل هدام أو جماعة سرية؛ وأيا كانت طريقة تناولنا للفاشية فسنجد أنها تمثل الشيء ونقيضه في الوقت نفسه! 

وبعد ..

ما يجري على الساحة السياسية الداخلية الإسرائيلية يصح كمادة لاعداد واحد من مسلسلات الإثارة التي تنتجها شركة "نيتفلكس" العالمية؛ وتدمج في حلقاتها كثيرًا من وقائع الحياة وبعض الخيال، حيث تبقى خواتيمها، دائمًا، محكومة بما يختاره المؤلف والمخرج وشركة الإنتاج، أي رأس المال المستفيد، وجمهور المتلقين في واقعنا الآدمي "السائل" .

لا يلاحظ الإنسان العادي كمية المعلومات التي تُطيّر في فضاءاته، بل يتلقاها بإدمان ويمتص لحاءاتها على مهل وبخبل احيانًا؛ ولا يُسأل، في هذه الزحمة، مَن وراء هذه الأخبار أو النظريات أو الكشوفات، وما الغاية منها؟ أو من المستفيد ومن المتضرر من نشرها في تلك اللحظة؟ وما الى ذلك من أسئلة تخبيء الاجابات عليها أسرار تفجيرها وتداعياته، لا سيما ما يعتبر منها كسبق اخباري صاخب ولافت، عرف مُورده كيف "يخرجه"بعناية وبدقة وبمهنية كافية لتصطاد فرائسها من الناس وتحقق ما رمت الحبكة "النتفلكسية " إنجازه.

اختار رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن يزور بلدة بيت شيمش القريبة من أورشليم ليعلن منها، مساء يوم الاثنين المنصرم، في مؤتمر صحفي، يذاع في ساعة ذهبية وفق قاموس الاعلان العصري، تفاصيل قرار الحكومة الاسرائيلية القاضي بإغلاق بعض البلدات المصنفة "بالحمراء" وذلك في معرض الحرب على ازدياد أعداد المصابين بفايروس كورونا وما حصده من أرواح بين المواطنين. 

شاهدنا في ذلك المساء مسرحية أداها ممثل بارع واحد؛ لكنها كانت متكاملة العناصر ومحكمة الأهداف؛ وهي بدون شك ستصبح بعد الكشف عما حصل وراء كواليسها، حدثًا مفصليًا قد يحسم  بواسطته نتنياهو شكل نظام الحكم في الدولة، خاصة إذا مكّنته توابعها، كما يريد هو ويخطط، من التخلص من " اعدائه" في جهازي النيابة العامة والشرطة، وطي صفحة العلاقة التاريخية التي رسمت حدود صلاحيات ذينك الجهازين  مع مؤسسة الحكومة ومع رئيسها في اسرائيل. 

كان نتنياهو يعلم ان عملية كنس جميع "المتمردين" على سلطانه من تلك الاجهزة، لن تكون سهلة، إلا إذا نجح بتقديم الدليل على صحة ما ادعاه، منذ بدأت إجراءات التحقيق معه بشبهات الفساد والرشوة، واصراره على انه ضحية مستهدفة من قبل بعض القوى التي تعارض حكمه ومن وكلاء تلك القوى المزروعة في بعض أجهزة الدولة، وعلى رأسهم المستشار القضائي للحكومة، اڤيحاي مندلبليط، والنائب العام، شاي نيتسان، وقائد الشرطة العام روني الشيخ، والى جانبهم بعض المحققين والاعلاميين المغرضين.

لقد حاول نتنياهو ورجالاته طيلة السنوات الاخيرة ان يزعزعوا مصداقية المحققين، وادعوا أن أولئك يفبركون البيّنات ويحاولون، بالترغيب وبالتهديد، استمالة الشهود ضده؛ ورغم ما بذله، شخصيًا وبمساعدة طواقم كبيرة من الخبراء والمستشارين والإعلاميين والسياسيين، لم ينجح بمسعاه، بل وجد نفسه متهما بعدة تهم جنائية خطيرة في ثلاث لوائح اتهام ما زالت تنتظره في أروقة المحاكم.

لم ولن ييأس نتنياهو من محاولاته التملص من مواجهة القضاء، او مواجهته في ظروف مريحة تؤمّن له النجاة والبقاء على رأس الحكم؛  فهو، السياسي المحنك وابن المؤرخ والتجارب، يعرف ويحس ان "الدولة" صارت قاب لقمة بين فكيه، ولذلك نجده يجند، في سبيل تذليل ما بقي من عقبات في طريق التهامها، ادعاءً يعلن بموجبه انه يحترم القضاء ولا يخشى محاكم اسرائيل؛ لكنه يؤكد، في نفس الوقت، على كونه ضحية مؤامرة حاكتها  نفس المؤسسة ونفس الأشخاص الذين ظلموا "مواطنًا اسرائيليًا" بريئًا وحولوه من ضحية الى إرهابي؛ فيعقوب أبو القيعان ، هكذا يعترف نتنياهو بسهولة، لم يقم بعملية دهس ارهابية كما ادعى ضده قائد الشرطة العام روني الشيخ، ووافقه في ذلك الادعاء المفبرك المدعي العام نيتسان وغيرهما من قادة في تينك المؤسستين. 

لم ينس نتنياهو موضوع مؤتمره الصحفي، لكنه تعمّد، كديماغوغي محترف في اقتناص الفرص وفي استضباع عامة الناس، تحويل المشهد الى منصة قرأ منها لائحة اتهام خطيرة كان قد اعدها ضد اعدائه في نيابة الدولة ووزارة الشرطة فاتهمهم بالتآمر عليه، مؤكدًا على ان التحقيقات ضده كانت "تحقيقات سياسية، وكانت ملوثة منذ بداياتها، واستهدفت حياكة ملفات، حيث كان الهدف من وراءها إسقاط رئيس حكومة من منصبه" ؛ فلقد شاهدنا أمس، هكذا اعلن نتنياهو امام مواطني الدولة، " انهم يفبركون التحقيقات ويقبرون التحقيقات ويتصارعون مع بعضهم من اجل اهداف  سياسية". كم كان الكلام من فمه نزقًا وغريبًا ومستفزًا وكان خاليًا من اي صدق إنساني؛ فما قاله كحقيقة اكتشفها " أمس" فقط، قلناه عن وجع، نحن المواطنين العرب، باسم عشرات الضحايا الذين سقطوا بنيران شرطته هدرًا، وفُبركت بعدها ملفات قاتليهم، وأُغلقت؛ ورفض، هو ومن قبله من ساسة الدولة ومسؤوليها الامنيين، سماع انين دمائهم ونحيب أيتامهم وأمهاتهم وزوجاتهم الثكالى.                     

عن أي أمس تحدث نتنياهو في مؤتمره الصحفي ؟

صانع أمس/مستقبل نتنياهو، في هذه الجولة، كان الصحفي عميت سيغال الذي نشر، في القناة 12 العبرية، يومًا قبل انعقاد مؤتمر نتنياهو الصحفي خبرًا - قنبلة كما وصفه نتنياهو في تغريدة نشرها تعقيبًا مباشرًا على الخبر - ومفاده ان النيابة العامة ومحققين في شرطة اسرائيل قاموا بفبركة ملفات ضد نتنياهو، واسكتوا، فيما بعد، من سعى، من داخل تلك الاجهزة، الى فضح الوقائع على حقيقتها؛  ثم أضاف، سيغال، بذكاء وفي سبيل تعزيز ادعائه المذكور، ان هذه الفبركة لم تكن الأولى، فلقد سبقتها أخريات، كتلك التي رتبتها، نفس العناصر المتورطة ضد نتنياهو، في حادثة قتل المربي يعقوب ابو القيعان، ابن القرية البدوية المهدومة، في مطلع العام 2017، ام الحيران؛ حيث كان لدى الشرطة بينات كافية تثبت ان المربي ابو القيعان وقع ضحية لألاعيب عناصر شرطة اسرائيل، ولم يكن مخربًا ومنفذًا لعملية دهس ارهابية، كما ادعى عليه  قائد الشرطة، روني الشيح، في نفس الليلة، وساند كذبته مباشرة المدعي العام، شاي نيتسان، وذلك بهدف تغطيتهما على جريمة نفذها بعض عناصر الشرطة حين شاركوا في عملية قتل أبو القيعان ولم يسعفوه في الموقع، بل تركوه ينزف حتى فارق الحياة؛ ثم فبركوا البينات كي لا يُكتشفوا وكي لا يوفروا، من خلال اعترافهم بالذنب، مادة للهجوم عليهم من قبل نتنياهو الذي كان في حالة حرب معهم.

لا اعرف كم منكم يعرف من هو الصحفي عميت سيغال، ولا اعرف لماذا قرر  تفجير قنبلته في هذا التوقيت بالذات ؟  لكنه عمليًا زوّد نتنياهو في هذه الفترة الحرجة بمادة سرعان ما حوّلها نتنياهو الى سلاح ما فتيء يستعمله بكل مناسبة ويطالب، بناءً على ما اكتشفه بالأمس فقط، باقامة لجنة تحقيق رسمية تناط بها مهمة اظهار "الحقيقة" والتحقيق مع روني الشيخ وغيره من المسؤولين الكبار.

ويلاحظ ان نتنياهو، الضحية، كان قد كتب مباشرة في تعقيبه على " قنبلة" سيغال:  " مفزع ، الليلة القى سيغال  قنبلة نووية وبرهن  من خلال مراسلات داخلية بين مسؤولين من الشرطة ومسؤولين من النيابة كيف حاكوا لرئيس الحكومة ملفات" . ثم أضاف صورة وكتب عليها "ليحقق مع المحققين، فالليلة أثبت للجميع بأن جميع الملفات ضد رئيس الحكومة نتنياهو مفبركة". 

 لم يذكر نتنياهو  في هذا التعقيب قضية ام الحيران ومقتل المربي يعقوب ابو القيعان بينما حولها  في اليوم التالي الى الحدث الدرامي الاساسي  فاعلن في مؤتمره الصحفي، أنه قد سأل الشيخ ثلاث مرات ليتأكد من طبيعة الحادث وفي جميعها اكد له الشيخ ان عملية الدهس كانت إرهابية.

لقد توقف نتنياهو بعد هذا الكشف هنيهة، وطلب، بحركة ممثل حذق وقبل ان يفصح عن باقي وجعه كضحية، الاعتذار باسمه "على مقتل والد عائلة ابو القيعان، وعلى أنهم قالوا عنه مخربًا. فأمس تبين أنه ليس مخربًا، وامس تبين أن مسؤولين كبار في النيابة العامة والشرطة قد حوّلوه الى مخرب وذلك كي يحموا أنفسهم ويؤذوني .. ".  اقرأوا جيدًا ..فلقد تآمر روني الشيخ وشاي نيتسان وأعلنا عن يعقوب أبو القيعان، قبل ثلاثة أعوام، مخربًا كي يوذيا بنيامين نتنياهو.. فهو أيضا ضحيّتهما تمامًا كما كان ذلك البدوي النبيل ضحية !

هل من عاقل سوي يقبل هذه الحكاية؟  

كل التفاصيل التي كشفت عن ممارسات من فبركوا ملف مقتل ابي القيعان، ومن أخفوا تقارير "الشاباك" التي نفى معدّوها ان ابا القيعان قام بتنفيذ عملية ارهابية، وشهادات من اطلق النار  وغيرها، كلّها تؤكد ما عرفناه وما حاول في تلك الليلة الحمراء ان يصرخ به كثيرون كانوا هناك وبينهم من كاد أن يصبح الضحية الثانية في تلك الليلة، النائب أيمن عودة، الذي اصيب بعيار في رأسه. فما جرى هناك كانت عربدة عصابة مجرمة، غطت على موبقاتها عصابة أخرى مجرمة وجميعهم عملوا وسيعملون في إمرة عصابة أخرى .

فالى من أكبر بنتنياهو اعتذاره، والى من قدّر مهنية الصحفي سيغال، اقول لا تفتشوا عن بارقة أمل لديهم، فالقادم منهم سيكون أفظع .

ويبقى السؤال من قتل يعقوب أبو القيعان؟    


 

عندما يصيب “كوفيد 15”

رئتي القائمة المشتركة

جواد بولس

أين القائمة المشتركة؟ وأين لجنة المتابعة من قضية كورونا؟ سألني صديقي وأخبار  تزايد أعداد المصابين في المدن والقرى العربية تصعقنا من ساعة الى ساعة. لم ينتظر إجابتي، وأردف، هل ستصوت للقائمة المشتركة لو أعادوا انتخابات الكنيست وبقيت القائمة على حالتها اليوم؟
صحونا قبل أيام قليلة على حرب بيانات، لم نشهد مثلها منذ تعرفت فضاءاتنا السياسية على لغة المودة بين الأنداد، وعلى مفردات الشراكة والنضال الموحد بين الأحزاب والحركات السياسية والدينية المتنافسة، التي تؤمن بضرورة الدفاع عن حقوقها السياسية والمدنية بكل الوسائل القانونية، وفي طليعتها خوض الانتخابات للبرلمان الإسرائيلي، كحق وواجب واستحقاق تتيحه حالة مواطنتنا في الدولة؛ فيما تنكره، لأسباب سياسية ودينية بعض القوى العربية؛ وتحارب معظم الأحزاب اليمينية والدينية العنصرية الصهيونية، كونه حقًا دستوريًا لمواطني الدولة العرب، على الضفة الثانية.
لقد تفاقمت الأزمة الحالية عندما لم يكتف النائب عن الحركة الإسلامية الجنوبية، منصور عباس، بالرد على مقابلة أدلى بها القيادي البارز في الحزب الشيوعي الإسرائيلي عصام مخول إلى قناة “مساواة”، بل أقحم، مستهزئًا، في معرض رده، اسم الحزب الشيوعي وتاريخه.
لقد اتهم القيادي الشيوعي عصام مخول النائب الإسلامي منصور عباس “بمقايضة الحقوق بالمصالح واعتماد الصفقات وفتح قنوات سرية مع قيادة الليكود ونتنياهو ومساعديه”، فقام عباس بنفي التهمة ووصف المقابلة  “بالاستعلائية” وأضاف أن مخول “في نهاية المطاف هو عضو في “الحزب الشيوعي الإسرائيلي” ونحن أبناء لحزب اسمه “الحركة الاسلامية” والفرق واضح..”.
لم تكن تلك مجرد مساجلة عابرة بين حليفين في الإطار السياسي نفسه يصارعان ضد العدو نفسه ومن اجل الهدف نفسه؛ ولا أظن أن هذه “المناطحة” قد انتهت، خاصة بعد أن قرأنا كيف انبرى سكرتير عام الحزب الشيوعي، عادل عامر، للدفاع عن حزبه وعن رفيقه عصام مخول، منتقدًا عضو الكنيست منصور عباس وحركته على اختياره مهاجمة مخول بسبب انتمائه السياسي إلى الحزب الشيوعي وهو يعلم علم اليقين “أن هذا هو التيار المركزي بين جماهيرنا وهو التيار الذي أرسى قواعد العمل السياسي الوطني المبني على النضال والكفاح وليس على المقايضة والمتاجرة..”، وتحداه، بعد ذلك، بشكل مباشر “أن يفند الكثير من التسريبات الإعلامية التي تطرقت في السابق إلى هذا الموضوع وعلاقته بنتان أيشيل وغيره من قادة الليكود”. إنها معركة بين نقيضين لا يجمع بينهما إلا عجز اللحظة والسراب.
لم نخطئ، على ما يبدو، حين قلنا إن أفراحنا، كمواطنين عرب في اسرائيل، هي أفراح صغيرة؛ وهذه كما يعرف المجرّبون تمرّ كنسمة هاربة وتترك على الجبين لهفة وفي الخواصر نارا؛ فبعد نجاح القائمة المشتركة في انتخابات الكنيست الأخيرة وحصولها على خمسة عشر مقعدًا، توسمنا منها خيرًا، ورأينا بفوزها انعكاسًا لنضوج سياسي لافت كانت قد بَلَغته الجماهير العربية في إسرائيل، قابله “اختمار قيادي” أبدته الأحزاب والحركات السياسية التي تآلفت تحت سقفها وخاضت المعركة بروح نضالية عالية، وبشراكة حقيقية استحقتا منا كل الدعم والإعجاب.
لقد كتبنا في حينه وقلنا: يوجد للقائمة المشتركة قوة سياسية ومعنوية كبيرة، وتوازيها، بطبيعة الحال، مسؤولية عظمى؛ فهل سيعرف أعضاؤها صونها كما يتوقع منهم؟ لم يملك أحد القدرة على الإجابة على هذا التساؤل؛ ولكننا أكدنا، على ضوء تجربة القائمة الفاشلة السابقة، أن شرط بقاء القائمة موحدة يكمن، علاوة على توفر الارادة، بعدم تراجع أي مركّب عن مواقفه التي قدمها عربونا للوحدة وعودته للعمل المنفرد بوحي مصالح حزبه، أو حركته الضيقة، أو بهدي عقيدته ومبادئه. لقد أعطى الناخبون مئات آلاف أصواتهم للقائمة المشتركة، على أمل أن يحافظ قادتها على العهدة وعلى الوعد، وليبقوا قوة موحدة في وجه حمم اليمين التي سقطت وستسقط على رؤوس جميعنا في المستقبل القريب؛ فالرهان على نوايا قطعان قوى اليمين السائبة يعادل انتحارًا، والمراوغات من أجل مكاسب وضيعة جراء حملة دعم لاخواننا، في سوريا أو في اليمن أو في لبنان، ينفرد بها حزب هنا، أو حركة هناك، مثلها مثل محاولات الإقلاع بمناطيد من غبار.
لقد تخطى إنجاز المشتركة تحصيلها العددي، فما حصل على أرض الواقع، كما كتبنا بعد إعلان النتيجة، هو أن الجماهير العربية أجبرت عمليًا جميع الأحزاب والحركات المنضوية تحت خيمة القائمة المشتركة أن تنأى بنفسها وترتقي وتتغيّر مفاهيميًا وأداءً لتكون جديرة بمكانتها المشتهاة وبتكليفها كممثلة لمصالح تلك الجماهير ولتطلعاتها. فكان على تلك القيادات إما أن تنتقل من مرحلة المراهقة السياسية والمغامرات، إلى مرحلة البلوغ والوعي بتحديات حياتنا ومواجهة الالتباس حول مستقبلنا، وأما ان ترتطم نزواتها على خشب الكراسي البرلمانية البالية. لقد ساهم كل مركّب بقسطه من أجل ضمان نجاح التجربة، لكنهم لم يستمروا؛ فعاد بعضهم الى “جلده القديم” وقرّبونا مجددًا من حالة الخيبة والالتباس.
كان على الجبهة الديمقراطية والحزب الشيوعي أن يعترفا ويقبلا بقيادة النائب أيمن عودة لتنظيمهما العريق والأبرز؛ فبدون تلك النقلة، الاتفاق على وجود قائد، لن تكون الجبهة جديرة بقيادتها لصدارة القافلة، ولا أن تستعيد ثقة الناس في عدة مواقع ابتعدت عنها قصاصًا وامتعاضًا من تشتت مواقفها السابقة. لقد خطت الجبهة خطوات جدية على هذا الطريق، إلا ان وجود بعض جيوب المقاومة من بقايا الحرس القديم يضعف الجبهة داخل المشتركة، ويعرقل اكتمال المهمة وينتقص من احتمال إعادة تأهيل تنظيم الجبهة وتمكينه لاستعادة دوره المعد لها تاريخيًا. وكانت مرونة الحركة الاسلامية الجنوبية تجاه شركائها، حتى في المسائل الخلافية، دَينًا في حرج النائب منصور عباس وإخوانه؛ ولكنها كانت مهمة مستحيلة؛ فكما صرّح شيوخ الحركة في أكثر من قضية وموقف، لن يستطيع ممثلوها الخروج عن ثوابتها العقائدية، حتى لو كان ثمن تمسكهم تصدع وحدة القائمة المشتركة، مثلما حصل في عدة مواجهات أدت عمليًا الى بعث لغة المناكفات مع الشركاء، وآخرها ما جرى مع رفاق وقادة الحزب الشيوعي.

الجبهة الديمقراطية والحركة الإسلامية التنظيمان الأساسيان بين الناخبين العرب، والخلل في أدائيهما كاف لإفشال تجربة القائمة المشتركة

تعتبر الجبهة الديمقراطية والحركة الاسلامية التنظيمين الأساسيين بين الناخبين العرب، والخلل في أدائيهما كاف لافشال تجربة القائمة المشتركة؛ مع ذلك فقد نضيف اليهما ضعف حزب التجمع، وغياب مؤسساته وانحسار وجوده الشعبي، وعدم نجاح “الحركة العربية للتغير” باستكمال محاولات بناء مؤسساتها الحزبية الجدية والمحافظة عليها.
تصل اسرائيل، في هذه الأيام، إلى آخر محطات تشكل نظامها السياسي الفاشي الجديد؛ فبعد تقويض أسس الدولة الأصلية، وبعد السيطرة على معظم مؤسسات ومرافق الدولة الأساسية، وبعد اكتمال جاهزية انتفاضة الغوغاء النهمة، نشهد كيف تنقض كتائب “القائد الأوحد”، المهوّشة والجائعة، على كبار الموظفين الإداريين وتطاردهم أو تطردهم من معظم الوزارات والوكالات الحكومية، وذلك من أجل إزالة آخر العقبات وتأمين سيطرة الجهاز الجديد على عروق الدولة ومساماتها بالكامل. فمن سيقف في وجه تلك الكتائب؟ ومن سيفشل سياسات الاقتلاع والتهجير والقمع؟ ومن سينظم مجتمعاتنا العربية من جديد؟
لقد آمنا أن نجاح القائمة المشتركة كان علامة واضحة لنضوج شعبي وطني جديد وتجاوب سليم لمجسات مجتمع، استشعرت الخطر وشخصته بدقة، وتهيأت لمواجهته بمسؤولية وجهوزية عاليتين. وكانت ـيضًا انعكاسات مهمة لتذويت واع لمعنى الشراكة الجوهرية الحقة أجراه بشكل معمق كل مركب من مركبات القائمة فاستعادوا بعده وبسببه ثقة الناس التي فقدوها، فهل مازال تشخيصنا صحيحًا؟
اخشى أننا نضيّع الفرصة مرة أخرى؛ وأخشى أن هذه القائمة قد حملت بذور انشقاقها منذ ولادتها، وسيكون علينا، قريبًا، أن نفتش عن وحدة أعمق، وعن وسائل نضالية بديلة ومستحدثة، لكي تتواءم مع طبيعة المتغيرات الحاصلة في الدولة وفي داخل مجتمعنا. وحدة تستشرف احتمالات التجانس الاوسع والممكن في مواقف الشركاء إزاء قضية المساواة على تفرعاتها وجميع منظومات الحقوق، القومية والمدنية، التي نناضل من أجل الحصول عليها أو عدم المساس بها.
يتبع..
كاتب فلسطيني

 

 

عندما اعتدت شرطة

نتنياهو على رئيس الشاباك

 

جواد بولس

اعتدت قوات الشرطة الاسرائيلية، في العشرين من شهر آب الجاري، على المتظاهرين والمعتصمين أمام بيت رئيس الوزراء الإسرائيلي في شارع بلفور في القدس الغربية، الذين توافدوا محتجين على تولي بنيامين نتنياهو رئاسة الحكومة رغم كونه متهمًا في ثلاثة لوائح اتهام جنائية خطيرة ؛ وقامت بعض عناصر الشرطة وضباطها بشحط وضرب بعض المعتصمين، مثل رئيس الشاباك السابق كرمي چيلون وعدد من ضباط جيش الاحتلال، وفرّقتهم بعنف كي تخلي المكان لصالح مظاهرة أخرى، دعا اليها مؤيدو ننتياهو ونشطاء حزب الليكود، في المكان نفسه.   

قد يبدو الخبر للكثيرين عاديًا، فلطالما شاهدنا عصيّ هذه الشرطة وهي تهوي على رؤوس وأجساد المتظاهرين العرب، وبنادقها تطلق عليهم قنابل الغاز المسيل للدموع او حتى الرصاص المطاطي والحي، كما جرى في احداث يوم الارض الخالد او خلال احتجاجات اكتوبر في العام 2000 وفي غيرها من الانفلاتات الشرطية العنصرية القمعية التي خلّفت وراءها، بين المواطنين العرب، الضحايا والمصابين والأحزان.

وإن كان ذلك الاعتقاد صحيحًا بالمطلق، ستبقى مشاهد واحداث ذلك المساء فريدة وتاريخية، لانها حملت دلالات خطيرة على طبيعة التحولات التي مر بها نظام الحكم في اسرئيل، وبراهين على انتقاله من نظام عنصري يقمع ويضطهد مواطني الدولة العرب، الى نظام مستبد وغير ديمقراطي وفاشي لا يقبل بأي نوع من المعارضة السياسية حتى لو كانت آتية من داخل المجتمع اليهودي وتمارسها اجسام وجهات وشخصيات صهيونية بارزة وصاحبة تاريخ مشهود في تضحياتها من اجل بناء إسرائيل القوية.

ستبقى مشاهد ضرب الشرطة للرئيس السابق لجهاز المخابرات العامة، الشاباك، كرمي چيلون واصابته بجروح طفيفة، وصور العنف الممارس على عدد من النساء والشخصيات اليهودية البارزة التي شاركت في تلك الاحتجاجات، ومنظر العقيد بجيش الاحتلال، أمير هاسكل، وهو يجرّ على قارعة الطريق العام أمام أعين العالم، شواهد على كيف تحوّلت شرطة إسرائيل من جهاز موكل بخدمة الدولة وحماية مواطنيها اليهود - ويمارس بشكل منهجي سياسة القمع العنصري ضد مواطنيها العرب - الى مسوخ بشرية والى ذراع مسيّسة تلاحق وتضرب، باسم رئيس الحكومة وحلفائه، كل معارض ومحتج على شرعية سلطته وعلى سياساته التحريضية.

إنها آخر الأقنعة؛ سقطت وتعرّى النظام وظهر بكامل قبحه وشراسته؛ فبعد اليوم سيواجه المواطنون في اسرائيل واقعًا مختلفًا وكيانًا يُقاد من قبل ثلة تؤمن أن غاياتها تجيز لها تسخير جميع الوسائل والاحابيل، ونسف كل القيم الانسانية وتعطيل كل الموجبات القانونية وإلغائها؛ إنها مجموعة عابثة تؤمن أنها والدولة والشعب ثلاثة أقانيم متجسدة في شخص زعيم واحد مفدّى. 

 لم يحدث هذا الانهيار الشامل فجأة؛ فلقد زحفنا على ذلك المنزلق منذ سنوات، وحذرنا منه حين كنا نصفع ونلعق ذلّنا مكابرين، ونصيح: كلنا نفدي الوطن؛ وحين كنا نُنْكَب ولا نرعوي بل نفتش ونغني للملايين، أو لبغدادَ قلعة اسودنا؛ وحين كنا ننتكس فنشكر السماء على لطفها ونمطرها بدعاءاتنا، ونعلن اننا راجعون بقوة السلاح.

ان الاقلية العربية في اسرائيل بحاجة،  الآن أكثر مما مضى، الى اعادة نظر في اساليب نضالاتها ووسائل تنظيمها؛ فبعض الفئات الحزبية والحركات السياسية ما زالت ترفض اعادة حساباتها ورؤية أهم المتغيّرات التي حصلت خلال القرن الماضي، وخلال العقد الأخير، ويصرّ هؤلاء على التمسك بعقائدهم وبمواقفهم الأيديولوجية ورؤاهم السياسية التقليدية؛ فلا يعني مثلًا انهيار الاتحاد السوفياتي أي شيء لبعض الشيوعيين القدامى، ولا تبخر ما كان يسمى "حلف وارسو" ؛ بل يحافظ هؤلاء على ترديد نفس الديباجات الموروثة من العصر الذهبي ويعظّمون شأن قيصر الكرملين الحالي، بوتين، وكأنه رئيس "البوليتبيرو" الذي يقف على رأس"امبراطورية الشمس" التي كانت الصديقة الجبارة لمعظم الشعوب المقهورة.

كان انهيار الحلم الاحمر من أبرز وأهم احداث القرن المنصرم، لكنه لم يكن الخيبة  الوحيدة التي غيّرت مجرى التاريخ، ساعة بدا هذا لصنّاعه الثائرين، كل من اجل حلمه، واعدًا وزاهرًا؛ فسقوط مشروع القومية العربية بمفهومه الناصري، وتعثر المشروع الاسلامي الاخواني، كانا، من دون شك، حدثين اضافيين بارزين ما زالت تذبذباتهما تخض أواصر وخواصر المنطقة وتعبث في استقرار شعوبها.

لا وقت لخداع انفسنا ولا هوامش للمقامرات أو للتحليق بنشوة على روائح الماضي وأحلامه؛ فلن ينجو من أنياب هذه الوحوش الا الشجاع والحكيم واليقظ؛  وشرط هذه النجاة الاول هو اعترافنا بأن اسرائيل الجديدة والقوية والمارقة هي  ليست اسرائيل التي تمسّك مؤسسوها بيهوديتها المقرونة بديمقراطية عرجاء للعرب وكاملة ليهودها؛ فهي اليوم ابنة الظلام واخت للذين أطفأوا الصباح  ورقصوا على جثته وعلى وجع النايات.

يدل كل ما يدور في فلكنا على ان محنتنا سوف تشتد، واننا سنعاني، كمواطنين عرب، في المستقبل القريب، أضعاف ما واجهناه في سبعة عقود عجاف. وحدنا سنبقى؛ لن يبكينا دجلة الغارق في صدى عراقه، وشوقنا لبردى مؤجل الى ان يسترد شامه وتتوحد الاوطان ! وحدنا كنا، فلا الصحراء اسعفتنا ولا سيوف العربان؛ ووحدنا سلمنا ووحدنا سننام كي نحمل عمرنا ونبدده فوق ربوع جليلنا ونغني "ما اجمله بددا" مع "عقل" لبنان.

الرمل في ساعاتنا ينفد، فعلينا ان نحسم أمورنا ونقرر كيف ستكون المواجهة واين  مطارقنا ومن هو السندان ؟ 

من يتعقب عناوين مؤسساتنا القيادية، الموجود بعضها اسميًا وبعضها فعليًا، لن يخطئ في تشخيص قصورها المزمن ومحدودية وسائل نضالاتها ونجاعتها؛ فالقائمة المشتركة، رغم هفوات بعض مركباتها، تجتهد وتعطي ما في وسعها وذلك ضمن ما تتيحه لها الكنيست كمنصة للعمل البرلماني، الذي مهما كان زخمًا ومؤثرًا، يبقى محدودًا وقاصرًا على انتاج مردود سياسي وحراك شعبي كفيل بمواجهة القوى الشعبية اليمينية وغزواتها في الشوارع وعلى جميع الجبهات.

وعلى المدارات المحلية سنجد رؤساء البلديات والمجالس العربية يغرقون في معاركهم اليومية وينهكون في محاولاتهم لتحصيل حقوق بلداتهم من خزينة الدولة، وذلك دون ان تعفيهم مجتمعاتهم من سداد فواتير حملاتهم الانتخابية وصفقاتها التي ضمنت لبعضهم الجلوس على كراسي الرئاسة.

أما عما تعانيه " اللجنة العليا لمتابعة شوون الجماهير العربية"، فلقد كتبنا مرارًا ونوّهنا الى ضرورة إحيائها على اسس جديده ووفق رؤى سياسية مستحدثة تتواءم وطبيعة التغييرات التي عصفت بالمجتمع الاسرائيلي وبمجتمعاتنا المحلية وعلى نطاقات أوسع في منطقتنا والعالم؛ إلا أن الأمر لم يحصل.

وقبل ان استرسل في هذه الجزئية، والوَّم عن غير وجه حق،  سأستعير ما كتبه الشيح كمال خطيب، رئيس "لجنة الحريات" المنبثقة عن اللجنة العليا - وهو بلا شك رجلها الثاني، بعد رئيسها محمد بركة - وذلك في معرض ردّه السجالي على اعلان كان قد نشره الاعلامي المعروف وليد العمري، فأجابه الشيخ على صفحته جازمًا وقال: "إن لجنة الحريات هي واحدة من عشر لجان تتشكل منها لجنة المتابعة التي يراسها السيد محمد بركة، حيث يرأس كل مركب من مركبات المتابعة واحدة من هذه اللجان. هل سمع وليد العمري عن لجنة التخطيط الاستراتيجي وعن لجنة الارض والمسكن؟ وعن لجنة القدس واللجنة الاعلامية؟ لا شك انه لم يسمع والسبب انها معطلة ولم يتم تفعيلها والقيام بدورها.. "

هل يبقى بعد هذا الاعتراف الصريح والخطير كلام؟ فاللجنة، للاسباب التي ذكرها خطيب، ولغيرها، لم تعد عنوانًا جاذبًا للجماهير العريضة، ولا مؤسسة تمثل القواسم المشتركة لمواقف أكثرية الناس؛ ولقد برز ضمور دورها بوضوح بعد ان انحسرت معظم نشاطاتها وبقيت "لجنة الحريات" هي الجسم الوحيد الفاعل باسمها في ميادين ضيقة، في حين اهملت هذه اللجنة دعم سائر الحريات او عارضها رئيسها لاسباب فئوية أو عقائدية لا يخفيها الشيخ بل يعلنها تساوقًا مع مبادئه الشرعية وايمانه الديني.

من سيقود مراكبنا في هذا البحر الهائج ؟ 

سينبري البعض وسيدعون بأن كرمي چيلون والآلاف ممن شاركوا في الاحتجاجات على حكم نتنياهو وضد تحريضه الارعن، يفعلون ذلك لخوفهم على مستقبل دولتهم ولحرصهم على سلامة اسرائيل؛ وبالتالي لا تعني صور عناصر الشرطة وهي تضرب بعنف المتظاهرين اليهود، لهؤلاء شيئًا ولا تعنيهم كذلك حقيقة الاعتداء على رئيس جهاز المخابرات الاسرائيلي وغيره واصابتهم بجراح واهانتهم على الملأ، بل سيمضي بعضهم وسيهزأون بالحدث وسيواجهونه بشعاراتهم المقاتلة وقناعاتهم الثابتة!

سيدّعي آخرون بأنّ ما جرى لم يكن سوى مسرحية صهيونية خبيثة علينا الحذر منها وفضحها؛ في حين سيلجأ رهط آخر الى تفكيك عناصر المشهد بمساعدة شيفرة المؤامرة وسحر المزايدة وفي حساباتهم الضارب والمضروب سيان وجميعهم "بطيخ صهيوني" ، فليكسر بيبي رأس كرمي، ولنبقى نحن راضين على رصيف العروبة ننتظر الزمن أو نرفع صلواتنا داخل كهوفنا، لأن نصرنا، هكذا تبشر السماء، قريب وزاحف.

لست من أنصار جميع هؤلاء؛ فانا على قناعة بان بما جرى في العشرين من أب هو اعلان عن ولادة حقبة ومعسكرات جديدة، فاما ان نكون، نحن المواطنين العرب، مع ومن حاصدي جناها، أو ان نصير من جناها المحصود.   

 

اتفاقية إسرائيل – أبو ظبي

ونهاية حلم الأمة الواحدة

جواد بولس

 

ما زالت تداعيات خبر الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي تشغل فضاءات الإعلام المحلي والعالمي، وتخلق بغزارتها بلبلة، من المستحيل تحديد معالمها أو رصد مصادرها ومن يقف وراءها أو يشحذها بآرائه المغرضة أو بجهله، اللذين تسمح منصات التواصل الاجتماعي بانتشارهما بتساو «فكري» مستفز ومغلوط.
لقد قيل في الماضي إن اختراع الرصاصة والمسدس ساوى بين الجبان، أو الخسيس، والشجاع. واليوم نقول إن التقدم العلمي والتكنولوجي وما أتاحاه من سهولة باستعمال معظم المنتوجات العصرية الالكترونية وغيرها، ساوى بين «كل عالم وجهول» حتى صار الناس ينامون على سيول من «المعارف» والتحاليل والخلاصات والنصائح «العلمية» ويفيقون، في الصباح، على نقيضها تمامًا.

لقد استهدف قباطنة العالم الجديد تدمير الكيانات العربية بشكل تام وإعادتها إلى تشكلاتها القبلية الأصلية والتحكم بها وبمقدرات البلاد الطبيعية. كما لم يخفوا مخططاتهم، بل طلبوا مساعدة عملائهم من بين قادة العرب فلم يتخلف هؤلاء وتحالفوا على تنفيذ تلك المخططات التي أوصلت، كما نرى، الدول العربية – وبعضها لا يعدّ دولًا بالمعنى الصحيح للكلمة – إلى حالة من «العمى الأبيض» حيث تفوق أوضاع مجتمعاتها البائسة، وانحطاطات قادتها واستبدادهم، أوضاع المدينة الرهيبة التي وصفها الأديب الكبير خوسيه ساراماغو في روايته المثيرة واللافتة «العمى».
كان شرقنا، قبل الاعلان عن اتفاقية الإمارات، غارقًا في جهل وبحر من ظلمة فاحمة، وسيبقى بعدها تائهًا ومهزومًا لزمن طويل آت.
إنها حالة من الفوضى العارمة التي لا يعرف فيها المواطن العربي المسحوق من «يمتح» في بئره الماءَ ومن في أسفلها «يميحه» كي يكون زلالا!

عندما ظهر بنيامين نتنياهو على شاشة التلفزيون وأعلن، بفرح عظيم، نبأ توصله مع صديقه الأمير الإماراتي إلى اتفاقية سلام شاملة، تهافت أصحاب الأقلام والمنابر على وصف الحدث فاعتبر بعضهم أن إعلان الاتفاق حدث هامشي وليس إلا كشفًا عمّا كان قائمًا بينهما في الستر بينما تفهم آخرون المشهد، فالإمارة، بالنسبة لهم، أصغر من «قُمع» وهي لذلك لن تؤثر على مستقبل المنطقة العربية والإسلامية، المشرفة على أحداث جسام سيتوّجها، وفق تكهنات هؤلاء، شتاء عربي زاحف سيغسل قاذورات عصر الخيانات والسقوط.
لا يعنيني جميع ما كتب هؤلاء حول هواجس الأمة العربية أو الإسلامية على الإطلاق فمعظم ما قالوه هو شعارات فضفاضة وكتابات ملتبسة وهشة، كانت إسرائيل قد استفادت منها لعقود طويلة وسخّرتها بحكمة وتسخرها بخبث من أجل إحكام نفوذها في المنطقة وتسويغ قمعها للفلسطينيين، وهم ضحايا ممارساتها واحتلالها المباشرين والوحيدين.
ستبقى القضية الفلسطينية هدف هذه المخططات المباشر والأهم فما قامت به الإمارات يُعدّ خطوة خطيرة لا يجوز الاستهزاء من احتمالات تأثيراتها الممكنة على مستقبل المنطقة، وكل المحاولات لتقزيم الحدث ووسمه بالعادي وبالعابر ستخدم مآرب القيمين عليه، ولذلك سيبقى وجع الفلسطينيين حقيقيًا، وشعورهم بخطورة المؤامرة الرامية إلى تصفية قضيتهم، مبررًا، وخوفهم من محاولات تقويض مشروع تحررهم الوطني وإقامة دولتهم المستقلة، في إطار حل الدولتين المتفق عليه دوليًا – مشروعًا وصحيحًا.

ما قامت به الإمارات يُعدّ خطوة خطيرة لا يجوز الاستهزاء من احتمالات تأثيراتها الممكنة على مستقبل المنطقة

ما زالت محاولات احتواء تداعيات هذه الصفقة أو إجهاض مخرجاتها المبرمجة جارية، ومن سيتصدى لها بشكل صارم وواضح وسيقف في مواجهتها هم قيادات وفصائل منظمة التحرير وأبناء الشعب الفلسطيني الذين عرفوا في الماضي كيف يسقطون المؤامرات ضد حقوقهم ويفشلونها، وإلى جانبهم كمشة من الحلفاء الحقيقيين.
ومن المؤسف حقًا في مثل هذه الظروف العصيبة عدم اصطفاف كل القوى السياسية والمجتمعية الفلسطينية إلى جانب قياداتهم، فالمرحلة حرجة، ومحاصرة منجزات الشعب الفلسطيني تتصاعد من يوم إلى يوم، مما يستدعي التخلي عن جميع مسببات الخلافات الفلسطينية الداخلية وإعادة بناء القلعة الواحدة المتينة، كي نستطيع، بمن في داخلها، مجابهة موجات الضغوطات المتوقعة.
لا أعرف من أين يأتي المتفائلون بصبرهم، ولا لماذا يبشّر من يبشّر العربَ بالفرج القريب، فكل من «يفتي» بالنصر الأكيد يمدّ يديه للسماء نفسها وهي، كما علّمونا، فوق الجميع زرقاء ودودة وجميلة، خاصة ونحن نرى كيف لم يبق للفلسطيني سلاحًا إلا «ذراع» شاعرهم محمود درويش وقطران الوحدة والصمود.
سمعنا في مجمل ما سمعنا من محاولات البعض لتفهم موجبات توقيع الاتفاقية الإماراتية أو تبريرها، رزمة من الادعاءات الواهية وفي طليعتها نجاح إمارة أبو ظبي بإيقاف ضم المناطق الفلسطينية للسيادة الإسرائيلية. لم تنطلِ هذه الحجج على الناس لا سيما على الواعين منهم والشرفاء. ولكن من أخبث ما سيق كتبرير للخطوة الإماراتية كان ادعاء من لجأوا إلى استحضار الاتفاقيات الفلسطينية التي وقعتها منظمة التحرير مع الحكومة الإسرائيلية، وإثباتها كسوابق تجيز لباقي الدول العربية محاكاتها أو تكريرها. ولقد تصرّف من جنّد هذه الذريعة بديماغوجية خطيرة، وهو يعرف عدم صحة المقارنة وضرورة سقوط المقاربة.

لقد أجاب القائد الكبير الراحل فيصل الحسيني على جميع هؤلاء منذ سنوات طويلة، وحذر من الوقوع في هذه المغالطة وهو الذي كان يشعر كيف كان بعض قادة العرب يحلم بالنوم في حضن إسرائيل أو على صدرها، فصرّح، قبل وفاته، حاسمًا: «نحن نقول للدول العربية التي تريد أن تحقق سلمًا أنه من المحظور عليكم أن تعقدوا اتصالًا مع إسرائيل ولا تستخدمونا كمظلة أذا جلسنا نحن مع الإسرائيليين، وتقولوا: الفلسطينيون جلسوا مع إسرائيل فلماذا لا نجلس؟ نحن نجلس مع الإسرائيليين لفك الارتباط ولا نجلس معهم لتمكين هذا الارتباط».
رحل الفيصل ورحلت معه أحلام فلسطينية عديدة فهل ما زال التوقع اليوم أن يتصرف العرب كما طالبهم فيصل قبل عشرين عامًا ممكنًا وللأسباب نفسها التي بررته حينها؟
إنه تساؤل مشروع وضروري، وهو واجب على كل فلسطيني يفتش عن مستقبله الآمن في هذا العالم المتغيّر وضوابطه السائلة، فحتمية التضامن العربي، الذي كان في حكم البداهة المتوقعة، صارت مسألة فيها وجهة نظر وهي في حاجة إلى فحص معمق وتفكيك شامل.
لقد كانت نكسة يونيو/حزيران 1967 أكبر وأقسى الضربات التي أنزلت على دعاة وحدة الأمة العربية، وتلتها هزات عديدة أدت مع السنين إلى زعزعة شروط حالة التضامن المتوقعة بشكل طبيعي ومفهوم.
سيكون اليوم من الصعب، إنْ لم يكن من المستحيل، على من يعتنق العروبة، كفكرة وكفكر، التنكر لانكسار الحلم أو مواجهة واقع بعث القبلية العربية واستعادة القبائل لعصبياتها القديمة واستئنافها لممارسة حروبها الوجودية في معظم «الدول» التي كانت ذات يوم موئل الحلم العروبي وموعدها لإقامة الوطن الواحد الكبير، كما أطلقه جمال عبد الناصر ومن نادوا مثله وغنوا: أمجاد يا عرب امجاد!

إنها قضية أساسية وذات علاقة وثقى بما يجري من تطورات وأحداث أمامنا، فالسؤال: لماذا يتوقع الفلسطينيون اليوم من إمارة أبو ظبي، أو من أي دولة عربية أخرى، تضامن حكامها التلقائي الفوري مع قضيتهم ودعمًا مطلقًا على جميع الجبهات؟ هو سؤال مطروح بشدة وله ما يبرره. فهل عروبة هؤلاء القادة هي الجواب، مثلًا أم كونهم مسلمين، أم بدواعي قيمهم الإنسانية وأخلاقهم المثلى؟
وهل غياب ردة فعل شعوب تلك الدول على مواقف قاداتهم واستنكافهم عن دعم فلسطين يشكل مؤشرًا على حدوث تغيّرات جذرية في تلك الساحات؟ وهل يتوجب على الفلسطينيين، قيادةً ومؤسساتٍ وشعبًا، الانتباه لجميع هذه المؤشرات وإعادة حساباتهم من أجل إنقاذ مستقبل قضيتهم؟
للإجابة على هذه التساؤلات أهمية في تحديد سياسات الفلسطينيين المستقبلية؛ وعندما أقول ذلك لا أستثني مواقف قادة فلسطينيي الداخل الذين آثروا، رغم جسامة الحدث، التزام الحذر والاكتفاء بتعقيبات متواضعة وخجولة، حيث غابت عنها مواقف واضحة وموحدة «للقائمة المشتركة» و»للجنة المتابعة العليا لقضايا الجماهير العربية» وغيرهما.
إنه صمت غير مبرر، ويدلّ على عمق أزمة هذه القيادات وعلى عجزها في مواجهة الواقع الذي ينادي بضرورة إيجاد الحلول والبدائل.
كاتب فلسطيني

 

 

كيف سرق قاضيا المحكمة

العليا دولتهما إسرائيل؟

جواد بولس

أثار قرار المحكمة العليا الإسرائيلية الصادر في العاشر من الشهر الجاري، والقاضي بإلغاء أمر قائد جيش الاحتلال بهدم بيت الأسير الفلسطيني نظمي أبو بكر، زوبعة عنيفة في الأوساط اليمينية الرسمية والشعبية، حيث شارك في تأجيجها عدد من أعضاء الكنيست الاسرائيلي، الذين هاجموا بصورة غير مسبوقة، قضاة المحكمة العليا، وحرّضوا عليهم بشكل مباشر وصريح.
برز في هذا المشهد تصريح رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي وصف فيه قرار المحكمة «بالبائس» وطالب، بما يشكل تدخلا خطيرا غير مسبوق في عمل الجهات القضائية، «بضرورة إعادة بحث القضية أمام هيئة موسعة من قضاة المحكمة» وأكد بعد أن اتهم المحكمة بشكل مبطن على أنها تشجع الإرهاب، أنه ما زال يتبنى، كما تبنى في الماضي، سياسة هدم بيوت «الإرهابيين» وأنه لن يتراجع عن ذلك أبدًا.
تواجه المحكمة العليا الإسرائيلية، منذ سنوات، حملة يمينية مسعورة أشرفت على نهايتها أو تكاد؛ وسقوط هذه المؤسسة في براثن النظام السياسي الجديد، الذي تمكنت عناصره من السيطرة على معظم مقاود السلطة، ولم يتبق عليها إلا الاستيلاء على بعض «الثغور» الناشزة، وأهمها مؤسسة المستشار القضائي للحكومة وجهاز المحاكم، وفي طليعته المحكمة العليا، التي كانت رمز ديمقراطية إسرائيل ونزاهتها المدّعتين.
لم أنوِ التطرق مجددًا لمكانة المحكمة العليا الإسرائيلية، ولا لتاريخها الملتبس إزاء حقوق المواطنين العرب في إسرائيل، أو لدورها العنصري في تسويغ سياسات الاحتلال وممارساته ضد الفلسطينيين المنتكسين منذ عام 1967، لكثرة ما كتبت في هذا المضمار، ولصراحتي حين أطلقت قبل سنوات ندائي للأخوة القابعين تحت الاحتلال، بضرورة مقاطعتهم لهذه المحكمة، ومع ذلك ولفداحة الأمر قررت العودة إلى هذه المسألة.
بدأت عملي، في بداية ثمانينيات القرن المنصرم، كمتدرب في مكتب حنا نقارة، «أبو طوني» شيخ المحامين وأغزرهم ثقافة وصلابة وتمرّدا. رافقته في أواخر غزواته القانونية، وكنت شاهدًا على قناعاته بسقوط الأقنعة وتشخيصه المبكر لفساد منظومة «العدل» الإسرائيلية؛ وهو الذي كمنافح عن الإنسانية في جميع تجلياتها، خبر معنى مقارعة القمع بدون هوادة، وآمن بحتمية انتصار الخشب على المشانق.
وصلنا إلى قاعة المحكمة العليا التي كانت تعمل في الطابق الثالث من عمارة «المسكوبية» في مركز القدس الغربية، قبل انتقالها إلى مقرها الحالي «قصر العدل» الذي تبرعت ببنائه عائلة روتشيلد المعروفة. كان القاضي يوئيل زوسمان هو رئيس هيئة القضاة، فرحب بأبي طوني مبديًا، بشكل واضح، احترامًا له وودًا عتيقًا.

 لا يخفي اليمين الإسرائيلي عزمه السيطرة على المحاكم وملأها بقضاة يمينيين؛ وبدأت الوزيرة السابقة أييلت شاكيد مشروعها المعلن

استعرض أبو طوني تفاصيل قضيته، وأصر على أن استيلاء سلطة أراضي إسرائيل على قطع الأراضي، التي يطالب هو باسم أصحابها بتحريرها وإرجاعها لهم، باطل وغير عادل.
لا اتذكر اليوم تفاصيل تلك القضية بدقة، لكنني لن أنسى كيف وقف مثل السيف، وأصر على حق أولئك الفلاحين باستعادة أراضيهم. حاول القاضي زوسمان أن يقاطعه ليشرح له عن التغييرات التي ادخلها قانون الأراضي الاسرائيلي الجديد، لكن أبا طوني، الذي كان يعرف ذلك ويرفضه، تابع مرافعته بصلابة وبعبرية مَن ولد حينما كانت الارض تتكلم العربية. تبسم القضاة؛ وفي لحظة كان يلتقط فيها أبو طوني انفاسه نجح القاضي زوسمان بأن يقول: «القانون يا ابا طوني، القانون.. فحسب قانون الدولة هذه الأرض ليست لأولئك الفلاحين». ساد الصمت في القاعة. لاحظت أن أبا طوني يحاول ابتلاع كلمات زوسمان، ولا ينتظر أي توضيح. كانت نظارته قد سقطت حتى وقفت عند ارنبة أنفه، أرجع كتفيه إلى الوراء، كمن يريد أن يرمي قرصًا من حديد، وبيده الغاضبة رفع بنطاله حين كانت سبابته الاخرى تشق هواء الغرفة البارد. نظر نحو القضاة بعينيه الجاحظتين وصرخ بعبريته العربية «اذن، هحوق شيلخيم، أفال هصيدك ايتانو» أي القانون لكم ولكن العدل معنا. كررها عدة مرات حتى التصقت حروفها على جدران القاعة.. كان المشهد مستفزًا وحزينًا. كنت أجلس بهدوء مصطنع وانتظر أن يأمرني لأفعل أي شيء. أحسست بكفه تحط على كتفي ويضغط بأصابعه برفق أب. سرت في جسدي حرارة ساحرة ففهمت، عندها، كيف تنقل وصايا الأحرار من جيل إلى جيل، أعلن القاضي عن رفع الجلسة وطلب من ابي طوني أن يدخل عنده إلى الديوان.
لم يهدأ أبو طوني أمام زوسمان، الذي حاول أن يكون لطيفًا، رفض أن يستسلم لقوة القانون الجديد ومنطقه، فدافع عن الحق بشراسة وانهى حديثه بما معناه: اذا كنتم كقضاة ستدافعون عن هذا الظلم، وهذا القمع وعن هذه السرقات، فلن يدوم لكم عرش ولن تستقر سفينتكم بسلام، باطلكم سينسف باطنكم ويدمره. غادر الغرفة وكان مضطربًا وفوّارًا. نظر نحونا، أنا وموكلاه، وقال: «هزُلَتْ.. لم تعد هذه محكمة؛ أسموها ما شئتم، فلسوف تصير مقصلة أو مشنقة».
دخلَت بتاريخ 12/5/2020 قوة من جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى قرية يعبد القريبة من مدينة جنين في شمال الضفة الغربية المحتلة، بهدف اعتقال بعض المواطنين في ساعات الليل المتأخرة، بعد سماعه لضجة غريبة في محيط بيته صعد المواطن نظمي أبو بكر إلى سطح بيتهم العائلي المكون من ثلاث طبقات، وقام بإلقاء طوبة من فوق، سقطت على رأس جندي إسرائيلي وقتلته. أصدر قائد جيش الاحتلال الإسرائيلي، على إثر مقتل الجندي، أمراً يقضي بهدم بيت الأسير نظمي الكائن في الطابق الثالث من بناية تسكن في طابقيها السفليين عائلتا أخويه، بينما يسكن هو وزوجته واولادهما الثمانية، ومنهم سبعة قاصرين، في الطابق المعد للهدم.
التمست العائلات، الزوجة والأولاد والإخوة، أمر منع ضد أمر الهدم المذكور، وادّعت أن القرار سيعاقب عائلات كاملة وسيرمي بأفرادها إلى الشوارع، بدون أن يكون لهم ضلع أو سابق معرفة أو أي مسؤولية عمّا يتّهم به نظمي.
وحين قبلت المحكمة الالتماس، اعتبر البعض قرارها جريئا؛ وسيجنده آخرون كمثال لعدل القضاء الاسرائيلي، أو كذريعة لاستمرار لجوء الفلسطينيين لهذه المحكمة؛ أما أنا، وإن كنت سعيدًا لإنقاذ بيت العائلة من الهدم، لست مطمئنًا، فهذا القرار هو استثناء عن القاعدة الراجحة، التي تثبتها ركامات مئات البيوت التي صادقت على هدمها هذه المحكمة خلال عشرات السنوات الماضية؛ ولست مطمئنا، كذلك، لان مصير هذه المؤسسة، ربما بسبب هذه الاستثناءات ايضًا، قد حسم ويوم سقوطها النهائي بات وشيكًا ومؤكدًا.
لا يخفي اليمين الاسرائيلي عزمه السيطرة على المحاكم وملأها بقضاة يمينيين؛ فقد شرعت الوزيرة السابقة أييلت شاكيد بمشروعها المعلن، وأدخلت عددًا من القضاة الأيديولوجيين إلى أجهزة القضاء، وفي مقدمتها إلى المحكمة العليا. لقد تشكلت هيئة المحكمة في قضية عائلة ابو بكر من ثلاثة قضاة، فقبل اثنان منهم، القاضي جورج قرا، والقاضي ماني مزوز، الالتماس، بفوارق بين مسوغات كل واحد منهما، ورفضا الموافقة على هدم البيت؛ بينما وافقت القاضية يعيل فيلنر على هدمه. وكانت هذه القاضية قد عينت ضمن سياسة التعيينات الجديدة، وتاريخها الشخصي يخبرنا انها كانت من أوائل من شاركوا مع حركة «غوش ايمونيم» مسيرة الاستيطان ومحاولات الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين في منطقة سبسطيا وغيرها، في منتصف السبعينيات؛ وهي ليست وحيدة هناك.
لم يعش أبو طوني ليرى كيف تتحقق نبوءته؛ وكان قد مات قبله القاضي زوسمان، بدون أن يستوعب معنى نصيحة ضحية الحاضر لمن يتجبرون بها، بعد أن كانوا يومًا ضحايا في أرض بعيدة.
لقد حذرنا مرارًا، ونحن أولاد أبي طوني، من أن محكمة بررت لعقود سلب حقوق مواطني الدولة العرب وتبرر قمع الفلسطينيين بذرائع كاذبة، ستسقط فريسة بين انياب الذئاب الجائعة. لم يعش ابو طوني ليرى كيف كان حدسه صائبًا؛ فاليوم صرنا أقرب إلى أعواد المشانق التي يهدد بنصبها بعض الساسة لكل من يعارضهم، حتى لو كان مستشارًا قانونيًا سابقًا، وقاضيًا مثل ماني مزوز؛ فهو لم يسلم، وزميله جورج قرا، من تحريض النائب سموطريتش، الذي هدر عمليًا دمهما عندما كتب بصراحة: « يخطّر مزوز وقرا حياة كل واحد وواحدة منكم. حقوق ملكية المخربين وعائلاتهم أهم لديهما من حياتنا جميعا. هذا وضع مريض ومستفز بدرجات عليا، ويستدعي علاجًا جذريًا بمنأى عن القيم المشوهة التي تحاول مجموعة صغيرة غير منتخبة أن تفرضها علينا بالقوة. ببساطة، لقد سرقوا منا الدولة». هكذا عندما يستوحش الباطل. إنها الدولة التي خدمها القاضي زوسمان وزملاؤه وحذر منها حنا نقاره ورفاقه.
كاتب فلسطيني

 

 

عندما تذكر

 الشاعر بيروته

جواد بولس

وتبقى بيروت ذاكرة للوجع؛ وآب، شهر الرماد السماوي، يعود فتنقر اسراب جراده على عتباتنا، ويصحّينا من نسياننا العقيم، كي نبحر، على موج دموعنا، نحو ذلك "المنسيّ بين فراشتين" ونغرق من جديد في "السؤال عن الحقيقة".

صدمتنا بيروت مرّة أخرى، وكذّبت، برعونة ربّة لا ترحم، سراب السذّج وليلك المتفائلين؛ وعرّت، للمرة الألف، شمم الشقائق على سفوح صنين. لقد أعادت "خيمتنا"، في ليلها الأحمر الدامي، للشرق معناه التليد، وذكّرَتنا كيف يولد الغفاة من خراب وكيف الى خراب يعودون.

قد لا يصحّ، ونحن نقف على فوّهات شهقاتنا، إلا الصمت والدعاء في محاريب العجز، وألا نفقد عقولنا أو ايماننا بمن على كل شيء قدير، كما كان يؤمن الراكعون بخشوع في المعابد القريبة من مرفأ الدم، قبل انشطار القمر فوق سماء بيروت الشقية.     

ولكن بعض الحقيقة لا يضير؛ فلبنان لم يولد ولم يعش ككيان سيادي سليم؛ ولم يكن ذات يوم دولة طبيعية، ولا كان يشبه باقي دول العالم الفاشلة. لقد هندسه رعاة العالم في القرن المنصرم، كما يعرف جميع أهله، ليكون مجرد "قوقعة" تشارك معظم طوائفه الدينية في بناء فسيفساء درعها الخارجي، ويعيش في داخلها "مواطفون" ** ، لا مواطنون، كما ينبغي في عصر الدول الحديثة.

لا أعدّ نفسي خبيرًا بتاريخ لبنان، لكنني لا اعتقد انّ تشخيص مأساته بحاجة الى دربة خبراء أو الى دراسات علماء في السياسة وأخواتها.

لم تُتَح لنا، نحن فلسطينيي الداخل، زيارة لبنان إلا مؤخرًا وفي حالات استثنائية جدًّا، لم تعُد متاحة الآن، كتلك التي سنحت لنا قبل ثلاثة اعوام، حين سُمحت لبعض المجموعات الصغيرة زيارته، ومنها مجموعتنا المؤلفة من سبعة أزواج أصدقاء، وذلك تحت عنوان الحجيج أو السياحة الدينية !

لم نصدّق أننا في مطار بيروت. ما زلت أشعر كيف زجرت قلبي وهو يحاول أن يطل من بين أضلعي. كنت أسمع دقاته ولا أنظر نحو هدف محدد، ولا حتى صوب وجوه رفاقي، فعشت في لحظة سرمدية، عطّلت فيها حواسي خوفًا من أن أكتشف انني أعيش حلمًا زهريًا. إنتصف ليل بيروت ونحن على شرفتها؛ فأنهينا معاملات الدخول وركبنا الحافلة وصمت المجموعة ما انفك طاغيًا، وأعيننا تحتضن ليلها بهدوء يليق "بست الدنيا" ؛ وكل منا يستحضر لبنانه؛ فخاصتي كان من أرز ووعد وأماني خبأتُها لعقود في خوابينا وكدّستها في أناشيدنا عقودًا من جلنار، واسراب يمام.

لا أعرف متى سيسمح لي قلبي أن أنبش أمامكم أحلى وشوشات بشرّي/ جبران، أو بحة نايات "أرز الرب"، أو غنجات "زحلة" وهمهمات المجد في "بعلبك".

سأعود، ربما،  بعد استيعاب الغصة الحالية، كي انثر على أرصفة ما تبقى من عمر ، نجومًا كنا قطفناها من "شخروب" بسكنتا، وكي أضوع أزكى العطور من "بساتين الجون" ومن "دير القمر".

لكنني، والمقام اليوم مقام الدهشة والحسرة، ساحدثكم كيف كانت خاصرتي تنزف كلما انتقلنا من حاضرة لبنانية الى حاضرة ثانية ؛ فكل طائفة أو حزب سياسي حصّن مناطق نفوذه وحاصرها بأعلامه وبصور قادته وشهدائه، حتى بات لبنان الذي جئناه ليس اكثر من "هدايا بالعلب" أو آهات تندفها مواويل ابن ضيعة "نيحا" فتطير لتصير "قطعة من سما"، أو تستريح أهازيج فيروزية "تحت جفنات العنب".

لن يخطيء الزائر، مهما كان مدنفا بحب لبنان، ومسحورًا بطبيعته وبجمال بقاعه و"شوفه"، ذلك الواقع المر المستفز ؛ فكل منطقة جغرافية ما زالت تخضع لوال أو لزعيم، وهذا عنده وعند عائلته وطائفته ميليشيا جاهزة للدفاع عنه وعن حاضرته؛ بينما يتواجد جيش لبنان بكسل على بعض الحواجز العسكرية المقامة على مفارق الطرقات الرئيسية، وفي مواقع تفصل عمليًا بين منطقتي نفوذ تابعتين لجهتين مختلفتين أو أكثر.

لم أنس ما شاهدناه في زياراتنا وخوفي من الآتي على لبنان؛ فشعب يحكمه الخوف - هكذا كنت أحدّث أصدقائي - من مآسي حروبه الأهلية، لن يصمد أمام مطامع ومؤمرات الاخسّاء ؛ فبالخوف وحده لا يصان سلم أهلي ولا تبنى الاوطان.

لم نرتوِ من هذه الزيارة، وحرصنا على أن نُبقيَ من كل موقع رشفة في الريق للذكرى وللانتعاش؛ وكانت حصة بيروت هي الاكبر والابقى؛ بيروت التي وجدناها ساهمة، موطن التناقضات والمجازات المستحيلة.

لم نصغِ إلى تنهيداتها، بل تنفسناها جرعًا كاملة، بهدير بحرها المتعب وبقلقها المزمن، فنمنا على زندها الوردي وصحونا على فجرها المتردد. ودّعناها في حافلة من غيم وصلّينا من أجل سلامتها؛ فقد كان الموت، هكذا أحسسنا عندما ابتعدنا عنها، يتربص بقلبها من كل الجنبات.

فاجأتنا قوة الانفجار الذي حصل يوم الثلاثاء في مرفأ بيروت، وافجعتنا اعداد الضحايا البشرية وقيمة الخسائر المادية، حتى ذهب البعض بمقارنة هذا الانفجار بالقنبلة الامريكية اللتي ألقيت على مدينة هيروشيما  اليابانية.

انها مقاربة لافتة تذكرنا عمليًا بأيام الدمار الذي عرفته بيروت في بدايات شهر آب قبل أقل من  أربعة عقود. كم كان واخزا أن نقرأ مجددًا، وفي شهر آب تحديدا، وصف تلك الايام الجهنمية التي رصدها شاعرنا الدرويش في كتابه "ذاكرة للنسيان".

قد يكون من المستحيل ان نتطرق الى المأساة البيروتية من دون ان نستذكر، ونحن في حضرة ذكرى رحيل صاحب قصائد "بيروت" و"مديح الظل العالي "و"احمد الزعتر"، علاقة درويش ببيروت، وذلك لما لها من دلالات ذات علاقة وصواب في ايامنا هذه.

الحقيقة أنني خططت للكتابة عن محمود في ذكرى رحيله التي تصادف غدًا،  لكنّ صراخ العدم الآتي من أشلاء "بيروت التفاحة" لم يترك مجالًا "للقلب ان يضحك.. في عالم يهلك".

نحن نحب بيروت مثلما احبها الدرويش، وليس اكثر؛ فعندما سئل ذات مرة اذا احبها اجاب: " لم انتبه، فنادرا ما تحتاج الى التاكيد من انك في بيروت لانك موجود فيها بلا دليل وهي موجودة فيك بلا برهان. صوت الرصاص هو الذي يدل على بيروت ، صوت الرصاص أو صراخ الشعارات على الجدران" .

لم نسمع حين زرناها صوت الرصاص، لكننا استشعرنا، من صراخ الأعلام الحزبية في ربوع لبنان، والشعارات على الجدران، ان المدينة في خطر.    

يحاول الكثيرون ان يبحثوا عمّن كان وراء الخراب الحاصل في لبنان وما سبب الانفجار الدامي الاخير !

لا جدوى من التفتيش، فمن مثل شعب  لبنان، ببسطائه وبشرفائه، يعرف الحقيقة.

كل العناوين بقيت محفورة على جدران بيروت منذ العام 1982؛ وامراء الحرب اللبنانية الاهلية ما زالوا يئدون كل بارقة لنجاة بلادهم؛ وما زالت هياكل انظمة الاشقاء العرب قصبًا "وعروشهم قصبُ  .. في كل زاوية حاوٍ ومغتصبُ، يدعو لاندلس إن حوصرت حلبُ " ..

لقد القيت القنبلة الذرية على هيروشيما كي تستسلم اليابان نهائيًا وكي تُطبق دول الحلفاء ملازمها على رقبة النظام العالمي الذي هندسوا ابان الحرب العالمية الثانية.

واليوم، وبعد مرور سبعة عقود، يعكف مهندسو النظام العالمي على هندسة شرق اوسط جديد، حيث على اشلاء بيروت ان تتناثر ليأخذ لبنان الطوائف مكانه على خارطة الدم الجديدة؛ وذلك مثلما حصل مع سائر اشباه الدول، او اذا اردنا، والشيء بالشيء يذكر، كما كتب الشاعر قبل حوالي الأربعة عقود في مجازية هيروشيما العرب: "ستكون سماء بيروت قبة كبيرة من صفيح داكن، الظهيرة المطبقة تنشر رخاوتها في العظام. الافق لوح من الرمادي العادي لا يلونه سوى عبث الطائرات. سماء من هيروشيما.  في وسعي ان اتناول طبشورة واكتب على اللوح ما اشاء من اسماء وتعليقات. اجتذبتني الخاطرة. ماذا اكتب لو صعدت الى سطح بناية عالية: لن يمروا ? كتبوها. نموت ليحيا الوطن ؟ كتبوها. هيروشيما ؟ كتبوها. طاشت الحروف كلها من ذاكرتي ومن اصابعي. نسيت الابجدية.لم اتذكر غير حروف خمسة: ب ي ر و ت" .

ونحن اليوم مثل شاعرنا نتذكر بيروت ونخشى عليها ونتذكر ايضًا حروفًا خمسة اخرى:

م ح م و د ..

** (الرصيد لنصري الصايغ ناحت مصطلح "المواطفون").      

 

في القدس…

في يبوس لا ينام الزمن

جواد بولس

 

نفّذت قوات الأمن الإسرائيلي صباح يوم الأربعاء الفائت حملة تفتيش «لمركز يبوس الثقافي» الكائن في القدس الشرقية، بعد أن اقتحمت في موعد سابق من ذلك الصباح بيت مديرته رانيا الياس، واعتقلوها برفقة زوجها سهيل خوري أحد مؤسسي المركز الأوائل ومدير المعهد الوطني للموسيقى في المدينة. وقد أفرجت الشرطة عنهما بعد فترة تحقيق دامت اثنتي عشرة ساعة، تمحورت، حسب ادعاء الناطقة بلسان شرطة إسرائيل، حول مخالفات إدارية!
سبقت هذا الاعتداء على «مركز يبوس» عدة حملات ضد مؤسسات فلسطينية، لم تكتفِ إسرائيل بتفتيشها وبمصادرة بعض محتوياتها فحسب، بل أمرت بإغلاقها وبتعطيل خدماتها للمواطنين. كان «بيت الشرق» الذي وقف على رأسه الراحل فيصل الحسيني، أهم تلك المؤسسات وقلعتها التي أنذر سقوطُها، في حينه، بالانهيارات المقبلة، وهو ما حصل فعلًا.
لن تتوقف إسرائيل عن ممارسة سياساتها بحق القدس، وبحق مؤسساتها الفلسطينية وبحق مجتمعها، فقد خطط قادتها، مباشرة بعد توقيع اتفاقية «أوسلو» من أجل تقويض»هياكل» المدينة، وهدم بناها السياسية والاجتماعية، وهندسة «قدس» أخرى، خاصة بعد أن شعرت إسرائيل كيف ينشأ في القدس مجتمع مدني سليم، بمنظومة مؤسساته الأهلية والشعبية والنقابية، ويعيش بهوية سياسية جامعة وواضحة، وبعد أن شاهدت كيف أصبحت القدس الشرقية في أعين العالم عنوانًا سياسيًا حقيقيًا، وعاصمة فلسطينية يقصدها سفراء الدول، مساوين بينها وبين القدس الغربية.
شرّعت «الكنيست» في منتصف تسعينيات القرن الماضي «قانون تطبيق اتفاقيات أوسلو» ، حرّمت بموجبه نشاط أي مؤسسة يكون لها أي نوع من العلاقة، مهما كانت تقنية أو رمزية، مع السلطة الوطنية الفلسطينية، أو مع منظمة التحرير، وحظرت بموجبه، أيضًا، عمل أي مقدسي/ة في المؤسسة الأمنية الفلسطينية، فغدا هذا القانون «شمّاعتها» لملاحقة وإغلاق عشرات المؤسسات، وفي مطاردة واعتقال عشرات الناشطين والقياديين المقدسيين، بتهمة ارتباطهم مع السلطة وخدمتها من داخل حدود المدينة.
نجحت سياسة ضرب المؤسسات الفلسطينية وملاحقة الناشطين والكوادر التنظيمية بخلق حالة «سبات وطني» أفضى بدوره، مع مرور السنين، إلى انتشار حالة من العزوف عن الهاجس الوطني العام، وفتح المجال في الوقت نفسه، لنشوء شرائح اجتماعية شعبية جديدة، بدأت مصالحها ترتبط بعناوين اقتصادية مقدسية حديثة الولادة، وبمراكز قوى محلية مؤثرة، وقد ساعدت إسرائيل بهدوء، الغائبة الحاضرة، على بلورة هذه العناوين وعلى تسمينها اقتصاديًا، كي تبرز بقدراتها وكونها بدائل تشغيلية وخدماتية مقبولة ومؤهلة لتصريف شؤون الناس الحياتية اليومية. لن نستطيع شرح جميع تفاصيل تلك التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي طرأت على المجتمع المقدسي خلال العقدين الفائتين، مع إنه ليس من الصعب على المتتبعين تشخيص معالم المشهد المقدسي الجديد، فإسرائيل صارت حاضرة أكثر في شرايين حياة الناس، الذين طوّروا تلقائيًا علاقات متبادلة مع النخب الاجتماعية و