الرئيسية || من نحن || || اتصل بنا

 

  

د.سامي الكيلاني  اكاديمي وكاتب فلسطيني

موعدان

قصة قصيرة

د.سامي الكيلاني

نزل من القطار واتجه نحو مخرج المحطة لينطلق في شوارع المدينة. جاهد بيد واحدة ليرتدي المعطف البلاستيكي الذي سيحميه من مطر كوبنهاغن الصيفي الذي بدأ بالنزول قبل وصول القطار المحطة بدقائق. ذراعه اليسرى معلقة بكتفه ورقبته بواسطة حمالة خاصة، الوضع يذكره بالمرات السابقة التي كسرت فيها ذراعه في طفولته، لكن الحمالات التي كانت تحمل الذراع مثنية من المرفق إلى الرقبة كانت من أي قماش يتوفر في البيت، أما هذه الحمالة فهي من شركة خاصة بصناعة الأدوات الطبية المساعدة، هكذا قال له صاحب المستودع، ضحك يومها "إذن يمكن أن تخدمني مرة أخرى إن كسرت ذراعي؟"، أجابه صاحب المستودع ضاحكاً "هذا إذا حرصت أن تكسر الذراع اليسرى نفسها مرة أخرى، أما إذا كسرت الذراع اليمنى فأنت بحاجة إلى شراء حمالة أخرى، وبعدها اكسر الذراع التي تريد وستكون عندك الحمالة المناسبة".

تناول زهرة قرنفل حمراء ملفوفة بورق السلوفان من بائع أزهار عند مخرج المحطة، حمل الزهرة بكف يده المكسورة ليقدمها للحورية، قال "كثيرون يسعون من أجل حوريات السماء، أكثير عليك أن تقدم وردة لحورية الأرض الوحيدة، لحورية البحر التي خرجت تستريح من الماء فتجمدت صخرة على هذا الشاطئ؟ إنها تستحق ذلك لجمالها ولصمودها على هذا الشاطئ منشغلة بعدّ الأمواج وانتظار المراكب".

سأل سيدة بالغة الجمال رغم عقدها السادس، كما قدّر من بعض التجاعيد في عنقها، عن الطريق من هنا إلى الحورية، فأشارت إلى الاتجاه الذي عليه أن يسلكه، أراد أن يسألها إن كانت بعيدة من هنا ويقدم لها شكراً مطولاً على لطفها يسمح له التأمل لفترة أطول بجمالها، لكنها انشغلت بالرد على هاتفها المحمول الذي رن في الوقت غير المناسب. إذن ليبدأ الاتجاه، وبعد مشي عشر دقائق أخرى سيسأل عن بقية الطريق إلى الحورية، لا يمكن أن تكون قريبة من محطة القطار، الحوريات ينأين بأنفسهن عن الضجيج، عالم البحر الأزرق العميق الذي تحمل الحورية جيناته في كل خلية من جسمها لا يتماشى مع ضجيج القطارات. سأل مرة أخرى عجوزاً عن الاتجاه فأشار له نحو الاتجاه ذاته، وسأله إن كانت المسافة معقولة ويمكن مشيها فهز العجوز رأسه موافقاً.

لو قال لأحد أصدقائه أنه يمشي تحت المطر وبذراع مكسورة تحمل زهرة قرنفل حمراء ليزور حورية من الصخر لسخر منه، لكنه مصمم على الوفاء بالموعد حتى ولو زاد المطر. سأل نفسه إن كان يسعى إلى حورية البحر أم يعيش ذكرى موعد قديم يتمنى أن تكون صاحبته معه في هذه المدينة ليزورا معاً الحورية؟ جميل أن تجرب مرة أخرى بعد هذا العمر السعي إلى موعد غرامي، الحورية التي تنتظره على صخرة هي شريكته في الموعد الغرامي هذه المرة. المطر يزداد غزارة وهو يغذ الخطى نحوها. يستحق الموعد والموعودة هذا المشي تحت المطر. وجود معطف المطر هوّن الأمر عليه، جدد شكره للصديق الدنماركي الذي أعطاه المعطف، لولاه لما كان بإمكانه أن يستمر في السعي نحو هذا الموعد، قال له الصديق الدنماركي "هذا صيف أوروبي لا يؤمن جانبه، خذ هذا المعطف، سينفعك". الطريق أصبح أطول مما توقع والمطر لم يتوقف، لكن عزيمته لم تفتر. أقنع نفسه بأن التعرف على المدينة سيضاف إلى ثمرة الموعد الموعود فاطمأن أكثر أن ما يفعله لا يدخل في باب العبث، ومهما كان فإن الأمر محصور بينه وبين نفسه، هذه النفس الأمارة بالغرائب أحياناً والتي يمتثل لأوامرها طائعاً، خاصة عندما يكون وحيداً ولن يسجل أحدٌ عليه هذه الغرائب. فما العيب إن أمرتك النفس في هذا العمر، مثلاً، أن تتمدد على العشب الأخضر مواجهاً صفحة السماء مصلوباً تحدق بصفحة السماء غير عابئ بمن حولك، أو إن أمرتك بأن تقلّد الأطفال الذين يتدحرجون على العشب من أعلى التلة الصغيرة إلى أسفلها فتطلق لطفولتك الدفينة العنان وتتدحرج مثلهم.

أخيراً ظهرت له الحورية عن بعد، ظهر رأسها من خلف الحديقة الصغيرة في نهاية الرصيف، تذكر أن اسمها الحورية الصغيرة، وها هي صغيرة، ظنها أكبر من ذلك، لكن فرحته بالوصول إلى الموعد لم تنتقص، بقيت صاحبة الموعد وصاحبة الهالة حتى وإن كانت صغيرة. يلتمع جسدها بالبلل، بوده لو يسألها أي البللين ينعشها: بلل المطر أم بلل رذاذ الأمواج التي تضرب الرصيف قربها. تمنى لو كان بإمكانه أن يعدو نحوها فتقوم وتركض نحوه لتعانقه، سيسألها سؤاله عن البلل وسيسألها إن كان رذاذ الموج يحمل لها رسائل الحوريات من عمق البحر، وهل يحيي فيها الرذاذ القادم من البحر حنيناً لأول منزل ويجدد آلام غربتها القسرية عن المنزل الأول وعن رفقة الحوريات اللواتي لم يتحولن مثلها إلى حورية من صخر. تخيلها ستسأله بدورها "هل تستعيد المواعيد التي ضيعتها وتعوضها في مواعيد مع حوريات البحر المصلوبات على الصخور؟".

قرر ألاّ يسألها وألاّ يخرج عن أصول التعامل مع الحوريات تأدباً.

وصلها، تقدم كما ينبغي في حضرة الحوريات، قدم لها زهرة القرنفل الحمراء التي حملها من محطة القطار، قدمها منحنياً كنبلاء العصور الوسطى الرومانسيين أمام سيدات القصور، وتفقد بيده السليمة جسدها الصخري المبتل. مد كف يده السليمة إلى جيب معطفه الداخلي باحثاً عن الخطاب الذي حضّره ليلقيه أمام الحورية، لم يجد الورقة، يبدو أنه نسيها في غرفته في المدينة الشمالية التي جاء منها. ارتجل خطاباً رزيناً بعيداً عن الأسئلة التي راودت النفس الأمارة بالسوء... يا سيدة الصخر والماء المالح، يا رمز المنفيين عن المنزل الأول، هذه زهرة من معجب جاء من الشرق، زهرة من إنسان يعيش تحت آخر احتلال في العالم، أتذكرين الفايكنغ يا سيدتي، أنا متأكد أنك لم تحبي أفعالهم وأنك من تلك الأفعال براء، أنتن معشر الحوريات لطيفات أنيقات لأن صفاء الماء العميق يمنحكن صفاء الروح. على كل يا سيدتي أصبحوا تاريخاً ولم يبق منهم إلاّ تلك القرون التي يلبسها الناس هنا للتسلية. ما ذنبك أنت؟ لقد كنتِ وقتها تحت الماء، أليس كذلك؟ هل سمعتن، معشر الحوريات، بما كان يحدث؟ هل تسمعن عمّا يحدث في هذا العالم؟ هذه زهرة من بلد المسيح، هو صلب مخلّصاً وأنت هنا ثبتوك بعيداً عن وطنك المائي، أنت مخلّصة الحوريات الأخريات، تعلمن منك حذر الوقوع في الشِّباك المنصوبة لهن، فنجون من الأسر عند بني البشر.

أخذ نفساً عميقاً ليفكّر في إكمال خطابه، وتأملها ليرى وقع خطابه عليها.

اضطرب وطار ما تبقى من خطابه الرزين المرتجل، ظهر من وسط الجسد الصخري وجه إنسي، وجه صاحبة الموعد الغرامي القديم الضائع، ثم بدأت بالخروج من الجسد الصخري كما يخرج الجنين حتى اكتملت وهو ينظر إليها معقود اللسان. انحنت الإنسية التي ولدت من الصخر وتناولت زهرة القرنفل من حضن الحورية وحملتها ثم طوقت عنق الحورية واضعة رأسها ملاصقاً لرأس الحورية، اضطرب وانعقد لسانه. أخرج الكاميرا المعلقة برقبته من غلافها ليلتقط صورة لصاحبة الموعد الضائع مع صاحبة الموعد الجديد، أسند الكاميرا بكفه اليسرى وبدأ باليد اليمنى بضبط عدسة الكاميرا.

 

 

 

 

 

 

 

أذّن يا خطيب

د. سامي الكيلاني

تسكننا الذكريات في رمضان،

ككل الذكريات وأكثر،
ذكريات الزمان الذي مضى،

ذكريات المكان الذي غادرناه

أو غادرنا، لا فرقُ،

البعد واحد،

والوجد واحد،

وإن تماهى في غير صور،

في دمعة حرّى،

أو تلويحة اليدين للغريب،
يعود في الزمان صداه،

يرنّ في مدرسة الزمان كالجرس،

يرسم المكان بالطباشير، على حائطٍ، لوحة لا تزول،

تنادينا، ترافقنا أنّى ارتحلنا،

تسكن الروح شمعة لا تنطفئ،
تداعب طيشنا الحلو،

ما زالت تداعبنا، تنادينا،
ننتظر معاً بصبر قد عيل صبره صوت الأذان،
نراقب المؤذن،

يصعد المئذنة،
"وذن يا خطيب قبل الشمس تغيب"،

نرددها،

لا نعي لها معنىً،

تمرة في اليد تنتظر،

أو لقمة شهية في انتظار الغروب.


يسكننا الحنين إلى الزمان الذي طار دون أن ننتبه،

تمهل يا زمان حتى نشرب من جدول الحياة

جرعة ماء تكفي المسير،

يسكننا الحنين في حضن المكان،

نعيش، نزرع، نصلّي،

نسامر الجيران،

نصوم الحرّ والبرد بصبر راسخٍ، 
يسكننا الحنين جارحاً في المكان،

فكيف إذ يغادر الفؤاد رحم المكان،

أي حنين بارح يلفّ الروح والجسد،

عباءة من خيوط الشمس وخضرة الربوع؟
تأسرنا الأمنيات والشوق فجأة، ننادي:

يا بساط الريح،

يا معجزة الزمان،

أين أنت؟

طِرْ بنا بلمح البصر،

لنحلّ في جنة الربوع،
ألا منحتنا يا بساط الخير فسحة في الزمان وفي المكان،
نعود لسهرة في بيوت زيّنتها طيبة لا تنتهي،

سهرة في ظلال الشهر لا تنسى،
سهرة من الأذكار والحلوى… وصوت جدٍّ خاشع نديٍّ رخيم

يستوحش الرحيل،

نردد من بعده
"لا أوحش الله منك يا رمضان"،

ألا حملتنا يا بساط وأنزلتنا في جمعة الخلاّن،
في حضرة الزوار،

نحتسي قهوة من دلّة تدور،

نسلّم على صانعات الكعك بالتمر المشتهى،

وندرك صلاة العشاء في البيت الكبير،

ألا أعدتنا يا بساط الخير والكرامات،

أطفالاً في حضرة الأمهات والجدات نصغي للحكايات،

ننتصر لعيون "جبينة" النائحة،

ونضحك من أعمال "نص نصيص"،

وننتشي فرحاً بانتصارات الشاطر حسن.

ألا جدتَ علينا يا بساطُ

ببعض الفرح.

 

 

 

مقعدان

قصة قصيرة

د. سامي الكيلاني

الشمس ما زالت في الأفق الغربي الشمالي، يمكن اعتبارها شمس الغروب لأنها تميل نحو الغروب. شمس تودع الجالسين على مقاعد الحديقة الصغيرة التي تجاور الميناء، أو يودعونها ليلتحق يوم جديد بالزمن الماضي راحلاً من الحاضر، بعد ساعات سيسمى الأمس، وسيتساوى مع ما سبقه من أيام. تتذكر رباعيات الخيام "قد تساوى في الثرى راحل غداً وماضٍ من ألوف السنين"، والأيام مثل البشر يتم وداعها بما تحمل. الوقت يصلح لسماع أم كلثوم في هذا المكان وفي هذا الوقت، لو بإمكانك أن تسمعها الآن وهنا فربما ستكون أول من استمع لأم كلثوم في هذه البقعة من العالم، لا تستطيع أن تستمع لها من الهاتف المحمول لأن الشبكة ضعيفة. وحتى لو أردت أن ترددها بصوتك لتحقيق هذا السبق بأن تكون أول من يُسمِع فضاء هذه البقعة من الكرة الأرضية غناء عربياً ولأم كلثوم، فإنه من غير المناسب أن تصدح بها بصوتك، فلا صوتك يصلح للغناء ولا من يسمعك من المارة القلائل سيرحمك من تهمة الهوس أو خدش الذائقة العامة. رغم أن الشمس تعتبر في مرحلة الميلان نحو الغروب إلاّ أن حرارتها ما زالت مزعجة، فلتبحث عن مقعد ظليل ولكن قريباً من الماء، فلا تريد أن تخسر النظر إلى هذا اللون الأزرق اللازوردي الموشى بانعكاس الشعاع عليه وكأنه ريشة تتحرك مع المويجات التي تحركها نسائم خفيفة دون أن تلحق أذىً بصفاء صفحة الماء الرائقة، وفي الوقت ذاته لا تريد الجلوس تحت هذه الشمس.

هناك مقعدان وقعا في ظل مبنى نادي القوارب المجاور يحققان الشرط الذي تريد، ولكنهما غير متيسريْن، مقعد تحتله صبية منشغلة بشيء ما بين حقيبتها ودفتر صغير على المقعد، تزجر نفسك على الإساءة للصبية بكلمة احتلال، فما ذنبها لتحمل هذه الصفة اللعينة، لعلها تفتش عن قلم لتكتب خواطرها عن هذا المشهد، ولعلها تريد أن تخرج الموبايل لتلتقط صورة للمشهد، ولعلها، ولعلها، وماذا يعنيك في الأمر، ألا تريد أن تودع هذا الفضول الذي يسري في دمك؟ دع الناس وشؤونهم. أما المقعد الآخر فيجلس عليه، جيد ها أنت قد تفاديت الكلمة اللعينة، زوج من المسنين مندمجين في حديث خافت ودي، ربما يتذكران أيام الشباب، وربما يتجادلان في أمر ما، وهذه طريقتهما في الجدل وحتى في النزاع، وربما، وربما. وربما، وربما. لا تشغل نفسك بافتراضات تنبع من حشرية ينبغي أن تستأصلها، هنا لا أحد يتدخل بالآخر، هل تعرف اسم جارك في الطابق ذاته، جارك الباب على الباب؟ دعك من لعل وربما وأخواتهما. تمرّ بجانبهما، تسترق النظر لترى تعابير وجهيهما، كان الوجهان رائقين تماماً، إذن ليسا في جدالٍ حامي الوطيس، إذن غارقان في حديث الذكريات الجميل. ها أنت تعود مرة أخرى إلى حشريّتك، تتخيل نفسك تقترب منهما "مساء الخير يا حاج، جلسة جميلة، كيف الحال؟"، فيدعوانك للجلوس وتتعرف عليهما ويتعرفان عليك، ويعرف كل منكما جذور عائلة الطرف الآخر، ومن أين جاء وإلى أين يذهب؟  تمرّ دون أن يلتفتا لاقترابك منهما، كنت تود على الأقل لو أنهما التفتا، كنت ستلقي عليهما تحية مناسبة تعبيراً عن إعجابك بمشهدهما هذا.

