الرئيسية || من نحن || || اتصل بنا

 

  

د.سامي الكيلاني  اكاديمي وكاتب فلسطيني

في ذكرى المناضل سالم خله

سالم اليافاوي: حاضراً، لا يغيب

 

د. سامي الكيلاني

 

صادف السابع والعشرين من آب اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء المحتجزة لدى الاحتلال، وفي هذه المناسبة نظم مركز القدس للمساعدة القانونية مجموعة من الفعاليات، من ضمنها فعالية مكرسة لذكرى الرفيق سالم خلة (أبو زياد) تضمنت عرض فيديو وتوزيع كتاب عن مسيرته النضالية، إذ كان الرفيق منسق للحملة الوطنية لاسترداد الجثامين المحتجزة في مقابر الأرقام وفي الثلاجات.

***

في إحدى المناسبات الاجتماعية في الغالية يعبد، اقترب مني وقال: هل تذكرني؟ أكدت له "طبعاً، ألست موسى؟"، أضاف "هل تلتقي بسالم ابن أبو علي اليافاوي؟"، قلت "نعم، بين فترة وأخرى نرى بعضنا"، قال "بلغه سلامي الحار، لن أنسى لطفه وأحاديثه، ومعاملته لي وأنا أعمل صبياً في مطعمهم، ولن أنسى يوم أخذوه من المطعم وأبعدوه، رغم مرور أكثر من أربعين سنة على ذلك اليوم، ما زلت أذكر صورته وشخصيته ومحبة الناس له". سكتُّ، لم أرغب بمقاطعته، كنت أرغب في سماع المزيد منه، لكنه استدرك "ألم تكن معنا في المطعم وقتها؟ أذكرك، جلست أنا أبكي وأنت شجعتني". نظرت إليه مبتسماً، وأكدت له أنني سأوصل السلام. تذكرت صورته يومها وبكاءه، كان الوقت ظهراً، لم يكن غيرنا في المطعم، وقفت دورية عسكرية وقيدوه وغادروا. كنت أحب هذه الأوقات لأستمع من سالم، النموذج بالنسبة لي، أحاديث الوطنية والثورية. كانت السنوات الأربع التي بيني وبينه عمراً، وغربته في الأردن بعد حزيران 1967، وما في جعبته من أحاديث عن الثورة والفدائيين، مغناطيساً قوياً يجذبني إلى لقائه في بيتهم أو في المطعم حين يقل عدد الزبائن. كان قد عاد متسللاً عبر النهر ووصل يعبد ثم اعتقل، وكان فرحاً بأنه قد خرج من المعتقل ولم يقم الاحتلال بإبعاده وأنه سيبقى في الوطن، ولكنهم استشعروا خطره فأبعدوه. أبعدوه لتبقى صورته في ذهن صبي مثل موسى الذي أصبح أباً وربما جداً، صورة ناصعة يحن إليها رغم مرور عقود من الزمان.

هذا هو سالم اليافاوي ابن الحارة الشمالية في يعبد، سالم حسن سالم خله الشاب في المدرسة الثانوية، الرفيق طارق أبو زياد ابن الثورة الفلسطينية والقيادي في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، سالم خله العائد إلى الوطن والمناضل لتحرير جثامين الشهداء الذين يحتجزهم الاحتلال الإسرائيلي في مقابر الأرقام والثلاجات، أبو زياد خله أو "أبو الزوز" تحبباً الأخ والصديق القريب من القلب الذي بكيت رحيله بحرقة وأنا بعيد عن الوطن أنتظر انقشاع جائحة الكورونا لأعود وألتقيه.

لي مع سالم، في كل من هذه الأسماء والصفات التي مرت في حياته وحياتنا ذكريات لا يمكن للكلمات أن تغطيها أو توفيها حقها.

أراك يا سالم اليافوي تلميذاً في مدرسة ذكور يعبد التابعة لوكالة الغوث، يعبد التي استضافت أعداداً كبيرة من اللاجئين من القرى القريبة شمالها وغربها وتداخلوا في نسيجها الاجتماعي كأبنائها، في حاراتها المختلفة، كنت ابن الحارة الشمالية، لعبت فيها وذهبت إلى المدرسة، كنت تقول نحن "العائدون" وتغني مع أترابك وتسمعنا الغناء في الحارة "أخي جاوز الظالمون المدى" وترددون في الصباح "عائدون، عائدون" فنفرح معكم لهذا النشيد/الغناء. وفي الحارة الشمالية أراك تمسك بيد "ستي زهرة" الضريرة، وتساعدها للوصول إلى بيتها وتحمل لها إبريق الماء أو غرضاً آخر من البيت أو من الدكان القريب، فتكسب منها "الله يرضى عليك وينجحك".

أراك يا سالم حسن سالم خله، الطالب الشاب الصاعد في مدرسة يعبد الثانوية ومعك نخبة من أبناء صفك بعين الولد الذي يصغركم بأربعة صفوف، تتناقشون في السياسة وتتحدثون عن الوطن السليب، وتخرجون إلى الشارع تهتفون مع الوحدة العربية والناصرية وتحرير الوطن السليب، أو يدوّي صوتكم في الأعراس بالهتافات ذاتها، توصلون صوت يعبد إلى الدنيا وكلكم ثقة بقوة الأمل "عبد الناصر يا غالي، يا باني السد العالي"، "فلسطين عربية". فأصبحتم لي ولغيري نماذج نتتبع خطاكم وننصت بحرص إلى كلامكم عن الأمل بالجيوش التي ستحرر فلسطين، الأمل الذي تعاظم فجأة حين انعقدت القمة العربية الأولى وتأسست منظمة التحرير الفلسطينية. تذكرتك يا سالم حين كتبتُ قصة قصيرة عن الحارة الشمالية بعد عشرين سنة من تلك الأيام بعنوان "عيد سيظهر في الحارة الشمالية". لم تكن أنت الشخصية التي رأيتها وجعلتني أستعيد ذكريات الحارة، فقد كنتَ حينها مبعداً عن الوطن تناضل من أجل العودة إليه ومن أجل حريته وتحرره، ولكن كان لا بد من أن أركّب منك ومن تلك الشخصية شخصية جديدة تستطيع رسم الصورة، شخصية أستطيع من خلالها أن أعطي الحارة صورتها التي نحبّ والتي نحنّ إليها، من خلالك رسمت للحارة صورة كنت أنت عنوانها يا سالم.

يصلني صوتك يا رفيق طارق أبو زياد عبر البعد، رغم الحدود المصطنعة، يصلني عبر الجسر اللعين الذي يحرمك ويحرم كل الغوالي من زيارة الوطن. أسمعك بصوتك الجهوري خطيباً في احتفالات انطلاقة الجبهة وفي مهرجانات الثورة وفي وداع الشهداء، يصلني الصوت مليئاً بالحيوية والأمل والإصرار. ويصلني صوتك الهادئ الثابت وأنت تحلل الوضع السياسي، أراك رغم البعد تطرق قليلاً ثم تتحدث وتركز على الفكرة الناضجة وتملك سمع من يستمع إليك. وأتابع أخبارك، أخبار المقاتل والقائد والممثل السياسي للجبهة في العواصم الصديقة، فأقول مفتخراً هذا سالم بن أبو علي اليافوي ابن يعبد ابن حارتنا. استمعت من الذين شاركوك المسيرة قصصاً عنك عناوينها التضحية والإخلاص والوفاء ومحبة الرفاق لك.

وحين عدت إلى الوطن يا سالم، تلاقينا وكأن أكثر من ربع قرن من الزمان من البعد لم يكن، اندمجت في العلاقات وكأنها لم تنقطع، واندمجت في العمل بكل الهمة والنشاط استكمالاً للمسيرة التي قطعتها. عاد صوتك جهورياً في كل فعاليات الوطن. وكسبت أنا صداقة خاصة متميزة أينعت من جديد انطلاقاً من جذور مرحلة الطفولة والشباب المبكر. وفي كل لقاء لنا كان الحديث عن الوطن والهم الوطني وتفاصيل المرحلة بمرّها الصادم وبعض حلوها زادنا، ولكننا لم نبخل على بعضنا بتلطيف المرّ باستعادة ذكريات الحارة كواحة نستمتع في اللجوء إليها، ثم تقول وأثني على قولك بأن العودة كانت مكسباً حقيقياً فالرحيل في الغربة والشتات كان هاجسك الذي تتمنى ألاّ يكون. وقررت أن تستثمر كل طاقتك في قضية من أنبل القضايا: البحث عن المفقودين الذين اختفى ذكرهم في حرب الأيام الستة، المسماة تجاوزاً حرباً، وما بعدها، واستعادة جثامين الشهداء من مقابر الأرقام وثلاجات الاعتقال ما بعد الشهادة، قضية ترتبط بالحق الإنساني للمفقودين والشهداء وعائلاتهم، وتعبيراً عن الكرامة الوطنية لنا جميعاً. وفي مسيرة النضال هذه كنت الابن والأخ لكل فردٍ من أفراد أسرهم.

وتسلل المرض الخبيث إلى جسدك وأنت في معمعان هذه المعركة. أراك وكأنك تتحدث الآن أمامي عن هذا الخبيث اللعين حديث العقل والعلم، وفي كل لقاء أو محادثة هاتفية تحدثني أين وصل فأنوي أن أبدأ حديث الدعم والتشجيع لك على مواجهته وأتوقف لأنني أرى فيك شجاعة وتصميماً على هزيمته ومقارعته دون انكسار حتى آخر نفس، فأعود معك إلى حديث العادي واليومي مطمئناً إلى شجاعتك. سمعت صوتك واهناً في المكالمة الأخيرة بيننا، ولكن الكلمات لم تغب عنها الروح الشجاعة. أتخيلك بروحك المرحة التي كانت تلقي على جلساتنا جواً من الفرح، فنضحك من القلب وسط كل المنغصات، أتخيلك وقد خاطبت الفيروس اللعين الآخر الذي تسلل إلى جسدك ليستقوي عليه، هل قلت له: وأنت أيضاً يا جبان يا لئيم.

حين فوجئت بخبر رحيلك وأنا بعيد عن الوطن ذرفت دمعة عصية، فقد جفت العين من الدمع على كل الذين رحلوا قبل الأوان، واستحضرت كل الصور، صور الحضور الثري في كل ما هو جميل فيك وعنك.

سالم أيها الأخ الذي لم تلده أمي، لكنها كانت تحبه كواحد منا نحن أبناءها، وكان يبادلها حب الأبناء الصادق، حباً أراه في عينيه وفي عينيها حين يلتقيان،

لروحك الرحمة والسلام ولذكراك الطيبة الدوام يا سالم اليافاوي، أيها الصديق الذي ترك فيّ وفي الكثيرين كل أثر جميل.

 

 

تحليق عابر لطيور الذاكرة 14

أصدقاء دوليّون

د. سامي الكيلاني

من منجم الذاكرة المادي، من بين الرسائل والقصاصات المخزونة تطل برأسها كأنها تتسابق مع غيرها للفوز، رسالة من صديق دولي. الرسالة مطبوعة بشكل أنيق على وجهي الورقة التي تتسبب شفافيتها بتشويش الوجه الذي تقرأه بسبب المكتوب على الوجه الآخر، ومرتبة وفق ترتيب الرسائل الرسمية، رغم أنها ليست رسمية، بل على العكس فإنها مليئة بالمشاعر الرقيقة والود والتضامن. على الزاوية اليمنى العليا العنوان والتاريخ: 59أ سانت جونز وود هاي ستريت، لندن، الخامس من كانون الثاني 1985. وتجلب معها رسالة أخرى من الشخص نفسه، تختلف عنها، مكتوبة بخط اليد، من الصعب قراءة بعض الكلمات مما يجعلك تعيد قراءة الفقرة أو السطر لتكتشف وتفك الخط وتقرأ الكلمة. التوقيع نيل.

نيل واحد من الأصدقاء الدوليين الأوائل الذين دامت الصلة معهم لفترات طويلة وكانوا مصدر دعم معنوي لك في فترات الاعتقال والإقامة الجبرية. كان من مجموعة الأصدقاء المتطوعين الذين حضروا إلى فلسطين لإعطاء دورات في اللغة الإنجليزية في جامعة النجاح الوطنية في سنواتها الأولى. كانت الدورة لزملاء من العاملين في الجامعة وآخرين من المجتمع المحلي. كان المتطوعون خمسة، كلهم أو بعضهم، أعضاء في منظمة أوكسفام الإنسانية. بقيت علاقتي لفترة طويلة بثلاثة منهم: جيم هوارد وزوجته ميفز، شخصان رائعان في طيبتهما ومواقفهما الإنسانية أكبر أعضاء الفريق سناً، ومثلهما نيل صاحب الرسالة المذكورة.

كانت الدورة مفيدة جداً، وكانت فائدتها بالنسبة لي تتمثل في الأساس في تعزيز مهارات التواصل والمحادثة أكثر من الفائدة في معرفة اللغة، إذ كان مستوى معرفتي باللغة الإنجليزية متقدماً على غالبية المشاركين، وبالتالي كانت بالنسبة لي فرصة لعمل صداقات وتواصل مع أناس دوليين وأمل في فتح باب لإكمال دراستي العليا التي قطع الاعتقال لثلاث سنوات التحضيرات التي كنت قد أخذتها لإكمالها. كان المدرب الرابع شخص مرح تتخلل مداخلاته النكتة الخفيفة، وكان من جزيرة مان الواقعة في منتصف البحر الإيرلندي بين إنجلترا وإسكتلندا وإيرلندا، وعندما طُرِح على المشاركين والمدربين ضمن تمرين للمحادثة سؤال حول أهم ما يميز المكان الذي يعيش الواحد منهم فيه، قال صاحبنا إن أهم ما يميز جزيرتهم أن قططها بدون ذنب، وهي القطط التي تنسب إليها باسم Manx، ضحكنا واعتقدنا ذلك جزءاً من مرحه، ولكنه أكد أن الأمر حقيقة، وهو كذلك. أما المدربة الخامسة والتي اختفت تفاصيل شخصيتها من الذاكرة، للأسف، سوى صورة ذلك الوجه المستدير الهادئ والشعر القصير نسبياً، فمن حقها هي الأخرى أن تذكر.

استمرت رسائل نيل لفترة أثناء معاناتي من الإقامة الجبرية التي فرضت عليّ في بلدتي يعبد، بعيداً عن بيتي وعملي في الجامعة في نابلس، ومن ثم في الاعتقالات القصيرة "الاحترازية" التي كانت تقوم بها سلطات الاحتلال خلال تلك الفترة، وفي الاعتقالات الإدارية التي يبلغ كل منها ستة شهور. استمرت رسائل نيل ثم انقطعت فجأة. بقيت صورة نيل في الذاكرة، ولكن أخباره انقطعت. بعد سنوات طويلة وخلال فترة الانتفاضة الثانية، وفي عز الحصار على مدينة نابلس، دخل نيل إلى مكتبي في جامعة النجاح الوطنية في دائرة العلاقات العامة حيث كنت أعمل مديراً للدائرة في فترة من أصعب الفترات التي مرت على الجامعة. كان ضمن وفد تضامني زائر لفلسطين، دخلوا المكتب، وتحدث أحدهم معرفاً بالوفد وبأنهم من أستراليا ومعتذراً أن هذه زيارة سريعة ويأملون العودة لزيارة أطول، وذكر اسمه، كانت مفاجأة رائعة بالنسبة لي، إنه نيل، لمعت الذاكرة، رددت متقدماً نحوه "أنا سامي الكيلاني يا نيل، هل تذكرني"، تصافحنا مرة أخرى بقوة وسط اندهاش زملاء الدائرة وأعضاء الوفد، تذاكرنا بذكريات تلك الأيام بشكل سريع، ذكريات تعود لأكثر من ربع قرن. انقضت الساعة دون أن نشعر، اعتذر بأن عليهم أن يغادروا، وافترقنا مرة أخرى على أمل اللقاء. غاب نيل، وعندما حضر في منجم الذاكرة بفضل رسالته التي طفت على السطح قبل غيرها كطفل مجدٍّ يريد التقدم على رفاقه، قررت البحث عنه في الفضاء الأزرق، بحثت عن الاسم، كانوا ثلاثة، رجحت حسب الصورة أن أحدهم هو صديقي نيل، كتبت "تحياتي، هل أنت نيل الذي أعرفه"، فكان الرد أنه هو، وعدنا للتواصل.

أثناء انقطاع الصلة بنيل استمرت علاقتي بالزوجين هوارد، وتحولت من الرسائل الورقية إلى رسائل عبر البريد الإلكتروني، كانا دائمي المتابعة لوضعي الذاتي ويسألان عن الوضع في فلسطين، كانت ميفز هي التي تكتب باسمهما، وكانت آخر رسالة منها تنقل فيها نبأ وفاة جيم، وأنه رحل بعد مرض قصير بهدوء وسلام، وانقطع التواصل مع ميفز. ربما كان ذلك بسبب ضياع حساب البريد الإلكتروني الأول الذي كنت أستعمله في التواصل معها، ولم يكن بإمكاني المبادرة للتواصل لضياع عنوانها الإلكتروني مع الحساب. بعد سنوات وصلتني رسالة من الزميلة عميدة كلية التربية في جامعتنا، أثناء وجودي في كندا في إجازة التفرغ العلمي، تقول بأنها تلقت رسالة من دكتورة بريطانية في التربية تعرض التعاون البحثي، وأنها تعرفني. كانت المرسلة الدكتورة إستر هوارد، توقعت أنها ابنة صديقيّ جيم وميفز لأنني أعرف أن لهما بنتاً بهذا الاسم، وتأكدت من ذلك عندما تواصلت معها. وبعد عودتي من إجازة التفرغ العلمي ودوامي في الجامعة كمساعد لرئيس الجامعة للشؤون المجتمعية، جاءت الدكتورة إستر لزيارة الجامعة والتقينا ثلاثتنا، أنا وعميدة كلية التربية وإستر، واتفقنا على التعاون في مشروع بحث حددنا موضوعه وعنوانه. سألتها عن والدتها ميفز، فقالت بأنها في حالة جيدة بهذا العمر، في التسعينات من عمرها، وأنها تعيش في دار للرعاية، طبعاً هذا ليس أمراً سيئاً ولا يعتبر إهمالاً بالمسن في الثقافة الغربية، وبرأيي أنه مع سلبياته التي نراها في مجتمعنا فإنه أفضل من وجود المسن في بيت الأبناء أو البنات الذين لا يستطيعون القيام بواجبات رعايته التامة، خاصة تقديم الرعاية الصحية الفضلى والشعور أن الواجب بمنظور المجتمع يحمّلهم عبئاً فوق طاقتهم. حدثت تغييرات في الجامعة، إذ استقالت عميدة كلية التربية لأن رئيس مجلس الطلبة تهجم عليها في مكتبها بصورة عنيفة وفظة ولم تقم الجامعة بمحاسبته، وبالتالي لم نستطع أن نقوم بالمشروع، وانقطعت صلتي بابنة صديقيّ ميفز وجيم مما يشعرني بالتقصير نحوها ونحو ذكرى شخصين عرفتهما وعرفت إنسانيتهما من ناحية عامة ومن ناحية وقوفهما إلى جانبي في وجه إجراءات الاحتلال الإسرائيلي ضدي وتأييدهما لحق شعبنا في الحرية والاستقلال.

هكذا هي الكتابة من مخزن الذاكرة، تبدأ من نقطة لتتشعب خطوطاً متشابكة لتشكل اللوحة التي تحلو لها، وليس من الممكن أن تمنعها من ذلك، أو أن تجعل من نفسك ضابطاً لها لتغلق قناة وتفتح أخرى بقرار سلطوي منك، إن فعلت ذلك فقدت أصالتها وبهاءها، عندئذٍ ستضطرب وتهرب من بين يديك. تلك الخيوط الجميلة تتحرك بإرادتها لتشكّل شبكة متميزة جميلة المعمار قوية الترابط كشبكة العنكبوت، ولكن بخطوط من حرير قوي، أو قل كقطعة فنية من تلك التي كانت تحيكها أمي بصنارتها، جميلة قوية، ولكن يمكن أن تنفك بسحبة واحدة إلى خيط طويل إذا سحب خيطها بطريقة غير الطريقة التي أدخلته في بناء القطعة، فالهدم أسهل من البناء، يا للأسف.

الرسالة التي فتحت الذاكرة تستريح جانباً على الطاولة بانتظار عودتي إلى الحديث عنها. المعذرة يا عزيزتي، أعترف أن لك الفضل في البدء. سأعود إليك أيتها القطعة التي تقدمت على غيرها من بين قطع المتحف، متحف الذاكرة، متحف المقتنيات الصغيرة من الأعمال اليدوية في المعتقل والرسائل وغيرها، الذي قلت عنه يوماً أنه "أفضل من متحف مدام توسو اللندني".

جيم وميفز يتقدمان، يسحبان الخيط وينسجان جزءاً من شبكة الذاكرة، صدفة لقائي بهما بعد أعوام من تواصلهما معي بالرسائل المكتوبة التي كانت تتابع الوضع الفلسطيني، وعبروا في آخرها عن مشاركتهم الآمال بتحقق السلام بعد مؤتمر مدريد ومحادثات السلام. في العام 1994 حصلت على منحة من المجلس الثقافي البريطاني لفترة دراسية قصيرة (ثلاثة شهور) في أساليب تدريس العلوم/ الفيزياء في جامعة ليدز في مقاطعة يوركشير في المملكة المتحدة. كانت فترة مفيدة جداً من الناحية العلمية، وأثمرت في بناء علاقات مع طلبة دراسات عليا دوليين من مختلف أنحاء العالم، كان أقربهم إليّ الزملاء من جنوب إفريقيا وماليزيا، الذين بقيت علاقتي بهم عبر التراسل البريدي لفترة طويلة. كانت دورة مفيدة جداً في إثراء معرفتي في أساليب تدريس العلوم من جوانب متعددة، عادت عليّ بفائدة كبيرة في تدريسي لهذا الموضوع، وفي كتابة عدة مواضيع وأوراق عمل لمؤتمرات متخصصة في هذا المجال كمؤتمر جامعة بيت لحم حول التربية العلمية ومؤتمرات الجمعية الفيزيائية الفلسطينية، وفي الكتابة لفصلية تعليم العلوم التي كان يصدرها مركز تطوير المعلمين (الموارد)، وكنت عضو هيئة تحريرها. كانت تجربة تلك المجلة نموذجاً لقيمة التطوع، إذ كنا كأعضاء هيئة التحرير متطوعين واستطعنا إصدار خمسة أعداد فصلية، ولكنها توقفت لتوقف التمويل الذي كان يغطي طباعتها، وكان أملنا أن تملأ هذا الفراغ مجلة تصدر عن وزارة التربية والتعليم، إذ علمنا عن تشكيل هيئة من كوادر الوزارة لإصدار مجلة في تدريس العلوم والرياضيات واجتمعت اللجنة اجتماعات عديدة، سمعنا عن اللجنة وانتظرنا طويلاً ولادة العدد الأول، لكن المجلة المنشودة لم ترَ للنور. هذا الفرق بين التطوع والوظيفة.

كان برنامج دائرة التربية الدولية في كلية التربية في جامعة ليدز يشمل إلى جانب المساقات الدراسية تشكيل مجموعات ثقافية من طلبة من مختلف البلدان يشرف على كل مجموعة منها أستاذ ضمن عبء عمله، يتم في هذه المجموعات تبادل ثقافي يتحدث فيها كل طالب عن بلده، ثقافتها وأوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكانت مجموعتنا بإشراف أستاذ في التربية العلمية بخلفية كيميائية، الدكتور ديفد كناملر، شخص ودود وكنا كأعضاء في مجموعته نشعر بأنه صديق لكل منا فردياً. تحدثت في المجموعة عن فلسطين تاريخها وواقعها تحت الاحتلال وعن آمال الحرية والسلام وعن جمال الطبيعة عاملاً جهدي ألاّ أثقل على المستمعين بحديث سياسي وقرأت قصيدة مترجمة. كان تفاعل طلبة جنوب إفريقيا تفاعلاً قوياً أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه كان أخوياً. ومن الأحاديث التي علقت آثارها في ذهني حديث زميل من دولة سلوفينيا أرفقها بعرض عن جمال بلاده التي كانت جزءاً من يوغسلافيا الاتحادية وانفصلت كجمهورية مستقلة في العام 1991. تمنيت لو كنت أحمل صوراً عن بلادي لأعرضها كما فعل الزميل السلوفيني، ولم تكن المصادر الإلكترونية حينها قد تطورت، كما هي الآن، للاستعانة بها في ذلك الأمر.

الفترة التي مكثتها في هذه المدينة الجميلة والزيارات الجماعية المنظمة التي قمنا بها كطلبة دوليين، والزيارات التي قمت بشكل فردي والعلاقات التي نسجتها أصبحت ذكريات تستحق الذكر، وآمل العودة إليها وإعطاءها حقها حين يعبر طائرها محلقاً في سماء الذاكرة.

في إطار اهتمامها بالطلبة الدوليين، تخصص جامعة ليدز مكتباً خاصاً لمتابعة شؤونهم اللوجستية والاجتماعية والثقافية، وكان من ضمن أعمال هذا المكتب ترتيب فرصة لمن يريد من الطلبة الدوليين قضاء عطلة نهاية الأسبوع مع عائلة بريطانية. وأنا بطبعي أحب التعارف مع الناس والتعرف على الثقافات والجوانب الاجتماعية في حياة الشعوب الأخرى. أخذت طلباً لتعبئته للمشاركة في هذا النشاط، وكان الطلب يحوي خيارات حول تفاصيل في الزيارة مثل الجوانب الصحية، والطعام المفضل: نباتي أم عادي، حلال، وتحديد الرغبة بين زيارة عائلة تسكن المدينة أم الريف، فاخترت زيارة عائلة تسكن الريف وكان تخيلي أن أزور عائلة في مزرعة في قرية هادئة، كتنويع عن معرفتي بحياة المدن البريطانية، حيث كنت قد زرت عدداً منها.

بعد فترة وصلتني رسالة من العائلة التي ستستضيفني تقول بأن أفراد العائلة يرحبون بي في الموعد المحدد، ويعرفوني بأنفسهم وبمنزلهم وببلدتهم القريبة من مدينة أكسفورد، وأنهم اختاروني لأنني من الشرق الأوسط ورغبتهم بالتعرف عليّ وعلى بلدي. كانت الرسالة موقعة من الزوجة، ولكن باسمها وباسم زوجها. لم تكن الزيارة كما تمنيت لقرية صغيرة ومزرعة، بل كانت لبلدة أبنغدون (Abingdon) والتي يبلغ عدد سكانها حوالي 25 ألفاً، وهي حسب واقع التجمعات السكانية تعتبر من الريف. سررت كثيراً برسالتهم وما احتوته من كلمات لطيفة وانتظار للتعارف، وبدأت أفكر بكتابة رد على رسالتهم أشكرهم فيه على تطوعهم واستفسر عن طريقة الوصول إليهم والترتيبات المطلوبة. انتبهت إلى اسم البلدة، بدا الاسم مألوفاً بالنسبة لي، أليس هذا هو الاسم ذاته الذي يوجد في عنوان صديقيّ ميفز وجيم؟ تناولت دفتر العناوين البريدية الذي معي وفيه عناوين أصدقاء الدراسة الجامعية وأصدقاء دوليين متضامنين ممن كنت أراسلهم ضمن حملة منظمة العفو الدولية "أمنستي" التي تبنتني كسجين ضمير أثناء فترات اعتقالي وفرض الإقامة الجبرية عليّ. فعلاً كانت البلدة نفسها، وتصاعدت المفاجأة حين تبين أن العنوان يقع في الشارع نفسه حيث يسكن صديقاي. يا الله، كم أنت صغير أيها العالم! كتبت لهما شاكراً الدعوة ولأخبرهما عن صديقيّ في بلدتهم ورغبتي برؤيتهما عند زيارتي. لم تمض أيام حتى استلمت رسالتين، واحدة من العائلة التي ستستضيفني والأخرى من ميفز وجيم. لقد تعارفت العائلتان بسببي وخططتا كيف سنقضي نهاية الأسبوع معاً. حسب رسالة العائلة المستضيفة ستنتظرني السيدة في موقف الحافلات في مدينة أكسفورد في موعد وصول الرحلة المحددة مساء الجمعة. أما في الرسالة الأخرى فقد عبر صديقاي ميفز وجيم عن سرورهما بهذه المفاجأة التي ستجمعنا بعد ثلاث عشرة سنة.

كانت الزيارة حافلة باللقاءات وجلسات الدردشة، كنت فيها متحدثاً مجيباً عن أسئلة مضيفاي وابنهم الشاب الذي انضم إلينا في اليوم التالي ليقضي نهاية الأسبوع مع والديه، درس الجغرافيا وتخرج قبل سنة ويعمل محرراً مع دار نشر، وقد اختار نهاية هذا الأسبوع لزيارة أهله وللتعرّف على الضيف الفلسطيني، إذ عبّر في أحاديثه عن معرفة ومتابعة لما يجري في بلادنا. كانت العائلة بمنتهى الكرم والترتيب للزيارة بشكل أشعرني براحة كبيرة وجعلني أتصرف بتلقائية وكأنني أعرفهم من قبل. وكانوا يجيبون عن أسئلتي عن حياتهم وعن بلدتهم التي تسمى أبنغدون على التيمز لوقوعها على نهر التيمز، ولكن تعرف اختصاراً بأبنغدون. كانت البلدة قرية صغيرة ونمت، وتوسعت أكثر بعد أن تم بناء مركز أبحاث للطاقة الاندماجية قربها عندما سكن فيها علماء وعاملون في هذا المركز المعروف بمركز كولهام للطاقة الاندماجية، كما وضّح مضيفي وهو عالم فيزياء ويعمل في ذلك المركز. في اليوم الأول، السبت، كان فطور مشترك ضم العائلتين بمناسبة زيارتي للعائلة، واتفق الطرفان على أن تأخذني العائلة المضيفة بعد الفطور في جولة في البلدة والنهر، وأن يأتي صديقاي القديمان غداً صباحاً لنقوم بجولة في مدينة أكسفورد.

كانت الجولتان ناجحتان. أعادت الجولة في أكسفورد إلى ذاكرتي زيارتي السابقة لهذه المدينة قبل عشرين سنة، حين جئتها وأنا ما زلت طالباً في الجامعة الأردنية في السنة الثالثة في قسم الفيزياء، حين سافرت ضمن فريق من أربعة طلاب زملاء من كلية العلوم من عمان إلى لندن متجولاً بطريقة الأتوستوب، تجربة لا بد من أن يأتي طائرها محلقاً يوماً ما لكتابتها. زرنا المدينة وذهبت إلى مكان كان لي معه قصة لأزوره دون أن أقول لصديقي سبب رغبتي في زيارة المكان. وقد كتبت عن ذلك المكان نصاً ضمن مجموعة النصوص المفتوحة التي صدرت لي قبل عامين بعنوان "على سجادة من غيم".

 

 

تحليق عابر لطيور الذاكرة 13

صالح وجميلة ونورس إميرالد

د. سامي الكيلاني

 

كل شيء في النوارس جميل سوى زعيقها وشجارها. تراقبها كلما جئت إلى مسطح مائي وهي تحوم حوله وفوقه وتغطس في مياهه. اليوم عند بحيرة إميرالد- المنتجع الذي جئت إليه مع العائلة وقد وفّقتم في العثور على مكان جيد للجلوس ووضع الأمتعة رغم الأعداد الكبيرة ووصولكم متأخرين. تجلس في ظل ثلاث شجرات تشكل معاً مثلث ظل دائم مهما تحركت الشمس في السماء مراقباً هذه الطيور وهي تحلق ثم تهبط على المسطحات الخضراء ولا تهبط على البحيرة الصغيرة، لأن البحيرة مليئة بالبشر، كباراً وصغاراً. تلقي للنوارس على العشب بفتات الخبز أو الكعك فتأتي هذه تباعاً، تتسابق على القطعة التي تقع بين العشب، أحياناً يستحوذ واحد منها بعدوانية على الكثير من القطع، يدفع غيره بقوة وعدوانية ويزعق زعيقه الممجوج، فتنثر اللقيمات الصغيرة بعيداً عنه لتصل المستضعفين فتنجح الخطة أحياناً، وتفشل أحياناً لأنه يهجم حتى من بعيد.

تتوقف عن نثر الفتات حتى تهدأ الأمور فتراه يتبختر مستعرضاً قوته، فتنثر دفعة جديدة من الفتات بعيداً عنه نكاية بعنجهيته، تأخذ الأمر على محمل الجد وتتخذ منه موقفاً، تصبح معادياً له، يذكّرك ببشر مثله في العدوانية والعنجهية.

بعد نهاية جولة من هذا اللعب، حين تتوقف عن تزويدها بالطعام، تنتظر النوارس فترة حولك عسى أن تعود فتطعمها، وحين تيأس من ذلك تقرر الطيران عالياً فوق البحيرة في الاتجاه الآخر.

بعد فترة تلاحظ نورساً يقف على رجل واحدة فوق مقعد خشبي والرجل الأخرى معلقة لا تصل سطح المقعد، تدقق من زوايا مختلفة لتتأكد من حالته، فقد يكون يمارس تمرين يوغا كبعض الطيور التي تفعل ذلك، مثل تلك البطة التي وقفت برجل واحدة على صخرة في حديقة كاريا لأكثر من نصف ساعة، وتضامنت معها وفي النهاية وجدتها تفرد جناحها وتمد رجلها المرفوعة إلى الخلف لتمارس تمارين شد العضلات، أما هذا النورس فقد كان فعلاً بقدم مبتورة. تقرر أن تخصه ببعض فتات الكعك بعيداً عن أعين النوارس الأخرى، تذهب لتحضر الكيس، ما أن تستدير لتعود نحوه حتى تجد أنه قد طار واختفى.

تفكر في أمره، تنثر بعض الفتات فقد يعود مع العائدين، تنثرها فيهجم عدد من النوارس البيضاء والمرقطة، لم يكن بينها، فتتوقف عن إلقاء المزيد.

تفكر، ماذا يدعى مبتور القدم من الناس والطير، فتسأل غوغل باستعمال هاتفك المحمول، فلا تجد ضالتك، ولكنك وجدت قصة تتعلق بالموضوع، قصة الزمخشري وعصفور تسبب في قطع رجله، تقول القصة:

"كان الزمخشري مقطوع الساق يمشى على ساق من خشب. وذات يوم جلس يحكى لأصدقائه سبب قطع سـاقه، فقال: مسكت عصفوراً صغيراً، وربطته بخيط في رجله، فدخل بين حَجَرين، فجذبته بالخيط بعُنف فانقطعت رجله، فتألمت أمي وقالت: "قطع الله رجلك كما قطعت رجل العصفور". فلما كَبِرتُ وأردت السفر لطلب العلم سقطت من فوق الدابة فانكسرت رِجلِي وقُطِعَت واستجاب الله لدعاء أمي".

تعود للنورس، ترى هل تسبب أحد ما في قطع قدم هذا النورس، وهل دعت عليه أمه أن تقطع قدمه جزاء ما فعل، ويسير الآن بقدم صناعية أو بدونها لأنه تسبب في قطع قدم هذا النورس الذي رغبت أن تخصه بلذيذ الكعك، لكنه طار واختفى.

فكّرت بالأمر كأنه يعنيك جداً، تساءلت: هل تسبب قطع قدم هذا النورس في قطع رجل إنسان دعت عليه والدته في هذه البلاد المتعددة الثقافات واللغات، وبأية لغة كانت دعوة الأم المفترضة، التي استجيبت؟ ثم تساءلت بحيرة شديدة: هل تستطيع أم بصدق أن تدعوَ على ابنها بأذى؟ لماذا كان قلب أم الزمخشري قاسياً إلى هذا الحد؟

طار نورس أميرالد، حلّق بعيداً، لم يعد، ولكنه استحضر طيوراً أخرى وتركها تحلّق وتسحب بمناقيرها خيوط الذاكرة.

ليس بمقدوري أن أحكم على قساوة قلب أم الزمخشري، ولكنني أستطيع أن أجزم أن قلب الخالة نديّة، أم صديقي صالح، لم يكن قاسياً في يوم من الأيام طيلة حياتها، بل كانت قلباً ولساناً بمنتهى الحنان، وأنها بالتأكيد لم تدعُ عليه بقطع رجله. كما إنني أرجّح إلى أبعد الحدود أن قلب أم جميلة، رغم كل ما عانته من ظلم ذوي القربى، لا يمكن أن يكون قد قسا إلى الحد الذي يجعلها تدعو على ابنتها بهذا المصير. كل من صالح وجميلة يعيش برجل صناعية تعويضاً عن رجل قطعت.

كانت الذخائر التي لم تستعمل في حرب حزيران 1967، الحرب التي لم تخض، السبب في قطع رجل صالح، وكان حقل الألغام الذي تم زرعه ليمنع تقدم قوات العدو في تلك الحرب، ولكنه لم يمنعها، الذي ظل مليئاً بالألغام بعد تلك الحرب وأصبح وحشاً فاتحاً فمه على آخره لابتلاع الأرواح والتسبب بإصابات أدت إلى قطع الأرجل وإصابة بعض ضحاياه بفقدان البصر كان السبب في قطع رجل جميلة.

كانت الخنادق التي تمترس فيها جيشنا مليئة بالذخائر والمواد المتفجرة التي تركت بعد انسحابه، تلك الخنادق التي حفرت قبل الحرب بأيام في التلة المقابلة ل"الخط الأخضر"، أو منطقة الخطوط الأمامية كما كانت تسمى، التلة التي اختارها أهل بلدتي يعبد لتكون المقبرة. يبدو أن أجدادنا اليعبديين قد أرادوا أن يكرموا الراحلين بوضعهم في هذا الموقع المميز بإطلالته على البحر المتوسط غرباً وعلى غابة أم الريحان الطبيعية شمالاً، موقع يهب عليه نسيم البحر عليلاً في الصيف ويوفر منظراً يبهج العين في الربيع. وجد أطفال حارتنا الشمالية في هذه التلة مكاناً مناسباً جداً ليطيّروا طياراتهم الورقية، وكنت واحداً منهم. ولكنهم بعد الحرب وجدوا في الذخائر المتروكة أداة للتسلية وللحصول على بعض القروش، تسلية خطيرة لم يدرِ الأهالي الغارقين في هموم البحث عن لقمة العيش عنها، أو أن من علموا بما يفعله الأطفال لم يدركوا خطورة ذلك العمل. كان الأطفال يفرغون الرصاص من "كحل البارود" ويجمعونه ليبيعوه نحاساً لرجل كان يجمع النحاس والخردوات، ولكن الأخطر من ذلك أنهم كانوا يفكون بعض قنابل الإنارة التي تحتوي على "برشوت" مصنوع من قماش قوي ليستعملوه في ألعابهم. الذخائر المتروكة أخذت حياة عدد من الأطفال، وجرحت البعض جروحاً تعافى منها مع ندبة ظلت ذكرى صعبة تذكر الواحد منهم بما حدث معه وبأترابه الذين فقدوا حياتهم، وتركت لآخرين إعاقات دائمة. في ضحى أحد الأيام ذهب عدد من هؤلاء الأطفال بينهم صالح إلى موقع الذخائر وبدأوا بتسليتهم المعتادة، وفجأة سمعوا صفيراً من إحدى القنابل التي ضربها أحدهم بالأرض فحاولوا الابتعاد إلاّ أنها انفجرت لتودي بحياة ثلاثة منهم، وتصيب صالح بجرحٍ عميق في الفخذ، وتصيب البقية إصابات أقل خطورة. علمت يومها أنهم مروا على بيتنا وسألوا والدتي عني لأذهب معهم "للعب"، لحسن حظي لم أكن في البيت، كنت قد أصبحت بائعاً متجولاً للدخان العربي في مدينة جنين. وصلتني الأخبار عمّا حدث وعلمت أن الجرحى قد نقلوا إلى المستشفى الحكومي في المدينة، تركت بضاعتي أمانة عند صاحب دكان لطيف كان يسمح لي أن "أبسّط" ببضاعتي أمام محله، وهرعت إلى المستشفى، توقعت أن يكون شقيقي الأصغر مني بين المصابين، وأردت الاطمئنان على الجرحى. ما زالت المناظر محفورة في الذاكرة، كان العم سلمان في ساحة المستشفى قرب حمالة عليها جثمان ولده وليد، وقفت أنظر إلى وجهه المغطى بالدم، وليد المعروف بحركته ونشاطه أصبح جثماناً مسجى على حمالة إسعاف، تلفت نحوي والده وقال كلمات وسط نشيجه "شايف وليد يا سامي"، لم أستطع النطق بأية كلمة سوى "الله يرحمه". تركته، ودخلت المستشفى، كان والد صالح ووالد مفيد ووالدته وأقارب آخرون في ممرات المستشفى. علمت أن صبحي وجمال قد توفيا في المكان ولم تكن هناك حاجة لنقلهما إلى المستشفى.

في المستشفى أوقفوا نزيف صالح، ودخل في مراحل طويلة من العلاج، محاولات علاج حسب القدرات الطبية المتواضعة المتوفرة في المستشفى ذاته حينذاك، نجم عنها بتر قدمه بسبب "الغرغرينا" كما قالوا وأنهم بتروا القدم ليحموا بقية رجله، ثم تحركت الغرغرينا إلى الأعلى فبتروا قسماً آخر. قرروا بعد ذلك تحويله أخيراً إلى مستشفى في مدينة القدس لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فبترت رجله من أعلى الركبة. وفي النهاية تزوّد برجل صناعية لتعيش معه ويعيش معها حتى الآن. الخالة نديّة بريئة، أكثر من براءة الذئب من دم يوسف، من أن تكون قد دعت عليه بهذا المصير.

أما حقل الألغام الذي تبلغ مساحته حوالي 40 دونماً الواقع شمال شرق البلدة فقد بدأ بالتهام ضحاياه بعد أقل من شهرين من زراعته. أجزاء كبيرة من الأرض التي أصبحت حقل ألغام كانت قد زرعت حديثاً بأشتال الدخان للموسم القادم. عندما كبر نبات الدخان وأصبحت أوراقه بحاجة للقطاف قام أبو العامر بقطف ما هو قريب من سياج الأسلاك الشائكة المحيطة بحقله، ثم دخل مسافة قصيرة وقطف الأوراق ولم يحدث شيء، وتقدم خطوات أخرى ليقطف المزيد لينفجر به أحد الألغام، صارع جراحه الصعبة دون رعاية طبية لأيام ثم أصبح الضحية الأولى لهذا الوحش.

بعد سنوات كانت جميلة التي تبلغ العشرين من العمر الضحية الثانية، هربت منها دابتها وقفزت فوق جزء مترهل من السلك الشائك فلحقت بها لتردها، انفجر لغم بالدابة وبالصبية، كانت إصابتها صعبة، لكنها عاشت بعد أن فقدت ساقها. وبعد حادث جميلة بسنتين ابتلع وحش الحقل ولدين من رعاة الأغنام منهياً حياتهما في عمر السادسة عشرة.

في تشرين الأول 1984 كنت شاهداً على ما حدث، حيث كنت أعيش تحت الإقامة الجبرية في البلدة بأمر عسكري من سلطات الاحتلال، حدث انفجار في حقل الألغام، هرع الناس بالمئات وكنت منهم، وقفنا قريباً من الأسلاك الشائكة نراقب المشهد داخل الحقل اللعين عاجزين عن عمل شيء. كانت جثتي الصبيين طاهر ابن الثانية عشرة وأمجد ابن الخامسة عشرة ممدتين داخل الحقل على مسافة من الأسلاك الشائكة. تم الاتصال بشرطة الاحتلال لمحاولة إنقاذ الصبيين إن كانا على قيد الحياة أو إخراج جثتيهما، لم تحضر أية مساعدة خلال أكثر من ساعتين، فقط حضرت سيارة شرطة فيها عنصرين ووقفا يراقبان دون عمل شيء يذكر. فجأة نهض أمجد وبدأ يمشي، أصبح الجميع على أعصابه، قد ينفجر لغم آخر تحت قدميه، مشى مسافة ثم وقع قريباً من الأسلاك الشائكة. تقدم شاب جريء وتحسس موقع أقدامه، تقدم قليلاً ونحن جميعاً نحبس أنفاسنا، رفع جسد المصاب واستدار بحذر شديد وعاد يخطو على الخطوات التي خطاها سابقاً ولما اقترب من السياج تناوله منه شاب آخر. كل هذا الوقت ولم تحضر أية مساعدة ولا حتى سيارة إسعاف، تم وضع الجريح في سيارة خاصة ونقل إلى المستشفى، كان مصاباً بجراح في مختلف أنحاء جسمه، وفي وجهه. شفي من الجراح لكنه فقد بصره. الجميع كان مقتنعاً أن الصبي الآخر قد فقد الحياة، لكن نسمة هواء حركت ملابسه فاعتقد أخوه الموجود بيننا أنه ما زال حياً، ركض باتجاه السياج والجميع يصيح به أن يتراجع، قفز عن الأسلاك الشائكة واتجه نحو جسد أخيه وحمله، ساد صمت رهيب وترقب ودعوات من الله أن يسلمه وهو يمشي حاملاً أخاه، وصل السياج بسلام. لكن ماهر كان قد فارق الحياة.

لم أنم ليلتها، إلى متى سيستمر هذا الوحش بالتهام الضحايا؟

يجب أن نعمل شيئاً، يجب أن أعمل شيئاً، أي شيء. قمت بصياغة بيان للرأي العام موجهاً للمؤسسات الدولية عبر الصليب الأحمر الدولي ولمؤسسات حقوق الإنسان وعدد من الجهات التي كنت أتواصل معها للعمل ضد الاعتقالات الإدارية وأوامر الإقامة الجبرية مثل منظمة العفو الدولية (أمنستي)، ووقعته باسم أهالي يعبد. كتبته بخط اليد وطلبت من شقيقي أن يذهب لطباعته على الآلة الكاتبة في جنين ويصور منه عدداً من النسخ.

بعد أيام بدأ مندوبون من مؤسسات إنسانية وصحفية يأتون لعمل تقارير عن هذا الحقل اللعين، نتج عنها رسائل تطالب سلطات الاحتلال بعمل عاجل يتمثل بتجديد السياج ووضع لافتات تحذيرية واضحة، وضرورة القيام بنزع الألغام منه. تم تجديد لافتات تحذيرية، ولكن الحقل بقي مليئاً بالألغام حتى تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، حيث قامت منظمة دولية متخصصة بنزع الألغام بتنظيفه تماماً وعادت المنطقة زراعية وشملتها حدود البلدية وتم بناء بيوت فيها.

 

 

 

 

صغيرة، صورة، وثور هائج

د. سامي الكيلاني

 

الجيش الغازي

يفرض منع التجوال

المدينة تصبح سجناً

خلت الطرقات من الناس

أنهى الأطفال الألعاب دون نهايات

و"انضبوا" في البيت،

شتموا "حتى إشعار آخر" هذه.

الصغيرة تقف على نافذة البيت،

تسأل: ماما، متى يرجع بابا؟

وقفت تنتظر عودته

لكن الوالد ما عاد.

اقتحم الجنود البيت،

اقتحموا غرفة نوم الصغيرة،

لم تسعفها السنوات الخمس على الفهم،

لماذا؟ لماذا؟

كثورٍ هائجٍ يشاهد قماشاً أحمر،

جندي يهجم، ينتزع عن الحائط ورقة،

ورقة صغيرة نزعتها الصغيرة من دفترها

رسمت بيتاً يعلوه علم،

هاج الثور من الرسم،

وضع الثور الهائج بارودته في وجه البنت:

في أية روضة تتعلمين؟

من علمك هذا الرسم، هذا الرسم الممنوع؟

صاح الضابط بالجند: فتشوا البيت جيداً،

جمعوا كومة ممنوعات.... كتباً، صوراً، وجرائد،

وفجأة،

وجدوا جريمة أخرى:

"نيجاتف" صورة

الصغيرة بكنزة صوف بالألوان الأربع،

أبيض، أسود، أحمر، أخضر،

قلبوا البيت،

لم يجدوا الصورة،

واختفت الكنزة عن أعينهم،

أخذوا الصورة،

هددوا الصغيرة والأم،

نريد الصورة والكنزة،

ذهبوا،

شكت الصغيرة لأبيها: بابا،

جندي حقق معي،

كانت بارودته في وجهي.

××××

ذهبوا ونجت الصورة،

لم تصبح رقماً في أرشيف الممنوعات،

صارت حرزاً، رمزاً،

بشرى فشل الثيران في كل زمان

بشرى لفرح الأطفال في يوم قادم،

فرح لا تعكر بهجته هجمات الثيران.

 

 

 

قصة قصيرة

توت عن توت يفرق

د. سامي الكيلاني

شجرة التوت التي اهتدينا إليها هذا العام في مشوارنا الصباحي المعتاد، أنا وزوجتي، تختلف عن تلك التي كنا نضعها على برنامج المشوار الصباحي في هذا الموسم خلال السنوات الثلاث الماضية. الأشجار المزروعة قرب سياج البيوت تمتد أغصانها لتصبح فوق الممر المحاذي للشارع، ممر مخصص للمشاة في الرصيف تفصله عن الشارع مساحة عشبية خضراء. الشجرة الجديدة في حديقة بيت يقع على تقاطع شارعي جون وسنترال بارك واي، يانعة وكثيفة الأغصان والأوراق، أوراق كبيرة الحجم كأنها من توت بلادنا، على عكس الأشجار الأخرى ذات الأوراق الصغيرة والأقرب إلى الأشجار البرية. هذه الشجرة اكتشاف يستحق الذكر، فقد وضع نفسه على مسار أي مشوار صباحي لنا بغض النظر عن المسار الذي سيتضمنه المشوار، حتى يمكن القول "كل المشاوير تقود إلى التوتة"، كما كان يقال كل الطرق تؤدي إلى روما. ثمارها الناضجة أيضاً أكبر بما لا يقارن من ثمار تلك الشجرات التي تعرفنا عليها سابقاً، ولكن للإنصاف ينبغي القول باستثناء الشجرات الثلاث الموجودات في حديقة بيت المسنين في الطرف الآخر للمدينة التي مررنا بها صدفة، شجرات يشبهن هذه الشجرة في كل المزايا، ولكن ذلك المكان بعيد ولا يمكن دمجه في مشوار المشي الصباحي. صارت التوتة الجديدة هدفنا، نصلها قبل أن ترتفع درجة حرارة النهار وذلك لسببين، أولهما لنتفادى الأشعة فوق البنفسجية التي تشكل خطراً على الجلد، وخاصة على الصلعة، وثانيهما فإن أكل التوت و"الدنيا شوب" يسبب الإسهال. نتناول حباتها الناضجة الحلوة، ثماراً ناضجة لدرجة أن أصابعنا تصطبغ بعصيرها الذي يخرج بمجرد لمس بعض الثمار الناضجة جداً.

قبل أيام راودتني نفسي أن أحضر وعاء صغيراً لأعود ببعض التوت إلى البيت، لكنني تراجعت عن الفكرة لأسباب تتراوح بين الخوف من الإحراج إن رآنا صاحب البيت من جهة، ولاعتبار ذلك ليس من حقنا واعتداء على حقوق مارة آخرين. في ذلك اليوم حين أقبلنا باتجاه الهدف، وخلال وقوفنا على الإشارة الضوئية لنقطع الشارع نحو توتنا، فمن حقنا أن نقول "توتنا" انطلاقاً من حقوق الاكتشاف، شاهدنا رجلاً على سلّم قصير تحت التوتة. لم نفكر بالتراجع، إنها فرصة لمعرفة ردة فعله، لنعرف فيما إذا كان ما نقوم به مستساغاً بأعراف هؤلاء الناس وهل هو مقبول في القانون أم لا؟ حضّرت نفسي لمرافعة تفصيلية، إن اعترض، مستندة إلى تعاليم أمي بأن ثمار الأغصان خارج السور حلال للمارة، وحتى ثمار البستان حلال للجائع يأكل منها حاجته، ولكن لا يحق له أن يقطف زيادة عمّا يكسر جوعه. كان الرجل يعلق قطعة قماش كبيرة على الأطراف السفلية لأغصان متباعدة لتتساقط فيها ثمار التوت حين يهز الأغصان. وصلنا وألقينا التحية ثم وقفنا تحت الأغصان الممتدة خارج السياج والتقطنا بعض الثمار، نزل عن السلم وبيده الوعاء الذي يجمع فيه الثمار، رجل سبعيني بوجه بشوش، علاقته بالشجرة وملامحه جعلتني أفترض أنه كان في يوم من الأيام فلاحاً، رد التحية ودعانا لتناول التوت من وعائه. أخبرناه أننا نمر من هنا في مشوار الصباح ونستمتع بمذاق ثمار شجرته، فرحب وأكد لنا أنه يتقبل ذلك بكل سرور. خمنت أنه لا بد من بلدان حوض المتوسط ورجحت أن يكون يونانياً. الكثير من الناس في هذا البلد لا يستسيغون سؤال "من أي بلد أنت؟"، ولكن إن بادر وسألك هذا السؤال فلا مانع من أن ترد بسؤال بمثله. قلت له في بلدي نضع تحت الشجرة قطعة قماش أو بلاستيك كبيرة ونهز الشجرة لنجمع التوت الناضج، فبادر بالسؤال "من أي بلد أنت؟" أجبته "من فلسطين، وأنت؟"، فأجاب بأنه من البرتغال.

كانت ثمار "توتنا" هذا الصباح شهية، كانت هناك كمية كبيرة من الثمار السوداء اللامعة الحلوة، أكلنا نصيبنا منها، وزدنا بعض الثمار التي ما زالت حمراء بطعمها الحامض، وتأكدنا أن الموسم ما زال يعد بثمار ناضجة للأيام القادمة، فهناك ثمار كثيرة لم تنضج بعد.

في طريق العودة، حين اقتربنا من شجرة كنا نعرفها سابقاً، كانت أوراقها صغيرة يشوبها بعض الاصفرار، وتلوح بعض الثمار الصغيرة السوداء، كان التباين بين هذه الثمار وثمار توتنا شاسعاً. هل كانت سابقاً هكذا، أم أنها أصبحت كذلك في نظرنا بعد أن عرفنا التوتة الجديدة؟ شعرت بالأسى نحوها، وشعرت بالذنب، إنني أسيء إليها إن مررت عنها وكأنني لا أعرفها. سمعتها تعاتبني "يا ناكر الجميل، أهكذا تمر دون سلام؟ ألم تسمع بالمثل القائل اللي ما له بقديمه ما له بجديده؟". اعتذرت لها، اقتربت وأمسكت بطرف غصن مرتفع، شددته وقطفت بضع ثمار سوداء صغيرة وأكلتها، وقلت شكراً. رأيت الشجرة تضحك وسمعتها تسامحني.

مشيت بخطوات قصيرة تثقل كاهلي أحمال صور تتوالد في الذاكرة، كل صورة منها تلد صوراً.

موسم التوت والولد الذي يجمع الثمار على الندى مع أمه، أولاً من تحت التوتة البيضاء بعد هزها لتقع الثمار على القش المفرود تحت الشجرة نظيفة سليمة إلى جانب تلك التي سقطت من تلقاء ذاتها أثناء الليل. ثم ينتقلان إلى التوتة السوداء الموجودة في حضن السلسلة الحجرية التي تفصل الجزء العلوي من البستان عن الجزء السفلي، مما يجعل جمع ثمارها صعباً.

الولد يركض نحو شجرة توت ضخمة، توتة أكبر من البيت، علقت بأحد أغصانها القوية أرجوحة بسيطة، مجرد حبل قوي توضع في نهايته المستديرة قطعة قماش أحياناً، جلس الولد في النهاية المستديرة للحبل، رجع إلى الخلف بقدر ما تمكنه ساقيه من البقاء ضاغطاً على الأرض، دفع نفسه بأقصى قوته ليطير إلى الأعلى، يطير من الفرح.

عريف الحفل الشاب يردد في مهرجان وطني كلمات توفيق زياد "عندما مروا عليها صباحاً، همست شجرة توت، العبوا بالنار ما شئتم فلا حق يموت"، ويطلب من منسق المهرجان أن يشغل أغنية، فيصدح صوت المغني أبو عرب "يا توتة الدار صبرك ع الزمان اللي جار، لا بد ما نعود مهما طوّل المشوار".

 

 

 

تحليق عابر لطيور الذاكرة 12

مترجم صليب 3/3: وجوه

د. سامي الكيلاني

 

تقفز إلى الذاكرة وجوه وأسماء كثيرة من بين الذين كنت أترجم لهم، وجوه التصقت بالأسماء وبقيت تنبض حية في الذاكرة، وفي تعاريج دروب الأيام وازدحام الذاكرة هناك وجوه غابت عنها الأسماء، وهناك أسماء أصبحت بدون وجوه. قليل من المشاكل والقصص التي ترجمتها ودخلت ملفات الصليب الأحمر نجحت في الوصول إلى النتيجة المرجوة من طرحها، وكثير غيرها بقيت داخل الملفات لأن الجهود التي بذلت من أجلها لم تستطع اختراق حائط الرفض اللئيم والتنكر لحقوق الإنسان الذي اصطدمت به.

الأخرس الحكّاء

"الأخرس"، هكذا كنا ندعوه في السجن، من غير ضغينة أو شعور بالإساءة. كان باسم الوجه دائماً، يبادرك بتحية صادقة تشعر أنها تخرج من القلب، ثم همهمة وبسمة يظهر إثرها سنه الذهبي، تعتبر أبلغ من كل أنواع التحيات. ورغم عدم قدرته على الكلام، إلاّ أنه كان نجم الحكايات في جلسات المساء والسهرات الليلية في الغرفة الكبيرة. هذه ميزة جيدة لغرف السجن في سجن نابلس المركزي، رغم الجوانب السلبية الأخرى، فالعدد الكبير لنزلاء الغرفة يعطي للأمسيات، الاجتماعية والثقافية منها وتلك المخصصة للاحتفال بالمناسبات الوطنية أو بوداع من سيتحرر في اليوم التالي، حيوية وثراء لا يمكن لمن هم خارج أسوار المعتقل تخيلهما. كان حكواتياً ناجحاً يدمج بين لغة إشارة خاصة يفهمها الزملاء وأصوات همهة تتبدل نغمتها مع الموضوع لينسج من كل ذلك حكاية مفهومة نضحك لها، لو كنا نعرف صفة "ستاند أب كوميدي" وقتها لمنحناه اللقب بجدارة، إذ كانت معظم حكاياته كوميدية عن مواقف يشكل هو عمودها الفقري، سواء أكانت متعلقة بتجاربه المهنية كمعلم بلاط "بليط" أو عن تجاربه أثناء التحقيق معه عند اعتقاله. لا أذكر أول موضوع ترجمته له في لقاء مع مندوب الصليب الأحمر، لكن أذكر أن مندوب الصليب الأحمر سأله في إحدى الزيارات إن كان يرغب في الحصول على سماعة تساعده في السمع، فرحب بالفكرة وتهللت أساريره. وعده مندوب الصليب الأحمر بتأمين السماعة، وأفشى لي وللأخرس سراً بأن والدته أيضاً صماء وتستخدم لغة الإشارة، ففهمت سبب درجة التضامن التي أبداها المندوب بموضوع صديقي. في الزيارة التالية جاء المندوب ومعه رسالة من والدته، وطلب مني أن أترجمها له بعد أن نعود إلى داخل الغرف، إذ كانت مقابلات متابعة القضايا تتم في قاعة الزيارة وليس في الغرف، وترجمتها من الإنجليزية إلى العربية ثم إلى لغة الإشارة مستعيناً بصديق أضلع مني فيها، وكان مع الرسالة صورة والدته وتحياتها لهذا السجين الفلسطيني وتمنياتها له بالحرية. حصل الأخرس بعد فترة على سماعة الأذن التي جلبها الصليب الأحمر وصار يسمع، لكنه لم يتحملها، كانت تسبب له ضجيجاً لم يعتد عليه، وكان يتضايق أكثر ما يتضايق من تضخيم صوت خطوات المساجين في ساحة السجن أثناء وقت التنزه "الفورة"، فتركها.

بعد تحرره من السجن التقيته أكثر من مرة في شوارع المدينة. نقف ونتحدث قليلاً، أسأله عن حاله، فيبتسم كعادته، تلك البسمة التي تبان تحت شاربه المرتب بعناية، ثم يعطي إشارة السرور من وضعه ويتبعها بإشارة الحمد والشكر لله. المرة الأخيرة التي التقيته فيها سألته عن أسرته، عن الزوجة بإشارة الإصبع والخاتم وعن أطفاله بإشارة اليد المتدرجة بالارتفاع، ابتسم ابتسامة عريضة وشعت عيناه بالفرح والسعادة. غبت عن المدينة وعنه. بعد عودتي لم ألتق به إلاّ مرة واحدة، كان حزيناً، وحزنه سيجر حزناً مضاعفاً لمن يعرفه ويعرف بسمته التي لا تنسى: لقد ثكل باستشهاد ابنه الأكبر، فتوقف عن العمل والفرح، وبدأ يجوب شوارع المدينة وأزقة البلدة القديمة حاملاً حزنه في عينيه. ضغطت على يده بقوة محاولاً أن أوصل له ما في قلبي من تضامن وعزاء، لكن تعابير وجهه بقيت أسيرة حزن من الصعب تحريكه. لم يدم ذلك طويلاً، رحل ليلحق بولده.

زرت بيته بعد سنة في ساحة القريون، الساحة التي شهدت دفن أسرة كاملة تحت أنقاض منزل جرفته جرافة احتلالية لتفتح الطريق لجيشها لدخول البلدة القديمة في الاجتياح العسكري لمدينة نابلس، وبلدتها القديمة بشكل خاص، في العام 2002. كانت زيارتي ضمن عمل مركز الخدمة المجتمعية (التابع لجامعة النجاح الوطنية والذي أعتز بأني قد أسسته في العام 1999) في إصلاح بيوت الأسر المحتاجة ولم أكن أعرف أن البيت الذي جئت لزيارته كان بيته. قابلت سيدة البيت وعرفت أنها أرملته، قلت لها إنني عرفت زوجها المرحوم لسنوات طويلة وسأبقى أتذكر صورته. حدثتني عن قصة استشهاد ابنها. الولد الذي ورث الصمم عن والده، كان في الشارع مع بقية الأطفال في الحي، اقترب جنود الاحتلال، لم يسمع صوت الرصاص، هرب الأطفال، ولكنه لم يفعل، أصابته رصاصاتهم إصابة خطيرة، مكث في المستشفى لأشهر على الأجهزة الطبية، كانت ترابط بجانبه، تمسك يده، تمسح جبينه، تنتعش إذ ترى بسمته الخفيفة، استجابته الوحيدة للمسة الحنان. لم يستطع الطب أن يمنع رحيله. كنت قد سمعت القصة، ولكن لم أعرف حينها أن الفتى كان ابن صديقي الأخرس.

أخرسان آخران

لم يكن ذلك الصديق الأخرسَ الوحيد الذي عرفته في السجن.

كان هناك أخوان من ضمن نزلاء غرفة الموقوفين رقم 5 في سجن نابلس المركزي. كان الأخ الأكبر منهما اجتماعياً أكثر من الأصغر. كان يحدثنا عن ذكرياته، ولكنه لم يكن حكّاءً مثل الأخرس، ولكن إشارات يديه وعينيه كانت مفهومة دائماً، وخاصة تلك الغمزة التي تعني أن على المستمع أن يفهم ما وراء الحديث/ الإشارة، فللجدران عيون وآذان. كانا متهمين بمساعدة المتظاهرين وضرب الحجارة على جيش الاحتلال. دائماً كانا يصمدان في التحقيق، ويخرجان دون مماسك عليهما تؤدي إلى محاكمتهما وحكمهما بالسجن.

كان الأكبر خياطاً، وله محل خياطة مقابل المدرسة الفاطمية، كما شرح لي وفهمت منه أثناء فترة توقيفه، قبل أن أخرج من المعتقل وأتعرف على المحل وأكون ضيفه في كثير من المرات حين أذهب إلى عملي في الجامعة أو أعود منها، فيصر على أن أحتسي معه كأساً من الشاي الحلو قبل أن أقلع عن تحلية الشاي. كان طيباً إلى أبعد الحدود، فحين حاولت أن أدفع له أجرة تقصير بنطلون أحضرته له جنّ جنونه، وبدأ يشرح لي بعشرات الإشارات المتداخلة بين إشارة الصداقة والرفض والضغط على اليد أن الأمر مستحيل، فنحن أصدقاء، مكرراً إشارة السبابتين المتآختين مراراً. هذه الطيبة غابت تماماً في إحدى المرات، حين رأيناه يهجم على أخيه الأصغر بعد حوار قصير بينهما، هجم بقوة وكاد يخنقه تماماً، وتطلب الأمر تدخل أكثر من شخص شباباً وشيباً من نزلاء الغرفة حتى استطعنا تخليصه من بين يديه. أخذته جانباً أنا وصديق آخر، بذلنا جهداً لتهدئته، وحين هدأ تجرأت على سؤاله عن السبب فأوضح أن أخاه الأصغر قد قال له بأنه تعب وسيعترف عن مشاركتهما في المظاهرات وضرب الحجارة. رحل وتغير المحل، ولكن صورته تعود إلى الذاكرة كلما مررت ماشياً هبوطاً على الدرج المحاذي للمدرسة الفاطمية للبنات، صورته وهو يتحدث بهدوء حديث الأسرار ويختتمه بإشارة السر، أن الأمر سري، إشارة قفل الفم بالمفتاح، أتذكره هبوطاً فقط، حيث لم أعد أسلك هذا الطريق صعوداً بعد أن صرت أستبدله بالمشي داخل البلدة القديمة وأخرج من البوابة الغربية حرصاً على القلب الذي استضاف أربع شبكات داعمة لشرايينه من جهة واستمتاعاً بدروب البلدة القديمة من جهة أخرى.

شنب أبو محسن الحركة

طلبني الصليب الأحمر للترجمة في غير موعد الزيارة الروتينية. عادة يرافقني شرطي من شرطة السجن لغرفة الزيارة عند الحاجة للترجمة في حالة المقابلات الفردية. وهذه عادة مقابلات متابعة حين يأتي مندوب الصليب الأحمر لمتابعة قضايا طرحها السجناء في الزيارات الدورية وتحصل لجنة الصليب الأحمر على إجابات بخصوصها، أو تكون بناء على طلب السجين أو الأهل من أجل التوقيع على تفويض من السجين لأهله لمتابعة بعض شؤونه الحياتية، وهذه الشؤون تتنوع بين متابعات مالية أو متعلقة بملكيات عقارية، وفي بعض الأحيان تتعلق بعقد زواج للسجين على خطيبة له خارج السجن، وفي بعضها لحالات طلاق. لم يتوقف الشرطي عند قاعة الزيارة، واستمر نحو الباب التالي، وطلب من الحارس فتح الباب ومضينا، أخيراً وصلنا إلى غرفة قريبة من قسم العزل الذي يحتوي الزنازين الانفرادية والإكسات، حيث يوضع فيه المعتقلون أثناء فترة التحقيق أو المعاقبون بالحبس الانفرادي. دخلت، وجدت سجيناً بملابس التحقيق يجلس مقابل مندوب الصليب الأحمر، وهناك كرسي ثالث، سلمت على مندوب الصليب، والذي بادر سريعاً لتوضيح الأمر بلغة غاية في اللطف والحرص على عدم إساءة الفهم. قال بأنه أصر على وجود مترجم لهذه المقابلات التي تتم مع أشخاص في قسم الزنازين الانفرادية، وأن إدارة السجن وافقت بشرط أن تتم الأسئلة فقط عن الصحة والمعاملة وأن المترجم يجب أن يترجم حرفياً ولا يخرج عن ذلك في حديثه. قلت له إنني أتفهم ذلك وأنني أعتبر هذا النوع من زيارة الصليب مكسباً ولا يمكن أن نساهم في ضياعه.

كان المعتقل الجالس مقابل مندوب الصليب منشغلاً بتدخين السيجارة التي ضيفه إياها المندوب، يبدو أنه مدخن محروم من السجائر كماً ونوعاً، فماذا تفعل سجائر "الحنتريش" الأربعة ذات الرائحة القاتلة التي توزع على السجناء مع مدخن اعتاد على تدخين علبة سجائر من نوع معتادٍ عليه. جلست وتباطأت بالحديث عسى أن يمر الوقت ويحصل على سيجارة أخرى من المندوب. ثم طرح المندوب أسئلته المحددة ووصف المعتقل الوضع المتردي داخل الزنازين الانفرادية التي انتقل إليها بعد قضاء أسبوعين في إكسات التحقيق المكثف. شكا الاكتظاظ في الزنزانة التي يفترض أنها لفرد وفيها ثلاثة معتقلين، وغياب النظافة بوجود تنكة للبول في زاوية الزنزانة، وتحدث عن المعاملة القاسية والطعام السيء. نهض ليغادر ومد يده للسلام على المندوب الذي سلم عليه وتمنى له الصحة والإفراج، نقلت الترجمة وأضفت عليها "الله معك، شد حيلك"، فهم المندوب إضافتي ونظر نظرة ذات معنى، فأكدت له ألاّ يخاف فنحن حريصون على استمرار هذه المقابلات لمن هم تحت التحقيق. زيارة الأهل المنتظرين لمكتب الصليب الأحمر وتبليغهم بأن مندوب الصليب قد زار ولدهم وأنه بخير وصحته جيدة فرحة لا تعادلها أية فرحة. تذكرت قلق والدتي ووالدي ومحاولاتهما الحصول ولو على كلمة تطمئنهم عني بعد الاعتقال، كما حدثاني في أول زيارة، وكم كانت فرحتهم عندما علما من سجين خرج ورآني وقال لهم أنني بخير.

دخل السجين الثاني، أحضره الشرطي إلى الباب، نظرت، إنه هو، ولكنه ليس هو. الوجه وجهه، التقت عيوننا، لم أظهر أي انفعال وهو لم يظهر كذلك. جلس الأستاذ، شعره لم يدخله مشط، أكيد أنه لم ير نفسه، أو ربما رأى صورته في المرآة الموجودة عند مدخل غرفة التسجيل حين العودة من غرف التحقيق إلى الزنازين، ولا بد أنه تفاجأ كما تفاجأت أنا عندما رأيت نفسي في تلك المرآة للمرة الأولى بعد الاعتقال، كنت يومها حليق الرأس كما كنت في الصفوف الابتدائية، وبملابس قسم الإكسات خلال فترة التحقيق، ب"أفرهول" بني أصبح أسود اللون من الأوساخ التي حملها، كانوا قد أخذوا كل ملابسي، صدمت وفعلاً لم أعرف للوهلة الأولى أن الذي أراه في انعكاس المرآة كان أنا. قلت في داخلي على الأقل الأستاذ بملابسه، مع أن القميص الأبيض لم يعد أبيضاً، ولكن لحسن الحظ فإن البنطال الأسود لم يتغير لونه، وربطة العنق المعتادة ليست في مكانها. ركبتني روح السخرية المرة. نظرت باتجاه شاربه وتبسمت، رد الابتسامة بمثلها، وهز رأسه، بسمة سخرية، لو أن المقام غير المقام لألحق ابتسامته أو ضحكته العالية بكلمات سخرية ممزوجة بروح المرح والدعابة التي عرفته بها. كان بودي أن أمازحه متذكراً كلماته في تلك الرحلة.

قبل اعتقالي بعدة شهور تعرفت عليه من خلال أصدقاء مشتركين حين خرجنا ومجموعة من الأصدقاء القدامى والجدد في نزهة إلى منطقة الباذان. كنا مجموعة من الشباب "المتنور" وبانتماءات سياسية مختلفة، ولكن الاختلاف في الانتماء السياسي لم يكن له أي أثر سلبي في طيب العلاقة ودرجة الود. وفي وسط الجو المنعش حول المياه المنسابة من ينابيع الباذان وتحت شجر يلقي بظلاله الوارفة وبعد ما طاب من المأكولات والمشروبات، وقف الأستاذ وبكامل النشوة والانبساط وصاح "سَمَعْ"، ثم وضع يده على شاربه الكث البني اللون والمرتب، كأنه مرسوم "بالبيكار" كما يقال، وقال "أنا أبو محسن الحركة" ثم تنحنح وأضاف "طالما هو ما غيره على ظهور خيلها عمر هالشارب ما بذل". ضحكنا يومها حتى أصابنا وجع البطن على خطابه والوقفة التي وقفها أثناء الخطاب، وعلى ردوده العنيفة على كل من حاول مازحاً التشكيك في خطابه، الذي كان يرد على كل تعليق بالتأكيد الصارم أن شارب أبي محسن الحركة لن يذل. وبعد ذلك اليوم كنت كلما لقيته أسأله مطمئناً عن الشارب، فيقول مؤكداً بأنه لن يذل. وجاء اعتقالي ومرور أكثر من سنة في السجن لتنقطع عني أخبار أبي محسن الحركة وعدم قدرتي على الاطمئنان على شاربه.

منعت نفسي من تكرار النظر إلى وجه الأستاذ، وحاولت أن أمنع نفسي عن التحديق في شاربه الذي لم يعد مرتباً وأصبح طويلاً بشكل فوضوي، وذلك في الوقت القصير الذي كان فيه مندوب الصليب الأحمر يرتب أوراقه المتعلقة باللقاء السابق. وكدنا أن ننفجر ضحكاً حزيناً، فشر البلية ما يضحك. سأله المندوب عن اسمه، وتاريخ اعتقاله، فأجاب، وكان بودي أن أضيف على الاسم "المعروف بأبو محسن الحركة"، وتبين أنه كان معتقلاً منذ ثلاثة أسابيع وأنه اعتقل أثناء عودته من السفر على جسر دامية، هذا الجسر الذي كان معبر سكان شمال الضفة الغربية من فلسطين وإليها بتصاريح من الحكم العسكري الاحتلالي. سأله المندوب عدداً من الأسئلة عن صحته وأوضاعه فأجاب موضحاً أن صحته جيدة وأنه يرغب بأن يطمئن أهله، وكأنه يوجه الكلام لي أيضاً. نهض ومد يده مسلّماً وشاكراً مندوب الصليب، فمددت يدي وسلمت عليه وبصوت خافت سألته "والشارب؟" فأجاب متبسماً "تبهدل" ثم مد يده ممسداً شاربه مخففاً من فوضاه.

لسنوات عديدة تلت، كنت كلما التقيته في مناسبة ما، وطنية أو اجتماعية، أو في وسط المدينة، أسأله عن الشارب، فيكون رده موازياً للحالة العامة، وكأن شارب أبو محسن الحركة قد أصبح بارومتر الحالة. كانت ردوده صريحة دائماً، على خلاف ما يمكن أن يقوله كشخصية عامة، بعد أن أصبح شخصية عامة معروفة في ظل السلطة الوطنية الفلسطينية.

رحل أبو محسن الحركة وأنا خارج الوطن، رحل الأستاذ، وكم تمنيت أن أكون موجوداً لأسير في جنازته واجباً تمليه الصداقة والود وتفاصيل أيام الزمن الجميل رغم كل مرارته، زمن النضال والأمل رغم كل الألم والمعاناة، تمنيت لو كنت في جنازته لأقترب من رأسه وأهمس في أذنه "سيبقى الشارب عزيزاً ولن يذل يا أبو محسن الحركة".

23-7-2022

 

 

(تحليق عابر لطيور الذاكرة 11)

مترجم صليب (2/3)

تواصل بعد السجن

د. سامي الكيلاني

 

بعد تحرري من الاعتقال الأول في أواخر العام 1980 حافظت بقدر استطاعتي وما تسمح به ظروف عمل الصليب الأحمر على علاقات مع بعض المندوبين، حيث كتبت رسائل شكر وتقدير لعدد منهم وسلمتها لمكتب الصليب الأحمر المحلي على أمل التواصل معهم، وأرفقت لهم نسخاً من مجموعتي القصصية الأولى "أخضر يا زعتر" والتي كتبت معظم قصصها أثناء فترة الاعتقال المذكورة. كما بدأت بالرد على رسائل كانت ترسل لي من مجموعات تابعة لمنظمة العفو الدولية (أمنستي) إلى السجن فاحتجزتها إدارة السجن ووضعتها في "أماناتي"، إضافة إلى أية مراسلة على بطاقة بريدية (post card) من أي مصدر كان، لآخذها عند التحرر. إحدى هذه البطاقات كانت من مجموعة أمنستي في هلسنكي، فنلندة والتي كانت أول مجموعة تتبناني كسجين ضمير[1]، وكذلك بطاقة بريدية من الحبيبة نهى كان من الممكن أن تعطيني جرعة من الدعم الهائل لو وصلتني في توقيتها. لقد أُسِرت تلك الرسائل بموازاة أَسْري، ولكن جذوة التضامن والحب فيها لم تستطع برودة صندوق الأمانات إطفاءها، حيث وضعت فيه إلى جانب متعلقاتي الشخصية التي أخذت مني عند دخول المعتقل: الساعة والحزام وبعض النقود. لم تنطفئ جذوتها، تماماً كما فشلت الزنازين في إطفاء جذوة الحنين والتصميم في نفوسنا خلف القضبان. بدأت تصلني ردود من عدد من مندوبي الصليب الأحمر ومن أصدقاء في مجموعات أمنستي من عدد من الدول، من فنلندا وسويسرا وفرنسا والولايات المتحدة وغيرها. كانت كلمات مندوبي الصليب الأحمر الذين ردوا على رسائلي تعكس الروح الإنسانية التي تحلّوا بها في علاقتهم معنا كسجناء سياسيين، تلك الروح التي كانت تقيّدها قوانين المحتلين من حكم عسكري وإدارة السجون وجهاز المخابرات.

عندما أعود إلى الوثائق والصور لأتصفح بعض هذه الرسائل وما تحمل من كلمات صادقة، أشعر كأنني أقرؤها لأول مرة. لقد غاصت تلك الوثائق تحت طبقات من التجارب الحياتية الذاتية والوطنية من اعتقالات ومنع السفر لفترات طويلة. أعود لأقرأها فتمدّني بفرح وطاقة إيجابية بعد كل هذه السنوات، وهذه بعض الرسائل الأولى التي وصلتني في حينه.

من جينيف كتبت كلير رسالة في 26-10-81 وأضافت في نهايتها توقيعها بخط اليد اسمها باللغة العربية.

"عزيزي سامي،

ما أجمل هذا العنوان الفواح الرائحة[2] لكتابك، وما أطيب مفاجأة استلامه! لقد سقط على مكتبي كشعاع شمس خلال هذا الأسبوع الرطب الرمادي، وأعاد لي كل قصص نابلس (وكذلك آخر الأحاديث، ولكننا لن نتحدث عن هذا.....). حاولت أن أقرأ بعض القصص، ولكنها كانت صعبة من النظرة الأولى بالنسبة لي، وقاموسي لم يعط الكلمات باللغة العامية. ألا تستطيع التفكير بالمترجمين المساكين عندما تكتب؟

آمل أن عملك في التعليم يسير بسلاسة، بدون أية إعاقات أخرى مزعجة. يشعر الواحد براحة وهو يقرأ شكسبير ويكتب للكيلاني!

أشتاق لكل شيء هناك، ولكنني بحال جيد هنا. لقد بدأ الثلج بالنزول هنا. أتمنى لك الأفضل ومزيداً من الكتب.

بإخلاص"

ومن عمان كتب جون في 10/10/81

"عزيزي سامي،

لا تتخيل مدى سروري عندما استلمت كتابك مع الكلمات اللطيفة التي كتبتها عليه. الآن لا أعذار عندي بأن لا أحسّن لغتي العربية.

تحدثت مع كلير تلفونياً وكانت مسرورة مثلي تماماً عندما أخبرتها أن الكتاب في الطريق إليها.

أـحب عملي في عمان، ولكن لا شيء مطلقاً يجعلني أنسى الضفة الغربية.

إذا حصل في أي وقت وزرت هنا، أرجو أن تزورني.

مع أفضل الأمنيات.

أراك قريباً."

ومن سان سلفادور كتب جورج في 17/3/1981

"سررت جداً حين علمت أنك حر مرة أخرى وأنك مع عائلتك. أنا لن أنساك أبداً وسأتذكرك كأحد أفضل الأصدقاء الذين تركتهم في الضفة الغربية. آمل أن أراك ثانية، ولكن لسوء الحظ لا أستطيع أن أقول متى يمكن ذلك. أنت تعرف طبعاً أن مندوبي اللجنة الدولية للصليب الأحمر يسافرون دائماً حول العالم. ربما سأتوقف في يوم ما في الضفة الغربية لعدة أيام وعندها كن على ثقة أنني سأزورك في نابلس.

منذ عامين أعمل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر في أمريكا الجنوبية وأمريكا الوسطى: الأرجنتين، ونيكاراغوا، والسلفادور (إضافة إلى 6 شهور في تايلند وعلى الحدود مع كمبوديا). منذ حزيران 1980 أعمل رئيساً لبعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في السلفادور. نحن الآن عشرة مندوبين، ومع الوقت تصبح البعثة بعثة كبيرة تواجه مشاكل كبيرة: زيارة المعتقلين السياسيين، وحماية الجرحى والسكان المدنيين، وتقديم المساعدة (الغذاء والدواء) للمدنيين.

إنه فعلاً ليس عملاً سهلاً، ولكننا نحاول كل ما بوسعنا العمل بأفضل ما يمكن، كالعادة.... عندما نتعب أو عندما نثبط فإنني أقول لنفسي بأنه ليس هناك أحد غيرنا ليقوم بما نقوم به، ولذلك سأستمر.

آمل أن تكون 1981 سنة جيدة لك ولعائلتك.

مع أطيب أمنياتي وتحياتي

ملاحظة: تتذكر أن لغتي الإنجليزية كانت سيئة جداً، إنها ليست أحسن الآن، حيث إنني أتكلم الإسبانية منذ عامين."

كافأني الصليب بحزن عزيز

حتى الآن لم أستطع أن أكتب عن تلك التجربة الصعبة. ولكن هناك ما يجعلني أعتقد أن علاقتي بالصليب الأحمر خلال فترة الاعتقال قد جعلتهم يبذلون جهداً استثنائياً في المطالبة بالسماح لي بحضور جنازة والدي، لروحه الرحمة والسلام، الذي توفي قبل تاريخ الإفراج عني بيومين. كنت أعد الأيام في انتظار لحظة الإفراج، وكنت على يقين بأن الوالد والوالدة والإخوة والأختين يعدون الأيام كذلك. تلك التجربة التي لم أستطع الكتابة عنها لسنوات، فقط بعد أربعة عقود كتبت ما يلي.

في الثامن من كانون الأول 1980 كان قد تبقى على انتهاء فترة حكمي بالسجن ثلاثة أيام. بعد الظهر تم استدعائي إلى إدارة السجن، فاعتقدت أن ذلك سيكون كالعادة لقاء مع ضابط مخابرات ليسمعني الاسطوانة التي يسمعونها أحياناً لمن سيتم الإفراج عنهم "ستخرج، ولكن ستكون عيوننا عليك، وسيكون حكمك في المرة القادمة قاسياً …إلخ". قابلني ضابط من إدارة السجن، عربي، تحدث بلهجة مختلفة تماماً، وقال إنه آسف لإخباري خبراً سيئاً، أن والدي قد توفي.

مرت لحظات، كانت صورته في آخر مرة حضر فيها لزيارتي تحتل كل كياني، لم يحضر بعدها وكنت كلما سألت عنه أجابتني الوالدة بأنه مشغول أو تنازل عن حقه بالزيارة من أجل أحد الأخوة. طلبت كأس ماء، ولم أتحدث بشيء. واصل الضابط حديثه "تم السماح لك بحضور الجنازة، وستأتي سيارة عسكرية لأخذك هناك". حضرت دورية من حرس الحدود (أي حدود؟!)، تم تقييدي مع شرطي، وانطلقت السيارة إلى يعبد.

وصلت البيت، استقبلتني الوالدة بكل الصبر وشدت من أزري، كعادتها، قبّلت جبينه، ثم تحركت الجنازة وأنا مقيد مع الشرطي وتباريها السيارة العسكرية. كان المشيعون بأعداد كبيرة، منظر لا ولن أنساه.

بعد الدفن ارتجلت كلمتين عن ألمي وعن عزائي بأنني أنتمي لهذه البلدة ولهؤلاء الناس.

عدت إلى السجن لأقضي اليومين المتبقيين من الثلاث سنوات، ولأخرج بعدها لأجلس في بيت العزاء في اليوم الأخير مستقبلاً المعزين الذين يمزجون في السلام عليّ بين تعزيتي بوفاة الوالد وتهنئتي بالتحرر.

تجربة حاولت كثيراً أن أكتب عنها، ولكنني أفشل في كل مرة في أن أعطيها حقها في كتابة إبداعية تستحقها.

أربعة عقود مرت على ذلك اليوم وصورتك يا أبي حاضرة حية، كم تمنيت أن أخرج من المعتقل وأحضنك وأسدد لك بعضاً قليلاً مما صنعته لي من عرقك وكدّ يدك.

(تحليق عابر لطيور الذاكرة 11)

 


 

[1] السجين الذي يعتقل بسبب مواقفه السياسية والفكرية ونشاطه من أجل هذه المواقف ولم يقم بأي نشاط عنفي.

[2] إشارة إلى رائحة الزعتر في عنوان الكتاب "أخضر يا زعتر".

 

(تحليق عابر لطيور الذاكرة 10)

مترجم صليب

د.سامي الكيلاني

 

أفتح منجم الذاكرة الورقي، أحد الصناديق التي تحتوي رسائل وقصاصات من مجلات وجرائد، تبرز من بينها مجموعة رسائل من اللجنة الدولية للصليب الأحمر. أتصفح رسالة من هذه الرسائل مؤرخة بتاريخ 4 تموز/ يوليو 1979 وموقعة من مندوب اللجنة الذي يتابع سجن نابلس المركزي. تقول الرسالة أنه بعد فحص ملفي الطبي تبين أن الدكتور روس لم يوصِ لي بأية معالجة إضافية، وأنه في 1-5-79 عمل الممرض حقنة من أجل القيام بفحوصات. وتطلب الرسالة مني بلطف أن أراجع اللفتاننت بيركوفتس (لا أذكر من هو هذا المدعو اللفتنات، ربما المقصود الطبيب العسكري) وهو مستعد لتزويدي بأية تفاصيل إضافية. طبعاً لم تؤخذ مني حقنة، أو عينة، فالرعاية الطبية في السجون والمعتقلات من أسوأ ما يكون في عيادة السجن، ويرتبط التحويل إلى مستشفى سجن الرملة برحلة عذاب، إذ يتعرض المرضى المنقولون للضرب أو الإهانات، وكأن شرطة السجون الذين يحرسون "البوسطة" التي تنقل السجناء يستكثرون على السجين هذه "المكرمة" أو هذا الدلال بأن يؤخذ إلى مستشفى ليتلقى رعاية طبية، ناهيك عن سوء المعاملة ونوع العلاج الذي من الممكن أن يتلقاه السجين المريض في المستشفى. أما موضوع الرسالة فكان نتيجة شكوى نقلتها لمندوب الصليب الأحمر تتعلق بحساسية جلدية آلمتني وأزعجتني كثيراً دون أن أتلقى علاجاً لها، ولم يكن أمامي إلاّ أن أقوم بحكها بشدة وأنا أعلم أن هذه الطريقة ستفاقم المشكلة، ولكن لم يكن أمامي من طريقة أخرى.

وتضيف الرسالة في الفقرة التالية "شكراً مرة أخرى على عملك القيّم بالترجمة أثناء زيارتنا الأخيرة لنابلس"، وتختتم الرسالة بعبارة لطيفة، تختلف عن الخاتمة التقليدية المعتادة، "مع أطيب أمنياتي الشخصية". أعتقد أن المندوب الذي أرسل هذه الرسالة هو المندوب الذي تواصلت معه بعد خروجي من السجن أثناء عمله في السلفادور ورد عليّ برسالة شخصية مطولة. لقد قمت في فترات اعتقالي المختلفة، السنوات الثلاث الأولى في سجن نابلس المركزي* بدور المترجم لمندوبي اللجنة الدولية للصليب الأحمر أثناء زياراتهم للسجون التي تضم المعتقلين الفلسطينيين، وفي والفترات التي تلتها في سجن جنيد المركزي، وفي معتقلات عسكرية كالفارعة وكتسعوت كما يسميه السجانون، ويسميه المعتقلون أنصار (3) نسبة إلى أنصار (1) في جنوب لبنان وأنصار (2) في غزة. إذن كان هناك شكر سابق على جهود الترجمة، ولكن رسائل الشكر السابقة غير موجودة مع أخواتها التي وجدتها.

وفي رسالة لاحقة بتاريخ 17 كانون أول/ ديسمبر 1979 من مندوب آخر خَلِفَ المندوب السابق، يقول فيها " أود أن أعبر عن شكري على مساعدتك كمترجم خلال زيارة اللجنة الدولية للصليب الأحمر الأخيرة لمعتقل نابلس" وتختم بعبارة اعتيادية "very truly yours" كما في الرسائل الرسمية لكن إضافة "very" تضفي عليها لمسة من الخصوصية. بعد عودتي للعمل في الجامعة إثر تحرري من اعتقال دام ثلاث سنوات، وأثناء رحلة مع طلبة الجامعة إلى جبل الشيخ، التقيت هناك هذا المندوب صدفة. كم كان سروري بلقائه لأن معرفته كانت في تلك الظروف الصعبة ولأنه كان إنسانياً في تعامله. تحدثنا قليلاً واعتذر لأنه سيغادر الجبل مع أصدقائه، تمنى لي تزلجاً جيداً على ثلوج جبل الشيخ. شكرته دون أن أقول له بأنني لا أعرف التزلج، ولم يخطر ببالي حينها أنني سأطأ ثلوجاً بهذه السماكة في يوم من الأيام**.

كانت الترجمة للصليب الأحمر نافذة على العالم الخارجي تخرجني من الروتين اليومي لغرفة السجن الكبيرة في سجن نابلس، تلك الغرفة التي تحوي أكثر من خمسين معتقلاً، ينامون على قطع اسفنجية رقيقة تسمى ظلماً "فرشات" مع ثلاث أو أربع بطانيات رقيقة لا ترد البرد في الليالي الباردة، فرشات مرصوصة، دون أية مسافة فاصلة بينها، على محيط الغرفة، وحين يزيد عدد المعتقلين ينام العدد الزائد في وسط الغرفة. كان الخروج للترجمة يعني رؤية سجناء من أقسام أخرى، وأحياناً في قسم الزنازين الانفرادية، وأحياناً في قسم السجناء الجنائيين المفصول كلياً عن أقسام السجناء الأمنيين، كما تطلق عليهم إدارة السجن، أي قسم الأسرى المناضلين الذين يدفعون من أيام عمرهم ثمناً غالياً يرخص أمام القضية التي يناضلون من أجلها.

تقفز إلى الذاكرة ذكريات ترتبط بدور مترجم صليب الذي كنت أقوم به، ذكريات تبدأ من داخل السجن مرتبطة بترجمة معينة في إحدى زيارات الصليب الأحمر، وتتشعب منها سلسلة تذكّرات في شعاب الحياة وشجونها بعد التحرر. خيط الذاكرة من أطول الخيوط وأكثرها تشعباً وانحناءات وارتدادات في مساره. تتذكر الموقف الفلاني، فتتذكر ذلك الرفيق، فتضحك حين تتذكر المقلب الذي عمله مع ثالث، فتأتي إلى ذاكرتك تفاصيل لقائك بالثالث مصادفة في تعاريج الحياة بعد سنوات من الفراق، فتتذكر حديثكما عن مجموعة من الأصدقاء أنت تسأل عن واحد أو أكثر، فيجيب ويسألك عن آخرين. تنتج التذكّرات من هذا النوع شبكة ذكريات متشعبة في خيوط متصلة في كل الاتجاهات كشبكة العنكبوت.

كان مندوبو الصليب الأحمر إنسانيين بشكل عام، لكنك تشعر بفروق فردية بينهم في درجة شعورهم مع المعتقلين وتعاطفهم مع القضايا التي يطرحها السجناء الذين تترجم أقوالهم، ولكن هذه الفروق لا تخرج من دائرة الإنسانية والإخلاص المهني. كان البعض يظهر تعاطفاً شديداً في تعابيره، بينما البعض الآخر يتعامل مع الأمر بصورة الممكن عمله وغير الممكن بأسلوب تقريري دون إظهار مشاعر. كنت ألاحظ شعورهم بالعجز إزاء ما يطرحه السجناء من مشاكل وعدم قدرتهم على تقديم الدعم المطلوب والذي يتمنون القيام به وذلك بسبب تعنت إدارة السجون ومن خلفها إدارات الاحتلال من حكم عسكري ومخابرات. هذا التعنت الذي يعود في حقيقته إلى محاولات الاحتلال محاربة الروح المعنوية للمناضلين خلف القضبان والنيل من عزيمتهم. في المقابل يقوم المناضلون من خلال برامجهم التثقيفية والتنظيمية بتحويل المعتقلات إلى مدارس وجامعات يتعلمون فيها الصمود وصيانة إنسانيتهم وروحهم المعنوية ويستغلونها فرصة لتعبئة الطاقات وشحذ الهمم لمواصلة النضال بعد التحرر. كان المناضلون يضيقون ذرعاً أحياناً ب"عجز" الصليب الأحمر، ويلقون باللائمة على المندوبين ويتهمونهم بالتقصير. لم يكن ممكناً لمن يعرفون حدود وقيود عمل المندوبين مثلي توضيح الوضع إزاء ذلك، ففي مواجهة شكوى المظلوم لا يمكنك أن تطرح رأياً موضوعياً يوضح الموقف الذي يجد فيه الصليب الأحمر نفسه عاجزاً في مواجهة احتلال غاشم، لأن المظلوم أحياناً لا يسمع سوى صوت آلامه، وهذا ما كان يحدث معي بين معرفة الوضع الحرج للجنة الدولية للصليب الأحمر في التعامل مع هذا الاحتلال الغاشم وبين انفجار معتقل ما لم يستطع الصليب الأحمر معالجة شكواه، فأصمت. ولكن في أغلب الأوقات كنا جميعاً نثمن الجهود التي يقوم بها هؤلاء المندوبون، وفي الحد الأدنى فإنهم يمنعون تراجع الأوضاع في السجون والمعتقلات من قبل احتلال لا تنتهي شهوته للتضييق والبطش والتعذيب.

وضحة بنت الصليب

كانت أول مندوبة للصليب الأحمر دخلت السجن في تلك الفترة. كانت "كلير"، شابة جميلة لطيفة تتقن العربية بشكل جيد. قالت يومها من باب التعريف بنفسها أن اسمها يعني بالعربية "وضحة" وأن بإمكاننا أن نناديها بهذا الاسم. تذكرت الأسماء البدوية والمسلسلات البدوية في التلفزيون الأردني، وقلت لها ذلك فأجابت "ليكن ذلك". كانت زيارتها لمتابعة قضايا سابقة كما أذكر. دخل السجين الأول، فرأيت الصدمة والانفعال على وجهه، مزيج من التساؤل والصدمة والخجل. لقد كان يتوقع رجلاً، ربما لم ير أنثى منذ سنوات، غير والدته أو شقيقته أو نساء عائلته. كان يقال بأن الصليب الأحمر يرسل مندوبين رجالاً فقط خوفاً على المندوبات النساء من المساجين، وربما كان هذا موقف إدارة السجون، لا الصليب الأحمر، بقصد الإساءة للمعتقلين الفلسطينيين. ناقش السجين قضيته، وشكر المندوبة على السيجارة التي قدمتها له وعاد إلى غرفته، طبعاً يحضر السجين ويعاد مع سجان عبر أبواب عديدة تفتح وتقفل مع كل مرور. ربما لاحظت المندوبة تعابير وجهه، فأكدت أنها سمعت عن تخوفات من زيارة السجون، ولكنها قالت إنها كانت متأكدة من أدب وأخلاق السجناء الأمنيين الفلسطينيين، وهذا تأكد لها بالفعل من الزيارة. سألتني فجأة وهي تمد أصابع يدها في الهواء "ماذا تذكرك هذه، أو ماذا تعني لك هذه؟" اضطربت، فكرت "هل أشار إليها أحد معتقلينا بإشارة سيئة، أجبتها "لست متأكداً، ماذا تقصدين؟". قالت "قرأت قصتك القصيرة، "الأصابع"، أنا أقرأ العربية جيداً". يا الله أين ذهب تفكيري. إذن لقد اطلعت كلير على المجموعة القصصية المشتركة (27 قصة قصيرة: من القصص الفلسطيني في المناطق المحتلة- منشورات آفاق 1977) التي أصدرناها كمجموعة من كتاب القصة القصيرة في الوطن المحتل وصدرت قبل دخولي المعتقل بشهرين، بعد أن أسسنا مجموعة كتاب البيادر، أول تجمع للكتاب الفلسطينيين تحت الاحتلال. يومها هرعت إلى المرحوم والدي وأعطيته نسخة منها وقرأت في عينيه فرحاً حقيقياً، وأهديت نسختين منها لاثنين من معلمي مدرستي الثانوية، مدرسة يعبد الثانوية، اللذين كانا يتفهمان اهتماماتي الأدبية على العكس من تصرف أستاذي الشيخ الذي كان يسخر من اهتماماتي الأدبية وكثرة قراءاتي الخارجية، وعلى العكس من تصرف أستاذ اللغة العربية الذي يخاف السياسة فزجرني عن الكتابة لهذا السبب.

بعد زيارة "وضحة" تكررت زيارات مندوبات الصليب الأحمر للسجون والمعتقلات العسكرية إلى جانب المندوبين الرجال، وأصبحت هذه الزيارات أمراً عادياً، وترجمت للكثيرات والكثيرين منهم.

عرفت الصليب الأحمر قبل ذلك

تعود صورة الصليب الأحمر في ذاكرتي إلى سنوات عدة قبل هذه العلاقة، قبل أن أكون مترجم صليب. فأقدم هذه الذكريات تعود إلى الاستماع لرسائل الفلسطينيين الذي بقوا تحت الاحتلال الإسرائيلي في العام 1948 من خلال "دار الإذاعة الإسرائيلية" في برنامج نسيت اسمه، وقد يكون رسائل المستمعين، إذ كان الواحد أو الواحدة من هؤلاء الفلسطينيين يرسل رسائل شوقه إلى الأحباء في مختلف أماكن الشتات لطمأنتهم عن وضعه والطلب منهم أن يطمئنوه عن أوضاعهم. وتختتم الرسالة الصوتية عادة بعبارة "راسلونا من خلال الإذاعة أو الصليب الأحمر". لأن إذاعات البلدان العربية المحيطة كان لها برامج مماثلة، وتكثفت هذه البرامج بعد احتلال 1967، ويبرز في الذاكرة منها برنامج "رسائل شوق" من الإذاعة الأردنية بصوت كوثر النشاشيبي. ونتيجة لترداد تعبير الصليب الأحمر في تلك الرسائل، كنت أعتقد أن له قوة هائلة يستطيع فرضها على الدول والأفراد. فحين دار نقاش أمامي، أنا الذي لم أكن قد بلغت الخامسة عشرة، بين أقاربي وأنسبائهم حول ضرورة إرسال خطيبة ابنهم إلى خطيبها في الأردن فتمنّع أولئك واشترطوا دفع المتبقي من المهر وعمل حفل يليق بها ويفوق قدرة أهل الخطيب، تدخلت وأدليت بدلوي قائلاً لأقاربي أن يطلبوا من ابنهم أن يطلب من الصليب الأحمر أن يحضر له زوجته لأنه قد أتم كتب كتابه عليها فهي زوجته، معتقداً أن للصليب الأحمر هذه القدرة.

وبعد الاحتلال الإسرائيلي بأيام حضر إلى البلدة وفد من الصليب الأحمر، ولا أدري ماذا كانت مهمة ذلك الوفد، فهل كانت للتحقيق في المذبحة التي جرت في ساحة البلدة حيث أطلق الجنود المحتلون النار على عدد من الرجال الذين كانوا قد جمّعوهم في الساحة تحت شمس حزيران الحارقة وحاول أحدهم الانتقال إلى الظل فظنوه يريد الهرب وفتحوا نيرانهم على الجميع فسقط من سقط شهيداً، وجرح آخرون، ونجا غيرهم. المهم أن الوفد كان يمشي في الشارع الرئيسي يرافقهم الممرض الوحيد في البلدة يترجم أحاديث الناس. وعندما توقفوا قرب العيادة وتجمع حولهم بعض الفضوليين يستمعون ويتساءلون، وكنت واحداً منهم، ففهمت أن بإمكانهم حمل رسائل إلى الأقارب في الخارج. تدبرت أمري بالحصول على ورقة، وكتبت رسالة إلى خالي الموجود في أبو ظبي أطمئنه عن حالنا وأبلغه سلام الجميع، وكنت أحفظ عنوانه، وما زلت (أبو ظبي ص.ب 402) وأعطيتهم الرسالة، فاستفسرت مندوبة الصليب الأحمر "أين تقع أبو ظبي هذه" فأجابهم الممرض أنها قرب السعودية، وأخذوا الرسالة. عدت فرحاً لأخبر والدتي ثم جدي بما عملت، فشكروني فحسب دون تقديم أية جائزة سوى شعوري بأن والدتي شعرت بفخر لما قمت به، وهذه كانت أفضل الجوائز عندي، وبقيت كذلك لآخر يوم رأيتها فيه، حيث كانت تعبر، لروحها السلام، عن اعتزازها بشطارتي ورضاها عني مما يعوض عن كل صعوبات الحياة التي تعيشها أسرتنا. بعد سنوات طويلة حين التقيت خالي الذي عاد ليستقر في الأردن، حدثني عن المفاجأة السارة التي حصلت له حين وصلته رسالة من الهلال الأحمر السعودي وفتح مغلفها ليجد بداخله رسالتي تلك.

(تحليق عابر لطيور الذاكرة 10)

* يستخدم المعتقلون تعبير "المركزي" للدلالة على السجون التابعة لمديرية السجون تمييزاً لها عن المعتقلات العسكرية ومراكز التحقيق.

**بعد 18 عاماً صرت صديقاً للثلوج في مدينة مونتريال، أمشي عليها سميكة دون خوف، ولكنني لم أحاول تعلم التزلج لا على الثلج ولا على الجليد.

 

 

(تحليق عابر لطيور الذاكرة 9)

ضاع س وكسبت الشرتوني

د.سامي الكيلاني:

 

يقف كتاب مبادئ اللغة العربية (الصرف والنحو) للمعلم رشيد سليم الشرتوني طبعة 1950 على رف مكتبتي شامخاً معتداً بتاريخه بين الكتب التي تصطف على رفوف المكتبة، ولا يسبقه في العمر سوى كتاب أذكار من إرث جدي الشيخ الصوفي على الطريقة الجيلانية، كتاباً مجلداً بطريقة بسيطة مع خطب الجمعة التي كان يستعملها أيام كان خطيباً في قرية قريبة. ستتحدث أوراق كتاب الشرتوني الصفراء، إن نطقت، عن الأيدي التي تناقلته وقلّبت صفحاته، وستعكس صفحاته لو انقلبت مرايا مئات الوجوه التي تحركت عيونها على سطوره. يقف الكتاب على الرف بفخر مرتدياً الغلاف الأسود المقوى الذي لبسه بكعب محزز تزينه الكتابة الذهبية التي رسمت على هذا الكعب. ما بين اليد الأولى التي استلمته واليد التي منحتني إياه أجيال، وما بين النسخة ذات الغلاف الورقي المصفر التي وصلتني وهذا الغلاف الأسود الكرتوني الصلب الجميل مسافات قطعها الكتاب، حتى ارتدى هذا الرداء في مطبعة دمشقية على يد صديقي س. سنوات من التنقل بمبدأ الإعارة لأنني امتلكته ولم أشأ التخلي عنه، فقد استعملته في سنوات المدرسة الثانوية واعتمدت عليه فيما بعد كمرجع سهل للرجوع السريع لاستيضاح أمر ملتبس عليّ أثناء كتابة مقالة أو منشور أو نص أدبي، أو للاحتكام إليه في خلاف لغوي بيني وبين آخرين. تذكرني كلمتي "الاحتكام" و"الكرتوني" بقصة رواها لي في الثمانينات من القرن الماضي الصديق الشاعر سعود الأسدي في حديث ذكريات على هامش مهرجان لجان العمل الثقافي الديمقراطي بعد أن أسعدنا بشعره وزجله. اختلف سعود حين كان طالباً في المدرسة الثانوية مع أحد معلميه في موضوع لغوي، وكان سعود موقناً أنه على صواب، فأحضر كتاب الشرتوني وقال لمعلمه "ها هو الشرتوني يقول ما أقول"، فاستفز المعلم وأصر على موقفه قائلاً "شرتوني، كرتوني، ما دخلني"، مضيفاً ما معناه "أنا أفهم منك ومن الشرتوني في هذا الأمر".

يرتبط كتاب الشرتوني عندي بذكريات، من أجملها حين طلبت استعارته إحدى بنات الجيران التي تكبرني بصفين دراسيين بعد أن أرسلت أختها الصغيرة بورقة ولم أكن في البيت، فحملته حين عودتي وأوصلته إليها، وحظيت بترحيب واحترام من والدتها وضيافة شاي وربما قطعة كعك من عملها، حيث كانت طالبات المدارس والصبايا معتادات على عمل هذا "الكيكس" من دروس التدريب المنزلي، كما كانت تدعى هذه المادة الدراسية. قالت إنها سوف تستعيره لبضعة أيام وستعيده مع أختها مكررة شكرها، وضبطت نفسي عن التسرع والقول إنني سآتي لأخذه بنفسي، من باب الخوف من الظهور بأن الزيارة والعودة إليها هي الأساس.

في المقابل، يحمل الكتاب ذكرى مؤلمة، ذكرى مصير صداقتي مع صديقي (س)، لست أدري أأعتذر للكتاب عن ارتباط اسمه بهذه التجربة، أم أن الكتاب سيعتذر لي لأنه يذكرني بها. ذكرى تواكبت مع العمل النضالي وإجراءات الاحتلال ضدي. قُتلت صداقتنا في المد والجزر المصاحب لمعمعان النضال وما يجره القمع والترهيب الاحتلالي، وما ينتج عن هذا المعمعان من الإصرار على الموقف والصمود والتحدي في مواجهة إجراءات الاحتلال ودفع ثمن ذلك سنوات من العمر خلف القضبان أو تحت الإقامة الجبرية أو في استدعاءات للتحقيق، وخسارات أخف من تحييد البعض مع قدرتهم على المحافظة على علاقة خفيفة تتمثل بالاحترام الداخلي للمناضلين والخشية من الانضمام إلى مواقفهم وترك مسافة تبقي على العلاقة وتتقي الشبهات، ومن انهزام البعض بقطع العلاقات مع المناضلين خوفاً من أن يصبح المرء منهم مشبوهاً أمام الاحتلال، وصولاً إلى سقوط البعض أمام ضغوط المحتلين العقابية أو إغراءاتهم، سقوطاً مختلف الدرجات على سلم الذل ودور العمالة الذي يتضمنه هذا السقوط. ما زلت غير ملمٍّ بتفاصيل سقوط (س) وابتعاده المفاجئ عني في تلك الأيام، في ذلك المعمعان، ولا تطاوعني نفسي أن أبحث عن تلك التفاصيل، لأن نكأ الجراح مؤلم كألم الإصابة بها، وربما أكثر.

س كان صديق طفولة، ما زالت صداقتنا أيام المدرسة وأيام الدراسة الجامعية وما بعدها بسنوات ماثلة في ذاكرتي، رغم السنين الطويلة التي مرت على ضياعه، ماثلة بكامل حلاوتها، رغم تعاسة السنوات التي تلتها. أشعر أن تلك الأيام لم تشوه بسواد السنوات التي تلتها، أو ربما يمكن القول بطريقة أكثر دلالة، تصبح حميمية تلك الأيام أشد وضوحاً وتلألؤاً عندما توضعان معاً. أيام المدرسة كم درسنا سوية، في بيتهم الذي كان يفوق بيتنا بدرجات في كل جوانب حياته ومكوناته، أقصد في مستوى معيشة ساكنيه، نتذوق فيه معاً ما تصنعه والدته من الكعك مع الشاي، وكم زارني في بيتنا وشربنا الشاي الثقيل الداكن مع الشجيرة (الميرمية) كما نحبه في أسرتنا مع أقراص الزعتر والحميض.

كلما زرت البلدة ومررت قرب بيته، أو قرب مكان لعبنا فيه معاً أيام المدرسة، تدور في ذهني أغنية فيروز "ضاع شادي"، ضاع س. أحزن على ضياعه، أحزن على سقوطه من فرازة الأيام، حزناً كحزن الفقدان، ولكنه فقدان نحو الهاوية، فقدان نقيض لفقدان الذين ودعناهم بألم وفخر نحو قمة المجد وخلود الذكرى، ولكن في كلا الأمرين ألم مع الفارق الشاسع بينهما.

عنما تيقنت من ضياع س، بدأت أسترجع مؤشرات ما قبل ضياعه.

كان س يزورني في بيت العائلة، بيت والدتي حيث كنت أقيم تحت الإقامة الجبرية المفروضة عليّ في بلدتي يعبد، بعيداً عن بيتي وأسرتي الصغيرة في نابلس، وبعيداً عن عملي مدرساً في جامعة النجاح الوطنية، هكذا أراد الاحتلال أن يعاقبني بعد أن فشل في إدانتي بتهمة التحريض أمام محكمة عسكرية إثر صدور ديواني الشعري الأول بعنوان "وعد جديد لعز الدين القسام". بالمناسبة كان القسام اسماً غير قابل للقسمة، كما صار بعد ذلك يا للأسف، كان اسماً يرمز إلى نضال الفقراء ضد الاستعمار والاستيطان وضد سيطرة القيادات التقليدية على الحركة الوطنية، ولذلك صار اسمه قاسماً مشتركاً لكل الوطنيين، وصارت صوره تحتل مكانها على جدران مكاتب أحزاب اليسار باعتباره رمزاً للثورة الشعبية. من حق كتاب الشرتوني أن يحتج ويعاتبني إن أبقيت اسمه مرتبطاً بتلك الذكرى المؤلمة. ولذلك ومن أجل عيون الشرتوني سأعرج في تحليق آخر على تجربة تلك المحاكمة وما دار فيها، وأنصفه بالإشارة إلى دوره في إنتاجي الأدبي لأخفف عنه وطأة هذا الارتباط المؤلم، فمن حقه ذلك، ألم أتعلم منه قواعد اللغة وأثّر ذلك في كتابتي شعراً ونثراً؟

في إحدى الأمسيات زارني س في البيت، وأثناء وجوده حضر لزيارتي أبو أحمد، واحد من الرجال القلائل الذين كانوا يزورونني أو يجلسون معي في المقهى دون خوف من أن يصبح الواحد مشبوهاً من قبل الاحتلال، فقد كانت سلطات الاحتلال تحاول إبعاد الناس عني خلال تلك الإقامة بأساليب مختلفة، إلى درجة أن حاجزاً عسكرياً وضع على مدخل البلدة في أحد الأيام أوقف باص البلدة المتجه إلى المدينة وصادر الجنود بطاقات الهوية من كل من يحملون اسم حمولتي وطلب منهم الذهاب إلى مقر الحكم العسكري، وتم حجزهم هناك حتى المساء دون أن يتحدث معهم أي ضباط الاحتلال. عند المساء طلب أحدهم إلى الضابط الذي أسمعه بضع كلمات وطلب منه أن يبلغ الجميع بأن السبب في حجزهم أنهم من أقاربي. أبو أحمد مناضل بالفطرة، وأبناؤه كانوا من الشباب الذين انضموا للعمل الوطني وتبنوا الفكر التقدمي. بدأ أبو أحمد يتحدث بطريقته المميزة المليئة بالأمثلة والعبر حول ما حصل معه عند استدعائه لمقر الحكم العسكري. قال إنه تسلم استدعاء للحضور إلى مقر الحكم العسكري في المدينة في الساعة الثامنة صباحاً، وأن عليه مراجعة الضابط فلان في مكتبه. في اليوم المحدد ذهب إلى أرضه، طبعاً أبو أحمد لا يبخل على مستمعيه بتفاصيل   التفاصيل حتى تكون الحكاية كاملة التشويق، مركزاً على أن الأرض كانت محروثة وجاهزة، الأرض الموجودة في الجهة الفلانية من البلدة، والتي كانت جاهزة للبذار الشتوي. عمل ما كان عليه من بذر القمح استعداداً للمطر، وما أن أنهى بذر البذار حتى نزل المطر، واعتبر أبو أحمد ذلك، طبعاً، فأل خير ورضا من الله، إذ انهمر المطر بعد أن أنهى عملية البذار. دون أن يغير ملابس العمل انطلق إلى موقف سيارات الأجرة في البلدة ومن هناك توجه إلى المدينة. حين دخل مكتب الضابط صاح به الأخير: لماذا لم تأت على الموعد؟ أخرج أبو أحمد من جيبه الطلب المبتل ووضعه أمام الضابط، سأله الأخير "ما هذا؟"، أجاب أبو أحمد "هذا هو الجواب على سؤالك، كنت في الحقل من أجل خبز عائلتي، هذا أهم بالنسبة لي". صرخ الضابط عليه وهدّد وتوعّد بأن أولاده في المنظمات وسيدفعون الثمن، فأجاب أبو أحمد ببساطة "إذا عليهم إشي، احبسهم، أولادي كبار ومسؤولين عن حالهم"، طرده الضابط مجدداً تهديداته. عندما وصل إلى هذا الجزء من حكايته صار حديثه مختصراً على غير عادته، وأصبحت نبرة صوته أعلى من المعتاد، وتحول في الحديث ليصب جام غضبه على العملاء الذين وصفهم بأبشع الأوصاف، لم يكن فمه الذي يتحدث فقط، كانت يداه تتحركان وسبابته تعلو وتهبط، وكانت عيناه تقدحان شرراً، كما يقال. كان خلال حديثه كله يوجه نظره وكلامه نحو س، كان لا يخرج من جملة شتائم وتهديد حتى يدخل في أخرى مستعملاً أقسى الكلمات، وكانت نظراته نحو س تنطق بقسوة تفوق قسوة كلماته. بعد قليل استأذن س وخرج. استغربت ما حدث، وعاتبت أبا أحمد "لماذا كنت توجه حديثك نحوه؟"، أجاب "ستريك الأيام لماذا".

بعد أيام التقيت س في الشارع الرئيسي، سلمت عليه، كان بارداً في رده، وطلبت منه كتاب الشرتوني لأنني بحاجة إليه للرجوع إليه في الكتابة عندما يلتبس عليّ أمر في قواعد اللغة. قال "انتظرني سأحضره". جلست انتظره في المقهى القريب. عاد سريعاً وبشكل جاف جداً قال "هذا الكتاب، ولكن لي عندك خمسين ديناراً، أريدها". صدمت، فهمت أن س يريد أن يقطع علاقته معي، قلت "حقك، لقد رجوتك أن تأخذها حين خرجت من السجن منذ ثلاث سنوات، ولكنك كنت ترفض"، قال باختصار كمن لا يريد ألاّ يوسع الحديث "والآن أريدها". طلبت المبلغ من صديق صاحب محل تجاري قرب المقهى وناولته إياه. سألني صديقي عن الموضوع أخبرته قصة المبلغ. كنت قبل اعتقالي ومكوثي في السجن ثلاث سنوات قد اقترضت من س المبلغ لأدفعه كدفعة مقدمة ثمناً لبلاط أوصيت عليه للبيت الذي كانت عائلتي قد بدأت ببنائه، ووعدت س أن أرد له المبلغ في نهاية الشهر عند استلام الراتب، ولكنني اعتقلت قبل نهاية ذلك الشهر. عند خروجي من المعتقل أردت أن أسدد الدين لكن س يومها رفض ذلك رفضاً قاطعاً من باب صداقتنا.

انتهت السنة الثالثة من الإقامة الجبرية باعتقالي اعتقالاً إدارياً لمدة ستة شهور، والاعتقال الإداري توأم الإقامة الجبرية، فهما من الأوامر الإدارية التي يصدرها الحكم العسكري الاحتلالي دون حاجة ليتعب نفسه في تحقيق أو لوائح اتهام ومحاكمات ضد من يعتبرهم نشطاء في العمل الوطني. انتهت فترة الاعتقال الإداري وعدت إلى العمل في الجامعة. بعد أقل من سنة اعتقلت اعتقالاً إدارياً مرة أخرى قبيل اندلاع الانتفاضة الشعبية الأولى. خلال تلك الفترة كانت زيارتي للبلدة قصيرة بسبب ظروف العمل، ولم يصدف أن التقيت س في أية زيارة.

بعد اندلاع الانتفاضة، تغيرت الأجواء، وصار الشباب الوطنيون يحظون بالاحترام والتقدير من الناس، وصارت كلمتهم مسموعة ويتقرب منهم حتى من كان يخشى الحديث معهم خوفاً من إجراءات الاحتلال. لم أعش تلك الأجواء في السنة الأولى، ولكنني كنت أسمع عنها من المعتقلين الجدد الذين بدأوا بالوصول إلى المعتقل. وفي وسط الأخبار المفرحة عن الانتفاضة والتفاف الناس حول فعالياتها وحول مناضليها، ومع وصول خبر استشهاد شقيقي أحمد اغتيالاً على يد القوات الخاصة التي أسسها الاحتلال لتصفية المناضلين البارزين، وسط كل ذلك سمعت عن شكوك متزايدة حول س، وسمعت بعدها أن شباب الانتفاضة أحرقوا سيارة، وأنه خرج من البلدة.

 

 

أصوات حنين وقلق

(تحليق عابر لطيور الذاكرة 8)

نص: سامي الكيلاني

 

كان يعمل بقربي على مسطح العشب الأخضر الصغير، يدفع آلة جزّ العشب الذي استطال أكثر من اللازم، مسطحات العشب الأخضر يكمن جمالها في ترتيبها، وعندما ينمو العشب لا بد من تهذيبه حتى تستعيد المساحات الخضراء رونقها، ألا نعمل ذلك حين ينمو شعر الرأس. حين نشعر أن الأمر بحاجة للذهاب إلى صالون الحلاقة نتخذ قراراً ثم نبدأ بالتأجيل حتى يصبح الأمر لا يستساغ ولا يحتمل فنهرع دون تأخير، وهكذا هو الأمر مع مسطح العشب الأخضر في الحديقة الخلفية من البيت. أراقب الحركة وأرى العشب المقصوص يتجمع في كتل خضراء داكنة فوق عشب صار مهذباً، الكتل الخضراء سيتم جمعها أو ستترك لتجف وسيطيرها الريح. بعد دقائق وجدتني أنغمس في الأصوات، الصوت الناجم عن عملية الجز، كلما اندفعت الآلة بقوة إلى الأمام تصدر صوت قص العشب، ثم تعود للخلف للهجوم مرة أخرى على مساحة جديدة، صوت الاندفاع خشناً عالياً يتلوه سكوت أو صوت ناعم لسحب الآلة إلى الخلف والتراجع للتحول لمساحة جديدة سيتم جزّها. الرتابة الناتجة عن استمرار تتابع صوت الهجوم على الأعشاب وتراجع ذكرتني بصوت كان رفيق طفولتي، صوت تذكرته مراراً وأتذكره كلما سمعت صوتاً رتيباً يصعد ثم يخفت.

سبق وغرقت في هذه الرتابة وأنا أسمع صوت آلات الطباعة القديمة قبل التطور المتسارع في عالم الطباعة، الحركة الرتيبة في شفط الورقة ورفعها ثم دفعها لتمر تحت "بليتات" الطباعة التي تمر على الحبر تأخذ منه حصتها لتتركها على الورق، وقبل ذلك لتمر الورقة تحت الصفحات المصفوفة حرفاً حرفاً بعد أن أعدها "صفيف" محترف يلتقط الحروف المعدنية من خاناتها ويضعها في إطار يتم شده حتى يصبح قطعة واحدة بمساحة الصفحة المطلوبة ثم بحجم الملزمة المطلوبة. كم استمتعت بالذهاب إلى المطبعة لمتابعة طباعة مجلة أو مطبوعة شاركت في إصدارها أو لمتابعة طباعة كتابي الأول، أستمتع في التواجد في المطبعة لمراجعة البروفا الأولى للعمل المطبوع، وأراقب الصفيف حين ينزع الحرف أو الحروف الخطأ ويستبدلها ثم يعود ليشد الصفحة لتدخل إلى آلة الطباعة الكبيرة، ثم يبدأ الصوت الرتيب جيئة وذهاباً، صعوداً وهبوطاً. صفيف الحروف مهنة انقرضت ككثير من المهن، مع التطور التكنولوجي، وكانت طباعة اللينوتايب أول تطور أزاحها عن ساحة الطباعة، فأصبحت الطباعة حينها من خلال لوحة مفاتيح ينتج عنها سطراً كاملاً من الزنك المصهور، ثم يتم رص الأسطر معاً لتكوين الصفحة، وإذا تطلبت المراجعة تغيير حتى حرف واحد في السطر فينبغي إلقاء السطر المعدني ليذوب وإنتاج سطر مصحح بدلاً عنه. وجاء العالم الرقمي والحواسيب والطباعة الإلكترونية لتلقي بكل تلك التفاصيل إلى عالم الإهمال، إلاّ ما كان محظوظاً منها ونجا ليدخل في عالم المتاحف. الحديث عن الطباعة ذو شجون، وأصعبها طباعة الرسائل الجامعية على الآلة الكاتبة قبل أجهزة الحاسوب، إذ كان يتطلب تصحيح ولو حرف واحد في الصفحة إعادة طباعتها كاملة. لحسن حظي أنني لم أعش تلك التجربة، فالرسالة الجامعية الأولى التي عملتها كانت في زمن الحاسوب، وكانت سبباً في تعلمي الطباعة على لوحة المفاتيح، مع عدم وجود فارة لتحريك "الكرسر"، وتعلمت معها فك أبجديات عالم الحاسوب البسيطة من خلال العمل على أول حاسوب اقتنيته، وكانت سعة ذاكرته 128 كيلو بايت فقط، ويتم تخزين المادة على قرص مرن كبير خارجي.

الصوت الرتيب هذا كان يأتي كذلك من طابعة الحاسوب الإبرية التي امتلكتها في السنوات الأولى لانتشار الطابعات الحاسوبية، وهي تطبع سطراً سطراً، نتيجة ضرب الإبر المتناهية الصغر على شريط أسود لتنطبع الحروف والكلمات على الورق، تتحرك الطباعة على السطر أفقياً مطلقة صوتاً مميزاً، ثم تعود إلى بداية السطر اللاحق لتبدأ من جديد على صفحات من سلسلة ورق مثقب الأطراف يتحرك مع حركة الطباعة. كنت أخشى صوتها وأعمل جهدي ألاّ أطبع ليلاً لأن صوتها يصل الشارع، وقد يجذب دورية من جنود الاحتلال مارة في الشارع، وهم لا يحتاجون طبعاً لمبرر لاقتحام مصدر الصوت وتفحصه.

صوت آلة جزّ العشب وصوت الطباعة يستدعيان عندي صوت فرم الدخان، صوتاً أصبح الآن عنصر نوستالجيا يعيدني كلما سمعته إلى تلك الأيام، أيام فرم الدخان وتهريبه، الصوت الذي كان مصدر خوف وقلق دائمين من أن يجذب الجمارك أو عسسها، الجمارك التي تطارد مهربي الدخان المفروم الجاهز للتسويق، وتطارد من يمتلكون ماكنات فرم الدخان ومن يعملون عليها، سواء من قبل الجمارك الأردنية أيام كانت الضفة الغربية جزءاً من المملكة الأردنية قبل احتلالها الإسرائيلي في العام 1967، أو من قبل جمارك الاحتلال العسكري الإسرائيلي فيما بعد.

تتكون ماكنة الدخان من ثلاثة أجزاء رئيسية: القاعدة والصندوق وسكين، وكان تصميمها وإنتاجها بحاجة إلى عمل نجار وحداد، وقد اجتمعت المهنتان لدى قريب لوالدي من جهة الجدة، وكان مبدعاً في عمله، كما كان يعمل في شحذ السكين باستخدام النار والمبرد، نار من فحم حجري يتقد بفعل كورٍ يدوي، كنت أراقب توهج النار وتحول السكين السميك إلى قطعة حمراء عندما يخرجها ليطرقها ثم يشحذ طرفها الحاد بمبرد خشن أولاً ثم يتبعها بمبرد ناعم. كان الصوت الرتيب في عملها ينجم عن اندفاع كتلة الدخان المضغوط في الصندوق من خلال تدوير عجل مسنن يحرك باليد اليسار ليدفع الدخان المضغوط إلى مقدمة الصندوق فتهوي عليه السكين المرتكزة إلى القاعدة لتقصه خيوطاً كالشعر. ما زلت أذكر باستغراب كيف ورد ذكر هذه الآلة في درس من دروس العلوم كمثال على القوة والمقاومة ونقطة الارتكاز: نقطة الارتكاز في الطرف الثابت والقوة في الطرف الآخر والمقاومة في الوسط، مثال غير عادي على توزيع هذه العناصر الثلاث. الصوت الرتيب من تكرار هذه العملية هو الذي يحضر طازجاً بكل ما يحمله من مشاعر عند سماعي كل صوت شبيه له. 

كان العمل في الدخان وتصنيعه وتهريبه مصدر رزقنا، مصدر لقمة عيشنا وكسائنا. تعود ذاكرتي إلى تلك الأيام التي كان فيها الوالد رحمه الله يجهز كمية من الدخان ويفرمها عند بعض الأشخاص الذين يمتلكون ماكنة فتصبح خيوط تبغ ناعمة جاهزة للف السجائر وتدخينها، كان ذلك قبل أن يمتلك ماكنة لفرم الدخان. كان يجهّز حمله من التبغ ليحمله على ظهره أو على دابة ويذهب لتسويقه في بلدات وقرى مختلفة، وكان المزارعون الفقراء في الأغوار ضمن زبائنه، أذكر أحاديثه عنهم وعن زياراته لهم، إذ كثيراً ما عاد بأحاديث وقصص من تلك الرحلات يسمعنا إياها. كان يغيب أياماً طويلة في المرة الواحدة، تصل الأسبوعين أحياناً، أياماً نعيشها مع الوالدة رحمها الله أنا وإخوتي الأصغر منتظرين، على أحر من الجمر، عودته وما يحمله من هدايا بسيطة ودنانير قليلة لتسعف حالنا الذي يكون قد وصل الصفر أثناء غيابه، حالاً كانت الوالدة قادرة بحسن تدبيرها وحنانها على جعله هيناً علينا ودون أن يشعر به أحد، حتى والدها، وتوصينا ألاّ نشكو أمام أي شخص ما نمر به.

ما زالت غارات الجمارك على بيتنا ماثلة في ذاكرتي، سواء للبحث عن التبغ المفروم أو عنه وعن الماكنة فيما بعد. غارات كثيرة فشلت في العثور على المطلوب لأننا نكون قد أخرجناه وخبأناه في مكان آمن، وفي بعضها تتم مصادرة التبغ والماكنة. كان نجاح الجمارك في العثور على الدخان المحضر للفرم أو التبغ الجاهز والماكنة يشكل نكبة حقيقية للخسارة المادية المتمثلة في أثمانها إضافة إلى الغرامة التي تفرض على ذلك. كانت مطاردة الجمارك للمشتغلين في تهريب الدخان تقض مضاجع هذه العائلات، ووصل الأمر بالحكومة الأردنية إلى تخصيص مركز للجمارك في البلدة يتكون من مدير وثلاثة أو أربعة أفراد وسيارة سائقها، مما فاقم حياة المشتغلين في التهريب. خلال السنتين الأخيرتين قبل الاحتلال، وربما أكثر من سنتين، توصل المهربون وطاقم الجمارك إلى اتفاقية تسكت الجمارك وتجعلهم يغضون النظر، حيث فرض على كل صاحب ماكنة وكل مهرب قسط شهري يدفع للعاملين في المركز ويوزعونه فيما بينهم. وحصلت هدنة بين الطرفين. رفض والدي هذا الأمر باعتباره رشوة، ورفض الخضوع له لأن الراشي والمرتشي والرائش بينهما في النار، كما قال معبراً عن قناعته. أصبح الهدف الوحيد تقريباً لنشاط كل طاقم مركز الجمارك، مما جعلنا في حالة دائمة من الترقب والخوف والعرضة للتفتيش. حاول كثيرون إقناع الوالد بأن يحذو حذو الجميع ليرتاح ويريح غيره، وتحول ضغط المتدخلين على جدي لأمي ليستعمل قدرته على الإقناع. قبل حزيران النكسة أو الهزيمة نجحت جهود جدي واستسلم والدي مسلماً أمره لله وطالباً منه المغفرة على هذا الذنب التي قام به مضطراً.

 

 

أصوات لم يخنقها القيد

(تحليق عابر لطيور الذاكرة 7)

د. سامي الكيلاني

 

الاعتناء بالنتاجات الثقافية للمعتقلين واجب وطني إنساني لأنها تعكس تراث الحركة الأسيرة في نضالها الدؤوب لانتزاع حقوقهم من إدارات السجون، هذه النتاجات التي تتوزع بين الأعمال الإبداعية في الألوان الأدبية المختلفة والأعمال السياسية والفكرية. وقد تم نشر الكثير من هذه الأعمال بمبادرات متعددة، كان من بينها تجربة لجان العمل الثقافي الديمقراطي، التي كنت أمينها العام في الثمانينيات من القرن الماضي، يومها اخترنا عنوان "أصوات لم يخنقها القيد" لمبادرتنا وأصدرنا المجموعة الأولى منها أملين أن نستمر في ذلك في سلسلة أعمال متتابعة، ولكن العمل الثاني منها لم يرَ النور، رغم أنه كان جاهزاً في مواده. وقد احتوى تلك المجموعة قصصاً قصيرة وقصائد ورسائل. كان يومها العمل في الثقافة أخطر في نظر الاحتلال من العمل في الممنوعات والمخدرات في نظر حكومة شريفة، بلا تشبيه. كانت قائمة الكتب الممنوعة التي تصدر عن الرقيب العسكري الاحتلالي تطول كل يوم ويدخل عليها كتب جديدة من إصدارات فلسطينية أو خارجية، بحيث يمكن محاكمة من يضبط بحوزته كتاب مدرج على هذه القائمة، وقد تم تقديمي للمحكمة العسكرية بسبب إصدار مجموعتي الشعرية الأولى "وعد جديد لعز الدين القسام" وبسبب امتلاكي نسخاً منها بصفتها عملاً مدرجاً على قائمة الكتب الممنوعة، وكانت مجموعتي القصصية الأولى التي صدرت قبلها بعنوان "أخضر يا زعتر" قد لاقت المصير نفسه على قائمة الكتب الممنوعة وتسببت في التحقيق معي أكثر من مرة حولها.

نسبة كبيرة من محتويات هاتين المجموعتين كتبت في السجن وخرجت بفضل الكتابة على قصاصات ورقية يمكن "تهريبها" خارج السجن. للقصاصات في حياة المعتقل وفي حياة المناضلين خارجه موقع خاص في النفس. كانت القصاصات تحمل التعميم الأسبوعي في الغرف الاعتقالية، صغيرة الحجم حتى يسهل تناقلها تهريباً بين الأقسام بمساعدة مع عمال المطبخ أو المغسلة، وبين غرفة وأخرى خلال فترة التنزه "الفورة" في القسم الواحد. كانت القصاصة تتحرك عارية في النقل قصير المدى، وكانت تتحول إلى "كبسولة" أي تضغط وتغلف بالبلاستيك للنقل بعيد المدى استعداداً لبلعها إن تطلب الأمر ثم استخراجها حين يصل حاملها بر الأمان. القصاصة المأخوذة من الورقة الموجودة في علب السجائر كانت جيدة لأنها حجماً وشكلاً كافية للتعميم الأسبوعي على الرفاق في السجن مكتوباً بخط صغير لمناقشة قضايا في الحياة اليومية أو بعض المستجدات التنظيمية أو السياسية السريعة. كم أحن إلى الصدق المختزن في العبارة الختامية لتلك التعميمات، وكم كنا نأخذها جدياً ونعتبرها جزءاً من فعل عظيم نقوم به، عبارة "هذا ما هناك، مع خالص تحياتنا الرفاقية" متبوعة بالتاريخ.

كانت الكتابة فعلاً يثبت أننا نتحدى وننتصر في الحفاظ على الروح الحرة في داخلنا في مواجهة كل الإجراءات التي تستهدفها، ومعها أنواع الفعل الثقافي الأخرى من البرامج الثقافية والندوات والأمسيات مثل مسابقات سين جيم، أو الاحتفالات بالمناسبات الوطنية. كان همّ الواحد فينا الحفاظ على النص "الطازج" في مواجهة التفتيش المفاجئ، فضياع ما تكتب صعب جداً على النفس، فالسطر الذي تكتبه ويصادر السجان نسخته الأولى يورثك حزناً من نوع خاص، يبدأ بنكد وحيرة، ثم تبدأ بمحاولة استرجاع السطر الذي ضاع فتجد أن كل المحاولات غير قادرة على إعادة الأصالة في الخلق الأول.

أتذكر من الأعمال التي ضاعت قصة الضرير الهندي الذي أنقذ طفلاً غرق في بئر في إحدى القرى الهندية، ففتحت له هذه البطولة باب الحظوظ. ترجمتها من مجلة "ريدرز دايجست" وأضفت إليها تعليقاً أيديولوجياً، وبعد أن تترجمها بتصرف، وذكرت ذلك طبعاً، لأزيل عنها الفكرة الرأسمالية التي توهم الفقراء بوجود الفرصة المتساوية وما عليهم إلاّ أن يجتهدوا. ضاعت القصة المترجمة إلى جانب مواد أخرى في دفتر تمت مصادرته أثناء انتقالي من سجن نابلس المركزي إلى سجن جنين لحضور إحدى جلسات محاكمتي في المحكمة العسكرية في جنين. وفي الدفتر ذاته ضاعت القصة الأولى التي كتبتها بعد الاعتقال وكانت بعنوان "الإفراج"، ربما تفاؤلاً أو حلماً بإفراج قريب في حينه، إفراج أقرب من السنوات الثلاث التي قضيتها خلف القضبان حينه. قصة فيها خبرة الأيام الأولى في غرف السجن بعد زنازين التحقيق، وفيها صورة العدد الذي كان يسمى في سجن نابلس المركزي، ربما دون غيره من السجون، "تمام" فمزجت فيها بين "تمام" العدد الذي يعني أن الأمور تمام ولم يهرب أحد من المعتقلين وبين تمام الفتاة الريفية التي تبيع الحليب في المدينة. صودر الدفتر الذي حوى النسخة الأولى والوحيدة من القصة ولم أعد إلى كتابتها أو كتابة قصة شبيهة لها.

أما ترجمة كتاب "دولة اليهود" لثيودور هرتسل الذي ترجمته عن طبعة إنجليزية حصلنا عليها في السجن، ونجحت في إخراج الترجمة في دفتر، فقد ضاع بطريقة أخرى مؤلمة. أعطيته تطوعاً لأحد معارض أعمال المعتقلين الذي نظم في جامعة النجاح الوطنية من قبل مجلس الطلبة ليعرض مع نماذج من كتابات المعتقلين وإنتاجهم الفني، انتهى المعرض واختفى الدفتر بعد ذلك رغم الجهود والاستفسارات من المعنيين والمسؤولين عن المعرض. كان مكتوباً بخط يد أحد الزملاء الذي تبرع بنسخ نسخة إضافية عن النسخة الأولى. تلك الدفاتر كانت تعني الكثير بثمنها المعنوي، أو بالأحرى ما دفع من جوع في إضرابات سابقة ليكون امتلاكها حقاً طبيعياً، إضافة إلى ثمنها المادي، فقد كانت تشترى من "كانتين" السجن لتشاركنا في المبلغ المحدود الذي يسمح للأهل بإيداعه لنشتري بعض مستلزماتنا من الشاي والقهوة والحاجات البسيطة الأخرى، الدفتر مهم كدفتر وأكثر أهمية حين يكون أداة للبوح بمكنونات الصدور وأداة لاحتواء المواد التثقيفية الوطنية والفكرية التي تستعمل في الجلسات. تلك الدفاتر التي كان يتم تجليدها (كل 3 أو 4 منها) في مجلد واحد، ويتم بطرق إبداعية وبالمواد المتوفرة.

مجلدي المكون من أربعة دفاتر والذي حافظت عليه مجلداً مرتباً نظيفاً، واعتبرته المجموعة الكاملة لما كتبت في السجن، ضاع هو الآخر، لكن لحسن الحظ أن الكثير من الأعمال التي احتواها كانت قد خرجت ونشرت، ولكن أعمالاً أخرى تحمل خصوصية السجن ولا تصلح للنشر المباشر، ولكنها مهمة للتوثيق للباحثين وللذكرى بالنسبة لي، فقد ضاعت مع الدفتر. لتجليد الدفاتر والكتب في السجن قصة يطول الحديث عنها حيث كانت فناً إبداعياً يدوياً متميزاً يجسّد مبدأ الحاجة أم الاختراع تجسيداً رائعاً، وقد أبدعتُ في هذه الفنون خاصة في الخياطة ما قبل التجليد وفي صناعة مواد اللصق من موادها الخام، تجربة تستحق التوثيق بالتفصيل. خرجت مواد السجون بما فيها الدفاتر الشخصية ومحتويات المكتبة وأصبح جزء منها في مكتبة بلدية نابلس العامة والجزء الآخر في متحف الحركة الأسيرة في جامعة القدس، ولكن دفتري هذا لم أعثر عليه في أي من سجلات المكانين. كم هو غال ذلك الدفتر، نجا من مصادرات السجانين وصمد كل تلك السنوات، وذكره لي بعض من عاشوا في سجن نابلس المركزي قبل رحيل الاحتلال عن المكان، ثم اختفى فجأة. الدفتر الذي حوى قصصاً قصيرة وأشعاراً ومقالات وترجمات اختفى. اختفى كما اختفت المواد التي كان يصادرها السجانون ومن أهمها المجلات الشهرية التي كانت تصدر مكتوبة بخط اليد بنسخ بعدد أقسام السجن. كان يقال إنها تذهب للمخابرات وللمتدربين من ضباطها ليعرفوا ماذا يفكر المعتقلون، عمل مخطط من منظور التخطيط المجرد، ولكنه ساذج في علم الحرية الإنسانية، إننا نفكر في حريتنا الكبرى، ونكسر الحواجز المادية التي تقيد حريتنا اليومية الصغرى. نتجول في عالم الفكر والمعرفة ونرى بلداناً وأناساً وتجارب لا تقوى الحواجز على حجبها. هكذا قلت للذي استدعاني ل"يدردش" معي من أولئك الذين كانوا يأتون للحديث مع السجناء بصفة طلبة جامعات، والمعتقلون يعتقدون أنهم ضباط مخابرات متدربون، وقرروا مقاطعتهم. استدعاني أحدهم وسألني عن رأيي السياسي. أجبته بهدوء: "نحن الآن غير متساوين للحديث عن الآراء، أنا سجين من أجل رأيي وأنت طليق ولا يهمني من تكون، فلا منطق في الحوار ونحن بهاتين الصفتين". سألني إن كنت خائفاً من تبعة ما سأقول، وطمأنني بأني حر في قول ما أيد ولن أتضرر. كنت حازماً في الرد عليه "تاريخ إفراجي هو يوم كذا انتظرني على باب السجن وسأخبرك برأيي حتى لو كان ثمن ذلك عودتي للسجن". حاول المراوغة "على الأقل أنت تخرج من غرفة ضيقة إلى هذه الغرفة الواسعة المكيفة، لحظة استراحة من الغرفة الضيقة اعتبرها". أجبته "أنا لست في غرفة ضيقة، أنا أجوب العالم يومياً من خلال قراءاتي". راوغ مرة أخرى "أنا طالب جامعي يريد تدريب لغته العربية فلماذا لا تساعدني، أنت أستاذ جامعي". أجبته بالحزم ذاته "هناك طريقة أسهل عليك، اذهب للتسوق من محلات القدس الشرقية وسيتحدث معك التجار وتتدرب معهم بشكل أفضل مني". تركني وطلب من السجان إعادتي إلى غرفتي الضيقة الأوسع من عالمه. كانت النتيجة أن تعمم الموقف وتوقفت زيارات هؤلاء "الطلبة المتدربين". عالم دفتري كان أوسع من عالم الحرية المصطنع فبثثت له ما في نفسي.

وضاعت قصيدة الحب الجميلة التي كتبتها في معتقل أنصار 3 الصحراوي، كتبتها بلغة بين الدارجة والفصحى بعد أن وصلتني صور الأسرة في أول رسالة بعد انقطاع طويل في معتقل معزول عن العالم بدرجة كبيرة. أتذكر مطلع القصيدة الذي لم يضع مع ضياع الأصل "يا وردة قعدت بين وردات الدار، وقالت للورد طفّي"، وفي نهايات القصيدة مقطع يبدأ ب "سألني رفيق البرش" ما معناه من أين تأتي بهذه الرومانسية هنا في هذا السجن الصحراوي، فتجيبه القصيدة بمقطع يبدأ ب" هذا قلب يا رفيق بحب الجمال، بحب الحياة"، ضاعت القصيدة ولم يضع صداها في النفس ولا طعمها المتميز، بالنسبة لي، من الذاكرة. ضاعت بعد أن نسختها في وجهزتها في كبسولة وحملها أحد الرفاق يوم إفراجه.

(تحليق عابر لطيور الذاكرة 7)

 

 

(تحليق عابر لطيور الذاكرة -6)

قصاصة

د. سامي الكيلاني

 

وجدت بين أوراقي قصاصة تقول، قصدي أقول فيها لنفسي، "إذا قيّض لهذا العمل أن يرى النور فماذا ستكتب لتصف الأجواء التي كانت تتم فيها هذه الترجمات؟". والترجمات المقصودة هنا هي الترجمات من اللغة الإنجليزية إلى العربية التي كنت أقوم بها في السجن، في فترات مختلفة وفي سجون مختلفة. وقد صدر القسم الذي كان متوفرا بين يدي منها وقتها في كتاب تحت عنوان "فتح النوافذ الموصدة" عن وزارة الثقافة الفلسطينية في العام 2014، وهي ترجمات وضعت متداخلة أو متجاورة مع وصف الأجواء التي تمت فيها. وفي القصاصة نفسها سجلت بعض الأفكار التي ستضمها مقدمة الكتاب الموعود حين تجيء الفرصة. ووفاء مني لتلك الملاحظة وللقصاصة التي احتوتها، لأنها بالتأكيد كانت وقت كتابتها تمثل طموحا مشحونا بإرادة إنسانية مشتقة من الإرادة الجمعية للناس الأحرار، رغم القيد، الذين كنت واحدا منهم في فترات ومناسبات عديدة، خلف قضبان الأسر، وتحديدا أولئك الذين حملوا قلما وكتبوا مبدعين أدبا يؤدي رسالة حاضرة في زمن كتابته ورسالة دائمة تقول بأن الكلمة أقوى من السيف، ولو أغضب ذلك أبا الطيب المتنبي، ألم يكن هو كذلك مخطئاً في تنبّيه، مع عدم الإجحاف في الحكم على فنه الراقي. قالت كلمات أولئك الصحب في حينه، وتقول الآن، أن روح الإنسان هي الأقوى لأنها روح متقدة بالتوق المتجدد للحرية في كل لحظة كألسنة نار مقدسة تهب متصاعدة في وجه الظلام ومحاولات الطمس والنسيان كالنار الخالدة في نصب الجنود المجهولين. كانت تلك القصاصة مرتبطة بأيام وتجارب تجمع بين المعاناة والألم لظروف الاعتقال ووطأة أيام الاعتقال من جهة وصمود إنساني منحوت من بطولة الناس العاديين المتسلحين بإرادة صلبة وبما يتولد عنها من مواقف وتحركات تواجه مؤامرات وتعسف السجان ومن وراءه، إرادة أحن إليها دائماً وأفتقدها أحياناً أخرى، ويعتصرني ألم افتقادها في أيام الجزر، ربما بدرجة أكبر من ذلك الألم ومن تلك المعاناة، لكنني أتعالى على هذا الألم كما تعالينا جميعا على ذلك الألم بالنهل من ذلك المعين الذي لا ينضب: ثقتي بالناس الذين أحبهم في كل دوائر حياتي من أصغرها في الأسرة، حتى أوسعها في الإنسانية مروراً بدائرة الوطن الذي تغنينا ونتغنى بحبه صادقين. الترجمة، سواء كانت كتابة كما في تلك الأعمال أو شفوية بالترجمة لمندوبي الصليب الأحمر الدولي أثناء زياراتهم للسجون، ارتبطت بتجارب أخذت حيزها في منجم الذاكرة المادي، مثل هذه القصاصة ومثل تلك الرسائل التي كانت تصلني من مندوبي الصليب الأحمر شكراً على مساهمتي في الترجمة لهم في السجن أو الرسائل التي تبادلتها مع بعضهم بعد تحرري من القيد.

أول ما تقوله القصاصة إن هذه الترجمات ذات جذر قوي في حركة ثقافية نمت وترعرعت خلف القضبان ويمكن وصفها بالمقاومة برسالتها وأدواتها والمزدهرة بالمطلق أحياناً وبالنسبي أحياناً، وذات وجه إنساني مشرق ينبغي الاعتزاز به والالتفات إليه بمزيد من الدراسة والتعمق في البحث عمّا تعكسه من حياة الناس الذين تخصهم. صحيح أن الترجمة لم تكن لوناً راسخاً من الألوان الأدبية في الحركة الثقافية داخل المعتقل، ولكنها كانت لوناً متميزاً في رسالته وفي دوره المهم في كسر الحصار الثقافي والإعلامي المفروض على المعتقلين، وبشكل خاص خلال فترة السبعينيات وأوائل الثمانينيات. في تلك الفترة كانت المصادر الإعلامية الوحيدة التي يطّلع عليها المعتقل، ليعرف من خلالها ما يجري في هذا العالم، محصورة في جريدة "الأنباء" الإسرائيلية الحكومية الرسمية وفي ثلاث فترات إخبارية من راديو إسرائيل كانت تبث عبر سماعات معلقة في غرف السجن. وبالتالي كانت الترجمات التي يقوم بها المعتقلون الذين يتقنون العبرية والإنجليزية مصدر تعويض مهم عن شح المصادر، حيث كان الحصول على عدد من جريدة عبرية أو جريدة "الجيروزالم بوست" ممكناً بحجة تعلم اللغات. فكانت التعميمات التي تصدر عن التوجيه الثقافي في المعتقل سواء تلك الخاصة بالتنظيمات، كل لجماعته، أو للمعتقلين كافة تحوي ترجمات إخبارية أو مقالات لأبرز المحللين السياسيين الذين كانوا يكتبون المقالات والأعمدة الثابتة في هذه الصحف ويتم الاستناد عليها ووضع محتواها في سياق تحليلي من منظور الثورة والمقاومة، وفي القليل من الأحيان تتم ترجمة تقارير صحفية كاملة. كانت التعميمات مادة التواصل وتوحيد المواقف وأداة التثقيف والتوعية وتستحق أن يكتب عنها مطولاً وعن الدور التعبوي الذي قامت به، فهي جزء من "الإعلام الوطني" الذي يتم خلف القضبان. وقد سبق وقدمت ورقة حول دور هذا الإعلام في حياة الحركة الأسيرة في مؤتمر حول هذا الموضوع نظمه مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة في جامعة القدس، وللأسف لم تنشر الورقة رغم الجهد الذي بذلته في إعدادها.

كنت أشارك في الترجمة من اللغة الإنجليزية ضمن هذا الإطار العام إلى جانب الكتابة الأدبية في مجالي القصة القصيرة والشعر والخاطرة، إضافة إلى تحرير مجلة "الحرية" السياسية الثقافية الشهرية، وكتابة المقال الافتتاحي فيها، وكتابة زاوية ثابتة تتسم لغتها بالنقد الساخر عنوانها "بالمرصاد"، وكـأنها كاريكاتور بالكلمة، تتصدى لما ينشر أو يبث من أخبار مسمومة في الجريدة الوحيدة التي تصل المعتقل أو من خلال الراديو، أو أي موضوع نسمع عنه من خلال الزيارات الشهرية للأهل. وعلى هامش ذلك كنت أعطي لنفسي مساحة لترجمة بعض ما يعجبني من أعمال ثقافية أو أدبية في أي مصدر يقع تحت يدي من كتاب أو ملحق أسبوعي أو مجلة ك"ريدرز دايجست" (Readers’ Digest) أو "ناشنال جيوغرافك" (National Geographic)، وأعمم هذه الترجمات طازجة على من يتذوقها من رفاق الاعتقال، ثم أنشرها المناسب منها في المجلة الشهرية. وقد مكّنتني تلك "التمارين" الطوعية مشكورة من تطوير قدرتي في الترجمة لأمارسها لاحقا في العمل غير المتفرغ في الترجمة والتحرير في مؤسسات فلسطينية ودولية، ضمت ما يزيد عن عشرين عملا منشورا في دراسات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. أمّا الترجمة الموازية من العربية إلى الإنجليزية فلم يكن لها داعٍ في تلك الأجواء طبعاً، باستثناء الحاجة للترجمة الشفوية بين المعتقلين ومندوبي الصليب الأحمر أثناء الزيارات الدورية لهؤلاء المندوبين، فتجربة الترجمة لمندوبي الصليب الأحمر تحمل معها هي الأخرى ذكريات بحاجة إلى التسجيل حول أشخاص هؤلاء المندوبين وتفاعلهم الرسمي والإنساني مع واقع المعتقلين وظروف حياتهم ضمن القيود الوظيفية المفروضة على عمل هذه الهيئة الدولية، وتحمل تلك الترجمة ذكريات حول قصص بعض المعتقلين الذين كنت أنقل مشاكلهم التي يودون طرحها للمندوبين. أما الترجمة إلى الإنجليزية كتابة فقد اقتصرت على ترجمة بعض أعمالي الأدبية بلغة مباشرة لا تصل طموحي بأن توازي إبداعيا ما أكتبه بالعربية، فكنت أترجمها بمثل هذه اللغة ثم أعطيها لبعض الأصدقاء الناطقين بالإنجليزية أو المتخصصين فيها ليحرروها. ومن تلك الأعمال التي تمت ترجمتها بهذه الطريقة "يوميات أنصار 3: شوكة تنبض في القلب" والتي ترجمت إلى الإنجليزية بمساعدة صديقة أمريكية كانت تعمل في إحدى المؤسسات الفلسطينية، وتمت بعد ذلك ترجمتها من الإنجليزية إلى الألمانية وقبلها إلى العبرية، ونشرت في أماكن عدة منها مجلة عالمية بعنوان "السجن والسجناء" (Prisons and Prisoners) تعنى بأدب السجون وثقافتها. ولذلك أضفت هذا العمل إلى كتاب "فتح النوافذ الموصدة" كنموذج على الكتابة التي ترجمت إلى الإنجليزية بجهد أساس مني كامتداد لتجربة الترجمة من الإنجليزية إلى العربية أو كصورة المرآة لتلك التجربة كونها توأمها.

تطلب القصاصة أيضا أن أتحدث عن "كراهية الجلادين للثقافة"، ولست أدري ما الذي كان يفكر به صاحب القصاصة، أنا طبعاً، حين كتب هذه العبارة، ولماذا وضعها هنا مع الحديث عن الترجمة. ربما المقصود القول إن هذه الترجمات كانت تتم في أجواء من الحركة الثقافية المتنوعة التي تستفز السجان حين تكون واضحة برموزها. قد لا تستفز السجان العادي حين تكون مجرد كلمات في دفاتر، ولكنها حين تصبح مواقف ملموسة أو رموزا ظاهرة فإنها تستفزّه أشد الاستفزاز. القصاصة تورد العديد من العبارات المختزلة التي تطلب مني أن أحولها إلى مادة للقراء: "هذا حمار كبير يطلب الكتب"، "الثقافة عدوة الجلاد: أصحاب النظارات الطبية أو الذين في بيوتهم كتب كثيرة هم (كتسنيم(، أي ضباط، قياديون"، "يريدونك أن تشبع عنجهيتهم بالشكوى أو البكاء وحين تُخيِّب ظنهم يحقدون عليك أكثر".

طموح القصاصة كبير. حين أحاول ترجمة هذه العبارات المختزلة فإنني أتذكر قصص ومواقف تلحّ عليّ، ولا بدّ من تسجيلها قبل أن تضيع في زحمة الذاكرة. في بعض الأحيان تكتب لنفسك إشارات صغيرة لتعود إليها في المستقبل مفترضا أنك ستفهمها حين يستحق التنفيذ وستتذكر ما حولها، لكن الذاكرة تخون أحيانا فتصبح الملاحظات يتيمة دون إطارها الذي يعطيها المعنى الذي أصبح في بطن الشاعر. الاختزال قد يسيء إلى ثرائها الإنساني، ولكن في المقابل فإن عدم تسجيلها، بسبب انشغالك في أمور أخرى، قد يؤدي بها إلى عالم النسيان أو الضياع. أقول لنفسي: بأمر القصاصة وسّع اختزالها درجة أخرى ممكنة لتعكس الموقف الذي يشكّل جوهرها واقطع على نفسك عهداً بألا تتركها يتيمة تقتلها الوحدة وبأن تبدأ بالعمل عليها في أقرب فرصة، فيا فرصة تحقيق الوعد تعالي.

(تحليق عابر لطيور الذاكرة -6).

 

 

تحليق عابر لطيور الذاكرة 5:

ناطور المقاثي

د. سامي الكيلاني

عندما سمعت لأول مرة بيت المتنبي "أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي / وأسمعت كلماتي من به صمم"، قلت لنفسي "وأنا أيضاً أسمعت كلماتي من به صمم"، ولم أكن وقتها قد كتبت ما يمكن أن يسمعه لا سليم السمع ولا من به صمم. كنت وقتها أقضي العطلة الصيفية بعد إنهاء الصف الربع الابتدائي ناطوراً للمقثاة. كانت كلماتي التي سمعها ذلك الذي به صمم نداءات على أبي الذي تأخر في الحضور واستغاثات في عتمة الليل في مقثاة بين الجبال في "وديان العسكر". مقثاة "وديان العسكر" هذه كانت واحدة من المقاثي العديدة التي قمت فيها بدور الناطور. لم يسعفني أحد بإجابة شافية لسؤالي عن سبب تسمية هذه المنطقة بهذا الاسم. إنها وديان لأنها فعلاً مناطق محصورة بين الجبال، وهذا مفهوم، أما علاقتها بالعسكر فلا إجابة شافية تبرر هذه التسمية. وليست وديان العسكر الوحيدة التي حيّرتني في التسمية التي تطلق عليها، أنا الولد كثير الأسئلة، وهي الصفة التي تتناقض مع صفتيْ الهدوء والخجل اللتين عرفتا عني، فحين يثور تساؤل في نفسي يغيب الخجل وتندلع نيران حب الاستطلاع ولا يستطيع الخجل لجمها. فقد تساءلت أيضاً، على سبيل المثال لا الحصر، عن سبب تسمية منطقة "بطن الضبع" بهذا الاسم دون أن أحظى بإجابة شافية أيضاً. وديان العسكر تبدأ بعد النزول من بطن الضبع حتى تصل سفح الجبل المصلّى، سواء أكانت تحمل اسم وديان العسكر أو وديان القردة أو أي اسم بعد كلمة الوديان، كانت بالنسبة لي وديان المقاثي، وكنت بالنسبة لها ناطور المقاثي. قبل المضي في الحديث عن المقاثي، أود أن أقول بأنني حصلت على إجابة حول الجبل المصلّى، فقد قيل لي إن إبراهيم الخليل قد صلّى عليه أثناء مروره بهذه الأرض، ورضيت بهذه الإجابة واجتهدت بقدر قدرتي على التفكير والاستنتاج كتلميذ يحضّر نفسه للصف الخامس الابتدائي فربطت هذه البركة التي تركها إبراهيم الخليل بصلاته في هذا المكان بوجود نبات الشومر بكثافة في هذا الجبل من بداية سفحه حتى قمته، فالشومر برائحته وطعمه لا يمكن إلاّ أن يكون نوعاً من البركة. المقثاة التي شهدت تجربتي حين أسمعت كلماتي من به صمم كانت الثالثة، والأخيرة والحمد لله في سلسلة المقاثي التي نطرتها في هذه الوديان، في هذه العزلة، في هذا المنفى عن ساحات الحارة الشمالية في العطلات المدرسية، مبعداً قسراً عن الأصحاب والألعاب التي تزدهر في هذا الوقت، والتي يشارك فيها أطفال الحارة من أبناء جيلي ومعهم أولئك الذين يأتون في الصيف ضمن زيارات أهلهم من العاملين في مدن الضفة الشرقية أو في الكويت أو السعودية. قبل هذه الثلاثية من المقاثي "العسكرية"، نسبة إلى وديان العسكر، نطرت مقثاة أخرى في طرف البلدة فكانت لحسن الحظ قريبة من الناس، وكان بإمكاني أن أتركها لساعة في النهار وأشارك في اللعب مع الأولاد الذين يتجمعون قريباً منها يطيّرون الطيارات الورقية في الساحة المجاورة للمقبرة الشمالية التي تقع على ربوة تقابل البحر المتوسط مما يوفر رياحاً مواتية لتحليق الطيارات الورقية، أشاركهم ثم أعود إلى المقثاة. كان السبب في التنقل بين مقاثٍ مختلفة أنها كانت جميعاً أراضٍ مستأجرة، فلو كانت لدينا أرض تصلح لزراعة المقاثي لما تنقلنا بين هذه الأماكن.

كانت المقثاة الأولى في هذه المجموعة تحتل شريطاً ضيقاً من الأرض ذات التربة "السكنية" اللون ينحصر بين الجبل من الجهة الجنوبية والطريق الذي يتوسط الوديان يليه من الجهة الشمالية جبل مطل عليها ويعود لصاحب الأرض المستأجرة مما جعلنا ننصب عريشة الناطور فيها. هل كانت عريشة مكتملة الصفات، أم مجرد "خص" صغير يوفر ظلاً يقي الناطور المناوب حر الشمس؟ سواء كانت تلك أو كان هذا، فقد كان الموقع استراتيجياً للمراقبة وعالياً يصطاد نسائم لطيفة منعشة تجفف العرق المتصبب على الوجه من شدة الحر.

المقثاة التي صرخت فيها مسمعاً استغاثتي لمن به صمم كانت تمتد في شريط من أرض صالحة للزراعة بين الجبال، وفي طرفها قريباً من الطريق الترابية التي تخترق الوديان من الغرب إلى الشرق زيتونة معمرة أصبحت مع العريشة التي نصبت إلى جوارها مقر الناطور ليلاً ونهاراً، ومكاناً يتجمع فيه ما يجنى من الفقوس صبحاً على الندى، ويجاورها كرم زيتون رومي غير معتنى به يملؤه الهشيم يعود كما قيل لي لعائلة إقطاعية تسكن المدينة. هذه العريشة يمكنني التأكيد أنها كانت عريشة، فقد كانت مندمجة بشكل إبداعي "معمارياً" مع شجرة الزيتون. يجاور العريشة قن للدجاجة وصيصانها، وبيت للأرانب. وقد ارتبط بتلك الدجاجة حزن شديد عشته وما زال بإمكاني حتى اليوم تذكره وحزن رأيته، حزني وحزن الحيوان، إذ وجدنا تلك الدجاجة ميتة قرب الزيتونة ولم نعرف السبب، خمنا تخمينات عدة، ربما لدغتها أفعى، ربما أكلت شيئاً ساماً، مهما كان السبب فقد عشت حزن صيصانها وأثّر بي منظرهم إلى أبعد الحدود. كانت الصيصان تدور حول الأم وتقترب منها تدفعها، تلكزها بأرجلها أو بمناقيرها الصغيرة وكأنها تستحثها على الاستجابة، ولا تملّ ولا تيأس من ذلك، ثم استسلمت وقعدت حولها، حزنت حزناً شديداً وبكيت بصمت، كنت وحيداً، وعبرت عن ذلك لوالدتي، التي عادت من الطرف البعيد للمقثاة، فاحتضنتني وخففت عنيّ بعضاَ من الحزن. أما الأرانب فهي التي كانت السبب في الأمر الذي جعلني أنادي بعالي الصوت، صوتٍ يصل مسامع من به صمم.

كان والدي حين يتوفر له عمل في القرية، خاصة في عمله الأساسي ك"فرّام دخان"، يتركني في المقثاة خلال النهار ويعود عند المغيب وننام سوياً. بالمناسبة، مهنة "فرم الدخان" مهنة خارجة عن القانون، فتصنيع التبغ وبيعه يعتبر تهريباً أو تهرباً من الضريبة التي تجنيها الحكومة من الضريبة المفروضة على السجائر التي تنتجها المصانع، وبالتالي فالمفروض أن يبيع المزارعون منتوجهم لشركات السجائر فقط. في الثقافة اليعبداوية (نسبة لبلدتي يعبد) كلمة مهرّب دخان ليست إساءة، بل تعبر عن عمل شريف كأي عمل، فالتهرب من الجمارك التي تطارد من يفرمون التبغ ويحضرونه لاستهلاك المدخنين ومن يسوقونه عمل محترم لأنه دفاع عن لقمة العيش لهؤلاء، للمزارع والفرّام والتاجر، وعلاقة يعبد بالتبغ علاقة تاريخية حتى أصبح اسمه مرتبطاً بها. قصص الدخان والنضال من أجل النجاة من قبضة الجمارك لا تختلف عن قصص النضال السياسي السري إبان الحكم الأردني في الضفة الغربية وخلال مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.

في ذلك اليوم تأخر والدي كثيراً وأنا أنتظره وحيداً في المقثاة، غربت الشمس وبدأت العتمة تخيّم تدريجياً على الوادي، قمت بجمع الأرانب وإدخالها إلى بيتها وأغلقت الباب عليها. جلست أنتظر سماع صوته الذي يأتيني عادة عندما يقترب، كان يغني أو ينادي باسمي لأطمئن أنه قادم. طال انتظاري، وحل الظلام وحل معه الخوف في نفسي. انتبهت لوجود أرنب يتحرك في الخارج، خفت أن يفترسه ثعلب أو واوي وقررت أن أدخله إلى بيته مع بقية الأرانب، فتحت الباب فخرجت الأرانب التي في الداخل بدلاً من يدخل إليها ذلك الأرنب المتمرد.

سمعت صوت حركة في قطعة الأرض المجاورة، حيوان ما يمر بين الهشيم، وصلت الخوف ذروته على نفسي وعلى الأرانب. قفزت إلى ذهني قصص الضباع التي سمعتها، الضبع الذي يضبع الإنسان ليلحقه إلى وجاره ويفترسه، وتذكرت أنهم يقولون إن الضباع لا تستطيع تسلق الأشجار وتخاف الضوء. حملت المصباح اليدوي الذي يعمل بالبطارية وتسلقت شجرة الزيتون. بدأت بالمناداة بصوت عالٍ يملؤه الخوف على أبي لأسلي نفسي وعسى أن يسمعني فيرد فأطمئن أنه قريب على الطريق. سمعت صوتاً من الجهة الشرقية، أبي يأتي من الجهة الغربية، يقول "ما تخاف يا عمي". هدأت ونزلت عن الشجرة، وصلني أبو عمر وأبو غازي، جاران، الأول له أرض مزروعة بأشجار مثمرة والثاني له مقثاة. أبو غازي لا يسمع، ونعرفه بالأطرش، قال إنه سمع صراخي وطلب من أبي عمر أن ينصت.

قررا اصطحابي معهما لأبقى عندهما إلى حين عودة أبي، فرفضت قائلاً إني خائف على الأرانب، فانتهراني وطلبا مني أن أرافقهما ساكتاً "وليضرب القردُ الأرانب".

لقد أسمعت كلماتي أبا غازي الذي به صمم.

 

 

تحليق عابر لطيور الذاكرة 4:

داوِ جرحك-نص

د. سامي الكيلاني

 

من فنون النثر في الأدب العربي القديم، كما تعلمنا ذلك من كتاب النصوص، فن اسمه التوقيعات. التوقيع أو "التوقيعة"، حتى ينسجم اسم هذا الفن مع القصة والقصيدة والخاطرة والمقالة والرسالة إذ إن جميعها مؤنثة، عبارة عن رد مختصر يختزل في جملة مكثفة المحتوى والدلالة يوقع بها القائد أو الأمير أو الخليفة رداً على كتاب يصله من أحد مرؤوسيه أو من أي شخص يتوجه إليه بأمر ما. هذا الفن أفرد له كتاب النصوص للصف الثاني الإعدادي (الثامن حالياً)، إن لم تخني الذاكرة، حيزاً مستقلاً عند الحديث عن فنون النثر العربي القديم، وقد أعجبت بتلك التوقيعات التي ضربها الكتاب أمثلة على ذلك الفن أيما إعجاب. أتذكر هذه التوقيعات الإبداعية بالخير حين أرى التوقيعات الدارجة في العمل الإداري والتي تخلو من أي إبداع أو حكمة، أو حتى تعجز عن قول شيء ذي بال. لا بأس هنا بالاستطراد قليلاً بعيداً عن مخزون الذاكرة البعيد. في المراسلات الإدارية للكثير من المؤسسات الرسمية، وشبه الرسمية، خاصة التي فيها سلطة بارزة للدرجة الإدارية العليا على الدرجة أو الدرجات الأدنى منها، سلطة حاضرة لا تغيب ولا تنسى. عندما ترفع درجة دنيا للدرجة العليا كتاباً من مرؤوس صغير أو حول شأن معين فإنها توقّع الدرجة على المراسلة بالجملة المشهورة "لاطلاع حضرتكم وتوجيهاتكم" يلحقها الموقع بتوقيعه والتاريخ. هذه التوقيعة تعبير عن الخوف من أخذ موقف يزعج الأعلى مرتبة، وخوف من ممارسة الصلاحية المفترضة التي قد تقود ممارستها، ككل اجتهاد، إلى خطأ أو نتيجة لا تعجب "الكبير". حتى نكون موضوعيين تنبغي الإشارة إلى أن التوقيعات القديمة التي وصلتنا قد تكون لأصحاب سلطة عليا، وأن أية توقيعات لسلطات أدنى قد ضاعت، حتى لا ننحاز إلى القديمة ضد المعاصرة.

ولا بأس من استطراد آخر يفرض نفسه، ربما ذكرته في مناسبات سابقة كتابة أو قولاً لأنه ترك أثراً في نفسي، عتباً على معلمينا الذين تعلمنا على أياديهم وفعلوا ما استطاعوا ليعطونا من علمهم بأفضل ما وسعهم الظرف التربوي السائد، فكانوا بغالبيتهم مصدر معرفة، مخزن معرفة، يريدون نقل ما اختزنوه لنا لنضعه في عقولنا حتى نمسك بناصية المعرفة إيما إمساك ونفرغه في امتحانات تؤهلنا للمستقبل، تلك كانت نيتهم الحسنة، ولكنها كانت على حساب التفكير الحر وتطوير مهارات حل المشكلة، وكما قيل فإن جهنم مبلطة بالنوايا الحسنة. أقصد هنا "كتاب النصوص"، إذ بقيت لسنوات المدرسة محتاراً في هذا الاسم، والذي على وزن "اللصوص"، ولم أجرؤ على سؤال "ما معنى نصوص يا أستاذ؟"، ولم يتطوع أي أستاذ ليقول لي ولنا تلاميذه أنها جمع نصٍّ، والنصُّ هو….، ويربطها بالفعل نصَّ، وربما يجدها فرصة لربط الفعل بالاسم ويسألنا لنفكر ونصل معه لاستنتاج بأن النصُّ هو ما نصّته القريحة على الأديب أو الكاتب أو الشاعر فخرج بهذا الشكل الذي يسمى نصّاً.

عودة إلى التوقيعات، لم يثبت في ذاكرتي من التوقيعات غير "داوِ جرحك لا يتسع"، وهي التي جاءت تحلّق طيراً من طيور الذاكرة لتطرق النافذة. الجرح هنا طبعاً ليس فقط القطع في أنسجة الجسم وجعلها تنزف، مع أن القول ينطبق على ذلك، ولكن الجرح يمكن أن يكون مشكلة تترك دون حلٍّ لتتفاقم وتؤدي إلى سلسلة من الأضرار المتعاقبة التي تصل إلى "ما لا تحمد عقباه" كما يقال. نبش طائر الذاكرة "التوقيعي" هذا تراكمات جراح لم تداوَ، تركت آثاراً متدرجة، تركناها على حالها خوفاً من آلام العلاج الآني ونسينا الآلام التي سيأتي بها اتساع الجروح. ولكن الجراح بعد إهمالها أصبحت مزعجة ومؤلمة ننظر إليها وكأنها ليست جراحنا، فتحضر التوقيعة التي صمدت في الذاكرة ونسأل أنفسنا "لماذا لم نداوِها وتركناها تتسع؟".

وحتى لا أفوّت على نفسي فرصة أن آتي لهذه التوقيعة بأخوات لها لكي لا تبقى يتيمة وحيدة في الذاكرة، مع عدم ضمان قدرة الجديد على الثبات في ذاكرة مكتظة أتعبتها عاديات الزمن، فقد ذهبت إلى السيد المبجل "غوغل" الذي أحالني إلى السيدة المبجلة "ويكيبيديا"، لأجد أن "داوِ جرحك لا يتسع" وقّعها هارون الرشيد لعامل كثُر تذمر الرعية منه، وأن عمر بن عبد العزيز وقّع لأحد عماله الذي استأذنه ليرمم ويصلح شأن المدينة التي يتولاها "ابنها بالعدل، وطهّر طرقها من الظلم"، وأن المأمون العباسي وقّع لعامل كثرت منه الشكوى "قد كثر شاكوك، وقل شاكروك، فإما اعتدلت أو اعتزلت"، وأن معاوية بن أبي سفيان وقّع لمن سأله أن يعينه على بناء دار له في البصرة باثني عشر ألف نخلة "أدارك في البصرة، أم البصرة في دارك؟!".

جاء طائر "داوِ جرحك لا يتسع" ليذكّر بالجراح على المستوى الوطني والمجتمعي حين تركنا لفترة طويلة جرح "الفلتان الأمني" وجرح "أخذ القانون باليد" وجرح "الفساد الإداري" دون دواء خوفاً من ألم بسيط يحمله الدواء يتمثل في إغضاب مؤيدٍ أو داعمٍ أو قريبٍ أو حبيبٍ فوصلنا إلى عجز أمام الجرح المتسع وقد التهب التهاباً شديداً أدخل في جسدنا غرغرينا تهدد سلامته.

وجاء طائرها محلقاً من ألم شديد في مفصل إبهام يدي اليمنى ومثله في مفصل إبهام القدم اليمنى، ليذكراني بأنني أهملت علاج "فك" المفصل في كل منهما في مناسبتين مختلفتين في طفولتي. خفت من مداواة الوضع لخوفي من الألم الذي سيتضمنه العلاج، وكنت معذوراً في ذلك، إذ كان صراخ الألم من عملية تجبير الكسور يملأ بيتنا الصغير، صراخ يخرج من أعماق أولئك المكسورة عظامهم أو الذين خلعت مفاصلهم واستجدائهم بأن يتوقف المجبّر لحظة عن عمله ليرتاحوا من الألم، ولكن مصلحة المكسور تتطلب أن يستمر المجبّر في عمله وعلى المصاب أن يتحمل الألم "فوجع ساعة خير من وجع كل ساعة" كما تقول حكمة الأيام. للأسف، أنا حينها لم أفكر في هذه الحكمة وبقيت أسير الخوف من وجع الساعة. كان والدي، لروحه الطيبة الرحمة والسلام، هو المجبّر بعد أن أتقن رحمه الله تجبير كسور العظام وانفكاك المفاصل متدرباً على يد مجبّر معلّم، فأصبح بداية يجبّر الكسور للقريبين من الأقارب والجيران، ثم صار يمارس ذلك على نطاق أوسع واتسعت شهرته فأصبح يجبّر كسور من يلجؤون إليه من البلدة والقرى المحيطة، يلجؤون إليه بداية فيجبّر ويتابع حتى الشفاء، وفي حالات ليست قليلة كان يتدخّل ليصحح أخطاء مجبرين آخرين.

طائر "داوِ جرحك لا يتسع" فتح نوافذ كثيرة في الذاكرة.

كان رحمه الله حريصاً على إتقان عمله التطوعي الخيري هذا باهتمام وحرص وقلب قوي، يسمع آهات المصاب ويعرف آلامه فيطلب منه أن يصبر ويطمئنه بأن الأمر سينتهي سريعاً.  كان يبدأ بتفحص الطرف المصاب بحركة خفيفة من أصابعه تتحسس العظم تحت الجلد ويقارن الطرف المصاب بالسليم حتى يشخص الوضع، وإن عجز أو التبس عليه الأمر، خاصة في حالة الكسر الطولي (الشُعُرْ)، فإنه يطلب من المكسور أن يذهب لإحضار صورة أشعة حتى لا يغامر بخطأ يدفع ثمنه المصاب، وفي مرحلة لاحقة صار حتى يطلب من المصاب أن يتناول مضاداً حيوياً، إن شك أن هناك جرحاً ربما يلتهب تحت الجبيرة التي كان يصنعها من مزيج الصابون والبيض يضعه على قماش أبيض ويدعمها بقطع خشب صغيرة يعتني بجعل أطرافها غير حادة لئلا تجرح الجلد. وفي أكثر من مناسبة قمت، كابن مدرسة شاطر، بكتابة اسم المضاد الحيوي (تتراسيكلين) بالإنجليزية وكأنني طبيب يكتب وصفة طبية، وأعطيها للمصاب ليشتري الدواء من الصيدلية، فكان يفرح لذلك كثيراً.

كم تمنيت لو أنه كان يتقاضى أجراً عن ذلك، وحاولت التلميح له بالأمر وتذكيره بوضعنا المادي الصعب، إلاّ أنه رفض ذلك رفضاً قاطعاً، فقد عاهد من علّمه التجبير على أخلاقيات هذه "المهنة" ومن أهمها أن يمارسها لوجه الله تعالى وألاّ يطلب من أحد أجراً، لكن هذه الأخلاقيات تسمح بقبول هدية ممن يشفى ويريد من تلقاء نفسه تقديم هدية، ف"الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الهدية". ومن أخلاقيات المهنة أيضاً أنه كان يطلب من أية امرأة مصابة بكسر أن تآخيه ليجوز له معالجتها، فتقول له "أنت أخوي بعهد الله"، وبذلك صار لنا عمّات بعهد الله إضافة إلى شقيقاته.

 

 

تحليق عابر لطيور الذاكرة:

تلك القاعة

نص: د. سامي الكيلاني

 

أقف في القاعة 240 في المبنى الذي كان يضم قاعات التدريس لكلية النجاح الوطنية بصفوف المدرسة الثانوية، ومعها معهد النجاح لإعداد المعلمين، كان المبنى أيامها من طابقين قبل أن يضاف إليه طابق ثالث بعد تأسيس جامعة النجاح الوطنية في العام 1977. استضاف المبنى كلية المجتمع التي ورثت بالاسم معهد المعلمين، ثم أصبح يضم قاعات التدريس لكلية التربية التي أصبح اسمها كلية العلوم التربوية وإعداد المعلمين، ثم استضاف كلية الشريعة لسنوات قبل أن ينعم الله عليها بمنحة مالية من متبرعين لترث مبنى المراكز العلمية بعد تجهيزه والذي انتقل إلى الحرم الجامعي الجديد للجامعة، ثم عاد إلى كلية العلوم التربوية مشاركة مع كلية الاقتصاد والعلوم الاجتماعية.

هذه القاعة استضافتني مشكورة استضافات لا تعدّ، ربما استضافتني قاعة أو قاعات أخرى أكثر منها من حيث عدد اللقاءات، لست متأكداً من ذلك، ولكنني أجزم أن علاقتي بها امتدت على أكبر عدد من السنوات ولا تستطيع أية قاعة تدريس في الجامعة منافستها في ذلك، ويمكنها كذلك أن تنافس القاعات الأخرى في تنوع المواضيع التي درّستها فيها. دخلتها لأعلم مواضيع في الفيزياء والعلوم العامة، ولأعلم الإحصاء الوصفي والتطبيقي، ولأعلم أساليب تعليم العلوم، ولأعلم مناهج البحث العلمي، وأخيراً لأعلم مساقات في الخدمة الاجتماعية، هذه المهنة التي أصر على تسميتها بالعمل الاجتماعي، لأن هذه المهنة ليست خدمة يقدم فيها طرف إيجابي قادر خدمة لطرف محتاج سلبي، بل مهنة فيها طرفان متشاركين في عملية واحدة تساعد وتمكّن وتغيّر نحو الأفضل. هذا التنوع لم يكن ترفاً ولا رغبة مني في الانتقال من موضوع مللته إلى موضوع أستهويه، فعلاقتي بالفيزياء كانت وما زالت قوية فأنا أراها طريقة للتفكير وليست مجرد قوانين تستبدل رموزها بأرقام، بل مقاربات تجدد نفسها دائماً ولا تؤمن بعائق يمنعها من التفكير في المساحة الممتدة بين الاتساع اللانهائي لكون شاسع ومادة لا ينتهي سبر غورها كلما ظننا أننا امتلكنا ناصية المعرفة عن مكوناتها اكتشفنا أن معرفتنا كانت ناقصة وما زالت مفتوحة للمزيد. لكن هذا التنوع كان نتيجة تأقلم مستمر في مواجهة ظروف ضيّقت عليّ الخيارات، ظروف صنعها احتلال غاشم خربط أوراقي وخططي للمستقبل بإجراءاته القمعية من الاعتقال والإقامة الجبرية، ذلك المستقبل الذي أصبح اليوم ماضياً. يطول الحديث عن هذا التنوع وهذه الخربطة، ولا أقبل أن يكون الحديث والتوسع فيها على حساب علاقتي بالقاعة 240، فهي الطائر الذي حلّق وقدح شرارة الذاكرة، ذاكرة القاعة والحديقة.

وأخيراً أدخلها في محاضرة مساق خدمة المجتمع المحلي على الساعة الثامنة صباحاً وأعود إليها في محاضرة السياسة الاجتماعية على الساعة الواحدة بعد الظهر، أقف أتملى الحديقة التي تقع شمالها في انتظار اكتمال حضور الطلبة أو أثناء انشغال الطلبة في تمرين رياضي أو اجتماعي، هذه الحديقة التي كانت تحيطها أشجار الصنوبر الكثيفة وتتوسطها أشجار أخرى أتذكر منها شجرة خشخاش كم استمتعت بجمال زهورها ورائحة تلك الزهور في الصباح المبكر. سقط عدد من أشجار الصنوبر وبقي عدد قليل منها قرب السور، وأصبحت الحديقة أخيراً أقرب إلى الساحة منها إلى الحديقة. ومع تحولات الحديقة/ الساحة تبدلت الأجيال والوجوه وطريقة الجلوس فيها. راقبت رواد الحديقة/ الساحة في كل تحولاتها الشجرية والإنسانية دون أن أموت هماً، فهذه المراقبة لا تندرج في باب من راقب الناس مات هماً، بل على العكس من ذلك فقد راقبتها فَرِحاً بكل مظهر إنساني مدققاً ببعض تفاصيل التقارب والتباعد وأسس تشكيل مجموعات الجالسين في مجموعات صغيرة. تمنيت لو أنني كنت ألتقط صور هذه الحديقة في كل تحولاتها، ولكنني قررت اليوم أن التقط صورتها الأخيرة وذلك أضعف الوفاء لها. لو أن مهارتي في الرسم توازي قدرة التذكر عندي ودرجة صداقتي للمكان لأضفت رسوماً وافية لتحولاتها، وفاء للمكان، المكان صديقي الوفي، المكان صديقي الصدوق. بداية التقطت صورة للساحة، لكنها لم ترُق لي، أزعجتني، إذ توسطتها سارية وضعت من أجل رفع الأعلام والرايات عليها، عمود عارٍ من أي شيء يقف في وسط الصورة، لقد افترض من مصمم الساحة/ الحديقة أنها ستضم احتفالات يلزمها رفع الأعلام، سارية عارية في وسط الصورة. أظهرتُ امتعاضي وأنا أتأمل الصورة على شاشة الهاتف المحمول. لاحظت أن الطالبات الجالسات في انتظار اكتمال الحضور لبدء المحاضرة يتابعن ما أفعل، حدّثتهن باختصار عن هذه الساحة وما كانت عليه، وعن عدم رضاي عن الصورة، فأرشدتني طالبة من طالباتي إلى الحل، التقاط الصورة من النافذة الخلفية في الغرفة، ففعلت. نعم كانت الصورة دون تشويش السارية، شكرتها ولم أرغب في توضيح الأمر بأنني اعتدت على تأمل الحديقة من هذه النافذة التي تجاور طاولة المعلم/ المدرس/ المحاضر، ولم يسبق أن تأملتها من النافذة الخلفية، وأنني كنت أسير صندوق العادة فأخرجتني من الصندوق.
انتبهت لاكتمال الحضور وأنني تأخرت دقائق عن بدء المحاضرة. ودعت المنظر، لأبدأ المحاضرة الأخيرة في هذه القاعة، قبل دخول مرحلة جديدة، نهاية الخدمة الرسمية لبلوغ سن التقاعد في التعليم العالي، أي في الأول من تشرين الأول بعد بلوغ 65 عاماً، ولكنني سأزور المكان بالتأكيد كلما سنحت الفرصة، فالمكان صديقي، وتبدلات الحديقة/ الساحة تآخت مع تبدلات الأيام التي مرت، أيامي الموزعة على 42 عاماً من العمل في الجامعة.

 

نص

تحليق عابر لطيور الذاكرة

 

د. سامي الكيلاني

 

منجم الذاكرة ما زال ينتظر عمليات التنقيب والاستخراج، منجم كنوزه متنوعة ولكل منها قصته التي تنتظر أن تروى.

مسودات الكتابة الأدبية التي تحمل الولادة الأولى للفكرة والتركيب والتغييرات التي حصلت عليها لولادة النص في صورته النهائية تأخذك إلى تفاصيل ما أحاط بها وقد تتذكر أخوات لها ضاعت، وتتذكر كيف نشرت باسم صريح أو مستعار، تفاصيل صغيرة قد تفتح عليك تفاعلاً متسلسلاً لا تدري أين سيصل بك وحين تصل محطته الأخيرة قد تنسى من أين بدأت، رحلة ممتعة من التداعي. ورسائل السجن الصادرة والواردة، تحمل الواحدة منها فتسحبك الكلمات إلى بحر لا قاع له من الذكريات والمشاعر، تغوص أكثر وأعمق لتلتقط محارات تفتحها لتنفتح عن لآلئ من الفرح الذي اقتنصته من فم وحوش الوجع. رسائل الأصدقاء المحليين والدوليين المتضامنة معك شخصياً ومع نضال شعبك، من الذي كتب هذه الرسالة وأين هو أي هي الآن؟ الأعمال اليدوية التي صُنِعتْ في السجن من مواد لا تخطر على بال من هم خارج الأسوار، ولكن الإرادة تفعل فعلها مع أختها الحاجة، أم الاختراع كما قيل، فتجعل من نواة ثمرة الأفوكادو ومن الحجر تحفاً فنية. بعض قصاصات الجرائد والمجلات التي احتفظت بها، تعرف لماذا احتفظت ببعضها ويلتبس عليك أمر بعضها الآخر فلا تعود تذكر لماذا أضفتها إلى ملف القصاصات، هذه القصاصة مقال في مجلة، مليئة بأخطاء الطباعة وعليها تصحيحات بقلم الرصاص، هل أعدت نشره؟ وأشياء أخرى مثل راديو الترانزستور الصغير هذا الذي امتلكته في فترة الاعتقال قبل الأخيرة، بعد أن حقق إضراب الأسرى في سجون الاحتلال هذا الحق، وحملته معك حين تم نقلك إلى السجن الصحراوي فلم يسمح لك السجانون بإدخاله ووضعوه في كيس الأمانات مع ملابسك التي أخذوها منك وأعطوك بدلاً منها ملابس المعتقل الكريهة، فتحرر معك يوم الإفراج عنك وعن ملابسك، هل يعتب عليك لأنك لم تتركه لرفاقك في السجن يستفيدون منه، فترد عليه بأنك كنت تأمل أن يعبر إلى السجن الصحراوي حيث الحاجة أكثر. آلتيْ التصوير هاتين، الكبيرة والصغيرة، اللتان أحيلتا إلى التقاعد وصارتا دون فائدة بعد عصر الديجتال، ولكنهما عزيزتان معزة الصور التي حصدتها بهما، ولكل صورة قصة تجر معها قصصاً، وكان من حصادها تلك الصورة التي وصلتك في المعتقل فكتبت من وحيها تلك القصيدة الرومانسية الرقيقة، تلك القصيدة التي ضاعت.

المنجم ما زال ينتظر منك أن تحقق وعدك له بالكتابة عن كنوزه، وينافسه في ذلك منجم الذاكرة العقلية الذي يضج أحياناً من ازدحام محتوياته في تنافسها من أجل الطفو على السطح للوصول إلى خانة الذاكرة الفاعلة معرباً عن خوفه من آفة النسيان. المنجم الأول يدّعي الأولوية في حق الحياة كتابة لأنه الأقوى متسلحاً بقوة التوثيق المادي، بينما يدّعي الثاني حق الأولوية لأنه الصامد الذي قد تخور قوى صموده في الانتظار ولأنه يعتبر مخزونه الأكثر حميمية والأكثر شمولاً من أول ذكريات الطفولة حتى الأمس القريب. يتصارعان على حق الأولوية وأنت خائف من الانحياز إلى أحدهما على حساب الآخر، وبالتالي تلجأ إلى حيلة التأجيل، أو الهروب إلى الأمام، كما يقال، بحجة المشاغل الأخرى، أو قلْ بسبب آفة التسويف التي تنصح الآخرين بالشفاء منها، ولكنك تفشل في حالات مثل هذه في معالجة نفسك منها، وبدلاً من الشفاء منها تحاول خداع النفس بتبرير مفاده أنك تفعل ذلك بدافع الأمل بأن توفيهما الحق كاملاً دون أن يعتب أحدهما على تقديم أخيه عليه فيغضب من التأخير ويتهمك بالإهمال. وهناك جانب آخر في هذه الدوامة المؤلمة تتحاشى الإعلان عنه أمام من يطالبك من الأصدقاء بكتابة "مذكرات"، إذ تقف أحياناً عاجزاً عند التفكير بالكتابة عن بعض مخزونات الذاكرة العقلية ويسقط القلم من يدك وتسأل نفسك: هل ستستطيع البوح؟ هل جاء وقت البوح؟ أو هل تستطيع إعطاء تلك التجربة العميقة في النفس، مثلاً، ما تستحقه من الإبداع دون أن تسقط في سرد ضعيف يبقى على سطحها غير قادر على الغوص في أعماقها الغنية؟

قد يضيع حق المنْجَمَيْن في الحياة إن بقيت في حالة الانتظار هذه. إذاً، لا بدّ من البدء والعمل على ما يطفو في اللحظة المناسبة على سطح الذاكرة العقلية، أو عند تصفح وثيقة أو صورة من مخزون الذاكرة المادية الذي تراجع بعض موجوداته، لأنه الأسهل في استثارة الكتابة، أي أن تلجأ للتداعي الحر بعيداً عن التخطيط المسبق. وللحق، ينبغي القول بأن كثيراً من تلك الكنوز في منجم الذاكرة قد خرجت متخفية بدرجة أو بأخرى من التخفّي، في نصوص قصصية أو شعرية أو نصوص مفتوحة سابقة كتبتها، ولكن مثل تلك النصوص كانت مزيجاً من الواقع والخيال. وهكذا تقرر أن تبدأ بعينة عشوائية، عينة صدفة، صدفة التصفح لوثيقة من الوثائق التي خزنتها إلكترونياً بالمسح الضوئي، أو تذكّر التداعي الذي يبدأ بأي مثير فيفتح نافذة الذكرى على حدث أو تجربة، أو صدفة اللقاء بصديق يبدأ الحديث عن حادثة طمرت تحت ركام الأيام فتبدو للوهلة الأولى غريبة، ثم تسري كهرباء التذكر في الأسلاك وتضيء زاوية في الذاكرة كانت الطاقة قد انقطعت عنها طويلاً فأظلمت.

كائنات الذاكرة المادية المحشورة في المغلفات والصناديق، ومثلها كائنات الذاكرة العضوية، تعيش وتتفاعل كالأطفال، مهما اختلفت تقاسيم الوجوه تبقى جميعاً غاية في الجمال، وتبقى بالنسبة لك كائنات حية غالية تسكن غرفها الخاصة في قصر الحنين، أطفال يتجمعون في احتفال الظهور، في حفلة الغناء، في غرفة الصف، في جلسة استماع للحكواتي، ينصتون لصوت المعلم أو الحكواتي، يسمعون السؤال، ما أن ينتهي طرح السؤال أو طرح المهمة حتى ترتفع أصابعهم وتهتز أياديهم بقوة: أنا أستاذ، أنا استاذ! فيحظى أحدهم بفرصة الإجابة الأولى، فرصة الظهور، فرصة التجلي. هكذا تماماً، ستخرج ورقة أو رسالة أو ذكرى لتقدح شرارة الذاكرة بقوة لتحظى بقصب السبق.

وفي مناسبة أخرى يخرجون من غرفهم في قصر الحنين، يدخلون عليك طيوراً محلقة تعبر فضاء خلوة تختليها، يقترب أحدهم منك، ينقر نافذة الهدوء ليفتحها، ينقر نقرة واحدة فيدخل، وإن استعصت يظل ينقر كنقار الخشب حتى يدخل ويحلق مغرداً، فيمتلئ فضاء الخلوة بتفاصيل الحكاية.

 

 

اطلع يا قمرنا وهِلْ

د.سامي الكيلاني

 

تدور الأغنيات في فضاء الزنازين

تنشر العبير،

أريجاً كأزهار الوطن،

يداوي روائح العفن.

تدور الأغنيات في عتم الزنازين شموساً

تزيح ظلمة القيد،

تشع نورها ملء المكان وأبعد.

تدور الأغنيات منعشة،

تقهر السجان، تكسر سيفه

تحيي النفوس،

تُنهِض المتعبين،

تسندهم،

توقد من أجل آلامهم

شموع الأمل.

 

تدور الأغنيات،

- لماذا الأغنيات، وليس الأغاني، يا ولد؟

- جمع مؤنث سالم يا معلمي، لا جمع تكسير

الأغنيات لا تنكسر يا معلّمي،

الأغنيات صبايا بارعات الجمال

عشيقاتٌ، حبيباتٌ،

أميراتٌ من البلور،

طيورٌ من الوجْد النقي،

فراشاتٌ من فرح،

جيادٌ تسابق الريح،

تقطف النصر،

وتحرز كأس السبق،

نُسَيْماتٌ في لهيب الصيف، تهبّ نعمةً في قيظه،

تجفف عن جباه المتعبين العرق

تمسح من عيون الحزانى دمعها.

 

تدور الأغنيات أبياتاً من زجل

غناء شامخاً

"اطلع يا قمرنا وهلْ،

وضوّي الكره الأرضيه

ما خلقنا لنعيش بذلّ،

خلقنا نعيش بحريّه"[1].

تدور الأغنيات هتافاً عالياً

"لا له لا له لا، له لا لا،

والحرية ارواحنا كرماله

ايدي بايدك نبني هالثوره

ونحولها لمسيره كبرى"[2].

تنساب الأغنيات قصائدَ عزمٍ وفخار

"دور يا كلام على كيفك دور،

خلّي بلدنا تعوم في النور

ارم الكلمه ف بطن الظلمه،

تحبل سلمى وتولد نور".[3]

تدور الأغنياتُ نشيداً يهز الصحارى،

تخضرّ من هيامها الرمال

"يا نقب كوني إرادة، كوني مجداً ورياده

كوني سيفاً، كوني درساً، من دروس الانتفاضة"[4]

تدور الأغنيات للبدر،

يُطِلّ البدر، بدرنا، بهياً

نقياً رائقاً، كما نشتهيه،

يبتسم لأغنياتٍ كتبناها،

وأغنياتٍ نغنيها،

نغنّي بصحبة الضياء،

يبتسم لنا القمر،

يكتمل بدراً حبيبُنا القمر،

يكتمل بدراً رفيقنا القمر.

 


 

[1] من أشعار الزجال راجح السلفيتي

[2] من أغاني الثورة

[3] شعر أحمد فؤاد نجم، غناء الشيخ إمام

[4] شعر صلاح عبد ربه

قصة قصيرة

أستاذ أنيس إلى إشعار آخر

د.سامي الكيلاني

 

"إلى أهالي المدينة والمخيمات المجاورة، بأمر من الحاكم العسكري يمنع التجول من الآن وحتى إشعار آخر".

الجملة الممجوجة نفسها، البغيضة، المنذرة بالشؤم وضيق الخلق، تتردد من مكبرات الصوت المحمولة على سيارات الجيش ومن مكبرات الصوت التي على مآذن المساجد، تتردد في تداخل ضجيجي مزعج حتى لا تفهم من كلماتها شيئاً لولا أنك تحفظها عن ظهر قلب، تعرفها بدون الإصغاء إلى كلماتها، يعرفها جلدك، وتعرفها ملابسك وبيجامتك التي تلبسك أياماً وليال متصلة حتى لا تعود تعرف أتلبسها أم تلبسك أم يلبسكما شيء بغيض اللون والرائحة والملمس. تقف في شرفة البيت وتنظر باتجاه أحياء المدينة التي تظهر شمالاً وجنوباً، الصوت مستمر من كل مئذنة، بدل الأذان الموحد ينطلق المنع الموحد، الحبس الموحد، خراب البيت الموحد، الجوع الموحد، الحرمان الموحد، مقارعة الأولاد الموحدة، .... وكل الموحدات التي تجعل الجميع في الهم شرق أو شرك. وهذا الصدى الذي ينعكس عن الجبلين الشمالي والجنوبي فيحوّم في سماء المدينة غراباً يزعق في الخراب، هذا الصدى الذي يزيد الطين بلاّت من كل الألوان والأجناس.

.... إلى إشعار آخر ... إشعار ... إشعار ... آخر ... آخر، المنع إلى إشعار آخر والرفع إلى إشعار آخر. قبل ساعتين كان الصدى يرد "إلى إشعار آخر" أخرى، كانت مفتاحاً ضخماً يفتح قفل الزنزانة الكبيرة التي صارتها المدينة والمخيمات المجاورة، فانطلق الصغير والكبير من أبواب البيوت إلى الشوارع كما تنطلق الطيور الحبيسة عندما تفتح أقفاصها فجأة، الكبار إلى السوق ليزاحموا على أرغفة الخبز وأكياس الخضار نقداً وبعين قوية لمن يحمل الثمن وديناً وبعين كسيرة لمن ينقصه الثمن، وانطلقت السيارات الكبيرة والصغيرة، وبعدها بقليل وصل البائعون من القرى المجاورة ودوابهم محملة بالفقوس واللبن والتين، والصغار ملأوا الشارع، الذي كان مقفراً، نطاً وزعيقاً.

إشعار آخر وإشعار آخر من نوع آخر، تماماً مثل العملات، نفس الأرقام بقيم مختلفة، وأسعار العملات تعلو وتهبط باتجاه واحد هو خراب بيت الفقير، وأنت يا أستاذ أنيس من الفقراء، حتى لو عزيت نفسك بأن الغنى غنى النفس والثقافة والمعرفة فذاك لا يغير من الأمر شيئاً، وأسعار ال "إشعار آخر" هي الأخرى تخرّب البيت والأعصاب، إشعار المنع بثلاثة أيام وهل من مزيد وإشعار الرفع بساعتين على كف عفريت يمكن إلغاؤه لأي سبب، أسعار أل "إشعار آخر" تسير باتجاه واحد: سلب الجميع من حرية مقدسة كان سلبها حراماً، المنع والسجن توأمان يا أستاذ أنيس.

يا ظلام السجن خيم/ إننا نهوى الظلاما/ يا ظلام المنع خيّم/ إننا نهوى الظلاما/ أيها الحراس مهلاً  واسمعوا منا الكلاما/ متعونا بهواء/ كان منعه حراما/ متعونا بفضاء/ كان خنقه حراما

كنت يا أستاذ أنيس قد قررت أن تقضي فسحة ال "إشعار آخر" الرخيص بطريقة جديدة، المنع أصبح روتيناً، البيت أصبح روتيناً، الظلم أصبح روتيناً، منذ فترة وأنت تنتظر الجديد، تجديد يا رب تجديد، حتى ولو كان تجديداً في طريقة القمع، حتى ولو كان تجديداً في خراب البيوت. قررت أن تقتل الرتابة بطريقة جديدة بالتخلي عن هذه الحرية القصيرة، قلت لزوجتك والأطفال: اذهبوا حيث تشاؤون وأنا سأبقى في البيت. قلت سترى الناس من شرفة البيت، سيمر بعض الأصدقاء، ستدعوهم لشرب القهوة ومراقبة الناس معاً، خاصة وأن التموين جيد، في الرفع السابق وفقت بشراء كل ما تريد وفي هذا الرفع لا حاجة لكم إلا ببعض الكماليات، تستطيع زوجتك إحضارها من البقالات القريبة.

انقضت الفسحة دون أن تشعر، تفاجأت بصوت المنع وبال "إشعار آخر" العالي الثمن، شربت الشربة، أحسست بالخازوق الذي نصبته لنفسك، ثلاثة أيام أخرى بين الجدران وفي سجن البيجاما، لن ينتهي المنع قبل مرور الذكرى الوطنية القادمة، هكذا يفكر الذي يمنع، ما دمت قد بدأت المنع فمدده قدر ما تشاء ليشمل كل المناسبات القريبة، يبدو أنهم يطبقون المثل العربي "إن أطعمت أشبع وإن قتلت أوجع" حتى يثبتوا أننا أبناء عمومة حقاً. تخيلت الذي يمنع جنرالاً كبيراً ضخم الجثة على شاشة التلفزيون كتب تحت صورته بالعبرية والعربية "الجنرال منسق شؤون المنع"، تخيلته يصرح بكل هدوء مصطنع: تقديراً منا لمصالح السكان ولقطع الطريق على الذين يقومون بأعمال الشغب، اتخذنا الإجراءات الوقائية اللازمة مثل منع التجول، إن المحرضين على الشغب هم الذين يتحملون مسؤولية الإضرار بمعيشة سكان المناطق.

ثلاثة أيام يا منسق شؤون المنع!

هل تفهم ماذا تعني بالنسبة لي؟

".... يمنع التجول من الآن وحتى إشعار آخر"

ارتدت المآذن وسيارات الجيب التي ينطلق الصوت من مكبراتها وجهاً واحداً، وجه منسق شؤون المنع، لم تنتبه لزوجتك وأطفالك القادمين نحو البيت من طرف الشارع، تحول البيت تحت مطارق الصوت والصدى المتبادلة إلى أنبوب مضغوط كأنبوب معجون الأسنان، كل طرقة تضغط عليه فينطلق المعجون متلوياً من الفتحة الضيقة.

مع كل إشعار آخر تستطيل يا أستاذ أنيس، يخرج رأسك من الشرفة. إشعار آخر خرج الكتفان، إشعار آخر خرج الذراعان، إشعار آخر خرج الوسط، إشعار آخر خرجت الركبتان، أصبحت شريطاً رفيعاً طويلاً يتراقص في الهواء أمام شرفة البيت، تفحصت نفسك جيداً، الحمد لله، ما زالت القدمان على أرض الشرفة، مع كل إشعار آخر تصبح أرفع وأطول، تتلوى شمالاً وجنوباً.

تفاجأت عيناك يا أستاذ أنيس بمنسق شؤون المنع، استدرت نحو الخلف محاولاً التراجع إلى الشرفة، لكن القيود كانت أسبق إلى يديك من: إلى الشرفة، سحبتك أياد غليظة إلى سيارة عسكرية، حاولت مقاومتهم لكن قوة السحب كانت تفوق قوتك مرات عديدة.

قاعة مليئة بالعسكريين من كل الأشكال والألوان، دخل القاضي، سألك القاضي عن اسمك، أجبت وأنت في حالة "يا غافل إلك الله". عدت تفكر: ما الذي يريدونه منك ولماذا سحبوك إلى هنا؟

تحدث القاضي بشيء، ترجمه مترجم يرتدي الملابس العسكرية:

أنت متهم بخرق نظام منع التجول، هل تعترف بالتهمة؟

أجبت: لم أخرق المنع، فأنا ...

لم يدعوك تكمل، تحدث القاضي بشيء وانتظر قليلاً، دخل الضابط الذي رأيته في السيارة العسكرية، وقف على منصة خشبية وأتى بحركة فهمتها يا أستاذ أنيس على أنها قسم، تذكرت المحاكم والقضاء، قلت في نفسك "لا بد أنه يقول: أقسم بالله العظيم أن أقول الحق كل الحق ولا شيء غير الحق"، انفرجت أساريرك، سيزول سوء الفهم الحاصل وستعود إلى بيتك، فهذا هو الحق كل الحق ولا شيء غير الحق.

تحدث الضابط، ترجم المترجم: قبضنا على المتهم خارج بيته أثناء منع التجول.

نزل الضابط عن المنصة، نهض من الجهة المقابلة ضابط آخر، تحدث حديثاً أطول من حديث سابقه، ترجم المترجم: يطالب الادعاء بحبس المتهم شهراً حبساً فعلياً، وثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ، وغرامة ألف شيكل.

قلت للمترجم أنك تريد الحديث، نقل رغبتك للقاضي، سمح لك القاضي بالحديث بشرط الإيجاز، قلت: كنت أقف في شرفتي، خرج رأسي من الشرفة تحت ضغط الصوت والصدى، لم أغادر الشرفة.

تحدث القاضي، ترجم المترجم: الإنسان حيث رأسه لا حيث قدميه، الإنسان هو العقل، هل تعترض على إرادة الخالق؟

طار عقلك.

نهض القاضي، انسحب العسكريون الكبار، سحبك جندي ووضع القيود في يديك عند باب القاعة. تمنيت لو أنهم أمهلوك لتقول كلمة أخيرة، "قبل أن تجروني إلى هنا، كنت أفكر بابن الجيران، أكمل السادسة عشرة في السجن، كنت أفكر في أيام المنع الثلاثة القادمة عندما مرّ من أمامي، تحمل السجن وخرج قوياً، حسدته على قوته، ها أنتم تتيحون لي فرصة التجريب".

دفعك الجندي في سيارة عسكرية، كان هناك عدد من الشباب، استقبلك أحدهم "أهلاً أستاذ أنيس"، تعرفت عليه، إنه أحد طلاّبك، عرفت منه أنكم تنتظرون النقل إلى السجن.

 

2 Attachments

 

 

 

قصة قصيرة

حزن الصور

د.سامي الكيلاني

قطارات الصباح تتنوع في ركابها بين رحلة وأخرى حسب ساعات الحركة، في ساعة الذروة الصباحية الأولى يأتي قطار كل عشر دقائق ويرحل مكتظاً بالركاب، معظمهم طلبة المدارس لا يملؤونه بأجسادهم وحقائبهم فحسب، بل وبأصواتهم التي تتداخل كلماتها الفرنسية والإنجليزية مع كلمات متناثرة من العربية ولغات أخرى. أما هذا القطار، قطار الثامنة والربع، فإنه قطار الموظفين، أقل اكتظاظاً وأكثر هدوءاً. تنتظر على الرصيف فيعلنون شيئاً ما بالفرنسية، لا تفهم من الإعلان شيئاً، عبثاً تحاول تعلّمها، صرت تعرف كلمات وعبارات كثيرة عندما تراها على واجهات المحلات أو الإشارات في الشوارع، ولكن أذنك تأبى الدخول في هذه العملية الإدراكية، يبدو أنه لا بد من تعلّم حقيقي على مقاعد الدراسة لكي تتعلم لغة جديدة في هذا العمر. تسأل شاباً يقف بجانبك عن الإعلان، فيوضح أن القطار سيتأخر عن موعده دقيقتين. تضحك في سرك "إني مسامحكم بالدقيقتين وحتى بخمس دقائق، لا داعٍ للاعتذار عن هذا التأخير، دقيقتين، مش بيننا يا جماعة الخير"، وتشكر الشاب على التوضيح المهم.

يصل القطار كما وعد الإعلان، تنتقي مقعداً متأخراً في العربة لتتم قراءة صفحات في الرواية التي بدأتها قبل يومين. تنغمس في القراءة استمتاعاً، لا تدري كيف مرّ الوقت حين تنبهت لوقوف القطار في المحطة الرئيسية في المدينة، المحطة التي تقصدها.
سرب من النمل البشري الطويل يتوجه نحو المخرج عبر الدرج الكهربائي المتحرك، تفتقد التدافع، أليس بين الجميع شخص مستعجل يزيحك جانباً ويظهر أهميته وأن عمله المهم لا يحتمل التأجيل كما يفعلون هناك في بلدك، تفتقد هذا الأمر أحياناً كافتقادك لأبواق السيارات في شوارع المدينة، وافتقادك لعبارات "صباح الخير يا جار، أراك خارجاً مبكراً، إلى أين العزم يا جار؟" ومثيلاتها. تندمج في سرب النمل ويتحرك الدرج الكهربائي ليخرجكم من رصيف المحطة إلى المستوى الأرضي. الجو جيد هذا اليوم كما تقول النشرة الجوية على الشاشة قبالتك، أن يكون الجو هكذا في تشرين الثاني أمر رائع، إنه أفضل وداع لدرجات الحرارة فوق الصفر المئوي قبل أن يقتحم موسم الثلج حياة المدينة. تقرر أن تقطع المسافة إلى الجامعة مشياً في الشارع بدلاً من المضي في مسارك المعتاد في النفق الطويل تحت الأرض الذي يربط محطة القطارات بالمجمع التجاري الذي يؤدي الخروج منه إلى الشارع القصير الموصل لبوابة الجامعة الرئيسية. أعمال الصيانة ما زالت تعرقل سير المشاة والمركبات، لكن لا أحد يطلق بوق سيارته ولا أحد يعصي أمر إشارة المرور أو إشارة الشرطي. الشمس تظهر واضحة من بين العمارات الشاهقة، تتسلل بين الغيوم الخريفية لتلقي أشعتها على الشارع، منظر يستحق التصوير، تقرر أن تلتقط لها صورة لتضعها على صفحة الفيسبوك مع "صباح الخير" تحية لأصدقائك.
تدخل البوابة الرئيسية للحرم الجامعي، تتصبّح بتمثال السيد ماكغل مؤسس الجامعة يمسك بعصاه المغروسة في الأرض بشكل مائل للأمام، ومعتمراً قبعته، مندفعاً كأنه ما زال يمشي على هذه الأرض. فجأة يقفز سنجاب قربك ويلتقط ثمرة جوز بيديه ثم يقف على قدميه ينظر نحوك، ثم ينقلها إلى فمه، لا يمهلك حتى تفتح كاميرا "الموبايل" لتلتقط صورته، يهرب في اللحظة الأخيرة قبل أن تضغط زر التصوير. هكذا هو صنف السناجب، هذه المخلوقات اللطيفة، الواحد منها متحفز دائماً للهرب إن كان يحمل في فمه شيئاً من الطعام كأن البشر سيسرقون طعامه، تُكبِر فيهم هذه الصفة وتتمنى لو أن كل البشر يحافظون على حقوقهم بهذا الشكل، أو يسارع للقفز وتسلق أية شجرة قريبة ليقف على جذعها أو على أحد أغصانها وينظر إليك يتأملك بعينيه الصافيتين متفحصاً نيتك تجاهه وجاهزاً للابتعاد إن شك في نواياك.

جو احتفالي يعمّ المكان، زينة وأعلام موزعة حول الخيمة الكبيرة، السرادق، التي نصبت في ملعب كرة القدم قرب المكتبة الرئيسية تحضيراً للاحتفال بخريجي الفصل المنصرم. قرب الخيمة مجموعات من الخريجين الذين جاؤوا مبكرين، تتأمل المنظر وتعيش لحظة فرحهم كأنك واحد منهم. تتذكر لحظات التخرج التي عشتها وكانت مناسبة للاحتفال بالإنجاز الذي تم دون أن تفكر بالمنتظر من دروب وهموم العمل والحياة، أو بتجاهل متعمد ولو لوقت قصير لذلك التفكير وتلك الهموم، وتتذكر مناسبات التخرج التي حرمت منها وكنت ترغب في المشاركة فيها. سترى اليوم صديقين الذين حضرا من البلاد كما وعدا في رسائلهما الإلكترونية قبل أيام. تغبطهما على المشاركة، فهذه الاحتفالات فرح يستحق السفر من أبعد الأماكن، حتى وإن تطلب الأمر عبور المحيط للوصول إلى هنا ليصعدا المنصة من جهة ويخرجا من الجهة الأخرى برأسين تعلو كلاً منهما قبعة تقول "تخرجنا"، وتهون معه كذلك معاناة عبور جسر الكرامة الخالي من أية كرامة، جسر الأحزان يا فيروز، طارا كل هذه المسافات ليشاركا في هذا الحفل، ستقول لهما ألف مبروك.

خريجة ترتدي "روب" التخرج وتقف مع شاب، حبيبها أو خطيبها أو زوجها أو أخيها، يلتقطان صورة "سيلفي" على خلفية المبنى الرئيسي المواجه للبوابة، وحين تقترب منهما وتحييهما يطلبان منك أن تصورهما على خلفية المبنى الرئيسي فتوافق، يعطيك الشاب الموبايل ويعود ليقف إلى جانبها والبسمة تعلو ثغريهما. تعيد له الموبايل وتسألهما عن رأيهما بالصورة لتطمئن منهما إن كانت اللقطة قد أعجبتهما، فتعبر الصبية عن إعجابها بالصورة وتشكرك. تتذكر صور زمان وانتظار تظهير الصور قبل عصر الديجتال، كم كنت تنتظر لتعرف نتيجة الصور خشية من أنها "احترقت". بعد مسافة قصيرة خريج آخر بروب التخرج الخاص بدرجة الدكتوراه يمشي بأبهة ويمسك بيد فتاة صغيرة، بنت أو حفيدة، المنظر يغري بالتقاط صورة أخرى تستحق التسجيل كصورة الشمس المتسللة من خلف العمارات الشاهقة، ثنائية جميلة ربما ترسلها إلى نشرة الجامعة إن وافق مع عبارات حول الأجيال، تضغط لكنه يتحرك في اللحظة الأخيرة كما فعل السنجاب، فهل يتآمر الناس والسنجاب هذا اليوم على رغبتك في التصوير.

تتأمل منظر الخيمة ومجموعات الخريجين الواقفين في محيطها فتتذكر أنك من بين أربع محطات تخرج في حياتك الدراسية الجامعية لم تشارك إلاّ في حفل تخريج واحد، وحتى هذا الحفل ضاعت صوره التي احتفظت بها، لم تضع بسبب إهمالك، لقد حافظت عليها كتذكار لأيام جميلة، لكنها أصبحت في ملفات المخابرات حين أخذوها جميعاً في الاعتقال الأول في حياتك، وبعد ذلك لم تشارك في أية احتفالات أخرى، حرمتك ظروف كثيرة من المشاركة فيها فلم تحصل على صور للتخرج. تتذكر تلك الصور وتحزن عليها، ولكنك تقرر ألاّ تبالغ في الحزن لأن الحزن صار يلزم لأمور كثيرة أكبر من ذلك. تتذكر الصديقين القادمين للاحتفال واللذين لا بد قد وصلا وينتظرانك في الدائرة، وتقرر أن تأخذ معهما الكثير من الصور وأن تبتسم في كل الصور حنيناً للصور التي ضاعت ونكاية باللذين سرقوها، وكذلك نكاية برقعة الحزن التي تتوسع كل يوم ويبدو أنه ما زال أمامها مساحات للتوسع.

 

قصة قصيرة

خواجا

د.سامي الكيلاني

أخيراً أصبح الصباح بعد الليلة الطويلة، ليلة من السهر الإجباري تخللته فترات قصيرة من إغفاءة الجفون. تساءل "هل شكلت الإغفاءات بمجموعها ساعة أو أقل؟"، وتمنى لو كان في جسمه عدّاد خاص يسجل النوم وزمنه ليعرف كم نام وكم حرم من النوم الذي يعتبر حقاً من حقوق البشر. أسلوب من أساليب تسلية الذات التي يلجأ إليها في مثل هذا المواقف، بدلاً من الإحساس بثقل الوقت البطيء، وعادة يلحقها بعبارة "ضيفه ع الحساب" التي علقت في ذهنه من مسلسل تلفزيوني، الحساب الطويل مع الاحتلال الذي أخذ من عمره سنوات خلف القضبان وغيرها من خلال أشكال مختلفة من الملاحقة والتضييق على حياته. بدأ المحتجزون في قاعة الانتظار في مقر الحكم العسكري "يستيقظون" واحداً تلو الآخر، إذا كان بالإمكان اعتبارهم قد ناموا. منذ مساء أمس بدأت حملة اعتقالات شملته مع عدد من شباب القرية الأصغر منه سناً. أخذوا منهم بطاقات الهوية ووضعوهم في هذه القاعة التي تشكل مدخل بناية الحكم العسكري وتنتهي بدرج يؤدي إلى الطابق الأعلى من البناية، حيث مكاتب ضباط جيش الاحتلال. بدأوا باستدعائهم واحداً واحداً والتحقيق معهم. لم يكن الاستجواب معه استجواباً حقيقياً، وإنما إيصال رسالة مضمونها "أنت المسؤول عن القلاقل في القرية، أنت محرض وستدفع الثمن". انتهت الاستجوابات وتركوهم حوالي منتصف الليل. لم يبق في القاعة غيرهم بعد أن غادر آخر المطلوبين الآخرين القاعة بعد أن أعاد له الجندي المناوب بطاقة هويته.

بقي هو وشباب القرية في القاعة الفارغة من أي شيء سوى مقعدين خشبيين رفيعين طويلين. تحدثوا لبعض الوقت بصوت خافت عن الأسئلة التي وجهت لهم وإجاباتهم، وخرجوا بنتيجة أن الأمر لا يتعدى ترهيب بعد المظاهرات التي اندلعت بالأمس بمناسبة ذكرى يوم الأرض، وأن ليس لدى المخابرات أي شيء عن أي منهم. حاول كل منهم أن يجد طريقته لقضاء الليلة. رغم أن المقعد الخشبي الرفيع لا يناسب النوم أصلاً، إلاّ أن بعضهم حاول التمدد عليه بدلاً من الأرضية الباردة، لكن من يفعل ذلك كان يكتشف حالاً أن البقاء جالساً أو متحركاً أرحم على جسمه من خشب المقعد. تكيّف قليلاً بلفّ نفسه بالسترة الدافئة وجلس على طرف المقعد الخشبي مسنداً ظهره للحائط طمعاً في غفوة قصيرة بين ساعة وأخرى، مجرد محاولة للتعامل مع النعاس الذي يهاجم بقوة. شكر الصدفة التي جعلته يحمل هذه السترة التي تحميه من البرد، خاصة طاقيتها التي حمت رأسه من برد الجدار حين أسنده إليه. كان عندما يتعب من الجلوس على المقعد يذرع القاعة من شرقها لغربها ثم ينوع من شمالها إلى جنوبها، وأثناء ذلك يعطي السترة لأحد الشباب الذي كان يعاني من البرد لأنه اعتقل من الشارع بملابس خفيفة.

 

قرر المحتجزون أن يطالبوا بوجبة فطور كونهم محتجزين منذ الأمس، وتوجه أحدهم إلى الجندي المناوب، حاول هذا تجاهل الطلب إلاّ أن الشاب الذي ذهب ممثلاً عنهم أصر ولم يرهبه تهديد الجندي الذي اضطر أخيراً للقول بأنه سيستشير الضابط. عاد وقال بأنه مسموح لهم الخروج إلى المدينة لتناول الفطور، وأن بطاقات هوياتهم ستبقى محجوزة لدى ضابط المخابرات الذي استجوبهم في الليلة الماضية.

سار باتجاه وسط المدينة مستمتعاً بأجواء الربيع. توجه إلى مطعم شعبي يرتاده عادة، تناول ساندويشة فلافل شهية وشرب كوب شاي. عرّج في طريق العودة على محل لبيع الملابس المستعملة، واشترى سترة أخرى احتياطاً ليستعملها من يحتاجها من الشباب إن استمر احتجازهم ليوم آخر.

بعد عبوره البوابة الرئيسية سمع امرأة تتحدث مع شخص بملابس عسكرية يعمل في الحديقة، ملامحه وكلماته تدل على هويته غير اليهودية، كانت المرأة تتحدث إليه وتناديه "خواجا"، فقال للسيدة على مسمع الجندي بهدف مساعدتها أن هذا ليس "خواجا"، فانتفض الجندي محتجاً ومهدداً "بِحْسِن أكون خواجا". تابع سيره دون أن يستمع لبقية كلماته، وهو يفكر بالعبيد الذين يستمرؤون العبودية ويحاولون التشبه بأسيادهم.

 

 

 

قصة قصيرة

طائر النعاس

د. سامي الكيلاني

جالساً على مقعده في مطار شارل ديغول، محطة بين الشرق البعيد والغرب البعيد قبل عبور الأطلسي. غادره النعاس الذي كان قد تلبّسه منذ بداية الرحلة، فجأة انحسرت موجة النعاس، هكذا دون سابق إنذار، هكذا هي أمور الحياة، تمنى في الطائرة لو أن المسافة بين المقعدين في الدرجة السياحية مثلها مثل تلك التي تفصل بين مقاعد المحظوظين في الدرجة الأولى ليمد رجليه ويغفو قليلاً، كان في انتظار اللحظة التي يصل فيها قاعة الترانزيت ليقتنص طائر النعاس الذي كان يحوم فوق رأسه دون انقطاع، وها هو قد طار بعيداً عن جفنيه، صار بعيداً، بعيداً. جاءته موجة من التذمر "اللعنة على هذا النعاس، حتى أنت يا بروتوس، النعاس ككل الأشياء التي تعرف كيف تغيظنا، حتى التعب لم يستطع استدراج طائر النعاس، فما الذي يريده إذن حتى يحط؟". قرر أن يحتسي فنجان قهوة نكاية بطائر النعاس العنيد "إن كنت عنيداً فأنا أعند منك!". نهض دون تثاقل، أيضاً نكاية بطائر النعاس، واتجه إلى المقهى الصغير الوحيد المفتوح في هذا الصباح الباكر، علامات النعاس والتعب بادية على عاملة المقهى، يبدو أنها تنتظر انتهاء دوامها وتتمنى ألاّ يحضر أحد لشراء شيء من عندها، قامت متكاسلة، لم يقل لها شيئاً سوى " دبل إسبرسو"، حتى أنه لم ينهِ عبارته بِ "لو سمحت" كعادته. ناولته الفنجان وعاد إلى مقعده يحتسي رشفات من القهوة على مهل وكأنه يقول لطائر النعاس "حلّق أبعد ما شئت، لست بحاجتك، أستطيع أن أعيش بدونك ليوم آخر". مع رشفات القهوة عادت إليه تفاصيل الجزء الذي مضى من الرحلة.

***

كان الأمس يوماً طويلاً متعباً للجسد والأعصاب، لا لم يكن اسمه الأمس، إنه يوم مستمر، بعض الأيام طويلة، تعيش أكثر من 24 ساعة، قد يصل طولها إلى 40 ساعة. كان يوماً طويلاً كثيفاً في كل ما احتواه، ركض وركض وركض، كان عليه إنجاز أشياء كثيرة قبل التوجه إلى الجسر لعبوره ومنه إلى المطار. كان كل شيء معلقاً بخيط رفيع من اللايقين. طائر اليقين في كل ترتيبات السفر غادر حياته منذ زمن طويل دون رجعة، لم يعد ينتظره، فقط يتذكره حين يستمع لروايات أصدقائه الدوليين فيتحسر "كل الناس في هذا العالم يذهبون إلى رحلاتهم بعد أن يخططوا وقتهم مع قليل من الاحتياط تحسباً لأزمة السير على الطرق فحسب، إلاّ نحن علينا أن نحتاط من غير تيقّن لكل أنواع الحواجز على الطرق، ولمزاج كل جندي من جنود الاحتلال، جندي مراهق يقرر فجأة أنه سيلعب بأعصابك فيوقف السيارات على الحاجز الذي يغلق ويفتح بأمره، وكل مجندة على مدخل منطقة الجسر يمكنها ترك حافلتك واقفة لساعة، لساعتين دون سبب يمكنك إدراكه أو حتى توقعه".

كان يوماً حافلاً، بدأ بالذهاب إلى مقر شركة السيارات في مدينة أخرى لاستلام السيارة الجديدة وتسليم القديمة، لم يرد أن يؤخر هذا الأمر إلى ما بعد عودته من هذه السفرة، فمن يدري ماذا يمكن أن يحدث، اللايقين سيف مسلط فوق الرقاب. وحين عاد إلى مدينته كانت السيارة التي كان من المفترض أن تحمله إلى الجسر قد غادرت. قال له صاحب مكتب السفر مواسياً ومعتذراً "حاولنا انتظارك، أخّرنا موعد السيارة نصف ساعة فتذمر الركاب الآخرون، اعذرني". شكره واستأجر سيارة خاصة. استمع طيلة الطريق إلى أحاديث السائق المتشعبة في كل شؤون الحياة، لم يصغِ جيداً لكنه لم يتذمر، كان يكتفي بكلمة أو بهز رأسه مجاملة للمتحدث. وفي الطريق من الجانب الآخر من الجسر إلى المطار كان عليه أن يستمع لأحاديث سائق آخر وهو يحلل الوضع السياسي بدءاً بمصيبة عودته مطروداً من الكويت ويشكو ضيق الحال ثم يعرّج للحديث عن شوقه للعودة إلى قريته التي هجّرت منها عائلته وهو طفل ويتمنى رؤيتها قبل أن يرحل عن هذا العالم إلى العالم الآخر. كل ذلك حدث منذ الصباح، تفاصيل كثيرة عاشها دون تركيز تحت وطأة سيف الخوف من عدم الوصول إلى المطار في الوقت المناسب، سيف الخوف الذي كان يخيم عليها جميعاً ويجعله ساكتاً غير اجتماعي على غير عادته مع مثل هذين السائقين والمسافرين معه في حافلات النقل بين طرفي الجسر.

وأخيراً كان في المطار تماماً على الوقت وجلس عند بوابة رحلته، وضع حقيبته الصغيرة بجانبه على المقعد وأسند ظهره إلى ظهر المقعد ومدّ رجليه، أزاح عن كاهله ذلك القلق الذي كان ينتابه بأن تفوته رحلة الطيران.

ضحك وهو يتذكر ملاحظته للعائلة "ليس لنا زمام، لم نحترم العشرة الطويلة مع السيارة القديمة، حتى لم نأخذ لها صورة وداع"، ولكن صغيرته الرائعة قالت إن ذلك لم يفتها، فهي قد قامت بذلك، لقد صورت "بيبا" كما كانت تدعو السيارة تحبباً. أسند ظهره ليستريح خلال الدقائق المتبقية قبل فتح البوابة، لن يزاحم، سيأخذ ما يمكنه من الاسترخاء على هذا المقعد بعد يوم طويل من سباق التتابع بين محطات الأحداث الكبيرة وأخواتها الصغيرات.

***

أنهى فنجان القهوة وقرر أن يشغل نفسه بمراقبة الناس الذين يمرون قربه، ذكوراً وإناثاً، شباباً ومسنين، بيضاً وسمراً وصفراً وسوداً ومن كل الألوان. نساء بشعر متهدل على الأكتاف وأخريات بشعر قصير وغيرهن بشعر مجعد، رجال بشعر مرتب وآخرون بصلعات تلمع، والأهم من كل هؤلاء وأولئك أطفال من كل الألوان. "لا أروع من المواسم الواعدة" قال لنفسه متذكراً أطفاله وكأنهم لم يعبروا مرحلة الطفولة. انفرجت أساريره وهو يرى الصورة التي يحب، طفلة ذات جديلتين مقبلة باتجاهه، راقبها وهي تحاور أمها بحرارة ممسكة بيدها وتسير إلى جانبها، ركز على عينيها، سحره اللون الأزرق الصافي، كانت تشد يد أمها إلى الأسفل بقوة لتجذب انتباهها إلى حديثها بينما الأم منشغلة عنها بحديث عبر هاتفها الخليوي. ودّ لو بإمكانه أن ينهض ويخطف الهاتف من يد الأم ويقول لها "استمعي لصغيرتك، حديثها أهم من ثرثرتك على هذا الهاتف". التقت عينا الطفلة بعينيه اللتين تراقبانها، أصابتها الدهشة أولاً ثم أجابت ابتسامته بابتسامة حين أصبحت قريبة منه. بقيت صورة الابتسامة التي علت شفتيها حين عبرت من جانبه حاضرة في ذهنه، استدار ليلحق ببسمتها لكنها لم تستدر هي الأخرى. خزّن صورة بسمتها وأغمض عينيه.

لم يدرِ كيف عاد طائر النعاس وحطّ في عشه داخل رأسه الذي كان يضطرب قبل قليل بمختلف اللعنات على كل "بروتوس" خاله متجسداً في الأشياء التي دارت في ذهنه. نظر إلى الوقت الظاهر على شاشة المونتر المعلقة مقابله، تيقن أن الموعد على حاله لم يتغيّر، سيبدأ تحميل الركاب بعد أكثر من ساعتين. حضن طائر النعاس وقرر أن يغفو دون خوف من أن تفوته الطائرة.

 

 

 

 

 

قصة قصيرة

قصة قصيرة

هالة أقل

سامي الكيلاني

 

البيت الكبير فارغ إلّا من صدى الأصوات التي لا تبرح سمعه ولا تغادر الفضاء المحيط به. يجلس على الفراش متكئاً على الوسادة الموضوعة فوق مسند صلب ما يجعل الاتكاء عليهما معاً مريحاً جداً بالنسبة له. يجلس مرتاحاً مقتنعاً بأن هذا الفراش وثير جداً، فرشة الصوف المنجّدة حديثاً بوجهها ذي الرسومات الزاهية الألوان، ومقتنع بذلك على الرغم من أنه لم يجرب غيره من فراش البيوت القريبة أو البعيدة. يعتقد بكل جوارحه أنه أفضل فراش في محيط القرية دون أن يسمح لبعض هواجس الغيرة، التي بدأت تراوده أخيراً، أن تخرق هذا الاعتقاد. لكن الهواجس هاجمته اليوم، دفعها بقوة فارتدت إليه ككرة ارتطمت بالحائط. تكاثرت من تلك الكرة كرات كثيرة، شتم الأصل الذي نبتت منه هذه الكرات، شتم أصلها وفصلها، شتم صديقه الذي فجّر بحديثه قبل قليل نافورة الكرات هذه. الحديث الذي نقله الصديق عن أمه التي زارت ذلك البيت في طرف القرية والمحاط بسور عالٍ عندما ذهبت لتعمل لدى أصحابه، أسهب صديقه بوصف تفاصيل العز الذي يعيشه أهل ذلك البيت.
تضايق كثيراً من الكرات التي ترتد من حائط إلى آخر داخل البيت وفي اتجاهات متعددة. أصبح مسكوناً بهاجس الخوف من هذه الكرات، يخاف أن تضربه إحداها في وجهه أو أن تغير مسارها لتضرب الحائط الآخر حيث توجد دائرة كبيرة من الهالة التي تنتشر حول الصورة الكبيرة الموضوعة في إطار محيطه من الخشب العريض الذي كان في يوم من الأيام ذهبي اللون، هالة يراها كلما نظر إلى الصورة كأنها أشعة يخرج كل شعاع منها من الصورة الكبيرة المؤطرة التي يسهب جده في وصف محاسن صاحبها، وجهه المستدير النوراني، فروسيته، وشاربيه اللذين يمتدان بأبهة لمسافة خارج دائرة وجهه، وعينيه اللامعتين كعيني صقر. تكاثرت الكرات فبدأ يحرك يديه في كل الاتجاهات ليدفعها بعيداً، كما يهش الذباب أو موجات حشرات البرغش التي تهاجم الناس في أيام القيظ، تعمل يداه بنشاط ليبعد الكرات التي تتردد في ارتداداتها بين الحائطين ليحمي وجهه، ولكنها أصبحت أكثر خطراً من الذباب والبرغش، إنها الآن كالدبابير التي انطلقت بعد أن استفزها بتحريك عشها بعصاه بتحريض من ذلك الولد نفسه. عدّل من جلسته وخفّض رأسه ليصبح أبعد ما يمكن عن مستوى حركة الكرات. ضربت إحدى الكرات اللوحة فاهتزت اللوحة اهتزازاً قليلاً، فصاح ألماً كأن حجراً أصاب رأسه، ثم تتالت الكرات التي تصيب الصورة المؤطرة فلم يصمد الزجاج الذي يحميها، تهشم وسقط على أرض البيت شظايا كان لاصطدامها بأرض البيت دويّ ملأ أذنيه كأنه انفجار قنبلة، ووصلت بعض الشظايا فراشه. تفقد نفسه، كان كل شيء في جسمه سليماً.
أغمض عينيه وأمسك رأسه بيديه. هدأت الكرات. رفع يديه عن رأسه، فتح عينيه واتجه نحو الحائط ليتفقد الصورة التي أصبحت عارية من زجاجها، فاقترب منها يتفحصها بعين يملؤها الرعب على مصيرها بعد انفجار الزجاج. اقترب ودقق في الصورة، صدمه المنظر، كانت قديمة باهتة الألوان، وكان الوجه مستطيلاً دون محاسن تذكر، وكانت العينان ذابلتان تحت حاجبين أبيضين كثّين وخاليتان من اللمعان الصقريّ.
تراجع إلى الخلف عدة خطوات مصدوماً، فرك عينيه بقوة معتقداً أن العيب فيهما وليس في الصورة، هدّأ من روع نفسه لدقائق بقي فيها مطرقاً ومغمض العينين أملاً في أن يريحهما على أمل أن تعود لهما القدرة على الرؤية السليمة. تقدم مرة أخرى من الصورة بخطوات بطيئة، يملؤه الأمل بأن يعود للصورة ألقها وألاّ يتكرر الرعب الذي أصابه في المرة الأولى. عيناه لم تكذبا في المرة الأولى، الصورة باهتة، والوجه مستطيل وليس باستدارة البدر، والعينان صغيرتان ولا لمعان فيهما، والحائط الذي ظلت الصورة معلقة عليه معتم وليس هناك هالة تحيط بالإطار الذي خسر زجاجه. تراجع مرة أخرى بخطى ثقيلة تحمل جسداً متعباً يعلوه رأس يضج بأمواج متلاطمة من التفكير، الصورة القديمة تحاول الرجوع عبر الأمواج لكنها تغرق، والصورة الجديدة تتقدم كما هي محمولة على موجة تحيط بها علامات استفهام كبيرة، تختفي مع الموجة العابرة لتعود مع موجة جديدة تتقدمها علامات الاستفهام. ألقى نفسه على الفراش الذي تركه، أحس بقساوة الفراش، لم يستطع أن يمد جسده ويتكئ على الوسادة، ترك الفرش واتجه نحو الباب المؤدي إلى فناء البيت.

خرج وجلس تحت شجرة التين الكبيرة في فناء البيت في انتظار أبيه ليسأله بعض الأسئلة، وسرّح نظره في الأفق الغربي مراقباً سرب سنونو يتفنن في عمل تشكيلات في طيرانه على خلفية ضوء شمس الأصيل. أعطاه جو الغروب بعض السكينة، ولكنه ارتجف خوفاً حين رأى للحظة أن رف السنونو تحول إلى كرات تتجه نحوه. نفض رأسه بقوة وصرخ "لا…لا…لا"، استدار وظل يردد لاءات متتالية متصاعدة في شدتها. هدأ وأعاد النظر نحو الغرب، كانت الطيور في السرب واضحة على خلفية الأفق الغربي، لم تعد الطيور مجرّد أجسام سوداء تسبح في الفضاء، رآها طيوراً واضحة بكل التفاصيل، حتى أنه رأى عيني الطائر من هذه الطيور تلمع خلف منقاره، ورأى تفاصيل الجسم الذي ينطلق منه جناحان مفرودان على اتساعهما وفي نهايته ذيل بشعبتين.

سرب السنونو يبتعد وينعطف نحو الجنوب وظل يبتعد حتى اختفى. ظل يستحضر صور تشكيلات طيرانه ويتأملها كأنها ما زالت حاضرة أمامه، تساءل منذ رآها في طفولته عن سر هذه الحركات في أسراب السنونو التي تأتي مرة في السنة ولم يجبه أحد، ولم يجد في الكتب جواباً شافياً عندما كبر.

بعد قليل عاد السرب، ظهر من أقصى الجنوب نقاطاً صغيرة تكبر تدريجياً حتى أصبحت مقابله في الجهة الغربية، أصابته الدهشة "ما هذا؟". كان كل طير في السرب يحمل بمنقاره كرة صغيرة. قام السرب بالطيران بتشكيلاته المعتادة، ثم اقترب باتجاهه حتى أصبح فوقه. بدأت الكرات تتساقط صغيرة ثم تكبر تدريجياً أثناء سقوطها، التصق بالجدار خوفاً من سقوطها على رأسه، عندما وصل بعضها الأرض لاحظ أن سقوطها لم يكن قوياً كما كان يتوقع، مدّ يده وتلقف إحداها قبل أن تصل الأرض، أمسك بها فوجدها كرة ناعمة، لم تكن كما تصورها عندما كانت تملأ فضاء البيت وهشمت زجاج إطار الصورة، تلاشى خوفه منها فأخذ يركض يتلقفها بيده اليمنى دون خوف بينما يمسك بيده اليسرى طرف قميصه الفضفاض جاعلاً منه كيساً يضع فيه الكرات التي يجمعها.

 

 

غريبان وغريب

د.سامي الكيلاني

ما الاسم المناسب الذي يمكن أن تطلقه على هذا اليوم؟

بعد انقطاع عن الدوام في المكتب لليومين السابقين بسبب العاصفة الثلجية التي وصفتها مواقع الطقس بأنها الأسوأ لهذا العام، واستفادتك من هذا الانقطاع لقطع الطريق على رشح والتهاب حلق بسيط كان من الممكن أن يتماديا أكثر لنزلة صدرية لولا هذه الاستراحة التي جلبتها العاصفة. دائماً هناك وجه آخر للأمور، هناك مدخل للتشاؤل يا حبيبي، يا إميل حبيبي. لذلك وصلت المكتب (الغرفة) مملوءاً بحنين إلى الجلوس خلف المكتب (الطاولة) والعمل متنقلاً بين العمل على جهاز الحاسوب الراقد على سطح المكتب، أو "الديسكتوب" قبولاً بالاسم المتداول الذي لا تمانع من استخدامه لأن الأسماء ينبغي أن ترتبط بأصحابها، والعمل على الحاسوب المحمول بالحضن أو "اللابتوب" اعتماداً على قاعدة القبول ذاتها. الأول يحتوي ملفات قديمة أغلبها مراجع منزّلة من الشبكة العنكبوتية بطريقة شرعية حسب قوانين الملكية الفكرية مستفيداً من اشتراك مكتبة الجامعة، ولكن ينبغي الاعتراف بأن بعضها أيضاً نزّلت بطريقة احتيالية على تلك القوانين نكاية بالناشرين الذين يبالغون بثمن النسخ الإلكترونية لمنشوراتهم. تتنقل بين ملف وملف على صفحة اللابتوب فرحاً بهدية سماعات ترتبط بالحاسوب لاسلكياً، أي عبر "البلوتوث" قبولاً بالقاعدة ذاتها، فكم ستكون مضحكة لو ترجمناها إلى "السن الأزرق" وستكون ثقيلة دم  إلى درجة كبيرة، هذه السماعات التي تمكنك من هذا الاستمتاع بالموسيقى أثناء العمل دون أن تكون مربوطاً بجهاز الكمبيوتر بسلك سماعات الأذن كما في السابق، فبها يمكنك أن تتحرك وتتابع غناء فيروز والحب الكبير كبر البحر وبعد السما، ثم تستمع إليها تشكو حبيبها المهمل الذي أهداها وردة فحافظت عليها فأهدته مزهرية لم يحافظ عليها فكسرت، فتضحك متسائلاً "لماذا تحبينه بعد كل هذه الإحباطات يا فيروز"، وتجيب نفسك أن لله في خلقه شؤوناً، خاصة حين يتعلق الأمر بالعشاق منهم. تستمتع بالموسيقى، شاكراً ولدك الذي أهداك هذه السماعات بمناسبة عيد الأب، فتفرح لأنه قد أصبح للأب عيداً كما للأم. تندمج في مراجعة مقال قديم تعمل على تحديثه استفادة من أمورٍ اطلعت عليها من أحد المراجع التي نزلت على قرص حاسوبك حلالاً زلالاً، كما يقال، دون أن تدري كيف يكون الحلال زلالاً. أشياء صغيرة تمسح بيد لطيفة على الروح فتجعلها تسترخي في السماء الكبيرة والبحر الكبير، الفرح بأن للأب عيداً، والفرح بسماعات البلوتوث التي تجعلك حر الحركة على عكس السماعات السلكية التي تربطك بالجهاز إن أردت الاستماع والعمل وتمنعك من التحرك في جو المكتب لتناول كتاب من الرف في الطرف الآخر من المكتب أو إن أردت وصول الباب لتفتحه لطارق يطرقه.

أغلقت الموسيقى القادمة من موقع اليوتيوب مؤقتاً، أي عملت "بوز"، وقصدت المطبخ الصغير لتسخن غداءك في جهاز الميكروويف. وجدته هناك، ملامحه قريبة من ملامحنا، كان حائراً، يبحث في الرفوف عن شيء ما، لم تبادره بالسؤال عمّا يبحث، فالخصوصية هنا في هذا البلد محترمة إلى أبعد درجة وعلى طرف النقيض البعيد من حشريّتكم المعتادة هناك في بلدك، ولكنه بادر الحديث من تلقاء نفسه موضحاً بأنه يبحث عن مناديل أو مناشف ورقية. كانت كلماته بالإنجليزية تدل على أنه "غريب"، انتبهت لوجهه المتعرّق، بحثت معه عن المطلوب في خزائن المطبخ الصغير حيث تكون عادة المناشف الورقية، لم يكن هناك شيء منها. قلت له لديّ منها في المكتب ويمكن أن تعطيه، عدت إلى المكتب وأحضرت مجموعة من المناديل الورقية وناولته إياها. قال لك "أنا تركي، وأنت؟"، أجبت "فلسطيني"، أجاب "ما شاء الله" ثم أتبعها بإنجليزية "تشرفت"، وزاد في التوضيح بأنه على ما يبدو قد أخذ برداً بالأمس وأن هذا العرق ناتج عن حمى بدأ يشعر بها قبل بدء محاضرته، وبأنه لم يرغب الغياب عن المحاضرة، فتمنيت له الصحة والتوفيق. تذكرت أمرئ القيس، أجارتنا إنا غريبان هاهنا/ وكل غريب للغريب نسيب، وقلت له دون أن تسمعه ما قلت، أيها الشاب في عمر ابني كلانا غريبان هنا يا بني وكل غريب للغريب نسيب. وعدك بزيارة قادمة بعد أن أعاد شكره واستأذن للذهاب إلى محاضرته التي بدأت قبل دقائق. شعرت بالسرور وأنت ترى الارتياح على وجهه وتمنيت له من كل قلبك النجاح، واعتبرته صديقاً جديداً تتنظر مروره مرحباً به عندما يشاء.

بعد ذهابه وضعت العلبة البلاستيكية التي تحتوي غداءك في الميكروويف وسخنته، حملتها وعدت إلى المكتب لتناول الغداء، وصوت فيروز "راجعين يا هوى" يطربك مع تلذذك بكل ملعقة تتناولها من الطعام. أنهيت طعامك، وتوجهت إلى دورة المياه القريبة لتغسل يديك وتفرشي أسناك. عدد من الطالبات يقفن قرب باب الدورة بشكل لا يدل على انتظار للدخول، تقترب فتسمع بكاء بصوت عالٍ خلف الباب المغلق، والطالبات في حيرة. تسألهن فيجبن أن زميلة لهن خرجت من المحاضرة فجأة تنشج ودخلت الدورة وأغلقت الباب واستمرت في بكائها منذ أكثر من عشر دقائق. تدق على الباب بلطف وتسألها "أأنت بخير؟ هل تريدين مساعدة؟"، فلم تجب، تعيد الدق على الباب وتعيد السؤال. كفّت عن البكاء، وخلال ثوانٍ فتحت الباب وخرجت وشكرت زميلاتها، وقالت إنها تريد أن ترتاح، فاقترحت عليها أن ترتاح في مكتبك. أسندتها اثنتان من زميلاتها وتوجهت معهما إلى المكتب، جلست على الكرسي وطلبت منكم أن تتركوها لوحدها لتجلس بهدوء. غادرت زميلتاها المكتب، وقمت بمناولتها مناديل ورق كافية لمسح بقايا الدموع، وخرجت.

بعد وقت عدت إلى المكتب، كانت علامات الهدوء ظاهرة على تقاطيع وجهها الذي يشير إلى أنها من دول شرق آسيا. سألتها إن كانت ترغب بالحديث، وإن كان بإمكانك مساعدتها، بعد أن أخبرتها بتخصصك في العمل الاجتماعي، متوقعاً أن الحديث سيريحها إن كانت راغبة فيه، مهما كانت المشكلة التي أوصلتها إلى تلك الحالة من البكاء الشديد. أطرقت لوقت لعدة دقائق ثم تكلمت، شكرتك على المساعدة، وأضافت أنها من أصل صيني ومتبناة منذ طفولتها المبكرة هنا، ولا تعرف والديها ولا تعرف عن ثقافتها شيئاً وتتأزم عندما يسألها أحد عن تلك الثقافة بسبب شكلها، وأضافت أنها تأزمت لأن المحاضرة كانت عن موضوع التبني. استأذنت بالمغادرة بعد أن أكدت لك أنها ارتاحت وأنها ستعبر هذه التجربة الطارئة.

أغلقت جهازيْ الحاسوب، وجلست على المقعد خلف المكتب واستدرت مولياً ظهرك للباب الذي أغلقته الطالبة عندما خرجت بناء على طلبك، وسرحت بنظرك من خلال النافذة، اختفت البيوت والمباني التي على الطرف الآخر من الشارع ولم يبق أمام ناظريك سوى فضاء واسع تملؤه صورة السماء المتلبدة بغيوم داكنة، وكأن الغيوم قد ابتلعت البيوت والمباني وابتلعت معها كل فكرة كنت تفكر بها وأبقت على فكرة واحدة: أي اسم يمكن أن تطلقه على هذا اليوم؟

 

 

 

 

 

ما الذي يسبح في الهواء

د.سامي الكيلاني

 

كتب الشاعر الإيطالي روبرتو بيوميني قصيدة للأطفال عن الكورونا (فيروس كوفيد-19) وترجمت القصيدة لعدة لغات.

وكما يعرّف غوغل به، فإنه "يعيش ويعمل في وطنه إيطاليا، وقد عمل مع الأطفال كمدرس وممثل / فنان مسرحي. ينسب الفضل إلى هذه التجارب لإلهام لغة الشباب في كتبه العديدة. بفضل طريقته الواضحة والمبتكرة في التعامل مع كل نوع من الموضوعات، فإنه يسحر قرائه الصغار".

وهذه القصيدة التي ترجمتها عن الترجمة الإنجليزية مثال على هذا السحر.

ما الذي يسبح في الهواء؟

شعر: Roberto Piumini

ما الذي يسبح في الهواء؟

شيء ما، لا نعرف عنه؟

"لا مدارس بعد اليوم" كان الإجراء

الآن سأخبركم ما الذي يجري.

 

السيد فيروس يلبس تاجاً،

رغم أنه ليس مليكاً

الحديث ينتشر في الأرجاء

بأنه ليس من بني البشر.

 

إنه شيء بالغ السوء

فقط يمكن رؤيته بالمجهر

وقد تراه يبتسم ساخراً بشماتة

إن نظرت إليه عن قرب.

 

إنه شرير متناهٍ في الصغر

مع نقطة ناعمة تعطيه سرعة عالية

إنه وجع حقيقي في العنق

وسامٌّ جداً في الحقيقة!

 

إنه خفيف لا يرى

غازٍ شرسٌ ومتخفٍّ

جاهز دوماً للقتال

من أجل معركة ميكروسكوبية.

 

هدفه أن يهجم عاصفاً على الناس

ناس مثلي ومثلك

ولكننا نستطيع معاً أن ننتصر

إذا انتحينا جميعاً عن طريقه.

 

عندما يبدأ أنفك يحكك

اعطس خلف مرفقك

إنها خدعة ذكية لحجز

هذا الشخص السيء، هذا الرفيق السيء.

 

إن خرجت، فعندما تعود،

اغسل يديك حالاً

هل هما نظيفتان؟ افحصهما مرتين،

لا تعط الفيروس فرصة للرقص!

 

الماء الجاري وكثير من الصابون

افرك وافرك واشطف، لا تتوقف

والفيروس في رمشة عين

سيبحر نزولاً في البالوعة!

 

افحص دوماً إن كان الماما والبابا

يغسلان أيديهما عندما يعودان

وقلْ للرجل الكبير "أحسنت"

وللماما قلْ "واو! واو! واو!".

 

لا تستخدم أصابعك، أبداً بالمرة،

لفرك أنفك أو عينيك أو فمك

لأنها الأماكن الثلاث التي يستوطن فيها الفيروس

ومن هناك سينتشر.

 

لقاء الناس سيبقى مصدراً للفرح

ولكن تأكد أن تحافظ على مسافة

(بالمتر، وليس بالأميال)

ودون سلام بالأيدي، ولكن ببسمة كبيرة.


القبلات والأحضان؟ لا، لا، وكلّا

لا طالما هو موجود

الآن وقتنا لنتغلب عليه،

ونتخيل مستقبلاً مليئاً بالهناء.

 

هناك أناس يلبسون الكمامات

ولكنها ليست تنويعاً في اللباس

وليست من أجل سرقة البنوك

ولا من أجل ضربك.

 

كمامات لطيفة، ناعمة وخفيفة

تنقّي كل نفس نأخذه

وتصيد ذلك السيء الفظيع

حتى لا ينتشر.

 

طالما كان السيد فيروس

يتجول حولي

سأبقى في البيت، لا أخرج

لأتحاشى هذا البوم الشرير.

 

إنه حل رائع،

بما أن المدارس مغلقة الآن

إنه قرار دقيق

لهزيمة هذا الشرير ذي التاج.

 

وماذا عن أصدقائك والناس؟

يمكنك أن تكون معهم بالفعل!

الكثير من الضحكات، والكثير من الأحاديث

مع حاجز للتنقية.

 

المحبة نعطيها ونستقبلها

بنفس المقدار

القبلات والأحضان يجب أن تتوقف

ولكن ما زال بمقدور الكلمات اللطيفة أن تتكاثر.

 

الكلمات هدايا ثمينة نكنزها

بذور نرسلها لأحبابنا

ننشرها في أوقات فراغنا

ولن تؤذي أحداً بالتأكيد.

 

أنت وأنا وكل الناس

يجب أن نبقي العيون مفتوحة

الحل يكمن في الرعاية وبالحذر

وهكذا هذه الآفة ستنكسر.

 

وربما حين ينتهي هذا الأمر

حين نكون قد كسبنا هذه المعركة

ربما سنتعلم كيف نكون أكثر حكمة

سنعرف أن هناك حياة جديدة.

تمت الترجمة العربية عن الترجمة من الإيطالية إلى الإنجليزية لِ: Janet Louise Byrne and Alessandra Valtieri

 

 

قصة قصيرة

يدها الصغيرة

د.سامي الكيلاني

ما زالت تلوّح له بإصرار، وفمها الصغير ما زال مفتوحاً على نداء لم يسمعه، من المؤكد أنها كانت تناديه وترفع صوتها مستغربة من أنه لا يسمعها، أو أنها تتساءل وتسأل أمها لماذا لا يرد عليها. اليد الصغيرة والفم الصغير واضحان في الصورة التي لم تبارح تفكيره في الليلة الماضية، تحتل تفكيره ومخيلته، لكن صورة الوجه كاملاً للصغيرة والأم لا تتشكل بوضوح. الصورة واضحة لليد التي تلوّح وللفم الصغير الذي ينادي، يراها من خلف العصبة السوداء التي تلتف حول رأسه وتغطي العينين. الصورة تستطيع عبور كل أسوار الألم الذي ينطلق من كل أنحاء جسمه ويضرب في رأسه. ألم اليدين المقيدتين للخلف، خاصة ألم الكتفين اللذين يشعر بأنهما سيسقطان من مكانهما. ألم العجز ومفصل الفخذ من الجلوس الإجباري على الكتلة الإسمنتية الباردة في ساحة الشبح في المعتقل العسكري. ألم ليلة كاملة متراكم في كل جزء من جسمه، لكنه ألم فاشل، ألم مهزوم أمام هذه الصور، ألم لا يستطيع أن يغلق نافذة الصورة التي ولدت مجدداً على مصراعيها مع سماع صوت العصافير على الشجرة القريبة خلف غرف التحقيق والزنازين في القسم الخارجي من هذا المعتقل الذي زاره مرات سابقة. إذن إنه الصباح، إذن إنها ليلة كاملة قد انقضت وهو على الكتلة الإسمنتية مجمداً في هذه الليلة الباردة. لا يريد التفكير بما سيحدث بعد هذه الليلة، الاحتمالات متعددة، من الأفضل أن يبقى مع الصورة ويذهب إلى التفكير بيومها القادم. يرى الصغيرة تصحو والأم تحضّرها للذهاب إلى الروضة وستغدق عليها حناناً مضاعفاً تعويضاً عن غيابه، يحبهما ويستمد من حبهما قوة لليوم القادم، لكل الاحتمالات القادمة.

يدها الصغيرة تلوّح بشدة تستجدي تلويحاً يرد عليها. جاءت الطفلة مع الأم لأن المعتقلين في الليل يجمّعون في مقر الحكم العسكري لينقلوا صباحاً إلى المعتقلات، وكان التقدير صحيحاً. رآهما من شباك حافلة السجن على رصيف الشارع المحاذي، أقرب مسافة استطاعتا الوصول إليها، رأته الصغيرة وبدأت تلوّح له وتناديه، يداه مقيدتان خلف الظهر ولا يستطيع الرد على التحية بمثلها، بدأ بهز رأسه، هذا أقصى ما يستطيع فعله، أقصى أمانيه أن يفك صاحب معجزة ما يديه ليرد التحية بأحسن منها. بقيت الصغيرة تلوّح وهو يهز رأسه حتى عبرت الحافلة المنعطف. استمر في هز رأسه وكأنه في طقس روحاني ينادي أو يعاتب أصحاب المعجزات والكرامات الذين لم يتقدم أحد منهم لفك يديه ليرد التحية بأحسن منها، وإن لم يكن لك ممكناً، فهل يمكنهم أن يكبروا صوت غنائه الداخلي ليصل إليها، الصوت الداخلي غير مقيد، لا حاجة لفك قيوده، مجرد عملية تكبير للصوت ونقله إليها لتسمعه، لتسمع غنائه للنشيد الذي يصاحبه في الطريق القصير بمسافته الطويل بألم القيد البلاستيكي الذي يضغط على رسغيه، النشيد الذي تصدح بها حناجر السجناء في كل مناسبة وكل مواجهة مع السجان، ولتسمع تحويره للنشيد من أجلها، من أجل يدها الصغيرة التي لوحت له ولم يستطع أن يرد عليها. تدور الأغنية، يدور النشيد وهو يهز رأسه، يغير الكلمات ليخاطبها، سينكسر اللحن قليلاً: نعم لن نموت، ولكننا/ سنقتلع الموت من أرضنا/ هناك بعيداً بعيد/ سيحملني يا صغيرتي* الجنود/ سيلقون بي في ظلام رهيب ….

تجاوز المقطع الذي كسرته الصغيرة، واستمر يهز رأسه ويكمل النشيد.

-----------------------

*سيحملني يا رفيقي

 

قصة

شمسه والقنديل

د.سامي الكيلاني

أراد الهروب من الغيوم التي تحاصر شمسه منذ الصباح. الصباح الذي دخله مبكراً حاملاً بقايا حلم عاشه وكأنه واقع، حلم نفث فيه كل مكنونات نفسه الغاضبة، لم يصرخ، بل ألقى في وجه المدير الظالم حديثاً منطقياً متسلسلاً وانتصر، انتصر بقوة الحجة، وانتصر بسكوت المدير الذي استطاع الحلم إسكاته، منحه الحلم شجاعة كان بحاجة إليها وكان في غاية السرور بها، لكنه أدرك أن سكوت المدير ليس طبيعياً، كان مفاجئاً فشكّ في الحلم أنه في حلم، استيقظ مضطرباً ولم يستطع العودة إلى النوم. عاش حالة مضاعفة من لوم الذات، لماذا لا يستطيع أن يفعل ذلك في الواقع؟ كان حديثه مقنعاً ومتسلسلاً ويستطيع أن يعيده كاملاً، ولكن في المقابل لا شيء غير الحلم يمكنه أن يغلق فم المدير ليستمع إلى الحديث كاملاً دون مقاطعة. لوم الذات بدأ يكبر في داخله، تحول اللوم إلى غيوم داكنة حاصرت شمس روحه.

قرر أن يلجأ لسماع أغنية، معتقداً أن الغناء كالعادة سيعطيه دفعة إلى الأمام ويخرج شمسه التي حاصرتها الغيوم. خفف من سرعة السيارة بشكل لاإرادي وكأن تشغيل المذياع بحاجة إلى ذلك. انطلقت موسيقى يعرفها، جو فيروزي يتهيأ له، محراب موسيقى مألوفة ينفتح أمامه سيدخله بكل روحانية، الموسيقى تتقدم ببطء، الحوار يكشف هوية المسرحية، مسرحية الليل والقنديل. الصوت الحزين لمنثورة أعاده إلى دائرة الحزن والغضب، مزيج الحزن والغضب زاد طينه بلّة وزاد بلّته طيناً، الصوت الذي يرثي القنديل الحزين الذي لن يضيء لأن الفرح الموعود قد سرقته الكارثة، كارثة اختفاء الغلة التي اؤتمنت عليها منثورة الطيبة. المسرحية يعرفها ويحفظها، لكنه لم يفكر أبعد من الصوت الحزين الذي تخيّله يتردد في الوادي انطلاقاً من الصخرة التي تشرف على الممر. اتجه إلى يمين الشارع وأوقف السيارة، مستسلماً للحزن والقتامة اللذين تكثفا من رثاء القنديل وصوت منثورة "ما كان ظني يشح فيك الزيت"، ردد مع الصوت "ما كان ظني تغيب شمس الروح في هذا الصباح".

استيقظ فيه حرص على السلامة، قرر أن يبقى على حاله وألاّ يعود إلى السفر على الشارع الرئيسي إلاّ بعد أن يحدّث نفسه ويحاورها لينظفها من أدران الحلم التي علقت بروحه، الأدران التي حرمته النوم وشاركته فطور الصباح الذي ازدرده دون الإحساس بطعمه. هنأ نفسه على هذا القرار واعتبره مؤشراً إيجابياً. لم يفكر في احتمال أن يثير وقوفه على يمين الشارع شكوك الجيش أو المستوطنين على هذا المفترق. لم يعرف كم مضى من الوقت على وقوفه وحواره الذاتي عندما انتبه من خلال المرآة لصورة الضوء الأزرق، سيارة شرطة تأتي من بعيد، فكّر أن يتحرك، لكنه تردد فقد تثير حركته المفاجئة شكّهم أكثر. عبرت السيارة من جانبه دون أن تخفف سرعتها أو تتوقف. انتبه إلى صوت الراديو الذي كان قد غاب عنه وهو غارق في تقليب أمور الحلم وهذا الصباح. كانت المسرحية قد وصلت إلى نهايتها المتفائلة، عاد القنديل ليضيء الممر الجبلي بعد أن عادت الغلة المسروقة.

اشرقت شمس روحه بعد أن تحررت من الغيوم التي كانت تحجبها، قرر أن يحافظ على إشراقتها. أرسل رسالة إلكترونية من هاتفه المحمول إلى العمل يعتذر فيها عن الدوام اليوم. أعطى إشارة الاندماج في الشارع وانطلق يدندن مع الموسيقى وهو يرى الشارع بوضوح ثم التف التفافة كاملة عائداً إلى البيت.

 

موعدان

قصة قصيرة

د.سامي الكيلاني

نزل من القطار واتجه نحو مخرج المحطة لينطلق في شوارع المدينة. جاهد بيد واحدة ليرتدي المعطف البلاستيكي الذي سيحميه من مطر كوبنهاغن الصيفي الذي بدأ بالنزول قبل وصول القطار المحطة بدقائق. ذراعه اليسرى معلقة بكتفه ورقبته بواسطة حمالة خاصة، الوضع يذكره بالمرات السابقة التي كسرت فيها ذراعه في طفولته، لكن الحمالات التي كانت تحمل الذراع مثنية من المرفق إلى الرقبة كانت من أي قماش يتوفر في البيت، أما هذه الحمالة فهي من شركة خاصة بصناعة الأدوات الطبية المساعدة، هكذا قال له صاحب المستودع، ضحك يومها "إذن يمكن أن تخدمني مرة أخرى إن كسرت ذراعي؟"، أجابه صاحب المستودع ضاحكاً "هذا إذا حرصت أن تكسر الذراع اليسرى نفسها مرة أخرى، أما إذا كسرت الذراع اليمنى فأنت بحاجة إلى شراء حمالة أخرى، وبعدها اكسر الذراع التي تريد وستكون عندك الحمالة المناسبة".

تناول زهرة قرنفل حمراء ملفوفة بورق السلوفان من بائع أزهار عند مخرج المحطة، حمل الزهرة بكف يده المكسورة ليقدمها للحورية، قال "كثيرون يسعون من أجل حوريات السماء، أكثير عليك أن تقدم وردة لحورية الأرض الوحيدة، لحورية البحر التي خرجت تستريح من الماء فتجمدت صخرة على هذا الشاطئ؟ إنها تستحق ذلك لجمالها ولصمودها على هذا الشاطئ منشغلة بعدّ الأمواج وانتظار المراكب".

سأل سيدة بالغة الجمال رغم عقدها السادس، كما قدّر من بعض التجاعيد في عنقها، عن الطريق من هنا إلى الحورية، فأشارت إلى الاتجاه الذي عليه أن يسلكه، أراد أن يسألها إن كانت بعيدة من هنا ويقدم لها شكراً مطولاً على لطفها يسمح له التأمل لفترة أطول بجمالها، لكنها انشغلت بالرد على هاتفها المحمول الذي رن في الوقت غير المناسب. إذن ليبدأ الاتجاه، وبعد مشي عشر دقائق أخرى سيسأل عن بقية الطريق إلى الحورية، لا يمكن أن تكون قريبة من محطة القطار، الحوريات ينأين بأنفسهن عن الضجيج، عالم البحر الأزرق العميق الذي تحمل الحورية جيناته في كل خلية من جسمها لا يتماشى مع ضجيج القطارات. سأل مرة أخرى عجوزاً عن الاتجاه فأشار له نحو الاتجاه ذاته، وسأله إن كانت المسافة معقولة ويمكن مشيها فهز العجوز رأسه موافقاً.

لو قال لأحد أصدقائه أنه يمشي تحت المطر وبذراع مكسورة تحمل زهرة قرنفل حمراء ليزور حورية من الصخر لسخر منه، لكنه مصمم على الوفاء بالموعد حتى ولو زاد المطر. سأل نفسه إن كان يسعى إلى حورية البحر أم يعيش ذكرى موعد قديم يتمنى أن تكون صاحبته معه في هذه المدينة ليزورا معاً الحورية؟ جميل أن تجرب مرة أخرى بعد هذا العمر السعي إلى موعد غرامي، الحورية التي تنتظره على صخرة هي شريكته في الموعد الغرامي هذه المرة. المطر يزداد غزارة وهو يغذ الخطى نحوها. يستحق الموعد والموعودة هذا المشي تحت المطر. وجود معطف المطر هوّن الأمر عليه، جدد شكره للصديق الدنماركي الذي أعطاه المعطف، لولاه لما كان بإمكانه أن يستمر في السعي نحو هذا الموعد، قال له الصديق الدنماركي "هذا صيف أوروبي لا يؤمن جانبه، خذ هذا المعطف، سينفعك". الطريق أصبح أطول مما توقع والمطر لم يتوقف، لكن عزيمته لم تفتر. أقنع نفسه بأن التعرف على المدينة سيضاف إلى ثمرة الموعد الموعود فاطمأن أكثر أن ما يفعله لا يدخل في باب العبث، ومهما كان فإن الأمر محصور بينه وبين نفسه، هذه النفس الأمارة بالغرائب أحياناً والتي يمتثل لأوامرها طائعاً، خاصة عندما يكون وحيداً ولن يسجل أحدٌ عليه هذه الغرائب. فما العيب إن أمرتك النفس في هذا العمر، مثلاً، أن تتمدد على العشب الأخضر مواجهاً صفحة السماء مصلوباً تحدق بصفحة السماء غير عابئ بمن حولك، أو إن أمرتك بأن تقلّد الأطفال الذين يتدحرجون على العشب من أعلى التلة الصغيرة إلى أسفلها فتطلق لطفولتك الدفينة العنان وتتدحرج مثلهم.

أخيراً ظهرت له الحورية عن بعد، ظهر رأسها من خلف الحديقة الصغيرة في نهاية الرصيف، تذكر أن اسمها الحورية الصغيرة، وها هي صغيرة، ظنها أكبر من ذلك، لكن فرحته بالوصول إلى الموعد لم تنتقص، بقيت صاحبة الموعد وصاحبة الهالة حتى وإن كانت صغيرة. يلتمع جسدها بالبلل، بوده لو يسألها أي البللين ينعشها: بلل المطر أم بلل رذاذ الأمواج التي تضرب الرصيف قربها. تمنى لو كان بإمكانه أن يعدو نحوها فتقوم وتركض نحوه لتعانقه، سيسألها سؤاله عن البلل وسيسألها إن كان رذاذ الموج يحمل لها رسائل الحوريات من عمق البحر، وهل يحيي فيها الرذاذ القادم من البحر حنيناً لأول منزل ويجدد آلام غربتها القسرية عن المنزل الأول وعن رفقة الحوريات اللواتي لم يتحولن مثلها إلى حورية من صخر. تخيلها ستسأله بدورها "هل تستعيد المواعيد التي ضيعتها وتعوضها في مواعيد مع حوريات البحر المصلوبات على الصخور؟".

قرر ألاّ يسألها وألاّ يخرج عن أصول التعامل مع الحوريات تأدباً.

وصلها، تقدم كما ينبغي في حضرة الحوريات، قدم لها زهرة القرنفل الحمراء التي حملها من محطة القطار، قدمها منحنياً كنبلاء العصور الوسطى الرومانسيين أمام سيدات القصور، وتفقد بيده السليمة جسدها الصخري المبتل. مد كف يده السليمة إلى جيب معطفه الداخلي باحثاً عن الخطاب الذي حضّره ليلقيه أمام الحورية، لم يجد الورقة، يبدو أنه نسيها في غرفته في المدينة الشمالية التي جاء منها. ارتجل خطاباً رزيناً بعيداً عن الأسئلة التي راودت النفس الأمارة بالسوء... يا سيدة الصخر والماء المالح، يا رمز المنفيين عن المنزل الأول، هذه زهرة من معجب جاء من الشرق، زهرة من إنسان يعيش تحت آخر احتلال في العالم، أتذكرين الفايكنغ يا سيدتي، أنا متأكد أنك لم تحبي أفعالهم وأنك من تلك الأفعال براء، أنتن معشر الحوريات لطيفات أنيقات لأن صفاء الماء العميق يمنحكن صفاء الروح. على كل يا سيدتي أصبحوا تاريخاً ولم يبق منهم إلاّ تلك القرون التي يلبسها الناس هنا للتسلية. ما ذنبك أنت؟ لقد كنتِ وقتها تحت الماء، أليس كذلك؟ هل سمعتن، معشر الحوريات، بما كان يحدث؟ هل تسمعن عمّا يحدث في هذا العالم؟ هذه زهرة من بلد المسيح، هو صلب مخلّصاً وأنت هنا ثبتوك بعيداً عن وطنك المائي، أنت مخلّصة الحوريات الأخريات، تعلمن منك حذر الوقوع في الشِّباك المنصوبة لهن، فنجون من الأسر عند بني البشر.

أخذ نفساً عميقاً ليفكّر في إكمال خطابه، وتأملها ليرى وقع خطابه عليها.

اضطرب وطار ما تبقى من خطابه الرزين المرتجل، ظهر من وسط الجسد الصخري وجه إنسي، وجه صاحبة الموعد الغرامي القديم الضائع، ثم بدأت بالخروج من الجسد الصخري كما يخرج الجنين حتى اكتملت وهو ينظر إليها معقود اللسان. انحنت الإنسية التي ولدت من الصخر وتناولت زهرة القرنفل من حضن الحورية وحملتها ثم طوقت عنق الحورية واضعة رأسها ملاصقاً لرأس الحورية، اضطرب وانعقد لسانه. أخرج الكاميرا المعلقة برقبته من غلافها ليلتقط صورة لصاحبة الموعد الضائع مع صاحبة الموعد الجديد، أسند الكاميرا بكفه اليسرى وبدأ باليد اليمنى بضبط عدسة الكاميرا.

 

 

 

 

 

 

 

أذّن يا خطيب

د. سامي الكيلاني

تسكننا الذكريات في رمضان،

ككل الذكريات وأكثر،
ذكريات الزمان الذي مضى،

ذكريات المكان الذي غادرناه

أو غادرنا، لا فرقُ،

البعد واحد،

والوجد واحد،

وإن تماهى في غير صور،

في دمعة حرّى،

أو تلويحة اليدين للغريب،
يعود في الزمان صداه،

يرنّ في مدرسة الزمان كالجرس،

يرسم المكان بالطباشير، على حائطٍ، لوحة لا تزول،

تنادينا، ترافقنا أنّى ارتحلنا،

تسكن الروح شمعة لا تنطفئ،
تداعب طيشنا الحلو،

ما زالت تداعبنا، تنادينا،
ننتظر معاً بصبر قد عيل صبره صوت الأذان،
نراقب المؤذن،

يصعد المئذنة،
"وذن يا خطيب قبل الشمس تغيب"،

نرددها،

لا نعي لها معنىً،

تمرة في اليد تنتظر،

أو لقمة شهية في انتظار الغروب.


يسكننا الحنين إلى الزمان الذي طار دون أن ننتبه،

تمهل يا زمان حتى نشرب من جدول الحياة

جرعة ماء تكفي المسير،

يسكننا الحنين في حضن المكان،

نعيش، نزرع، نصلّي،

نسامر الجيران،

نصوم الحرّ والبرد بصبر راسخٍ، 
يسكننا الحنين جارحاً في المكان،

فكيف إذ يغادر الفؤاد رحم المكان،

أي حنين بارح يلفّ الروح والجسد،

عباءة من خيوط الشمس وخضرة الربوع؟
تأسرنا الأمنيات والشوق فجأة، ننادي:

يا بساط الريح،

يا معجزة الزمان،

أين أنت؟

طِرْ بنا بلمح البصر،

لنحلّ في جنة الربوع،
ألا منحتنا يا بساط الخير فسحة في الزمان وفي المكان،
نعود لسهرة في بيوت زيّنتها طيبة لا تنتهي،

سهرة في ظلال الشهر لا تنسى،
سهرة من الأذكار والحلوى… وصوت جدٍّ خاشع نديٍّ رخيم

يستوحش الرحيل،

نردد من بعده
"لا أوحش الله منك يا رمضان"،

ألا حملتنا يا بساط وأنزلتنا في جمعة الخلاّن،
في حضرة الزوار،

نحتسي قهوة من دلّة تدور،

نسلّم على صانعات الكعك بالتمر المشتهى،

وندرك صلاة العشاء في البيت الكبير،

ألا أعدتنا يا بساط الخير والكرامات،

أطفالاً في حضرة الأمهات والجدات نصغي للحكايات،

ننتصر لعيون "جبينة" النائحة،

ونضحك من أعمال "نص نصيص"،

وننتشي فرحاً بانتصارات الشاطر حسن.

ألا جدتَ علينا يا بساطُ

ببعض الفرح.

 

 

 

مقعدان

قصة قصيرة

د. سامي الكيلاني

الشمس ما زالت في الأفق الغربي الشمالي، يمكن اعتبارها شمس الغروب لأنها تميل نحو الغروب. شمس تودع الجالسين على مقاعد الحديقة الصغيرة التي تجاور الميناء، أو يودعونها ليلتحق يوم جديد بالزمن الماضي راحلاً من الحاضر، بعد ساعات سيسمى الأمس، وسيتساوى مع ما سبقه من أيام. تتذكر رباعيات الخيام "قد تساوى في الثرى راحل غداً وماضٍ من ألوف السنين"، والأيام مثل البشر يتم وداعها بما تحمل. الوقت يصلح لسماع أم كلثوم في هذا المكان وفي هذا الوقت، لو بإمكانك أن تسمعها الآن وهنا فربما ستكون أول من استمع لأم كلثوم في هذه البقعة من العالم، لا تستطيع أن تستمع لها من الهاتف المحمول لأن الشبكة ضعيفة. وحتى لو أردت أن ترددها بصوتك لتحقيق هذا السبق بأن تكون أول من يُسمِع فضاء هذه البقعة من الكرة الأرضية غناء عربياً ولأم كلثوم، فإنه من غير المناسب أن تصدح بها بصوتك، فلا صوتك يصلح للغناء ولا من يسمعك من المارة القلائل سيرحمك من تهمة الهوس أو خدش الذائقة العامة. رغم أن الشمس تعتبر في مرحلة الميلان نحو الغروب إلاّ أن حرارتها ما زالت مزعجة، فلتبحث عن مقعد ظليل ولكن قريباً من الماء، فلا تريد أن تخسر النظر إلى هذا اللون الأزرق اللازوردي الموشى بانعكاس الشعاع عليه وكأنه ريشة تتحرك مع المويجات التي تحركها نسائم خفيفة دون أن تلحق أذىً بصفاء صفحة الماء الرائقة، وفي الوقت ذاته لا تريد الجلوس تحت هذه الشمس.

هناك مقعدان وقعا في ظل مبنى نادي القوارب المجاور يحققان الشرط الذي تريد، ولكنهما غير متيسريْن، مقعد تحتله صبية منشغلة بشيء ما بين حقيبتها ودفتر صغير على المقعد، تزجر نفسك على الإساءة للصبية بكلمة احتلال، فما ذنبها لتحمل هذه الصفة اللعينة، لعلها تفتش عن قلم لتكتب خواطرها عن هذا المشهد، ولعلها تريد أن تخرج الموبايل لتلتقط صورة للمشهد، ولعلها، ولعلها، وماذا يعنيك في الأمر، ألا تريد أن تودع هذا الفضول الذي يسري في دمك؟ دع الناس وشؤونهم. أما المقعد الآخر فيجلس عليه، جيد ها أنت قد تفاديت الكلمة اللعينة، زوج من المسنين مندمجين في حديث خافت ودي، ربما يتذكران أيام الشباب، وربما يتجادلان في أمر ما، وهذه طريقتهما في الجدل وحتى في النزاع، وربما، وربما. وربما، وربما. لا تشغل نفسك بافتراضات تنبع من حشرية ينبغي أن تستأصلها، هنا لا أحد يتدخل بالآخر، هل تعرف اسم جارك في الطابق ذاته، جارك الباب على الباب؟ دعك من لعل وربما وأخواتهما. تمرّ بجانبهما، تسترق النظر لترى تعابير وجهيهما، كان الوجهان رائقين تماماً، إذن ليسا في جدالٍ حامي الوطيس، إذن غارقان في حديث الذكريات الجميل. ها أنت تعود مرة أخرى إلى حشريّتك، تتخيل نفسك تقترب منهما "مساء الخير يا حاج، جلسة جميلة، كيف الحال؟"، فيدعوانك للجلوس وتتعرف عليهما ويتعرفان عليك، ويعرف كل منكما جذور عائلة الطرف الآخر، ومن أين جاء وإلى أين يذهب؟  تمرّ دون أن يلتفتا لاقترابك منهما، كنت تود على الأقل لو أنهما التفتا، كنت ستلقي عليهما تحية مناسبة تعبيراً عن إعجابك بمشهدهما هذا.

تشغل نفسك بالمشي ومراقبة المكان، المشي والنظر إلى تفاصيل الأشياء وسيلة مناسبة لانتظار أن يشغر أحد المقعدين. الميناء الصغير شبه مقفر من رواده من أبناء البلدة، طلائع السياح وزوار الصيف من الخارج لم تصل بعد على ما يبدو. تتفحص السفينتين الصغيرتين الراسيتين على يمين الرصيف، الأولى من النمط القديم الذي يحركه دولاب يبدو أنه يعمل بالهواء المضغوط في براميل محملة على مؤخرة السفينة، سفينة صغيرة بطابقين، واضح أنها سياحية، كراسي وطاولات وكاونتر للطعام والشراب، يمكن القول إنها سفينة نهرية كالتي تشاهد في أفلام التاريخ الأمريكي. السفينة الأخرى أكبر وربما تكون للنقل والسياحة. وفي نهاية الرصيف عند المطعم الصغير، تلحظ اسمه الإنجليزي الذي يعني مكان الأكل، إنه Eatery وليس Restaurant. بالقرب من مبنى المطعم طفلة تحمل صنارة بسيطة لصيد السمك، مجرد عصا وفي آخرها خيط ينتهي بخطاف صغير. لا بد أنها ابنة العائلة التي تجلس على شرفة المطعم المقابلة للماء. رفعت الطفلة العصا للأعلى وصاحت بانفعال حين رأت في طرف الخيط سمكة صغيرة تتحرك بقوة. نزل أفراد العائلة جميعاً من مقاعدهم في المطعم، وصاروا في حلقة تشاور حيوية، تقف قريباً تراقبهم بفضول. يبدو أنهم قرروا ضرورة إعادة السمكة إلى الماء، لأن لا فائدة منها، فينصب التشاور على كيفية تخليص السمكة من الخطاف بسلام قبل أن تلفظ أنفاسها وإرسالها إلى الماء، صارت الطفلة مركز الحدث وكأن السمكة ابنتها، والجميع يطمئنها ويطلب منها ألاّ تقلق، ينجح الأب بتخليص السمكة ويعطيها للطفلة لترسلها إلى الماء، تقترب من الماء وتنزل السمكة في الماء وتنتظر ومعها العائلة، ثم يحتفلون بصوت واحد، لقد عادت السمكة إلى عالمها وحريتها.

رغم مرور الزمن في مراقبة تفاصيل الميناء، إلاّ أن الفتاة التي وضعت عينك على مقعدها لم تتركه كما تمنيت، ولم يفعل ذلك العجوزان. تختار مقعداً بعيداً عن الماء، تجلس وتخرج الرواية التي بدأت بقراءتها أمس. تتوقف عن القراءة، بقد أن قطعت عدداً جيداً من الصفحات، تطوي الكتاب وتعيده إلى الحقيبة الصغيرة، بينما صور بعض شخصيات الرواية تتبادل مع صورة الصبية والعجوزين، ثم تخلي الصور جميعها المكان لتحتله صورة العائلة التي كانت منعقدة في تشاور حيوي لتساعد الطفلة في مشروعها الكبير في إعادة السمكة سالمة إلى مياهها. صورة حوار الأهل الحيوي واحترامهم لرغبة الطفلة ولطفهم تستدعي أفكار المقارنة، فتحاول أن تقصيها، لكنها تتسلل، (أب يجذب ما تحمله الطفلة ويطلب منها التوقف عن هذا الدلع، فما هذه إلاّ مجرد سمكة صغيرة لا تستحق التفكير، ويشد السمكة بقوة من الخطاف ويلقيها إلى أي مكان ويأمر الطفلة الباكية أن تعود لتجلس مع العائلة، فتطيع وهي تنشج وتمسح دموعها). تقصي أفكار المقارنة، وتقرر أن تخفف من عمل المقارنات في كل صغيرة وكبيرة لأنها تعكّر عليك الاستمتاع والانغماس في كل ما هو هادئ وجميل.

شمس الغروب هبطت وتوارى نصفها، وبقي النصف الآخر عائماً في بحر الشفق الذي يتشكل في الأفق الغربي. المقعدان فارغان، تتساءل "متى غادروا؟" لم تلاحظ مغادرة الصبية والعجوزين. تجلس على مقعد العجوزين تتأمل انعكاس الشفق على صفحة الماء، تلتقط صورة للمشهد وتقرر البقاء لنصف ساعة أخرى لتعوض نفسك عن الفرصة التي خسرتها، وتفكر لو أن الحياة قادرة بهذه البساطة على تعويض الخسارات. تقرر أن تغلق أي باب يؤدي إلى المقارنة التي ستحرمك من تشرُّب كل جزئية من هذا الهدوء والجمال وترك نفسك في وضع انعدام الوزن بالتخلص من همومك وتعطيل كل مصادر التنغيص التي تطاردك.

 

 

 

قصة قصيرة

ضوء القصيدة

د.سامي الكيلاني

في الطريق إلى العمل قاد السيارة بهدوء وانتباه حتى لا يتشتت تفكيره عن حركة السير، انتبه بشكل خاص للمركبات خلفه ليعطيها إمكانية التجاوز حتى لا يفرغوا نزقهم بإطلاق الأبواق وربما رمي الشتائم من النوافذ. استيقظ منذ الصباح بنفسية متلبدة بغيوم لم يعهدها منذ فترة طويلة، ولكنها صارت تأتيه في الآونة الأخيرة، حاول التعايش معها حين تحلّ دون سابق إنذار بإطفاء كل مستقبلات التوتر والاستفزاز ونجح، لحسن حظه، في إبقائها غيوماً دون أن تتحول إلى مطر أسود. تأتيه قبيل الاستيقاظ فيستيقظ متكدراً دون أن يدري لذلك سبباً. الغيوم التي تلف روحه تتآخى اليوم مع غيوم داكنة متلبدة في الجو غطت على شروق الشمس الذي كان من الممكن أن يساعده في التخفيف من وطأة الغيوم الداخلية. لم تمتد يده إلى مفتاح راديو السيارة خشية أن تتآخى أخبار الصباح من محطة الإذاعة المحلية مع غيوم الجو والغيوم التي تلبدت فوق صباحه الخاص.

وصل العمل، وأوقف السيارة في كراج المؤسسة، مشى بحذر حتى لا يراه الحارس ويبدأ معه حديثاً ما عن آخر الأخبار أو عن مشاكله الشخصية كعادته، والتي كان يقابلها كعادته هو بالإنصات والتفهم وتقديم نصيحة مناسبة إن أمكنه ذلك، أو بمجرد التضامن ب"الله يعين". ولم يعرّج على الكافتيريا لأخذ كوب القهوة الصباحي، خاضعاً لصوت داخله يقول "ليس لك إلاّ أن تصل المكتب وتغلق الباب وتعمل أي شيء حتى تغادر الغيوم روحك، وإن كنت محظوظاً تغادر غيوم السماء فتخرج إلى الكافتيريا القريبة وتكافئ نفسك بقطعة كعك مع كوب القهوة".

دخل المكتب، امتدت يده إلى مفتاح الطاقة الرئيسي لجهاز الحاسوب، لم يعمل بعد أن ضغطه، انتبه أن الضوء الأحمر في وصلة الكهرباء التي تغذي الجهاز ليس مضاء، إذن القاطع الذي يغذي الخط بحاجة إلى رفع، لقد نزل لسبب ما، يتكرر ذلك. لم يسمح لهذه الإضافة إن تكثف الغيوم الداخلية، كان على وشك أن يقول الكلمة السيئة التي تقفز إلى طرف لسانه عادة في مثل هذه الحالة، ولكنه استبدلها ب "تيك إت إيزي يا ولد". خرج من المكتب إلى الردهة ثم إلى الزاوية التي فيها صندوق القواطع، فعلاً القاطع في حالة نزول، رفعه وعاد إلى المكتب، أضاءت شاشة الحاسوب. ذهب إلى الشبكة العنكبوتية ودخل إلى البريد الإلكتروني ليتفقد بريده، أدخل كلمة المرور بهدوء حتى لا يخطئ. مسح عدة رسائل من الرسائل المزعجة، مسحها ثم ذهب إلى ملف الرسائل التافهة، هكذا يحب أن يترجم كلمة "جنك ميل" في قائمة مجلدات الرسائل، تنبه إلى وجود رسالة مختلفة، جيد أنه لم يمسحها بالجملة، الحاسوب ليس موضع ثقة مطلقة في تصنيفاته، أحياناً يرسل إلى هذا المجلد رسائل جيدة. كانت رسالة من صديقه الشاعر، قصيدة جديدة، شده العنوان، فتحها وبدأ بقراءتها، تتحدث عن احتفالات الطبيعة والضياء، انفرجت أساريره قليلاً وتعدّلت نفسيته بعض الشيء. بدأت غيوم الروح تتبدد، أعاد قراءة القصيدة بتمعن في جمالية النص، فبدأت غيوم الروح تنقشع. أسند ظهره لظهر الكرسي واسترخى وأخذ نفساً عميقاً. شعر بالضوء المنتشر من القصيدة يتغلغل كيانه. انتبه أنه لم يفتح ستائر المكتب، ما أن فتحها حتى تدفق من خلالها نور مضاعف قادم من انعكاس الشمس المشرقة على زجاج العمارة المقابلة.

اعتدل في كرسيه واستدار معطياً طاولة الحاسوب ظهره، وأخذ نفساً عميقاً أصبح بعده مستعداً ليوم عمل واعد. شكر الضوء الذي ولد من القصيدة والذي جلب معه النور القادم من النافذة الغربية في هذا الصباح، وشكر قوانين الانعكاس التي جعلت ضوء الشروق يأتي من الغرب.

عاد ليواجه شاشة الحاسوب بروح مختلفة، الروح التي تفتح الباب للتداعيات والتفاعل مع الأشياء الصغيرة، الروح التي يطلقها على سجيتها حين تبتهج. شكر قوانين الانعكاس مرة أخرى، فتذكر أستاذ الفيزياء في المدرسة الثانوية ودروس موضوع الضوء. كانوا يتندرون بطريقة لفظ الأستاذ لمصطلح "شدة الاستضاءة" التي يلفظها وهو منسجم في الشرح بصوته الجهوري "شستضاءة" ولذلك سموه "أستاذ شستضاءة". عاد إلى الرسالة الإلكترونية التي تحتوي القصيدة، ضغط علامة الرد وكتب لصديقه "لقد أعجبتني القصيدة، رائعة، ولكن لدي سؤال: هل تتذكر الأستاذ شستضاءة؟" وأتبعها بهاءات متعددة.

فتح أحد الملفات الموجودة على مكتبه وبدأ بقراءة المحتوى، وضعه جانباً وقرر أن يخرج لإحضار القهوة. طلب القهوة التي يحب وكان محظوظاً بوجود كعكة الجبن في الكافتيريا. حمل كوب القهوة وقطعة الكعك وعاد إلى المكتب.

أزاح الملفات جانباً وقرر أن يعطي نفسه ربع ساعة للاستمتاع بالقهوة والكعك. انتبه للوميض على شاشة الحاسوب، بريد إلكتروني جديد. فتح الرسالة، كانت من صديقه الشاعر "صباح الخير يا حارس الذكريات. طبعاً أتذكره، وقد التقيته قبل سنة، يبدو عليه الكبر، كدت أقول له أستاذ شستضاءة، ما زال رغم تقدم السن بحيويته. بالمناسبة، أقترح أن نلتقي في محادثة ماسنجر هذا المساء، في جعبتي أحاديث كثيرة. سلام".

 

 

 

 

قصة قصيرة

ما تخافيش

د. سامي الكيلاني

كانت السهرة العائلية بمنتهى الروعة، صقلت نفسيته ونقّتها من الشوائب التي جمّعتها الأيام في ثنايا الروح، كانت رائقة جداً، لم تحصل منذ مدة طويلة. سهرة ذكّرته بأيام الطفولة في البيت القديم. كانت العائلة تقضي الأمسيات الشتوية حول كانون النار يتسامرون بمختلف الأحاديث، ينتقلون من سماع حكاية إلى شؤون الطقس والأرض، ومنها إلى زواج فلان وخطبة ابن الجيران، وهو منصت مفتوح الأذنين مغلق الفم إلاّ عندما ترتفع درجة التشويق والدهشة من ثنايا الحكاية التي كان يرويها أحد الكبار فيطرح سؤالاً أو يضحك دون أن يردعه أحد، أما عندما تكون الأحاديث عن شؤون الحارة وناسها فالمجازفة بالتدخل أو الاستفسار ستكون نتيجتها الإسكات والتحذير من التدخل مرة أخرى في أحاديث الكبار، إن لم يصل الأمر إلى التوبيخ والطرد من الجلسة. سنوات طويلة مرت على تلك السهرات، سنوات أسوأ ما فيها عقود من الحياة تحت الاحتلال. منذ بداية السهرة ضحكوا من القلب على النكات التي يجيدها الأخ الأصغر، وضحكت الأم ضحكاً لم يره منها منذ زمن، كان وجهها خالياً من الحزن الذي يرتسم عادة على تقاطيع وجهها متداخلاً مع خطوط التجاعيد ومع النظرة الساكنة التي انطفأ فيها ذلك البريق الذي يبان في الصورة المعلقة على الحائط للعائلة أثناء طفولته. كان فرحها مصدر فرح عظيم له، دفع بالحديث إلى ذكريات الطفولة لاستعادة صفاء تلك الأيام ورغبة في رؤية ضحكتها التي اصطادها في هذه السهرة، وتراجع قبل أن يتفوه بالفكرة التي طرأت على باله، ’كم كانت تلك الأيام جميلة رغم صعوبة الحياة، كم كانت جميلة لأنه لم يكن هناك احتلال‘، لجم نفسه حتى لا يعكر صفو فرحها.

بحث في قنوات التلفزيون عن شيء يمكن أن يساهم في استمرار هذا الجو، لا شيء أروع من أن يرى ضحكتها بعد كل الذي مرّ عليها في السنوات الأخيرة، الفقدان واعتقالات الأبناء، وزيارات السجون. توقف عند قناة تبث مسرحية "سك على بناتك" الكوميدية لفؤاد المهندس، ضحكوا ضحكاً حتى أوجعتهم بطونهم على مشاهد المسرحية.

قبل أن تنتهي السهرة، خبا الفرح الذي كان يعلو وجهها فجأة، قالت بقلق" ضحكنا كثير الليلة، الله يستر شو ممكن يحصل هذي الليلة". بكلماتها عادت بعض الشوائب لتظهر على الروح، فحاول أن يبعدها ويبقي الصفاء الذي حصدته أجواء الليلة. ذهب إلى فراشه بعد أن حاول أن يطمئنها "إن شاء الله خير يا حجة".

استيقظ على صوت آليات في الشارع، الأذن التي أصبحت حساسة لأخفت الأصوات في الليل التقطت الصوت، نهض سريعاً، أشعل النور الخفيف في الصالون، رآها عند النافذة تسترق النظر باتجاه الشارع من خلال الستارة المسدلة، شاهد سيارتين عسكريتين تقفان في طرف الشارع بعيداً عن مدخل البيت وجنوداً يتحركون. بدأ الطرق الشديد على الباب، اتجه نحو الباب وفتحه، فاندفعوا إلى الداخل، ضابط المخابرات الذي اعتقله في أكثر من مرة كان على رأسهم، طلب بطاقة هويته، ثم بدأوا بتفتيش البيت. كانت تراقب ما يحدث صامتة. اقتربت منه "ولا يهمك يمّا، أنت رجل، خليك قوي".

انتهى التفتيش، أخذوا بعض الكتب، واقتادوه خارج البيت، وضعوا القيود في يديه، تبعتهم ووقفت في الباب تردد "الله معك"، ثم لحقت بهم إلى الشارع غير عابئة بكلام الضابط الذي يصرخ عليها ويطالبها بالعودة إلى البيت.

صورتها وهي تقف وسط الظلام كأنها تمثال من الصخر لا يتحرك، وصوتها يخترق هدوء الليل "الله معك، أودعتك للي ما يخون الودايع". الصورة ما زالت مرسومة في رأسه المعصوب بشدة بقطعة القماش التي تغطي عينيه، وصوتها ما زال يتردد على مسمعه مع مسحة الألم التي تحاول إخفاءها، الصورة والصوت رافقاه وهو ملقى على أرض السيارة العسكرية بين أرجل الجند.

هدأ صوتها في أذنيه وهم ينزلونه من السيارة، اقتاده أحدهم، شعر بأنه يدخل مبنى من الدرجات التي صعدها. هدأ الصوت كأنه استجاب لرجائه، يريد أن يلتقط أية كلمة من هنا وكل همسة من هناك يتبادلها الجنود ليعرف أين هو أو ما الأمر، أهو اعتقال للتحقيق أم اعتقال "احترازي" كما يدعون هذه الاعتقالات التي تجري في المناسبات وعندما يشعر المحتلون أن هناك تحركاً محتملاً. عندما أوقفوه في الزاوية وخلعوا العصبة عن عينيه، عرف المكان، إنه مقر الحكم العسكري. الجندي المناوب على مكتب "الأحوال" يتثاءب، لا أمل في التقاط كلمة أو التسمّع على طرف حديث هاتفي. القناة في ذهنه انفتحت مرة أخرى على صورتها وصوتها، تخيّلها ما زالت تقف في وسط الشارع تملأ الفضاء بقامتها المرسومة على خلفية الظلام المضاء ببعض النور المتسرب من شباك الطابق العلوي لبيت الجيران الذين ربما كانوا يختلسون النظر إلى ما يجري.

الصورة التي بقيت إلى جانب الصوت قبل أن يعصبوا عينيه ويلقوه في أرضية السيارة صارت الحرز الذي سيحميه من كل سوء ينتظره، ركز على الصورة والصوت اللذين انتصرا على الوحدة في بهو المدخل ومن ثم غطيا على الغناء النشاز للجندي المناوب، غناء لم يفهم من كلماته أية مفردة رغم رصيده من الكلمات العبرية التي التقطها من حياة الاعتقالات المتكررة. بادلها الصوت بالصوت: لا تخافي أنت معي أخفيك في صدري كي لا يطردوك من هنا.

استعداداً للقادم أزاح كل الأفكار التي كانت تدور في رأسه، وأبقى على "خليك قوي" التي كانت تتردد بصوتها مجدولة مع مقطع من قصيدة أحمد فؤاد نجم التي تستدعيها ذاكرته عند كل اعتقال، ’وانتهى الحلم الجميل… وابتدا الهم الثقيل‘ وأتبعها ’ما تخافيش، ما تخافيش‘.

 

 

 

 

قصة قصيرة

ثلثي المشاهدة

د.سامي الكيلاني

جلس على برشه قبل موعد العدد المسائي، في هذا الوقت تكشف الصحراء في هذا المعتقل العسكري الصحراوي عن جمالها، سماء صافية وشمس الأصيل ترسل أشعتها، يتلون الشفق بالبرتقالي على خلفية السماء الصافية، لكن الجمال الذي يتلوه، السماء المرصعة بالنجوم تغتاله أضواء الكشافات المحيطة، مرة واحدة ظفر بذلك الجمال حين انقطعت الكهرباء فجأة وانطفأت الكشافات، كم كان منظر السماء رائعاً، خاصة مع الهدوء الذي خيّم على الخيام، يبدو أن الدهشة وجمال المنظر قد جعل الجميع يصمتون ويحدقون في صفحة السماء التي تزينت بقناديل النجوم، لم يدم الأمر يومها لأكثر من دقيقتين. تذكر تلك الأيام التي كان فيها طليقاً، كان يحب السفر، تذكر رحلاته القصيرة أيام الدراسة الجامعية مع ثلة من زملائه، وتلك الليلة حين خيموا في المدينة الساحلية، لم تكن السماء بذلك الجمال لأن أضواء المدينة كانت تنتشر في الأفق. ليته خيّم يوماً في الصحراء ليتذوق هذا الجمال دون منغصات الاعتقال ودون الكشافات المبهرة التي تملأ أضواؤها الفضاء.

هذا الوقت بعد الجلسة المسائية للرفاق في خيمته وقت مفتوح للانفراد بالنفس، وكأن هناك اتفاقاً غير مكتوب أن يخلو كلٌّ إلى نفسه ويسرح في عالمه الخاص الذي يستحضره من ماضيه، ومن صور العائلة، ومن ذكريات المدينة أو القرية أو المخيم. المدخنون يدخنون سجائرهم التي وفروها من السجائر القليلة التي يحصلون عليها من إدارة المعتقل، والبعض يرتشف معها بعض القهوة التي وضعها جانباً من قهوة الصباح. أما هو فلا يدخن، يتبرع بحصته من السجائر للمدخنين النهمين ويحاول أن يكون عادلاً في ذلك. يستغل هذا الوقت كما يستغل وقت الصباح الباكر للقراءة إن وجد كتاباً أو لكتابة خاطرة أو قصيدة أو قصة قصيرة أو مقالاً ليوزع على الرفاق في هذا القسم والأقسام الأخرى. لكنه سيكون هذا المساء مشغولاً، ولن يخلو مع نفسه طويلاً. عليه أن ينسخ نسخة أخرى من مقال اليوم لأن الرفيق الذي قذف الرسالة بين القسمين خانته يده فقصرت القذيفة وسقط الكيس الذي يحمل الرسالة، مربوطة إلى حجر، بين الأسلاك الفاصلة بين القسمين. كيس بلاستيكي وحجر يحملان المادة المكتوبة ويطيران بها فوق الأسلاك التي تفصل قسمه عن القسم المجاور، وستعبر منه إلى الأقسام الأخرى. مهمة الإرسال تسند لذوي العضلات والمتدربين على رمي الحجارة. عاد الرفيق الرامي إلى الخيمة بخجل ليقول بأن رميته قد قصرت وأن الرسالة سقطت عند طرف سور الأسلاك الشائكة المحيط بالقسم المجاور. هوّن الأمر عليه حتى لا يشعر بالذنب "لا شيء مهم في الرسالة، مجرد تحليل سياسي، سأعيد نسخها، ونحاول مرة أخرى". اقترح عليه الرفيق أن ينسخها بدلاً منه، فمازحه ليخرجه من حالة الشعور بالذنب "ومن سيحلل خطك اللي مثل خرابيش الجاج".

لم يكد ينتهي من نسخ المقال حتى جاءه أحد الرفاق يطلب منه أن يساعده في كتابة رسالة إلى خطيبته، "أنا أقول لك أفكاري وأنت تكتبها بعبارات جميلة وبخطك الجميل". ابتسم في وجهه موافقاً. فكّر، الخط الجميل مصيبة على صاحبه، مهارة تتعب صاحبها في السجن، يلزم لكتابة الرسائل ولاستنساخ الدفاتر التثقيفية والتعاميم، كما الرسم، الكل يريدون من صديقه الرسام أن يزين لهم رسائلهم، لكن الرسام أصبح يرسم رسوماً محدودة في زاوية الرسالة وينهيها بسرعة، يحفظها عن ظهر قلب، أما هو فماذا يفعل؟ جلس صاحب الرسالة إلى جانبه، كانت أفكاره قليلة، فكتب بخط كبير ليملأ أكبر مساحة في صفحة الرسالة، وسلمه إياها. عاد في ذاكرته إلى أيام طفولته حين كان يتفنن في كتابة الرسائل لنساء الحي اللواتي يقصدنه ليكتب لأبنائهن المغتربين، كنّ يطلبن من أبنائهن أن يستمروا بالمراسلة ويؤكدن لهم "أن الرسالة ثلثين المشاهدة". كان يبدأ الرسالة بعبارة "سلام سليم أرق من النسيم على قلب العليل" ويتبعها بعبارة "إن سألتم عنا فنحن بخير ولا ينقصنا سوى مشاهدة أنواركم البهيّة"، ثم ما تريد الأم قوله. وبعد أن يتم الرسالة يقرؤها على مسمع صاحبتها ليستمتع بإطرائها ودعواتها.

بعد أن أنهى رسالة الرفيق إلى خطيبته، قرر أن يكتب الجزء الأخير من رسالته الأسبوعية، غداً سيجمعون الرسائل لإرسالها. الرسالة في ظل الحرمان من الزيارة تشكل تعويضاً مهماً، ضحك وأكد لنفسه أيضاً "فعلاً، الرسالة ثلثي المشاهدة". قرر هذه المرة أن يكتب في الجزء المتبقي من صفحة الرسالة لصغيرته. طلب من صديقه الرسام أن يرسم له شيئاً بعد أن استطاع هو أن يرسم فراشة صغيرة، فرسم الصديق صورة لحنظلة وهو يحمل زهرتين. كتب لها

"حبيبة بابا، سلامات لك ولماما، إن شاء الله إنك مبسوطة وبتروحي على الروضة دائماً، انبسطت كثير على الكلمات اللي كتبتها بخطك في رسالة ماما، ظلي اكتبي. هاي صورة ولد اسمه حنظلة رسمها صديقي الرسام، هذا حنظلة ولد فقير وشاطر كثير، وهاي الفراشة حلوة وتحب الأزهار، تطير في الربيع من زهرة لزهرة، أنت كذلك فراشة حلوة، فراشة شاطرة، لما بكتب لك كأني بشوفك، وأنت لما تقرأي الرسالة كأنك بتشوفيني، مش هيك؟ باي باي، وهاي بوستين، ثلاث من بابا".

على الوجه الآخر من الرسالة كتب اسمه ورقمه الاعتقالي 16093، كما تقضي تعليمات السجان، وطواها.

 

 

 

قصة قصيرة

انثروا الطيبة

الدكتور سامي الكيلاني

 

يوم مشمس، نعم، ولكن النشرة الجوية على شاشة التلفزيون تقول بأن هذه الشمس مخادعة، درجة الحرارة عشر درجات تحت الصفر وستصبح على جلده، كما يقول الرقم الآخر على الشاشة، سبع عشرة درجة مئوية بسبب تأثير الرياح. تذكر زميله الذي وصل المدينة ونزل عند أصدقائه، عندما رأى الشمس ساطعة في السماء ارتدى قميصاً بكم قصير ليخرج ويستمتع بهذه الشمس، وعند الباب رأته سيدة البيت، فتعجبت مما تراه، وقبل أن تتمكن من إيقافه أو تحذيره كان قد خرج من باب البيت، أغلقت الباب خلفه ووقفت تنتظر، ما أن وصل طرف الشارع أمام البيت حتى ارتد كمن لسعته أفعى، رن جرس الباب وبدأ بطرقه بشدة، تباطأت في فتحه، فتحت له الباب، كان أفراد الأسرة في الصالون، انفجروا ضاحكين، وصارت قصته تروى في كل مناسبة. مضى على ذلك الحادث ثلاث سنوات. صديقه هذا عاد قبل أيام من زيارة للوطن يحمل معه هدية له من والدته، وسيحضر هذا اليوم من المدينة التي انتقل إليها ليلتقيه ويسلمه الهدية، اتفقا أن يلتقيا في محطة الحافلات الرئيسية حيث سيصل بعد ساعة ونصف.

أعد قهوة الصباح في الغلاية الكبيرة من البن المتبقي، لم يقتصد في استعمال البن لأن هدية الوالدة لا بد أن تحتوي كمية جيدة من البن. تخيل والدته حين تذهب إلى المحمص الذي تتعامل معه منذ سنوات وتطلب منه كيلوغرام من البن بنسبة الثلث محروقة، وأن يوزع الكمية على أربعة أكياس وأن يحكم إغلاقها وتشميعها كالعادة للسفر. اجتاحته مشاعر الحنين لها وللبيت، طالت غيبته هذه المرة، أخذته الحياة هنا، دراسة وعمل. انتبه لفوران القهوة قبل أن تنسكب، رفعها عن النار واتجه إلى الكرسي الموضوع قرب النافذة، وأعطى نفسه حقها في الاستمتاع باحتساء فنجانين قبل أن ينطلق إلى لقاء صديقه.

بمجرد خروجه من باب العمارة شعر بشدة البرد على وجهه، هذه المشكلة التي لا حل لها في مواجهة هذا البرد، خاصة البرودة الزائدة الناجمة عن الريح، أجزاء الجسم الأخرى يمكن حمايتها جيداً وإن تسلل إليها البرد فإنه يكون محتملاً. الريح والبرد أنزلا دموعه، فقرر التراجع عن خطته بأن يسير كامل المسافة حتى موقف الحافلات في الهواء الطلق. "أي هواء طلق هذا؟" حدث نفسه، وقرر أن يجزئ المسافة، يمشي نحو المجمع التجاري (المول) الضخم القريب ويدخل من بابه الجنوبي ويقضي بعض الوقت فيه ثم يخرج من الباب الشمالي، ويسير المسافة القصيرة المتبقية إلى الموقف. غطى ما يمكن تغطيته من وجهه وغذّ السير محاذراً الانزلاق على الثلج المتراكم. دلف المدخل واستقبلته دفقة هواء دافئ شعر بها تزيح طبقة من البرد العالق على وجهه، خلع المعطف الثقيل والطاقية وتفقد الوقت، يمكنه قضاء ثلث ساعة هنا في الدفء ويخرج بعدها ليصل الموقف مع موعد وصول صديقه.

مشى على مهله، يتوقف أمام بعض الواجهات دون هدف. ووصل الفسحة الكبيرة التي تتوسط صفوف المحلات في الجناح الجنوبي من المول. طاولة مغطاة بغطاء ملون مزركش تتدلى منها أشرطة ملونة، وعليها مجموعة من السلال الصغيرة الملونة المليئة بقطع صغيرة متنوعة من الشوكلاتة والسكاكر الملفوفة بأوراق وقطع سولوفان ملونة. تقف إلى جانب الطاولة سيدة خمسينية كما قدّر وشابة عشرينية. السيدة الخمسينية تدعو المارة لتضيفهم مما على الطاولة وتعرض عليهم كتابة كلمة أو جملة قصيرة على قصاصات ملونة على أشكال دوائر ومربعات ومثلثات يتدلى من كل قصاصة خيطاً، بعض من كانوا حول الطاولة كتبوا كلمات وعلقوا القصاصات على هيكل خشبي يشبه شجرة، لتتدلى الأوراق على أغصان الشجرة. الشابة العشرينية منشغلة بالكتابة على لوح أسود محمول على قائمتين، تحمل بيدها صندوقاً صغيراً فيه طباشير بيضاء وملونة، وعلى الوجه المقابل للوح كلمات وعبارات مكتوبة داخل إطارات مشكلة في جزء من مساحة اللوح، محت بعضها وعدّلت عليه. وقف يراقب حركاتها واندماجها في عملها، انتبهت له، بعد أن أنجزت آخر عبارة ورفعت يدها عن اللوح، سألته إن كانت العبارات تعجبه. اقترب منها ومن اللوح يتفحص الكلمات والعبارات، وكأنه يجري فحصاً قبل أن يصدر حكمه، ثم نظر في وجهها المبتسم ورفع قبضته وإبهامه إلى أعلى مثنياً على عملها ومضيفاً "عمل رائع، عبارات رائعة، شكراً". اتسعت بسمتها وتقدمت من الطاولة ودعته ليضيّف نفسه، تناول قطعة سكاكر وشكرها. تحرك نحو اللوح ليرى الوجه الآخر، كانت هناك خطوط وأشكال مرسومة بالطباشير الملونة دون كتابة، سألها "ماذا ستكتبين على هذه الجهة من اللوح"، ردت بضحكة خفيفة "كن صبوراً، وستعرف عندما أفرغ من ذلك". هز رأسه "جيد، ليكن، سأذهب وأعود لأرى، سأخمن وآمل أن يكون تخميني صحيحاً أو معقولاً"، تصفح العبارات المكتوبة بالأبيض على الوجه الآخر للوح عسى أن يخمن ماذا سيكون على الوجه الملون، عبارات: أنت رائع، سلام، كن طيباً، أنت محبوب، احترام، اللطف جميل، كن مُلهِماً، ومجموعة من القلوب المتداخلة والوجوه المبتسمة. قال لها: رائع، سأخمن وأعطيك الجواب حين أعود. سألته "ألا تريد أن تكتب على ورقة وتعلقها على الشجرة؟"، رد "سأفعل ذلك عندما أعود ومعي تخميني عمّا ستكتبين على الجهة الأخرى من اللوح"، ردت "أوكي، دعنا نرى".

انتبه للوقت، كأنه قد صمم الأمر بحساب دقيق، انقضت فسحة الثلث ساعة. سارع نحو المدخل الشمالي للمجمع التجاري. عند المدخل أعاد ارتداء المعطف الثلجي ووضع الطاقية على رأسه وخرج ليضرب وجهه الهواء الثلجي، لكن بقايا الدفء خففت من أثره. قطع الشارع ودخل مبنى محطة الحافلات، واتجه إلى الرصيف الذي ستقف عنده الحافلة التي تقل صديقه. وصلت الحافلة في الوقت المعلن، استقبل صديقه ودلفا سريعاً إلى المبنى. انهمرت أسئلته عن البلد وعن العائلة والأصدقاء، استوقفه صديقه "دعني أتنفس، لنجلس في مكان قريب وسأحدثك، خذ الأمانة أولاً" وناوله الحقيبة التي يحملها. رد محتجاً "لماذا في مكان قريب، سنذهب إلى البيت ونشرب قهوة ونأكل معاً، أنا لم أفطر حتى الآن". اعتذر صديقه بأن عليه العودة سريعاً في الموعد القادم بعد ساعة، فاقترح بدلاً من ذلك أن يجلسا في أحد محلات الوجبات السريعة في المول لشرب القهوة وتناول فطور خفيف.

ما أن دخلا المول حتى توقف وفتح الحقيبة، علّق صديقه "مستعجل، ما عندك صبر؟"، أجاب ضاحكاً "طبعاً"، ووقف في الزاوية وأخرج ثلاث علب من الحقيبة، فتح الأولى "الله! يسلم إيديك يا أمي، القهوة المطلوبة"، ثم فتح الثانية "واو، زعتر"، ثم بدأ بفتح الثالثة المغلقة بإحكام بواسطة طبقة من البلاستيك فوقها شريط لاصق طولاً وعرضا عدة مرات "وكمان معمول، يا سلام". انتبه لصديقه الذي كان يراقبه مندهشاً، رد على اندهاشه "مستغرب؟ بطلع لك، إنت رحت وزرت أهلك والبلاد، نيالك. بعد الفطور نشرب قهوة ومعها حبة معمول بدل المافن".

ودّع صديقه عند المدخل الشمالي للمول، بعد أن شدد الأخير رفضه أن يوصله إلى الموقف في هذا البرد "ما في داعي، في الإجازة القادمة سأزورك وأقضي عندك يومين"، رد "إذا هيك، ماشي الحال، اتفقنا". حمل الحقيبة بيد والمعطف الشتوي باليد الأخرى ومشى باتجاه المدخل الجنوبي للمول ليعرّج على المعرض الصغير حيث سينقل تخمينه للصبية. راودته نفسه أن يغش، أن يقترب بحيث يرى ما كتبت بالألوان على الجهة الأخرى من اللوح ومن ثم سيغير الجواب الذي اختاره، سيغير فيه قليلاً ليكون قريباً مما كتبت، لكنه زجر نفسه قبل الاقتراب من المكان واتخذ اتجاهاً يضمن منه ألاّ يرى الوجه الملون للوح. وصل، كانت السيدة الخمسينية لوحدها عند طاولة المعروضات، وقف يتأمل العبارات مرة أخرى ليمضي بعض الوقت عسى أن تعود الشابة إن كانت قد ذهبت لأمر ما. بادرته السيدة الخمسينية "أهلاً، ها قد عدت، زميلتي اضطرت للمغادرة، اتفقتما على أن تخمن ما سيكتب على الوجه الآخر للوح، أليس كذلك". هز رأسه موافقاً وسأل "هل ستعود قريباً"، أجابته "لا، للأسف، لن تعود لبقية اليوم، ممكن غداً، يمكنك أن تخبرني تخمينك". فكّر لوقت قصير، كان يرغب أن يراها وأن يخبرها بتخمينه وينتظر "برافو" من فمها وعينيها، لكنه قرر أن ينقل التخمين للسيدة الخمسينية، قال "أعتقد العبارة ستكون: حبٌّ وسلام في الأرض"، شكرته السيدة الخمسينية "شكراً، عبارة جميلة، لكنها تقليدية، أليس كذلك؟ الآن انظر على الوجه الآخر للوح. وقف يتأمل العبارة والرسومات الملونة حولها "انثروا الطيبة مثل الكونفتي"، عاد إلى السيدة "من فضلك، وما الكونفتي؟"، أجابته "أوراق ملونة أو قطع سكاكر ملونة ننثرها تعبيراً عن الفرح". أجاب "شكراً، وفي بلادنا يا سيدتي ننثر بتلات الأزهار أو قطع السكاكر في الفرح، وأحياناً ننثر حب الرز على رؤوس الناس احتراماً وتقديراً". اقترحت عليه أن يكتب عبارته على ورقة ويعلقها على الشجرة الخشبية التي زادت الأوراق المعلقة عليها عمّا كانت عليه في المرة السابقة، اختار ورقة على شكل دائرة بلون لازوردي ولكنه لم يكتب العبارة، كتب كلمتي حنان وأمومة بخط كبير يملأ مساحة الورقة وعلقها. دعته مرة أخرى ليضيّف نفسه، أخذ قطعة سكاكر من كل لون، وشكرها. مضى نحو المدخل الجنوبي للمول يفكر بالشابة التي لم تنتظر جوابه، خاطبها "ليتك بقيت ووجدتك لتنثري طيبتك نظرات وابتسامات، فنحن نقول في ثقافتنا: تبسمك في وجه أخيك صدقة، والصدقة طيبة".

ارتدى المعطف الثلجي، ووضع الطاقية على رأسه وخرج من المدخل الجنوبي للمول، صفعته الريح، كانت باردة جداً، أبرد مما كانت عليه قبل دخوله المدخل الشمالي.

 

قصة قصيرة

عصير ليمون

د.سامي الكيلاني


تبتلعه الفقاعة، وتتعلق في الفضاء فوق المعسكر، يصبح المعسكر المعتقل غارقاً في سكون يلفه كما تلف الفقاعة ساكنها، شعر أن هذا المكان يمتص روحه في هذه الساعة بغض النظر عن أي اسم يحمله، معتقل النقب الصحراوي، معتقل كتسعوت بلغة السجان، معتقل أنصار 3 بلغة المعتقلين. سكون يتبعه اختفاء تدريجي لكل شيء، فقاعة أخرى تمتص تدريجياً الخيام والساحة وسياج الأسلاك الشائكة وأبراج المراقبة والجنود المدججين بالسلاح حول ساحة الخيام، وتلتهم حتى أعمدة الكشافات الضوئية. كل شيء خارج الفقاعة يصبح كتلة من اللاشيء يلفها السكون. يسكن الفقاعة طافياً في فضائها، أمواج ترفعه عالياً ليحلّق على جناح الأمل والتفاؤل لحظة، ثم تأتي أمواج أقوى تلقيه في أغوار من التشاؤم.

تتملكه هذه الحالة مع اقتراب موعد انتهاء فترة الاعتقال الإداري، هل سيخرج من هنا أم سيجددون اعتقاله لفترة أخرى؟ وماذا يكلفهم التجديد أكثر من توقيع قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، كل يحتاجه الأمر قلب أسود حاقد وتوقيع على أمر جديد. نفض عن نفسه موجة القلق والتشاؤم التي هاجمته، وما أن لاحت له خيالات الصورة الأخرى حتى تمسك بها بقوة، ألقى نفسه في مياه التفاؤل. انفتحت الصورة البهية المأمولة، تمسك بها، عمل كل ما باستطاعته ليبقى فيها. يرى نفسه حراً يمارس يعانق زوجته وأطفاله، يغذي الصورة بتفاصيل، يمارس هوايته بالاستيقاظ مبكراً يوم العطلة الأسبوعية والانطلاق لإحضار الفطور التقليدي، يمشي في شوارع البلدة القديمة ويتسوق من محلاتها، ويستنشق الروائح التي تملأ أجواءها، تختلط الرائحة المنبعثة من حانوت العطار مع رائحة الخضروات الطازجة والنعناع من بسطة الخضار المجاورة، برائحة الخبز الطازج من الفرن المقابل. يعود بسيارته التي تركها عند مدخل البلدة القديمة إلى البيت ويجلسون حول مائدة الفطور.

تنغلق الصفحة، ينتعش الأمل بعدم تجديد الاعتقال الإداري لفترة أخرى. تضيق المسافة بينه وبين الأحباب، المسافة الكبيرة بالجغرافيا والتي تزداد في بعدها بمنع الزيارة عنه، تلك المسافة تتقلص، تصبح في تلك اللحظة صغيرة أمام الصور التي تفتحت في ذهنه حية للزوجة والأطفال. انفجرت الفقاعة، خرج من تحليقه في ذلك العالم الجميل ليسمع الأصوات التي تملأ المكان حوله. خيمته تضج بالنقاش الجديّ بين بعض الرفاق في الزاوية الجنوبية من الخيمة، وتضج بضحك متواصل من مجموعة أخرى في الزاوية الشمالية من نكتة أطلقها الأرنب، هكذا ينادي سكان الخيمة عبد الرحيم، ورغم إلحاحهم عليه يظل يؤجل وعده لهم بأن يخبرهم عن سبب هذا اللقب الذي يُعرَف به أكثر من اسمه.

عاد إلى عالم الواقع، الساعة الحادية عشرة، ساعة اشتداد الحر ووصول الأرواح الحناجر من شدة هذا الحر الذي لا تحمي الخيام ساكنيها منه أو من أخيه البرد ليلاً، لكن الجو هذا اليوم رحيم نسبياً، تمر غمامة تحجب الشمس أو تخفف وطأها، وتهب نسمات منعشة وكأن المكان ليس من الصحراء. أنعشته النسمات، ولكنها لم تستطع أن تخلق عنده رغبة في عمل شيء، لا يرغب في الحديث مع أحد، ولا الانضمام إلى النقاش الجاري في الزاوية الجنوبية رغم رغبته في الرد على مغالطات إبراهيم الذي يفتي في الفكر الماركسي كما يفتي الشيوخ في الأمور الدينية. قبل يومين كان الجو أسوأ من هذا بدرجات، كان "ثقيل الدم" بكل ما تعنيه الكلمة، ورغم ذلك كان يتمتع بحيوية ونشاط أفضل منهما الآن. أقنع نفسه بأن الواحد يستيقظ أحياناً كسولاً مصاباً بملل لا يدري سببه وأن ذلك سيزول بالتأكيد. كانت هذه الفكرة البسيطة بوابة العودة إلى التفكير بشيء مفيد، كانت بوابة الخروج من الآثار التي صنعها التحليق في الفقاعة. قرر أن يجعل بوابة الخروج تفضي إلى بوابة ستساعده على إنهاء هذه الحالة، قرر أن يكتب لها رسالة يشرح فيها وضعه منذ الصباح، إنه بحاجة إلى قلب محب يستوعب ما سيخرج من قلبه المتعب. تناول نموذج الرسالة الفارغ الذي توزعه إدارة المعتقل على المعتقلين بمقدار. تناول القلم الرصاص وتناول قطعة الخشب التي يستعملها كمسطرة ليسطّر صفحة الرسالة حتى تستوعب أكبر كمية من الكلمات، وحتى تكون رسالته مرتبة، هو يحب الترتيب وهي تحبه أكثر.


كتب "كل الحب والأشواق، وأحر القبلات عبر هذه المسافة الكبيرة الصغيرة التي تفصلني عنكم. آمل أن تكونوا بخير".

توقف وهو يرى جمله قصيرة متقطعة، لا بد أن هذا سيقلقها، ستفهم أنه ليس على ما يرام، تنفس بعمق وقرر أن يخرج نفسه نهائياً من هذا الوضع، قرر أن يتحدث إليها، الحديث الدافئ حتى لو كان على صفحة رسالة، قد تصل بعد خروجه، كفيل بذلك. استأنف الكتابة.

"استيقظت هذا الصباح كسولاً يسيطر عليّ الملل، وقعت أسير سرحان أخذني بعيداً وكان تأثيره سيئاً عليّ إذ جاء على خلفية هذه البداية، حاولت أن أشغل نفسي بشيء، قرأت صفحات قليلة من رواية ثم تركتها، سيطر عليّ الملل، رزحت تحت ثقل الروتين، أشعر بحاجة للتغيير، بحاجة لشيء يشدني من هذه الحالة، لست ضد السرحان، ولكن حين يأتي على خلفية مثل هذه فإنه يكون متعباً، أما حين يأتي على خلفية الأمل والتفاؤل فإنه يكون فواراً بالألوان الزاهية، يكون منعشاً مثل كأس عصير الليمون الذي تصنعينه لي واستمتع به حين أعود إلى البيت من يوم عمل طويل ومتعب، أشربه وأسترخي، الله، الله على ذلك الكأس كم أشتاق إليه".

شعر أن الحديث عن عصير الليمون البارد وعن العودة إلى البيت بعد العمل قد وسّع بابه المنشود للخروج من وضعه. اندمج أكثر ولاحظ أن عباراته صارت أرشق وأكثر حيوية. استقبل نسمة جاءت من طرف الخيمة الشمالي المرفوع حتى المنتصف، استقبلها بترحاب. توقف قليلاً عن الكتابة، وقرر أن يتصفح الصور والرسائل التي تجمعت لديه منذ أن أصبح وصول الرسائل التي تحتوي الصور ممكناً، بعد فترة طويلة من الحرمان من هذه النعمة. أخرج الصور وألقى على الوجوه التي يشتاق للقائها تحية الصباح، تواصل مع الصور، تواصل معها ومع الأطفال. قرأ للمرة التي لا يعرف تعدادها مقاطع من الرسائل، وعاد ليكتب.

"المهم، قلت لنفسي أن أفضل السبل لمحاربة هذا الملل وقهره هو أن أصبّح عليكم، أخرجت الصور، وصبّحت عليكم، صبّحت عليك وأنت تظهرين في الصور وكأنك لا تقصدين الظهور، وكأن الصور للأولاد ولا تعنيك، يجب أن تستعدي للصورة، تعلمي من هذه البنت الماهرة التي تعرف كيف تستعد للصورة عند الأزهار وعند النافورة، بنتنا ستصبح فنانة، أما الصغير فصوره رائعة، وأروعها صورته مع تلك الضحكة المشرقة وصورته وهو يصفق بيديه وقدميه. فعلت الصور فعلها، وقرأت بعض الرسائل ففعلت هي الأخرى فعلها. اللقاء معكم في الصور والرسائل ومن خلال كتابة هذه الرسالة بدّد الملل، بدأت أشعر بذلك، كأنني شربت من يدك عصير الليمون الطازج المميز. الشباب في الخيمة يقتلون الملل بلعب طاولة الزهر أو الدومينو، بالنسبة لي القراءة أفضل الطرق لكن ليس لديّ ما أقرأه الآن. أشعر بأنني بحاجة إلى الجلوس مع الشباب والمشاركة في النقاش الدائر. أنا الآن أفضل. سأعود للكتابة، ما زال في الرسالة الكثير من الحيز. وما زال لدي الكثير لأكتبه، قد يتطور الأمر إلى قصيدة جديدة. إلى اللقاء مع قبلاتي، قبّلي الأطفال عني".

طوى الرسالة بحرص ووضعها في الكتاب، اتجه نحو حلقة النقاش في الجهة الجنوبية من الخيمة واقترح عليهم الانضمام إلى مجموعة الجهة الشمالية "يكفي نقاشاً، خلونا نضحك وننبسط".

 

 

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا