الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

·         كاتب  وصحفي  وناشرعراقي مؤسس  (دار بابيلون – براغ)  مؤسس ومدير مركز الجواهري في براغ

 

مقالات سابقة

 

شعــر الجواهــــري،

في اربعٍ وثلاثين اطروحة

دكتوراه، ورسالة ماجستيـــر

- رواء الجصاني

   تفوق اهمية التوثيق والارشفة، كما الفهرسة، حدود المتلقين والمتابعين لتبرز حالاً ضرورية امام الباحثين والاكاديميين، لا غنى عنها بالنسبة لهم وهم يتجهون لأتمام دراساتهم وبحوثهم ذات الصلة.. وقد عنينا منذ سنوات للتركيز على هذا المجال في ما يخص شاعر العربية الكبير، محمد مهدي الجواهري (1899-1997) وسواء ما يخص شؤونه الحياتية، او منجزه الشعري، والوطني والعربي والانساني، وغير ذلك من محاور ومجالات عاشها، وأبدع فيها على مدى ثمانية عقود. (1)

    وعلى تلك الطريق، نتابع في هذا التوثيق الجديد مهمةً انجزنا منها مسودتها الاولى قبل اعوام، بقدر ما توفر في حينها من معلومات ومصادر. ثم ظهرت لاحقا اضافات عديدة تطلب اعتمادها في مسعى لأكمال هذه المهمة، توثيقا من جهة، واستخلاصا لبعض الموشرات من جهة ثانية. مع اليقين بأن ما سيرد ليس رصداً  كاملا، وان ثمة جهدا آخر يجب ان يبذل لأستكمال المطلوب.

   وفي ضوء عنوان هذه الكتابة، وقبل ان ندرج حصرا لما توفر من معطيات عن اطروحات الدكتوراه، ورسائل الماجستير، عن الجواهري،  دعونا نتوقف عند بعض الخلاصات التي يمكن الاشارة العجول لها، والمستقاة من بحثنا المعني .. ومنها ان هناك تنوعاً وتعددية  في الجامعات التي منحت تلكم الشهادات الاكاديمية، اذ توزعت على عشر جامعات في تسعة  بلدان عربية هي، وباعتماد ترتيب الأقدمية الزمنية لمنح الشهادات : مصر، سوريا، اليمن، فلسطين، السودان، الجزائر، ليبيا، لبنان.. والاردن، اضافة الى ايران.

    اما في العراق، وطن الشاعر، وموئله، فثمة تسع جامعات اجازت تلك الدرجات العلمية، توزعت، اضافة الى العاصمة بغــداد، على سبع محافظات، وهي - بحسب ترتيب الاقدمية الزمنية في منح تلك الشهادات- كل من جامعات: البصرة، الكوفة، بابل، القادسية، اربيل، الانبار.. وواسط.

   ومن  الاشارات والخلاصات العجول الاخرى التي يمكن ايرادها في هذا التوثيق هي ملاحظة التنوع في محاور اطروحات الدكتوراه ورسائل الماجستير، وعناوينها، اذ توزعت على مناح واتجاهات لغوية، واسلوبية، وفنون ادبية، وصور فنية، وجوانب ابداعية، وشعرية، ومواقف وطنية وقومية.. وغيرها، في منجزه الشعري الثري والحافل، وفي نحو 450 قصيدة ومقطوعة شعرية، يصل تعداد ابياتها الى ما يقرب من 25 الف بيت وبيت. (2)

  اما الحصر والتعداد والفهرسة لما سبقت الاشارة اليه فهي على الحال التالية، موزعة على قسمين: 

 

الاول/ أطروحــات الدكتـــوراه

1/ الاتجاهات الموضوعية والفنية في شعر الجواهري، اطروحة  دكتوراه اتممها: جميل عبد الغني محمد (جامعة الأزهــر/ مصر- 1994).

2/ لغة شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه  اتممها: على ناصر غالب (جامعة البصرة / العراق – 1995).

3/ الصورة الفنية في شعر الجواهـــــري، اطروحة  دكتوراه اتممها: طارق عمـر عريفي (جامعة دمشـق- 2004).

4/ خصائص الاسلوب في شعر الجـــواهري- المطولات انموذجا، اطروحة دكتوراه اتممتها:  ساهرة عدنان وهيب العنبكي (الجامعة المستنصرية/ بغداد – 2007).

5/ شعريــــة النص عنـد الجواهـــري اطروحة دكتـوراه اتممها: علي عزيـز الزهيـــــري (جامعة بغــداد - 2007).

6/ الصــورة الشعرية عند الجواهـــري، اطروحــة دكتوراه اتممتها: رفـــل حسن الطائي (الجامعة المستنصرية/ بغداد - 2007).

7/ خصائص الأسلوب في شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه  اتممها: فوزي علي صويلح (جامعة صنعــاء - 2007).

8/ البنيـــة الايقاعية في شعــر الجواهـــري، اطروحة دكتــوراه اتممها: عبد نور عمران (جامعة الكوفــة / العراق - 2008).

9/ جدليات الجواهري، اطروحة دكتوراه اتممتهــا: وسام على الخالدي (جامعة الكوفة/ العراق - 2008)

10/ خصائص الاسلوب في شعر الجواهري 1920-1980، اطروحة دكتوراه، اتممها:  فارس عزيز مسلم (جامعة الكوفة/ العراق 2008) .

11/ دراسة نحوية دلالية في شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه اتممها: صالح عبد العظيم (جامعة القاهـرة - 2009).

12/ حروف المعاني المختصة بالأسماء في شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه، اتممها: حسين الفتلي (جامعة بابل/ العراق- 2009) .

13/ صورة العــــراق في شعــر الجواهــــري، اطروحة دكتوراه، اتممها: احمد الذهــــب (جامعة السودان العالمية - 2010).

14/ التوليد الدلالي في ديوان الشاعر محمد مهدي الجواهري، اطروحة دكتوراه اتممتها: مليكة خـذيري (جامعة باتنه / الجزائر 2012).

15/ الغربة والحنين في شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه، اتممتها نجلاء محسن رضا (الاكاديمية الليبية مدرسة اللغات - 2012).

16/ الحقول المعجمية ودلالاتها في شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه اتممها: ميلود قناني (جامعة تلمسان/ الجزائر – 2014).

17/  مصادر ثقافة الجواهـــري من خلال شعره، اطروحة دكتوراه اتممتها: جوان عبد القادر (جامعة القاهـرة - 2015).

18/ الجهود النقدية حول شعر الجــــواهري، اطروحة دكتوراه اتممتها: وجــدان يحيى الكفائي ( جامعة القادسية/ العراق – 2015 ).

19/ شعرية التناص في شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه اتممها: الطيب بوترعه ( جامعة وهران / الجزائر- 2017).

20/  صدى القضية الفلسطينية في شعر الجواهــري، اطروحة دكتوراه اتممها: عبد الرسول الهايي (جامعة طهـران – 2017).

21/ الملوكيــات في شعـر الجواهــري، اطروحة دكتوراه  اتممهـــا: ستار جبـــر حسيــن (جامعة الكوفة - 2017).

 

ثانيا/ رسائل الماجستير

1/ الرثاء في شعــر الجواهــــــري، رسالـــة ماجستيــــر اتممها: سلمان صبــار باني (جامعة الكوفة/ العراق - 1997).

2/ التمرد والخضــوع في شعر الجواهري، رسالة ماجستير اتممها: نواف قاسم سنجاري (جامعة صلاح الدين في اربيل/ العراق - 2001)  .

3/ خصائــص الأسلوب في شعر الجواهــــري، رسالة ماجستير اتممتها: سهام قنبر علي (جامعة دمشــق- 2002).

4/ محمد مهدي الجواهري ودوره السياسي في العراق حتى 1997، رسالة ماجستير اتممها: عباس غلام حسين (الجامعة المستنصرية/ العراق 2006).

5/ ملامح الحس القومــي في شعر الجواهري، رسالة ماجستير، اتممها: سعد صابر الدليمي (جامعة الانبـار/ العراق - 2009).

6/ البُعد النقدي في منجز الجواهري، رسالة ماجستير، اتممها: وسام حسين العبيدي

(جامعة بابل/ العراق- 2010 ).

7/  البنية الإيقاعية في شعر الجواهري، رسالة ماجستير اتممها: مقداد محمد شكر قاسم (جامعة اربيـل/ العراق - 2011).

8/ هجائيـــات الجـــواهـــري، رسالــة ماجستـــيــر اتممهــا: عــــادل ناجــح البصيصــي (جامعة الكوفـة/ العراق - 2011).

9/ المفارقة في الادب العربـــي الحديث: محمد مهدي الجواهري أنموذجا، رسالة ماجستير        اتممتها: منتهى حسن محمد علي (جامعة بغداد - 2013).

10/ روابط الجملة الاسمية في شعر الوصف والمديح عند الجواهري، رسالة ماجستير اتممها: جهاد عزات حسين زكارتة ( جامعة النجاح الوطنية في نابلس - فلسطين 2015).

11/ شخصيـــة الجواهــــــري من شعره، رسالة ماجستيــــر اتممتها: عتاب مطيــر خضر (جامعة واسـط/ العراق - 2015).

12/ الغربة والحنين في شعر الجواهـــري، رسالة ماجستير، اتممتها: هبة محمد مصطفى (الجامعة اللبنانية - 2017).

13/ البنية الصوتية ودلالتها في ديوان "بريد الغربة" للجواهري، رسالة ماجستير، اتممها الباحث: صفاء راشد خليفة (جامعة "فيلادلفيا" / الاردن – 2020).

---------------------------------------

  ختاما نقول بأن ثمة قناعة  تسودنا بأن كل ما تقدم الحديث عنه يبقى في طــــور الاستكمال، بحساب ان هنالك اطروحات ورسائل ماجستيــر لم نتمكن من الوصول اليها، اما بسبب عدم اعادة طباعتها ككتب ومؤلفات، او عدم النشر عنها في مواقع الجامعات والمؤسسات ذات الصلة. ونأمل، بل ونعمل، بذلك التوجه لأستكشاف وتوثيق المتبقي. (3)     

    اما الشأن الاخر الذي نوده في ختام هذا البحث فهو الاعتراف بأنه كان من المحبذ لو جرى ايضا توثيق اسماء الاساتذة المشرفين على تلك الاطروحات والرسائل الجامعية، واسماء رؤساء واعضاء اللجان التي تولت مهام المناقشة والاجازة.. كما نظن ايضا بأنه كان من المفيد - لمزيد من التوثيق - تحديد الدرجة العلمية التقييمية لذلك العمل الاكاديمي، ونعني به ثبتٌ بالدرجة التي تم منحها ( الامتياز، او الجيد جدا، او الجيد، او المقبول) وذلك بالتأكيد تقييم اضافي للجهد البحثي والدراسي للذوات منجزي اطروحات الدكتوراه ورسائل الماجستير سابقة الذكر ..

* هوامش واحالات :------------------------------------------------------------------

1/ اول قصيدة منشورة للجواهري كانت عام 1921 والاخيرة عام 1994

2/ الارقام بالاعتماد على ديوان الجواهري (خمسة اجزاء) طبعة بيسان/ بيروت 2000 .

3/ نغتنم فرصة نشر هذا التوثيق لندعو كل المعنيين الافاضل لتقديم اية مع

 

الجــواهري.. شعـرٌ وزيارات

، واحتفاءات حميمة

في أربعة عشـر  بلـدا عربيا

رواء الجصاني

 

       لماذا ساد ذلك الاهتمام العربي الرسمي والثقافي، الاستثنائي على ما نحسب، بالشاعر محمد مهدي الجواهري، على مدى ستة عقود، وللفترة من اواسط ثلاثينيات القرن الماضي، وحتى اواسط العقد التاسع منه تحديدا؟!.. وفي  بلدان جمهورية الانظمة، وكذلك ملكيــة، وغيرهما..

   سؤالٌ نعرف أن الاجابة عليه معروفة، ولكننا نريد ان نوثق من خلال ذلك  بعض محطات ومؤشرات، كما خلاصات عن ذلك الشاعر، الذي أستضيف وحلّ واقام في اربعة عشر بلدا عربيا هي، بحسب الترتيب الزمني لاول زيارة: سوريا، لبنان، فلسطين، مصر، الكويت، تونس، المغرب، الامارات، قطـر، الجزائر، اليمن، ليبيـا، الاردن.. والسعودية..

    يقيناً ان ثمة الكثير من التفاصيل والوقائع التي رافقت زيارات الجواهري، لتلكم البلدان الاربعة عشر، وسواء كانت استضافة رسمية، او مشاركة في هذه الفعالية أو تلك المناسبة، وغيرها.. ولكن هدف هذا التوثيق ليس سوى مؤشرات، ورؤوس اقلام ، وحسب، مع الاستدراك للتنويه الى اننا وثقنا في فترات سابقة لتفاصيل بعض "مقامات" الجواهري ذات العلاقة (1) وسنؤكد على بعضها مجددا في تناولنا التالي:

 

1/ في سوريا

    تعود اولى زيارات الجواهري لسوريا الى منتصف الثلاثينات الماضية في رحلات سياحة واصطياف.. وحتى عام 1944 حين شارك ممثلا للعراق في مهرجان ذكرى "ابي العلاء المعري" والقى خلاله رائيته الشهيرة.  ثم لاجئا سياسيا خلال عامي 1956-1957 ثم مشاركا في مؤتمر الادباء العرب الثامن عام 1971 وبعدها مقيما، بضيافة الرئيس حافظ الاسد لنحو خمسة عشر عاما ولحين رحيله الى الخلود عام 1997 حين وُريّ الثرى في متربة السيدة "زينب" عند ضواحي العاصمة دمشق.. وكان قد منح اواسط عام 1995 وسام الاستقلال  السوري الرفيع..  

   اما قصائده التي كتبها عن دمشق وسوريا، فكثيرة ومتعددة، وأولاها عام 1921 .. كما  من ابرزها تلك التي نظمها عام 1979 والقاها في حفل تكريمي أقيم على شرفه، مخاطبا دمشق، ومن ابياتهــا :

دمشقُ عشتك ريعاناً وخافقة، ولمةً والعيــــون السود، والأرقا

وأنتِ لم تبرحي في النفسِ عالقة، دمي ولحميّ والأنفاس والرمقا

 

 

2/ وفي لبنان ..

   وعلى غرار سوريا، كان لبنان من اوائل البلدان العربية التي زارها الجواهري، مصطافا، اواسط الثلاثينات الماضية، ومن ثم تتالت لاحقا  المشاركات والزيارات الرسمية، ومنها عام 1950 في تأبين رئيس الوزراء اللبناني عبد الحميد كرامي، ثم في تكريم الاخطل الصغير عام 1961 .. ومن قصائده في حب لبنان واهله، جاء في لاميته المطولة عام 1947 :

ناغيـّــت لبناناً بشعريّ جيلا، وضفرتـــه لجبينه اكليلا..

وحسان لبنان منحتُ، قصائدى، فسحبنهنَ كدلّهن ذيولا

 

3/ وفلسطين

   في عام 1945 يزور الجواهري مدينة (يافـا) الفلسطينية تلبية لدعوة ثقافية رسمية،  ويلقي هناك خلال احتفال احتفائي اقيم له بالمناسبة قصيدة جديدة، ومن ابياتها:

بيافا يومَ حـط بها الركابُ، تمطر عارضٌ ودجا سحاب

"فلسطينٌ" ونعــمَ الأم هذي، بناتكِ كلها خودٌ كعــابُ

     وبهدف المزيد من التوثيق نشير الى ان للشاعر الكبير، ومنذ عشرينات القرن الماضي،  قصائد ومواقف ثرة حول فلسطين، وقضية الصراع العربي –الاسرائلي. وهناك اكثر من دراسة وتوثيق وتأرخة لكتاب ومثقفين عراقيين وعرب عن "فلسطينيات" الجواهري، منشور العديد منها على شبكة الانترنيت ..

  

4/ في مصـر

 كانت اول زيارة للجواهري الى مصر عام 1951 للمشاركة في مؤتمر ثقافي نظمته جامعة الدول العربية في القاهرة، وقد أعلن د. طه حسين، وزير التعليم في حينها، بأن الجواهري هو ضيف رسمي على البلاد... وجاء مطلع قصيدته  الرائية الشهيرة، خلال المؤتمر ذي الصلة:

يا مصرُ تستبقُ الدهورُ، وتعثرٌ، والنيل يزخر والمسلة تزهــرُ

وبنوكِ والتاريخ في قصبيهما، يتسابقان فيصهرونَ، ويصهرُ

     ثم تبيّن لنا الوقائع ايضا ان الجواهري قد دعيّ رسميا عام 1971 للمشاركة في الاحتفال التأبيني المهيب للزعيم جمال عبد الناصر في الذكرى السنوية الاولى لرحيله. وقد القى هناك فريدة جديدة تليق بالراحل الكبير.. اما الزيارة الرسمية الاخرى للجواهري فكانت للمشاركة في مئوية مجلة"الهلال" عام 1992 وقد القى خلالها ايضا قصيدة بالمناسبة.

 

5/ وفي الكويـت

  زار الجواهري الكويت عام 1959 للمشاركة في مؤتمر الادباء العرب، مترئسا وفد العراق الى المؤتمر... وفي كانون الاول 1979 يتوجه الجواهري مرة جديدة  لزيارة الكويت، وبرفقته زوجته آمنة، تلبية لدعوة ثقافية، شمل برنامجها امسية حاشدة القى فيها مختارات من شعره القديم / الجديد، مع تحية شعرية، من ابياتها:

يميناً ان لي نفساً تغنى، بكم حباً وتستهوى وتصبــى

سأحفظُ عهدكم لأجدّ عهدا، وأرهن عندكم لأعودَ قلبا

 

6/ وتونــس

شارك الجواهري، رئيسا لوفد العراق الى المؤتمر التاسع لاتحاد الأدباء والكتاب العرب عام  1973  في العاصمة التونسية. ولقد كان من "رصيده" الشعري اللافت هناك قصيدته عام 1943 وجاء فيها:

سقى تونساً ما يدفــعُ الخطب انها، بخضرتها تكفي الذي يدفعُ الجدبــــا

وحيّا القبابَ البيض روحٌ كأهلها، رقيق الحواشي يمسحُ الماء والعشبا

 

7/ وفي المغــرب

لبى الجواهري عام 1974 دعوة رسمية رفيعة الى المغرب، ثم قبل بعدها  استضافة ملكية رفيعة في مدينة "طنجة " الساحلية لعدة اشهر، وكتب عنها مقطوعة شعرية جميلة، ومنها:

 لله دركِّ "طنــجُ" من وطــــنٍ، وقفَ الدلالُ عليه والغنـــجُ..

مرجٌ من "البحرين" فوقهما، ضوءُ النجوم يرفّ والسرجُ

    كما كتب الجواهري هناك والقى لامية غاضبة، الى جانب مقطوعات اخرى. وقد شهد برنامج الزيارة تكريمه بوشاح (الكفاية الفكرية) الرفيع، برسم العاهل المغربي الملك الحسن الثاني.

 

8/ والامارات

  كانت الزيارة الاولى لدولة الامارات العربية عام 1979 تلبية لدعوة رسمية من وزارة الثقافة والاعلام، وقد القى خلال  حفل مهيب أقيم على شرفه في العاصمة (أبي ظبي) دالية جديدة، سياسية بارعة، ومما جاء فيها، مخاطبا الحضور الحاشد في الامسية:

أ فتيّانَ الخليـــجِ وربّ ذكرى، تعــــادُ ولا يمـــلّ المستعيدُ

بكم والصفـوة الواعين تاهت، بأجمل واحة قفراء بيــــــدُ

  ثم تلت تلك الزيارة زيارة ثانية الى الامارات، ودبي تحديدا عام 1992 ليتسلم  هناك ( جائزة "سلطان العويس" للأنجاز الثقافي والأدبي) في اجواء احتفائية فخمة.

 

9/ وفي قطــر

في اوائل عام 1980 قام الجواهري بزيارة الى  العاصمة  القطــرية – الدوحة،  تلبية لدعوة من وزارة الاعلام، استغرقت عدة ايام، وكان من ابرز برنامج الزيارة تنظيم حفل مهيب احتفاء بالشاعر الكبير القى خلاله مقاطع مختارة من قصائده، الاجتماعية والوجدانية والسياسية..

 

10/  والجزائـر

    وفي خواتم العام 1980 يقوم الجواهري بزيارة شخصية الى الجزائر، حيث كان نجله الاصغر، كفــاح يعمل هناك . وخلال اقامته في الجزائر نظمت له عدة امسيات مع نخب اكاديمة وثقافية:  جزائرية، وعراقية، ومن ابرز الذين وقفوا على شؤونه خلال الزيارة محمد حسين الاعرجي الذي كان استاذا في كلية الاداب بالعاصمة..

... ونظن بأن من المناسب في هذا المقام ان نشير  الى ان  الجواهري نظم قصيدة عام 1956 تأييدا لنضال الجزائر، وجاء فيها:

جزائــرُ يا كوكبَ المشرقين، دجا الشرقُ من كربةٍ، فأطلعي

ويا عقـبَ العربِ المغربين، اعيدى صدى "عقبةٍ" تسمعي..

 

11/ واليمــن

   يلبي الجواهري عام 1982 دعوة رسمية الى  عدن- عاصمة جمهورية اليمن الديمقراطية، في حينها، ومن ضمن برنامج الزيارة تنظيم حفل جماهيري حاشد  أقيم على شرف الشاعر الكبير القى فيه، إلى جانب مختارات من قصائده، عصماء جديدة، بعنوان "الغضب الخلاق"  نظمها بالمناسبة، ولم ينس أن يوثق في مطلعها، انطلاق رحلته الى اليمن، من براغ- موطن الثلج، كما أسماها فقال:

من موطنِ الثلج زحافــــاً الى عدنِ، تسري بي الريــحُ في مهــــرٍ بلا رســنِ ..

من موطن الثلج من خضرِ العيون به، لموطن السحر، من سمـراء "ذي يزنِ"

 

12/ وفي ليبيـــا

    وفي عام 1987  يلبي الجواهري دعوة رسمية لزيارة ليبيا،  قضى خلالها أياماً في طرابلس، ومثلها  في مدن ليبية أخرى، بضيافة زعامات ثقافية وحكومية آثرت الاحتفاء بالشاعر العظيم، ومنجزه الشعري والادبي الفخم.. وقد منح خلال الزيارة وساما رسمياً رفيعا، كما نظمت له امسيات ولقاءات عديدة، خاصة وعامة، استقبله في احداها زعيم البلاد حينئذ: معمر القذافي.. ومما يذكر في هذا السياق ان الجواهري كان قد نظم قصيدة عن ليبيا، ليلة القصف الامريكي على طرابلس الغرب عام 1986 ومن ابياتها:

يا امتي يا عصبةَ الأممِ، لا تغضبي- يا ثلجُ- من ضرمي ..

                         في ليبيا حمـــمٌ، وعندهـــمُ، ما شاءت الشهواتُ من حممِ

 

13/ والاردن

   يقوم الجواهري في النصف الثاني من عام 1992 بتلبية دعوة رسمية رفيعة من الاردن، بضيافة عاهله الملك الحسين بن طلال، الذي رسمَ بتقليده وسام الاستحقاق من الدرجة الاولى .. وقد القى هناك في حفل مهيب اقيم في عمان، لامية فريدة، تـمّ لاحقاً تلحينها وغنائها في سيمفونية باهرة، ومن ابياتها:

يا ابنَ الهواشمِ من قريشٍ أسلفوا، جيلاً بمدرجة الفخار، فجيلا..

يُدني البعيد من القريب سماحةً،  ويؤلفُ الميئـــوس والمأمولا...

 

 14/ والسعوديـة

  يلبي الجواهري دعوة رسمية الى الرياض،  بمناسبة الدورة السنوية لمهرجان "الجنادرية" الثقافي عام 1995 برعاية الأمير، ولي العهد السعودي آنذاك  (ثم الملك لاحقا) عبد الله بن عبد العزيز، الذي أبرز أهتمامه الاسثنائي بالشاعر الكبير، وأستقبله بشكل منفرد، مع نجله كفاح،. الى جانب الاهتمام اللافت به من نخب ومجالس ادبية، في الرياض وكذلك في جــدّة.

 

خلاصات ومؤشرات ..

1/ هكذا كانت اذن بعض محطات الجواهري في اربعة عشر بلدا عربيا. اما البلدان الاخرى التي لم تسنح الفرصة لزيارتها، فهناك العديد من الوقائع والاحداث التي (قد) تعوض عن ذلك، مثل لقاءاته مع نخبة شعراء وكتاب وشخصيات عامة اخرى من تلك البلدان، في المؤتمرات والفعاليات التي ضمتهم والجواهري. ويدور الحديث هنا عن  عمان والبحرين وموريتانيا.. والسودان بشكل خاص. ونذكر هنا للتوثيق ان اطروحة دكتوراه موسومة " صورة العراق في شعر الجواهري"  اتممها: الباحث احمد الذهب في الخرطوم/ جامعة السودان العالمية في عام 2010..

2/ وعلى ذكر اطروحات الدكتوراه، ورسائل الماجستير، التي منحتها جامعات عربية مرموقة لباحثين ودارسين عن شعر ومنجز الجواهري، وحياته، نشير الى ان هناك، على الاقل: تسع اطروحات دكتوراه، وثماني رسائل ماجستير. (2)

3/ ومما لا شك فيه فان استضافات البلدان العربية للجواهري، ومشاركاته في ندواتها ومناسباتها المتنوعة، حتمت ان تتكون، وتتوطد، علاقات احترام وتقدير، وصداقات مميزة مع مثقفي تلك البلدان وشخصياتها العامة، ومن بينهم على سبيل المثال لا للحصر، الاساتذة  والذوات الافاضل – مع حفظ الالقاب والمواقع: بدوي الجبـل وعمر ابو ريشة، ونجاح العطار، ونبيه رشيدات، وصابر فلحوط، في سوريا. بشارة الخوري -الاخطل الصغير،  والياس ابو شبكة، وسعيد عقل وحسين مروة وكريم مروة، في لبنان. طه حسين ويوسف ادريس ومحمود امين العالم، في مصر. والحاج محمد أبا حنيني، في المغرب. واحمد السقاف في الكويت.. وكل ذلك على سبيل المثال لا الحصر كما اشرنا.

4/ ان من المهم الاشارة في هذا التوثيق التنويه الى انه قد ترافق - الى جانب ما سبق التطرق اليه اعلاه-  الكثير من الاهتمامات الثقافية والسياسية، الرسمية والخاصة، بالشاعر الخالد، كالندوات والمقابلات التفزيونية والحوارات وغيرها، هي موثقة في العشرات من الاصدارات والصحف والمجلات، ووسائل الاعلام الاخرى..

5/ كما ينبغي التوثيق ايضا الى وقوع  بعض "منغصات" و" تداعيات" خلال عدد من الزيارات  الجواهرية سابقة الذكر في هذه التأرخة، وهي بحد ذاتها تحتاج لمادة، أومتابعة، أخرى عسى ان نتمكن من انجازها في فترة لاحقة.. 

    

اخيــرا ..

     لا نزيد كثيرا فنجهد القراء والمتابعين، ونكتفي بالقول ان ما تم حصره، وتوثيقه، يسند ويعمق ما جاءت به دراسات ومقالات وبحوث عربية  عن الجواهري تناولت  جمعاً من مواقف وثوابت  الشاعر العظيم، ورؤاه لكثير من قضايا وشؤون- كما شجون- البلدان العربية وشعوبها، على طريق التنوير والتوعية والدفاع المشروع، مثل القضية الفلسطينية، والتطلع الى الوحدة والتحرر، والارتقاء والنهوض الاجتماعي .. وفي الديوان العامــر ثمة جمع كبير من قصائد الشاعر الكبير عن تلكم الشؤون والشجـــون وما ترتب بسببهما، وعليهما، فضلا عن منجـــزه الثقافي والادبي والصحفي ذي الصلة.. وما من غرابة هناك في كل ما تقــدم من ايجازات، وبحسب ما يؤكده مختصون وباحثون أجلاء، أن الجواهري تعدى عراقيته الى فضاءات أمته، بل والأنسانية: ولعاً وقناعة "بكل الناس من أشرق كالشمسِ، ومن اظلم كالماسْ" ودفاعاً عنهم وتنويراً لهم على امتداد ثمانية عقود من العطاء ... * رواء الجصاني شباط/ 2021..

** احالات وهوامش -----------------------------------------------------------------

* المصادر : من ديوان الجواهري/ طبعة بيروت عام 2000 ومن جزأي ذكرياته/ دمشق 1989-1990.. ومن ارشيف ووثائق الجواهري الخاصة..

1/ ثمة تفاصيل عن شؤون و"مقامات" الجواهري في عدد من البلدان العربية مثل سوريا، لبنان، اليمن، مصر المغرب... احتواها كتابنا "الجواهري .. بعيون حميمة" الصادر في بغداد وبراغ عام 2016.. وقسم منها مازال منشورا في مواقع عديدة على  شبكة الانترنيت . 

2/ للمزيد ثمة مادة بعنوان "الجواهـري في تسع اطروحات دكتوراه، وثماني رسائل ماجستير" منشورة على شبكة الانترنيت منذ عام 2019 ..

 

 

*مابين السيـرة والذكريــات*

الجواهــري في سنوات التسعين

(1990-1997)

رواء الجصاني

     على تخوم تسعينات القرن الماضي، وفي خضمها، حفلت محطات الشاعر الخالد، محمد مهدي الجواهري (1899-1997) بالكثير والجديد من الشعر والرؤى والمواقف، مثلما كانت الحال عليه في عقود حياته الثمانية السالفة، خاصة وان البلاد العراقية كانت تشهد أوضاعا مأساوية وشجونا لا تحصى، في ظل سلطة انهكت البلاد، وانهكتها: الحروب الخارجية والقمع الداخلي، والحصار الاقتصادي، كما هو معروف.

     لقد كانت بدايات التسعينات الماضية، وعشيّتها، اواخر الثمانينات، سنوات مثقلة بالهموم الشخصية، اضافة الى العامة، عند الجواهري، خاصة وهو في التسعين من عمره. وهكذا راح يزداد مفرطاً بالقلق والمشاعر والتصورات والتشابكات من التداعيات ذات الصلة، وانعكس كل ذلك في كثرة تنقلاته بين دمشق وبراغ، وكذلك بودابست لفترات قليلة، ثم لعواصم عربية اخرى عديدة، كما سنرى في الفقرات والمحطات التالية في هذه التأرخة ..

1/  في بــراغ

   كما جاء في السابق من التوثيقات، دامت اقامة الجواهري في براغ منذ عام 1983 حتى صيف 1991 بالتناصف مع دمشق. وقد شهد في  براغ  ما عاشته البلاد التشيكية من احداث بالغة التميّز ونعني بذلك انهيار النظام الشمولي الحاكم، كما في بلدان شرق اوربا عموما، اواخر عام 1989 وبدايات عام 1990 وكان من الطبيعي ان ينشغل ذلكم الشاعر الانساني بما حدث من تداعيات لأنظمة كان يرى فيها أمثلة للأرتقاء، وتوفير الأمن والازدهار لشعوبها، وذلك ما سجله قصيداً ومواقف وقناعات على مدى عقود مديدة..(1)    

    وفي العموم لم تكن هناك احداث او وقائع غير تقليدية، خلال اقامة الشاعر الكبير ببراغ في تلك الفترة. بينما زاد  قلقه المتعاظم من تطورات الاحداث في بلاده، وخاصة بعد غزو النظام العراقي  للكويت في آب 1990.. وقد راح الشيخ الجليل  يقلل من زياراته واقامته في براغ، لصالح مستقره الآخر، اي دمشق الشام، وللعمر هنا دوره وتأثيره في ذلك كما بدا واقعيا..

2/ بودابست على الطريق

  بدأ  الجواهري عام 1990 يتردد على العاصمة المجرية – بودابست، باهتمام صاحب دار"صحارى" للنشر، د. عبد الحميــد برتو، وعنايته، مع عصبة محبة، كان الأولان فيهـا: الشاعر نبيل ياسين، والسينمائي أنتشال هادي..

     وطوال ذلك التردد على بودابست الذي استمر حتى اوائل 1991 وبرغم وصفه  للمدينة بأنها  جميلة، ومشرقة وتنبض بالحياة، ألا ان الجواهري لم يكتب عنها ولا بيت شعر واحد، خلافا للعديد من العواصم والمدن التي زارها او اقام فيها خلال العقود السابقة مثل باريس ووارشو وفارنا وأثينا، على سبيل المثال...  ولعل ابرز حدث ثقافي للجواهري في بودابست، انه وافق هناك على المشروع الذي عرضه الفنان العراقي القدير، المقيم في لندن، ضياء العزاوي، وقد نُــفّذ لاحقا، ونعني بذلك أصدار ألبوم أنيق، محدود التوزيع، وبحجم كبير، وورق ممتاز، واخراج متميز، شمل لوحات فنية أُستوحيت من بعض قصائد الشاعر العظيم ...

3/ مشاركة في مؤتمر للمعارضة العراقية ببيروت

    في ربيع 1991 يشارك الجواهري في مؤتمر عام انعقد في بيروت، لقوى وشخصيات عراقية، من جميع الاطياف السياسية الديمقراطية والقومية والدينية، المعارضة - بأشكال ومواقف وطرق مختلفة- نظام بغداد،. وقد سجل حضور الشاعر العظيم  تلك الفعالية التاريخية – بحسب شهود ومشاركين- أكثر من مؤشر مهم  وبارز، استمرارا للمواقف الجواهرية الوطنية والسياسية المعهودة، طوال حياته المديدة.. ومن المهم الاشارة هنا - بحسب متابعين ثقاة - الى ان الشاعر الكبير كان له دور مهم في دمشق، خلال الايام القليلة التي سبقت انعقاد ذلك  المؤتمر، بهدف  تقريب وجهات النظر، بين ممثلي عدد من اطراف المعارضة، الكردية خصوصا، لنبذ التناحر، والاحتراب الداخلي، وتخفيف التأزم في العلاقات بينها، والتركيز على المهام الوطنية للخلاص من الحال العراقية المأساوية التي تسببت بها دكتاتورية النظام، وحروبه الداخلية والخارجية.

4/  "أمونة" ترحــل في لنـدن..

  يلبي  الجواهري اواخر عام 1991  دعوة من "ديوان الكوفة" الثقافي الفكري، في لندن، ويشارك هناك في عدد من الفعاليات التي نظمت بالمناسبة، وكذلك في احتفاءات اخرى عديدة من لدن مثقفين ونخب عراقية وعربية بارزة .. وبعد تلك الدعوة قبلَ الشيخ الجليل استضافةً شخصية من رجل الاعمال العراقي، حمدي نجيب، استمرت فترة وجيزة، وحتى مطلع عام 1992 لقضاء اسابيع  من الراحة والاستجمام. وفي تلك الاثناء تعرضت عقيلته "امونة – آمنة"  التي كانت تزوره لبضعة ايام  في لندن، لحالة صحية طارئة  تسببت بوفاتها بتاريخ 1992.1.8. وقد بعثت الرئاسة السورية طائرة خاصة لنقل الجواهري، وجثمان فقيدته، وعدد من ابنائهما، والمرافقين والاصدقاء، الى دمشق..

   ووفق مطلعين من أهل البيت فأن تشييعـــاُ لافتاً نُظـم لفقيدة الاسرة الجواهرية، وكان في مقدمته زوجها- الجواهري- الذي كان وقعُ الحادث عليه مؤلما جدا، وهو بذلك العمر. وقد القى بتاريخ 1992.1.11عند مواراة عقيلته الثرى بمتربة السيدة "زينب"  ضواحي دمشق ابيات شعر مؤثرة، وبدايتها:

ها نحنُ" امونة " ننأى ونفترقٌ، والليّـــلُ يمكــثُ والتسهيد والحــرقُ ..

       ما أروحَ المــوتَ، بل ما كان أبغَضَه، لديّ إذ أنتِ مني الروح والرمقُ

   ومثلما كان التشييع لافتا، كانت مراسم ووقائع المواساة لافتة ايضا، ومن ابرزها  قيام الرئيس السوري حافظ الاسد، شخصيا، بزيارة خاصة الى دارة الشاعر الكبير في دمشق لمواساته، والعائلة، بذلك المصاب، ولنحو ساعة ونصف ..

5/ جائزة "العويـس" تمنح للجواهـري

    بأقتراح الهيئة المشرفة على جائزة (سلطان العويس) الاماراتية، الشهيرة، تَرشح الجواهري لنسخة استثنائية منها سميّت ( جائزة "سلطان العويس" للأنجاز الثقافي والأدبي) تم استحداثها وفق معايير خاصة، لتُعنى بالشاعر العظيم، ومنجزه الثري . وبعد امتناع وتمنع، وافق الشاعر الخالد على الترشيح، وهكذا منحت عام 1991 وليتسلمها في (دبـيّ) ربيع عام 1992 وبرفقته نجله كفاح (2). وكان صاحب الجائزة، سلطان العويس، في مقدمة الحاضرين للأحتفاء بالجواهري الكبير، في اجتماع مهيب، تتقدمه نخب ثقافية ورسمية وجمهور كبير من المحبين والضيوف. وقد شكر الجواهري صاحب الجائزة بابيات شعر بالمناسبة، كان مطلعها:

من الاماراتِ عن شطآن (شارقةٍ) على الخليج تعالى صاعدا قمــرُ

يدور في فلك الآدابِ محورهُ، فتى "عويسٍ" وأخدانٌ له غـــــررُ

 اما مبلغ الجائزة وقدره مئة الف دولار فقد كان الجواهري قد قرر في وقت سابق توزيعه، بأجمعه، مباشرة على بناته وابنائه، وعلى الفور، وذلك ما حصل..

6/ زيارة الى ايـــران

 في سعي لتغيير الاجواء، ومحاولة التهرب من الارق والقلق المتزايدين، وبخاصة بعد رحيل زوجته"أمونة" يُستضاف الجواهري خلال النصف الاول من عام 1992 في الجمهورية الايرانية، بدعوة رسمية من اعلى المقامات فيها، ولفترة مفتوحة. وهكذا يغادر الى طهران، ويقيم هناك، مع بعض زيارات قصيرة، لمدن ايرانية اخرى من اهمها (شيراز) . ويبدو ان ذلكم التغيير المكاني والجغرافي، في طهران، لم يكن ليخفف من تعـب، وارهاق الشيخ الجليل، وأرقه، فعاد من ايران، بعد اسابيع قليلة الى مستقره الدمشقي..

   ومن ابرز ما شهده  برنامج  الزيارة، الرسمي، لقاء شخصي حميم مع السيد علي خامنئي، المرشد الاعلى للجمهورية الايرانية، الحافظ  للكثير من قصيد الجواهري.. وقد  كتب له  الشاعر الكبير ابيات شكر، سجلها على الصفحة الأولى من كتابه ( ذكرياتي) واهداها له ومن بينها:

لَكَ في السّلم مِنبَرٌ لايُجارى، لكَ في الحرب مِضرَب لا يُفلّ

لــكَ أهــلٌ فَوقَ الذّرى وَمَحَلُ، لـــكَ بَعـدَ المكرُمات، وَقَبلُ

   وينقل السيد نجاح، النجل الثالث للجواهري، والذي بقي معه في ايران،  لمدة شهرين،  ان والده كان متعبا خلال الزيارة، ولم يكن برنامجه حيوياً، وكان يقضي اغلب وقته  مستقراً في دار الضيافة التي خصصت له، ولم يلتق سوى عدد قليل، ومحدود، من الكثيرين الذين كانوا يودون اللقاء مع الشيخ الجليل، أو زيارته..

7/  في القاهرة، بمناسبة مئوية "الهلال"

     قد يكون عام 1992 استثنائيا للجواهري، وهو في عامه الرابع والتسعين، في تلبية الدعوات التي وجهت اليه في في بلدان عديدة كما سبق ان وثقنا، وسنوثق.. ومنها هذه المرة الى القاهرة  للمشاركة في الاحتفائية المئوية  لمجلة "الهلال" الشهيرة، التي شهدت فعاليات عديدة متميزة، ومن بينها استقبال الرئيس المصري محمد حسني مبارك لعدد محدود من ابرز  الضيوف والمشاركين، وأولهم الجواهري الكبير، الذي كان قد نظم قصيدة بالمناسبة، والقاها في دار الاوبرا بالقاهرة بتاريخ 1992.9.18 ومن ابياتها:

يا "هـــلالَ" الفكرِ في العيـــدِ السعيدِ، هكذا ظـــل مضيئاُ الف عيــدِ

"مئـة" منكَ، ولي "تسعــــــون" منها، داعيات لكَ بالعمر المديــدِ

   وبعد انتهاء ايام الدعوة الرسمية الى القاهرة، يبقى الشيخ الجليل فيها اياماَ اخرى وبشكل شخصي، عُـنيّ  به خلالها واحد من شباب الاسرة المقربين، هو السيد  نصير محمد علي الجواهري، الذي قَـدمَ الى هناك من دمشق لهذا الغرض. وقد كان في بال الشاعر الكبير ان يستقر في مصر فترة اطول، ولكنه تردد بشأن الفكرة، ثم عافها، ليعود الى دمشق..

8/  دعـوة الى الاردن

يقوم الجواهري في النصف الثاني من عام 1992 بتلبية دعوة رسمية رفيعة من الاردن، بضيافة عاهله الملك الحسين بن طلال، الذي رسمَ بتقليده وسام الاستحقاق من الدرجة الاولى .. وقد القى هناك في حفل تكريمي اقيم في عمان، لامية فريدة، تـمّ لاحقاً تلحينها وغنائها في سيمفونية باهرة، ومن ابياتها:

يا ابن الهواشمِ من قريشٍ أسلفوا، جيلاً بمدرجة الفخار، فجيلا..

يُدني البعيد من القريب سماحةً،  ويؤلف الميئـــوس والمأمولا...

   ومن جملة الاحتفاءات بتلك اللامية الجواهرية تجدر الاشارة الى ان عشرات من الشعراء الاردنيين، عارضوها، واشادوا  بها، وتم حصر ذلك وتوثيقه، ثم طباعته في كتاب صدر عام 1993 بعنوان (الجواهري في عمان "اللامية ومعارضاتها") للاستاذ حمودة زلـوم ..

9/  مشاركة في مهرجان "الجنادرية" السعودي

   يلبي الجواهري دعوة الى الرياض،  بمناسبة الدورة السنوية لمهرجان "الجنادرية" الثقافي عام 1995 برعاية الأمير، ولي العهد السعودي آنذاك  (ثم الملك لاحقا) عبد الله بن عبد العزيز، الذي أبرز أهتمامه الاسثنائي بالشاعر الكبير، وأستقبله بشكل منفرد، مع نجله كفاح (3). الى جانب الاهتمام اللافت والمتميز به من نخب ومجالس ادبية، في الرياض وكذلك جدة. وقد رافقه في الزيارة ايضا: ابنته السيدة خيـال، وزوجها السيد صباح المندلاوي.

    وبحسب متابعتنا فأن زيارة الجواهري الى السعودية  جاءت لاول مرة، وقد استكمل بها ضيافات وزيارات 14 بلدا عربيا، من المحيط الى الخليج : سوريا ولبنان والاردن وفلسطين  والسعودية والكويت والامارات وقطر واليمن ومصر وتونس وليبيا والجزائر والمغرب..

10/ ضغط وترغيـب لـ "أسترداد" الجواهـري الى بغــداد

   بالتزامن مع زيارة السعودية - التي كان النظام العراقي على خلاف شديد معها منذ غزوه الكويت عام 1990 - نشر المسؤول السابق في وزارة الاعلام العراقية، نوري المرسومي، مقالة ببغداد  طالب فيها بسحب الجنسية العراقية عن الجواهري لمشاركته في مهرجان "الجنادرية" السعودي مما اثار عاصفة ادانة واسعة لتلك المطالبة، من السياسيين والمثقفين العراقيين المعارضين في الخارج، وجمع من المثقفين والكتاب العرب، ليضطر بعدها  ممثلون عن النظام ان ينشروا ما يعني ان تلك المطالبة بسحب الجنسية عن الجواهري لا تمثل موقفا رسميا، وان ما حدث جاء ضمن حرية التعبير الشخصي!. وكان ذلك تبريرا لا يمكن تصديقه، بحكم ان السلطة العراقية كانت معروفة للجميع بأستبدادها، وهيمنتها على كل الحريات العامة والخاصة.  وقد ترفّع الشاعر الكبيـر عن ان يرد على مثل تلك الحالة، أسوة بمواقفه في العديد من الحالات المشابهة، التي لا تستحق- واصحابها، والواقفين وراءها – المنازلة، بحسب تعبيره..(4)   

     وارتباطا بما حملته الفقرة السابقة من مؤشرات، ينبغي التوقف بهذا السياق الى ان بقاء الجواهري خارج العراق، مقيما في براغ ودمشق، منذ 1980  وحتلى رحيله الى الخلود عام 1997  كان يمثل موقفاً واضحا تجاه سياسات وممارسات نظام البعث الحاكم في العراق، الداخلية والخارجية. وقد فشلت محاولات عديدة، سياسية ودبلوماسية، وغيرها، وخاصة في الاعوام الاولى من التسعينات الماضية، لكي يعود الشاعر الكبير الى بغداد. ومن بين اوضح تلكم المحاولات، سعي النظام العراقي - عبر عدد من سياسييه ودبلوماسييه - أنتهاز نكبة الجواهري برحيل زوجته (آمنة) في لندن عام 1992 لأعلان استعداد بغداد للتكفل بنقـل، واستقبال الشاعر الخالد، وجثمان عقيلته، وترتيب تشييعها ومواراتها الثرى بشكل رسمي في العراق، بدلا عن سوريــا ..

     ومن المحاولات المباشرة  الاخرى ان الشاعر رعد بندر، رئيس الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق، الذي كانت السلطة البعثيـة الحاكمة قد هيّمنت عليه تماما، ،قد قام مع عدد من زملائه، الموالين،  بزيارة الجواهري في دمشق، عام 1993 لينقلوا  له رغبة مسؤولين فاعلين  في النظام باطلاق  جائزة  ثقافية وادبية، كبرى، بأسم "الجواهري".. وقد كانت تلك المحاولة مساومة واضحة، لأن  من بين متطلبات اعلان واطلاق تلك "الجائزة" وجوب ان يكون الجواهري في بغداد، ومنحها له اولا..!

11/  وفي دمشــق

   لقد بقيت العاصمة السورية - دمشق، في الفترة التي نوثق لها (1990-1997) المستقر الاول للجواهري، الذي لم تكلّ الشخصيات السياسية والثقافية العراقية والسورية والعربية من زيارته، واللقاء به، والتداول معه. كما كانت – دمشق-  منطلقه الى البلدان التي تم الحديث عنها في السطور السابقات، وليعود اليها، وحتى تاريخ رحيله.. ولقد اتمم فيها الشاعر العظيم  خلال تلك الفترة، توثيقا تاريخيا فريدا، و طوال ساعتين تقريبا، مسجلاً بالصوت والصورة، مختارات من قصائده الوجدانية  والسياسية وعداها.. وقد سبق ذلك صدور الجزء الثاني من "الجمهرة" في العيون من الشعر العربي، بقسمين، العهد الاسلامي والاموي، والذي اشرف عليه وحققه د. عدنان درويش، مع مقدمة كتبها الجواهري بنحو عشرين صفحة شملت تقييمات وتوضيحات وغيرها، وفي نهايتها شكـرٌ للباحث " السيد الهادي العلوي" على ما قدمه من جهد في اتمام العمل، و"للشاب اللبيب النابه، جمال محمد على الجواهري" لما بذله  من مساع فنية وطباعية بذلك الشأن.. (5)

    وضمن توثيق اهم المحطات التسعينية للشاعر الكبير، من المهم  ان نشير هنا ايضا الى اقامة حفل مهيب في دمشق اواسط عام 1995 بمناسبة منح الجواهري وسام الاستقلال  السوري الرفيع، بحضور ومشاركة جمع من المثقفين والسياسيين المميزين، وحشد جماهيري كبيــر لم تتسع له  قاعة "مكتبة الاسد" وسط دمشق، حيث اقيم فيها الاحتفاء.. كما نوثق ايضا بان تلك السنوات التسعينية شهدت الكثير من الحوارات التلفزيونية، والمقابلات الصحفية تناول محطات عن حياة الشاعر الكبير، وبعض آرائه  في الشعر والادب والسياسة وغيرها ..

 12/ لماذ لم يصدر الجزء الثالث من ذكريات الجواهري؟!

    في اوائل عام 1991  صدر في دمشق الجزء الثاني من مذكرات الجواهري، التي ينتهى الى عام 1969 وعلى ان يليه جزء ثالث واخير ليغطي السنوات التاليات، كما سبق القول. ولكن ذلك لم يحدث لاسباب يحددها الشاعر الكبير في اجابة على سؤال للسيدة  فادية الزعبي مندوبة صحيفة الشرق الأوسط اللندنية بتاريخ 24/6/1993 فيقول:

     "الجزء الثالث من مذكراتي ربما يكون اهم الاجزاء، وذلك من جراء تابع الاحداث وأهميتها بالنسبة لي على الأقل. اضافة الى تراكم السنين عليّ أكثر فأكثر. وأعتقد ان هذين السببين هما العائق والمبرر لتأخر صدور هذا الجزء". ويواصل "وعندما قلت "تتابع الأحداث" أقصد في المقدمة موقفي منها كمسؤول عما يقول، وبخاصة الأحداث التي تهم العراق، والتي يفترض ان أنطلق منها. ومع هذا فقد تحين الساعة التي تفرض عليّ أن أقول ما يجب قوله. وبهذا أكون قد ارحت ضميري".

    اما عن استعداده لذلك الجزء فيجيب الجواهري "أنا بعيد عن العراق، وبعيد عن كثير من الوسائل والمواد المعينة كالمراجع والمعلومات. ولكن ذاكرتي القوية والعجيبة تكاد تكون كافية، وأقول العجيبة وأنا غير متناس انني في التسعينات من عمري. ولكن – كما قلت – ان تأخر اصدار الجزء الثالث مردّه التهيّب والتردد، لأن عندي من أسباب التعب ما فيه الكفاية، وأعتقد انني في غنى عن متاعب أخرى قد تتأتى من مواجهة الكثير من الناس بما لا يحبون من هذا الموقف أو ذاك وهذا التشخيص أو غيره.

    ويضيف حول الموضوع ذاته:"... ان بواعث ترددي في اصدار الجزء الثالث يعود لذكرياتي عن الأحداث والوقائع المتعلقة بالدور والشخصيات المعنية. وهذا لا يعني ألا يصل الجزء الثالث الى أيدي الناس، بل على العكس، فبطبيعتي، ومزاجي الخاص، وكوني من الذين يكونون أكثر رضى عن أنفسهم، وعن ضميرهم عندما يكونون أكثر تحدياً، وتشخيصاً، بل دفعاً لثمن باهظ عما يقولون ويوثقون، يجعلني أتلهف الى اليوم الذي يتيح لي الحظ أن أقول ما أريد قوله، خاصة في هذه المواقف الحاسمة التي يراد منها – وعلى أساليب عديدة وبغيضة في أكثرها – ان يكون هناك عراق جديد، وأنا قبل كل شيء عراقي، وحصتي من العراق، وفي العراق، وعن العراق، حصة كبيرة يعرفها كل عراقي، بل وكل عربي".

13/ ويحيــن الرحيل ..

   بعد مسيرة دامت أزيّد من سبعة عقود من الشعر والعطاء الانساني، وعن عمر الثامنة والتسعين، وأثــر معاناة صحية استمرت عدة اشهر، يحين موعد رحيل الجواهري الى الخلود، في دمشق فجر الاحد 1997.7.27 وينتشر الخبر المؤسي عراقيا وعربيا بأوسع ما يكون، ويقام تشييع مهيب ، سيّارا وراجلاً،  للفقيد الجليل، رسميا وشعبيا، وليستقر في راحته الابدية عند متربة السيدة "زينــب" في ضواحي العاصمة السورية، مكتوبة على ضريحه ابيات جواهرية ومنها:

"أنا العراق لساني قلبهُ، ودمي، فراتهُ، وكياني منه أشطارُ"

و " حييتُ سفحكِ عن بعدٍ فحييني، يا دجلةَ الخير يا ام البساتينِ"

 14/ خاتمـة وخلاصات ...

    برغم ان الامر واضح على ما ندرك، ولكن دعونا نؤكد – مع ذلك – الى ان ما تقدم من توثيق جاء مواجيز وحسب، وفي الثنايا العديد من التفاصيل والوقائع والشروح، قـد يسجل عنها ولها معنيون ومتابعون وشهود عيان، بهدف استكمال ما فاتنا، او ما لم ننتبه اليه.. كما ان لنا بالذات آراء وتفاسير، ورؤى، بشأن العديد من الوقائع والاحداث، ولكن تجنبنا الخوض فيها، وذلك توخياً لأن يكون التوثيق، أقرب للسيرة والتأرخة منها للتحليل..

   وفي هذا السياق لا بدّ من الاشارة الى ان السيد  كفاح، النجل الرابع للجواهري، واصغر ابنائه، قد ساعد بملاحظاته، ومعلوماته، في انجاز هذه التأرخة، لا سيما وانه كان المعتمد الاول للشاعر الكبير، ومقيما معه في نفس الدار الدمشقية، في سنوات التسعين خاصة، وقد رافقه في مشاركاته وزياراته الى لبنان والامارات ومصر والاردن والسعودية. كما يتوجب الشكر ايضا للسيد نجاح، الابن الثالث للجواهري، لما وثقه  لنا من تواريخ ومعلومات، وخاصة عن زيارة والده الى ايران ..

       وبالمناسبة نجد ضرورة التنبيه مجددا بانه يستمر بين حين وآخر نشـر كتابات مختلفة عن الجواهري، مرة على شكل ذكريات معه، واخرى تفسيرات واجتهادات، وغير ذلك.. وقد لاحظنا – وما نزال – ان قسماً من تلك الكتابات لا تمت للواقع بصلة، واخـر مجتزأ دون صدق، أو انه مليئ بالمبالغات التي يريد اصحابها تمرير موقف هنا، وآخر هناك، شخصي أو عام، مجافٍ للحقيقة، وبدون اية مسؤولية، او مصادر توثــق، او تؤرخ، او تشير.. ومما يؤسف اليه بهذا السياق ان يعيد البعض نشر تلك "الذكريات" او "الاقاصيص" او "الكتابات" - عن قصد أو جهل، او محاول نيّل – ولتصبح لاحقا وبكل أسف - وكأنها واقع وتاريخ وحقائق، يجري تداولها بكل تبسيط، واستغفال.......* رواء الجصاني / كانون الثاني 2021

---- هوامش واحالات -------------------------------------------------

** من المهم التوضيح بأن جميع التفاصيل والوقائع الوارده في هذه التأرخة، والتي لم يُشــر الى مصادرها، هي من يوميات وشهادات عيان للكاتب، ومعلومات موثقة من الشاعر العظيم، واوراقه المحفوظة في مركز الجواهري في براغ..

1/ القصائد ذات العلاقة تضمها الطبعات الكاملة لديوان الجواهري العامر..

2/ ثمة مادة تعنى بهذا الموضوع كتبها الصحفي والكاتب عدنان حسين بعنوان "موقف مشهود للجواهري"  وذلك في ملحق "عراقيون" الذي اصدرته مؤسسة "المدى" للثقافة والفنون بمناسبة الذكرى العشرين لرحيل الشاعر الكبير بتاريخ 2017.7.27..

3/ نشر الاعلامي والكاتب محمد رضا نصر الله، على موقع (صبرة) الالكتروني بتاريخ 2021.1.22 مادة بعنوان "ماهي علاقتي بإسقاط الجنسية العراقية عن الجواهري..؟" وجاء فيها ان الشاعر الخالد حظي خلال زيارته الرياض " بتقدير خاص من الملك عبد الله بن عبد العزيز - ولي العهد في حينها- الذي أعتنى به من بين كل المدعوين العرب... " وبشكل استثنائي، وحتى ان الملك كسر البروتكول، في ذلك الاهتمام .. ونرى من الضرورة  ان نثبت هنا الى ان هناك العديد من التفاصيل والتواريخ الغير الدقيقة قد جاءت بها مادة الاستاذ نصر الله، ذات الصلة، ومنها حول قضية "اسقاط" الجنسية عن الجواهري، وسنوات خروجه الاولى الى براغ، وتسميته الدكتور كفاح، الذي رافق والده في الزيارة الى السعودية، بأسم فرات..

4/ قال  الجواهري في جواب على سؤال ذي صلة، في حوار اجراه معه الكاتب والصحفي، عامر بدر حسون نشرته صحيفة الشرق الاوسط اللندنية عام 1995: "اجد نفسي مترفعا بمعنى الكلمة عن منازلة هؤلاء لانهم اقل شأنا من ان اذكرهم بالاسم.. لقد وقفت امام نوري السعيد وقلت له بغضب: ياغدار! .. فماذا تظن انه فعل؟ لقد زمّ شفتيه ولم ينبس ببنت شفة وركب سيارته ومضى! .. اما هؤلاء فهم اقل شانا، ولا اجد فيهم من يستحق المنازلة!

5/ هكذا جاء الشكر لـ (هادي العلوي) ولـ (جمال محمد علي الجواهري) في السطور الاخيرة من  مقدمة الشاعر الخالد للجزء الثاني من كتابه  "الجمهرة" الصادر في دمشق 1990 عن وزارة الثقافة السورية.

 

*مابين السيـرة والذكريــات*

الجواهــري في سنوات الثمانين

(1980-1989)

رواء الجصاني

   بقيّت ثمانينات شاعر العرب الأكبر، محمد مهدي الجواهري (1899-1997) دون توثيق ملموس، باستثناء بعض اللقطات المتناثرة، هنا وهناك.. وكان قد أصدر في دمشق مجلدا بجزأين، عامي 1989 و1990 وبعنوان (ذكرياتي) شمل  تأرخة مواجيز ومحطات عن بعض سيرته وحياته المديدة: الشعرية والسياسية والاجتماعية والانسانية، من الولادة وحتى عام 1969 وعلى اساس ان يليهما جزء ثالث ليغطى السنوات اللاحقة. ولكن ذلك لم يحدث وحتى رحيله في دمشق بتاريخ 1997.7.27  بل انه لم يركن لذلك اصلا، لاسباب ودوافع يطول ويعرض التكهن والتوثيق بشأنها.

    ولأن الحال هكذا، شئنا في هذا التوثيق والبحث ان نساهم في المسعى على طريق تارخة تلك الفترة (1969-1997)  بخلاصات ومحطات موجزة كما نظن، اذ ثمة في ما يقارب ثلاثة عقود، الكثير الكثير الذي يتطلب  التوقف عنده، وخاصة انها شهدت احداثا ووقائع، بل وعواصف، عراقية وعربية ودولية، عاشها الجواهرى، وعايشها عن قرب، بل وفي صميمها،  بالموقف او الشعر او الرؤى، ما طفح منها، وما خفي وربما كان أعظم.. وذلك ما نأمل ان يتوقف عنده  توثيقنا هذا للفترة من 1980 الى 1989  الى جانب سابقه المنشور قبل فترة وجيزة، الذي خـصّ الاعوام 1970-1979 .(1)

أن أهمية هذا التوثيق لبعض سجل الجواهري تتعاظم لسبب تزامن ثمانيناته مع ثمانينات القرن العشرين تماماً، حين شهدت البلاد العراقية أحداثاً وشؤوناً وشجوناً بالغة الاستثناء كما يثبت المؤرخون، وخاصة حرب النظام الدكتاتوري مع إيران في مطلع العقد، وغزوه الكويت في نهايته، وما ترتب على ذلك من مآسٍ ودمار وكوارث، جنبا لجنب مع سياسة الاضطهاد والعسف الحرب الداخلية ..   

 

اولاً:  شؤون وشجون سياسية 

   لقد أرخت وقائع تلكم الفترة  (1980-1989) شيوع الارهاب، ولمديات قصوى في العراق، ليطال حتى بيت الشاعر، وشمل احتجاز ابنته الوسطى (خيال) لعدة ساعات في احدى دوائر الامن، واعتقال وتعذيب أصغر أبنائه (كفاح) لعدة أيام، إضافة لايذاء وتهجير العديد من أفراد الأسرة الجواهرية. وقد أكد ذلك قناعات جديدة بشأن الطريق التي صممت على انتهاجها قيادات حزب البعث الحاكم آنذاك، باصرار، كما أكدت السنوات اللاحقة. 

   ومع ازدياد أوضاع البلاد العراقية تدهوراً في مطلع ثمانينات القرن الماضي، وسقوط الأوهام والمراهنات على امكانية ابعاد النظام الحاكم من اعتماد الارهاب والقمع طريقاً وحيداً لبسط الهيمنة والنفوذ، عند ذلك تأصل قرار الجواهري في اتخاذ الغربة موقفاً احتجاجياً ذا أكثر من مغزى. وكانت تلبيته لدعوة جامعة الموصل، واستضافته من قبل رئاستها ونخبة اكاديمية  جليلة، في احتفال جماهيري ثقافي حاشد (شباط 1980) بمثابة توديع للعراق، بل وهو كذلك فعلاً، اذ غادره بعد تلك الفعالية بأيام ليس ألا ..

    وفي خلاصات عن رواهن تلكم الفترة، تبيّـن نونية الجواهري الغاضبة الى الزعيم الكردي – العراقي، جلال طالباني، عام 1980 آراء ورؤى معبرة تجاه العراق نظاماً ومعارضة، ومجتمعا.. كانت القصيدة بعنوان "ماذا أغني؟ "وقد راح مستهلها، بصيغة اخوانية ومن ثم انطلقت بما عـنّ للشاعر في حينها، وجاش في حناياه ووجدانه، ولربما كان توصيفه للواقع، وتنبؤاته عن المستقبل، بمثابة "برنامج"عمل سياسي ووطني جامع. كما ان هناك  قصائد عديدة اخرى، في سنوات العقد الثمانيني، تصبّ جميعها في تقييم الاوضاع في العراق، ومنها قصيدة "بغــداد  الرائية عام 1980 وبائيّة  "برئت من الزحوف" المنظومة عام 1985 ..

 

ثانيا:  في براغ.. اقامةً وشعرا

    الى براغ، مغتربه القديم – الجديد، يعود الجواهري ربيع عام  1980 ليقيم في "شقيّقة" مؤجرة لا تتعدى مساحتها الستين متراً مربعاً أو تكاد، منشغلاً بالشعر والوطن وما بينهما، باحثاً عن استقرار ما، عارفاً سلفاً أن ذلك وهماً بعيد المنال لمن مثله.  وهكذا تعود تلك "الشُقيّقة" في ثمانينات القرن الماضي، كعهدها  في ستيناته وسبعيناته، مزاراً وملتقىً لشخصيات وطنية وسياسية معارضة، ولنخب وشخصيات عراقية وعربية، تستمع لآراء الجواهري، واستشرافاته..

    كما تشهد تلك "الشقيّقة" ولادة العديد  من القصائد الوجدانية والسياسية، وغيرها، جاء أغلبها موثقاً لنظرته وآرائه في رواهن الأحداث والوقائع العراقية والعربية السائدة آنذاك، وان اتخذت الحوارات والمخاطبة الذاتية إطاراً لها، ومن بين جديده في تلك الفترة، وكان غالباً ما يعبر بهذا الصدد "ان جلَّ قديمي جديد أيضاً"  قصيدته الشــهيرة "يا ابن الثمانين" ليبث فيها هموماً وشجوناً وبعض غضب ومرارة من الوطن و"أصحاب" و"زعاماتٍ من كثرِ ما اعتلفتْ بها مسٌ من الحبلِ" على حد وصفه. كما نوّه فيها لتجاوزات "متطاولين" حاولوا هزّ دوحه، وحذّر أن يسيّر فيهم "الأمثال" خالدات! وقد نشرت تلك القصيدة لأول مرة صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 19/2/1982.

   ومن الطبيعي، والبلدان العربية شهدت ما شهدته، في تلك الفترة التي نوثق لها، ان يشارك الجواهري بالرأي والكلمة والحرف، متابعا ومحرضا ومنورا، ومنه ما جاءت به ميميته بتاريخ 1983.7.5  ومطلعها: أأبا مهند والجراح فـمً، وعلى الشفاه من الجراحِ دمُ. وفي ختامها: أأبا مهند شرّ من حكموا، ما كان لولا ذلّ من حُكموا/ ماذا على الراعي اذا أغتصبت عنـزٌ، ولم تتمرد الغنــمُ.  وهي رد على رسالة في  قصيدة  بعث بها اليه نقيب الصحفيين السوريين، صابر فلحوط، وكنّاه فيها بـ "أبي مهند" فظن الكثيرون بأن المقصود هو العلامة مهدي المخزومي، أوضحنا ذلكم اللبس  في كتابة سابقة. (2)

وللتوثيق ايضا، نشير الى ان للجواهري، نظم في الأعوام الخمسة الأخيرة من ثمانينات القرن الماضي قصائد أخرى عديدة  اختلفت محاورها، كما ورؤاها، وتنوعت بين دالية "عهد المروءة" في مناجاة براغ عام 1985 وميمية " عشرون بلفور في عشرين عاصمة" السياسية عام 1986 ورثائــية حزينة مؤثرة لشقيقته الوحيدة "نبيهة"  التي  ألقاها وهو ينتحبُ في دمشق خلال تشييع ومراسم مواراتها  الثرى هناك عام 1987..

 

ثالثا: في دمشق الشام

    في مطالع الثمانينات تجدد الجهات الرسمية السورية، وعلى ارفع المستويات دعوتها للجواهري، باستضافة مؤقتة أو دائمة، وبالشكل الذي يراه مناسباً، والصورة التي يريد. وهكذا يقرر الشاعر الكبير قبول الدعوة، بكل ما يترتب عليها من تداعيات سياسية، فيسري إلى دمشق مع عقيلته، عام 1983 وحتى تاريخ رحيله الى الخلود في 1997.7.27 وموراته الثرى في تربتها، حتى اليوم. وقد ابقى براغ "مستقراً" آخــر، يتقاسمه مع "مستقره" الجديد...

     لقد كان هناك احتفاء واسع ورفيع من القيادات السورية، والرئيس حافظ الاسد شخصيا، بالجواهري طوال  اقامته في دمشق.. كما راح مستقره محط زيارات ولقاءات للنخب والشخصيات السياسية والثقافية السورية والعربية، فضلاً عن العراقية الوطنية والديمقراطية. كما كان يحضر – ولو قليلا - بعض الفعاليات العامة  التي اقيم بعضها على شرفه، ومن ابرزها في مدينة  اللاذقية عام 1983 وفي اسبوع الثقافة العراقية (دمشق- 1986) الى جانب فعاليات محدودة اخرى. (3)

 

رابعا:  لواعج ومواجهات ..

  امتدادا لطبيعته الثائرة، وتمرده الجامح، خاض الجواهري مواجهات " ادبيــة" وسياسية، مع مثقفين ورسميين حكوميين ومعارضين، وغيرهم، خلال عقد الثمانينات.. وقد حملت تفاعلات، وانفعالات في قصائد وردود غاضبة، لم يبقِ في عدد منها ولم يــذرْ، ومن بينها:-

* مواجهة د. عبد الله الجبوري، ردا على مؤلفه المعنون " الجواهري ونقد جوهرته" الذي اعيد نشره وتوزيعه مطلع الثمانينات، وكان تقييم الجواهري له بأنه كتاب " مدفوع الاجر!" موغل في الادعاء والأساءة، فكتـب حول الامر بائية هجائية، عنوانها "عبدةُ .. " ومطلعها:

 " أ عبدةُ يا آبنة الطربِ، ويا معسولة الشنبِ/ ويا معزولة النصفين مبتعدٍ ومقتربِ" ..

* ردُ نثري عنيف للجواهري على ما نشرته صحيفة " تشرين" الرسمية السورية بتاريخ  1987.7.18 حين تطاول فيها، وبأسفاف،  محرر جهول كما بدا، فتحملت الصحيفة وزر ما كتب، ولتنشر اعتذارا بالغا، في مقدمة للــرد الجواهري الجامح، وقد أقتنع بقبول الاعتذار، فألغى شبه قرار اتخذه  بأن يترك دمشق ومضيّفيه، غاضبا.  (4)

* تصدٍ غضوب لما نشره محرر الصفحات الثقافية في مجلة "فلسطين الثورة" الفلسطينية، السيد سليم بركات، ضد الجواهري، في النصف الثاني من الثمانينات،  فما كان من الشاعر الا ان  يكتب رداً على ذلك في عتاب ساخن الى  الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، نشرته صحيفة (السفير) اللبنانية، في موقع بارز، ثم حصل التصالح بعد توضيحات واعتذار مسؤولين فلسطينيين بارزين بشأن ذلك..(5)

 

خامسا / سفرات وزيارات ..

     ربما يكون عقد الثمانين الأكثر بين عقود حياة الجواهري سفراتٍ وزيارات، رسمية وخاصة، وما بينهما.. وفي مختلف عواصم ومدن العالم: من امريكا الى اسيا الى اوربا الى افريقيا، كما تبين الخلاصات التي ستأتي في السطور اللاحقة...

1/ في الدوحة والجزائر ونيويورك

   في ربيع عام 1980 يزور الجواهري العاصمة القطرية – الدوحة، لبضعة ايام، بدعوة ثقافية رسمية كان من ابرز فقرات برنامجها حفل ترحيبي القى خلاله الشاعر الضيف مقاطع مختلفة من قصائده، الاجتماعية والوجدانية والسياسية ..

      وفي اواخر العام ذاته، اي 1980 يزور الجواهري الجزائر العاصمة لفترة قصيرة حيث كان نجله كفاح يعمل هناك استاذا جامعيا في اختصاصه، بعد اضطر الى ترك العراق أثر اعتقاله وتعرضه للتعذيب لاسباب سياسية عام 1979 واستمرار ملاحقته امنيا..

    كما يقوم الجواهري صيف عام 1981 بزيارة شخصية، قصيرة، وبرفقته زوجته آمنة، الى نيويورك، حيث تقيم ابنتهما الصغرى – ظلال مع عائلتها. مع اهمية الأشارة هنا الى انه سبق وتغاضى عن دعوة رسمية وجهت له اواخر السبعينات من مكتبة (الكونغرس) ولم يقم بتلبيتها..

2/ وفــي عــدن

   يقوم الجواهري عام 1982 بزيارة رسمية الى  عدن- عاصمة جمهورية اليمن الديمقراطية في حينها، وليُحتفى به هناك بصورة بالغة  بحسب شهود عيان. ومن ضمن برنامج الزيارة حفل جماهيري حاشد  أقيم على شرف الشاعر الكبير القى فيه، إلى جانب مختارات من قصائده، نونية عصماء، بعنوان "الغضب الخلاق"  نظمها بالمناسبة، ولم ينس أن يوثق في مطلعها، انطلاق رحلته الى اليمن، من براغ، موطن الثلج كما أسماها فقال:

من موطن الثلج زحافاً الى عدنِ/ تسري بي الريح في مهر بلا رسنِ ..

من موطن الثلج من خضر العيون به/ لموطن السحر، من سمراء ذي يزنِ

   ولعل من المناسب ان نسجل هنا، ولمزيد من التأرخة والتوثيق ان الرئيس اليمني الجنوبي حينذاك، علي ناصر محمد، ادام علاقات وطيدة مع الجواهري، وعلى مدى أكثر من ربع قرن، ومن بينها لقاء في براغ اواسط الثمانينات، وبعدها  في دمشق الشام، حين كان الرجلان يستقران هناك، ضيفين سياسيين مكرمين، ولسنوات عديدة...(6)

3/ ووارسو

    تلقى الجواهري عام 1986 دعوة رسمية لزيارة بولنـدا، وحضور مؤتمر عالمي، جديد، للمثقفين، من اجل السلام، في  وارسو، بمشاركة نحو 200 كاتب وعالم ومفكر وأديب اجنبي، من نحو 50 بلدا، اضافة لزهاء 200 آخرين من اقرانهم البولنديين، وقد لبى الشاعر تلك الدعوة بعد تمنع وتردد، وكان - في تلك المشاركة الجديدة في المؤتمر الجديد- واحدا من قلة سبق ان شاركت في المؤتمر العالمي، الاول، للمثقفين دفاعا عن السلم في العالم، الذي انعقد عام 1948 في مدينة (فروتسواف) البولندية. (7)

4/ وليبيـــا

     وفي عام 1987  يلبي الجواهري دعوة رسمية لزيارة ليبيا،  قضى خلالها أياماً في طرابلس، ومثلها  في مدن ليبية أخرى، بضيافة زعامات ثقافية وحكومية آثرت الاحتفاء بالشاعر العظيم، ومنجزه الشعري والادبي الفخم.. وقد منح خلال الزيارة وساما رسميا رفيعا، كما نظمت له امسيات ولقاءات عديدة، خاصة وعامة، استقبله في احدها الزعيم الليبي حينئذ معمر القذافي. وقد ابدى الشاعر الكبير خلال الزيارة موافقته على اعادة طباعة ديوانه هناك، ولكن ذلك لم يحصل، ولم تجــرِ متابعة الامر..

5/ في باريس وبودابست

     لكي تكتمل الصورة التوثيقية عن زيارات الجواهري وسفراته خلال العقد الثمانيني الفائت، نشير الى انه اقام في باريس، مع زوجته آمنة،  لفترة وجيزة عام 1984 لعلاج نظره الذي تضرر بسبب الجهد الفائق الذي بذله منكباً على اتمام منجزه الفخم  "الجمهرة" وقد اجريت له  عملية دقيقة لعينيه، نجحت في ترميم بعض الأضرار، ولكن النتائج النهائية كانت أن يفقد قدرته على القراءة والكتابة بنسبة كبيرة، وبشكل دائم... كما قام الجواهري اواخر الثمانينات بزيارة شخصية الى العاصمة المجرية – بودابست، حيث اعتنى به هناك العديد من المحبين والاصدقاء، وليقضي اياما معهم، ويعود منها الى براغ..

 

سادسا: نشــرٌ واصــدارات

   شهد عقد الثمانينات اصدارات عديدة للجواهري، وعنه، ومنها الجزء السابع – الاخير- من طبعة بغداد التي ابتدأت عام  1973. وقد ضم ذلك الجزء  بضعة قصائد او مقطوعات لم تنشر، وكذلك ما فات نشره في الاجزاء السابقة ..

  كما صدرت في النصف الاول من الثمانينات طبعة جديدة من ديوان الجواهري العامر، وذلك عن ( دار العودة- بيروت)  بأربعة اجزاء، اساسها طبعة بغداد سابقة الذكر.. ثم غضب الجواهري على مسؤولي تلك "الدار" لإخلالها  بالاتفاق المبرم معها، فتتصرف بدون وجه حق بالحقوق والالتزامات ..

    وفي مطلع عام 1986 صدر عن (دار طلاس- دمشق)  مؤلف  "مختارات الجواهري في العيون من أشعاره" بنحو سبعمئة صفحة من القطع الكبير، اشرف على اصداره د. عبد الحسين شعبان، بتمهيد من  الشاعر الكبير، تلته مقدمة وزيرة الثقافة والارشاد القومي السورية، نجاح العطار، تحت عنوان "في رحاب الشعر" .. 

   وفي مجالات النشر عن الجواهري في الثمانينات، والتي تعددت في وسائل الاعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، نوثق  الى تسع حلقات متتابعة  تحدث فيها الشاعر عن ذكرياته الى مندوبة مجلة (المجلة)  اللندنية، الكاتبة اللبنانية هدى المّــر، عام 1982..  كما نشير كذلك الى كتاب الاستاذ حسن العلوي عام 1986  الموسوم "الجواهري .. ديوان العصر" ذلك  فضلا عما  نشره الصحفي البريطاني البارز (ديفيد هيرست) في صحيفة (هيرالد تربيون) الشهيرة  اوائل الثمانينات الماضية، وترشيحـه الجواهري كأنسب رئيس بديل لجمهورية العراق.. (8)

    وما دمنا نتحدث عن الاصدارات والنشر، لا يفوتنا هنا التنويه الى ان الشاعر الكبير قد ولعَ لأن يشرف على تأسيس دار جديدة للنشر والطباعة في دمشق، عام 1988، تتخصص بدواوينه ومؤلفاته  بشكل رئيس، وتمت اجازتها بأسم"الرافدين" وتكلف بمتابعتها نجله (كفاح) الذي كان مقيما في العاصمة السورية.  وقد عرض الامر على صاحب هذه التأرخة لأدارتها، ولكن ظروف اقامته في براغ، والتزاماته السياسية حينئذ، لم توفر له امكانية تحمل تلك المسؤولية التي رغبَ بها كثيرا.. وقد كانت باكورة دار الرافدين، اصدار  الجزء الاول من "ذكرياتي" للجواهري عام 1989  ..

 

سابعا / طبعة متميزة من الديوان

     صدر في عام 1984 عن وزارة الثقافة السورية الجزء الخامس- الجزء ، من ديوان الجواهري، وقد كان جزؤه الاول قد اصدرته عام 1979 .. وهي طبعة  فريدة ، واولى من نوعها كما ندري،  لأنها اعتمدت نشر القصائد وترتيب تسلسلها  ليس زمنيا كما هو معتاد، ولكن وفق احرف المعجم (الابجدية العربية) التي جائت بها القوافي.. وبلغ عدد صفحات الاجزاء الخمس ثلاثة  الاف صفحة من القطع الكبير، وبالحرف الصغير، نسبيا. اما اساسها فهي طبعة بغداد في السبعينات الماضية، ذات السبعة اجزاء، مع اضافات لبعض قصائد، وشروح لأخرى، وتشكيل وتدقيق وتصحيح.. وقد عُنيّ بالاشراف على اصدار الديوان وفهارسه: د. عدنان درويش (9).

 

ثامنا: الجمهرة ..

     حرص الجواهري وهو في منتصف تسعيناته، أن يجهد بكل مثابرة لأغناء المكتبة العربية بمنجز ثقافي وشعري نادر بفخامة محتواه، وذلكم هو موسوعة "الجمهرة" التي بعشرة اجزاء، يضم مختارات لمئات الشعراء العرب، ومن مختلف العصور، تتولى اصدارها وزارة الثقافة السورية. وقد انشغل بها الشيخ الجليل عامي 1983-1984 في دمشق الشام، وليشرف على تنقيحها وفهرستها وترتيبها لاحقاً د. عدنان درويش، ليصدر الجزء الأول منها عام 1986 مكرسا  للعصر الجاهلي بنحو تسعمئة صفحة من القطع الكبير...

   وفي جمهرته، لم يكتف الجواهري  باختيارات "العيون الشعرية" وحسب، بل وأوجز سطوراً عن حياة أصحابها الذين ضمتهم الموسوعة، وقد كان للفحول من الشعراء حصتهم الأميز في هذا المجال. وقد سبق كل ذلك ليكتب في المقدمة  مناقشة مهمة تنتصر للشعر الجاهلي، وفي حوالي  40 صفحة وصفحة، اثارت اهتماما بالغا عند المختصين والمتلقين على حد سواء، وقد نشرها الاستاذ فخري كريم، منفردةً في اصدارات مؤسسته - دار المدى. اما مصادر"جمهرة" الجواهـري فكانت من بينها  "الأغاني" و"العقد الفريد" و"خزانة الأدب" و"الفضليات" و"حماسة ابي تمام" ومختارات "البحتري" و"البارودي" و"ادونيس" و"هادي العلوي" وغيرها، فضلاً عن دواوين العشرات من الشعراء المعنيين، ثم لتتم الاستذكارات، فالاقتباسات فالتصحيح فالتنقيح والترتيب، فالطبع.. (10)

 

تاسعا:  "ذكرياتي"

   صدر في عام 1989 الجزء الأول من "ذكرياتي" للجواهري، وأعقبه الجزء الثاني عام 1990 وتجاوز عدد صفحات الجزأين  ألف صفحة من القطع الكبير. وقد كان  الشاعر قد بدأ  في أوائل الثمانينات الماضية كتابة رؤوس أقلام ومواجيز وخلاصات استهلك فيها عشرات الصفحات.  وبعد فترة لم تطل، استعاض الجواهري عن ذلك الخيار بآخر، وهو توثيق الذكريات بأشرطة فيديو، بلغ عددها أكثر من عشرين شريطاً، سُرق بعضها، وتلف قسم آخر بسبب سوء الحفظ...

 لقد ترافق مع تسجيل الذكريات على أشرطة الفيديو اياها، تسجيل أشرطة كاسيت صوتية في نفس الآن والمكان، ببراغ أعوام 1984-1986... ثم قامت بعدها نخبة شبابية من متطوعين عراقيين في دمشق عام 1988 بتفريغ تلك الأشرطة التي بلغت نحو ثمانين ساعة، على الورق، ثم لتقرأ المسودات بشكل أولي، وتدقق ثانية، بمشاركة مباشرة من كاتب هذه التأرخة... ثم لتطبع من جديد، وليعمل عليها بجهود بارزة، وغيرها، أكثر من باحث وكاتب واعلامي، ولا سيما الافاضل: هادي العلوي وفالح عبد الجبار وعبد الكريم كاصد وزهير الجزائري. وكذلك خلدون جاويد وهاني الخيّـر، لفترة قصيرة، ولتوضع بعدها أمام الجواهري، فيعيد، ويصحح ويحذف ويوجز، ويوسع، وبالاعتماد على ذاكرته وحسب، وهو ابن تسعين عاما. ثم ليصدر بعد ذلك جزءا "ذكرياتي" على الشكل الذي صدرا به...

لقد كان مبدأ كتابة "الذكريات" موضع تردد كبير، أصلاً، لدى الجواهري. فمثل ذلك الأمر قد يعني، من جملة ما يعني، ان المرء قد وصل الى نهاية المطاف في العطاء. ولاشك فان مثل هذه الحال لم تكن لتخطر في بال الشاعر العظيم، وان كان على أعتاب التسعين... وذلك ما كان بالفعل، إذ ثمة قصائد ومواقف عديدة قد تجلى بها، وتجلت عنده، ولنحو سبع سنوات تاليات...

وبمثلما افصحت عنه مقدمتا جزأي " ذكرياتي " راحت التفاصيل والايجازات واستعراض المواقف، بصراحة ومباشرة لمديات بعيدة. واشهد هنا أيضاً كم كان الجواهري معجباً باسلوب ومضامين ذكريات للأدباء البارزين مثل:  البرتو مورافيا، وارنست همنغواي، وسلفادور الليندي، وميله للاستفاده منها اسلوباً، لولا الاختلاف في وعيّ وثقافة متلقي اولئك المشاهير، ومجتمعاتهم، عن متلقي ومجتمعات "ذكريات" الجواهري. (11)

 

عاشراً: خاتمــة

    يقينا بان ما جاء في هذه الكتابة لا يغطي سوى لمحات ومحطات عن  الشاعر العظيم في عقد الثمانينات- وهي ثمانينياته العمرية في آن واحد-  وذلــك في رحاب الشعر والسياسة الثقافة والحياة، وهي تفتح - كما نظن - ابوابا وآفاقا ومسارات للباحثين والنقاد الذين يريدون  تناول هذه الفترة دراسة وتوثيقا. كما انها توفر خلاصات ومؤشرات للقراء عموما، وخاصة الشغوفين بحب الجواهري ومتابعة آثاره. ذلك فضلا عن كونها – اي هذه التأرخة- تسجل جوانب من مسيرة البلاد العراقية وتطوراتها، وتداعياتها السياسية والثقافية والاجتماعية، في عقد زمني ملئ بالاحداث والشؤون التي انعكست على الاوضاع العامة في حينها، وكذلك على الوقائع والتطورات اللاحقة. ولا شك بان كل ذلك سيتوضح ويُبان أكثر فأكثر في تفاصيـــل الجزء القادم لما نتوجه اليه وهـو تأرخة وتوثيق "تسعينات الجواهري"  ثم، "خلاصات عما بعد الرحيـــل"......  * رواء الجصاني / كانون الاول 2020

إحالات وهوامش وتوضيحات ------------------------------------------

* من المهم كما نرى التوضيح بأن جميع التفاصيل والوقائع الوارده في هذه التأرخة، والتي لم يُشــر الى مصادرها، هي شهادات عيان للكاتب، ومعلومات موثقة من الشاعر العظيم.

1/ للمزيد من التفاصيل كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2020 بعنوان: " الجواهـري في سنوات السبعين (1970-1979).. مابين السيـرة والذكريـات" .

2/ للمزيد من التفاصيل كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2020 بعنوان: من هوأبا مهند" الذي خاطبه الجـواهـري  في ميميّـته الغاضبة عام 1983 ؟!.

3/ للمزيد من التفاصيل كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2013 بعنوان: "مع الجواهري في دمشق" .

4/ للمزيد من الشؤون ذات الصلة عن هذا الموضوع،  كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2018  بعنوان: "الجواهري: لكي لا نعيّر باننا قوم ينكرون الجميل، ويكفرون بالنعم".

5/ للمزيد من الشؤون ذات الصلة عن هذا الموضوع،  كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2014  بعنوان: "مع الجواهري بعيدا عن السياسة والادب !! الحلقة 3".

6/ المزيد من التفاصيل عن زيارة اليمن،  في الفصل السادس من كتابنا " الجواهري بعيون حميمة" بغداد 2016.

7 / للمزيد من التفاصيل كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2016 بعنوان: "الجواهري في عواصم ومدن الدنيا.. قصيدة وثلاث زيارات لبولندا" .

8/ المزيد من التفاصيل عن هذا الموضوع،  منشورعلى الانترنيت عام 2017  لعبد الاله النعيمي تحت عنوان: "الجواهري.. وفي الليلة الظلماء يُفتقد البـدر" .

9/ للمزيد من التفاصيل كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2020 بعنوان: " طبعة فريدة لديوان الجـواهري، بحسب أحرف الابجدية العربية" .

10/ المزيد حول "الجمهرة" على الصفحة 696 من كتاب " الجواهري.. قصائد وتاريخ ورؤى" لكفاح الجواهري، ورواء الجصاني (دمشق- بغداد) 2012.

11/  للمزيد من التفاصيل كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2011 بعنوان: " ذكريات وشهادات حول ذكريات الجواهري" .

 

طبعة فريدة لديوان الجـواهري،

بحسب أحرف الابجدية العربية

- رواء الجصاني

    اتممت وزارة الثقافة السورية اصدارالجزء الأخير- الجزء الخامس، من ديوان الجواهري، عام 1984 وقد كان جزؤه الاول قد اصدرته عام 1979 ..  وهي طبعة  فريدة ، واولى من نوعها كما ندري،  لأنها اعتمدت نشر القصائد وترتيب تسلسلها  ليس زمنيا كما هو معتاد، ولكن وفق احرف المعجم (الابجدية العربية) التي جائت بها القوافي..

     شمل الجزء الاول: مداخلة - دراسة عن الجواهري بعنوان "في رحاب الشعر" لوزيرة الثقافة د. نجاح العطــار، ثم مقدمة بسبعين  صفحة  لتوثيق- سرد تاريخي، كتبه  د. على جواد الطاهر، عن صديقه، الشاعر العظيم، اواسط السبعينات الماضية، موسوم بـ " من المولد حتى  النشر في الجرائد". وبعده تعريف موجز عن الطبعة، ونثرية الشاعر الشهيرة" على قارعة الطريق" توالت القصائد تترى.  وفي الاجزاء الثلاثة اللاحقة: الثاني وصدر عام 1980 والثالث عام 1981 واالرابع عام 1982 استمر حصر جميع القصائد وترتبيها، منذ  عام 1921 وحتى عام 1980.

     اما الجزء الخامس- الأخير، فقد شمل، وفق للمنشور على  صفحة الغلاف:  (الرباعيات- المرسلات- الملحقات- الفهارس) .. وجاءت الفهارس المشار لها اربعة: اولها ثبتٌ اضافي، بحسب التسلسل الزمني لقصائد الديوان العامر. وثانيها: فهرس الاعلام الواردة اسماؤهم في القصائد ، والثالث للأماكن التي تم ذكرها في الديوان.اما الفهرس الرابع، والاخير، فهو حصر وتوثيق بأسماء "الاقوام والجماعات والأسر" التي اشار لها الجواهري، وعنها، في اشعاره..

    لقد جاءت الطبعة الفريدة التي نعنى بها في هذه الكتابة بـثلاثة الاف صفحة من القطع المتوسط، وبالحرف الصغير(نسبيا) وتوزعت على خمسة اجزاء كما سبق القول. اما اساسها فهي طبعة بغداد في السبعينات الماضية، ذات السبعة اجزاء، مع اضافات لبعض قصائد وشروح لأخرى، وتشكيل وتدقيق وتصحيح.

    أخيرا وفي ختام هذا التعريف الموجز تجدر الاشارة ايضا الى ان ما يزيد من اهمية هذه الطبعة الدمشقية الفريدة، فضلا عن تميّزها بالتسلسل الابجدي، هو ان الجواهري اطلع على مسودات ما قبل النشر، وتدخل هنا وهناك مضيفا وموضحا، وربما حاذفا ايضا !! . وقد عني بالاشراف على اصدار الديوان، بأجزائه الخمسة، وفهرساته: د. عدنان درويش. وهي طبعة نافذة من الاسواق منذ اكثرمن ثلاثة عقود على ما تابعنا ذلك، وكانت بخمسة الاف نسخة وفقا للمثبت على الصفحة الاخيرة من المجموعة.

------------------------------------------------* رواء الجصاني- تشرين الثاني 2020

 

الجواهــري  في سنوات السبعين

(1970-1979)

مابين السيـرة والذكريــات

رواء الجصاني

    في مؤلف صدر في دمشق بجزأين، عامي 1989 و1990  وبعنوان (ذكرياتي) وثــق محمد مهدي الجواهري المعروف، والمعرف، بشاعر العرب الاكبر (1899-1997) مواجيز ومحطات عن بعض سيرة حياته المديدة: الشعرية والسياسية والاجتماعية والانسانية، من الولادة وحتى عام 1969 وعلى اساس ان يصدر لاحقا جزء ثالث ليغطى السنوات اللاحقة.. ولكن ذلك لم يحدث وحتى رحيله في دمشق بتاريخ 1997.7.27 .. بل ولم يعمل – الجواهري- بذلك الاتجاه اصلا، لاسباب ودوافع يطول ويعرض التكهن والتوثيق بشأنها.

  ولأن الحال هكذا، شئنا في هذا التوثيق والبحث ان نساهم في المسعى على طريق تارخة الفترة من 1969 حين توقف الجواهري عن سرد ذكرياته ذات الجزأين المشار لهما اعلاه، وحتى تاريخ الرحيل في تموز / يوليو 1997 وبخلاصات ومحطات موجزة كما نظن، اذ ثمة في تلك الفترة المعنية، اي ما يقارب ثلاثة عقود، الكثير الكثير الذي يتطلب  التوقف عنده وخاصة انها – اي العقود الثلاثة-  شهدت احداثا ووقائع، بل وعواصف، عراقية وعربية ودولية، عاشها الجواهرى، وعايشها عن قرب، بل وفي صميم الصميم، ولا نبالغ. وسواء كان ذلك بالموقف او الشعر او الرؤى، ما طفح منها، وما خفي وربما كان أعظم..

   وقبيل الدخول في الحقبة السبعينية، ثمة ما يجب التوثيق له عن الجواهري في عام 1969 ما بين السياسة والشعر، وبحسب الديوان العامر، قصيدته الدالية، ومطلعها "ياآبن الفراتيّن قد أصغى لك البلدُ، زعما بأنك فيه الصادح الغردُ" التي القى قسما منها في مهرجان الشعر ببغداد في نيسان/ ابريل، وهو اول فعالية مهمة يشارك فيها بعد عودته الى بغداد من مغتربه البراغي، اواخر عام 1968 . وقد جاءت  "أبيات القصيد"  لتتداول وتوثق، وتصول وتجول،  حول شؤون عديدة مثل الموقف من الشعر العمودي، والرد بقسوة على شخصيات حاولت ان تطال من قمته آنذاك – اي الجواهري- بحسب رأيه. كما شملت ابياتها مواقف ورؤى سياسية عامة، فضلا عن تأرخة لبعض المحطات التاريخية .. 

  

 

1/ شؤون وطنية وسياسية

    تميّزت سبعينات القرن العشرين ، وهي سبعينات الجواهري في آن، بأحداث جمة ذات صلة مباشرة بالشاعر والوطن... فقبيل ابتداء ذلك العقد "التاريخي" بفترة وجيزة، كانت العودة إلى البلاد بعد سبعة أعوام من الغربة... وبعيّد انتهاء العقد ذاته، وبأسابيع قليلة، عاد الجواهري إلى الاغتراب مرة تالية وأخيرة.. وقد استمر الشاعر في تلك السنوات العشر، كما في عقود حياته السابقة في تبني الانحياز الى الناس في تطلعاتهم وعطاءاتهم من اجل العيش الكريم والحرية والارتقاء، ضد التخلف والعسف والظلم الاجتماعي والسياسي.. 

ومثلما تفاءل كثير من أبناء البلاد وشخصياتها الثقافية والسياسية، وغيرها، في السبعينات الماضية، ومطلعها، ونصفها الاول خصوصاً، تفاءل الجواهري بأن يشهد العراق استقراراً ونهوضاً، يريح  فيه الركاب "من أين ومن عثر" بعد "جيلين" من المتاعب والأخطار والتضحيات... ولكن ذلك التفاؤل سرعان ما خبت جذوته، فأخذ الشاعر ينبه من بوادر انهيار البلاد وسيادة الظلام والحروب والعنف، واستمر محذراً دون أن ينجح في أن يسمع حيا .

  أن التأرخة للجواهري، وعنه، في تلك السنوات السبعينية ذات تفاصيل واسعة، ومتشابكة شعريا ووطنيا وما بينهما لحدود كبيرة، ولا شك بأن انجاز ذلك  يتطلب المزيد من الدقة والتوثيق، وسواء لما ورد في قصيده، او ما عبر عنه في اللقاءات والحوارات، الى جانب مايمكن ان يدلي به معاصرون أمينون، وبعض أهل بيته الذين واكبوا وعايشوا تلك الفترة. ومن هنا سنتمهل في التوثيق لهذه الجوانب - حاليا على الاقل- مع بعض اشارات موجزة تبين-  ولو بحدود ما-  شيئا عما قد  يفيد في القاء الضوء عن مواقف الجواهري عن العراق السياسي في السبعينينات. ولعل من ابرز ما يؤرخ لذلك قصائده ذاتها، ومنها:

1/ قصيدة "طيف تحدر .. يوم الشمال.. يوم السلام" في آذار / مارس 1970 بمناسبة  الاعلان على " احلال السلام في ربوع كردستان، واقرار الحقوق القومية للشعب الكردي في العراق، وفي المقدمة منها الحكم الذاتي" بحسب ديوان الجواهري..

2/ قصيدة "يوم التأميم" وقد  نظمها الجواهري بمناسبة تأميم النفط في العراق خلال حزيران/ يونيو 1972.

3/ قصيدة "تحية الى وفود المشرقين" والقاها نهاية اذار/ مارس 1974 بمناسبة انعقاد مؤتمر عالمي ببغداد، رعته منظمة تضامن الشعوب الافرو- اسيوية.

4/ قصيدة "أبا الشعر.. تغنّ بتموز " السياسية الداعية الى وحدة الصفوف، وتجاوز الخلافات من اجل بناء الوطن وسعادة ابنائه، ونشرت بتاريخ 1978.7.22.

5/ قصيدة "دمشق.. جبهة المجد"  القاها خلال زيارته دمشق اواخر العام 1978 دمشق وكان قد صدر في تلك الفترة اعلان الميثاق الوحدوي العراقي- السوري.

 

2/ بــراغ تنافس بغداد 

لم يرح الجواهري ركابه، كما وعد في قصيـدة العودة الى العراق عام 1969 وبقي حتى سنوات عشر تالية يروح لبغداد  ويعود الى منها براغ  حيث شقته – او شقيّقته كما كان يصطلح عليها – والى اجوائه الخاصة التي تعود عليها وألفها منذ عام 1961. وفي ضوء تلك الاقامة في العاصمتين العراقية والتشيكية، كان الجواهري مطمئناً ومسروراً، حيث البديل قائم وان تعددت واختلفت الظروف. وبقيّ يحسب الحساب لهذا الواقع بكل جدية. وقد بذل منتهى الحرص لتجاوز أي اجراء او قصور قد يؤدي لفقدانه مثل ذلك الامتياز، أي حق الاقامة الدائمة في براغ.

كان البرنامج اليومي لحياة الجواهري في مستقره البراغي خلال عقد السبعينات تقليدياً الى حدود بعيدة. ومن بعضه اعداد طعامه بشكل شخصي والتمشي، وسماع الاخبار من الاذاعات المختلفة، دون التلفزيون الذي لم يكن على ود ٍ معه، على أقل وصف، وطيلة حياته. فضلاً عن القراءة طبعاً، وارتياد مقاه ٍ محددة من أبرزها "سلافيا" المطل على نهر الفلتافا البراغي و"سلوفنسكي دوم"  الذي كتب فيه مملحة "الميني جوب" ومقهى "اوبسني دوم" الذي كان يسميه بـ "الحضرة". وكذلك صالونا فندقي "يالطا" و"الكــرون" الشهيرين في مركز العاصمة. اما وجبات الطعام، وخاصة في فترة الغداء، فكان يتناولها في البيت بشكل عام، وعند الضرورة في المطاعم والحانات الشعبية والبسيطة، ووقوفاً بعض الأحيان... كما كان يشارك حضوراً أو شعراً في عدد من الأمسيات والفعاليات الرسمية أو الاحتفائية العربية والعراقية التي تقام بهذه المناسبة الوطنية او الاجتماعية أو تلك.

ويشير نجاح، النجل الثالث للجواهري، والمقيم في براغ منذ عام 1960 الى ان معارف والده وأصدقاءه المقربين في براغ خلال السبعينات، بعد ان عاد من عاد منهم الى العراق، كانوا محدودين جداً، وفي مقدمتهم الراحل موسى اسد، الذي كان عاشقاً للجواهري شاعراً وانساناً وصديقاً، وعدد من الممثلين السياسيين العراقيين والعرب في مجلة قضايا السلم والاشتراكية واتحاد النقابات العالمي واتحاد الطلاب العالمي والذين كانوا يتغيّرون بين فترة وأخرى وأولهم آرا خاجودور وعادل حبة ونوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ. ويضيـــف نجاح: " لقد كان الوالد يميل الى مداراة نفسه بنفسه، ويركن في الغالب الى اصدقاء محدودين، وحتى الى واحد فقط، في بعض الاحيان، وبما ينسجم ومزاجه. وكان يعتمد في تلك الفترة عليّ، وعلى ابن اخته رجاء الجصاني، في انجاز ما لا يستطيع انجازه منفرداً، كمعاملات السفر والترحال ومتطلبات الاقامة وغيرها من الشؤون الشخصية".

واستناداً لاستذكارات الجواهري، فان زيارات وسفرات المثقفين والشعراء والسياسيين العراقيين والعرب، الشخصية والرسمية الى براغ لا تكتمل ما لم "يداهمونني في البيت او المقهى سواء شئت ذلك أم كرهت" حسب تصريحاته. وفي عودة لبعض الارشيف المتوفر نجد العديد مما يوثق اشارات الجواهري بهذا الخصوص، وثمة رسائل وقصائد وشهادات تؤرخ لبعض ذلك. وعلى سبيل المثال تقول الشاعرة لميعة عباس عمارة في ذكريات لها منشورة في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية بتاريخ 4/9/1996 " كان آخر لقاء لي مع الجواهري في براغ خلال السبعينات. لم يتغيّر الجواهري، ظل ذلك الرشيق، الأنيق، الوسيم، الظريف، الصعب. وبقيت أنا تلك المعجبة السعيدة لأنها تنفست من هواء غرفة ضمته، وجلست يوماً مجلسه".

ولربما من المناسب هنا، رداً على تقولات البعض من جهة، ولتوثيق الاحداث والوقائع، وذلك هو الأهم، ان نشير الى ان مستقر الجواهري البراغي خلال السبعينات لم يكن سوى شقة اعتيادية الموقع والبناء والأثاث، في منطقة براغ السادسة، حيّ (بيترشيني)  تتكون من غرفتي نوم، وصالون استقبال متواضع، ومطبخ ومرافق صحية، وتقع في عمارة تقليدية، وأثاثها أكثر من بسيط ... ولكن تلك الشقة التي قضى فيها الجواهري زهاء ثلاثة عقود، نظم فيها العديد من قصائده البارزة وحدد فيها مواقفه الأهم. كما ان تلك الشقة الصغيرة المتواضعة – لا غيرها – شهدت لقاءات واستضافات الجواهري لعشرات المفكرين الأدباء والمثقفين والمسؤولين السياسيين والرسميين العراقيين والعرب، وحتى بعض الأجانب.

 

3/ في رثاء عبد الناصر

في رحاب الشعر شهدت سبعينات القرن العشرين ولادة أزيد من خمسين قصيدة ومقطوعة نظمها الشاعر الكبير في السياسة والفكر والحياة، والجمال والحب، ومن بين السياسية المهمة منها، بمناسبة  الذكرى السنوية الاولى لرحيل الزعيم العربي والمصري جمال عبد الناصر التي صادفت عام 1971 ومطلعها: "أكبرت يومك ان يكون رثاءَ / الخالدون عرفتهم احياءَ" القاها في القاهرة ضمن فعالية الاستذكار الخاص بالمناسبة، وهي الزيارة الجواهرية الاولى الى مصر بعد عشرين عاما تماما، شهدت العديد من الخلافات والاختلافات، ومواقف تقييمية، وتضامنية، وغيرها سواء في قصائد شعرية او كتابات ولقاءات وغيرها.. وشملت "ابيات" القصيد في هذه المطولة الجواهرية التي بلغت 132 بيتاً شؤونا عامة وخاصة، ومواقف وأراء عن تاريخ ورواهن سياسية وثقافية، فضلا عما يليق بالمناسبة طبعا..

 

4/ رئاسة جديدة لاتحاد الادباء.. وخصومات !!

اعيد تشكيل اتحاد الأدباء في العراق عام 1970  وانتخب الجواهري رئيسا للهيئة الادارية التي ضمت الى جانبه شفيق الكمالي وحميد سعيد والفريد سمعان وغانم الدباغ..وكانت رئاسته للاتحاد هذه المرة  بشكل رمزي، مقارنة برئاسته الأولى عام 1959... وقد ترأس  وفود العراق في أكثر من فعالية ثقافية عربية وعالمية ومنها مؤتمر الأدباء والكتاب العرب الثامن (دمشق 1971) والمؤتمر التاسع (تونس 1973) فضلاً عن بعض فعاليات مجلس السلم العالمي الذي كان الجواهري ضمن مؤسسيه في أربعينات القرن العشرين..

ويبدو ان  هذه الوقائع، والمكانة المرموقة اثارت غيظ  عدد من الشعراء  وألادباء العرب والعراقيين، وقد نوه الشاعر الكبير الى تلك المواقف المناوئة، وردّ عليها،  في قصائد ومطولات  ومنها داليته "أزح عن صدرك الزبدا، ودعه يبث ما وجدا" عام 1974 ... ورائيته  "آليت ابرد حر جمري، واديل من أمرٍ بخمرِ" " عام 1975.. وسيرد المزيد عن تينك  القصيدتين لاحقا في هذا التوثيق..

   واذا ما كانت اعلاه ردود الجواهري شعريا على ما رأى بأنه خصام مفتعل، واثارات هنا وهناك، وخاصة حول الحداثة في الشعر، وانتهاء عصر القصيدة الكلاسيكية، فثمة كثير من رؤى ومواقف ثبتها حول الامر من خلال مقابلات ولقاءات اجريت معه، ومنها  حوار اجراه معه سامي مهدي، منشور في العدد الثاني من مجلة المثقف العربي ( حزيران/يونيو لعام 1971) قال فيه – الجواهري- ردا  على سؤال " حول رأيه بواقع الحركة الشعرية في الوطن العربي”:  "يمرّ الشعر العربي في مرحلة حرجة، ذلك ان فراغاً مخيفاً يحدث اليوم، وقد بات من الصعب ان يُملأ الفراغ الذي يتركه الشعراء الذين يشغلون الناس. ومع انني لا أنكر ان هناك أجيالاً تتمخض وتبحث لها عن طريق، الا ان الذي يذهب لا يعوض بسهولة، بخاصة وان العصر يتطور كثيراً وبأسرع مما نلحق به حتى على مستوى الشعر. على ان هذا الفراغ يبدو أكبر في العراق مع انه بلد الشعر، ذلك لأن العبقريات نادرة ويصعب تعويضها بحكم طبيعة الحياة”.

   كما يضيف الجواهري الى اجابته السابقة " وبرغم ما قلته فانني لست متشائماً، ولكنني متألم فحسب، فثمة في العراق من يركض قبل ان يتعلم المشي، وثمة حوارات يضيع فيها الوقت ولا يعلم الناس عم تدور. اما بالنسبة لي فاني ان ذهبت سأترك فراغاً كبيراً لن يعوض الى أمد طويل جدا. أقول هذا وأنا زاهد في الدنيا. وأما بالنسبة لحركة الشعر الحر فانها وبدون ظلم للحقيقة، لن تسدّ الفراغ، وذلك لعدم تبلورها. ان الموجود والمستمر من هذه الحركة أثبت انه لا يسد فراغاً. ومقياسنا في ذلك ان الشعر الحـر لم يدخل البيوت بعد ولم يُستشهد به. بمعنى انه لم يتخذ له بعد مكانة الشعر. واما بالنسبة للحركة التالية فهي أقل تبلوراً من سابقتها ولا يصح الحكم عليها منذ الآن".

 

5/ اول بيت غـير مؤجــر !

وعلى الصعيد الشخصي، يمكن أن نشير الى  أن شاعر الوطن قد امتلك – لأول مرة في حياته - وهو في سبعينات العمر داراً بناها بالاقتراض في حي القادسية بكرخ بغداد، حصل على ارضها من نقابة الصحفيين العراقيين أسوة بعديد اخر من منتسبي النقابة.. وقد انجز بشكل متواضع تشييد البيت أواخر العام 1971 وغُطيت نفقات البناء بين تمويل ذاتي، وقروض، وديون شخصية. وهو  بيت تقليدي يضم ثلاث غرف نوم، وغرفة استقبال وأخرى للجلوس، مع المرافق الضرورية... وقد شهد – اليت ذاته- طوال عقد السبعينات الماضية أحداثاً ووقائع وتفاصيل متشابكة لمديات بعيدة في الشؤون والشجون الوطنية والثقافية والشعرية وما إليها، وما بينها.

    وبحسب ما ندري بيقين، فأن ذلكم البيت، هو الأول والأخير، والوحيد الذي  تملّكه الجواهري، ملكاً صرفاً بعد ترحال وإقامة واغتراب، وتغرب، وهو لا يحمل معه غير "منقار وأجنحة" على مدى نصف قرن... وفي ليالي ذلك البيت، ونهاراته، أينعت عبقريته قصائد ومطولات عديدة،  ومنها الانساني، والوطني والاجتماعي والعائلي، ولافكاك بينها من التداخل والتلازم مع الهموم والانشغالات الفكرية والسياسية والاجتماعية وما إليها.. وبهذه الحال كان ذلك البيت ذاته – لا غير – مزار أطياف ونخب سياسية متباينة الرؤى والمسؤوليات، وحتى الوفاء احياناً !.. ويواصل الجواهري: بعضها صادق أمين، وآخر متزلف متدثر بألف زيٍ وزيّ، ولكنها كانت جميعاً دعاة تآلف ومحبة، وان راحت احياناً في الأقوال وحسب...

     كما كان البيت الذي نعنى ، ملتقى للنخب الفكرية والثقافية والشعرية، من كل النحل والرتب، تؤم مقام الجواهري: مودة وتلمذة وتباهياً، دعوا عنكمو الآخرين الذين كانوا يريدون صكوك الغفران. وكم يطول التعداد، ويعرض، ويعلو، لمن زار، وأحبَّ، وتبارك بزيارة أو لقاء أو حديث مع الشاعر الرمز... وفي الموضوع ذاته يقول حسن العلوي في كتابه "الجواهري رؤية غير سياسية" الصادر عام 1995في دمشق : اصطحبت معي الى بيت الجواهري عام 1979  بعثة صحفية لقضاء يوم كامل على غير موعد معه فسجلت عدسة المصور الفنان الراحل "محمد علي حسن" زوايا لم تكن مخفية على عيون زائريه... ودخل حتى غرفتي النوم والمطبخ ... ولم يجد مكتبة، لكنه وجد رفوفاً. ولم يجد مطبخاً ولكنه وجد قدرين من الألمنيوم القديم... كما ولم تكن للجواهري غرفة نوم مستقلة ، وكان يضع ملابس الشتاء في حقيبة تحت سريره، ويعلق على الحائط ملابس الصيف. ويفعل العكس في الشتاء....

     كما  نشير بهذا الصدد لما نشره فوزي كريم (الشرق الأوسط اللندنية- 4/11/1991) في موضوع مسهب نقتطع منه: "كان بيت الجواهري متواضعاً، كنا نقتحمه احياناً آخر الليل، أنا وسعدي يوسف مدفوعين بأكثر من هاجس شيطاني ، قراءة لبيت مثلاً: الحمد للتاريخ حين تحولت …تلك المرافه فاستحلن متاعبا او عبارة واحدة "با نبتة البلوى" يخاطب بها جياع الشعب. أو كلمة "تقحم" او "خسئوا". وكان الجواهري يستقبلنا دون ترحاب معظم الأحيان قائلاً : "الساعة الواحدة يا جماعة. ويتأمل ساعته ونحن نبصبص تحت الطاولة. لا تخلو طاولة الشاعر في الليل. كنا نعرف ولكن من يجرؤ في ساعة كهذه أن يسأل. ونسترضي ابا فرات، نقول: "أنت تعرف محبتنا " ونغني له طربين من شعره... فيستجيب ..."

 

6/ دعــوة مغربيـــة.. وتحامل، وردود

    يُدعى الجواهري الى المغرب اواسط العام 1974 ويحظى بحفاوة ورعاية بالغتين، بما في ذلك ضيافة ملكية متعددة الأوجه، فضلاً عن منحه وسام الكفاية الفكرية الاعلى في البلاد. ويردّ الجواهري على ذلك بقصيدة شكر للعاهل المغربي حينئذ، الحسن الثاني، تعبيراً عن الثناء للاهتمام والتقدير غير المسبوق الذي لقيه، ككبير للشعراء العرب. ويثير ذلكم الأمر عدداً من والكتاب والسياسيين العراقيين والعرب. تارة تحت حجة مواقف الحكم المغربي من القضايا العربية آنذاك، ومرة عن موضوعة العلاقة بين السياسة والثقافة، وتارة في اثارة نعرات الخلاف بين الكلاسيكية والحداثة، وما شابه ذلك. ولعل ما يفيد الاشارة بهذا السياق الى مقال كتبه الناقد المصري غالي شكري حول الجواهري بعنوان "سقوط آخر العمالقة"... والمقال يقرأ من عنوانه كما يقال!..

وبحسب الجواهري فقد تسوّقَ من تلك القضية مثقف، وقيل شاعر، وسياسي عراقي تخبأ تحــت اسم "حمدان القرمطي"  فــأرعد وأزبد في محافله "الثوريــة" الحقيقيــة او المدعاة، وكذلك في الصحافة "ذات العلاقة!" حول ابيات تحية وشكر للمُكرمين  المغاربة. وقد مرت اعوام واعوام ولم يمتلك ذلك "الثوري" الجرأة لأن يكشف اسمه، مع اجتهادات هنا وهناك حوله... وقد كال ما عنده من السباب الرخيص، البعيد عن السياسة والثقافة اللتين تلبس لباسهما، وعلى مرأى حتى من المحبين الذين لم يفتحوا فاها..  

  وفي " تحية... ونفثة غاضبة..." وهو عنوان قصيدة الجواهري التي القاها في الحفلة التكريمية التي اقامتها على شرفه وزارة الدولة المغربية للشؤون الثقافية، برعاية وزيرها الحاج محمد باحنين، على مسرح محمد الخامس في الرباط، مساء اليوم العشرين من ايلول / سبتمبر عام 1974 يبتدئ الشاعر الردّ على "دعاة ذلك الاستغلال والانتهاز تحت شعارات مزيفة" بحسب ما يوثقه الديوان العامر. ويجيء مطلع القصيدة التي تقارب ابياتها التسعين:

سماحاً إن شكا قلمي كلالا، وإن لم يُحسنِ الشعرُ المقالا

وإن راحت تُعاصيني القوافـي بحيثُ الفضلُ يُرْتَجَلُ ارتجالا

وتتواصل القصيدة في اداء اكثر من غرض: التحية المطلوبة رداً لجميل المكرمين، واعجاباً بجمال البلد، ومحبة لمواطنيه، وبثاً للشكوى وتأرخة لبعض المعاناة، ثم لتصل بعد ذلك الى "بيت القصيد" وهو اكثر من بيت كما سنرى:

وقلتُ لحاقدينَ عليّ غيظاً لأني لا أُحبّ الاحتيالا

هَبُوا كلّ القوافِلِ فـي حِماكُمْ فلا تَهْزَوا بمن يَحْدُو الجِمالا

ولا تَدَعُوا الخصامَ يجوزُ حدّاً بحيثُ يعودُ رُخْصاً وابتِذالا

وما أنا طالبٌ مالاً لأني هنالِكَ تاركٌ مالاً وآلا

ولا جاهاً، فعندي منه إرثٌ تليدٌ لا كجاهِهِمُ انتِحالا

     وفي سياق التأرخة ذاتها نثبت هنا ان الجواهري قد خيّب "ظنون" وربما "تمنيّات" حاسديه ومتربصيه، فلم يُقـم في المغرب سوى بضعة اشهر، رغم كل الامتيازات التي قدمت له، وأبرزها ضيافة رسمية لفترة غير محدودة.. كما  تجدر الاشارة أيضاً الى ان العراق الرسمي، وقد كان آنذاك مناقضاً للسياسة المغربية، قد "زَعَلَ" على الجواهري، وان بدون ضجة، أو اعلان صريح.

   وحتى بعد سنوات عدة، لم يتردد الجواهري في الدفاع عن موقفه من هذه القضية،  ازاء النهازين كما يحب ان يسميهم. ومن ذلك  في حوار مسجل للكاتبة والصحفية اللبنانية، اعتدال رافع، في دمشق خلال الثمانينات الماضية فقال "اما القصيدة التي انشدتها في المغرب فقد كانت رداً على الحفاوة والتكريم الذي لقيته اثناء وجودي هناك... وعندما طلبوا مني ان تغنى تلك الابيات اعتذرت... لست نادماً على هذه القصيـــدة لانني شاعر، واذا كنت قد ألقيت كلمة بدلاً منها، معنى هذا انني استخف وأهين من كرموني، لأنني كنـــت دائماً وأبداً منسجماً مع نفسي، ولا احسن الكذب والنفـــاق. كان ذلك موقفاً مني ورداً على التكريم والوسام الذي خصوني به".. وجاء في موقع آخر من الحوار "لقد استغل العاوون هذه القصائد ليشهروا بنباحهم... في الماضي كانوا يقولون الجواهري شيوعي، وأيضاً مداح؟ كيف يجتمع النقيضان، ويلتقي الضد بالضد؟ هل لكي يفترسوا رمزاً... أنا حصتي ارذل ما في اليمين انني شيوعي، وأقصى ما في اليسار بأنني مداح.. المُسف يجب الا يُسف عندما يتعرض للنقد. يكتب الذي ليّ، والذي عليّ".

     وهنا، لعل من المناسب ان نضيف اشارة اخيرة بخصوص الفترة المغربية – ان جازت الاستعارة – في حياة الجواهري فنقول : ان الحاج محمد باحنين وزير الدولة المكلف بالشؤون الثقافية بعث بتاريخ 21/1/1975 رسالة شخصية، لا ارق منها، الى الشاعر العظيم - محفوظة لدى مركز الجواهري في براغ - يؤكد فيها دعوة رسمية للمشاركة في مهرجان تخليد الذكرى الألفية لولادة شاعر الاندلس، ابي الوليد احمد بن زيدون.. ويقرر الجواهري الاعتذار عن تلبية الدعوة ، ولربما لكي لا يعطي فرصة جديدة للمتربصين... وقبيل ارسال جواب الاعتذار بأيام ألغي الاحتفال لأسباب سياسية مغربية، و"كفى الله المؤمنين شر القتال"...

 

7/ جائزة اللوتس.. وقصيدة !

     من قصائد الجواهري السبعينية المتميزة  دالية " أرحْ عن صدركَ الزبدا" التي القى قسما منها بمدينة النجف العراقية، عام 1975 في حفل مهيب اقامته له هناك الرابطة الادبية، بمناسبة منحه جائزة( لوتس) من اتحاد كتاب اسيا- افريقيا، ومقره القاهرة آنذاك (1) . وقد كان حضور الاحتفاء بالشاعر لافتاً، لم تشهد له مثيلا، لسنوات وسنوات، بحسب مشاركين  ومتابعين.. وفي فترة لاحقة، اضاف الشاعر  لقصيدته أبيات أخريات ، ليتجاوز العدد مئة بيت وبيت، وتكتمل فتنشرها مجلة "الديار" اللبنانية في آذار/ مارس 1976  وقدمت لها: " في هذه القصيدة نرى الشاعر ينتقد عصره المليء بالزيف والخداع، وهو يسمو متعالياً بكبرياء الشاعر. ناهيك عن كبرياء محمد مهدي الجواهري. انها ضرب من الطموح الى تجاوز النفس والآخرين، في محاولة اختراق للمستحيل..".

   ولعل أول ما تجدر الاشارة اليه ان الجواهري القى القصيدة المعنية في مدينته – النجف، التي يزورها لأول مرة بعد أزيد من اربعة عشر عاماً، على الاقل. فقد رحل الى المغترب البراغي منذ العام 1961 ولم يعد الى بلاده حتى اواخر العام 1968.  وكما يظهر من من ابيات القصيدة ، فأن كل الحوار والمخاطبة فيها كان مع الذات، وهي طريقة طالما لجأ اليها الجواهري في قصائد عديدة، ليوصل الفكرة وبـيت القصيد، بل لنقل ابياته.. وجاء المطلع:

أزحْ عن صدرك الزبدا ، ودعه يبث ما وَجدا ...
ولا تكبت فمن حقب ذممتَ الصبر والجلدا
أأنت تخاف من أحدٍ، أأنت مصانعٌ أحدا ؟!
أتخشى الناس، أشجعهم يخافك مغضباً حردا
ولا يعلوك خيرهم ، ولست بخيرهم أبدا
ولكن كاشف نفساً ، تقيمُ بنفسها الأودا ...

  وفي اطار استعراضه لبعض سيرته ومساره الوطني والشعري، يوحي ويشي الجواهري لغير العارفين به، الى ما كان متاحاً امامه، من فرص ومجالات، عافها اختيارا، ليستبدلها بالتمرد، والثورة: الشخصية والاجتماعية والثقافية والسياسية، جمعاً متشابكــاً يصعب التمييــز فيه، مؤكداً " تركتَ وراءك الدنيا، وزخرفها وما وعدا / ورحت وانت ذو سعة ، تجيع الآهل والولدا".

   وعن رؤاه وفلسفته ونهجه في الحياة، يوثق الجواهري شعرا: قيماً ومفاهيم راسخة، معتزاً بها، ثابتاً عليها، عزوفاً عن تغييرها برغم ما أودت به، وما تأذى بسببها .. كما يوضح في ذات الآن، وبكل صراحة وأقتناع، تناقضاته التي" تميّـز" بها:

ظللتَ تصارع الأسدا، تريد المجد والصفدا

وتطمعُ تجمع القمرين فخرهما اذا أنفردا...

عجيبٌ أمرك الرجراج لا جنفاً ولا صددا

تضيق بعيشة رغدٍ، وتهوى العيشة الرغدا..

وتخشى الزهدَ تعشقهُ، وتعشق كل من زهدا

ولا تقوى مصامدةً، وتعبدُ كل من صمدا

ويدنو مطمحٌ عجبٌ، فتطلب مطمحاً بَعدا

     ثم يعود الشاعر تالياً، وفي مقطع أو ابيات لاحقة، فيشير ويصف الذين عانى منهم، متصديا لتطاولهم، وخاصة في سنوات ما بعد عودته من مغتربه، براغ، ذي الاعوام السبعة. وهو – اي الجواهري هنا – يستكمل ما عاناه منهم، ومن عناهم في قصائد سابقة، وخاصة قصيدته الشهيرة ( ياآبن الفراتين) عام 1969:

أزحْ عن صدرك الزبدا، وهلهل مشرقا غردا
وخلْ "البومَ" ناعبة ، تقيء الحقد والحسدا
مخنثةً فان ولدت ، على "سقط" فلن تلدا…

ألا انبيكَ عن نكد ٍ، تُهوّن عنده النكدا

بمجتمع تثير به، ذئاب الغابة الأسدا

خفافيش تبص دجىً، وتشكو السحرة الرمدا

ويعمي الضوء مقلتها، فتضرب حوله رصدا

  وبعد ذلكم التمهيد تحـلّ المواجهة، ويروح الشاعر يشخص تحديدا، واحدا أو أكثر، وإن اراد التعميم، وثمة تكهنات – بل وربما معلومات مؤكدة- عن أولئك، ولكن لن نشير لهم هنا، مسايرةً لترفع الجواهري عن ذكـر الاسماء المهجوين، وتلك هي حالة ثابتة عامة عنده، في كل قصائده مع أستثنائين أو ثلاثة .

وصلف ٍ مبرق ختلاً ، فان يـرَ نُهزةَ رعدا
يزورك جنح داجية ، يُزير الشوق والكمدا
فان آدتك جانحة، اعان عليك واطردا ..
وآخر يشتم الجمهور، لفَّ عليك واحتشدا...
يعدُّ الشعر أعذبه، اذا لم يجتذب احدا..

  وعلى طريق توثيق سيرته الذاتية ايضا، ترميزاً وشعرا، يروح الشاعر مفتخراً بمحطات من مواقفه الوطنية، ومواقفه أثناء التحركات الجماهيرية عام 1948 التي أصطلحَ عليها بـ"وثبة كانون" واستشهد فيها شقيقه الاصغر، جعفر الجواهري . كما يستطرد ليشيع مفاهيمه في تجاوز الصغار، فيخاطب نفسه، ويستثيرها: ..

أبا "الوثبات" ما تركتْ ، بجرد الخيل مطردا
يضجُ الرافدان ، بها، ويحكي "النيلُ" عن "بردى"
ويهتف مشرق الدنيا، بمغربها اذا قصدا:
ترفعْ فوق هامهمُ، وطـرْ عن ارضهم صعدا
ودع فرسان "مطحنة" خواء تفرغ الصددا...

   ويعود الجواهري في مقطع تالٍ، فيذكر من جديد بانتقاده، بل وغضبه العارم،  على تلك الجهة المقصودة، ومنها – كما اسلفنا- اشخاص محددون من الشعراء والادباء والنقاد، فيشكو منهم، معتمراَ الصراحة والوضوح، ويكشف عنهم، ويحرض ضد مواقفهم ودروبهم، وابتعادهم عن الانتصار للحقوق والواجبات، ويقيس ذلك على نفسه، فاللغة العربية أنتهكت، وهي أم الضاد، وكذلك "ربّ الضاد" زاعما بأنه يمثله (2)..

وغافين ابتنوا طنباً، ثووا في ظله عمدا
رضوا بالعلم مرتفقاً ، وبالاداب متسدا…
يرون الحق مهتضَماً، وقول الحق مضطهدا
وام "الضاد" قد هتكتْ، وربُّ "الضاد" قد جُلدا
ولا يعنون - ما سلموا - بأية طعنة نفدا
بهم عوزٌ إلى مددٍ ، وانت تريدهم مددا…

 

8/ في المَقامة اليونانيــة

   ما بين براغ التي أطالت الشوط من عمره... وبغداد "دجلة الخير" والأزمات والمرارة في آن، حطّ الجواهري ركابه في النصف الثاني من السبعينات الماضية، في أثينا، مستأجراً "شقيّقةً" متواضعة دون حدود، ولكن أهم ما عندها من مغريات وقوعها على ساحل البحر مباشرة، وذلك الأحب عنده، وهو التوّاق والطامح لمزيد من الإيحاء، كما في لاميته عام 1977 وجاء مطلعها:

سجا البحر وانداحت ضفافٌ ندية ولوح رضراض الحصى والجنادلِ

وفكت عرى عن موجة لصق موجة تماسك فيما بينها كالسلاسل...

وما حمل "الاصباح" شرقاً إلى الضحى من الورق النَديان أشهى الرسائل

  وفي "مَقامة" الجواهري اليونانية نؤشر إلى ان وجوده  في أثينا لم يكن إلا لفترات قصيرة ومتقطعة، اغتراباً عن الأحداث، وركوناً إلى النفس، وتمعناً في ما يمتليء به فكر الشاعر: فلسفة في الحياة ووقائعها، والمشاغل الانسانية العامة . ثم انقطع أمـد تلك الإقامة لأسباب مالية، ليس إلا، إذ لم يستطع شاعر الأمة العراقية أن يوفر إيجار الشقة الزهيد، بينما كانت البلاد تتراكم فيها ثروات الفورة النفطية آنذاك، والبقية معروفة على ما نظن...

 

 9/ اول طبعة "شبه" كاملة للديوان

  شهدت سنوات السبعين الماضية، ولأول، صدور المجموعة "شبه" الكاملة لديوانه، بسبعة أجزاء تعدت (2650) صفحة من القطع الكبير، وبإشراف نخبة مـن رجـالات الأدب واللغة: د. مهدي المخزومي، ود. علي جواد الطاهر، ود. ابراهيم السامرائي، وأ. رشيد بكتاش. وكان حريصا على مراجعة مسوداتها بشكل دؤوب، وحريص كما تشهد بذلك مراسلاته الى اللجنة المشرفة على الديوان الذي صدر الجزء السابع، والاخير منه عام 1980  وقد اصبحت تلك الطبعة مرجعا لاحقا لطبعة دمشق ذات الاجزاء الخمسة، في الثمانينات، وطبعة بيروت، الاكثر شمولية عام 2000... ولعل من المفيد ان نشير الى ان  الفترة (1969-1979) صدرت للجواهري عدة مجاميع شعرية من أهمها:

1-  الجزء الثاني من المجموعة الشعرية الكاملة – دار الطليعة / بيروت- 1969 وكان الجزء الأول من تلك الطبعة قد صدر عن الدار ذاتها عام 1968.

2- بريد العــودة – مجموعة من قصائد الجواهري- مطبعة دار المعارف / بغداد 1969.

3- ايها الأرق: - قصيدة طويلــة نشرتها وزارة الاعلام العراقية- مطبعة الأديب / بغداد- 1971.

4- خلجـات: مجموعة من أشعار الجواهري عن وزارة الاعلام- مطبعة الأديب بغداد – 1971.

 

10/ زيارتان الى الكويت والامارات

    في كانون الاول/ يناير 1979 يتوجه الجواهري لزيارة الكويت، وبرفقته زوجته آمنة،   تلبية لدعوة ثقافية، شمل برنامجها امسية حاشدة القى فيها مختارات من شعره القديم / الجديد، وافتتحه بابيات تحية للمضيفين. كما غطى الزيارة تلفزيون الكويت والعديد من وسائل الاعلام الاخرى، ومن بينها صحيفة القبس التي كتبت  في العدد 2409 الصادر في 1 شباط/ فبراير 1979 عن الأمسية تقول: "قبل حضور الجواهري الى الكويت كنا نتساءل: هل فقد الشعر جمهوره؟ وبعد أمسية ابن الفرات وأبي فرات" تبين ان الجمهور كان موجوداً.. لكن الشعر كان غائباً". وأضافت "القبس": "قاعة رابطة الأدباء التي قلما تمتليء مقاعدها، اكتظت أمس حتى البهو الخارجي، وكان عدد الواقفين يتعادل مع عدد الجالسين"  ترفرف فوق رؤوسهم جميعاً هيبة الشعر الأصيل، التي تجسدها شاعرية فذة أعادت أجواء عظمة الشعر العباسي في العهد الذهبي للحرف المنغم".

    وقدم الجواهري في الامسية، رئيس "رابطة الأدباء" أحمد السقاف بكلمة جاء  فيها: "لعلكم توافقونني الرأي أن الشاعر العربي الكبير "محمد مهدي الجواهري" غني عن التعريف، فشهرته العربية والعالمية قد فاقت الآفاق، وجهاده الصلب في سبيل أمته العربية جعله يحتل مكانة خاصة في قلوب الملايين من أبناء هذه الأمة". وأضاف: "لقد عرف الجواهري شاعراً ثائراً على الاستعمار وعلى الظلم والاضطهاد، ولقد وقف بصدق الى جانب الشعوب المناضلة في سبيل الحرية والعدالة، فكان، بذلك، صوتاً حراً جريئاً ترتجف له قلوب المستعمرين. لقد حفظ الشباب قصائد الجواهري، وتغنوا بها في مسيراتهم الوطنية، لكونها شعراً أصيلاً يمجد التضحية والفداء في سبيل الوطن، ويرفض الخنوع والذل والاستسلام. ان الجواهري زوبعة في دنيا الشعر، لا تضاهيها إلا زوبعة الشعر العباسي".

     وفي عام 1979 ايضا  يلبي الجواهري دعوة الى (ابو ظبي) من وزارة الاعلام والثقافة في دولة الامارات، ورافقه فيها نجله البكر: فرات، ليلقى هناك وامام حضور كثيف، نوعا وكما، مقاطع عديدة من اشعاره، وافتتحها بقصيدة جديدة  عنوانها "أفتيان الخليــج"  شملـت الكثير من المواقف والرؤى السياسية حول العديد من القضايا الساخنة التي كانت تسود المنطقة العربية في ذلكم الوقت. وكان مطلعها : أعيذك ان يعاصيك القصيدُ، وان ينبو على فمك النشيــد.. وان تعرو لسانكَ تمتماتٌ وان يتفرط العقد الفريــدُ".

  

11/ عشيّة العودة للأغتراب عن العراق

      في اواخر عقد السبعينات الماضية تزداد الاوضاع الداخلية في العراق ضراوة في ظل النظام الشمولي لحزب البعث، وينتشر العنف والارهاب ليطال الالاف (ومن بينهم بنت الجواهري – خيال، التي احتجزت لعدة ساعات في مقر أمني، ونجلـه – كفاح، الذى اعتقل وعذب على مدى اسابيع، في النصف الاول من عام 1979) . ويتنبئ الشاعر بأن القادم اسوأ، وذلك ما حصل بالفعل في السنوات اللاحقة ... وهكذا يقرر الجواهري الاغتراب، موقفَ غضب  ولو صامتا، ولم يكن مطلع العام 1980 يحلّ حتى يشد الرحال الى  براغ مجددا، وهو الاخير عن العراق، وحتى رحيله الى الخلود في دمشق الشام بتاريخ 1997.7.27..

 

* المصادر ----------------------------------------------------

1/ اجزاء ديوان الجواهري / بيروت 2000 عن دار بيسان .

2/ كتاب (اصداء وظلال السبعينات ) لرواء الجصاني/ براغ 2001 عن دار بابيلون .

3/ كتاب ( الجواهري .. قصائــد وتاريخ ومواقف) لكفاح الجواهري  ورواء الجصاني/ دمشق عام 2012 عن دار سندبـــاد .

4/ كتاب ( الجواهري بعيون حميمة) لرواء الجصاني/ عام 2016 عن مركز الجواهري- براغ.

5/ معايشات واحاديث، وشهادات شخصية للكاتب في بغداد وبراغ ودمشق .

 

* هوامش واحالات ----------------------------------------------------------------

(1) جائزة "لوتس" السنوية الدولية للآداب، اطلقها اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا عام 1969 وممن مُنحت لهم ايضا، من العرب: الكاتب المصري: يوسف السباعي، والروائي الفلسطيني: غسان كنفاني.

(2) لربما كان الجواهري يريد ان يشير هنا الى ما أطلقه عليه الشاعر العراقي البارز، معروف الرصافي، من لقب أفخـم، حين كتب له عام 1941: "أقولُ لربّ الشعرِ (مهدي الجواهري) .. الى كم تناغي بالقوافي السواحرِ".

 

 

من بينهم الزهاوي المتنبـي والمعــري والرصافي ...

شعراء في قصيـد الجواهري العامر(1/3)

* رواء الجصاني

    تعددت وتنوعت شؤون التوثيق، والتقصي، والدراسات حول المنجز الشعري لمحمد مهدي الجواهري (1899-1997) في مجالات اللغة والاسلوب، والاغراض والمناسبات، دعوا عنكم شؤون حياته الشخصية والعامة ومفاهيمه ورؤاه، ومنابعه الفكرية والثقافية، وسوى ذلك كثير كثير، غطته وناقشته وقيّمته اطاريح دكتوراه ورسائل الماجستير، عديدة، ومئات المؤلفات والكتب والمقالات (1)

   ومن التوثيقات والبحوث الغير المطروقة على ما ندعي، هذه الكتابة  التي  تعنى بما حواه ديوانه الثري ذو الخمسة والعشرين الف بيت تقريبا، من قصائد، وقطع شعرية تتطرق، وتشير  الى، وتتحدث عن  نحو اربعين شاعرا عراقيا وعربيا واجنبيا، بمناسبات مختلفة، بين تكريم  استشهاد واستعارة هنا،  وتخليد ورثاء، وأشارة هناك،  وعلى مدى أزيد من سبعة عقود امتدت للفترة (1921-1994) تحديدا (2) .

  ولأن الهدف الذى نتوخاه في هذه الكتابة هو التوثيق والتقصي وحسب، وليس للتأرخة المفصلة، فسنكتفي ببعض التواريخ والدلالات الموجزة، مما يسهل على المهتمين الوصول الى كامل القصيدة او القطعة الشعرية، او الابيات – بل وربما البيت الواحد – التى  تشمل شعراء مميزين كما نجتهد، تطرقت اليهم قصائد الجواهري، مرتبة  أولاها زمنيا، مع حفظ المكانات والالقاب.. ذلك بالاضافة الى اشارات عجول لاسماء كريمة اخرى، علّها  تفيد من يرغب بمزيد من المعلومات..

   واستدراكا لما سبقت اليه الفقرة الآنفة، وبعيدا عن الأسهاب والتفاصيل، لربما من المفيد ان نؤشر في هذا السياق الى ان الكثير والمتنوع من المدلولات يمكن استنباطها من اشارات الجواهري، ومخاطباته، لذلك الجمع من الشعراء، وتبجيله لبعضهم، ورثائه لبعض آخر، وغير ذلك من اشكال واغراض. ونظن بأن من المهم في هذا الشأن حسبان الزمان والمكان التي قيلت فيه القصيدة او تطرقت له الابيات، ومكانة ذلكم الشاعر وغيره عند الجواهري، والبواطن في مثل تلكم الاشارة أو الاستشهاد او الاستذكار...

   كما تجدر الاشارة ايضا الى ان الجواهري، وكعادته،  قد خلط  قصائده أو ابياته الشعرية التى نعنى بها في هذا الاستقصاء: الخاص بالعام في عدد منها، وربط ماضيا بحاضر، وراهناً  بمستقبل، وفلسفة بواقع في عدد آخر. فضلا عن لجوئه في قسم آخر الى اتخاذ تلكم القصائد او الابيات منافذ للوصول الى غايات بعينها ارتضاها الشاعر او اراد أشاعتها..

     أخيرا، وقبيل الدخول الى صلب التوثيق ، نرى اهمية في التوكيد هنا بأن هذا الجزء الاول، الذي سيليه جزءان آخران، يشمل ثلاثة  شاعرا من المعنيين الذي نوثق لهم، وعنهم، ووفق التسلسل الزمني لنشر القصائد الجواهرية ذات العلاقة، وهم: 1- فائق بيكس. 2- محمد صالح بحر العلوم. 3- بشار آبن برد. 4- موسى الجنابي.  5- مظفر النواب . 6- شاذل طاقة . 7-جبران خليل جبران. 8- النابغة الذبياني. 9- عمر الخيام. الى جانب الموثق عنهم ادناه:    

 

1/ جميل صدقي الزهاوي: في قصيدة "جائزة الشعور" عام 1927:

قمْ يا "جميلُ" فحامني، يا حامي الادب العراقي

- وكذلك في قصيدة"جربيني" عام 1929:

عن يساري اعمى المعرة، و"الشيخ الزهاوي" عن يميني

- وايضا في قصيدة "الزهاوي" عام 1936:

على رغم انف الموت ذكرك خالدُ، ترن بسمع الدهر منك القصائدُ

 

2/ المتنبي، احمد، ابو الطيب – ابو محسد، في قصيدة "المحرّقة" عام 1931:

او "المتنبي" حين قال تذمراً، افيقا خُمارُ الهمّ بغضيّ الخمرا

- وايضا في قصيدة "احمد شوقي" عام 1932:

قرون مضت لم يَسدّ العراقُ، من "المتنبي" مكاناً شغـرْ

ـ وكذلك في قصيدة "الشاعر الجبار" عام 1935:

وُلد الالمعي فالنجم واحمْ، باهت من سُطوع هذا المزاحمْ

ـ وفي "المقصورة" الشهيرة مخاطبا نفسه، عام 1947:

وبـ"المتنبي" ان البلاء، اذا جــدّ  يعلم اني الفتى

- وكذلك في قصيدة "اطياف بغداد" التنويرية عام 1953:

فأعدْ على بغداد ظِلّ غمامة، باللطف تنضحُ والندى والسؤددِ..

تتمازج الألوان فيها عن سنا، شفقٌ بكل صبيغة ٍ، متورد ِ..

بالبحتري، أبي السلاسل لمّعـاً، بالعبقري "ابي محسد" أحمدِ

بمذل "كافورٍ" عجيبة دهرهِ، ومعز آل الأرمني، و"مخلّدِ"

- وايضاً في قصيدة "كما يستكلبُ الذيبُ" الوجدانية – السياسية عام 1953:

تسعون كلباً عوى خلفي وفوقهمُ ، ضوء القمر المنبوح ِ، مسكوبُ...

وقبلَ الف ٍ عوى الفٌ فما انتقصت "ابا محسد" بالشَتم الاعاريبُ

ـ وكذلك قصيدة "في ذكرى المالكي" الرثائية السياسية عام 1957:

وإذ "ابو الطيّبُ" الشرّيد في حلب ٍ، نجم تُضاء به الافلاك سيّـارُ

ـ وايضا في "رباعيات" - مقطوعة "حكم التاريخ" عام 1960:

سيسبُ الدهر والتاريخ من أغرى بسبي ..

يا لويل المجتلي كلباً لسبّ المتنبي

ـ وكذلك في قصيدة "لبنان يا خمري وطيبي" التكريمية – السياسية عام 1961

والمخاطب في البيت، الشاعر اللبناني بشارة الخوري:

جئتَ العراق فعاش فيك عهود "احمد" و"الحبيبِ"

- وايضاً في قصيدة "أبا الفرسان" الوجدانية عام 1967:

"أبا الفرسان" ان عُقت ديارٌ ، عقدتُ بها شبابي بالمشيب ِ

فلا عجبٌ فقبلي ضقنَ ذرعاً ، بخير الناس ِ "أحمد" و"الحبيب"

ـ وكذلك في قصيدة "يا ابن الفراتين" الوجدانية- التنويرية عام 1969:

"أبا محسد" دنيا رحت تمخضها، فما تلقفُ إلا ما نفى الزبّدُ

ـ وقصيدة "آليت" عام 1975:

أكبرتني ان اختشي وغداً، وان أُعنى بغـِرّ

وضربت لي امثولة ً، بـ"أبي محسد" و"المعري"

ـ وايضا في قصيدة "فتى الفتيان" التنويرية عام 1977:

تحدى الموتَ وأختزل الزمانا، فتى لوى من الدهر ِ العنانا

- وفي قصيدة "بغداد" السياسية، عام 1980:

لا درّ درك من ربوع ديار، قرب المزار بها كبعد مزارِ...

هوت الحضارة فوقها عربية، وتفردت "آشور" بالآثار

عشرون قرناً وهي تسحب خلفها، بدمٍ، ذيول مواكب الاحرارِ

بـ"ابن المقفع" و"آبن قدوسٍ" وبـ"الحلاج" والموحى له "بشار"

بـ"ابي محسد" وهي تقطع صلبه، لم يُدرَ عار مثل هذا العارِ

 

  3/ معروف الرصافي: في قصيدة "الى الرصافي" عام 1944:

تمرستَ بـ"الاولى" فكنتَ المغامرا، وفكرتَ بـ"الاخرى" فكنت المجاهرا

- وفي قصيدة "معروف الرصافي" الرثائية - التنويرية عام 1951:

لاقيتُ ربكَ بالضمير ِ ، وانرت واجبة القبور ِ

"معروفُ" نمْ فوق التراب، فلستَ من اهل الحرير ِ

ـ وكذلك في قصيدة "الرصافي" الاستذكارية عام 1959:

لغزُ الحياة وحيّرة الالباب ِ ان يستحيل الفكرُ محض ترابِ

 

4/ المعــري، احمد- ابو العلاء، في قصيدة "بين قطرين" عام 1924:

الا مبلغ عني "المعري" احمداً، ليسمعه والشعرُ كالريح جوالُ

- وكذلك في قصيدة "جربيني" عام 1929:

عن يساري اعمى المعرة و"الشيخ" الزهاوي عن يميني

- وايضا في قصيدة "ابو العلاء" عام 1944:

قف بالمعرة وامسحْ خدها التربا، واستوحْ من طوق الدنيا بما وهبا

- وكذلك في قصيدة "احييك طه" عام 1944:

وجدد لنا عهد "المعري" انه، قضى، وهوى بغداد يُلذعه لذعا

- وفي قصيدة "اطياف بغداد" التنويرية عام 1953:

فأعـدْ على بغداد ظِلّ غمامة، باللطف تنضحُ والندى والسؤددِ..

تتمازج الألوان فيها عن سنا، شفق بكل صيغة ٍ، متورد ِ..

بأبن المعرة، ترتمي جمراتهُ، بأمض من عنتِ الزمان، وأحقدِ

- وفي قصيدة "لبنان يا خمري وطيبي" التكريمية – السياسية عام 1961:

و"ابو العلاء" على بناتِ الماء تُحدى بالخبوبِ

- وايضا في قصيدة "آليّت" الوجدانية التنويرية عام 1975:

اكبرتني ان اختشي، وغْـداً، وأن أُعنى بغّــرّ

وضربت لي امثولةً، بـ"أبي محسد" و"المعري"

-------------------------------------------------------------------* يتبع القسم الثاني

1/  وثقنا بعض تلك الاطاريح ورسائل الماجستر في توثيقنا الموسوم " الجواهـري في تسع اطروحات دكتوراه، وثماني رسائل ماجستير" والمنشور عام 2019 بذلك العنوان على شبكة الانترنيت وصحف ووسائل اعلام اخرى عديدة .

2/  لمزيد من التفاصيل، ثمة استقصاء وبحث موسع، للكاتب،  موسوم بـ " مشاهير وشخصيات وأسماء في شعر الجواهري" منشور عام 2017 بذلك العنوان على شبكة الانترنيت وصحف ووسائل اعلام اخرى عديدة .

 الجواهري والامام الحسين،

بعيداً عن "طلاء القرون" و"ستر الخداع"

رواء الجصاني

* ها نحن نستعيد مرة اخرى في قراءة قديمة – جديدة، عينية الجواهري، الجدلية- الفريدة، في شموخ واباء الامام الحسين، وثورته وتضحياته، مستذكرين في هذا المنحى ما كان الشاعر الخالد يقوله في مجالس وحوارات كثيرة، عن قصائده،: ان كل قديمه جديد، وما احرى بتلكم العينية ان تكون مثالا على ما نشير اليه

* وكما نوهنا، فقديم الجواهري، الجديد، الذي نوثق عنه في السطور التاليات: عصماء"امنت بالحسين"التى هدر بها الشاعر الخالد عام 1947 وفاضت بالتعبير عن المواقف والمفاهيم الطافحة بالإباء والشموخ، والممجدة للفداء والتضحيات، كما هي الحال في الفرائد الجواهرية العديدة، وان اختلفت في الصور والاستعارة:

فـداء لمثـواك من مضـجـعِ … تـنـوّر بـالابلــج الأروعِ
ورعياً ليومـك يوم"الطفـوف"… وسـقياً لأرضك من مصرع
تعـاليتَ من مُفـزع للحتـوفِ … وبـورك قبـرك مـن مَفزع

* وفي مقابل ذلك تماماً، لم يجامل الجواهرى أو يتهاون في هجو الخنوع والانحناء، وأولئك المقيمين على الذل، بل وحتى من يتوسط"كاللبن الخاثر"وغيرهم من اللاجئين"لأدبار الحلول فسميت وسطاً، وسميّ أهلها، وسطاءَ”...

* ولربما نجتهد، ونصيب، فنرى في"آمنت بالحسين"مجمعاً للشواهد والأدلة الأبرز على الرؤى الجواهرية المتميزة، وبمقاييس بالغة الرفعة في تبجيل “الواهبين النفس"فداءً للمبادىء التي يؤمنون بها، وتلكم بلا شك هي التضحية الأضخم للدفاع عن القيم والذود عنها، كما يرى صاحب"آمنت بالحسين" ..

* وفي مقاطع تالية من تلكم العصماء، القديمة – الجديدة، يستمر الجواهري في الاتجاه الذي يريد اعلانه عن تضحيات الحسين الثائر و”نهجه النير"الذي بات"عظة الطامحين العظام "لاولئك"اللاهين عن غدهم"والقنوعين دون احتجاج وتمرد أو ثورة.. كما يفيض عديد آخر من أبيات القصيدة بعواطف ومشاعر انسانية فائقة التعبير في تقديس الثبات والصمود لرجل يوم"الطفوف"و”الملهم المبدع"الثابت أمام"سنابك خيل الطغاة"دون خوف أو رهبة… وبهدف أن يُبدل"جديب الضمير بآخر معشوشب ممرع”…

شممتُ ثـراك فهب النسيم … نسيم الكرامـة من بَلقـعٍ
وطفت بقبرك طوفَ الخيال … بصومعـة المُلهـم المبدع
تعـاليت من صاعق يلتظي … فـان تـدجُ داجية يلمـعِ

* ثم يروح الجواهري ليتمثل مأثرة الحسين التاريخية، و”يمحص"الأمر دون أن يرتهب من"الرواة"أو يخدع بما ينقلون، ويمضي هادفاً للحقيقة لا غيرها، وبدون"تزويق"أو مبالغات… وبعد ذلك فقط، يجد الشاعر أن في فداء الحسين دفاعاً عن مبادئه، وقائع لا أعظم منها، وهو"أن يطعم الموت خير البنين، من الاكهلين الى الرضع"…

تعاليتَ من"فَلَك"قُطْرهُ… يدورُ على المِحوَرِ الأوسعِ
فيا ابنَ"البتولِ"وحَسْبي بها…. ضَماناً على كل ما أدّعي
ويا ابنَ التي لم يَضَعْ مِثلُها … كمِثلِكَ حَملاً ولم تُرْضِع
ويا ابنَ البطينِ بلا بِطنةٍ ….. ويا بنَ الفتى الحاسرِ الأنْزَع

* ثم يحل مسك الختام، فتجدد القصيدة تقديس ذلك الصمود والعطاء الذي"نوّر"من ايمان الجواهري، وفلسفته في الإباء والفداء، والتي تجسدت، كما سبق القول، في الكثير من قصائده ومن بينها:"سلام على مثقل بالحديد – 1951"و”بور سعيد – 1956″ و”كردستان – موطن الأبطال- 1962″ والى"اطياف الشهداء الخالدين- 1963″ و”فلسطين الفداء والدم – 1970"فضلاً عن قصــائد الوثبـة، الشـهيـرة، عــام 1948

تمثلـتُ يومـك في خاطـري … ورددت"صـوتك"في مسـمعي
ومحصـت أمـرك لم"ارتهب"… بنقـل"الرواة"ولـم أخــدع
ولما ازحـت طـلاء"القرون"… وسـتر الخـداع عن المخـدع
وجدتـك في صـورة لـم أُرعْ … بـأعـظــمَ منهـا ولا أروعِ

* وللاستزادة، نقول أن قصيدة"امنت بالحسين"المتفردة في المبنى والمعنى، والرؤى، نشرت في جميع طبعات ديوان الجواهري، ومنذ العام 1951 وقد خُط خمسة عشر بيتاً منها بماء الذهب على الباب الرئيس للرواق الحسيني في كربلاء، كما أُنشدت، وتُنشد، في مختلف المجالس والمناسبات الاحيائية لواقعة ومأثرة "الطــف.

------------------------------------------------------رواء الجصاني/ اب- اوغسطس2020

 

الجواهري في لبنان، وعنه:

إفتتـانٌ وشعـرٌ.. ومصاهرة!

رواء الجصاني

تناقل العديد من وسائل الاعلام، في الايام الثلاثة الماضية، ابياتَ شعـرٍ عن المأساة اللبنانية الاخيرة، تم نسبها للجواهري، وهي ليست كذلك، مطلقا، مع الاحترام للناظم والناشر والناقل، والمتداول..

ولمزيد من الأحاطة والتعريف، ببعض محطات الجواهري في لبنان، وقصائده عنه، ننشر ادناه مقتطفات ضافية من نصٍ ضمه الفصل السادس في كتابنا " الجواهري... بعيون حميمة"  الصادر في براغ وبغداد وبيروت عام 2016:

* قد يحق لنا أن نجتهد، فنصيب، حين نقول ان الجواهري قد أوجز حبه للبنان وبيروته وجمال طبيعته، وحسانه اللواتي يفضن رقةً ودلالاً وغنجاً، وذلك في آخر قصائده ذات الصلة، عام 1961 حين قال:

لبنانُ يا خمري وطيبي، لا لامستكَ يدُ الخطوب ِ

لبنانُ يا غرفَ الجنان ِ الناضحات ِ بكل طيب ِ

لبنانُ يا وطني اذا حُلئتُ عن وطني الحبيبِ

*.. وتعود اولى قصائد الجواهري عن تلك البلاد التي عشقها بكل عنف، إلى مطالع الشباب، وإلى عام 1922 تحديداً حينما نظم نونيته "لبنان في العراق" لتليها كثيرات أخريات ومن بينها في الثلاثينات الماضية: "وادي العرائش" و"شاغور حمانا"... وفي الأربعينات "بنت بيروت" و"اخي الياس"...

 * ومن بين قصائد الحصة اللبنانية في ديوان الجواهري، تبرز بائية "ناغيت لبناناً" التي نظمت عام 1947 بمناسبة الزيارة التي قام بها الرئيس بشارة الخوري إلى العراق... وقد تشابكت فيها، وكما هي الحال شبه الدائمة في خوالد الشاعر الكبير، شؤونٌ وشجون عديدة، خاصة وعامة، ومطلعها:

ناغيتُ لبناناً بشعري جيلا، وظفرته لجبينه اكليلا..

* ثم يعود الشاعر في القصيدة ذاتها، ليجول في محاور متداخلة ومنها، وطنية هذه المرة، فراح يخاطب الضيف المحتفى، الرئيس بشارة الخوري:

يا شيخ لبنانَ الاشم فوارعاً، وشمائلاً، ومناعة ً، وقبيلا

مثلته في كلهنَّ فلم يرد، بسواك عنكَ، ولن يريد بديلا

ان العراق وقد نزلت ربوعه، ليعد ساكنه لديك نزيلا

*  وعلى الرغم من هذه العجالة في الكتابة عن لبنانيات الجواهري، لا يمكن الا ان نتوقف، ولو سريعا، عند رائيته الشهيرة عام 1950 والتي القيت في بيروت خلال حفل تأبيني مهيب وحاشد للشخصية الوطنية البارزة عبد الحميد كرامي، وقد كان من عواقب القصيدة، وتداعياتها، ان طلبت السلطات اللبنانية الرسمية من الشاعر الكبير، الخروج من البلاد خلال ثمان ٍ وأربعين ساعة لخطورته "الشعرية" على أمن البلاد!! ومن أبيات تلكم القصيدة الباهرة:

باق ٍ وأعمارُ الطغاة ِ قصارُ، من سفر ِ مجدكِ عاطرٌ موارُ

عبدَ الحميد ِ وكلُ مجد ٍ كاذب، ان لم يُصن للشعب فيه ذمارُ

المجد ان يحميكَ مجدك وحده في الناس، لا شُرَط ٌ ولا انصارُ

* وما دمنا في اروقة مقامة الجواهري اللبنانية واصدائها، نوثق بأننا حملنا اوائل العام 2011 "منقاراً وأجنحة" أخف ما لمَّ من زاد ٍ اخو سفر، لنعبر الحدود إلى بيروت، راحلين إليها من دمشق التي ودعتنا فيها "ناديا"، حفيدة الشاعر العظيم، وقد راحت – شاءت أم أبت – اخر ركيزة للعائلة الجواهرية المستقرة في بلاد الشام، حينئذٍ على الأقل... وهي التى حظيت – ولربما وحدها من الأحفاد - على ما نعلم – بقصيدة نادرة، ومعبرة من الشاعر العظيم عام 1988، ومن ابياتها:

يا ناديا الزهر الندي... يا قطعة ً من كبدي

*  واذ نتجاوز الحدود السورية بمسافة قصيرة، مع احباء واصدقاء تلوح امامنا فضاءات لبنان، وصورة جنانه التي رسمها، ولونها الجواهري بأكثر من قصيدة، ومنذ العشرينات: سهولاً وجبالاً وبحراً ومجتمعاً وناسا، دعوا عنكم الوقائع الثقافية والسياسية وما إليها، وبينها... ومن الشواهد على ما نقول فرائده التي جاءت في سطور سابقات من هذه الكتابة.

* ثم نستريح قليلاً في محطة أولى عند "الروشة" وسط بيروت، والتي طالما حدثنا الجواهري عن حبه لها، ولمقاهيها التى تداعبها بافتتان وتغازلها بعشق، موجات البحر المتوسط، الساحر والهادر في آن، وهو ذاته البحر الذي ناجاه الشاعر الخالد، وان من موقع آخر، حين كان على سواحله في أثينا عام 1977:

سجا البحر وانداحت رمالٌ ندية ولوح رضراض الحصى والجنادلِ

وفكت عرى عن موجة لصق موجة تماسك فيما بينها كالسلاسل

 *  وفي وسط بيروت عاشقة الفرح والمزدانة به برغم كل الآلام، نستذكر، ونحن بين اللبنانيات الساحرات جمالاً وغنجاً، ما كتبه عنهن الجواهري، عام 1947:

ناغيتُ لبناناً بشعري جيلا، وظفرته لجبينه اكليلا

وحسان لبنان منحت قصائدي، فسحبنهنّ كدلهنَّ ذيولا

أهديتهن عيونهنّ نوافذاً، كعيونهن اذا رميّن قتيلا

ورجعت ادراجي اجر غنيمة من بنت بيروت جوى وغليلا

*  ولعلّ واحدة ممن عناهن القصيد السابق عن الفاتنات، تلكم السيدة التي تزوجها الجواهري أواسط الأربعينات، من عائلة "بيضون" اللبنانية - السورية الكريمة... وقد كتب نجل الشاعر، فلاح، في بعض ذكرياته المنشورة عام 2009 عن علاقة ابيه، الخمسيني، او يكاد انذاك، بعروسته الشابة:

"لم أرَ والدي، ولا في أي يوم في بيتنا بمثل هذا المرح والانطلاق، فوجهه اما ضاحك أو مبتسم أو على الأقل ينضح بالرضى... مليء بالحيوية والنشاط... يعبث كثيراً مداعباً أو ممازحاً... ولم يترك تلك "الحورية " وحدها إلا ما ندر..."

* اخيرا نوثق ان اخر زيارة للجواهري الى بيروت كانت عام 1991 للمشاركة في مؤتمر تاريخي عقدته ستة فصائل عراقية معارضة للدكتاتورية والحرب والارهاب، وقد كان الشاعر العظيم، ووحده، فصيلا اضافيا، سابعا، بين المجتمعين، بحسب رموز سياسية بارزة شاركت في ذلكم المؤتمر...ثم، عاد الشاعر الخالد لعاصمة السحر والجمال مرات ومرات، منذ رحيله عام 1997 والى اليوم: حفلا تابينيا، وقل احتفائيا، وكتابات وبحوثا وذكريات، من شعراء وادباء ومبدعين ومؤرخين، وكذلك ديوانا كاملا بخمسة اجزاء اخرجه الفنان عباس الكاظم عام 2000....

* ولأن الشيء بالشيء يذكر كما يقال، نشير هنا الى ان ثمة ثلاث طبعات لديوان الجواهري قد صدرت في لبنان خلال الأعوام 1967 و1982 و2000 على التوالي... كما ونضيف ان حفلاً تأبينياً مهيباً قد احتضنته بيروت خريف العام 1997 في اربعينية الشاعر الخالد، وشارك فيه جمع بارز من شعراء ومفكري وأدباء البلاد، وفي مقدمتهم: سعيد عقل ومحمد دكروب ومحمد حسن الامين وجوزيف حرب وحبيب صادق إلى جانب مبدعين عراقيين وعرب آخرين عديدين..

* رواء الجصاني

 

الجواهــري ... ربع قـرن من

اللواعج، والتصدي (1961-1985)

* رواء الجصاني

أحسبُ بأن الرؤية التي تقول بأن أذى وايذاء المثقفين والمبدعين في اوطانهم مؤشرٌ سوء لا يفحمُ على واقع وحال السطة الحاكمة، ومسار تلكم الاوطان، بل ومقياس لما هو كائن، وسيكون.. وأذا ما آمنا بذلك، فكيف ستؤول اليه الامور حين يُضطهد ويهضم، ويعاني رمز البلاد الثقافي، وأهم عناوينها الأبداعية، ونعني بذلك محمد مهدي الجواهـري (1899-1997) ... مع اهمية الاضافة هنا الى الأدوار التي يتطوع لها، أو يكلف بها، وعاظ واتباع السلاطين، وصحفهم وكتبتهم ومرتزقتهم، وكذلك الحسّاد والمتربصون، وأشباههم وهم ليسوا قليلين كما نعلم، وكما يعلمنا الشاعر الخالد نفسه، في قصائده طوال ربع قرن ..

    قلنا ربع قرن ونحدد ذلك بالفترة التي جاءت في عنوان هذه التأرخة (1961-1985) وهي فترة "حفلت" بها البلاد العراقية، خلال عهودها المتعددة، باللاديمقراطية والعسف والعنف، وبالانقلابات الدموية، والارهاب، والحروب الداخلية والخارجية، بكل تفرد و"تميّز" وتنوع، مقارنة باوضاع بلدان عربية ومجاورة، وغيرها مما عُرف بـ" العالم الثالث" بشكل رئيس. ودعونا الآن نوثق، ونؤرخ ما زعمنا به، وما ثبته الابداع الجواهري، ومنجزه الشعري، وفي تسلسل زمني، لربع قـرن ..

 

* في رافديه بلا نصيبِ

مع تعاظم رفعة ومكانة الجواهري، عطاء ووطنية، وانتشار وترسخ رؤاه التنويرية ومنظومته الفكرية، تعاظمت لواعجه من الجحود والاسفاف، ومن مواقف وتجاوزات "النخب" الثقافية والسياسية المتعصبة والمدعية، في العراق وخارجه... مما اضطره لشدّ الرحال مغترباً عام 1961 إلى براغ هذه المرة، متوقفاً في بيروت ليشارك في مهرجان تكريم الشاعر الكبير بشارة الخوري ببائية فريدة لم يدع مناسبتها تفوت إلا وكشف بعض ما تعرض إليه في العراق الجمهوري "الجديد" آنذاك، ومن بين ذلك اعتقاله "لأسباب سياسية وثقافية" وان ليوم واحد، برغم رئاسته لاتحاد الأدباء، وتزعمه لنقابة الصحفيين في البلاد، فقال مخاطباً المحتفى به:

أبشارة وبايما شكوى اهزك ياحبيبي...
هل صكَّ سمعك انني ، من رافديّ بلا نصيب ِ
في كربة وأن الفتى الممراح، فراج الكروب ِ
وزعتُ جسمي في الجسوم، ومهجتي بين القلوبِ

 

* أوَ صقرٌ طريدة لغرابٍ؟!..

  وفي براغ التي وصلها حديثاً، وفي احتفال أممي مهيب يلقي الجواهري قصيدة جديدة يبارك فيها نضالات طلبة وشبيبة العالم من أجل التحرر والديمقراطية... ثم يشكو لهم ما أصابه من عقوق في بلاده، وبأمثلة ووقائع مباشرة، كما يبثهم بعض لواعج الغربة التي يعيـش، والتي حسبها البعض مراداً، واستجماما لا مثيل له:

يا شباب الدنى وأنتم قضاتي ، في شكاة وأنتم شهودي
أنا في عزة ٍ هنا ، غير أني ، في فؤادي ينز جرح الشريد ِ
لي عتاب على بلادي شديد ، وعلى الأقربين جد شديد ِ
أوَ صقرٌ طريدة لغراب؟! ونبيغ ضحية لبليد ؟!...
يا لبغداد حين ينتصف التاريخ من كل ناكر وجحود ...
بخلتْ ان تفيء الظلّ منه ، وحنتْ فوق كل وغد ٍ وغيدِ

 

* عادى المعاجم وغــدُ يستهين بها

... وإذ تطول الغربة، فتتراكم المعاناة من الجحود، يصدح الجواهري عام 1962 برائعته الشهيرة "دجلة الخير"، التي وثقت للبلاد مجتمعاً وتأريخاً وواقعاً، ومن بين ذلك ما يعني الشاعر العظيم، ويعاني منه:

جبْ أربعَ النقد واسأل عن ملامحها ، فهل ترى من نبيغ ٍ غير مطعون ِ ...
عادى المعاجمَ وغدٌ يستهينُ بها ، يحصي بها "ابجديات" ويعدوني
شُلتْ يداك وخاست ريشة غفلتْ ، عن البلابل في رسم السعادينِ

 

* ومنغولٍ من التتار وغـدٌ..

وفي عام 1967، وحيث يعيش الشاعر العظيم هموم وشجون الاغتراب الاضطراري، يصدر احد "المفكرين" البارزين من وجهة نظر البعض، والمشكوك في عروبته وأصله وصلاح أفكاره، من وجهة نظر آخرين، يُصدر مذكراتٍ عن تاريخه في العراق، أعاد فيها سموماً طائفية خبيثة كان قد تقيّح بها منذ نصف قرن، ذلك "المفكر" نفسه، ضد الجواهري، الذي تصدى مواجهاً المعنيين بكل عنفوان، فقال:

سهرتُ وطال شوقي للعراق ، وهل يدنو بعيدٌ باشتياق ِ ...
احبتي الذين بمن امني ، بلقياهم اهونُّ ما ألاقي ...
ابثكم شكاة اتقيها ، فتصرعني وتمسكُ من خناقي
اغمزاً في قناتي من عُداة ٍ ، تناهشني ، وصمتاً من رفاقي ...

ثم تثور القصيدة فينال ذلك المتجاوز، وربعه، ما يستحقون من أوصاف، مبرزة "بعض" الحقيقة لا كلها، وإذ نمتنع حالياً عن التصريح باسم المعني، نشير إلى أنه يعد أحد رموز الطائفية المقيتة التي جرى تأجيجها أوائل القرن الماضي، ومنذ بدايات الحكم الوطني في العراق تحديداً... وما أشبه الليلة بالبارحة:

ومنغول ٍ من التاتار" وغْد ٍ ، تراضع والوغادةُ من فواق ِ
إلى "يمن" إلى "حلب" تسمى ، إلى "مصر" إلى درب الزقاق ِ
وكل ضاق بالملصوق ذرعاً ، وأيٌ فيه مدعاة التصاق ؟
أوجه القرد ، أم خلق البغايا ، أم النعرات ، أم نذر ِ الشقاق؟
أم النسب المؤثل بالمخازي ، أم الحسب المسلسل في رباق ِ
ولما حمت الأقدار ألقت ، به جيف البطون إلى العراق ِ ...
ليجمع حوله سفلاً تلاقى ، كما التقت الخفاف على الطراق ِ ...
"زنامى" يعطفون على زنيم ، كما عطف الجناس على الطباق ...
وما برح العراق محك صبر ٍ ، يطاق بأرضه ، غير المطاق
كأن غرائب الدنيا تنادت ، على وعد لديه بالتلاقي

 

* ..ومن خَتل ٍ رُميتُ وما خَتلتُ

... وخلال عام 1972 يعود عدد من تجار الوطنية والثقافة ليغمز من قناة الجواهري، بأنه يفضل المغترب البراغي على بلاده، فيوسمهم الشاعر العظيم في جباههم، وبما هم أهل له كما يرى، خاصة وان بعضهم ممن تساقوا معه ، وتساقىَ معهم المودة، وذلك ما آلمه بشكل مضاعف:

تقوّل ما يشاء خبيثُ طبع ، بُلوتُ طباعه حتى مللتُ
بأني حُوَّل ان اعوزتني ، على الملاّت اعذار ، احلتُ
معاذ الله ... والخلق المصفى ، وحرة طينة ٍ منها جُبلتُ
ولكني وجدت الودَّ سوقاً ، يراد بها تجاراً فاعتزلتُ
فمن خَتل ٍ رُميتُ وما خَتلت ، وعن جبن خُذلت ، فما خَذلت
خبرتُ الناس والأيام حتى يدايّ كليلتان بما نخلتُ ...

 

* ومساومين على الحروف كأنها تنزيل ذكر

ويعود الشاعر الكبير عام 1975 مدافعاً عن الذات والمواقف ضد أحد المتطاولين، العرب هذه المرة، بزعم ان الجواهري "قد سقط" في "مساوئ" المديح لزعماء وغيرهم، فردّ عليه – وأضرابه- برائية قالت مقدمتها انها "نُظمت، اثر تحرش بعض الكتاب المأجورين" ومما جاء فيها:

آليتُ ابرد حرّ جمري ، وأديلُ من امر بخمر ِ ...
اليت امضي بالعيون سواحراً ، نفثات سحري ...
وأصب في الأنفاس من خضر الربى نفحات عطري ...
آليت امتحنُ الرجولة ، يوم ملحمة وعُسر ِ ...
ومساومين على الحروف كأنها تنزيل ذكر ...
شتان أمركمُ وأمري ، أنا ذا أنوء بثقل وزري ...
شاخ الجواد ولم تزل تعتامه صبوات مهر ِ
طلق العنان فان كبا ، نفض العنان وراح يجري ...
سبحان من جمع النقائض فيّ من خير وشر ِ
عندي كفاف حمامة ٍ ... فإذا استثرت فجوع نمر ...

... وتسترسل القصيدة لتتحدث عن ذلك "المثقف" العربي، والذي يظهر اسمه تورية بين الأبيات التالية:

ومخنث ٍ لم يحتسب ، في ثيّب ٍ خيطت وبكر ِ
أقعى ... وقاد ضميره ، ملآن من رجس ٍ وعُهر ...
غال ٍ ، كأرخص ما تكون أجور غير ذوات طهر ِ
لم يُعل ِ قدري مدحه ، وبذمه لم يُدن ِ قدري ...
من ذا يخلص امة ً ، أُخذت على طوع ِ وقسر ِ
من نفسها ، من آمر ٍ فيها ، ومن خَدم ٍ لأمر
مثل الموالي شرفت نسباً إلى "مضر ٍ" و"فهر"
يتملكون رقابهم ، ملك الجزور ليوم نحـر ِ

 

* فرميّت في قعر الجحيم سلاحي

وإذ يحل عام 1977 يحـاول بعـض متنطعي السـياسة والأدب تجـاوز قـامـة الجواهـري وبأنـه لـم يعـد يخوض المعارك "الوطنية" ويتخذ السكوت موقفاً! فيلجمهم مخاطباً وموضحا مبادئ ومنتقدا وقائع واحداث :

قالوا سكتَّ وأنت أفظعُ ملهبٍ وعي الجموع لزندها ، قداح ِ ...
فعلام أُبدل وكر نسر ٍ جامح ٍ حرد ٍ بعش البلبل الصداح ...
فأجبتهم: أنا ذاك حيث تشابكت هام الفوارس تحت غاب ِ جناحي
لكن وجدت سلاحهم في عطلةٍ فرميّت في قعر الجحيم سلاحي

 

* ... وكظم الغيظ غيظٌ

   وفي عام 1980 يكتب نقيب الصحفيين السوريين صابر فلحوط "أبو عمر" رسالة في قصيدة، أو قصيدة في رسالة، موجهة للجواهري يسأله فيها أن يقول شيئاً في الأوضاع العربية السائدة، وما آلت – وما برحت بتقديرنا الى اليوم- فجاءت ميمية شاملة، وفيها أبيات غاضبة، منها:

"أبا عمر ٍ " وكظم الغيظ غيظٌ وحسٌ مرهف داء عقامُ
أقول وقد برمت بدار ذل ٍشريعتها تساوم او تسام
صميم الضيم ان تمسي وتضحي وانت ترى ملاييناً تضام

وأفظعُ منه أن يُلوى فيعيا بنجدة صارخ حتى الكلامُ

 

* ولن انوح على موتى بلا ثمن

ويتسلم الجواهري عام 1980 رسالة من صديقه، الشخصية السياسية والوطنية العراقية - الكردية البارزة جلال طالباني، حملت الكثير من العواطف والذكريات والتساؤلات، مع تمنيات بأن يعلو "غناء" الجواهري في نضالات الشعب... فردّ الشاعر العظيم بقصيدة أطرتها الاخوانيات، ولكنها بيّنت حرصاً، وتحريضاً بالغ الشدة والقساوة، والتأكيد على أهمية الوحدة النضالية في مقارعة الارهاب السائد في البلاد آنذاك، وانتقاص الفرقة والاحتراب بين القوى الوطنية العراقية، وما آلت اليه، ثم تضاعفت لاحقا، وكأني بالجواهري الخالد يتنبأ بها وبوقائعها اللاحقة، وربما الى اليوم... ومما جاء فيها:

... من ذا اغني أأشتاتاً موزعةعلى التمزق ِ والثارات والمحن ِ
أم صابرين على ضيم ٍ ومسكنة ٍصبر الحمار على مرأى من الأُتن
أم "الطلائع" مزعومين شفهم وجدَ التجار بسوق الربح والغبن ِ ...
فلن أغني بأعراس مهلهلة ٍولن انوح على موتى بلا ثمن ِ

 

* يخشى اللصوص فيذبح العسسا

ومن جديد "تعوي" ذئاب في العراق عام 1984 على الجواهري، وهو في غربته فيتصدى لهم في قصيدة عنونها إلى صديقه صلاح خالص، مذكراً – عسى ان تنفع الذكرى!- ومن أبياتها التي تتحدث عن بعض الهموم بصراحة، ودون حاجة لمزيد من الشروح:

... عوت الذئاب عليَّ ناهزة  فرصاً تثير الذئب مفترسا
ينهشن من لحمي وكل دم ٍ فيه لخير الناس قد حبسا
من كل داج ٍ لا يحب سنى ً للصبح يطمس ليله التعسا ...
"أصلاح" أنا رهن مجتمع ٍ يخشى اللصوص فيذبح العسسا ...
يُزهى بفارسه اذا افترسا وبضوء نجم ساطع طمسا

 

* برئت من الزحوف مجعجعات

وفي عام 1985، وتحت عنوان "برئت من الزحوف" يكتب الجواهري مقطوعة جديدة وفيها الكثير الكثير من مكنونات العتاب والشجون، والانتقادات، لبلاده ومجتمعه، وجماهير محبيه بالذات، والتناقضات والأزدواجية، الفردية – الشخصية، أو المجتمعية العامة-، نستل منها الأبيات التالية:

وسائلة ٍ أأنت تسبُ جهرا ، ألست محج شبان ٍ وشيب ِ
ألست خليفة الأدب المصفى ، ألست منارة البلد ِ السليب ...
أقول لها ألا اكفيك عبئاً ، ألا انبيك بالعجب العجيب
لقد هجت اللواعج كامنات ٍ ، وقد نغرت بالجرح الرغيب
برئت من الزحوف مجعجعات ٍ ، تخلف سكتة الموت الرهيب
مباحٌ عندهنّ دمي لذئب ٍ ، ولا أسدٌ يبيح دماً لذيب ...
أينهضُ مقدمي ستين ألفاً ، ينط بها البعيد على الغريب ِ
تـُـلقـف ما أصوغ لها وقوفاً ، تصيخ إلى صدى الحرف ِ الذهيب
ويُعمل أن امسح عنه طفلٌ ، كما مسح المسيح على الصليب
وانبذ بالعراء بلا نصير ٍ ، نبيل أو اديب ٍ أو اريب؟

 

* وأخيرا..

... نصل إلى خاتمة هذه الخلاصات  التي، وثقت لبعض لواعج ومواجهات الجواهري العظيم على مدى ربع قرن، من العطاء والشعر والمواقف الوطنية والخصومات السياسية.. وأستبق هنا  ملاحظات متوقعة بضرورة تفاصيل هنا، وإيجاز هناك، وسواء في القصائد التي جرى التوقف عندها، أو غيرها، مثل "ديوانيّ": "يانديمي" و"مرحباً أيها الأرق" وميمية "قلبي لكردستان" وبائية "عبدة الجبورية" وعينية "صاحِ قلها ولا تخف" دعوا عنكمُ الوجدانيات والاخوانيات، وما بينها من غزليات وعائليات وفي جميعها على ما نظن "لواعج" و"مواجهات" عديدة، وان تنوعت صورها وأغراضها... بل ثمة نواحٍ، وزوايا ومجالات أخرى عديدة كان ينبغي التوقف عندها، أو الاشارة إليها على الاقل..

 مجلة "البديـل"... مراجعة

وتوثيق، ومؤشرات

رواء الجصاني

 

     قبل اربعة عقود بالتمام، انطلقت رابطةٌ جامعة للمثقفين العراقيين الديمقراطيين ( المنفيين/ المغتربين) في الخارج، ضمت شعراء وكتابا وفنانين وصحفيين، متنوعين من مختلف الاختصاصات والاهتمامات، وقد كانت بيروت هي العاصمة التي أثمرت فيها جهود مكثفة لذلك الغرض، لتحتضن لاحقا المؤتمر التأسيسي الذي انبثق منه ذلكم الاطار، وليصبح منبرا لجموع العاملين في حقلي الابداع والثقافة، العراقية، الذين أضطرتهم اعتقالات وملاحقة السلطة البعثية الغاشمة، وارهابها للفرار – المؤت على الاقل-  بسبب مواقفهم وآرائهم، ونشاطاتهم الهادفة للتنوير، والرافضة للقمع وأمتهان الحقوق والحريات الانسانية في بلادهم (1)..

    ومن المهم ان نشير هنا الى ان هذه الكتابة ليست تأرخة لنشوء ومسيرة الرابطة، برغم ضرورة  ذلك.. وعسى ان ينبري المعنيون، ومن المؤسسين خاصة، للخوض في هذا المضمار لما له من أهمية بالغة – كما نحسب - في توثيق جهود وعطاءات مخلصة وحميمة، لعبت أدوارا مهمة في التأطير والتحريك، ونشر الثقافة الوطنية المضادة للـ"ثقافة" البعثية. قلت ليس من مهمة هذه الكتابة التأرخة لذلك الشأن، بل هي- وكما يثبت العنوان- تسعى لتوثيق أعداد مجلة "البديل" التي صدرت عن "الرابطة" مع الاشارة الى ان هذا السعي لا بدّ  وأن يتداخل مع مجمل التأرخة لانطلاقة ومسيرة ذلك الأطار الثقافي الحيوي والمثابر ، بل انه في صميم تلك المسيرة.

    لقد كان الافضل بالطبع  لو غَطت هذه الكتابة كل اعداد "البديل" .. ولكن المتوفر تحت اليد احدَ عشر عددا  فقط ، من مجموع خمسة عشر (2) . مع التنبيه الى ان هناك عددا  رُقمَّ بالرابع، وقد عُــدّ "شهيدا"  لأحتراق مواده وتصميماته في مقر الرابطة ببيروت اثناء الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 وذلك ما يشير اليه العدد اللاحق، اي الخامس- وهو الرابع واقعياً- من المجلة التي انتقل موقع تحريرها وطباعتها  بعد ذلك الى العاصمة السورية – دمشق، وتوزيعها من هناك الى مدن وعواصم العالم ..

  لقد راحت مجلة "البديـل" وعلى مدى سنوات صدورها (1980-1991 )صوتاً ثقافيا هادفا، ومنبرا تنويرياً،  ليس عراقيا وحسب، بل وعربياً، كما سيتبين ذلك من خلال الأستعراض اللاحق لأسماء ثقافية عربية بارزة كتبت للمجلة التي تنوعت موادها: مواقف سياسية، وكتابات فكرية، وبحوثاً ودراسات قصيرة، عنتْ بالعديد من الرواهن الملحة آنذاك. كما ضمت نتاجات ابداعية كالشعر والسرد والقصة والنقود، والتراجم والتخطيطات وغيرها. ذلك فضلا عن توثيق نشاطات فروع الرابطة التي انتشرت في العديد من عواصم ومدن العالم، وحيثما كان هناك مبدعون ومثقفون وكتاب وفنانون وصحفيون عراقيون، ديمقراطيون، يقيمون او يعملون أو يدرسون. 

    ان هذه الكتابة لا تأتي فهرسة للاعداد، ولا تتجه نحو ذلك، وبرغم ذلك سأتوقف – استثناءً- لاظهار بعض المؤشرات، وبشئ من التفصيل، عند العدد الاول من المجلة، الصادر اوائل العام 1980 وقد جاءت افتتاحيته على الصفحة الخامسة بعنوان  "لماذا البديل؟" وحملت توقيع هيأة التحرير، مع ملاحظة على الصفحة الرابعة، التعريفية، بأن "اعضاء الرابطة هم هيأة تحريرها ومراسلوها" .. وقد اسهبت الافتتاحية بعرض توجهات الرابطة، واسباب انطلاق مجلتها "البديل" والمسارات التى تهدف لها، وأسس ارتكازاتها .. وضمت صفحات العدد التي قاربت المئة والثمانين(3) العديد من المواضيع الكتابات ومن بينها  للذوات: ادونيس، محمود صبري، الياس خوري، فيصل دراج، مصطفى عبود، فالح عبد الجبار.. اما  القصائد والقصص والنصوص فكانت للمبدعين، وبحسب حروف الهجاء: ابراهيم احمد، رعد مشتت، سعدي يوسف، شوقي عبد الامير، فائز الزبيدى، فاضل العزاوي، فاضل الربيعي، عواد ناصر، مخلص خليل، موسى السيد، هاشم شفيق..

   واضافة لتلك المشاركات التى اشرت لها في الفقرة السابقة، احتوت صفحات العدد الاول رسائل ثقافية من فروع، واعضاء الرابطة من عواصم مختلفة، وهنّ بحسب تسلسل صفحات نشرها، من: بيروت، روما، براغ، دمشق، برلين الشرقية، باريس. ومن بين ما احتوته تلكم الرسائل: نشاطات وتراجم، واخبار العلاقات، وفعاليات التضامن..

  وهكذا راحت الاعداد اللاحقة غنية متطلعة، مع التفاوت طبعا، ليس في عدد الصفحات والمشاركات والمساهمين، وحسب، ولكن في مستويات المواد المنشورة، وتنوعها، مما قد يؤشر – بهذا القدر او ذلك- عن بعض التراجع في الحماسة لـ"البديل" وبدءا من اواخر الثمانينات، ولاسباب موضوعية من بينها توزع الكتاب والفنانين والصحفيين العراقيين في المزيد من المنافي، واستمرار تعقد الاوضاع في البلاد، والتغيرات العالمية بعد انهيار الانظمة "الاشتراكية"  في بلدان شرق اوربا، وانحسار التضامن العربي والاممي .. اما الاسباب الذاتية فمن اهمها بتقديري اختلاف وارتباك الاراء والرؤى، والتماحك والمناكدات والتشابكات في مواقف الاعضاء من "الرابطة" عموما، ومن مسيرتها، والتجاذبات بشأنها ..

   وفي عودة لأعداد مجلة "البديل" التي بأيدينا، يمكن توثيق مساهمات سياسية وثقافية وابداعية لكمٍ كبير من المثقفين - الى جانب منْ ذُكرت اسمائهم في الفقرات السابقة- ومنهم العراقيون الذوات، مع حفظ المكانات: ممتاز كريدي، عرفان عبدي، شاكر لعيبي، مفيد الجزائري، صالح كاظم، زهير الجزائري، شمران الياسري، غائب طعمة فرمان، محمود البياتي، منعم الفقير، كاظم حبيب، نائل الحيالي، كريم دحام، ، فاضل السلطاني، سعدي المالح، قاسم الساعدي، قاسم حول، مجيد الراضي، كريـــم عبد، عادل العامل، سمير سالم داود، ابراهيم الحريري، فاطمة المحسن، خالد بابان، جنان جاسم حلاوي، زهير ياسيـــن شلبية، سالمة صالح، ضياء مجيد، جمشيد الحيدري، ثابت المشاهدي، جواد بشارة، ابراهيم الحريري، عادل العامل، فاضل سوداني،هـــادي العلوي، نجم والي، صلاح الحمداني، عارف ولي، ممتاز كريدي، كامل شيــاع، سعود الناصري، شاكر الانباري، سلام ابراهيم، محمد حسين هيثم، على كامل..

     اما الشعراء الذين نَشروا، أو نُشر لهم، او عنهم (قصائد وغيرها) فهم: الجواهري، جليل حيدر، صادق الصائغ، محمد سعيد الصكار، نبيل ياسين، عبد الكريم كاصد، شيركو بي كه س، مهدي محمد علي، فائز العراقي، مصطفى عبد الله، أنور الغساني، رفيق صابر، كريم عبد، كامل الركابي، حميد العقابي، اضافة للذين وردت اسماؤهم في الفقرة اعلاه التي وثقت للعدد الاول من المجلة.

    ثم هناك كم كبير اخر من المثقفين العرب (او من البلدان العربية) الذين كتبوا، للبديل، وعنها، وهم الى جانب ادونيس، والياس خوري وفيصل دراج، الذين سبق وان اشرت لاسمائهم، الذوات: يمني السعيد، حيدر حيدر، فواز طرابلسي، عبد الرحمن بسيسو، صالح علماني، محمد كروب، شوقي بغدادي، على الجندي، علي عبد العال، حميد المازن، محمد عزيز ظاظا، محمد بنيس، براء الخطيب،  جورج ابراهيم، نيروز مالك،  ممدوح عدوان، غالب هلسا، صبحي دسوقي، اسماعيل حسن حسو، عبد الله طاهر، زكريا شريفي، خلدون زيبو، عبد المعين الملوحي، سعيد حوراني، عبد الرحمن منيف، سعد الله ونوس، يمني العيد، خيري الذهبي، فيصل دراج، محمد دكروب، مها بكر، غالية قباني..

    لقد تنوعت المشاركات المنشورة في اعداد مجلة البديل، كما سبق القول، وتداخلت بين الشأن السياسي والثقافي، والمواضيع الفكرية برغم محدوديتها، والتوثيقات التاريخية، والمقابلات، والنصوص والكتابات الابداعية، والتخطيطات التشكيلية، والندوات، الى جانب مواد مترجمة، وتغطيات لنشاطات الفروع والاعضاء، والفعاليات ذات الصلة .. كما وثقت "البديل" قوائم باسماء العديد من المثقفين والمشتغلين بالشأن الثقافي والاعلامي، الذين طاردهم نظام البعث العراقي، واجهزتها الامنية و"الثقافية" :  اعتقالاتٍ وتعذيباً وسجناً وقتلاً، وخاصة في اواخر السبعينات، حتى مطالع الثمانينات الماضية (4).  وقد  وثقت المجلة ايضاً  قوائم باسماء مئات من المؤلفين والمثقفين العراقيين والعرب الذين منع النظام الدكتاتوري تداول مؤلفاتهم، وكذلك دور نشر عديدة عدّها النظام واجهزته "الثقافية" معادية له (5).

   ان التوقف عند اسماء المشاركين في الكتابة لمجلة البديل، والنشر فيها، والمشار لهم في ما سبق من سطور - وجمعٌ منهم له اكثر من مساهمة بل ومساهمات-  اقول: ان لذلك التوقف والتوثيق اكثر من مؤشر ومغزى، ولا سيما حين يتبيّن التنوع، وما يحمله اصحابه  من آراء  ومواقف ومفاهيم متباينة، حول مهمات المثقفين، التنويرية والسياسية، والادوار التي يجب على منظماتهم وأطرهم تبنيها، وسبل متابعتها، وشفافيتها وما الى ذلك. وقد حملت بعض اعداد "البديل"  مناقشات وتصورات جدية، وملموسة، حول تلكم الشؤون..   

    وبرغم الاعلان بأن تكون "البديل" مجلة فصلية الصدور، الا ان واقع المنفى، وظروف التحرير، واسباب اخرى حالت دون التمكن من الالتزام بمواعيد الصدور.. وهكذا لم تستطع سوى ان تكون دورية (15 عددا في 10 اعوام) مع تباعد الفترة الزمنية بين عدد وآخر لشهور وشهور احيانا، برغم الجهود المبذولة، وخاصة من الجهات الداعمة، وخاصة في الحزب الشيوعي العراقي، وبشكل أخص المسؤول القيادي في الحزب، فخري كريم، الذي لم يكن سراً تحمله مهماتٍ وأدواراً رئيسة في دعم تشكيل "الرابطة" واطلاق نشاطاتها الاساسية، والابرز منها، مجلتها - البديل.  

   ان كل الحديث اعلاه عن "البديل" ليس بأحتسابها مجلة فقط، بل انه يشمل، من جملة ما يشمل، الحديث عن بعض تاريخ ومسيرة  رابطة المثقفين العراقيين الديمقراطيين، في المنفى وبلدان الأغتراب الأضطراري، وغيره، والتي لعبت دورها المناسب والممكن في ما هدفت اليه. وأظن ان هناك جوانب عديدة بهذا السياق،  ينبغي الحديث عنها – كما سبقت الاشارة- من قبل نشطاء "الرابطة" وقيادييها الاساسيين، والتوقف عند محطات ومراحل التأسيس والانطلاق، ثم المراوحة، والتراجع، وبما يرتبط طبعا بالظروف الموضوعية – دعوا عنكم الذاتية - في كل تلك المراحل..  

     اخيرا، وبرغم اعتقادي بأن العديد مما نشرته "البديل" قد أعيد نشره في العراق بعد 20013 بهذا الشكل أو ذلك، غير ان هناك في ذات الوقت مساهمات وكتابات ذات اهمية تاريخية، وجدلية، من المهم ان تتصدى لأعادة نشرها، مؤسسات معنية، ولربما أولها الاتحاد العام للادباء والكتّاب في العراق، لأنه الاقرب واقعا للرابطة، ولمجلتها "البديل". ومع كل التقدير لأنشغالاته برواهن أخرى، غير ان في التراث - كما هو معروف-  تجارب لا غنى عنها، وذلك ما يدفع للتأكيد على موضوعة اعادة النشر، وعلى الاقل للمساهمات الأكثر اهمية، وما أكثرها في المجلة التي نعني: "البديل" ..  -----------------------------* براغ / اوائل آب 2019

* هوامش واحالات: ----------------------------------------------------------------

1/ أطلقت بأسم "رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديقراطيين العراقيين" .. وبعد عشرة اعوام، وفي المؤتمر العام الثالث للرابطة (برلين 1990) تم تغيير الاسم الى "رابطة المثقفين العراقيين الديمقراطيين"..

2/ ثمة اربعة اعداد ناقصة في هذا الاستعراض هي (6- 10-11-14) اما الاخير(كما أحسب) فكان مزدوجا وحمل الرقمين ( 16- 17) صدر عام 1991 ودون تثبيت شهر الاصدار ..

3/ غالبية اعداد المجلة كانت بنحو 180 صفحة، وبحروف صغيرة في الاعداد الاولى خاصة،  بينما  صدرت اعداد اخرى بحدود 140 صفحة..

4/  نُشرت في العدد الاول – اوائل عام 1980..

5/ نُشرت في العدد السابع- تشرين الثاني 1983..

 

 

اثنان وعشرونَ عاماً

على رحيلِ الجواهري الخالد*

* رواء الجصاني


حببتُ الناسَ كلَ الناسْ.. من أظلمَ كالفحمِ ومن اشرق كالماسْ

 

    قبل أثنين وعشرين عاماُ، وفي صبيحة الأحد، السابع والعشرين من تموز عام الفٍ وتسعمئة وسبعة وتسعين، تحديداً، استنفرت وكالات أنباء ومراسلون وقنوات فضائية وغيرها من وسائل اعلام، لتبث خبراً هادراً، مؤسياً، هزّ مشاعر، ليس النخب الثقافية والسياسية فحسب، بل والألوف الألوف من الناس في شتى الارجاء :

"الجواهري يرحل إلى الخلود في احـد مشافي العاصمة السورية - دمشق،

عن عمر يناهز المئة عام"..

... وهكذا يطبق "الموت اللئيم" اذن على ذلك المتفرد الذي شغل القرن العشرين، على الأقل، ابداعاً ومواهب، ثم لتروح الأحاديث والكتابات تترى بعد الخبر المفجع، عن عظمة ومجد الراحل العظيم :

- المتميز بعبقريته التي يتهيّب أن يجادل حولها أحد.. 

- السياسي الذي لم ينتم ِ لحزب، بل كان "حزباً" بذاته، يخوض المعارك شعراً وفكراً ومواقف رائدة...

- الرمز الوطني الذي أرخ للبلاد وأحداثها بأتراحها وأفراحها من داخل الحلبة، بل ووسطها، مقتحماً ومتباهياً:

أنا العراقُ لساني قلبه ودمي فراته وكياني منه اشطارُ

- وذلك الراحل الخالد، نفسه: حامل القلم الجريء والمتحدي الذي "لو يوهب الدنيا بأجمعها، ما باع عزاً بذل المترف البطر".. ناشر صحف "الرأي العام" و"الجهـــاد" و"الثبات" ... ورفيقاتهن الأخريات ...

- منوّرٌ متميزٌ من أجل الارتقــاء، صدح مؤمناً على مدى عقـود حياته المديدة :
"لثورة الفكر تاريخٌ يحدثنا، بأن ألفَ مسيح دونها صلبا"..

- صـاحب "يوم الشـهيد" و"آمنت بالحسين" و"قلبي لكردستان" و"الغضب الخلاق" و"الفداء

والدم"... شامخ، يطأ الطغاة بشسع نعل ٍ عازبا..

- والجواهـري ايضا وايضا: متمرد عنيد ظـلّ طـوال حياتـه باحثاً عن "وشـك معترك أو قرب

مشتجر".. كيّ "يطعم النيران باللهب"!..

- مبدعٌ بلا حـدود في فرائـد "المقصورة" و"زوربـا" و"المعـري" و"سـجا البحـر" و"أفروديـت" و"أنيتـا" و"لغة الثياب" و"أيها الأرق" وأخواتهن الكثار...
- وهو قبل كل هذا وذاك "أحب الناس كل الناس، من أظلم كالفحمِ، ومن أشرقَ كالماس".
- كما انه "الفتى الممراح فراج الكروب" الذي "لم يخل من البهجة دارا" ..
- رائدٌ في حب وتقديس من "زُنَّ الحياة" فراح يصوغ الشعر "قلائداً لعقودهنَّ" ... و"يقتبس من وليدهن نغم القصيد" ..

- وديع كالحمامة، ومنتفض كالنسر، حين يستثيره "ميتونَ على ما استفرغوا جمدوا" ..
- وهو لا غيره الذي قال ما قال، وما صلى "لغير الشعر من وثنِ " ... فبات الشعراء يقيسون قاماتهم على عمود قامته الشامخ...

- انه وباختصار: ذلك الطموح الوثاب الذي كان، ومنذ فتوته "يخشى أن يروح ولم يبقِ ذكرا" ... فهل راحت قصائده - حقا - "ملؤ فم الزمان"!! وهل ثبتت مزاعمه بأن قصيــده "سيبقى ويفنى نيزك وشهاب" وهو القائل:

وها هو عنده فلكٌ يدوي..... وعندَ منعمٍِ قصرٌ مشيدُ

يموتً الخالدونَ بكل فـج ٍ .. ويستعصي على الموت ِ الخلود

ترى هل صدق بما زعم ؟؟!!... التاريخ وحده من انبأنا، وينبئنا عن الامر،

ويا له من شاهد حق ٍ عزوفٍ عن الرياء!!

----------------------------------------

مركز الجواهري 2019.7.27

www.jawahiri.net

 

/من بينهم نزار قباني وفوزي كريم ومحمود درويش/

ومحبةُ الشعراء خيّـرُ

المقتنى / الجواهري مثالا

رواء الجصاني

   نشرتُ قبل فترة وجيزة مادة توثيقية عن أثنين وعشرين شاعرا نظموا شعرا للجواهري (1898-1997) وعنه، ووعدتّ بأن الحقها بواحدة اخرى- وها هي بأيدي القراء - توثق لمواضيع نقدية، واستذكارية وعداها، كتبها شعراء عراقيين وعربا، عن الشاعر الخالد، على مدى عقود مديدة، قبل رحيله، وبعده .. دعوا عنكم ما كتبه غير الشعراء، والذي يعـدّ بالمئات: دراسات ومقالات وذكريات وسوى ذلك  ..

  وحريٌ ان اقول في البدء بأن ما سيلي من اشارات وتوثيقات لم تأتِ غيّر أمثلة وحسب، ومن الذاكرة بشكل رئيس، مع بعض ما يتوفر تحت اليد من الارشيف العامر. ولربما هناك من المتابعين والمهتمين فيقومون بمزيد من التوثيق، ويقدمون بجهدهم ذاك ما يفيد الباحث والمتلقي على حد سواء، ويوفر اضاءات اضافية لذلك العراقي الرمز، والذي شغل القرن العشرين على الاقل، وما برح ..

  ولعلّ ثمة ما يدور في خلد القارئ عن دافع هذا التوثيق الجديد، فأجدد القول-  كما كتبت في المرة السابقة، تحت عنوان "شعراء نظموا عن لجواهري، وله" : ان هذه  "حلقة" اضافية لسلسة ما كتبتُ بصدده منذ اعوام، وحتى الفترة القريبة الماضية، وأعني السعي للردّ بهذا الشكل أو غيره، على ما أزعمه تطاولاً  يـروح اصحابه بين الفينة والاخرى للردح به وتحت لبوس هنا، وآخر هناك، وبهدف مقصود هو محاولة النيل من شاعر الامتين العراقية والعربية في القرن العشرين على الاقل "... واضيف: ان من دوافع هذه الكتابة ايضا محاولة لمحاكاة "مقلوبة" لما رآه أو حكم به  المتنبي الخالد شعراً، ونصه " وعداوةُ الشعراء، بؤسُ المقتنى".. فأقول – ربما (و"محبة الشعراء، "خيـر"ُ المقتنى)..

    وأعود الى العنوان الذي نحن فيه فأشير – مثلا- الى ان ما جادت به الذاكرة عن كتابة الشاعر فوزي كريم حول الشاعر الخالد بعنوان "من الغربة وحتى وعي الغربة" وذلك عام 1969(1) وكذلك ما نشره على صفحة كاملة في صحيفة الشرق الاوسط اللندنية بتاريخ 1991.11.4 وشمل ذكريات وتوثيق ورؤى عن الشاعر الخالد. اما في نهاية عام 1968 (او اوائل 1969) فهناك للشاعر صادق الصائغ حديث وحوار طويلاً مع الجواهري وعنه، اجراه في براغ،  ونشرته (مجلة الف باء) البغدادية..

    ومما انوه اليه في هذا التوثيق، ذلك الحوار المطول الذي اجراه الشاعر سامي مهدي، ونشره في عدد حزيران 1971 لمجلة (المثقف العربي) .. مما جاء في التقديم للحوار  "كنت قد قدرت ان لقائي بالجواهري سيستغرق ساعة او اكثر قليلا. وانه سيكون جافاً أو حتى مملاً، ولكنه استغرق أربع ساعات، وكان متعة عظيمة لي"...

     كما  اشير ايضا الى ماكتبته الشاعرة لميعة عباس عمارة، في صحيفة الشرق الاوسط  اللندنية بتاريخ 1996.9.4 عن ذكريات لها مع الجواهري وجاء فيها " كان آخر لقاء لي مع الجواهري في براغ خلال سبيعنات (القرن العشرين) ولم يتغير.. ظل ذلك الرشيق الانيق الوسيم، الظريف الصعب، وبقيت انا تلك المعجبة السعيدة لانها تنفست من هواء غرفة ضمته، وجلست يوما مجلسه".

    وفي السياق نفسه دعونا نوثق لما ما كتبه الشاعر ابراهيم الخياط،  في متابعة حول العلاقات العامة عند الجواهري، نشرها في موقع الحوار المتمدن بتاريخ 2018.6.19 ووسائل اعلام اخرى.. ومما جاء في مقدمة المادة: "ان (شاعر العرب الأكبر)  لقب استحقه الجواهري بجدارة في وقت مبكر من حياته الشعرية ، وارتضاه له العرب .. فرغم ان الساحة العربية كانت مليئة بالشعراء الكبار في عصره ، لكنه حصل على هذا اللقب عن موهبة تامة وإجماع مطلق..."

     ومما هو جدير بالتوثيق هنا ما كتبه شعراء كثيرون بعيـّد رحيل الجواهري في دمشق الشام بتاريخ 1997.7.27 ومن بينهم: الشاعر السوري أدونيس، ومما كتبه:" لم يكن الجواهري مجرد إفصاح عن الذات وانما كان الى ذلك، وربما قبله في احيان كثيرة، إفصاحا عن أفكار ومثل مشتركة".. اما الشاعر، السوري، ايضا نزار قباني، فقد نشر بالمناسبة ذاتها مادة حميمة ومما جاء في سطورها: ".. والعظيم الآخر - الى جانب المتنبي-  محمد مهدي الجواهري، الذي مات يتيما في أشتات دون ان يجد نخلة عراقية واحدة "بين الرصافة والجسر" ترضعه حليبها، أو تغمره بظفائرها"... كما نوثق ايضا  لما قاله الشاعر الفلسطيني محمود درويش، في وداع الجواهري الخالد: " لم يكن شعر الجواهري وحده يُغرينا، لكن مزاجه، وشخصه وحياته". وقد نشرت جميع تلك الكتابات والمواقف في صحف ومجلات عديدة (2).

      ومما نؤرخ له في هذه المادة التوثيقية: الدراسة التي كتبها الشاعر المصري فاروق شوشة والتي نشرتها مجلة (العربي) الكويتية بعددها الصادر في شباط 2004 ومما جاء في التقديم: "لـم ينجُ شاعر عراقي معاصر من التأثير الطاغي لشعر الجواهري. ذلك الشعر الذي يشبه نهرا هادرا يجرف في طريقه كل شئ، ويلقي بفيض من خصوبته وطميّه في كل ارض على ضفتيه، فيمتد من حوله ظل باسق وخضرة لا نهائية، فيها خصوبة العراق"...

     ثم نوثق ايضا لمن كتبَ بمناسبة الذكرى العشرين لرحيل الشاعر الخالد، التي صادفت في 2017.7.27 ومن بينهم: الشاعر حميد الخاقاني تحت عنوان " الجواهري، مدخلي الى معبد الشعر" والشاعر رياض النعماني بعنوان: "انه عاش ابتكاراً ويعيشون أجترارا".. والشاعر عواد ناصر، بعنوان: " اسهاماتي المتواضعة في ذكرى استاذنا الجواهري" . اما الشاعر الكردي فوزي الاتروشي فقد كتب، وبالمناسبة ذاتها مادة حملت عنوان "الجواهري، ديوان وطن" (3) .

    أخيرا نجدد القول الذي اوردناه في فقرات سابقة، بأن هذا التوثيق عُني بكتابات الشعراء، وحسب، وثمة توثيقات اخرى لنا عن الاجلاء – من غير الشعراء- الذين كتبوا للجواهري وحوله نشرتها العديد من الصحف، وكذلك وسائل الاعلام على شبكة الانترنيت (4).. الى جانب نحو خمسين كتابا عن الشاعر الخالد- على الاقل-  تضمهما مكتبة مركز الجواهري في بــراغ..

* هوامش وإحالات ----------------------------------------------------------------

1/ صدرت ضمن مطبوع، بأشراف هادي العلوي وحمل عنوان "محمد مهدي الجواهري-دراسات نقدية" انجز في مطبعة (النعمان) النجفية..

2/ نشرتها مجلة (الطريق) اللبنانية بملف خاص في عددها السادس لسنة 1997 . وكذلك  مجلة (الثقافة الجديدة) العراقية بعددها رقم  279  الصادر في تشرين الثاني/ كانون الاول 1997.. الى جانب وسائل اعلام عراقية وعربية عديدة اخرى.

3/ ضم تلكم الكتابات، الى جانب نحو خمسين أخرى، لأكاديميين ومبدعين وسياسيين وغيرهم، إصدار توثيقي نُشــر خلال تموز 2017 عن مركز (الجواهري) في براغ، وأعادت نشره صحف ووسائل اعلام عديدة ..

4/ ومنها بعنوان (الجواهـري في تسع اطروحات دكتوراه، وثماني رسائل ماجستير)..

   

  

 

 

 

من بينهم الرصافي وسعيد عقل والبياتي

شعراء نظموا عن الجواهـري، وله

رواء الجصاني

 

    إذا ما كان ثمة واقع موثق لمقولة المتنبي "وعداوة الشعراء بئس المقتنى" ففي المقابل ما يربكها، ولربما ما ينفيها، حين نوثق في هذه الكتابة عن شعراء متميزين ومميّزين نظموا  قصائد عن الجواهري، وله، وفيها ما فيها – كما ستأتي به السطور اللاحقات - من وفاء للعبقرية والريادة، وأعتراف بالفضل والفخر بالمنجز، والتباهي بالوطنية. دعوا عنكم عشرات الكتابات والمقالات الأخرى، غير الشعرية، وطوال عقود وعقود (1).

     وبرغم ان القصائد التي نعنيها واضحة في المفردات والمباني والمعاني، والمناسبات، أقول ان هناك ما يستحق لأن نؤشر اليه أبتغاء المزيد من المرجو والمؤمل من هذه الكتابة،.. ومما نلفتُ اليه هو ان ماسيّلي من مقتطفات وابيات، قد  جاءت لشعراء قديرين على أقل وصف، في الغالب الاعم. كما انهم متنوعو المدارس والمشارب، والانتماءات، والاجيال والاعمار، ومن بلدان مختلفة، بل وحتى جنسيات مختلفة، وفي ذلكم ما يؤشر للكثير..

   وأضيف لما تقدم ان المكتوب جاء في فترات متعاقبة، أمتد لعقود طوال، وربما حتى قبل ان يصبح الجواهري ما أصبح عليه من شهرة ورموزية فكرية وادبية ووطنية، ومكانيتين عربية وعالمية .. وأزيد في القول فأنوه الى ان بعض الذي سيأتي قد كتب في حياة الشاعر العظيم، والبعض الآخر كتب ونشر ما بعد الرحيل الى الخلود في 1997.7.27 ويستمر الى اليوم..

   ولعلي اهدف ايضا – بل تلك هي الحقيقة – ان يأتي هذا التوثيق "حلقة" اضافية لسلسة ما كتبتُ بصدده منذ اعوام، وحتى الفترة القريبة الماضي. وأعني السعي للردّ بهذا الشكل أو غيره، على ما أزعمه تطاولاً  يروح اصحابه بين الفينة والاخرى للردح به وتحت لبوس هنا، وآخر هناك، وبهدف مقصود هو محاولة النيل من شاعر الامتين العراقية والعربية في القرن العشرين على الاقل .

   وارتباطا بالفقرة السالفة، لا بدّ لي أن أشكر (شاعراً) و(اكاديمياً) بالذات، حفزني بشكل غير مباشر لأن أسرّع بأنجاز هذا التوثيق، وذلك بعد ان نشر "يتيمة" من عدة كلمات، وبدون مناسبة، أو نقد "اكاديمي" أو توثيقي، كرر فيها الذمّ المكرور بأن للجواهري مديح هنا أو هناك لمسؤولين أو سياسيين أو رسميين، وكأن ذلكم الشاعر الاكاديمي قد اكتشف القمر قبل الف عام!. وقد تمعنت في الامر ولم أخلص سوى الى ان الدافع  لذلك واحدٌ لا غير، وهو محاولة الوصول الى الاضواء، وان كانت معتمة . ولقد كنت أحسب - ولحين  نشر "يتيمة القرن الحادي والعشرين!" - بأن صاحبنا ليس بحاجة الى مثل تلكم "الاضواء" وقد خاب التصور والحساب.

   أخيرا وقبل الوصول الى تفاصيل التوثيق المعني نؤكد  بان هناك قصائد أخرى كتبها شعراء أجلاء، ومنهم: الفلسطيني توفيق زيّاد، والسوري صابر فلحوط، واللبناني محمد حسن الامين.. والعراقيون: أبراهيم السامرائي، وبلند الحيدري، وعبد الامير الحصيري، ولم نتمكن من فرزها – حاليا - في ارشيف مركز الجواهري العامر ببراغ، ونعدُ بأن نفرد لها ملحقا بهذه الكتابة. كما نجد هنا فرصة لدعوة نوجهها للمتابعين، وذوي العلاقة، لكي يتكرموا بأضافاتهم، وما لديهم من نصوص ذات صلة (2).

  وفي التالي خلاصات مما حمله العنوان الرئيس "شعراء نظموا عن الجواهري، وله " موزعة على مرحلتين: الاولى، ما قبل الرحيل، والثانية مابعده، اي بعد 1997.7.27 مع حفظ الالقاب والمواقع والمكانات. ولربما كان من الأصح اضافة معلومات محددة عن الشاعر والمناسبة، وبنشر كامل القصيدة لا الاكتفاء بابيات قليلة منها، وعسى ان يجهد نجباء في اتمام ذلك التوسيــع :

اولاً: حتى رحيل الجواهري عام 1979 مرتبة بحسب تواريخ نظمها

---------------------------------------------------------

 

1/ معروف الرصافي:  

أقول لربِّ الشعر مَهدي الجواهري/ إلى كم تناغي بالقوافي السواحرِ

فترسلَها غُرًّا هواتفَ بالعُلى / يُزَوَّدُ منها سمعَه كلُّ شاعِرِ..

* ولــه ايضا:

بك الشعر لا بي اصبح اليوم زاهرا / وقد كنتُ قبلَ اليومِ مثلَكَ شاعرا

فأنت الذي ألقتْ مقاليدَ أمرِها / إليه القوافي شُرَّداً و نوافرا..

(ديوان الجواهري، قصائد الاربعينات / طبعة بغداد ذات السبعة اجزاء، في السبعينات الماضية)

 

2 سميح القاســم:

مهلاً فديتَ "ابا الفرات" فانت بالحسناء أحرى

اغريّتها شعراً .. واغرتها شؤون منك اخرى ...

سحر ٌ – لعمري – ما صنعت / وكان بعض القول سحرا..

(نظمت عام 1973 وتضمنتها اوراق الجواهري الشخصية، المحفوظة في ارشيفه ببراغ)

 

3 زاهد محمد زهدي:

ملءُ العيونِ وأنتَ مغتربُ / ناءٍ و(دجلةُ) منك تقتربُ

وتكادُ شطئانُ (الفراتِ) إذا /  ذَكروكَ عندَ ضِفافها تُثِبُ

(الرافدانِ) وأنتَ صوتُهما /  وإليهما بالحبَ تنتسبُ..

(نظمت عام 1985 ونشرت في كتاب "الجواهري، صناجة الشعر العربي في القرن العشرين" لزاهد محمد زهدي/ دار القلم – بيروت 1999)

 

4/ محمد سعيد الصكار:

على الرحبِ مفروشٌ لك الدربُ / والقلبُ، وفي سَعَة ٍ خطو لأيقاعه نصبو

فكل حنايانا بيوتٌ وكلنا / ندامى وانت الخمر والشعر والحبُ

فعرّج وفرّج غربة عصفت بنا /  فقد طالما أزرى بغربتنا الغربُ..

(نظمت عام 1991)

* وله ايضا في موساة لجواهري بوفاة زوجته عام 1992:

يا منْ تمرّس بالجلّى وروّضها / فكان رغم ضواريها له الغلّبُ

صبراً على آخر البلوى فإنّ لها / شوطاً وقد بلغتْ مضمارها النُّوبُ

واسلم لنا ألقاً يهدي مواكبنا / لخير ما يرتجي شعبٌ وينتخبُ..

(كتاب "اخوانيات الصكار، ومجاسه الادبية" لمحمد سعيد الصكار/ دار المدى 2001)

 

5/ عبد الوهاب البياتي:

في سنوات الضوء والبؤسِ/ وجدت في مرآته نفسي

خرجت من معطفه يافعا / لأحملَ الشمس الى الشمس

قلتُ له يا أبتي ها هنا / يعتنق السهمان في القوسِ..

ماذا اسميك وأنت المدى / وطائر العاصفة القدسي

(كتبها البياتي بمناسبة عيد ميلاد الجواهري الخامس والتسعين عام 1995. ونشرتها مجلة الطريق اللبنانية، العدد السادس/1997)

 

ثانيا: ما بعد الرحيل في 1997.7.27 مرتبة بحسب حروف الهجاء

------------------------------------------------------------

1/ بلقيس حسن:

أبا الشعراء مذ عشرين حولاً / وذكركَ في النفوسِ نما وقرّا

ونشكو من ضياع في المنافي / ونحسو الدمع والآهات حرّى

تكالبت الرداءة في زمانٍ يكسّرُ فيه عظم الشعر كسرا ..

(نظمت عام 2017 ونشرت في كراس خاص اصدره مركز الجواهري في براغ تحت عنوان "استذكار الجواهري.. تباه بالوطن والشعر والتنوير" براغ 2017)

 

2/ حسب الشيخ جعفر:
قيل: الفراتان ماتا في العراق، فهل
ابقت لنا الضفة الزوراء من أحدِ؟ ..

(نشرتها اصدارات عراقية اواخر التسعينات الماضية)

 

3/ جواد الحطاب:

لم اربّ من قبل حماماً

لا اشعل ؛ لا ابيض ؛ لا اصفر ؛ لا رماديا

من اجلك – انت فقط – ذهبت لسوق الغزل

واشتريت مائة طير زاجل

 بعدد سنواتك يا نَسرَ لُبَد ، واطلقتها ؛ باتجاه مقبرة الغرباء..

(نظمت بعد رحيل الجواهري عام 1997 ونشرت في وسائل اعلام عديدة، وأفتتح الشاعر بها فعاليات دورة مهرجان "المربد" عام 2019)

 

4/ جوزف حرب:

الشمس نامت حيث أنت تنام/ ومشت لتحرس نعشك الأيامُ

ما الغيم مطوي كأن هذا المسا / قد نكست ببلاطه الاعلام

والحبر أسود لا لنكتب إنما / لبست عليك سوادها الأقلام..

(مجلة الطريق اللبنانية، العدد السادس/1997)

 

5/ سعدي يوسف:

من مَشفى الشام الى النجمة، ومن النجمة حتى بغدادْ

دربكَ مكتنزٌ بالأوراد، وقميصك هذا القطن

سترفعه حتى دجلة كوكبة الأحفاد..

(مجلة الثقافة الجديدة / العدد279  في تشرين الثاني/ كانون الاول 1997/1997)

 

 

6/ سعيـد عقـل:
بالمجدِ زانوكَ بالنهرين بالحُشدِ / أنا بشعرٍ مطلِ الستةِ العمدِ
جواهريّ العلى الطاغي على قلمي / على ضريحك ورداً بعثرته يدي..

(مجلة الطريق اللبنانية، العدد السادس/1997)

 

7/  عبد الاله الياسري:
تباً لأرض لم تضم رفاته / وبـه الرمـال بكـل أرضٍ تحلمُ
لابد من يوم تصيح بفجره / ديـك، ويبعـث من قبـور نوّمُ
وتزاح عن شمس العراق سحابة / طالت، وطال بها الزمان المظلمُ..

(نشرتها وسائل اعلام عديدة اواخر التسعينات الماضية)

 

8/ شيركو بيكه س:

انه الجواهري ذاكرة الشارع، ونافورة الصوتِ،

ويوميات الزنزانة في زمن المشانق

انه الجواهري: جرس يعلق نفسه في عنق الظلام لكي يدق للشروق

وصباحات البلاد. انه الجواهري: خبز الشعر...

(مجلة الثقافة الجديدة / العدد279  في تشرين الثاني/ كانون الاول 1997)

 

9 عبد الرزاق عبد الواحد

لا الشعِّرَ أبكيهِ ، لا الأبداعَ، لا الأدبا / أبكي العراق، وأبكي أمَّتي العرَبا

أبكي على كلِّ شمسٍ أهدروا دمَها / وبعدَما فقدوها أسرجوا الحطبا

أبكي على وطنٍ يبقى الأديبُ بهِ / ليس الغريب، ولكنْ أهلهُ غُربا..

(منشورة في وسائل اعلام عديدة)

 

10/ عبد الكريم كاصد

انبيك اني بدار ليس يسكنها / الا الحثالة من مكذوبة النسبِ ...
انبيك ان بغاث الطير قد نطقت / وان جل خيول القوم من قصب ...
لله كيف استحال المرتجا اجلاً / وكيف أضحت فتاتٌ غاية الارب

وكيف ان غراباً ناعباً هرماً / اضحى يقال له " صناجة العرب "...

( من قصيدة " كلاسيك الى الجواهري" في مجموعة الشاعر " قفا نبكي" المنشورة عام 2002)

 

 

11/غازي عبد الرحمن القصيبي:
كانت حياتك عبرة .. لو أننا / عشنا كما عشتَ الحياة محاربا

ورضيت ألا أن تكون مهادناً / وأبيت ... إلا أن تكون مشاغبا
باق ٍ وأعمارُ الطغاة قصيرةً / شعرٌ ضمنت له الخلود الصاخبا..

(نظمت بعيّد رحيل الجواهري، ونشرتها وسائل اعلام عديدة)

 

12/  فاضل عبد عباس:
بكت دجلةُ، وانحنت نخلةٌ ترتوي من يديكْ  /وظهر الفراتِ تقوسَ حزناً عليكْ
ونحن هنا – كلما خاننا النطق – نهفو إليكْ / وكل العصافير تنهل من شاطئيك
انت ارضعتنا لغة العشقِ، اورثتنا شعلة، البستنا الكبرياءْ
وعلمتنا ان اربعةً من حروف الهجاءْ /هي البدء والانتهاءْ: عراقٌ ... عراقْ

(نظمت بعيّد رحيل الجواهري، ونشرتها وسائل اعلام عديدة)

 

13/ لميعة عباس عمارة:

تحديتّ إلا الموت حسبُ تحديا / تلاشيت والطغيانُ مازال طاغيا

وكنت ضراما في يباس حياتنا / إذا قلت أشعلت الفضاء قوافيا

تبعناك حتى حتفنا ما خذلتنا / وكنت لنا نجماً ورمزاً وفاديا

(نظمت بعيّد رحيل الجواهري، ونشرتها وسائل اعلام عديدة)

 

14/ محمد حسين الياسين:

يا ومضةً ولدت يوماً على جبل / كل النجوم بها حبلى من الأزلِ

فأي إرث من الأضواء منتشرٍ / مجمّع في وريف الضوء مختزل

 كل ابن أنثى فمن صلبٍ  سوى / ألقٍ كما أتى مريماً عيسى بلا رجلِ

(القاها الشاعرالياسين في مهرجان الجواهري الثامن / بغداد 2011)

 

15/ محمد جواد الغبان:

أترى لواءُ الشِعرِ بعدَكَ يخفقُ / ويجيءُ مَنْ يسمو به، ويُحلِّقُ

أترى الرياضُ المقفراتُ ستزدهي / وتعودُ تنفحُ بالأريج ، وتَعبَقُ

أترى النوادي الموحشات عِراصُها / تغدو بعودة أهلِها تتألَّقُ

(نشرها الشاعر في كتابه الموسوم" الجواهري، فارس حلبة الأدب" الصادر عن دار المدى/ بغداد عام 2006)

 

 

16/ مهدي محمد علي:

خرجْتُ بما بالعيون يُرى/ وسرتُ بما لا يُرى في الحشى

وغرَّبْتُ دون الذي في المدى/ وعانيتُ قَطْراً كشمس الضحى

وقارَبْتُ شمساً كقطر الندى/ ولكنها دون بلّ الصدى

(مجلة الثقافة الجديدة / العدد279  في تشرين الثاني/ كانون الاول 1997)

 

17/  نبيـل ياسيـن:
مَنْ يا ترى استطاعَ أن يرسم مثل هذه الخطى
سواه ... ويملأ القلب الوحيد بالشجنْ
منْ يا ترى استطاع أن يصعد في سفح الحياة
مارداً ... لكي يموت خارج الوطن؟

(نظمت بعيّد رحيل الجواهري، ونشرتها وسائل اعلام عربية عديدة)

 

* هوامش وإحالات  ------------------------------------------------------

1/ نعدّ لموضوع آخر بعنوان"شعراء كتبوا عن الجواهري وله" كالدراسات والتأرخة والنقد، وليس قصائد شعرية.

2/ كتبَ أزيّد من عشرين شاعرا اردنيا قصائد تحية، وتقدير للجواهري الكبير- بعد القاء  قصيدته الشهيرة (اسعف فمي) المهداة للعاهل الاردني الملك حسين عام 1992 – جمعت في كتاب بعنوان "الجواهري في عمان" اصدره حمودة زلوم، عام 1993. 

 الجواهـــري مثالاً...

أيضاً، عن مواقف السكوتِ و التصـدي

رواء الجصاني

    ثمة رأيان  متضادان في المواقف من التجاوز والتطاول، وخاصة بعد تكاثرها "الأميبي" حتى، وانتشارها اللامسؤول، عبر وسائل الاتصالات والنشر  المفتوحة للجميع، وأزدياد "التباري" المتهافت يوماُ بعد يوم في (الكتابات) و(التقييمات) تحت ما سميّ – ويسمى- حرية الرأي والتعبير، وكأن ذلك يعني أشاعة الاحقاد والسباب الذي يؤشر مستوياتِ الوعي المجتمعي، دعوا عنكم الفردي– الشخصي..

     قلت انهما رأيان متضادانِ في الموقف مما يُنشر، وممن يَـنشرُ، تلكم الكتابات. أحدهم يدعوا للتجاهل وعدم الرد او التعليق، ومن منطلق عدم إعلاء قيمة المكتوب والكاتب، تيّمناً ببيت شعر قديم يقول" كبرتَ عن المديحِ فقلتُ أهجو، كأنك ما كبرتَ عن الهجاءِ" .. أما الرأي الثاني فيرى في الصمت،  والوقوف على التلّ، والتجاهل: مشاركةً، وربما ايغالاً في تزييف الحقائق، ولحد أن تصبح الأساءة أو الزيف أمراً واقعاً يصعبُ محوه – بتقادم الأزمنةِ-  من الذاكرة الجمعية.  

   وأول المعنيين هنا بطبيعة الحال هم المثقفون والمتابعون على ما يفترض. وما علينا بغيرهم الذين يصفقون، أو يشاركون في التعليق والنقاش دون ان يدروا، ولو كانوا قد عرفوا فالمصيبة أدهى كما هو شائع القول... أما أسباب توسع مثل تلكم الكتابات الحقود، أو المشوهة وغير الموثقة، فهي عديدة ومتنوعة، لعلي اجازف بالقول ان ابرزها يتمثل  بالشهوة الجامحة للشهرة والأنتشار. وما أسهل ان يكون المرء شعبوياً تضج كتاباته باللغـو ليرتفع الرصيد الهافت، خلواً من اي ثقل معنوي حقيقي،  الى جانب كل ما يترتب على ذلك من انعاكاسات وتداعيات خلاف المؤمل والمرتجى . 

   ومن المؤكد اننا لا نعني ما يخبرنا به التاريخ ومنذ منذ  قرونٍ عن جدالات وخصومات الشعراء والمفكرين والأدباء، بل وتنابزهم، التي جاء الكثير منها خلاصاتٍ لترسيخ المعرفة العامة، وتحفيز ذوي العطاء، وتنشيط الذاكرة واشاعة الوعي .. ولأن الشعر ديوان العرب، فذلكم هو حافل امامنا ومنذ عشرات، بل ومئات السنين، بما يصلح شاهداً على ما ندعيه، وبشكل خاص: التباهي والتفاخر بالعطاء الروحي والانساني، والتسابق لأعلاء الشأن من جهة، والحطّ،، وبقسوة، من قدر ومكانة الاخرين الذين ينهاضونهم، حواراً او أحتكاماً، والى مرحلة الهجاء اللاذع.  ومما تلمّ به الذاكرة قول: المتنبي وهو ينالُ من منافسه ابي فراس الحمداني، في حضرة سيف الدولة، كما تقول احدى الشروحات:  أعيذها نظرات منكَ صادقةً/ ان تحسب الشحمَ فيمن شحمه ورمُ .. كما ذلك هو جرير ينالُ من غريمه الفرزدق، فيقول: زعمً الفرزدق أن سيقتلَ (مربعاً).. أبشر بطول سلامة يا (مربعُ) . وتتوالى النماذج والمشابهات..

   وفي الجانب الآخر نشير الى حالات السمو عن الرد، وتجاهل المقابل، بل والأستنكاف من ذلك، ودليلنا شعراً ايضا ماقاله الطرماحُ بن حكيم الطائي "لقد زادني حباً بنفسي أنني/ بغيض الى كلِ امرئ غير طائلِ.. وأني شقيُ باللئامِ ولا تَرى شقياً بهم الا كريم الشمائلِ" .. وكذلك  ما ينقل عن الامام الشافعي: يخاطبني السفيه بكل قبح / فأَكرَهُ أَن أَكونَ لَهُ مجيبا/ يزيدُ سفاهَة فأَزيدُ حِلماً /كعودٍ زادهُ الإِحراقُ طيبا..

الجواهري مثالا..

  وفي هذا المحور نبدأ متسائلين أولاً: هل هناك مقابل في القرن العشرين، على الأقل، شاعرا كان، أو مفكرا أو عبقريا، عانى بمثل مثل ما عاناه الجواهري (1989-1997) من أيذاء وتجاوز، وأبتذالات من بني وطنه وأمته؟!. نشكُ في ذلـك، وعسى أن يقارن ويضيف المتابعون الأجلاء، أو يُخطئون. نقول ذلك غير ناسيـــن، بالمقابل، ست عشرة اطروحة دكتوراه، واحدى عشرة رسالة ماجستيـر أجيزت عنه – الجواهري- من جامعات عراقية وعربية، من تلمسان الجزائرية، وحتى صنعاء اليمنية، مرورا بجامعتي الازهر والقاهرة المصريتين، وأربيل والكوفة والبصرة العراقيات (1).

.. لقد بدأ مسلسل التطاول عن الجواهري منذ بدايات حياته الشعرية، وهو يثبتُّ ذلك شعراً، ومن بينه اواسط العشرينات الماضية، اي قبل قرن كامل تقريبا، حين كتب: أنْ انكرتني أناسُ ضاع بينهم قدري، فمن علمّ الحداد بـ (الذهب) .. وكذلك ما قاله، وهو يتكئ على بيت شعر قديم: "ولو أني بليتُ بهاشميٍ/ خؤولته بنو (عبد المدانِ).. لهانَ علي ما ألقى ولكن/ هلمّوا وأنظروا بمن أبتلاني".

     ثم، وبمرور الزمن، ومع ثبات وثبوت عبقرية الجواهري، ودوره التنويري، الشعري والفكري، الوطني والعربي والأنساني يزداد التجاوز ومحاولات التطاول، من جهلاء ومتفقيهين على حد سواء، وبدوافــــع تتباين بين حسدٍ وغيـــرةٍ حيناً، وسياسية وتخلفٍ حيناً آخر. ونقول من جديد: ما علينا بـالنكرات و(الأصفار) بحسب وصفه لهم عام 1969 حين ردّ عليهم هادراً  "ما ضرّ من آمنت دنيا بفكرتهِ، إن ضِيفَ صفرٌ الى أصفار من جحدوا".

   وفي عودة للتساؤل التي اورده عنوان هذه الكتابة (السكوت التصدي) نقول ان الجواهري كان يتنقل بين ذينك النقيضيّن. ويبدو ان الأمر يعتمد عنده على الظرفين الزماني والمكاني، وحساباته عن الدوافع والأغراض، وغير ذلك، مما يحدو به لأن ينحى ذلك أالمنحى أو خلافه. فمرة يزعمُ حال السكوتَ، بل ويدافع عنهأ، رائياً فيه الموقف الأفضل. وفي التأكيد على ذلك نلجأ لاشعاره ذاتها، ومن بينها  قوله عام1927"سكتُّ حتى شكتني غرّ أشعاري/ واليوم أنطق حراً غير مهذارِ.. في ذمة الشعر ما ألقى وأعظمه أني أغنّي لأصنامٍ وأحجارِ" . وكذلك عام 1944 "وكن بالصمت أبلغ منك نطقاً/ وأورى في محاججة زنادا / فان الموت اقصر قيد باعٍ/ بان يغتال فكراً واعتقادا". وأيضا ما جاء في قصيدته عام 1949 " فلقد سكتُ مخاطباً إذ لم أجدْ/ من يستحقُ صدى الشكاة مخاطبا" . وثمة شواهد ومواقف أخرى وكلّها تشيع الدعوة للسكوت، والترفع عن تطاول هنا، وآخر هناك .. كما سمواً عما يراها صغائر وترّهات . ولكن هل استمر الشاعر في ذلك الأتجاه؟! وهل ثبتَ على ما اشاعه ودافع عنه؟!. قصيدُ الشاعر ذاته يجيبُ في شواهد عديدة الى نقيض ذلك، وبأكثر من مناسبة، وزمن وعهد.

     لم يصمتْ الجواهري، بل استهجن وصخبَ، وهدر بكل عنفوان، وأطاح – شعرا وتحدياً- بمواقف "المتحرشين" كما يسميهم، وبدوافع مختلفة، سياسيين ومثقفين وغيرهم، عراقيين وعربا، وأعاريب. بل – ووفق حساباته- مأجورين ومتصيدين وحاسدين وشامتين وعداهم. وقبل ان نوثق بشأن ما تقدم،  وبأمثلة ليس إلا، نشير الى ان بعض لواعج الشاعر حدت به الى مواجهة المجتمع قاطبة في بعض الأحيان، الذي أنجب أولئك المتطاولين، ومن بين ذلك - ومثلاً ايضا وليس حصراً- ما قاله عام 1984مخاطبا صديقه صلاح خالص "أصلاحُ أنا رهنُ مجتمعٍ/ يخشى اللصوص فيذبح العسسا/ يُزهى بفارسهِ أذا أفترسا/ وبضوء نجمٍ ساطعٍ طمسا". وكذلك عام 1985 حين قال " برئتُ من الزحوفِ وأن تلاقتْ/ تسدّ عليّ منعطفِ الدروبِ ..  أأنبذُ بالعراء بلا نصيٍرٍ/ نبيلٍ أو أديبٍ أو أريبِ .. فيا لمؤلهٍ فيها غريبٍ/ ويا لتعاسةِ البلد العجيبِ " وهكذا الحال في ابيات ومقاطع قصائد أخرى عديدة .. ودعونا ننتقل الآن لهدير الشاعر في غضباته "الفئوية" التي أسلفنا ذكرها قبل سطور قليلة .

   قلنا ان الجواهري، وفي كثير من الأحيان ضمّن قصائده: عتابا وهضيمة وغضبا، وتصدياً،  لمواقف وكتابات تداعى لها  أشخاص عديدون، ومن بينهم "مأجورون" بحسب توصيفاته، وأرائه.. وكان ردّه عليهم قاسياً، وأكثر بكثير وأزيّد شدة – في الاجمال- من ردوده وتصديه لكتابات "منتقديه" ومخالفيه المثقفين والسياسيين... ولا بدّ من الأستشهاد هنا ببعض ذلك لمزيد من التوثيق، ومثالنا ما قاله قي رباعياته (1959-1960): "سيسب الدهر والتاريخُ من أغرى بسبي/ لا أولى سبوا فهم عبدانُ عبدان لربِّ/ يا لويل المشتلي كلباً لسبِّ المتنبي/ عرضُ (كافورٍ) تهرّى وله مليونِ كلبِ "..

  أما عن امثلتنا – والشعرية كالعادة- على تصدي الجواهري لتجاوزات السياسيين، وأعوانهم، وفي عهود مختلفة، ومواجهاته لهم، طوال عقود، نشير الى ما قاله عام 1953"عدا عليّ كما يستكلبُ الذيبُ/ قومٌ ببغداد أنماطٌ أعاجيبً".. وكذلك بيته الشهير في قصيدة (هاشم الوتري) عام 1949 الذي يقول فيه: "أنا حتفهم ألجُ البيوت عليهمُ/ أغري الوليد بشتمهم والحاجبا".. وايضا في "المقصورة"  الاربعينية ذائعة الصيت " بماذا يخوفني الأرذلون، وممَّ تخاف صلالُ الفلا" ..

  اما المثقفون الذين حسبهم متجاوزين، شعراء وكتاباُ وصحفيين وسواهم، فلهم قسطهم من ثورات الجواهري ومواجهاته اللاهبة لتطاولهم، والرد على مروجي أراجيف، وكذلك الذين يدعمونها تحت عباءة حرية الرأي والنقد، والتقييم، وتبادل الاراء وغيرها من مشابهات. ونوثق في هذا السياق نماذج ملموسة - تفي الغرض كما نظنّ - لاستشهادات من قصائد الشاعر ذاتها، ومنها عام 1963 مهضوما من التجاوزات ضده، وعليه وهو في الغربة "وتفرج المتفيهون فلا دمٌ/ يغلي ولا قلمُ يذود ولا فـمُ... لم تنفقئ خجلا عيونٌ أبصرت/ وجهَ الكريم بكفِ وغدٍ تلطـــمُ". وكذلك عام 1975 حين قال مستنكرا السكوت على ما يحيق به من تطاولات " وأم الضاد قد هُتكتْ/ وربّ "الضادِ قد جُلدا.. بهم عوزٌ الى مددٍ/ وأنت تريدهم مددا" . وكذلك ما جاء في قصيدة  "المقصورة" سابقة الذكـر "ومنتحلينَ سِماتِ الأديبِ/ يظنّونها جُبَباً تُرتدى... ولاهِينَ عن جِدِّهم بالفراغِ/ زوايا المقاهي لهم مُنتدى".  وهكذا تروح العشرات من الابيات الجواهرية، في العشرات من قصائده تردّ وتتصدى وتردع، وتهدف للتنوير الجمعي وإن بدت شأنا خاصاً. ومثلما أشرنا فأن كل ما سبق ليس سوى  نماذج وحسب، وفي الديوان العامر ما يضاعف من مثل تلكم المواقف والمواجهات، وكشف الزيف والادعاء وما اليهما. ولعلّ من الجدير ذكره هنا أن المعنيين بالأبيات والاوصاف والمواقف الواردة فيها لم ينبسوا ولا بكلمة واحدة- في الغالب الأعم- ولربما كانوا أذكياء هنا ليكتفوا بما تلقوه من ردود تكشف معايبَ، وتبيّن خبائثَ، بحسب قناعات الجواهري، على الأقل. كما يجب ان نتوقف هنا أيضا للتوكيد بأن الشاعر الخالد كان يميّز ويفرق بين النقد الهادف البناء، المبني على القدرة والمعرفة، وحتى في تفسير المواقف الشخصية ودوافعها، من جهة، وبين التطاولات والمزاعم والاباطيل، السائبة أو المغرضة، أو المتاجر بها، من جهة أخرى.

    وفي مجال الأستدراك ايضا، والتوضيح، للقارئ – غير اللبيب خاصةً - الذي قد يتصور ان الجواهري لم يبقِ أحداً، سياسياً كان أم مثقفا أو كاتباً، وغيرهم، إلا وناله في اشعاره وقصائده... نوثق بأن مثل ذلك الأستنتاج لا يقوم على أسس رصينة وبالمطلق. نقول ذلك وفي الذاكرة والديوان العامر، وفي جزأي "ذكرياتي" للجواهري ذاته، العشرات من الابيات والمقاطع الاخوانية، والتقديرية لرموز سياسية وثقافية بارزة، عراقيا وعربيا. ولمن يطلب المزيد نوثق وعلى عجالة فان من بين تلكم الشخصيات السياسية، مع حفظ المواقع والالقاب: جلال طالباني، عبد المحسن السعدون، عبد الوهاب مرجان، سعد صالح جريو، مصطفى بارزاني، عبد اللطيف الشواف، يوسف سلمان يوسف، وصفي طاهـر... ومن الشعراء والشخصيات الثقافية، وايضا مع حفظ الالقاب والمكانات: الرصافي، ألياس ابو شبكة، بشارة الخوري، سلطان العويس، على جواد الطاهر، فيصل السامر، مهدي المخزومي، طه حسيـن، يوسف ادريس.. وعشرات آخرون.

      أخيرا، وبرغم أننا لن ننقطع – كما يبدو- عن مثل هذه الكتابات والتأرخة، طالما كان هناك متصيدون، وطالبو شهرة، وسياسيون ومثقفون على الضفة الأخرى مما يقف الجواهري. أقول   برغم ذلك فأن البعض قد يتساءل عن دوافع هذه الكتابة  الجديدة  الآن بالذات، فأردّ بأن الفترة القريبة الماضية - ولنقل اسابيع قليلة- شهدت تقولات وتطاولات جديدة في توقيتها، ولكنها مكرورة في فحواها عن الجواهري الكبير، والتي عنتها – وتعنيها الشواهد التي اتيّنا بها في متن هذه الكتابة، ومنها عن قصائد مديحه، فضلا عن ادعاءات بعض الكتاب، و"المؤرخين" في تخيّل أو زعم هذا التوثيق وخلافه، ولربما نعود لتفاصيل أكثر بهذا المنحى (2)...

--------------------------------------------------

1/ نشرنا في الانترنيت، ومواقع اعلامية عديدة قبل ايام قليلة، ثبتاً بعناوين الاطاريح ورسائل الماجستير واسماء اصحابها، والجامعات التي اجازتها...

2/ كتبنا ونشرنا اكثر من موضوعة ذات صلة، في الفترة القريبة الماضية، لعلها تسهم في توضيح المزيد لمن يتوخى الاستفاضة..

 

الجواهـري في تسع اطروحات

دكتوراه، وثماني رسائل ماجستير

رواء الجصاني

 

    منذ تأسيسه في نيسـان عام 2002 حرص مركز الجواهري في براغ، على  توثيق العشرات من المواضيع والمحاور والكتابات عن شاعر الأمتين العرقية والعربية، وفي مقدمتها ما أجيز عنه من اطروحات دكتوراه ورسائل ماجستير، في جامعات عراقية وعربية رصينة.  وكان ذلك السعي يهدف لغايتين رئيسيتين بالأساس:  الاولى هي توفير المعلومات والمصادر للباحثين ذوي الاختصاص، والثانية للتأرخة الأشمل، لذلك العبقري الذي "ملأ الدنيا وشغل الناس" تنويرا في الشعر والفكر والحياة، وفي القرن العشرين تحديدا، بحسب زعمنا على الاقل .

      ومما يلفت الانتباه، او يتطلب لفته اليه، تنوع الجامعات التي اجازت – وفق رصدنا ومتابعتنا الى اليوم: تسع اطروحات دكتوراه، وثماني رسائل ماجستير، لباحثين متعددي الجنسيات، وتوزعت في العديد من العواصم والمدن العراقية والعربية، الامر الذي يؤشر - في تأكيد أضافي - ضخامة تراث الجواهري، وذيوع اسمه وعبقريته وشعره، ومجالات ابداعه، فضلا عما نهض به من مهمات وطنية وسياسية وصحفية وغيرها.

      ويقينا بأن ما سيلي في السطور التالية من ادراج لما بحثنا عنه، واحصيناه، وتابعناه بهذا المجال، ليس متكاملا . ولكن قد يفتح هذا التوثيق الباب لذوي الشأن اولا، ويحرضهم - كما الباحثين والمتابعين- لأكمال "الجرد" حول ما كتب عن الشاعر المجيد، وفي كل ذلك على ما نزعم: بعض توثيق للعطاء، ووفاء للعبقرية. كما انه الأمر يعني في ذات الآن، الأعنزاز بدورالباحثين الذين جهدوا في اتمام دراساتهم المثابرة، والتي تكللت بحصولهم على الالقاب العلمية التي يستحقونها.. اما السجل الذي نوثقه فهو كالتالي، وقد أعتمدنا في ترتيبه التاريخ الزمني:

الاتجاهات الموضوعية والفنية في شعر الجواهري، اطروحــة دكتوراه، اتممها: جميل عبد الغني محمد علي (جامعة الأزهر- 1994).

التمرد والخضوع في شعر الجواهري رسالة ماجستير اتممها: نواف قاسم سنجاري (جامعة صلاح الدين/ اربيل- 2001)  .

خصائص الأسلوب في شعر الجواهري رسالة ماجستير اتممتها: سهام قنبر علي (جامعة دمشق- 2002).

      4- الصورة الفنية في شعر الجواهري، اطروحة  دكتوراه اتممها: طارق عمر عريفي (جامعة دمشق- 2004).

5 - شعرية النص عند الجواهري اطروحة دكتوراه اتممها: علي الزهيري (جامعة بغداد- 2007)

6- خصائص الأسلوب في شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه  اتممها: فوزي علي صويلح (جامعة صنعاء- 2008).

7- دراسة نحوية دلالية في شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه اتممها: صالح عبد العظيم (جامعة القاهرة- 2009).

8- ملامح الحس القومي في شعر الجواهري،  رسالة ماجستير، اتممها: سعد صابر الدليمي (جامعة الانبار- 2009).

9- صورة العراق في شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه، اتممها: احمد الذهب (جامعة السودان العالمية 2010).

10- البنية الإيقاعية في شعر الجواهري، رسالة ماجستير اتممها: مقداد محمد شكر قاسم (جامعة اربيل- 2011).

11- هجائيات الجواهري، رسالة ماجستير اتممها: عادل ناجح المكصوصي (جامعة الكوفة- 2011)

12- المفارقــة فــي الادب العربي الحديــث: محمــد مهدي الجواهري أنموذجا، رسالة ماجستير، اتممتها: منتهى حسن محمد علي (جامعة بغداد- 2013).

13- شخصية الجواهري من شعره، رسالة ماجستير اتممتها: عتاب مطير خضر (جامعة واسط - 2015).

14- مصادر ثقافة الجواهري من خلال شعره، اطروحة دكتوراه اتممتها: جوان عبد القادر عبد الله (جامعة القاهرة- 2015).

15- صدى القضية الفلسطينية في شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه اتممها: عبد الرسول الهايي (جامعة طهران – 2017).

16- الغربة والحنيـــــــن في شعــــر محمد مهدي الجواهري، رسالة ماجستير، اتممتها: هبة محمد مصطفى (الجامعة اللبنانية - 2017).

17- الملوكيات في شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه  اتممها: ستار جبر حسين (جامعة الكوفة- 2017).

   ختاما دعونا نعبر عن الشكر وألاعتزاز، ، فنقول بأن ثلاثة على الاقل من الباحثين الاجلاء اعلاه قد اشاروا في خلاصات ابحاثهم عند مناقشتها امام اللجان المشرفة، الى ما قدمه مركز الجواهري، وكاتب هذه السطور تحديدا، من مساعدات ملموسة في توفير بعض مصادر، ومراجعة عدد من الشؤون ذات الصلة، وغيرها، وذلك خلال فترة تفرغهم الدراسي، الذي تكلل بالتحصيل المتميز. والمعنيون الافاضل هم: د. جوان عبد القادر عبد الله، ود. عبد الرسول الهايي، والماجستير، هبة محمد مصطفى، مع التمنيات لهم بمزيد من التألق في مجالات اختصاصهم الجديرة بكل تقدير ...

-------------------------------------* رواء الجصاني: اواسط نيسان 2019

 

أزيّـد من خمسين كتاباً

ومؤلَفاً عن الجواهري الخالد

* رواء الجصاني(1)

 

     ضمن الجهود الحثيثة، الراهنة، التي تنهض بها أمانة العاصمة بغداد، وبأشراف مباشر من أمينها، السيدة ذكرى علوش، لأكمال متطلبات تجهيز وأفتتاح "بيت الجواهري" بمنطقة القادسية/ اليرموك، متحفاً ومركزا ثقافيا في بغـداد، وثقتُ - لذلك الغرض-  أزيد من خمسين مؤلفاً مطبوعاً، بين دراسات وبحوث، ادبية وأكاديمية، وذكريات وغيرها، لكي تزدان جدران "البيت" المنتظر بصور اغلفتها، الى جانب صور اخرى شخصية وعامة للرمز الوطني  والثقافي الكبير، وكذلك ما يتوفر من حاجات، وأصول كتاباته، والهدايا والاوسمة التي مُنحت له، وغير ذلك من مقتنيات، يسعى "كفــاح" نجل الشاعر الخالد الى جمعها، من الأسرة، مضيفا لها ما يتيسر عنده شخصيا..

     ووفقاً لما نتابع الآن، فأن من المفترض أن يكون "بيت الجواهري" متاحاً  امام الضيوف والزوار، والجمهور، في غضون الاسابيع القليلة القادمة.. متباهين من جديد بأن مركزنا - مركز الجواهري في براغ- كان السبّاق، في أنقاذ "البيت" وهو الاول والاخير الذي يتملكه الشاعر الخالد في العراق طوال حياته التي أمتدت – كما هو معروف -  لنحو مئة عام (1899-1997)... فبعد أن كاد ذلك "العقار!" معروضاً للبيع تجارياً، أشعنا حملة واسعة عام 2011  تكللت بالنجاح، فقامت أمانة العاصمة بشرائه من الورثة، وأستملكته لتحوله الى مقام وتراث تاريخي، حضاري، تفتخر به الاجيال القادمة، لشاعر البلاد، والأمتين العربية، والعراقية، ورمزهما الثقافي في القرن العشرين، على الأقــل .

    وفي عودة لتوثيق الكتب والمؤلفات التي  بحوزتنا في المكتبة الشخصية، ومركز الجواهري ببراغ، وقبل البدء بتعدادها، لا بدّ من التنويه الى ان تسلسلها جاء وفقاً لما هو مرتب في رفوف المكتبة العامرة، مع حفظ الالقاب، والاهمية، للمضامين، والمؤلفين العراقين والعرب. كما ننوه ايضاً بأن الافضل – طبعاً- لو كان قد جرى استكمال متطلبات التوثيق لتلكم الكتب والمؤلفات، بأضافة سنة الاصدار، وكتابة موجز او لمحة سريعة عن كل واحد منها، وأضافة دار النشر التي لم يظهر عدد منها في القائمة المدرجة، وذلك ما نعدّ ان نستكمله في القريب:

1/ الجواهري، مجمع الاضداد – سليمان جبران

2/ لغة الشعر عند الجواهري – د. علي ناصر غالب

3/ الجواهري، دراسة ووثائق – د. محمد حسين الاعرجي/ دار المدى

4/ الجواهري – يوسف شنوت الزبيدي – دار دجلة

5/ الجواهري.. وعي على ذكرياتي – د. فلاح الجواهري/ المدى

6/ دراسات ادبية في شعر الجواهري – د. جليل حسن محمد / دار دجلة

7/ مع الجواهري.. الحدث والذات والقصيدة – زهير الجزائري/ جامعة الكوفة

8/ الجواهري صناجة الشعر العربي في القرن العشرين - د. زاهد محمد زهدي/ دار القلم

9/ البنية الايقاعية في شعر الجواهري – مقداد محمد شكر قاسم / دار دجلة

10/ الجواهري: شعر المفارقة وهاوية الشاعر – د. محمد الكواز / وزارة الثقافة العراقية

11/ الجواهري.. بعيون حميمة – رواء الجصاني/ دارا: بابيلون، وميزوبوتاميــا 

12/ الجواهري: رؤية غير سياسية – حسن العلوي

13/ شعرية النص عند الجواهري – د. علي عزيز صالح / دار الكتب العلمية

14/ الجواهري صحفياً – د. كفاح الجواهري/ مكتبة عدنان

15/ الجواهري، شاعر وناثر – مهدي شاكر العبيدي

16/ الجواهري بلسانه، وبقلمي – سليم البصون/ ميزوبوتاميا

17/ الجواهري النهر الثالث – د. خيال الجواهري

18/ حوارات مع الجواهري – محمد صالح عبد الرضا / وزارة الثقافة العراقية

19/ جواهري العراق .. عراق الجواهري – د. محمد جواد رضا

20/ محمد مهدي الجواهري – سليم طه التكريتي/ دار الريس

21/ تحليلات عروضية لشعر الجواهري – عبد الحميد الرشودي

22/ الجواهري قصائد وتاريخ ومواقف – كفاح الجواهري ورواء الجصاني

23/ الجواهري ناقداً – وسام حسين العبيدي

24/ الجواهري اصداء وظلال السبعينات – رواء الجصاني/ دار بابيلون

25/ تشكيلات اسلوبية في انموذجيات جواهرية – د. فليح الركابي

26/ الجواهري دراسات نقدية - اشراف هادي العلوي

27/ الغربة في شعر الجواهري – احمد المصعب / وزارة الثقافة العراقية

28/ الجواهري سيرة قرن – خيال الجواهري

29/ الجواهري جدل الشعر والحياة- عبد الحسين شعبان

30/ من معجم الجواهري – د. سعيد جاسم الزبيدي/ كنوز المعرفة

31/ الجواهري ديوان العصر – حسن العلوي

32/ الفارس والحلبة – عبد الجبار داود البصري

33/ الجواهري الليالي والكتب – صباح المندلاوي

34/ الجواهري شاعر على العصر (ما نُشر في جريدة الحياة) اعداد عزيز الزيادي

35/ الجواهري ايقاعات ورؤى – مركز الجواهري/ دار بابيلون

36/ الجواهري هذا المغني لنور الشمس – عبد الأمير شمخي الشلاه/ دار المدى

37/ استذكار الجواهري تباهٍ بالوطن والشعر والتنوير – مركز الجواهري/ دار بابيلون

38/ هجائيات الجواهري – عادل ناجح البصيصي / جامعة الكوفة

39/ جمهورية الجواهري – د. عقيل مهدي – مكتبة عدنان

40/ الجواهري فارس حلبة الادب – محمد جواد الغبان –/ دار المدى

41/ الجواهري شاعر من القرن العشرين – د. جليل العطية / منشورات الجمل

42/ محمد مهدي الجواهري- سعدي يوسف/ دار المدى

43/ الجواهري في عمان : اللامية ومعارضاتها – حمودة زلوم / وزارة الثقافة الاردنية

44/ البنية الايقاعية في شعر الجواهري – مقداد محمد شكر قاسم / دار دجلة

45 / كردستان في ضمير الجواهري- د. وريا عمر امين/ جامعة جهان- اربيل

46/ انماط الصراع والتطور الابداعي في شعر الجواهري – د. جلال مهدي / مكتبة عدنان

47/ الجواهري حياته وشعره – يوسف عطا الطريفي / دار الاهلية

48/ شعر الجواهري دراسة بلاغية اسلوبية – حسن محمد سعيد الحيالي

49/ في رحاب الجواهري- صباح المندلاوي/ دار علاء الدين

50/ الجواهري.. عامان على الرحيل- رواء الجصاني/ بابيلون

51/ الجواهري في جامعة الموصل – كلمات ومختارات / جامعية الموصل

52/ حوارات مع الجواهري- محمد صالح عبد الرضا/ وزارة الثقافة العراقية

53/ الجواهري وسمفونية الرحيل – د. خيال الجواهري

54/ مشاهير وشخصيات وأسماء في قصيد الجواهري – رواء الجصاني

   وهنا لا تفوتنا الأشارة ايضا الى ان كل ما تم توثيقه اعلاه لا يشمل الموجود من دواوين الشاعر الخالد، ومؤلفاته الخاصة، التي تزهو بها مكتبتنا الشخصية، ورفوف مركز الجواهري في براغ، وتتعدى الخمسة والعشرين مطبوعا، سنقوم بتوثيقها لـ (بيت الجواهري) ببغداد، كما للتاريخ والباحثين، والاجيال، ثروةً عراقية شعرية وثقافية وسياسية قلّ نظيرها (2).

    أخيرا، نودّ التوثيق ايضاً  الى ان هناك نحو عشرين أطروحة دكتوراه، ورسالة ماجستير، كُتبت وأجيزت عن الجواهري الخالد، من جامعات عواصم ومدن عراقية وعربية عديدة، لم تجرِ طباعتها، أو أنها جاهزة للطبع، ومنها جامعات: بغداد والقاهرة والخرطوم والكوفة والبصرة واربيل وصنعاء وبيروت... وغيرها. وقد سبق أن نشرنا حولها، أو أشرنا للعديد منها في الاعوام القليلة الماضية(3) ولنا عودة جديدة للحديث عنها، في توثيقات قادمة...

    ----------------------------------------------- * رواء الجصاني اوائل نيسان/ 2019

ملاحظات وإحالات:

1/ مدير مركز الجواهري، ورئيس تحرير مؤسسة "بابيلون" للأعلام/ براغ.

2/ لعلّ من المناسب هنا دعوة الجميع، مثقفين وأدباء ومعنيين، لتزويدنا بما لديهم من عناوين لكتب ومؤلفات عن الشاعر الخالد، وصور اغلفتها، ونبذ موجزة عنها، بهدف التوثيق لها.

3/ منشور عنها ايضا في كتابنا "الجواهري... بعيون حميمة" الصادر عام 2016.

 

 

 

عراقياتٌ من هذا الزمان،

في ذاكرة سياسي عتيـق

رواء الجصاني

 

   .. ويحين موعد الحديث عن ذكريات ومحطات شخصية حول "عراقيات من هذا الزمان" ولا بـدَّ ان يأتي حديثا متميزاً عن توثيقاتك الاخيرة – ايها الرجل- والتي كانت بعشرين حلقة وحلقة،  وعنونتها "عراقيون من هذا الزمان".. والتميّز هنا أحلى بالطبعِ وما في ذلك من نقاش، أذ أنت ستكتب وتوثق لمن"زنَّ الحياةَ بوعدهنَّ، وشننها بوعيدهنَّ" بحسب الجواهري الخالد، شعراً غنياً، وتجربة غناء!.

والبدايةُ تساؤلات

    تنهمر عليك - ايها الرجل البادئ في استعادة، واستذكار مسار نصف قرن- تساؤلات دون مدى عما تبتغيه من هذه السطور ؟ ولمن تكتبها ؟ وماذا يهم الناس ان جاءت بهذا الشكل أو غيره؟.... وتجيب: ان بعضها للتاريخ العازف عن التزوير، وقسماً منها للواتي لم يأخذن حقهن امام ما قدمنّ من عطاء وجهد نبيليّن. كما انها قد تفيد السائرات والسائرين على طريق حبّ الناس والبلاد، الطامحين الى الارتقاء والسعادة.. ولا تنسَ انها – هذه التأرخة- تأتي ايضاً وايضاً للتباهي، فالمرء يعرفُ باصدقائه، ويعرّفُ بهم، كما تؤمن أبداً بذلك الشعار او الحكمة. وهكذا "فأعقلها، وتوكل" كما شائع بين الناس...

نبيهـة وبلقيـس

   ولتحترسْ، وأعبرْ مرحلتي الصبا والفتوة ففيهما ما "قد" لا يصلح للكتابة في سياق ما خططتَ له من محطات ومسارات وحدود، برغم ان هناك صلات وصلٍ وربط وما بينهما.. وعسى أن تجد لهذه "المحظورات" اليوم، فرصاً اخرى وبعناوين أخرى، ربما تصلح للنشر حينذاك!. ثم أبتدئ، وتوقفْ بزهوٍ عند أيقونتيّن تركتا فيك، وعندك، ذكريات وعبراً وقيماً انسانية قدرها الآخرون قبل ان تقدرها انتَ ايها الرجل . الاولى طبعاً هي الامُ، نبيهة الجواهري، زوجة السيد جواد العريضي، الحسيني، الملقب بالجصاني، وشقيقة الشاعر الأكبر، التي عشت معها، وعاشت معك – حياةً - لثمانية وثلاثين عاما، منذ ولدتَك عام 1949 وحتى رحيلها عام 1987. أما الايقونة الثانية فهي بلقيس عبد الرحمن، ارملة الشهيد البطل وصفي طاهر، أم زوجتك نسرين، والتي عشتَ معها ثلاثين عاما، نحو عشرين منها في بيت واحد، في براغ، وحتى رحيلها عن عالمنا عام 2001.

زميلات زاهيـات

    .. وتتذكر ايها الموثقُ، والساردُ، بدايات الدراسة  في جامعة بغداد، وفي معهد الهندسة العالي تحديدا، عام 1967 حين التقيتَ في الصفوف والقاعات والنشاطات الاجتماعية والسياسية، وعلى مدى ثلاثة اعوام بجميلات في عمر الزهور، انيقات بواهـر، بعضهن نشطَ  في مجالات العمل الجماهيري، الديمقراطي والوطني، والاجتماعي، ورحنّ يباريّن أقرانهن الشباب في بعض الاحيان.. وأقدحْ ذاكرتك ايها الرجل، وأختبرها وسجلْ ان من بينهن: أزهار وآلاء  وخولة وسراب وسهام وكواكب وليلى ومعتبر ومنى وهناء وهيفاء... وورود أخريات من عاطرات الخلق والأخلاق، من بغداد والبصرة والموصل، ومدن العراق الاخرى.

جامعيات مناضلات

    ثم يشتدُّ عودك ايها الرجل في العمل السياسي، وتتكلف، وتتكفل، منذ عام 1969 وحتى عام 1978 وبأشكال متنوعة، بمتابعة هيئات ديقراطية اتحادية (نسبة لأتحاد الطلبة العام)  وتشكيلات حزبية شيوعية، في مختلف كليات ومعاهد بغداد، ومنها بشكل رئيس: الادارة والاقتصاد، والقانون والسياسة، والاداب واكاديمية الفنون، والزراعة، والطب البيطري، وجامعة التكنولوجيا.. ولا شكّ أنك لن تنسى هنا نشيطات بواسق كنّ ما كنَّ في الشجاعة والرقي الثقافي والحرص الوطني، طموحاتٍ للأمل من اجل سعادة الشعب وحرية الوطن، وتحملنّ ما تحملن في سبيل ذلك، أمتشقنَّ الكتب الدراسية بيد، والمناشير والادبيات السياسية بيدٍ أخرى، فجمعن المجد من اطرافه، ومنهن: انعام وآشتي ورجاء وسراب وسوسن وسناء ولمى وملاك، ورفيقاتهن الأخريات.... وقد التقيت بالعديد منهنّ لاحقا في عواصم العالم المختلفة، ومنها في دمشق وبراغ وصوفيا وموسكو وعدن، بعد الاضطرار للخروج من البلاد اواخر السبعينات، حين كشرّ البعثيون الماجنون عن أنيابهم، فلاحقوا واضطهدوا وعذبوا وسفحـوا .. وقد كنّ – ولم يزل عديد منهن- مستمرات في تلكم النشاطات السياسية منها، والجماهيرية والعامة، ولربما تقاسمنَ أو سلمنَّ "الراية" للأبناء وحتى الاحفاد!..

شهيدات شاهقات

      وإذا جاز لك أن تنسى في زحمة العمر - وما أوسعها- فلا يجوز لك - ايها الرجل السياسي المتقاعد، والحامل جذوة الذكريات - ان تنسى باذخات العطاء والروح، الشهيدات الخالدات: زهور اللامي وشذا البراك ورمزية جدوع، اللواتي كنّ يضوعنّ عطاءً في اجتماعاتكم السياسية والحزبية والاجتماعية، ورحنَ وفياتٍ أمينات، صبورات على الأذى، شاهقات في تضحياتهن الجلى للمبادئ القيم والمبادئ التي آمنّ بها، وهل ثمة أغلى من أن يجود المرء بحياته على تلكم الطريق؟!.

على " طريق الشعب" وفيها

  ما زلت في بغداد ايها الرجل، فلم تحن الساعة البعثية اللئيمة بعـد، فتذكر أذن كيف كانت جريدة الحزب الشيوعي "طريق الشعب" عامرةً تزهو بمحررات وشغيلة، زاملتهن ورافقتهنّ لأزيد من خمسة اعوام (1973-1978) وهنّ ينشطن في المهمات المكلفات بها، بل ويزدنّ دون حساب الوقت أو التعب، فالهدف اسمى، والحلم بهيّ ، والطموح بلا منتهى، ودونما خشية من الغدر البعثي المتوقع والقادم.. تذكرالرائدات، والواثبات: أميرة مهدي ورجاء الزنبوري وسعاد خيري وسعاد الجزائري وسلوى الجلبي وسلوى زكو وسهام الظاهر وفاطمة المحسن وعفيفة لعيبي ومنى سعيد..

وفي المغترب/ المنفى

   وتقودك الايام والظروف لما أنت لم تخطط  له ايها الرجل، فتصل براغ، وها أنت مستقر فيها  منذ اربعة عقود بالكمال والتمام.. وطوال تلك الفترة، ومن خلال متطلبات مهام وطنية وفعاليات سياسية وثقافية واجتماعية، ألتقيتَ وزاملت ورافقت وتعرفتَ على باسقات عديدات، طالبات ومقيمات وعاملات، متنوعات كتنوع الازهار الربيعية، حافلاتٍ بكل جميل وجميل. ولا شكَ ان ثمة علاقات متميزة سادت مع البعض منهنّ بحكم المشاركة في الهيئات السياسية والحزبية والديمقراطية، مثل الراحلات الجليلات : نزيهة الدليمي  وبشرى برتو ، وروناك علي، ونضال وصفي طاهر.. والعزيزات : أيسر شوقي وخيال الجواهري وساجدة علوان وساهرة محسن، وشروق العبايجي وصنوبر عبد الكريم وفاتن الجراح وكفاح اسعد خضر وعميدة مصري، وعواطف جبـو، ومها الناصر ووَسن عبد الهادي، وعديد آخر ممن تحملن مسؤوليات في هيئات منظمات ديمقراطية (جمعية الطلبة، رابطةالمرأة، جمعية الطلبة الاكراد، والمنتدى العراقي ) أو تشكيلات سياسية..

    وفي براغ ايضا، لا تنسَ انكَ تعرفتً - ايها الرجل الموثق -  على (شقائق نعمان) أخريات نشطن طلابياً وسياسيا ومنهنّ من تركنّ دراستهنّ والتحقن بنضالات الحزب الشيوعي العراقي داخل البلاد، وفي كردستانها بشكل رئيس، ضمن فصائل مسلحة لمقارعة الديكتاوتورية والارهاب، خلال الثمانينات الماضية، مثل ايمان وجمانة وسندس وعائدة ولمياء ونضال وهند .. ومنهنّ ايضا (أيسر) و(وسن) اللتين مرّت الاشارة لهما في سطور سابقات..

   وما دمت في براغ فلا تنسَ - ايها الرجل- نسوة عراقيات عريقات كرّمنكَ بمعرفتهن، شغيلة، واعلاميات وزوجات اصدقاء اعزاء، ومنهن : فائزة وزاهرة و ونيكار وياسمين ويسار.. ثم تالياً: سميرة وفريال وفيروز وميسون.. دعْ عنك الدبلوماسيات اللواتي حللنّ في براغ ضمن بعثات السفارة العراقية، ما بعد الاطاحة بنظام الارهاب البعثي عام 2003 ومن بينهنَّ: امال وأحلام، وآلاء، وكردستان ونغــم ونـور ...

وفي عواصم الدنيا

     لهذا الشأن السياسي والطلابي، أو لتلك الحالة الاجتماعية وسواها، تنقلت ايها الرجل الساردُ، في مختلف عواصم ومدن الدنيا، ومنها في دمشق وعدن وكوبنهاغن وديترويت والجزائر ولندن وبيونغ يانغ، بالأضافة الى براغ طبعاً، فالتقيت وتعرفت – ايها الباحث عن التوثيق والتأرخة- على عراقيات ما برح بعضهن يواصلن العطاء والنشاط الوطني والاجتماعي، وبقيّن ويبقيّن في الذاكرة السياسية والاجتماعية وممن اقاموا أو رحلوا: انعام العبايجي وأنباء جاوي وايمان سلام عادل، وبدور زكي، وبثينة شريف وذلفاء الخفاجي، ورجاء كمال الدين، ورجاء الدوغجي وسعاد البياتي وسلمى جبو، وسهام الجواهري، وشوقية العطار وفائزة الجواهري، وفخرية عبد الكريم (زينب)  ولهيب الراوي وناهدة الرماح، وهناء ادور، ومي الاوقاتي.. وزاهيات عديدات أخريات..

والذكريات صدى السنين ..

   ها أنت تختتم الاستذكارات العجول – ايها الرجل- ولكنك لن تستطع ان تختتم المحبة، وما رسخ في الاعماق من ذكريات تتدفق شلالات عذبة من تلقاء ذاتها. مرات بفرح لا مدى له، واحياناً بأحزان مرةٍ على من رحلوا عن دنيانا الكذوب ..

   ولعل العديد سيسأل وماذا عن نسرين وصفي طاهر؟ الانسانة والسياسية الدؤوب، أذ لا ذكر لها، ولا أشارة  في هذه المحطات الوجدانية والتوثيقية. والجواب حاضـرٌ، بل وزاخرٌ ايضاً، وهو ان نصف قرن من الزمالة والصداقة والحب والرفقة الزوجية والحياتية والنضالية والاجتماعية، لا تستوعبها مثل هذه الوقفات، ولكن لها توثيقات تطول وتطول، وعسى ان تكون قيّدَ القراءة في قادم الايام القريبة ..

   وعلى امل توثيق ذكريات لاحقة، لصدى السنين، الدفاق  الجميل، أعتذر ايها الرجل عما لم تسعفك به الذاكرة من اسماء "عراقيات من هذا الزمان" ولا شكّ فأنهنّ سيسامحنّكَ عن ذلك، لأنهنّ يعرفنّ مسبقاً بأن لا قصد مما كان سوى السهو، وحسب ... فهنَّ، ومن سبقت الاشارة اليهنّ، كنّ واحاتِ يانعات زدنَّ الدنيا بهجة وعطاءات وتجارب انسانية، كمْ تعلمت منها، وكمْ أفتخرتَ بها، وما برحتْ...  

-------------------------------------------------- بـراغ / اوائل نيسان 2019

  

بضع ملاحظات حول

"عراقيون من هذا الزمان"

رواء الجصاني

   بعد الجولة الاولى من توثيقات (عراقيون من هذا الزمان) التي شملت محطات واستذكارات شخصية لعشرين صديقاً، هذه جردة سريعة حولها، مع توضيحات وتنبيهات ربما تعطى صورة اكثر شفافية لما اردتُ فكتبتُ، برغم ان هناك في بعض الحلقات، ولأكثر من مرة،  ما يفيد تلك الغاية. ولا بدّ اولاً من الاشارة الى سروري البالغ لما حظيت به تلك التوثيقات من اهتمام بصور واشكال شتى ...

    والشخصيات العشرون التي تمت الكتابة عنها خلال الاسابيع القليلة الماضية هم، وبالتسلسل التي جاءت به: 1/ علي جواد الراعي، 2/ وليد حميد شلتاغ، 3/ حميد مجيد موسى، 4/ خالد العلي، 5/ عبد الحميد برتـو، 6/ موفق فتوحي، 7/ عبد الاله النعيمي، 8/ شيرزاد القاضي، 9/ ابراهيم خلف المشهداني، 10 عدنان الاعسم، 11/ جبار عبد الرضا سعيد، 12/ فيصل لعيبــي، 13/ محمد عنوز، 14/ هادي رجب الحافظ،، 15/ صادق الصايغ، 16/ صلاح زنكنه، 17/ عباس الكاظم، 18/ هادي راضي، 19/ ناظم الجواهري، 20/ ليث الحمداني... وكل الحلقات كُتبت دون معرفة اصحابها، ولم يكن لهم اي اطلاع على ما أحتوته من تفاصيل، ونشرت جميعها في العديد من وسائل الاعلام..

    ومما يهم ان اشير له ايضا ان التسلسل قد جاء تلقائياً، وبحسب ما جادت به الذكرة، ودون اي اعتبار آخـر.. وكل الشخصيات المعنية كما هو واضح – ومع ذلك انوه اليه هنا – هي ممن لا تشغل الآن اية مهمة او منصب وغيره، سوى تميّزها بالروح الانسانية كما ادعي شخصيا على الاقل. وقد عمدتُ لذلك الاختيار أحترازا من احتمالات تنطع هنا أو تقوّل هناك، مع تأكيدى بأن ثمة شخصيات عزيزة أخرى لي معها - ولها معي - وشائج وصداقات وذكريات، جديرة بالتوثيق والتأرخة، ولكن قد أجلت الحديث عنها لفترات قادمة،  والى حين زوال الاسباب !.

    ومن الجوانب الاخرى التي شجعتني على الخوض بهذا المضمار – او المغامرة بحسب تعبير احد الاصدقاء- تصورى، بأن الاعزاء الذين كتبت لهم وعنهم، لم يأخذوا حقهم في التأرخة، أو ان الاضواء لم تسلط عليهم وعطاءاتهم العامة، السياسية والابداعية وغيرها، بشكل مناسب، يرغم تجاربهم الحياتية التي تؤشر لقيم ومواقف ما أشد الحاجة اليها في يومنا لمعاصر، والعراق يمرّ بما يمر فيه، خاصة وأن الغالبية منهم لم يدونوا ذكرياتهم وسيرهم حتى الان.

    ومن الملاحظات والتعقيبات التي اباح بها متابعون محترمون أني لم اتطرق لجمع كريم آخر، وكان ردي بأن هناك كتابات اخرى عنيّت بأحباء عديدين، ونشرت في وسائل اعلام مختلفة، وكذلك في كتابي: الاول "الجواهري .. بعيون حميمة" الصادر عام 2016 في بغداد، والثاني "تاريخ وشهادات ورؤى" الصادر هذا العام 2019  .. ومن بين اولاء الاعزاء: عبد الرضا علي، عبد الكريم كاصد وعواد ناصر يحيى بابان "جيان" وجمع كريم آخر.. اما الراحلون الاحبة فثمة ستٌ واربعون كتابة او ايجازا لهم وعنهم، ووعن العلاقة معهم، جلّها في كتابي الثاني المشار له اعلاه، وهم : 1/ آرا خاجودور، 2/ أسعد خضر اربيلي، 3/ بشرى برتو، 4/ تالي المالكي، 5/ ثابت حبيب العاني- ابو حسان، 6/ حسين العامل، 7/ جمعة الحلفي، 8/ جميل منير العاني، 9/ خالد يوسف متي، 10/ زكي خيري، 11/ زهير عمران، 12/ سامي العتابي، 13/ سعدون علاء لدين البياتي، 14/ سعود الناصري، 15/ شذى البراك، 16/ شمران الياسري- ابو كاطع، 17/ صالح دكلة- ابو سعد، 18/ صالح محسن الجزائري، 19/ صفاء الحافظ، 20/ صفاء الجصاني، 21/ عادل الربيعي، 22/ عادل مصري- ابو سرود، 23/ عادل وصفي، 24/ عامر عبد الله، 25/ عباس عبيدش، 26/عزيز سباهي، 27/ عزيز محمد، 28/ علي حسن- ابو حيدر، 29/ غانم حمدون، 30/ فائق بطي، 31/ فائزة باقر الجواهري، 32/ فالح عبد الجبار، 33/ فرات الجواهري، 34/ محمد حسين الاعرجي، 35/ محمد سعيد الصكار، 36/ محمود البياتي، 37/ محمود صبري 38/ مصطفى الدوغجي، 39/ مصطفى عبود، 40/مدي الحافظ، 41/ مؤيد نعمة، 42/ هادي العلوي، 43/ وصفي طاهــر، 44/  نزار ناجي – ابو ليلى،  45/ نضال الليثي، 46/ نضال وصفي طاهر.

     ومن المؤكد - كما اخطط وأسعى - ان هناك في الفترة القادمة جولة جديدة، وربما أكثر، في السير على ما تمت كتابته، لتضاف الى الباقات السابقة، باقات أخرى من المعارف والاصدقاء والاحباء، دعو عنكم الصديقات والزميلات والرفيقات ممن "زنَّ الحياة بوعدهنَّ، وشننها بوعيدهنَّ" وكم أتمنى ان لا أقصرّ في الاتيان بجميل الذكريات والتأرخة بذلك المسار برغم بعض تعقيداته، وأعني مراعاة بعض ظروف، وربما بضعة اسرار ايضا!!..

     وبحسب ملاحظات بعض الأعزاء فأن ثمة ايجازات في التوثيقات والاستذكارات التي نعني بها هنا، كما هناك تركيز على الجوانب الجميلة فقط... ومع أني أشرت لأكثر من مرة بأن المقصود والهدف ليس كتابة سير ذاتية، أكرر مرة اخرى لمزيد من التوضيح بأن جميع المنشور جاء بشكل أو آخر بقدر ما توفر لي من مشاهدات مباشرة، أو علاقة بتلك الشاكلة وغيرها. مع التنويه مجددا بأن كل ما تم توثيقه جاء وفق الذاكرة، ودون اي تداول مع الاحبة الذين تمت الكتابة لهم وعنهم.

    أخيراً، وايضا حول ما تستهدفه هذه الاستذكارات والتوثيقات، أشيـر الى انها جاءت للتعبير عن بعض وفاء، وتأرخة موجزة لكثير من العطاءات التي لا اجد تفسيرا مناسبا لتركها الى المستقبل، دون ان تكون شهادات عيان ليضيف لها اصحابها ما يعتقدون بأهميته، ويصححون ويزيدون وينقصون، وخاصة ان ثمة الكثير مما ينشر هنا وهناك بات مليئا بغير الدقة على اقل وصف، الى جانب استقاء المعلومات التاريخية من غير مصادرها، مما يشوه بعضها عمداً، او بدون قصد.

     اما على الجانب الشخصي فلن أتردد في القول هنا ان هذه الاستذكارات والوقفات التاريخية تأتي ايضا لأشهار علاقات وصداقات شيئت لي مع مناضلين وشخصيات وطنية وعامة، كما محبة وتعارف مع غيرهم، وفي كل ذلك وهذا: رصيد حياتي، ومعنوي، هو كل ما توفر لي في العالم المادي وعلى مدى اكثر من نصف قرن، اي بعد مرحلة الصبا والفتوة الجميلتين. وليست بجديدة على الكثيرين حكمة أو مقولة " ان الانسان يُعرف من اصدقائه" وها أنذا سائر على تلكم الطريق! .

          ------------------------------------------------ * براغ/ آواخر آذار 2019

 

  

 

 

ستة وخمسون عاما على

كارثة شباط الاسود في العراق

رواء الجصاني

 

هل ساعد الزعيم عبد الكريم قاسم على نجاح الانقلاب البعثي الفاشي عام 1963؟!

رواء الجصاني

-------------------------------------------------------------
    ليس بالضرورة ان تكون قراءة التاريخ، وتوثيقه، دعوة للثأر او الاثارة دائماً، ولكن ذلك قد يكون بهدف التنبيه والتأشيرعلى الاقل، لكل الذين لا يعون، او الذين لا يريدون ان يستفيدوا من تجارب ووقائع الحياة، واحداثها، بحسب الجواهري الخالد، في بيته المدوي: 

ومن لم يتعـظْ لغـدٍ، بامسٍ، وان كان الذكيّ، هو البليدُ

    ولا ندري - بل وربما ندري، ونتعمد خلاف ذلك! - كم نحتاج، وسنحتاج، اليوم لفهم وتبني تلكم الحكمة الجواهرية في عراقنا المعاصر، وثمة مخلصون و"طيبون" وغيرهم ممن يدعون - بدون ضوابط - للتسامح ونسيان الماضي، ولربما انهم ما برحوا مأخوذين بذلك الشعار الشهير: عفا الله عما سلف، الذي تبناه زعيم الجمهورية الاولى، عبد الكريم قاسم، طوال تفرده بالسلطة، حتى راح من عفا عنهم يسوقونه اولاً، مع ابطال نجباء، الى محرقة البعث الاولى، يوم الثامن من شباط عام 1963 الذي نكتب هذه السطور بمناسبة ذكراه السنوية السادسة والخمسين التي تمر هذه الايام..

    وان كانت الغرابة لا تثيرنا كثيرا حين يتحدث العامة عن "ضرورات التسامح" و"أهميات الالفة" و"حسنات النسيان" ... دعوا عنكم الغفران . ألا ان الغرابة تثيرنا وبلا حدود حين يتحدث بذلك الاتجاه، سياسيون ومثقفون، ديمقراطيون – أو هكذا ينبغي- بطيبة مرة، وعن قصدية مبتغاة، لمرات ومرات، وبدعاوى "الوطنية" وشعارات مكرورة مثل: "الاهم قبل المهم" و"العدو الاشمل" و" المؤامرة ضد الامة" ... و ما الى ذلك من مشابهات ومزايدات، لسنا في حال التصدى لها في هذه الكتابة على الاقل .

     وبذلك الاتجاه الذي تعمدته السطور السابقات، اي للوقاية والاحتراز من الطيبة الزائدة، نسعى هنا لتحفيز الذاكرة - وذلك اوسط الايمان - من خلال اجتزاء شهادات تاريخية وثقتها بلقيس عبد الرحمن، زوجة الشهيد العميد، وصفي طاهر، احد ابرز اقطاب ثورة / حركة الرابع عشر من تموز عام 1958 التي اطلقت الجمهورية العراقية الاولى، وحتى اغتيالها في الانقلاب البعثي الاول في شباط الاسود عام 1963 (*).

 

*عشية الانقلاب المشؤوم 

    تكتب بلقيس، زوجة وصفي طاهر، وهي شاهدة عيان ما نصه: "بتاريخ الأربعاء 6/2/1963 اتصل الزعيم عبد الكريم قاسم هاتفياً بوصفي طاهر، ليلا، وطلب حضوره الى مقره بوزارة الدفاع، فأسرع ليرتدي ملابسه، ويتوجه الى هناك على الفور، وبقي الى صباح اليوم التالي - الخميس 7/2/1963. وحينما عاد، قال لي: "لقد اطلعني الزعيم على قائمة بأسماء الضباط الذين يدبرون مؤامرة ضد الثورة، واكثرهم من البعثيين"...

    وقد أجابه - وصفي: "وماذا تريدني ان اعمل وانا ليس لي غير مسدسي؟! سأنزل الى الشارع مع الشعب واقاتل"... فردّ عليه قاسم: "لا تتكلم هكذا؟ فأنا سأسحق المتآمرين، ولن ادع اية مؤامرة تمر". فقال له وصفي: "ليكن في علمك ان المعادين للثورة من الرجعيين وغيرهم، التفوا حول البعثيين، ومعهم اذناب الاستعمار، والقوة كلها سلمتها لهم، في ذات الوقت الذي جرى فيه ابعاد المخلصين من الضباط، وحتى الجنود، عن المراكز المهمة، وانا - وصفي - وغيري من محبيك، نتوقع كل ساعة ان تحدث مؤامرة، ولكنها ستكون هذه المرة حالة كبيرة لا نعرف نتيجتها، وربما تنجح، وعندها سينتقمون من كل مؤيديك والجمهورية".

... اما  الزعيم فقد اجابه: "اطمئن، الجمهورية قوية والشعب قوي، وسوف ترى كيف سأقضي على المتآمرين". فقال له وصفي: "انت المسؤول عن سلامة البلاد والشعب، ويجب ان تأخذ حذرك، ولا تصدق لاحقاً كلام المنافقين""...

*صبيحة اليوم الاسود

   وتستمر "بلقيس" في ذكرياتها المخطوطة، فتقول: "في صبيحة يوم الانقلاب المشؤوم (الجمعة 8 شباط 1963) كنا نشاهد التلفزيون على الفطور، فاتصلت بنا احدى الصديقات لتنقل لنا بأن خبراً يُذاع من مأذنة جامع المأمون، غرب بغداد، التي تسكن قريباً منه، يقول بان هناك ثورة ضد الزعيم عبد الكريم قاسم... فأرتدى وصفي ملابسه فوراً، ليخرج الى حيث يقيم الزعيم، وكان معه 90 ديناراً أعطاها لي. ولما وصل الى هناك اتصل بنا وقال لا تبقوا في البيت، لأن المتآمرين هجموا على بيت العقيد فاضل عباس المهداوي (رئيس محكمة الشعب). وقد ذهبنا فعلاً الى بيت اقربائنا... وفي اتصاله الهاتفي الأخير معي، قال لي: نحاول السيطرة، وكوني شجاعة".

* الانقلابيون يستولون على السلطة

    في صفحات عديدة من ذكرياتها، تكتب بلقيس عبد الرحمن، خلاصات عديدة عن الانقلاب المشؤوم في ساعاته الاولى ومنه: "حين وصل وصفي الى بيت عبد الكريم قاسم، وكان قريباً من بيتنا، اتصلوا في الهاتف بمعسكر الرشيد، وطلب منهم الزعيم ان يخمدوا الفتنة، ولكنهم كانوا يسخرون منه ويشتمونه... وقال وصفي لعبد الكريم – بحسب شهود عيان - هذه نتيجة أخطائك وهذا ما كنا نتوقعه، فأجابه: "ليس الآن وقت ملامة يا وصفي، تعالوا معي الى وزارة الدفاع لنرى، ونتصل بالقطعات العسكرية الاخرى"، وهكذا ذهبوا جميعاً الى هناك، وقد كان في مقر الوزارة نفسها معادون، الى جانب الضباط والمراتب المخلصين هناك...

     وتضيف بلقيس: "كان وصفي قد أبعد العسكريين المعادين للجمهورية من كتائب الدروع، وعيّن المؤيدين بدلهم، احترازاً مما قد يحدث. فقد كان المتآمرون قبل ان يقوموا بأي شيء، يحسبون لقطعات الدروع الف حساب، لذلك اوهموا عبد الكريم قاسم بان وصفي، ومؤيديه، ومعه الحزب الشيوعي، سيقومون بانقلاب عسكري ضده، ويتسلمون الحكم. وقد صدقهم، بل راح يشكّ حتى بوصفي، فكلّف أجهزة الامن بمراقبته".

     وفي سياق ذي صلة، تنقل بلقيس أيضا، عن وصفي طاهر ان العميد الطيار جلال الأوقاتي، قائد القوة الجوية، كان مراقباً أيضاً بحسب اوامر الزعيم قاسم، لأنه كان عضواً في الحزب الشيوعي، ومن قبل قيام ثورة 14 تموز. وقد استقال من الخدمة العسكرية في العهد الملكي، وفي اول يوم من الثورة عيّنه عبد الكريم قائداً للقوة الجوية، باقتراح من وصفي، وقد كانا أصدقاء، ويحملان أفكاراً ديمقراطية، ولذلك فان المتآمرين وقبل ان يقوموا بأية خطوة ساعة انطلاق تحركهم في 8 شباط 1963، نفذوا عملية اغتيال جلال الأوقاتي، وقد كانت تلك ساعة الصفر للانقلاب المشؤوم"...

* توثيقات عن الساعات الأخيرة

    مثلما كانت هناك العشرات من "الشهادات" و"الاجتهادات" و"التوثيقات" بشأن تأرخة شؤون التهيئة لثورة 14 تموز 1958 وتنفيذها، ومسيرتها، ومن ثم الاجهاز عليها في 8 شباط 1963... ظهرت "شهادات" و"اجتهادات" و"توثيقات" بشأن مصرع وصفي طاهر واستشهاده، مدافعاً عن قناعاته ومبادئه...

    وتكتب بلقيس في ذكرياتها – مذكراتها التي تركتها مخطوطة قبل رحيلها عام 2001: علمت بعد شهور من انقلاب شباط الاسود، ومن احد العسكريين المرافقين واسمه نعيم سعيد، بأن وصفي طاهر ذهب مع عبد الكريم قاسم الى مقر وزارة الدفاع في باب المعظم، وكان يعاتبه بشدة ويقول له، "هذا ما حذرتك منه"، وكان الأخير يردّ: "ليس وقت هكذا حديث الآن". وحينما اشتد القصف على الوزارة، وكان وصفي يتصدى للانقلابيين، طلب من مرافقه وسائقه، ان يخلّصا نفسيهما ويتركاه لوحده، فهو سيدافع عن الثورة الى اخر قطرة من دمه، وذلك ما كان بالفعل.
    وبعد بضعة عقود، وفي 2007 تحديداً، يُعرض برنامج تلفزيوني ببغداد، بمناسبة الذكرى السنوية للانقلاب الفاشي، ويتحدث فيه أحد آخر عسكريين اثنين بقيا مع وصفي طاهر حتى اللحظات الأخيرة، وهو مرافقه الشخصي نعيم سعيد، فيؤكد أن وصفي طاهر طلب منه، وكذلك من سائقه فيصل عذاب، وكانوا جميعا في مقرات وزارة الدفاع يقاومون الانقلابيين، طلب منهما ان يسلما نفسيهما، بعد وضوح النتيجة، ونفاد الذخيرة، قائلاً لهما انه هو المطلوب أساسا من الانقلابيين، وحينما استدارا، وبعد ذلك بلحظات، سمعا صوت طلق ناري، انهى بها وصفي طاهر حياته.
     وهكذا يتخذ وصفي طاهر القرار، كما قرر، وأفصح عن ذلك، أمام زوجته، وأمام عبد الكريم قاسم بالذات، في أوقات سابقة، بأنه سيقاوم أية محاولة لاسقاط الثورة، وسيحتفظ بآخر طلقة لنفسه... وبحسب المتحدث، نعيم، في البرنامج التلفزيوني الذي جرت الاشارة اليه في السطور السابقة، فانه، وفيصل، مددا وصفي طاهر، واغمضا عينيه، وقاما بتسليم نفسيهما للانقلابيين. ومن المعروف والموثّق، كيف عرض تلفزيون بغداد، الذي سيطر عليه انقلابيو 8 شباط جثة وصفي طاهر، وبأسلوب حاقد ولئيم، لا لشيء إلا لاحباط عزائم المواطنين، المقاومين للانقلاب في حينها، وكذلك لطمأنة أنفسهم من الرعب الذي كان يحيط بهم من قيادات الثورة التموزية.

-------------------------------------------

 (*) شهادات بلقيس عبد الرحمن مستلة من مؤلًف: " وصفي طاهر.. رجل من العراق" – كتابة وتوثيق: رواء الجصاني ونضال وصفي طاهر، الصادر عام 2015 بطبعتين عن: بابيلون للثقافة والاعلام - براغ، ودار الرواد المزدهرة – بغداد .

 

هوامش وملاحظات

عن بعض مؤلفات السيـر الشخصية، والمذكرات

.. وعن بعض كتابها، وكتبتها!

رواء الجصاني

..وللانشغالات (بل والابتلاءات) اشكال وانواع متعددة، وواحد منها (داء) القراءة الذي يبدو بأن لا علاج له، وخاصة أذا ما أستفحل، وأمتد لعقود، كما هي الحال التي نعيش.. وأبتلاؤنا الأشد كما ندعي، متابعة الاحداث التاريخية، العراقية خصوصا، عبر كتب السيرة والذكريات والاستذكارات، للمؤلفين أعينهم، أو لمن يكتب و"يؤلف" عن الاخرين ولهم.. وهكذا تعج المكتبة الشخصية بنحو مئة مؤلَف ومؤلف عن ذلكم الشأن، وغالبيتها لسياسيين ومثقفين عراقيين عاصروا الاحداث منذ بدء قيام البلاد العراقية الجديدة، ونعني في مطالع القرن الماضي والى اليوم ..

   والهوامش والملاحظات التي سترد في الفقرات اللاحقة لا تعنى بالاسلوبية، ولا شكلية الكتابة، فلتلك احاديث اخرى تطول وتتسع، وهي من اختصاص النقاد والمنتقدين ذوي الباع بفنون الكتابات والسرد، ولسنا من بينهم بالتأكيد.. وبمعنى ان ما سيجري التطرق اليه، وحوله ذو صلة بالمضامين والمعلومات الواردة في الكتب والمؤلفات المعنية بالمذكرات والسير الشخصية، والذكريات والتأرخة العامة..   

     وبحكم ما شيئ ان اكون معاصرا له، ومعنيا به بهذا القدر أو ذلك في جوانب عديدة من شؤون- وكذلك شجون - سياسية وثقافية وغيرهما، وبخاصة خلال العقود الخمسة الأخيرة المليئة بالأحداث والوقائع والتشابكات، فقد تراكمت الملاحظات والتقييمات حول ما نُشر – ويُنشر- حول العديد والكثير مما دعونا نسميه كتب وكتابات السيرة والذكريات وما بينها .. لعل من أبرزها:

1- قيام بعض كتاب و"كتبة" سيراتهم الشخصية، او عن الاخرين- ولربما بهدف "تضخيم" صفحات المنجز –  باللجوء الى خلط الأمور، وبتداخل مفضوح احيانا، في الحديث عن تفاصيل بديهية أو معروفة بشكل كبير، وبلا اية ضرورة، ثم يذهب (المؤلفون!) بعد الاسهاب الممل فيشيرون عبورا ومرورا بـ"سيرتهم" أو علاقتهم بالحدث المعني، بكلمات او جمل قصيرة طارئة.

2- طفوح ظاهرة الـ ( نا) واشاعة الايجابيات، مقابل إغفال المعاكس، وحتى ان تطلب الامر القفز على احداث معروفة، أو شبه موثقة، مما يضع الكاتب/ المؤلف في حرج لا ضرورة له. وهنا لا نقصد باية حال غمط حقوق المؤلفين، والكتاب في الحديث عن أدوارهم ومواقفهم، والتوثيق لها، في شؤون الحياة العامة خصوصا  ..

3- اجتزاء الوقائع، ومحاولة استغفال المتلقي غير المتابع، بل وحتى تزوير المعلومة كاملة، بهدف تمرير ما يدور في ذهن الكاتب من مشاعر او رغبات، أو تصفية حسابات شخصية، ثقافية مرة، وسياسية مرة، وحتى اجتماعية في حالات أخرى.. وكم جرى "التدرع" بتقديم شخصية معروفة للمؤلف المعني، وسواء كان ذلكم التقديم قد جاء إقتناعاً أو مجاملة، أو تلاقي النيّات والاراء.

4- محاولة اعتماد نظرة احادية للحدث والتوثيق، مراعاةً للانتماء السياسي او القومي وغيرهما، وتجاوزا للموضوعية والتاريخ العزوف عن النسيان. وقليل ما رأينا، في العشرات من الكتب الصادرة، توثيق وجهات نظر مقابلةـ انتقادية وغيرها.. والأستثناءات هنا تثبت القاعدة، سيّما لدى الكبار الواثقين من الخطى والعطاء.

5- شيوع المجاملات الصداقية والوجدانية، والعلاقات الشخصية في اختيار التوثيق او الحدث في الكتابة.. وفي غمار ذلك يسود، أو يجري نسيان أو تناسي مواقف سابقة للكاتب نفسه، مخالفة وربما متشددة حول، وضد، نفس الشخصية التي يجري مجاملتها لاحقا لهذا السبب أو ذاك..   

6- اسناد مواقف وتقييمات لراحلين، او عاجزين عن الرد والتوضيح لما يُنسب اليهم، مما يضعف من صدقية الحدث او الواقع المؤرخ له.. وكل ذلك  لكي يمرر الكاتب او "المؤرخ" غاياتٍ ما، يعتقد بيسر مرورها ما دام الذين يُسند اليهم غير متمكنين من الدفاع أو الرد، كما سبق القول.

7- مراعاة بعض الكتاب (والكتبة) لأمزجة الناشرين، وأصحاب المواقع الاعلامية، ومواقفهم من الاحداث والسيرات الذاتية، والوقائع التاريخية. ومن دوافع ذلك: الرغبة في النشر والانتشار وحتى لو كان على حساب الضمير والامانة والمسؤولية الشخصية .  

8- والشأن نفسه في الفقرة السابقة يتكرر، ولكنه يأتي هذه المرة مراعاة لأولي الامر من سياسيين  ورسميين ومسؤولين وظيفيين وعداهم، وما أبشع ما ساد في العقود والسنوات الأخيرة في عراقنا العجيب، من مثل هكذا أوضاع وظروف.

9- ولعل ما يزيد الطين بلّة كما يقال، مساهمة العديد من "النقاد" والاعلاميين في الترويج لمؤلفات اصدقاء ومعارف، وذوي علاقات، على اساس (التخادم) احيانا، أوالتعامل بالمثل احيانا اخرى، وفي كلتا الحالتين يكون الأمر على حساب التاريخ والمسؤولية المهنية ... فكم أهملت مؤلفات قيمة بشهادة المعنيين، بينما راحت كتابات اخرى " تُـلمع" حتى تفقد بريقها، خلافاً لما يُراد !.

10- أهمال التحقق المعلوماتي، وتجاوز التدقيق والبحث، اما عجزاً، أو بهدف العجالة لأصدار المؤلف والكتاب، ولا موقع هنا للنوعية، حين يكون الكمُّ هو الهدف وإن كان غير معلن، ولكن الكتاب يُبان من عنوانه كما هو شائع ومعروف ..

11- رهان عدد من "المؤلفين" و "الكتاب" على اخلاق القراء والمتلقين - وربما كسلهم احيانا -  في عدم التكذيب، أو توضيح الملتبس، المقصود وغيره، مما شجع ويشجع في مثل ذلك الغيّ، والتمادى فيه دون حساب..  

12- ووفق الفقرة السابقة ايضا، يقوم البعض ممن نتحدث عنهم- كتابا ومؤلفين-  بالهان على أن المقصودين في التشويه أو التزوير، وحتى التطاول عليهم،  يترفعون، قيماُ وقناعات، في الرد على الاسفاف والادعاءات، ولربما ايضا رغبة في عدم إعلاء شأن المتجاوزين والذين يتمنى العديد منهم - كما نزعم – ان يَسمع أو يقرأ حتى تكذيب أفتراءاته،ودحرها،  ليزداد الكتاب انتشارا كما يسعى مؤلفه، ويبغي..

13- ولعل من المفيد ان نؤشر اليه هنا ايضا لدوافع الأتجار في كتابة السير والتأرخة، بما يخدم مرحلة وظرف محدد، ويزيد من أنتشار المطبوع ذي الصلة. فيبدأ التلفيق والانتحال ولا ينتهي عند حدود سوى الايفاء بالجهد المبذول حسب المدفوع من اجور، ماديا أو جزاء مقابل الخدمة المؤداة ..

14- وفي سياق المحددات لما آل اليه الوضع، نجد اهمية في الأشارة الى دور المؤسسات الرسمية، وقياداتها، والمهيمنين على السلطة ومنذ عقود، في التزوير العلني للتاريخ والاحداث، في سياقات مدروسة ومخطط لها، وبقوة غاشمة حتى! .

15- ولعل ما تم الحديث عنه من هوامش وملاحظات على كتب السير الشخصية، والتأرخات، يشمل ولحدود بعيدة: الحوارات التلفزيونية والاذاعية – والصحفية طبعا-  في أطر التساؤلات والحوارات المباشرة، وبعدها الاجابات المجتزأة والمرسلة على عواهنها بلا حسيب أو رقيب.

16- وارتباطا بالنقطة السابقة نشير الى إستغفال عدد من "رجال" العراق و"مثقفيه" للمحاورين الشباب، أو غير المهيئين لمثل تلكم الحوارات التاريخية، وغير القادرين على توثيق الاحداث، بل وغير العارفين بها اصلا بعض الاحيان.

 

   ان للعديد من الملاحظات والنقاط والمزاعم اعلاه، بل سنقول جميعها ولا نتردد، أمثلة وتفاصيل مباشرة وملموسة. ولكن لأننا نكتب هنا عن ظاهرة / ظواهرعامة بحسب قراءاتنا، فسنكتفي بما جرى تأشيره، وكم نتمنى ان يُتاح الوقت وتسمح الظروف ان نتناول، وبالتوثيق المحدد، مؤلفات سيّر شخصية، و"شهادات" وكتابات تأريخية، مع معرفتنا مسبقا بما سيتسبب به ذلك من خسارة صداقات، وإثارة بغضاء، وسجالات وما الى ذلك، ولا ندري هل سنكون شجعاناً في خوض ذلك الغمار، أم لا ؟!!.. 

---------------------------------------- براغ: اوائل كانون الثاني 2019

 

 

الجواهــــري ... وأرا خاجــادور

علاقات حميمة ... ودلائـل

... وشؤون اخرى

رواء الجصانـي*

    ازعم بأن الكثير، وحتى من بين المتابعين، لا يعرف سوى القليل القليل عن العلاقة بين الجواهري الخالد، والمناضل الوطني، آرا خاجاودر، والتي نسعى لتوثيق البعض منها في هذه المناسبة الاستذكارية، ولو في عجالة، وعلى شاكلة مؤشرات وحسب ..

    ولربماالأكثر من ذلك، سيتفاجأ البعض، أصلا، ان تكون، بل وتسود، رويدا رويدا، فتتأصل مثل تلكم العلاقة الوطيدة، الانسانية قبل غيرها.. اذ الجواهري بعيد عن اي تنظيم سياسي، والحزبي منه بشكل رئيس، منغمرا في عوالم الابداع والفكر.. وآرا،  بعيد عن الشعر والادب، منغمسا في مهام النضال الحزبي والوطني، مُبرزاً فيه.. 

   ولكن الانسجام الشخصي، والوجداني، والاغتراب الاضطرارى، وفي براغ خاصة، جمع بين الرجليـن أكثر فأكثر: ذلك القائد في مرابع الشعر والفكر، وريادته، وذلك القائد في العمل النضالي، والحزبي، وعراقته.. وكم اميل هنا للانحياز الى من يرى بأن العلاقات الانسانية هي الاخلص والاسمى عن غيرها من اشكال العلاقات السياسية والاجتماعية، وحتى الاسرية، في بعض تجلياتها، وسواها عديد عديد.

     ورائدانا المقصودان : الجواهري و آرا، لربما ارادا بعض استراحات هنا او هناك من انشغالاتهما، وما اشقها، فراحا يلتقيان، ويتسامران، بعيدا عن عوالمهما المزمنة، ويتآلفان، ويأتمن احدهما الاخر على ما جمع ويجمع بينهما من ارتياحات وتآلف... وهكذا امتدت تلكم الحال لنحو خمسة عقود، في براغ أولا، وسنوات منها في الشام ... وقد دامت دون حدود، لحين الرحيل عن عالم اللاخلود.. أو ليست العلاقات الانسانية هى الارقى، كما سبق القول.. ؟!.

     مؤكدٌ  اني  مطالب الان ان اسرد، لأوثق .. ولأن الوقت محدود والمناسبة محددة، سأكتفي بنموذجين وحسب، وازعم من جديد، بأن فيهما ما يدل ويؤشر ويؤرخ لما أبحــتُ به، ومالم ابحْ عنه متنوع ومديد ...

    الحدث / الواقعة الاولى منشورة في كتاب " الجواهري .. بعيون حميمة" الصادر عام 2016 وفيه - تحت عنوان "مملّحة"  لـ :آرا خاجودور، وكاظم حبيب، مايلي:

  " لاسباب يطول الحديث، بشأنها، سادت لدى الجواهري عام 1988 رغبة جامحة في ان يغيّر شقته في براغ، التى كان قد قضى بها اكثر من ربع قرن. وقد حاول شخصياً، ولم يفلح، فلجأ الى المسؤول الشيوعي العراقي الاول في براغ آنذاك، كاظم حبيب- أبو سامر، لكي يسهل له ذلك عبر الجهات التشيكية ذات الصلة.

  وأذ يتأخر كاظم – بظن الجواهري- عن تلبية طلبه، عاد الشاعر الخالد الى صديقه الاخر، آرا خاجادور، أبو طارق، وكان معنياً بشكل رئيس بشؤون العلاقات السياسية والحزبية الشيوعية العراقية - التشيكية، ليتدخل في حلّ الامر.... ثم، لتحريك الموضوع، وعلى اساس انه شعر اخواني(!) يكتب الجواهري قصيدة يخاطب بها كلا الرجلين، ويحثهما بشكل تحريضي، وتنافسي، للتعجيل بتمكينه من تبديل شقته باخرى، وهي قضية ليست سهلة في حينها.

   وأذ لا تحضرني ابيات القصيدة الان، المحفوظة لدينا في الارشيف العامر، أتذكر من بينها: "يا ابا سامرِ كنْ شفيعي لكي ابدلُ الدار، دارا"... ثم يهدده- أن تباطأ- باللجوء الى "آرا" والذي هـو "ابٌ لكل الغيارى". وهكذا تستمر المناورة الجواهرية، وتنجحُ، وتتغير الدار".

انتهى النص المنشور في الكتاب...

والان هذه هي بعض ابيات من تلكم القصيدة، وأثبتُ  ان ( ارا – ابا طارق ) قد نجح في تحقيق ما اراده الجواهري، ففاز بالرهان على (كاظم – ابي سامر):

... يا ابن ودي, ولست مبدلَ ودٍ، كنْ شفيعي أن أبدلَ الدار دارا
وتعجلْ أمري لتخلد في التاريخ زهوا، وعزة وافتخارا
يا "ابا سامرٍ" فُـز بالرهانِ، وشمرْ لِسباق في حومةٍ لا تُجارى
أو..  فهذه أنشودةُ، تتغنى بـ"أبي طارق" المبجلِ "آرا"
يا أبا طارقٍ وسُميّت "آرا" .. أنّ "آرا" أبٌ لكل الغيارى
كان "سامٌ" وكان "آرا" قديماً، والحضارات تستدانُ لـ"آرا"
يا بنَ ودي ولستُ مبدلَ ودٍ، كن شفيعي لأبدلَ الدار دارا

أترى ثمة احتياج، أو حاجة لتفسير وتفصيل، لما عبقت به تلكم الابيات الانسانية الفواحة؟!..

--------------------------

  اما الواقعة/ الحدث الثاني، الذي أريد التوثيق له فهو مشاركة أرا خاجادور، قبل اشهر قليلة، فقط، في كتاب اصدره مركز الجواهري في براغ، بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لرحيل الشاعر الخالد التي صادفت في السابع والعشرين من تموز الفائت . وقد ضم الكتاب ذكريات وانطباعات ومواقفَ مع الجواهري وعنه، ساهم فيها اربعون مبدعا وسياسيا ومثقفا مميزا - ودعوا عنكم اولئك الذين ظنّوا، فضنوا.. !!!- .. ومما جاء في مساهمة آرا في ذلكم الكتاب، وكانت بعنوان: "وداع بغداد والغربة" اقتبس منها:

.." كان الجواهري خلال كل حياته منحازاً بقوة للفقراء والكادحين، ومعبراً عن حقوقهم ومظالمهم وطموحاتهم. في أيام الوثبة كانت قصيدة أخي جعفر؛ شهيد الوثبة، بالنسبة لنا قوة دفع معنوي لا يدانى، وكم من المرات إلتقيتُ الجواهري، وسمعتُ وتحسست إصراره على دعم الفقراء من أبناء الشعب العراقي، وكم كانت جميلة ومنسجمة جلساتنا بمشاركة الشهيدين سلام عادل وجمال الحيدري وغيرهما...".

ويستمر آرا خاجودور فيقول: "لا يمكن لحيز محدود أن يعبر عن علاقات دامت نحو خمسة عقود، شملت لحظات عذبة، وفترات مديدة إنطوت على مصاعب جمة، في بغداد المنبت، وبراغ الفسحة المزهرة، وفي دمشق الشعر والسياسة والوجوه الإجتماعية المبدعة في مختلف أوجه النشاط الإنساني"... انتهى النص..

وبعد الاقتباس اعلاه، دعوني أتساءل من جديد، أثمة حاجة أو احتياج لشرح ما سبق من سطور، معبرة وان أوجزت؟!.

ترى هل للحديث صلة ؟ ... اقول نعم، ولعل قوادم الايام تسعف لكي نوثق عن بعض علاقات شخصية وسياسية، مع ارا خاجودور، منها في بغداد، اواسط السبعينات الماضية، حين كان الرجل معنيا بالعمل النقابي والمهني، وكنت، اشغل وقتئذ عضوية مكتب العمال المركزي للحزب، وطبيعي ان تكون هناك صلات وشؤون ..

وأخرى، اي تلكم الذكريات والشؤون، راحت تترى حين عاث بنا الجراد، فتوجهت قبلتنا الى المغتربات، وبراغ تحديدا، ليكون هناك اكثر من تكليف، وصلة والتزام سياسي وتنظيمي مع الراحل المجيد، خلال توليه مهامه القيادية المركزية المتعددة: التنظيمية وفي مجال العلاقات الدولية... وغيرها. وكنت ذا صلة بالعديد من تلك المهام والمسؤوليات، في لجنة تنظيم الخارج للحزب الشيوعي، وفي تمثيل اتحاد الطلبة العراقي العام، لدى سكرتارية اتحاد الطلاب العالمي. ... وهنا أتوقف عن الكلام المباح، وغير المباح منه كثير ايضا، ولربما يحين ظرف آخر ليكون الكلامُ كلهُ مباحا !!! ...

-----------------------------------------------------------------

كلمة رواء الجصاني، مدير مركز الجواهري للثقافة والتوثيق، القيت في حفل تأبيني حميم، اقيم في العاصمة التشيكية براغ مساء الثلاثاء: 2018.1.23 بمناسبة اربعينية الفقيد الكبير: آرا خاجودور، وبحضور بعض عائلته، ونخبة من الشخصيات الثقافية والسياسية العراقية والعربية ..

 

 

 

رسالة ماجستير

"الغربة والحنين في شعر

محمّد مهديّ الجواهريّ"

 

رواء الجصاني

 

من المصادفات الجميلة في هذا الزمن الرتيب، البكّاء، وبالتزامن مع السنويـــة العشرين لرحيل الشاعر العراقي – العربي الخالد، دافعت الباحثة اللبنانية: هبة محمد مصطفى، قبل فترة وجيزة، عن رسالتها للماجستير الموسومة " الغربة والحنين في شعر محمد مهدي الجواهري" ولتجاز بدرجة جيد، من اللجنة الاكاديمية في كلية الاداب والعلوم الانسانية / الجامعة اللبنانية بيروت. (*)

وقالت "هبة" عن دوافع اختيارها  لهذهِ الدّراسةِ، وللعنوانِ: " هو حبُّ الإطلاعِ وتعرّفِ حياةِ شاعرٍ لفتَ إنتباهي منذُ بدايةِ قراءَتِي لشعرِهِ وحياتِهِ، وقد سعيتُ جاهدةً إلى اكتشافِ ملامحِ تلكَ الشّخصيّةِ العملاقةِ الّتي لُقِّبَ صاحبُها بشاعرِ العربِ الأكبرِ، كما أنَّه حصلَ على لقبٍ شعريٍّ مميّزٍ وهو متنبي العصر. وهذا ما ولّدَ الإعجابَ في نفسي أكثر، ولقد تاثّرْتُ كثيرًا  بحياتِهِ وغربتِهِ وحنينِهِ".

* اما عن اهمية الدراسة، واهدافها، فقالت الباحثة:

"ان الاهمية تكمن في ان تعرّفِ  بشاعرٍ عملاقٍ صاحبِ مخزونٍ شعريٍّ لايزالُ حتَّى اليومِ يُعدُّ من النّوادرِ، اِلتَحمَ شعرُهُ بالأحداثِ العنيفةِ مدًّا وجزرا،ً ثباتًا وتقلّبًا، وأصبحَتْ قصائدُهُ المواكبةُ لها مناراتٍ تضيءُ لعشاقِ الشعرِ والوطنيّةِ والقوميّةِ معًا، الشّعرُ في أنموذجِهِ العالي الّذي تتردّدَ من خلالِهِ أصداءُ شعراءِ العربيةِ الكبارِ: المعرّيُ والمتنبي وأبو تمام والبحتري والشريف الرّضي وغيرُهم من أصحابِ القاماتِ الكبرى، يحاذيهِمُ الجواهريُّ ولا يتخلّفُ عنهم، بل يتجاوزُهم بمذاقِ العصر وفتنةِ المغايَرَةِ والقدرةِ الفذّةِ على إبداعِ الصّورةِ الشّعريةِ في منمنماتِها، وتنويعاتِها الإيقاعيّة"... اما اهداف الدراسة - البحث فهي:

هدف الكشف عن دورِ الغربةِ وما ولّدتهُ من حنينٍ لدى الشّاعر، وكيف عبَّر عن ذلك في شعرِه.

اِستكشافِ أبرزِ محطّاتِ حياتِهِ في الوطنِ والغربةِ والهجرةِ القسريّةِ الّتي أنَّ منها، حيثُ كان الحنينُ المُشعِلَ لثوراتِ النّفس، ما جعله سيّدًا للحرف ، يغوصُ في كنفِه مُبحرًا في عالمِ الشعرِ، شاعرًا صلبًا يقفُ جبّارًا عنيدًا يتحدّى كلَّ الصّعابِ على الرَّغم مما يعتوِرُه من مشاعرَ متناقضةٍ أحيانًا.

 

وتستمر الباحثة في التعريف برسالتها فتقول:

تناولتُ في رسالتي ( الغربة والحنين في شعر محمّد مهديّ الجواهريّ).. وقد وجدْتُ عالمَ الجواهريِّ عالمًا شعريًّا بامتياز، حتّى أنَّ الحياةَ عندَهُ كانَتْ تُعادُل العيشَ بوضعٍ شعريٍّ، وهي إنْ خلَت أصبحتْ جحيمًا.

   إنّ الجهدَ المبذولَ في دراسةِ شعرِ محمّدٍ مهديٍّ الجواهريّ وإقامةِ الرّكائزَ البحثيّةَ، حتّمَتْ عليَّ توزيعَ الرّسالةِ بينَ مقدّمةٍ ومدخلٍ وفصلين وخاتمة . تُشكِّل المقدّمةُ مدخلًا عامًّا  للرّسالةِ، يعرضُ بشكلٍ موجزٍ البحثَ وموضوعَ الرّسالةِ، وهي تحتوي على نقاطٍ لا بُدَّ منها، للتعريف بالشّاعرِ وأسبابُ اختيار الموضوع، والمنهجُ المتّبعُ في الدّراسةِ وصولًا إلى عَرْضِ مضمونِ فصولِها.

   أمّا المدخلُ فَقَدْ تَناولَ سيرةَ حياةِ الجواهريِّ، ومراحلَ حياتِهِ، كما تناولَ عَرضًا لمخزونِهِ الشّعريِّ والثّقافيِّ، ومؤلّفاتِهِ الشّعريّةِ.

   وفي الفصلِ الأوّلِ تمَّ عرضُ موضوعِ أهميّةِ الوطنِ وأيضًا أزمةِ المواطنةِ الّتي عاشَها الشّاعرُ. أمّا الفصلُ الثّاني فقد تناولَ موضوعَ الغربةِ والحنينِ في شعرِ الجواهريّ، فعرّفَ عناصرَ الغربةِ، ومظاهرَ الحنينِ الّتي تناولَها الشّاعرُ في قصائِدِه. وقد أَنْهيتُ الرّسالةَ بخاتمةٍ عامَّةٍ عن موضوع الرسالة.

 

واخيرا، وعن النّتائجُ الّتي حققَتْها الرّسالةُ، اضافت الباحثة هبة محمد مصطفى: .

تناولت هذه الدّراسةُ موضوعَ الغربةِ والحنينِ في شعرِ الجواهريِّ وكشَفَتْ عن أزمةِ الشّاعرِ الحقيقيّةِ، وأسبابِها وعناصرِها الّتي ساهَمَت في إشعالِ روحِ التّمرّدِ والثّورةِ في حياتِهِ. كما أظهرَتْ السّمةَ الّتي ميَّزَتْ شعرَ الجواهريِّ وهي القدرةُ على التّمرّدِ والتّحديِّ، وتجلَّى ذلكَ في كثيرٍ من القصائد، وقد عبّر ذلك عن جماليّةِ  الإبداعِ لدى الشّاعرِ،  فقد أبرزَت الحماسَ والزّخمَ في الأحداثِ  في قالبٍ شعريٍّ جميلٍ  يحملُ اللوحاتِ الدّراميّةَ بأسلوبٍ مؤثِّرٍ.

 لقد توصّلَتْ الدّراسةُ أيضًا  إلى الكشفِ عن مدى تأثرِ الشّاعرِ بواقعِهِ، وعن كيفيّةِ توظيفِهِ للشّعرِ في خدمةِ وطنِهِ، وفي الّتعبيرِ العميقِ عن واقعِهِ المؤلم، فكانَ الجواهريُّ لكلِّ ذلك لسانًا ناطقًا بأحلام العراق وأشجانِهِ وانكساراتِهِ، وقد كلَّفَتْهُ هذه الوظيفةُ - التي ارتضاها لنفسِهِ - حريَّتَهُ، ومستقرَّهُ في وطنِهِ، وأهلِهِ، وكلَّفَتْهُ غربةً ومنفى، وكلَّفته جنسيِّتَهُ العراقيةَ التي نُزعتْ منه، وكلّفتهُ أنْ مات بعيدًا عن دِجلةَ والفُراتِ، وكلَّفته أنَّ كَفنَه لم يُنسجْ من شراعِ القاربِ الّذي رآه على صفحةِ دِجلةَ.

 لقد أضاءَتْ هذه الرّسالةُ على  حياةِ شاعرٍ شَغَلَ التّاريخَ، فهو عاشَ غريبًا بكلِّ ما أوتيَ من معنى للغربةِ .. فهو الشّاعرُ الّذي جمعَ بين دفاتِ شعرِهِ حبًّا منقطعَ النظيرِ لوطنٍ عانى ويلاتِ الظلمِ ولايزالُ، وقد شكّلَ شعرُهُ وثيقةً تاريخيّةً  وحقلًا واسعًا للأبحاثِ والدّراساتِ ستحملُ الكثيرَ من الموضوعاتِ  والمضامين العميقةِ .

  وختامًا أرجو من خلالِ هذهِ الدّراسةِ أن أكونَ قد أجبتُ عن كلِّ الأسئلةِ التي تَضمّنتْها خطةُ البحث، محقّقةً الأهدافَ المرجوةَ. كما أتمنى أن تكونَ قد فتحَتْ آفاقًا واسعةً وجديدةً حولَ موضوعِ الغربةِ والحنينِ في شعرِ الجواهريِّ، وأن تكونَ بذرةً لدراساتٍ أخرى تفيدَ المكتبةَ الجامعيّة والعربيّة بشيءٍ جديدٍ.

-----------------------------

(*) تشكلت، اللجنة الاكاديمية التي اجازت الرسالة – الدراسة من د. هند اديب، رئيساً ود. دلال عباس، مشرفةً، ود. رامز يزيك، عضواً، وذلك بتاريخ 30/6/2017 .

 

 

عراقيون.. في قصيد

الجواهري العامر

رواء الجصاني

1

 يصدر عن مركز الجواهري للثقافة والتوثيق خلال الفترة القريبة القادمة، بحث- توثيق، اعده رواء الجصاني، يشمل اسماء مشاهير وشخصيات، ووجوه، وغيرهم، من العراقيين والعرب والاجانب وعداهم ، قدماء ومعاصرين، وردت في شعر المواهري العامر، المنشور في ديوانه بشكل رئيس .. وسواء جاء ذلك الوارد مدحا او هجاء، او في تلك المناسبة وسواها.. وفي التالي القسم الاول من قسمين يشملهما الفصل الاول لذلك البحث – التوثيق/ مع تحيات مركز الجواهري:

 

- اولا: شخصيات ومشاهير

1/ "شيخ الشريعة".. رجل الدين الشيعي الشهير في زمانه، في النجف، بقصيدة

 "رثاء شيخ الشريعة" عام 1921:

 "ابا حسنٍ" في الصدر مني سريرةٌ، سألتها حتى تباحُ سرائرهْ

 

2/ محمد تقي الشيرازي، الفقيه ، في قصيدة "ثورة العراق" عام 1921:

"محمدٌ" ومعجزٌ ، مثلك يا "محمدُ"

 

3/ ابراهيم الجصاني، الفقيه والعالم الديني- وفيها تورية لأسمي ابنيّه:

 جواد، ومحمد، في قصيدة "خلّ النديم" عام 1922:

نسبٌ زهت بابي "الجواد" فروعه، والى "محمد" ينتمين عروقهُ

 

4/ هارون الرشيد، الخليفة العباسي، في قصيدة "امين الريحاني" عام 1922:

نام "الرشيدُ" عن العراق وما درى، عن مصرهِ "فرعون" ذو الاوتادِ

- وكذلك  في قصيدة "ذكرى دمشق الجميلة" عام  1926:

مضى "فرعون" لم تفقدهُ مصرُ، ولا "هارون" جنّ له العراقُ

- وكذلك في قصيدة "بغداد على الغرق" عام 1927:

 احقاً أن "ام الخير" منها، بعاصمة "الرشيد" احاط شـرُّ

-  وكذلك في قصيدة "اطياف بغداد" التنويرية عام 1953:

فأعدْ على بغداد ظِلّ غمامة، باللطف تنضحُ والندى والسؤددِ..

تتمازج الألوان فيها عن سنا، شفقٌ بكل صبيغةٍ، متورد ِ

عن بأس "هارون" ورقة "معبد" وهو "الخليعُ" بها، ونسك "المهتدي"

- وايضا في قصيدة "دجلة الخير" عام 1962:

يا مستجم "النؤاسي" الذي لبست به الحضارة ثوباً وشي "هارونِ"

ـ وكذلك في قصيدة "يادارة المجد" السياسية في براغ عام 1963، وفيها يخاطب بغداد:

يا دارة المجد ودار السلام، بغداد يا عقد فريد النظامْ..

وعهد "هارون" وفي ملكه، تُنقل الشمس، ويرعى الغمامْ

 

5/ على كاشف الغطاء، العلامة النجفي، في قصيدة "أمنن علي" الاخوانية عام 1924:

مولاي كم لك في العدى، يوم سبقتَ به، أغـرُّ..

أنا غرس نعمتك الذي، انطقني، فالقول سكرُ

 

6/ فيصل بن الحسين، ملك العراق الاول، في قصيـدة

 "تذكــر العهود" عام 1924 :

مليكُ العراق وكم حجرةٍ ، يضيقُ بامثالها القادحُ

- وكذلك في قصيدة  "من لندن الى بغداد" عام 1927:

حياك ربك من ساعٍ بسراء، يلقي الوفود بوجهٍ منه وضاءِ

- وكذلك في قصيدة "الى جنيف" عام 1931:

لله درك من خبير بارعٍ، يزن الامور بحكمة وصوابِ

- وكذلك في قصيدة "بشرى جنيف" عام 1931:

لا احابيك سيدي وأراني، لست في حاجة الى التعريفِ

 

42/ جعفر الجواهري (محمد – حمد) شهيد وثبة كانون العراقية، شقيق الشاعر الأصغر،

في قصيدة "على حدود فارس" عام 1924:

الله يرعى "حمداً" انه، غادرني ذكراه رهن السباقْ

 - وكذلك في قصيدة "أخي جعفر" الرثائية – الوطنية عام 1948:

أخي "جعفراً" يا رُواء الربيع، الى عفنٍ باردٍ يَسلمُ

ـ وكذلك في قصيدة "يوم الشهيد" عام 1948:

أأخيّ : لو سمع النداء رَغامُ ، ولو استجاب الى الصريخ حِمامُ

- وايضا في قصيدة "دجلة الخير" الوطنية عام 1962.. كما توضح حاشية البيتين التاليين:

ويا ضجيعي كرى اعمى يلفهما، لفّ الحبيبين في مطمورة ٍ دونِ

بنوة ً وأخاء حلف ذي ولع، لو تسلمان، وان الموت يطويني

- وكذلك في قصيدة، "اليك أخي جعفر" في براغ عام 1968:

دبت عليك زواحفُ الاعوام ِ ، وبرئت من جرح ٍ ، وجُرحي دامي

 

7/ مهدي الخالصي، من زعماء ثورة العشرين، في قصيدة: "الى الخالصي" عام 1925:

كان صليبَ العود في دينه، وكان في آرائه أصلبا

- وكذلك في ذكرى رحيله الاولى، بقصيدة "في ذكرى الخالصي" عام 1926:

الله ما هذا الجلال، حياته، ترنيمةٌ، ومماته تبجيلُ

 

8/ حسن الجواهري، الفقيه والعالم،  نجل صاحب الجواهر، في قصيدة

 "الى روح العلامة الجواهري" الرثائية عام 1926:

حلفتُ لقد كنت عفّ اللسانِ، وعف اليدين، وعف النظرْ

 

9/ جواد الجواهري، الفقيه، والشخصية الاجتماعية، في قصيدة:

"الى روح العلامة الجواهري" عام 1926:

"ابا حسن" يا"جواد" الندى، اذا المحلُ عـمَّ، وصنو المطرْ

- وايضا في قصيدة "يا بدر داجته الخطوب" الرثائية عام 1936:

والان تفتقد البلاد مُحنكاً، يُحتاج في التنفيذ والتشريعِ

 

11/ جميل صدقي الزهاوي، الشاعر، في قصيدة "جائزة الشعور" عام 1927:

قمْ يا "جميلُ" فحامني، يا حامي الادب العراقي

- وكذلك في قصيدة"جربيني" عام 1929:

عن يساري اعمى المعرة، و"الشيخ" الزهاوي عن يميني

 

12/ عبد المهدي المنتفكي، وزير المعارف، في قصيدة "تحية الوزير" عام 1927:

حيّ الوزير وحي العلم والادبا، وحيّ من انصف التاريخ والكتبا

 

13/ غازي، نجل فيصل بن الحسين، ملك العراق الاول، في قصيدة"غازي" عام 1927:

قدومكَ "غازي" يَزين الاوان، وكم قادم زانه آنهُ

 

14/ "عمر" و"بكر" أخوان صُرعا اثناء الانتخابات النيابية في العراق، في قصيدة :

"ضحايا الانتداب" عام 1928:

سل "الاخوين" معتنقين غابا، لاية غاية طَويا الشبابا

16/ عبد المحسن السعدون - ابو علي، السياسي العراقي، وتسنم مهاماً عديدة منها رئاسة الوزراء، والمجلس النيابي، في قصيدة "الى السعدون" عام 1929:

انهض فُديت "أبا علي" وارتجلْ، بين الجموع قد استتم المجمعُ

- وكذلك في قصيدة "المجلس المفجوع" الرثائية عام 1929:

هذا القصيد "ابا عليّ" كله، حزنٌ وكل سطوره اوصابُ

- وكذلك في قصيدة  "في الاربعين" عام 1929:

زانَ العروبة هذا المفرد العلمُ، وقد تُخلد في افرادها الاممُ

- وكذلك  بقصيدة "في اربعين السعدون" عام 1929:

ميتة هذا الشهم قد بينتْ، للقوم انّا غير ما يُدعونْ

 

17/ المتنبي، احمد، ابو الطيب – ابو محسد، الشاعر، في قصيدة "المحرّقة" عام 1931:

او "المتنبي" حين قال تذمراً، افيقا خُمارُ الهمّ بغضيّ الخمرا

- وايضا في قصيدة "احمد شوقي" عام 1932:

قرون مضت لم يَسدّ العراقُ، من "المتنبي" مكاناً شغر

ـ وكذلك في قصيدة "الشاعر الجبار" عام 1935:

وُلد الالمعي فالنجم واحمْ، باهت من سُطوع هذا المزاحمْ

ـ وكذلك في "المقصورة" الشهيرة مخاطبا نفسه، عام 1947:

وبـ"المتنبي" ان البلاء، اذا جــدّ  يعلم اني الفتى

- وكذلك في قصيدة "اطياف بغداد" التنويرية عام 1953:

فأعدْ على بغداد ظِلّ غمامة، باللطف تنضحُ والندى والسؤددِ..

تتمازج الألوان فيها عن سنا، شفقٌ بكل صبيغة ٍ، متورد ِ..

بالبحتري، أبي السلاسل لمّعـاً، بالعبقري "ابي محسد" أحمدِ

بمذل "كافورٍ" عجيبة دهرهِ، ومعز آل الأرمني، و"مخلّدِ"

- وايضاً في قصيدة "كما يستكلبُ الذيبُ" الوجدانية – السياسية عام 1953:

تسعون كلباً عوى خلفي وفوقهمُ ، ضوء القمر المنبوح ِ، مسكوبُ...

وقبلَ الف ٍ عوى الفٌ فما انتقصت "ابا محسد" بالشَتم الاعاريبُ

ـ وكذلك بقصيدة "في ذكرى المالكي" الرثائية السياسية عام 1957:

وإذ "ابو الطيّبُ" الشرّيد في حلب ٍ، نجم تُضاء به الافلاك سيّـارُ

ـ وكذلك في "رباعيات" - مقطوعة "حكم التاريخ" عام 1960:

سيسبُ الدهر والتاريخ من أغرى بسبي ..

يا لويل المجتلي كلباً لسبّ المتنبي

ـ وكذلك في قصيدة "لبنان يا خمري وطيبي" التكريمية – السياسية عام 1961

والمخاطب في البيت، الشاعر اللبناني بشارة الخوري:

جئتَ العراق فعاش فيك عهود "احمد" و"الحبيبِ"

- وايضاً في قصيدة "أبا الفرسان" الوجدانية عام 1967:

"أبا الفرسان" ان عُقت ديارٌ ، عقدتُ بها شبابي بالمشيب ِ

فلا عجبٌ فقبلي ضقنَ ذرعا ، بخير الناس ِ "أحمد" و"الحبيب"

ـ وكذلك في قصيدة "يا ابن الفراتين" الوجدانية- التنويرية عام 1969:

"أبا محسد" دنيا رحت تمخضها، فما تلقفُ إلا ما نفى الزبّدُ

ـ وكذلك في قصيدة "آليت" عام 1975:

أكبرتني ان اختشي وغداً، وان أُعنى بغـِرّ

وضربت لي امثولة ً، بأبي محسد و"المعري"

ـ وايضا في قصيدة "فتى الفتيان" التنويرية عام 1977:

تحدى الموتَ وأختزل الزمانا، فتى لوى من الدهر ِ العنانا

- وفي قصيدة "بغداد" السياسية، عام 1980:

لا درّ درك من ربوع ديار، قرب المزار بها كبعد مزارِ...

هوت الحضارة فوقها عربية، وتفردت "آشور" بالآثار

عشرون قرناً وهي تسحب خلفها، بدمٍ، ذيول مواكب الاحرارِ

بـ"ابن المقفع" و"آبن قدوسٍ" وبـ"الحلاج" والموحى له "بشار"

بـ"ابي محسد" وهي تقطع صلبه، لم يُدرَ عار مثل هذا العارِ

 

18/ عبد الرزاق الناصري الشاعر والصحفي، صديق الجواهري، اشير له في الهامش

 بانه المقصود في البيت التالي، في قصيدة "النزغة، او ليلة من ليالي الشباب" عام 1929:

ومعي صاحبٌ تفرست فيه، كل خير فلم تخني الفراسهْ

 

19/ مزاحم الباجه جي - ابو عدنان،  السياسي العراقي، في قصيدة

 "الباجه جي في نظر الخصوم" عام 1930:

يا ابا "عدنان" هذي فرصةُ ، لفؤاد بالاذى محتقنِ

- وكذلك في قصيدة "الى الباجه جي "في نكبته" عام 1933:

وقد عَلِمَ الاقوام أنّ "مزاحماً" من الشعبِ مخدوم، وللشعب خادمُ

 

20/ آشور بانيبال، الملك  الاشوري البابلي، في قصيدة "تحية الحلة" عام 1935:

هنا مشى الفذ ّ "بانيبال" مُزدهياً، في موكبٍ بغواةِ الفنّ مزدانِ

- وايضا في قصيدة "بغداد" السياسية - براغ عام 1980:

لا درّ درك من ربوع ديار، قرب المزار بها كبعد مزارِ...

هوت الحضارة فوقها عربيةً، وتفردت "آشور" بالآثار

 

21/ حامورابي، (حام) سادس ملوك البابلييــن القدامى، قبل الميلاد، في قصيدة

"تحية الحلة" عام 1935:

هنا "حاموراب" سنّ العدل معتمداً، به على حفظ افرادٍ وعمرانِ ِ

 - وكذلك  في قصيـدة "نامي جيــاع الشعب نامي" السياسية عـــام 1951:

نامي جياع الشعب نامي ، حرستك آلهة الطعام ِ

نامي كعهدك بالكرى، وبلطفه ِ من عهد "حام ِ "

 

22/ رفائيل بطي، الصحفي والكاتب، في قصيدة "المازني وداغر" عام 1936:

"رُفائيلُ" داركَ قد أشرفت، بـ"أسعد داغر"، والمازني

 

23/ جميل صدقي الزهاوي، الشاعر، في قصيدة "الزهاوي" عام 1936:

على رغم انف الموت ذكرك خالدُ، ترن بسمع الدهر منك القصائدُ

 

25/ حكمت سليمان، السياسي، في قصيدة "تحرك اللحدُ" عام 1936:

وأنت يابن "سليمان" الذي لهجتْ، بما جَسرتَ عليه، البدوُ والحضرُ

 

26/ ياسين الهاشمي، السياسي، في قصيدة "ذكرى الهاشمي" عام 1938:

"ياسينُ" ان هضيمةً ما ذقتهُ غدراً، ولم تـكُ قبلُ بالمهضوم ِ

 

27/ معروف الرصافي، الشاعر، في قصيدة "الى الرصافي" عام 1944:

تمرستُ بـ"الاولى" فكنتَ المغامرا، وفكرتَ بـ"الاخرى" فكنت المجاهرا

- وفي قصيدة "معروف الرصافي" الرثائية - التنويرية عام 1951:

لاقيتُ ربكَ بالضمير ِ ، وانرت واجبة القبور ِ

"معروفُ" نمْ فوق التراب، فلستَ من اهل الحرير ِ

ـ وكذلك في قصيدة "الرصافي" الاستذكارية عام 1959:

لغزُ الحياة وحيّرة الالباب ِ ان يستحيل الفكرُ محض ترابِ

 

28/ ارشد العمري، السياسي العراقي، في قصيدة "طرطرا" عام 1944:

صالحه كـ"صالح".. عامرة كـ"العمري"

- وكذلك في قصيدة "أرشد العمري" عام 1946:

 تركوا البلاد وأمرهنّه، لخيالِ مسعورٍ بجنّه

-  وايضاً في قصيدة "التعويذة العمرية" الساخرة عام 1954:

عوذت وجهكَ بالقمرْ ، وبما أضاءَ وما آزدهرْ

 

29/ صالح جبر، السياسي، في قصيدة "طرطرا" عام 1945:

صالحة كـ"صالح" .. عامرة كـ"العمري"

 

30/ صلاح الدين الايوبي، القائد الكوردي، مؤسس الدولة الايوبية، في قصيدة:

 "ذكرى وعد بلفور" عام 1945:

"ووادي التيه" إن لم يأوِ "موسى".. فقد آوى "الصليب" على" صلاحِ"

-  وكذلك " في قصيدة "ناغيت لبناناً" عام 1947:

وثرى "صلاح الدين" ديسَ وأنعلتْ، منه جيوش الواغلين خيولا

-  وكذلك في قصيدة "فلسطين" السياسية عام 1948:

وروحٌ من "صلاح الدين" هَبتْ، من الاحداث ِ مقلقة الوِسادِ

- وفي قصيدة "فـــي ذكرى المالكي" السياسيـــة عــــام 1957:

جلالها عن "بني مروان" مألُكةٌ، وصمتها عن "صلاح الدينِ" اخبارُ

- وايضاً في قصيدة "ذكرى عبد الناصر السياسية " في القاهرة عام 1970:

أتـرى "صلاح الدين" كان محمقاً، إذ يستشيط حميةً وإباءَ

- وفي قصيدة "أفتيان الخليج" - ابو ظبي عام 1979:

"صلاح الدين" كان يَفتُّ خبزاً، وكان ينامُ أرضاً والجنود..

وها هو عنده فلكٌ يدوي، وعند منعم ٍ قصرٌ مشيدُ

 

31/ نوري السعيد، السياسي العراقي، في قصيدة "المصير المحتوم" الهجائية - بغـــداد

عــــام 1952:

أيا "آبن َ سعيد" يلهبُ الناس سوطهُ، ويحلفُ فيهم ان يخط المصايرا

لقد كنتُ أرجو ان ترى لك عبرة ً بمن رامها قبلاً ، فزار المقابرا

 

32/ معبد، المغني القديم، في قصيدة "اطياف بغداد" التنويرية عام 1953:

فأعدْ على بغداد ظِلّ غمامة، باللطف تنضحُ والندى والسؤددِ..

تتمازج الألوان فيها عن سنا، شفق بكل صيغة ٍ، متورد ِ

عن بأس "هارون" ورقة "معبدِ" وهو "الخليعُ" بها، ونسك "المهتدي"

 

33/ الخليـــع، الحسين بن الضحــــاك، الشاعر، في قصيدة "اطياف بغداد"

التنويرية عـــــام 1953:

فأعدْ على بغداد ظِلّ غمامة، باللطف تنضحُ والندى والسؤددِ ...

تتمازج الألوان فيها عن سنا، شفق بكل صبيغةٍ، متورد ِ

عن بأس "هارون" ورقة "معبدِ" وهو "الخليعُ" بها، ونسك "المهتدي"

 

34/ المهتدي، من الخلفاء العباسيين، في قصيدة "اطياف بغداد" التنويرية عام 1953:

فأعدْ على بغداد ظِلّ غمامة، باللطف تنضحُ والندى والسؤددِ..

تتمازج الألوان فيها عن سنا، شفق بكل صبيغة ٍ، متورد ِ

عن بأس "هارون" ورقة "معبدِ" وهو "الخليعُ" بها، ونسك "المهتدي"

 

35/ سنحاريب، ملك الامبراطورية الاشورية الحديثة، في قصيدة "يا دارة المجد" الوطنية - براغ عام 1963:

يا دارة المجد ودار السلام، بغداد يا عقداً فريد النظامْ

يا أم نهرين استفاضا دماً، ونعمة، من عهد سام، وحام

من عهد "سنحاريب" اذ نينوى، يتوج الحكمة منها النظامْ

 

36/  محمد جعفر ابو التمن، ابو عزيز، السياسي والشخصية الوطنية، في قصيدة "ذكرى ابو التمن" عام 1946:

أ"أبا عزيز" كنت تُذكي جذوتي، ويلّذُ سمعك منطقي وجواري

 

37/ بلاسم الياسين، احد شيوخ القبائل العراقية، في قصيدة "يابنت رسطاليس" عام 1947:

ايهٍ "بلاسمُ" والمفاخرُ جمة، احرزت منهنَّ الطريف التالدا

 

38/ عبد الاله بن علي، الوصي على عرش العراق، في قصيدة "ناغيت لبناناً" عام 1947:

"عبد الاله" وليس عاباً أن أرى، عِظمَ المقامِ مطوّلاً ، فأطيلا

 

39/ فيصل ، الثاني، ملك العراق، في قصيدة "ناغيت لبناناً" عام 1947:

يرجو العراق بظلّ راية "فيصلٍ " ان يرتقي بكما الذرى، ويطولا

 

 

40/ قيس الالوسي، شهيـــــد وثبة كانون العراقية، في قصيــــدة "الشهيد قيس" الرثائية – الوطنية عام 1948:

يا "قيسُ" : يا لُطفَ الربيع ، ووقد رونقهِ، الشبوب ِ

 

41/ هاشم الوتري، الطبيب الشهير، صديق الشاعر، في قصيدة "هاشم الوتري" التكريمية - السياسية عام 1949:

مجّدت فيك مشاعراً ومَواهبا ، وقضيت فرضاً للنوابغ واجبا..

لا بدّ "هاشم" والزمان كما ترى، يجري مع الصفو الزلال شوائبا..

لا بد عائدة الى عشاقها، تلك العهود وآن حُسبن ذواهبا

 

42/ ام عوف، راعية في قرية في قصيدة "ام عوف" الوجدانية – التنويرية عام 1955:

يا "أم عوف" عجيبات ليالينا، يُدنينَ اهواءنا القصوى، ويُقصينا...

يا "أم عوف" أدالَ الدهر دولتنا، وعاد غمزاً بنا ما كان يزهونا

 

43/ عبـــد الكريم قاسم، زعيم الجمهورية العراقيـــــة الأولى، في قصيدة "جيش العـراق" الوطنية عام 1958:

"عبدُ الكريمِ" وفي العراق خصاصة ليد ٍ وقد كنت الكريم المحسنا

ـ وكذلك في قصيدة "باسم الشعب" الوطنية عام 1958:

عبد الكريم وربّ فرد باسمه، عن كُنهِ نهضةِ امةٍ ايضاحُ

ـ وكذلك في قصيدة "أزف الموعد" الوطنية عام 1959:

و"زعيماً" يشمخ الجيـل به، واليه في الرزايا يُطمأنُ

ـ وكذلك في قصيدة "المستنصرية" الوطنية عام 1960:

و"ياربّ تموز" نزلت بليلهِ، على السحَرِ الريان ناراً تلهّبُ

 

44/ بي كه س، الشاعر الكوردي في قصيدة "بي كه س" الرثائية- الوجدانية عام 1961:

أخي "بي كه سٍ" والمنايا رَصَدْ، وها نحنُ عاريةً تستردُّ

 

45/ مصطفى بارزاني، الزعيم الكوردي العراقي، في قصيدة "كوردستان.. يا موطن الأبطال" السياسية عام 1962:

بآسم الامين "المصطفى" من أمة، بحياته عند التخاصم تقسمُ

ـ وكذلك في قصيدة قصيدة "طيف تحدر" السياسية، بمناسبة الاتفاقية الحكومية مع القوى الكوردية في بغداد عام 1970.. والبيت ادناه يخاطب الرئيس العراقي احمد حسن البكر، و"صقر الشمال" ايحاء للزعيم مصطفى برزاني :

جاذبت من "صقر الشمال" وانه، بالعزّ أمنع من مَطارِ عقابِ

 

46/ سلام عادل – حسين احمد الرضي، زعيم الحزب الشيوعي العراقي، في قصيدة" الى اطياف الشهداء الخالدين" الوطنية في براغ عام 1963:

سلاماً وما أنا راع ٍ ذماماً إذا لم اسلم عليكم لماما

سلاماً ضريحٌ يشيع السلاما، يعانق فيه "جمالٌ" "سلاما"

 

47/ جمال الحيدري،الزعيم  الشيوعي العراقي، في قصيدة" الى اطياف الشهداء الخالدين" الوطنية في براغ عام 1963:

سلاماً وما أنا راع ٍ ذماماً إذا لم اسلم عليكم لماما

سلاماً ضريحٌ يشيع السلاما، يعانق فيه "جمالٌ" "سلاما"

 

48/ عبد الرحيم شريف – ابو رائد، المسؤول الشيوعي العراقي، في قصيدة" الى اطياف الشهداء الخالدين" الوطنية في براغ عام 1963:

حماة الحمى والليالي تعودُ، وخلف الشتاء ربيع جديدُ

سيورق غصنٌ، ويخضر عودُ، ويستنهض الجيل منكم عميد

سيقدمه "رائدٌ" إذ يرود، ويخلف فيها اباه "سعيدُ"

 

49/ عبد الجبار وهبي- ابو سعيد، المسؤول الشيوعي العراقي، في قصيدة" الى اطياف

الشهداء الخالدين" الوطنية في براغ عام 1963:

حماة الحمى والليالي تعودُ، وخلف الشتاء ربيع جديدُ

سيورق غصنٌ، ويخضر عودُ، ويستنهض الجيل منكم عميد

سيقدمه "رائدٌ" إذ يرود، ويخلف فيها اباه "سعيدُ"

 

50/  محمد حسين ابو العيس، القائد الشيوعي العراقي، في قصيدة" الى اطياف الشهداء الخالدين" الوطنية في براغ عام 1963:

حماة الحمى والليالي تعودُ، وخلف الشتاء ربيع جديدُ ..

 و"سافرة" ستربِّ النسورا، توفي أبا "العيس" فيهم نذورا

 

51/ سافرة جميل حافظ، السياسية والاعلامية، زوجة الزعيم الشيوعي – الشهيد محمد حسين ابو العيس، في قصيدة" الى اطياف الشهداء الخالدين" الوطنية في براغ عام 1963:

حماة الحمى والليالي تعودُ، وخلف الشتاء ربيع جديدُ...

و"سافرة" ستربِّ النسورا، توفي أبا "العيس" فيهم نذورا

 

52/ محمد صالح بحر العلوم- ابو ناظم، الشاعر في قصيدة "يا أبا ناظم" وكان سجيناً في العراق، براغ عام 1965:

يا "أبا ناظم ٍ" وسجنك سجني، وأنا منك مثلما أنت مني...

أ شداةٌ مشردون بلا وكـنّ، وخُرسُ الطيور تأوى لوكنِّ

 

53/ صالح مهدي عماش، أبو هدى، السياسي والمسؤول العراقي، في قصيدة "رسالة مملحة" التنويرية - براغ 1969:

أ"أبا هدى" شوق يُلح ولاعج يُذكي الشغافا

يصفيك محض وداده، حرٌ يُصافي إذ يُصافى

ـ وكذلك في قصيدة "مهلاً" التنويرية في براغ عام 1969:

مهلاً أخي "عماش" قد أوجفت في الدربّ اعتسافا

انا ربّ "حطين ٍ" و"يافا" أنا صاحب القلب ِ المعافى

 

54/ احمد حسن البكر، رئيس جمهورية العراق- الشيخ الرئيس، كما يوضح هامش البيت أدناه، في قصيدة "طيف تحدر" السياسية، بمناسبة الاتفاقية الحكومية مع القوى الكوردية في بغداد عام 1970:

يا أيها الشيخ الرئيس تحيةً، هي في صميم الودّ والاعجابِ

ـ وكذلك في قصيدة "سلمت ثورةٌ، وبورك عيد" السياسية، في بغداد عام 1974:

وسلاماً للأصيد البكر، تلاقت على خطاة الصيدُ

ـ وكذلك في قصيدة "محمد البكر" يرثي فيها "محمد" ابن الرئيــــس العراقي احمد حسن البكر، بغداد عام 1978:

تعجل بشرَ طلعتك الافولُ، وغال شبابك الموعودُ، غولٌ...

أبثك يا "ابن احمد" هدهداتٍ، بهنّ يسامر الخلّ الخليلُ

ـ وكذلك في قصيدة "أبا الشعــر" السياسيــــة، وأبو هيثم هنا هو الرئيس البكر، وكانت محاولة من الشاعر لحقن الدماء في العراق، بغداد عام 1978:

"ابا هيثم" يا موسع الناس حلمه، أفاء عليهم ظلهُ وتحدبا

 

55/ صدام حسين، نائب الرئيس العراقي، في قصيدة "أبا الشعر" السياسية، في قصيدة حاول فيها الشاعر حقن الدماء في العراق عام 1978:

ويا "أبن الحسين" الفدّ شهماً سميدعاً، مهيباً وثوباً قبل ان يتوثبا

 

56/ بشار ابن برد، الشاعر ، في قصيدة "بغداد" السياسية - براغ عام 1980:

لا درّ درك من ربوع ديار، قرب المزار بها كبعد مزارِ...

هوت الحضارة فوقها عربية، وتفردت "آشور" بالآثارِ

عشرون قرناً وهي تسحب خلفها، بدمٍ، ذيول مواكب الاحرارِ

بـ"ابن المقفع" و"آبن قدوسٍ" وبـ"الحلاج" والموحى له "بشارِ"...

 

57/ جلال طالباني، الزعيم الكوردي العراقي صديق الشاعر، في قطعة شعرية سياسية – اخوانية، بعنوان "حمار عيسى" - براغ عام 1966:

شوقاً "جلال" وكم بثٌ وجدت به، عن كربهِ تسترق الروح تنفيسا

- وكذلك  في قصيدة "ماذا اغني" الوطنية - براغ عام 1980:

شوقاً "جلال" كشوق العين للوسنِ، كشوق ناء ٍ غريبِ الدار، للوطن ِ

 

58/ موسى الجنابي، الشاعر، في قصيدة "ياآبن الجنابي" الوجدانية ، عام 1982:

يا "آبن الجنابي" لاجافتك غادية ٌ، نظير صنعك ، معطاء ومعطارُ

 

59صلاح خالص – ابو سعد، صديق الشاعر، في قصيدة "أأخي أبا سعد"  الوجدانية، عام 1984:

أأخي "أبا سعدٍ" ومن قٌبل ، اهدى، ستقبس جمرتي قبسا..

"أصلاح" إني والذي قدرتْ، يُدهُ النفوس وقّدر النفسا

لاكفُ نفسي وهي جامحة ٌ، عن أن تروح لغيظها فرسا

2

 هذا هو القسم الثاني – الاخير، من الفصل الاول، لبحث توثيقي، اتممه رواء الجصاني، ومقرر ان يصدر مطبوعاً عن مركز الجواهري للثقافة والتوثيق خلال الفترة القريبة القادمة، شاملاً اسماء مشاهير وشخصيات، ووجوه، وغيرهم، من العراقيين والعرب والاجانب وعداهم ، قدماء ومعاصرين، وردت في شعر الجواهري العامر( 1922-1991) والمنشور في ديوانه بشكل رئيس .. وسواء جاء ذلك الوارد مدحا او هجاء، او في تلك المناسبة وسواها.../مع تحيات مركز الجواهري:

----------------------------------------------------------

- ثانيا: أخوانيات

1/ علي، ابراهيم الجصاني، المجتهد الديني، صديق الشاعر، في قصيدة:

 "خل النديم" عام 1922:

لي فيكَ صوغٌ للبلاغة لو خلا، جيد الفتاة، لزانها منسوقهُ

 

2/ محمد علي اليعقوبي، الشخصية النجفية، في قصيدة "هجرت الديار" عام 1922:

اطلت المقام ألا عودة، تحيي "الغريّ" بانوارهِ

 

3/ محمد رضا ذهب، صديق الشاعر، في قصيدة "على حدود فارس" عام 1924 :

أحبابنا بين محاني العراق، كلفتمُ قلبي بما لا يطاقْ

 

4/ محمد علي العلاق، صديق الشاعر، في قصيدة "وفّى الربيع" عام  1924 :

ولئن سلوت ففي التهاني سلوةٌ بـ"محمد" صفو الندى، وحليفهِ       

 

5/ جعفر النقدي، صديق الشاعر، في قصيدة "بعد الفراق" عام 1925:

فوالله لا اقوى على ما تهيجه، لقلبي من الذكرى وياليتني اقوى

- وكذلك في قصيدة "تحت ظل النخيل" عام 1925:

يا من ذكرناه والالبابُ طائشةٌ، ظلمٌ على خضرات الانس تنسانا

- وكذلك في قصيدة "عند الوداع" عام 1926 :

الله يصحبُ بالسلام مودعي، عجلاً وإن اخنى علي بعادهُ

- وكذلك في قصيدة "من النجف الى العمارة" عام 1926:

يا أبا صادق احبك حباً لا يبقي على اصطبار المحبِّ

- وكذلك في قصيدة "على دربند" عام 1926:

احبتنا لو أنزل الشوق والهوى، قلب صخر جامد لتصدعا

 

6/ سلمى ( فنانة شهيرة) في قصيدة "سلمى على المسرح" عام 1930:

أفتحي لي"سلمى" يديك، يقبلْ يديكِ صبُّ

- وكذلك في قصيدة " سلمى ايضاً.. أو وردة بين اشواك " عام 1932:

إن هذا الجمالَ "سلمى" غذاء الروح، لولاه آذَنتْ بهلاكِ

 

7/ فرات الجواهري، بكر الشاعر، في قصيدة "الى الشباب السوري" عام 1938:

"فراتً" اشبهُ كلّ الناس بي ولعاً، في ما احبّ، تبناهُ بكِ الولعُ

 

8/ ام فرات، مناهل جعفر الجواهري، زوجة الشاعر، في قصيدة "ناجيت قبرك" عام 1939:

حييّت "ام فراتٍ" إن والدة، بمثل ما انجبت، تكنى بما تلــدُ

 

9/ نوري، الاورفلي، صديق الشاعر، في قصيدة "تطويق" عام 1941:

"نوري" ولم ينعم عليّ سواكا، احدٌ ونعمة خالق ٍ سواكا

 

10/ حمزة الشيخ علي، صديق الشاعر، في قصيدة "صيّاد" الاخوانية عام 1942:

مضى "حمزة" الصياد يصطادُ بكرةً ، فآب وقد صادَ العشيَّ ، غرابا

 

11/ عبود زلزلة، الشخصية التربوية، صديق الشاعر، في قصيدة "أوج الشباب" عام 1946:

أأخيّ "عبود" ولست بمعوز ٍ، مدحاً، ولكن الجُحودُ معيبُ

 

12/ محمد حسين الشبيبي، التربوي، صديق الشاعر، في قصيدة "أوج الشباب" عام 1946:

إن كان مسكٌ "والحسين" كلالةٌ ، او كان نالكما عناً، ولُغُوبُ

 

13/ فاطمـــة، بنت الشيخ شريف الجواهري، والـــدة الشاعر، والشهيد جعفر، في قصيدة "أخي جعفر" الرثائية - الوطنية عام 1948:

وهُـمْ بكَ أولى  وان رُوعت "عجوزٌ" على فلذةِ تلطـمُ

ـ وكذلك، في قصيدة "قفص العظام" الوجدانية عام 1951:

تعالى المجدُ يا قفصَ العظام، وبورك في رحيلك والمُقام ِ..

فيا شمسي اذا غابتْ حياتي ، نشدتكِ ضارعاً ألا تُغامي

- وكذلك في قصيدة "دجلة الخير" الوطنية عام 1962 كما توضح حاشية البيتين التاليين:

ويا ضجيعي كرى اعمى يلفهما، لفّ الحبيبين في مطمورة ٍ دونِ

بنوة ً، وأخاء حلف ذي ولع، لو تسلمان، وان الموت يطويني

 

14/ نبيهة، أخت الجواهري، والشهيد جعفر، في قصيدة "أخي جعفر" الرثائية – الوطنية

 عام 1948:

و"أخـتٌ" تشق عليك الجيوبَ، ويغرزُ في صدرها معصـمُ

- وايضاً في مقطوعة "يا فرحة العمر" عام 1977:

سلمت ِ أختي إذا لم يبق ِ لي زمني ، أخاً سواها ، ولا أختاً تناغيني

- وكذلك في قصيدة "حبيبتي نبيهة" الرثائية - دمشق عام 1987:

 حبيبتي "نبيهة" كيف ذوتْ، معجلةٌ ، بسمتك المحببة؟!

 

15/ محمــد باقر الجواهري، ابن عـــم الشاعر، وصديقه الأقـــرب، في قصيـــدة "أخـا ودي" الرثائية - الوجدانية عام 1952:

بقلبي، ام بنعشك حين مادوا، ودمعي أم رثاؤك يُستعادُ

 

16/ آمنة – امونة (ام نجاح) ابنة الشيخ جعــفر، زوجة الجواهري، في قصيــدة "وحي الموقد" التوثيقية – التنويرية عام 1956:

ان عرسي وهي جامحة ، فجـةٌ، لون ٌ من الادبِ

- وكذلك في قصيــدة "حبيبتي" الوجدانيــة في بغداد عــام 1975:

حبيبتي ... منذ ُ كان الحبّ في سَحَرٍ، حلو النسائم حتى عقـّه الشفقُ

-  وايضا في قصيدة "في وداع ام نجاح" الرثائية – دمشق عام 1992:

ها نحن "أمونة ٌ " ننأى ونفترق ُ، والليل يمكث ُ والتسهيد ُ والحرق ُ

 

17/ عبد اللطيف الشواف – ابو زيدون، السياسي، صديق الشاعر، في قصيدة "أبا زيدون" براغ عام 1962:

"أبا زيدون" ما احلى ، معانيك وما أطرى، لقد اوحشنا بعدكَ ، لولا نعمة الذكرى

 

18/ يوسف زينل – ابو القاسم، المحامــي المعروف، صديــق الشاعر، في قصيدة

 "أبا زيدون" براغ عــام 1962:

ألا ابلغ "أبا القاسم" انا نعصر الخمرا، وأنا نقرأ الغيّب، وأنا ننفثُ السحــرا

 

19/ خيال، ابنة الجواهري، الوسطى، في قصيدة "اطفالي واطفال العالم" موسكو 1962:

لي طفلتان اقنص "الخيالا" عبريهما والعطر والظلالا

ـ وكذلك في مقطوعة "يا خيالي" ببراغ عام 1964:

يا "خيالي" لك الشفاء السريع، والغد المشرق الانيسُ الوديعُ

 

20/ ظلال، ابنة الجواهري الصغرى، في قصيدة "اطفالي واطفال العالم" موسكو 1962:

لي طفلتان اقنص "الخيالا" عبريهما والعطر و"الظلالا"

 

21/ سعاد خضر- ام سعد، زوجة صلاح خالص، صديق الشاعر، في قصيدة "يا أم سعد" في موسكو عـام 1965:

يا":أم سعد ٍ" واللياليّ قُلبُّ ، عجيبةٌ وما تخّبي أعجبُ

يا أم سعدٍ ان تناءت دارُنا ، فالذكريات بيننا تقـرّبُ

 

22/ عبد الغني الخليلي، أبو فارس، في قصيدة "أبا الفرسان" في براغ عام 1967:

"أبا الفرسان" انك في ضميري، وذاك أعز دار ٍ للحبيب ِ

 

23/ مظفــر النواب، الشاعر، واستعار الشاعر تسمية "محمد المصباح" تورية، كما توضح حاشية البيت أدناه، في مقطوعة "فاتنة ورسام" براغ عام 1970:

وقال "محمد الصباح" يوماً، لفاتنة من الغيد الحسان ِ

تعالي أرسمنكَ غداً فقالت، غداة غدٍ ، وفي المقهى "الفلاني"..

 

24/ مهدي المخزومي، العلامة النحوي، صديق الشاعر، في قصيدة "أبا مهند" عام 1974:

أبا "مهند" لا آذتك نازلة، ولا تخطت الى عليائكَ العللُ

 

25/ محمد، نجل احمد حسن البكر، الرئيس العراقي، في قصيدة "محمد البكر" الرثائية عام 1978:

تعجلَّ بشر طلعتكَ الافولُ ، وغال شبابك الموعودُ ، غولُ

 

26/ شاذل طاقة، ابو نواف، الشاعر، صديق الجواهري، في قصيدة "ابو نواف" عام 1978:

سلمت "أبا نواف ٍ" الشهم إنها ، نهارٌ وليل يوسعان بنا أكلا

 

 

27/ نادية، حفيدة الشاعر من نجله كفاح، بمناسبة تخرجها من الجامعة، عام 1988:

يا ناديا! زهو الندى، يا بسمة الزهرِ الندي،

 يا قطعة ً من كبد ٍ، تحدرتْ من كبدي

 

28/ حسام صكب الكامل، تقديرا لجميلٍ قدمه للشاعر، في قصيدة "يا أبا باسل" – بودابست عــام 1991:

يا "أبا باسل ٍ" هتاف حبيب، من بعيد ٍ وفاؤه، وقريب ِ

 

- تنويــه واضافة :

 بحسب معرفتنا، ومتابعاتنا، هناك عـدة قصائد ومقطوعات، وابيات "اخوانية" للجواهري كتبها لعدد من اصدقائه، ولغيرهم، ولكنها غير منشورة في دواوينه، بمختلف طبعاتها، ولا حتى في طبعة بيروت 2000 شبه الاكمل… ومن بين الاسماء التي حملتها  تلكم الاخوانيات، بحسب التسلسل الابجدي، مع حفظ الالقاب والمواقع:

1- آرا خاجادور. 2- جمال الجواهري. 3- رواء الجصاني. 4- عادل حبه. 5- عبد الحسين شعبان. 6- عبد الحميد برتو. 7- فخري كريم. 8- كاظم حبيب. 9- كفاح الجواهري. 10- محمد حسين الاعرجي. 11- موسى اسد الكريم.

 

-----------------------------------------

انتهى الفصل الاول، ويتبعه الفصل الثاني الموسوم " مشاهير ومثقفون عرب"

مع تحيات مركز الجواهري

www.jawahiri.net

 

 

------------------------------------------- يتبع القسم الثاني/ الفصل الاول

مع تحيات مركز الجواهري

www.jawahiri.net

 

 

 

الجواهري ....بعيداً عن

"الوطنية" و"الثورية"!

رواء الجصاني

     باستثناءات محدودة، ركزت المئات من المقالات والبحوث والدراسات والكتب على عطاءات الجواهري الثقافية، ومواقفه الوطنية، واهتماماته السياسية، وتطلعاته الطموح وموهبته الشعرية وتمرده الجامح، وسواها من شؤون عديدة. وقد أغفل بسبب ذلك التركيز، التناول المناسب للجوانب الانسانية من حياة ذلك الذي "أحب الناس كل الناس"، ولمشاعره الوجدانية، وصداقاته وعلاقاته ومنها مع "الأغلين" وخاصة أهل البيت من قطعوا ومن وصلوا"... وغيرهم.

    ولاشك بأن وراء تلكم الحال أسباب مختلفة نزعم أن الأهم منها كانت أوضاع البلاد الملتهبة على امتداد العقود التسعة والنيف التي عاشها الجواهري ملتهـِـباً، ومتعَباً ومتعِبأ في آن واحد... كما تجيء ضمن تلك الأسباب أيضاً شخصية الجواهري التي فرضت هيبتها وشموخها بقوة ورسوخ على المثقفين والكتاب والباحثين، وقسوة العديد من قصائده تجاه المتحرشين والحاسدين، وحتى بعض النقاد، مقتنعاً تماماً بأن ليس في الحياة من "نبيغ غير مطعون"، ومن يشأ "فليجُبْ أربع النقد ويسأل عن ملاحمها" كما يصرح في نونية دجلة الخير ذائعة الصيت...

وفي ضوء ذلك وغيره، راحت روائع جواهرية كثيرة تحتل مراتب ثانوية أمام بعض قصائد أخرى كانت أقرب إلى مزاج الناس و"الثوريين" منهم على وجه التحديد... ولربما يصلح أن نقارب هنا بانحسار شيوع قصيدته "الأخلد" حسب تعبيره، ونعنى بها "المقصورة" أمام رائية "طرطرا" أو ميميمة "تنويمة الجياع" وغيرهما كثير... وقد لا نبالغ في القول هنا، أن الآلاف من محبي الجواهري، ولانعني هنا النخب الثقافية بالتأكيد، قد يفاجئون حينما يسمعون أن للجواهري قصيدة عن "لغة الثياب" وعن "البحر حين يسجو"، وثالثة عن "بائعة سمك" وأخرى عن "عبقرية" الملاكم محمد علي كلاي وغيرهن من فرائد طغت فيها الفلسفة على الشعر والمشاعر... ونواصل هنا فنشير إلى نماذج متميزة في هذا السياق ومنها بائيته عن أبي العلاء، ونونيته عن أبي الطيب، وعن "لغز الحياة وحيرة الألباب" في ذكرى الرصافي وعديد آخر من قصيد الجواهري الغزير...

... ثم قد لا يصدق الكثيرون أن لشاعرهم الوطني، بل و"الثوري" الأعظم، قصائد غزل متفردة، كتبها على مدى عقود، بل وحتى وهو في السبعين... ولربما غلب بها حتى الشعراء الشباب، وبحيث راح يخاطب نفسه متسائلاً: "لجاجك في الحب لا يجمل، وأنت ابن سبعين لو تعقلُ"؟!...

    وفي ذات الاتجاه يمكننا التأشير هنا إلى أن انشغالات الجواهري العارمة في ميادين التنوير، وهمومه ومشاغله الثقافية والوطنية، لم تمنع عنه الانفعال والتفاعل مع همومه وشؤونه العائلية والشخصية، وتلك هي سمات الشاعر الأصيل كما هو معروف... فراح يحن لأمه، يخاف عليها "عاقبة الجمام" وينعى زوجة راحلة "تكنى بما تلد" ويوفي رفيقة دربه "حلوة المجتلى" ويناجي أخته "فرحة العمر" ويناغي طفلتيه اللتين يقنص الخيالا... عبريهما والعطر والضلالا". ويهنيء حفيدته "الزهر الندي" بعيد ميلادها...

  ... ثم، وكم مرة ومرة راح يكتب لصديق يبثه "شوقاً يلدغ الأضلع حتى خاله جمرا" وداعياً لسمير حينما ألمت به وعكة صحية "ان لا تخطت إلى عليائه العلل" ولآخر شاكياً من "هروب" حبيبة ويدعوه "هلم أصلح.."، ولرابع وخامس يناشدهما لكي "يتوسطا" له في تغيير شقته ببراغ...

     وهكذا، وبسبب شيوع و"طغيان" قصائد الجواهري الوطنية والثورية، ظُلمت العشرات من روائعه الأخرى في مضامير الوصف والغزل والهجاء وغيرها... وقد ساهمت في ذلك "الطغيان" مسارات "البلد العجيب" ومآسيه على امتداد عشرات السنين، وكذلك ميول النقاد وتركيزهم على عطاءات الجواهري السياسية وابداعاته ذات الصلة، ومن جانب الأدباء والكتاب العراقيين بشكل رئيس... ولهذه الأسباب، وما يحيط بها، تحجم انتشار ما صدح به الشاعر العظيم في "حبه المميت للحياة" بقساوتها ومباهجها، كما يقول في نونيته الشهيرة "دجلة الخير".

  ... وذلك العشق الجواهري الجامح للحياة، دفعه لأن يتحمل ما تحمل في سبيله، مؤمناً بأن "صفو السماء يريه قبح جهامها"... وشاهداً أن الحياة "معاناة وتضحية، حب السلامة فيها أرذل السبل"... ومنذ عشريناته، وحتى الثمانينات، لم يخفِ الشاعر قيمه تلك مستميتاً في الدفاع عنها... بل وسعى إلى دنيا متميزة "فيها الحمامة جنب النسر تتحد"، وليس أي حياة رتيبة يرضى بها "الرائبون"... مع أنه، وفي صورة من تناقضاته التي تجمع "التحريك والتسكين" راح في حالات استثنائية يفكر بالمهادنة أحياناً لكي لا يضيّع يومه، وغده، كما ضيع "الأمس الذي لن يرجعا"... بل ويلوم في مناسبات طارئة أخرى، نفسه التي أحاق بها "ما لم يحقه بروما عسف نيرون" بحسب قصيدته الذائعة "دجلة الخير" عام 1962.

 ... أما المرأة، وهي رمز الحياة وصنوها كما يرى الجواهري، فقد قبس من وليدها "نغم القصيد" و"حمد شعره ليروح لها قلائداً وعقودا"... وفيها، وعنها كتـــب العديد مــن الروائع، وفاء واعترافاً بالجميــل والجمــال... وغزلاً، كما ووصفاً نادراً ما برح يتردد صداه وشذاه إلى اليوم، وان مضت عليه أكثر من عقود وعقود...

... ولكي لا نبقى في التوصيف العام، ها هو شاهدنا على ذلك مثل: "بديعة - 1932" و"افروديت - 1946" و"انيتا 1948" و"سأقول فيك 1962" و"ليلتان على فارنا -1973" وغيرهن كثار كثار.

 كما لم يقتصد الشاعر الفرد في ذلك المنحى حتى وهو في شيخوخته المعطاء حين اعترف بأن "لجاجه في الحب لا يجمل"، وهو ابن سبعين "لو يعقل"!... إلا أنه وبرغم تلك المناشدة، وذلك الاعتراف، عاد وبتصميم عارم ليكتب "لا وعينيك لن أتوب" أوائل الثمانينات!!...

ان ما جرى التطرق عليه، ولو بعجالة، يعكس وقائع وحقائق ينبغي أن يُفرد لها على ما نرى حيز مكمل لأي باحث أو دارس للظاهرة الجواهرية، الشعرية والانسانية، ومن دون ذلك نظن – وليس كل الظن اثم – ان الصورة لن تتكامل عن حياة وشخصية شاعر أعظم، شغل أغلب القرن العشرين، وبعض القرن الحادي والعشرين حتى الآن على الأقل..

---------------------------------------------------------------------

مع تحيات مركز الجواهري / براغ

www.jawahiri.net

 

 

 

في السنوية العشرين لرحيل

الشاعر الخالد، مبدعون

ومثقفون واكاديميون يكتبون:(1-9)

استذكار الجواهري ...

تباهٍ بالوطن والشعر والتنوير

رواء الجصاني(*)

------------------------------------------------------------------------

دعونا نتساءل مشتركين،  قبل البدء، هل نحن في مناسبة رثاء؟ .. ام انه استذكار لخالد لم يرحل؟... هل رحل ،حقاً، محمد مهدي الجواهري (1898-1997) ؟!  أوليس هو من قال: 

أكبرت ُ يومكَ ان يكونَ رثاءَ، الخالدون عرفتهم احياءَ؟

   - وإذا ما كانت ملحمة - اسطورة كلكامش، السومرية الغارقة في العراقة، وحتى اربعة الاف عام، قد تحدثت عن الخلود والموت، هاهو الجواهري يجسد الامر حداثياً، وواقعياً، فراح يَخلـدُ، وإن رحلَ، وعن طريق اخرى، هي الفكر والشعر والابداع..

  -  أما صدحَ - ويصدحُ شعره - كل يوم في قلوب وأذهان كل المتنورين، العارفين دروبهم ومسالك حياتهم ؟.

 -  أما برحت الاطاريح الاكاديمية، فضلا عن الدراسات والكتابات، والفعاليات الثقافية والفكرية تترى للغور في عوالم شاعر الامتين، ومنجزه الثري؟! .

  -  الظلاميون ومؤسساتهم، وأفرادهم، وتوابعهم، المتطوعون منهم أو المكلفون، والقابضون، وحدهم - لا غيرهم - ما فتئوا يسعون، لأطباق صمت مريب عن الجواهري، وحوله، ولا عتاب بشأن ذلك، فلهم كل الحق في ما يفعلون،  فالضدان لا يجتمعان :  تنوير ومواقف الشاعر الخالد، ودواكن الافكار والمفاهيم .

... وفي التالي مجموعة مساهمات - ننشرها على حلقات - تفضل بها على "مركز الجواهري للثقافة والتوثيق" مبدعون ومثقفون وكتاب وأكاديميون، بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لرحيل الجواهري الخالد، والتي تصادف في 2017.7.27... ونبدأ تلك الحلقات بمساهمة مركز الجواهري:

-------------------------------------

* يموتُ الخالدونَ بكل فــجٍ، ويستعصي على الموتِ الخلودُ *

    في مثل هذه الايام، وصبيحة الأحد، السابع والعشرين من تموز عام الفٍ وتسعمئة وسبعة وتسعين، تحديداً، استنفرت وكالات أنباء ومراسلون وقنوات فضائية وغيرها من وسائل اعلام، لتبث خبراً هادراً، مؤسياً، هزّ مشاعر، ليس النخب الثقافية والسياسية فحسب، بل والألوف الألوف من الناس في شتى الارجاء:

" الجواهري يرحل إلى الخلود في احدى مشافي العاصمة السورية – دمشق،

عن عمر يناهز المئة عام"

  وهكذا يطبق " الموت اللئيم" اذن على ذلك المتفرد الذي شغل القرن العشرين، على الأقل، ابداعاً ومواهب، ثم لتروح الأحاديث والكتابات تترى بعد الخبر المفجع، عن عظمة ومجد الراحل العظيم:

-  المتميز بعبقريته التي يتهيّب أن يجادل حولها أحد...

 - السياسي الذي لم ينتم ِ لحزب، بل كان “ حزباً ” بذاته، يخوض المعارك شعرا وفكراً ومواقف رائدة

- الرمز الوطني الذي أرخ للبلاد وأحداثها بأتراحها وأفراحها من داخل الحلبة، بل ووسطها، مقتحماً ومتباهياً:

أنا العراق لساني قلبه ودمي فراته وكياني منه اشطارُ

... وذلك الراحل الخالد، نفسه: حامل القلم الجريء والمتحدي الذي “لو يوهب الدنيا بأجمعها، ما باع عزاً بذل المترف البطر".. ناشر صحف " الرأي العام"  و" الجهـــاد"  و"الثبات" … ورفيقاتهن الأخريات

- منوّرٌ متميزٌ من أجل الارتقــاء، صدح مؤمناً على مدى عقـود حياته المديدة:

 لثورة الفكر تاريخ يحدثنا، بأن ألف مسيح دونها صُلبا

 - صـاحب " يوم الشـهيد" و" آمنـــت بالحسين " و" قلبي لكردستــان" و" الغضب الخلاق" و" لفداء والدم”… شامخ، يطأ الطغاة بـ" شسع نعل ٍ عازبا"..

...  والجواهـري ايضا وايضا: متمرد عنيد ظـلّ طـوال حياتـه باحثاً عن “وشـك معترك أو قرب مشتجر”.. كيّ “يطعم النيران باللهب”! ..

- مبـــدعٌ بلا حـدود في فرائـد" المقصــــورة " و" زوربـا" و" المعـري"  و" سـجـــا البحـر" و" أفروديـت" و" أنيتـا" و”لغة الثياب” و" أيها الأرق" وأخواتهن الكثار

-  وهو قبل كل هذا وذاك " أحب الناس كل الناس، من أظلم كالفحمِ، ومن أشرقَ كالماس".
 - كما انه " الفتى الممراح فراج الكروب" الذي " لم يخل من البهجة دارا" ..

- رائدٌ في حب وتقديس من " زُنَّ الحياة" فراح يصوغ الشعر " قلائداً لعقودهنَّ" … و" يقتبس من وليدهن نغم القصيد" ..

-  وديع كالحمامة، ومنتفض كالنسر، حين يستثيره " ميتون على ما استفرغوا جمدوا" ..

وهو لا غيره الذي قال ما قال، وما صلى " لغير الشعر من وثن "  … فبات الشعراء يقيسون قاماتهم على عمود قامته الشامخ

...انه وباختصار: ذلك الطموح الوثاب الذي كان، ومنذ فتوته “يخشى أن يروح ولم يبقِ ذكرا” … فهل راحت قصائده – حقا – " ملؤ فم الزمان" !! وهل ثبتت مزاعمه بأن قصيــده " سيبقى ويفنى نيزك وشهاب"  وهو القائل:

وها هو عنده فلك يدوي….. وعند منعمِ قصر مشيدُ

يموت الخالدون بكل فج ٍ .. ويستعصي على الموت ِ الخلودُ

...ترى هل صدق بما زعم ؟؟!. التاريخ وحده من انبأنا، وينبئنا عن الامر، ويا له من شاهد حق ٍ عزوفٍ عن الرياء!!..

---------------------------------------

(*) رئيس مركز الجواهري للثقافة والتوثيق

www.jawahiri.net

 

 

 

 

 

 

 

في الذكرى 54 لانقلاب البعث

الدموي الاول في العراق عام 1963

بلقيس عبد الرحمن،

عقيلة الشهيد وصفي طاهر تتذكر..

 

تقديم وعرض: رواء الجصاني

 

لن  نأتي جديدا  في القول بأن استيلاء البعثيين على السلطة، وأغتيال الجمهورية الاولى، في انقلابهم الدموي بتاريخ 1963.2.8  جاء بعد تراكمات كمية ونوعية من الاحداث والوقائع التي استمرت طوال اربعة اعوام ونصف، اي منذ قيام ثورة / حركة  14 تموز 1958 وحتى تاريخ الانقلاب الاسود ..

وإذ يطول الحديث ويعرض ويتشعب، دعونا نتوقف عند بعض تلكم الشؤون والشؤون، في ذكريات شاهد عيان، هو الفقيدة الجليلة: بلقيس عبد الرحمن، عقيلة العميد الشهيد، وصفي طاهر، احد ابرز قيادات الثورة، والعهد الجمهوري الاول،  مع بعض اضافات وتوثقة مثبتة، ذات صلة (*) :

 

** عن محاولة اغتيال الزعيم في شارع الرشيد

استمرت المحاولات التي استهدفت ثورة تموز، وقيادتها الرئيسة، متمثلة بالزعيم عبد الكريم قاسم. وبعد أحداث الموصل في اذار 1959، تقوم زمرة من حزب البعث العربي الاشتراكي بمحاولة مسلحة لاغتيال الزعيم في منطقة رأس القرية بشارع الرشيد، في بغداد (تشرين الأول / 1959)... وبحسب مذكرات بلقيس عبد الرحمن، فان زوجها، وصفي طاهر، اتصل بالعائلة ليخبرها بما حدث، وليسرع بسيارته الى مستشفى السلام في منطقة العلوية، حيث نقل الزعيم قاسم مصاباً باطلاقات عديدة، وقد أصرّ على ان لا يدخل صالة العمليات دون ان يكون وصفي طاهر موجوداً، ليطمئن. ولدى وصوله، سلّمه الزعيم مسدسه، وأُدخل للصالة، وبقي وصفي في المستشفى الى جانب الزعيم طيلة فترة مكوثه فيها.

ووفق المذكرات ذاتها تكتب بلقيس عن زوجها وصفي طاهر: راح المحرضون والمعادون لمسيرة ثورة تموز، يزورون قاسماً في المستشفى ليسمعوه كل ما يغلي الصدور، ويؤزم الواقع، ومن بين ذلك ان سلوكه (الزعيم) دفع للحادثة لأنه كان مع "اليسار"... كما حاول البعثيون الترويج لاشاعة تقول بان من كان وراء المحاولة هما وصفي طاهر وجلال الأوقاتي، وجماعتهما...

وبعد خروج الزعيم قاسم من المستشفى راح يميل الى نقل وابعاد كل محسوب على "اليسار". ومن بينهم، أولئك الضباط الذين كان وصفي طاهر اختارهم ليكونوا في حماية الثورة. بل – وبحسب المذكرات – فان الزعيم راح يشكّ بكل ما ينصح به وصفي، بل وبات يتحذّر منه احياناً... ومن بين ذلك – مثلاً - انهما حينما كانا يتغديان معاً في وزارة الدفاع ذات يوم، كان الزعيم ينتبه لوصفي بكل حذر "محترزاً" منه، كيلا يقوم بسحب مسدسه عليه، وقد ردّ عليه وصفي، في خلوة ثنائية: لا تعتقد انني سأخونك، ما دمتَ ضد الاستعمار، وحينما اشك بك، سأقول ذلك، وسأكون ضدك، وانت تعرفني جيداً بأني صريح وصادق".

وبحسب المذكرات أيضاً، تنقل بلقيس عبد الرحمن عن وصفي قوله: "ان احد الضباط المخلصين، القريبين منه، طلب ان يسمح له بالدخول الى غرفة الزعيم في المستشفى، وينهي حياته، لانه السبب في انتكاسة الاوضاع، فردّ عليه وصفي بشدة: "ان من يقوم بهذا العمل، اي قتل جريح، وزعيم ثورة ووطني، ما هو الا نذل"... وكان – وصفي - يتوقع ان تتحسن الاوضاع بعد ان يشفى قاسم، وان يكون ما حدث درساً له. ولكن ما جرى يبدو هو العكس تماماً.

** تحذيرات لم تنفع

... وفي عودة جديدة لما سجلته بلقيس في مذكراتها – ذكرياتها ننقل أيضاً: ان وصفي كان يحذر الزعيم دائما بأن معاديه من الرجعيين لا يمكن ان يكونوا بجانبه، ويخلصوا للثورة فلم يستمع له، وكان يعمل العكس بعد ان ادخلوا في رأسه ان الشيوعيين بدأوا يتآمرون عليه، وكان يردد هذا الكلام دائما امام وصفي ويقول له: "أقول لك ان الشيوعيين يتآمرون ضدي"... وكان وصفي يجيبه بشدة: "مستحيل مثل هذا الكلام، فالشيوعيون مصيرهم مرتبط بمصيرك، وما دمت تقف ضد الاستعمار فهم يساندونك، وانا كذلك، ومجرد ان اعرف انك صرت الى جانب الاستعمار، فسأعمل، وأحمل السلاح، ضدك"... وحول هذا الأمر، كان وصفي يبلّغ المسؤولين الشيوعيين بظنون قاسم وشكوكه بشكل مستمر ...

 ** العلاقة تتوتر أكثر فأكثر

أخذت الأمور تتعقّد شيئاً فشيئاً، وبات وصفي طاهر لا يذهب كثيراً الى مكتبه في وزارة الدفاع، حيث مقر الزعيم عبد الكريم قاسم، زعلاً، واشعاراً بما يقوم به – قاسم - من أخطاء ومواقف واجراءات تقود البلاد وأهلها الى الهاوية... وحينما كان وصفي يتواجد في الوزارة، يعود غاضباً – بحسب بلقيس عبد الرحمن في مذكراتها – وذلك لأن قاسم راح يقرّب "المنافقين" أكثر فأكثر...

وفي شؤون مشابهة، تضيف مذكرات بلقيس: كان وصفي يبقى ساهراً في الليل، قلقاً من الأوضاع، متوتراً بسبب سياسات الزعيم قاسم وإجراءاته التي ستورّط الشعب، وقد اصبحت السلطة كلها بيد المعادين للثورة، ولم يعد له – وصفي - حول ولا قوة... متوقعاً ان تحدث مؤامرة كبيرة وسينتقم المعادون، وبينهم أذناب الاستعمار من الشعب المسكين الذي ليس له مَن يحميه... وكلما كان – وصفي - يتحدث عن ذلك مع قاسم، كان يرد: هذه دعاية الشيوعيين، يهولون الوضع، ولم يصدق ما ينبئه وصفي به، لان المنافقين ينقلون له اخبارا عن الوقائع خلاف ذلك، ويزيدون المديح له ولاجراءاته، وراح يصدّقهم بالفعل...

... كما جاء في مذكرات بلقيس أيضاً، ان من المؤشرات الأخرى حول توتر العلاقة بين الرجلين، حين بدأ قاسم يضجر من ملاحظات وصفي، ومنها حول خطاباته الارتجالية التي كان يدعوه لأن تكون مكتوبة، لكي يمكن ان يؤثر بها أكثر في الجماهير، ولكنه – قاسم - رفض تقبّل تلك النصيحة... كما رفض ان يستمع لدعوة وصفي له بالاشارة الى أهمية الحديث عن الديمقراطية في تلك الخطابات لطمأنة القوى السياسية، والمواطنين، بعدم تفرّده في الحكم...

ومن بين ما سجلته "بلقيس" في مذكراتها نقلاً عن زوجها وصفي طاهر، انه نصح قاسم بأن يشكّل مجلساً للقيادة، وان يرشح نفسه – قاسم – لرئاسة الجمهورية، ولكن ذلك ما لم يقتنع به... وتكرر الرفض بالنسبة لنصائح وصفي وآرائه الأخرى، ومنها حول ضرورة منح الاكراد حقوقهم لمنع مواجهة ضد الثورة... وايضا حول ضرورة دعم تشكيل جبهة من الاحزاب السياسية، واشراك ممثليها في الحكم منعاً للتفرد... ولكن كل ذلك كان بعيداً عن تصورات الزعيم، وقناعاته، مما تسبب بعهد أسود لاحق في البلاد العراقية...

-----------------------------------------------------------------------------

* مجتزأ من الفصل الخامس لمؤلف: " وصفي طاهر.. رجل من العراق"... كتابة وتوثيق:

 رواء الجصاني ونضال وصفي طاهر، الصادر بطبعتين في براغ، وبغداد عام 2015.

 

 

 

الجواهري يؤرخُ

 

لـوثبةِ كانون 1948... شعرا

 

قراءة وتوثيق: رواء الجصاني

 

   في مثل هذه الايام ، قبل نحو سبعة عقود، وفي كانون الثاني عام 1948 تحديدا، شهدت البلاد العراقية، وخاصة العاصمة بغداد، احتجاجات وتظاهرات شعبية واسعة، عرفت تاريخياً بـ"وثبـة كانون" وذلك احتجاجا ضد معاهدة "بورت سموث" البريطانية – العراقية، التي اجمعت القوى والاحزاب والشخصيات الوطنية، على جورها، وعدم توازنها وانصافها، على اقل وصف ..

    وهكذا كان لشاعر البلاد، محمد مهدي الجواهري، الموقف ذاته، وزاد من ثورته على تلك المعاهدة، وغضبه منها، ومن اصحابها: مهندسين، ومؤيدين ومروجين، حين أصيب شقيقه الاصغر (محمد) جعفر، بجروح بالغة خلال الاحتجاجات، برصاص شرطة العهد الملكي، ثم ليستشهد بسبب ذلك بعد ايام، الى جانب من أصيبوا، او أستشهدوا، وغالبيتهم من الطلبة والشباب .

   وبرغم ان عصماء الجواهري"اخي جعفر" راحت، وما برحت، الاشهر بين شعر الجواهري في تأرخة احداث واحتجاجات "وثبة كانون"  إلا ان هناك المزيد من القصائد الاخرى التي وثقت لتلكم الهبة الشعبية، ولشهدائها ومجرياتها بهذا القدر او ذاك، وهذا ما سنتوقف عنده في متن هذه التأرخة الشعرية الموجزة.

    لقد جاءت قصيدة  "اخي جعفر" التي قاربت المئة بيت، هادرة منذ ابياتها الأول، مليئة بالغضب العارم، والتساؤلات المفعمة...وجاء مطلعها:

اتعلم أم أنت لا تعلمُ ، بأن جراح الضحايا فمُ

فمٌ ليس كالمدعي قولةً ، وليس كآخر يسترحم

يصيح على المدقعين الجياع ، اريقوا دماءكم تطعموا

ويهتف بالنفر المهطعين ، أهينوا لئامكمُ تكرموا

 ... وقد القى الشاعر الخالد تلكم الميمية في محيط جامع "الحيدرخانة" ببغداد، امام حشد جماهيري كبير، ووسط اجواء مؤثرة، ولاهبة، بمناسبة مرور سبعة أيام على استشهاد جعفر، وتكاد ان تكون في جميعها رسالة اليه، وحوارات معه، فياضة بالعاطفة والذكريات حيناً، وبتقديس الايثار والتضحية ، أحايين أخرى، فضلاً عن اشاعة المفاهيم الوطنية والتنويرية، وهي الأساس في بيت القصيد، او ابياته، كما نزعم:

أتعلم أم أنت لا تعلمُ، بأن جراح الضحايا فـمُ

اتعلم أن رقاب الطغاة ، أثقلها الغنم والمأثم

وان بطون العتاة التي ، من السحت تهضم ما تهضم

وان البغيّ الذي تدعي من الطهر ما لم تحز "مريم"

ستنهد ان ثار هذا الدم ، وصوت هذا الفم الأعجمُ

واذ تهدأ المشاعر قليلاً، ولو في بعض أبيات وحسب، تأتي المقاطع التالية من الملحمة الجواهرية التي نحن عندها، لتبدع في وصف "جعفر" الشقيق... فهو "رُواءُ الربيع" و"زهرة من رياض الخلود" و"قبسٌ من لهيب الحياة" و"طلعة البشر" و"ضحكة الفجر"... وما إلى ذلك من مشابهات متفردة تنبض بالمحبة، وتفيض بالعاطفة الانسانية الجامحة...

أخي جعفراً يا رُواء الربيع ، إلى عفن بارد يُسلَمُ

ويا زهرةً من رياض الخلود، تغولها عاصف مرزمُ

لثمت جراحكَ في فتحة ، هي المصحف الطهر إذ يلثم

وقبلت صدرك حيث الصميم ، من القلب منخرقاً يحزمُ

وعوضت عن قبلة قبلةً عصرت بها كل ما يؤلم

لقد توقف، عند هذه الرائية الجواهرية الوجدانية، الوطنية، التنويرية كتاب وباحثون عديدون وما برحوا، لأهميتها التاريخية، والشعرية... ومما نؤشراليه أيضاً في هذا السياق، ما جاء فيها عن استقراء الشاعر الخالد في واحد من مقاطع القصيدة البارزة، لتاريخ البلاد اللاحق، وتنبؤاته حوله، وهو ما تأكد بوضوح، والى حاضرنا الراهن، على ما نرى:

اخي جعفراً لا أقولُ الخيال ، وذو الثأر يقظان لا يحلمُ

ولكن بما أُلهم الصابرون، وقد يقرأ الغيب مُستَلهمُ

أرى افقاً بنجيع الدماء ، تخضب واختفت الأنجمُ

وجيلاُ يجئ، وجيلاً يروح، وناراً ازاءهما تضرمُ

 

قف بأجداث الضحايا

        ومما نوثق له عن قصائد الجواهري حول وثبة كانون، ومجرياتها، قصيدة اخرى سابقة للميمية اعلاه، نشرها بعنوان "قف بأجداث الضحايا" وذلك بعد صدور بيان رسمي عن البلاط الملكي عشية 1948.1.28 رافضا المعاهدة، ومحاولا حقن الدماء.. ومن ابياتها: 

قفْ بأجداث الضّحايا، لا تُسِلْ، فوقها دَمعاً، ولا تَبكِ ارتجالا

لا تُذِلْ عهدَ ((الرجولات)) التي، تكرهُ الضّعْفَ، وتأبى الإنحِلالا

وتَلقّفْ من ثَراها شَمّةً، تملأُ المنخِرَ عِزّاً وجلالا

وَضَعِ ((الإكليلَ)) زَهْراً يانعاً، فوقَ زهرٍ من ضمير يَتلالا...

أيـها الثاوونَ في جَولاتكم، طِبْتُمُ مَثوىً، وعُطّرتُمْ مجالا

كلّنا نحسُدُكم أن نِلْتُمُ، شَرَفَ الفُرصةِ ـ من قبلُ ـ اهتبالا

كلّنا نمشي على آثارِكمْ، بالضّحيّاتِ خِـفـافـاً وثِـقـالا

كلّنا ممتَثِلٌ من وَحيكم، ما يُريد الوَطنُ الحُرّ امتِثالا

فإذا شِئتُم مَشَيْناها ونىً، وإذا شِئتُم مشيناها عِجالا...

 

يوم الشهيـد

وإذا ما كانت "اخي جعفر" الاشهر، والاهم بين قصائد الجواهري عن وثبة كانون، وحولها، ندعي بأن قصيدته "يوم الشهيد" تحتل هي الاخرى اهمية ومكانة مميزة لما بها من توثيق، وايحاءات وتنوير- دعوا عنكم العاطفة والاحاسيس والمواقف الجواهرية - .. ومما جاء في مقدمتها:

يومَ الشّهيد: تحيةٌ وسلامُ، بكَ والنضالِ تؤرّخُ الأعوامُ

بك والضحايا الغُرّ يَزهو شامخاً، علمُ الحساب، وتفخرُ الأرقام..

بك يُبعَث ((الجيلُ)) المحتّمُ بعثُه، وبك ((القيـامةُ)) للطغاةِ تُـقام....

يومَ الشهيد! طريقُ كلّ مناضل، وعْرٌ، ولا نُصُبٌ ولا أعلامُ...

 والقصيدة هذه، نظمت بمناسبة الذكرى الاربعينية لاستشهاد "جعفر" الذي كان قد جُرح في الايام الاولى للوثبة، وفي 1948.1.27 تحديدا، وتوفي متأثرا بجراحه بتاريخ 1948.2.4..وقد القى الشاعر الخالد قسما منها، وهي لمّا تكتمل، حين كان جثمان الشهيد  يوارى الثرى في مدينته، النجف.. ثم القاها كاملة في اول مؤتمر عام  للطلبة العراقيين بتاريخ 1948.4.14 انتظم في ساحة" السباع" ببغداد...ومن ابياتها ايضا:

تبّاً لدولةِ عاجزينَ تَوَهّموا، أنّ ((الحكومةَ)) بالسّياط تدامُ

والوَيْلُ للماضينَ في أحلامِهم، إن فرّ عن ((حُلمٍ)) يَروع مَنام

وإذا تفجّرت الصدورُ بغيظها، حَنَقـاً كما تتفجّر الألغام

وإذا بهم عَصْفاً أكيلاً يرتمي، وإذا بما ركنوا إليه رُكام ....

وتَعَطّلَ الدستورُ عن أحكامه، من فَرطِ ما ألوَى به الحُكّام

فالوعيُ بَغيٌ، والتحرّرُ سُبّةٌ، والهَمْسُ جُرْمٌ، والكلامُ حَرام

و مُدافِعٌ عما يَدينُ مُخرّبٌ، ومطـالِبٌ بحقـوقِـه هـدّامُ...

ثم تستمر القصيدة لتؤشر، وتذكر وتنتقد وتوحي وتنور، وتؤرخ للوقائع، في ابيات ومقاطع تاليات.. ومنها:

يومَ الشهيد: وما تزال كعهدِها، هُـوجٌ تدنّـسُ أمـةً ولئـامُ .....

لجأوا إلى ((الأنسابِ)) لو جَلّى لهم، ((نَسَب)) ولو صَدَقَتْ لهم أرحام

وتنـابَـزُوا بالجاهليـة شَـجّـهـا، من قبل نورُ ((الفكر)) و((الإسلامُ))

فأولاءِ أعرابٌ! فكل مُحَرّمٍ، حِلّ لهم! وأولئِكمْ أعجام ...

وأولاءِ ((أشرارٌ)) لأنّ شعارهم، بين الشُعوب محبّةٌ وسلام......

يومَ الشهيد! ونعمتِ الأيامُ، لو تسـتـتِـمّ أخـوّةٌ ووِئـام

لو يَرْعَوي المتنابذونَ وكلّهم، بهُمومِهم وشُعورِهم، أرحام

ولوِ التقى من بعدِ طُولِ تَفَرّقٍ، الشيخُ والقِسّيسُ والحاخامُ

 

الشهيد قيس

ومن قصائد الوثبة الجواهرية ايضاً ، بائية حملت عنوان "الشهيد قيس" يمجد فيها طالباً بعمر الزهور، أستشهد في معركة الجسر الدامية، إبان الاحتجاجات والمواجهات الدامية بتاريخ 1948.1.27 وهو الشهيد قيس الالوسي... ومن ابياتها:

يا قيسُ: يا لحنَ الحياة، ونغمة الأمل الرتيبِ ..

يا قيسُ: يا رمز الشهادة، عُطرت بدم خضيبِ...

الشعب يثأر من "رماتك" في بعيد أو قريبِ ...

 

دم الشهيـد

ثم في اجواء الوثبة، وتقديسا لابطالها المضحين، يكتب الجواهري مطولة " دم الشهيد"  بأزيد من مئة بيت، ليتوقف فيها عند بعض العبر مخاطبا المنتفضين، والشباب منهم بشكل أول، موصياً وداعية ومحرضاً، ويقول في احد مقاطعها:

خُذوا من يَومكم لغدٍ مَتاعا، وسيروا في جهادِكُمُ جِماعا

وكونوا في ادّراء الخطب عنكم، يداً تَبني بها العَضُدُ الذّراعا

ذروا خُلفاً على رأيٍ ورأيٍ، إلى أن يُلقيَ الأمرُ القِناعا

وخَلّوا في قيادتكم حكيماً، يدبّرُهـا هُجـوماً أو دِفـاعـا

رحيبَ الصَدر ينهضُ بالرزايا، ويُحسنُ أن يُطيع وأن يُطاعا.....

 

ذكريــات

وفي فترة قريبة لاحقة، تفيض عواطف الشاعر الخالد، فيكتب قصيدة "ذكريات" وهي تشي من عنوانها وحسب، بما عـنّ للجواهري من احاسيس وانفعالات نابضة موحشة مؤلمة... ومن ابيات القصيدة:

يا ((ذكرياتُ)) تحشّـدي فِرقا، تَسَـعُ الخيـالَ وتملأُ الأُفُقا

و تأهّبي زُمراً تجهزني، محضَ الأسى والذُعرَ والقلقا ....

     يا ذكرياتٌ كلّها حُرَق، َتطَأ الفؤادَ، وتُلْهِبُ الحَدَقا

من لي بشِعرٍ خالقٍ شجناً، للناس يُعجزهم بمـا خَـلَـقا

هي صُورةٌ حمراءُ من شَجني، ُدمي اليَراعَ وتُرعب الوَرَقا ...

 

غضبــة

   ... ويتعرض الجواهري من احدى الصحف المنسوبة الى واحد من الاحزاب العراقية آنذاك، لاكاذيب وأفتراءات لئيمة حاولت ان تطال منه ومن مواقفه خلال الوثبة، وأحداثها وتداعياتها... وقد نظم الجواهري قصيدة لاذعة عنونها بـ"غضبـة" ليرد فيها على تلك المزاعم الحقود، وجاءت ابيات مقدمتها في حوار مع النفس، وذلك اسلوب معهود عند الشاعر الخالد :       

     عَرَتِ الخطوبُ وكيف لاتعرو، وصَبَرْتَ أنتَ ودِرعُكَ الصبرُ

وصَبرتَ أنتَ وأنتَ ذو ثقةٍ، أنْ لو تشاءُ لزُحزِحَ الأمر ....

عَرَتِ الخطوب فما خَفَضْتَ لها، من جانحٍ وكذلكَ النّسْرُ

ومَضَيْتَ تَنتَهبُ السما صُعُداً، لك عند غُرّ نُجومها وَكر...

وفي سياق القصيدة، ودفاعا عن الذات، ومن خلاله الشأن العام- وكلاهما متشابكان عند شاعر البلاد والأمة العراقية - يتطرق الجواهري الى بعض مواقفه، والى كتابات المدعين حوله، شامخا، متباهيا بما عنده من عطاءات فيقول:

عَرَتِ الخطوبُ وكيف لا تَعرو، وطريقُ مثلِكَ ـ صامِداً ـ وعْـرُ

عَدَتِ الضّباعُ عليك عاويةً، ظنّاً بأنّك مأكلٌ جَزْرُ

فتـذوّقْـتْـك فقال قائلُهــا:إنّ الغَضَنفَر لحمُه مُـرّ

وخَلَصت حُرّ الوَجه ذا ألَقٍ، ووجُوهُهُم مطموسةٌ عُفـْرُ

حَسَدوك أنّكَ دُسْتَ هَامَهُمُ، ُمتجبّراً، و لنَعْلِكَ الفَخْرُ...

ثم تستمر القصيدة في تبيان صفات من يقود تلك الصحيفة التي تطاولت.. ويرد الشاعر بكل مباشرة، وبتعابير تدل على الهضيمة، وتكشف المستور من الأمور، خاصة وان "بعض القوى السياسية قد أخذت تدير ظهرها للشعب..." بحسب ما جاء في مقدمة القصيدة، في ديوان الجواهري العامر:

و ((زعيمُ)) قومٍ كالغُراب به، صِغَرٌ وفي خُطُواتِهِ كِبْــرُ

يغتَـرّ فـي ما لا يُشـرّفُـه، جَهِلَ المُغَفّل كيفَ يَغْتَرّ

يغتَرّ إنْ ألقَوا بمعـدتِه، عَفِنَ الطعام فراحَ يجتَرّ

بادي الغَباء تكادُ تقرأه، بالظنّ لا خَبَرٌ ولا خُبْــرُ

أضحى ((وزيراً)) فاغتدى رَهِقاً، مثلَ ((الحمارِ)) يؤودهُ الوِزْر..    

     قل ((للصحيفةِ)) أنت قائدُها، سَفَهاً، وأنتَ زعيمُها الحـرّ

إني ـ ولي في المجد مُتّسَعٌ ـ عَفّ عن استغلالِه بَـرّ

     لم أدّخر منه سوَى نَشَب، هو للبـلاد وأهلِهـا ذُخْـر

غَنِيَت به الأجيالُ طاعمةً، منها السمينَ، وعَضّني الفقر

لا أستَغِلّ فأنتَ لي عِظةٌ، فيما أتيتَ، وأنت لي زَجْـرُ!!

 

هاشم الوتري

في حزيران 1949 اي بعد نحو عام وأشهر قليلة على وثبة كانون 1948 يدعى الجواهري لحفل تكريمي ببغداد، للطبيب الشهير، هاشم الوتري، فيتمنع اولاً، ثم يشارك بقصيدة بائية طويلة، أشتهر احد ابياتها، بشكل كبير جدا على لسان العراقيين وهو "أنا حتفهم الج البيوتَ عليهمُ، أغري الوليد بشتمهم والحاجبا" ... وجاء مطلع القصيدة تكريما للمحتفى به:

مَجّدتُ فيكَ مَشاعِراً ومَواهبا، وقضيْتُ فَرْضـاً للنوابغِ واجِبا

والمُبدعينَ ((الخالقينَ)) تنوّرتْ، شتّى عوالِمَ كُنّ قبلُ خرائبا

شرفاً ((عميدَ الدارِ)) عليا رُتبةٍ، بوّئْـتَـهـا في الخالدين مراتبا...

وأذ تتناول الجواهرية الثائرة، أوضاع البلاد، وتفضح وتنتقد وتنور، يؤشر الشاعر الخالد لمواقف الدكتور الوتري الوطنية خلال احداث وثبة كانون، وقد كان في حينها عميداَ للكلية الطبية ببغداد، ومستشفاها، ودارها الطبية، التي استباحها رصاص وشرطة ذلك العهد، والتي نقل اليها جرحى الاحداث، ليعالجوا، ولينقذ من ينقذ، ويستشهد البعض متأثرين بأصاباتهم، ويوثق الجواهري لمواقف الوتري النبيلة فيقول: 

ولأنتَ صُنْتَ ((الدارَ)) يومَ أباحَها، باغٍ يُنازلُ في الكريهةِ طالبا

الغَيّ يُنْجِدُ بالرَصاص مُزَمْجِراً، والرّشدُ يُنجِدُ بالحجارةِ حاصبا

وَلأنتَ أثخَنْتَ الفؤادَ من الأسى، للمُثخَنينَ مِن الجِراحِ تعاقُبا

أعراسُ مملكةٍ تُزَفّ لمجدِها، غُررُ الشّبابِ الى التّرابِ كواكبا

 

ذكرياتي

وأذا ما كان السابق من الحديث يدور حول تأرخة الجواهري، لوثبة كانون العراقية عام 1948 شعرا، كما هو عنوان موضوعنا، تجدر الاشارة وخاصة للباحث الدؤوب والحريص، الى ان هناك في بداية الجزء الثاني من "ذكرياتي" للشاعر الخالد، صفحات مطولة، تتحدث عن ارائه ومواقفه، كما رؤاه، حول تلك الوثبة الشعبية الهادرة، واحداثها وتداعياتها الوطنية والسياسية وغيرها .. كما تجدر الاشارة ايضا الى ان للجواهري ميمية اخرى بعنوان "اليك اخي جعفر" نشرت عام  1968 بمناسبة مرور عشرين عاما غلى ذكرى وثبة كانون، وجدانية في غالبية ابياتها، واشبه ما تكون خلاصة معاناة في رسالة يناغي الشاعر فيها، ويناجي، اخيه الشهيد جعفر، حافلة بالذكريات والاستذكارات والخلاصات ... / رواء الجصاني: براغ في 2017.1.24.

-------------------------------------------------------

هوامش واحالات:

المصادر: ديوان الجواهري، ذكرياته، معلومات عائلية.

صورة التشييع، من ارشيف الدكتور جعفر حبة.

اللوحة: "كولاج" عباس الكاظم، للجواهري وهو يلقي "اخي جعفر" .

 

 

 

 

 

 

باستعارة من قصيد

الجواهري الخالد

برقيات سياسية، وغيرها،

 بمناسبة بدء عام 2017

 

رواء الجصاني

 

الى من يتباكون على حال البلاد، ولكنهم يثيرون البغضاء والتشدد:

يلغُ الدماءَ مع الوحوش نهارهُ، ويعود في الليّل التقيّ الراهبا

الى البسطاء، أو المتقصدين، الذين يحاولون ان يساووا بين ابناء الوطن الواحد، دون تمييز بين الظالمين والمظلومين:

ودعْ ضميركَ يحذر من براءتهِ، ففي البراءة مدعاةٌ الى الزللِ

الى الطيبين ممن لم يتابعوا حال الأمم، ومعاناتها وتضحياتها: :

رُحْماكَ.. تاريخَ الشعوبِ تَحَدَّنا، ما شِئْتَ، إلّا أنَّنا بُلَداءُ

لكل السياسيين الذين يتباكون على الوطنِ، من خارج الحلبة، ومن الابراج:

وما انتَ بالمعطي التمردَ حقهَ، اذا كنتَ تخشى ان تجوعَ وان تعرى

للأصدقاء الذين يدعون للتسامح، دون حدود:

ولطالما حصدَ الندامةَ مسمحٌ، وأتى بشرٍ ثمارهِ الاسماحُ

ولقد تكون من القساوةٍ رحمةٌ، ومن النكالِ مبرةٌ وصلاحُ   

لكل الصامتين، بهذه الحجة أو تلك، ممن لا يواجهون الزيف والتدليس:

واذلّ خلقِ الله في بلدٍ طغت فيه الرزايا من يظلّ محايدا

الى الذين يستمرون بالشتم، والرياء تحت واجهة النقد وحرية الرأي:

ولا تدعوا الخصامَ يجوزُ حداً، بحيث يعودُ رخصاً وأبتذالا

لجميع الاحباء ممن يرون تشدداً في السطور السابقة:

ومن القساوةِ في العتابِ مودةٌ ومن الثناءِ خديعةٌ ورياءُ

الى " المتشائلين" وكاتب هذه التمنيات من بينهم:

لا تَلمْ أمسكَ في ما صَنعا، أمسِ قد فاتَ ولنْ يُسترجعا

فأطرحهُ، وأسترحْ من ثقلـــــهِ،  لا تضعْ أمسكَ واليومَ، معا

لجميع ممن احبّ أو كره، او نسيّ أو تناسى، المودة والصحبة الجميلة :

              سلاماً أيها الأحبابُ، من قطعوا ومن وصلوا

               سلاماً كله قبلُ، كأن صميمها شُعـلُ

 

 

 

شهادات ووقائع من

 

ضفاف الذكريات / القسم التاسع

 

عن  العراق الجديد.. ما بعد 2003

 

رواء الجصاني

 

.. وفي العقد الاخير بشكل خاص، لتشرْ – ايها الرجلُ- ايضا الى ان ثمة آراء ومزاعم اخرى، قد اقتنعت بها ومنها: ان دعاة المقاومة، ومدعيها، بعد عام 2003 كانوا يزيدون القتل والدمار في الوطن المبتلى، وان بعضهم: "يلغ الدماء مع الوحوشِ نهاره، ويعود في الليل، التقيّ الراهبا"... وانك اعتقدت، برؤية اخرى أثارت الكثير من النقاش، وكذلك اللغو! خلاصتها ان تقسيم العراق الى اقاليم، خير من الاحتراب والقتل والدمار. كما ولك تصورات عديدة اخرى"خارج السرب" عن مدى فائدة الديمقراطية لبلد تعمّ الامية فيه مثل العراق، وكلا الموقفين، والرأيين السابقين- اللذين افسدا، وما زالا للود قضية!- منشوران على مواقع اعلامية عديدة، الاول في الشهر الاول من عام 2014 تحت عنوان " من اجل ألانسان، وانهاء الدمار: فلتقسم البلاد العراقية، ويُعاد توحيدها. ولم لا ؟؟؟". والثاني بعنوان "لاسباب عديدة، ومنها قطع الطريق على الارهابيين... فلتؤجل الانتخابات، بل وتلغى ايضا" ونُشر في آذار2014...

كما وزدْ معلومات أخرى، ودعْ الناس بين مؤيد ومختلف، حولك وضدك، فتلكم سنّة الحياة، ولا تكن مثل البعض "توسط كاللبنِ الخاثرِ" وقلْ: انك لم تؤمن منذ البدء بما صفق له الآخرون، وتعني "الربيع العربي" مطلع العام 2011... وانك رحت تؤمن بيسار عريض، لا احزاب "ثورية" من طرازات قديمة، مع كل التبجيل لما قامت به من تجديد، وما زالت...واخيراُ في هذا السياق فلتفجر مجدداً "قنبلتك" غير المتوقعة من كثيرين، ألا وهي انك ترى في "تحصيص" السلطات والادارات في العراق الجديد، طريقاً مناسباً، وموضوعياً ضمن ظروف البلاد وتاريخها وجغرافيتها وتطور مجتمعها، وثقافته ووعيه الجمعي.

ولمزيد من التأرخة، فلتكشف هنا، لمن يهمه الامر، وحتى لمن لا يهمه - وما عليك بالمتربصين وأعوانهم- انك قد صرحت وتداولت – ايها الرجل- في كل تلكم الشؤون، وغيرها، مع مسؤولين وسياسيين ورسميين، بارزين، في القيادات الجديدة لعراق ما بعد الدكتاتورية، ومن ابرزهم: جلال الطالباني، وحيدر العبادي، وحميد مجيد موسى، واسامة النجيفي، والسيد عمار الحكيم، ومحمود المشهداني، وهادي العامري، وهوشيار زيباري، وحسين الشهرستاني... وجمع محترم آخر، وذلك في لقاءات ومناسبات مختلفة، وبكل مصارحة وووضوح. ولتكتفِ هنا – مؤقتاً- ولتتابع عن وقائع ومحطات اخرى تالياً عن بعض خصوصيات و"أسرار" ذات صلة !!!

 

 

 

 

شهادات ووقائع من

ضفاف الذكريات / 8

تأرخـــة...ومحببــات،

في السياسة والحياة

رواء الجصاني

----------------------------------------------

فاتك، وأنت على عُجالة، وكأن الطير فوق هامتك، ان تتذكر أكثر – ايها الرجل- بعض مما احببت من كتاباتك، حسبتَ أنها، اقرب اليك من غيرها، وبعضها يعود لنحو نصف قرن، وإن كانت في نشرات حائطية، في الاعدادية المركزية، ومنها "قالوا في ليلى" جمعتها واستليتها من دواوين واجزاء الاغاني، لابي فرج الاصفهاني..وكذلك " الدراسة" التي نشرتها في صفحة الطلبة والشباب عام 1974 تحت عنوان" من اجل اتحاد راسخ لطلبة البلدان العربية" بتوقيع "ابو سمار" وهو الاسم الذي كنت تكنى به ذلك الحين، وما زال الكثير ينادونك به الى اليوم.. كما لا تغفل عن زاويتك شبه الاسبوعية في الصفحة المهنية بالجريدة الغراء ذاتها، اواخر السبعينات الماضية، وعنوانها" نقابيات" وكنت تتابع فيها، وتنتقد، وتمتدح، نشاطات العديد من المنظمات والنقابات العراقية، وتزعم ما تزعم من مفاهيمك ورؤاك في شؤون العمل الجماهيري- الديمقراطي، الذي ولعت به، وما زلت.

... كما تذكّر ان من بين كتاباتك التي بقيت مميزة، عندك على الاقل، في الاعوام القليلة الماضية، ما نشرته تحت عنوان "وصفي طاهر، رجل من العراق" وهو تمهيد لكتاب جامع عن ذلك الشهيد الوطني، تعمل على اتمامه خلال اشهر، لا أكثر، مثلما وعدت وتعد.. وكذلك توثيقاتك الثلاثة، المنشورة عام 2008 وعناوينها تشي بمضمونها، دون كثير عناء، وأولها وأكثرها غنى" تاريخ عراقي في ذاكرة براغ" وبعدها " أسماء وشؤون عراقية في ذاكرة موسكو" ثم الثالثة" والاخيرة " أسماء وشؤون عراقية في ذاكرة باريس"... ذلك بالاضافة طبعاً لما جاء ذكره في الحلقات السابقات، عن توثيقاتك، وشهاداتك العديدة واهمها عن الجواهري الخالد، وكتابك، الاول في مضامينه: "الجواهري... اصداء وظلال السبعينات" الصادرعام 2001 عن "بابيلون" للاعلام والنشر في براغ.

- بعض شؤون، ربما ليست مهمة!

مرة اخرى،  لتستدرك ما فاتك ان تشير اليه – ايها الرجل- في ما سبق وكتبت من هذه الضفاف على السيرة والذكريات، وصرح هنا بانك ترددت في هذه الاضافات، ولربما خشية من عفّ لسانٍ، أو احترازاً من ان تَشقى!! ومع ذلك فلتكتب انك رحت نباتيا منذ عامين ونصف، سائرا على هدى المعري في التاريخ القديم، ومحمود صبري وهادي العلوي، في التاريخ الحاضر. وجاهر بانك رحت لا تطيق حتى الجلوس على مائدة تحوي بعض "خلاصات" مجازر حيوانية، لا تعرف كيف يتلذذ بها أغلب البشر.

كما وصرح ايضاً- ايها الرجل- بعشقك للحياة والجمال، والمرأة رمزهما المطلق، ودون مدى، وبانكّ لم تكن باطنياً في ذلك: قناعة وتاريخاً وتجارب ومفاهيم... وبحْ ايضاً بأنك محب ووفيّ، وبكل ما استطعت، للاصدقاء الذين يسيرون على اربعة، واحبهم اليك الكلاب الذين جنيّت، وأولهم "بابل" فقد تصاحبتما معا طوال ستة عشر عاما، وليفارقك، وتفتقده الحياة، خريف عام 2014... وقد سبقه في تلك الحال "عنتر" الاسود الانيق. وها أنت لديك اليوم مدللاك التوأم: "بهار" و"فـلفل" الشقيّان اللذان لا تستطيع فراقهما لاكثر من ساعات قليلة فقط، وكذلك هو حالهما، كما تظنّ، وليس كل الظن اثم في عالم اليوم- وكم تحب ان تكرر هذه اللازمة التي صارت بعض كتاباتك معروفة من خلالها- وان لم توقع عليها بإسمك الصريح.. وأعترف بهذه المناسبة بأن لديك العشرات من الكتابات و"الشقشقيات" التي وقعتها باسماء مستعارة، لاسباب لم يحنْ بعد الكشف عنها !!!. -------------------------------- يتبع

 

 

شهادات ووقائع من

 

شهادات ووقائع

 من ضفاف الذكريات -7-

في دروب السياسة،

 وميادينها... وتنظيماتها

رواء الجصاني

بعد السطور السابقات من  "على ضفاف السيرة والذكريات" ها انت تدخل – ايها الرجل- في معمان التوثيق لمحطات ومواقف في ميادين العمل السياسي والوطني، الذي خضتها على مدى عقود، انطلاقاً وتوسطاً، وما برحت، وان " كلّ الجواد...ولم تزل تعتامهُ صبواتُ مهــر" !!

وأما الانطلاقة فقد كانت - ولا بدّ لها ان تكون كذلك - وانتَ في وسط وعائلة واخوان، سبقـك جلّهم فـي دخول ذلــك المعترك التنويـري والوطني، بذاك القدر او هذا، والوالــد "السيد جواد" أولهم، وان كان بلا تحـزب، ولاغلو.... اما الوالدة "نبيهـة" فيكفي أنها شقيقــة وحيدة لاربعة أخوة استثنائييــن، منهما اثنان أبرزان: الاول "جعفــر" شهيــد وثبــة كانـون الثانـي عام 1948.. وثانيهما، االجواهري الرمز.

اذن، فقد مرت مرحلتا الطفولة والفتوة في مثل تلكم الاجواء، ورحتَ وانت أبن ثلاثة عشر، تشتد عوداً، وخاصة وقد عشت بعض اجواء الانقلاب البعثي الاول في الثامن من شباط الاسود عام 1963 حين كنت مع الوالدة، في الايام الاولى للكارثة: صباحاً في معتقل خلف السدة، لمتابعة شأن الوالد، التربوي المتميز، المحتجز هناك...وظهراً، بعض الاحيان، في مركز شرطة الفضل، حيث مقر الحرس القومي- الفاشي، ترافق الوالدة وهي تتابع حال أخيك "صفاء" المُعتقل، والمدمى، في ذلك المسلخ البشري.

* فــي الوطـــن....

وهكذا يتصلبُ الفتى اكثر فأكثر، ليلتحق بتنظيمات الحزب الشيوعي العراقي، صديقاً، فمرشحاً فعضواً، ولتزدد شيئا فشيئاً المواقع والمسؤوليات اهمية في معترك العمل الوطني، وتتنوع، ولربما بشكل غير معهود.

ولتوجز من جديد – ايها الرجل- ولا تسهب أو تنسَ انك تكتب ظلالاً للسيرة والذكريات، وليس تفاصيل عنها. وقلْ ان من بين ما أشغلته من مهام نضالية وسياسية طوال عقد السبعينات: عضوا في الهيئة المسؤولة عن منظمة بغداد الطلابية، وخاصة في عهد منظمِها: الشهيد، علي حسن(ابو حيدر).. ثم مشرفاً على تشكيلات الحزب في العديد من كليات ومعاهد جامعة بغداد، ومنها اكاديمية الفنون الجميلة، وكليات القانون والسياسة، والاداب، والادارة والاقتصاد، والزراعة، وقطاع المعاهد... وعديد آخر، واللهمَّ لا يُسجل عليك ذلك اعترافا!! فيتحفز "البواقــون".

... والى جانب ما تقدم، فضفْ لا تُخفِ انك شغلت ولفترات مختلفة في العقد السبعيني ذاته: عضوية مكتب العمال المركزي، مع صادق جعفر الفلاحي، وعبد العزيز وطبان، وعبد الامير عباس، وبمسؤولية، عبد العزيز وطبان. وما بين هذا وذاك، مهامك في صحيفة الحزب المركزية "طريق الشعب". وانتسابكَ في مدارس ودورات سياسية في بغداد، والخارج، ولبعض تشكيلات المكتب المهني المركزي.

*... وفــي المغتــرب

اما بعد اللجوء الى براغ، ومع مطلع عام 1979 والى ان "تقاعدت" فقد تعددت المهام ايضا وتنوعت: سياسياً واعلامياً وتنظيمياً، وغيرها كثير. ولكن من أبرزها مسؤولياتك في لجنة تنظيم الخارج للحزب الشيوعي، معنياً بمتابعة شؤون العمل الطلابي، الديمقراطي، في اوربا خاصة، والخارجي عموماً.. كما ومتابعتك وإشرافك على عدد من التشكيلات التنظيمية الاوربية.. ولتعترف(!) من جديد، مادام قد مرّ على ذلك اكثر من ربع قرن، ان من بين تلك البلدان التي تابعت عملها وأشرفت عليها: المانيا الاتحادية، واليونان، والدانمارك.. وعدا ذلك فلا تكشف اسرارا اكثر، فالمهام "أمانات" كما هي المجالس !!.. ولكن، لا بأس ان "تخرق!" القاعدة قليلاً، ولـ"لتعترف!" ايضاً بأنك عملت في تلكم المهام الحزبية، وكان المسؤولون عنها راحلون أجلاء، هم: زكي خيري ونزيهة الدليمي وثابت حبيب ورحيم عجينة، لفترات وبتشكيلات مختلفة ... وكذلك مع آخرين أعزاء تمنى لهم طول العمر .

 --------------------------------- يتبع

 

 

 

 

 

ضفاف الذكريات / 6

 

في رحاب الثقافة والمثقفين

 

رواء الجصاني

 

والان فلتعد الى بعض لمحات خاطفة عن شؤون ثقافية لها علاقة بك، ولك علاقة بها – ايها الرجل- طوال عقود، ابتداء من انغمارك هاوياً في الكتابة والصحافة، ولا تكرر ما تطرقت اليه في حلقات سابقة من هذه الضفاف على السيرة والذكريات. ولكن لا بأس ان تستطرد قليلاً فتشير الى مكتبتيك التى فيهما ما فيهما من اصدارات ومؤلفات ومخطوطات ومجلدات، واحدة اينعتها في بغداد وحتى الاغتراب اواخر العام 1978 الى براغ، حيث اينعت فيها ايضا مكتبة يكفي ان تقول بانها الاولى والاخيرة في بلاد التشيك، لما تضمه من كتب واهداءات ونوادر المحتويات.. وكم شغل بالك- ويشغله - الى من ستؤول تينك المكتبتان، بعد ان يطول بك العمر!!!.

وما دام الحديث سالكا في الشأن الثقافي والادبي، فأتعب الناس من جديد- ايها الرجل- و"أضجرهم" بالحديث عن "شقشقياتك" الشعرية، في تلكم الايام والليالي، من تلكم الاعوام، ولا تسترسل، وتذكر ما قاله الجواهري في احدى حالاته: "أني اخاف عليّ بعض شهودهنّه"... كما تذكر عموم كتاباتك وتوثيقاتك ذات الشأن الثقافي، ومشاركاتك في العديد من الفعاليات ذات الصلة، عامة وخاصة، ومن اهمها على ما تزعم، احتفائية اربيل عام 2000 بذكرى مئوية الجواهري مع كتاب وشعراء وفنانين وسياسيين بارزين، ولعل ما يغطي بعض شؤوون تلكم الفعالية المهيبة، ما قد نشرته في صحيفة الزمان اللندنية، ثم وعلى مواقع اعلامية عديدة، تحت عنوان " حين احتفل الكورد بمئوية شاعر العرب الاكبر" بعيد ايام من اتمام الحدث.

كما ولتؤرخ هنا ايضا- ايها الرجل- عن مشاركاتك في العديد من فعاليات رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين العراقيين في اوربا، والخارج، خلال عقد الثمانينات، ومنها رئاسة فرع تلك الرابطة في تشيكوسلوفاكيا، عام 1988 والتي ضمت هيئته الادارية:حسين العامل وقيس قاسم ورزكار محمد.. ولتشرْ ايضا الى مشاركتك مع عبد الاله النعيمي، وحميد برتو، في ملتقى الرابطة الاوربي في برلين عام 1989 وكذلك في عدد من اجتماعاتها التنظيمية الاخرى مع نخبة من المعنيين، صحفيين وكتاباً وفنانين.. ولا تفوتك ان تؤرخ ايضا فتتذكر ان من بين اعضاء فرع الرابطة ببراغ، وداعميها، الراحلون الاعزاء: اضافة الى زكي خيري ومحمود صبري: شمران الياسري وقادر ديلان وعادل مصري ومحمود البياتي، ومصطفى عبود... والحح، وشرْ، ان من بين نشاطاتك الحيوية في الرابطة، ببراغ، اواخر الثمانينات الماضية، تنظيم وادارة ندوة مهيبة وسط براغ تحدث خلالها المفكر والرائد الكبير محمود صبري عن نظريته "واقعية الكم" وشارك فيها مفيد الجزائري، وبحضور جمهور غفير ندر ان تجمّع في مثل تلك الفعاليات. كما تحدث عن اصدار نشرة "مرافئ" التي "هيمن" عليها لاحقا صادق الصايغ، ليحولها من براغية محلية، الى صوت اوربي، اضافي، للرابطة. وقد استقطبت اهتماماً لافتاً لما كانت عليه اعدادها من فحوى وشكل، تميزا بجهد حريص..

ولتتـــوقف هنا، وتتباهى مجددا – أما شبعــت من التباهي ايها الرجل ؟!- بعلاقات وثقى زاهية مع عشرات المثقفين والشعراء والفنانين، العراقيين الباهرين.. وأذا ما فات عليك استذكار لمحات ومحطات ثقافية "مهمة" اخرى، فما عليك ألا و تستدرك ذلك في كتابات قادمات، ما دمت قد أزمعت ان توثق جملة من الاضافات، تشمل مالم تسعف به الذاكرة، فتشملها حلقات هذه الضفاف على السيرة والذكريات. -------------------------------------- يتبع

 

 

 

 

شهادات ووقائع من ضفاف الذكريات / 5

خمسة عقود مع الجواهــري

رواء الجصاني

هاهي ظلال جديدة على ضفاف السيرة والذكريات، ولانها شاملة هذه المرة، متنوعة المحطات واللمحات ، فسهل الامر عليك - ايها الرجل- وعلى الذين يقرأون لك، وأنثر التوثيق على ثلاثة محاور زمنية، وان تداخلت، وتحدثْ مااسطعت ايجازاً، عن تلكم العقود الخمسة مع الجواهري العظيم، مابين ولادتك عام 1949 ورحيله الى الخلود عام 1997... وقد كان، ويبقــى: خالاً وانساناً وعبقرياً، متفردأً في غير زمانه، ومكانه وأهله، كما قيلَ ويقال!!!. وأسبق، وقلْ بانك لن توفي في هذه العجالة الا ببعض يسير مما عندك، فقد كتبت ونشرت نحو مئتي مادة وحادثة وشهادة، وما زالت الجعبة والذاكرة تفيض بالكثير الكثير:

*فـي بغـــــداد...

تفتح عينيك على الدنيا، وانت في بيت وعائلة، بل ومجتمع، تنضح احداثها وتفيض، وتغرق بالجواهري ... وتستذكر، كالطيف احياناً، ما اختزنته الذاكرة من عقود ستة، واكثر: جلسات ليلية شبه يومية، واحاديث ووقائع وطنية وسياسية، واجواء ثقافية وصحفية واجتماعية، وغيرها، متشابكة دون حدود .... وكذلك سفرات عائلية منها الى النجف حيث منبت العروق، والى علي الغربي، حيث الجواهري "مزارعاً" و"متزوجاً" حديثاً.. كما والى دمشق، التي لجأ اليها مخلفاً "غاشية الخنوع" وراءه ...

ثم تتذكرـ وأنت أبن ثمانِ ونيف، الجواهري ذا الرئاستين، بعد قيام الجمهورية الاولى عام 1958 لاتحاد الادباء، ومجلس نقابة الصحفيين... وخلافاته مع رئيس الوزراء الزعيم عبد الكريم قاسم، والتي اضطر بسببها للاغتراب الى براغ عام 1961 وبعد ذلك عودته لبغداد بعد سبع سنوات "خالها سبعين لا كدراً، لكن لحاجتها القصوى الى الكدر" بحسب قوله. كما تذكر ليلة العودة، وانت والعائلة تستقبلونه في مطار بغداد مع جماهير غفيرة، ومن المطار الى البيت الذي استأجره له نجله "فلاح" في منطقة الداوودي، قرب بيتكم، ولا تفصل بين البيتين سوى مائتي متر لا اكثر .. وبمناسبة الحديث عن البيوت، وثقْ هنا، عسى ان ينفع التوثيق، انك – ايها الرجل - قد ساهمت عام 1970 في التخطيط الاولي لخارطة دارته الاولى والاخيرة للجواهري، ملكاً صرفاً، في العراق، باعتبارك مهندساً، ولم يكن قد مرّ على تخرجك غير أشهر قليلة ..

... ثم تبدأ سنوات السبعينات، والشاعر الخالد يتناصف الاقامة خلالها بين بغداد، وبراغ، وفي تلك الفترة ما فيها من وقائع حلوة ومرة، وشؤون وشجون، واستثناءات، ولعلك قد وُفقتَ في تغطيتها، بقدر ما، في كتابك الموسوم" الجوهري: اصداء وظلال السبعينات" الصادرعام 2001 في براغ، عن دار "بابيلون" وتوزيع مؤسسة المدى الدمشقية، آنئذِ ...

*... وفـي بــراغ

مع أواخر العام 1978 تنتقل اقامتك – ايها الرجل- الى براغ لاسباب سياسية، وملاحقات امنية، كما وردت – وترد- بعض تفاصيلها في هذه "الضفاف على السيرة والذكريات".. وقد سكنت في "شقيّقــة" الجواهري لبضعة اشهر، اولاً، حتى توفرَ لك "ملاذ آمن" في عاصمة بلاد التشيك، التي يعود اليها الجواهري يحمل "منقارا واجنحة" ليس الا، ليستقر مغترِباً من جديد، وحتى رحيله في دمشق عام 1991 فيعطر متربتها هناك عام 1997 والى اليوم..

وعلى مدى أثني عشر عاما في براغ (1979-1991) كانت اللقاءات مع الجواهري الخالد، يومية تقريباً، ومن برامجها ما يمكن الافصاح عنه، وقسم اخر يندرج تحت مقولة "للمجالس أمانات" !!! ومع ذلك فتلك كتاباتك المنشورة عن حقبة الثمانينات الجواهرية تغطي مساحات توثيقية واسعة، وتنقل وقائع وشهادات، إزعمْ – ايها الرجل- بأنها تسمن من جوع، وظمأ التواقين للتعرف على بعض تراث وأرث الشاعر العظيم، وصرح علناً: بانك الوحيد الذي عايش، وسجلّ، ونشرَ عن تلك الفترة الزمنية، المليئة بالاحداث، الادبية والسياسية والوطنية، والاجتماعية...

كما ووثق بانك كنت طوال تلكم السنوات الاثنتي عشرة: المؤتمن الاقرب للشاعر العظيم على "اسراره" وخصوصياته، وأتراحه وأفراحه، وحتى على بعض دوافع قصائده في تلك الفترة، وانطلاقة كتابة مذكراته... وكم كنت وكنت!! ثم ندمت بعد فوات الاوان، لأنك لم تقضِ وقتاً اطول واطول مما قضيته معه، وكم حذرك الخال العبقري، مزاحاً وجدية، من ذلك الامر، ولكنك ما طاوعتَ وفضلت نشاطك السياسي، و"الخاص"!!! في احيان كثيرة على ان تكون معه..

*... وفــي دمشــق

توزعت جلّ ثمانينات الجواهري، تقريبا، كما هو معروف للمتابعين، بين براغ، جنة الخلد التي "اطالت الشوط من عمره" ودمشق "التي احبها لا زلفى ولا ملقا"...وقد شاركته – ايها الرجل- تلك الحال، بقدر وشكل، أو آخر.. فقد كانت سوريا وطنا اضافياً تحضّنك لأكثر من ثلاثة عقود، وتحديدا للفترة 1979-2010... زائرا ومعارضاً وناشطاً جماهيرياً ولمرات عديدة في العام الواحد، وفي جميعها، او اغلبها الأعظم، مقيماً في دارة الجواهري، والعائلة، بدمشق ..

  وهكذا كتبت – ايها الرجل- تفاصيل لا عدّ لها في توثيقك الموسوم: "مع الجواهري في دمشق" المنشور عام 2013 في صحف ومواقع اعلامية عديدة، وفيه ما فيه من ذكريات ووقائع واحداث. ومن شذرات ذلك التوثيق، شئ عن مجالس الجواهري، وضيوفه وخصوماته، وعائلياته، وليلياته، ومشاركتك في اختيار" العيون من اشعاره" عام 1985 والاعداد الاولي لتحرير جزأي ذكرياته عامي 1989-1990 وعن نكبتيه برحيل زوجته" آمنة" عام 1992 وقبلها رحيل اخته "نبيهة" عام 1987...وغيرها وغيرها، وحتى تموز1997حين نال منه الموت اللئيم- الذئب- الذي بقي يطارده عقوداً، وفوق نيوبه دم اخوته، واحبته، وصحابه ...

كما وتذكرْ هنا – ايها الرجل- جلسات ما بعد منتصف الليل، حين تنفرج الاسرار والاسارير، وينحسر الستار عن الكلام المباح، وغير المباح، وتشتد المناكدات، ويُصرحُ بالتقيمات للاشخاص والاطر والاحداث والوقائع... وتوقف هنا، وعدْ لمقولة: ان للمجالس امانات، وقِ المؤمنين، وغيرهم، شرور القتال، فما عاد في المقدور مزيدا من قدرة التحمل والجدال، وخاصة مع اولئك الذين لا يستحقون المنازلات!!!... اما المخلصون ممن يهمهم حب التنوير والثقافة والادب، والسياسة، والجميل غير الممل، فدلّهم - ايها الموثق- الى نحو 70 شهادة وواقعة أرختَ لها تحت عنوان" مع الجواهري بعيدا عن السياسة والادب" نشرت ربيع العام 2014 في عشرات الصحف والمواقع الاعلامية، وغيرها ....---------------------- يتبع

 

 

 

 

 

 

شهادات ووقائع

 

من ضفاف الذكريات -4-

 

في عواصم ومــدن العالـــم

 

رواء الجصاني

بين مشاركات في مؤتمرات ومهرجانات وندوات وغيرها، كما للسياحة وإن قلّت، قُدر لك – ايها الرجل- ان ترى وتزور وتقيم في حوالي ثمانين عاصمة ومدينة، متوزعات في اكثر من ثلاثين بلدا، في مختلف انحاء المعمورة، واحياناً لاكثر من مرة ومرة .. فمن نيويورك الى بيونغ يانغ، ومن مراكش الى عدن، والى اثينا وروما وموسكو ولندن والقاهرة، وطهران واسطنبول.... توزعت تلكم المدن والعواصم التي رأيت. اما دمشق وبلاد الشام، فتغنّ، وأحزنْ، وحدثْ، عن عدد مرات زياراتك لها، فلها الكأس المعلى، والى اليوم "وإن كُسيت على رغم دخانا" ...

   ولعلك لا تبالغ ان أطربتَ – او أضجرتَ- قراءك ان قلت بان لك في كل مدينة وعاصمة ذكريات الكثير منها طرز الروح، عاطفة ووجداناً، باحباء واصدقاء، وزملاء، وقبلهم: صديقات وزميلات، باهرات منورات.. كما ووقائع واحداث، اجتماعية وسياسية وثقافية، وغيرها !!! وإحذر! فان افضت اكثر فستكون"سيرة وذكريات" شاملة، وليست"ضفافاً" كما زعمت في العنوان الرئيس لهذا التوثيق.

ولكي "تملّح" ما أشرت اليه، نوه على الاقل، الى بعض وقائع حدثت لك – ايها الرجل- في عدد من تلكم العواصم والمدن، ومن بينها حين، حجز لـكَ المضيفون اليمنيون الجنوبيون عام 1980 ولحميد مجيد موسى"ابو داوود" وعبد الاله النعيمي، للسفر بالطائرة الى صوفيا، من عدن، التي كنتم في وفد رسمي اليها.. والى الان لاشئ غير طبيعي، ولكن الدهشة انك اكتشفت، وبالصدفة فقط، وعشية بدء الرحلة، ان مسار طائرة العودة يشمل التوقف ساعة" ترانزيت" في مطار بغداد، المحتل آنذاك من عصابات النظام الارهابي!!! وقد الغينا السفر، بالطبع، وإلا فكمْ كانت "اللقمة" مغرية لتلك العصابات، بأن يصيدوا ثلاثة مطلوبين بامتياز، جاؤوا اليهم بأرجلهم، وإن كانوا عبر الطائرة !!!...

وعلى اية حال فلتزدْ خلاصاتٍ ولتقل: ان كل تلكم المدن والعواصم التي زرتها، وفرت لك المزيد من الاطلاع، وبمديات مختلفة، على صعيد المعرفة، والتاريخ والجغرافيا، والثقافات المتنوعة.. واكتفِ هنا، وعلى ان تعود للمزيد في كتابات تالية، وأحسبْ ان جميع ما أشرت له في السطور السابقات رؤوس اقلام، لتفاصيل قادمة ...-------------------------------- يتبع

 

 

 

 

شهادات ووقائع

 

من ضفاف الذكريات -3

 

نساء ونساء في رحاب الذاكرة

 

رواء الجصاني

 

لأنهن من زنّ الحياة، فلابد ان يحظين بكل تمييز ممكن، وانت تتابع ضفاف ذكرياتك ايها الرجل، وهكذا رُحْ واعتمد ذلك المنحى فوثق عن نساء باهرات كانت لهن علاقات انسانية ووطنية واجتماعية وسياسية معك، كما انت معهن، وأكثر. واذ تستمر على تلك الخطى التي اعتمدت، باتجاه التوقف عند اسماء الراحلات والراحلين، وحسب، مع استثناءات قليلة، فلا بد ان تأتي في البال اولاً، الوالدة الجليلة: نبيهة الجواهــرى، وقد سبق واشرت لها، وعنها في سطور سابقات...

ثم تابع وتذكر  الفقيدة العزيزة: امونة جعفر، زوجة الجواهري الخالد، الخال الاقرب، الذي قال عنها عام 1957، وأوفى، ببضعة كلمات معبرة تغني عن جمل وعبارات، حين قال انها كانت، وحتى في جموحها " لون من الادب"... كما وتذكر والدة زوجتك نسرين: الراحلة الجليلة: بلقيس عبد الرحمن، أرملة الشهيد وصفي طاهر، المناضلة، الصادقة الصبور، والتي عشت معها في بيت واحد لاكثر من عشرين عاماً في براغ، دع عنك السنين الخوالي في بغداد.. وايضا نزيهة الدليمي، الشخصية الوطنية، التي كانت تتابعك سياسياً اواخر السبعينات الماضية، ضمن مسؤولياتها في العناية بتنظيمات الخارج للحزب الشيوعي العراقي...

 كما لا يجوز الا وان تُشر- وذلك اضعف الايمان- الى الشهيدة البطلة، زهور اللامي، رفيقتك في الهيئات القيادية لتنظيمات بغداد الطلابية، اواسط السبعينات. كما لا تنسً ان تصرح ايضا ان عميدة "عمومة" مصري، كانت رفيقتك في التنظيمات القيادية للحزب في موسكو.. ثم وثق، بل وافتخر بعلاقتك الاجتماعية مع فنانة الشعب، زينب، ولقاءاتكم بصور شتى، في بغداد وموسكو وعدن ودمشق..

والان، فلتعترف(!) ان بشرى برتو كانت تشرف على نشاطك، ورفاقك: الشهيد الابي نزار ناجي يوسف( ابو ليلى) وفراس الحمداني، وعيسى العزاوي، وحكمت الفرحان، وغيرهم، في لجنة العمل المهني المركزية، ببغداد في السبعينات.. كما انها- بشرى- تكفلت بالمسؤولية السياسية عنك في براغ، اواخر الثمانينات.. ثم اعترف ايضا بانك كنت، وسعاد خيري، في لجنة تنظيم الخارج للحزب الشيوعي اوائل الثمانينات... كما وتذكر سلوى زكو في صحيفة "طريق الشعب" السبعينية، وهناء ادور، وانتما تتابعان النشاطات الديمقراطية العراقية في دمشق، اواسط الثمانينات... وكذلك نضال وصفي طاهر، وخاصة فترة عملها معك ببراغ، ولنحو عقد من الزمان، في مسؤليات حزبية وديمقراطية وطلابية..ولا تغفل - وهل يمكنك ذلك ؟- المناضلتين: الشهيدة الباسلة شذى البراك، وشقيقتها سوسن، وعلاقاتكم الاجتماعية والسياسية والحزبية على مدى اعوام... وهكذا تبتدأ شدة الورد، ولا تنتهي.

لقد باتَ عليك ان تتوقف- ايها الرجل- فقد اطلت، ولربما تستهويك الاعترافات المقبولة، وغيرها، وقد يضجر المتابعون حين تنهمر، تتلألأ، الاسماء والذكريات والسير، وقد يعود بك التوثيق الى زميلاتك في الدراسة الجامعية، والوظيفية، والنضالية، وخاصة الى تلكم الشابات الزاهرات التي كُلفت بالاشراف على نشاطهن في تنظيمات الحزب الطلابية ببغداد، والديمقراطية، وقرينتاهن في براغ، وفي الجمعيات والروابط الطلابية، المنتشرة عنفواناً في نحو عشرين بلدا، واوربا بشكل خاص.. واستدرك، وتمنّ لو سمحنّ لك، وسمحت الظروف، بذكر اسمائهن، ولاسيما البارزات منهن نشاطاً، وحيوية، وإتقاداً، ولا شك بأنك ستوافق في الحال لو كان الامر بيدك وحدك.

... اما عن العلاقات الاجتماعية والانسانية، وما بينهما، مع من "زنّ الحياة" فستستطرد السطور دون حدود، ولربما ستزداد أعين الحساد اتساعا، واحمرارا.. فأحذر، واحترز، لأن ما عندك من لواعج وشجون يكفيك لدهر !!!! .------------------------------- يتبع

 

 

 

 

شهادات ووقائع على ضفاف الذكريات – 2

 

ربع قرن في حركة طلابية مجيدة

 

رواء الجصاني

 

في الرابع عشر من  نيسان عام 2008  وتحت العنوان اعلاه، وبمناسبة الذكرى الستين لمؤتمر السباع الطلابي الشهير، ببغداد، نشرتَ – ايها الرجل –توثيقا مفصلاً عن بداياتك الطلابية، نشاطا ونضالاً، وحتى عام 1989 حين "تقاعدت"... وها انت تحاول من جديد ان تجمع شتات السيرة والذكريات، فماذا ستكتب هذه المرة؟

... هل ستفصل اكثر عن مواقف ونجاحات وشجون، ام ستخشى- وماذا تخشى اصلاً ؟- من هذا وذاك؟.. هل ستتحدث بصراحة؟ ام ستركنها لفترة قادمة، وتتحجج من جديد بأنك توثق "ضفافاً" وحسب لسيرة وذكريات، وليس كل "السيرة" وكل "الذكريات" !!... ومع ذلك فلتتمرن، ولتضف بعض محطات من هنا ومن هناك في مسار ربع قرن، من العمل والنشاط الطلابي.

قلْ، مثلا، انك تفخر بمشاركتك في ذلكم النضال الطلابي المتشابك مع النضال الوطني، في حركة، وتنظيم، واطار، اتحاد الطلبة العام، والذي كان، وما برح، شعاره الاساس ينضح بذلك التشابك، ونصه:"من اجل حياة طلابية حرة... ومستقبل افضل"... ثم زدْ وبارك، كما يقول المؤمنون: ان ذلك الاتحاد الطلابي العتيد، مدرسة وتاريخ لجحافل مناضلين من اجل الغد الافضل، منهم من أُستشهد، وخلدَ، ومنهم من سجن وعذب وتحمل ما تحمل، ولم يحد عن الدرب... كما وأشِرْ على الاقل- ايها الرجل الموثق- وحتى دون اسماء في هذه المرحلة: ان مدرسة "اتحاد الطلبة العام" خرجت العشرات من القيادات والنشطاء البارزين، في الحركة الوطنية العراقية، وعلى مدى اعوام، بل وعقود، ومنهم الى اليوم، يجوبون ارجاء العراق شمالاً ووسطاً وجنوبا..

ثم، سجل، وتباهَ مرة اخرى - ولم لا؟ - ان مهامك ونشاطاتك الطلابية - الوطنية تنوعت وتعددت، لتشمل الاعلام والتنظيم مرة، والعلاقات العربية والعالمية مرة اخرى... ومرر – ايها الرجل – ان من بين هذه وتلك المهام التي تشرفت بها، اشغالك عضوية سكرتارية الاتحاد مطلع السبعينات الماضية، وخوض الانتخابات الطلابية عام 1970 "متزعماً" قائمة الاتحاد، في معهد الهندسة العالي ببغداد، ثم شغلت عضوية اللجنة التنفيذية لرابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفياتي عام 1972 ثم عدت لبغداد عام 1973 لتعود الى سكرتارية الاتحاد، ولتشرف على صفحة الطلبة والشباب في جريدة "طريق الشعب" المناضلة المعطاء، وحتى عام 1976...

كما واكمل تباهيك، مادمت قد بدأت به - ايها الرجل المتباهي بنضال وعطاء- ووثق انك كُلفت في براغ، وانتخبتَ سكرتيراً عاماً للجنة التنسيق للجمعيات والروابط الطلابية العراقية (الديمقراطية) خارج الوطن للاعوام 1980- 1985.. وفي نفس الفترة: تسنمت مهام التمثيل الخارجي لاتحاد الطلبة العام، ومندوبه لدى سكرتارية اتحاد الطلاب العالمي، ومقرها في العاصمة التشيكية براغ... وضف بكل ثقة واعتزاز ان تلكم الجمعيات والروابط، وهي فروع الاتحاد في الخارج، تحملت في مسارات نضالها مسؤوليات اساسية في حملات التضامن الجماهيرية، مع كفاح طلبة وشعب العراق، ضد الارهاب والقمع البعثيين، وخاصة في الفترة 1979- 2003.. ومرة اخرى ذكّر من يريد تفاصيل اكثر، بالعودة الى ما نشرته في توثيقك ذي الصلة عام 2011 تحت عنوان "جمعيات وروابط الطلبة العراقيين خارج الوطن، ربع قرن ضد الدكتاتورية والارهاب" والمنشور على عشرات المواقع الاعلامية.---------------------------------------- يتبع

 

 

 

 

شهادات وقائع على ضفاف الذكريات / 1

 

بين الصحافة والثقافة... والسياسة

 

رواء الجصاني

في بغداد"دجلة الخير"...

...ها قد حان الوقت الان للتوثيق عن بدايات النشاط الصحفي الاول، فأرخ ايها الرجل أنك واكبت صدور جريدة "طريق الشعب" العلنية، منذ ساعاتها الاولى عام 1973 وحتى عام 1978 إذ توليت فيها مسؤولية صفحة "الطلبة والشباب" ثم "الصفحة المهنية" التي أختصت باخبار وشؤون نقابات مختلفة، عدا العمالية، فضلا عن "مهام" اخرى... اما التفاصيل عن تلك الفترة التي دامت نحو ستة اعوام، فأدع من يشاء، ولم يضجر بعد مما تكتب، لقراءة توثيقك المفصل عن ذلك، والمنشور اوائل عام 2014 في العديد من المواقع الاعلامية تحت عنوان "ستة اعوام في طريق الشعب".

وفي اواخر العام 1978 يحين موعد "الهروب" الاضطراري من العـــراق، وبدء اعوام الغربة التي ظننت- ايها الرجل- انها لن تطول عقودا كما حدث، ويستمر... فإلى براغ، جنة الخلد، المرئية، وليست المسموعة، على ذمة "الجواهري" ارتحلت من بغداد، وصارت عاصمة التشيك ملاذاً ووطنا جديدا اضافيا، والى اليوم... وفيها – في براغ- حيث الفصول الاربعة - ودائما بحسب الجواهري الخالد- تسلمت، وبعد لا ازيّد من اسبوع فقط من الوصول اليها، مهاماً اعلامية وصحفية عديدة، وطنية وسياسية الطابع عموما، ومنها لفترات متباينة الطول والقصر: في المكتب الاعلامي، الخارجي، للحزب الشيوعي العراقي، الذي حرر وطبع واصدر ووزع العديد من المجلات والنشرات بالعربية والانجليزية والاسبانية، للمساهمة في مقارعة النظام الدكتانوري البائد... ولتوثق هنا ان من بين الاسماء التي عملت معها، وعملوا معك، ولفترات مختلفة في هذا المجال: شمران الياسري(ابو كاطع) وسعاد خيري وفالح عبد الجبار ومجيد الراضي وحسين العامل، و باشراف نزيهة الدليمي، فترة، ثم ثابت حبيب العاني. وعذرا سلفا لمن لم تسعف الذاكرة بالاشارة له... ولتمرر هنا انك سعيت – وستسعى- في هذه الضفاف من السيرة والذكريات، الى الابتعاد ما استطعت عن تعداد الاسماء، وتركز على الراحلين وحسب، احترازا من سهو او نسيان، او"زعل" احباء واصدقاء ومعارف.

... وفي براغ "مزهر الخلد"

ثم يحل العام 1989 وتنقلب الدنيا، وتهوي انظمة، وتعلو اخرى، وتنكفأ النفوس قبل العقول، بعد انهيار الشكل، والنموذج على الاقل .. ويتيح استبدال نظام الاقتصاد ذي التخطيط المركزي في البلاد التشيكية الى اقتصاد السوق الحر، امتحان القدرات الذاتية، وخوض غمار المغامرات، فتطلق مع عبد الاله النعيمي، منبرا للاعلام والتنوير، باسم "بابيلـون" ولتستمر تلكم المغامرة الى الان، وها هي تنهي يوبيلها الفضي، برغم كل المتاعب وصعوبات السباحة ضد التيار، ولتخسر كل ما تملك ( وهل ثمة ما تملك اصلاً؟) لكي يدوم المشروع الى الان، بل ويتسع، وينال محبة الاكثرين، جنبا الى جنب كيد وكدر الحاسدين والعاجزين.. وكما هو الامر في سطور سابقة، وفي حال اخرى، تلكم هي التفاصيل موثقة بتفاصيل "مملة!" واسماء ونجاحات وشؤون وشجون، منشورة على مواقع اعلامية، وصحف عراقية وعربية، تحت عنوان:"بالف دولار من الجواهري، وبريشة محمود صبري، ابحرت "بابيلون" عام 1990".

ترى هل أوفيت؟ ام هنالك مسافات التأشير اليـــه؟... لا احد يدري ولكن، وعن الحلال والحرام فلتزد - ايها الرجل- سطورا اخرى، في مسيرة الخمسين عاما من الاسهام والنشاط في العمل الصحفي، والاعلامي، ومنها اصدار نشرة رابطة الكتاب والصحفيين العراقيين، الاوربية باسم "مرافئ" تحت مسؤولية صادق الصايغ، والاشراف العام لنحو سبعة اعوام عن كل الاصدارات الخارجية لاتحاد الطلبة العام، وفروعه الخارجية، فضلا عن المقالات والتوثيقات والدراسات، الثقافية والسياسية، وما اليها، والتي كانت بالعشرات، ولا تقل مئات- وان كانت!- احترازا من المتربصين، واولئك ممن عناهم الجواهري واشباههم في بعض مقصورته الشهيرة : ومنتحلين سمات ِ الأديب يظنونها جبباً ترتدى.... ولكن لتتباهى في ذات الاوان بتراث وعمق صلات، ومودة مع عشرات الزملاء والاصدقاء والاحباء، الذين عملت معهم، وعملوا معك، وزاملتهم وزاملوك، باسقين ألقين، في رحاب الصحافة والاعلام، ولتفخر بعلاقاتك معهم، وعلاقتهم معك، ممن قربوا او بعدوا، او تواصلوا ويتواصلون، وفي كل ذلك رصيد ما وراءه رصيد أجل !!.

--------------------------------------------------- يتبع

 

 

 

جرى ذلك قبل خمسة وأربعين عاماً (1/2)

 

الجواهـري في حديث خاص لسامي مهدي

 

عن البيئة والتمرد

 

والصحافة والنقاد... والشعر الحر

 

 

قراءة وعرض: رواء الجصاني

 

------------------------------------------------------------------------------

قبل خمسة وأربعين عاما، وفي حزيران/ يونيو 1971 تحديدا، يجري الشاعر والكاتب سامي مهدي، حوارا مطولاً في بغداد، مع الجواهري الخالد، نشره في مجلة "المثقف العربي" تميز بالصراحة والجرأة وفي اختيار المحاور، فضلاً عن الأستنطاق- بتعبير استعاري- خاصة وان  الاجواء في البلاد العراقية كانت  متشابكة،  ثقافيا وسياسيا - على اشمل وصف. وقد أرتأيت وأنا في "معمان" الارشيف الجواهري العامر، أن أعيد نشر الحوار لتميزه كما أسلفت، وبشكل شبه كامل، بأستثناء بعض الأيجازات، وإضافة عناوين فرعية، فضلاً عن هوامش توضيحية، كما ازعم ... وها هو في التالي:

--------------------------------------------

"كنت قد قدرت ان لقائي بالجواهري سيستغرق ساعة او اكثر قليلا. وانه سيكون جافاً أو حتى مملاً، ولكنه استغرق أربع ساعات، وكان متعة عظيمة لي"... هكذا يقدم سامي مهدي لحواره المنشور في مجلة المثقف العربي البغدادية، ويضيف:

... "في البداية لاح لي انه يتحفظ في الحديث فخمنت انه يريد ان يطمئن الى أمانتي بعد ان افتقد أمانة الكثيرين. ولكن ما ان استغرقنا الأخذ والرد حتى انطلق على سجيته وراح يسترسل حد انه كان ينسى في كل مرة أصل ما بدأنا به.

كان صوت – الجواهري- دائم التغير فهو يعلو مرة حد الصياح وينخفض أخرى حد الهمس، وبدا لي انه ليطربه ان يستعيد معك ذكرياته، حلوها ومرها، وان تنصت له وتشجعه على الاسترسال معك، فحينذاك تراه وقد احمر وجهه من لذاذة، وتهدج صوته من نشوة، كما لو ان حمى خمرة قد ألم به. فرأيت ان يحدثني عن مصادر ثقافته، قلت له أراك تقرأ روسو فمن هم أبرز من قرأت لهم؟".

* ويجيب الجواهري:

..."سؤالك عن أبرز من قرأت لهم صعب، لقد قرأت كثيراً، وقد بدأت القراءة منذ ان كان عمري عشر سنوات، كان بيتنا يساعد على ذلك، وأستطيع أن أقول انني قرأت لأغلب المشاهير. قرأت لبلزاك واناطول فرانس وبودلير صاحب ازهار الشر. قرأتُ هؤلاء مترجمين، مع انني اجيد – القراءة – القراءة – فقط بالفرنسية. وغير هؤلاء قرأت شيللر صاحب اللصوص، وقد أعجبتني رواية مدام بوفاري".

ماهي مصادر ثقافة الجواهري، ومن أين؟

* ثم يسأل سامي مهدي "وماذا بعد عن مصادر ثقافتك؟" ... فيّرد الجواهري:

" ان الأهم هو البيئة: البيت والمدينة والقطر والظروف ونمط الحياة السائدة. ان البيئة التي نشأت فيها بيئة خاصة. كان بيتنا (مشبك عروق) دون كل البيوت. كان ملتقى كبيراً لعوائل مختلفة الأصول. كما كان محفل علم وأدب، أما أبي فكان شاعراً رقيقاً، إلا انه هجر الشعر تقىً وورعاً مثلما فعل الحبوبي الكبير... اما بالنسبة للبيئة العراقية في ذلك الحين فلعلك قد قرأت عنها، وعرفت من أي بؤس وأي تخلف كانت تعاني... اذن فقد كانت هذه البيئة مصدرا غنيا وقد زودتني بخبرات عديدة. على ان اكثر ما اثر بي منها طفراتي من حدود البيئة العائلية والنجفية الى البيئة البغدادية، فلقد فتحت لي هذه الطفرات آفاقا رحيبة وكان ان حددت لي طريقي العام".

* ويتابع الجواهري اجابته على السؤال ذاته فيقول:

"اثر بي من تلك البيئة تناقضها وتقلباتها، فنحن لم نكن عائلة كادحة، كنا من البيوتات ولكنا مع ذلك كنا نبيت ليلا بلا عشاء، وحتى بلا خبز. ولقد برزت هذه التأثيرات في مظهرين عام وخاص. ففي المظهر العام فرضت عليّ البيئة ان أكون مع الجائع العاري. لذا أصبحت ملتزما رغما عني. وفي المظهر الخاص طغى على حياتي وشعري عنف لم أخلق له. أنا في حقيقتي أكره العنف، وأشعر أحياناً ان عنفي في غير محله فأشجب نفسي ولكنني لم استطع الا ان أكون كذلك، أنا مثل بطل بلزاك في رواية الزوج الضائع (حسن التفكير سيء التصرف)، وحين قرأت الرواية قلت: هذا هو أنا...

... شيء آخر أورثتنيه البيئة، وهو حب الحياة. أنا أحب الحياة، ولقد نما في هذا الحب على نحو لم أكن أتصوره انه ينمو كلما تقدم بي العمر حتى انني لأجده في بعض الأحيان لا يتناسب وسني، وعندئذ لا أجد إلا أن أفلسفه. ان حبي للحياة، كما أعتقد مجرد رد فعل للظروف التي مرت بي لقد كنت محروماً وما حبي للحياة إلا تعويض لهذا الحرمان".

الجواهري: أشعر احياناً باني كنت عنيفا أكثر مما ينبغي

* ووفق سامي مهدي، في الحوار ذاته وعنه:

"كان ابو فرات أشبه بمن يعترف، وبين الحين والآخر كان ينتبه لنفسه فيعتدل ويحدق فيّ ليرى مدى تأثير حديثه عليّ. اما أنا فكنت أهرب بوجهي عنه لئلا أقطع عليه استغراقه في الاعتراف. كنت أتركه لانفعالاته. ثم سألته: يعرف عنك انك بار بعائلتك، فكيف توفق بين هذا البر وبين عنفك ومواقفك الحدية".

* ويردّ الجواهري، منطلقاً، ومن بين اجابته:

"أنا أحب العائلة، أذوب في العائلة، وفي أقسى الظروف كنت أحاول المستحيل حتى لا تتضرر، كنت أدللها وكان هذا يكلفني عناءا أكبر، وفي الحق ان العائلة لم تكن تتدخل في مواقفي قبل ان اتخذها، أو انني لم أكن أدع لعواطفي تجاهها ان تؤثر على موقف أزمع اتخاذه. غير انني مع ذلك كنت احتاط لها قبل اتخاذ الموقف. ثم ما عساي ان أصنع اذا جاءت الأثمان أكبر من استعدادي لها؟ أحياناً كنت انقد نفسي فأشعر انني كنت عنيفا أكثر مما ينبغي وحتى أكثر مما كنت أريد".

ويستمر الجواهري فيتحدث خلال الحوار نفسه عن مثال لما تعرض له، والعائلة بسبب مواقفه، فيسرد تفاصيل عن أجواء وتداعيات بائيته الشهيرة، عن هاشم الوتري، وبيتها الأشهر الذي خاطب به المسؤولين العراقيين عام 1949 ونصه "أنا حتفهم ألجّ البيوت عليهم، أغري الوليد بشتمهم والحاجبا"(1)...

لماذا راح الجواهري صحفيا؟

* وفي ثنايا الحوار يكتب سامي مهدي:

 "... قلت لأبي فرات: ان علاقتك بالصحافة تبدو لي غريبة، فهلا أوضحت لي كيف تكونت هذه العلاقة ومدى تأثيرها على شعرك؟"...

ويجيب الجواهري:

"كنت مهووساً بإصدار جريدة، ولكن لم أكن أدري ما هو هدفي بالضبط لعلّ ذلك يعود الى اتصالي بالصحافة عن طريق النشر، أو لعله طموح ذاتي في النشر، أو رغبة في الحصول على مورد حر، وربما كان الدافع رغبتي في خوض السياسة. وعلى أية حال كانت الصحافة بالنسبة لي هي الدنيا، وكنت أعيش جو الصحافة على كثب. وهكذا تركت الوظيفة وأصدرت (جريدة الفرات) التي سميت ابني باسمها.

على انني وان امتلكت ذوقا صحفيا، فأنني لم أكن صحفيا ناجحا. كنت أشعر بأن ثمة تعارضا بين الصحافة والشعر. كانت الصحافة تغرقني في غمرة الاحداث وتشدني اليها فتصرفني عن الشعر في كثير من الاحيان، ومع ذلك فانني ما زلت احب الصحافة واحسب انني استطيع الان مزاولتها. ولكنها من جانب آخر كانت توسع لي الآفاق السياسية".

* ويضيف الجواهري مسترسلاً:

"هذا لا يعني انني لم اقدم شيئا مجديا في الصحافة. فغالبا ما كنت اكتب الافتتاحيات وغالبا ما كانت هذه الافتتاحيات تحرك الجو السياسي. ومن جانب آخر كانت الرأي العام ملتقى للشعراء الشباب، وكانوا يعتبرون النشر فيها مقياسا لمواهبهم. بدر شاكر السياب كان ينشر عندي ومن اهم ما نشرته له همزيته التي قالها في الوثبة وقد نشرتها بعد ان قدمت لها. بدر كان يعمل عندي مترجما. وقبل ذلك كان يريد مني ان اقدم لديوانه. ففي ذات يوم كنت في زيارة والد عزيز الحاج، كان صديقي وكنت اعرف عزيز من خلال هذه الصداقة. فجاءني - عزيز - مع ديوان صغير لبدر وطلب مني ان اقدم له. واحتراما لعلاقة الصداقة اخذت الديوان ولكني لم اقدم له رغم انه بقي عندي شهورا ثلاثة، أنا لا أؤمن بالتقديم، امين الاعور (صحفي لبناني) أرسل لي منذ ثلاث سنوات ملحمة تاريخية بـ 400 صفحة على ان اقدم لها. الملحمة جيدة ومازالت عندي ولكنني لم افعل شيئا. هكذا أنا لا أؤمن بالتقديم".

----------------------------- يتبع الجزء الثاني والاخير

** مع تحيات مركز الجواهري/ براغ

 

 

 

 

بين الجواهري والامام الحسّين:

مآثـر وشعـر*

 

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

بلا خوض مباشر في عوالم النجف الروحية، والاجواء الدينية والادبية للاسرة الجواهرية، وتاريخها واثارها العلمية، دعونا نغور لماماً في قصيدتي "عاشوراء" و" آمنت بالحسين" للجواهري الخالد، وما تشيان، بل وتلهبان به، حول ماثرة "الطف" واحداثها الاليمة، والعبر المستوحاة من الثورة الحسينية، ومنابعها وجذورها ومبادئها وافاقها..

 والقصيدة الاولى: "عاشوراء" منظومة ومنشورة عام 1935 وكانت بثمانية وستين بيتاً، استعرض فيها الجواهري، ووثق خلالها العديد من الاحداث التاريخية، الثورية والماساوية في ان واحد، وبالاسماء المقرونة بالاوصاف التي تليق – بحسب رؤاه – بالمضحين من اجل المبادئ، من جهة، وبمعارضيهم، بل ومحاربيهم وقتلتهم، من جهة ثانية...

هيَ النفسُ تأبى أن تُذَلّ وتُقهَرا، ترَى الموتَ من صبرٍ على الضيم أيسَرا

وتخـتارُ محموداً من الذِكرِ خالداً...على العيش مذمومَ المَغَـبّـة مُنكَرا

  وكما هو ديدنه، شبك الجواهري العام بالخاص، وبحورات مع الذات ً، ليستخلص وفي ابيات محدودات، ولربما في بيت واحد متفرد، عبرة العبقري الخابر للحياة:

ونُكّسَ يـومَ الطـفّ تـاريخُ أمـة... مشى قبلَها ذا صـولـةٍ متبختِرا

فما كان سهلاً قبلَها أخذُ مـوثـق على عَرَبيّ أن يـقولَ فيغـدِرا...

 وسيرا على عادته، ايضا، يوجزالشاعر المنوّر عظات واقعة الطف، وما سبقها وتلاها من بطولات وامجاد خالدة، ثم يروح موجهاً، دون وجل او تردد:

أقـول لأقوامٍ مَضَـوا في مُصابه... يسـومونه التحريـفَ حتى تغيّرا..

دعُوا رَوعةَ التاريخ تأخـذْ مَحَلّـها... ولا تُـجهِدوا آياتِه أن تُـحوّرا

وخلّوا لسانَ الدهر يَنطقْ فإنّه...بليـغٌ إذا ما حـاولَ النطـقَ عَـبّـرا

 واذ جاءت "عاشوراء" في زمانها - والجواهري انذاك في عقده الثالث وحسب - مباشِرة في المعاني والتصريح، واقرب للتوثيق التاريخي، هدر الشاعر الخالد بعد مرور اثني عشر عاماً، بعصماء "آمنت بالحسين" التى فاضت بالتعبير عن المواقف والمفاهيم الطافحة بالإباء والشموخ، والممجدة للفداء والتضحيات، كما هي الحال في الفرائد الجواهرية العديدة، وان اختلفت في الصور والاستعارة:

فـداء لمثـواك من مضـجـعِ... تـنـوّر بـالابلــج الأروعِ

ورعياً ليومـك يوم "الطفـوف"... وسـقياً لأرضك من مصرع

تعـاليت من مُفـزع للحتـوف... وبـورك قبـرك مـن مَفزع

وياعِظَةَ الطامحينَ العِظام، للاهينَ عن غَـدِهِمْ  قُنَّـعِ

 وفي مقابل ذلك تماماً، لم يجامل الشاعر الكبير أو يتهاون في هجو الخنوع والانحناء، وأولئك المقيمين على الذل، بل وحتى من يتوسط "كاللبن الخاثر" وغيرهم من اللاجئين "لأدبار الحلول فسميت وسطاً، وسميّ أهلها، وسطاءَ"..

 ولربما نجتهد، ونصيب، فنرى في "آمنت بالحسين" مجمعاً للشواهد والأدلة الأبرز على الرؤى الجواهرية المتميزة، وبمقاييس بالغة الرفعة، في تبجيل "الواهبين النفس" فداءً للمبادىء التي يؤمنون بها، وتلكم بلا شك هي التضحية الأضخم للدفاع عن القيم والذود عنها، كما يؤمن ويثبت ويصدح صاحب "آمنت بالحسين"...

 وفي مقاطع تالية من العصماء ذاتها يستمر الجواهري في الاتجاه الذي يريد اعلانه عن تضحيات الحسين الثائر و"نهجه النير" الذي بات "عظة الطامحين العظام" لاولئك "اللاهين عن غدهم" والقنوعين دون احتجاج وتمرد أو ثورة...

....   كما يفيض عديد آخر من أبيات القصيدة بعواطف ومشاعر انسانية فائقة التعبيــر في تقديس الثبات والصمود لرجل يـــوم "الطفوف" و"الملهم المبدع" الثابت أمام "سنابــك خيـــل الطغاة" دون خوف أو رهبة... وبهــدف أن يُطمر "جديب الضميـــر بآخـــر معشوشب ممــرع"...

شممتُ ثـراك فهب النسيم... نسيم الكرامـة من بَلقـعٍ

وطفت بقبرك طوفَ الخيال... بصومعـة المُلهـم المبدع

تعـاليت من صاعق يلتظي... فـان تـدجُ داجية يلمـع

ثم يروح الجواهري ليتمثل مأثرة الحسين التاريخية، و"يمحص" الأمر دون أن يرتهب من "الرواة" أو يخدع بما ينقلون، ويمضي هادفاً للحقيقة لا غيرها، وبدون "تزويق" أو مبالغات... وبعد ذلك فقط، يجد الشاعر أن في فداء الحسين دفاعاً عن مبادئه، وقائع لا أعظم منها، وهو "أن يطعم الموت خير البنين، من الاكهلين الى الرضع

 "... ثم يحل مسك الختام، فتجدد القصيدة تقديس ذلك الصمود والعطاء الذي "نوّر" من ايمان الجواهري، وفلسفته في الإباء والفداء، والتي تجسدت، كما سبق القول، في الكثير من قصائده ومن بينها: "سلام على مثقل بالحديد - 1951 " و"بور سعيد – 1956" و"كردستان - موطن الأبطال- 1962" والى "اطياف الشهداء الخالدين- 1963" و"فلسطين الفداء والدم - 1970" فضلاً عن قصــائد الوثبـة، الشـهيـرة، عــام 1948...

تمثلـتُ يومـك في خاطـري... ورددت "صـوتك" في مسـمعي

ومحصـت أمـرك لم "ارتهب"... بنقـل "الرواة" ولـم أخــدع

ولما ازحـت طـلاء "القرون"... وسـتر الخـداع عن المخـدع

وجدتـك في صـورة لـم أُرعْ... بـأعـظــمَ منهـا ولا أروع

 وللاستزادة، نقول أن قصيدة "امنت بالحسين" المتفردة في المبنى والمعنى، والرؤى، نشرت في جميــع طبعات ديوان الجواهري العامر، ومنــذ العام 1951 وقد خُط خمسة عشر بيتاً منها بالذهب على الباب الرئيس للرواق الحسيني في كربلاء، كما أُنشدت، وتُنشد، في مختلف المجالس والمناسبات الاحيائية لواقعة "الطف" التي تصادف كما هو معروف في الأيام العشرة الأولى من شهر محرم، كـــل عــام...

 

-------------------------------------------------------------------------------

من كتاب" الجواهري ... بعيون حميمة" الصادر في بغداد وبراغ عام 2016

 

 

 

بعيون حميمة... مع الجواهري

 

في بغداد وبراغ ودمشق (*)

 

رواء الجصاني

 

    كان العنوان الاول لهذا الكتاب، موسوم بداية الامر بـ "خمسة عقود مع الجواهري".. وتلكم العقود المقصودة هي التي قضيتها في بغداد وبراغ ودمشق، مع محمد مهدي الجواهري، امتدت بين عام 1949 حين ولدتُ، وتاريخ رحيله عام 1997.

    ... ثم تغير العنوان بعد استمزاج آراء أقربين وقريبين، ليكون على حالته التي ترون. وفي ذلكم رحاب اوسع وفضاءات اشمل، تتيح لي على ما حسبت، غمرةً اكثر في بعض عوالم الجواهري، المنتهية الى لا مدى، وكذلك التوثيق لما أتباهى بكونه جديدا وغير مطروق، يضاف الى ما هو منشور، ومحرر عن الشاعر الرمز، في عشرات الكتب والمقالات والدراسات، وغيرها.

     لقد تمازحت مع الجواهري مرة، بأني سأدخله التاريخ(!) عندما اكتب عنه، كاشفاً ما أباحه لي طوال ازيد من اثني عشر عاماً متصلة حافلة ( 1979-1990) كنت فيها مؤتمنه الأول على كل ما عنده، خاصاً وشخصياً، وشؤوناً تصلح، ولا تصلح للنشر، وغير ذلك كثير كثير!. دعوا عنكم اليوميات البيتية والعائلية على مدى عقود، وعشقي اللا متناهي لشعره ومواقفه وجرأته وتمرده... وها أنا ذا أفي بالعهد، ولكن بالمقلوب، اي لكي ادخل التاريخ بكتابتي عنه، بهذه الرؤى والذكريات، والشهادات واليوميات والصور.

    صحيح ان قسماً مما احتوته الصفحات التاليات، كنت قد نشرته بهذا الوسع او ذلك الشكل، ولكن الاضافات والتأرخة المتوافقة مع بعضها، فضلا عن الجديد، وغير هذا وذاك، جاءت لتقرب القارئ أكثر فأكثر من المرجو والمؤمل لـ"هوامش" وحسب  في حياة الجواهري الثرية، الشخصية والاجتماعية والثقافية والوطنية والسياسية، وآرائه ورؤاه، في الفكر والشعر ... ويمتد التوصيف بلا حدود، وبلا عمد او تصنع. فتلكم بعض سمات الجواهري، وواقعه، وليس بالمقدور الاختصار، وإن قسرا.

   وللتوضيح، فلقد عمدتُ الابقاء، في العديد من الكتابات المنشورة سابقاً، على حالها، باستثناءات قليلة، وكل ذلك بهدف التوثيق الادق، ومن الناحية الزمانية بشكل رئيس. كما ان مهمة عسرى واجهتني في مسألة التبويب والترتيب، إذ تتشابك خصوصيات الجواهري مع عمومياتها، وكذلك في التواريخ والمكانات، والأولويات والثانويات والاواخر.. والحال ذاتها في ما يتعلق بتشابك وجدانياته ووطنياته وغزلياته واخوانياته، وغيرها. 

   وعلى ذات المسار الذي أتبعته في اصداراتي السابقة، وكتاباتي المنشورة عن الجواهري، فقد تأنيت مرات ومرات بشأن مراعاة واختيار الصياغة، واستخدام المفردات، واسلوبية الكتابة، الواجب اتباعها في مؤلَفٍ يطمح ان يكون موضع اهتمام متلقين من مختلف المشارب والمعارف والاتجاهات.. ولكم ان تقدروا مديات الحيرة التي تنتاب المرء وهو يسعى للتوفيق بين كل تلك المختلفات والمتداخلات. وقد انتهجت منحى "الوسطية" وقد اكون تمكنت .

     وهكذا راحت "الخلاصة" التي سترونها في القادم من الصفحات، ولتكملها صور مختارة من نحو الف صورة وصورة، هي اشبه بالف ليلة وليلة !.. فهل ستتمكن ثلاثمئة وست وثلاثون صفحة – حقاً - من ان تفي العبقرية والخؤولة بعض حقها.. ؟!

    أخيراً، وقبل ان اسوح بكم في عوالم الشاعر الخالد، وامزجته، ومحطات في سيرة مئة عام من حياته التي خبط فيها "الدنى والناس طراً، وآلى ان يكونهما، فكانا" .. أقول، قبل ذلك دعوني اشير الى ان هذا الكتاب غير ربحي، وهــا هو ابن اخت الجواهري، صفاء الجصاني،  يتبنى تعضيد طباعته ونشره. اما التنفيذ الفني، فقد كان - ومثلما هي العادة في اصداراتي السابقة كلها – بجهد وعناية ذات الانامل الذهبية، نسرين وصفي طاهر..

------------------------------------------------------------

(*) بداية وتقديم كتاب:

"الجواهري بعيون حميمة" – بغداد/ براغ عام 2016 .

اصدار: مركز الجواهري للثقافة والتوثيق . – تنفيذ: بابيلون للاعلام والنشر.

- 336 صفحة من القطع الكبير.

 

 

 

 

مساهمة في حفل أحتفائي بالمثقفيّن

الوطنيين:الراضي، وجيـان(*)

وكنا كالزروعِ شكتْ محولاً، فلما أستمطرتْ، مطرتْ جرادا

- رواء الجصاني

  في فترة طغيان ألم، وهضيمة وإنتفاض، كتب الجواهري الكبير، موثقاً وناقداً ومحرضاً، عام 1984 سينية معبرة، من بين ابياتها، اثنان بليغان كما أدعي، اخترتهما مدخلاً لمساهمتي هذه في  المناسبة التي نجتمع خلالها، احتفاء بمثقفين وطنيين: د. مجيد الراضي، والاستاذ يحيى بابان- جيان، الذين عانا ما عانا، من جحود أليم، عوضاً عما يستحقان من  وفاء وتقدير... وفي ذينك يهدر الجواهري، مخاطبا صلاح خالص:

"أصلاحُ" أنّا رهنُ مجتمعٍ، يخشى اللصوصَ، فيذبح العسسا

يـُزهى بفارســهِ اذا أفتُرسا، وبضوءِ نجـــمٍ ساطــعٍ طُمسا..

    ولكن في رحم ذلك "المجتمع" الذي تقصد الجواهري في اشاعة شمولية الوصف القاسي عليه، بهدف التثوير والأهابة، ثمة منورون، كما وساعون للتنوير، جهدوا، وأجتهدوا، وما برحوا، في اعلاء شأن الاعتراف بالكفاءات والقيم، واعني بهم، "اصحابنا" الشيوعيين الذين ينظمون هذا الحفل الاحتفائي، تقديراً، بقدر الممكن، لاصحاب القلم والفكر والعطاء. وذلك ما مثلّ ويمثل نهجاً وتقليدا تليداً لحزبهــم العراقي، العريق، اينما، وكلما  استطاع الى ذلك سبيلا !!.

   والراضي وجيان، المحتفى بهما اليوم، عُرفا ومنذ عقود مديدة، بجهد مثابرفي ميادين الثقافة والابداع، والنشاط الوطني. وكانا، ضمن جحافل المشاركين - وكل حسب طاقته - مع نضالات القوى والاحزاب والحركات الوطنية الحقة.. بل دعوني أقول للتعميم، مع جماهير شعبهم التي ضمئت، وشكت المحول... ولكن حينما "أستمطرت، مطرت جرادا"... ذلك الجراد الذي طغى في البلاد منذ عقود، وما برح طاغياً: ظلاميين وطائفيين وقوميين متعصبين، وتكفريين، وسواهم. دعوا عنكم علمانيين مرتدين، ومناضلين منكفئين، وكتبة ملثمين، هنا وهناك.. وهكذا زاد المحول محولاً، وسمُن الجراد، وتكاثر بلا مدى،  فزاد فتكاً بالوطن والناس، وعسى القادم اقل عسفاً وجورا .

  وبعيدا عن التفاصيل والسير الذاتية التي امام الجميع في قاعة هذا الحفل، وخارجها، عن المثقفين الوطنيين، الراضي وجيان، أقول: شِيئ لي ان اكون قريباُ بهذا القدر أو ذاك منهما، ومعهما، وزهاء اربعة عقود: زمالة ورفقة وصحبة، وما بينها.. في مهام هذه المختصة السياسية أو تلكم الهيئة الحزبية، وسواهما، أو في اجتماعات ونشاطات رابطة المثقفين العراقيين في الخارج. أو خلال سياقات عمل اعلامي، وأخر.. دعوا عنكم في فعاليات ولقاءات شخصية وعامة، وغيرها عديد... وقد تشاركنا، وشاركنا في مهمات مختلفة هنا وهناك، وما برحنا على تلكم الحال... و أظن- وليس كل الظن أثما – ان لا أحد بمستطاعه إلا وأن يشير لمواهب وعطاءات المحتفى بهما، ويوثق لهما وعنهما. وهكذا كان الفضل السبّاق، للشيوعيين العراقيين في الجمهورية التشيكية، الذين بادروا لهذه الفعالية التي ستبقى متميزةً في الاحتفاء بالراضي وجيان، لهما السؤدد والخير والعمر المديد.

  وكما بدأت  ببيتين جواهريين، ها انا اختم ببيتين، ولـ"لأفـوه الأودي" هذه المرة، قالهما، ضمن قصيدة حكيمة قبل أزيد من 14 قرناً، وما زالت الحال سائدة على حالها، كما أزعم من جديد، وإن راحت تلكم الحال في مناحيّ اشمل، وأقسى، وتباينت: ظروفاً واشخاصاً ووقائع متشابكة ظلماء، ولكن المغزى بقيّ واحداً، أحدا.. خلاصته: بلا ثقافة ومثقفين، وقرّاء وكتّاب، ومؤلفين ومتلقين، ونخبة وجمهور، وبلا أن تُعرف الحدود والمقاييس، وأن ينتشر الفكر ويشاع، فلا منجى من الهلاك، ليس في البلاد العراقية وحسب، بل في الدنيا كلها... لقد أطلتُ ولم تعرفوا بعد الى الان ذينك البيتين المعنيين الذين يوجزان الاحوال والامور، فهاكم القصيدَ في بيت القصيد:

لا يَصلُحُ الناسُ فوضى لا سَراةَ لهم.... ولا سَراةَ إذا جُهّالُهم سادوا

تُلفى الأُمورُ بِأَهلِ الرُشدِ ما صَلَحَتْ  ... فَإِن تَوَلَّوا، فَبِالأَشرارِ تَنقــادُ

------------------------------------------------

(*) القيت هذه المساهمة في حفل احتفاء تكريمي للمثقفيّن الوطنيين: عبد المجيد الراضي، ويحيى بابان(جيان) أقيم ببراغ مساء الثلاثاء: 2016.8.9  قلدهما فيه الاستاذ مفيد الجزائري، وسام الذكرى الثمانين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي، بعد مداخلة مسهبة عن حياة، ومحطات في مسيرة عقود مديدة  للمحتفى بهما.. تلاه سفير العراق: د. وليد حميد شلتاغ الذي القى ايضاً كلمة تكريمية موجزة بالمناسبة.

 

         

 

 

 

 

تسعة عشر عاما

 

على رحيل الجواهري الخالد

 

ياآبنَ الفراتيّنِ قد أصغى لكَ البلدُ

 

زعمـاً بأنـك فيهِ الصـادحُ الغـردُ

 

- رواء الجصاني*


قبل تسعة عشر عاماُ، وفي وصبيحة الأحد، السابع والعشرين من تموز عام الفٍ وتسعمئة وسبعة وتسعين، تحديداً، استنفرت وكالات أنباء ومراسلون وقنوات فضائية وغيرها من وسائل اعلام، لتبث خبراً هادراً، مؤسياً، هزّ مشاعر، ليس النخب الثقافية والسياسية فحسب، بل والألوف الألوف من الناس في شتى الارجاء:

"الجواهري يرحل إلى الخلود في احدى مشافي العاصمة السورية - دمشق،عن عمر يناهز المئة عام..."

... وهكذا يطبق "الموت اللئيم" اذن على ذلك المتفرد الذي شغل القرن العشرين، على الأقل، ابداعاً ومواهب، ثم لتروح الأحاديث والكتابات تترى بعد الخبر المفجع، عن عظمة ومجد الراحل العظيم:

- المتميز بعبقريته التي يتهيّب أن يجادل حولها أحد. 

- السياسي الذي لم ينتم ِ لحزب، بل كان "حزباً" بذاته، يخوض المعارك شعراً

وفكراً ومواقف رائدة...

- الرمز الوطني الذي أرخ للبلاد وأحداثها بأتراحها وأفراحها من داخل الحلبة، بل ووسطها، مقتحماً ومتباهياً:

أنا العراق لساني قلبه ودمي فراته وكياني منه اشطارُ

- وذلك الراحل الخالد، نفسه: حامل القلم الجريء والمتحدي الذي "لو يوهب الدنيا بأجمعها، ما باع عزاً بذل المترف البطر".. ناشر صحف "الرأي العام"و"الجهـــاد" و"الثبات" ... ورفيقاتهن الأخريات ...

- منوّرٌ متميزٌ من أجل الارتقــاء، صدح مؤمناً على مدى عقـود حياته المديدة:

"لثورة الفكر تاريخ يحدثنا، بأن ألف مسيح دونها صلبا"..

- صـاحب "يوم الشـهيد" و"آمنت بالحسين" و"قلبي لكردستان" و"الغضب الخلاق" و"الفداء والدم"... شامخ، يطأ الطغاة بشسع نعل ٍ عازبا..

- والجواهـري ايضا وايضا: متمرد عنيد ظـلّ طـوال حياتـه باحثاً عن "وشـك معترك أو قرب مشتجر".. كيّ "يطعم النيران باللهب"! ..

- مبدعٌ بلا حـدود في فرائـد "المقصورة" و"زوربـا" و"المعـري" و"سـجا البحـر" و"أفروديـت" و"أنيتـا" و"لغة الثياب" و"أيها الأرق" وأخواتهن الكثار...

- وهو قبل كل هذا وذاك "أحب الناس كل الناس، من أظلم كالفحمِ، ومن أشرقَ كالماس".

- كما انه "الفتى الممراح فراج الكروب" الذي "لم يخل من البهجة دارا" ..

- رائدٌ في حب وتقديس من "زُنَّ الحياة" فراح يصوغ الشعر "قلائداً لعقودهنَّ" ... و"يقتبس من وليدهن نغم القصيد" ..

- وديع كالحمامة، ومنتفض كالنسر، حين يستثيره "ميتون على ما استفرغوا جمدوا" ..

- وهو لا غيره الذي قال ما قال، وما صلى "لغير الشعر من وثن " ... فبات الشعراء يقيسون قاماتهم على عمود قامته الشامخ...

-ا نه وباختصار: ذلك الطموح الوثاب الذي كان، ومنذ فتوته "يخشى أن يروح

ولم يبقِ ذكرا" ... فهل راحت قصائده - حقا - "ملؤ فم الزمان"!! وهل ثبتت

مزاعمه بأن قصيــده "سيبقى ويفنى نيزك وشهاب" وهو القائل:

وها هو عنده فلك يدوي..... وعند منعمِ قصر مشيدُ

يموت الخالدون بكل فج ٍ .. ويستعصي على الموت ِ الخلودُ

ترى هل صدق بما زعم ؟؟!!

... التاريخ وحده من انبأنا، وينبئنا عن الامر، ويا له من شاهد حق ٍ عزوفٍ عن الرياء!!

---------------------------------------
*رئيس مركز الجواهري للثقافة والتوثيق

 

 

الجواهري في عواصم ومدن الدنيا

قصيدة ... وثلاث زيارات لبولندا

توثيق: رواء الجصاني

-----------------------------------------------

... وهذه هذه "مقامة" اخرى من "مقامات" الشاعر الخالد، محمد مهدي الجواهري، في دول العالم، عواصم ومدناً، وما بينهما. عربية وأوربية وآسيوية وأفريقية وأمريكية. ولقد احصيت على عجالة، ومن الذاكرة وحسب، فتجاوز العدد الخمسين مدينة وعاصمة، ومنطقة وحتى قرية احيانا. دعوا عنكم مقاماته في"العراق وشطيه والجرف والمنحنى" شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً ووسطا..

... نقول "مقامات" ونعني بها حلوله في تلك البلدان وعواصمها ومدنها، إقامة أو مرورا، او مشاركة في مؤتمرات ثقافية وسياسية حينا، أو اغتراباً ونفياً، احايين اخرى . وما بينهما دعوات واستضافات رسمية، او سياحة وارتياحاً وعلاجا. ولفترات تطول أو تقصر، وعلى مدى نحو سبعة عقود، كما نوثق ..

... ولا ندري هنا، إن كان ثمة اي شاعر عربي أو غير عربي، قد طاف في ارجاء الدنيا، مثل ذلك الجواهري، وهو لا يحمل غير "منقارٍ وأجنحة، اخف ما لمّ من زاد أخو سفر" كما يوثق عن حاله تلك، في عصمائه: "أرح ركابك" عام 1969.. أما ما يميّز ذلكم "الطوفان" في العالم أكثر فأكثر، انه – الشاعر العظيم- قد أرخ للكثير من "مقاماته" وحله وترحاله، شعرا معجباً بتلك المدن والعواصم، واهلها ومجتمعاتها.. مقارناً وشاكياً ومحاوراً وشاكراً، ومهضوماً ومهموماً، وسوى ذلك من حالات ومحاور وتأرخات.

   وبعد هذه المقدمة العامة، دعونا نرجع لموضوعنا، الذي يحمله عنوانه، ونقصد "مقامة الجواهري البولندية" فنقول انها أبتدأت بعيّد انتهاء حرب  القرن الماضي، العالمية الثانية، حين دُعي الشاعر الخالد، للمشاركة في مؤتمر عالمي للمثقفين من اجل السلام عقد عام 1948 بمدينة " فروتسواف" الواقعة غرب بولندا، وقد كان العربي الوحيد فيه، الى جانب اسماء وشخصيات عالمية لامعة من ابرزها، الرسام الفرنسي الكبير بابلو بيكاسو(1). ولمن يريد الاستفاضة اكث