تشغل نفسك بالمشي ومراقبة المكان، المشي والنظر إلى تفاصيل الأشياء وسيلة مناسبة لانتظار أن يشغر أحد المقعدين. الميناء الصغير شبه مقفر من رواده من أبناء البلدة، طلائع السياح وزوار الصيف من الخارج لم تصل بعد على ما يبدو. تتفحص السفينتين الصغيرتين الراسيتين على يمين الرصيف، الأولى من النمط القديم الذي يحركه دولاب يبدو أنه يعمل بالهواء المضغوط في براميل محملة على مؤخرة السفينة، سفينة صغيرة بطابقين، واضح أنها سياحية، كراسي وطاولات وكاونتر للطعام والشراب، يمكن القول إنها سفينة نهرية كالتي تشاهد في أفلام التاريخ الأمريكي. السفينة الأخرى أكبر وربما تكون للنقل والسياحة. وفي نهاية الرصيف عند المطعم الصغير، تلحظ اسمه الإنجليزي الذي يعني مكان الأكل، إنه Eatery وليس Restaurant. بالقرب من مبنى المطعم طفلة تحمل صنارة بسيطة لصيد السمك، مجرد عصا وفي آخرها خيط ينتهي بخطاف صغير. لا بد أنها ابنة العائلة التي تجلس على شرفة المطعم المقابلة للماء. رفعت الطفلة العصا للأعلى وصاحت بانفعال حين رأت في طرف الخيط سمكة صغيرة تتحرك بقوة. نزل أفراد العائلة جميعاً من مقاعدهم في المطعم، وصاروا في حلقة تشاور حيوية، تقف قريباً تراقبهم بفضول. يبدو أنهم قرروا ضرورة إعادة السمكة إلى الماء، لأن لا فائدة منها، فينصب التشاور على كيفية تخليص السمكة من الخطاف بسلام قبل أن تلفظ أنفاسها وإرسالها إلى الماء، صارت الطفلة مركز الحدث وكأن السمكة ابنتها، والجميع يطمئنها ويطلب منها ألاّ تقلق، ينجح الأب بتخليص السمكة ويعطيها للطفلة لترسلها إلى الماء، تقترب من الماء وتنزل السمكة في الماء وتنتظر ومعها العائلة، ثم يحتفلون بصوت واحد، لقد عادت السمكة إلى عالمها وحريتها.

رغم مرور الزمن في مراقبة تفاصيل الميناء، إلاّ أن الفتاة التي وضعت عينك على مقعدها لم تتركه كما تمنيت، ولم يفعل ذلك العجوزان. تختار مقعداً بعيداً عن الماء، تجلس وتخرج الرواية التي بدأت بقراءتها أمس. تتوقف عن القراءة، بقد أن قطعت عدداً جيداً من الصفحات، تطوي الكتاب وتعيده إلى الحقيبة الصغيرة، بينما صور بعض شخصيات الرواية تتبادل مع صورة الصبية والعجوزين، ثم تخلي الصور جميعها المكان لتحتله صورة العائلة التي كانت منعقدة في تشاور حيوي لتساعد الطفلة في مشروعها الكبير في إعادة السمكة سالمة إلى مياهها. صورة حوار الأهل الحيوي واحترامهم لرغبة الطفلة ولطفهم تستدعي أفكار المقارنة، فتحاول أن تقصيها، لكنها تتسلل، (أب يجذب ما تحمله الطفلة ويطلب منها التوقف عن هذا الدلع، فما هذه إلاّ مجرد سمكة صغيرة لا تستحق التفكير، ويشد السمكة بقوة من الخطاف ويلقيها إلى أي مكان ويأمر الطفلة الباكية أن تعود لتجلس مع العائلة، فتطيع وهي تنشج وتمسح دموعها). تقصي أفكار المقارنة، وتقرر أن تخفف من عمل المقارنات في كل صغيرة وكبيرة لأنها تعكّر عليك الاستمتاع والانغماس في كل ما هو هادئ وجميل.

شمس الغروب هبطت وتوارى نصفها، وبقي النصف الآخر عائماً في بحر الشفق الذي يتشكل في الأفق الغربي. المقعدان فارغان، تتساءل "متى غادروا؟" لم تلاحظ مغادرة الصبية والعجوزين. تجلس على مقعد العجوزين تتأمل انعكاس الشفق على صفحة الماء، تلتقط صورة للمشهد وتقرر البقاء لنصف ساعة أخرى لتعوض نفسك عن الفرصة التي خسرتها، وتفكر لو أن الحياة قادرة بهذه البساطة على تعويض الخسارات. تقرر أن تغلق أي باب يؤدي إلى المقارنة التي ستحرمك من تشرُّب كل جزئية من هذا الهدوء والجمال وترك نفسك في وضع انعدام الوزن بالتخلص من همومك وتعطيل كل مصادر التنغيص التي تطاردك.

 

 

 

قصة قصيرة

ضوء القصيدة

د.سامي الكيلاني

في الطريق إلى العمل قاد السيارة بهدوء وانتباه حتى لا يتشتت تفكيره عن حركة السير، انتبه بشكل خاص للمركبات خلفه ليعطيها إمكانية التجاوز حتى لا يفرغوا نزقهم بإطلاق الأبواق وربما رمي الشتائم من النوافذ. استيقظ منذ الصباح بنفسية متلبدة بغيوم لم يعهدها منذ فترة طويلة، ولكنها صارت تأتيه في الآونة الأخيرة، حاول التعايش معها حين تحلّ دون سابق إنذار بإطفاء كل مستقبلات التوتر والاستفزاز ونجح، لحسن حظه، في إبقائها غيوماً دون أن تتحول إلى مطر أسود. تأتيه قبيل الاستيقاظ فيستيقظ متكدراً دون أن يدري لذلك سبباً. الغيوم التي تلف روحه تتآخى اليوم مع غيوم داكنة متلبدة في الجو غطت على شروق الشمس الذي كان من الممكن أن يساعده في التخفيف من وطأة الغيوم الداخلية. لم تمتد يده إلى مفتاح راديو السيارة خشية أن تتآخى أخبار الصباح من محطة الإذاعة المحلية مع غيوم الجو والغيوم التي تلبدت فوق صباحه الخاص.

وصل العمل، وأوقف السيارة في كراج المؤسسة، مشى بحذر حتى لا يراه الحارس ويبدأ معه حديثاً ما عن آخر الأخبار أو عن مشاكله الشخصية كعادته، والتي كان يقابلها كعادته هو بالإنصات والتفهم وتقديم نصيحة مناسبة إن أمكنه ذلك، أو بمجرد التضامن ب"الله يعين". ولم يعرّج على الكافتيريا لأخذ كوب القهوة الصباحي، خاضعاً لصوت داخله يقول "ليس لك إلاّ أن تصل المكتب وتغلق الباب وتعمل أي شيء حتى تغادر الغيوم روحك، وإن كنت محظوظاً تغادر غيوم السماء فتخرج إلى الكافتيريا القريبة وتكافئ نفسك بقطعة كعك مع كوب القهوة".

دخل المكتب، امتدت يده إلى مفتاح الطاقة الرئيسي لجهاز الحاسوب، لم يعمل بعد أن ضغطه، انتبه أن الضوء الأحمر في وصلة الكهرباء التي تغذي الجهاز ليس مضاء، إذن القاطع الذي يغذي الخط بحاجة إلى رفع، لقد نزل لسبب ما، يتكرر ذلك. لم يسمح لهذه الإضافة إن تكثف الغيوم الداخلية، كان على وشك أن يقول الكلمة السيئة التي تقفز إلى طرف لسانه عادة في مثل هذه الحالة، ولكنه استبدلها ب "تيك إت إيزي يا ولد". خرج من المكتب إلى الردهة ثم إلى الزاوية التي فيها صندوق القواطع، فعلاً القاطع في حالة نزول، رفعه وعاد إلى المكتب، أضاءت شاشة الحاسوب. ذهب إلى الشبكة العنكبوتية ودخل إلى البريد الإلكتروني ليتفقد بريده، أدخل كلمة المرور بهدوء حتى لا يخطئ. مسح عدة رسائل من الرسائل المزعجة، مسحها ثم ذهب إلى ملف الرسائل التافهة، هكذا يحب أن يترجم كلمة "جنك ميل" في قائمة مجلدات الرسائل، تنبه إلى وجود رسالة مختلفة، جيد أنه لم يمسحها بالجملة، الحاسوب ليس موضع ثقة مطلقة في تصنيفاته، أحياناً يرسل إلى هذا المجلد رسائل جيدة. كانت رسالة من صديقه الشاعر، قصيدة جديدة، شده العنوان، فتحها وبدأ بقراءتها، تتحدث عن احتفالات الطبيعة والضياء، انفرجت أساريره قليلاً وتعدّلت نفسيته بعض الشيء. بدأت غيوم الروح تتبدد، أعاد قراءة القصيدة بتمعن في جمالية النص، فبدأت غيوم الروح تنقشع. أسند ظهره لظهر الكرسي واسترخى وأخذ نفساً عميقاً. شعر بالضوء المنتشر من القصيدة يتغلغل كيانه. انتبه أنه لم يفتح ستائر المكتب، ما أن فتحها حتى تدفق من خلالها نور مضاعف قادم من انعكاس الشمس المشرقة على زجاج العمارة المقابلة.

اعتدل في كرسيه واستدار معطياً طاولة الحاسوب ظهره، وأخذ نفساً عميقاً أصبح بعده مستعداً ليوم عمل واعد. شكر الضوء الذي ولد من القصيدة والذي جلب معه النور القادم من النافذة الغربية في هذا الصباح، وشكر قوانين الانعكاس التي جعلت ضوء الشروق يأتي من الغرب.

عاد ليواجه شاشة الحاسوب بروح مختلفة، الروح التي تفتح الباب للتداعيات والتفاعل مع الأشياء الصغيرة، الروح التي يطلقها على سجيتها حين تبتهج. شكر قوانين الانعكاس مرة أخرى، فتذكر أستاذ الفيزياء في المدرسة الثانوية ودروس موضوع الضوء. كانوا يتندرون بطريقة لفظ الأستاذ لمصطلح "شدة الاستضاءة" التي يلفظها وهو منسجم في الشرح بصوته الجهوري "شستضاءة" ولذلك سموه "أستاذ شستضاءة". عاد إلى الرسالة الإلكترونية التي تحتوي القصيدة، ضغط علامة الرد وكتب لصديقه "لقد أعجبتني القصيدة، رائعة، ولكن لدي سؤال: هل تتذكر الأستاذ شستضاءة؟" وأتبعها بهاءات متعددة.

فتح أحد الملفات الموجودة على مكتبه وبدأ بقراءة المحتوى، وضعه جانباً وقرر أن يخرج لإحضار القهوة. طلب القهوة التي يحب وكان محظوظاً بوجود كعكة الجبن في الكافتيريا. حمل كوب القهوة وقطعة الكعك وعاد إلى المكتب.

أزاح الملفات جانباً وقرر أن يعطي نفسه ربع ساعة للاستمتاع بالقهوة والكعك. انتبه للوميض على شاشة الحاسوب، بريد إلكتروني جديد. فتح الرسالة، كانت من صديقه الشاعر "صباح الخير يا حارس الذكريات. طبعاً أتذكره، وقد التقيته قبل سنة، يبدو عليه الكبر، كدت أقول له أستاذ شستضاءة، ما زال رغم تقدم السن بحيويته. بالمناسبة، أقترح أن نلتقي في محادثة ماسنجر هذا المساء، في جعبتي أحاديث كثيرة. سلام".

 

 

 

 

قصة قصيرة

ما تخافيش

د. سامي الكيلاني

كانت السهرة العائلية بمنتهى الروعة، صقلت نفسيته ونقّتها من الشوائب التي جمّعتها الأيام في ثنايا الروح، كانت رائقة جداً، لم تحصل منذ مدة طويلة. سهرة ذكّرته بأيام الطفولة في البيت القديم. كانت العائلة تقضي الأمسيات الشتوية حول كانون النار يتسامرون بمختلف الأحاديث، ينتقلون من سماع حكاية إلى شؤون الطقس والأرض، ومنها إلى زواج فلان وخطبة ابن الجيران، وهو منصت مفتوح الأذنين مغلق الفم إلاّ عندما ترتفع درجة التشويق والدهشة من ثنايا الحكاية التي كان يرويها أحد الكبار فيطرح سؤالاً أو يضحك دون أن يردعه أحد، أما عندما تكون الأحاديث عن شؤون الحارة وناسها فالمجازفة بالتدخل أو الاستفسار ستكون نتيجتها الإسكات والتحذير من التدخل مرة أخرى في أحاديث الكبار، إن لم يصل الأمر إلى التوبيخ والطرد من الجلسة. سنوات طويلة مرت على تلك السهرات، سنوات أسوأ ما فيها عقود من الحياة تحت الاحتلال. منذ بداية السهرة ضحكوا من القلب على النكات التي يجيدها الأخ الأصغر، وضحكت الأم ضحكاً لم يره منها منذ زمن، كان وجهها خالياً من الحزن الذي يرتسم عادة على تقاطيع وجهها متداخلاً مع خطوط التجاعيد ومع النظرة الساكنة التي انطفأ فيها ذلك البريق الذي يبان في الصورة المعلقة على الحائط للعائلة أثناء طفولته. كان فرحها مصدر فرح عظيم له، دفع بالحديث إلى ذكريات الطفولة لاستعادة صفاء تلك الأيام ورغبة في رؤية ضحكتها التي اصطادها في هذه السهرة، وتراجع قبل أن يتفوه بالفكرة التي طرأت على باله، ’كم كانت تلك الأيام جميلة رغم صعوبة الحياة، كم كانت جميلة لأنه لم يكن هناك احتلال‘، لجم نفسه حتى لا يعكر صفو فرحها.

بحث في قنوات التلفزيون عن شيء يمكن أن يساهم في استمرار هذا الجو، لا شيء أروع من أن يرى ضحكتها بعد كل الذي مرّ عليها في السنوات الأخيرة، الفقدان واعتقالات الأبناء، وزيارات السجون. توقف عند قناة تبث مسرحية "سك على بناتك" الكوميدية لفؤاد المهندس، ضحكوا ضحكاً حتى أوجعتهم بطونهم على مشاهد المسرحية.

قبل أن تنتهي السهرة، خبا الفرح الذي كان يعلو وجهها فجأة، قالت بقلق" ضحكنا كثير الليلة، الله يستر شو ممكن يحصل هذي الليلة". بكلماتها عادت بعض الشوائب لتظهر على الروح، فحاول أن يبعدها ويبقي الصفاء الذي حصدته أجواء الليلة. ذهب إلى فراشه بعد أن حاول أن يطمئنها "إن شاء الله خير يا حجة".

استيقظ على صوت آليات في الشارع، الأذن التي أصبحت حساسة لأخفت الأصوات في الليل التقطت الصوت، نهض سريعاً، أشعل النور الخفيف في الصالون، رآها عند النافذة تسترق النظر باتجاه الشارع من خلال الستارة المسدلة، شاهد سيارتين عسكريتين تقفان في طرف الشارع بعيداً عن مدخل البيت وجنوداً يتحركون. بدأ الطرق الشديد على الباب، اتجه نحو الباب وفتحه، فاندفعوا إلى الداخل، ضابط المخابرات الذي اعتقله في أكثر من مرة كان على رأسهم، طلب بطاقة هويته، ثم بدأوا بتفتيش البيت. كانت تراقب ما يحدث صامتة. اقتربت منه "ولا يهمك يمّا، أنت رجل، خليك قوي".

انتهى التفتيش، أخذوا بعض الكتب، واقتادوه خارج البيت، وضعوا القيود في يديه، تبعتهم ووقفت في الباب تردد "الله معك"، ثم لحقت بهم إلى الشارع غير عابئة بكلام الضابط الذي يصرخ عليها ويطالبها بالعودة إلى البيت.

صورتها وهي تقف وسط الظلام كأنها تمثال من الصخر لا يتحرك، وصوتها يخترق هدوء الليل "الله معك، أودعتك للي ما يخون الودايع". الصورة ما زالت مرسومة في رأسه المعصوب بشدة بقطعة القماش التي تغطي عينيه، وصوتها ما زال يتردد على مسمعه مع مسحة الألم التي تحاول إخفاءها، الصورة والصوت رافقاه وهو ملقى على أرض السيارة العسكرية بين أرجل الجند.

هدأ صوتها في أذنيه وهم ينزلونه من السيارة، اقتاده أحدهم، شعر بأنه يدخل مبنى من الدرجات التي صعدها. هدأ الصوت كأنه استجاب لرجائه، يريد أن يلتقط أية كلمة من هنا وكل همسة من هناك يتبادلها الجنود ليعرف أين هو أو ما الأمر، أهو اعتقال للتحقيق أم اعتقال "احترازي" كما يدعون هذه الاعتقالات التي تجري في المناسبات وعندما يشعر المحتلون أن هناك تحركاً محتملاً. عندما أوقفوه في الزاوية وخلعوا العصبة عن عينيه، عرف المكان، إنه مقر الحكم العسكري. الجندي المناوب على مكتب "الأحوال" يتثاءب، لا أمل في التقاط كلمة أو التسمّع على طرف حديث هاتفي. القناة في ذهنه انفتحت مرة أخرى على صورتها وصوتها، تخيّلها ما زالت تقف في وسط الشارع تملأ الفضاء بقامتها المرسومة على خلفية الظلام المضاء ببعض النور المتسرب من شباك الطابق العلوي لبيت الجيران الذين ربما كانوا يختلسون النظر إلى ما يجري.

الصورة التي بقيت إلى جانب الصوت قبل أن يعصبوا عينيه ويلقوه في أرضية السيارة صارت الحرز الذي سيحميه من كل سوء ينتظره، ركز على الصورة والصوت اللذين انتصرا على الوحدة في بهو المدخل ومن ثم غطيا على الغناء النشاز للجندي المناوب، غناء لم يفهم من كلماته أية مفردة رغم رصيده من الكلمات العبرية التي التقطها من حياة الاعتقالات المتكررة. بادلها الصوت بالصوت: لا تخافي أنت معي أخفيك في صدري كي لا يطردوك من هنا.

استعداداً للقادم أزاح كل الأفكار التي كانت تدور في رأسه، وأبقى على "خليك قوي" التي كانت تتردد بصوتها مجدولة مع مقطع من قصيدة أحمد فؤاد نجم التي تستدعيها ذاكرته عند كل اعتقال، ’وانتهى الحلم الجميل… وابتدا الهم الثقيل‘ وأتبعها ’ما تخافيش، ما تخافيش‘.

 

 

 

 

قصة قصيرة

ثلثي المشاهدة

د.سامي الكيلاني

جلس على برشه قبل موعد العدد المسائي، في هذا الوقت تكشف الصحراء في هذا المعتقل العسكري الصحراوي عن جمالها، سماء صافية وشمس الأصيل ترسل أشعتها، يتلون الشفق بالبرتقالي على خلفية السماء الصافية، لكن الجمال الذي يتلوه، السماء المرصعة بالنجوم تغتاله أضواء الكشافات المحيطة، مرة واحدة ظفر بذلك الجمال حين انقطعت الكهرباء فجأة وانطفأت الكشافات، كم كان منظر السماء رائعاً، خاصة مع الهدوء الذي خيّم على الخيام، يبدو أن الدهشة وجمال المنظر قد جعل الجميع يصمتون ويحدقون في صفحة السماء التي تزينت بقناديل النجوم، لم يدم الأمر يومها لأكثر من دقيقتين. تذكر تلك الأيام التي كان فيها طليقاً، كان يحب السفر، تذكر رحلاته القصيرة أيام الدراسة الجامعية مع ثلة من زملائه، وتلك الليلة حين خيموا في المدينة الساحلية، لم تكن السماء بذلك الجمال لأن أضواء المدينة كانت تنتشر في الأفق. ليته خيّم يوماً في الصحراء ليتذوق هذا الجمال دون منغصات الاعتقال ودون الكشافات المبهرة التي تملأ أضواؤها الفضاء.

هذا الوقت بعد الجلسة المسائية للرفاق في خيمته وقت مفتوح للانفراد بالنفس، وكأن هناك اتفاقاً غير مكتوب أن يخلو كلٌّ إلى نفسه ويسرح في عالمه الخاص الذي يستحضره من ماضيه، ومن صور العائلة، ومن ذكريات المدينة أو القرية أو المخيم. المدخنون يدخنون سجائرهم التي وفروها من السجائر القليلة التي يحصلون عليها من إدارة المعتقل، والبعض يرتشف معها بعض القهوة التي وضعها جانباً من قهوة الصباح. أما هو فلا يدخن، يتبرع بحصته من السجائر للمدخنين النهمين ويحاول أن يكون عادلاً في ذلك. يستغل هذا الوقت كما يستغل وقت الصباح الباكر للقراءة إن وجد كتاباً أو لكتابة خاطرة أو قصيدة أو قصة قصيرة أو مقالاً ليوزع على الرفاق في هذا القسم والأقسام الأخرى. لكنه سيكون هذا المساء مشغولاً، ولن يخلو مع نفسه طويلاً. عليه أن ينسخ نسخة أخرى من مقال اليوم لأن الرفيق الذي قذف الرسالة بين القسمين خانته يده فقصرت القذيفة وسقط الكيس الذي يحمل الرسالة، مربوطة إلى حجر، بين الأسلاك الفاصلة بين القسمين. كيس بلاستيكي وحجر يحملان المادة المكتوبة ويطيران بها فوق الأسلاك التي تفصل قسمه عن القسم المجاور، وستعبر منه إلى الأقسام الأخرى. مهمة الإرسال تسند لذوي العضلات والمتدربين على رمي الحجارة. عاد الرفيق الرامي إلى الخيمة بخجل ليقول بأن رميته قد قصرت وأن الرسالة سقطت عند طرف سور الأسلاك الشائكة المحيط بالقسم المجاور. هوّن الأمر عليه حتى لا يشعر بالذنب "لا شيء مهم في الرسالة، مجرد تحليل سياسي، سأعيد نسخها، ونحاول مرة أخرى". اقترح عليه الرفيق أن ينسخها بدلاً منه، فمازحه ليخرجه من حالة الشعور بالذنب "ومن سيحلل خطك اللي مثل خرابيش الجاج".

لم يكد ينتهي من نسخ المقال حتى جاءه أحد الرفاق يطلب منه أن يساعده في كتابة رسالة إلى خطيبته، "أنا أقول لك أفكاري وأنت تكتبها بعبارات جميلة وبخطك الجميل". ابتسم في وجهه موافقاً. فكّر، الخط الجميل مصيبة على صاحبه، مهارة تتعب صاحبها في السجن، يلزم لكتابة الرسائل ولاستنساخ الدفاتر التثقيفية والتعاميم، كما الرسم، الكل يريدون من صديقه الرسام أن يزين لهم رسائلهم، لكن الرسام أصبح يرسم رسوماً محدودة في زاوية الرسالة وينهيها بسرعة، يحفظها عن ظهر قلب، أما هو فماذا يفعل؟ جلس صاحب الرسالة إلى جانبه، كانت أفكاره قليلة، فكتب بخط كبير ليملأ أكبر مساحة في صفحة الرسالة، وسلمه إياها. عاد في ذاكرته إلى أيام طفولته حين كان يتفنن في كتابة الرسائل لنساء الحي اللواتي يقصدنه ليكتب لأبنائهن المغتربين، كنّ يطلبن من أبنائهن أن يستمروا بالمراسلة ويؤكدن لهم "أن الرسالة ثلثين المشاهدة". كان يبدأ الرسالة بعبارة "سلام سليم أرق من النسيم على قلب العليل" ويتبعها بعبارة "إن سألتم عنا فنحن بخير ولا ينقصنا سوى مشاهدة أنواركم البهيّة"، ثم ما تريد الأم قوله. وبعد أن يتم الرسالة يقرؤها على مسمع صاحبتها ليستمتع بإطرائها ودعواتها.

بعد أن أنهى رسالة الرفيق إلى خطيبته، قرر أن يكتب الجزء الأخير من رسالته الأسبوعية، غداً سيجمعون الرسائل لإرسالها. الرسالة في ظل الحرمان من الزيارة تشكل تعويضاً مهماً، ضحك وأكد لنفسه أيضاً "فعلاً، الرسالة ثلثي المشاهدة". قرر هذه المرة أن يكتب في الجزء المتبقي من صفحة الرسالة لصغيرته. طلب من صديقه الرسام أن يرسم له شيئاً بعد أن استطاع هو أن يرسم فراشة صغيرة، فرسم الصديق صورة لحنظلة وهو يحمل زهرتين. كتب لها

"حبيبة بابا، سلامات لك ولماما، إن شاء الله إنك مبسوطة وبتروحي على الروضة دائماً، انبسطت كثير على الكلمات اللي كتبتها بخطك في رسالة ماما، ظلي اكتبي. هاي صورة ولد اسمه حنظلة رسمها صديقي الرسام، هذا حنظلة ولد فقير وشاطر كثير، وهاي الفراشة حلوة وتحب الأزهار، تطير في الربيع من زهرة لزهرة، أنت كذلك فراشة حلوة، فراشة شاطرة، لما بكتب لك كأني بشوفك، وأنت لما تقرأي الرسالة كأنك بتشوفيني، مش هيك؟ باي باي، وهاي بوستين، ثلاث من بابا".

على الوجه الآخر من الرسالة كتب اسمه ورقمه الاعتقالي 16093، كما تقضي تعليمات السجان، وطواها.

 

 

 

قصة قصيرة

انثروا الطيبة

الدكتور سامي الكيلاني

 

يوم مشمس، نعم، ولكن النشرة الجوية على شاشة التلفزيون تقول بأن هذه الشمس مخادعة، درجة الحرارة عشر درجات تحت الصفر وستصبح على جلده، كما يقول الرقم الآخر على الشاشة، سبع عشرة درجة مئوية بسبب تأثير الرياح. تذكر زميله الذي وصل المدينة ونزل عند أصدقائه، عندما رأى الشمس ساطعة في السماء ارتدى قميصاً بكم قصير ليخرج ويستمتع بهذه الشمس، وعند الباب رأته سيدة البيت، فتعجبت مما تراه، وقبل أن تتمكن من إيقافه أو تحذيره كان قد خرج من باب البيت، أغلقت الباب خلفه ووقفت تنتظر، ما أن وصل طرف الشارع أمام البيت حتى ارتد كمن لسعته أفعى، رن جرس الباب وبدأ بطرقه بشدة، تباطأت في فتحه، فتحت له الباب، كان أفراد الأسرة في الصالون، انفجروا ضاحكين، وصارت قصته تروى في كل مناسبة. مضى على ذلك الحادث ثلاث سنوات. صديقه هذا عاد قبل أيام من زيارة للوطن يحمل معه هدية له من والدته، وسيحضر هذا اليوم من المدينة التي انتقل إليها ليلتقيه ويسلمه الهدية، اتفقا أن يلتقيا في محطة الحافلات الرئيسية حيث سيصل بعد ساعة ونصف.

أعد قهوة الصباح في الغلاية الكبيرة من البن المتبقي، لم يقتصد في استعمال البن لأن هدية الوالدة لا بد أن تحتوي كمية جيدة من البن. تخيل والدته حين تذهب إلى المحمص الذي تتعامل معه منذ سنوات وتطلب منه كيلوغرام من البن بنسبة الثلث محروقة، وأن يوزع الكمية على أربعة أكياس وأن يحكم إغلاقها وتشميعها كالعادة للسفر. اجتاحته مشاعر الحنين لها وللبيت، طالت غيبته هذه المرة، أخذته الحياة هنا، دراسة وعمل. انتبه لفوران القهوة قبل أن تنسكب، رفعها عن النار واتجه إلى الكرسي الموضوع قرب النافذة، وأعطى نفسه حقها في الاستمتاع باحتساء فنجانين قبل أن ينطلق إلى لقاء صديقه.

بمجرد خروجه من باب العمارة شعر بشدة البرد على وجهه، هذه المشكلة التي لا حل لها في مواجهة هذا البرد، خاصة البرودة الزائدة الناجمة عن الريح، أجزاء الجسم الأخرى يمكن حمايتها جيداً وإن تسلل إليها البرد فإنه يكون محتملاً. الريح والبرد أنزلا دموعه، فقرر التراجع عن خطته بأن يسير كامل المسافة حتى موقف الحافلات في الهواء الطلق. "أي هواء طلق هذا؟" حدث نفسه، وقرر أن يجزئ المسافة، يمشي نحو المجمع التجاري (المول) الضخم القريب ويدخل من بابه الجنوبي ويقضي بعض الوقت فيه ثم يخرج من الباب الشمالي، ويسير المسافة القصيرة المتبقية إلى الموقف. غطى ما يمكن تغطيته من وجهه وغذّ السير محاذراً الانزلاق على الثلج المتراكم. دلف المدخل واستقبلته دفقة هواء دافئ شعر بها تزيح طبقة من البرد العالق على وجهه، خلع المعطف الثقيل والطاقية وتفقد الوقت، يمكنه قضاء ثلث ساعة هنا في الدفء ويخرج بعدها ليصل الموقف مع موعد وصول صديقه.

مشى على مهله، يتوقف أمام بعض الواجهات دون هدف. ووصل الفسحة الكبيرة التي تتوسط صفوف المحلات في الجناح الجنوبي من المول. طاولة مغطاة بغطاء ملون مزركش تتدلى منها أشرطة ملونة، وعليها مجموعة من السلال الصغيرة الملونة المليئة بقطع صغيرة متنوعة من الشوكلاتة والسكاكر الملفوفة بأوراق وقطع سولوفان ملونة. تقف إلى جانب الطاولة سيدة خمسينية كما قدّر وشابة عشرينية. السيدة الخمسينية تدعو المارة لتضيفهم مما على الطاولة وتعرض عليهم كتابة كلمة أو جملة قصيرة على قصاصات ملونة على أشكال دوائر ومربعات ومثلثات يتدلى من كل قصاصة خيطاً، بعض من كانوا حول الطاولة كتبوا كلمات وعلقوا القصاصات على هيكل خشبي يشبه شجرة، لتتدلى الأوراق على أغصان الشجرة. الشابة العشرينية منشغلة بالكتابة على لوح أسود محمول على قائمتين، تحمل بيدها صندوقاً صغيراً فيه طباشير بيضاء وملونة، وعلى الوجه المقابل للوح كلمات وعبارات مكتوبة داخل إطارات مشكلة في جزء من مساحة اللوح، محت بعضها وعدّلت عليه. وقف يراقب حركاتها واندماجها في عملها، انتبهت له، بعد أن أنجزت آخر عبارة ورفعت يدها عن اللوح، سألته إن كانت العبارات تعجبه. اقترب منها ومن اللوح يتفحص الكلمات والعبارات، وكأنه يجري فحصاً قبل أن يصدر حكمه، ثم نظر في وجهها المبتسم ورفع قبضته وإبهامه إلى أعلى مثنياً على عملها ومضيفاً "عمل رائع، عبارات رائعة، شكراً". اتسعت بسمتها وتقدمت من الطاولة ودعته ليضيّف نفسه، تناول قطعة سكاكر وشكرها. تحرك نحو اللوح ليرى الوجه الآخر، كانت هناك خطوط وأشكال مرسومة بالطباشير الملونة دون كتابة، سألها "ماذا ستكتبين على هذه الجهة من اللوح"، ردت بضحكة خفيفة "كن صبوراً، وستعرف عندما أفرغ من ذلك". هز رأسه "جيد، ليكن، سأذهب وأعود لأرى، سأخمن وآمل أن يكون تخميني صحيحاً أو معقولاً"، تصفح العبارات المكتوبة بالأبيض على الوجه الآخر للوح عسى أن يخمن ماذا سيكون على الوجه الملون، عبارات: أنت رائع، سلام، كن طيباً، أنت محبوب، احترام، اللطف جميل، كن مُلهِماً، ومجموعة من القلوب المتداخلة والوجوه المبتسمة. قال لها: رائع، سأخمن وأعطيك الجواب حين أعود. سألته "ألا تريد أن تكتب على ورقة وتعلقها على الشجرة؟"، رد "سأفعل ذلك عندما أعود ومعي تخميني عمّا ستكتبين على الجهة الأخرى من اللوح"، ردت "أوكي، دعنا نرى".

انتبه للوقت، كأنه قد صمم الأمر بحساب دقيق، انقضت فسحة الثلث ساعة. سارع نحو المدخل الشمالي للمجمع التجاري. عند المدخل أعاد ارتداء المعطف الثلجي ووضع الطاقية على رأسه وخرج ليضرب وجهه الهواء الثلجي، لكن بقايا الدفء خففت من أثره. قطع الشارع ودخل مبنى محطة الحافلات، واتجه إلى الرصيف الذي ستقف عنده الحافلة التي تقل صديقه. وصلت الحافلة في الوقت المعلن، استقبل صديقه ودلفا سريعاً إلى المبنى. انهمرت أسئلته عن البلد وعن العائلة والأصدقاء، استوقفه صديقه "دعني أتنفس، لنجلس في مكان قريب وسأحدثك، خذ الأمانة أولاً" وناوله الحقيبة التي يحملها. رد محتجاً "لماذا في مكان قريب، سنذهب إلى البيت ونشرب قهوة ونأكل معاً، أنا لم أفطر حتى الآن". اعتذر صديقه بأن عليه العودة سريعاً في الموعد القادم بعد ساعة، فاقترح بدلاً من ذلك أن يجلسا في أحد محلات الوجبات السريعة في المول لشرب القهوة وتناول فطور خفيف.

ما أن دخلا المول حتى توقف وفتح الحقيبة، علّق صديقه "مستعجل، ما عندك صبر؟"، أجاب ضاحكاً "طبعاً"، ووقف في الزاوية وأخرج ثلاث علب من الحقيبة، فتح الأولى "الله! يسلم إيديك يا أمي، القهوة المطلوبة"، ثم فتح الثانية "واو، زعتر"، ثم بدأ بفتح الثالثة المغلقة بإحكام بواسطة طبقة من البلاستيك فوقها شريط لاصق طولاً وعرضا عدة مرات "وكمان معمول، يا سلام". انتبه لصديقه الذي كان يراقبه مندهشاً، رد على اندهاشه "مستغرب؟ بطلع لك، إنت رحت وزرت أهلك والبلاد، نيالك. بعد الفطور نشرب قهوة ومعها حبة معمول بدل المافن".

ودّع صديقه عند المدخل الشمالي للمول، بعد أن شدد الأخير رفضه أن يوصله إلى الموقف في هذا البرد "ما في داعي، في الإجازة القادمة سأزورك وأقضي عندك يومين"، رد "إذا هيك، ماشي الحال، اتفقنا". حمل الحقيبة بيد والمعطف الشتوي باليد الأخرى ومشى باتجاه المدخل الجنوبي للمول ليعرّج على المعرض الصغير حيث سينقل تخمينه للصبية. راودته نفسه أن يغش، أن يقترب بحيث يرى ما كتبت بالألوان على الجهة الأخرى من اللوح ومن ثم سيغير الجواب الذي اختاره، سيغير فيه قليلاً ليكون قريباً مما كتبت، لكنه زجر نفسه قبل الاقتراب من المكان واتخذ اتجاهاً يضمن منه ألاّ يرى الوجه الملون للوح. وصل، كانت السيدة الخمسينية لوحدها عند طاولة المعروضات، وقف يتأمل العبارات مرة أخرى ليمضي بعض الوقت عسى أن تعود الشابة إن كانت قد ذهبت لأمر ما. بادرته السيدة الخمسينية "أهلاً، ها قد عدت، زميلتي اضطرت للمغادرة، اتفقتما على أن تخمن ما سيكتب على الوجه الآخر للوح، أليس كذلك". هز رأسه موافقاً وسأل "هل ستعود قريباً"، أجابته "لا، للأسف، لن تعود لبقية اليوم، ممكن غداً، يمكنك أن تخبرني تخمينك". فكّر لوقت قصير، كان يرغب أن يراها وأن يخبرها بتخمينه وينتظر "برافو" من فمها وعينيها، لكنه قرر أن ينقل التخمين للسيدة الخمسينية، قال "أعتقد العبارة ستكون: حبٌّ وسلام في الأرض"، شكرته السيدة الخمسينية "شكراً، عبارة جميلة، لكنها تقليدية، أليس كذلك؟ الآن انظر على الوجه الآخر للوح. وقف يتأمل العبارة والرسومات الملونة حولها "انثروا الطيبة مثل الكونفتي"، عاد إلى السيدة "من فضلك، وما الكونفتي؟"، أجابته "أوراق ملونة أو قطع سكاكر ملونة ننثرها تعبيراً عن الفرح". أجاب "شكراً، وفي بلادنا يا سيدتي ننثر بتلات الأزهار أو قطع السكاكر في الفرح، وأحياناً ننثر حب الرز على رؤوس الناس احتراماً وتقديراً". اقترحت عليه أن يكتب عبارته على ورقة ويعلقها على الشجرة الخشبية التي زادت الأوراق المعلقة عليها عمّا كانت عليه في المرة السابقة، اختار ورقة على شكل دائرة بلون لازوردي ولكنه لم يكتب العبارة، كتب كلمتي حنان وأمومة بخط كبير يملأ مساحة الورقة وعلقها. دعته مرة أخرى ليضيّف نفسه، أخذ قطعة سكاكر من كل لون، وشكرها. مضى نحو المدخل الجنوبي للمول يفكر بالشابة التي لم تنتظر جوابه، خاطبها "ليتك بقيت ووجدتك لتنثري طيبتك نظرات وابتسامات، فنحن نقول في ثقافتنا: تبسمك في وجه أخيك صدقة، والصدقة طيبة".

ارتدى المعطف الثلجي، ووضع الطاقية على رأسه وخرج من المدخل الجنوبي للمول، صفعته الريح، كانت باردة جداً، أبرد مما كانت عليه قبل دخوله المدخل الشمالي.

 

قصة قصيرة

عصير ليمون

د.سامي الكيلاني


تبتلعه الفقاعة، وتتعلق في الفضاء فوق المعسكر، يصبح المعسكر المعتقل غارقاً في سكون يلفه كما تلف الفقاعة ساكنها، شعر أن هذا المكان يمتص روحه في هذه الساعة بغض النظر عن أي اسم يحمله، معتقل النقب الصحراوي، معتقل كتسعوت بلغة السجان، معتقل أنصار 3 بلغة المعتقلين. سكون يتبعه اختفاء تدريجي لكل شيء، فقاعة أخرى تمتص تدريجياً الخيام والساحة وسياج الأسلاك الشائكة وأبراج المراقبة والجنود المدججين بالسلاح حول ساحة الخيام، وتلتهم حتى أعمدة الكشافات الضوئية. كل شيء خارج الفقاعة يصبح كتلة من اللاشيء يلفها السكون. يسكن الفقاعة طافياً في فضائها، أمواج ترفعه عالياً ليحلّق على جناح الأمل والتفاؤل لحظة، ثم تأتي أمواج أقوى تلقيه في أغوار من التشاؤم.

تتملكه هذه الحالة مع اقتراب موعد انتهاء فترة الاعتقال الإداري، هل سيخرج من هنا أم سيجددون اعتقاله لفترة أخرى؟ وماذا يكلفهم التجديد أكثر من توقيع قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، كل يحتاجه الأمر قلب أسود حاقد وتوقيع على أمر جديد. نفض عن نفسه موجة القلق والتشاؤم التي هاجمته، وما أن لاحت له خيالات الصورة الأخرى حتى تمسك بها بقوة، ألقى نفسه في مياه التفاؤل. انفتحت الصورة البهية المأمولة، تمسك بها، عمل كل ما باستطاعته ليبقى فيها. يرى نفسه حراً يمارس يعانق زوجته وأطفاله، يغذي الصورة بتفاصيل، يمارس هوايته بالاستيقاظ مبكراً يوم العطلة الأسبوعية والانطلاق لإحضار الفطور التقليدي، يمشي في شوارع البلدة القديمة ويتسوق من محلاتها، ويستنشق الروائح التي تملأ أجواءها، تختلط الرائحة المنبعثة من حانوت العطار مع رائحة الخضروات الطازجة والنعناع من بسطة الخضار المجاورة، برائحة الخبز الطازج من الفرن المقابل. يعود بسيارته التي تركها عند مدخل البلدة القديمة إلى البيت ويجلسون حول مائدة الفطور.

تنغلق الصفحة، ينتعش الأمل بعدم تجديد الاعتقال الإداري لفترة أخرى. تضيق المسافة بينه وبين الأحباب، المسافة الكبيرة بالجغرافيا والتي تزداد في بعدها بمنع الزيارة عنه، تلك المسافة تتقلص، تصبح في تلك اللحظة صغيرة أمام الصور التي تفتحت في ذهنه حية للزوجة والأطفال. انفجرت الفقاعة، خرج من تحليقه في ذلك العالم الجميل ليسمع الأصوات التي تملأ المكان حوله. خيمته تضج بالنقاش الجديّ بين بعض الرفاق في الزاوية الجنوبية من الخيمة، وتضج بضحك متواصل من مجموعة أخرى في الزاوية الشمالية من نكتة أطلقها الأرنب، هكذا ينادي سكان الخيمة عبد الرحيم، ورغم إلحاحهم عليه يظل يؤجل وعده لهم بأن يخبرهم عن سبب هذا اللقب الذي يُعرَف به أكثر من اسمه.

عاد إلى عالم الواقع، الساعة الحادية عشرة، ساعة اشتداد الحر ووصول الأرواح الحناجر من شدة هذا الحر الذي لا تحمي الخيام ساكنيها منه أو من أخيه البرد ليلاً، لكن الجو هذا اليوم رحيم نسبياً، تمر غمامة تحجب الشمس أو تخفف وطأها، وتهب نسمات منعشة وكأن المكان ليس من الصحراء. أنعشته النسمات، ولكنها لم تستطع أن تخلق عنده رغبة في عمل شيء، لا يرغب في الحديث مع أحد، ولا الانضمام إلى النقاش الجاري في الزاوية الجنوبية رغم رغبته في الرد على مغالطات إبراهيم الذي يفتي في الفكر الماركسي كما يفتي الشيوخ في الأمور الدينية. قبل يومين كان الجو أسوأ من هذا بدرجات، كان "ثقيل الدم" بكل ما تعنيه الكلمة، ورغم ذلك كان يتمتع بحيوية ونشاط أفضل منهما الآن. أقنع نفسه بأن الواحد يستيقظ أحياناً كسولاً مصاباً بملل لا يدري سببه وأن ذلك سيزول بالتأكيد. كانت هذه الفكرة البسيطة بوابة العودة إلى التفكير بشيء مفيد، كانت بوابة الخروج من الآثار التي صنعها التحليق في الفقاعة. قرر أن يجعل بوابة الخروج تفضي إلى بوابة ستساعده على إنهاء هذه الحالة، قرر أن يكتب لها رسالة يشرح فيها وضعه منذ الصباح، إنه بحاجة إلى قلب محب يستوعب ما سيخرج من قلبه المتعب. تناول نموذج الرسالة الفارغ الذي توزعه إدارة المعتقل على المعتقلين بمقدار. تناول القلم الرصاص وتناول قطعة الخشب التي يستعملها كمسطرة ليسطّر صفحة الرسالة حتى تستوعب أكبر كمية من الكلمات، وحتى تكون رسالته مرتبة، هو يحب الترتيب وهي تحبه أكثر.


كتب "كل الحب والأشواق، وأحر القبلات عبر هذه المسافة الكبيرة الصغيرة التي تفصلني عنكم. آمل أن تكونوا بخير".

توقف وهو يرى جمله قصيرة متقطعة، لا بد أن هذا سيقلقها، ستفهم أنه ليس على ما يرام، تنفس بعمق وقرر أن يخرج نفسه نهائياً من هذا الوضع، قرر أن يتحدث إليها، الحديث الدافئ حتى لو كان على صفحة رسالة، قد تصل بعد خروجه، كفيل بذلك. استأنف الكتابة.

"استيقظت هذا الصباح كسولاً يسيطر عليّ الملل، وقعت أسير سرحان أخذني بعيداً وكان تأثيره سيئاً عليّ إذ جاء على خلفية هذه البداية، حاولت أن أشغل نفسي بشيء، قرأت صفحات قليلة من رواية ثم تركتها، سيطر عليّ الملل، رزحت تحت ثقل الروتين، أشعر بحاجة للتغيير، بحاجة لشيء يشدني من هذه الحالة، لست ضد السرحان، ولكن حين يأتي على خلفية مثل هذه فإنه يكون متعباً، أما حين يأتي على خلفية الأمل والتفاؤل فإنه يكون فواراً بالألوان الزاهية، يكون منعشاً مثل كأس عصير الليمون الذي تصنعينه لي واستمتع به حين أعود إلى البيت من يوم عمل طويل ومتعب، أشربه وأسترخي، الله، الله على ذلك الكأس كم أشتاق إليه".

شعر أن الحديث عن عصير الليمون البارد وعن العودة إلى البيت بعد العمل قد وسّع بابه المنشود للخروج من وضعه. اندمج أكثر ولاحظ أن عباراته صارت أرشق وأكثر حيوية. استقبل نسمة جاءت من طرف الخيمة الشمالي المرفوع حتى المنتصف، استقبلها بترحاب. توقف قليلاً عن الكتابة، وقرر أن يتصفح الصور والرسائل التي تجمعت لديه منذ أن أصبح وصول الرسائل التي تحتوي الصور ممكناً، بعد فترة طويلة من الحرمان من هذه النعمة. أخرج الصور وألقى على الوجوه التي يشتاق للقائها تحية الصباح، تواصل مع الصور، تواصل معها ومع الأطفال. قرأ للمرة التي لا يعرف تعدادها مقاطع من الرسائل، وعاد ليكتب.

"المهم، قلت لنفسي أن أفضل السبل لمحاربة هذا الملل وقهره هو أن أصبّح عليكم، أخرجت الصور، وصبّحت عليكم، صبّحت عليك وأنت تظهرين في الصور وكأنك لا تقصدين الظهور، وكأن الصور للأولاد ولا تعنيك، يجب أن تستعدي للصورة، تعلمي من هذه البنت الماهرة التي تعرف كيف تستعد للصورة عند الأزهار وعند النافورة، بنتنا ستصبح فنانة، أما الصغير فصوره رائعة، وأروعها صورته مع تلك الضحكة المشرقة وصورته وهو يصفق بيديه وقدميه. فعلت الصور فعلها، وقرأت بعض الرسائل ففعلت هي الأخرى فعلها. اللقاء معكم في الصور والرسائل ومن خلال كتابة هذه الرسالة بدّد الملل، بدأت أشعر بذلك، كأنني شربت من يدك عصير الليمون الطازج المميز. الشباب في الخيمة يقتلون الملل بلعب طاولة الزهر أو الدومينو، بالنسبة لي القراءة أفضل الطرق لكن ليس لديّ ما أقرأه الآن. أشعر بأنني بحاجة إلى الجلوس مع الشباب والمشاركة في النقاش الدائر. أنا الآن أفضل. سأعود للكتابة، ما زال في الرسالة الكثير من الحيز. وما زال لدي الكثير لأكتبه، قد يتطور الأمر إلى قصيدة جديدة. إلى اللقاء مع قبلاتي، قبّلي الأطفال عني".

طوى الرسالة بحرص ووضعها في الكتاب، اتجه نحو حلقة النقاش في الجهة الجنوبية من الخيمة واقترح عليهم الانضمام إلى مجموعة الجهة الشمالية "يكفي نقاشاً، خلونا نضحك وننبسط".

 

 

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا